محمد ناجيإريك بيريگران

تقديم وترجمة: محمد ناجي

لا يزال حادث اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، وهو مقر السلطة التشريعية الأمريكية، يثير ردود أفعال متسارعة ومتباينة، تجاوزت مكان الحدث وامتد صداها ليصل مختلف دول العالم، من بينها الدول العربية، التي تتفاعل مع الحدث بصورة مختلفة، تتناسب مع أنظمتها السياسية ومصالحها، وطبيعة وواقع شعوبها .

في هذا المقال للكاتب (إريك بيريگران)، المنشور في مجلة سويدية متخصصة بالصحافة الثقافية، وجهة نظر تستحق الاطلاع والمتابعة، فهو وغيره ممن يشاركه الرأي، وبناءا على مايذكره من معطيات، يرى الحدث كظاهرة (فاشية) .

ومع أن (الفاشية) كحركة منظمة أسسها موسوليني في إيطاليا عام 1920 ووصلت بقيادته إلى السلطة عام 1922، وأخذت اسمها من رمز روماني، فإن أفكارها وقيمها واساليبها لا تنحصر بزمان ومكان معين، بل نرى الكثير من سماتها ومعالمها موجودة في موروثنا السياسي والثقافي، خاصة في العقود الأخيرة، ولذا فاطلاع القراء على (الفاشية) لا يخلو من فائدة، فهي في الجوهر والمضمون، وبدون مبالغة، واقع يومي، وان اختلفت التسميات، بحكم اختلاف الموروث /الاجتماعي/ الثقافي/ الديني.

 

محمد ناجي

..................

انقلاب ! كان رد الفعل المثير للدهشة لسماع خطاب ترامب التحريضي، والهجوم على مبنى الكابيتول الأسبوع الماضي . لقد كان متوقعًا وسبق ووعد به ترامب بوضوح قاعدته الصاخبة والمتطرفة بشكل متزايد،  لكن رغم ذلك يبقى الحدث مثير للذهول. يبدو وكأننا لم نتمكن حقًا من استيعاب كل الإشارات الواضحة بأن فاشيًا كان جالسًا في البيت الأبيض منذ أربع سنوات .

ربما يحتج البعض على مثل هذا الوصف، بينما يهز البعض الآخر رأسه بقلق . "فاشية"، الكلمة مرنة . قد يكون هناك تمتمات عرضية حول رئيس مفرط الحماس . لكن من النادر أن تستخدم في الوقت الحالي عن الفاشيين الحقيقيين : السياسيين الذين يخرجون إلى الشارع كعصبة قتال فاشية ويلوحون بالقضبان الحديدية، والوزراء الذين يبنون الجدران والمخيمات، ويصنفون الناس حسب أعراقهم، أو الرؤساء الذين يهاجمون الصحافة ويدافعون عن قوات الشرطة العنصرية . حتى الآن، لم تُستخدم الكلمة حتى لوصف من يرفضون قبول نتائج الانتخابات، لكنهم بالمقابل يحبذون الانقلاب - أسلوب فاشي بامتياز. يتم استخدام هذه الكلمة بشكل عشوائي وبلا مبالاة وقليل جدًا . وفي تحليل السياسة المعاصرة، اعتدنا بدلاً من ذلك على سلسلة من العبارات الملطفة : الشعبويون، والشعبويون اليمينيون، وأحزاب الاستياء، والسلطوية أو القومية فقط . 

ربما ترجع صعوبة التعرف على الفاشيين عند ظهورهم، بشكل كبير الى الصدمة النفسية  الأوروبية . فالقبول بعودة الفاشية بعد الهولوكوست هو أمر مزعج للغاية، باعتباره انتهاكًا لقيمنا وكرامتنا . لذا تم رفع سقف ما يمكن اعتباره فاشية بعد الحرب العالمية الثانية . التعريف العام لإرنست نولته، في ستينيات القرن الماضي، كاد أن يقيد المفهوم بنماذج هتلر وموسوليني . حينذاك كانت الصورة الأوروبية بحاجة للترميم . وظهرت في السياسة والأوساط الأكاديمية، نظريات حول "موت الأيديولوجيات" و"نهاية التاريخ". أفكار تقول إن الغرب شبه كامل . الآن يمكن فهمها بشكل أفضل على أنها كانت ضمادات نفسية على جرائم يجب نسيانها: معاداة السامية والامبريالية والاستعمار والفاشية والإبادة . حلم نهاية التاريخ هو بالطبع حلم صمت الذاكرة .

يبدو أن هذا التوق إلى النسيان قد خلق عمى فعالا لعودة الفاشية، والذي ساعدته التعريفات التي تقول أن الفاشية هي ما يحدث خارج النظام الديمقراطي، بهدف تدميره . لقد واجه علماء الاجتماع وضعا صعبا في تصور أن الفاشيين في عصرنا يتصرفون ضمن النظام الديمقراطي، وهم على استعداد لتدميره إذا لزم الأمر . بدلاً من ذلك، تم تصنيف الفاشيين الذين عملوا داخل النظام على أنهم "شعبويون". إحدى مزايا ترامب تتمثل في أنه أكثر وضوحًا من العديد من "الشعوبيين" المرحبين به، فقد جعل البناء المعقد واضحا مرئيًا من خلال تحريضه، وسلسلة أكاذيبه اللامتناهية، ونرجسيته وكراهيته المميزة للضعفاء و"الخاسرين".

 ولكن على الرغم من حقيقة أن كلمة الفاشية تطوف في جو كل اجتماع جماهيري، حيث يتم الدفاع والإشادة بإطلاق الشرطة النار على السود، وانتقاد المعارضين، وأن البلاد ستصبح عظيمة مرة أخرى، إلا أن القليل من المعلقين استخدمها لوصف ما يحدث . بعد أن أصبح ترامب رئيسًا، ربما واجه الصحفيون الذين غالبًا ما يرغبون في إعطاء الرئيس الأمريكي لقب "زعيم العالم الحر" صعوبة في إضافة عبارة "فاشية"، ليس لأنها تحدت صورة ترامب، ولكن لأنها ستنال منهم ايضا، فالكلمة ستشوه الصورة أمام العالم  وبالتالي صورتهم الشخصية أيضا .

ربما كان هناك أمل آخر بعملية نضج متأخرة : قد يكون قادرًا على أن يصبح "رئاسيا". لكن خلال السنوات الأربع التي مرت، انتهت هذه الآمال بعمل مخزي . ومع ذلك، لم يأتِ ما يسمى بوسائل الإعلام الجادة بفكرة وصفه بالفاشي، وكأنها لم تعد موجودة في مفرداتنا السياسية - النظرية .

ابتعد منظرو الفاشية اليوم عن فكرة التعريف المعياري الصارم للفاشية . استنتج روبرت باكستون في كتابه (Anatomy of Fascism) تشريح الفاشية، ومايكل مان في كتابه ( Fascism) الفاشية (كلاهما صدرا عام 2004) من تحليلات تاريخية من القرن العشرين أن فاشية اليوم لا تشبه فاشية الأمس . وذكرا كيف أن الحركات الفاشية غالبًا مانمت في ظل الديمقراطيات، وطوّرت أسلوبها الخاص على وجه التحديد، لأنها كانت بحاجة إلى كسب الرأي العام . وهذا بعبارة أخرى، يشير إلى الشعبوية في الفاشية .

يقدم تحليل كاترين فيشي للجبهة الوطنية الفرنسية (1) فكرة مماثلة في كتابها Fascism, Populism and The French Fifth Republic: in the Shadow of Democracy (2004 الفاشية والشعبوية والجمهورية الفرنسية الخامسة : في ظل الديمقراطية (2004) . بالنسبة لفيشي، فإن أجندة الجبهة الوطنية هي تعبير عن حركة فاشية تريد البقاء على قيد الحياة في ظل الديمقراطية الفرنسية : "توفر الشعبوية جسرًا بين المثل العليا المتكافئة والمساواة والنخبوية للتفكير الفاشي . "الشعبوية تجعل الناس يتخيلون أنهم جزء من نخبة، في بلد يُنظر إليه على أنه متفوق على البلدان الأخرى ." (ترجمتي) (2)

على الرغم من أن هؤلاء المنظرين يتجنبون التعريف الحاصل على براءة اختراع للفاشية، إلا أنهم يسلطون الضوء على بعض سماتها المتكررة، ومفاهيم القومية العضوية وفكرة بعث الأمة . وغالبًا ما يقدم الفاشيون وعودًا وتهديدات بالتطهير السياسي و/أو العرقي بتحريض كبير وعدواني بشكل لا يضاهى، وعجز تام عن قبول النقد . وغالبا ما يحبذوا النظام شبه العسكري من خلال ثنائية كلاسيكية بين الفرع البرلماني وقيادة الشارع، مع أنهم ينكروا الترابط بينهما مرارًا وتكرارًا، وهذا حتى يتمكنوا من الاستمرار في تعزيز عبادة قوة الفعل والرجولة .

هناك اتفاق كبير حول هذه السمات الفاشية . لكن الشيء المهم هو أنه ليس كلها يجب أن يتحقق . فيمكن للحركات والسياسيين أن يكونوا فاشيين إلى حد ما، حتى لو كانوا جميعًا متحدين في ترديد النغمة الأساسية "إنهم سيخرجون". وإذا طبقنا هذه السمات على ما يسمى بالشعبويين اليمينيين، فإنها ستبين أيضًا اللائحة المثيرة للقلق من أيديولوجية وأساليب هذه الأحزاب .

لا، بالطبع لم ينجح ترامب في إعادة تشكيل الولايات المتحدة في اتجاه فاشي . لكن الخطاب والديماغوجية والجريمة موجودة، والتكهنات عن الحرب الأهلية والانقلاب العسكري استمرت لفترة طويلة، وقد حاول تحويل قوة الشرطة إلى ميليشيا شخصية، وتجذرت نظريات المؤامرة التي ابتدعها ونشرها، وبالكاد أعطي انطباعًا بالرغبة في العمل ضمن النظام الديمقراطي . على العكس من ذلك، فقد دأب على تنظيم انقلابات مجهرية تحدّت المؤسسات العامة وقواعد اللعبة الديمقراطية . كان الغرض، كما هو الحال مع الثنائية الفاشية، ووفقًا للمنطق الذي كتبته فيشي عن الجبهة الوطنية بأنه - في نفس الوقت الذي يشغل فيه أعلى منصب في الدولة، أرسل إشارة "شعبوية" بأنه ليس جزءًا من النظام، ولكنه واحد من الشعب . "قف للخلف واستعد " .

هل هذا حقيقة أم مسرح ؟ الجواب مهم . ولكن بنفس القدر من الأهمية فهو غير مؤكد . لأنه في عالم الفاشية يندمج المسرح والواقع، بالنسبة لهم ولكل المشاهدين والمتضررين . والنفور من الكلمة وعدم القدرة على تحديد الفاشية بمجرد عودتها،  فهو في الواقع، يخدم اتباعها . ولكن بالنسبة للمترددين، من الضروري أن يلاحظوا النغمة الأساسية - "سيطردون خارجا !" . في هذه النقطة، الفاشيون صادقون دائمًا .

على الرغم من النفور من الكلمة بين المعارضين وفي وسائل الإعلام، فإن السؤال عما إذا كان ترامب يمثل الفاشية في عصرنا قد أثير بالطبع . في عام 2018 صدر كتاب How Fascism Works. The Politics of Us and Them (كيف تعمل الفاشية . سياسة نحن وهم) للفيلسوف جيسون ستانلي . كتب ضد تطبيع العنصرية والشوفينية، الذي حدث في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وربط الفاشية في الولايات المتحدة بحركات أخرى مشابهة في العالم . في نفس العام، نشرت مادلين أولبرايت أيضًا (Fascism: A Warning) (الفاشية : تحذير) . هذه الكتب والتي هي مجرد تحذيرات، انطلقت بسبب الرئيس الحالي .

ومع أن الجميع ليسوا مقتنعين . فقد أثار روس دوثات السؤال حول ما إذا كان ترامب فاشيًا في عمود في صحيفة نيويورك تايمز في وقت مبكر من ديسمبر 2015 . وحين قارن بينه ومرشحين سابقين كانت عليهم شبهة الفاشية - بوكانان وبيرو و والاس - وجد دوثات أنه بينما كان من سبق ذكرهم أبرياء من الشبهة، فمن المحتمل أن ترامب يستحق التسمية . ومع ذلك، وجد أن الكلمة لم تكن دقيقة، أو بالأحرى لم تكن صحيحة من الناحية التكتيكية . كانت الأسباب هي أن ترامب (آنذاك) لم يكن قد أسس أي حركة بعد : "فهو لم يفز حتى في الانتخابات التمهيدية ! وفيما يتعلق بقوله حينذاك في احدى لقاءاته الجماهيرية إن أحد ناشطي (3) BLM يستحق الضرب ، قال دوثات أنها كانت لا تزال "درجة قليلة من" القبح " وإشارة لفاشية فعلية،  تتطلب تنظيم قوة شبه عسكرية تخرج في الشوارع ". والسبب الآخر هو حتى لو ان ترامب لم يجرِ تلقيحه ضد الفاشية، "فمن المحتمل جدًا أن يتم تلقيح الحزب الجمهوري ضده". كان ذلك قبل خمس سنوات، اليوم نحن نعرف أفضل .

ترامب جاء من عالم صناعة الاستعراض والترفيه  . أعماله مربحه إلى حد كبير، ونجاحه الأكبر - The Apprentice - هو عرض واقعي مبني على خيال القائد الاستبدادي العظيم . تلفزيون الواقع هو الشكل الأكثر فاشية في الثقافة الشعبوية . تستند كل من Robinson و The Farm و Big Brother و Paradise Hotel وغيرها إلى دغدغة المشاعر والإذلال والإقصاء والجنس بشكل متكرر . جزء لا يستهان به من الإنتاج هو ازدراء الجمهور لأولئك الذين يفشلون في المشاركة . لا أحد يهتم حقًا باللعبة أو القواعد أو الفائز . لكننا سنكون غوغاء لبعض الوقت ونشاهد "الخاسرين".

تنبأ بيير باولو باسوليني بالإذلال التلفزيوني بفيلم Saló أو Sodom's 120 Days . وفيه يتطرق لبعض الرجال من البرجوازية العليا يختطفون مجموعة من الشباب و يحبسونهم في منزل . هناك، يتم إجبارهم على ممارسة طقوس مهينة مختلفة، ويتعرضون للتعذيب والاغتصاب، ويتعرضون لمحاكمات صورية وطقوس زواج تنتهي بالاغتصاب . وإذا حاولوا الهرب، يتم قطع رقابهم . كل ذلك يحدث في جمهورية سالو الصغيرة، والتي كانت آخر تجسيد للنظام الفاشي الإيطالي تحت حكم موسوليني . نظم باسوليني المعسكر باعتباره لعبة ومسرح لسلطة منحرفة، لإظهار كيف تبني الفاشية المجتمع وفق رؤيتهم الخاصة.

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب "المجتمع كمسرح" وهو ما كتبه انگمار كارلسون وأرني روث في كتاب كلاسيكي . ” امنعها من الدخول ! امنعهم !" كانت صرخته المسرحية (؟)، خلال حملته الانتخابية وفترة ولايته، مزوقة بأكاذيب ووعود كاذبة، وتشويه وهجمات لا معنى لها ضد كل من لم يصفق، وحتى مقترحات أشد بالاغتيالات السياسية والعنف من قيادات الشارع التي تبناها . لكنه كرئيس، قام ايضا بفصل أكثر من 4000 طفل عن آبائهم المهاجرين . أجبرته الاحتجاجات على إنهاء ذلك رسميًا، مع مطالب بإعادتهم لعوائلهم في غضون 30 يومًا . لكن إدارة ترامب رفضت صرف أي أموال، لذلك حتى اليوم يُحتجز مئات الأطفال دون طعام مناسب أو اتصال مع اشخاص بالغين أو ملابس نظيفة .

 

ايريك بيريگران - Opulens

2021-1-11

..................

ملاحظات من المترجم :

(1) تغيّر اسم  الجبهة الوطنية منذ عام 2018 إلى التجمع الوطني .

(2) كلمة ترجمتي تعود لكاتب المقال ايريك بيريگران، الذي ترجم النص بين القويسات .

(3) BLM هي الحروف الأولى لاسم منظمة Black Lives Matter التي تأسست سنة 2013، وهي تدافع عن حياة الزنوج وحقوقهم ضد التمييز العنصري .

 

ابراهيم أبراشحالة من العدمية السياسية الهوياتية والانتمائية تتمدد في العالم العربي وتملأ فراغ انهيار وتفكك الأيديولوجيات والانتماءات الكبرى خصوصاً في الدول التي عصفت بها فوضى ما يسمى (الربيع العربي)، وأبرز تجليات هذه العدمية حالة من التيه الفكري والأيديولوجي والهوياتي وفقدان الثقة بالدولة وبكل الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية دون طرح بديل توافقي أو رؤية للمستقبل.

العدمية Nihilism فلسفة قديمة يمكن التأريخ لها منذ فلاسفة المدرسة الكلبية أو التشاؤمية Cynicism في اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد وأبرزهم (Diogenes ديوجين) مروراً بالفيلسوف والشاعر الإسلامي أبو العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ) (973 -1057م) إلى الفيلسوف الألماني نتشيه (1844 – 1900) وتيار الفوضوية Anarchism في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع ميخائيل باكونين الذي كان ضد الدولة ومؤسساتها وضد القانون، وقد صدرت كتب ودراسات عديدة عن العدمية في أبعادها وتمظهراتها الفلسفية والفكرية والأدبية والسياسية.

يمكن تعريف العدمية بأنها نزعة أو تصور سلبي وتشاؤمي للحياة في كل أبعادها ومستوياتها من الأخلاق والدين إلى الفكر والأدب والسياسة، نزعة تقوم على ألا معنى وألا يقين وألا ثقة بأي شيء، وهي تعبير عن حالة رفض للواقع ورغبة قوية في تدميره أو على الأقل عدم الاعتراف به، بحيث لا ترى في الواقع إلا سواداً بدون نقاط مضيئة ولا تلمس شيئاً يمكن البناء عليه ولا تعترف بالانتماءات الجامعة الكبرى الدينية أو الوطنية أو القومية أو الأممية.

والعدمية بهذا المعني ليست مجرد نقد للواقع، لا نقد موضوعي ولا حتى نقد هدام، لأن النقد بشكليه السالفين يطرح البديل ويُنظِّر للمستقبل أما العدمية وخصوصاً في بُعدها السياسي فهي تنتقد بشراسة وتنسف المعنى الكامن وراء أي شيء موجود دون أن تطرح حلولاً أو منافذ أمل بالمستقبل.

موضوعنا في هذا المقال ليس التأصيل أو شرح النزعة أو الفلسفة العدمية بل تغلغل هذه النزعة في العقل والفكر السياسي العربي وعند كثيرين من المثقفين والكُتاب بل وتغلغلها في الأدب والفن، وخصوصاً في ظل حالة الفوضى الناتجة عن ما يسمى الربيع العربي وتفكك وتراجع الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية وانكشاف الأيديولوجية الإسلامية وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، بحيث سادت حالة من اليأس والاحباط وألا يقين بكل ما هو قائم .

نزعة العدمية السياسية على المستوى الشعبي وفي مجتمعات ترتفع فيها نسبة الجهل والفقر تؤدي إلى التطرف والإرهاب والرغبة في تدمير كل شيء دون أن يكون لدى الإرهابيين رؤية أو تصور عقلاني وواقعي للبديل عما يتم تدميره، كما تكمن وراء عصبويات ما قبل الدولة من عائلية وقبلية وطائفية ومذهبية ضيقة، لأن فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها وقوانينها وبالأحزاب والأيديولوجيات يفكك رابطة الوطنية والقومية الجامعة ويدفع الأفراد لطلب الحماية والتعبير عن ذاتهم من خلال الانتماءات التقليدية، هذا إن لم يهربوا نحو التطرف والإرهاب كما سبق ذكره.

خطورة العدمية السياسية عندما تنتقل من المواطنين العاديين إلى المثقفين ومجال التنظير الفكري ،ليس بالكتابة المباشرة عن العدمية أو الدعوة لها، ولكن من خلال  المبالغة في نقد الواقع بكل تجلياته الرسمية والشعبية والحزبية ونقد كل مَن يحاول أن يكتب متلمساً بارقة أمل أو فرصة متاحة في بعض تفاصيل الواقع العربي القائم أو في التجربة التاريخية، فكل شيء في نظرهم عدمٌ لا أمل أو رجاء منه، فالوطنية شوفينية وأكذوبة، والقومية العربية سراب ووهم، والإسلام إرهاب وفتنة وتخلف، مستشهدين في ذلك بأسوأ النماذج والتطبيقات،  دون تقديم إجابة عن السؤال: من نحن؟.

 هذه النزعة لا تعبر عن واقعية سياسية أو فكر ثوري أو شجاعة كما لا يمكن إدراجها في سياق الطُهرية أو المثالية السياسية ما دامت لا تطرح البديل عن الواقع ولا تناضل لتغييره، إنها أقرب إلى حالة اسقاط العجز والفشل والإحباط الشخصي والفكري على كل شيء والهروب من عمل أي شيء جديد أو تجديد قديم يمكن البناء عليه. هذا النمط من التفكير العدمي يريدها قطيعة مع كل شيء دون وصل مع أي شيء أو رؤية تؤسس لبداية واعدة بشيء

عندما نخص الحالة العربية في الحديث عن العدمية السياسية على مستوى الهوية والانتماء  لأنه ما بين المحيط والخليج وهي الحيز الجغرافي الذي يسمى العالم العربي نجد شعوباً وقوميات وثقافات فرعية تستنهض قواها وتستحضر تاريخها بل وتسعى لبناء دولتها القومية، سواء تعلق الأمر بالأمازيغ أو البربر في بلاد المغرب العربي أو الأكراد في المشرق العربي وهم محقون في ذلك، بالإضافة إلى نزعات قومية ودينية أخرى، كما أن دول الجوار – إيران وتركيا بالإضافة إلى الكيان العنصري الصهيوني- تسعى لإحياء مشاريعها القومية والدينية والتمدد على حساب العالم العربي، بينما العرب وهم الأكثر عدداً في المنطقة لا يوجد لهم الآن مشروع قومي عربي ولا نلمس أي حراك لإحياء هذا المشروع، وعندما يتحرك أو يكتب البعض مطالباً باستنهاض القومية العربية والمشروع القومي العربي يتصدى لهم العدميون مشككين بالعرب والعروبة معتبرين أن من يتحدث في هذا الموضوع إما حالم وغير واقعي أو عنصري معادي للقوميات الأخرى، حتى حديث الوطن والوطنية أصبح ممجوجا وغير مقبول عند العدميين العرب.

العرب الذين يشكلون أكثر من 80% من السكان ما بين المحيط والخليج ليس لهم دولة قومية ولا مشروع قومي ولا زعيم أو زعماء قوميين ولا أمن قومي ولا اقتصاد قومي ويعتمدون على الخارج لحماية كياناتهم الهزيلة كما غاب عن مجال التنظير المفكرون القوميون إلا قلة قليلة، بينما كل القوميات الأخرى في المنطقة لها مشروعها القومي وزعماؤها القوميون وتسعى لتأسيس دولتها القومية وبعضا قطع شوطا طويلاً في هذا السياق ويعتمدون على قوتهم ووحدتهم القومية ولا يترددون في النضال المسلح لتحقيق وجودهم القومي، فلماذا يجوز للآخرين ما لا يجوز للعرب؟ ولماذا غير مسموح للعرب دون غيرهم أن يكون لهم مشروعهم ودولتهم القومية؟ !!! .

***

إبراهيم ابراش

 

 

عامر صالحالديمقراطية منذ نشأتها الأولى وبما يؤرخ لها منذ عام 500 قبل الميلاد في أثينا وفي بقاع اخرى من العالم لم تأتي لأطفاء او ألغاء الغرائز الانسانية الفطرية في المنافسة واشباع الدوافع الاساسية من جوع وعطش وجنس وتجنب الألم والارتقاء الى مستويات اعلى من الحاجات في الأمن والثقافة والأبداع، بل اعادة تنطيم اشكال اشباع الغرائز الانسانية استنادا الى الاجماع الاجتماعي في اضفاء البعد الانساني والحيلولة دون وقوع ما يفني العضوية الانسانية بسبب من عوامل المنافسة خارج أطر القيود الاجتماعية المشروعة الناتجة من العقد الاجتماعي، والديمقراطية هنا افضل الحلول النسبية لما توصل له الفكر الانساني لحد الآن على اقل تقدير.

لقد شكلت نقطة التحول الفسيولوجية التشريحية الحاسمة بالنسبة للإنسان وانفصاله النسبي عن مملكة الحيوان هي بامتلاكه الجهاز العصبي المتطور، وبشكل خاص امتلاكه للدماغ ونصفي الكرة المخيين المتخصصين تخصصا عاليا ديناميكيا، وخاصة القشرة الدماغية المتطورة وذات التخصص الدقيق ذو الصلة المباشرة بالعمليات النفسية أو العمليات العقلية العليا أو النشاط العصبي الأعلى " حسب تعبير علم الفسيولوجي " الذي تجسده عمليات التفكير والانتباه والتخيل والتصور والتعلم والإدراك والتذكر والبرمجة والتخطيط، والاهم من ذلك كله هو نشوء الأساس الفسيولوجي التشريحي للغة ونشأة اللغة نفسها التي أضفت على العمليات العقلية بعدا معقدا، حيث لا يمكن تصور العمليات العقلية خارج إطار اللغة، لأنها تلعب دور الممول لمحتوى العمليات العقلية وخاصة عبر عمليتي التجريد والتعميم اللازمتين للعمل الفكري. وفي هذا الانجاز التاريخي أعلن الإنسان انفكاكه عن الغابة وتحوله إلى كائن رمزي منتجا للحضارة المادية والمعنوية وللثقافة بمفهومها الواسع.

هذه النقلة النوعية التي حققها الإنسان في سلم التطور البيولوجي لم تلغي إبقائه مشتركا مع أسلافه في الكثير من العمليات الفسيولوجية التي تضمن له البقاء والاستمرار، أو ما نسميها بعلم النفس بالدوافع الفسيولوجية الأولية وهي فطرية في أساسها ومشتركة بين مختلف أنواع الكائنات العضوية، ومنها دوافع الجوع والعطش والجنس وتجنب الألم وكالحاجة إلى الهواء، والاحتفاظ بحرارة الجسم، والحاجة إلى الراحة والتخلص من التعب وغيرها، إلى جانب طبعا دافعية العدوان" المنازلة والمنافسة "، إلا أن رمزية الإنسان " ثقافته بمعنى اشمل " أضفت على جميع هذه الدوافع بعدا اجتماعيا تطبيعيا يستجيب لمكانة الإنسان الجديدة، وعلى أساس ذلك نشأت ثقافة الأكل والشرب وثقافة الجنس وكذلك " ثقافة " أو "حضارة" العدوان والعنف، وتتنوع هذه الثقافات ومظاهرها متأثرة بعوامل غنى البيئة وثرائها ومدى تطورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والتقني والمعلوماتي.

كانت الديمقراطية ولا زالت هي الأستجابة الانسانية الأولى لأعادة رسم واشباع مختلف الحاجات الانسانية عبر مايسمى بالعقد الأجتماعي الذي يقترن به دستور معبر عن مصالح المكونات المجتمعية الى جانب سيادة  القانون ومجتمع مدني وصحافة حرة ومستقلة للتعبير عن مختلف الأراء. "ولايمكن طبخ الديمقراطية دون الاعتماد على ميزان الاقلية والاكثرية.صحيح ان الديمقراطية ليست نظام مائة في المائة ولانظام 99%99 بالمائة ولكنها نظام 50+ 1 في ابسط تجلياتها عن حكم الاكثرية. لكن نصاب الثلثين هو الميزان الحقيقي للاكثرية ولذلك تصدر اغلب القوانين والتعديلات الدستورية والاستفتاءات بهذه النسبة لكي تعبر عن رأي الاكثرية في المجتمع".

وقد شكلت اركان الديمقراطية الأساسية احد عوامل دعم البنية التحتية للديمقراطية وديمومتها وتجددها، والمتمثلة بأرزها: الأنتخابات النزيهة الحرة والشريفة، والتسامح السياسي، وسيادة القانون، وحرية التعبير، والمساءلة والشفافية، واللامركزية والمجتمع المدني. وقد اثبتت التجربة التاريخية لممارسة الديمقراطية الى أفراز ابرز محاسنها وهي: الاستقرار السياسي، التجاوب الفعال في اوقات الحروب، انخفاض مستوى الفساد، انخفاض مستوى الارهاب، انخفاض الفقر والمجاعة، السلام الديمقراطي" أي ان الديمقراطيات لا تدخل في حروب فيما بينها"،  انخفاض نسبة قتل الشعب وارتفاع نسب السعادة.

