1264 مصطفى جوادبكل فخر واعتزاز نستذكر هذه الايام بمرور خمسين عاما على رحيل أيقونة العراق الموسوعية وحارس اللغة العربية العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي أغمض عينيه بتاريخ (17 /12/ 1969) وغاب جسده الطاهر وصار ترابا عند رب كريم ولكن صوته الرخيم ما زال يصدح في الأجيال ب (قل ولا تقل) على الرغم من اليوبيل الذهبي لرحيله.

لعل من المفيد ان نشير هنا وبهذه المناسبة الى معلومات قد تكون جديدة عن فترة ايفاد د مصطفى جواد الى إنكلترا لتدريس الملك فيصل الثاني اللغة العربية حينما كان يدرس في احدى المدارس الإنكليزية في لندن والتي وردت في سياق مذكرات الدبلوماسي الراحل نجدة فتحي صفوة (الأدب والدبلوماسية في حياة نجدة فتحي صفوة) الذي كان يعمل ضمن طاقم السفارة العراقية في تلك الفترة، ولكن قبل التطرق الى هذه الذكريات نجد لزاما علينا أمام الأجيال الشابة التذكير بقليل من كثير مما قيل او كتب عنه من قبل كبار العلماء والمفكرين والكتاب باجمل الكلمات واروع الاوصاف التي تليق بعاشق العراق الذي قال عنه النحات الراحل محمد غني حكمت :

- ( ابالغ اذا قلت .. مصطفى جواد جعلني أعشق العراق أكثر، وهو عاشق كبير للعراق، فقد تعلمت منه كيف احب العراق).

فيما يصفه رئيس المجمع العلمي العراقي الاسبق الراحل الدكتور عبد الرزاق محي الدين :

- (مصطفى جواد رجل في مجمع ومجمع في رجل .. لقد أولدك العراق فكنت من انجب ابناءه راعيا لطامس اثاره وكاشفا عن دارس اخباره وتبنتك العربية فكنت من اكرم ابنائها برا بها وحدبا عليها بل كنت من صفوة الصفوة ولب اللباب).

وكتب عنه العلامة الراحل د حسين علي محفوظ

- (كان مصطفى جواد مرآة تاريخ بغداد، ومرآة خطط بغداد ويعد من فلاسفة النحو العربي، وهو من أعلام المؤرخين وأكابر المحققين. لا بل هو في الطراز الأول في العربية والتحقيق والتاريخ، استاذ الكل واليه تنتهي المعرفة في اللغة والتاريخ في عصره) .

عن تميز شخصيته تحدث زميله شيخ الوثائقيين العراقيين الراحل د. سالم الألوسي قائلا :

- (لم تجتمع في اي شخصية عراقية، كما اجتمعت فيه هذه الصفات كمؤرخ وأديب وعالم في اللغة وعالم في الفلكلور، وعالم في البلدانيات .. هذه هي التي ميزت مصطفى جواد وجعلته مميزا من بين الشخصيات العلمية والأدبية ليس في العراق فحسب وانما على مستوى الوطن العربي.. لم يلمس اي فرد من اصدقائه ومحبيه اي ميل الى اي طائفة، المسيحيون يحبونه،اليهود،الشيعة، السنة، الأكراد يدينون له بالإكبار، وبالإعجاب المطلق، لأنه يمثل الشخصية الوطنية العراقية).

في حين يصفه الراحل الدكتور علي جواد الطاهر بالكنز الضائع !:

- (أمّا مصطفى جواد فليس كنزاً بهذا المعنى المادي، وبهذا المفهوم الضيّق، إنّه كنز ضاع دون أن يستثمر، وتبدد قبل أن يستنفد. لقد ذهب الرجل وذهب الكنز معه، ولا يمكن في هذه الحال ردّ الفائت وتعويض الخسارة).

مصطفى جواد في مذكرات الدبلوماسي نجدة فتحي صفوة ..

في مذكراته " التي نشرها شقيقه نجيد فتحي صفوة مؤخرا يشير الدبلوماسي الراحل نجدة فتحي صفوة الى دماثة الخلق والشخصية اللطيفة والتميز بعذوبة الحديث وروح النكتة والتعليقات الذكية عند مصطفى جواد حيث اذ يقول في سياق مذكراته :

- ( توطدت علاقة الدكتور مصطفى جواد مع موظفي السفارة لكثرة تردده عليهم حيث كان يقضي معهم سويعات يمتعهم فيها بأحاديثه وتعليقاته الذكية، فاذا انتهى الدوام خرجوا معا لتناول الغداء في احدى المطاعم .... كنت حينها قد انتميت الى معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن وشرعت في اعداد أطروحة في أدب المهجر فصرت انتهز فرصة زيارة مصطفى جواد لنا لأطلعه على ما اكتبه من فصولها وافيد من ملاحظاته وآرائه .. وخلال الأيام التي يزور فيها السفارة كان يقف وسط الغرفة، او يقطعها جيئة وذهابا بخطوات قصيرة ويقف أحيانا متكئا على احد المكاتب، فيحدثنا حديثا عذبا في شأن من شؤون الأدب او في احداث العالم، ويقارنها بما يماثلها من احداث التاريخ مستخرجا من العبر او يعود للحديث عن السياسة او يطلق عليها النكات التي كانت طابعه الملازم في حديثه، الا انه لم يضمنها كتاباته - مع الأسف – اذ اتسمت بالجد ولم تنعكس شخصيته اللطيفة عليها، من جملة ذلك تعليق لطيف اطلقه د مصطفى جواد اثر حادث وقع لفراش إنكليزي ووكر وكان هذا حريصا على واجبه وجم الادب صباحا، ولكنه مدمن على شرب الخمر مساء، مما اودى بصحته وان لم يخل بعمله ..وبينما كان الدكتور مصطفى جواد في زيارتنا ذات يوم، علمنا بأن ووكر سقط فاقد الوعي في الطابق السفلي من مكاتب السفارة، حيث كان يقيم، فهرعت اليه ووجدته ممددا ارضا بقامته الطويلة، وقد اصفر وجهه وجحظت عيناه وكانت زوجته الى جانبه تبكي،عندها تذكرت أن الدكتور" ماكس ماكوفسكي" البولوني الجنسية جاء في زيارة للسفير، اذ كان طبيبا للملك الحسين بن علي، ملك الحجاز السابق ثم جاء الى العراق وأصبح من أطباء العائلة المالكة، وكانت له في بغداد شهرة واسعة وتكتظ عيادته الواقعة في شارع المتنبي بالمراجعين، الا انه لم يكن يحسن التحدث باللغة العربية، واسلوبه بالكلام مضحك ولا يفرق بين المؤنث والمذكر ولحراجة الموقف طلبت مساعدته فنزل الى السرداب مسرعا، وعندما عاد قال وهو يهز رأسه " ماتت ..من صك ماتت " بتاء التأنيث وعند سماعي الخبر عدت الى غرفتي متأثرا فوجدت زميليَ احمد كاشف الغطاء وخليل إبراهيم ومعهما الدكتور مصطفى جواد لا يزالون مستمرين بالحديث وسألني الجميع ما الخبر ؟فرويت لهم ما حدث ثم قلت ان الدكتور ماكس يقول انه " ماتت ..من صك ماتت " ويقصد انه مات حقا، فغط الجميع بالضحك لصفة التأنيث، على الرغم من أسفهم لما حدث ...... اما الدكتور مصطفى جواد tقال بنبرته المعروفة : لا تضحكوا كثيرا ! فقد يموت المرء ضاحكا ! وهو ما يردد بالعامية عن الضحك الكثير من الأعماق (يموت من الضحك)! كان ذلك التحذير للتوقف عن الضحك تعليقا نردده كلما نغص بالضحك لنكتة نسمعها ونتذكر من خلالها الدكتور مصطفى جواد..).

الحديث عن شخصية مصطفى جواد يطول ويطول ولا ينتهي في نقطة ولا يتوقف عند حد، لذا أحببت ان اجدد دعوة شيخ المؤرخين العرب الراحل د. حسين امين الى تكريمه من قبل الدولة والشعب قال وهو يصفه :

- (مصطفى جواد عراقي اصيل، رجل صريح، صادق الكلمة، لا يخاف من احد، وصرح انه من قرة تبة، وانه تركماني الاصل الذي جمع بين الاصل التركماني والابداع اللغوي في العربية ذلك الابداع الكبير ..مصطفى جواد النبتة اليانعة، المؤرقة، المثمرة، التي اعطى للعربية الكثير من الابداع والتطوير والازدهار، و يستحق من الدولة ان تكرمه ومن الشعب ان يذكره دائما، لما قدمه للثقافة العربية من علوم رائعة .. شخصية نادرة أنجبته العراق ولا يزال العراق يفتخر بمصطفى جواد، ويعد رمز من رموز العراق الكبيرة).

اليوم وبعد مرور خمسين عاما على رحيله، ترى هل استذكرناه بما يليق بمكانته وقامته العلمية ؟

 زاهد البياتي

 

محمود محمد عليشكلت النضالات التي خاضتها المرأة من أجل الحرية والمساواة جزءً من جميع الحركات الاجتماعية التي تطلع إلي التغيير والعدالة الاجتماعية علي مر التاريخ . النسوية Feminism هي مجموعة من الحركات والايديولوجيات التي تسعي إلي ايجاد حالة من المساواة في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمرأة، وهذه الحركة موزعة حول العالم ويوجد بعض الاختلافات فيما بينها اعتمادا علي الثقافة والمجتمع، والبعض يطلق علي هذا المصطلح كل حركة تدافع عن حقوق المرأة عبر التاريخ ويخص الآخرون هذا المصطلح بحركات القرن العشرين.

وتعد يمني طريف الخولي إحدى رائدات الفكر النسوي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث صدر عام.. كتابها ذائع الصيت" النسوية وفلسفة العلم" علاوة لترجمتها لكتاب " أنثوية العلم- العلم من منظور الفلسفة النسوية ضمن سلسلة عالم المعرفة " الذي يعد علامة مميزة وقلة نوعية تركت بصماتها علي الفكر المعاصر في مصرنا الحبيبة، حيث تكمن أهمية الكتاب في النظر إلي قضية المرأة نظرة فلسفية وجودية، أي أصبح المرأة إشكالية فلسفية في حاجة إلي طرح فلسفي، فاستقت يمني الخولي الرؤية الفلسفية اللازمة لهذا الطرح من أعمال كثيرين من رائدات الفكر النسوي في أوربا وعلي {راسهم سيمون دي بوفوار؛ حيث سارت علي خطاها ومفاهيمها الوجودية عند طرحها لإشكالية المرأة .

ويمني الخولي من مواليد 31 أغسطس 1955 وقد حصلت علي الليسانس الممتازة بمرتبة الشرف من قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1977، وحصلت علي درجة الماجستير في الفلسفة عن موضوع فلسفة العلوم عند كارل بوبر: نظرية في تمييز المعرفة العلمية، تحت إشراف أ. د. أميرة مطر، جامعة القاهرة، عام 1981، وحصلت علي دكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عن موضوع مبدأ اللاحتمية في العلم المعاصر ومشكلة الحرية إشراف أ. د. أميرة مطر، جامعة القاهرة، عام 1985.

وقد تم تعيينها معيدة بقسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1977، ثم مدرسة مساعدة الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1981، ثم مدرسة الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1985، أستاذة مساعدة اعتبارًا من 23 أكتوبر 1991، ثم أستاذة اعتبارًا من 30 يوليو 1999، هي الأن أستاذ فلسفة العلوم المتفرغ بجامعة القاهرة.

وقد أسهمت في نشر الثقافة العلمية وأصول التفكير العلمي والعقلاني بالعشرات من المقالات والبرامج التلفزيونية والمحاضرات العامة، ولها الكثير من الكتب والبحوث العلمية ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :

- العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، القاهرة، عام 2000.

- فلسفة كارل بوبر: منهج العلم، منطق العلم، القاهرة، عام 1989، ط2 2003.

- مشكلة العلوم الإنسانية، 1990، ط5 2002.

- الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية، 1990.

- الوجودية الدينية: دراسة في فلسفة باول تيليش، القاهرة، عام 1998، ط3 2007.

- الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى الحاضر، 1995، ط2 1998.

- بحوث في تاريخ العلوم عند العرب، 1998.

- الزمان في الفلسفة والعلم، 1999.

- أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد، القاهرة، عام 2000.

- فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول الحصاد الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة، 2000.

- أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية، تأليف: كارل بوبر، (ترجمة)، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عام 2003.

- أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، تأليف: ليندا جين شيفرد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2004.

- الثورة العلمية من منظور معرفي، القاهرة، عام 2003.

- ركائز في فلسفة السياسة، 2008.

ويمني الخولي هي عضو لجنة التاريخ وفلسفة العلوم بأكاديمية البحث العلمي، وعضو مجلس إدارة الجمعية الفلسفية المصرية، وعضو الجمعية المصرية لتاريخ العلوم، وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث وتطوير التمريض، وعضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

وقد نالت يني الخولي عدة جوائز وميداليات وشهادات علمية نذكر منها :

- جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق من جامعة القاهرة، عام 1981

- جائزة الدكتور زكي نجيب محمود للتفوق العلمي عن رسالتي الماجستير والدكتوراه عامي 1985,1981

- جائزة مؤسسة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان في مجال العلوم الإنسانية، عام 1990

- شهادة تقدير من رئيس الجمهورية لأفضل كتاب صدر، عام 1999

- ميدالية كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية من جامعة الإمارات العربية المتحدة، عام 2002.

لقد كان كتاب النسوية وفلسفة العلم للدكتورة يمني الخولي بمثابة نص تعريفي لما آلت إليه الفلسفة النسوية في مرحلتها التطورية الثالثة والتي امتدت في الفترة ما بين أواخر السبعينيات وأواخر التسعينات من القرن الماضي المنصرم، فاصبح الكتاب فضلا عن أنه عمل نسوي، عملاً فلسفياً أيضاً، فقد شرعت يمني الخولي في كتابها وصف حالة المرأة بوجه عام والأوضاع الي آلت إليها بعد الأساطير التي روجها الرجل من خلال علوم الكونيات والعقائد والخرفات والايديولوجيات والآداب، فقد حاولت أن تبحث عن مكمن الداء فوجدت يكمن في أن الرجل يتم النظر إليه بوصفه ذاتا Subject، في حين يُنظر للمرأة علي أنها موضوع object أو آخر The other .

وقد صدر كتاب "النسوية وفلسفة العلم" ضمن سلسلة الهيئة العامة لفصول الثقافة "إصدارات خاصة"، ويقع في 148 صفحة. ويتكون الكتاب من مدخل و 16 فصلا، وقالت الدكتورة يمنى فى مقدمة الكتاب: "في مطالع ثمانينيات القرن العشرين ظهرت الابستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية في الفكر الغربي وسارت قدما على مدار العقدين الأخيرين حتى قبل القرن الحادي والعشرون، وقد باتت من ملامح المشهد الفكري كتيار ذي معالم مميزة يمثل اضافة حقيقية لميدان فلسفة العلوم ونظريات المعرفة العلمية "الابستمولوجيا" والمنهج العلمي "الميثودولوجيا".

علاوة علي أن هذا الميدان في نظر يمني الخولي يشهد قضايا مستجدة، من قبيل قضايا فلسفة البيئة، وأخلاقيات العلم، وقيم الممارسة العلمية، وعلاقة العلم بالأبنية الحضارية، والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، فضلاً عن علاقة العلم بالأشكال الثقافية المختلفة، واتخاذه أداة لقهر الثقافات والشعوب الأخرى.

وفلسفة العلم النسوية بمنطلقاتها المستجدة ورؤاها المغايرة، وموقفها النقدي الرافض التسليم بالوضع القائم، النازع إلي إلقاء الضوء علي مثالبه وتصوراته وحيوداته والهادف إلي تعديله وتطويره ... هي التيار الأكثر توشجاً بتلك القضايا والنضر عطاءً لها.

كما كان العلم الحديث كما تقول يمني الخولي أكثر من سواه تجسيدا للقيم الذكورية، أحادي الجانب باقتصاره عليها واستبعاده لكل ما هو أنثوي، فانطلق بروح الهيمنة والسيطرة علي الطبيعة وتسخيرها واستغلالها مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوي العلم المعرفية والتكنولوجية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وجاءت العولمة لتنذر بعالم يفقد تعدديته وثراء خصوبته .

وتأتي فلسفة العلم النسوية كما تؤكد يمني الخولي لترفض التفسير الذكوري الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية، وتحاول إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم مختلفة خاصة بالأنثى، جري تهميشها وإنكارها والحط من شأنها بحكم السيطرة الذكورية، في حين أنها يجب أن يُفسح لها المجال وتقوم بدور أكبر لإحداث توازن منشود في مسار الحضارة والفكر.

وتستطرد يمني الخولي حديثها فتقول :" وكبديل عن الأبستمولوجيا التي تقطع علاقتها بالميتافيزيقا وبالقيم التي تكون علمية علي الأصالة، تريد الابستمولوجيا العملية النسوية أن تكون تحريرية، تمد علاقة بين المعرفة والوجود والقيمة، بين الابستمولوجيا والميتافيزيقا، لتكشف عن الشكل العادل لوجودنا في العالم، وتري العلم علما بقدر ما هو محمل بالقيم والهداف الاجتماعية، ولا بد أن يكون ديمقراطيا يقبل التعددية الثقافية والاعتراف بالآخر . إنه الانفتاح علي الطبيعة والعالم بتصورات أنثوية تداوي أحادية الجانب، لا تنفي الميثودولوجيا العلمية السائدة أو تريد أن تحل محلها، بل فقط أن تتكامل معها من أجل التوازن المنشود، فالنسوية ضد الاستقطابية والمركزية .

وهكذا تحاول الفلسفة النسوية في نظر يمني الخولي أن تضيف إلي العلم قيماً أنكرها، فتجعله أكثر إبداعية وإنتاجاً، وتجعل فلسفة العلم ذاتها تطبيقية بالواقع الحي النابض، بحيث يمكن القول كما تقول يمني الخولي بأن فلسفة العلم التقليدية المنحصرة في منطقه ومنهجه جميعها تُبلور إيجابيات العلم وتستفيد منها، أما الفلسفة النسوية فهي تحاول أن تضيف إلي العلم ما ينقصه ويجعله أفضل.

لقد كان ظهور الابستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية تمثل في نظر يمني الخولي تطورا ملحوظا للفلسفة النسوية عموما التي ظهرت في العقود الأخيرة، وتقوم بشكل أساسي من اجل رفض المركزية الذكورية ورفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة الذكورية، واعتبار الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعاً، وتُجِد لإبراز الجانب الأخرى للوجود البشري وللتجربة الإنسانية الذي طال قمعه وكبته . وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية بسائر فروعها علي خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر إلي ذكورية وأنثوية بما تنطوي عليه من بنية تراتبية هرمية (هيراركية) سادت لتعني وجود الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع . امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلي الدولة إلي الإنسانية جمعاء، فكانت أعلي صورها في الأشكال الاستعمارية والإمبريالية، والظلم الذي ستراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي، إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين، وتعمل الفلسفة النسوية علي فضح كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل علي صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلي الأكثر توازناً وعدلاً، أمعنت الفلسفة النسوية في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتها غير العادلة، وراحت تكسر الصمت وتخترق أجواء المسكوت عنه، حتي قيل أنها تولدت عن عملية إعطاء أسماء لمشكلات لا اسم لها وعنونة مقولات لا عناوين له، ولئن كان ظهور الفلسفة النسوية إنجازاً لافتاً للحركة النسوية، فإن امتدادها إلي مجال الابستمولوجيا وفلسفة العلم ضربة استراتيجية حقاً، أحرزت أكثر من سواها أهدافاً للحركة وللفكر النسوي، وجعلت الفلسفة النسوية استجابة واعية أكثر عمقاً للموقف الحضاري الراهن.

وبهذه النزعة النقدية المتقدة للوضع القائم في الحضارة الغربية ولمنطلقات التنوير والحداثة، تندرج الفلسفة النسوية في نظر يمني الخولي في إطار ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية اللذين يستقطبان أقوي التيارات النقدية للحضارة الغربية.

وثمة أخري مهمة تؤكد عليها يمني الخولي في هذا الكتاب وهي النِّسوِيةُ قامت أصلًا كَي لا تَظلَّ المَرأةُ «آخَرَ» بالنِّسبةِ للرَّجُل، وسَارتْ قُدُمًا فِي هَذا الطَّريقِ حتَّى وصَلتْ لفَلسَفةِ العِلمِ الشَّاملةِ لأبْعادٍ حَضارِيةٍ عَمِيقةٍ مُترامِيةِ الآفَاق. باقٍ ألَّا تَظلَّ فَلسَفةُ العِلمِ النِّسوِيةُ اتِّجاهًا «آخَر»، فَتنسابَ بقِيَمِها الدَّافِئةِ الحَميمَةِ النَّبِيلةِ في قَلبِ العِلمِ وَفَلسَفتِه ومُمارَساتِه وتَوظِيفاتِه وعَلاقَاتِه عَلى السَّواء.»

وكانَتِ المَرأةُ في نظر جُزءًا أصِيلًا مِنَ المُجتمعِ مُنذُ فَجرِ الإنْسانِيَّة؛ فَقدِ اضْطلعَتْ بدَورِها فِي جَمعِ الثِّمارِ والدِّفاعِ عَن وُجُودِها، ولمْ تَتخلَّ عَن هَذا الدَّورِ حِينَما بَدأَ الإنْسانُ تَمدُّنَه، فاعتلَتِ النِّظَامَ الاجتِماعِيَّ والسِّياسِيَّ وتَولَّتْ مَسئُولِياتِ العَرشِ في عِدَّةِ حَضارَات، كمِصرَ وبِلادِ الرَّافِدَينِ والإِغرِيق. وارتَقتْ أيضًا لِما هُو أَعلَى مِن ذَلِك؛ فَكَانَت إِلهةً تُعبَدُ فِي أَكثرِ الحَضارَاتِ تَمدُّنًا. غَيرَ أنَّ هَذا التَّوازُنَ بَينَ الرَّجلِ والمَرأةِ لمْ يَستمِر؛ فَقدْ سَيطرَتِ الذُّكورِيةُ عَلى المُجتمَع، ولمْ تَعرِفِ الإنْسانِيةُ مَرحَلةً سَيطرَ عَليها الفِكرُ الذُّكورِيُّ والنِّظامُ الأَبويُّ مِثلَما عَرَفتْه قُبَيلَ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَر؛ حَيثُ سادَ العَصرُ الذُّكورِيُّ بِتأوِيلاتِه للعِلمِ والفَلسَفةِ والكَونِ وشَتَّى مَنَاحِي الحَياة. لَكنَّ المَرأةَ انتَفضتْ بَعدَما خَضعَتْ لقُيودِ العَصرِ الأَبويِّ لتَبدأَ مَسِيرةُ العَصرِ الأُموميِّ الَّذِي خَرجَ مِن بَوتَقةِ كَونِه حَركةً اجتِماعِيةً وسِياسِيةً ليُصبحَ حَركةً فَلسفِيةً تُنادِي بِنَظرةٍ نِسوِيةٍ للعِلمِ والمَعرِفة، لتُضِيفَ بُعدًا جَديدًا تَسودُه التَّعدُّدِيةُ وقَبولُ الآخَر، كَمَا تَرتَبطُ تِلكَ النَّظرةُ النِّسوِيةُ لِفلسَفةِ العِلمِ بِالواقعِ وتَكشِفُ السِّتارَ عَنِ المَسكُوتِ عَنْه.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذة الدكتورة يمني طريف الخولي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذة الفاضلة التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لامرأة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالدكتور "حسن حنفي" إلي أواخر ثمانينات القرن الماضي عندما كان يحاضرنا في السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة في مادة "مصادر فلسفة العصور الوسطي" بكلية الآداب جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية؛ وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي تختلف عن شخصيات كثير من الأساتذة غيره، حيث كانت  لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه جسوراً من المحبة والاحترام والاحساس بالألفة العميقة، ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه فينا حسن حنفي، خاصة بعد أن أدركنا أنه يمثل أهم  وأبرز المشتغلين المصريين في الفكر العربي والفلسفة المعاصرة.

