 آراء

إذا كانت الثقافة نِعمَه، فأنَّ الجهالة نِقمَه !

يحيى علوانلن آتي بجديد.. أو كما يقول أهلونا مُتَهكّمين [عَبالَك جايبْلَه بيضة أم صفارين / مُحّين !] لن آتي بجديدٍ إذا ما قُلتُ أنَّ الشعوبَ المقهورة والمُستضامة تلجأُ وتُبدعُ في إبتكار أساليب ماكرة وغير مباشرة في هجاء أوضاعها المعيشية ومقاومة الإستبداد والقهر، أيّاً كان مصدره.. تُجَنِّدُ في ذلك السخريةَ المُرّة والنكتة اللاذعة، وحتى الفكاهة السوداء، بعضها يستبطنُ القول "العاديَّ" غامزاً بصورة حِكمةٍ أو قولٍ مأثور، وأشدُّها ذاك الذي يتوسّلُ الطباقَ الكامل أو الناقص / الحِسچَه/.. مما إشتهرَ به أهل الفرات الأوسط... يتفاخرون به على سواهم . المثال الأنصع على ذلك في قول الشاعر الشعبي النجفي الراحل عبد الحسين أبو شَبَعْ:

[الحمِد لله والشُكُر حسين صاير پاشه،

الناس تِلبَسْ جَرمَلي وآنه بطرگ دشداشه!]*

ما دعاني لهذا المدخل، لقطةٌ وصلتني عبر الواتس أپ.. إمرأة شعبية، تحملُ هذا الإرث الثقافي، تهجو الأوضاع برمتها دون تفاصيل، أو تزويقٍ و بديعٍ أو غيره من المُحسّنات اللغوية ! ترفع يديها وتدعو [الله يسوِّدْ وجه كلمَنْ بيَّض وجه صدام !!] دعاءٌ من سبع كلمات يوجزُ كل الأوضاع في العراق منذ إحتلاله قبل 17 عاماً.. أبلغُ في معناها من كثرةٍ من المُطوّلات والتحليلات !

إقشَعرَّ بدني وأنا أستمع لــ"دعائها"...

قَفَزَتْ إلى خاطري "حادثةٌ" جرَتْ في شتاء عام 1979. وقتها كان الراحل شمران الياسري (أبوگاطع) في زيارتي، قادماً من براغ.. سهَرنا، أكلنا وشربنا، ثم ماذا يدور من حديثٍ بين عراقيَّين مُغتربين ؟!!

تَسَيَّبتُ! فحكيتُ له كيف أنَّ ر. أبو.. فلان ! كان قبل فترةٍ قصيرة في زيارة شخصية لبرلين، "حَجَّتْ !" له في فندق شتات برلين، كل لجنة تنظيم ألمانيا، حتى مَنْ تَحمَّل "وعثاء" السفر إلى برلينَ من خارجها !! كنتُ الوحيد من بينهم ممن لم يحظر اللقاء.. أخبروني بعدها أنه إستفسرَ عني " أما يزال .... خشمه عالي، ليش ما إجه ؟!" كان ذلك القيادي قد جاء إلى برلين حينها ضمن سلسلة من الزيارات قام بها لعدد من البلدان يروِّجُ فيها إلى " أن الوضع في البلاد غير ميؤوسٍ منه.. إذا ما تخلّينا عن مواقفنا المتخشبة...كذا!"

أطلَق أبو گاطع حسرةً حَرّى وقال " اللهمَّ لا تُباركْ في ضرعِ وزرعِ مَنْ يدَّخرُ جهداً في فضح الدكتاتورية الفاشية ودحرها !!" بعد تلك الزيارة إنتشر دعاء أبي گاطع هذا... شِفاهاً وكتابة !

***

حفّزتني مقالة د. قاسم حسين صالح [اللغة العربية.. جمال وبلاغة وبيان] المنشورة في الحوار المتمدن بتأريخ 28.12.2020 ومواقعَ أخرى، مقالة جميلة ورصينة.. أقولُ حفزتني لمقاربة بعض القضايا من زاوية، غير ما دَرَجت عليه كثرةٌ من الكتابات !