لقد جاء ترامب ليقلب موازين القوى في دولة عمر الديمقراطية فيها اكثر من مائتي عام بأستناده الى خطاب القطيع الذي يلغي الديمقراطية  كخطاب موجه الى المجتمع بأكمله وبكل تنوعه الأثني والثقافي الى خطاب منفعل قوامه العزف على الأصول العرقية والثقافية والأثنية واستنهاض الغرائز الأولى ذات الصبغة العدوانية والتحريضية على الانقسام المجتمعي وبما يفضي الى تشظيته وتحوله الى كانتونات متعادية ومتخاصمة ولا يمكن الجمع بينها على اساس المواطنة المتساوية، فقد كان غبيا بارعا في العزف على سمفونية افضلية الجنس الابيض،  " لديكم جينات جيدة، تعرفون ذلك، أليس كذلك؟ إنها نظرية سباق الخيل. هل تعتقدون أننا مختلفون جداً؟ نعم لدينا جينات جيدة في مينيسوتا". المتحدث، بالطبع، هو دونالد ترامب، الذي لعب، على ما يبدو، ببطاقة التعصب في تجمعه  الانتخابي ويصف أنصاره البيض بالتفوق الجيني.

المشكلة الأولى: أن دونالد ترامب لم يمثل حزباً سياسياً هُزِم في انتخابات الرئاسة، بقدر ما يُمثل تيارات اجتماعية متعددة وقوية.

كلمة "متعددة" هنا مهمة. ذلك لأن أهم نجاح لترامب كان في جمعِه تيارات مختلفة ورائه.. تيارات لها ليس فقط مصالح مختلفة، ولكن أيضاً أفكار وتصورات متضاربة.

أهم هذه التيارات هي:

أقصى اليمين الرأسمالي، الذي يريد تحجيماً كبيراً لدور الدولة في كل قطاعات الاقتصاد الأمريكي تقريبا.

أقصى اليمين المسيحي، الذي يريد قوانين داخلية يراها متبعة رؤيته لقوانين الله. والذي أيضاً يريد سياسة خارجية تعكس قناعات دينية لذلك التيار.

مجموعات واسعة في أسفل الطبقة الوسطى، خاصة من ذوي البشرة البيضاء، الذين يرون في التغيُرات الاقتصادية في الولايات المتحدة في العقدين الماضيين إفقارا لهم وتراجعاً لمستويات معيشتهم. وعليه يريدون سياسات داخلية وتوجهات خارجية ضد تلك التغيُرات الاقتصادية.

ترامب نجح في جمع هذه المجموعات وراءه. صحيح، أن جغرافيا الولايات المتحدة الشاسعة، وهيكل الإعلام فيها (بتعدديته)، والنظام الانتخابي فيها، يُسهِل على أي سياسي أن يصل لمجموعات مختلفة من الناخبين برسائل مختلفة، وأحيانا متعارضة. لكن ترامب برع في ذلك الوصول المتعدد لتلك المجموعات المختلف.

المشكلة هنا ان ترامب عزف على خطاب ليست واقعي بمسلمات المنافسة الانتخابية حول برامج ما بل عزف على انفعالات خالصة تستنهض العدوان والتحريض واحتمالات القتل. فقد استند ترامب الى الأشاعة بما فيها من تضخيم وتنميق ومبالغة حد الخرافة والدهشة، ويمكن للإشاعة أن تنتقل عبر الجمهور وأيضا بواسطة وسائل الاتصال، أمام التطور التكنولوجي وسرعة انتقال المعلومة التي قد تحمل الصدق أو الكذب، والجمهور ميال بطبعه لتصديق الإشاعة لما تحمله من إثارة وتشويق، من هنا نعتقد أنه يتم استغلال الإشاعة بكثير من الخبث للتأثير في الجمهور النفسي، خاصة إذا كان القائد انتهازيا ميكيافيليا، حساباته دنيئة، فيستغل قوة الجماهير وسذاجتها لتحقيق مآرب قد تبدو ذات نفع عام، وما هي في الحقيقة سوى دسائس شخصية، تروم تحقيق السلطة والمال والضغط على الآخر، ولو أن سيجموند فرويد يرى أن محرضات الجمهور تكون نبيلة أو خبيثة، فالجمهور يتأثر ويندفع ويصدق الإشاعة بسرعة في غياب حس نقدي أو بعد نظر لما قد يأتي من عواقب للأحداث، ويتسم الجمهور بالعواطف البسيطة التي تتأجج بسرعة متلاحمة بين أفراده، فيجد الجمهور نفسه أمام وضعية أو وضعيات تتطلب رد فعل أو مبادرة أو التخلص من موقف أو اتخاذ قرار، وهنا يتجلى أبداع الجمهور ليبدع وينتج الحلول بكيفية لا تخرج عن دائرة الجماعة، وهو بذلك يفكر بعقل الجمهور، وتحت تأثيره النفسي، ويقوم الجمهور بوضع قواعد للاشتغال وخطط، قد تبدو له جامحة لتحقيق أهداف تمت صياغتها من طرفه أو من الخارج، أو من طرف “القائد”، وتبقى طموحات الجمهور غير واضحة المعالم، فقد تتلاشى بفعل الزمن أو امتصاصها من الطرف النقيض، أو قد تصل الذروة لتجد من يحولها في اللحظة الحاسمة لفائدة جهة معينة، لأن البداية، بداية اندفاع الجمهور لم يكن مخطط لها، حكمها اللاوعي واللاشعور، وتلك القوة المكبوتة المقموعة التي دقت ساعة تفجيرها، فالجمهور نزاع لكل ما هو متطرف، وما إن ينفلت من عقاله حتى ينخرط في العنف والتخريب والتكسير، لهذا نجد التعامل معه يتوجب الحذر وعدم مواجهته بالعنف.

ترامب، الذي رفع منذ فترة حملاته الانتخابية عام 2016 شعار «فلنرجع أمريكا عظيمة مجددا» تمكن، خلال «غزوة الكونغرس» من تسديد أكبر الضربات المهينة لصورة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة ديمقراطية، بتحريض المتطرّفين من أنصاره على الهجوم على مركز إصدار القوانين وتمثيل الأمة الأمريكية، وأحد أهم المواقع الرمزية للعظمة التي يتغنى بها، وبإهانته كل عناصر هذه العظمة، بدءا من مؤسسة الرئاسة نفسها، التي أصبحت، خلال حكمه، مركزا لإطلاق الأكاذيب، وإثارة الغرائز، وتحريض قسم من الشعب على القسم الآخر، مرورا بالمحكمة العليا، المنوطة بحماية الدستور والقوانين، ومجلسي النواب والشيوخ، اللذين تعرضا للاقتحام، ولمحاولة التلاعب بهما بكافة الأشكال الممكنة، ومرورا بالقضاء والأجهزة الحكومية، والمؤسسات الأمنية، وانتهاء بالإعلام، الذي كان محطا لهجماته وإساءاته.

وبالتالي عمل ترامب على خلق قطيع انتخابي ذو مواصفات غوغائية عدوانية، ابرز ملامحها هي:

الشعور باللامسؤولية:

عندما يجد الفرد نفسه في صلب المجموعة «الغوغائية» أو «القطيع»، فإنه يشعر بـ «قوة لا تقهر» ويتخلص بالتالي من كبح النفس والزواجر التي كانت تمنعه من التحرك ويحتمي بالتالي بالمجموعة ويشعر بالأمان في وسط «القطيع». عندها قد يصل به الأمر إلى ارتكاب أفعال لا يجرؤ بمفرده على إتيانها «مواجهة شرطة الشغب، عمليات التخريب، السطو على البنوك والمحلات التجارية، مهاجمة الأملاك الخاصة والعامة وغيرها من الأفعال الغوغائية التي قد يدخل فيها أيضا الاغتصاب الجماعي وهي من أشنع الجرائم التي قد تنجم عن عقلية القطيع.

تنتفي روح المسؤولية والاحساس بالمصلحة العامة تماما وتحل محلها نشوة البطولة الزائفة والانتصار لقضية قد لا يفهمها الغوغائيون وإنما تحركهم أياد وتوجههم مثل قطع الدومينيو أو البيادق فوق رقعة الشطرنج، مجرد أجساد وطاقات جسدية بلا فكر ولا حس ولا روية. إذا ما «غرق» الفرد في القطيع فإنه يفقد ذاته وقد يصعب بعد ذلك الوصول إليه، الأمر الذي يشعره بالأمان وبأن يد العدالة لن تطوله لمحاسبته عما فعله.

الإصابة بالعدوى:

يتحدث غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" عن «انتقال العدوى» بين الغوغاء والقطيع وهو ما يسميه كتاب آخرون في مؤلفاتهم ودراساتهم على غرارديفيد هيوم «التعاطف». قد تبدأ «العدوى» على مستوى فردين اثنين فقط أو أفراد يعدون على أصابع اليد قبل أن تسري بعد ذلك سريان النار في الهشيم ويتم ذلك خاصة عبر «بث الشائعات» و«المبالغة» و«التهويل» الأمر الذي يهيج المشاعر ويخاطب المشاعر وينفي العقل وملكة الفكر التي تسمح بتبيان الحقيقة من الافتراءات. تنقل العدوى من الفرد إلى العائلة فالجيران قبل أن تصل إلى الطريق العام وتشمل القرية فالمدينة ثم البلاد ثم العالم ليحدث بعد ذلك العنف والتخريب لجلب الانتباه. لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في تغذية «العدوى» وتكريس عقلية «القطيع» وبث «الشائعات» و«الأخبار المفبركة» لكن يجب ألا ننكر جوانبها الايجابية إذا ما أحسن استخدامها.

غيبوبة الفكر:

إن الفرد يذوب في «القطيع» الأمر الذي يصيبه بما يشبه «الغيبوبة الفكرية» ويصبح وكأنه تحت تأثير «التنويم المغناطيسي». عندها لن يكون له أي رأي فوق رأي «القطيع» كما يصبح مجردا من أي عواطف وأحاسيس خاصة به. هذا ما يفسر القرارات التي يتخذها «القطيع» والتي تتناقض تماما مع مصالح «الفرد» أو «الأفراد» الذين يكونون "القطيع".

تذوب «الشخصية الواعية» وتحل محلها «الشخصية غير الواعية» في صلب «القطيع». عندها يسهل على متزعمي «القطيع» توجيه «أعضاء القطيع» عبر «العدو» والأمر «وحتى عبر «الغمز» و«الإشارة» و«الرسالة المشفرة» أو «الايحاء». عندها يسهل تحويل «أفكار القطيع ومشاعره المتشنجة» إلى «أعمال عنف» و«مظاهرات» و«شغب» و"تخريب".

يقول المؤلف جوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا القطيع»: «إن الفرد في القطيع لن يكون فردا بل يتحول إلى آلة ميكانيكية مسلوبة الارادة، تسيرها إرادة أخرى خارجة عنها وتوجهها الوجهة التي تريدها». يعتبر المؤلف أن الفرد الذي يتواجد مع المجوعة لا يتحول بالضرورة إلى جزء من «القطيع» - يتطلب هذا الأمر تحلي «الفرد» بروح المسؤولية والوعي والقدرة على النقد الذاتي إضافة إلى إلادراك.

هكذا فعل ترامب بأنصاره بتحويلهم الى كتل هامدة لا قدرة لها على الخيار السليم واخضاعهم لعمليات التنويم المغناطيسي لغسل ادمغتهم بغسيل العنصرية والشوفينية القاتلة للديمقراطية، ولكن الديمقراطيات العريقة يفترض ان تجدد نفسها بأعادة انتاج خطابها المسالم والجامع للحمة الوطنية ومحاسبة مرتكبي جرائم انتهاك الديمقراطية ولعبتها في التدوال السلمي للسلطة. 

الذي فرح لكل ما جرى لديمقراطية أمريكا هم من الأسلامويين والدكتاتوريين من الانظمة الشمولية الذين وجدو في ذلك فرصتهم السانحة للتنفيس عن فشلهم واخفاقهم واستباحة دماء شعوبهم، واعتبروا احداث امريكا هي مؤشر لنهاية الديمقراطية  التعددية في امريكا وفي العالم، بل يوعدون العالم بديمقراطيات لا نعرف منها شيئ إلا عبر التصفيات الجسدية والاغتيالات والفساد الاداري والمالي وانتهاك المال العام.

في الديمقراطيات الهشة والنظم القمعية ستجد ما يجري في أمريكا فرصتها "الذهبية" لتبرير كل أفعالها المشينة للعبث في الأستقرار والتداول السلمي للسلطة وتكريس منطق السلطة الغنيمة وعلى طريقة ما ننطيها. سينتظر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته وصلاحيته"ترامب" طريق قضائي وقانوني طويل على خلفية تحريضه باستخدام القوة والعصيان ضد الديمقراطيةومؤسساتها الدستورية وتعريض السلم الأهلي والمجتمعي إلى الخطر بل وهناك توجه لمنعه من ممارسة السياسة لاحقا فهل تتم الأستفادة العالمية من تلك التجارب ام تبقى حكرا للأمريكان.

 

د.عامر صالح

......................

المصادر:

عامر صالح: العدوان عند الأنسان والحيوان

عامر صالح: سيكولوجيا احتجاجات اكتوبر العراقية

روبرت كوهلر: أمريكا 2020 الفوضى المقبلة

طارق عثمان: الوصول لحافة الفوضى

محمد حماس:  غريزة القطيع لدى الجماهير

كوستاف لوبون:  سيكولوجيا الجماهير

موقع موضوع: مفهوم الديمقراطية

نبيل ياسين: تاريخ الديمقراطية

 

 

عبد الجبار العبيديصحيح ان دراسة التاريخ تشمل الماضي والحاضر ولربما تكهنات المستقبل، لكن هذا المقياس يختلف باختلاف الزمان والمكان والناس وثقافة المؤرخ.. ان ما يتم اختياره في الادب يختلف عما يتم اختياره في الفن والرسم .لذا فان الاختيار يجب ان يكون أنتقائياً ومحددا حين ينطوي على تجربة معينة للحاضر والمستقبل وما يهم امور الناس والاوطان معاً. لان التجارب هي حصيلة ما ينتج من عمل الانسان في الزمن المعين سواءً كانت ناجحة او فاشلة ومن هنا يتكون منهج الاستفادة عند الناس من التاريخ.

وحين ندرس التاريخ على انه منافع ناجحة للناس، ونعرضها لهم بشكل مشوق ومقبول منطقياً، نستطيع ان نخلصهم من المعاناة الحياتية نفسها وتجشم متاعبها، لكي تبقى مناهجه نجوما لامعة تهدي دروب الاخرين عند الاهتداء بها في التجربة الحياتية المعتمدة، سواءً كانت هذه التجارب للافراد او الجماعات او الشعوب، لانها في النهاية سوف تنفع الجميع نحو عمل الخير دون أستثناء.. وهنا تكمن فلسفة التاريخ .

اذا طبقنا هذا المنهج العلمي في الدراسات التاريخية على المناهج العلمية الأخرى.. نراه منهجا علميا لا يختلف عن المنهج العلمي لبقية العلوم كالرياضيات او الفلك اوغيرهما، لكنه يختلف تماماً عن المنهج التاريخي او قل التكهن التاريخي بقراءته للعبرة والاتعاظ بها كما في مؤرخينا الأوائل الذين أساؤا الينا دون قصد، لذا يجب علينا ان ننقي وان نكون حذرين في قراءة الأصول، فالكتابة التاريخية لا تحتاج الى دقة فحسب بل الى ذكاء كي لا ننقلها على عواهنا للأخرين لنثبت الخطأ، لان منهجية العبرة والاتعاظ لا تصلح الا في حالات معينة وضيقة جدا حين تتشابه الاحداث والفترات الزمنية كما في بعض أعمال المقاومة وأحداثها، وهذه حالات نادرة الحدوث. لان مثل هذه الحالات لا تتكرر بكل ظروفها ابداً، ومن هنا فأن قراءة التاريخ للعبرة والاتعاظ ضرب من الوهم الذي لا معنى له ابداً.، ولان الحسن لايمكن ان يدوم وكذلك القبح لا يمكن ان يدوم، لذا فالمقياس العلمي او المنهجي التاريخي يخضع للتغيير وليس للثبات دون تغييركما تدعي فلسفة الفقهاء المتدينين.. .

الامم والجماعات وحتى الشخصيات المستقلة تنآى بنفسها عن تجارب الاخرين، واكثر ما يزعجها ان تسير في أعقاب الاخرين، ومن هنا فقد كانت المواعظ أثقل شيء على قلوب الناس، لذا فرجال الدين كثرة ما يرددون من مواعظ عامة وخاصة في كل مناسبة ودون تعيين وتطبيق من أنفسهم من أجل الهيمنة المقدسة على الأخرين، فقد مل الناس مواعظهم واصبحوا يرمونهم بالسطحية والسفسطائية ويعرضون عنهم، ففلسفتهم الكلامية الغير النافعة اصبحت لاتدخل عقول الناس حتى ملوهم ولم يصبروا على سماعهم اليوم وأنا واحد منهم، ولا يتجاوبون معهم الا في حالات خاصة ونادرة احياناً لكونهم عشوائي الفلسفة والمنطق.. .لدرجة اصبح رجل الدين بنظر العامة نشازاً لا يقبل لغموض في التعبير، وحتى هو نفسه بدأ يشعر بالأحباط.. وهذه خسارة للنص الديني الرصين، الذي يجب ان يفسر او يقرأ وفق النظرية العلمية خارج نظرية الترادف اللغوي الخاطئة والمكررة منهم دون تدقيق.. ليحتل المكانة الرفيعة في قلوب سامعيه.

فاذا كان التاريخ للعبرة والاتعاظ، فلم َ لم تتعظ قادة الامم بما جرى للسابقين؟حين تكرر نفس الاخطاء دون اتعاظ او تصحيح. فأذا كنا ننتقد عهدا او حاكما، فلماذا نكرر ما فعلوه كما هم حكام العراق الجهلة اليوم عندما تعاونوا مع المحتل من أجل التغيير وها هي النتائج العكسية اليوم . وكذلك الحروب والغزوات ان لم تكن دفاعاً عن الاوطان والقيم فهي لا تفيد القائمين بها في شيء، فقد ادت الحروب والغزوات الى اضرارجسيمة ما حسبها القائمون بها وقت تنفيذها كما في الحرب العالمية الاولى والثانية وغزو العراق الباطل للكويت.. والغزو الامريكي للعراق وأفغانستان .وما تكرره أيران اليوم على المجاورين.. فقد كانت الخسائر باهظة الثمن ان لم نقل افقدت الدولة الغازية مستقبلها الذي كان يجب ان يكون كما في كراهية الشعب العربي لأيران اليوم التي ساهمت وتساهم في التدمير.

هكذا تجرعت الناس محن الحروب والقادة الذين نالهم الاذى والاغتيال لما اقدموا عليه دون معرفة بالعواقب، مدفوعين بالعاطفة الشخصية او الدينية وحب الظهور والسيطرة على الاخرين.. كما في الفتوحات الاسلامية اللامبررة في فتح بلدان الشعوب سوى للهيمنة والسيطرة والسلب والنهب وانتهاك الاعراض.. بحجة وما ملكت أيمانكم.. وهي مخالف للنص "لكم دينكم ولي دين" فعلام الأعتداء ؟. وتلك عاقبة المعتدين. والمعتدي دوماً هو الخاسر الأكيد لأن الحق ما جاء ليساند المعتدين وهولا يحب المعتدين آية حدية التنفيذ لا تقبل الأختراق حتى من الرسل والأنبياء.. فكيف لو كانت من عامة الناس..

لذا من يدعون قادة العراق اليوم في حيرة من امرهم يقتلهم الندم لخيانتهم مبادىء القرآن والدين.. لكنهم يكابرون بنفوسهم الدنيئة في زمن ما حسبوه الا لهم دون الأخرين.؟ قصر نظر في الثقافة والتفكير.

واذا كان قادة الحروب والغزوات مدفوعين بدوافع نرجسية معينة كما في قادة العراق اليوم، فما ذنب الشعوب التي نالت منهم الخراب والدماروتحطيم الكبرياء الانساني، وماذا يبقى للانسان اذا آستذلت كرامته وتحطمت كبرياؤه؟ ألم تكن هذه النتائج اعمالا وحشية قامت بها القيادات التي لا تعترف بالقانون متخذه من قانون الغاب شريعة لها، والا كيف تجاسر بعض قادة العراق الطارئين عليه تجنيس ألاف الأجانب ومنحهم حقوق العراقيين من اجل ضمان أصواتهم في انتخابات الفاشلين.. والمواطن العراقي مسلوب الحقوق.. وفي النهاية كانت وستكون نهاية الحساب ويل وشر ودمار عليهم وعلى شعوبهم، ولكن هل فهم الناس وقادتهم ذلك ؟ واذا فهموه هل سيطبقون ما حل بهم ام سينسون الذي حدث؟. من اجل ان تفهم عليك ان تقارن بين نظرتين في تقييم الامور، الاولى نظرة متطرفة، والثانية معتدلة، الاولى تعتمد على الخيلاء الكاذبة والثانية على الاحساس الانساني العميق ، مجسدا في قول المتنبي رفيق السيف والمعري رفيق الاحساس الانساني العميق.

يقول المتنبي:

 ولا تحسبن المجد زُقاً وقينةً  بل الحرب والضرب والفتكة البكرِ

ويقول المعري:

 تسريح كفك برغوثاً ظفرت به أبر من درهمٍ تعطيه محتاجا

فرق بين النظرتين المثاليتين كبير.. أي فرق بين الأحساس الأنساني والخيلاء الفارغة.

ويبدو ان الجهلة دوماً مع البيت الاول للمتنبي لما ورثوه من عادات وتقاليد ومن غزوات وحروب لم نجنِ منها الا الويل والثبور وعظائم الامور.اما المعري فعدوه جبانا يخاف السيف والمعركة، أنه نقص في الثقافة الحضارية عندنا منذ ذلك اليوم والى الآن . ويبقى ان نعرف هل ان الناس يتعضون بالتاريخ؟ لا اعتقد لكن القلة الواعية منهم نعم تتعظ بالتاريخ وفلسفته الواقعية، كما في المارشال سوار الذهب في السودان الذي أحيا في العصر الحديث نظرية الامام الحسن بن علي ومعاوية الثاني حينما تنازلا عن السلطة درءً لخطر الاختلاف في المجتمع، والا لماذا بعض قادة التغيير اليوم حين وصلوا لسلطة الدولة اصبحوا من اكثر الناس عرضاً عن نظرية الاقدمين.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" ألم يكن ذلك جهلاً بالتاريخ.. ؟

خذ قادة الأوربيين بعد النهضة الفكرية والصناعية عندهم وكيف تعاملوا مع الحدث الجديد.. تعاملت معه على اساس الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع الى المعرفة والحقوق بعد ان مارست الدكتاتوريات القديمة وملوك آل بوربون كل اصناف الأضطهاد والتعنيف.. فراحوا يحددون معنى لفظة العلم وحقوق الشعوب.. فنادوا في تحديد سلطات الدولة عن حقوق الناس حين نادوا بالفكر والحرية والتقدم، وهاجموا القديم بعنف دون توقير لشيء من الموروث.. فتوجه أعلام النهضة الفكرية من امثال روسو وفولتير الى تحقيق نظريات عصر الانوار لا اراء الدكتاتوريين المتخلفين كمافي بلدانناالعربية والاسلامية اليوم.

 

من هنا استطاعوا تغيير المفاهيم المتوارثة في ميادين المعرفة بعد ان نفض المشاركون فيها ايديهم من الماضي البعيد.. فصنعوا رؤية جديدةلمستقبل الانسان الاوربي قائمة على العقل والعلم والحرية.. حتى وصلوا بأممهم الى ما نراه اليوم.. حين اصبح التطور عندهم قائم على قاعدتين اساسيتين هما: الفكر العلمي ثم استقرار فكرة التقدم في الآذهان.. فأستطاعوا ان يردوا السلطة الغاشمة عن هواها.

بينما العلم الذي يتحدث عنه فقهاؤنا في العصور الاسلامية الماضية -ولازال متبعا- لا يخرج عن نطاق علوم الدين من قرآن وتفسير لم تراعى فيه اصول الصيرورة الزمنية في التغيير.. فأنشأوا لنا المذاهب المتعارضة وكأن المذاهب اصبحت اديان كل واحد منهم يعارض الاخر فأستقرتافكارهم في الاذهان وثبتها المنهج الدراسي المتخلف فأصبح المذهب كأنة دين الانسان فتجمدت العقول في محاربة السلطة تحت راية:"أطيعوا الله والرسول وآلوا الامر منكم دون فهمهم لتأويل الاية في التطبيق حتى وصلنا الى ما نحن عليه من ظلم وتجهيل.

واليوم تعيش أمم كثيرة كالافارقة والمغول والاوربيين في حال احسن بكثير مما كانت عليه وقت الحروب والغزوات بعد ان ادركت الخطأ السحيق، لكن المؤرخين احيانا يساهمون بالمبالغة في تصوير الحروب والانتصارات

من هنا علينا ان ندرك ان الناس يتربون بالتجربة الواقعة لا بالمواعظ، والتي تتولد بالمنهج العلمي القويم، او بذكر اخبار السابقين بتفهم علمي كبير، لذا فالمستبد والسارق والخائن والمعتدي والمزورعلى حقوق الوطن والمواطنين لا يعرف سوء ما فعل الا وهو على فراش الموت، لكن ساعتها تكون متأخرة لن ينتفع منها كل النادمين.

ومع كل الذي يُكتب ,ويقال ويُحذر منه فلا زالت الدول الكبرى والصغرى بقادتها المتغطرسين ينشطون في مصانع التدمير، واذا بحثت في تاريخ معظم القادة تراهم من قراء التاريخ مثل آدلف هتلر وموسليني وبليرو صدام حسين الذي شرد أهله وماله وعياله من جراء غطرسته وجبروته وصده عن الحكمة، كما يحصل لقادة ايران الجهلة اليوم مدفوعين بقدسية وهمية فارغة وبدين احادي وهمي اجرد من حقيقة التحقيق.. وكما حصل لمروان بن محمد أخر خلفاء الأمويين حين شرد أهله وعياله وأضاع ملك بني امية جراء غطرسته وعناده على الخطأ، فهل من جاؤا من بعده أتعظوا بالتاريخ؟ لا أبداُ ولاشيء.

ان الذين يتعضون بالتاريخ وتجاربه المريرة هم الذين يضيفون الزمن الى حهد الانسان، وهم الذين يتصرفون بالعقل فيتغلبون على الظروف غير المواتية بدلا من الرضوخ لها وتركها تشكلهم كيف شاؤوا كما في رئيس ماليزيا الكبير، وهم الذين يقومون أساساً على أفتراضات يقبلها المنطق وان تناقضت مع الواقع، وهم الذين يقومون بنقد النظريات الخاطئة بميزان الاحصاء الذي لا يخطىء، وهم الذين يبتعدون عن تطبيق النظام السياسي الجامد المتخلف الذي يوقف التقدم الحضاري من اجل ان يبقوا يحكمون، كما عند قادة العراقيين الجهلة من اصحاب شهادات التزويراليوم. فمناصب الدولة العليا تحتاج الى الكفاءة وهم لا يدركون.

لكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن اليوم هو:هل نستسلم للقدر ونبقى دون حراك حتى نموت؟ الجواب يحتم علينا القول لا وألف لا، فالشعوب الحية لا تموت والحضارات المتجذرة في اعماق التاريخ لا تندثر، ألم نكن نحن منها ؟ ان التاريخ وتجاربه القاسية تعلمنا ان الثمرات الحضارية تحتاج الى زمن لكي تطلع، اي انها جزء من التاريخ، لذا فالثمرات الحضارية لا تظهر الا باضافة الزمن الى جهد الانسان، وسيبقى الانسان العراقي يكد ويكدح ويقاوم المستحيل حتى يعود بعجلة التاريخ نحو الدوران مستمدا من تاريخ حضارته الموغلة في قدم التاريخ صانعة القلم والكتابة وعلوم وقوانين الاقدمين كما في آور نمو وحمورابي ووثائق الآشوريين.. وستصبح الازمة الحالية في خبر كان قريباً وبجهود المخلصين وسنرى.. فتحية لثوار تشرين القرنالعشرين الأبطال الميامين المطالبين بالتحرير والمعتصمين في سوح النضال من أجل وطن العراقيين..

أما الذين اغتصبوا الحقوق بحجة القرارات الدولية وسياسة الامر الواقع وأنتهاز فرض الضعف الحكومي وغياب التوجه الوطني فهم واهمون ان ينتصروا ويحققوا ما يرغبون على حساب الاخرين، بعد ان اصبح القادة العملاء المترهلون واصحاب النظرة المادية القاتلة تساندهم محكمة دستورية خائنة للقسم والقانون.. ورئيسها قد حنث اليمين.. ومدعي عام مترهل ورئيس للوزراء متآمر مع (الأرجنتينيين )، وساعتها سيعود الندم مرة اخرى للمغتصبين، وكما قال الامام علي (ع) (ان الحق القديم لا يبطله شيء.. والعقل مضطر لقبول الحق كما رددها الامام قالها الشافعي الكبير) فهل سيدرك المغتصبون حقوق الاخرين قبل فوات الاوان ونحن لهم من المنتظرين؟

وفي الختام نقول: ان موضوع التاريخ هو دراسة التجربة الانسانية على وجه الارض منذ ان ظهرالانسان على هذا الكوكب الى يومنا هذا، وليس ذكر اخبار السالفين من الحكام الغاصبين.. والا أين قادة بني أمية والعباسيين والمغول والنازيين.. واليوم الميثيولوجيين الجهلة من اصحاب عمائم الأستغلال والتخريب.. الجهلة بالتاريخ والانسان وحياة الآدميين.. تقودهم خرافات الوهم في اللاوجود.

