 آراء

التطور التاريخي لمشكلة الطائفية السياسية في العراق (2)

مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق

تتعرض مختلف المجتمعات الى تغيرات مستمرة نتيجة التطور والتقدم الاجتماعي، هذه التغيرات تفرز العديد من التعقيدات في الابنية الاجتماعية، تظهر بصورة جلية عند محاولة دراسة مستويات البناء الاجتماعي، اذ يلاحظ ان هناك اختلاف وتباين في هذا البناء، يعرف عند المختصين بعلم الاجتماع بالطبقة الاجتماعية

لاحظنا في الحلقة الأولى من هذا الاستعراض ان تطور الطائفية السياسية كان يترافق مع دخول البلد في مرحلة الانحطاط السياسي والأخلاقي وتتعارض الفكرة الإنسانية والحداثة والدولة المدنية والشرعية وفكرة المواطنة . ولكن ما يجب اقراره إن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما ان سعي أي شخص لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحقوق الآخرين لايجعله طائفيا . فأخطر ما يبتلى به شعب أن يتحول حكامه من رجال دولة إلى رجال طوائف أو أحزاب أو قبائل، فالمصير الذي ينتظر ذلك الكيان هو التفكك لا محالة، ولن يكون بعد ذلك رابح إلاّ أعداء ذلك الكيان، المستفيدون من تمزيقه. فحين يبتلى بلد برجال سلطة يستندون في وجودهم إلى الأجنبي؛ فإنهم يمنحون ولاءهم واهتمامهم إلى أولئك الذين مكَّنوهم من السلطة، لا إلى شعوبهم. وقد كانت هذه احدى الأساليب التي سعى العثمانيون الى استغلالها في صراعهم مع الصفويين لاحتلال العراق فعمدوا الى دعم طائفة ضد طائفة أخرى فقسموا المسلمين الى اهل السنة و(الروافض) كما خلقوا تنظيمات للطائفة الموسوية ( اليهود ) وطائفة النصارى . واستمرهذا الوضع لحين وصول القوات البريطانية الى بغداد وانسحاب القوات العثمانية . ولقد أدرك البريطانيون نقطة الضعف هذه في السياسييّن العراقيّين ونجحوا في استغلالها واللعب عليها.