1) أقولُ حينَ يتسيَّدُ الإنحطاط الحضاري، فأنه يشمل كل جوانب الحياة.. بما فيها اللغة. فلا غرابةَ أنْ نرى لغة مَنْ تسيَّدَ المشهد السياسي العراقي في غفلةٍ من الزمن، هابطة إلى درجةٍ، لا تأخذُ حتى بنصيحة أبي عثمان – الجاحظ – [خُذْ من النحو ما يُجنِّبُكَ فاحشَ الخطأ!] بل أنَّ الكثرةَ الكاثرةَ منهم، وكذلك غير قليلٍ من خطباء المنابر، بل حتى من بعض المعارضين لهم، يرتكب أفحشَ الفُحش بأنْ يرفعَ المجرور وينصبَ المرفوع دونَ أنْ يطرِفَ له جفنٌ... بل أنَّ البعضَ لا يُحسنُ حتى قراءةَ المكتوبِ له !! ويُصرُّ على عدم الأخذ بنصيحة تسكين آواخر الكلمات، تحاشياً للوقوع في خطأ . ناهيكم عن تشذيب وصقلِ مخارجِ حروف لغتنا الجميلةِ بحقٍّ.. كي لا نُكثِرَ في التَطلُّب !!

2) لستُ مُغرماً ببعض الأرقام والإحصائيات، التي تقول بانَّ معدل قراءة الفرد العربي سنوياً لا تزيد على 79، 0 كتاباً . بل يذهب البعض إلى "بكائية" ينعى فيها "كتاب غوتنبرغ" ! مقابل الكتاب الألكتروني . صحيحٌ أننا لم نعد بحاجة إلى غرفة في بيوتنا نحفظ فيها مئات وآلاف الكتب والموسوعات، وصحيحٌ أيضاً أنَّ أطفالنا لن يعودوا يحملون على ظهورهم حقائب مدرسية تزن عدة كيلوغرامات، بل شرعوا الآن يستعيضون عنها بشرائح وتلفونات ذكية تُمكنهم من الحصول على ما يحتاجونه من معلومات.. لكن ذلك لن يُلغي الكتاب الورقي، مثلما أنَّ الفوتوغراف لم يُلغِ الرسم، والتلفزيون لم يُلغِ السينما... فالكتاب الألكتروني ما هو إلاّ مُحاكاة لكتاب غوتنبرغ، مع فارقٍ أساسي هو أن الأخير سيظل قائما لقرون، إذ ما زلنا حتى اليوم نرجع إلى كتبٍ صدرت قبل عدة قرون، في حين أنني لستُ متأكداً من إحتفاظ الكتاب الألكتروني بمزاياه المغناطيسية وخزن المعلومات لأكثر من عشرِ سنوات !عليه أزعمُ، دونَ أنْ ارتكِبَ خطأً فادحاً! بأن "كتاب غوتنبرغ" سيظل ولا خوف عليه ! فأنسان الإنترنت هو إنسان غوتنبرغ لأنه مضطرٌ للقراءة أكثر من السابق بسببٍ من إزديادِ فضوله العام...!

علينا أن نعترفُ من جانب آخر بأن الكتب، بكل أنواعها تتضمّن حماقاتٍ غير قليلة، لكن الذي يُزهرُ الثقافة، ليس مجرد القراءة، بل ماذا نقرأ ؟ لا الحفظ، بل التنقية والفَرز، أي إهمال تلك الحماقات، التي لا أساس علمي لها. ولا يتمُّ ذلك من دون حركة نقدية جادة، بعيدة عن المُحاباة و"الإخوانيات" أو القذف والتجريح والمناكفة..إلخ

أنَّ عدد القراء اليوم في تزايد مستمر أكثر بكثيرٍ مما كان أواسط القرن الماضي . فالناس تقرأ في

النت كثيراً، ما عدا أولئك، الذين يمضون ساعاتٍ وليالي في مشاهدة وزيارة مواقع ترفيهية أو

حتى إباحية.. إلخ

فالنت يوفّر لنا كماً هائلاً من المعلومات، لكنه لا يقول لنا أية معلومة صحيحة وأيها مشكوكٌ بها..! وتظل القراءة، إنْ أحسنّا الأختيار، متعة تُشذّبُ النفس والعقلَ، تُقشّرهما من بثور الغيبِ والخرافة.. تفتحُ الذهن على التساؤلِ والشك في اليقينيات !