وقد وصفه كثير من زملائنا بأوصاف كثيرة، فقال عنه الدكتور مصطفي النشار (في كتابه فلسفة حسن حنفي مقاربة تحليلية نقدية)  بأنه :" يعد واحداً من أهم فلاسفة العالمين العربى والإسلامي الآن بل وربما عبر العصور؛ فهو صاحب مشروع فكرى مهم ومؤلف موسوعى كبير يذكرنا بالفلاسفة المسلمين الأوائل".. كما وصفه النشار أيضاً بالفيلسوف الذي طاف العالم شرقاً وغرباً حاملاً رسالته التنويرية ومبشراً بها، إنه الذي أصبح في كل المنتديات الفكرية العالمية علامة بارزة علي أن في العالم العربي فلاسفة مبدعين ينبغي الاستماع إليهم والمناقشة الفكرية معهم، ويستحق انتاجهم الفكري التأمل وتقديم البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية حولها ".

كما وصفه الصديق د. أحمد سالم فقال (في مقاله المنشور بحفريات تحن عنوان: التراث في فكر حسن حنفي) بأن : "حسن حنفي، بما له وما عليه، يمثل حالة خاصة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية؛ ذلك لأنّه الأستاذ الذي إذا دخلت أرضه، واطلعت على ميراثه الفكري، فلن تخرج كما كنت، ذلك لأنّ حسن حنفي هو الأستاذ الرائد والمفكر الكبير الذي يترك بصماته على ذهنك، ويعلّم في وعيك، قد نتفق على الاختلاط الواضح في أعماله بين المعرفي والأيديولوجي، بين المفكر والزعيم، ولكن يُغفر له دوماً أنّه كان، وما يزال، المفكر المهموم بهموم وطنه على مدار عمره الأكاديمي المديد".

ولد الدكتور حسن حنفي في القاهرة العام 1935 وفيها نشأ وتعلم وحصل على البكالوريوس العام 1956 ثم سافر إلى فرنسا فنال درجة الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون) العام 1966 وعاد ليعمل بقسم الفلسفة بآداب القاهرة حتى وصل إلى درجة أستاذ متفرغ.

علاوة على إتقانه أصول اللغة العربية فإنه يجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وهو ما مكَّنه من العمل كأستاذ زائر في عدد من الجامعات بالعالم، منها: جامعة تمبل (فيلادلفيا) 1971 1975، جامعة فاس (المغرب) 1982 ـ 1984، جامعة طوكيو (اليابان) 1984 ـ 1985 كما عمل مستشاراً علمياً لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو (1985ـ 1987). والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية. وهو كذلك نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية.

وفي لقاء معه على قناة دريم 2 برنامج العاشرة مساء مع المذيعة منى الشاذلي في أواخر القرن الماضي،  قال أنه انتمى للإخوان المسلمين في مرحلة الثانوية والجامعة وأنه كان زميلا للمرشد السابق مهدي عاكف في شعبة باب الشعرية، لكنه تحول فكريا، قائلا :" أن ملفه في وزارة الداخلية مصنف تحت عنوان "إخواني شيوعي"، وأنه يدعو إلى اليسار الإسلامي"، وقال أن " الكثير من الأتراك والماليزيين والإندونيسيين الإسلاميين استفادوا من أفكاره وأطروحاته".

استهل حسن حنفي مسيرته العلمية بنشر كتاب (المعتمد في أصول الفقه) لأبى الحسين البصري، وقد صدر في جزءين، بدمشق 1964. كما ترجم عدداً من الكتب أبرزها:

- نماذج من الفلسفة المسيحية" (الإسكندرية 1968).

- رسالة في اللاهوت والسياسة ـ اسبينوزا" (القاهرة 1973).

- تربية الجنس البشري ـ لسنج" (القاهرة 1977).

- تعالي الأنا موجود ـ سارتر" (القاهرة 1977).

وقد كتب حسن حنفي آلاف الصفحات محددا معالم مشروعه الفكرى الذى بدأ بكتاب «التراث والتجديد» ثم توالت المجلدات والأجزاء شارحة ومحللة الجوانب أو الجبهات الثلاث لهذا المشروع الفكري الضخم وكان آخر هذه المجلدات المجلد الذى صدر هذا العام 2018م تحت عنوان «التفسير الموضوعى للقرآن» واختتم به مشروعه الفكري الكبير فى التراث والتجديد فقد غطى به الجبهة الثالثة–جبهة الواقع، وصدر معه فى نفس العام كتابان أحدهما تحت عنوان « ذكريات » والثانى تحت عنوان «شخصيات وقضايا»؛ وبينما كان الأول مجرد ذكريات شخصية روى فيها جوانب وطرائف من حياته الشخصية متشابكة مع جوانب من مسيرته الفكرية الطويلة التى امتدت من عام مولده 1935م حتى الآن (وذلك حسب ما ذكره د. مصطفي النشار).

ومن مؤلفاته أيضا بالعربية : عرب هذا الزمان، وبين النص والواقع، وسلسلة "موقفنا من التراث القديم، والتراث والتجديد (4 مجلدات)، ومن العقيدة إلى الثورة، وحوار الأجيال، ومن النقل إلى الإبداع (9 مجلدات)، وموسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ومقدمة في علم الاستغراب، وفيشته فيلسوف المقاومة، في فكرنا المعاصر، في الفكر الغربي المعاصر، وحوار المشرق والمغرب، ودراسات إسلامية، واليمين واليسار في الفكر الديني، ومن النص إلى الواقع، ومن الفناء إلى البقاء،  ومن النقل إلى العقل، والواقع العربي الراهن، وحصار الزمن.

وصدر له بالإنجليزية: الحوار الديني والثورة"، والإسلام في العصر الحديث، كما صدر له بالفرنسية مناهج التأويل"، وتأويل الظاهريات"، وظاهريات التأويل" .

والباحث المتصفح لتلك الكتابات الكثيرة للدكتور حسن حنفي يدرك أنه ذا طابع إحيائي وإصلاحي وثوري ضد الاحتلال تارة، وضد الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية الفاسدة تارة أخرى، كما يجده كذلك ذا طابع تحديثي تجديدي، ينطلق من الحاضر وما يختص به من حداثة وتجديد في الفكر والثقافة، ومن منظور معاصر يحرص الدكتور حسن حنفي على ضمان ملائمته مع المتغيّرات والمستجدات التي يشهدها واقعنا الحالي وهذ واضح جيدا في كتابه “التراث والتجديد – موقفنا من التراث القديم ” وهو مشروع كان يمثل البيان النظري لمشروع فلسفي ضخم يتمحور كما قال صاحبه حول : مُهمَّةُ التُّراثِ والتَّجديدِ حلُّ طَلاسِمِ المَاضي مرَّةً واحدةً وإلى الأَبَد، وفكُّ أسرارِ الموروثِ حتَّى لا تعودَ إلى الظُّهور. مُهمَّةُ التراثِ والتَّجديدِ التحرُّرُ مِنَ السُّلطةِ بكلِّ أنواعِها؛ سُلطةِ الماضِي، وسُلطةِ المورُوث، فلا سُلطانَ إِلَّا للعَقل، ولا سُلطانَ إِلَّا لِضرُورةِ الواقِعِ الذِي نَعيشُ فيهِ وتحريرِ وِجدانِنا المُعاصرِ مِنَ الخَوفِ والرَّهبةِ والطَّاعةِ للسُّلطة."

كما يُوصَفُ كتابُ "التراث والتَّجديد" بأنه "مانيفستو حسن حنفي"، إِذْ حدَّدَ فيهِ مَعالمَ مشروعِه الفِكري؛ لذا فلا بدَّ من قراءةِ البيانِ الحنفيِّ الأولِ قبلَ الوُلوجِ إلى مشروعِهِ الفِكري. طَرحَ حنفي مشروعَهُ " التراث والتجديد" - الذي يُعدُّ واحِدًا من أهمِّ المشاريعِ الفِكريةِ في العالَمِ الإسلاميِّ في العصرِ الحَديث — منذُ ثَمانينيَّاتِ القرنِ العشرين، وهو المشروعُ الذي أَفنَى فيه عُمرَهُ وبثَّ فيه عِلمَه وعملَه، حامِلًا على عاتقِهِ رُؤيتَه لتجديدِ التراث، مُنطلِقًا من دراستِهِ ومُحاوَلةِ فَهْمِه لإِعادةِ بِنائِه مرَّةً أُخرى من خلالِ عُلومِه، مُؤسِّسًا ما يُمكِنُ تسميتُه "أيديولوجيا الواقع". يَقومُ مشروعُ التراثِ والتَّجديدِ على ثلاثةِ مَحاوِر؛ الأولُ هو "مَوقِفُنا مِنَ التراثِ القَديم"، والثاني هو «مَوقِفُنا مِنَ التراثِ الغَرْبي»، أمَّا المحورُ الأَخيرُ فقد جاءَ بعُنوانِ «نَظرية التفسير".

ولقد فتح الدكتور حسن حنفي مشروعه "التراث والتجديد" وفلسفته على أكثر من صعيد  فهو يكافح على جبهات ثلاث، يبدي موقفه الحضاري ويؤسس لمنظومة قيّم ودلالات فكرية وفلسفية تبنّاها المشروع، جبهة التراث العربي الإسلامي والموقف منه وجبهة التراث الغربي الوافد والموقف منه وجبهة الواقع بكل أبعادها. فالجبهة الأولى والموقف منها جعل منه مفكراً إسلامياً تراثياً مبدعاً والجبهة الثانية والموقف منها جعله مفكراً غربياً أما الجبهة الثالثة والموقف منها جعله صاحب مشروع حقيقي وجريء في السياسة والاجتماع والأخلاق والحياة عامة. هذه الاستراتيجية مرتبطة بالعقل والنقل والواقع، لأن العقل هو الذي يعي ويقرأ ويحلل وينقد ويبني ويركب ويكشف ويغيّر ويطوّر ويجدد، يبني الواقع ويصنع التاريخ والحضارة. ولأنّ النقل وراء إنتاج الحضارة لأمة لها ماضي وتراث تاريخ ودين، وتأثير المنتجات الفكرية والعلمية للحضارة الإسلامية لازال يطبع نفوس أصحابها على الرغم من مرور الزمن عليها. ولأن الواقع يجد فيه صاحبه آماله ويعيش أحزانه، فيه حياته في جميع مستوياتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقراءة المقولات الكبرى في الفلسفة التي يقوم عليها مشروع “التراث والتجديد” مقولة العقل ومقولة النقل ومقولة الواقع، وقراءة صلة هذه المفاهيم ببعضها البعض يدل بوضوح على ورودها بمدلولات متعددة ومتباينة تبعا لمرجعياتها، فهي أخذت نصيبها من التحليل في مستوى أرقى من الدقة والعمق والكفاية. لكنها تبقى دوما تعبر عن مواقف صاحب المشروع الفكرية والفلسفية والإيديولوجية والسياسية كما يغلب عليها الطابع التاريخي أحياناً والطابع التجريدي في أحيان أخرى على الرغم من أنّ المشروع يعطي الأولوية للواقع دون غيره(وذلك حسب قول أسماء بوبكر جيلالي  في مقاله "، التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر.. قراءة في فلسفة “حسن حنفي” وفي مشروعه الحضاري").

ثم بعد ذلك انطلق الدكتور حسن حنفي من التيارات الليبرالية والعلمانية؛ لأنّها منفصلة عن التراث وتاريخ الذات، ولأنّها ربطت نفسها بتراث الآخر الغربي وواقعه، فوقعت في التغريب، وامتدت روافدها وجذورها في الغرب، سواء في العقلانية أو العلمانية أو الليبرالية والاشتراكية، وهذا التحديث، الذي يأتي من الخارج، ينكر المرحلة التاريخية التي تمرّ بها مجتمعاتنا، وتسقط علينا المذاهب الغربية الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية؛ لذا دعا حنفي كما قال الدكتور أحمد سالم (في مقاله سالف الذكر) إلى تأسيس علم الاستغراب لمواجهة التغريب الذي امتدّ أثره، ليس فقط على حياتنا الثقافية، وتصوراتنا للعالم، وهدّد استقلالنا الحضاري؛ بل امتدّ إلى أساليب الحياة الغربية، وفقه اللغة، ومظاهر الحياة اليومية، وفنّ العمارة.

ولكن على الرغم من نقد حسن حنفي للآخر الغربي، فلا يمكن أن نغضّ الطرف عن الأثر الكبير للفكر الغربي في أعماله، وفي الدور الذي لعبته المنهجيات الحداثية في تقديمه قراءات جديدة للتراث الإسلامي، وهذا واضح من تأثير إسبينوزا، وهيجل، وفيورباخ، وماركس، وهوسرل، وغيرهم كثيرون. ورأى حسن حنفي؛ أنّ أيّة نهضة للأمة العربية لابدّ من أن تنطلق من تراث الذات، ومن الانتظام في التاريخي الثقافي لها؛ وذلك لأنّ التراث ما يزال حيّاً وفاعلاً في وجدان الجماهير وحياتهم، فالتراث هو المخزون النفسي الحي، فالتراث هو جزء من الواقع ومكوناته النفسية، فما يزال التراث القديم بأفكاره فاعلاً في حياتنا، ومن ثم فمن الضروري تجديد نظرتنا إلى التراث بإعادة تفسيره وفق حاجات العصر ( وذلك حسب قول د. أحمد سالم ).

ومن جهة أخري لقد استحضر الدكتور حسن حنفي (بشهادة د. مصطفي النشار) كل التجارب الفكرية المصرية والعربية السابقة عليه وتتلمذ عليها من رفاعة الطهطاوي إلي الأفغاني ومحمد عبده وعثمان أمين وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين، كما عاش كل التجارب الفكرية والثورية في عصره وتفاعل معها وشارك فيها فكان دائما صاحب الموقف الصريح والرأي الحر المختلف ... إنه المحاور الفذ القادر وحده بين أقرانه علي مجابهة كل الأفكار والتحاور مع ممثلي كل الثقافات حيث يتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية والتركية... إنه المثقف والفيلسوف الملتزم بكل جلسة علمية وبكل محفل علمي أينما كان في كل زمان وأي مكان ولا يترك مكانه لغيره ولا يعتذر طالما في العمر لحظة وفي الجسم قدرة ولا زلت أذكر أنه لم يتنازل عن المشاركة في افتتاح مؤتمرا علميا عقدته الجمعية الفلسفية وهو سكرتيرها العام وهو علي سرير المرض وعقب عملية جراحية خطيرة فقرر إلقاء محاضرته الافتتاحية إلي المؤتمرين عبر الفيديو كونفرنس . وحتي مع اشتداد حالته الصحية خطورة لدرجة أن قدميه لم تعد قادرتين علي حمل الجسم الذي يعاني المرض وقد تجاوز الثمانين من العمر، فقد فاجأ حسن حنفي الجميع أن كل ذلك لم ولن يمنعه من الحرص والالتزام بحضور كل الفاعليات العلمية والاجتماعات المهمة وهو علي كرسيه المتحرك، فالعقل الذي عاش حياته متأملاً وناقداً وباحثاً ومبدعاً لا يزال يشع الفكر المستنير والآراء السديدة سواء عبر عنها بكتبه التي تتوالي اصداراتها في عدة دور نشر أو بمقالاته التي لا تزال تتري في العديد من المجلات والصحف .

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور حسن حنفي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عدنان الظاهر(سفينةُ الهواءِ تطيرُ في الفضاءِ / من أناشيد السنة الثانية في مدارس العراق الإبتدائية أيام زمان.. ايام الرُخُص!).

أجلْ، الكلام لا عن الفضاء ولا الهواء ولا سفائن الكون الدائرة حول كوكبنا ليلاً ونهاراً تُحصي أنفاسنا وتلتقط صوراً لعوراتنا المكشوف منها والمستور وتفضحُ علاقة الزوج بأم ولده على سطوح صيف العراق في شهور الحر الذي لا يُطاق. لا اللحاف يفيد ولا الكلّة تنفع أو تستر وربُّك هو الساتر والستّار ! من أية سماء نزلت إليكَ سيّدةُ البهجة والبهاء إذاً يا إبنَ آدم وكيف نزلت؟ نزلت إليَّ من سماءٍ خاصةٍ لا علمَ للبشر بها، لم تُكتشف بعدُ وأرضها ما زالت بِكراً لا من زرعٍ فيها ولا ضرع. وإني لفي شوق عارم عرمرم لأنْ أسمع سيدة البهاء تقصُّ عليَّ حكاية طبيعة ورقم تسلسل [أو تسنسل / من كلمة ستنسل] السماء التي كانت فيها ونزلت لي منها. ثم ما شأني بالسماوات وما ومَن فيها وأنا لستُ أنا إلا كائناً متواضعاً بسيطاً كباقي أهل أرض السواد من النبيط والعُربِ والعجم ؟ تهمّني بالدرجة الأولى والأخيرة السيدة البهيّة الجليلة التي جاءتني تتهادى من هناك. فاجأتني أو [فأجتني] بزيارتها حيث أنَّ بيتي خالٍ حتى من الحطب وباقي أصناف المحروقات من ديزل ونفط أسود وروث وبعر مستورد مجفف ومعلّب بعناية من هناك... من بلاد البعر والبعران حيث يأكلُ البشرُ حتى الجراد والأفاعي والأراول والسحالي وأبو بريص فضلاً عن الريم والغزلان والحُمُر الوحشية الجميلة التخطيط [طيط]. فاجأتني حقاً إذْ لم تكتب لي رسالة ألكترونية أو بريدية عادية بطمغة وطابع ولم تستخدم تلفونها المحمول [على الضمّ] أو موبايلها النقّال ولمْ ولمْ ثمَّ ولمْ فما بالها وقد خطر على بالها أنْ تزورني فأهلاً بها وبأمها وأبيها ولكن، كان عليها إشعاري بموعد زيارتها الدقيق فنحن نحيا عصر ما وراء الذرّة والألكترون، عصر الإنترنت وباقي وسائل الإتصالات الخرافية. رحم اللهُ أيام الحمام الزاجل حيث لا رقيب عليه ولا رقابة حكومية ولا سطو ألكتروني حاذق ولا فايروسات مدسوسة. حمامٌ حرٌّ طليق يعرف جيداً طريقه ويعرف درب العودة بدقة. فهل جاءتني الحبيبةُ سيّدةُ البهاءِ على جناح حمامة زاجلة ؟ قالت كلا، إنما أسقطتني السماءُ مثل [ميتيوريت] أو كنجمٍ مذنّبٍ هوى بكل ثقله وزخمه فوقع عليك وأنت في عقر دارك. هيّا، قالت، قمْ، أنهض ورتّب أمور بيتك وتسوّق طعاماً وشراباً وحاجاتٍ أخرى يقتضيها بقائي لديك ضيفةَ شرفٍ وبهجة. سيّدةُ البهاء في بيتي ؟ لا أصدّقُ ذلك لا أُصدّقُ ذلك أبداً أبداً. إكشفي سيدتي لي رأسك كيما أتبيّنُ حقيقتك وأتعرّفُ على هويتك. قالت كلاّ، ذلك أمرٌ محالٌ. لا أكشف شعر رأسي إلاّ لأبي وأخوتي وزوجي. إجعليني سيدتي أباك أو في مقام أبيك. قالت كلاّ، أنت مهما قربتَ منّي تظلُّ رجلاً غريباً عليَّ. فكّرت وأنا في أشدِّ حالاتي إضطراباً وتشوّشاً... كيف أستطيعُ أن لا أكونَ غريباً على زائرتي وكيف تعتبرني غريباً وهي في بيتي تشاركني طعامي وشرابي وربما حاجاتٍ أخرى كثيرة شديدة الخصوصية ؟ واللهِ قد حيّرني زماني. سيدتي، سيدة البهاء والرونق والروعة، سيدتي، تساهلي قليلاً، تلطّفي، رقّي على حالي وحالي كالعدم أو أكثر تعاسةً. تساهلي وانزلي عن بغلتك العالية فالدنيا لا تدومُ لحيٍّ وغرورها لا محالةَ إلى زوال. أنا ـ سيّدتي ـ لم أطلبْ أكثر من أنْ تكشفي رأسكِ لأرى وجهك الفاتن كما هو. قالت لا أسمحُ لك حتّى أنْ ترى شعرات رأسي. شعرُ الرأسِ حرمةٌ يا رجل فانصفْ واعدلْ ولا تتجاوز الحدود. سبحانَ الله ! هل أنا الذي يتجاوزُ حقوق الناس وحقوقي انا مهضومة بالطول والعرض ؟ سيدة البهاء منشغلة بهواجسها الخاصة عني. تقلّب صفحات ألبوم وضعت فيه حديثاً مجموعة صور تمنيّتُ لو كانت صورتي بين هذه الصور. هل أستطيعُ ـ سيدتي البهيّة التقيّة النقيّة ـ أنْ أمتّعَ نظري برؤية ما في ألبومك من تصاوير ؟ قالت نعم ولكن، بعد حين، ربّما غداً. سمعاً وطاعةً يا أخت العرب. تمتمتُ : وإنَّ غداً لناظرهِ قريبُ. تبسّمت السيدة وهي قليلاً ما تبتسم ولا تضحكُ أبداً كأنَّ الأطبّاء منعوها من الضحك حفظاً على صحتها وسلامة أسنانها فبالضحك تتآكلُ أسنان الإنسان خاصةً إذا اقترب (أو اقتربت) من الخمسين. ظلّت السيدةُ ضيفتي متشاغلة بتصفّح ألبوم الصور وكنتُ أختلسُ بين الفينة والفينة النظرَ بعين واحدة إلى محتوياته... تماماً كلصٍّ غير مُحترف {غشيم}. يبدو أنها أدركت أني أسترق النظر فيما بين أناملها من صور تتعاقب الظهور والإختفاء لكنها لنبلها ورفعة محتدّها كانت تتغاضى ولا تعتبْ أو تُلفت النظر. هكذا يكون البهاء وها هي معي سيدة البهاء إبنة السماء وماء السماء. نفد صبري فوددتُ لو أرفع عن رأسها الغطاء السمائي اللون كيما أراها كما هي لا كما يريدُ منها الشرعُ والعادات والتقاليد. لعنتُ شيطاني وعدتُ لوقاري وتركتها تتصفح البومها غير عابئةٍ بي متجاهلةً كامل وجودي. حرّكتُ الموقف المتعثر بأنْ سألتها أما ترغبُ في أنْ تأكلَ شيئاً وتشربَ مشروباً وأنْ لا تنسى أنها السيدة وأنها ضيفي الكريم. رفعت رأسها بأبّهة وبهاء ثم قالت بوقار طبيعي غير مُتَكلّف : هات ما عندك من طعام وشراب فلقد أحسست للتو بشيء من الجوع وقدر كبير من الظمأ. أتاها على عجلٍ ما أرادت. حمله لنا عاملُ مطعم البيتسا القريب على دراجته الهوائية. كانت حقاً جوعى إذْ شرعت تأكلُ بنهمٍ ونسيتْ حتى أنْ تغسلَ يديها. هكذا يفعلُ بالبشرِ الجوعُ. حاولتْ أنْ تعودَ ثانيةً لألبوم أو متحف الصور لكنها إستثنت وقالت ما لديك من أخبار جديدة سارّة ؟ ومن أين تأتي الأخبار السارّة يا سيدة البهجة والوقار ؟ أجبتها. دخلت مريمُ على الخط فجأة وكانت غضبى. إحتجّت قائلةً لِمَ لمْ توجه لي دعوة لحضور هذا اللقاء لأتعرّفَ على إبنة السماء وسليلة ماء السماء وأطّلعَ على ما يدور بينكما من خاص الأحاديث ؟ مشكلة، إنها حقّاً مشكلة. كيف أدعو المريم لحضور لقاء شديد الخصوصية بيني وبين سيدة البهاء وكانت هذه قد قبلت دعوتي بشروط شديدة القساوة منها : لا أحد يحضر لقاءنا. لا من تقبيل إلا تقبيل الكف الأيمن. لا غزل ولا رومانس. لا دعوة للمبيت. وأن أرافقها بعد لقائنا حتى حدود سمائها السابعة حيث مقر سكناها وعملها والجنات الملحقة بحديقة قصرها. كنتُ قبلتُ ورضختُ لشروطها فمن أين وكيف جاءت مريمُ العذراء على حين غرّةٍ وكيف سأبرر حضورها لسيدة البهاء الأسطوري؟ كنتُ قلقاً في حقيقة أمري وكنتُ خائفاً من وقوع ما لا تُحمدُ عُقباهُ. طلبت إبنةُ ماء السماء شيئاً تشربه فأتيتُ السيدتين بعصير برتقال طبيعي مركّز خالٍ من السكّر وهو شرابي المفضَّل. رفعت السيدة كأسها مع إبتسامة ودودة وجهتها لمريم فتجاوبت على الفور معها وردّت الإبتسامة بأحسنَ منها رافعةً كأسها إلى أعلى ما تستطيع مبالغةً في المجاملة والتكريم. إذاً قد حصل التحوّل فتغيّرت المعادلة وزال همّي وقلقي بعد أنْ إستطابت السيدة [أو العلوية] حضور مريم واستلطفتها بل وتركت أريكتها لتجلس إلى جانبها كتفاً لكتف. سبحانَ مُغيّر الأحوال. الزمن أفضل طبيب وأنجعُ دواء فعلّقت السيدة بمرح وبهجة : الفضلُ لعصير البرتقال المركّز الخالي من السكّر. إرتعبتُ ! ما تقصد السيدة بكلامها هذا ؟ هل تعرف أني مريضٌ بداء السكّري؟ تجاهلتُ الملاحظة حتى لكأني لم أسمعها لكنَّ مريم الذكية القوية الملاحظة عقّبت قائلةً : أجلْ، الفضلُ كل الفضلِ للبرتقال على الشجر ولعصيرة في كؤوس البللور المتألقة الشديدة الشفافية والنقاء. أضفتُ إنه كريستال بوهيمي من أرقى الأنواع فلم تفهم ضيفاتيَ ما قصدتُ ولم تعلّقا. تركت السيدتين العذراء وابنة السماء منسحباً بحجة إنجاز بعض المهات العاجلة منها الرد على بريدي الألكتروني وكتابة بعض الرسائل وإتمام بعض الحواريات فانبسطتا أكثر وراحتا في أحاديثَ لها أولٌ وليس لها آخرُ. كنتُ أراقبهنَّ خلسةً عن بُعد وما كانتا تشعران بي مراقباً. أهكذا إذاً تنسجمُ النساءُ إذا اختلين ببعضهنَّ وخلا الجو لهنَّ من الرجال؟  

 

عدنان الظاهر

23.11.2009 

 

قاسم حسين صالحعفيفة اسكندر

في العام (1972) كنت اعمل مذيعا في اذاعة بغداد، ومحررا في مجلة (الاذاعة والتلفزيزن).. التي كانت الاوسع انتشارا والاغزر في تنوعها الثقافي والفني، والاكثر استقطابا لمحررين متميزين بينهم: زهير الدجيلي، فالح عبد الجبار، فاطمة المحسن، زهير الجزائري، محمد الجزائري، سؤودد القادري.. الذين صاروا من ابرز الكتّاب العراقيين.