يعود تاريخ الوجود الاوربي في الخليج الى القرن السادس عشر في آخر يوم من عام 1600 تأسست شركة الهند الشرقية الانجليزية وبعد ان عززت موقعها في الهند، اخذت تتطلع الى الخليج الذي له علاقات تجارية مع الهند .في عام 1640 وصل ممثلي ووكلاء شركة الهند الشرقية الى البصرة ابرمت بريطانيا عدة معاهدات مع الدولة العثمانية، كان اولها معاهدة الامتيازات التي اتفق عليها سنة 1661م، وتم تصديقها سنة 1675. ثم حصل السفير البريطاني في الاستانة على فرمان من السلطان 1764م يتضمن الاعتراف بأن وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية قنصل يمثل بريطانيا، ففتحت لها مقيمة في بغداد سنة 1798م، وفي العام 1808م عينت بريطانيا المستر (ريج) قنصلا ً في بغداد ويعتبر هذا الرجل هو أول من عمل على تكريس الدور البريطاني في العراق وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وكان ريج يتمتع بعلاقات كبيرة ومهمة مع العراقيين وكانت شخصيته أقوى من شخصية الوالي العثماني . وقد ذكر الدكتور الوردي في كتابه لمحات إجتماعية أن الناس في بغداد كانوا لا يقيمون وزناً لوعود بشواتهم وأعيانهم إلا إذا كانت مدعومة بضمان من المستر (ريج). في عام 1821 عينت الحكومة البرطانية الكابتن تيلر قنصلا ً. وعرض القنصل على والي بغداد (داود باشا) أن يتولى الضباط البريطانيون مهمة تدريب افراد الفيلق العثماني في بغداد وتم جلب بعض الضباط البريطانيين امثال جورج كيبل ورفاقه لهذه المهمة كما تم ارسال القس المسيحي (غروفز) الذي سكن بغداد وأتصل بأهلها واصبحت له علاقات معهم، أما على الصعيد التجاري فقد ذكر بطاطو في كتابه العراق ان البريطانيون كانوا يحضون بمعامله خاصة ومتميزة في السوق العراقية . ومن جانب آخر كان البريطانيون يولون للعراق أهمية خاصة فقد صرح اللورد كيرزن في العام 1892م بأهيمة بغداد التجارية فقال يجب أن تدخل بغداد ضمن السيطرة البريطانية. وكانت بريطانيا سبق لها ان حصلت على فرمان سنة 1834م يحق فيه لبريطانيا استخدام باخرتين في نهر الفرات، وسبق هذه المعاهدة قيام رحالة بريطانيين عام 1830م باستكشاف طريق الفرات النهري من بيرة جك جنوب الاناضول الى مدينة الحلة في العراق، وقام الرحالة (راودن جسني) برحلة استكشافية حظيت برعاية الملك (وليم الرابع) وساعده (هنري بلوص لنج) في مسح نهر دجلة، عمل (لنج) خلال الفترة بين (1837-1839) على كتابة مذكرات في وصف قسم من دجلة بين بغداد وسامراء، وقد حصلت عائلة (لنج) على امتياز تسيير باخرتين في دجلة بين بغداد والبصرة، وقامت في 30 تشرين الثاني سنة 1860م بتأسيس شركة في لندن باسم (شركة الفرات ودجلة للملاحة التجارية). استطاعت شركة لنج ان تحتكر الملاحة التجارية في نهر دجلة، في نقل المسافرين والبضائع والبريد بشكل كبير. وفي عام 1909 تم بيع الادارة النهرية العثمانية الى شركة لنج بمبلغ (250) الف ليرة.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب مع المانيا والنمسا قررت بريطانيا ان تامين الطريق الى الهند يحتاج الى الإسراع في احتلال البصرة وبالفعل نزلت القوات البريطانية البصرة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، حيث قامت بتشكيل دائرة الحاكم العسكري، والتي كانت مهمتها القيام بالمهام المستجدة وتألفت من الرائد (داريس براذيلو) رئيسًا والنقيب (ريدبولارد) وهو وكيل قنصل بريطانيا السابق في البصرة (وتوم دكستر) احد قباطنة (السفينة كمين) التابعة للمقيمة البريطانية في بغداد مساعدًا ومترجمًا، وعدد من الضباط والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين، ثم تبعها تشكيل دائرة للشرطة تولاها العقيد (أي جي كريكسون) أحد منتسبي شرطة البنجاب والعديد من العناصر التي جائت من الهند. أصدرت السلطة العسكرية البريطانية في آب 1915م في المناطق العراقية المحتلة (قانون الأراضي العراقية )، يخول السلطة تطبيق القانون الهندي على المجتمع العراقي، وأجاز لها تعديله حسبما تتطلب الأوضاع المحلية اما في المناطق العشائرية المدنية، بموجب الأسس الواردة في نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية الذي وضعه هنري دوبس عام 1915، وذكر أنه مستمد من نظام الحكم الذي طبق في بلوشستان، وحدد القانون إحالة القضايا الخطيرة إلى اللجان العسكرية البريطانية للبت فيها في حين تحال القضايا الشخصية إلى المحاكم الشرعية التي تطبق (الشريعة المقدسة).

حددت السلطة البريطانية الأهداف السياسية البريطانية كما وردت في برقية وزير الهند في لندن إلى نائب الملك في الهند والدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ 29 آذار 1917م، متضمنة مظاهر تحقيق السياسة البريطانية في العراق، في إن تبقى البصرة والناصرية وشط العرب وبدرة تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، وتكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة عراقية تحت حماية بريطانيا، وتدار خلف ستار عربي بواسطة وكالة وطنية وفقا للقوانين الموجودة. كما أشار التقرير الإداري البريطاني الصادر في تشرين الأول من عام 1918 الى ان الإدارة البريطانية تعتزم تعيين قا ٍض سني في مدينة النجف، فضلا عن إصدار تعليمات على العمال العاملين عندها بإجبارهم ارتداء ثيا ِب موحدة بحسب انتمائهم القومي والطائفي، فالعمال السنة يرتدون كوفية حمراء وعقال اسود ويرتدي العمال الشيعة كوفية زرقاء وعقال ابيض .