الانسان يتربى بالتجربة والاعتبار، والتفكير في شئون الكون على اساس الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع المتعطش الى المعرفةأيضاً، على اساس التجربة التي هي أصل كل كشف صحيح.. لا بالموعظة والعبرة والاستذكاروالفخفخة والغطرسة واللطم على الآولياء الآولين الذي جاؤا للاصلاح لا للتدمير كما هم يعتقدون اليوم من اصحاب المواخير.... وهكذا كانت اوربا بعد النهضة، فاذا أهمل تدريب الذهن تبلد وقلت حركته، ويبقى عاطلا طيلة فترة حياته، فالتجربة تبقى هي الاساس في حياة البشر دون غيرها، وخاصة اذا ادركها الانسان وتعلمها دون تقصير.وتبقى التجربة على أهميتها قاصرة عن ادراك الهدف الانساني الكبير مالم يرافقها المنهج العلمي المنظم القويم والتطبيق السليم.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

علجية عيش(هذا هو زعيم الشعب البوشناقي الذي حارب الأصولية ودعا إلى التسامح والتعايش بين الأديان والأعراق)

حياة الرجال العظماء مليئة بالأحداث والمعارك كما هي مليئة بالأفكار والإبداعات، ومن هؤلاء الرجال البوسني علي عزت بيجوفيتش الذي وصفه النقاد بالفيلسوف المحارب، ووصفه آخرون بالعالم الحكيم، ولا ينفصل بيجوفيتش عن الشخصيات الكارزماتية التي اتسمت بالروح القيادية من اجل تحقيق الإزدواجية الإنسانية، فقد عرف عنه بالرجل المتواضع، لم يكن كباقي الرؤساء والملوك يسكن قصرا شامخا ويحيط به الخدم والحشم، بل كان يسكن شقة متواضعة بسراييفو، قبل وفاته ترك بيجوفيتش للرئيس التركي طيب رجب أردوغان وصية خاطبه فيها قائلا: "هنا أرض الفاتحين، دافعوا عن البوسنة وحافظوا عليها، هذه الأراضي أمانة في أعناقكم" وهاهي البوسنة والهرسك اليوم تعيش اسوأ ظروفها إذ تحولت كما يقول متتبعون إلى مصيدة للحالمين باللجوء إلى أوروبا

بيجوفيتش ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، وشخصية عبقرية تتصف بكل صفات "الكاريزما " من مواليد 1925 بمنطقة شاباتس بالمملكة اليوغوسلافية، تميزت طفولته بحياة تدين كونه ينحدر من أسرة مسلمة، تعلم تلاوة القرآن وحفظه وهو في سن الخامسة، وفي سن الخامسة عشر بدأت تظهر على ملامحه النزعة الشكية، قرأ لكثيثر من الفلاسفة ماركس، كانت وهيغل وغيرهم واهتدى في النهاية إلى الدين، ووجد في الإسلام الدين الصحيح، فتح بيجوفيتش عيناه على الصراعات في وقت كانت الحرب العالمية الثانية في ذروتها، فكان ورفاقه قد بادروا بتأسيس "جمعية الشبان المسلمين" لكنها لم يكتب لها أن تعتمد قانونيا بسبب الظروف التي كانت تعيشها بلاده، حيث واجه ورفاقه الإعتقالات وكانت تلك بداية رحلة علي مع السجن، فقد حكم عليه بالسجن لمدة 03 سنوات، بعد خروجه من السجن، التحق بكلية الحقوق وهو في العشرين من عمره،و اسس له حياة تميزت بالتسامح والتجاوز على الإساءات، لكنه تعرض للإعتقالات من جديد بسبب مواقفه وأفكاره، كان بيجوفيتش تواقاً للحرية، حيث أسس حزب العمل الديمقراطي في 26 مايو 1990، وبه دخل الإنتخابات فكان هو من اختاره المجلس رئيسا لجمهورية البوسنة والهرسك لعشر سنوات، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتيّ تفككت دولة يوغوسلافيا إلى عدد من الدول، منها صربيا وكرواتيا والبُوسنة والهرسك (المُسلمة)، لم يكن يتوقع أن تدخل بلاده في الحرب مع صربيا عندما أرادت ضمّ البوسنة والهرسك لأراضيها، وخاض الحرب إلى أن تم التوقيع على معاهدة الولايات المتحدة الأمريكيَّة المُسمَّاة بـ: اتفاقية "دايتون" للسلام، والتي نجحت في تقسيم البوسنة والهرسك إداريًّا، لكن بيجوفيتش وافق عليها واستسلم للواقع لينقذ أهله ومواطنيه من الدمار.

لم يكن علي عزت بيجوفيتش مجرد مناضل يبحث عن الحرية، أو سياسي يؤدي دوره الوطني، بل كان مبدعا ومفكرا يغوص في الأعماق، ومثقفا مسلحا بألوان الثقافة العصرية، ويعتمد فكر بيجوفيتش على مسلمات يراها هو حتمية في معرفة الآخر والتواصل معه ومعرفة مكوناته، إذ يؤمن بـ: "الإزدواجية الإنسانية " ويقصد بها وجود عالَمَيْنِ يعيشهما الإنسان هما: (الروح والمادة) ما جعله يولي اهتمامه بفكرة الإنفصال أي انفصال الروح وعن الجسد أو الخروج منه، ومن خلال هذه الإزدواجية ( المادة والروح ) يرى بيجوفيتش مفهومي الحضارة والثقافة والتقدم على أساس من الاختلاف والتباين، فالثقافة عنده هي مجموع العوامل التي تربط الإنسان باروح فتغذيها وتنميها لتجعلها دومًا روحًا لإنسان، وتستمرُّ هكذا خلال الزمن في نضال مستمرٍّ، والحضارة عنده هي مجموع العوامل التي تربط الإنسان بأصله الماديّ، وهي التغيير المستمرّ للعالَم، أما التقدُّم هو التحسين المستمر في الجانب الحضاريّ فقط، دون التحسين في الجانب الرُّوحيّ الثقافيّ، فهو يضفي على التقدم صفات الشر لدرجة السخرية، كما جاء في كتابه "التقدُّم ضدّ الإنسان" تساءل فيه إن كان التقدم قد أدخل السعادة على البشرية أم زاده تعاسة وشقاءً؟ بفعل إجرامه وأخلاقه السيئة، من هذا المنطلق اهتم بيجوفيتش بالمشكلات الرئيسة في عالَم اليوم هذه المشكلات التي تعصف اليوم بالشعوب وتهدد العالَم كله، حيث شخّصها في الصراع الأيدولوجيّ المسيطر على العالم، يقول بيجوفيتش: إن العالم اليوم يكاد أن يتحول إلى كتلة من صراعات فكرية شرسة تحارب بعضها البعض، فهو يتميز بصدام إيدولوجي تورط فيه الجميع، والدليل حالة الاستقطاب الشديدة التي تُمارَسُ على الدول والشعوب من قِبَل إيدولوجيَّات جعلت من العنف والقمع والغذاء سلاحا لاستقطابها، ولتكوين جبهات داعمة ومؤيدة لها.

كانت الكتابة الهاجس الذي يلاحقه في يقظته وفي منامه، فقرر دخول عالم التأليف، فجل الذين درسوا كتابات بيجوفيتش يجمعون على أن فكره يرتكز على تشخيص القضايا الإنسانية من منظور علم الإجتماع الديني لاسيما كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" وهو كتاب يشبه الموسوعة، فقد خاطب به قادة الفكر هناك، وكان فيه عالما وفيلسوفا وأديباً وفناناً مسلماً تمثّل كلّ ما أنجزته الحضارة الغربية، أما كتاب "هروبي إلى الحرية" الذي كتبه في السجن، عندما اعتقله الشيوعيون عام 1949 بسبب نشاطه السياسي، ولانتمائه إلى جمعية الشبان المسلمين، وحكموا عليه بالسجن مدة خمس سنوات، قال فيه عن نفسه : "عقلي يفكر على الدوام، ولكن قلبي مطمئن بالإيمان"، في إجابته على سؤال: كيف ينبغي أن يحيا الإنسان في عالم متقدم متخلف في آن واحد ؟، ولذا يرى بيجوفيتش أن الدين هو الضوء الذي ينير درب الإنسان، في صراعه مع الطبيعة ومع الآخر، وهو الذي يجب ان يركن إليه العقل البشري لأنه وحده القادر على حل المشكلات التي يعيشها العالم اليوم، ما دفعه إلى دراسة الأديان الثلاثة ( اليهوديَّة، المسيحيَّة والإسلام)، فالدين اليهوديّ كما يرى هو انصب على الجانب الماديّ من الإنسان، فكانت تعاليمه وفلسفته مُنحازةً للمادة وحدها، وانصب الدين المسيحي على الجانب الرُّوحيّ فقط، أما الإسلام فقد جمع بين المادة والروح أي أنه جمع بين الاثنَيْنِ في مُركَّب واحد وحقق الإزدواجية الإنسانية، فكان النظام الأكمل في العالم، نظام يشمل ازدواجيَّة الإنسان ويكون دين الحضارة والثقافة معًا، لأنه يجمع بين الفكرة والفعل، وبين الثقافة والحضارة، دين يُوحِّد الحياة الاجتماعيَّة الماديَّة مع الرُّوحيَّة.

في عام 2000 قرر بيجوفيتش اعتزال السياسة ليكرس ما تبفى من حياته في البحث والتنقيب في أمهات كتب الفلاسفة بالتحليل والنقد يبحث ويقارن في المسائل الحضارية للإنسان، وظل يكتب منطلقا من رؤيته وفهمه لعالمية رسالة الإسلام وتعاليمه، حيث دعا في أطروحاته ونظرياته إلى التسامح والتعايش بين مختلف الأديان والأعراق، إلى حين توفي في 19 أكتوبر 2003 بعدما سقط أسير المرض (القلب)، فيما يكشف البعض ان وفاة بيجوفيتش كانت بسبب تعرضه لضغوطات دولية لمواقفه الدينية المحافظة، وقد دفن بمقبرة شهداء الحرب، وضحايا الإبادة الجماعية من شعب البوسنة، تاركا وراءه عدة مؤلفات، أشهرها كتابه"الإسلام بين الشرق والغرب"، الذي كان له دويّ هائل في الأوساط الفكرية والثقافية، من مواقفه أنه يقف ضد "الأصولية" وكان يرفض أن يتهمه أحد بها، معتبرا أن الاتهام تغطية على التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعوب المسلمة، كانت تجمعه مع الأتراك ورئيسهم طيب رجل أردوغان علاقة صداقة قوية وصفا بالتاريخية، قبل وفاته ترك بيجوفيتش للرئيس التركي طيب رجب أردوغان وصية خاطبه فيها قائلا: "هنا أرض الفاتحين، دافعوا عن البوسنة وحافظوا عليها، هذه الأراضي أمانة في أعناقكم".

واعترافاً بجهوده الإسلاميّة وتقديراً لمواقفه الفكرية، حظي بيجوفيتش بالعديد من الجوائز العالمية منها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، في مذكراته قال بيجوفيتش: "إنما أنا رئيس انتخبه الشعب"، وقد عرضت مسيرته النضالية والفكرية في فيلم وثائقي بعدما وصفوه بالفيلسوف المحارب، وقد وصفه المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري وهو كاتب مقدمت كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، بأنه "المجاهد المجتهد الوحيد في العالم الآن"، وقال المسيري: "إن بيجوفيتش كان مفكرا ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه"، كما وصفه بعض النقاد بالفيلسوف المحارب، ووصفه آخرون بالعالم الحكيم، ووصفته الجماهير البوسنية بزعيم الشعب البوشناقي.

 

علجية عيش

 

 

 

اياد الزهيرييروي الجبرتي وهو مؤرخ مصري عن المناضل الوطني المصري محمد كريم حادثة ألقاء القبض عليه من قِبل الجيش الفرنسي بقيادة نابليون، وحُكم عليه بالأعدام بدعوى أنه كان السبب بقتل مجموعه من جنود الجيش الفرنسي المحتل، والرجل بالحقيقه كان يقود مجموعه شعبيه مقاومه للأحتلال الفرنسي، ولكن عند القبض عليه، وبعد أصدار الحكم عليه بالأعدام، أتوا به الى نابليون حيث قال له يعز عليَّ أن أعدم رجل دافع عن بلاده ببساله، ولا أُريد أن يذكرني التاريخ بأنني أعدم أبطال يدافعون عن أوطانهم، ولذلك سوف أعفو عنك مقابل عشرة آلاف قطعه من ذهب تعويضاً عن عدد الجنود الذين قتلتهم، فقال له محمد كريم ليس معي هذا المال، ولكني أَدين مجموعه من التجار بمبلغ أكثر منه، فأعطاه نابليون مهله أن يذهب ويجمع المال وهو مصفد بالأغلال يحدوه الأمل أن يتمكن من جمع المال من الذين ضحى من أجلهم من أبناء وطنه، ولكن للأسف لم يستجب تاجر واحد لطلبه، بل بدل من التعاطف معه، أتهموه بأنه كان السبب بدمار الأسكندريه، وتدهور الأحوال الأقتصاديه للمدينه، بسبب مقاومته لجيش نابليون، فرجع الرجل خالي الوفاض الى نابليون من دون أن يجمع شيئاً، فقال له نابليون، ليس أمامي الا أن أعدمك، ليس لأنك قاومتنا، وقتلت جنودنا، بل لأنك دفعت بحياتك مقابل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم، ولا معنى لديهم عن حرية الأوطان، وفعلاً أُعدم في ميدان القلعه عام 1798م . طبعاً هناك من يشكك بهذه الروايه ولكني وجدت ما يماثلها أيضاً في مصر مع شخصيه أخرى وهو مصطفى البشتيلي، وهو أيضاً ممن قاوم الأحتلال الفرنسي لمصر وقد أُمسك به من قِبل جنود الجنرال الفرنسي كليبر، ولكن هذا الجنرال أراد أن لا تتلطخ يده بدمه، فعمل على وضعه على حمار بشكل معكوس والمرور به بطرق وأزقة مدينته فأخذ الناس يبصقون عليه ويرموه بالحجاره، ويضربوه بأيديهم، حتى تجمعوا عليه وأبرحوه ضرباً ففارق الحياة . هذا مثل عربي، وهناك مثل أخر عالمي، ألا وهو ما تعرض له المناضل الأرجنتيتي تشي جيفارا عندما وشى فيه راعي الأغنام الذي كان جيفارا يقاتل من أجل تحريره، ورفع الظلم والحيف عنه، وذلك بتخليصه من نظام عسكري دكتاتوري، وأُعدم الرجل، وبعد أعدامه سُئل الراعي لماذا أوشيت بجيفارا،قال لأنه كان يروع أغنامي . هكذا كان مصير المناضلين مع شعوب لم تقدر تضحياتهم، ولم تستوعب أهدافهم وتثمن جهودهم، وهذا ما حدى بالمفكر والمصلح المصري (محمد رشيد رضا) بقوله (الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير). أن ذكري لهكذا أمثله ليس هدفه أحباط الأخرين، والتقليل من العزائم في مقاومة الأنظمه الدكتاتوريه والقوى المحتله، ولكن لتبيان أثر الأكثريه عندما تتخاذل، وتتصف بعدم المسؤوليه أتجاه أوطانها، وتركها للمناضلين من أبناءها وحدهم بالساحه يواجهون الموت والأضطهاد من قبل الطغاة، هذا الأمر يذكرني أنا شخصياً عندما خرجنا في أنتفاضة 1991م ضد النظام الصدامي، وعندما أتفق التحالف مع النظام على ضرب الأنتفاضه الشعبانيه، ولم يبقى من العتاد لدى المجاهدين لمقاومة جيش النظام خرجنا الى الصحراء وأنا أسمع من ورائي من يشتمنا ويسمعنا من الكلمات التي أترفع عن ذكرها هنا في هذا المقام من قِبل بعض الأهالي، وكان هناك من يعطي أحداثيات للجيش لضربنا بالمدفعيه ونحن في طريق أنسحابنا بأتجاه صحراء السماوه، كما يمكننا الأستعانه بالتاريخ القريب، وهو حادثة أعدام الفيلسوف الأسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر عام 1980م، وكيف كان الشارع العراقي متخاذلاً عن نصرته الا ثله قليله جداُ في بعض محافظات الوسط والجنوب، والذين أيضاً تعرضوا للأعدام والسجن الطويل، وكان ذلك بمساعدة من أوشى بأسماءهم من أبناء مدنهم ومناطقهم، وقد كشفت سجلات الأمن الكثير من الأسماء المتعاونه مع النظام البعثي الأجرامي أثر هروب أجهزة أمن النظام في الأنتفاضه الشعبانيه . أن ذكر هذه الأحداث المؤلمه ليس القصد منها التيئيس ولا التحبيط ولكن من باب دراسة الواقع، وممارسة الموضوعيه في بحثه، وأستنتاج العبر والدروس التي تنهض بالواقع، وعدم تكرار الأخطاء السابقه، كما نسعى لألفات النظر لخطورة عدم الشعور بالمسؤوليه، والتي كانت ومازالت سمه واضحه في سلوك شعوبنا العربيه، وشعبنا العراقي بشكل خاص . أن ظاهرة اللاأباليه، هي السبب الرئيس في جثوم الأنظمه الدكتاتوريه على صدور شعوبنا، وهي العامل الرئيسي في عدم تقدمنا على جميع الأصعده. كما لا يمكننا القول أن ما ذكرناه من ظاهرة عدم المبالاة تمثل حاله كليه، لأن هناك من عبر عن صور رائعه من الود والأحترام، وتقديم المساعده لعوائل المجاهدين، ولكن تبقى للأسف ظاهره ليست بالحجم الذي يعتد به، وليست ذات أثر أجتماعي بين، وهذا هو ما سبب الكثير من الأحباط والشعور باللاجدوى لدى الكثير من الناس، وخاصه الطبقه المجاهده والمثقفه في المجتمع، وأن من دواعي الأسف ما نلمسه من عدم الأحتفاء بذكر الشهداء، وعدم ذكر مآثرهم، وما حادثة الأعتراض على تشيع الشهيد المهندس في مدينة الناصريه من قبل بعض الفئات الا شاهد حي على ذلك، بل وتمثل نكوصاً خطيراً في سلم القيم الرفيعه . لقد ألتفت المحتل الأمريكي الى هذه الظاهره، وعمل على ترسيخها، بل وأستثمارها الى أقصى طاقاتها، والعمل على تحطيم كل القيم المتعاليه، وتكبير الفجوه بين القيادات الوطنيه والدينيه والجمهور لكي لا تُشكل جبهه كبيره وقويه لمقاومة المحتل وطرده من البلد.

خلاصة القول، أن ما تقدم من سرد لحالات وظواهر سلبيه مررنا بها، وعلينا الأقرار بحصولها، وأنها جزء من واقعنا، والتي علينا أنكارها، بل وشجبها، ولكن هذا لا يكفي، بل علينا العمل على تغيرها، وتصحيح أخطاءنا، فهو الطريق الأمثل للأنتقال الى حاله أكثر تقدم وأفضل حال، وأن نربي شعوبنا على تحمل المسؤوليه، وأن كل ممتلكات البلد هي ممتلكاتنا جميعاً، وأن الحاق الضرر بها، هو ضرر لنا جميعاً، وأن نتربى على أن السجناء السياسيون هم أناس مضحون يستحقون كل التشجيع والتكريم من أبناء وطنهم، لا أن يعتبروا تضحياتهم، فيما تعرضوا له من سجن وتعذيب وأعدام مسأله فرديه، والسجين والمعدوم هو وحده من يتحمل التبعات وأسرته وحدها من تتحمل الأعباء، وهذا من أخطر مظاهر عدم المسؤوليه، ليس عيباً أن نتعلم الشعور بالمسؤوليه من الفرد الياباني الذي حَمَّل المسؤوليه في هزيمة اليابان في الحرب العالميه الثانيه على قادتهم العسكريون، وأن أخطاءهم في دخول حروب عديده في أحتلال دول مجاوره هو السبب الحقيقي في دمار اليابان وأذلال شعبه، وأن ما لحق باليابان من دمار وما تعرضت له من ضربات ذريه، هو بالحقيقه كانت أخطاء يابانيه قبل أن تكون أمريكيه، فالأعتراف بالخطأ وتصحيحه، هو من أنقذ اليابان وسبب نهوضه، والباعث على تقدمه.

 

أياد الزهيري

 

عبد الحسين شعبانفي استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـBBC في مطلع الألفيّة الثالثة كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّينيّ إلّا وترك ماركس شيئاً عنده، لكن ذلك لا يعني أنّه دون أخطاء أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة لدرجة اعتبارها أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية أو القرآنية، ويذهب البعض أكثر من ذلك إلى تنزيهه من الأخطاء، بل يضعه خارج دائرة النقد، سابغاً عليه نوعاً من المعصوميّة؛ في حين إنّ تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.

في العام 1984 كتبتُ في مجلّة "الهدف" خاطرة تأمّلية بعنوان "بروموثيوس هذا الزمان" جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، وذلك بمناسبة وفاته (14 مارس/آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم ولمصالحهم لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب "أوروبا العجوز" فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين، فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته  كمعتقدات "منزّلة"، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، ناهيك عن روح العصر.

ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس؛

أولاها - موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته "التمدينيّة"، ولعلّ الفضل في إطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان "الماركسية والجزائر" كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس، علماً بأن الطبعة الروسية كانت قد حذفت فقرات منه لأنها صادمة ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة وتقديره المخطوء للإستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة أو شعوب متخلّفة" بوصفها: بدوًا، قطّاع طُرق، لصوصًا، وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية والثقافية والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات. ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان ونهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.

بتقديري إن فترة بقاء ماركس في الجزائر للاستشفاء من 20 فبراير/شباط إلى 2 مايو/أيار 1882 لم تكن كافية لمعرفة معمقّة للمجتمع الجزائري، وانطلق في حكمه من "المركزية الأوروبية" التي هيمنت على تفكيره والرأسمالية الصاعدة فيها، حيث قام ماركس بتحليل قوانينها بدقّة كبيرة مشخّصاً عيوبها ومثالبها ونظامها الاستغلالي على نحو عميق وعظيم.

ثانيتها - موقفه المتناقض من تقرير المصير، فعلى الرغم من أنّه هو الذي صاغ فكرة "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا" ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الامبراطوية النمساوية - المجريّة، والسبب حسب وجهة نظره أنّهما "شعبان رجعيّان" وضعيفان وصغيران ويمكن أن يقعا تحت هيمنة الروس وسيكون نجاحهما في الظّفر بذلك تقوية لدور روسيا بتشجيع من فرنسا، وسيتم توظيفهما ضدّ ألمانيا المتطوّرة صناعيًّا، وهي نظرة خاطئة قامت على فرضيات اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني التحرّري.

وثالثتها - كان موقفه المُلتبس والخاطئ من ايرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنجلز بتاريخ 23 أيار (مايو) 1856، يقول "لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة"، وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنكليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى أن تقطع الطبقة العاملة الإنكليزية علاقتها مع ايرلندا بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة، وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا فلن يتمّ تغيير الأوضاع في ايرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في العام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ ايرلندا.

وباستثناء المنهج فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات أو المتاحف، حتى وإن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق

تتعرض مختلف المجتمعات الى تغيرات مستمرة نتيجة التطور والتقدم الاجتماعي، هذه التغيرات تفرز العديد من التعقيدات في الابنية الاجتماعية، تظهر بصورة جلية عند محاولة دراسة مستويات البناء الاجتماعي، اذ يلاحظ ان هناك اختلاف وتباين في هذا البناء، يعرف عند المختصين بعلم الاجتماع بالطبقة الاجتماعية

لاحظنا في الحلقة الأولى من هذا الاستعراض ان تطور الطائفية السياسية كان يترافق مع دخول البلد في مرحلة الانحطاط السياسي والأخلاقي وتتعارض الفكرة الإنسانية والحداثة والدولة المدنية والشرعية وفكرة المواطنة . ولكن ما يجب اقراره إن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما ان سعي أي شخص لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحقوق الآخرين لايجعله طائفيا . فأخطر ما يبتلى به شعب أن يتحول حكامه من رجال دولة إلى رجال طوائف أو أحزاب أو قبائل، فالمصير الذي ينتظر ذلك الكيان هو التفكك لا محالة، ولن يكون بعد ذلك رابح إلاّ أعداء ذلك الكيان، المستفيدون من تمزيقه. فحين يبتلى بلد برجال سلطة يستندون في وجودهم إلى الأجنبي؛ فإنهم يمنحون ولاءهم واهتمامهم إلى أولئك الذين مكَّنوهم من السلطة، لا إلى شعوبهم. وقد كانت هذه احدى الأساليب التي سعى العثمانيون الى استغلالها في صراعهم مع الصفويين لاحتلال العراق فعمدوا الى دعم طائفة ضد طائفة أخرى فقسموا المسلمين الى اهل السنة و(الروافض) كما خلقوا تنظيمات للطائفة الموسوية ( اليهود ) وطائفة النصارى . واستمرهذا الوضع لحين وصول القوات البريطانية الى بغداد وانسحاب القوات العثمانية . ولقد أدرك البريطانيون نقطة الضعف هذه في السياسييّن العراقيّين ونجحوا في استغلالها واللعب عليها.

يعود تاريخ الوجود الاوربي في الخليج الى القرن السادس عشر في آخر يوم من عام 1600 تأسست شركة الهند الشرقية الانجليزية وبعد ان عززت موقعها في الهند، اخذت تتطلع الى الخليج الذي له علاقات تجارية مع الهند .في عام 1640 وصل ممثلي ووكلاء شركة الهند الشرقية الى البصرة ابرمت بريطانيا عدة معاهدات مع الدولة العثمانية، كان اولها معاهدة الامتيازات التي اتفق عليها سنة 1661م، وتم تصديقها سنة 1675. ثم حصل السفير البريطاني في الاستانة على فرمان من السلطان 1764م يتضمن الاعتراف بأن وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية قنصل يمثل بريطانيا، ففتحت لها مقيمة في بغداد سنة 1798م، وفي العام 1808م عينت بريطانيا المستر (ريج) قنصلا ً في بغداد ويعتبر هذا الرجل هو أول من عمل على تكريس الدور البريطاني في العراق وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وكان ريج يتمتع بعلاقات كبيرة ومهمة مع العراقيين وكانت شخصيته أقوى من شخصية الوالي العثماني . وقد ذكر الدكتور الوردي في كتابه لمحات إجتماعية أن الناس في بغداد كانوا لا يقيمون وزناً لوعود بشواتهم وأعيانهم إلا إذا كانت مدعومة بضمان من المستر (ريج). في عام 1821 عينت الحكومة البرطانية الكابتن تيلر قنصلا ً. وعرض القنصل على والي بغداد (داود باشا) أن يتولى الضباط البريطانيون مهمة تدريب افراد الفيلق العثماني في بغداد وتم جلب بعض الضباط البريطانيين امثال جورج كيبل ورفاقه لهذه المهمة كما تم ارسال القس المسيحي (غروفز) الذي سكن بغداد وأتصل بأهلها واصبحت له علاقات معهم، أما على الصعيد التجاري فقد ذكر بطاطو في كتابه العراق ان البريطانيون كانوا يحضون بمعامله خاصة ومتميزة في السوق العراقية . ومن جانب آخر كان البريطانيون يولون للعراق أهمية خاصة فقد صرح اللورد كيرزن في العام 1892م بأهيمة بغداد التجارية فقال يجب أن تدخل بغداد ضمن السيطرة البريطانية. وكانت بريطانيا سبق لها ان حصلت على فرمان سنة 1834م يحق فيه لبريطانيا استخدام باخرتين في نهر الفرات، وسبق هذه المعاهدة قيام رحالة بريطانيين عام 1830م باستكشاف طريق الفرات النهري من بيرة جك جنوب الاناضول الى مدينة الحلة في العراق، وقام الرحالة (راودن جسني) برحلة استكشافية حظيت برعاية الملك (وليم الرابع) وساعده (هنري بلوص لنج) في مسح نهر دجلة، عمل (لنج) خلال الفترة بين (1837-1839) على كتابة مذكرات في وصف قسم من دجلة بين بغداد وسامراء، وقد حصلت عائلة (لنج) على امتياز تسيير باخرتين في دجلة بين بغداد والبصرة، وقامت في 30 تشرين الثاني سنة 1860م بتأسيس شركة في لندن باسم (شركة الفرات ودجلة للملاحة التجارية). استطاعت شركة لنج ان تحتكر الملاحة التجارية في نهر دجلة، في نقل المسافرين والبضائع والبريد بشكل كبير. وفي عام 1909 تم بيع الادارة النهرية العثمانية الى شركة لنج بمبلغ (250) الف ليرة.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب مع المانيا والنمسا قررت بريطانيا ان تامين الطريق الى الهند يحتاج الى الإسراع في احتلال البصرة وبالفعل نزلت القوات البريطانية البصرة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، حيث قامت بتشكيل دائرة الحاكم العسكري، والتي كانت مهمتها القيام بالمهام المستجدة وتألفت من الرائد (داريس براذيلو) رئيسًا والنقيب (ريدبولارد) وهو وكيل قنصل بريطانيا السابق في البصرة (وتوم دكستر) احد قباطنة (السفينة كمين) التابعة للمقيمة البريطانية في بغداد مساعدًا ومترجمًا، وعدد من الضباط والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين، ثم تبعها تشكيل دائرة للشرطة تولاها العقيد (أي جي كريكسون) أحد منتسبي شرطة البنجاب والعديد من العناصر التي جائت من الهند. أصدرت السلطة العسكرية البريطانية في آب 1915م في المناطق العراقية المحتلة (قانون الأراضي العراقية )، يخول السلطة تطبيق القانون الهندي على المجتمع العراقي، وأجاز لها تعديله حسبما تتطلب الأوضاع المحلية اما في المناطق العشائرية المدنية، بموجب الأسس الواردة في نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية الذي وضعه هنري دوبس عام 1915، وذكر أنه مستمد من نظام الحكم الذي طبق في بلوشستان، وحدد القانون إحالة القضايا الخطيرة إلى اللجان العسكرية البريطانية للبت فيها في حين تحال القضايا الشخصية إلى المحاكم الشرعية التي تطبق (الشريعة المقدسة).