كنت حينها شابا وسيما نشطا (طالب دراسات عليا، ومذيع، ومحرر صحفي في آن واحد). وكان الراحل زهير الدجيلي (رئيس التحرير) يختارني لاجراء لقاءات صحفية مع الاشخاص "الصعبيين" مثل محمد القبنجي وآخرين افتقدناهم ونسيناهم في زمن شح به الوفاء لمن كانوا رموزا فنية وثقافية وعلمية ايضا في زمن أشاع ثقافة القبح واعتبر الفن حراما!

في صباح احد الايام، طلبني زهير الدجيلي، ونظر اليّ من فوق نظارته وقال:

- حبيبي قاسم.. اريدك تعمل لقاء صحفي مع عفيفه.. صار تلث مرات تعتذر.. وهي بطبيعتها تكره اللقاءات الصحفية.. يلّه وريني شطارتك ياحلو.

كنت حينها قد علّقت في اذني نصيحة تلقيتها من صحفي مصري اسمه (كرم شلبي). كان يدرّسنا مادة (الفن الصحفي) في دورة اذاعية لعشرة من بين اكثر الف متقدم اجتازوا اختبار لجنة مؤلفة من: محمد سعيد الصحاف، سعاد الرمزي، سعد لبيب مدير برامج اذاعة صوت العرب، عبد المرسل الزيدي، بدري حسون فريد، وثامر مهدي (هكذا كان ينتقى المذيع ويدخل دورة اذاعية لثلاثة اشهر يتلقى فيها دروسا في اللغة وفن الألقاء والصوت).

كانت نصيحة كرم شلبي هي [حين تذهب لاجراء مقابلة صحفية.. اذهب معبئا]. وكان يقصد بها ان على الصحفي ان يفاجيء الشخصية التي يقابلها بمعلومات يظن ان لا احد يعرفها.

كنت حينها اعمل في القسم الثقافي الذي يرأسه الشاعر حسب الشيخ جعفر، وكان الشاعر حسين مردان (الوجودي، المتمرّد) يعمل فيه ايضا.. وقيل لي ان له علاقة حب بعفيفه.. وانه نظم لها قصيدة حب رائعه.

حييته بتحية خاصة.. وبعد ان هيأته نفسيا قلت له: بداعة عفيفه.. اريدك تعطيني القصيدة اللي نظمتها لعفيفه اسكندر.

حدّق بي وهو يمسّد شعره المنسدل على اذنيه بلا تمشيط.. وقال:

- انها هنا.. خذها ان استطعت.. واشار الى قلبه!

وبعد موقف رومانسي.. وقبلة على خده.. وضعت القصيدة في جيبي.. وكانت اول تعبئه.

ورحت ابحث عن تعبئه ثانية.. فقيل لي.. ان احد شيوخ الديوانية.. دعى عفيفه اسكندر لاحياء حفلة بمناسبة زواج ابنه، وانها تعرضت الى حادث اعتداء عليها اذ كانت وقتها جميلة جدا، تلهب الحفلات بحركاتها (وخبلّت ناس ماشايفين) بحسب تعبير من روى لي، الذي افادني بأن ابن هذا الشيخ يعمل في (مصرف الرافدين) فقصدته، وروى لي تفاصيل الحادث.. فكانت التعبئة الثانية.

كان موعد اللقاء الساعة السابعة عصرا، في شقتها بشارع ابي نؤاس. فانطلقنا انا والمصور حسين التكريتي، الذي اصبح فيما بعد المصور الخاص للرئيس صدام حسين.

وصلنا على الموعد.. ووجدنا عفيفه بكامل اناقتها.. فستان احمر منقط بأبيض.. تسريحة بشعر مرفوع الى اعلى يمنحها طولا وكبرياء.

رحبت بنا.. وقالت:

- تره المجال ساعة فقط.. لأن عندي التزام الساعة ثمانيه.

اجبتها: ولا يهمك ست عفيفه.. كلش كافي.. والتفت الى المصور: يله ابو علي.. شوف شغلك.. التقط لها صورة غلاف جميلة.. وغادرنا.. وبقينا.. في الشقه.. انا وعفيفه فقط!.

وجرّ الحديث.. واجتزنا الساعة الثامنه.. وادخلتني الى جناح اخر في الشقه.. كانت على احد رفوفه تماثيل خشبيه لرؤوس بشرية منحوته بدقة.. فأجأتني انها من صنعها.. وكانت على الحائط صورة لطفلة جميلة، بأطار انيق، سألتها.. من تكون هذه الطفلة، اجابت: انها انا.

- ممكن أخذها معي.. لتنشر مع الموضوع.

- قالت: وبريق الدمع بدأ يلمع بعينيها:

- خذها، وثقتي بك انك ستعيدها، فهي اعز ذكرى واكثرها ألما في حياتي.

وبدأت تروي لي حكايات طفولتها.. واوجعها.. يوم زفوها وهي بعمر 12 سنة الى زوجها (اسكندر اصطفيان) ومنه اخذت الاسم.

- البسوني البدله البيضاء، وكعب عالي لأنني كنت قصيره، وزفوني، وانا لا اعرف ما يجري.. ودخلت على رجل يكبرني بأربعين سنه.

تبادلنا الاحزان، وبكت عفيفه.. يالجمال الدمع على خديها المتوردين بحمرة اضافية وضعتها باناقة فوق وجنتيها. وكنت لحظتها بين المشفق عليها المداري لاحزانها، وبين (الصحفي السيكولوجي الخبيث) الذي يستهوي ان يزيدها حزنا لتفيض بما استقر في موطن الاسرار!

سألتهاعن علاقتها بحسين مردان.. فأجابت انه حب من طرف واحد، وانها ما كانت تحبه لشخصه، انما تحب فيه الشاعر المتمرد الجريء.

وسألتها ان كانت تجد في "تعذيبه" ما يشعرها بالمتعه، فأجابت.. ابدا، بل انها تشفق عليه، وتستمتع بشعره، وان ادباء كثيرين غيره حاولوا، غير انه كان نظيفا ونقيا.. ولطيفا في ساعات صفائه!

اجتزنا التاسعة مساءا.. تناولنا عشاءا خفيفا.. وحكت لي عن لقاءاتها بفنانيين مصريين كبار، وشعراء كبار، بينهم ابراهيم ناجي صاحب قصيدة الاطلال، ومحمد عبد الوهاب، وتحية كاريوكا.

والاكثر من ذلك.. ان عفيفه اسكندر كان لها في بغداد صالونا ادبيا يحضره ادباء وشعراء وفنانون وسياسيون بينهم نوري السعيد والوصي عبد الاله!، وأن صالونها كان مطبخا فنيا وثقافيا وسياسيا ايضا.. وعندها كان عليّ انا الصحفي.. ان اقلب صورة عفيفة اسكندر في اذهان العراقيين، في زمن مبكر نسبيا (بداية السبعينيات). ذلك ان الفكرة المأخوذة عن الفنانة، انها تبيع الهوى، ولا شرف عندها، وان (لحمها رخيص).. فعمدت الى تصحيح، بل قلب هذه الصورة الى ان عفيفه.. فنانه.. مثقفه.. محبه للادباء والمثقفين وان بيتها كان صالونا ثقافيا وفنيا و.. سياسيا ايضا!.

وللأسف.. فأن الصورة المأخوذه عنها في اذهان عامة الناس، كانت نفسها موجودة لدى مثقفيين ايضا. ففي صباح اليوم التالي استقبلني زملائي الصحفيين في المجلة (مهنئين) لي بقضاء ليلة ممتعه!.. وما علموا ان عفيفه التي تخلت عن التزامها ومدت الموعد من الثامنه الى قريب منتصف الليل.. كانت نقيه.. مثقفه.. مهذبه.. فنانه من طراز خاص.. وانها وجدت صحفيا استفاد من خبرة من علموه فن الصحافة في العزف على اوتار ما عزف عليها احد قبله.. فكان تحقيقا صحفيا مميزا في حينه قلب الصورة المأخوذه عن عفيفه اسكندر، من كونها فنانة (ملاهي) الى فنانة مثقفة كانت تحظى باحترام وتقدير ادباء وشعراء وسياسيّ زمانها.

وما يؤلم، ان عفيفه عاشت شيخوختها بما يشبه التراجيديا. فلقد كانت تملك الدنيا وقلوب الناس، فما ملكت منها في شيخوختها شيئا، ولا خفّ احد لتشيع جنازتها من جمهورها الذي كانت تغص به صالات حفلاتها، ولا جازاها عراقي بخطوة وراء تابوتها مع أنها اطربت العراقيين لنصف قرن وسحرتهم بعذوبة صوت مثقف رصين يتقن اللغة، وان من كان يحظى بمصافحتها كان يتباهى وقد لا ينام ليلته من روعة فرحه.

كم تمنيت، بعد ما رأيت، لو أن الموت زارها قبل عشرين سنه، كي لا ارى قساوة " التسعين " على من كانت في شبابها حمامه ملونه توزع الفرح على الناس، وان تموت بعزّة نفسها.. لا ان تستجدي حكومة اهدرت المليارات بين نهب وترف سفيه.. وما عطف عليها سوى الرئيس جلال طالباني بمخصصات متعثره هي اقل بكثير من المبلغ الذي منحته مؤسسه المدى.

يالهذا الزمن النحس، المقرف، الكاره للفن والجمال.. ويالنهايات من يقترب الآن من مشهد تراجيديا.. عفيفه اسكندر.

 

* احتفل محرّك البحث جوجل في يوم (الثلاثاء 10 /12 /2019) بالذكرى الثامنة والتسعين لميلاد عفيفة اسكندر، ويأتي هذا المقال من اول صحفي يكشف الوجه الآخر الراقي لأيقونة الطرب العراقي الذي لا يعرفه الكثير من الكبار والغالبية من الشباب!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

 

محمود محمد عليقد لا أكون مبالغا إن قلت بأنني لست من أنصار وأتباع من يكابرون ويتبرمون على الجهر بالحقيقة وفي وقتها القانوني دون أن تطالهم صافرة اللوم والنقد والعتاب مهما يكن من أمر أو تشتد بهم العواصف العاتية والرياح الهوجاء التي قد تجرفهم في تيارها الواسع البعيد في نقطة اللاعودة، ولأن أستاذ الفلسفة كما اعتقد هو ذلك الكيان المسكون والمخلوط بروح العطاء الخارق، فهو يمثل الرسالة البيضاء المليئة والمتدفقة في كل الجامعات والمحافل الفلسفية أينما كان وحيثما وجد فلولا هذا الأستاذ ما أطلت علينا نسائم وبشائر التفوق في عالم الفلسفة، وما شعرنا بقيمة الرجال العظماء والمفكرين الأفذاذ ، وما تلذذنا بطعم الكلمات والتعليقات الساخرة واللاذعة التي تقطر بها أقلامهم وتلهج بها ألسنتهم وتخطها أناملهم في كبريات المؤتمرات غير عابئين أو مكترثين بما يعترضهم من مصاعب ومشاق.

والدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من هؤلاء الأساتذة العاشقين للمؤتمرات الفلسفية، فلا يًعقد مؤتمرا فلسفيا في الشرق والغرب إلا ويكون أحمد عبد الحليم أحد المشاركين فيه إما بالحصور أو بألقاء بحث وهذه ميزة تحمد له .

ولمعرفة القارئ الكريم بالدكتور أحمد عبد الحليم عطية نقول عنه بأنه أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو في عديد من الجمعيات الفلسفية العربية والدولية ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية، وهو مصرى الجنسية من مواليد القاهرة في 11 فبراير 1951، متزوج وله أربعة أبناء، حاصل على ليسانس آداب قسم الفلسفة بتقدير جيد جداً 1973 جامعة القاهرة، ماجستير فلسفة "القيم عند رالف بارتون بيرى" بتقدير ممتاز 1980 كلية الآداب القاهرة ودكتوراه الفلسفة "مفهوما الطبيعة والإنسان عند فيورباخ: دراسة نقدية" 1986، كلية الآداب – جامعة القاهرة.

وقد كتب أحمد عبد الحليم في الكثير من مجالات الفلسفة، وشارك في العديد من الندوات، فاهتم بدراسة علم الجمال، وهو قد حصل على بكالوريوس معهد السينما، وقام بتدريس مادة علم الجمال في قسمي الفلسفة واللغة الإنجليزية، وصدر عن هذه التجربة كتابه "دراسات جمالية"، هذا بالإضافة إلى اهتمامه المكثف بالفكر العربي المعاصر، فكتب عن الأخلاق وعلم الجمال في الفكر العربي، وكتب عن د. عبد الرحمن بدوي، وعن محمد عبد الهادي أبو ريدة ، وتوفيق الطويل وقدم دراسات مستفيضة عن هشام شرابي وعلي أومليل وناصيف نصار وغيرهم. أما عن جهده في تخصصه الدقيق (الأخلاق والقيم والفلسفة المعاصرة) فقد كتب في الأخلاق الإسلامية واليونانية والحديثة والمعاصرة؛ بالإضافة الى الفكر العربي وما بعد الحداثة.

كما يُعد الدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من أساتذة الفلسفة الكبار في العالم العربي المشهورين بحضور المؤتمرات العلمية، حيث اهتم في مشروعه الفكري بالأخلاق والقيم وعلم الجمال ودرس الفلسفة والسينما واللغات الأجنبية في المحافل الفلسفية، لديه ما يزيد عن 50 كتابُا منشورًا في الفلسفة ما بين ترجمات ومؤلفات؛ تذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: القيم في الواقعية الجديدة عند ر.ب. بيرى، وفلسفة فيورباخ، والأخلاق في الفكر العربى المعاصر، والصوت والصدى: الأصول الاستشراقية في فلسفة بدوى الوجودية، والديكارتية في الفكر العربي المعاصر، والأخلاق الهيجلية: ترجمة كتاب وولش ودراسة، وأصل الدين، ترجمة كتاب فويرباخ: ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب، والسعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة و"تحقيق"، نظرية القيمة ونصوص أخرى، دراسة ترجمة لايريان، وميتافيزيقا القيم عند دويت باركر، والأخلاق والحياة الأخلاقية عند المسلمين "ترجمة عن دى بور"، ودراسات أخلاقية، ومحاضرات في الفلسفة العربية "إعداد لمحاضرات جلارزا بالجامعة المصرية"، الموسوعات الفلسفية المعاصرة في العربية "قراءة نقدية تحليلية"، وجالينوس بين الفلسفة والعلم، وإعادة تقييم الحديث "العودة إلى القرآن" ترجمة لكتاب قاسم أحمد،  ما بعد الحداثة والأخلاق التطبيقية.. وهلم جرا.

إن كتابات الدكتور أحمد عبد الحليم عطية تنتمي – فيما يرى البعض – إلى نمط الكتابة ما بعد الحداثية: أي الكتابة غير النسقية، وهي كتابة لا تتقيد ببناء محدد أو خط سير معين، وإنما تمضي في كل اّتجاه بحسب الحاجة والضرورة التي تفرضها المناسبات البحثية والقضايا الآنية. فكتابات أحمد عبد الحليم – في معظمها – كانت أبحاث ودراسات قصيرة أتت بهدف المشاركة في الفعاليات البحثية والدوريات المتخصصة، ولعل هذا كان هو السبب في أن أحمد عبد الحليم لم يصرح بكونه يسعى باتجاه إنجاز مشروع فكري ما ، ولكنه صاحب رسالة.

ولذلك لا أنسي تلك المقولة التي قالها عنه الدكتور مراد وهبة حينما قال: إذا أردت أن تعرف الرسالة الفلسفية للأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية فاقرأ المجلدات الثالثة التي أصدرها تحت عنوان "موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين"؛ حيث يكتب فيها كل مفكر رأيه في مفكر آخر. وكانت الغاية من ذلك تعريف الجمهور الفلسفي بالإصدارات الفلسفية هؤلاء المفكرين "الذين يسعون إلى التحديث والنهضة والتقدم ويتوسلون إلى ذلك بأساليب العقل والعلم والنقد، ويهدفون إلى تحقيق حياة مدنية حديثة تليق بالإنسان وتحقق غاياته وآماله وحقيقته.

كذلك قال عنه الدكتور فتحي التريكي: ليس ثمة شك أن الصديق الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية قد كرس مجهودا متواصلا بالمواقف والمقاربات ّالفكرية في ميادين عديدة داخل تيارات الفلسفة للتعريف ومناهجها.  فالعدد الضخم من الكتب التي ألفها أو التي أشرف عليها وقّدمها أو التي حققها أو أنجزها للطبع تشير بما لا يدعو للشك إلي سعة اطلاعه وإلمامه الشديد بكل ما يجد في الميادين الفلسفية والفكرية. والحقيقة أنه أثري المكتبة العربية بهذه الأعمال الضخمة التي أصبحت مراجع أساسية للبحث والفكر، فقد كان الفكر الفلسفي اليوناني حاضرا في هذه الأعمال كما كانت الفلسفة العربية القديمة ملهمة لبعض أطروحاته. أما الفلسفة الحديثة والمعاصرة غربية كانت أم عربية فهي التي أخذت الجانب الأكبر من تفكيره ونقده الفلسفي. كان إذن أرسطو وأفلاطون من مراجعه المهمة، وكان حضور الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون متواترا هنا وهناك في مجمل أعماله. كما كان ديكارت ولا كانط وفيورباخ بالإضافة إلى هيجل ونيتشه وهيدجر من فلاسفة الغرب الحديث الذين اعتمدهم في فلسفته. كما اهتم صاحبنا بالفكر الفلسفي المعاصر مجسدا في فلاسفة كبار مثل جيل دولوز وميشال فوكو وهابرماس وجون رولز وغيرهم. أما إذا أردنا إثبات المفكرين والفلاسفة العرب الذين اهتم بهم وبأعمالهم أحمد عبد الحليم عطية فستكون القائمة طويلة لا يتسع المجال هنا لفتحها.

ولست في حاجة إلي تناول أفكار الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية والنقدية في هذا المقال ، فقد قام بهذه المهمة عدد من الزملاء بأبحاثهم التحليلية النقدية في المجالات المختلفة التي أسهم فيها أحمد عبد الحليم بكتاباته ، وسوف يتابع القارئ هذه الأبحاث لكنني سوف أشير إلي أن هذا المقال يأتي ربما متأخرا بعض الشئ عن وقته فأفكار أحمد عبد الحليم وغيره من رواد فكرنا المعاصر جدير بالبحث المنهجي تأكيدا للقيم التي التزموها والقضايا التي طرحوها.

لقد كان الدكتور أحمد عبد الحليم وعي بمهمته ورسالته ودوره في بداية نشاطه الفلسفي، الذي بدأ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1975،وهو تقديم "تاريخ واسع شامل للفكر الفلسفي اليوناني واللاتيني والإسلامي والحديث والمعاصر". وقد رأى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسائل ثلاث متاحة أمام الباحث الجاد وهي: الترجمة الأمينة للكتب الأساسية في اللغات المختلفة التي تتناول الفلسفة اليونانية والإسلامية والحديثة والمعاصرة، وتحقيق المصادر الأصلية في فروع الفلسفة؛ بالإضافة لتقديم الدارسات مبتكرة تحيي الجوانب الهامة في هذه الفلسفة وهي عنده الجوانب الفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي اهتم بها كثيرا وتابعها طوال حياته.

ويهمنا هنا أن نشير إلي بعض الملامح الأساسية في كتابة الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية التي تعطي بعض المؤشرات في تفكيره موقفه الفلسفي العام ، وأول هذه الملامح هو فهمه للفلسفة من أنه يجعل منها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان وهذه الملامح هي: التفاؤل بالغ والإنسان والتاريخ والحوار البشري ، فالحوار هو ارتفاع بالحديث البشري إلي مستوي الخلاف الفكري بحثا عن الحقيقة، والخلاف الفكري لا يعني بالضرورة التشاجر ولا يعني البغضاء أو العداء ، والحوار البشري هو محاولة للارتفاع بالتنوع والاختلاف إلي إطار مشترك من الوحدة وهو ضبط لإيقاع الحركة والنشاط الواقعي ، وتجمع وبلورة للخبرات الحية وهو فرز اما هو صحيح سديد عما هو فاسد معوج ، إنه جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلي الحقيقة ، حقيقته ، وحقيقة الوجود من حوله . وأخيرا النقد ؛ والنقد هنا ليس بالمعني الأدبي ولكنه النقد الفلسفي الكانطي ؛ وكأن لسان حالة حال الدكتور أحمد مستجير الذي عرف نفسه قائلا "أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق".

وأخيراً إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أحمد عبد الحليم في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته الفلسفية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

معراج احمد الندويمحمد اقبال الذي طبق صيته في الآفاق وتجاوز شهرته حدود الزمان والمكان، ولم يمض وقت طويل حتى رسخت مكانته كأحد أكبر المفكرين في العالم الإسلامي. واليوم لا يوجد مثقف عربي من لا يعرف اقبال وإسهامه في إثراء الفكر الإسلامي.