قام البريطانيون بتوسيع نظام دعاوى العشائر بعد سيطرتهم على جميع الاراضي العراقية، اذ صدر نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية في 28 تموز/ يوليو 1918، الذي اصبح له قوة القانون اند صدور القانون الاساس العراقي (الدستور) في سنة 1925. شكلت القوات البريطانية ما سمي بالإدارة المدنية البريطانية في العراق ترأسها السير بيرسي كوكس حتى مايو عام 1918 فتبعه السير أرنولد ولسون .ومارست الحكومة المؤقتة البريطانية الهندية سياسة التهنيد من خلال فرض القانون الهندي لحين صياغة الدستور العراقي بغية إلحاق العراق وضمه بالتاج البريطاني . في 30 تشرين الثاني 1918 صدر قرار يقضي بأقامة استفتاء شعبي لمعرفة رأي البلد في تأسيس حكومة عربية، وتضمن ثلاثة اسألة: هل يفضل العراقيون دولة عربية واحدة تقوم بارشاد من بريطانيا، تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي؟، وهل يرون أن يكون أمير عربي على رأس هذه الدولة الجديدة؟، ومن الذي يرشحونه لرئاسة الدولة؟.

 كانت مدن الفرات الاوسط وبالاخص مدينتي النجف وكربلاء الشغل الشاغل للبريطانيين، منذ دخول قواتهم العراق في عام 1914، ذلك أن الفرات الاوسط كان مركز التشيع وما يحمل التراث الشيعي من نزعة الى النقد السياسي للسلطة على مدى السنين اضافة إلى الفلسفة الأمر الذي انعكس على نفسية المجتمع في مناطق الفرات الاوسط. أشار الحاكم السياسي برسي كوكس في حديثه عن الفرات الاوسط (أن المشكلة المعقدة في منطقة الفرات الاوسط في هذا الوقت أي عام 1917 ليس وجود قبائل كثيرة وإنما وجود مدينتي كربلاء والنجف).

في عام 1919 ذهب فيصل بن الحسين الى باريس لحضور مؤتمر الصلح في فرساي ولكن لم يسمح له بالمشاركة وعندما حاول الاحتجاج تمت دعوته الى وزارة الخارجية الفرنسية وهناك كانت اكبر صدمة تعرض لها العرب وفيصل ونرويها كما سجلها مرافق فيصل البريطاني (لورنس ) حيث التقاهم في وزارة الخارجية المسيو جان غوت مساعد مدير شؤون اسيا في الوزارة. وجرى الحديث بينهما – طبقاً لمذكرة بخط لورانس قدمت الى وزير الخارجية البريطاني واودعت سجلات الوزارة تحت الرقم 97/608 ملف 7 – 445 – على النحو الآتي:

“فيصل: انني لا استطيع ان افهم لماذا جرى استبعادي من قائمة الممثلين الذين يحق لهم الكلام امام مؤتمر الصلح؟

غوت: هذه مسألة من السهل عليك ان تفهمها. لقد ضحكوا عليك. ان الانكليز تخلوا عنك، ولو انك وقفت معنا لكان في وسعنا ترتيب امورك. اننا نعترف بوجودك هنا كضيف كريم، ولكن الضيف لا علاقة له بمؤتمر السلام، والخطأ يقع عليك انت لأنك جئت الى هنا دون ان تحصل على اذن بيكو ودون اخطاره. كنت واقعاً تحت نصيحة خاطئة، والنصائح التي اعطيت لك لا تنفعك.

فيصل: الجنرال اللنبي في دمشق ابلغني ان الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية كلتيهما تعترفان بقواتي كطرف محارب .