حددت السلطة البريطانية الأهداف السياسية البريطانية كما وردت في برقية وزير الهند في لندن إلى نائب الملك في الهند والدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ 29 آذار 1917م، متضمنة مظاهر تحقيق السياسة البريطانية في العراق، في إن تبقى البصرة والناصرية وشط العرب وبدرة تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، وتكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة عراقية تحت حماية بريطانيا، وتدار خلف ستار عربي بواسطة وكالة وطنية وفقا للقوانين الموجودة. كما أشار التقرير الإداري البريطاني الصادر في تشرين الأول من عام 1918 الى ان الإدارة البريطانية تعتزم تعيين قا ٍض سني في مدينة النجف، فضلا عن إصدار تعليمات على العمال العاملين عندها بإجبارهم ارتداء ثيا ِب موحدة بحسب انتمائهم القومي والطائفي، فالعمال السنة يرتدون كوفية حمراء وعقال اسود ويرتدي العمال الشيعة كوفية زرقاء وعقال ابيض .

قام البريطانيون بتوسيع نظام دعاوى العشائر بعد سيطرتهم على جميع الاراضي العراقية، اذ صدر نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية في 28 تموز/ يوليو 1918، الذي اصبح له قوة القانون اند صدور القانون الاساس العراقي (الدستور) في سنة 1925. شكلت القوات البريطانية ما سمي بالإدارة المدنية البريطانية في العراق ترأسها السير بيرسي كوكس حتى مايو عام 1918 فتبعه السير أرنولد ولسون .ومارست الحكومة المؤقتة البريطانية الهندية سياسة التهنيد من خلال فرض القانون الهندي لحين صياغة الدستور العراقي بغية إلحاق العراق وضمه بالتاج البريطاني . في 30 تشرين الثاني 1918 صدر قرار يقضي بأقامة استفتاء شعبي لمعرفة رأي البلد في تأسيس حكومة عربية، وتضمن ثلاثة اسألة: هل يفضل العراقيون دولة عربية واحدة تقوم بارشاد من بريطانيا، تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي؟، وهل يرون أن يكون أمير عربي على رأس هذه الدولة الجديدة؟، ومن الذي يرشحونه لرئاسة الدولة؟.

 كانت مدن الفرات الاوسط وبالاخص مدينتي النجف وكربلاء الشغل الشاغل للبريطانيين، منذ دخول قواتهم العراق في عام 1914، ذلك أن الفرات الاوسط كان مركز التشيع وما يحمل التراث الشيعي من نزعة الى النقد السياسي للسلطة على مدى السنين اضافة إلى الفلسفة الأمر الذي انعكس على نفسية المجتمع في مناطق الفرات الاوسط. أشار الحاكم السياسي برسي كوكس في حديثه عن الفرات الاوسط (أن المشكلة المعقدة في منطقة الفرات الاوسط في هذا الوقت أي عام 1917 ليس وجود قبائل كثيرة وإنما وجود مدينتي كربلاء والنجف).

في عام 1919 ذهب فيصل بن الحسين الى باريس لحضور مؤتمر الصلح في فرساي ولكن لم يسمح له بالمشاركة وعندما حاول الاحتجاج تمت دعوته الى وزارة الخارجية الفرنسية وهناك كانت اكبر صدمة تعرض لها العرب وفيصل ونرويها كما سجلها مرافق فيصل البريطاني (لورنس ) حيث التقاهم في وزارة الخارجية المسيو جان غوت مساعد مدير شؤون اسيا في الوزارة. وجرى الحديث بينهما – طبقاً لمذكرة بخط لورانس قدمت الى وزير الخارجية البريطاني واودعت سجلات الوزارة تحت الرقم 97/608 ملف 7 – 445 – على النحو الآتي:

“فيصل: انني لا استطيع ان افهم لماذا جرى استبعادي من قائمة الممثلين الذين يحق لهم الكلام امام مؤتمر الصلح؟

غوت: هذه مسألة من السهل عليك ان تفهمها. لقد ضحكوا عليك. ان الانكليز تخلوا عنك، ولو انك وقفت معنا لكان في وسعنا ترتيب امورك. اننا نعترف بوجودك هنا كضيف كريم، ولكن الضيف لا علاقة له بمؤتمر السلام، والخطأ يقع عليك انت لأنك جئت الى هنا دون ان تحصل على اذن بيكو ودون اخطاره. كنت واقعاً تحت نصيحة خاطئة، والنصائح التي اعطيت لك لا تنفعك.

فيصل: الجنرال اللنبي في دمشق ابلغني ان الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية كلتيهما تعترفان بقواتي كطرف محارب .

غوت: هذه اكذوبة. نحن لا نعرف شيئاً عن جيش عربي في سوريا.

فيصل: الجنرال اللنبي كان قائد جيوش الحلفاء، وكانت قواتي تحت قيادته. كان هو قائدنا الاعلى، وقد قال لي في دمشق انه يعتبرنا طرفاً محارباً، وقد صدقته.

غوت: هذه مشكلتك. وعليك ان تفهم انك اذا اردت صداقة فرنسا فيجب ان تطيع ما نقول به نحن”.

وقد اكتمل المشهد الدرامي في أيلول من نفس العام عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني (لويد جورج) ورئيس الوزراء الفرنسي (جورج كليمنصو) في اليوم الاول من أيلول في مبنى السفارة الفرنسية، وبينهما اللورد هانكي الذي جرى تكليفه رسمياً وضع مذكرة عن حديثهما. في البداية – كما ورد في مذكرة اللورد هانكي – كان رئيس الوزراء الفرنسي يشعر بأن الحكومة البريطانية متضايقة من بعض تصرفات الرسميين الفرنسيين.وهي تعتبر انها احيانا تجاوزت حدود المقبول ازاء الحليف الاكبر وهو بريطانيا وكان كليمنصو حريصاً على استرضاء رئيس الوزراء البريطاني لأنه ما زال يشعر بالحاجة اليه في التسوية النهائية، وما يترتب عليها. وبدأ الحوار بين الاثنين. ودار على النحو التالي على حسب ما سجله اللورد هانكي في مذكرته بالحرف (وثيقة مجلس الوزراء الرقم 14/116 تاريخ 1 ديسمبر (كانون الاول) 1919):

“كليمنصو: انني حريص على ان لا تكون هناك خلافات كبيرة بيننا، فما زالت امامنا ظروف تقتضي لقاءنا المستمر. ان تحالفنا نجح في تجربة الحرب، وليس من المعقول ان يرسب في تجربة السلام”. ثم استطرد: “دعنا نسوي الامور بيننا مباشرة، وقل لي ما الذي تقترح ان نبحثه معاً الآن؟

” لويد جورج: دعنا نبحث في مصير العراق وفلسطين.

كليمنصو: اذن قل بصراحة ماذا تريد؟

لويد جورج: اريد الموصل. انتم تطالبون بهذا الاقليم ونحن نعتبره تكملة لجنوب العراق الذي اتفقنا على ان يكون من نصيبنا.

كليمنصو: حسناً. لك ان تأخذ الموصل. سوف نتركه لكم… هل هناك شيء آخر؟

لويد جورج: نعم… اريد القدس ايضاً. انكم تثيرون متاعب لنا، وتطالبون بالحق في فلسطين باعتبارها جنوب سوريا.

كليمنصو: لك ان تأخذ القدس ايضاً… هل هذا يرضيك؟

لويد جورج: هذا شيء طيب.

كليمنصو: ان بيشون (وزير خارجية فرنسا) سوف يثير لي مشاكل بسبب الموصل، وارجوك ان تساعدني ازاءه.

 لويد جورج: ماذا استطيع ان افعل لك؟

كليمنصو: اتركوا لنا سوريا شمال فلسطين من دون ان تثيروا المتاعب في وجهنا. انا لا اعني المنطقة المسيحية في لبنان فقط، ولكن اريد سوريا الداخل ايضاً: دمشق وحلب وحمص وحماه.

لويد جورج: ليست لنا مصالح حيوية في هذه المناطق، ولن نعارضكم عندما تضعوها جميعها تحت حكم فرنسي موحد!”.

وانتهت المناقشة بين الرجلين لأن رئيس وزراء ايطاليا انضم اليهما في صالون السفارة الفرنسية. وبهذا تقرر مصير الدول العربية ومنها العراق.

لم تستجب بريطانيا للمطالب الشعبية بتقرير المصير، بل سارعت هي وحلفاؤها الى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا في (25 نيسان 1920) ووزعوا الانتدابات، فأنيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن لبريطانيا. أذيع نبأ الانتداب على العراق في بغداد في (3 أيار 1920) فأعلن الشعب معارضته له، أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار الحركة البريطانية المباشرة وعدم تنفيذ الوعود التي أعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال، وتوتر الجو السياسي في العراق وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية وقرروا اتخاذ التدابير لحشد العراقيين. وفي (2 حزيران 1920) حدثت مظاهرة جماهيرية واسعة عندما قابل ممثلوا الحركة الوطنية وكيل الحاكم المكي وطالبوا بإجابة المطاليب الآتية وهي إنشاء مجلس تأسيسي (جمعية وطنية) تضع دستور وتقرر شكل الحاكم وكذلك إطلاق حرية الصحافة. وقد ردت بريطانيا على هذه المطاليب موضحة شروط وكالة حكومة بريطانيا على العراق . كان اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ قبيلة الظوالم في (30) حزيران في الرميثة أحد الأسباب التي أدت الى اندلاع الثورة إذ هاجم رجاله سراي الحكومة وقتلوا بريطانيين وانقذوا شيخهم فكانت تلك الرصاصات إيذاناً بإعلان الثورة في العراق ضد البريطانيين.امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة، فأعلنت الثورة في النجف في (2 تموز) ة وتمكن الثوار في الرميثة من مقاتلة البريطانيين وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة وتمكن الثوار من إحراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرسمتية) قرب الكفل يوم (24 تموز) فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو الحلة بعد أن فقدت (318) جندياً، وغنم الثوار (40) رشاشاً ومدفعاً واحداً. خفت حدة المعارك العسكرية بعد فترة قصيرة من وصول السير برسي كوكس واعتبرت الثورة منتهية بعد المفاوضات التي أجرتها بريطانيا مع الثوار في الرميثة آخر معاقل الثورة وتوقيعها الاتفاق معهم في (30 تشرين الثاني 1920) .

بعد وصول بيرسي كوكس الى بغداد في (11 تشرين الأول 1920)، واستقبل استقبالا حافلا تبارى خلاله الشعراء وعلى رأسهم الشاعر (جميل صدقي الزهاوي) في القاء القصائد في مدحه وهجاء الثورة التي حصلت وذمها اشد الذم .

كانت أولى الخطوات التي اتخذها المندوب السامي، انه عقد اجتماعاً لمجلسه الاستشاري في الحادي والعشرين من تشرين الأول من عام 1920، ضم في عضويته كل من بونهام كارتر ناظر العدلية، (وهو ايضا صاحب فكرة تشكيل الحكومة حينما كان رئيس اللجنة التي الفها ويلسون بعد ان اجرى استفتاء عام 1918 مع بعض التعديلات ) وهاول ناظر المالية فضلاً عن مساعده سليتر وبولارد ناظر الاشغال وبطبيعة الحال ضم هذا المجلس العنصرين البارزين في السياسة البريطانية، هما جون فلبي، والمس بيل السكرتيرة الشرقية واستمر هذا الاجتماع الطارئ زهاء الثلاث ساعات، وضح فيه كوكس افكاره حول تأليف الحكومة واعتبارها كالجسر الذي يربط فيما بين السلطات البريطانية المتمثلة بشخصيته وبين الشعب العراقي .

ولقد استبعد الاجتماع موضوع الاستعانة باي شخصية شيعية فقد عملت الدعاية البريطانية على زرع فكرة ان كل معمم شيعي هو (إيراني ) فحتى عندما تتحدث المس بيل عن السيد (محمد الصدر) وهو من سلالة ال البيت وجده الاكبر كان قادم من لبنان والشيخ مهدي الخالصي الكبير الذي تعود اصوله الى قبيلة بني اسد العربية وهما من كبار قادة ثورة العشرين تقول (إنهما من رعايا إيران)، وقد وصفت (السيد محمد الصدر) بما يلي "إن معكر صفو السلم هو السيد محمد الصدر، وهو عالم طويل القامة، اسود اللحية، ذو تقاسيم شريرة، قفز إلى الظهور البغيض بصفته رئيس المحركين خلال الإضطرابات وأخذ يدور في أنحاء البلاد ويسري شرّه فيها كما يسري لهيب الحرب، فقد صادف أن أُقيمت حفلة استقبال في المدرسة الإيرانية، حيث ذهبت كالمعتاد وكان من الضروري أن أذهب إلى هناك لأن السيد محمد الصدر هو المنظم للحفلة" . وقد إختصرت المس بيل رأيها قائلة: “ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها” . كذلك تم استبعاد اي شخصية كردية حيث كانت الدعاية البريطانية تعتبر أن فكرة وجود كردستان مستقلة فكرة خيالية تماما، كما وصفتها المس بيل في رسائلها التي قام بترجمتها (يونس السبعاوي) ونشرها (روفائيل بطي) . ويمكن معرفة التوجهات البريطانية من خلال المحادثة التي أجرتها المس بيل مع الحاج (ناجي رضا جادر) احد مالكي الأرض الزراعية في الكرادة وكان صديقا مقربا منها، عندما سالها عن سبب فوزه بمقعد في المجلس من دون سابق علم له بالأمر إلى إن أخبره مختار الكرادة بفوزه، فقالت له " انته نحن نعتبرك صديقنا" فسألها الحاج ناجي عن سبب غياب أعيان الشيعة في بغداد من المجلس، فقالت "أهل الكاظمية كلهم ما يفتهم وأهل بغداد (عنودي) وأهل النجف وأهل كربلاء كلهم (فارسي) ما يفتهمون عربي غير بس الشيخ عمران العلوان " وقالت المس بيل " أهل الدليم يتكلمون عربي ما يفهم منها أهل بغداد شي فاخترنا لهم فؤاد الدفتري حتى يعلمهم تركي وهم يعلموه عربي حجي بعد ماكو سؤال" .

لذلك قرر الاجتماع الاستعانة بنقيب اشراف بغداد السيد (عبد الرحمن النقيب الكيلاني)، عرض برسي كوكس في اثناء الاجتماع مجموعة من المقترحات والتي عدت الاسس التي قامت عليها الحكومة ومنها، تأسيس مجلس من الوزراء العراقيين وكان الى جانب كل منهم مستشار بريطانيا، ويكون هذا المجلس بادارة المندوب السامي مباشرة، وبعد تعديلات طفيفة اجريت على هذه المقترحات من قبل اعضاء المجلس الاستشاري تمت الموافقة عليه بالاجماع، ويلاحظ ان هذه الحكومة المؤقتة لم تكن إلاَ واجهة لتنفيذ صك الانتداب البريطاني على العراق، ويتضح ذلك من خلال ارتباط مجلس الوزراء بصورة مباشرة بـ(برسي كوكس) كما ان الوزراء المقترح تعيينهم سوف لن يكون لاي منهم دوراً مهماً في تمشية أمور البلاد في مختلف المجالات لكونه مرتبط ويعمل تحت توجيهات المستشار البريطاني الذي كان قراره نهائيا وقطعيا .

بالرغم من طرح اسم (عبد الرحمن النقيب الكيلاني) لرئاسة الحكومة المؤقتة خلال الاجتماع الا ان برسي كوكس كان يأمل ان يتولى هذا المنصب (طالب النقيب)، الذي لعب دوراً كبيراً في خدمة المصالح البريطانية، الا انه استبعد من الترشيح الى هذا المنصب وذلك يعود الى عدم الثقة الكاملة به من قبل المندوب السامي، ولمعارضة الاعضاء ولاسيما المس بيل، التي كانت تكن له الكره الشديد، بسبب نشاطه اللامحدود وطموحه الشديد بالوصول الى عرش العراق، في الخامس والعشرين من تشرين الأول لعام 1920، انهى برسي كوكس مفاوضاته التي اجراها مع الاشخاص المرشحين لمنصب وزراء في الحكومة المؤقتة، وتمكن من تخطي جميع الصعوبات التي واجهته خلال المباحثات، ولم يتوان المندوب السامي بعد هذه المباحثات من توجه رسالة تكليف الى السيد عبد الرحمن النقيب بتشكيل الوزارة وبناء على رغبة ملك بريطانيا في ذلك، فوافق النقيب على هذا الامر كما عبر عن ذلك كوكس بقوله انه قبل (بكل جراة واقدام ودون تردد) لقد تم ترتيب الدعوات لاعضاء مجلس الوزراء، وكذلك توزيع الحقائب الوزارية عليهم بصورة توحي للمراقب بانها صادرة من النقيب نفسه وليست مفروضة عليه من قبل المندوب السامي، وذلك لاعطاء هذه الحكومة واجهة وطنية وليست اجنبية، لقد تألف المجلس من ثمانية اعضاء، يرأس كل عضو منهم دائرة من الدوائر، اعلن تشكيل الوزارة في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1920 وضمت، عبد الرحمن النقيب، رئيساً للوزراء وطالب النقيب وزيراً للداخلية، وساسون حسقيل لوزارة المالية، ونصب وزيراً للعدل مصطفى الالوسي، اما وزارة الدفاع، فقد اسندت الى جعفر العسكري، الضابط العراقي في الجيش العثماني والذي اشترك في الثورة العربية، ومن ثم اصبح حاكماً لولاية حلب في الحكومة العربية في سوريا، وعين لوزارة الاشغال العامة عزت الكركوكلي، واسند منصب وزير النافعة (التعليم) والصحة الى محمد مهدي الطباطبائي، اما وزارة التجارة فقد اسندت الى عبد اللطيف المنديل والوزارة التاسعة وهي وزارة الأوقاف كانت من نصيب (محمد علي فاضل)، والى جانب هؤلاء الوزراء المحليين، تم تعين مستشارين بريطانيين، كانوا بحقيقة الامر هم الوزراء الفعلين واصحاب القرار وهم جون فلبي مستشارا لوزارة الداخلية، والعقيد سليتر للمالية، وكان عليه ان يعمل في وزارة التجارة، والسير بونهام كارتر للعدلية والمستر نورتن للصحة، اما مستشار وزارة الاشغال والمواصلات فقد عين المستر ديفير اتكسون اما وزارة التجارة فقد استلم منصب المستشار فيها، وتكنسن اما وزارة الأوقاف فقد عين لها مستشاراً فيها فيما بعد، وهو كوك وكان أول اجتماع عقده مجلس الوزراء في الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1920.

 ثم أصدر المندوب السامي برسي كوكس بياناً في (8 تشرين الثاني من العام نفسه) أوضح فيه أن الهدف من تأليف الحكومة هو الاسراع في تمهيد الطريق أمام الشعب العراقي لإبداء الرأي في شكل الحكومة التي يريدها عن طريق تأليف مؤتمر عام يمثل الشعب العراقي تمثيلاً صحيحاً.

في شباط 1921 نقل (وينستون تشرشل) من وزارة الحرب وأصبح وزيرا للمستعمرات، فقرر عقد مؤتمر في القاهرة دعا اليه الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في الشرق الادني لاعادة النظر في سياسة بريطانية في المنطقة ودراسة امكانات خفض النفقات البريطانية فيها، وتقرير علاقات الدولة الجديدة المقبلة في العراق ببريطانيا العظمي من حيث النفقات، وشكل الدولة المقبلة، وشخص رئيسها، ونوعية قوات الدفاع فيها، وغير ذلك. فلما ذهب السير بيرسي كوكس لحضور هذا المؤتمر كان من جملة من اصطحبهم معه سكرتيرته الشرقية غيرترود بيل التي كانت المرأة الوحيدة في المؤتمر. وقد شارك في المؤتمر السير هربرت صمويل (الحاكم العام المعين لفلسطين) وشارك فيه من الخبراء كل من الميجور لورانس والميجور كلايتون (من المخابرات العسكرية والسياسية) والمستر كورنواليس (من مخابرات وزارة المستعمرات)، كذلك حضر المؤتمر السير رونالد ستار، اللورد جورج لويد، الكولونيل كونلف أوون، الكولونيل هملتن، جون فليبي، الكابتن شكسبير وغيرهم واصدر المؤتمر قراراً يقدم عرش العراق الى الامير فيصل .وقراراً ثانياً يقدم امارة شرق الاردن الى الشريف عبد الله الابن الاكبر للشريف حسين .

عاد المندوب السامي الى بغداد في 19/ نيسان 1921 بعد انتهاء مؤتمر القاهرة وأذاع بياناً عما تم في المؤتمر وبدأ على الفور باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنجاح ترشيح فيصل وأصدر بلاغاً أوضح فيه أن الحكومة البريطانية تعد الأمير فيصل مرشحاً موفقاً وعمل المندوب السامي أيضاً على تذليل العقبات التي تعترض سبيل الأمير فيصل ومنها إخراج طالب النقيب من وزارة الداخلية وأبعاده عن العراق وأبعاد جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية لأنه من معارضي الهاشميين ومن دعاة الجمهورية.

شغلت بريطانيا الرأي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد أن عرضت أسماء عدد من المرشحين، مستبعدين أي شخصية عراقية شيعية باعتبارهم كما وصفتهم مس بيل " والشيعة، كما بيّنت في مناسبات عديدة من قبل، يكوّنون مشكلة من أعظم المشاكل" اما بقية المرشحين فكانوا من ذوي ارتباطات مع بريطانيا، ويتفاوتون في مراكزهم وأمكانياتهم، فعبد الرحمن النقيب له أنصاره في بغداد لكنه كان طاعناً في السن وعبد الهادي العمري وهو من أسرة موصلية معروفة وله شعبية في الموصل وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة، وله علاقات واسعة مع الأمراء العرب في المحمرة والكويت ونجد وكان طموحاً يسعى قبل الحرب العالمية الأولى لأقامة إمارة عربية في جنوب العراق على غرار الإمارات المجاورة، وفيصل بن الشريف حسين ملك سورية المخلوع وأخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 8/ آذار 1920 ليكون ملكاً على العراق والشيخ خزعل أمير المحمرة الذي كانت له علاقات واسعة مع جنوب العراق وأحد أنجال أبن سعود أمير نجد، والأمير التركي برهان الدين أبن آخر سلاطين الدولة العثمانية وترددت أسماء أخرى منها أحد أمراء الأسرة المالكة في مصر وظهر تيار يدعو الى إقامة نظام جمهوري في العراق يتزعمه جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع أن يجمع حوله بعض الشخصيات البارزة في العراق أمثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل وعبد المجيد الشاوي وكانت بريطانيا ترى في الشخص الذي ترشحه لعرش العراق هو من يفتقر الى القوة الحقيقية ويعتمد في بقائه على الحكومة البريطانية وكان ممن أشار بعدم تعيين أحد من العراقيين ملكاً أو أميرا على العراق على أساس أنه سيثير حسد عراقيين آخرين فيخلقوا متاعب لا تنتهي للإنجليز" (ساسون حسقيل) وزير المالية في حكومة عبد الرحمن النقيب الكيلاني . وكان حزقيل يقترح أن يكون ملك العراق أو رئيسه أحد أبناء شريف مكة أو أحد أعضاء الأسرتين المالكتين في مصر وتركيا.

أسهمت عودة الضباط العراقيين من سوريا وعلى رأسهم نوري السعيد باختيار الأمير فيصل ملكاً على العراق ودعوة الجمعية التأسيسية لأن تقوم بمهامها الأربع الأساسية وهي تعيين مجلس الوزراء، واختيار حاكم للعراق، وتأسيس الجيش، وتصميم علم وطني. وقد نُفذت الخطة المرسومة. وتمّ حفل التتويج بحضور 1500 مدعو، ثم عُزف النشيد الملكي البريطاني لأنه لم يكن هناك سلام وطني عراقي، وفي الختام تمت الموافقة على تشكيل الحكومة العراقية التي رأسها عبد الرحمن النقيب كأول رئيس وزراء لمملكة العراق الفتية.

 

زهير جمعة المالكي

 

محمود محمد عليعالم النكته ملئ بالمواقف الساخرة والناقدة والمضحكة، والتي تسري علي ألسنة الناس، كما تسري النار في الهشيم، والنكتة تعبير عن موقف هزلي بأسلوب ساخر يحيي بروح نقدية، ونجاح النكتة، لابد لها أن تكون بأسلوب مقتضب موجز جداً، وساخر يحمل معني كبيراً غير مباشر في باطنه، وكلما تكون مثيرة للضحك فهي أقوي وقعاً وتأثيراً وبالتالي نجاحاً.

والنكتة في حد ذاتها معالجة لوضع، أو حدث غير مرض عنه، وحياة النكتة تطرقت لمواقف عدة في الحياة وجوانيها بأساليب مختلفة، فأخذت الشك الخطابي أو الحركي أو المكتوب أو التحريري أو رسوم كاريكاتورية تعبر عن هذه المواقف .

وتعد النكتة خطاباً ناقداً يختزن حمولات حجاجية، مبنية علي مناقضة الآراء والأفكار، والوقائع، والاحتجاج عليها، هذا الاحتجاج يتخذ صوراً تعبيرية عدة تتيحها الوسائل والوسائط المستعملة في توصيله، وإثارة ردود الأفعال ؛ التي تستجيب – عادة – باستعمال السياق والصورة والشكل التواصلي، ولا تعتمد التواصلية بمختلف أشكالها وأنواعها ومضامينها علي الفكرة تحديداً ؛ بقدر ما تقع بكل ثقلها علي الوسيط، ومفهوم الوسيط هنا يتخذ بعده الألي الوسائلي، كما يظهر بعده الصيغي الذي يتلبس رداءً ثقافياً دارجاً، ومتداولاً يعطي هذه التواصلية بعدها المأمول، وقد يطمح بها في جنوح بعيد إلي أبعاد أخري، تتنامي داخل المحض الثقافي للفكرة، وقد يفيض لتتكتل في وسائط وأفكار أخري تتجاوز المدار الأولي إلي مدارات أحري، ويمكن لهذا الكلام أن يحاكي في شئ من الحقيقة المفهوم القريب والبعيد للنكتة، والنكتة المتعددة النابعة من عمق المعايشة، الرفض، الاستنكار، القبول، اللاموقف الذي يشكل موقفاً بحد ذاته في تجلية صاحب النكتة.

هذا النوع هو ما كان يبغيه الدكتور عزمي بشارة، عندما أختار يوسف حسين ليجسد له برنامج "جو شو"، للدفاع عن فكر جماعة الإخوان المسلمين الذين سقط مشروعه عقب أحداث ثورة الثلاثين من يونيه 2013، هذا من ناحية، واستخدامه كمخلب قط ضدهم في حالة انقلابهم علي مشروع عزمي إسلام الذي يزعم الدعوة للقومية العربية (المزيفة) .

وبرنامج "جو شو" من البرامج التي ما تزال مستمرة حتي الآن، وهو يذاع في العاشرة مساءً بتوقيت السعودية في كل خميس علي قناة العربي؛ وجو شو وسابقًا "جو تيوب"، هو كما قلنا برنامج تلفزيوني سياسي كوميدي ساخر يتألف من فقرات تتناول الأوضاع السياسية في العالم العربي، ويسخر من الأوضاع السياسية في مصر بعد  ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013.

وفي عام 2016، انتقل يوسف حسين من برنامجه على منصة يوتيوب ليقدم برنامجه باسم جو شو عبر شبكة التلفزيون العربي الذي يبث من لندن، بعنوان "جو شو" بداية من شهر رمضان 1438 هـ  وتعرض حلقاته أيضًا على قناة سوريا ؛ وجو تيوب، أو جو شو، أو يوسف حسين، وأبو ليلي ونعنيعة.. وأسماء كثيرة لشخص واحد، وهو برنامج أسبوعي، يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية ؛ وبخاصة في مصر.