استخدم هذا الشاعر الإسلامي عبقريته الشعرية ومواهبه الأدبية في نشر عقيدته وشعوره ودعوته. لقد اقبل على دعوة الشعوب الإسلامية إلى الاتحاد وتكوين رابطة لها تكون قيمها ومبادئها بمثابة النور الذي يهدي العالم إلى الحق والخير والجمال والقوة والحرية والإخاء. ولقد قدم إقبال للإسلام خير ما في الحضارة الحديثة من أفكارعلمية وفلسفية. لقد خصص اقبال قصيدة من أبدع قصائده للحدث مع الأمة العربية ليسجل فيها فضلها وسبقها في حمل الرسالة الإسلامية والأخذ بيد الإنسانية وافتتاحها لتاريج جديدووفجرسعيد.

إن شعر اقبال يعبر عن هموم الأمة العربية والإسلامية وآلام الإنسانية في حياتها الفردية والجماعية، ويقدم لأدوائها دوائا ويهدي إلى طريقة لهم حقيقة الحياة. وكانت أفكاره عصارة علوم الشرق والغرب، وهب حياته للمسلمين وللإنسانية، فاتخذ الشعر وسيلة لها، لأنه رأى أن الشعر أكثر نفوذا وتأثيرا.

إن أعظم ما حملنا على الإعجاب بشعر اقبال هو الطموح والحب والإيمان، وهي تندفع اندفاعا قويا إلى كل أدب ورسالة يبعثان الطموح، وسمو النفس وبعد النظر، والحرص على سيادة الإسلام، وتسخير هذا الكون لصالحه، والسيطرة على النفس والآفاق، ويغذيان الحب والعاطفة، ويبعثان الإيمان بالله، والإيمان برسوله نبينا الكريم وبعبقرية سيرته وخلود رسالته، وعموم إمامته للأجيال البشرية كلها. إنه كان صاحب فكرة واضحة وعقيدة راسخة عن خلود الرسالة المحمدية وعمومها، وعن خلود هذه الأمة العربية وصلاحيتها للبقاء والازدهار.

ذكر إقبال الأمة الإسلامية وآلامها وآمالها، وهوغارق في حزن عميق وألم شديد بما رأى أحوال المسلمين المؤلمة، فيقول في بلاغة الشاع روصدق الرائد وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة الإسلامية البائسة التي لا تزال فيها بقية من شمم وإباء، وأنفة الملوك وعزة الآباء، لقد فقدت مع مرور الزمن يا رسول الله! لوعة القلب واكسير الحب، إن قلبها حزينة منكسرة ، ولكنها لا تعرف سر ذلك.

ماذا أحدث بها يا رسول الله؟ فلطف الله بهذه الأمة المنكوبة الهاوية منقمة المجد العالية، أنه لا يزال الزمان يعاديه ولا يزال ركبها تائها في الصحراء، بعيدا غايتها ومنزلتها. حسبك من هذه الأمة، وما يسود فيها من الفوضى والاضطراب أنها تعيش من غير إمام، إن غمده فراغ ككيسه، فهو أعزل فقير، إن الكتاب الذي فتح به العالم وضعت هذه الأمة في بيتها تراكمت عليه الأتربة ونسج عليه العنكبوت.

إن هذه الأمة العربية تحمل القلوب، ولا تعرف المحبوب.إنها تملك مادة الحب ولكنها لا تعرف من تشغلونها به وتوجههونها  إليه، فقلوبها تائهة وعقولها مضطربة، وجهودها ضائعة وعملها ضعيف، أصحبت حياتها لا لذة فيها ولا سرور، لا أمل فيها ولا شعور، وهي حياة من رق القلب وحرم الحب، ولا شك أن الحب هو خير حاجزللقلب، وخيرحارس له. إن الحب هومصدر الشعر الرقيق، والعلم العميق، والحكمة الرائعة، والمعاني البديعة والبطولة الفائقة والشخصية الفذة والعبقرية النادرة، إليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ.

رأى إقبال أن الإسلام هو الرسالة الأخيرة المختارة، الرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تجدف سفينة الحياة، الإسلام هوالذي يستطيع أن ينقذ العالم من براثن الجاهلية والوثنية، وعبادة الإنسان وعبادة الأوثان، وعبادة الشهوات وعبادة البطون والمعدات، إنه كان قوي الأعجاب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وبمكانته، كالمنير للسبل، وخاتم الرسل، ومقتدى الجميع، إماما الكل الذي رفع من قيمة غبار الأرض فجعله إثمدا للعيون وصيقلا للقلوب.

رأى إقبال أن من أهم أسباب التخلف للأمة الإسلامية والعربية هو الابتعاد عن الإسلام ورسالته الخالدة وإخلادهم إلى المادة وزخارفها الخلاية، بالرغم أن لهذه الأمة العربية لها تاريخ مشرق، لقد أدت دورا فعالا في بناء الحياة الإنسانية المثالية وفي إحلال السلام والأمن في العالم كله. إن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجورا، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم والشعوب. وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضييء لها العالم.

يقول إقبال وهو يخاطب الأمة العربية: أسفا على الجمود والخمود يا عمار البادية، كنتم أمة واحدة ،فصرتم اليوم أمما، كنتم حزبا واحدا، فأصبحتم أحزابا، يا رجل البادية، يا سيد الصحراء، عد إلى قوتك وعزمك، وامتلك ناصية الأيام، وخذ عنان التاريخ، وقد قافلة البشر نحو الغاية المثلى،... لن تسعكم الصحراء والفيافي ، فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق، كونوا أسرع من العاصفة وأقوى من السيل حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة وتسبق الريح، يقول أخيرا: معذرة يا عظماء العرب، لقدأراد هذا الهندي أن يقول كلمة صريحة، فلا تقولوا أيها الكرام:هندي ونصيحة للعرب، إنكم كنتم أيها السادة أسبق الأمم إلى معرفة حقيقة الدين، وأنه لا يتم الاتصال بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا بانقطاعكم عن أبي لهب، ولا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، إن العالم العربي أيها السادة لا يتكون بالثغور والحدود فقط، وإنما يقوم على هذا الدين الإسلامي وعلى الصلة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

لقد ادرك إقبال قيمة هذا الظمأ الحنان فوجه الأنظار إليه حين قال في قصيدة له: أنزل أيها المسلم إلى أعماق نفسك وادخل في قرارتك شخصيتك حتى تكشف سر الحياة، انصف نفسه يا هذا، وكن لها وفيا صادقا، إن عالم القلب كله حرارة وسكر وحنان وشوق، أما عالم الجسم فتجاوز وزور واحتيال، ثروة القلب لا تفارق صاحبها، أما ثروة الجسم فظل زائل ونعيم راحل، إن عالم القلب، لم أر فيه سلطة الأفرنج ولا اختلاف الطبقات.

رأى اقبال ان الأمة العربية تحمل رسالة خالدة وتحتضن أمانة خالدة، وتعيش لغاية خالدة، أن الأمة العربية الإسلامية هي مصدر الانقلاب الصالح في التاريخ ومطلع فجرالسعادة في العالم، إنها لم تزل ولا تزال رائدة الانقلاب ورسول الحياة. إذا نادت الآفاق بأذانها، أشرق العالم واستيقظ الكون. الأمة العربية الإسلامية هي كالشمس إذا غربت في جهة طلعت في جهة أخرى، فلا تزال طالعة.

رأى إقبال أن مستقبل الأمة العربية منوط بالإسلام ويلزم على المسلمين الاتحاد والوئام فيما بينهم على هذه الأرض، وإن سبيلهم الوحيد إلى الاتحاد والترقي والمجد،إنما هي العودة إلى تطبيق تعاليم الإسلام قولا وفعلا وعقيدة. هذه هي رسالته إلى الأمة العربية، وهي رسالة إلى الحياة والقوة والأمل والعمل، وهي رسالة تدعو إلى نبذ اليأس والمخاوف والخنوع، وهي رسالة تعيد المجد الماضي المشرق في حياة الأمة العربية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

ضياء نافعنتحدث في هذه الحلقة عن اثنين من العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو . كلاهما ترك الدراسة فيها . اتوقف اولا عند اسم طالب الدراسات العليا المرحوم سليم غاوي عبد الجبار، الذي كان يحمل شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية في اللغة العربية وآدابها . كان انسانا هادئا ومتواضعا وخلوقا، الا انه كان منعزلا بعض الشئ، وارتبط اسمه بيننا (نحن الطلبة العراقيين) باسم الناقد الروسي بيساريف، والذي كان سليم غاوي يخطط ان يكتب عنه اطروحته وكان يتحدث عن هذا الناقد الروسي دائما، لدرجة، ان بعض الطلبة كانوا يطلقون عليه اسم بيساريف في احاديثهم الضاحكة الخاصة جدا في اوساطهم، ولم يكن سليم يعرف بذلك طبعا. لم يتميّز سليم غاوي بمعرفته العميقة للغة الروسية، هذه المعرفة الضرورية جدا – بلا شك - لدراسة النقد الادبي الروسي وكتابة اطروحة دكتوراة حول واحد من اعلامه الكبار مثل دميتري ايفانوفيتش بيساريف (1840 -1868)، ولا اعرف سبب تركه الدراسة لاحقا، ولكني اظن، ان احدى هذه الاسباب حتما تكمن في انه فهم تلك الحقيقة العلمية والبسيطة في آن . ان الكتابة عن بيساريف (رغم ان هذا الناقد عاش 27 سنة فقط) تتطلب معرفة معمقة لمفاهيمه وآرائه حول بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي، ومعرفة معمقة لمسيرة النقد الادبي الروسي واعلامه من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي ودبرالوبوف، وكل ذلك يتطلب طبعا معرفة معمقة باللغة الروسية، ويتطلب سنوات طويلة من الدراسة تكاد تصل – بالنسبة للاجنبي - الى ضعف المدة القانونية المحددة للدراسة . ولكن مع ذلك، يجب القول هنا، ان اختيار سليم غاوي لهذ الموضوع المهم والمتميّز في تاريخ النقد الادبي الروسي يعني ان غاوي كان يعرف بعض اوليات الموضوع، ويعني ايضا انه قرار شجاع وطموح جدا، ولكنه قرار غير واقعي، ولا يتناسب مع شخص اجنبي متخصص في اللغة العربية وآدابها ويريد ان يكتب اطروحة دكتوراة في النقد الادبي الروسي في جامعة موسكو .

حاولت ان ابحث عن معلومات اخرى حول سليم غاوي وانا اكتب هذه السطور عنه بعد اكثر من نصف قرن من آخر لقاء لي معه في جامعة موسكو آنذاك، ووجدت مقالة نقدية له نشرها في مجلة (الرسالة) الشهيرة عام 1952 بعنوان – (القيم الفنية للشعر المنطلق)، وما اجمل هذا العنوان وما أعمقه، اذ انه يحمل مصطلحات مبتكرة واصيلة حتى بالنسبة للقارئ المعاصر، ووجدت ايضا اشارة جميلة في مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد حول سليم غاوي (الذي كان يدرس معه في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية)، ويقول عبد الرزاق عبد الواحد  عنه – (كان لي ابن عم  اسمه سليم غاوي عبد الجبار ..كان معنا في القسم  ...انه مشروع ناقد يلفت النظر، لولا ان تشعبت به سبل الحياة..)، ويتحدث عبد الواحد في مذكراته تلك عن دراسة نقدية عميقة كتبها سليم غاوي عن شعر عبد الوهاب البياتي وألقاها امامه في (البرازيلية)، المقهى البغدادية الشهيرة في شارع الرشيد، وكل ذلك حدث في العراق الملكي قبل ثورة 14 تموز 1958 طبعا.

الاسم الثاني، الذي يستحق ان اتوقف عنده وبكل جدارة هو د. سعد الجادر، الاخ الاصغر للفنان التشكيلي العراقي الكبير المرحوم د. خالد الجادر، والذي يرتبط اسمه في تاريخ العراق المعاصر بتأسيس اكاديمية الفنون الجميلة وكان اول عميد لها، وأخ الآثاري العراقي المرحوم  د. وليد الجادر، الاستاذ في قسم الآثار بكلية الاداب في جامعة بغداد، والذي يرتبط اسمه باكتشافات آثارية عالمية مهمة في  تاريخ حضارات  وادي الرافدين، وابرزها طبعا مكتبة سوبار (انظر مقالتنا بعنوان – وليد الجادر ..عشرون عاما بعد الرحيل). سعد الجادر هو الابن البار لهذه العائلة العراقية  العريقة في دنيا الثقافة العراقية المعاصرة . كان طالبا متميّزا جدا في الصف الاول في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو، وكان واحدا من ألمع العراقيين معرفة باللغة الروسية، ومتابعا دقيقا للحياة الثقافية الروسية حوله آنذاك . انتقل سعد للدراسة في معهد الهندسة المعمارية عندما دعت الملحقية الثقافية طلبة الدراسات الانسانية الى تبديل اختصاصاتهم (انظر الحلقة رقم 8 من هذه السلسلة)، وانهى الدراسة الاولية  ثم الدراسة العليا في هذا المعهد وبشكل متميز، وعمل في عدة دول باختصاصه الهندسي المعماري هذا، وأخذ يجمع التحف الفضيّة في تلك البلدان التي عمل فيها، وهكذا استطاع ان يجمع كمية هائلة منها، مستخدما كل طاقته وامواله، وتحولت هذه الهواية الفنية الى هدف حياتي له، وقام بتنظيم عدة معارض كبيرة في بلدان مختلفة لتلك التحف الفضية، وأثارت تلك المعارض ردود فعل عالمية، ثم أصدر كتابا ضخما باللغة الانكليزية عن هذه التحف الفضية الرائعة، ويضم هذا الكتاب صورا تفصيلية وتعليقات وشروحات عن تلك التحف . اعلن د. سعد تبرعه بكل هذه التحف الى المتحف العراقي في بغداد لعرضها الدائم في قاعة تحمل اسم الجادر، ووضع كل هذه الثروة الفنية الهائلة في بنك بالمانيا، ونشر وصيّة في موقع (ايلاف) يعلن فيها ذلك . لقد قرأت تلك الوصيّة وانا اكاد أبكي، وقلت بيني وبين نفسي لماذا لا تتبنى جمعية الفنانين العراقيين مثلا (او اي جهة عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع) هذا المقترح العملاق وتسعى الى تنفيذه ؟ ...   

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الفيلولوجيا في جامعة موسكو. كنّا نسميها آنذاك (كليّة الاداب) انسجاما مع تسميات الكليّات السائدة في العراق وعالمنا العربي، ولكنها كانت تختلف عنها بشكل جذري . كليّة الاداب في العراق (عندما عملت فيها تدريسيّا منذ 1973 الى 1987 حيث انتقلنا للعمل في كليّة اللغات) هي واقعيا جامعة الدراسات الانسانية، ففيها اقسام اللغة العربية واللغات الاوربية (تحول الى قسم  اللغة الانكليزية بعد تأسيس كلية اللغات) والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والآثار والدراسات الشرقية (انتقل الى كلية اللغات) والفلسفة واللغة الكردية (انتقل الى كلية التربية) والصحافة (تحول الى كلية الاعلام)، وربما نسيت بعض الاختصاصات الاخرى في كليّة الاداب بجامعة بغداد، اما كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو فكانت تقتصر على دراسة اللغات وآدابها فقط، وكلنا (نحن العراقيين) كنّا في القسم الروسي، وهذه هي التسمية الرسمية لهذا القسم (وليس قسم اللغة الروسية كما هو متبع في العراق)، والقسم الروسي هذا واسع جدا، ويكاد ان يشكّل كليّة باكملها بالمفهوم العراقي، ففيه عدة فروع مستقلة بعضها عن البعض، وفي كل فرع توجد ادارة فيها رئيس ومقرر وسكرتارية متكاملة من عدة موظفين، وتوجد طبعا مجموعة من التدريسيين المتخصصين واعداد كبيرة من طلبة الدراسات الاولية والعليا وكافة المستلزمات العلمية الضرورية من المصادر والمكتبة والنشر ...الخ .  يوجد في القسم الروسي هذا - فرع اللغة الروسية المعاصرة وفرع تاريخ اللغة الروسية وفرع علم اللغة وفرع علم الادب وفرع الفلكلورالروسي وفرع الادب الروسي القديم  وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن الثامن عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن العشرين وفرع تاريخ آداب شعوب الاتحاد السوفيتي، اما بشأن تدريس مادة  الادب الاجنبي لطلبته في الدراسات الاولية (والتي تبدأ منذ الصف الاول وتنتهي في الصف الخامس جنبا لجنب مع مواد التخصص المرتبطة باللغة الروسية وآدابها، وهي مادة ضرورية وليست ثانوية بتاتا) فيجري التنسيق من اجل تدريسها بين القسم الروسي والقسم  المختص بدراسة اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها، والذي يضم ايضا فروعا عديدة اخرى، وباختصار شديد، فان كليّة الفيلولوجيا تختلف جذريا عن بنية كليّة الاداب بالمفهوم والواقع العراقي، ولهذا، اطلق عليها الخريجون العرب مختلف التسميات، منها مثلا، كليّة فقه اللغة، ولكننا نظن، ان الافضل والاصح ان نسمّيها - كليّة اللغات وآدابها، فكلمة (فيلولوجيا) تعني دراسة اللغة وآدابها .

العراقيون في الدراسات الاولية بهذه الكلية (وحسب الابجدية طبعا) هم -  المرحوم ادهام يحيى سليم (اولية وعليا) وسعد الجادر (انتقل الى معهد الهندسة المعمارية) وضياء نافع وعادل الجبوري (اولية  ثم عليا في كلية الصحافة، انظر مقالتنا بعنوان – مع د. عادل الجبوري في موسكو، ومقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي) والمرحوم غازي العبادي (انظر مقالتنا بعنوان عراقيون مرّوا بموسكو (12) غازي العبادي،  ومقالتنا بعنوان – حديث مع فيرا، ومقالتنا بعنوان – جولة في القسم الداخلي لجامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي) وفاروق الشيخ وفاضل فرج وماركريت طاويد كانيكانيان (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو) والمرحوم محمد يونس (اولية وعليا ، انظر مقالاتنا العديدة جدا عن د. محمد يونس) وناشئة بهجت الكوتاني (اولية وعليا، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان حديث مع فيرا ) والتحق معنا في السنة التالية كل من حسين محمد سعيد (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مروا بموسكو (18) مرتضى سعيد الحديثي) وماهي قاسم، اما العراقيون في الدراسات العليا فهم – المرحوم جليل كمال الدين (انظر مقالتنا بعنوان – وداعا جليل كمال الدين، العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه) وجميل نصيّف التكريتي (انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي  ومقالتنا بعنوان – تسفيتايفا وبوشكينها) وحسن البياتي (انتقل الى الدراسات الشرقية، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (25) د. حسن البياتي، ومقالة د. حسن البياتي نفسه بعنوان –  رسالة الى د. ضياء نافع تعقيبا على مقالته) والمرحومة حياة شرارة (انظر مقالاتنا العديدة جدا عن حياة شرارة) والمرحوم سليم غاوي عبد الجبار(ترك الدراسة) والمرحوم فائق ابو الحب (ترك الدراسة، انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو، وبعنوان - كلمات عربية في اللغة الروسية)

كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو تستحق ان نتوقف عندها في الحلقة القادمة، ليس فقط لأنها كليّتي الحبيبة، وانما لأنها تضم فعلا اسماء عراقيين جديرين ان نتحدث عنهم وعن دورهم بالحياة الثقافية في العراق المعاصر.

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعالمرحومة ا. د.حياة شرارة كانت بعيدة عن الكاتب الروسي تورغينيف عندما كانت تدرس في جامعة موسكو، اذ انها كتبت اطروحة الدكتوراه عن الكاتب تولستوي، اما المرحوم أ.د. محمد يونس فقد كان يدرس في جامعة موسكو نتاجات تورغينيف، وكتب عنه رسالة تخرجّه، اي رسالة الماجستير . وهكذا اصبحت حياة شرارة – بعد تخرجها – متخصصة بادب تولستوي، واصبح محمد يونس متخصصا بادب تورغينيف. كلاهما عادا الى العراق في الستينيات وهما يحملان هذا التخصص الدقيق في الادب الروسي، وبدأ كلاهما بالعمل في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد . محمد عاد قبل حياة، وبدأ يعمل رأسا في القسم المذكور باعتباره قد حصل على (شهادة جامعية اولية أمدها خمس سنوات – هكذا اطلقت عليها وزارة التعليم العالي العراقية تلك التسمية آنذاك كي لا تعادلها بالماجستير)، فلا هي بكالوريوس ولا هي ماجستير، او كما قال عنها احد المسؤولين العراقيين في الوزارة ساخرا مرة – (شبر اعلى من البكالوريوس وشبرين اوطأ من الماجستير!). عاد محمد يونس الى جامعة موسكو مرة اخرى لاكمال دراسته العليا بعد ان فهم، ان وزارة التعليم العراقية لن تعادل هذه الشهادة بالماجستير بأي حال من الاحوال، وحصل فعلا على شهادة الدكتوراه هناك، ولكنه ترك تورغينيف، وكتب اطروحة عن تولستوي . وهكذا اصبح في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد واقعيّا متخصصان في ادب تولستوي هما د. حياة شرارة ود. محمد يونس (انظر مقالتنا بعنوان تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس). لم ينعكس التخصص الدقيق هذا على طبيعة العمل التدريسي في القسم، اذ كانت التدريسات في هذا القسم كلها تدور في اطار المعلومات الاولية البسيطة ليس الا في اللغة الروسية وآدابها لطالب عراقي يبدأ بدراسة اللغة الروسية من الصفر، بل وان معظم هؤلاء الطلبة كانوا حتى لا يرغبون بدراستها، ولكن بالنسبة للبحث العلمي اللاحق لكليهما انعكس هذا التخصص طبعا بشكل واضح، فقد نشرت حياة شرارة كتابا بعنوان (تولستوي فنانا)، وهي اطروحتها واقعيا، ولكنها لم تستمر بالكتابة عن تولستوي، بل ابتدأت بالانتقال (ان صح التعبير) الى تورغينيف بالتدريج، وهكذا قررت ترجمة اعماله الكاملة الى العربية، واستطاعت ان تترجم وتنشر فعلا عدة نتاجات لتورغينيف هي (مذكرات صياد) و(عش النبلاء) و(رودين) ، وحياة (وليس محمد) التي كتبت الفصل الخاص بتورغينيف في كتاب (مدخل الى تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر)، الذي صدر في بيروت آنذاك (واعادت دار المدى طبعه ثانية في بغداد)، وهو كتاب منهجي باللغة العربية لطلبة قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول مادة تاريخ الادب الروسي من تأليف حياة شرارة ومحمد يونس معا، اما محمد، فكتب الفصل الخاص بتولستوي في ذلك الكتاب.

جاء مرّة الى قسمنا الصحافي المعروف الاستاذ ماجد السامرائي، وطلب منّا باسم صاحب المؤسسة العربية للنشر في بيروت (الكيالي) المشاركة بمشروعها الثقافي، وهو نشر سلسلة حول اعلام الفكر العالمي . اختار محمد الكتابة عن تورغينيف وتولستوي معا (اختصاصه الدقيق الاول واختصاصه الدقيق الثاني)، اما حياة، فقد قررت الكتابة عن بيلينسكي، اي انها لم تقرر الكتابة عن تولستوي (اختصاصها الدقيق)، ولا عن تورغينيف، الذي بدأت بالانتقال اليه، وذلك لأن محمد أخذ على عاتقه الكتابة عنه باعتباره اختصاصه الاول آنذاك، وحياة لم تكن تحب المنافسة والدخول بدروبها الضيّقة، اذ انها كانت دائما موسوعية الافآق، وتجد دائما المواضيع الجديدة ضمن اختصاصها العام طبعا، وكانت حتى لا تطيق تدريس نفس المواد كل عام، وانما كانت تحاول تنويع جدولها ولو جزئيّا . ان ثقافة حياة شرارة الواسعة جعلتها هكذا، فقد ترعرت منذ صباها في اجواء ثقافية راقية، اذ انها ابنة الكاتب محمد شرارة، وهي خريجة قسم اللغة الانكليزية قبل ان تسافر الى موسكو، اي انها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها، وكانت لغتها الانكليزية ممتازة، وكانت تستخدم هذه اللغة ومصادرها في بحوثها حول الادب الروسي، اما محمد يونس، فانه خريج المدرسة السوفيتية منذ الدراسات الاولية وحتى العليا، ولذلك، فانه يمكن القول، ان محمد يونس هو الابن البار لهذه المدرسة الفكرية، وقد انعكست كل هذه الخصائص لدى حياة شرارة ومحمد يونس على مسيرتهما العلمية اللاحقة، ولا مجال هنا طبعا للكلام التفصيلي عن كل ذلك، اذ يقتضي هذا مقارنة كل نتاجات د. حياة شرارة و د. محمد يونس، وهي عملية ليست بسيطة ابدا في مجال البحث العلمي حول الادب الروسي في العراق (وكم أتمنى ان أعود الى هذا الموضوع يوما ما)، ولكن التزاما بعنوان المقالة هذه نود ان نشير في الختام، الى ان حياة شرارة ساهمت – في نهاية المطاف - بنشر اسم تورغينيف ونتاجاته (والذي هو ليس اختصاصها الدقيق) بشكل اوسع من محمد يونس (الذي هو اختصاصه الدقيق الاول) .