غوت: هذه اكذوبة. نحن لا نعرف شيئاً عن جيش عربي في سوريا.

فيصل: الجنرال اللنبي كان قائد جيوش الحلفاء، وكانت قواتي تحت قيادته. كان هو قائدنا الاعلى، وقد قال لي في دمشق انه يعتبرنا طرفاً محارباً، وقد صدقته.

غوت: هذه مشكلتك. وعليك ان تفهم انك اذا اردت صداقة فرنسا فيجب ان تطيع ما نقول به نحن”.

وقد اكتمل المشهد الدرامي في أيلول من نفس العام عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني (لويد جورج) ورئيس الوزراء الفرنسي (جورج كليمنصو) في اليوم الاول من أيلول في مبنى السفارة الفرنسية، وبينهما اللورد هانكي الذي جرى تكليفه رسمياً وضع مذكرة عن حديثهما. في البداية – كما ورد في مذكرة اللورد هانكي – كان رئيس الوزراء الفرنسي يشعر بأن الحكومة البريطانية متضايقة من بعض تصرفات الرسميين الفرنسيين.وهي تعتبر انها احيانا تجاوزت حدود المقبول ازاء الحليف الاكبر وهو بريطانيا وكان كليمنصو حريصاً على استرضاء رئيس الوزراء البريطاني لأنه ما زال يشعر بالحاجة اليه في التسوية النهائية، وما يترتب عليها. وبدأ الحوار بين الاثنين. ودار على النحو التالي على حسب ما سجله اللورد هانكي في مذكرته بالحرف (وثيقة مجلس الوزراء الرقم 14/116 تاريخ 1 ديسمبر (كانون الاول) 1919):

“كليمنصو: انني حريص على ان لا تكون هناك خلافات كبيرة بيننا، فما زالت امامنا ظروف تقتضي لقاءنا المستمر. ان تحالفنا نجح في تجربة الحرب، وليس من المعقول ان يرسب في تجربة السلام”. ثم استطرد: “دعنا نسوي الامور بيننا مباشرة، وقل لي ما الذي تقترح ان نبحثه معاً الآن؟

” لويد جورج: دعنا نبحث في مصير العراق وفلسطين.

كليمنصو: اذن قل بصراحة ماذا تريد؟

لويد جورج: اريد الموصل. انتم تطالبون بهذا الاقليم ونحن نعتبره تكملة لجنوب العراق الذي اتفقنا على ان يكون من نصيبنا.

كليمنصو: حسناً. لك ان تأخذ الموصل. سوف نتركه لكم… هل هناك شيء آخر؟

لويد جورج: نعم… اريد القدس ايضاً. انكم تثيرون متاعب لنا، وتطالبون بالحق في فلسطين باعتبارها جنوب سوريا.

كليمنصو: لك ان تأخذ القدس ايضاً… هل هذا يرضيك؟

لويد جورج: هذا شيء طيب.

كليمنصو: ان بيشون (وزير خارجية فرنسا) سوف يثير لي مشاكل بسبب الموصل، وارجوك ان تساعدني ازاءه.

 لويد جورج: ماذا استطيع ان افعل لك؟

كليمنصو: اتركوا لنا سوريا شمال فلسطين من دون ان تثيروا المتاعب في وجهنا. انا لا اعني المنطقة المسيحية في لبنان فقط، ولكن اريد سوريا الداخل ايضاً: دمشق وحلب وحمص وحماه.

لويد جورج: ليست لنا مصالح حيوية في هذه المناطق، ولن نعارضكم عندما تضعوها جميعها تحت حكم فرنسي موحد!”.

وانتهت المناقشة بين الرجلين لأن رئيس وزراء ايطاليا انضم اليهما في صالون السفارة الفرنسية. وبهذا تقرر مصير الدول العربية ومنها العراق.

لم تستجب بريطانيا للمطالب الشعبية بتقرير المصير، بل سارعت هي وحلفاؤها الى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا في (25 نيسان 1920) ووزعوا الانتدابات، فأنيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن لبريطانيا. أذيع نبأ الانتداب على العراق في بغداد في (3 أيار 1920) فأعلن الشعب معارضته له، أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار الحركة البريطانية المباشرة وعدم تنفيذ الوعود التي أعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال، وتوتر الجو السياسي في العراق وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية وقرروا اتخاذ التدابير لحشد العراقيين. وفي (2 حزيران 1920) حدثت مظاهرة جماهيرية واسعة عندما قابل ممثلوا الحركة الوطنية وكيل الحاكم المكي وطالبوا بإجابة المطاليب الآتية وهي إنشاء مجلس تأسيسي (جمعية وطنية) تضع دستور وتقرر شكل الحاكم وكذلك إطلاق حرية الصحافة. وقد ردت بريطانيا على هذه المطاليب موضحة شروط وكالة حكومة بريطانيا على العراق . كان اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ قبيلة الظوالم في (30) حزيران في الرميثة أحد الأسباب التي أدت الى اندلاع الثورة إذ هاجم رجاله سراي الحكومة وقتلوا بريطانيين وانقذوا شيخهم فكانت تلك الرصاصات إيذاناً بإعلان الثورة في العراق ضد البريطانيين.امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة، فأعلنت الثورة في النجف في (2 تموز) ة وتمكن الثوار في الرميثة من مقاتلة البريطانيين وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة وتمكن الثوار من إحراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرسمتية) قرب الكفل يوم (24 تموز) فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو الحلة بعد أن فقدت (318) جندياً، وغنم الثوار (40) رشاشاً ومدفعاً واحداً. خفت حدة المعارك العسكرية بعد فترة قصيرة من وصول السير برسي كوكس واعتبرت الثورة منتهية بعد المفاوضات التي أجرتها بريطانيا مع الثوار في الرميثة آخر معاقل الثورة وتوقيعها الاتفاق معهم في (30 تشرين الثاني 1920) .

بعد وصول بيرسي كوكس الى بغداد في (11 تشرين الأول 1920)، واستقبل استقبالا حافلا تبارى خلاله الشعراء وعلى رأسهم الشاعر (جميل صدقي الزهاوي) في القاء القصائد في مدحه وهجاء الثورة التي حصلت وذمها اشد الذم .

كانت أولى الخطوات التي اتخذها المندوب السامي، انه عقد اجتماعاً لمجلسه الاستشاري في الحادي والعشرين من تشرين الأول من عام 1920، ضم في عضويته كل من بونهام كارتر ناظر العدلية، (وهو ايضا صاحب فكرة تشكيل الحكومة حينما كان رئيس اللجنة التي الفها ويلسون بعد ان اجرى استفتاء عام 1918 مع بعض التعديلات ) وهاول ناظر المالية فضلاً عن مساعده سليتر وبولارد ناظر الاشغال وبطبيعة الحال ضم هذا المجلس العنصرين البارزين في السياسة البريطانية، هما جون فلبي، والمس بيل السكرتيرة الشرقية واستمر هذا الاجتماع الطارئ زهاء الثلاث ساعات، وضح فيه كوكس افكاره حول تأليف الحكومة واعتبارها كالجسر الذي يربط فيما بين السلطات البريطانية المتمثلة بشخصيته وبين الشعب العراقي .