ويوسف حسين ظاهرة إعلامية عُرفت وعرفها الملايين في الوطن العربي من خلال اليوتيوب وقناة سوريا وقناة العربي، بجرأته وخفة دمه .. ظهر في فترة كانت موجودة بكثرة البرامج الساخرة التي تزعم أنها تنقد الأوضاع السياسية في زمن الربيع العربي ؛ وخاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية المستجدة من خلال الكوميديا السوداء وهو ليس له حدود لا في النقد ولا في السخرية .. والعديد من الإعلاميين شبهوه بالإعلامي باسم يوسف المزيف والمخادع، لكنه في فترة قصيرة حاول أن يكون له بصمة خاصة به من خلال الفبربيكات الإعلامية، وصارت لديه قاعدة جماهيرية كبيرة من الشباب والشيوخ (المغرر بهم والمؤهلين للإستماع والإصغاء لأي شئ يقدح في النظام المصري الحالي).

وقد شكل يوسف حسين حالة من التمرد علي نظام الدولة المصرية الحالي بطريقة سلمية تأخذ فكرة تكتيكات حرب اللاعنف عند جين شارب (والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الرابع)، إلي أن اصطدم مع السلطة في المملكة العربية السعودية، وسوريا، والجزائر، واليمن، وفلسطين، وأمريكا، وغيرها الكثير بملوكها وأمرائها ورؤسائها، كانت مادة دسمة عبر برنامجه الشهير " جو شو " الذي أصبح يتناول البرامج العربية والمصرية، وبموقع انتقاد، أو ما يمكن تسميته بالكوميديا السياسية السوداء .

لقد بات جو شو يمثل حاضنة شعبية لبعض المصريين وفي العرب (المغرر بهم كما قلت)، واستطاع أن يحول كل شئ لكوميديا سوداء، إلي أن عده بعضهم أيضا حاضنة لكثير من المؤيدين باطنيا لفكر جماعة الإخوان والسلفيين المسلمين؛ وعلي الرغم من محبي جو شو القلائل فلا يخلو الوضع من انتقاد الآخر (أي الكُثر) له لاتهامه بعدم الموضوعية، وعدم التزام الحياد، واتباع توجهات وسياسة القناة التابع لها، وعدم تخطي ما يمكن تسميته بالخطوط الحمراء .

وحول نشأة البرنامج قال " يوسف حسين" (حسب موقع ويكبيديا): أنه بعد بداية الربيع العربي لم يكن لدى فريق العمل أدنى فكرة بإنشاء قناة جوتيوب في البداية، وأتت الفكرة "بمحض الصدفة" حسب ما قال يوسف حسين في لقاء على قناة سوريا، (بعد ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013)، قام يوسف حسين وأحمد الذكيري بإنشاء مقطع فيديو سياسي ساخر مدافعًا فيه عن الرئيس السابق مرسي وتحميله على موقع اليوتيوب، وحقق أكثر من نصف مليون مشاهدة في وقت قصير، وبعد شهر تقريبًا قام جو "يوسف" والذكيري بتكوين فريق عمل صغير، وإنشاء قناة جوتيوب على اليوتيوب، وعلى مدار شهور قاموا بعمل 12 حلقة ساخرة عن تناقضات التيار الليبرالي السياسي، وتناقض الإعلامين (بعد ثورة الثلاثين من يونيه)، فقام فريق جوتيوب بعمل 31 حلقة ناقش من خلالها جميع الأحداث التي مرت بمصر بشكل ساخر، وتخطى مشتركو قناة اليوتيوب أكثر من مليون ونصف مشترك وقامت بعض القنوات التلفزيونية بعرض الحلقات على شاشاتها  مثل الجزيرة مباشر مصر، وقناة الشرق وقناة رابعة.

وقد كان الهدف من برنامج جو شو كما قلت، هو تكرار نفس المهمة التي كان يقوم بها برنامج البرنامج لباسم يوسف، مع اختلاف الغايات والتوجهات (وإن كان كلاهما يصبان في نفس الاتجاه وهو الفوضي الخلاقة)؛ بمعني أن نفس المواضع هو تكرار برنامج جو شو للمواضع المتعلقة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وخطاباته السياسية، وكيفية تعامل الرئيس السيسي معها من خلال عرضها بطريقة ساخرة، وجاء في المرتبة الثانية موضوع الإعلام، وكيفية معالجته للأحداث السياسية في مصر، وكيفية تعامل الإعلاميين المصريين لهذه المواضيع.

وهذا يشير إلي أن برنامج جو شو قد حرص علي متابعة تطورات الحياة السياسية في المجتمع المصري بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ويظهر ذلك من تركيز البرنامج علي الرئيس السيسي وخطاباته السياسية بشكل كوميدي يغلب عليه التنكيت المخادع، وكذلك معالجة القضايا السياسية التي تهم المجتمع المصري حالياً بشكل ساخر ومضحك، ومن ثم تناوله لمعالجة الإعلاميين المصريين لهذه القضايا، وهذا يظهر أن سر قدرة برنامج  يوسف حسين علي اجتذاب الجماهير ومتابعة المشاهدين له بشكل كبير آتيا من تركيز البرنامج علي حصر المضمون السياسي للقضايا اليومية المستجدة.

أما فيما يخص الموضوع الوطني وتغطية القضايا الوطنية ومعالجتها سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، فنجد أنها لا تشكل محور اهتمام بالنسبة ليوسف حسين، مما يعكس عدم أهمية مناقشة وعرض هذه القضايا الوطنية في برنامجه، وهذا يعكس غياب الحس الوطني لبرنامج جو شو الذي يقدمه يوسف حسين .

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة إليها، ألا وهي أن يوسف حسين كان يتناول المواضيع السياسية التي يطرحها في برنامجه في إطار الخبر التلفزيوني، وهذا يعكس قدرة يوسف حسين علي عرض المواضيع وتناولها بتكنيت زائف كونه ناقل للخبر بأسلوب ساخر، ليترك للمشاهد عدم الحرية في تناول وفهم الخبر، ويعكس ذلك براعة يوسف حسين، وقدرته الإعلامية علي طرح المواضيع والمضامين والمحتوي السياسي، لهذا البرنامج بأسلوب الخبر الصحفي ليظهر، وكأنه ناقل للخبر من ناحية وصانع له بما يثبت عنه صفة التدخل الشخصي وعرض آراؤه الشخصية في المواضيع التي يعالجها .

ومن الأمور الأخرى التي لاحظناها في برنامج جو شو، أن وحدة التحليل الرئيسية التي تم تناولها من قبل يوسف حسين للمواضيع السياسية، كانت تتمثل في استخدام متغير الوقت والفترة الزمنية التي يغطيها برنامج يوسف حسين الساخر، وجاء بالدرجة الثانية استخدام الكلمة، ثم الفقرة، وأخيراً الجملة، ويعكس ذلك مستوي تركيز يوسف حسين وهدفه من إيصال معلومة معينة، أو خبر معين للمتلقي، أو أن يوجه المضمون السياسي باتجاه معين من خلال استخدام متغير الوقت ومستوي تكراره لبعض الكلمات والمصطلحات، وهذا فيه إشارة واضحة لتدخل يوسف حسين علي أنه يريد إيصال معلومة معينة للمتلقي في المضمون السياسي للحلقات التي يعرضها .

كذلك وجدنا برنامج  جو شو الذي يعرضه يوسف حسين كان يتخذ مواقف معارضة لوجهات النظر التي عرضها في برنامجه، وهذه تعبر عن شخصية يوسف حسين ومواقفه الايديولوجية، تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، مما يشير إلي أن يوسف حسين لم يكن صريحا لآرائه الشخصية ومواقفه اتجاه القضايا المطروحة، وهذا يشكل تدخلا أو انحيازا لدي يوسف حسين وينفي عنه صفة الموضوعية إذا تم عرض هذا الرأي بأسلوب صريح وواضح .

أيضاً كشف لنا برنامج جو شو أن الطريقة الهزلية هي الصفة المميزة لبرنامج يوسف حسين، مما يعكس أهمية التركيز  علي هذه الطريقة لتناول يوسف حسين لعرض الموضوع، بما يعبر عن شخصيته وما يميز برنامجه عن البرامج الأخرى، ثم جاءت طريقة عرض برنامج جو شو بأسلوب ساخر تعبر عن القدرة الكبيرة ليوسف حسين في عرض المواضيع، وهذا يشير إلي أن الصفة الأساسية للبرنامج هي عرض الموضوع بأسلوب ساخر هزلي انتقادي، وهذا ما يميزه عن البرامج الأخرى، فقدرة يوسف حسين علي استخدام السخرية في توصيل المضمون السياسي يعكس براعته في إيصال ما يريده للمتلقي بطريقة غير مباشرة.. وهناك أمور أخري سوف نكشف عنها في قابل الأيام لهذا البرنامج.. ونكتفي بهذا القدر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.........................

1- الشعيبي، صالح بن عبدالعزيز: الصفحة الأخيرة : عالم النكتة، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج 8،ع 9، 1989، ص 62.

2- هاجو مدقن: السخرية الرفيعة في النصوص التفاعلية الرقمية: قراءة في الادبيات الساخرة في الفيسبوك، سياقات اللغة والدراسات البينية، العلوم الطبيعية للنشر، ع4،3، 2016، ص 116.

3-  هنيدة أحمد خليل: درجة توجه المضمون السياسي لبرنامج باسم يوسف الساخر، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الشرق الأوسط، طلية الأعلام، الأردن، 2015.

4- جو شو (برنامج).. ويكيبيديا.

 

 

عبد الله العباديمن السابق لأوانه الحديث عن التغييرات التي يمكن أن يحدثها انتخاب جون بايدن في ظل ظروف وبائية خطيرة يشهدها العالم بأسره، وفي ظل انقسام أمريكي قد يعصف بالأمن الداخلي خصوصا وأن ترامب توجه للمحاكم وجند أكثر من ستمائة محام لمواجه غريمه وطاعنا في نتائج الانتخابات.

الشارع العربي تابع الانتخابات الأمريكية وكأن شخص الرئيس سيغير شيئا من موقف الولايات المتحدة الأمريكية اتجاه القضايا العربية وعلى رأسها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومشروع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فكل الإدارات الأمريكية كانت حليفا بدون شروط للكيان الصهيوني على حساب حق الشعب الفلسطيني في إعلان دولته المستقلة.

في تعليقه على فوز بايدن يرى منصف المرزوقي اليساري وأول رئيس لتونس بعد الحراك الشعبي، إنه فوز الديمقراطية على الشعبوية، فوز الانسانية على العنصرية، فوز المبادئ على المصالح، انتصار الذكاء على الخبث، لطمة موجعة من النظافة على وجه الفساد. من الصعب فهم تفاؤل المرزوقي، فالبيت الأبيض لا يختزل في شخص، فالرئيس موظف تنفيذي لأجندة سياسية وأمنية ومصالح قومية.

مستشار الأمن القومي الأمريكي الديمقراطي زمن حكم باراك أوباما بن رودس يقول في مذكراته "العالم كما هو" يقول إن الرئيس الديمقراطي السابق أوباما  يكره العرب بشكل غريب وكان يردد أمام مستشاريه أن العرب ليس عندهم مبدأ أو حضارة وأنهم متخلفون وبدو. وبايدن ليس إلا الرفيق الحميم لأوباما ويحملان نفس الأجندة الحزبية ووجهات النظر حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأمريكية.

من حق المواطنين الأمريكيين أن يفتخروا بديمقراطية الاقتراع والعملية الانتخابية، فكل الرؤساء كانوا وبالا على بعض المناطق العربية، لكن مهما اختلفت الألوان الحزبية للمترشحين تبقى مصلحة الوطن وحماية المصالح الخارجية من الأولويات، رغم اعتزازهم بأصولهم فقد قال بايدن ل BBC أنا إيرلندي أما نائبته فقد أكدت أكثر من مرة فخرها بأصولها الهندية والجامايكية، هذا الفخر لم يفهم على أنه ضعف في الوطنية بل اعتزاز بالأصول وولاء تام  وانتماء للوطن الأم ورغبة في خدمته.

رؤية بايدن تختلف عن ترامب حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والعلاقة مع الدول والمؤسسات العالمية، فترامب كان يرى وطنية أمريكا أولا وتخلى عن العديد من الاتفاقيات الخارجية والمعاهدات الدولية في قراري أحادي. لكن بايدن سيعيد أمريكا لدورها التقليدي الريادي على المستوى العالمي القائم على أساس القيم الغربية المشتركة، والعودة إلى التحالفات العالمية وعودة الإدارة الأمريكية إلى منظمة الصحة العالمية وستحاول قيادة العالم لمواجهة جائحة كورونا.

من أولويات بايدن أيضا محاربة التغير المناخي والعودة للانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ التي تخلى عنها الرئيس المنتهية ولايته، حيث أكد بايدن نيته في بناء اقتصاد يقوم على الطاقة النظيفة من أجل خلق وظائف جديدة. وأكد بايدن أنه مستعد للعودة لاتفاقية العقوبات المفروضة على إيران مقابل التقليص من برامجها النووية التي انسحبت منها الإدارة الأمريكية قبل ستنين وعارضها بعض الحلفاء.

وبمنطقة الخليج، وعد بايدن بالعمل على إنهاء الحرب باليمن بسبب تفاقم الوضع الكارثي وارتفاع الضحايا من المدنيين، وقد تتراجع الإدارة الأمريكية الحالية عن مساندة السعودية وقد تشوب العلاقات الأمريكية السعودية بعض التوتر بسبب نقاط خلاف عديدة، لكن رغم ذلك تبقى السعودية الحليف الاستراتيجي الأول في الخليج العربي.

يحاول بايدن أيضا العمل مع روسيا كقوة عالمية والعودة إلى معاهدتين كانت إدارة ترامب قد انسحبت منهما، سيعود بايدن لمغازلة الدب الروسي والتفاوض من أجل تمديد الاتفاقية الثالثة التي أوشكت على نهايتها للحد من الترسانة النووية للبلدين. أما بخصوص الصين فالسياسة الأمريكية واحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين، الصراع الاقتصادي ومحاولة فرض إجراءات تجارية قاسية، الفرق بين الحزبين يكمن فقط في طرق تنفيذ الإجراءات المفروضة.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فبايدن لن يكون استثناء داخل الحزب فكلمة احتلال لم تسمع خلال برنامجه ولا برنامج السياسة الخارجية للحزب، ربما يكون هناك ضغط من الجناح اليساري داخل الحزب الذي سيعمل على الضغط على مرشحه من أجل حماية حق الفلسطينيين وربما ضغط أكبر من أجل إنهاء الاحتلال والاتجاه نحو حل الدولتين، الشيء نفسه يطالب به الجناح اليساري داخل الحزب لإنهاء الحرب في أفغانستان والعراق.

أما بخصوص ملف الصحراء المغربية، فق أعلنت إدارة ترامب موقفها الواضح ومساندتها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب لمجلس الأمن الدولي كحل عادل للقضية. الإدارة الحالية وبحسب العديد من المحللين، في انتظار تعيين طاقمة وخصوصا ممثل السياسة الخارجية، ستكون طبق الأصل لإدارة أوباما وربما يستعين ببعض مستشاري هذا الأخير. ويستفيد المغرب من العلاقات الطيبة الذي تربطه بهيلاري كلينتون، كما أن بايدن سيسعى لإيجاد حلول كبرى وأزمات خلقها ترامب مما سيتيح للمغرب التعامل بشكل مريح مع الإدارة الجديدة. ومهما تعددت القراءات فالحل السلمي ومبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ مدة تعتبر الحل الأنجع لنهاية الصراع، كما أن المشروع التنموي الذي يواصله المغرب بأقاليمه الجنوبية يؤكد حرص المغرب على تنمية كل مناطقه من طنجة إلى الكويرة.

المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

 

عبد الله العبادي

الكاتب الصحافي

 

بكر السباتينخاتمة الرعونة طريق مسدود.. فمسيرة حكم الرئيس الأمريكي دوناند ترامب منذ أربع سنوات حتى نهايتها، كانت تجربة مريرة بالنسبة لغالبية الأمريكيين على كافة الصعد الداخلية والخارجية، فبدا كأنه زوبعة عصفت بالبلاد فاسترعت المصلحة محاصرتها والقضاء عليها درءاً من عواقب استمرارها المخيف؛ لتنتهي فترة حكمه بكل أطرافها إلى منطقة الخطر، وكان على أحدهم أن يغادر المركب طوعاً أو يُلقى به في البحر؛ كي يصل المركب بالبلاد إلى بر الأمان. من هنا جاء الموقف الأمريكي الرسمي ليحسم معركة المواجهة مع رئيس ثبت بأنه متهور وغير متوازن، مما جعل مجلس النواب الأمريكي يصوت لصالح قرار عزل الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب، ويتهمه بـ"تحريض" أنصاره علناً وعلى رؤوس الأشهاد في أعمال الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول (مقر البرلمان) الأسبوع الماضي في سابقة غير مشهودة.

وانضم عشرة نواب من حزب ترامب الجمهوري إلى الديمقراطيين في التصويت على القرار، الذي جاء بنتيجة 232 صوتا مقابل 197.. وهو فارق يدل على مدى الاحتقان الذي تسبب به الرئيس المقامر ترامب من جراء سياساته المتهورة وغير المألوفة من قبل الأمريكيين التي يرمي من خلالها إلى وضع العراقيل في طريق الرئيس المنتخب جو بايدن وإشغاله في قضايا لم تكن بالحسبان، بعدما سُدَّتْ المنافذ في طريق استعادته للفوز الذي قال بأنه مُختطف من قبل الديمقراطيين عن طريق التزوير وهو ما عجز عن إثباته أمام القضاء الذي حكم لصالح الرئيس الذي ثبت فوزه بنسبة عالية.

وبهذا، أصبح ترامب أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يُعزل مرتين أو يتهمه البرلمان (الكونغرس) بارتكاب جرائم بمعاونة أنصاره ممن أدرجوا في قائمة الإرهاب اليميني الداخلي.

وسيواجه الرئيس الجمهوري ترامب الآن محاكمة في مجلس الشيوخ. وإذا أُدين، قد يُمنع من تولي المنصب مرة أخرى.

لكن من غير المرجح أن يضطر ترامب إلى ترك البيت الأبيض قبل انتهاء فترة ولايته خلال أسبوع، وهي فترة مناسبة يستطيع من خلالها اتخاذ قرارات مدمرة غير محسوبة في إطار خيارات عديدة يتوقعها المراقبون ولعل أسوأها ضرب إيران نووياً، وإشعال حرب ضروس في الخليج العربي يكون من شأنها أن تعطل آلية تسليم السلطة إلى جو بايدن؛ فيحظى بذلك على أطول مدّة ممكنة للبقاء في الحكم وفق القانون الذي سيجيز له ذلك، وخاصة أن مجلس الشيوخ الذي ينتظر منه المصادقة على قرار العزل، لن ينعقد قبل حفل تنصيب جو بايدن المزمع إقامته في الثاني من فبراير المقبل حيث ستسلم السلطة للرئيس الجديد من قبل مايك بنس، نائب الرئيس المنتهية ولايته، ترامب الذي رفض الحضور احتجاجاً على اختطاف حقه بالرئاسة وفق ما يدّعي.

فهل تأخذ الغطرسة ترامب نحو التصعيد الجماهيري من جديد لإفشال هذا الحفل خلافاً لتصريحاته الأخيره ووعوده بتسليم سلس لسلطة! وخاصة بعد إدانته من قبل مجلس النواب وصدور قرار بعزله!

التقارير الأمنية ترجح هذا السيناريو وفق ما يُنْشَرُ من تصريحات لمسؤولين أمريكيين. منها ما جاء في افتتاحية الغارديان بعنوان: (الديمقراطية في أمريكا: التهديد حقيقي)، " بأن هناك تقارير أوردت في طياتها تحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن احتجاجات مسلحة محتملة في العاصمة وفي أنحاء من الولايات المتحدة في الأيام المقبلة. وأغلقت السلطات المنطقة المحيطة بنصب واشنطن، بالقرب من المكان الذي حث فيه ترامب مؤيديه على القتال من أجل حقه في البقاء في المنصب".

فاتخذت الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية الحفل على هذا الأساس.. ففي أعقاب الغضب الناجم عن اقتحام أنصار ترامب للكونغرس الأسبوع الماضي، ستنشر السلطات ما لا يقل عن عشرة آلاف عضو من الحرس الوطني في واشنطن بحلول نهاية هذا الأسبوع.

ويبدو إن اختيار ترامب حَشْدِ أنصاره ضد تسليم السلطة يُعد بمثابة مقياس على نرجسيته وغطرسته وإرادته المشوشة.

ويرى مراقبون أن أعمال الشغب في الأسبوع الماضي لم تكن وليدة الصدفة أو عبارة عن مسرحية لمرة واحدة خرجت عن السيطرة، بل كانت ساحة للهجوم على الديمقراطية تدور منذ شهور.. أي استراتيجة لها أهداف محددة، وهنا تكمن الخطورة فاسترعى الأمر رداً حاسماً من قبل الكونغرس بتجريم الرئيس ترامب كونه حرض أنصاره على الفوضى واستغل صلاحياته لإحداث الضرر بالديمقراطية وتشويهها، ووضع سمعة أمريكا على المحك، حتى أن بعض الدول في الاتحاد الأوروبي رفضت استقبال وزير الخارجية بومبيو بذريعة أن التعامل يجب أن يكون مع إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن، بل أن الصين ذهبت إلى أكثر من ذلك أثناء تقديم واجب المواساة للأمريكيين، إذْ شبهت هجوم "الرعاع" على مبنى الكابيتول (مقر البرلمان) بالغوغائيين المعارضين للصين في هونكونغ، كونهم دُعِمُوا إعلامياً وسياسياً من قبل ترامب نفسه، في مفارقة قد تقلل من قدرة واشنطن على ممارسة السياسة الخارجية فيما يتعلق بحقوق الأقليات في الصين، بارتياح،

ورغم تنصل ترامب أخيراً من مسؤوليته إزاء ما جرى من هجوم سافر على الديمقراطية، في محاولة منه لاحتواء الضرر الذي من شأنه أن يصيب مستقبله السياسي، إذا ما صادق مجلسُ الشيوخ على قرار مجلس النواب لعزله.. فقد صرح بأنه سيسهّل عملية انتقال السلطة إلى جو بايدن في الموعد المحدد، وإنه أمر الأجهزة الأمنية لتقديم الحماية الأمنية اللازمة لحفل تنصيب الرئيس الجديد، وإن حركته الاحتجاجية غير مسؤولة عن "الهمجيين الرعاع" الذين هاجموا الكونغرس؛ لا بل أنها تأنف قبولهم في صفوفها، وطالب بمحاكمتهم على الفور وكأنهم كانوا خارجين عن طوعه!. وقال بأن أمريكا هي بلد القانون داعياً إلى تضافر الجهود لتوحيد الشعب الأمريكي المنقسم على نفسه؛ لمواجهة وباء كورونا.. الذي يعتبر العدو الوحيد لكل الأمريكيين.

ولم يتطرق ترامب في كلمته إلى موضوع قرار مجلس النواب الأمريكي بعزله، وفق نصائح مقربين إليه مثل كوشنر ووزير الخارجية بومبيو.

إن الفوضى العنيفة التي حدثت الأسبوع الماضي وأدخلت ترامب في مصيدة كان قد أعدّها لخصومه، والتي أدت إلى مقتل خمسة أشخاص في حادثة اقتحام مبنى الكبيتول، جاءت تتويجاً لاستراتيجية ترهيب وتشويه سمعة المؤسسات الديمقراطية في الدولة التي يقودها. لذلك فإن الأعضاء الديمقراطيين في مجلس النواب محقون كما يبدو، في بدء إجراءات العزل للمرة الثانية ضد رئيس أتهم بأنه "مارق".

وفي سياق الضغط الاقتصادي على مصالح ترامب حتى يخضع لإرادة الكونغرس، صرح محافظ نيويورك، الديمقراطي بيل دي بلاسيو، يوم أمس الأربعاء، أن المدينة ستنهي عقودها مع مؤسسة ترامب الخاصة، بعد اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول.

ووفقا لصحيفة "الأندبنتدنت" الأمريكية، نقلا عن أحدث إفصاحات مالية للرئيس، تبين أن منظمة ترامب حققت حوالي 17 مليون دولار خلال العام. وعليه فإن خسائر ترامب ستكون فادحة لو توسع هذا الباب.. وهي فاتحة لتشكيل قوى ضاغطة اقتصادية لتهديد مصالح ترامب من خلال ضربات موجعة كهذه حتى يستقيم أمره ويتوارى وفق الممكن عن المشهد السياسي الأمريكي درءاً لخطورته.

فهل يخرج ترامب إذن من عنق الزجاجة دون ثمن باهظ سيدفعه من مستقبله السياسة، لأن الحزب الجمهوري الذي تضرر من وجوده، لن يتحمل عنه أعباء الفاتورة التي تسبب بها في غضون الأربع سنوات الماضية.

ما زالت التكهنات غامضة فيما قد يحدث في الثاني من فبراير من قبل أنصار ترامب لتخريب الحفل، وقد يصل أسوأها حدَّ الاغتيالات في مقامرة مفصلية قد تحول الانقسامات الشعبية إلى حرب أهلية محدودة قد يصعب الرجعة عنها، خلافاً لما يراه المتفائلون في أن القطار سيمضي وإن نبحت الكلاب مكشرة عن أنيابها.

 

بقلم بكر السباتين..

14 يناير 2021

 

 

محمد ناجي(موقف الطاغية هو موقف ذلك الذي يقطع شجرة لكي يقطف ثمرة) مونتسكيو

المتابع لما ينشر في مختلف وسائل الإعلام من مواقف النخب والشارع العراقي والعربي، والتي تتعلق بالحكام والأنظمة الدكتاتورية، يراها بعيدة عن الصواب، لأكثر من سبب لا مجال لذكرها هنا . وبدلا من أن تسلط الضوء على جوهر أنظمة الاستبداد، باختلاف مسمياتها، وهو الانفراد بالسلطة والقرار، وبالتالي قمع الرأي الآخر المعارض، يراها تبتعد وتلجأ إلى تبرير الدكتاتورية وتحسينها بمفردات رطانة خطابية مع ذكر الصفات الشخصية الإيجابية للديكتاتور، لتوحي بأن الدكتاتور ينفرد ويتميز بها على غيره، وكأنها المؤهلات المطلوبة لتولي مسؤولية الحكم، أو بما تنسبه له من إنجازات، وتجهل أو تتجاهل أن الكثير إن لم يكن أغلب الدكتاتوريين لهم انجازاتهم أيضا . أو تطالب وتدعو لتقدير ظروف الحدث، وهذا المبرر دائم التكرار، رغم أنه عاجز عن استبعاد وصمة الدكتاتورية .

في هذا المقال الذي حرصت على ترجمته بعض المعلومات، منها الصفات الشخصية لسالازار وبعض إنجازاته، وأيضا مدى شعبيته، والتي لم تمنع أن يوصف شخصه ونظامه بالدكتاتورية . آمل أن يكون فيها ولو شيئ من الفائدة، وتساعد في تصحيح العيب في الموقف من الطغاة حيثما كانوا .

 

محمد ناجي

............................

(سيرة شخصية) جديدة تتحدث عن سالازار الفاشي المختلف

في العام الماضي 2020 مر 50 عام على وفاة ديكتاتور البرتغال أنطونيو سالازار، الذي حكم البلاد لمدة 36 عام، وهي أطول مدة حكم لدكتاتور في أوربا في القرن العشرين . هنريك برانداو يونسون (1) قرأ كتاب عن سيرة شخصية جديدة عن السياسي المتقشف، الذي لا تزال أعماله تثير نقاش محموم .

القصيدة الاولى لـ(توماس ترانسترومر) (2) التي تركت أثرها في نفسي كانت " لشبونة " والتي نشرها الشاعر في ديوان (اصوات وسكة) عام 1966 .

في حي الفاما غنّت عربات الترام الصفراء /

على الطريق المرتفع /

هناك يوجد سجنان . أحدهما للصوص /

ها هم يلوحون بأيديهم من خلال قضبان النافذة /

يصرخون يريدون من يصوَّرهم ! /

" لكن هنا " قال بائع التذاكر بـضحكة مكبوتة مثل انسان منكسر /

" هنا يوجد سياسيون" . انا شاهدت الواجهة، الواجهة، الواجهة /

وفي الأعلى هناك نافذة وشخص يقف معه منظار ويتطلع باتجاه البحر .

البناية التي يقصدها ترانسترومر هي سجن اليوبه، مقابل الكاتدرائية في لشبونة، هناك وضع الدكتاتور سالازار المعتقلين السياسيين . قبل خمس سنوات تحول السجن إلى متحف المعارضة لنظام دكتاتوري حكم أطول مدة في أوروبا، امتدت من 1926 ولغاية 1974 . الجزء الأكبر من هذا الوقت - 36 عاما - حُكمت البرتغال من قبل أستاذ الاقتصاد الدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار . أن لايجري الحديث عنه بنفس القدر عن بقية الفاشيين الآخرين - موسوليني وفرانكو - لا يعود فقط إلى نسيان ذكر البرتغال في التقارير التي تكتب عن جنوب أوروبا، بل بالرغم من وجهه الشبيه بالطيور الجارحة، كان من الصعب وضعه معهم . كان فاشيا مختلفا .

بمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته أصدر المؤرخ الاسكتلندي توم كالاگر كتاب "سالازار - الدكتاتور الذي يرفض الموت"، وهذه أول سيرة ذاتية شاملة عن الدكتاتور تكتب باللغة الانكليزية . ومنذ بداية الفصل عن الحرب العالمية الثانية، يبين الكاتب الفرق بين أعمال فرانكو المؤيد لهتلر وبين سالازار، الذي اتبع موقفا أكثر قربا من موقف السويد، فكان يبيع المعدن الخاص بصناعة اسلاك التنگستين للصناعة الالمانية، وفي نفس الوقت سمح للحلفاء باستخدام جزر الأزور كقاعدة للتحري عن الغواصات الألمانية في المحيط الأطلسي .

لعب سالازار دورا في إنقاذ اليهود، ليس فقط بتوفير امكانية هروب المئات منهم من جبل طارق إلى جزيرة ماديرا، بل أنه فسح المجال لمبعوثه إلى بودابست - الدبلوماسي كارلوس دي ليز تيكسيرا برانكوينهو - وأطلق يده للقيام بنفس العمل الذي قام به الدبلوماسي السويدي راؤول فالينبري . وخلال خريف 1944 أنقذ الدبلوماسي اكثر من الف يهودي من معسكرات الاعتقال بواسطة تزويدهم بوثائق سفر برتغالية .

السيرة الشخصية القت ضوء جديد على سبب حدوث حرب المستعمرات في أفريقيا، التي وقعت ما بين سنوات 1962-1974 في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو . فعندما اندلعت انتفاضة الاستقلال في شمال أنغولا طلب الرئيس الامريكي جون كندي من البرتغال بأن تغادر المستعمرات، والا فان الولايات المتحدة ستطرح القضية في مجلس الامن التابع للامم المتحدة وسوية مع الاتحاد السوفييتي تطالب بانسحاب البرتغال من المستعمرات . شعر سالازار بالجنون، فهو يرى المستعمرات كجزء من الجسد البرتغالي ولا يمكن أن تقطع جزءا من الجسد . في اليوم التالي لتصريح كندي جمع الديكتاتور عشرة آلاف متظاهر خارج سفارة الولايات المتحدة وهم يهتفون ( أمريكا لسكانها الأصليين) .

وكان لدى سالازار الورقة الرابحة في كُم معطفه . فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية سمحت البرتغال للولايات المتحدة بوجود قاعدة جوية في جزر الأزور . والاتفاقية تُجدد كل خمس سنوات، واذا استمرت الولايات المتحدة بالتدخل بالمصالح البرتغالية في أفريقيا فسوف لن يجدد سالازار الاتفاقية، وحينها ستفقد الولايات المتحدة أهم قاعدة من قواعدها الجوية خلال الحرب الباردة . لعب سالازار أوراقه واستخدمها بقوة وبمستوى عالي وربح . ومن ذلك الحين لم تذكر الولايات المتحدة حرب المستعمرات البرتغالية ولا بكلمة واحدة، وهي لاتزال باقية حتى اليوم في قاعدة لاجيس الجوية في جزر الأزور . هذه التسوية الجيوسياسية كانت على حساب أرواح مئات الآلاف من البشر في افريقيا، واجبرت عشرات الآلاف من البرتغاليين على الهرب من البلاد لينجو من الخدمة العسكرية.

أحد الاعتراضات على السيرة الشخصية هو أن الكاتب گالاگر لم يخصص مساحة كافية لنتائج حرب المستعمرات، وكتب أن البرتغال فقدت 8.290 جندي في الحرب، وقارنها مع عدد ضحايا حوادث السير، التي بلغت 9.694 شخص بين سنوات 1990-1994 . لقد شعرت بالاستفزاز من هذه المقارنة . كما لم يذكر المؤلف في أي مكان (من الكتاب) عدد الضحايا الأفارقة، ولم يذكر أيضا أن ما بين 120.000 - 140.000 برتغالي لا يزالوا يعانوا من الآلام والآثار البدنية والنفسية لما بعد الحرب .

سالازار كان ذو شخصية قريبة من التوحد، وكان صارم، ومتحفظ، ولا يملك سكن خاص به . ملكيته الوحيدة بيت ريفي لا يساوي كثيرا . كان مثل الرئيس مازاريك أول رئيس لجيكوسلوفاكيا - سياسي متقشف، ذو موقف بعيد عن مظاهر الفخامة والترف والمنفعة الشخصية . وهو لم يتزوج ولم يكن له أطفال او عشيقات . الشخص الأقرب له كانت المسؤولة عن ادارة شؤون المنزل ماريا دي يسوس، وعلاقة الحب الوحيدة لديه كانت مع الصحفية الفرنسية كريستين غارنييه التي ألفت كتاب "عطلة مع سالازار"، بعد عطلة نهاية أسبوع قضتها معه في بيته الريفي .

وفاة سالازار لم تكن مثيرة أيضا . قبل ظهر يوم 3 آب/أغسطس 1968 استلقى على كرسي الاستلقاء للتشمس، الذي تحطم وسقط على ارضية الشرفة في القلعة التاريخية في المنتجع البحري استوريال، الذي كان مقر إقامته الصيفية . ارتطم رأس سالازار بالأرض، وأصيب بجلطة دموية وبعدها بنزف في الدماغ، وفقد النظر بإحدى عينيه، والشلل في احدى ذراعيه . على إثرها سلّم السلطة إلى أستاذ جامعي وقانوني مخلص له . بعدها بسنتين في 27 تموز/يوليو 1970 توفي سالازار وهو بعمر 81 سنة . وعندما حققت الدولة في تركته وجدوا أن له مبلغ لا يساوي أكثر من قيمة شقة بثلاث غرف في لشبونة في ذلك الوقت .

 قبل 13 عام عرض RTP (راديو وتلفزيون البرتغال) مسلسل وثائقي عن شخصيات البلد التاريخية، حيث صوت المشاهدون وبفارق كبير لصالح سالازار فكان (البرتغالي الأكبر على مر العصور)، وجاء بالمركز العاشر فاسكو دي غاما . هذه النتيجة تفصح عن علاقة غير عادية يكنها البلد للدكتاتور المتوفى .

رغم أن البرتغال هي إحدى البلدان القليلة في أوروبا التي تديرها حكومة اشتراكية ديمقراطية منذ عام 2015، مع ذلك لا يزال ظل سالازار موجود، والبعض يراه أب البرتغال، بينما يرى آخرون أنه كان جلادا، وفي سجن اليوبه، الذي كتب عنه ترانسترومر قصيدته، كان شرطة الأمن PIDE يعدموا او يعذبوا آلاف المعتقلين السياسيين .

عندما زرت المتحف في الخريف الماضي اعجبني المظهر الحديث للمعرض وسألت موظف الاستعلامات عن انطباع جيل الشباب عن المتحف، فأخبرني أن غالبية طلاب المدارس معجبون بالمعروضات، لكن غالبا ما يظهر أحد الطلاب ويقول أن المعرض مزيف، أحدهم قال لي : " سالازار كان رجل جيد "، سألته : " كيف عرفت " أجاب : " هذا ماقالته جدتي " .

هوَس الحنين لسالازار في الفترة الأخيرة أثار جدل ساخن في البرتغال . الذي أشعل فتيل النقاش كان مقترح لتأسيس متحف في كومبا داو مسقط رأس سالازار في وسط البرتغال . الفكرة كانت أن المدرسة التي درس فيها كطفل، أرادت عرض الحاجات الشخصية للدكتاتور، وخوفا من أن يتحول المتحف إلى مكان يحج إليه الفاشيين، وقّع 11.000 برتغالي على نداء طالبوا فيه بوقف المخطط . استمر النقاش ووصل إلى البرلمان حيث شكلت لجنة . أحد الأعضاء من الحزب اليميني PSD دافع عن المشروع :" الذاكرة مهمة، كلاهما الجيدة والسيئة، كليهما ينبغي أن تُتذكر " . كلماته جعلت رئيسة اللجنة، التي تنتمي للحزب الاشتراكي PS، أن تقول بتهكم " عندما كنت مؤخرا في ألمانيا لم اشاهد اي متحف تذكاري للنازية.

الحنين لسالازار استدعى بالمقابل ما كان مكبوتا لدى الكثيرين، ومنها أن موقفه المعادي للتعليم هو السبب في أن البرتغال لا تزال أكثر بلدان غرب أوروبا تهميشا - مع أدنى مستوى للأجور . فسالازار لم يريد ان يكون البرتغالي ذكيا . في احدى المقابلات قال "الكثير من أي شيء، غالبا ما يسبب الفساد" . دولة سالازار الجديدة (3) خلقت جو رمادي منقبض، جعل البلد وكأنه أشبه بموقع امامي لدول أوربا الشرقية في شبه جزيرة ايبريا، فأكثر من نصف مليون برتغالي، ربع السكان تقريبا هربوا من دكتاتوريته . اكثريتهم ذهبوا إلى فرنسا، لهذا تسمى باريس ثاني أكبر مدينة برتغالية .

عندما تركت سجن اليوبه، الذي يسمى حاليا متحف المقاومة والحرية، حجزت سيارة تكسي سائقها مولود بعد ثورة القرنفل عام 1974 . عندما عبرت عن أسفي للتعذيب الذي حدث في السجن حدّق في المرآة الأمامية ونظر إلي قائلا :

لكنهم كانوا شيوعيين !

حين يدافع الذين نشأوا في ظل الديمقراطية عن سالازار، فهذا يشير إلى أن البرتغال هي أيضا أصيبت بحالة الاستقطاب السياسي في الوقت الحاضر، وكل شخص يختار المعلومات التي تناسبه .

 

هنريك برانداو يونسون

صحيفة (داغنس نيهتر) السويدية 27 - 12 - 2020

.....................

( الملاحظات والروابط إضافة من المترجم م.ن. )

1- هنريك برانداو يونسون مراسل الصحيفة في اميركا اللاتينية .

2- توماس ترانسترومر 1931-2015 شاعر سويدي ونفساني ومترجم .

3- الدولة الجديدة أو الجمهورية الثانية هي التي أعلنها سالازار عام 1933 .

https://www.youtube.com/watch?v=-VZRDO4aY-Y لقطات عن بداية (الدولة الثانية) لسالازار وعدد من منجزاته

https://www.youtube.com/watch?v=2k7X_o42nVQ لقطات عن تشييع سالازار وشعبيته

 

اياد الزهيريلا شك ولا ريب أن وحدة الذوق والمشاعر مقدمه ضروريه لوحدة أي تجمع أنساني وأنسجامه، وهذا المبدأ يسري من علاقة الصداقه بين أثنين، الى الزوجين الذين تتسم حياتهم بالتقارب الذوقي والنفسي، حيث يُكتب لحياتهم النجاح وأستمرار الحياة الزوجيه الناجحه والمستقره، ويمتد ذلك الى أعضاء الحزب الواحد، والفريق الرياضي الواحد ومجموعة العمل الواحده، أمتداداً الى الشعب الواحد . أن كل كيان من الكيانات المذكوره وغيرها من الكيانات يعتمد وجودها وقوتها وأستمرارها على ما يشترك فيها أعضاءها من مشتركات ذوقيه ونفسيه، وعلى ما تشترك فيه من هدف موحد، حتى هذا الهدف مهما كان مهم فمن الممكن التضحيه فيه وأهماله أذا لم تتوفر بين أعضاء تجمع ما الذوق المشترك، وقد لمسنا الكثير من حالات طلاق وأختفاء شركات، وأنزواء أحزاب، وحتى تفتيت دول بسبب عدم الأنسجام النفسي بين مكوناتها، وبلدنا واحد من هذه البلدان المهدده بالأنقسام بسبب تباين الحاله المزاجيه لمكوناته، الذين ينتمون الى ثقافات مختلفه ساهمت في تباين أمزجتهم وأذواقهم، والتي ساهمت بتسلل الأختلافات بينهم على أبسط الأمور، وغذت الصراعات البينيه بينهم حتى وصل الى قتل بعضهم لأتفه الأسباب، والتي ليس لها من مبرر عقلي، وأنما هناك بواعث نفسيه ساهمت في تعكير أمزجتهم، والتي ساهمت بشحذ دوافع العنف بينهم. هذه الظاهره قد لا يلتفت أليها الكثير، والسبب لأنها ظاهره غير محسوسه، وغالباً ما يدعي المختلفون أن هناك بواعث وأسباب أخرى يعللون بها أختلافاتهم في حين أن السبب الحقيقي هو سبب مزاجي، والذي يساهم في تشكيله الكثير من الأسباب والتي منها ما هو بيئي، وآخر قيمي وأجتماعي وثقافي، كل هذه العوامل تساهم بتشكيل مزاجاً فردياً أو جماعياً خاصاً يفصله عن الأفراد والجماعات الأخرى مما يشكل خطاً فاصلاً بينهم، ويبلور خصائص وميزات تميزهم عن بعضهم، وهذه ظاهره لا تختص بمنطقه دون أخرى، وأنما هي ظاهره عالميه، لذلك تعمل الدول جاهده الى تبني مشاريع ثقافيه تقرب من خلالها أفراد الشعب الواحد من خلال تربيتهم على تبني قيم واحده، وثقافه واحده، وحتى متبنيات وطنيه واحده أملاً في بناء نفسي متقارب ومنسجم بأعتبار الوحده النفسيه مقدمه ضروريه لوحدة التراب والمجتمع والدوله، وتساهم في بناء شعور وطني واحد يقوم على حب الوطن والأستعداد للتضحيه من أجله، والعكس هو الحروب الأهليه التي تنتهي بالموت والدمار وأنهيار الدول وتمزقها، ومثال ذلك دولة يوغسلافيا التي دخلت بحرب أهليه بتسعينيات القرن الماضي والتي أنتهت بالتقسيم الى خمس دول، والسبب في ذلك هو عدم الأنسجام القومي والثقافي وبالتالي المزاجي بين مكونات دولة جمهورية يوغسلافيا.

لقد ألتفت أعداء الشعب العراقي، بل وأعداء العرب والمسلمين الى أهمية أثر العامل الذوقي والنفسي على وحدتهم، وما تشكله من أثر كبير على درجة أنسجامهم وتوافقهم، لذلك عمل أعلامهم على شن حروب الجيل الخامس الذي أتخذ من الأعلام منصه له لأطلاق مدافع أعلامه المضاد القائم على أحياء وأصطناع أحداث تاريخيه تحي الخلافات الطائفيه والقوميه، كذلك يسعون الى نبش وأحياء القيم القوميه المختلفه بين أفراد الشعب الواحد، وهذا ما نشاهده ونسمعه من أحياء للفينيقيه والأمازيغيه والعروبيه والكرديه والنوبيه، والعمل جاري على قدم وساق على أحياء الهويات الفرعيه وحتى الحضارات البائده والمنقرضه كالبابليه والسومريه وغيرها الكثير.

من الملاحظ لكل متتبع لما يجري في بلداننا العربيه والأسلاميه عامه وبلدنا العراق خاصه، سيلاحظ أن هناك حروب تعرف بحروب الجيل الرابع والخامس، وهي حروب تستخدم فيها العلوم النفسيه بأدوات أعلاميه . هذه الحروب تستخدم فيها علوم التاريخ والأجتماع وعلم النفس بتقنيه أعلاميه عاليه المستوى، خلاصتها هو التأثير على القدره المزاجيه والنفسيه للفرد في محاوله لتغير الأتجاهات والقناعات وبالتالي التأثير على توجه الفرد وأهتماماته، وبالتالي على أولوياته في حياته اليوميه، هادفين في ذلك الى خلق فجوات نفسيه وذوقيه بين أفراد الشعب الواحد تكون الأساس في تعكير صفو العلاقات الأجتماعيه بينهم وبالتالي تؤدي بالنتيجه الى التباعد النفسي، والذي يلغي أي حاله من الأنسجام والتعاون بينهم، كما يزرع حاله من عدم الأرتياح المزاجي والذي يمهد الأرضيه لأشعال الصراع بينهم مهما كانت الأسباب بسيطه وتافهه، والدافع هو ما يحملونه من شحن نفسي غاضب أتجاه بعضهم لا يهفت الا بالأنتقام المتبادل .

من المهم أن نُشير الى عاملين مهمين أشتغلت الدوائر الغربيه الخاصه عليها وبشتى الطرق والأساليب، الا وهو أولاً ؛ التركيز على الخلافات التاريخيه الحقيقيه منها والمزعومه، في محاوله لدفعها الى السطح، وتفعيلها وأشعال فتيلها عن طريق العمل على أنتاج أصدارات كثيفه من الكتب والنشرات التي تنشر الأفكار التي تحرك المشاعر المتناقضه على الشخصيات المختلف عليها تاريخياً . كذلك أثارت الأختلافات اللغويه والقوميه وأعادة أنتاج للثقافات القديمه والأدعاء بالرجوع للجذور الحضاريه في محاوله لأحيائها لكي ترسم خط فاصل بين الأفراد والجماعات تحت هكذا مبررات، كما يعملوا على بث الروح بنماذج حضاريه وسلطويه عفى عليها الزمن بدعوى الأصاله والتفرد، لكي يرسموا خطوط جغرافيه جديده تكون سبب للتنازع، وعادتاً يُصنع لهكذا مشاريع أناس مأزومون ويعانون من أعتلال نفسي ومزاجي منحرفين، ويتصفون بالجهل والتعصب، وهذا ما لمسناه بصناعة أرهابيين من أمثال أسامه بن لادن، والزرقاوي، وشاكر أوهيب والبغدادي وزهران علوش وغيرهم الكثير، وهي شخصيات معتله نفسياً، ولها تاريخ منحرف، فقد حول الأعلام الأمريكي والخليجي هؤلاء الرجال الى أبطال أسطوريين، ووفروا لهم ثروات ماليه خرافيه لتنفيذ أجندتهم وجمع الأتباع حولهم بسرعه قياسيه، وحرب داعش بالعراق وسوريا وليبيا وأفغانستان خير شاهد على هذا اللون من الأجنده المشبوه . كما أن هناك بعداً أخر بدأ العمل فيه في السنوات الأخيره، الا وهو العمل على الغزو الثقافي في محاوله خطيره لتخريب البنيه الأجتماعيه والعقائديه للمجتمعات الأسلاميه عامه والعراقي خاصه، وهي من أخطر الحروب التي تتعرض لها مجتمعاتنا والتي تهدد وجودها بشكل خطير، وهذا النوع من الحروب يتوجه الى تغير قناعات الفرد الفكريه عبر أثارت الشبهات في عقيدته الدينيه والوطنيه، ومحاولة أثارة الشك في منظومته القيميه في محاوله لتشويهها والحط من قيمتها المعنويه لتكون مقدمه لرفضها والتبرء منها، وأستبدالها بقيم القوه الأكثر سلطه ونفوذ . كما أن الأعلام يعمل وبكل جد وأجتهاد على تعزيز القيم الفرديه، القائمه على الأستهلاك، وذلك لتعزيز الجانب الأناني الذي ينزع لقطع أواصر الترابط مع الأخر، والدفع بأتجاه الأنكفاء على الذات، والتمحور حولها وعدم الأعتبار لكل ماهو أجتماعي، والعزوف عن كل ما يصب في المصلحه العامه بأعتبار أن المصلحه الخاصه هي الأهم، وأن مصلحة الذات أهم ما بالوجود، مما تساهم هذه الميول الى حاله خطيره من التفكك الأجتماعي، وأن القيم الماديه، هي قيم حقيقيه وعمليه، أما القيم المعنويه فلا قيمه حقيقيه لها وتمثل بعداً مثالياً لا قيمه له بالواقع الفعلي والعملي. الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه الى العمل على تحطيم الهويه الدينيه والوطنيه والثقافيه من خلال التشكيك بمرتكزاتها الأساسيه، وتهوين عناصرها الأساسيه، وأظهارها بمظهر العاجز في نظر مريديها، وأنها غير صالحه للعصر، وعاجزه عن الأيفاء بمتطلباته، في محاوله لجعلها هويه سياله قابله للأتأقلم والزحزحه لعناصرها الأساسيه وأستبدالها بقيم جديده تتطابق ومراد المحتل، بل وتسهل من فرض سطوته وأحلال قيميه التي تشجع التطبيع مع أسرائيل وتجعل منها وجوداً مألوفاً، بل ويخلق حاله من الندم على تأخر اللحاق بقطار التطبيع منذ عهد طويل، لما تدعيه أن عدم التطبيع سيفقد الشعب الكثير من مصالحه وفرص تطوره . أن الجيل الرابع والخامس من الحروب تعمل على تسريع خطى العالم نحو التسليم للنظام العالمي الجديد، بأعتباره العالم الأكثر تحضراً، وهو ما يمثل نهاية التاريخ، كما يستنتج بذلك فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ).

أن التغير السريع للأذواق التي عملت على زراعته وسائل الأعلام كان له أكبر الأثر على تشكيل العلاقات العابره والسطحيه والسريعه والمؤقته وذلك بفعل الأيقاع السريع لنمط الحياة الحديثه التي هي من صناعتهم وأعدادهم، قأصبح من جراء ذلك، لا صداقه دائمه، ولا زواج دائم، ولا مسكن دائم، ولا أخلاق دائمه . كل ذلك خلق حاله من الأجهاد والشعور بعدم الأمان، مما سبب حاله من الفزع الشديد والشعور بالكآبه الحاده، وكل ذلك يلقي بتبعياته الخطيره على الحاله المزاجيه للأنسان وتجعله حاد المزاج ولا يطيق أي أحتكاك بالأخر ولا يملك القدره على تحمله لذى يفضل الأبتعاد عن الأخرين بغية تجنب الأصطدام معهم، وهذه هي البوابه الرئيسيه لتفكك المجتمع وتحوله الى جزر صغيره متفرقه لا يربطها أي رابط الا اللهم رقعه من الأرض تجمعهم تسمى وطن. أن الأقتصاد المهيمن اليوم وبفعل وتخطيط قوى دوليه، هو أقتصاد السوق وهذا يعني أن مباديء السوق الحر هي من تفرض شروطها على المستهلك، والسوق هو من يخلق الذوق العالم للمجتمعات بحكم هيمنته عليها، وهنا يفرض نفوذه في الأطاحه بقيم وتشجيع أخرى بما يقرره من موضه وأن كانت لا تتوافق وقيم المجتمع ومنظومته الأخلاقيه وخاصه في عالم الألبسه، فهو لا يركز على الحشمه بقدر ما يركز على الجانب الحسي والغرائزي، لذى فقد أطاح عالم الموضه بالكثير من قيم الحشمه وخرق الكثير من المباديء والقواعد الخلقيه التي لا تمت لمجتمعاتنا بصله. فعالم السوق يتجه لكل ما هو جديد، وهو سلوك تفرضه عمليات االترويج للسلع، ومن ثم بيعها بشكل أكبر، وهذه العمليه تستدعي تغيراً في عالم الموضه والذي يعتمد على أقناع المستهلك في تغير ذوقه ليقبل على أقتناء ما هو جديد . أن التغير السريع والمتعدد للذوق في أقتناء السلع لا يمكن أن يحدث بدون توفر سيوله نقديه عاليه تستجيب لهذا التغير في محاوله للهث وراء أرضاء هذا المزاج المتغير . هنا نقطه غايه بالخطوره، الا وهو ضرورة توفير المال بكل الطرق مما يغري المستهلك بسلوك كل الطرق المشروعه وغير المشروعه لأشباع هذا النهم المتعاظم بأقتناء كل ما يعرضه السوق، هذه العمليه وما تشكله من ضغط كبير على المستهلك الذي لا يملك هنا من أمره شيء سيكون أمام طريق يشجعه على كسب المال الحرام وأستخدام كل الطرق الغير مشروعه في كسب المال، ومنها محاولة الأستحواذ على مال الغير سواء كان غريب أو قريب، والتفكير فقط بالمصلحه الخاصه والتنازل عن الكثير من قيم الحق، ويخلق قابليه لدى الفرد تجعله يتنازل عن الكثير من القيم الوطنيه والدينيه والأخلاقيه مقابل كل من يلبي له ذوقه المتجدد ويشبع له حاجياته المتزايده التي خلقتها سياسات السوق المبرمجه من مراكزها العالميه، واليوم مركز دبي للتسوق كمثال على هذه العمليه، لذلك كانت دبي أول المطبعين مع أسرائيل وأول المذعنين لتلبية طلبات أمريكا قي التنازل عن المطالب والحقوق القوميه والدينيه فيما يخص القضيه الفلسطينيه، بل وأصبحت الأمارات العربيه من المروجين للتطبيع مع أسرائيل . أن ما نلمسه اليوم من تفشي حالات النصب والأحتيال، وأنتشار ظاهرة الربا، والفساد الأخلاقي، وتقطع أوصال علاقات الأرحام بسبب السعي المحموم لأحتراز وكسب المال من أجل المال. كل ذلك أدى بشكل خطير الى تدهور المنظومه القيميه في مجتمعنا مما سببت الى هزه عنيفه للذات قي جو مشحون بالتناقضات والضياع، الذي يؤدي الى نهايه هزيله لهذه الشعوب وبالتالي أذعانها بسهوله لكل ما يُطلب منها من قبل القوى المهيمنه، وتكون رهينه ومذعنه لطلباتها، وعندها تستلب أرادتها، فيدخلوا في طور العبوديه بعد أن حررهم أجدادهم من نير الأستعمار بسلاح بدائي ولكن بأراده حديديه، أفتقدتها الأجيال الحاليه، بل تنازلت عنها مقابل سلعه رخيصه، ومتعه عابره، وذوق متهافت.

 

أياد الزهيري

 

 

قصي الشيخ عسكربقلم: نايثن جي روبنسن

المصدر: مجلة شؤون معاصرة Current Affairs

ترجمة: قصي الصافي

اقتحام بناية الكابتول عمل هزيل، ومع ذلك يجب ان يخيفنا، تلزمنا الافادة من دروس التأريخ.

في عام 1923 حاول مئات النازيين السيطرة على الحكومة الإقليمية في بافاريا، وكانت محاولتهم جد هزيلة، فقد أحاطوا بصالة (بير) حيث يجتمع القادة المحليون، وحاولوا أخذهم رهائن  بقصد الاستيلاء على المباني الحكومية. تم صدهم بسرعة من قبل الشرطة وقُدّم زعيمهم، أدولف هتلر، للمحاكمة بتهمة الخيانة. وصدر عليه حكماً مخففاً، اذ تسنى له كتابة مذكراته في السجن، وأفرج عنه بعد تسعة أشهر. سيمر عقد آخر قبل أن يطلق العنان لأبشع أعمال الإبادة الجماعية في تاريخ البشرية.

ربما لم تكن خطة "انقلاب بير هول" ناجحة، وكان الحزب النازي عام 1923 ضعيفاً. لكنها كانت نذيراً مبكراً بأن فصيلًا يمينيًا متطرفًا يستجمع قوته، فصيل لا يحترم حق النظام اللبرالي في الحكم، وسيستخدم كل الوسائل المتاحة له للاستيلاء على السلطة. لم يدرك الجميع خطورة الامر في ذلك الوقت، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز بالمانشيت العريض " تم إستبعاد هتلر عمليا"، وأشارت إلى أنه بعد الحكم على هتلر بالسجن، فإن المحاكم قد أخرجت اليمين المتطرف من المسرح السياسي إلى الأبد. 

في 6 كانون الثاني (يناير) 2021، اقتحم أعضاء من أقصى اليمين مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة، في محاولة لإلغاء نتيجة انتخابات عام 2020، وإبقاء دونالد ترامب في السلطة كحاكم غير منتخب، وقد نجحوا في إيقاف عملية التصديق على نتائج انتخابات 2020، وإجبار السياسيين على حمل أصوات الهيئة الانتخابية والفرار بها عبر أنفاق تحت الأرض.

 لبعض الوقت، كان الانقلابيون يتجولون بحرية في ما يُفترض أنه أحد أكثر المؤسسات أمانًا في البلاد، ويتسكعون في مكتب نانسي بيلوسي (المتحدثة باسم الكونغرس... المترجم)، ويحطمون النوافذ، ويسرقون الأشياء، ويرشون طفايات الحريق، ويلوحون بعلم الكونفدرالية، ويحطمون محتويات المبنى. قال أحد المشاغبين في وقته الذي قضاه في مكتب نانسي بيلوسي " كتبت لها ملاحظة بذيئة، ووضعت قدمي على مكتبها، وحككت بيدي خصيتي"، ولم يتم القبض عليه بتهمة التعدي على ممتلكات الغير، بل ترك "لتسلية زملائه المتظاهرين وهو يروي مافعله علانية".

من اللافت للنظر أن شرطة العاصمة لم تبذل أي جهد جاد على ما يبدو لمنع مثيري الشغب من اختراق المبنى. حتى أن بعض مقاطع الفيديو تظهر وكأن الشرطة تفتح الحواجز للسماح للحشود بالدخول. من غير الممكن رؤية حشود ترامب وهم يتجولون بحرية ويدمرون مبنى الكابيتول، دون أن نفكّر في مدى ضعف موقف قوات حفظ القانون، مقارنةً بأساليبها في التعامل مع اليساريين والملوّنين. (ونحن نسمع الرجل الذي يداعب خصيتيه في مكتب بيلوسي مفاخرًا بإنجازاته، دعونا نتذكّر كيف أن المراهقين السود يُسجنون لعدم قيامهم بواجبهم المدرسي، وكيف أرسلت امرأة سوداء إلى السجن بسبب جريمة محاولتها التصويت دون أن تدرك أنها كانت ممنوعة من الاشتراك في الانتخابات).. (كانت المرأة سجينة سابقة، وقانون ولاية فلوريدا يحرم تصويت السجناء حتى بعد اطلاق سراحهم، وقد الغي هذا القانون مؤخراً باستفتاء  شعبي عام2018 ... المترجم ).