دور حياة شرارة و دور محمد يونس في اطار دراسة الادب الروسي في العراق لازال ينتظر الباحثين العراقيين ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بحديثنا عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو في الستينيات. نتوقف عند المرحوم د. عباس الدباغ . كان واحدا من طلبة الدراسات العليا، الذين كانوا يحملون شهادة البكالوريوس العراقية عند وصولهم الى موسكو . كان طالبا جدّيا، وانهى دراسته ضمن الفترة القانونية بنجاح، وعاد الى العراق، وعانى (كما هو حال خريجي الجامعات الروسية بشكل عام) من مشاكل معادلة الشهادة والتعيين، واستطاع – بعد التي واللتيا - ان يعمل في جامعة الموصل لفترة، واضطر اخيرا للسفر الى اليمن للعمل هناك، واختاروه عميدا لاحدى كليات الجامعة التي كان يعمل بها في اليمن، اذ لاحظوا هناك مستواه العلمي الراقي ونضوج شخصيته وجدّيته واخلاصه في العمل، وسمعت، انه وضع في تلك الجامعة  كتابا منهجيا لهم في اختصاصه، ولكني لم اطلع عليه ولا اعرف مضامينه. لقد علّق أحد الزملاء مرة قائلا، ان العراقيين لم يلاحظوا شخصية د. عباس المتميّزة علميا واخلاقيا، لأن مغنية الحي لا تطرب (خصوصا اذا كانت خريّجة الاتحاد السوفيتي)، بينما اكتشفوا في اليمن رأسا تلك الميزات الواضحة بسهولة .  رجع د. عباس الدباغ الى العراق بعد العمل – ولمدة ليست قصيرة -  في اليمن، وساهم مساهمة فعّالة ورائعة في عملية تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية والاعداد القانوني لانبثاقها، وتم انتخابه في لجنتها الاولى في الاجتماع العام لخريجي الجامعات الروسية، الذي انعقد في كلية اللغات بجامعة بغداد عام 2004 . توفي المرحوم د. عباس مبكرا في بغداد اثر مرض عضال، ولازالت ذكراه العطرة راسخة في نفوس كل اصدقائه وزملائه . اختتم هذه السطور الوجيزة عنه بذكرياتي في جامعة موسكو معه، اذ كنت غالبا ما اتلاطف معه في جامعة موسكو  واطرح عليه سؤالا واحدا وهو  – من وجهة نظر علم الاقتصاد، لماذا يستلم طالب الدراسات العليا 150 روبلا شهريا، بينما نستلم نحن طلبة الدراسات الاولية 90 روبلا شهريا، وهل هذا يعني ان طالب الدراسات العليا يحتاج ان يأكل أكثر من طالب الدراسات الاولية؟ وكان عباس يضحك من اعماق قلبه عندها، وقد ذكّرني مرة في بغداد بذلك السؤال، وقهقهنا معا، وهو يقول لي، انه لن يجيبني ابدا عن هذا السؤال  من وجهة نظر علم الاقتصاد .

الاسم الثاني الذي اود ان اتوقف عنده هو المرحوم خالد الزبيدي، الذي كان طالبا في كلية الاقتصاد، ولكن الملحق الثقافي محمود شكري استدعانا، نحن طلبة الدراسات الانسانية، واخبرنا بضرورة تبديل اختصاصنا الى دراسات علمية، وان ذلك التبليغ رسمي وصادر من الدولة العراقية، وانه اتفق مع الجانب السوفيتي بشأن تنفيذ هذا النقل . لقد كنّا آنذاك في الصف الثاني، وقد ناقشناه – نحن طلبة كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) -  وقلنا له ان العراق يحتاج الى مترجمين عن اللغة الروسية لتوسّع العلاقات العراقية – السوفيتية في مجالات متنوعة وعديدة جدا، فأجابنا، ان العراق يحتاج الى مترجمين اثنين فقط لا غير من الذين يعرفون اللغة الروسية، وان البقية فائضين عن حاجة العراق، وقد ضحكنا من منطقه الافلج  هذا. يمكن القول ان اكثرية الطلبة رفضت مقترح الملحقية، الا ان بعض زملائنا وافقوا على ذلك، معتبرين انه لا ضير من الانتقال الى الاختصاص الذي يرومون دراسته، وانها  فرصة يجب الاستفادة منها رغم كونها تحمل صفة سياسية واضحة المعالم، اذ انها انعكاس لما كان يجري في العراق اواخر حكم عبد الكريم قاسم .  كان خالد الزبيدي من جملة الطلبة الذين قرروا الانتقال الى كليّات اخرى، رغم انه كان الشخص الثاني في رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، وهكذا ترك خالد كليّة الاقتصاد و انتقل الى الدراسة في معهد الهندسة المعمارية، اذ وافق الجانب الروسي على ذلك بتنسيق مع الملحقية الثقافية طبعا . وأذكر اني تحدثت معه عندئذ، وقلت له، ان هذا الاختصاص يتطلب موهبة ذاتية في قضايا الرسم والتخطيط المعماري، فقال لي مبتسما، ان المهندس المعماري في العراق يرسم خريطة بناء البيت على (باكيت جكاير تركي او لوكس) (وهي سجائر عراقية كانت موجودة في الخمسينيات ويتذكرها زملائي الشيّاب طبعا) ويعطي الخريطة للمقاول، ويؤكد المهندس فقط على مواقع الابواب والنوافذ . لقد كان المرحوم خالد الزبيدي انسانا مرحا ولطيفا وبسيطا ومجاملا ومحبوبا من الجميع، ولكنه لم يتميّز علميا، ومع انه اكمل دراسته وحصل على شهادة الهندسة المعمارية، وعمل في العراق مهندسا في احدى دوائر الدولة، فانه واقعيّا لم يكن مهندسا معماريا حقيقيا مثل بعض زملائه الذين انهوا دراستهم في هذا المعهد الشهير، ومنهم، مثلا، المعماري العراقي المعروف د. خالد السلطاني، الذي يعدّ الان واحدا من كبار منظريّ الهندسة المعمارية في العراق وأحد اهم مؤرخيّها، واصبحت كتبه وبحوثه مصادر اساسية في المكتبة المعمارية العربية.   

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

بكر السباتينمن هو الزعيم الإسباني الذي طالب بالهوية الأندلسية التراثية وكيف فرض تدريس اللغة العربية والأزياء الأندلسية جنوب البلاد!

ما هي علاقة رقصة الفلامنجو بسقوط الأندلس؟ وأسئلة أخرى..

لا يمكن تهميش التاريخ طويلاً حتى لو عربدت في تفاصيله العقول المجيرة لرواية المنتصر دون اعتبار لدور المهزوم الحضاري ذات يوم في إيقاظ مصابيح النهار، من هنا سيرجم المهزوم بعد السقوط بالتهم التي يتذرع بها الطاغي، لاجتثاثه من الجذور، وستوظف من أجل تحقيق هذه الغاية البرامج التربوية المسيسة، ترسيخاً لرؤية حامل الصولجان حتى في مجال البحث العلمي الموضوعي ولولا القليل من مراكز الأبحاث الحيادية لماتت الرواية التاريخية بتفاصيلها التي تظل تتردد فقط في القلوب المكلومة؛ لتذوب في الموروث الشعبي كمفردات ذات دلالات يمكن التقاطها ذات يوم.. حتى تتحرك الرمال وتتكشف الحقيقة في وضح النهار في عالم منفتح على الفضاء دون قيود ووعي يتغذى دون حدود.

وينبغي في سياق هذه المقدمة أن نتتبع مقولة أن تهميش التاريخ لا ينسجم مع الواقع الذي يقر بعكس ذلك تماماً من خلال ما جرى في إسبانيا الاتحادية أو ما تعرف بشبه الجزيرة الإيبيرية منذ سقوط الأندلس على يد القشتاليين عام 1492، وصولاً إلى يومنا هذا، حيث تقف إسبانيا الإتحادية مضطربة أمام تحدٍّ مستقبلي ورثته من ماضيها السقيم البعيد القريب، ما وضعها في أزمة هوية كبرى، جعلتها عاجزة عن التفاعل المجدي مع القوميات الطرفيّة مثل الأندلوثية والكَتَلونية والباسكيّة وأضعفت من موقف مركز الإتحاد. وهذا ما جرى لإقليم أندلوثيا الذي جرد من هويته الدينية والتراثية بعد سقوط الأندلس قبل 527 عاماً، وإبادة أهلها لتسود الإقليم فوبيا استرجاع الماضي الأندلسي الأليم.. وأغلقت الذاكرة صناديقها على أسوأ ملفات الإبادة البشرية التي شهدها التاريخ.. ولكن المخرجات انتظرت طويلاً في دهاليز الرعب قبل أن تتسلل إلى الحاضر فتنعش الوعي في عقول ورثة الحضارة الأندلسية، المورسكيين المغبونين، وهم يعيشون في قطيعة مع تراثهم الإنساني العظيم.

ففي إقليم أندلوثيا (الأندلس)، خرجت الأنفاس ملتهبة من خلال زعماء أنيط بهم إحياء الوعي الأندلسي بالكارثة التي حلت بأجدادهم، والتي تم تغييبها من التاريخ الإسباني واعتبارها مجرد حدث عابر دون الإشارة إلى مخرجات الكارثة على سكان الإقليم وانتزاع هويتهم التراثية في إطار الإبادة التي تعرضوا لها بعد سقوط الأندلس.. ورغم ذلك عاد ذلك الموروث ليتنفس من جديد في وعي أبنائه.. حتى في الموروث الموسيقى وعلى ضفاف العزلة القهرية التي فرضت عليهم، نمت رقصة الفلامنجو.. والتقط شاعر إسبانيا العظيم، لوركا الدرر من تجربة التراث الأندلسي ليؤسس فرقة "مسرح العرب الجوال" الذي اعتمد فيه على التراث الفني والأدبي الأندلسي القديم.

إذن كيف استعاد إقليم أندلوثيا (الأندلس) وعيه بكل أبعاده السياسية والتراثية متحرراً من فوبيا الهوية الأندلسية التي أصابت أهل الإقليم بلعنة العزلة والقطيعة مع الماضي التليد؟ ولنتطرق إلى مفجر هذا الوعي الذي تحرر من تلك الفوبيا ليضع النقاط على الحروف.. واستطاع أن يحرك الوعي في عقول الأندلوثيين الإسبانيين لكي يستعيدوا هويتهم كباقي الأقاليم في إسبانيا الاتحادية..إنه "بلاس انفانتي بريث" فمن هو هذا الزعيم الذي لقب بأب الأمة الأندلسية، الذي أنعش الذاكرة التاريخية بتفاصيلها؟.

وقبل الحديث عن هذا الزعيم الفذ، لا بد من التذكير بأن إقليم أندلوثيا (الأندلس) يعتبرالأخطر في قائمة التحديات التي تواجه إسبانيا الاتحادية، من حيث الذاكرة التاريخية التي تدين جرائم القشتاليين ضد المسلمين في الأندلس التاريخية الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم في إطار خيارات ثلاثة تجلت في الإبعاد أو الانقلاب إلى الدين المسيحي وإلا فالإعدام قتلاً بالسيف أو بالحرق (في هذا الوقت اكتشف فيه الإسبانيون الأمريكيتين ومارسوا ذات الجبروت ضد الهنود الحمر كما تؤكد الوثائق التاريخية)

فالعودة إلى الذاكرة (بتصرف: مقال لي /صوت العروبة) أيقظت “بلاس انفانتي بريث” الذي اعتبره سنة 1983 م برلمانُ إقليم الأندلس بالإجماع أب الأمة الأندلسية و رائد النضال للحصول على قانون للحكم الذاتي بالأندلس وبالتالي الحصول على حق رفع العلم الأندلسي الإسلامي القديم إلى جوار العلم الإسباني الحديث؛ ما يعني أن مربع الحكم الذاتي كان هو الأساس لدفع قضية الإقليم باتجاه نيل الاستقلال عن إسبانيا الاتحادية، فمقومات ذلك كما كان يراها “إنفانتي” تتمثل بوحدة التاريخ المتمثل بتاريخ العرب في إسبانيا الأمر الذي دعاه للمطالبة باستعادة اللغة العربية إلى جانب الإسبانية لاعتمادها في الحياة العامة وتعليمها في المدارس والجامعات.. لا بل وأكد على حرية أهل الإقليم في استعادة زي أجدادهم العربي الأصيل الذي كان سائداً في عهد الأندلس في إطار الخصائص الاجتماعية الخاصة للإقليم ما يجعلها لا تنسجم نسبياً مع النمط السائد في عموم المقاطعات الإسبانية الأخرى وخاصة أنه كان قد أعلن إسلامه أسوة بأجداده من بني أمية! ولتحقيق مطالب الإقليم السياسية أسس “إنفانتي” حزباً يطالب بإعادة إقليم الأندلس للوجود وتحققت مطالب هذا السياسي القوي في إطار ما يسمى اليوم إقليم (أندلوسيا) ويضم سبعة مدن إسبانية جنوبية رئيسية، هي غرناطة وهي عاصمة الإقليم، قرطبة، إشبيليا، ملقه، ألمريا، ألبا، وكادث.

والإقليم اليوم مستقل في القانون وإدارة الشؤون الداخلية؛ إلا في مجال الدفاع والخارجية.

إلا أن “إنفانتي” لاقته المنية بعد مطالباته باعتماد العربية لغةً رسمية للبلاد إضافة للزي العربي الأندلسي؛ حيث تم قتله في ظروف غامضة بينما لم يستطع القاتل طي صفحته التي تبلورت في إرثه السياسي الذي ما يزال حاضراً في التداعيات الانفصالية للأقاليم التي تشكل إسبانيا الاتحادية في عموم شبه الجزيرة الأيبيرية.

وفي سياق متصل، فإن عودة الوعي أخرجت التراث الأندلسي ليتجلى في الثقافة الإسبانية كملهم، لا بل فقد أعطى الثقافة الإسبانية خصوصية ميزتها عن سمات عصر النهضة الأوروبي المستوحى من التجربة الفلورنسية في إيطاليا (التراث القوطي والباروكي) حتى في الفن المعماري والزخارف التجريدية المستوحاة من آثار العرب في الأندلس مثل قصر الحمراء..

- الشاعر الإسباني لوركا وإحياء التراث الأندلسي

وقد أبدع شاعر إسبانيا العظيم لوركا في استلهام الموروث الفني والأدبي الأندلسي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، من خلال تبني مشروعه الثقافي القائم على استلهام التراث الأندلسي في إطار الوعي بقيمته الحضارية كجزء من التاريخ الثقافي لإسبانيا لا يمكن تهميشه، لكنه أيضاً راسخاً في قلب المكان الذي شهد مأساة الأندلس وجُرِّدَ من هويته التراثية. فماذا فعل هذا الشاعر العظيم؟

قام لوركا في عام 1922 بالتعاون مع فنانين اخرين بتأسيس مهرجان الأغنية العميقة بمدينة غرناطة تحت اشرافه واشراف (ما نويا دى فايا) فكان أول مهرجان يوظف الغناء الاندلسي الموروث عن زرياب، كي يثبت أن الغناء العميق ليس مجرد ارث قديم بل هو شيء يفيض بالحيوية والجمال والتميز.

ويتميز الغناء العميق بتقسيمات فرعية لنغمات تقل مدتها الزمنية عن نغمات الموسيقى الغربية ولذلك لا تؤدى على آلات الموسيقى المنهجية المعروفة مثل البيانو والكمان وغيرهما، ومن أكثر الآلات المناسبة لهذا اللون الأندلسي هو الجيتار بكل ما يتمتع به من قدرة تعبيرية.

لذلك كرس لوركا بعد ذلك جهوده للغناء الشعبي الإسباني وبعث الحياة في الغنائيات التراثية ليؤديها اعضاء فرقته الجوالة التي قدمت عروضها ضمن "مسرح العرب الجوال" كما الف (لابرابا) وهى نوع من الغنائيات الشعبية ذات الإيقاعات العربية الاصيلة . وفي غمرة هذه التجارب كانت التجربية المنسية للموركسيين الذي هربوا من بطش القشتاليين إلى الجبال العالية الوعرة والوديان المعزولة قد أيقظوا تجربتهم الفنية لتعبر عن هويتهم في حيز الثقافة الأندلسية وضمن الثقافة الإسبانية الاتحادية، من خلال الفلامنجو.

- الفلامنجو وعودة الوعي

قسم الباحثون الفلامنكو كما جاء في الموسوعة الحرة (بتصرف) إلى ما يلي:

"أغاني غجرية الأصل، أغاني أندلسية الأصل، أغاني خفيفة".

ولنقترب أكثر من الهوية الأندلسية في إطار ثقافة الاتحاد الإسباني من خلال رقصة وموسيقى الفلامنجو.. وها نحن أمام وصلة موسيقية راقصة لفن الفلامنجو الأندلسي.. إذْ ينبغي على مؤدى الرقصة أن يرتجل الكلمات التي تعبر عن الاغتراب والقهر والتمرد على الأسر حتى لو كانت الكلمات في الحب أو الحماسة بحناجر ملتهبة متفجرة، ويكون ذلك من خلال التعبيرات الحركية المنسجمة مع إيقاع القطعة الموسيقية المصاحبة للرقصة، وذلك من خلال حركة القدمين وطقطقة الأصابع، حيث يصحب كل ذلك حركات قوية للذراعين لكنها انسيابية رشيقة. ويمكن أن يؤدى رقصات الفلامنكو شخص بمفردة أو زوج أو فرقة كبيرة العدد، والراقصون المهرة ينفعلون بروح حماسية وينقلون حماسهم وانفعالهم للمشاهدين.. وتسهم الأزياء المتنوعة الألوان والضجيج العالي في إضافة الكثير من الإثارة على تكنيك الأداء الحركي. وكان يصاحب راقصي الفلامنكو في الأصل التصفيقُ والغناءُ والضربُ الخفيفِ بالأقدام؛ إلا أنه أضيف إليها بعد ذلك الجيتار. إن هذا العنف الجسدي والحركة المتشنجة على إيقاع الموسيقى والصوت الذي يخرج من الأعماق ليتفجر في الفضاء المفتوح، إنما يعبر عن طاقة مكبوتة لروح أسيرة أو منفية.. روح قلقة توارثها غجر إسبانيا من بقايا المسلمين المورسكيين الذين نأوا بأرواحهم عن بطش القشتاليين بعيداً في قمم الجبال النائية والوديان المتوارية عن الأنظار، وكان فن الفلامنجو هو صوتهم الذي نما في الهامش، وظل الغجر مطيته إلى قلوب الإسبانيين دون أن يدركوا بأنهم يُدْخِلون صوت الضحية إلى حياضهم، ذلك الوجع المسكون في إيقاعات فن الفلامنجو والذي يحكي عن مأساة ما بعد سقوط الأندلس التي حلت بالهاربين من الفلاحين والمتمسكين بدينهم الإسلامي من المورسكيين الأندلسيين الذين ابتلعتهم الوديان وتواروا في هامش الأحداث بعيداً عن مركز الفعل الحضاري المعاصر في قلب شبه الجزيرة الليبيرية القشتالية (الإتحاد الإسباني).. إلى أن استيقظت تلك الأوجاع في قلوب ورثة الحضارة الأندلسية من الأجيال الحديثة، الحضارة التي بقيت معالمها شامخة في قرطبة وغرناطة.

وعن الأثر الأندلسي على "الفلامنكو" كتب الإسباني، أنطونيو مانويل راموس، وهو ملحن وأستاذ بجامعة قرطبة، قائلاً:

إن "العديد من المورسكيين واليهود المتحولين بقوا في شبه الجزيرة الأيبيرية. طائفة كبيرة هاجرت إلى المنحدرات الداخلية للعيش في الأكواخ والكهوف المنعزلة عن المناطق الحضرية، كانوا متجولين أو مجتمعين في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها." ويكمل رامس قائلاً:

"لقد كانوا الفلامنكو.. لأن كلمة فلامنكو، في النحو، مقتبسة من الكلمتين العربيتين: (فلاح-منكوب)، أي مطرود، مهمش، مُجرُّد من أرضه ولسانه ودينه. لكنه ليس مجرداً من ذاكرته. لقد كظم الفلامنكو (الفلاحون المنكوبون) ألم الضياع لينشدوا في انفراد موسيقاهم الشعبية بحنجرة مملوءة بالدم. هكذا وُلدت (الكانتي خوندو) أي (الأغنية العميقة). إنه التعبير الغامض والمجهول عن ألمهم الشخصي. يرفع المنشدون السبابة ويذكرون اسم الله (أولي Olé) تعظيماً لاسم الجلالة. بينما يرتلون وسط التصفيق بداية (الشهادتين) (لا إله إلا الله). ثم يغمضون أعينهم وهم ينشدون:

جزر الوادي الكبير

التي رحل منها الموروس

الذين أبوا الرحيل

وما أروع المرور من طريانة

ومشاهدة البرج الذهبي..

بلا أجراس.

لا يفهمون ما يقولون،

لكنهم يحسون به".

وكثيرة هي الأغاني التي تغنى صمن أناشيد الفلانجو دون أن يدرك المؤدون معناها وقد أوضح أنطونيو مانويل راموس في مقالته بأن المياومين الفلاحين دأبوا على ترديد صلاة مورسكية دون أن يعلموا أنه وِرْدٌ مثيرٌ ارتدى قناع لعبة فلامنجو، يغير وجهه عند كل تغيير صوتي، مثل تبادل السلام.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الضغط يولد الانفجار.. وتغريب القشتاليين عبر تاريخ إسبانيا للهوية الأندلسية في إطار الاتحاد الإسباني سيؤدي إلى تلك النتيجة، فالشخصية الأندلسية لها امتدادات تاريخية لا يمكن تحجيمها فقد تجاوزت قدرات الاتحاد الإسباني على لجمها وإعادة المارد إلى قمقم الهامش والنسيان.. وها هم راقصو الفلامنجو يطرقون الحاضر بذاكرة الوجع الأندلسي القديم.. ويرفع الجيل الجديد في إقليم أندلوثيا علم الأندلس الأخضر فوق المباني الرسمية ويرتدون أزياء المعتمد ابن عباد وابن زيدون وولادة وابن رشد، ويتعلمون فن الموسيقى والإتكيت من زرياب، وينحنون احتراماً لرموز الحضارة الأندلسية التي انتشرت تماثيلهم في المواقع الاستراتيجية داخل الإقليم.

 

تحليل تاريخي ثقافي..

بقلم بكر السباتين..

