 آراء

مصعب قاسم عزاوي: مفاعيل النظام العالمي الأشوه

مصعب قاسم عزاويقد يستقيم القول بإن منظومة توازن القوى في العالم قبل وبعد انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفيتي وما بعده لم تتغير إلا في طبيعة تمظهرها وحدتها في بعض الأحيان دون أن يغير ذلك من جوهرها القائم تاريخياً على مبدأ «البلطجة»، وأن «القانون الدولي مسخر لتكريس هيمنة الأقوياء على الضعفاء»، وأن ذلك القانون الانتقائي «يسري بشكل حصري على المفقرين المستضعفين».

وذلك التوازن البربري يفصح عن نفسه بأن الأقوياء يستطيعون ضرب عرض الحائط بكل أوراق التوت التي سترت عورات الشرعية الدولية ممثلة في سلطة مجلس الأمن الذي هو بحد ذاته تعبير مصفى على إمساك الأقوياء بمفاتيح الحل والعقد؛ حينما لا يتفق الأقوياء فيما بينهم على كيفية اقتسام غنائم الهيمنة فيما بينهم، وهي السلطة التي لا يتمخض عنها أي عقابيل على الأقوياء الذين يجتاحون ويحتلون بلداناً ويغيرون حكوماتها ويعلنون أنفسهم قوى احتلال دون إلزام أنفسهم بأي التزامات تفرضها القوانين الدولية على المحتلين، كما كان الحال في العراق، وأفغانستان، وغوانتانامو في كوبا، وجزر الفولكلاند، وشبه جزيرة القرم، والضفة الغربية، والجولان، وسبتة ومليلة، والصحراء الغربية، وشمال قبرص والقائمة تطول ولا تنتهي، دون أن يسري على أي منها نفس الذي جرى على شعوب الضعفاء كما كان الحال البائس في عقابيل غزو نظام صدام حسين للكويت في العام 1990.

وفي الواقع فإن هناك تراجعاً جزئياً في قدرة الأقوياء على استخدام «البلطجة» العارية كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية أو الاقتصادية، وذلك ليس لتغير في آليات النظام العالمي، وإنما فقط لزيادة مقاومة الفئات الشعبية في دول الأقوياء لتحول دولهم إلى آلة للقتل والتدمير والتعذيب لا رقيب عليها أو حسيب؛ وهو ما اضطر القوى المهيمنة عالمياً إلى استنهاض المبدأ القديم الذي وطدته القوى الاستعمارية العريقة، وخاصة الإنجليزية منها، في استخدام المرتزقة كرافعة أساسية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية و التكتيكية على حد سواء، وهو ما يفصح عن نفسه في أن العدد الأكبر من القوة العسكرية الضاربة والتنفيذية لدول الأقوياء خارج دولها هي من فئة «المتعاقدين»، والذين يدعون باللغة الإنجليزية «Contractors»، كما هو  الحال حتى اللحظة الراهنة في العراق، وسورية، و الصومال، و غوانتانامو في كوبا حيث أن نسبتهم تصل إلى 80% من مجمل قوات الأمريكان ومن لف لفهم من دول وتشكيلات نظامية وشبه نظامية. وهؤلاء المتعاقدون يقومون بالواقع بكل ما تقوم به الجيوش النظامية، سوى أنهم غير ملزمين بالالتزام بقوانين وأخلاق الجيوش النظامية، وخاصة قوانين التعامل مع المدنيين وأسرى الحرب، بالإضافة إلى أن رحيل أي منهم عن الحياة خلال عمله لن يثير الرأي العام في دول الأقوياء حيث أنه ليس جندياً قُتل دفاعاً عن وطنه «في أرض غيره»، لا بد من إقامة المراسم الرسمية لنعيه، وما يترتب عنها و يرتبط بها من تغطية إعلامية، وإنما موظفاً توفي خلال عمله في حادث مهني لا يستدعي سوى وضعه في كيس أسود ورميه في أقرب حاوية للنفايات إن لم تكن عائلته قادرة على تحمل نفقات شحن جثته إلى بلده الأم.