لا يمكن لأحد أن يصدق أن قوات حفظ القانون لم تكن قادرةً على منع حشود ترامب من إحداث الفوضى. كان الترامبيون يتوعدون منذ أشهر بحرب أهلية في اليوم السادس من يناير - حتى أنهم طبعوا ذلك على قمصانهم-. بالنظر إلى حجم جهاز الشرطة وأجهزة الأمن الامريكيه، لا يمكن للمتظاهرين احتلال مبنى الكابيتول بحرية إلا إذا اتخذت الشرطة قرارًا متعمدًا بالسماح لهم بذلك.

صورة الحشود العسكرية الضخمة في الصيف الماضي بالعاصمة رداً على الاحتجاجات الجماهيرية ضد التمييز العنصري تقدم لنا نموذجاً صارخاً للمقارنة. لا يسع المرء إلا ان يتأمل، لو أن انتيفا (منظمة لمناهضة الفاشية....المترجم) هي التي تجمعت بهذه القوة والعنف، فسوف تصرف الشرطة بالتأكيد وقتا في اطلاق الرصاص المطاطي ومسيل الدموع أطول من الوقت الذي صرفته بأخذ صور سلفي مع مثيري الشغب، (انظر على سبيل المثال، ما حدث لمتظاهري 20 يناير بعد تنصيب ترامب.).... " تم اعتقال أكثر من 200 من اليساريين والرافضين لترامب ووجهت لهم تهم تزيد في احكامها على 75 عاماً في السجن٠٠٠ المترجم "، (هذا لا يعني أن الرد المناسب هنا هو تعزيز الدولة البوليسية ومعاملة جميع المتظاهرين بالطريقة التي يعامل بها المهمشون حاليًا ؛ الحق في احتلال المباني السياسية هو حق قد نرغب فيه نحن أنفسنا من وقت لآخر)

في نهاية المطاف، تم طرد الغوغاء من المبنى، وبدأ أعضاء مجلس الشيوخ بإلقاء خطابات عاصفة مكررين عبارة "هذه ليست أمريكا "، ثم ظهر دونالد ترامب ليهنئ المشاغبين على حسن ادائهم، قائلاً إنه يجب علينا "تذكر هذا اليوم إلى الأبد" ..." لأن هذه هي الأشياء والأحداث التي تحدث عندما يتم تجريده من (انتصار ساحق مقدس في الانتخابات بشكل غير قانوني وسافر) ". دعا بعض المسؤولين المنتخبين، مثل إلهان عمر وأوكاسيو كورتيز، إلى محاكمة ترامب بسبب رفضه الانصياع  لمبدأ التداول السلمي للسلطة واستمرار تحريضه لمؤيديه لمقاومة قبول نتائج الانتخابات.

من الواضح أنه يجب عزل ترامب وإقالته من منصبه، فقد أثبت مراراً أنه غير قادر على المشاركة في العملية الديمقراطية القانونية وهو عازم على تقويضها وإثارة روح التمرد على حكم القانون، بيد أن دعواته لبقاء أنصاره سلميين، ليست إلا حلقات جوفاء طالما تأتي مصحوبة بإصرار مستمر على أن الانتخابات كانت مزورة وأنه هو الرئيس الشرعي. إذا كانت الانتخابات مزورة وكان بايدن مغتصبًا، كما يحاول ترامب إقناع الناس، فمن المؤكد أن الانتفاضة المسلحة ليست انقلابًا بل فعل وطنيين محترمين للحفاظ على الديمقراطية. في جملة يدعو المشاغبين الى العودة لبيوتهم، وفي أخرى يخبرهم أن حكومتهم يتم الاستيلاء عليها حاليًا بشكل غير قانوني من قبل اوتوقراط. ان أي شخص يتعامل معه بجدية يشعر بالميل إلى حمل السلاح، حيث يُقال له إنه ما لم يتم فعل شيء ما، فإن الرئيس المنتخب حسب الأصول على وشك أن يُطرد من منصبه بشكل غير قانوني.

هذا شيء يجب أن نفهمه عن المتظاهرين، فهم لا يرون أنفسهم على أنهم انقلابيون. إنهم يرون أنفسهم يحاولون استعادة الديمقراطية، لأنهم يعتقدون أن الانتخابات قد سُرقت. يأتي غضبهم من وهم خطير سيجعل من الصعب عليهم العودة إلى ديارهم بهدوء. إذا استمر ترامب في قول أشياء مماثلة بعد تركه منصبه (ربما على موقع التواصل الاجتماعي اليميني Parler بدلاً من Twitter، حيث سيأخذ صدى كلماته تأثيرا أكبر في ابعاد انصاره بعيداً عن الواقع الحقيقيّ، ليس من المستبعد أن نستمر لفترة طويلة مع أعداد كبيرة ممن لا يعترفون بادارة بايدن كحكومة شرعية.

سارعت صحيفة نيويورك تايمز في نشر مقال وصفت فيه الأحداث على أنها "نهاية حقبة ترامب" و" فعل أخير يائس من معسكر يعاني من الافلاس السياسي". لست واثقاً من صواب ذلك. تذكرني نبرتهم كثيرًا بذات النبرة في عام 1923 عندما كتبوا أن "أي احتمال بأن يلعب هتلر دورًا رائدًا في السياسة البافارية قد تلاشى تماماً "...، بل من الممكن تمامًا أن يعود ترامب. لا شيء يمنعه من الترشح مرة أخرى في عام 2024، وهو أكثر حزنًا واضطرابًا من أي وقت مضى. إذا كانت إدارة بايدن ضعيفة ولا تحظى بشعبية، وانحسر فشل ترامب الهائل بسبب COVID-19 في الذاكرة الجماعية (ننسى كل شيء في خمس دقائق هذه الأيام، حتى الجرائم ضد الإنسانية)، أعتقد أنه من الممكن تمامًا أننا سنرى ثانية ترامب، ولست متحمسًا لمعرفة كيف ستسير الأمور. (قد يؤدي عزله ومحاكمته إلى حرمانه من الترشح في عام 2024، لكن يبدو أنه أمر غير مرجح).

لا يوافق الجميع على أن ما جرى يمكن وصفه بمحاولة انقلابية، فلم يكن واضحًا تمامًا ما الذي يعتزم مثيرو الشغب فعله في مبنى الكابيتول، ولم أتوقع أن يبدأ الرجل الذي يرتدي قرونًا وجلدا مرقطأ، ووجهه مطلي باللون الأحمر والأبيض والأزرق، في إصدار الإعلانات التشريعية وأوامر الطوارئ من منصة مجلس الشيوخ. لكن انقلاب بير هول كان أيضًا فاشلاً وعبثيًا. أخذ الامر عقدًا آخر حتى تولى النازيون السلطة بالفعل. خلال ذلك العقد، على الرغم من ذلك، ارتكب العديد من الناس نفس الخطأ الذي ارتكبته صحيفة نيويورك تايمز، وافترضوا أنه بسبب فشل الانقلاب، فإن الحركة التي مثلتها لم تكن تهديدًا. كان هذا خطأ فادحًا تمامًا، وإذا ارتكبناه مرة أخرى فقد فاتنا أحد أهم الدروس في القرن العشرين.

يمكن أن يكون المستبدون مهرجين، مما يجعل من السهل السخرية منهم. أنا متأكد من أن بايدن سوف يتم تنصيبه وأنه ستكون هناك رتابة سطحيه تتمثل ب"العودة إلى الحياة الطبيعية" في هذا البلد. سيكون من المغري الاعتقاد بأن أولئك الذين اقتحموا مبنى الكابيتول فعلوا ذلك بدافع اليأس ولم يعد هناك داعٍ للقلق منهم. قاوموا هذا الإغراء. بالنسبة لي، الشيء الوحيد الذي يمنع اليمين المتطرف من الاستيلاء على السلطة في هذا البلد هو أنه ليس لديهم زعيم فعال وكاريزمي. دونالد ترامب كسول وأبله، وليس ايديولوجيا ملتزما مثل هتلر.

يجب على المرء أن يكون حريصًا بشأن إجراء مقارنات كثيرة جدًا بين فاشية عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي والوضع الحالي. ما يمكننا فعله هو استخلاص الدروس حول كيفية تعزيز القوة، في الثلاثينيات من القرن الماضي بألمانيا، كانت الحكومة الليبرالية المتعسرة والتي لا تستطيع حل المشكلات الاجتماعية الأساسية عرضة لحركة يمينية متطرفة محكمة التنظيم، لم تحصل على أغلبية الأصوات ولكنها كانت قادرة مع ذلك على إدارة حلقات حول السياسيين الذين افترضوا أن دستورهم وقوانينهم ستكون حبل نجاة. اليوم، علينا أن نتجنب التفكير في أن تعرض اليمين لانتكاسة انتخابية، سيمنع عودته بقوة أكبر. (وقد تعلمنا أن الشرطة والجيش قد لا يكونا حلفاء يمكن الاعتماد عليهم في حماية الديمقراطية باللحظات الحرجة).

أفضل حماية للديمقراطية وتقويض تأثير اليمين أن يقدم جو بايدن للشعب الأمريكي من المنجزات والمكاسب ما يجعله محصناً من خداع الخطاب اليميني. فرانكلين روزفلت تمكن من تأمين رضا ومساندة قطاعات واسعة من الشعب، عبر تقديم بعض المنجزات لهم، مثل التأمين الاجتماعي، وادارة تطوير العمل، وقانون GI... (ادارة تطوير العمل: حزمة من مشاريع البناء وانشاء الجسور والسدود وفرت ملايين الوظائف للعاطلين عن العمل، قانون GI:  تم وفقه صرف تامين صحي ورسوم تعليم ومخصصات تقاعد للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية... المترجم)، أن عددًا كبيرًا من الناس العاديين سيفكرون بشكل إيجابي إزاء حكومتهم، اذا ما وضعت المال في جيوبهم، أو وفرت لهم تعليمًا جامعيًا مجانيًا، أو أنتشلتهم من البطالة.

 إذا ما قام الديموقراطيون بتمرير حزمة الانقاذ (في فترة الوباء) ذات الشعبية الكبيرة والتي تتضمن صرف 2000 دولار للفرد، وأعقبوها بتشريع زيادة الحد الادنى للأجور الى 15 دولارًا بالساعة، وإقرار حق العامل بإجازة عائلية مدفوعة الأجر، وجعل الدراسة في الكليات مجاناً، وإعفاء الطلاب من الديون، واصدار قانون تأمين صحي مجاني للجميع،  والبدء بمشروع الطاقة البديلة - تلك الخطوات التي لا توجد أعذار لعدم القيام بها الآن بعد أن أمسكوا بزمام السلطتين التنفيذية والتشريعية - عندها سيحصل كل شخص في البلاد على شيء ملموس من الإدارة. سيشمل ذلك القدرة على الذهاب إلى المدرسة دون القلق بشأن الديون، والقدرة على الذهاب إلى الطبيب دون الحاجة إلى التفكير في الفاتورة، والقدرة على إنجاب طفل دون القلق من أنك ستحتاج إلى العودة إلى العمل في اليوم التالي، واطمئنان الفرد أن أحفاده قد يعيشون على كوكب صالح للسكن مع حضارة مستدامة. الحكومة التي تقدم تلك الخدمات لشعبها انما تزوده بلقاح مضاد لإغراءات خطاب الديماغوجيين الفاشيين.

أنا بالطبع لست واثقًا على الإطلاق من أن جو بايدن سيبذل أي محاولة جادة لتنفيذ هذه السياسات. لقد حنث بالفعل بوعوده، وكانت اختياراته المعلنة للمناصب مخيبة للآمال وعديمة الجدوى، وأوضح أنه لا يزال يسعى إلى تحقيق ذلك الحلم الخيالي غير المثمر، والمتمثل في حكم مشاركة بين الحزبين، الامر الذي يرعبني، لأن أولئك الذين لا يلاحظون أن حياتهم تتغير للأفضل في ظل الإدارة الديمقراطية، لن يروا أي سبب لإعادة الديمقراطيين إلى السلطة. الجمهوريون الذين ما زالوا يسيطرون على المحاكم ومصممون على تآكل الديمقراطية قدر الإمكان، سيعودون إلى السلطة بغفلة منا إذا أفسد الديمقراطيون هذه اللحظة المحفوفة بالمخاطر. لسوء الحظ، لم يتضح لي على الإطلاق كم منهم يعرف حتى أنها لحظة محفوفة بالمخاطر، ناهيك عن فهم ما يجب القيام به.

يجب أن لا نطمئن للافتراض القائل أنه لا يمكن أن يكون هناك انقلاب ناجح في الولايات المتحدة المعاصرة. سيكون اليوم الذي نكتشف فيه أننا مخطئون هو اليوم الذي فات فيه الأوان لفعل أي شيء حياله، التاريخ لم ينته. أمامنا الكثير، وخياراتنا اليوم تحدد الطريق الذي سنسير فيه.

 

...................

https://www.currentaffairs.org/2021/01/lets-remember-how-authoritarianism-takes-hold

 

عبد الحسين شعبانسدّد مشهد اقتحام أنصار الرئيس دونالد ترامب مقر الكونغرس ومبنى الكابيتول ضربةً قاسيةً وموجعةً لصورة أمريكا التي ظلّ العالم ينظر إليها باعتبارها "منارةً للديمقراطية" بغض النظر عن الاختلاف بشأن سياساتها الخارجية وحروبها إزاء الشعوب.

وبقدر ما أثار الأمر صدمةً كبيرةً للأمريكيين على المستويين الرسمي والشعبي فإنه أوقع الجميع في حالة من الذهول والحيرة، لاسيّما على المستوى الدولي، سواء لحلفاء واشنطن ومريديها مثلما لخصومها وأعدائها، لأن مثل ذلك السلوك الذي انتهجه ترامب للتشبث بالسلطة والتشكيك بنتائج الانتخابات ومن ثم دعوة أنصاره للتظاهر بهدف الضغط على الكونغرس لعدم التصديق على فوز غريمه جو بايدن بمنصب الرئاسة، لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة وربما في تاريخ الديمقراطية الغربية. وقد شبّه هايكو ماس وزير الخارجية الألماني ماحصل بحريق الرايخشتاغ (البرلمان الألماني في برلين 27 شباط/فبراير 1933 ) خلال الحقبة النازية، كما وصفت صحيفة لاريببليكا الإيطالية ما حدث يوم 6 كانون الثاني/يناير الجاري بـــ"الزحف على روما" بقيادة بنيتو موسوليني (نهاية تشرين الأول/أكتوبر 1922) ليس هذا فحسب، بل وردت ردّات فعل غاضبة على ما حصل في الكابيتول على لسان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن ورئيس الجمهورية الفرنسي ايمانويل ماكرون والكثير من زعماء العالم، كما تندر الكثير من السياسيين والإعلاميين بوصف ما حصل مشبهين إياه بما يجري في العديد من بلدان العالم الثالث تلك التي غالبًا ما يُهرع الدبلوماسيون الأمريكان للتنديد بها ومطالبة الحكومات باحترام نتائج الانتخابات والمعايير الديمقراطية المعروفة.

نظرتان مختلفتان إزاء ما حصل من هجوم على مبنى الكونغرس الأمريكي؛

النظرة الأولى- عاينت الأحداث من باب الشماتة والمناكفة بسبب تأثرها السلبي من سياسات الرئيس ترامب وضغوطه وتهديداته غير المألوفة.

والنظرة الثانية- قلّلت من أهمية ما حصل باعتباره أمرًا عابرًا وأن واشنطن ستستعيد عافيتها بــ"الديمقراطية".

النظرة الأولى اعتبرت ما حصل أزمةٌ للنظام الرأسمالي العالمي، ولاسيما الأمريكي وهي أزمة دورية ومستمرة وما حصل إحدى حلقاتها المهمة وهي دليل تدهورٍ وانحدارٍ ونكوصٍ، في حين أن النظرة الثانية اعتبرت قوّة النظام الأمريكي ورسوخ ديمقراطيته كفيلة بتجاوز ما حدث بلحاظ رد فعل الرأي العام الأمريكي القوي والحازم ضد التجاوزات والانتهاكات التي اعتبرت تحديًا للديمقراطية بما فيها من بعض أنصاره وقياديين في حزبه.

وبغض النظر عن وجود مؤسسات تستند إلى قوانين وقضاء مستقل ورقابة ورأي عام مؤثر وإعلام حرّ ومجتمع مدني نشيط، إلّا أن دور الفرد يبقى مهمًا ومؤثرًا في إطار منظومة النظام السياسي والقانوني الأمريكي الذي يمنحه الدستور صلاحيات كبيرة، فخلال فترة رئاسة ترامب وسياسته الشعبوية وقصر نظره وعدم تفهمه لقواعد السياسة الدولية، أقدم ودون وعي بمخاطر ذلك، على نشاط محموم لتدمير القانون الدولي وتجاوز قرارات الشرعية الدولية بما فيها بشأن القدس الشريف والخروج عن الأعراف الدبلوماسية الدولية والعلاقات التجارية وتقاليدها وزعزعة الثّقة بوسائل التعامل التجاري وابتزاز الشعوب، وتجيير ذلك لصالح السياسة الأمريكية الأنانية الضيقة ولفئة متنفذة من الطاقم المحيط به، وكان ذلك يعني تدمير صورة أمريكا.

كما ساهمت سياسة ترامب في خلخلة السلم المجتمعي في الولايات المتحدة مكرسًا نهجًا عنصريًا استعلائيًا وهو الذي تمّ وضع حدٍّ له منذ العام 1964 في إطار المطالبات بالحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ الذي اغتيل في العام 1968، وإن بقيت شوائب وذيول عنصرية كثيرة من الناحية العملية إلّا أن الرئيس ترامب حاول تغذيتها، الأمر الذي أدّى إلى انتشار الأعمال العنفية وارتفاع موجة العداء للأجانب، فضلًا عن بناء جدار مع المكسيك وتقليص الهجرة ومنع مواطني 7 بلدان من دخول الولايات المتحدة.

ولعبت شخصية ترامب النرجسية وتعطشه للسلطة وغروره وتعامله بالسياسة من موقع التجارة إلى إحداث صدع كبير في جدار الديمقراطية الأميركية العريقة انعكس سلبًا على الفكرة الديمقراطية لدى أوساط كثيرة ودفع جهات عديدة إلى المطالبة باتخاذ إجراءات قانونية لعزله حتى قبل انتهاء المدة القانونية المتبقية من حكمه (20 كانون الثاني/يناير 2021 ) وهي سابقة لم تحصل في تاريخ الولايات المتحدة، خصوصًا اتهامه بعدم أهليته العقلية، وهو الذي حكم الولايات المتحدة أربع سنوات، وكان لاعبًا أساسيًا على المستوى العالمي، متخذًا قرارات خطيرة ومصيرية غيّرت من صورة الولايات المتحدة، والأكثر من ذلك هناك من طالب بتقديمه إلى القضاء بتهمة تحريض الرأي العام لاقتحام الكونغرس وقبل ذلك الضغط على سكرتير إدارة ولاية فرجينيا وتهديده وترغيبه، بل والتوسل إليه لتغيير نتائج الانتخابات لصالحه، وهو ما نشرته صحيفة الواشنطن بوست.

لم يقف الديمقراطيون ضد ترامب فحسب، بل إن جمهوريين ومن أخلص أتباعه وقفوا ضده بما فيهم وزيرة التربية بيتسي ديفوس ووزيرة النقل يلين تشاو اللتان أعلنتا عن استقالتهما وعدد آخر من موظفي البيت الأبيض، إضافة إلى نائبه مايك بنس الذي كان له الضلع الأكبر في توجه الكونغرس لاقرار نتائج فوز بايدن.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمود محمد عليتزوج الأخطب بن عوف من "فتنة"، وهي فتاة من قبيلة "الأرمكي"، أوحي اسمها له بأنها من سلالة الحسن والجمال، لذلك أسموها "فتنة"، فعقد قرانه عليها قبل أن يراها، ولما جاء موعد ليلة الزفاف نظر إليها فلم تسره، وكانت بعكس ما تخيله عنها من جمال، فانشغل عنها حتي نامت، ثم حزك أمتعته، وهم بالمغادرة.. أمه في الدار شعرت بحركته المفاجئة، فأدركته قبل أن يغادر، وقال له: إلي أين تذهب يا ولدي في ليتك الأولي من الزواج؟.. فأجاب إلي أرض الكوفة يا أماه!.. وماذا عن فتنة؟.. فقال : الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها؟..

قصدت أن أبدأ مقالي هذا بهذا الاستشهاد لأقول بأن العالم العربي خلال الأسبوع استيقظ  على أخبار بوادر انتهاء الأزمة الخليجية، وما بين مشككٍ ومصدق، ظهر على شاشات التلفزة عناق، وصف بـ"التاريخي"، بين أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لدى استقباله في مطار العلا السعودي، قبيل عقد أعمال القمة الخليجية الـ 41. وقد وصف البعض هذا العناق بأنه "كسر لقواعد البروتوكول وبداية لصفحة جديدة.

وهنا خرج علينا كثير من الإعلاميين علي قناة الجزيرة ليعلنوا بأنه إذا كان رسول الله "محمد" صلوات الله عليه وسلامه، قد وضع إصلاح ذات البين في درجة أعلي من الصلاة، والصيام، والصدقة، فمن يتجرأ أن يسفه التصالح الذي طال انتظاره غير المارقين، وهم كُثر.. وحدة الشعب الخليجي في دويه المتعددة أكبر من كل الكتاب والمتحدثين.. بل أكبر من كل الحكام والنافذين.. كلنا سنزول وستبقي الشعوب إلي ما شاء الله .

هذه خلاصة أقوال الإعلام القطري، ولكن علينا ألا ننسي بأن فيما مضي السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، قد أعلنوا في يونيو من عام 2017 قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع قطر، وسط اتهامات لها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤون دول المنطقة، وهي اتهامات تنفيها الدوحة.

بيد أنه من الخطأ الاعتقاد (كما يري البعض)، بأن قطر لم تتغير أو لم تستوعب الدروس، ولم يكن اتجاه خطابها إلى مستويات أعلى من العدائية خلال تلك السنوات إلا محاولة لدفع أطراف الأزمة لإعادة النظر في مواقفهم، أخذاً في الاعتبار أن قطر ظلت فعلياً محصورة مجتمعياً وسياسياً في الواقع الخليجي خلال تلك الفترة.

والسؤال الآن: الذي يطرح نفسه بعد قمة العلا يتركز حول اتجاه التحالفات الإقليمية بعد القمة؛ فعلى مدى الأشهر الأربعين منذ بدء الأزمة في 2017، تغير شكل التحالفات والمصالح في الإقليم، وطغى على المنطقة فاعلون جدد وقضايا جديدة، جميعها ستكون في حاجة إلى إعادة نظر في ضوء مستجدات المصالحة. ومن خلال ما كشفه الوزير القطري عن بنود الاتفاق والذي سيتم عبر لجان ثنائية بين قطر وكل دولة على حدة، هناك احتمال لإحراز تقدم بين قطر والرباعي على نحو متفاوت، بالشكل الذي قد ينتهي إلى تبدل في التحالفات، فهل ينتهي تحالف الرباعي كتحالف مؤقت دعت إليه الضرورة وتأسس في مواجهة قطر، أم يستمر كجسر تنمية واستقرار عابر بين الخليج وباقي العالم العربي؟

وللإجابة عن هذا نقول أنه بالنسبة لمصر فإن غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقيام وزير الخارجية المصري سامح شكري بالنيابة عنه في أعمال القمة، قد يعطي مؤشرا لوجود تردد مصري حول المصالحة الخليجية.

وهذه الشكوك تدعمها تصريحات كثير من السياسيين والإعلاميين المصريين بأن: "مصر لن تتصالح مع النظام القطري..." وهذا ما جعني بأن أكتب مقالي بعنوان " رسالة للرئيس السيسي : لا تصالح ولو منحوك الذهب" خلال الأيام الماضية ونشر علي صحيفة المثقف الزاهرة.

ورغم أن القاهرة رحبت بالمصالحة بشكل عام، إلا أن غياب التفاصيل حتى هذه اللحظة يجعلها مترددة، حيث إن المفاوضات على محتوى المصالحة مستمرة، وسوف تتضح لاحقاً، وبناء على محتواها فإن الموقف المصري سوف يتضح بالتزامن.

كما أن مراقبة الإعلام القطري ورصد خطابه تجاه القاهرة، قد يكون مؤشراً حول ما إذا كانت الدوحة حريصة على علاقتها مع نظيرتها المصرية، ورغبتها بتضمينها في الاتفاق، وأن مشاركة وزير الخارجية المصري في القمة استثناء، لأن مصر ليست دولة خليجية، ومشاركتها جاءت على خلفية كونها طرفاً في المقاطعة، مشيراً إلى أن الخلاف القطري-المصري ربما سيستمر بشكل ثنائي، لأن الخلاف كان موجوداً قبل المقاطعة، وذلك بسبب دور دولة قطر في دعم الإخوان المسلمين المصريين.

هذا الموقف يعززه بيان وزارة الخارجية المصرية الثلاثاء الماضي - الموافق (الخامس من يناير/ كانون الثاني 2021)، عقب توقيع الوزير سامح شكري على "بيان العلا" الخاص بالمصالحة، والذي ذكرت فيه أن مصر "تدعم العلاقات بين الدول العربية الشقيقة انطلاقاً من علاقات قائمة على حسن النوايا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية".

وهناك حسابات عدة دفعت إلى المصالحة الخليجية بقرار سياسي مسبق، وليس لتوفر شروطها أو استيفاء أسبابها، فهناك عوامل ضاغطة على صناع القرار بدول الخليج لأجل إنهاء الأزمة وتغليب المصالحة، أهمها التحديات السياسية والاقتصادية، والخسائر التي لحقت بدول المجلس من جراء الأزمة، بجانب التكاليف الاقتصادية الناتجة عن وباء "كوفيد-19"، وتراجع أسعار النفط، وهو ما انعكس في خفض الموازنات العامة، وعجز الميزانيات، وتسريح العمالة، وتحولات سوق العمل، الأمر الذي جعل خليج 2021 غير خليج 2017.

أضف إلى ذلك الاحتفال هذه السنة بمرور 40 عاماً على إنشاء مجلس التعاون الخليجي، واستقبال عقد جديد في تاريخ المجلس، تفرض الضرورات أن يكون مختلفاً عن أصعب عقد مر على دول المجلس (2010 – 2020) من ناحية الأزمات والخلافات البينية و"التفسخات" المجتمعية التي عكست نفسها بوضوح على أدوات التواصل الاجتماعي.. وننتظر ما تسفر عنه الأحداث.. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

عدنان ابوزيدأصبح ملفِتا في عصر تلاشي الأيديولوجيات السياسية، انتعاش النقاش مجددّا بين النخب السياسية والاقتصادية الغربية حول اليسار واليمين، واشباح الاشتراكية التي تنسلّ الى الرأسماليات الغربية، ووفقًا لمجلة غالوب، يبصر الرأسماليون الديمقراطيون في الغرب الآن إلى الاشتراكية بمنظور أكثر إيجابية، ونجم عن ذلك ارتقاء سياسيين يؤمنون حتى بإبدال الرأسمالية بالاشتراكية، فيما المحافظون يدركون الخطر ويتداركونه برفع شعار "الموت أفضل من الأحمر" وهم في حالة من انفعال فكري، معتبرين انّ من غير الممكن، على سبيل المثال لا الحصر، التعامي عن رؤية نجاحات الرأسمالية، العظيمة، والسير على هدي تجارب مثل فنزويلا الاشتراكية، حيث "يموت الناس جوعًا".

لا يخلو النقاش حول رواج "الاشتراكية" في المجتمع الرأسمالي من استقطاب لمشاعر الناس على حساب الحقائق الاقتصادية والاجتماعية، ومخرجات التطبيقات الفعلية، طالما ان السياسة تلوي اعناق الحقائق، فالقول ان الرأسمالية قد خذلت الناس وأن الاشتراكية هي الحل، ما هو في الحقيقة الا تبسيط كاريكاتوري للواقع، لا يخلو من ارهاصات سياسية انتهازية، فيما الواقع ان الاقتصادي الغربي واقتصاديات روسيا والصين واليابان، بإنجازاتها العظيمة، ماهي الا مزيج ناجح بين مؤسسات السوق الرأسمالية، والحكومية المركزية، والتجزئة الاشتراكية.

لعقود عديدة، تساجلت القيم الرأسمالية والاشتراكية على نيل الاعتراف بشهادة "الاصلح" لبناء اقتصاديات الدول، وخلّف اليسار واليمين، الكثير من المعارك الأيديولوجية، لكن الحقيقة انّ كل ذلك لم يُبرِز منتصرا، لان الخاتمة كانت للنظام الهجين الذي يزاوج بين الاشتراكية والرأسمالية.