 

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بالحديث عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو . في الحلقة السادسة تكلمنا عن اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي المرحوم د. محمد علي الماشطة، الطالب في كليّة الاقتصاد، ونتحدث في هذه الحلقة عن الرئيس الثاني للرابطة، الطالب ايضا في كليّة الاقتصاد وهو المرحوم د. وجدي شوكت سري . وصل وجدي الى موسكو بعد عامين من وصولنا، والتحق بكليّة الاقتصاد بعد ان درس اللغة في الكلية التحضيرية . كانت هناك هالة كبيرة حوله باعتباره كان مناضلا شيوعيا في العراق ودخل السجون والمعتقلات بسبب عقيدته الشيوعية، وهكذا اصبح رأسا الرئيس الثاني لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، ولكن الفرق بينه وبين محمد علي الماشطة كان واضحا، اذ كان وجدي مغرورا ومتعجرفا ويهتم بمظهره الخارجي ودائم الحديث عن نفسه ونضاله عكس محمد علي الذي كان يمتاز بالبساطة المتناهية والتواضع والطيبة والابتسامة الدائمة، ولم يكن وجدي يتقن اللغة الروسية ولا يعرف خصائص المجتمع السوفيتي حوله مثل محمد علي الماشطة طبعا، وكان يحتاج دائما الى مترجمين عند تعامله مع الروس . أذكر مرة، عندما زار موسكو الشاعر محمد صالح بحر العلوم، دعوناه كي نلتقي معه في جامعة موسكو، وكان وجدي باعتباره رئيس الرابطة مدعوا طبعا . كان اللقاء في قاعة صغيرة في الاقسام الداخلية لجامعة موسكو، واشترينا قليلا من الفواكه والشربت البسيط كي نقدمها للجميع اثناء اللقاء، فاذا بوجدي شوكت سري يطلب ان تكون له مع بحر العلوم مائدة خاصة تمتاز عن موائد الطلبة، مائدة تحتوي على كذا وكذا من الطعام والشراب، وعندما اخبرناه بعدم امكانية ذلك، غضب وأخذ يهدد ويرعد ويزبد، وقال وهو يصرخ، انه رئيس الرابطة، وان كلمته لا يمكن ان نناقشها . بل يجب ان ننفذها . لم ننفذ طلباته طبعا، ولكن وجدي – مع ذلك - جاء الى اللقاء وجلس مع بحر العلوم بشكل طبيعي ولكنه كان متجهما، ولم يتكلم بتاتا. انتهت فترة وجدي لرئاسة الرابطة، وبقي طالبا في كلية الاقتصاد وحسب، ولكنه استمر طبعا كواحد من قادة التنظيم الشيوعي الطلابي، وبعد ان انهى الدراسة، عاد الى العراق وترك كل ارتباطاته السابقة وكل علاقاته مع زملائه واصدقائه القدامى اثناء مرحلة الدراسة، ورجع مرة اخرى في السبعينيات للدراسة العليا في جامعة موسكو وفي كليّة الاقتصاد طبعا، ولكنه كان يختلف جذريا عن تلك الشخصية السابقة بكل معنى الكلمة، وقد كنت انا بايفاد الى موسكو للمشاركة بندوة اساتذة اللغة الروسية وادابها في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، ومررت لزيارة اصدقائي العراقيين القدامى بجامعة موسكو، فرأيتهم يلعبون كرة القدم في باحة الاقسام الداخلية، وتعجبت عندما رأيت وجدي بينهم وهم يهزأون بلعبه وتصرفاته، وقلت لاحدهم ذلك همسا، فاجابني ضاحكا، انك تنظر اليه بعيون الستينيات عندما كان (قائدا منتفخا!)، اما الان، فانه اصبح شخصا آخر تماما. تحدثت معه قليلا عندما لاحظني، وقال لي انه يعرف انني اعمل في صحيفة الجمهورية البغدادية، فتعجبت انا من قوله، وقلت له انني اعمل تدريسيّا في قسم اللغة الروسية بكليّة الاداب في جامعة بغداد، فاندهش وقال لي، انه قرأ مقالاتي شخصيّا في جريدة الجمهورية، فقلت له، انني انشر ترجماتي عن الروسية في صفحة آفاق، التي اسسها ويديرها الصحافي العراقي المعروف محمد كامل عارف خريج كلية الصحافة في جامعة لينينغراد، وان النشر في صفحة آفاق لا يعني انني اعمل في تلك الصحيفة، فصمت وجدي ولم يعلق بأي كلمة حول ذلك، وقد فهمت طبعا حتى من طبيعة حوارنا القصير هذا، انه اصبح شخصا مختلفا فعلا . وكان هذا آخر لقاء لي مع المرحوم د. وجدي شوكت سري وآخر دردشة معه .

ان المرحوم د. وجدي شوكت سري هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الطلبة العراقيين في موسكو ومسيرتهم في الستينيات، جزء ايجابي وسلبي في آن واحد، ايجابي لانه أدّى دورا واضحا ومعيّنا في ادارة عمل الرابطة، اذ كان رئيسا لها لمدة سنة دراسية باكملها رغم بيروقراطيته وعنجهيته، وايجابيا ايضا لانه لم ينحدر في العراق (عندما ترك كل شئ) الى مواقع مضادة لافكاره السابقة التي تركها، وانما اكتفى بعزل نفسه كليّا عن كل ماضيه ليس الا، وهذا موقف شخصي بحت، ولكنه موقف اخلاقي ايجابي بحد ذاته، موقف يستحق عليه التقدير والاحترام بلا شك، اذ كانت هناك تجارب اخرى مع هؤلاء الذين تركوا مواقعهم الفكرية السابقة وتحولوا الى عناصر مضادة عدوانية وانتهازية، ولكن وجدي لم يكن هكذا ابدا .

ختاما، اود ان اشير، الى ان ارملته اتصلت مرة بعمادة كلية اللغات (وكنت انا معاونا للعميد آنذاك)، وقالت انها تريد ان تهدي للكلية القاموس الروسي – الانكليزي الكبير، الذي كان عند المرحوم زوجها، فرحبنا بها واستلمنا منها القاموس المذكور، وكان اسم وجدي شوكت سري مكتوبا على صفحته الاولى وبخط يده، وقد شكرناها على هذه المبادرة العلمية الطيبة، وترحمّنا على روحه، واودعنا القاموس في مكتبة قسم اللغة الروسية بكليتنا، المكتبة التي احترقت باكملها اثناء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 .

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة قدري أبو حسين محافظ حلوان الأسبق، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا الوطني العظيم، فهو الذي قام بتأسيس حزب "مصر بلدى" فى 2014، وهو الذي سعي بالتنسيق مع مجموعة من الأحزاب، لتشكيل تحالف انتخابي تحت مسمى ائتلاف الجبهة المصرية، وهو الذي خاض انتخابات البرلمان الماضية ضمن تحالف أحزاب الجبهة المصرية وتيار الاستقلال ولقب بـ"صانع التحالفات"، وهو ذلك الرجل العظيم الذي قدم خلال مرحلته الطويلة في حياته الكثير من العمل الوطني والسياسي تخللها العطاء والانجاز في جميع المواقع التي تحمل فيها المسئولية، وكان حسه وشعوره الوطني حاضراً مما جعل الجميع يثني علي سيرته العطرة.

وكان قدري أبو حسين قد شغل منصب رئيس مجلس مدنية أخميم بمحافظة سوهاج، حتى تولى سكرتير عام محافظة أسيوط، ومن ثم عُين في منصب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، حتى شغل منصب محافظ حلوان بعدما وافق قرار رئاسى بإنشائها فى 17 أبريل 2008 . وقد قالت الصحفية اللامعة "ياسمين مبروك" في مقال لها بجريدة الفجر بعنوان (محطات بارزة في حياة الراحل "قدري أبو حسين" محافظ حلوان الأسبق) : " كان أبو حسين، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، وهو ما أهله لاختياره كمحافظ لحلوان بعد حازم القويضي... رشحه حازم القويضي، لإكمال مسيرته بعد تركه لمنصبه، كمحافظ لحلوان.. تم تعينيه كمحافظ لحلوان في فبراير 2010 أي قبل أقل من عام من ثورة 25 يناير.

كان قدري أبو حسين رجلاً وطنيًا وعاش مخلصًا في أداء عمله، والمناصب التنفيذية التى تولاها، كما كان نموذجاً رائعاً فى العمل التنفيذي والسياسي والحزبي وبذل أقصى الجهد لخدمة الوطن والشعب، وقد وصفه النائب الأستاذ  مصطفي بكري (في مقال نشره في جريدة السبوع) بأنه صاحب القلب الطيب الجسور اللين السياسي المخضرم وواحد من أهم رجال المحليات فى مصر.. إنه قدري أبو حسين الأخ والصديق والإنسان عرفته منذ سنوات طوال اقتربت منه، وعندما تولى منصب محافظ حلوان دائرتي الانتخابية، اقتربت منه كثيرا شاهدته عن قرب لم يتغير لم يتبدل أنه نفس الإنسان البسيط المتواضع ابن الصعيد، الذى يفتح لك صدره ويترك مكتبه لاستقبالك ويصر على أن يوصلك إلى باب الأسانسير وهو لا يتوقف عن إسداء كلمات الترحيب التى تبدأ بكلمة "يا مرحبًا بابن العم" وتنتهي بأجمل كلمات الوداع... كان دوما يفخر بأنه صعيدي وكانت أحلى لحظات حياته عندما يجلس وسط جمع من أصحاب العمم البيضاء ويحتسي معهم الشاي على الطريقة الصعيدية... وكان مكتبه مفتوحاً للجميع منذ الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من المساء كأنها "قعدة عرب" على "المسطبة" فى حواري أخميم (أخميم التي أحبها وأحبته)، سوهاج التي قضى فيها أجمل سنوات عمره لذلك أحبه السوهاجية من المغتربين فى القاهرة بذات درجة حبهم له فى المحافظة واختاروه رئيسا لجمعيتهم".. فى عام 2013 بدأنا سوياً جنبا إلى جنب فى تأسيس جبهة مصر بلدي مع اللواء أحمد حمال الدين، تجولنا فى المحافظات، كانت كلماته تخرج من القلب ولم يكن يعرف لغة الزيف أو النفاق... كان صافياً نقياً ودوداً، كريماً، إنساناً، يمتلك قلب طفل، وعقل الرجال الكبار.. وإذا ذهبت إلى زيارته فى منزله أو مكتبه، ينتفض على الفور، جهزوا الغدا يا ولاد، .. اخترناه رئيسا لحزب مصر بلدي فقد كان الأجدر، والأكثر حنكة... تحمل المسئولية بشجاعة وعزيمة، ظل على ثوابته ومواقفه حتى اللحظات الأخيرة في حياته، لم يكن فقط عم السوهاجية فى القاهرة وغيرها، بل كان رمزًا لكل أبناء الصعيد. وعندما كنا نلتقي في إفطار جمعية أبناء سوهاج، أو أبناء قنا فى القاهرة، كنا نسمع منه أحلى الكلمات التي تعيد إلينا أشياء كثيرة افتقدناها في غمرة الحياة فى القاهرة.. رحل صاحب الضحكة الصافية من القلب، والذى تسمع صوت قهقهته عن بعد، فتقول أنه قدري أبو حسين الذى لا يعرف سوى لغة التفاؤل في حياته رغم قساوة الحياة وظروفها.. رحل الرجل الذى كان مهموما بأهله، ساعيا إلى حل مشاكلهم من أخميم إلى قلب القاهرة، وداعًا أيها الأخ والصديق والإنسان، وداعًا يا رمزنا الذي ستبقى فى ذاكرة كل من عرفوك واقتربوا منك، سلامُا على روحك الطاهرة إلى أن نلتقي".

وفي مقال نشرته " د. سامية أبو النصر" بعنوان "وداعا قدرى أبو حسين" بجريدة الأهرام، قالت : " لست من الشخصيات التي تنعى كل من تعرفه، ولكننى أفضل بين الحين والآخر أن أكتب عن بعض الشخصيات الذين تأثرت بهم وأثروا في حياتي، وهذا احتراما وتقديرا لهؤلاء الشخصيات الذين كان لهم عظيم الأثر فى حياتى، وها هو الوزير قدري أبو حسين، محافظ حلوان الأسبق، حيث اقتربت من هذا الرجل الخلوق رحمة الله عليه فى الفترة الأخيرة، عقب تأسيسه حزب مصر بلدى بعد ثورة 30 يونيه وكان له دوراً كبيراً فى دعم ركائز هذه الثورة.... عرفته شخصية صعيدية من الطراز الأول، حيث إنه ابن بار من أبناء سوهاج ورئيس جمعية أبناء سوهاج. كان يعشقها حتى أنه فى أواخر أيامه فضل البقاء هناك، وكان شخصية خلوقة محبة لتراب هذا الوطن، وبرغم أنه كان سياسي محنك إلا أنه لم يكن يوماً يعرف لغة المؤامرات أو التحالفات المشبوهة (السياسة غير النظيفة) وعندما قررت خوض المعركة الانتخابية الانتخابات التكميلية لحدائق القبة عام 2016 كان من المشجعين والداعمين لى، وكنت أشعر معه بمشاعر حب الأب لابنته وكيف كان داعماً ومشجعاً ومناصراً، حيث كان يقدر عمل المرأة للغاية.... وكان دائماً مهموماً بقضايا وطنه، قلقاً من تولى غير الأكفاء المناصب القيادية، وكان يقلقه فساد بعض المسئولين في المحليات، ولما لا فهو الرجل الذى قضى كل عمره في المحليات... وداعا صاحب القلب الطيب العاشق لوطنه، الذى كان لا يعرف الخصام مع أحد.. الطيب في غير ضعف.. المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.. رحل ابن الصعيد الذى عاش ومات مناضلاً من أجل أن تعيش بلاده حرة كريمة.

تحية طيبة لابن بلدي الحبيب قدري أبو حسين  الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً لرجل الدولة الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله قدري أبو حسين، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الاقتصاد. كان فيها مجموعة من الطلبة العراقيين في الدراسات الاولية والعليا، وهم (حسب الابجدية) كل من – اسماعيل خليل (عليا) / خالد الزبيدي (اولية)/ شريف الشيخ (عليا) / عباس الدباغ (عليا)/ عبد الحسين زيني (عليا)/ عبد القادر الجبوري (اولية ثم عليا)/ علوان الحمداني (عليا) / فتاح السامرائي (عليا) / كمال جرجيس انطون (اولية) / محمد علي الماشطة (اولية ثم عليا) / ميسّر قاسم (عليا) / نجيب نجم الدين (عليا) / وجدي شوكت سري (اولية ثم عليا)، واخشى انني نسيت اسماء طلبة آخرين في تلك الكليّة (وكم أتمنى ان يشارك الاخرون في هذه المقالات باضافة معلومات او تصحيح ما اكتبه الان). لقد كانت كليّة الاقتصاد هذه واحدة من الكليّات المرغوبة جدا من قبل الطلبة العراقيين، اذ انها كانت رمزا لدراسة الاقتصاد الاشتراكي في قلب المعسكر الاشتراكي (في ستينيات ذلك القرن) وعاصمته موسكو طبعا.

أقدم طالب عراقي في هذه الكليّة هو المرحوم د. محمد علي الماشطة، الذي وصل الى موسكو العام 1957 ضمن الوفد العراقي للمشاركة في المهرجان العالمي للطلبة والشباب (وهو وفد ارسله الحزب الشيوعي العراقي آنذاك)، وبقي محمد علي الماشطة للدراسة في موسكو بعد المهرجان، وكان من الطبيعي ان يلتحق بكلية الاقتصاد في جامعة موسكو لدراسة اسس الاقتصاد والفكر الاشتراكي، وكان آنذاك الطالب العراقي الوحيد في جامعة موسكو. بعد ثورة 14 تموز 1958 تدفق العراقيون للدراسة في الجامعات الروسية، وهكذا اصبح محمد علي الماشطة نجما ساطعا بالنسبة لنا، اذ كان في الصف الثاني بكليّة الاقتصاد في جامعة موسكو عندما كنّا نحن جميعا (الوجبة الاولى) طلبة في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية في العام الدراسي 1959 / 1960. ارتبط اسم محمد علي الماشطة برابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (انظر مقالاتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 1 – 5)، اذ انه كرّس كل وقته وجهده ونشاطاته من اجل تأسيسها واخراجها الى حيّز الوجود كما يقولون ، وكان رئيس اللجنة التحضيرية لها واول رئيس للرابطة، حيث انتخبناه بالاجماع لهذا الموقع في المؤتمر الاول للرابطة الذي انعقد في جامعة موسكو، وكنّا نسميه آنذاك (واضع اسس الرابطة)، وقد اصبح اسمه رمزا للرابطة لدرجة، ان جواد البدري (طالب الدراسات العليا في كلية البايولوجي بجامعة موسكو آنذاك) كتب قصيدة (وكان عندها زعلانا على الرابطة ولا يريد المساهمة في احدى اجتماعاتها) تبدأ هكذا – (ايها الذاهب الى الرابطه... سلملّي على الماشطه)، وهي قصيدة طريفة مثل كل قصائده المرحة الاخرى. كان محمد علي الماشطة انسانا مرحا وبسيطا ومتواضعا و اجتماعيا، رغم انه ابن الشيخ عبد الكريم الماشطة – عضو مجلس السلم العالمي والشخصية العراقية الشهيرة، ورغم انه كان الطالب الابرز والاشهر بين الطلبة العراقيين بالنسبة للجانب الروسي سواء في اوساط جامعة موسكو او خارجها، وأذكر اني التقيت مرة أحد كبار الروس المسؤولين عن الاجانب في جامعة موسكو اثناء ايفاد لي في نهاية الثمانينات، فحدثني عن احترام الادارة الروسية آنذاك لمحمد علي الماشطة، وكانوا يسمونه (كريم)، وذكر لي هذا المسؤول، انه خاض مرة نقاشا حادا مع الطلبة الشيوعيين الصينيين حول الخلاف بين الحزب الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي الصيني (وهو خلاف كبير ومشهور جدا حدث في الستينيات بين الحزبين الشيوعيين الاكبر في العالم الاشتراكي)، وان الجانب الصيني كاد ان يتغلب عليه لولا (كريم)، الذي تدخل في ذلك النقاش وكان مع الحزب الشيوعي السوفيتي بقوة وثبات ضد الحزب الشيوعي الصيني، وانه (اي هذا المسؤول الروسي) استطاع بمساعدة محمد علي الماشطة ان يدحض مواقف الشيوعيين الصينيين في ذلك النقاش الحاد آنذاك.

انهى محمد علي الماشطة كلية الاقتصاد، واستمر رأسا بدراسة الدكتوراه، وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وسافر الى الجزائر للعمل هناك، ثم عاد الى العراق، وعمل على ما اتذكر في شركة النفط الوطنية، وتوفي في بغداد. لم يبرز د. محمد علي الماشطة علميا في مجال اختصاصه، ولم يترك لنا مصادر او كتبا مؤلّفة او مترجمة له عن الروسية في علم الاقتصاد، رغم اني أتذكر دراسة نشرها في مجلة الثقافة الجديدة، (وهي مجلة مرموقة في مسيرة الثقافة العراقية و يصدرها الحزب الشيوعي العراقي منذ اواسط الخمسينيات والى حد الان)، دراسة حول اقتصاد النفط العراقي، وهو موضوع اطروحة المرحوم د. محمد علي الماشطة في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو عندما كان طالب دراسات عليا هناك في الستينيات. واختتم هذه السطور عن المرحوم محمد علي الماشطة بالقول، انه كان شخصية متميّزة بين طلبتنا في الاتحاد السوفيتي، شخصية تستحق منّا جميعا – نحن خريجي الجامعات الروسية في تلك الفترة – ان نكتب ونسجّل ذكرياتنا وانطباعاتنا عنه.

 الكتابة عن العراقيين الآخرين في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو في تلك الفترة ومصائرهم هو موضوع الحلقة القادمة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعاستمر في هذه الحلقة بالحديث عن كليّة التاريخ في جامعة موسكو. تخرّج في هذه الكليّة ثلاثة طلبة دراسات عليا هم المرحوم د. جبار عطيوي والمرحوم د. نوري السامرائي وأ.د. هاشم التكريتي، وقد عملوا جميعا – بعد عودتهم – في جامعة بغداد، (جبار في قسم التاريخ بكلية التربية ونوري وهاشم في قسم التاريخ بكلية الاداب). كان جبار عطيوي طالب دراسات اولية في كلية الصحافة، وبعد ان تخرّج، انتقل الى كلية التاريخ لاكمال دراسته العليا، وكانت القوانين والتعليمات الجامعية هناك تسمح (ولازالت) بذلك الانتقال بين الكليّات المتقاربة من حيث الاختصاص. لقد كان قرار جبارهذا شجاعا جدا ويعبّر عن موقف علمي سليم، اذ انه اعتراف ذاتي امام نفسه وامام الآخرين ايضا، انه لا يمكن ان يكون صحافيا، اذ ان هذه المهنة ترتبط قبل كل شئ بالموهبة الذاتية (مثل الرسم والنحت والشعر..الخ)، ويمكن للدراسة الاكاديمية ان تبلورهذه الموهبة وتصقلها وتطوّرها، ولكن لا يمكن ان تخلقها من العدم، ولهذا، فان قبول الطلبة الروس في هذه الكليّة يكون على هذا الاساس، اي ان تكون لديهم موهبة الكتابة، ولكن الكليّة كانت تتساهل بشأن قبول الاجانب، ولكن جبار اقتنع انه لا يمتلك هذه الموهبة، واتخذ قراره بالانتقال الى دراسة التاريخ، ولهذا اسميت هذا القرار شجاعا وعلميا. اصطدم جبار بمشكلة تعادل الشهادة في العراق، اذ لا تسمح التعليمات العراقية الصارمة والجامدة جدا (ان صح التعبير) بذلك، وكم عانى العراقيون من خريجي الجامعات الاجنبية من قضية تعادل الشهادة الاجنبية، ولا مجال طبعا للتوقف عند هذا الموضوع هنا . واستطاع د. جبار عطيوي بعد التي واللتيا وبصعوبة من ايجاد حل لهذه المشكلة، وهكذا حصل على تعادل شهادة الدكتوراه و اصبح تدريسيا في قسم التاريخ في كلية التربية، الى ان ترك العراق في التسعينات وانتقل للعيش في المانيا مع عائلته، وهناك توفي وتم دفنه في المانيا . كان جبار عطيوي ضمن الاسماء الشيوعية البارزة بين طلبتنا في جامعة موسكو، اذ كان أحد قادة اتحاد الطلبة في العراق قبل مجيئه الى موسكو، وكانت زوجته المرحومة د. ماجدة عبد الرضا اخت ماجد عبد الرضا، الشخصية الشيوعية المعروفة آنذاك، وهو أحد قادة اتحاد الطلبة العالمي واتحاد الشبيبة العالمي في براغ عندئذ (قبل ان يعود الى بغداد ويغيّر موقفه كما هو معروف)، الا ان المرحوم جبار لم يتميّز – مع ذلك – لا في موسكو اثناء دراسته الطويلة نسبيا في كليتين من كليّات جامعة موسكو وتخرّجه فيهما (وهو أمر نادر جدا بين العراقيين)،  ولا في العراق بعد عودته وعمله تدريسيّا في قسم التاريخ  بكليّة التربية بجامعة بغداد، ولا في المانيا – محطته الاخيرة في الحياة .

المرحوم د. نوري السامرائي انهى دراسته العليا في كلية التاريخ بجامعة موسكو، وعاد رأسا الى العراق، وتم تعينه في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد . كان انسانا محترما و مسالما ورقيقا ومؤدبا وهادئا، وكان محبوبا اينما يحل، وهكذا كان في جامعة موسكو وجامعة بغداد، وساهم في حركة النشر والترجمة عن الروسية ضمن اختصاصه  وبشكل محدود، ولكنه لم يبرز، ورحل مبكرا.