3) ما يُميّزُ عصرنا الحالي عن العصور السابقة هي السرعة الهائلة . قديماً كان الناس الذينَ يريدون الحجَّ إلى القدس أو مكة يستلزمهم الأمر شهوراً، يكتبون وصاياهم... أما الآن فلا يستغرق منهم سوى ساعاتٍ ليصلوا . وكان معدل عمر الفرد قبل بضعة قرونٍ لا يزيدُ على أربعة عقودٍ أو خمسة،

أي يمكنه أنْ يشهدَ تحوّلاً تأريخياً واحداً.. الآن يعيش الفرد فترة أطول تُمكنه من رؤية ومعايشة تغيرات وتحولاتٍ تأريخية عديدة خلال حياته.. كسقوط إمبراطوريات وأنظمة كولونيالية كما في حالة بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، وتفكُّكِ وإنحلال الإتحاد السوفيتي، وبداية أُفول الإمبراطورية الأمريكية وتشكل نظام عالمي جديد... ومثل ذلك على الصعيد الإقليمي والوطني...إلخ الفارق الأساس الآن هو أنَّ على الفرد أن يتسلّحَ بــ"درع " عصبي وفكري معقولٍ يحمي توازنه من الشطَطِ والإنفصام.. وحتى من الجنون !!

4) صحيحٌ أنَّ التقدم العلمي – التكنولوجي الحديث جلب للبشرية إيجابياتٍ هائلة، أكبر وأكثر مما شهدته في عمرها السابق، يَسَّرَت لها العيش والتمتع بالحياة ومباهجها على نحو أفضل... إلخ لكنه(التقدم العلمي – التكنولوجي) جلبَ معه كذلك سلبيات ومخاطر، لم تعرفها البشرية سابقا، غَدَتْ تُهدّدُ لا البشرية وحدها بالفناء، بل العالم بأسره والبيئة برمتها !

دون الخوض في تفصيلاتٍ وإحالاتٍ إلى دراساتٍ وأبحاث مختلفة لا يتسع لها حيّزٌ محدود.. ودون الإنزلاق إلى إشاعة إجواء "الأبوكاليبسوس" – نهاية العالم -، نقولُ أنَّ السبب في ذلك لا يكمن في العلم، إنما في الجهات التي تستغله لأغراضٍ غير إنسانية، بل معادية لها.. من أجل تحقيق غايات وأرباحٍ جنونية، لا علاقة لها بأنعتاق البشرية وتوزيع الثروة بصورةٍ تضمن حدّاً معقولاً من الرفاه الإجتماعي والثقافي للمجتمعات الإنسانية وبما ينسجم مع الحفاظ على البيئة للأجيال القادمة وإستنباط أشكالٍ جديدة تُعوِّض عن المصادر الطبيعية الناضبة...إلخ

لن نتحدّثَ عن سباق التسلح الجنوني والأسلحة البيولوجية والجرثومية.. بل عمّا يؤدي إلى تلويث نفسية وأفكار الأجيال الناشئة !

قبل بضعة عقود جرى الإنتباه إلى مخاطر بعض البرامج والأفلام، التي تبثها القنوات التلفزيونية، ومخاطرها النفسية على سلوك الأطفال والنشء الصاعد، مما حدا ببعض الشركات المنتجة للتلفزيونات إلى إيجاد "قفل" يمنع الأطفال من متابعة بعض البرامج والأفلام دون رقابة من الكبار ... أو تأخير بث تلك البرامج والأفلام إلى أوقات يكون قد حلَّ فيها موعد نوم الأطفال! لكن بظهور النت، الذي اُشيعت بواسطته المعلومة عبر العالم، بعيداً عما عرفته البشرية من رقابة وحضر في ماضيها البعيد وحتى القريب، وبظهور الهواتف الذكية أصبح النت متوفراً للأطفال، دون رقابة الأهل . وأصبح بأمكانهم الدخول إلى منصّات "محرَّمة "! وراحت الفضائيات تسمح ببث مشاهد وبرامج، وحتى أفلامٍ.. يمكن للأطفال متابعتها وهم يتناولون العشاء مثلاً.. وفي أحيانٍ غير قليلة دون رقابة من الأهل، بسبب من ظروف عمل الأهل أو أن غرف الأطفال تكون مزودة بأجهزة تلفزيون أو كومبيوترات.. وما إلى ذلك .