يحتاج اليسار ووراءه الاشتراكيون، إلى تقدير دور الرأسمالية في تعزيز انتاج الوفرة، وما صاحبه من ترف، فيما يحتاج اليمين إلى الإقرار بالدور الذي لا غنى عنه لشبكات الأمان الاشتراكية والضمان الصحي، في تهدئة مشاعر عدم اليقين بالرأسمالية.

الاشتراكيون الديمقراطيون الجدد في الولايات المتحدة، مثلا، الذين يترشحون للمناصب لا يطالبون بتأميم الصناعة أو إلغاء الملكية الخاصة، بل يدعون إلى دولة رفاهية معزّزة بشكل كبير بضمانات الضبط الحكومي لمختلف الصناعات. 

فرق كبير بين الديمقراطية الاجتماعية كما في هولندا و الدنمارك أو السويد وبين مثيلاتها في الاقتصاديات الرأسمالية لانها تمارس منهج الحرية الاقتصادية، اذ تتفوق الدنمارك والسويد، -حيث الضرائب مرتفعة والإنفاق الواسع على الرفاهية-، على الولايات المتحدة في أمن حقوق الملكية، وسهولة التأسيس للأعمال، والانفتاح على التجارة، و الحرية النقدية. 

وفي التطبيق الفعلي، فان الضمانات الاشتراكية الناعمة المصحوبة بالابتكار الرأسمالي والمنافسة والكفاءة والتجارة والنمو، تعطي درسا مفيدا عن جدوى الديمقراطيات الاجتماعية في بلدان الشمال الأوروبي. 

إنّ أشدّ أنصار الرأسمالية مثل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ومذهبه التجاري البحت، الذي يؤمّن تدفقًا ثابتًا من الفرص، يدعو أيضا الى الأسواق العادلة ذات القواعد التي لا تجعل الأغنياء يأخذون كل شيء، ويتعلق الأمر بالأقوياء أيضا، ومثلما نجحت تجربة الاقتصاد الهجين بين الاشتراكية والرأسمالية في خلق أسواق أكثر ثراءً، فإنها أيضا جعلت جميع المواطنين، أكثر غنى. 

 

 عدنان أبوزيد

 

حسين فاعور الساعديهل مصير الفلسطينيين سكان إسرائيل مرتبط بتواجدهم أو بتمثيلهم في الكنيست؟ الجواب على هذا السؤال يحدد نظرتنا إلى الأمور وكيفية تحليلها. من يدعي أن مصير الفلسطينيين في دولة إسرائيل مرتبط بتواجدهم في الكنيست يبني على هذه الرؤية الكثير من  الأوهام والأمور غير الواقعية. منها أن الكنيست هي ساحة النضال لتحصيل الحقوق. وأن الكنيست هي المكان لمحاربة اليمين المتطرف وأن الكنيست هي الموقع لمنع تهجير الفلسطينيين مواطني إسرائيل من ديارهم وما إلى ذلك من مزاعم وهمية خلقها أناس أرادوا المحافظة على أحزابهم\مزارعهم وأرادوا تبرير وشرعنة تواجدهم في هذه المؤسسة الصهيونية. والأسوأ من ذلك على مدار عقود طويلة غطوا على كسلهم واستهتارهم بمصالح الجمهور الذي أوصلهم إلى مواقعهم بخلق صراعات وشجارات وهمية مع زملائهم في هذه المؤسسة التشريعية. ألبسوا أنفسهم ثياب المناضلين والمجاهدين ضد هذه المؤسسة وسياساتها فأعطوا المبرر للقائمين عليها بنبذهم ومقاطعتهم. وبين الحين والآخر افتعلوا وأمام كاميرات وسائل الإعلام مشاهد وشجارات مع بعض أعضائها المتطرفين. هذه الشجارات التي في حقيقتها ما هي إلا مسرحيات متفق عليها من قبل الطرفين جعلت من منفذيها أبطالا فجلبت لهم الكثير من الأصوات وحافظت على مكانتهم وعلى تغذية التوتر والتباعد بين الصهاينة والفلسطينيين داخل الكنيست وخارجه. هذا التباعد الذي يدفع ثمنه الباهظ البسطاء بينما يحافظون هم والمقربون منهم على مصالحهم وعلاقاتهم الجيدة ومن وراء الكواليس مع مختلف أذرع المؤسسة أو السلطة الحاكمة.

أما من يدعي أن وجود الفلسطينيين كمواطنين في دولة إسرائيل غير مرتبط بتواجدهم في الكنيست فلديه رؤية مختلفة للأمور. رؤية مصدرها الواقع والمعطيات الكثيرة والمتراكمة والتي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التواجد ليس لا قيمة له فقط بل أضر ضرراً بليغا وكبيراً بمصالح الجمهور العربي إذ تم عرض هذا الجمهور من خلال ممثليه في الكنيست وبشكل يومي على الفضائيات وكأنه جمهور متطرف وفي حالة شجار مع الجمهور اليهودي وهو أمر غير قائم في حدود إسرائيل 1967. هذه الرؤية تخدم أذرع السلطة المختلفة التي تخاف من النضال المشترك بين الجمهور العربي والجمهور اليهودي في هذه البلاد. النضال المشترك في قضايا اجتماعية واقتصادية يرعب السلطة ويخيفها. ولذلك أعتقد أن هذه السلطة منذ عقود تجند أعضاء الكنيست من كلا الطرفين للعمل على منع ذلك.

معروف للجميع أنه لا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال تمرير قانون معين في الكنيست إن لم يكن يخدم الوسط اليهودي بالأساس. بكلمات أخرى كل القوانين التي تشرعها الكنيست هي قوانين لخدمة المواطن اليهودي والعربي يستفيد منها لكونه مواطن في الدولة. وهذا يعني أن عضو الكنيست العربي لوحده لا يستطيع تمرير قانون واحد دون دعم الأعضاء اليهود حتى لو كان للعرب 59 عضواً في الكنيست وهو رقم لا يمكنهم الوصول إليه. إذن المنطق يقول أن التعاون مطلوب بين أعضاء الكنيست العرب والأعضاء اليهود. ومطلوب أكثر التعاون مع أعضاء الحزب الحاكم في القضايا الكبيرة والملحة. وإلا فما جدوى تواجد الأعضاء العرب؟ هل نتوقع أن تكون حكومة يسار في إسرائيل؟ أين هو هذا اليسار؟ وماذا قدم للفلسطينيين منذ قيام الدولة؟ وهل يمكن ترك الكثير من القضايا الملحة التي يعاني منها جمهورنا أو تجميدها حتى يولد يسار ويصل إلى السلطة فنجلس معه؟

إذن علام كل هذا الهجوم على منصور عباس؟ ألأنه جلس مع نتنياهو؟

هذا الهجوم على د. منصور عباس ليس لأنه جلس مع نتنياهو فكل أعضاء المشتركة جلسوا ويجلسون مع نتنياهو وغير نتنياهو. هذا الهجوم على د. منصور عباس لأنه كسر نهجاً تم ترسيخه على مدار عقود طويلة وبدعم خفي من السلطة ذاتها. نهج القطيع والبقرات المقدسة.

هذا النهج (نهج القطيع والبقرات المقدسة) وفر الأجواء والأرضية لطرح شعارات ليس فيها ذرة منطق ومبنية على الوهم والسراب كشعار "إسقاط نتنياهو". هذا الشعار لا يمكن طرحه على جمهور لديه ذرة من عقل. لماذا؟ لأن العرب حتى لو كان لهم 59 عضو كنيست لن يستطيعوا إسقاط نتنياهو إن لم يرد اليهود ذلك. والأصعب من ذلك أن من يطرح هذا الشعار يقول بلغة واضحة ودون أدنى شك أن نتنياهو هو المشكلة ويبرئ السياسات العامة التي انتهجتها وتنتهجها الحكومات المتتالية منذ قيام الدولة، وهذه مغالطة وتشويه للواقع وللتاريخ. كما أن مجرد طرح هذا الشعار يظهر مدى استهتار من طرحوه بعقلية جمهورهم وبمدى مقدرته على الفهم والتحليل. طرح هذا النوع من الشعارات هو نمط ونهج سلكته وتسلكه قيادات تنظر إلى الجمهور العربي على أنه قطيع يمكن التحكم به باللعب بغرائزه وعواطفه. فجاء الدكتور منصور عباس ليغير قواعد اللعبة مما يمس بمراكز البقرات المقدسة ويشكل خطراً على استمرار وجودها.

الجمهور مل الشعارات الجوفاء وما عاد يصدق الحروب الدونكيشوتية والمعارك الوهمية. الجمهور يريد عنباً ومل من لعبة مقاتلة الناطور المضبوطة والموجهة من اذرع المؤسسة المختلفة.  وبما أن الدكتور منصور عباس فلاح ابن فلاح ولا زال التراب يخالط مسامات جلدة فقد استشرف ما يشعر به الجمهور ولم يستطع إلا القيام بما يمليه عليه ضميره النقي الذي لم يغرق في أوهام الزعامة بعد.

د. منصور عباس لا يزال يرى بنفسه موظفاً في مؤسسة صهيونية من واجبه أن يخدم من أرسله لهذه الوظيفة. هذه الرؤية الواقعية تتناقض وتختلف مع رؤية من يتسترون وراء بطولات وهمية وشجارات مفبركة مع ممثلي اليمين المتطرف. شجارات متفق عليها مسبقاً لدغدغة مشاعر القطيع الذي يريدون رضاه ودعمه ليحافظوا على مواقعهم. لعبة الشجارات هذه لا تناسب فلاح ابن فلاح كد. منصور عباس ولا يقبل القيام بها لأن أخلاقه وعقيدته لا تسمح له بذلك. من هنا فهو يشكل خطراً على من كل رصيده هو هذه الشجارات المفتعلة مع ممثلي اليمين المتطرف والمدعومة بالشعارات التي لا معنى لها.

نهج الدكتور منصور عباس يغيظ البقرات المقدسة في المشتركة ويغيظ بنفس القدر أذرع السلطة التي لا تريد لفلسطينيي الداخل مندوبين حقيقيين عنهم في الكنيست الإسرائيلي يساهمون في حل مشاكلهم وقضاياهم الملحة.

هذا الإدراك أن العربي الفلسطيني في برلمان صهيوني يستطيع حل قضايا اجتماعية واقتصادية معقدة وكثيرة يخيف السلطة ويحملها مسؤوليات كثيرة وكبيرة تنصلت منها على مدار عقود طويلة بتغطية جيدة وكاملة من حملة الشعارات الوهمية مثل شعار "إسقاط نتنياهو".

وهذا الإدراك أن عضو الكنيست هو موظف في الكنيست مثله مثل أي موظف في بنك أو شركة أو مؤسسة من واجبه التعامل مع كل مكونات هذا الجسم الذي يعمل فيه وإلا لا معنى ولا مبرر لوجوده. لماذا عضو الكنيست تحول إلى قائد قومي يوزع المهام ويصدر التعليمات والتوجيهات؟ كيف لموظف في مؤسسة صهيونية أن يكون حامل شعار القومية؟ لماذا هذا الجمع بين متناقضين؟ وهل يقدر عليه إلا ثعلب متلون؟ سكوت الجمهور على هذا الأمر غير المنطقي هو ما شجع أعضاء الكنيست على الاستهتار بمصالح الجمهور وعلى لعب هذا الدور المتناقض مما خلق كل هذه الفوضى التي تجتاح وسطنا العربي.

د. منصور عباس كما يبدو استشعر أن صبر الجمهور قد نفذ ولم يعد بالإمكان السكوت على مهازل المشتركة فقرر القيام بواجبه وما يمليه عليه ضميره النقي كموظف في مؤسسة صهيونية غير خائف من تحريض المغرضين. فهو يؤمن أن شعبنا ليس قطيعاُ وهو يملك القدرة على التمييز بين الغث والسمين.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

ابراهيم أبراشوكأنه لا يكفي أن تل ابيب وواشنطن تناصبان العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية وتصنفانها كمنظمة إرهابية، ولا يكفي أن يعاديها ويرفضها أيضاً البعض الإسلاموي من منطلق أن المنظمة تعبر عن مشروع وطني بينما فلسطين بالنسبة لهم وقف إسلامي وملك للأمة الإسلامية وبالتالي فأصحاب (المشروع الإسلامي) أولى بتمثيل الشعب الفلسطيني وكل الشعوب الإسلامية!، وكأنه لا يكفي أيضاً التهميش الذي تعرضت له من طرف أصحابها عندما تم إعلاء شأن السلطة الوطنية على حساب المنظمة في مراهنة بأن زمن المنظمة كتجسيد وتعبير عن حالة الثورة والتحرر الوطني قد ولى وأن الشعب يمر بمرحلة تأسيس السلطة والدولة، وحسابات واستحقاقات السلطة والدولة تختلف وتتعارض مع حسابات الثورة .

كأنه لا يكفي كل ذلك ليتنطع البعض من الفلسطينيين والعرب للنبش في الماضي للتشكيك بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وبقرار قمة الرباط 1974 باعتبارها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ويعتبرون ذلك مؤامرة لتجريد فلسطين من بعدها القومي العربي، ويزعمون أنه لو تركت فلسطين بيد الأنظمة العربية ما جرى للفلسطينيين ما جرى، بل وذهب البعض للزعم بأن الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني في قمة الرباط  كان باقتراح من وزير الخارجية الأمريكية آنذاك هنري كسنجر للقادة العرب حتى يلجوا عملية التسوية السياسية دون أن يكونوا مكبلين بالمسؤولية عن الشعب الفلسطيني.

لا شك أن مسيرة الشعب الفلسطيني مع منظمة التحرير لم تكن كلها مكللة بالانتصارات والانجازات بل شهدت انتكاسات وأخطاء، كما أن واقع المنظمة اليوم مترد بسبب تهميشها وطنياً وترهل بنيتها المؤسساتية وعدم فعالية لجنتها التنفيذية، كما فشلت كل محاولات استنهاضها، ولكن هذا لا يبرر إسقاط الواقع الراهن للمنظمة على مبدأ وفكرة وشرعية تأسيس المنظمة، لأن الخلل كان وما زال في تحديات خارجية وفي الأدوات التنفيذية للمنظمة ومراهناتها وليس في مبدأ وشرعية ومبررات وجودها في مرحلة التأسيس.

منظمة التحرير ليست حزباً سياسياً وليست القيادة الراهنة وسياساتها بل هي تعبير عن الهوية والثقافة الوطنية وعنوان للشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني التحرري الذي يمثل النقيض للمشروع الصهيوني ويميز الشعب الفلسطيني عن غيره من الشعوب ويمنع تذويبه في المجتمعات الأخرى، وبالتالي لا داع لإسقاط الحالة النفسية والعقلية للبعض المستاء والغاضب والرافض لقيادة المنظمة وسياساتها على منظمة التحرير بشكل عام،  فالقيادة مجرد أداة تنفيذية يمكن تغييرها وتبديلها، كما أن السلطة أداة للمنظمة وللمشروع الوطني وليست بديلاً عنهما، وكان من الأولى على منتقدي المنظمة أن يناضلوا من أجل استنهاض المنظمة بدلاً من إطلاق رصاصة الرحمة عليها. . 

 مع التذكير بأن سبب معاداة إسرائيل وأمريكا لمنظمة التحرير الفلسطينية واتهامها بالإرهاب وتجفيف مصادر تمويلها لا يعود لأن منظمة التحرير تمارس الإرهاب أو أنها فاسدة كما تروج إسرائيل وأمريكا، ولا يمكن أن تكون كذلك وفي نفس الوقت يعترف بها أكثر من مائة دول في العالم، بل يعاديانها لأنها استنهضت الهوية والثقافة الوطنية للشعب الفلسطيني بعد أن كان مجرد جموع لاجئين ولأنها مؤسِسة المشروع الوطني التحرري ومنذ تأسيسها وهي تقارع الاحتلال بكل الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية،  وكانت ويجب أن تستمر عنواناً لكل الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات وتتمسك بحقه بالعودة وإقامة دولته المستقلة.

لو لم يكن وجود المنظمة وتمثيلها لكل الشعب انجازاً وطنياً ما حاربتها إسرائيل طوال هذه العقود، ولو انساقت منظمة التحرير مع السياسة والمخططات الأمريكية والإسرائيلية وقبِلت بما كان يُطرح عليها من تسويات ما تم محاصرة المنظمة ورئيسها أبو عمار في المقاطعة 2002 ثم اغتياله بالسم، ولو انساقت المنظمة مع صفقة القرن وخطة الضم لكانت القضية الفلسطينية في وضع أسوأ مما هي عليه الآن.

ودعونا نتساءل ونسأل المشككين بشرعية ومبررات قيام المنظمة واعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني، أولئك الذين ينطلقون من منطلق قومي أو إسلاموي، كيف كان الموقف الرسمي العربي تجاه فلسطين قبل 48 وما هو موقفها من الثورة الفلسطينية عام 1936-1939 وكيف خذلت الشعب الفلسطيني؟ وما جرى في حرب 1948 ؟ وماذا فعلت الأنظمة العربية لفلسطين بعد أن انتكب الفلسطينيون بهزيمة الجيوش العربية؟ وهل كان عند العرب استراتيجية قومية لتحرير فلسطين؟ ألم يقل الرئيس جمال عبد الناصر لوفد فلسطيني كان في زيارته عام 1962 (من يقول لكم أن عنده استراتيجية لتحرير فلسطين يضحك عليكم)، وهذا ما كتبه ووثقه المرحوم حيدر عبد الشافي.

ولو لم تكن منظمة التحرير موجودة واستمرت القضية بيد الأنظمة العربية التي انهزمت في نكسة 67 وكانت نتيجة هزيمتها ضياع بقية فلسطين بالإضافة إلى أراضي عربية أخرى ما زالت محتلة، فهل سيكون حال الفلسطينيون أفضل؟.

وعندما ترفع مصر أكبر دولة عربية وزعيمة العالم العربي بعد حرب 67 شعار استعادة الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وتساندها في ذلك جامعة الدول العربية وتدخل مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973 تحت هذا الشعار، فهل كان للشعب الفلسطيني أن يراهن على الأنظمة العربية لتحرير فلسطين؟

ونقول للذين يتباكون على فك تبعية القضية الفلسطينية للأنظمة العربية، أين هي هذه الأنظمة العربية التي يمكن المراهنة عليها لتحرير فلسطين؟ هل هي دول الخليج العربي؟ هل هي دول المغرب العربي؟ أم الدول التي انهزمت في حرب 1967 ؟ وهل فكر المنتقدون والمشككون والرافضون لمنظمة التحرير بما سيكون حال الشعب الفلسطيني لو استمر تابعاً وملحقاً بالأنظمة العربية التي نشاهد حالها بعد فوضى ما يسمى الربيع العربي ومع سياسة التطبيع ومع تواجد قواعد عسكرية أمريكية في غالبيتها؟

هذا لا يمنح قيادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية شهادة براءة أو حسن سلوك وطني لا تشوبها شائبة، فالأخطاء والتجاوزات كثيرة بل يمكن القول إنه قبل أن تعلن حركة حماس الحرب على منظمة التحرير وبتزامن مع الهجوم الأمريكي والإسرائيلي عليها فإن قيادة منظمة التحرير أساءت، بوعي أو بدون وعي، للمنظمة وهمشتها، في مراهنة فاشلة على أن تحل السلطة محل المنظمة في سياق عملية التسوية السياسية والانتقال من مرحلة التحرر الوطني لمرحلة الدولة.

المطلوب من كل الحريصين على منظمة التحرير وعلى المشروع الوطني التحرري، سواء ممن ينتمون للمنظمة من فصائل معارضِة لنهج القيادة كالجبهتين الشعبية والديمقراطية أو ممن هم خارجها كحركتي حماس والجهاد، أن يعملوا على استنهاض منظمة التحرير والتمسك بالمشروع الوطني التحرري بثقافته وهويته الوطنية وليس الهروب نحو مشاريع بديلة غير وطنية ومحاولة إطلاق رصاصة الرحمة على المنظمة لأنهم بذلك يصطفون إلى جانب إسرائيل وأمريكا.

وفي خضم الحديث عن الانتخابات كان من الأجدر أن يتم البدء بالمجلس الوطني الفلسطيني لإعادة بناء وتأسيس واستنهاض المنظمة لتشمل الجميع وبعدها يتم الولوج بالانتخابات التشريعية والرئاسية، ولا ندري كيف يتم التوافق على انتخابات للشراكة في السلطة ولا يتم التوافق على المشروع الوطني والبرنامج السياسي الوحدوي!؟.

 

إبراهيم ابراش

 

 

عمانوئيل خوشاباتشير الدلائل والأحداث بأن الدول العربية لم توفق في اِنتاج البيئة الملائمة لظهور وتطور منظومة المجتمع المدني مقايسة بالدول الأخرى، بحيث تبين اِن فلسفة تاريخ أركان الدول العربية تمثلت بالحكم الأنفرادي وحاضنة جيدة لتفريغ العديد من القادة السلطويين ، اللذين ساهموا بدورهم في  في بسط  نفوذ دور الدولة والنظام السياسي، دون النظر الى عملية توفير الحقوق والحريات الفردية، وعدم فسح المجال للمواطن كلاعب فعلي مساهم في الحياة السياسية وبناء الدولة. وتبين بأن  المفهوم العربي الى منظومة المجتمع المدني في ظل البيئة المعقدة التي يعمل فيها هو مفهوم بسيط يسوده طابع العمل الخيري من خلال تقديم المساعدات المادية والعينية الى جموع الفقراء، والتي تؤديه بعض المنظمات الخيرية في أبسط أشكالها ذات العلاقة بالمراكزالدينية، القبلية والنخبوية،على سبيل المثال الجمعيات الخيرية الثيوقراطية المذهبية، المؤسسات الخدمية، النقابات العمالية ، الطلبة، ومنظمات حقوق الإنسان الشكلية.

شهدت المنظمات الغير حكومية في الوطن العربي التطور النسبي في نشاطها خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، كنتيجة حتمية للفشل الذريع في آداء الحكومات العربية  في مواجهة المشاكل الأقتصادية، الأجتماعية، الثقافية وغيرها، وقد أزدهرت منظومة المجتمع المدني في المرحلة أعلاه في ضوء الحريات النسبية الممنوحة لها من قبل الحكومات، حيث أزداد نفوذها القانوني والمادي وخصصت العديد من الدراسات والبحوث في سبيل فهم طبيعة عمل منظومة المجتمع المدني، ودأبت المنظمات الغير حكومية في المشاركة جنباً الى جنب مع المؤسسات الحكومية في اِنجاز العديد من الفعاليات والنشاطات والتي أستطاعت من خلالها دعم ولو جزئياً مسيرة التنمية في البلاد العربية.

وراهن الكثيرعلى منظومة المجتمع العربية لتكون الطليعة الثورية الديمقراطية الجديدة في الشرق الأوسط، بعد الهزيمة الساحقة للأيدلوجية اليسارية في الوطن العربي، روجت الغالبية من الطبقة المثقفة العربية في تشجيع المواطنين الى المساهمة والعمل ضمن المؤسسات المدنية والأجتماعية الناشطة جماهيرياً، والمتحصنة بالمساعدات المادية، المعنوية والأعلامية من الداخل والخارج، والتي جاءت وليدة الأستراتيجية الشاملة لتعزيز التغيير الديمقراطي التدريجي في البلاد العربية، وكانت كل الآمال معقودة على مايسمى بثورات الربيع العربي في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ولكن جرت الرياح بما لاتشتهيه السفن، بحيث تلاشت التحولات الديمقراطية في العالم العربي، وانكمشت نشاطات منظومة المجتمع المدني بسبب أستخدام الحكومات العربية الوسائل الأستبدادية منها القمع السياسي، التلاعب بنتائج الأنتخابات، اندلاع الحروب الأهلية وتزايد وتيرة الرهاب والعنف، ومن ثم التدخل السافر والمباشر بآلية عمل وتنظيم المجتمع المدني ووضعها تحت المراقبة الأمنية الدائمة ، وسن العديد من القوانين التي تقيد عمل منظومة المجتمع المدني ، تخفيض وقطع مصادر تمويلها، وتوجيه أصبع الأتهام لها بأنها مرتبطة بالدول الأجنبية، ويمكن ملاحظة نمو بعض مؤسسات المجتمع المدني الداعمة الى القوى الأسلامية المتطرفة والتي وضعت تحت طائلة الأرهاب. ومن هنا أدت العوامل الأخيرة في اِحباط نشاط العديد من المنظمات الغير الحكومية والمنظمات الطوعية بالرغم من وجود بعض الأستثناءات والتي تتمثل بنشاط عدد من مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال التنمية البيئية والأجتماعية، بحيث لاتشكل خطراً على النظام السياسي العربي .

لذلك يمكن الجزم في عدم وجود أي مجتمع مدني مستقل الأرادة عن السلطة السياسية في البلاد العربية ومنها العراق، بحيث يكون قادراً على فرض اِرادته الحرة في تسيير أعماله ونشاطاته، ما لم تتوفر بعض العوامل والشروط  والتي يمكن من خلالها قيام منظومة مجتمع مدني كفوء وقوي في العراق:

1 – وجب على دولة العراق العمل الجاد في اِرساء مبادئ الديمقراطية القابلة للتطور ضمن محيط عمل عدد من الأحزاب السياسية المستقلة في نهجها وفكرها والغير مرهونة بالفكر الطائفي والمذهبي المقيت، وتؤمن بعملية تداول السلطة، لذلك تبين بأن معيار نجاح أي من المنظمات الغير حكومية ما هو اِلا اِنعكاس الى مساحة الحريات المتوفرة ضمن بيئة العمل، وطبيعة النظام السياسي القائم.

2 – وجب على النظام السياسي تبني مبدأ الشفافية، والقيام بأصلاحات جذرية من خلال تعديل الدستور وتطهيره من الشوائب الطائفية والمذهبية، العمل على الفصل الحقيقي مابين السلطات الثلاث، تعزيز مشاركة المرأة في اِتخاذ القرار ومن ثم اِزالة كافة ملامح التمييز ضدها، قيام بأصلاح حقيقي للسلطة القضائية ومن ثم الأمتثال الى جميع الأتفاقات والقوانين الصادرة من المؤسسات الدولية والخاصة بالمجتمع المدني وحقوق الأنسان، والغاء جميع القوانين التي تقيد من خلالها نشاط المنظمات الغير الحكومية في البلد.

3 – يسهل النظام الديمقراطي في ولادة الطاقات الشبابية والناشطة ضمن اِطار منظومة المجتمع المدني، والتخلص من ظاهرة النخبوية والوراثية المتجذرة في النظام السياسي العربي والتي ألقت بدورها على مجالس أدارة المنظمات الغير حكومية، ومن هنا اِذا أردنا التغيير الحقيقي البناء والذي يخدم المصلحة العامة، بأن تقوم الدولة في ترسيخ مبدأ المواطنة، لكي تستطيع جميع شرائح المجتمع العراقي في المشاركة الفعالة لبناء الوطن.

3 –  يجب ان يتمع المجتمع المدني بالأستقلالية التامة وله الدور الأساسي في صياغة القرارات ضمن محيط الدولة، كذلك رفع التداخل الحاصل مابين القيادات السلطوية و المنظمات الغير حكومية، في نفس الوقت يمكن للأثنين العمل سوية تحت سقف الوطن الواحد والتخلص من ثقافة اِلغاء الآخر.

4 –  تتميز آلية عمل منظومة المجتمع المدني بالعمل الطوعي وأن تلتزم بمبادئ الشفافية وسيادة القانون في مسيرتها العملية، ويتم تقديم مجمل الخدمات بأستخدام أساليب الأدارة الحديثة، وتكون المنظومة مسؤولة أمام أعضائها و جمهورها، والعمل من اجل الحصول على الدعم المعنوي والمادي لأنجاز مجمل المشاريع والتي تخدم المصلحة العامة، دون السعي لتحقيق الأرباح الشخصية الطائلة، ويمكن تقاسم بعض الأرباح مابين أعضائها.

5 – توثيق العلاقات العامة مع المنظمات الغير حكومية الدولية والأستفادة من خبراتها وبرامجها والحصول على التمويل المادي لتنفيذ مشاريعها، اِقامة الدورات التدريبية بكافة ملامحها ونخص منها التثقيفية لرفع وتعزيز مستوى ومهارة العاملين في المنظومة نفسها، يجب تبني الخطاب المناسب لتنمية العلاقات مابين مؤسسات المجتمع المدني والمواطنين، والذي تستند ركائزه على بلورة مفهوم المواطنة و اِيجاد الأطر التي تستند على ألية العمل المؤسساتية الجماهيرية والبعيدة عن الأطر العشائرية والطائفية.

6 – العمل الجدي على دعم حرية الصحافة والأعلام وذلك من خلال ألغاء كافة القوانين المجحفة بحق المؤسسات الأعلامية، وتأمين مستلزمات الأمن الضرورية حفاظاً على أرواح الكوادر الأعلامية، عدم التدخل في عمل وشؤون المؤسسة الأعلامية من خلال حفظ أستقلاليتها، ومن ثم تقديم الدعم المادي والمعنوي لها.

 

عمانوئيل خوشابا

11 كانون الثاني 2021