ا.د. هاشم التكريتي اصبح واحدا من ابرز اساتذة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد، فهو باحث علمي من الطراز الاول، ومترجم عن الروسية أغنى المكتبة العربية بمصادر مهمة، وهو الاستاذ اللامع في كلية الاداب في قاعات التدريس او قاعات المناقشات العلمية لاطاريح الماجستير والدكتوراه في التاريخ . لا اريد ان اكتب تفصيلات عن كل هذه الجوانب المرتبطة به، اذ انها معلومة ومثبّتة في العديد من المصادر المطبوعة او المنشورة الكترونيا (توجد حتى اطروحة ماجستير حوله)، ولكني اود ان أذكر فقط بعض اللقطات (ان صح التعبير)، التي علقت في ذهني عنه . اللقطة الاولى عندما كنت عميدا لكلية اللغات، اذ جاء اليّ شخص من السفارة السويسرية في بغداد وقال لي ان احدى الجامعات السويسرية ترغب بدعوة استاذ عراقي لالقاء محاضرة حول العراق، فرشحت أ.د. كمال مظهر احمد لذلك، وعندما اتصلت بكمال اعتذر لاسباب صحيّة ورشّح هاشم بدلا عنه، فوافقت طبعا وبكل سرور، وطلبت منه متابعة الموضوع، وهكذا سافر د. هاشم وقام بالمهمة خير قيام، وقد التقيت بعدئذ بالشخص الذي قدّم الدعوة تلك، فشكرني على تلبيتنا لدعوته، واخبرني ان الجامعة السويسرية كانت مندهشة من علمية وموضوعية هذا الاستاذ، وانها حتى اقترحت عليه ان يعمل عندهم، ولكنه اعتذر وعاد الى كليته في جامعة بغداد. اللقطة الثانية عندما كنت في ايفاد بعاصمة جورجيا – تبليسي، حيث التقيت بمجموعة من اساتذة معهد اللغات الشرقية، فاذا باحد الاساتذة الجورجين يقول لي، انه جاء خصيصا الى هذا الاجتماع ليسألني عن صحة الخبر الذي سمعه قبل فترة عن ترجمة كتابه حول العراق الى العربية في جامعة بغداد، واخبرته ان هذا الخبر صحيح، وان مترجمه هو الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي. فرح هذا الاستاذ الجورجي بشكل لا يوصف وهو يكرر امام زملائه – (ألم أقل لكم ذلك، ولكني لم استطع اثبات الخبر آنذاك)، وقد كتب اسم هاشم التكريتي كي لا ينساه، وطلب مني ان ارسل له ولو صورة الغلاف، وان اتقدم بشكره الجزيل الى المترجم العراقي، وقد كنت في تلك اللحظة أشعر بالفخر والاعتزاز بهاشم وعمله العلمي الرائد . اللقطة الثالثة عندما كنت حاضرا في مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ، وكان هاشم مناقشا فيها . لقد اشتد النقاش حول بعض الاراء، والتي اشار بعض المناقشين الى انها صحيحة لانها وردت في احدى كتب حنا بطاطو، ورفضها آخرون رغم ذلك، فتدخل د. هاشم وحسم الموضوع بكل هدوء وموضوعية، ورفض الفكرة القائلة، ان كل ما قاله بطاطو هو صحيح، واثبت ذلك الرأي . لقد كانت مداخلته تلك حاسمة، لأنها تعكس الرأي العلمي الموضوعي، واقتنع الجميع بذلك . ان الحديث عن ا.د. هاشم التكريتي يطول، الا اني اود ان اختتمه بالاشارة، الى انه ترجم عن الروسية كتابا صدر في الامبراطورية الروسية سنه 1910 عنوانه – (العراق العربي)، وهو كتاب نادر جدا، مؤلفه القنصل الروسي في ولاية البصرة آنذاك، وتوجد نسخة منه في مكتبة لينين بموسكو . ان عين المؤرخ هاشم التكريتي قد شاهدت هذا المصدر الفريد في تاريخ العراق، والتقطته عندما كان طالب دراسات عليا في موسكو . وبهذه (اللقطة الرابعة!!) اختتم هذه السطور عن الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي – خريج جامعة موسكو العريقة، وواحد من نجوم جامعة بغداد، وابن  العراق البار ... 

 

أ.د. ضياء نافع  

 

في دلالات المفاهيم المتصلة بتنزيل المعرفة التاريخية

يذكر العلامة العراقي البارز جواد علي (1907 ـ 1987م) مؤلف أشهر ألمع موسوعتين (تاريخ العرب قبل الإسلام، 1968/1947) بثمانية مجلدات وموسوعة (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1965/1965) بعشرة مجلدات، وهي من أهم المصادر الموسوعية التي تظهر خفايا  فترة ما يطلق على سكانها (بالجاهليين) في الكتب والمقالات، عن المعرفة التاريخية التي جاء منها ظهور الإسلام وجذوره. يذكر المؤرخ في مقدمته لمفاصل التاريخ قبل الاسلام عن المسمى للكتاب، فيقول (.. رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفاصيل لم يرد في الكتاب السابق، فوجدت في أقتراحه رأيا صائبا. ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سماه به، مقسما إليه الشكر الجزيل على هذا التوجيه الجميل".) أنتهى الأقتباس.

وأن الغرض من تأليفه له فيقول: (.. والكتاب بحث، أردت جهد طاقتي إن يكون تفصيليا، وقد يعاب علي ذلك، وعذري في هذا التفصيل أنني أريد تمهيد الجادة لمن يأتي بعدي فيرغب في التأليف في هذا الموضوع، وأنني أكتب للمتتبعين والمختصين، ومن حق هؤلاء المطالبة بالمزيد. وقد فعلت هذا في الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الاخرى، وتسجيله وتدوينه، ليقدم للقاريء أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه، لأن غايتي من الكتاب أن يكون "موسوعة" في الجاهلية والجاهلين، لا أدع شيئا عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله، ليكون تحت متناول يد القاريء. فكتابي هذا وذاك هما للمتخصصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على الجاهلية بصورة تفصيلية، ولم يكتب للذين يريدون الإلمام بأشياء مجملة عن تلك الحياة... وأنها ستتناول كل نواحي الحياة عند الجاهليين: من سياسية، واجتماعيةن ودينية، وعلمية، وأدبية، وفنية، وتشريعية.) أنتهى الأقتباس.

 إذن الغرض في هذا الكتاب أنه أثبت فيه لنفسه والآخر المتخصص على جهة التذكرة متن مسائل المعارف ودلائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على هزل الخلاف فيها ـ وما يجري مجرى الأصول والقواعد في الكتابات التاريخية، ومنه من هاجروا بها إلى الاماكن المعروفة التي استقروا فيها بين هذه الشعوب والقبائل، وما لبس عليهم من ضيم هذه الشعوب إليها؛ لما عسى أن يرد على المجهد من المسائل المسكوت عنها في  متصل الشرع والمعرفة التاريخية، لأثبات إنها ذات أصل تؤول إليه، و وأعطى للعرب تاريخا نبت في القديم جوره ولم يراجع سبب القيود المفروضة على فهمه. جمعت الأعتبارات في تحبيرها وتحريرها إلى غير فك في الحضارة العربية الأسلامية من تفاصيل؛ على انفاق في التوجيه والاجتهاد، ما يغنيهم عن سماع التبخيس والأشفاق والاتهامات المزرية ناشروها، بنعتها "بالجاهليين" و"السراق" و"اللصوص والقتلة...الخ فليس لهم غير"عقد مركبة بالنقص"، كما لا أحد يستطيع نقد الماضي دون تصور بيئتها السائدة من توافق العموم، ليثبتوا من هم في تصورها له. وليس طمع بجديد فما جمع وتطور لشعوبها من تمكنهم بالظفر بها، وثابروا في غرس الحضارة العربية الاسلامية، متيسرة على استطاعتها لتقصي منح الشعوب الأخرى أينع المعارف ثقافة وعلم وفن، وما جمعت مكتسبة بها من العلماءن  بواطن تسجله وتدونه في العالم الاسلامي، فكانوا أصحاب حضارة وسعة ثقافة.

 وهذه المسائل في الأكثر هي مسائل المنطوق بها في بواطن الشرع ومتن المعارف التاريخية. أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا ترى أنهم "غير عتات" أو من الأسرة العربية المعروفة بلفظة العرب الجاهليين، إلا إذا تداهمت الادلة بدهماء مغرضيها، في نفي الإثبات والتلاحق بنصوص المستشرق عن تركته. وأن الادلة المتوفرة ـ وهي المسائل التي وقع الأتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى أن فشا التلقيد ونبشوا في تربة غير صالحة، فما هو معروف من تاريخ اليمن وبقية الجزيرة والبادية لا تحتاج إلى ترقيع زمانها ولا تغريب شرحتها من وحدة الثقافة والجنسية وعمق التراث في أصدق اصلاحاته في روابطه وتاريخية ما تنزل بها من معارف.

 الذي ابدع مؤرخنا فيه، وجود تمهيد محتوى الموسوعة، فكانت دليلا على وجوده وعلمه ووحدته وأقدامه ووبقاءه، فالمؤلف مؤرخ موسوعي. وأهميته، تنبهه على موضوع التخصص بتاريخ العرب القديم، في دراسة علم آثاره والكشف عن تاريخ هذه الأمة العربية القديم، ولهجاتها قبل الإسلام والمعارف الجاهلية، لاجل تقويم الطلبة والباحثين من عدم الأغفال، والانجرار وراء الإملاءات، في النظر إلى التماثيل كاوثان واصنام فقط، وأغلاق التنقيب عن العادات، بل إحياء المعارف وتناقضات خلافاتهم في البعث والتأملات القيمة، وهذا ما بحثه ووجده المؤرخ والبعثات المتخصصة من الباحثين في اليمن وجنوب اراضي الجزيرة العربية، التي كشفت المسخ المعربد في مؤلفات المستشرقيين في أشاعة اللغط والخرافة في أتساع التخريف عن شعوب المنطقة وتاريخها ونعتها بـ(الجاهليين).

 أغنت للمؤرخ مؤلفاته عدد مجلداتها الضخمة، وأظهرت بإجادة دقة التمرس للباحث في صنعته وتحير المؤلفون الاجانب من تاريخ الجاهلية، في نبوغة بحثه العلمي وحيادته، عن ترجمته إدراك حقيقته لصراع تاريخ أفكار العقلاء في تاريخ الجاهلية عما أزعموه باطلا، فهو الظاهر للمعرفة والباطن في اثرها.

 اتم عن منهجه نظام وجود لزوم الرصانة٬ وجبته الحياديته عند الباحث، سافر عالما مطلعا ببعثة موضوعات (الأثار واللهجات القديمة لمواطنها القديمة)، اختارها عن صفوة الصراع في تناقضات الاختلاف في دلالة المفاهيم، حيث الاماكن، فبلغ الرسالة بتنزيل المعرفة التاريخية كما وجد، فبلغ رشد أشدها جلدا، ما إشاد العلماء العراقيين والعرب غير العرب، زهوا وترفعا بما جاد به، وربط شكيمته محلها (محمد بهجت الاثري) متناولا تقصيه، كما شجعوه وأيدوه زملاءه من الداخل والخارج، بالمعلومات والمعرفة الناطقة بصدقية اسانيده وبعفة دوافعه، فتمت بعثة بحثه العلمي متمرسا منهم، بما يجب ان يكون عليه منهج العالم، فكان من زملاءه واساتذته أمناء، وأقاموا الحجج، فكانوا فطناء عصمهم أخلاصهم مما يشين فوجب تباعهم. هذه الامور بسطها يحتمل مجلدات، لكن نشير إلى المهم منها لاحقا.

أما بعد فنتقدم بمقالنا هذا إلى العقلاء أجمعين، راجين، من كل شخص يريد أن ينتفع، يلقي الضوء في ألفة تبادل الاراء، في حسن تقويم عوجه وتعديل أغلاط، مبديا أراءه وإرشاده وملاحظاته، لتعم الفائدة، إن وجب تصحيحه، وتلك بغية المبتغى قلائد الأفذاذ في البحث والاستيعاب، ويعم النفع به من قدم رأيا من درسه أو أعان على درسه، والعلم يم عميق قراره.

 

إشبيليا الجبوري

 

ضياء نافعاتوقف في هذه الحلقة عند كليّة التاريخ في جامعة موسكو. لا توجد في العراق كليّة خاصة بالتاريخ، بل قسم في كليّات الاداب اوكليّات التربية ليس الا، ولهذا كانت كليّة التاريخ في جامعة موسكو بالنسبة لنا ظاهرة غريبة، وكثيرا ما كنّا نتحاور فيما بيننا حول الاشياء المحيطة بنا وامكانيّة الاستفادة من هذه التجربة العلمية الجديدة امامنا، وضرورة عكسها على واقع العراق بعد عودتنا، ومن جملة تلك الاشياء هو الدعوة لتأسيس كليّات في العراق على غرار كليّة التاريخ وكليّة الجغرافيا وكليّة الجيولوجيا وكليّة الكيمياء..الخ الكليّات العلمية المتكاملة و الرصينة في جامعة موسكو، اذ ان القسم العلمي الواحد – مهما يكن واسعا وكبيرا -  لا يستطيع ان يتناول بالدرس والتحليل كل الجوانب المتشعبة العديدة لذلك الاختصاص العلمي الكبير، الا ان العين (كانت ولازالت مع الاسف!) بصيرة واليد قصيرة، خصوصا وان فلسفة التعليم في العراق ومسيرته التاريخية مبنيّة على اسس بعيدة جدا عن المفاهيم الروسية للتعليم... 

الحديث عن كليّة التاريخ يعني التوقف عند جبار عطيوي وخليل العبيدي وسعيد نفطجي ونوري السامرائي وهاشم التكريتي (ترتيب الاسماء طبعا حسب حروف الهجاء). كان هناك طالبان فقط في الدراسات الاولية هما خليل العبيدي وسعيد نفطجي. خليل كان اكبر منّا عمرا، وكنّا نعرف انه كان معلّما في العراق، وانه جاء لاكمال تعليمه . وكان خليل دائما محطّ احترامنا وتقديرنا نتيجة عمره وسلوكه واخلاقه الراقية . كان منعزلا . وعلمنا بعدئذ انه تزوج وقرر البقاء في روسيا، ولازال حتى اليوم (وانا اكتب هذه السطور في نهاية العام 2019) يسكن في موسكو، وربما يمكن القول انه اكبر العراقيين سنّا بين كل العراقيين المقيمين الان في روسيا، و الذين اكتسبوا الجنسية الروسية طبعا بمرور السنين. لقد أخبرني صديقي عبد الله حبه مرة (وهو من المقيمين ايضا)، انه يزوره بين فترة واخرى، وان خليل العبيدي لا يخرج الان من بيته لانه (بلغ من العمر عتيّا). لا اعرف كيف أمضى خليل كل هذه السنوات الطوال في روسيا بعد تخرّجه، الا انني لم أجد يوما أثرا ثقافيا له، كبحث علمي او ترجمة عن الروسية او مشاركة في نشاطات فكرية ...الخ .

الطالب الآخر في الدراسات الاولية كان سعيد نفطجي، الذي كان محبوبا من قبلنا لطرافته وثقافته الموسوعية، رغم طريقة حياته الغريبة جدا مقارنة بطريقة حياتنا. كان يتقن الانكليزية والتركية، وتعلّم الروسية بشكل ممتاز، وكانت هوايته القراءة، وكنّا نعرف انه (يلتهم الكتب !) نهارا، ولكن (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تظهر) يتفرّغ سعيد عندها - ويوميّا – للكأس . وكان يقول لنا دائما، انه هنا لكي يتابع الثقافة نهارا والكأس ليلا، وهكذا استمر على هذا الحال الى ان تم فصله من كلية التاريخ، فعاد الى العراق، واصبح طالبا في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد، وقد تم قبوله هناك باعتباره يتقن الروسية، واصبح طالبا لدى زملائه العراقيين في جامعة موسكو، الذين انهوا دراستهم في تلك الجامعة وتم تعينهم هناك، وهم كل من د. محمد يونس ود. ناشئة الكوتاني . تخرّج سعيد نفطجي بعد اربع سنوات من الدراسة في جامعة بغداد، وكان من الطبيعي ان يكون الخريج الاول في قسم اللغة الروسية هناك، فارسلته الدولة الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته العليا، فعاد الى جامعة موسكو مرة اخرى، واراد ان يكتب اطروحة عن ناظم حكمت، وكان يمكن له ان يحقق هذا العمل العلمي بلا شك، ولكن (عادت حليمه الى عادتها القديمه)، وهكذا تم فصله من الجامعة مرة اخرى و لنفس السبب . عاد سعيد الى العراق وتم تعينه مترجما عن الروسية في وزارة الاعلام، ثم وصل الى سنّ التقاعد، وكان مستمرا على فلسفته وطريقة حياته . لا اعرف الان أخباره، ولكني سمعت من البعض انه توفي، ولم استطع تدقيق هذا الخبر المؤسف . لقد كان سعيد نفطجي مثقفا متميّزا بكل معنى الكلمة، وكان متابعا دقيقا لمسيرة الادب والفكر عموما، وكان الحديث معه حول الثقافة واحداثها عميقا و ممتعا دائما، اضافة الى انه كان كريم الطبع والنفس، وكان يحافظ دائما على كرامته ومكانته المعنوية . لقد قال لي المرحوم ا.د. كامل الشيبي (استاذ الفلسفة في جامعة بغداد، وهو نسيب سعيد) مرة عنه، ان سعيد نفطجي فيلسوف عراقي مجهول، وقد أيّدته في ذلك ...

كليّة التاريخ في جامعة موسكو تستحق حلقة اخرى للحديث عن طلبة الدراسات العليا من العراقيين فيها، اي عن جبار ونوري وهاشم...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر هذه الأيام علينا ذكري وفاة الأستاذ الدكتور حبيب الشاروني (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر الكبير، الذي تمثلت فيه إنسانية الفطرة الأصيلة، وعظمة الأستاذ الأكاديمي الهادئ المتزن، وطموح الدارس المهموم بشئون الحياة من وجهة نظر فلسفية، فقد كان شغوفاً بالفلسفة منذ صباه وهو لا يزال بعد طالباً بالتعليم الثانوي، ينكب علي مؤلفات عبد الرحمن بدوي قارئاً نهماً، علاوة علي أنه كان أستاذاً بكل ما تحمله كلمة الأستاذية من معان نبيلة وقيم سامية، وكان رحمه الله مخلصاً للفكر بغير حدود ولم يكتب في حياته مقاله واحدة يسعي بمقتضاها إلي الشهرة. لقد عرف خطورة الكلمة المطبوعة وأنها تعد أمانة في أعناقنا، وأننا إذا لم نلتزم بذلك فقد انتشر الفساد والإفساد.

فلا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالها في حقه أستاذي الدكتور عاطف العرافي (في مقاله الشهير حبيب الشاروني كما عرفته) قال :"كان يوماً حزيناً في حياة المشتغلين بالفكر الفلسفي وبقية أرجاء العالم العربي حين اهتزت أسلاك البرق معلنة وفاة رائد من رواد الفلسفة في عالمنا الذي نعيش فيه، وأستاذاً أخلص للعلم والمعرفة إخلاصاً بغير حدود ؛ بحيث كانت أفكاره هي حياته، وحياته هي أفكاره؛ إنه الزميل والصديق والإنسان حبيب الشاروني، والذي عرفته عن قرب طوال فترة زادت علي ربع قرن من الزمان .

كما لا تزال ترن في أذني تلك الكلمة البليغة التي قالها في حقه الأستاذ والمفكر الكبير محمود أمين العالم عندما قال :"... ما أقسي الجرح علي الجرح .. جرحان يتواليان علي قلوبنا كأنهما علي موعد. والحق أن كل من العزيزين الفقيدين حبيب الشاروني ومحمود رجب كان دائماً في حياتهما المتبتلة، وإبداعهما، واهتماماتهم الفكرية، وأخلاقهما النادرة كان علي موعد ولقاء دائم فيما بينهما دو اتفاق شأن فراقهما عنا أخيراً، ولكنهما لم يكونا معنا علي موعد بهذا الفرق القاسي نحن زملائهما من أعضاء لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

كما لا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالتها في حقه الدكتور" صفاء عبد السلام جعفر" : : عرفته أنساناً نبيلاً حينما أصبح النبل كلمة نادرة في قاموس الحياة ...وعرفته إنساناً متفانياً في كل نصيحة أسداها مخلصا لي ...وعرفته صلباً يتحمل الألم في صمت، فإذا ما اشتدت المعاناة انسحب في هدوء وإباء لا يعرف الشكوى... عرفت من خلاله أن الإنسان موقف وقد شاء القدر أن تجمعني به عدة مواقف كان فيها دوما الإنسان العظيم الذي لا يحيد عن مبادئه مهما كلفه الأمر ... في بداية عهدي به أستاذاً في القسم كان متوحداً، متفرداً، يشعرك دوماً بأنه قيمة في ذاته، فإذا ما دنوت منه تسأله تفسيراً أو شرحاً لأمر ما أدهشك من فيض نبله وكرم خلقه ... ثم عرفته أستاذاً عظيماً في مناقشتي لرسالة الدكتوراه فلم يضن علي بتشجيع أو إسداء نصح.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور حبيب الشارونى هو واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الفنومنولوجية، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في الفنومنولوجيا من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة؛ وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

لقد كانت حياة حبيب الشاروني رمزا لكثير من القيم الخلقية، كما أن علمه الشمولي والتحليلي في مجال الفلسفة الحديثة والمعاصرة، فضلا عن إلمامه الدقيق باللغات الفرنسية والإنجليزية واللاتينية من أهم أسباب التي جعلتني أكتب عنه ـ أما مؤلفاته فقد تميزت وتميزها بدءا من "برجسون"و"سارتر"، مرورا بفكرة الجسم في الفلسفة الوجودية، و"الوجود والجدل في فلسفة سارتر "، وفلسفة" فرنسيس بيكون"، و"مين دي بيران "و"العين والعقل لميرلوبونتي"، وانتهاءً بفلسفة "جان بول سارتر"، فضلا عن ترجمة محاورة بارمنيدس لأفلاطون إنها تمثل (كما قالت د. راوية عباس في مقالها عنه ) كوكبة تثري المكتبة الفلسفية بموضوعات جادة ومتخصصة في كل زمان ومكان. ولو أضفنا إلي سلسلة كتبه الأخرى القيمة مجموعة أبحاثه العلمية بدءا من "الله إلي الإنسان"، و"العلاقة بين الأنا والآخر في فلسفة سارتر"، فضلاً عن الاغتراب في الذات، وانتهاءً بأصول المنهج الفلسفي عند أفلوطين لتبين لنا رحابة الإنتاج العلمي ودورانه في فلك الفكر الفلسفي اليوناني والحديث والمعاصر .

وكان الدكتور حبيب الشاروني قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

واسمح لي عزيزي القارئ أن أتحدث عن "حبيب الشاروني... فيلسوف الجسد" ؛ حيث يعد مفهوم الجسد مفهوماً مستعصيا علي الفهم، نظراً لتراكم الدلالات حوله، بالإضافة إلي تقاطعه مع مفاهيم أخري، مثل البدن والجسم، وتقابله مع مفاهيم مثل الروح والنفس داخل التصور الميتافيزيقي، والجسد يمثل موضوعا من موضوعات الوجود والمعرفة المطمورة والمهمشة ؛ حيث وجدنا أفلاطون لم يهتم بالجسد بقدر ما كان اهتمامه موجها للنفس ؛ حيث يري أن الجسد منجذب إلي الملذات، بينما النفس تصبو إلي العلم والحكمة، وبالتالي أضحي الجسد في معناه الأفلاطوني حاويا وسجنا للنفس.

وعندما جاء أرسطو أقام تقسيمه للموجودات علي أساس أن بعضهما موجود بالطبع، والبعض الآخر غير ذلك . وفي حدود هذا التقسيم يعد الجسم الإنساني موجوداً طبيعياً تدرسه الفلسفة بغية الكشف عن ماهيته ومبادئه، ولكن البحث في الجسم الإنساني قد تأثر في بعض العصور بالرؤي الدينية والأخلاقية التي أدت إلي الإقلال من شأن الجسم ؛ في حين أنه لدي الاتجاهات الأخرى المادية أعُتبر الجسم هو الأصل الذي تُرد إليه مظاهر الحياة النفسية كلها (وذلك كما أكد صديقي الدكتور رمضان الصباغ رحمة الله عليه في مقاله عن فكرة الجسد عند حبيب الشاروني).