وهكذا فأنَّ " الشرَّ" الكامن في "الخير" يتمظهر تدريجياً نحو العَلَن دونّ إرادة منّا !فـ"الشرُّ" كان موجوداً على الدوام.. بشكل سرّيٍ أما الآن فيظهر إلى السطح،ويصبح تدريجياً مألوفاً، بل جزءاً من " الذوق " العام !! فالإحتفاءُ ببعض فرق الروك، التي تروّج لتعاطي المخدرات أو "عبادة الشيطان"، والبعض الآخر يبث مشاهد مروعة تسفحُ فيها الدماء بمنتهى القرف المازوخي أيام عاشوراء وسواها.. أمرٌ مُقرفٌ بالنسبة لي، شخصياً ! وأظلُّ أتساءلُ هل أن هذا الأحتفاء بالقُبح يثير الحروبَ والمذابح، أم أنه ردة فعلٍ عليها ؟!

لستُ أدري، ولا أريد الخوضَ في ذلك، فلستُ مستعداً لتقديم حكمٍ أخلاقي على قضية تتعلَّقُ بذائقة الناس.. لكن إنْ إستلزم الأمر إعطاءَ حكمٍ أخلاقي على الحروب وجوع أكثر من نصف البشرية، سأقول أنها أبشعُ شيءٍ تمرُّ به !

5) أعرفُ أنَّ الكتابة، والإبداع بشكل عام، لا يغيّرُ الحاضر.. ! وأنا لستُ مهووساً بحل هذا اللغز، الذي أعيا البشرية منذ فجر التأريخ إلى اليوم، نتيجةً لرغبة الفرد في أَنْ يرى نتاجَ فِعله في المجتمع وما يحيط به.. مُتحقِّقَةً أمام عينيه، وهو أمرٌ مشروع ! بيدَ أنَّ " ميكانزمات " التغييرات الإجتماعية لها قوانينها ومستلزمات تَحَقُّقها عملياً .. بعيداً عن " الإرادوية " وما نشتهي !

قد تقرأ كتاباً أو تتطلّع في لوحة أو تستمعُ إلى لحنٍ، يُحرّكُ دواخلك ويحثُّكَ على التأمُّل.. يؤثّرُ فيك، فتشرعُ بتغيير طريقة تفكيرك، غداً أو بعد غدٍ قد تبدأُ بالتصرف بشكل مختلفٍ...إلخ

في كل مرةٍ نطالبُ فيه المثقف بإيجاد حلٍّ لمشكلات العالم، نرتكبُ خطأً شائعاً.. فهذه ليست مهمة المثقف ! مهمته أنْ يحرثَ لتغيير الوعي الجمعي، عبر حوامل إبداعية، فكرية – ثقافية.. قد توصلُ إلى إدراك ضرورة تغيير الأوضاع القائمة نحو الأفضل، نحو الحرية، فالحرية جمالٌ..

 

يحيى علوان

.......................

* تُجّار النجف وأغنياؤه دَرَجوا على خلع لقب پاشا على الشاعر عبد الحسين أبو شَبَعْ، ليس سخريةً، بل إتقاءاً من هجائه ومن لسانه الذرب ! أما جرملي، فهو تصحيف شعبي لكلمة جيرمَني – ألماني - قماشٌ صوفي مستورد من ألمانيا يصنع الموسرون منه ثيابهم الشتوية، في حين أنَّ عامة الناس لا تقوى علي شرائه وتكتفي بالدشداشه – الجلابه – بقماشها العادي الذي لا يقيهم برد الشتاء !

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5236 المصادف: 2021-01-05 02:01:53


Share on Myspace