ولقد استبعد الاجتماع موضوع الاستعانة باي شخصية شيعية فقد عملت الدعاية البريطانية على زرع فكرة ان كل معمم شيعي هو (إيراني ) فحتى عندما تتحدث المس بيل عن السيد (محمد الصدر) وهو من سلالة ال البيت وجده الاكبر كان قادم من لبنان والشيخ مهدي الخالصي الكبير الذي تعود اصوله الى قبيلة بني اسد العربية وهما من كبار قادة ثورة العشرين تقول (إنهما من رعايا إيران)، وقد وصفت (السيد محمد الصدر) بما يلي "إن معكر صفو السلم هو السيد محمد الصدر، وهو عالم طويل القامة، اسود اللحية، ذو تقاسيم شريرة، قفز إلى الظهور البغيض بصفته رئيس المحركين خلال الإضطرابات وأخذ يدور في أنحاء البلاد ويسري شرّه فيها كما يسري لهيب الحرب، فقد صادف أن أُقيمت حفلة استقبال في المدرسة الإيرانية، حيث ذهبت كالمعتاد وكان من الضروري أن أذهب إلى هناك لأن السيد محمد الصدر هو المنظم للحفلة" . وقد إختصرت المس بيل رأيها قائلة: “ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها” . كذلك تم استبعاد اي شخصية كردية حيث كانت الدعاية البريطانية تعتبر أن فكرة وجود كردستان مستقلة فكرة خيالية تماما، كما وصفتها المس بيل في رسائلها التي قام بترجمتها (يونس السبعاوي) ونشرها (روفائيل بطي) . ويمكن معرفة التوجهات البريطانية من خلال المحادثة التي أجرتها المس بيل مع الحاج (ناجي رضا جادر) احد مالكي الأرض الزراعية في الكرادة وكان صديقا مقربا منها، عندما سالها عن سبب فوزه بمقعد في المجلس من دون سابق علم له بالأمر إلى إن أخبره مختار الكرادة بفوزه، فقالت له " انته نحن نعتبرك صديقنا" فسألها الحاج ناجي عن سبب غياب أعيان الشيعة في بغداد من المجلس، فقالت "أهل الكاظمية كلهم ما يفتهم وأهل بغداد (عنودي) وأهل النجف وأهل كربلاء كلهم (فارسي) ما يفتهمون عربي غير بس الشيخ عمران العلوان " وقالت المس بيل " أهل الدليم يتكلمون عربي ما يفهم منها أهل بغداد شي فاخترنا لهم فؤاد الدفتري حتى يعلمهم تركي وهم يعلموه عربي حجي بعد ماكو سؤال" .

لذلك قرر الاجتماع الاستعانة بنقيب اشراف بغداد السيد (عبد الرحمن النقيب الكيلاني)، عرض برسي كوكس في اثناء الاجتماع مجموعة من المقترحات والتي عدت الاسس التي قامت عليها الحكومة ومنها، تأسيس مجلس من الوزراء العراقيين وكان الى جانب كل منهم مستشار بريطانيا، ويكون هذا المجلس بادارة المندوب السامي مباشرة، وبعد تعديلات طفيفة اجريت على هذه المقترحات من قبل اعضاء المجلس الاستشاري تمت الموافقة عليه بالاجماع، ويلاحظ ان هذه الحكومة المؤقتة لم تكن إلاَ واجهة لتنفيذ صك الانتداب البريطاني على العراق، ويتضح ذلك من خلال ارتباط مجلس الوزراء بصورة مباشرة بـ(برسي كوكس) كما ان الوزراء المقترح تعيينهم سوف لن يكون لاي منهم دوراً مهماً في تمشية أمور البلاد في مختلف المجالات لكونه مرتبط ويعمل تحت توجيهات المستشار البريطاني الذي كان قراره نهائيا وقطعيا .

بالرغم من طرح اسم (عبد الرحمن النقيب الكيلاني) لرئاسة الحكومة المؤقتة خلال الاجتماع الا ان برسي كوكس كان يأمل ان يتولى هذا المنصب (طالب النقيب)، الذي لعب دوراً كبيراً في خدمة المصالح البريطانية، الا انه استبعد من الترشيح الى هذا المنصب وذلك يعود الى عدم الثقة الكاملة به من قبل المندوب السامي، ولمعارضة الاعضاء ولاسيما المس بيل، التي كانت تكن له الكره الشديد، بسبب نشاطه اللامحدود وطموحه الشديد بالوصول الى عرش العراق، في الخامس والعشرين من تشرين الأول لعام 1920، انهى برسي كوكس مفاوضاته التي اجراها مع الاشخاص المرشحين لمنصب وزراء في الحكومة المؤقتة، وتمكن من تخطي جميع الصعوبات التي واجهته خلال المباحثات، ولم يتوان المندوب السامي بعد هذه المباحثات من توجه رسالة تكليف الى السيد عبد الرحمن النقيب بتشكيل الوزارة وبناء على رغبة ملك بريطانيا في ذلك، فوافق النقيب على هذا الامر كما عبر عن ذلك كوكس بقوله انه قبل (بكل جراة واقدام ودون تردد) لقد تم ترتيب الدعوات لاعضاء مجلس الوزراء، وكذلك توزيع الحقائب الوزارية عليهم بصورة توحي للمراقب بانها صادرة من النقيب نفسه وليست مفروضة عليه من قبل المندوب السامي، وذلك لاعطاء هذه الحكومة واجهة وطنية وليست اجنبية، لقد تألف المجلس من ثمانية اعضاء، يرأس كل عضو منهم دائرة من الدوائر، اعلن تشكيل الوزارة في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1920 وضمت، عبد الرحمن النقيب، رئيساً للوزراء وطالب النقيب وزيراً للداخلية، وساسون حسقيل لوزارة المالية، ونصب وزيراً للعدل مصطفى الالوسي، اما وزارة الدفاع، فقد اسندت الى جعفر العسكري، الضابط العراقي في الجيش العثماني والذي اشترك في الثورة العربية، ومن ثم اصبح حاكماً لولاية حلب في الحكومة العربية في سوريا، وعين لوزارة الاشغال العامة عزت الكركوكلي، واسند منصب وزير النافعة (التعليم) والصحة الى محمد مهدي الطباطبائي، اما وزارة التجارة فقد اسندت الى عبد اللطيف المنديل والوزارة التاسعة وهي وزارة الأوقاف كانت من نصيب (محمد علي فاضل)، والى جانب هؤلاء الوزراء المحليين، تم تعين مستشارين بريطانيين، كانوا بحقيقة الامر هم الوزراء الفعلين واصحاب القرار وهم جون فلبي مستشارا لوزارة الداخلية، والعقيد سليتر للمالية، وكان عليه ان يعمل في وزارة التجارة، والسير بونهام كارتر للعدلية والمستر نورتن للصحة، اما مستشار وزارة الاشغال والمواصلات فقد عين المستر ديفير اتكسون اما وزارة التجارة فقد استلم منصب المستشار فيها، وتكنسن اما وزارة الأوقاف فقد عين لها مستشاراً فيها فيما بعد، وهو كوك وكان أول اجتماع عقده مجلس الوزراء في الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1920.

 ثم أصدر المندوب السامي برسي كوكس بياناً في (8 تشرين الثاني من العام نفسه) أوضح فيه أن الهدف من تأليف الحكومة هو الاسراع في تمهيد الطريق أمام الشعب العراقي لإبداء الرأي في شكل الحكومة التي يريدها عن طريق تأليف مؤتمر عام يمثل الشعب العراقي تمثيلاً صحيحاً.

في شباط 1921 نقل (وينستون تشرشل) من وزارة الحرب وأصبح وزيرا للمستعمرات، فقرر عقد مؤتمر في القاهرة دعا اليه الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في الشرق الادني لاعادة النظر في سياسة بريطانية في المنطقة ودراسة امكانات خفض النفقات البريطانية فيها، وتقرير علاقات الدولة الجديدة المقبلة في العراق ببريطانيا العظمي من حيث النفقات، وشكل الدولة المقبلة، وشخص رئيسها، ونوعية قوات الدفاع فيها، وغير ذلك. فلما ذهب السير بيرسي كوكس لحضور هذا المؤتمر كان من جملة من اصطحبهم معه سكرتيرته الشرقية غيرترود بيل التي كانت المرأة الوحيدة في المؤتمر. وقد شارك في المؤتمر السير هربرت صمويل (الحاكم العام المعين لفلسطين) وشارك فيه من الخبراء كل من الميجور لورانس والميجور كلايتون (من المخابرات العسكرية والسياسية) والمستر كورنواليس (من مخابرات وزارة المستعمرات)، كذلك حضر المؤتمر السير رونالد ستار، اللورد جورج لويد، الكولونيل كونلف أوون، الكولونيل هملتن، جون فليبي، الكابتن شكسبير وغيرهم واصدر المؤتمر قراراً يقدم عرش العراق الى الامير فيصل .وقراراً ثانياً يقدم امارة شرق الاردن الى الشريف عبد الله الابن الاكبر للشريف حسين .

عاد المندوب السامي الى بغداد في 19/ نيسان 1921 بعد انتهاء مؤتمر القاهرة وأذاع بياناً عما تم في المؤتمر وبدأ على الفور باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنجاح ترشيح فيصل وأصدر بلاغاً أوضح فيه أن الحكومة البريطانية تعد الأمير فيصل مرشحاً موفقاً وعمل المندوب السامي أيضاً على تذليل العقبات التي تعترض سبيل الأمير فيصل ومنها إخراج طالب النقيب من وزارة الداخلية وأبعاده عن العراق وأبعاد جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية لأنه من معارضي الهاشميين ومن دعاة الجمهورية.

شغلت بريطانيا الرأي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد أن عرضت أسماء عدد من المرشحين، مستبعدين أي شخصية عراقية شيعية باعتبارهم كما وصفتهم مس بيل " والشيعة، كما بيّنت في مناسبات عديدة من قبل، يكوّنون مشكلة من أعظم المشاكل" اما بقية المرشحين فكانوا من ذوي ارتباطات مع بريطانيا، ويتفاوتون في مراكزهم وأمكانياتهم، فعبد الرحمن النقيب له أنصاره في بغداد لكنه كان طاعناً في السن وعبد الهادي العمري وهو من أسرة موصلية معروفة وله شعبية في الموصل وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة، وله علاقات واسعة مع الأمراء العرب في المحمرة والكويت ونجد وكان طموحاً يسعى قبل الحرب العالمية الأولى لأقامة إمارة عربية في جنوب العراق على غرار الإمارات المجاورة، وفيصل بن الشريف حسين ملك سورية المخلوع وأخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 8/ آذار 1920 ليكون ملكاً على العراق والشيخ خزعل أمير المحمرة الذي كانت له علاقات واسعة مع جنوب العراق وأحد أنجال أبن سعود أمير نجد، والأمير التركي برهان الدين أبن آخر سلاطين الدولة العثمانية وترددت أسماء أخرى منها أحد أمراء الأسرة المالكة في مصر وظهر تيار يدعو الى إقامة نظام جمهوري في العراق يتزعمه جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع أن يجمع حوله بعض الشخصيات البارزة في العراق أمثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل وعبد المجيد الشاوي وكانت بريطانيا ترى في الشخص الذي ترشحه لعرش العراق هو من يفتقر الى القوة الحقيقية ويعتمد في بقائه على الحكومة البريطانية وكان ممن أشار بعدم تعيين أحد من العراقيين ملكاً أو أميرا على العراق على أساس أنه سيثير حسد عراقيين آخرين فيخلقوا متاعب لا تنتهي للإنجليز" (ساسون حسقيل) وزير المالية في حكومة عبد الرحمن النقيب الكيلاني . وكان حزقيل يقترح أن يكون ملك العراق أو رئيسه أحد أبناء شريف مكة أو أحد أعضاء الأسرتين المالكتين في مصر وتركيا.

أسهمت عودة الضباط العراقيين من سوريا وعلى رأسهم نوري السعيد باختيار الأمير فيصل ملكاً على العراق ودعوة الجمعية التأسيسية لأن تقوم بمهامها الأربع الأساسية وهي تعيين مجلس الوزراء، واختيار حاكم للعراق، وتأسيس الجيش، وتصميم علم وطني. وقد نُفذت الخطة المرسومة. وتمّ حفل التتويج بحضور 1500 مدعو، ثم عُزف النشيد الملكي البريطاني لأنه لم يكن هناك سلام وطني عراقي، وفي الختام تمت الموافقة على تشكيل الحكومة العراقية التي رأسها عبد الرحمن النقيب كأول رئيس وزراء لمملكة العراق الفتية.

 

زهير جمعة المالكي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5247 المصادف: 2021-01-16 10:49:38