و لا بد أيضاً من الإشارة إلى تغير موازٍ في مجتمعات الأقوياء فحواه التحول المتسارع لتلك المجتمعات إلى نموذج لا يختلف كثيراً عن مجتمعات العالم الثالث المفقرة المنهوبة، ممثلة بجزر من الثراء الفاحش محاطة ببحر من المجتمعات الذاوية على شاكلة مدن الصفيح والكتل الأسمنتية العملاقة من تجمعات مساكن علب الكبريت للمفقرين المهمشين في تلك المجتمعات. وهو تغير تسارعت حدته بعد زوال الخطر الإيديولوجي للاتحاد السوفيتي وحلف وارسو المتمثل بمجتمع قائم لأجل الطبقة العاملة دعائياً كحد أدنى، والذي كان يضطر مجتمعات الأقوياء للتعامل مع ذلك التهديد بزيادة إجراءات رشوة الطبقة العاملة في تلك المجتمعات عبر مفاعيل دولة الرفاه والتعليم والصحة المجانية من المهد إلى اللحد، لكي لا تسول لها نفسها التفكر بميزات ذلك النظام القائم نظرياً في دول حلف وارسو، والذي عقب زواله تبددت الحاجة لاستدامة تلك الرشوة، وهو ما تمثل في تآكل البنى التحتية في العالم الغربي إلى درجة مهولة، وطوفاناً من الخصخصة قزَّم دور الدولة بشكل كبير، وأدى إلى تصحر مريع في الخدمات التي لا زالت الدولة مسؤولة عنها في بعض الدول الغربية من قبيل الخدمات العمومية في مجال الصحة والتعليم وصيانة الطرق التي أصبحت في الكثير من الدول الغربية بمستويات هزيلة لا تكاد تختلف عن تلك القائمة في دول العالم الثالث المنهوبة المفقرة.

وكمثال على ذلك فإن تردي التعليم العمومي في العديد من دول العالم الغربي عقب زوال البعبع السوفيتي وخطره الإيديولوجي، أدى إلى تحول المدارس العمومية إلى ما هو أشبه بالحظائر المكتظة بساكنيها، وبنظم تعليمية هزيلة لا تهدف إلا للتعليم لأجل النجاح في الامتحان، والتي لا تنتج في المآل الأخير إلا أشباه أميين غير قادرين على التحول إلى عمال مهرة يلبون حاجة تلك المجتمعات من الأطباء، والمهندسين، والصيادلة، وخبراء تقنيات المعلومات وغيرهم من الفئات التقنية الراقية، إذ أن عدد خريجي مؤسسات التعليم الخاص من أبناء المحظيين الأثرياء لا يكفي لسد تلك الحاجة في المجتمعات الغربية، وهو ما تم حله عبر فتح أبواب الهجرة لأولئك المؤهلين من دول العالم الثالث بشكل وحشي بربري يهدف إلى سرقة العقول والخبرات النادرة أصلاً في العالم الثالث، وهم الذين أنفقت عليهم دولهم الأم من مواردها القليلة المحدودة لتصل بهم إلى مستوى التأهيل والخبرة والمعرفة التي توصلوا إليها، لتقوم بعدها دول العالم الغني بأخذهم جاهزين دون الإنفاق على تأهيلهم شيئاً وفق منهجية الإغراء بمستوى حياة أفضل لهم ولأسرهم في الغرب، بدل حضهم على القيام بواجبهم الطبيعي في تعزيز وتوطيد جهود التنمية في بلدانهم الأم التي يستحيل دون تراكم الخبرات البشرية والطاقات العلمية فيها تأصل أي نهضة فعلية يحتمل أن تقوم بتحسين مستوى حياة المفقرين المظلومين الذين يعيشون في تلك المجتمعات.

ولا بد من الإشارة في هذا السياق بأن العملية الدؤوبة في المجتمعات الغربية عقب انهيار جدار برلين لتحويل مجتمعاتها لتكون على شاكلة مجتمعات العالم الثالث، وتحويل طبقاتها العاملة إلى فئات مهمشة اقتصادياً واجتماعياً همها الوحيد إيجاد فرصة عمل مؤقتة لتفادي ويلات التسول في الشوارع والنوم على الأرصفة، وتحويل المدارس العمومية إلى حظائر لتخزين الأطفال في مواقيت عمل أهاليهم الرسمية، أسهمت في إنتاج نماذج فريدة من البشر الهائمين على وجههم، وأجيال فاقدة للتوجه والإحساس بهويتها، والتي أصبحت مرتعاً خصباً لكل أشكال التفسخ الاجتماعي من أشكال الإدمان على المخدرات الصنعية بمختلف تلاوينها، إلى التطرف اليميني العنصري الذي يظن بأن بؤس حياة مستبطنيه ناتج عن استجلاب المؤهلين من المهاجرين للقيام بدور تسيير مجتمعه بدلاً من إعطائه تلك الفرصة، وهو التفسخ  المجتمعي الجمعي الذي أسهم أيضاً في تحويل الارتزاق كمتعاقد عسكري ليصبح أحد أهم فرص العمل المتاحة لأولئك المهمشين المضيعين الجدد، ليقوموا بالأدوار الفاحشة لأدوات البلطجة الغربية للهيمنة على مقدرات المجتمعات والشعوب المفقرة المظلومة، في حلقة معيبة مبرمجة لا تخدم في المآل الأخير إلا توطيد مفاعيل النظام العالمي الأشوه القائم على أساس هيمنة الأقوياء الأثرياء على المفقرين المستضعفين في كل أرجاء الأرضين.

 

مصعب قاسم عزاوي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5519 المصادف: 2021-10-15 03:04:53


Share on Myspace