وقد عمل مذهب الوحدة علي حل إشكالية ثنائية النفس والجسد بإرجاع الأشياء جميعاً إلي أصل واحد ومبدأ واحد، إلا أن أهم فلاسفة العصر القديم ونخص بالذكر أفلاطون وأرسطو يمكن اعتبارهما من أتباع المذهب الثنائي، وقد كان تأثيرهما كبيراً حتي علي مفكري وفلاسفة العصر الحديث ؛ حيث ظلت المشكلة تخضع لفكرة الماهية أو الجوهر، وهي الفكرة التي وُرثت عن أفلاطون بصفة خاصة ، حيث وضع أفلاطون الجسد في مرتبة أقل من النفس كما ذكرنا من قبل، فلم يكن للجسم وجود حقيقي لدي أفلاطون، ونفس الثنائية نجدها عند أرسطو وإن كان لا يعتبر طرفيها منفصلين تمام الانفصال كما هو الحال عند افلاطون وهي ثنائية الهيولي والصورة (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

ويعد ديكارت أول فيلسوف ثنائي اهتم بمشكلة الجسم، وإن بقيت عنده مشكلة طبيعية، كما كانت في الفلسفة القديمة، وثيقة الصلة بالعلم الطبيعي . إلا أن أهم ما تمضي إليه فلسفة ديكارت، وكل الاتجاهات المثالية، هو إغفالها الوجود الجسماني ؛ فمثالية ديكارت لا تقف فحسب عند وضع الجسم والانفعال في مرتبة أدني مع النفس والتفكير؛ بل تذهب إلي حد التفكير في استبعاد الجسم. أما مع مين دي بيران فقد كان اكتشاف اتحاد النفس يعود إلي اكتشاف الواقعة الأصلية الأولية، وهي واقعة الجهد العضلي، وقد أتاح له هذا الاكتشاف أن يقيم فلسفة الجهد والإرادة، وهو بذلك يعود غلي الفكرة اليونانية القديمة التي ترجع إلي " الأورفية" وهي فكرة التمييز بين الجسم والنفس، وهو بذلك يكرس الثنائية رغم محاولته أن يستمد الاتحاد من الشعور بالأنا في تجربته الباطنية (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

وقد ظلت المشكلة قائمة لدي فلاسفة القرن التاسع عشر، ومع ظهور مذهب التوازن النفسي الفسيولوجي الذي يقابل بين الحالة النفسية والحالة الجسمانية نجد أن الأمر قد توقف عند هذه النتيجة دون أن يقدم التفسير لهذا التقابل،وقد حاول هذا المذهب ارجاع الظواهر النفسية إلي تغيرات جسمانية تقابلها في التنفس / في الدورة الدموية، أو الإفرازات، أو الحركات العضلية، كما حاول تحديد الأعضاء أو المراكز العصبية التي تقابل كل وظيفة نفسية ليصل في النهاية إلي المراكز الدماغية التي تسيطر علي وظائف النطق والحديث. وهذه النظرية (نظرية التوازي) لم تكن مبدأ تفسير بل كانت بمثابة أسلوب منهجي، أي كفرض يوجه البحث، ويساعد في الوصول إلي النتائج، هذا كان ما جاء في الفصل الأول من كتاب فكرة الجسد في الفلسفة المعاصرة، والكتاب يمثل الجزء الأول من مشروع يتبناه الدكتور الشاروني وبدأ في تنفيذه في خروج هذا الجزء عام 1974، بينما خرج الجزء الثاني سنة 1977 بخروج كتاب الوجود والجدل في فلسفة سارتر، ثم خروج الجزء الثالث عام 1981 بخروج كتاب " فلسفة جان بول سارتر " .

وفي مقدمة كتاب فكرة الجسد في الفلسفة الوجودية يبين الدكتور حبيب الشاروني أنه كغيره من دارسي الفلسفة صاحب تجربة، وتجربته تعود إلي سنوات إقباله علي تعليم الفلسفة، وأحس أنه حائر بين وجهتين، هما التصورية التي تبدأ بالفكر أو النفس وتقف عنده وقد استعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات وتقف عنده وقد استبعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات، والوجهة المادية التي اضافت القيمة الذاتية للمادة لا الفكر، واستبعدت النفس حين اعتبرتها مجرد فكرة طارئة علي تغيرات الجسم، ولم تكن تلك الحيرة فلسفية بحتة، وإنما كانت حيرة تلتمس السبيل إلي السيطرة علي الجسد من أجل السيادة عليه.. "، وهو موقف وجودي وسارتري (كما ذكر الدكتور مصطفي العبادي في مقاله حبيب الشاروني .. الصديق والإنسان) فوق كل شئ وثيق الصلة بقيمة الحرية ومفهوم الإنسانية في فلسفة سارتر،من حيث أن الوجود المادي للفرد فعل طبيعي، وأن علي الفرد بإرادته الحرة إعادة إنشائه ليصبح إنساناً وجودياً حقاً، فالحرية عند سارتر كما كشفها حبيب الشاروني في كتابه الوجود والجدل في فلسفة سارتر وسيلة وغاية في الوقت عينه.

وهنا كشف لنا حبيب الشاروني علي أنه ليس فحسب دارسا مرموقا في للفكر الوجودي وما يقوم عليه من أسس فينومنولوجية راسخة، وإنما مؤمناً به أيضاً إيماناً لا يختف عن إيمانه بالفلسفة الأولي باعتبارها رؤية جذرية للوجود وتأكيدا لايكل لمعني الإنسانية فيما تقوم عليه من مبادئ الحرية والإرادة وقيم المشاركة والتضامن، التي هي أفق العلاقات عبر الذاتية، بل والقبلية التي يقيم عليها هوسرل مفهومه للذاتية الترنسندنتالية (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي في ذكري حبيب الشاروني).

إن درس سارتر يتيح للشاروني تأكيد الوعي الإنساني بما هو " وجود لذاته" أمام العالم بما هو " وجود – في – ذاته" ؛ وهو وعي لا يتأكد إلا علي أساس من الحرية، التي هي قدر الإنسان قبل أن تكون مجرد اختيار له، ومن الإرادة المبدعة، الأمر الذي يسمح له بتحويل العالم من كينونة صماء لا هدف لها إلي عالم قابل للفهم وتحقيق المعني والتعايش والحوار الحقيقي بين الأنا والآخر ولكن بعد تجاوز موضوعية الأجساد وإمكانية تصادمها بواسطة بناء وتوثيق العلاقات " البين ذاتية " . وليس من شك في أن هذه الرؤية الوجودية الأولية هي التي تتيح لنا تجاوز الثنائية المتعارضة التي شطرت الفكر البشري إلي رؤيتين متنافرتين لا سبيل إلي التقائهما : الرؤية المادية من جهة، والرؤية المثالية من جهة أخري . فالمادية ترد الإنسان إلي مكوناته الفيزيقية البحتة ونجعل من الفكر مجرد إنعكاس آلي لوظائفه الفزيولوجية والعصبية ؛ والمثالية تفصل بين روحه وجسده وتجعله مجرد صورة وهمية لنفسه أو مجرد ظل لأنوار لا يستطيع بلوغها إلا بعد موته وفنائه (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

لقد استطاعت الوجودية عبر فكر " سارتر " و" ميرلو-بونتي " أن ترد الاعتبار إلي الجسم بعد أن فصلت بينه وبين الشعور بالفلسفات الثنائية السابقة فالجسم ليس بآلة، كما ذهب الطبيب "دي لامتري " وليس بسجل للنفس، يقول حبيب الشاروني :" نحن نلقي هذا الآخر حين نعود إلي تجربة الجسم من حيث هو حركة نحو العالم، وباعتباره القوة الفاعلة التي أحصل خلالها علي هذا العالم، فإذا عانيت هذه التجربة وتبنيت التلازم بين وعي وجسمي والعالم، تبينت بالمثل أن جسم الآخر حاصل علي وعي أو أن الآخر له جسم خاص يماثل جسمي ويحمل مثله الوجود . إن الجسم، مثل بقية الموجودات التي تنبثق علي أفق الوجود البشري، مشبع بالدلالات والمعاني ؛ كما أنه نتاج لثقافة متفردة، وإن كان تفردها لا يكتسب معناه إلا عبر لغة تقوم علي التماثل والاختلاف مع الثقافات الأخرى المعاصرة أو السابقة عليها تاريخيا . والتاريخ بدوره، إذا نظرنا إليه هو أيضا من المنظور الفنومنولوجي ؛ أي منظور الحياة والتجربة المعيشة لا يشكل مجرد قالب زمني تفرضه علاقات القوي السائدة، فهو في جوهره، مجموعة الفرس التي يتجلي من خلالها الوعي البشري، ولا يكتسب معناه إلا انطلاقا من الحاضر في انفتاحه علي بعده الماضي من جهة، وفي انفتاحه من جهة أخري علي عالم الاحتمالات الممكنة التي يتشكل منها المستقبل (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور حبيب الشاروني الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور حبيب الشاروني الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليمن أسمي الأفعال التي تمثل المعني الحقيقي لتقدير الغواصين في بحور الفلسفة هي تلك الكلمات الجميلة والرائعة التي قالها العالم المصري الدكتور" علي مصطفي مشرفة" في حقهم وهي أن "العقلية العلمية عقلية التجربة المنظمة.. عقلية من يتلمس معرفة الأشياء عن طريق الأشياء ذاتها، وهي أيضا عقلية من لا يغالي في التعميم أو يسرف في التوكيد، بل ينظر الى الأمور نظرة تبصر وحذر، نظرة من يعرف حدود دائرة علمه، فلا يشط عنها وهو يعمل على اتساع هذه الدائرة في جد وتواضع."

وهذا الكلام في اعتقادي ينطبق علي هذا المفكر الجليل الذي أكتب عنه هذه الكلمات؛ ألا وهو عن الأستاذ الدكتور محمد علي أبو ريان (1920-1996م) (أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وذلك في زمن عز فيه الوفاء والولاء وغلبت أخلاق السوق كل شئ وتراجعت فيه القيم النبيلة المحكمة، حيث لا أنسي عندما اتصلت بي هاتفيا الأستاذة الدكتورة سناء عبد الحميد (أستاذ علم الجمال بجامعة جنوب الوادي)، تسألني علي استحياء أن أشارك بمقال في الكتاب التذكاري الذي سيصدر قريبا عن الدكتور أبو ريان، وقبلت علي الفور بل لا  أبالغ إن قلت بأنه لمن دواعي سروري أن أنال شرف الكتابة في هذه المناسبة عن هذا الرجل العظيم، الذي يعد من أبرز أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، حيث كان لمؤلفاته وللمدرسة العلمية الواسعة الأثر الكبير في نشر الفكر الفلسفي وتوسيع دائرة المتخصصين فيه، فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات وندوات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في أرجاء الوطن العربي، علاوة علي كونه صاحب واحدة من أهم المحاولات العربية للتأريخ الشامل للفلسفة من منظر عربي إسلامي. كما كان في ذات الوقت صاحب رؤية منهجية جديدة في مجال تخصصه الدقيق في مجال الفلسفة الإسلامية.

ولد محمد علي أبو ريان في السادس من شهر مايو عام 1920م، وتلقي تعليمه الأولي ككل أبناء جيله حيث حصل علي شهادة الكفاءة وشهادة الثانوية العامة، والتحق بعد ذلك بكلية الآداب جامعة الاسكندرية حيث تخصص في الدراسات الفلسفية والاجتماعية وحصل علي درجة الليسانس بتقدير عام جيد جدا عام 1944م . التحق بعد ذلك بالدراسات العليا ليحصل علي ماجستير الفلسفة من نفس الكلية والجامعة عام 1950م بمرتبة الشرف الأولي وكان موضوعها " ميتافيزيقيا الإشراف عند شهاب الدين السهروردي" ويحصل في ذات الوقت علي دبلوم للدراسات العليا في التربية في التربية وعلم النفس عام 1946م، وكذلك علي دبلوم معهد الخدمة الاجتماعية لدرجة الماجستير من جامعة الاسكندرية عام 1950م. وقد عين عقب هذا وذاك مدرسا مساعدا بقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في نفس العام 1950م.

وقد سافر بعد ذلك إلي فرنسا حيث قضي عدة سنوات حصل خلالها علي درجة الدكتوراه، دكتوراه الدولة من السربون (جامعة باريس) مع مرتبة الشرف الممتازة عام 1956م، وكان عنوانها " انتقال المثل الأفلاطونية إلي المدرسة الإشراقية" . عاد بعد ذلك إلي مصر ليتدرج في السلك الأكاديمي فرقي إلي درجة أستاذ في الفلسفة وتاريخها عام 1969م، وعين رئيسا لقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية عام 1972م ومرة أخري بين عامي 1979-1981م، كما عين مديرا لمركز لتراث القومي الذي أسسه عام 1984م وظل رئيسا له إلي وفاته في الحادي عشر من شهر يوليو 1996م.

أما عن مؤلفات الدكتور أبو ريان، فقد ترك الكثير من المقالات المهمة التي أثرت المكتبة العربية . وتتميز معظم هذه المؤلفات بالشمولية أو الموسوعية حيث تظهر هذه النزعة في معظم مؤلفاته في مجال الفكر الفلسفي بعامة، والفكر الإسلامي بخاصة . وليس أدل علي ذلك من موسوعته الفلسفية والتي تشتمل علي التأريخ لتاريخ الفلسفة ابتداء من إرهاصاتها الأولي عند اليونان، وحتي العصر الحديث والمعاصر وذلك بعرض هذا التراث الفلسفي الطويل في جملة من مؤلفات من:

1- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الأول: من طاليس إلي أفلاطون.

2- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الثاني: أرسطو والمدارس المتأخرة

3- تاريخ الفكر الفلسفي عند الإسلام – الجزء الأول: من المقدمات العامة.

4- الفرق الإسلامية وعلم الكلام.

5- تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام – الجزء الثاني: الحركة الصوفية في الإسلام .

6- تاريخ الفكر الفلسفي – الجزء السادس: الفلسفة الحديثة.

علاوة علي بقية كتبه الأخري ؛ فقد كتب في المدخل إلي الفلسفة كتاب " الفلسفة ومباحثها"، وفي علم الجمال " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة "، وكتاب " النظم الاشتراكية مع دراسة مقارنة للاشتراكية العربية" كمت ترجم " المدخل إلي الميتافيزيقا " للفيلسوف الفرنسي الشهير " هنري برجسون". كما كتب بالاشتراك مع زميله وصديقه علي سامي النشار كتاب " قراءات في الفلسفة " ضمنه نشر العديد من نصوص فلاسفة الإسلام، وكتب بالاشتراك مع علي سامي النشار وعبده الراجحي " هيرقليطس فيلسوف التغير وأثره في الفكر الفلسفي "، كما كتب بالاشتراك مع بعض تلاميذه كتاب " أسس المنطق الصوري ومشكلاته"، وقد طبعت هذه لمؤلفات أيضا أكثر من مرة في دور نشر مختلفة. كما كتب عن " الإسلام في مواجهة تيارات الفكر الغربي المعاصر" وركز فيه علي المواجهة بين الإسلام والماركسية، كما كتب " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية وكتاب عن " الإسلام السياسي في الميزان" و" المنهج الإسلامي في العلوم الإنسانية"، كما كتب في هذا الميدان أيضا دراسته الرائدة عن " أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي" ... وهلم جرا

وتختص رؤية محمد أبو ريان الفلسفية ـ التي قـدمها منذ كتابه الأول " تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان حتى كتابه " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية "- عن معظم الكتابات الفلسفية العربية بسمات أساسية ثلاث: الأولى: عدم خضوعه للمشكلات الفلسفية التي يفرضها تاريخ الفلسفة الغربية على الفكر العربي، والثانية:عدم تبنيه لإطروحات المذاهب الفلسفية الرائجة في الغرب والتي يتبناها غيره مـن المفكرين العـرب كالوضعية والوجودية والماركسية والبنيوية؛ حيث تؤكد أعماله المختلفة أن الابداع الفلسفي هو ممارسة الفلسفة وليس التقيد بتاريخ الفلسفة ومشكلات أو الخضوع للإيديولوجيات السائدة. فأعماله جميعا رغم الموضوعات المتنوعة والمتباينة التي تدور حولها تحركها إرادة قوية نحو "الوضوح النظـري" ويجمعها توجه واحد نحو الابداع الذاتي والاستقلال الفلسفي عبر تحليل نقدي مفهومي لطبيعة ومجال وحدود الفلسفة والايديولوجية والسلطة، والحرية والعديد من المفاهيم الغامضة في فكرنا المعاصر. وهو يمكننا عن طريق تحليلاته الفلسفية المختلفة أن نقول إننا بصدد نقلـة مهمة في فكرنا العربي المعاصر وفلسفتنا الراهنة، تعد بداية تـراكم فلسفي، يمكن أن يؤدي إلى مدارس فلسفية وليس بناءات "مشاريع" ذاتية ليست سوى امتداد لفلسفات غربية.

علاوة علي أن المشروع الفكر للدكتور أبو ريان متعدد الجوانب، حيث قدم رؤية للفن والحياة وقدم تطبيقات مختلفة لهذه الرؤية في تلك المؤلفات المتنوعة، تتبع النظريات الفلسفية من زمن طاليس وسقراط وأفلاطون وأرسطو إلي ديكارت وكانت وهيجل وسارتر، وغيرهم وصولا إلي الفلاسفة المعاصرين شارحا وموضحا لآرائهم وأفكارهم.

والدكتور أبو ريان أحد أبرز النقاد والأكاديميين الذين اجتهدوا في سحب الفلسفة إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة الفلسفية للجمال والفنون من أهم الموضوعات التي تناولتها كتابات الدكتور أبو ريان، فضلا عن قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات الاستاطيقية ؛ وفي كتابه " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة " يبين أن الجمال يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين ذلك من خلال بيان أن فكرة التماثل أو التناسق أو الانسجام فكرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس وأفلاطون وأرسطو لكنها فكرة نسبية أيضاً.

ويتضح حرص أبو ريان على تمييز الفلسفة وتأكيد دورها في حياتنا مقابل كل ضروب الممارسـات الإنسانية الأخرى الإيديولوجيـة، الدينية، العلمية والسياسية وذلك بالتأكيد علـى ضـرورة التحليل النقدي للمفاهيم وفي مقدمتها مفهوم:  الأنا والآخر ومفهوم التجديد والتحديث والتغريب  وذلك علي النحو التالي وذلك حسل ما ذكره ما ذكره الدكتور خالد أحمد في مقاله " أبو ريان مفكر عربي معصر":

1-  مفهوم الأنا والآخر: يقصد أبو ريان بالأنا الأمة العربية الإسلامية، وبالآخر الغرب الأوربي ؛ حيث يري أن الغرب وهو الآخر قد اعترف بنهضة الحضارة الإسلامية فيما بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين وكيف أن تلك النهضة الإسلامية كانت بمثابة القاعدة الراسخة التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة بعدة طرق، فيقول: وقد اعترف الغرب بهذا التفوق الإسلامي الكبير، بل إن كتابهم كانوا هم رواد حركة الاستشراق المحدثة التي كشفت عن جوهر الحضارة الإسلامية ونفاستها في عصر الإنارة الإسلامي الأول، وعن الأسس الإسلامية الحضارية التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة سواء كان ذلك عن طريق بغداد أو مشق أو صقلية أو الأندلس، أو الحروب الصلبية بصفة عامة حيث كانت مجالا لاحتكاك مرير بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي تكشفت معه للغرب نواحي القوة والعظمة الإسلامية في هذه الحروب التي استمرت وهاء مائتي عام كان لها أثرها في زيادة تأثير الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب الهابطة آنذاك، وكيف أن الغرب المسيحي قد تعلم الكثير من الدروس عن أخلاقية الإسلام وفروسية جيوشه وشجاعة معتنقيه في مواجهتهم للغزوات الصلبية وتحدياتها اللاأخلاقية الغاشمة التي لا تزال نذرها تتبدي في ألأفق، ولا تكاد تغيب عن أعين المسلم اليقظ الفطن الحافظ لدين الله والمحافظ علي تقاليد هذا الدين الحنيف وعقائده.

2- التجديد: يعرف أبو ريان التجديد تعريفا أولياً قائلا: إنه محاولة المواءمة بين القديم والحديث علي ان تكون نقطة الإنطلاق هي الأصول القديمة وان يراعي عند الاجتهاد في تطبيق الحكم علي الوقائع الجديدة التي لا تتعارض مع ما سبق للمسلمين أن أجازوه من أحكام شرعية في ظروف شبه مماثلة. وفي مقابل هذا التجديد المقبول شرعا يذكر الدكتور أبو ريان أن هناك دعوات للتجديد المرفوض الذي يأباه الشرع. ومن أمثلتها ما استنته القاديانية من أبطال فريضة الجهاد في الإسلام.. وهكذا تتضح معالم التجديد الصحيح من التجديد الزائف، ولعل الكثير من الأمور تنتظر الإدلاء بآراء جديدة بعد استحداث العلم لمنجزات كثيرة كالسيارة والطائرة والتلفزيون والمركبات الكيميائية وغيرها، وكذلك بعد وصول الإنسان للقمر ودخولنا عصر الذرة والفضاء، هكذا قال أبو ريان.

3- التحديث: يعرف الدكتور أبو ريان التحديث بأنه اعتبار الحديث الغربي أمرا نموذجيا ثم الانطلاق منه إلي القديم لمحاولة تحديثه، فإذا كان التغيير شاملا، كان في انتظار افتئات علي الأصل القديم، ومن ثم يتعين بقدر المستطاع التزام أصول الشريعة إنما يعد مظنة للخطأ وخضوعا للهوي واستباحة للنظر العقلي غير الملتزم بالقواعد الشرعية، ومن صور التحديث التي يرفضها الدكتور أبو ريان، إطلاق إباحة الإفطار في رمضان بغرض زيادة الإنتاج وتقدم البلاد كما أفتي بذلك في تونس، وأيضا التدخل في قانون الأحوال الشخصية بالصورة التي أخرج عليها في عهد السادات حيث إن زواج الرجل من امرأة ثانية يبيح لزوجته الأولي الطلاق – إذا أرادات ... إلي آخره.

4- التغريب: يصف الدكتور أبو ريان حركة التغريب بأنها أخطر الحركات التي راح بريقها في أعين الشباب وتستحوذ علي نفوسهم وأحاسيسهم . ويعرف التغريب بأنه محاولة لإلغاء القديم أصلا وإهالة التراب عليه من دون أن يكون له ذكر أو كيان يشكل يوما جزءً من ماض مجيد، أما البديل فهو الحضارة الغربية بكل مقوماتها ؛ ذلك أن التكنولوجيا المصاحبة لهذه الحضارة قد أغرت الناس يوما بنجاحها في السيطرة علي الأحداث وعلي شعوب هذا العالم كافة، بينما لم يقدم الشرق أو الإسلام المعاصر بصفة خاصة أي صورة بديلة للنجاح في العلم أو في الصناعة أو في الحرب، بل علي العكس من ذلك، إذ يري الشباب أمامهم مصارع المسلمين في أنحاء العالم في العصر الحديث، فبعد استعمار طويل لم ينج منه بلد إسلامي واحد سوس موطن الخلافة في تركيا، نواجه بصور من القتل والدمار والتشريد والتخريب في الفلبين، وفي الهند ... إلي آخره . هذا فضلا عن أن مناهج التربية والتعليم التي تخرج عل أساسها أبناؤنا قد وضعها دهاقنة التربية في الغرب . فمثلا نجد أن التعليم الحديث في مصر قد وضع أسسه الغربية مستر دنلوب وأعوانه، وهؤلاء كانوا لا يريدون أن تكون مصر مركزا مزدهرا للعلم والثقافة، لا كانت الغاية من التربية والتعليم هي القضاء علي شخصية المتعلم حتي يخضع للمستعمرين وتكون طوائف من الموظفين الذين يجيدون العمل تحت إمرة الحكام الإنجليز ومن يقربونهم من العملاء. وقد كانت هذه المناهج الفاسدة هي مقدمات الغزو الفكر التالية بعد الموجة الأولي الفرنسية التي كانت مصر ميدانا لها بعد غزو نابليون لأراضيها. ويرفض الدكتور أبو ريان هذه الصور من التغريب التي تحاول طمس الهوية العربية الإسلامية.

وأخيرا إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أبو ريان في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعة هذا الغواص الماهر وطريقته الفريدة في الغوص والبحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة .

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور أبو ريان، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور أبو ريان، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط