محمد سعد عبداللطيفمع إقتراب وصول الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الي البيت الأبيض ،لتولي شؤون الحكم في الولايات المتحدة، يتزايد الحديث في المنطقة العربية عن التغييرات، التي قد تطرأ على السياسة الأمريكية، تجاه المنطقة وقضاياها، في عهد الرئيس بايدن إذ تبرز منطقة الشرق الأوسط، كواحدة من أكثر مناطق النفوذ الأمريكي إثارة للجدل، بملفاتها المعقدة والساخنة، وأزماتها التي ربما زادت تعقيدا، في ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى تحولت إلى استقطاب إقليمي حاد، وحروب مشتعلة في أكثر من بلد عربي. عقب ثورات الربيع العربي .ورحيل حكام عرب من مسرح الاحداث . وهل يعتبر

فوز (جو بايدن) واقعا جديدا في الشرق الأوسط وخاصتا على القادة العرب في الخليج؟ وهل وصول بايدن. الي البيت الأبيض سيؤثر على سياسات واشنطن الخارجية تجاه المنطقة العربية؟  وقد يترتب على فوز بايدن آثار واسعة المدى على السعودية ودول الخليج وإيران وهل ستكون إيران الفائز الأكبر في المنطقة في فترة حكم بايدن رئيسا للولايات المتحدة؟ وهل تركيا ستلعب دور اكبر في المنطقة في الترتيبات الأمنية وتصعد أقتصاديا مع علاقات جديدة بعد حالة من البرود في عهد ترامب . وهل هي تكهنات فقط للتغيير عدد من الأمور التي من المتوقع أن تتغير. بشأن الوضع في إيران والحرب السورية واليمن. وعلاقة امريكا بقضايا شائكة في المنطقة من سباق التسلح وملف حقوق الانسان وظهور تحالفات جديدة روسيا والصين وكوريا ودول اقليمية جديدة باكستان والهند . أو أن الواقع الجديد من وباء (كوفيد ~19) الذي سيولد من رحمة نظام عالمي جديد .وتطوير منظومة الصواريخ الروسية أمام هزيمة القبضة الحديدة من صواريخ باترويت في الشرق الاوسط .هل  الواقع يقول لن يصيب التغيير في العديد من الأمور، في الشرق الأوسط وأن الدعاية الانتخابية لحملة جو بايدن هي إرهاصات لاتمثل الواقع . حيث أعلنت حملة جو بايدن وقت ترشحه، أنه سيتوقف عن دعم الولايات المتحدة لحرب السعودية في اليمن، إذا انتُخب رئيساً. وأوضح في بيان سنعيد تقييم علاقتنا بالسعودية، وننهي الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن، ونتأكد من أن الولايات المتحدة لا تتنكر لقيمها من أجل بيع الأسلحة أو شراء النفط أو دعمنا لملف حقوق الانسان والمعارضة في الخارج .

لكننا هنا نسلط الضوء على عدد من الأمور التي من المتوقع أن تتغير.

علي الرغم من تغيير واقع جديد لعب فية ترامب ونتنياهو بعد إعلان دول خليجية .التطبيع مع إسرائيل.وحالة من الفوضي والحروب الآهلية وحالة الإنقسمات داخل مجلس التعاون الخليجي بشأن قطر التي تواجه مقاطعةً تستهدف الإضرار بمصالحها من جانب أربع دول عربية هي السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر - والغاضبة جميعها من الدعم السياسي الذي تقدمه الدوحة لحركات الإسلام السياسي حيث تستضيف قطر أكبر قواعد البنتاجون وأهمها استراتيجيًا في منطقة الشرق الأوسط - هي قاعدة العُديد الجوية.ومن هذه القاعدة تدير الولايات المتحدة كل عملياتها في القيادة المركزية بالمنطقة، من شرق المتوسط إلى الحدود الروسية لذلك الادارة الجديدة حريصة علي تقارب وجهات الخلاف مع دول المقاطعه مع قطر لمصالحها في المنطقة ومن المتوقع أن تدفع إدارة الرئيس المنتخب بايدن صوب رأب الصدع الخليجي الذي لا يصبّ استمراره في مصلحة الولايات المتحدة ولا دول الخليج العربية. بشأن الخلاف مع قطر وأن هناك تقارب إيراني قطري تركي .

ومن . الغريب قبل تولي بايدن مقاليد الحكم سارعت دول خليجية بالتقارب .مع قطر والتطبيع مع إسرائيل قبل وصولة للبيت الأبيض. فقد كانت تصريحات بايدن الأولي عن الحرب في اليمن حيث صرح بايدن عن تراجع الموقف الآمريكي والأن تشير التوقعات إلى تراجُع الموقف الأمريكي مجددا، لا سيما بعد أن أخبر بايدن أنه عازم على وضع نهاية للدعم الأمريكي المقدم للحرب الكارثية التي تقودها السعودية في اليمن، والتوجيه بإعادة تقييم العلاقات. الخارجية الأمريكية السعودية ومن المتوقع أن تتزايد الضغوط من جانب إدارة بايدن القادمة على السعوديين وحلفائهم اليمنيين لتسوية الصراع المحتدم.منذ سنوات ..والتخوف السعودي والإماراتي من سياسات جو بايدن الذي عمل فترتين .مع أوباما نائبا له لثماني سنوات ان يتسم نفس الموقف الأن بعدم الأرتياح المتزايد إزاء مسلك السعودية في حربها على الحوثيين في اليمن.. وكانت السعودية تقود ائتلافا من دول عربية يدعم القوات الموالية للحكومة اليمنية وكان هناك عدم ارتياح من ادارة أوباما ونائبة بايدن .من الحرب الجوية التي أكملت عامها الثاني من تحقيق تقدم عسكري علي الارض

لكنها في المقابل كانت قد ألحقت دمارا هائلا طال المدنيين والبنية التحتية في اليمن.مما استند الرئيس أوباما إلى افتقار حرب اليمن لتأييد الكونجرس، فقلّص المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية للسعودية في تلك الحرب.ومع إنتهاء فترة أوباما .وفوز إدارة ترامب انقلبت على قرار سالفتها وأطلقت يد السعوديين في اليمن. فأصبح .ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد حليفان مقربان لـترامب .ويعتبر فوز بايدن خسارة كبيرة للنظم السلطوية .وقد ظهر حين أُعلن فوز جو بايدن فائزا، استغرقت القيادة السعودية وقتا أطول للتهنئة مقارنة بالوقت الذي استغرقته القيادة ذاتها قبل أربعة أعوام لتهنئة ترامب إعلان فوزه بالانتخابات.فورا وتقديم التهاني .وقد تترتب على فوز بايدن آثار واسعة المدى على السعودية ودول الخليج

.وكان الرئيس ترامب حليفا وداعما قويا للأسرة الحاكمة في السعودية. ووقع اختياره على الرياض لتكون أولى محطات جولاته الخارجية بعد تولّي الحكم في يناير/ 2017

وليس في الأمر ما يثير الدهشة؛ لقد فقد السعوديون صديقًا وخاصتا الأمير محمد بن سلمان في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وعندما اشتبهت أجهزة استخبارات غربية كبرى في ضلوع ولي العهد في مقتل الصحفي خاشقجي عام 2018، وأتهام تركيا وقف الرئيس ترامب موقف الرافض من توجيه اللوم بشكل مباشر لابن سلمان.فكان فريق عمل .الامير يتحدث للسعوديين لا داعي للقلق الوضع تحت السيطرة

كما تصدى ترامب لأصوات عنيدة داخل الكونجرس بفتح ملفات حقوق الانسان والإعتقالات وكانت تنادي بالحدّ من مبيعات الأسلحة للسعودية.

كان الرئيس ترامب حليفا وداعما قويا للأسرة الحاكمة في السعودية. ووقع اختياره على الرياض لتكون أولى محطات جولاته الخارجية بعد تولّي السلطة في 2017.وشكل ترامب فريق له من جاريد كوشنر، صِهر ترامب، وولي عهد السعودية والامارات علاقة قوية .وبناء علي ذلك ، فإن السعودية، وبدرجة أقل منها الإمارات، والبحرين بصدد خسارة حليف رئيسي في البيت الأبيض.. ومع صعود بايدن للحكم . هل سوف تخسر إسرائيل هي الاخري خسارة ترامب في الانتخابات .وبجانب توقعات شكل السياسة الخارجية الأمريكية، في المرحلة القادمة تجاه السعودية وإيران، تبرز عدة ملفات أخرى، تتعلق بالموقف المرتقب من إدارة بايدن، تجاه التحالف القوي الذي أقامه ترامب، مع عدة أنظمة في المنطقة منها النظام السعودي والإماراتي والمصري، وما يقوله مراقبون من تشجيع ترامب لهذا التحالف على التدخل في شؤون دول أخرى، وتغييب ملف الديمقراطية في بلدان المنطقة، وكذلك الملف الفلسطيني والسوري.

رغم أنه وباعتراف العديد من المسؤولين الإسرائيليين، فإن ترامب فعل لإسرائيل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي سبقه، إلا أن معظم هؤلاء المسؤولين أيضا، يؤكدون على أن بايدن هو صديق وحليف قوي لإسرائيل، وأن الأمور لن تتغير كثيرا في عهده، وهو ما يعتقده الفلسطينيون أيضا الذين يقولون أنهم لا يتوقعون الكثير من بايدن، لكنهم يرون أن الأمور في عهده، لن تصل إلى ما كانت عليه من سوء خلال عهد دونالد ترامب، فيما يتعلق بالتعامل مع قضيتهم، غير أن المواقف السابقة لبايدن تجاه القضية الفلسطينية، تشير إلى أنه سيبقى ملتزمًا بحل الدولتين، على أساس دولتين متجاورتين قابلتين للحياة. ولا يمكن الحديث عن توقعات السياسة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، دون الحديث عن التوقعات تجاه ملف إيران. منذ الثورة الإيرانية عام 1979والصراع مع إيران منذ أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الامريكية في طهران فبعد سنوات من سياسة الاحتواء، التي اتبعتها واشنطن في ظل حكم الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش الإبن، والتي استهدفت فرض عقوبات تعجيزية على الاقتصاد الإيراني، أقدم الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما، على خطوة مثيرة، بتوقيعه اتفاقا (لوزان 1+5) نوويا مع طهران عام 2015، ألغى نظام العقوبات المفروضة عليها، مقابل فرض قيود مؤقته على المنشآت التابعة للبرنامج النووي التسليحي الإيراني.

والوضع في سوريا وعلاقة تركيا مع الولايات المتحدة .فترة ترامب من فطور والتهديد بعقوبات إقتصادية بعد صفقة الصواريخ الروسية /إس .400. ومواقف تركيا المناهض للملف السوري من تدخلات في شمال سوريا والملف النووي الإيراني الاخطر

ويعود تاريخ الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمنطقة إلى عام 1945م علي الرغم من ذلك يتوقع المراقبين لها بالبقاء رغم تحديات تلوح في الأفق لا ترتاح لها العواصم الخليجية.مع الإدارة الجديدة بشأن ملف حقوق الإنسان أو التقارب الإيراني .مع الحزب الديمقراطي .كما حدث مع إدارة اوباما ونائبة جو بايدن الذي اصبح

أحد منجزات الرئيس أوباما الكبرى في الشرق الأوسط تتمثّل في إبرام اتفاق إيران النووي الصعب، المسمى باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وبموجب هذا الاتفاق رُفعت العقوبات عن كاهل إيران مقابل التزام شديدٍ بقيودٍ على أنشطتها النووية والسماح للتفتيش على تلك المنشآت.والآن يساور السعوديون وحلفاؤهم القلق مجددا من أن تتجه الإدارة الأمريكية الجديدة إلى إبرام اتفاق مع طهران قد يأتي على حساب مصالحهم. بعدتصعيد مواجهات عسكرية حيث

اتهمت الرياض طهران بشن هجمات باستخدام طائرات مسيرة وقذائف كروز على اثنتين من منشآتها النفطية الكبرى عام 2019 - وهي اتهامات تنفيها طهران بشأن ضرب حوالي 15%من انتاج شركة أرامكو وفي خلال الشهر الماضي قصف بصواريخ كروز من كهوف صعدا بواخر في البحر الاحمر امام مواني جدة السعودي . رغم وجود صواريخ وحائط باترويت هزمت منظومة القبة الحديدية . لحماية أبار النفط وهناك فريق يقول ؛ ان بايدن سوف يتعامل مع التحالف الذي ارساه ترامب مع أنظمة دول عربية في المنطقة وفريق أخر يقول: بأن بايدن سينتهج نفس سياسة أوباما الداعمة لحركات التغيير في العالم.

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

كاظم حبيبمن المسؤول عن التهجير الشامل والقسري ليهود العراق

في هذه الحلقة سأتطرق إلى عدد من النقاط التي وردت في المقال لعلاء اللامي الذي نشر في عدد من المجلات والصحف والمواقع العراقية والعربية التي حاول فيها الإساءة لي ولكتاباتي حول يهود العراق والانقلاب العسكري وغيرها في عام 1941 في العراق.

استطاعت المنظمة الصهيونية الدولية أن تحقق في عام 1947 ذلك الوعد الذي أعطته الدولة البريطانية الاستعمارية في عام 1917 بإقامة الدولة العبرية على الأرض الفلسطينية والذي أطلق عليه بـ "وعد بلفور 1917"، في وقت لم تكن الحرب قد انتهت ولم تكن أسلاب الدولة العثمانية، مستعمراتها في منطقة الشرق الأوسط، قد أصبحت جزءاً من مستعمرات بريطانيا وفرنسا في منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها دولاً منتصرة في الحرب على وفق اتفاقية سايكس-بيكو السرية التي وقعت في عام 1916 بين وزيري خارجية بريطانية وفرنسيا لتوزيع أسلاب الدولة العثمانية بعد الانتصار عليها. ففي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1947 صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 بتقسيم فلسطين وإقامة دولتين عربية ويهودية عليها.  ومنذ بدء النقاش حول هذه القضية في مجلس الأمن الدولي، بدأ نشاط القوى القومية العربية وقوى الإسلام السياسي (جماعة الإخوان المسلمين) في كل الدول العربية حملة شديدة ضد يهود بلدانها معتبرين أن يهود العالم كافة قوميون يمينيون مترفون، أي صهاينة، ومنهم يهود الدول العربية، وبالتالي فهم مسؤولون عن هذه النتيجة، لاسيما وأن الدول العربية قد رفضت قرار التقسيم وبدأت تستعد للحرب ضد اليهود في فلسطين التي وقعت فعلاً في عام 1948، وكانت مهزلة المهازل. إذ التاريخ، لمن لم يعش تلك الفترة سجل عواقب تلك الحرب والملابسات والمناورات والمؤامرات التي تخللتها ودور العديد من ملوك الدول العربية في حينها في تلك العواقب الوخيمة لحرب غير متكافئة تنتهي لصالح إسرائيل، للخيانات التي حصلت فيها، بما فيها الأسلحة الفاسدة في مصر أو عدم السماح بتحرك القوات العراقية، إضافة إلى مواقف الملك عبد الله ملك الأردن والجنرال غلوب منها والجامعة العربية.

وفي العراق اشتدت حملات الكراهية والعداء ضد اليهود. وحمل حزب الاستقلال، وهو حزب قومي يميني عربي تأسس عام 1946 برئاسة الثلاثي المعروف محمد مهدي كبة وفائق السامرائي ومحمد صديق شنشل، الأعضاء السابقين في نادي المثنى، وجماعة الإخوان المسلمين برئاسة محمد محمود الصواف، حملة العداء الشرس ضد يهود العراق وضد من يدافع عنهم، حتى أنهم بدأوا بمهاجمة الشيوعيين وأطلقوا عليهم جزافاً وإساءة متعمدة "أخوان اليهود وأعداء الإسلام". ورغم نضال الحزب الشيوعي الصعب لإبعاد اليهود عن الاصطفاف إلى جانب الحركة الصهيونية من جهة، والدفاع عنهم كمواطنين عراقيين يمنحهم الدستور العراقي لعام 1925 الحماية وحقوق المواطنة الكاملة من جهة أخرى، فأن جهتين استطاعتا تأزيم وضع اليهود في العراق ورفع مستوى خشيتهم بما يمكن أن يتعرضوا له من عواقب القتل والتشريد والنهب والسلب كما حصل في فاجعة الفرهود التي عادت مجدداً حية طرية إلى ذاكرتهم، وهما: قوى المنظمة الصهيونية العالمية العاملة في العراق المرتبطة بالقوى الصهيونية في فلسطين وبإسرائيل مباشرة بعد تأسيسها، والقوى القومية العربية وقوى الإسلامية السياسية العراقية من جهة أخرى. لقد أصبح اليهودي عاجزين عن العمل في دوائر الدولة، أو حتى في القطاع الخاص، كما تفاقمت صعوبة الحصول على مقعد دراسي في الكليات العراقية، ولم تعد الحكومة تعاقب من ينشر الكراهية ضد اليهود في الصحف والمجلات والكتب والدعاية اليومية ضدهم، كما لم تعد تلاحق المخربين العرب الذين كان يتجاوزون يومياً على اليهود...إلخ، مما دفع بمجموعات من العائلات اليهودية أو الأفراد التحري عن فرصة للنزوح إلى خارج العراق عبر إيران على نحو خاص أو الحصول على جوازات سفر رسمية. وفي الوقت الذي فسحت الدولة في المجال للقوى العربية المعادية لليهود في العراق بالحركة الدائبة ومواصلة عدائها واعتداءاتها ضد اليهود، لم توقف عمل القوى المناهضة للصهيونية والمتمثلة بعصبة مكافحة الصهيونية رسمياً فحسب، بل واعتقلت وقدمت للمحاكمة قادة عصبة مكالحة الصهيونية من اليهود العراقيين،  وكانوا أعضاء أو أصدقاء للحزب الشيوعي العراقي. وكانت المحاكمة التي جرت لهم مخزية ومضحكة في آن واحد، إذ ادعى حاكم جزاء الكرخ في حينها بأن مكافحة الصهيونية تعني دعم الصهيونية، وقد جاء في قرار الحكم ما يلي:

"أن تعبير مكافحة الصهيونية ليس معناه ضد الصهيونية، لأنه كلمة كافح مكافحة وكفاحا، فكلمة مكافحة الصهيونية معناه كفاح الصهيونية، ولو أريد أن هذه العصبة تكافح ضد الصهيونية لقيل (عصبة المكافحة ضد الصهيونية) غير إن هذا العنوان مما يدل دلالة واضحة أن العصبة (هي عصبة مكافحة الصهيونية) بطريقة إحداث شعور الكراهية بين سكان العراق، وإحداث الشغب بين الناس وإحداث القلاقل الداخلية، لكي تشغل الحكومة فيها وتؤثر على ما تقوم به الحكومة نحو عرب فلسطين، فتكون عصبة مكافحة الصهيونية قد قامت بقسط من كفاحها عن الصهيونية، وذلك عن طريق التمويه وخداع السذج والبسطاء من الناس والمسلمين بأنهم يعملون ضد الصهيونية، حيث أن المحكمة لم تجد شيئاً من هذا المنشور، مما يقال أنه ضد الصهيونية بل جل ما جاء فيه أن عصبتهم قاطعت لجنة التحقيق الانكلو – أميركية وطلبت عرض قضية فلسطين على مجلس الأمن.". 

أما نوري السعيد، رئيس الوزراء المخضرم في العراق الملكي، فقد كانت له مواقف متباينة إزاء الصهيونية وعصبة مكافحة الصهيونية. فقد جاء في كتاب الدكتور عبد اللطيف الراوي ما يلي:

" أما نوري السعيد، الشخصية السياسية المخضرمة ورئيس النخبة الحاكمة في عراق العهد الملكي، فقد صرح بأن الصهيونية "حركة روحانية ليس لها أي مساس أو نصيب من السياسة" . وفيما بعد اتخذ نوري السعيد موقفاً آخر من الناحية الشكلية، حينما أعلن بتصريح له لعصبة مكافحة الصهيونية بقوله: "إني أرى من واجبكم أن تتصلوا بالجمعيات المماثلة لأهدافكم في أمريكا وبريطانيا وبباقي اليهود في العالم لتوحيد الجهود ولكشف النقاب عن أضرار الصهيونية التي تزعم أنها تمثل اليهود في العالم، إن الحركة الصهيونية حركة سياسية وأن كانت تستغل الدين ولذلك فأن مقاومة الصهيونية لا يعني بأي حال من الأحوال أنه عداء للدين، لأن السياسة شيء والدين شيء آخر…"، مع إنه في الواقع العملي تصرف على وجه آخر. وبعد هذا الموقف اتخذ نوري السعيد موقفاً معادياً للعصبة لبروز تأثيرها الإيجابي على يهود العراق وشجبهم للصهيونية في الاجتماعات الواسعة التي كانت تنظمها العصبة في بغداد على نحو خاص.   حتى أن العصبة وجهت رسالة استنجاد إلى جوزيف ستالين لكي يرفض الاتحاد السوفييتي القبول بتقسيم فلسطين وإقامة الدولة اليهودية على الأرض الفلسطينية. 

من المسؤول عن قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق وتهجيرهم الشامل تقريباً

في الثالث من آذار/مارت 1950 تجلى موقف الحكومة العراقية بوضوح كبير حين أصدر مجلسا النواب والأعيان قانون إسقاط الجنسية العراقية عن المواطنات والمواطنين اليهود في ثلاث حالات، وهي:  

قانون رقم (1) لسنة 1950

قانون ذيل مرسوم إسقاط الجنسية رقم (62) لسنة 1933

بموافقة مجلس الأعيان والنواب أمرنا بوضع القانون الآتي:  

المادة الأولى:

لمجلس الوزراء أن يقرر إسقاط الجنسية العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيار منه ترك العراق نهائياً بعد توقيعه على استمارة خاصة أمام الموظف الذي يعينه وزير الداخلية.

المادة الثانية:

اليهودي العراقي الذي يغادر العراق أو يحاول أن مغادرته بصورة غير مشروعة تسقط عنه الجنسية العراقية بقرار من مجلس الوزراء.

المادة الثالثة:

اليهودي العراقي الذي سبق أن غادر العراق بصورة غير مشروعة يعتبر كأنه ترك العراق نهائياً إذا لم يعد إليه خلال مهلة شهرين من نفذ القانون وتسقط عنه الجنسية العراقية من تاريخ نهاء هذه المهلة."

 ورغم الاعتراضات التي وجهت إلى هذا القانون الذي قدمته حكومة توفيق السويدي من جانب الكثير من النواب، ومنهم مزاحم الباچچي، فأن وزارة الداخلية التي كان على رأسها صالح جبر أصرت على إصدار هذا القانون، وصدر فعلاً بموافقة مجلسي النواب والأعيان.    

وتشير المعطيات التي تحت تصرفي والتي وردت في كتابي عن يهود العراق والتي تؤكدها كل سياسات ومواقف أربع جهات محلية وإقليمية ودولية رسمية كانت وراء صدور هذا القانون، إضافة إلى مواقف قوى وأحزاب سياسية، وهي:

** الحكومة البريطانية وسفارتها في العراق التي كانت تمارس دور الضاغط والفاعل على الحكومة العراقية؛

** الحكومة العراقية التي كانت سياستها الفعلية ممالأة للحركة الصهيونية العالمية رغم التصريحات الرنانة ضد الصهيونية، كما لعب الفساد المالي الذي تميز بها توفيق السويدي ومن معه دوراً بارزاً في هذا الصدد.

** الحكومة الإسرائيلية وجهازها الأمني الموساد والمنظمات الصهيونية التي شاركت بقوة في هذا الصدد، لاسيما في الدعاية بين مواطني ومواطنات العراق من اليهود.

** الحكومة الأمريكية التي ساهمت بدورها في الضغط على الحكومة العراقية وتوفير مستلزمات نقل الراغبين أو المهجرين قسراً بسبب الظروف الجديدة التي نشأت لليهود في العراق.

ولا شلك في وجود تنسيق واضح بين بعض الحكومات العربية الأعضاء في الجامعة العربية التي لم تكن مخلصة لقضية الشعب الفلسطيني وكانت تعمل بتوجيهات فعلية من الدول الاستعمارية في الموقف إزاء القضية الفلسطينية. لقد كانت مؤامرة مدروسة ومنظمة بإحكام لتحقيق هدف ترحيل اليهود من العراق. كما يمكن القول بأن الأحزاب القومية وجماعة الإخوان المسلمين لعبت دوراً واعياً وهادفاً، سواء في الدعاية والاعتداء أم في تأييد قانون إسقاط الجنسية في العراق، الذي قدم مساعدة كبيرة لإسرائيل في الحصول على أكثر من 120 ألف يهودي ويهودية، نسبة مهمة منهم من المثقفين والفنيين والمتعلمين، نزحوا من العراق وحده إلى إسرائيل خلال فترة قصيرة بين 1950-1952. كما جاء في كتابي المذكور ما يلي: "إن النشاط المشترك لثلاثة أطراف هي الحركة الصهيونية العالمية والحكومة البريطانية وبالتنسيق مع الحكومة العراقية والبلاط الملكي وبتأييد واسع من الولايات المتحدة الأمريكية" قد أديا إلى حصول تلك الهجرة وذلك النزوح الشامل تقريباً إلى إسرائيل خلال فترة وجيزة. 

ما دور النظام البعثي في هجرة ما تبقى من يهود العراق إلى إسرائيل

يبدو إن علاء اللامي مولع جداً باتهام الكرد والأحزاب الكردية في المساعدة في تهجير من تبقى من يهود العراق إلى إسرائيل، وهو منطلق قومي، ينسى فيه كلية الدور الأساسي والرئيسي لحزب وحكم البعث، وكذلك القوى القومية اليمينية المتطرفة ابتداءً من عام 1963 وما بعده في نهجهما الأيديولوجي العنصري وسياسات التمييز المناهضة لليهود، وعلى رأس هذه القوى عبد السلام محمد عارف، وليس كل القوى القومية العربية تتميز بالعنصرية والشوفينية، في حكمهم المشترك الأول عام 1963، ومن ثم في حكم القوميين بين 1963 -1968، وبعد ذلك حكم البعثيين ابتداءً من عام 1968. ونسى اللامي الملاحقات والاعتقالات والسجن وذبح عائلة بكامل أفرادها في بيتها، عدا بنتاً واحدة كانت خارج البيت حين نفذت المجزرة بالعائلة، لبث الرعب في نفوس اليهود، ثم إصدار أحكام الإعدام التي نظمها حكم البعثي في عام 1969 بتهمة التجسس لإسرائيل ليهود وعرض الجثث في ساحة التحرير، ومن ثم إعدام مجموعة أخرى فيما بعد بينهم بعض المسلمين العرب والكرد ونشوء هستيريا معادية لمن تبقى من يهود العراق اججها نظام البعث، وهي مجموعة صغيرة جداً، مما دفع بهم بالتحري عن واسطة للهروب من العراق. 

لا أثق بالمعلومات التي تنشرها إسرائيل أو جهاز الموساد، فهم غالباً ما يمنحونه قدرات خارقة ونشر الأساطير عن أفعال هذا الجهاز في الخارج. ولكن ليس كل ما ينشرونه من هذا النوع كاذب، فبعضه يتضمن حقائق، منها ما أشير إليه من أفعال المنظمات الصهيونية الموجهة من الموساد في العراق.

حسب المعلومات المنشورة يبدو أن أول صلة بين إسرائيل والكرد بدأت في عام 1964 من خلال الشخصية الكردية السورية الدكتور عصمت شريف (1924-2011م)، الذي كان يعيش في لوزان في سويسرا. وفي حينها يشار إلى أنه قد طرح المسألة على الملا مصطفى البارزاني الذي وافق على تلك العلاقات. ووفق المعلومات المتوفرة يشار إلى أن جهاز الباراستن قد أخذ جزءاً من هذه المهمة، أي المساعدة في تهريب بعض اليهود الراغبين في الهروب من العراق، على وفق تصريح عزيز عقراوي لأحد الأصدقاء الكرد في الثمانينات من القرن العشرين وكانا معاً في الرضائية في إيران، وأن الشخص المكلف بتلك المهمة كان نوري طه، العضو السابق في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني وعضو في الباراستن. وبغض النظر عن مدى صواب أو خطأ هذه المعلومات فأن مشكلة تهريب اليهود من العراق قد شارك فيها نظام وجهاز الأمن البعثي نفسه من خلال وسيلتين: الإرهاب المشدد الذي توجه ضد اليهود بحيث دفع بهم إلى التحري عن أي وسيلة للخلاص من عواقب الاعتقال والتعذيب والابتزاز والسجن من جهة، والثاني وجود مهربين دوماً سواء، أكانوا في الحزب الكردي أم خارجه, وسواء أكانوا عرباً أم كرداً، فهناك من كان ينقل هؤلاء اليهود إلى إيران ومنها إلى إسرائيل، إذ كانت العلاقات بين إيران الشاه وإسرائيل واسعة حينذاك، لقاء المال أيضاً، وربما لقاء أسلحة في مواجهة الحرب التي شنها نظام الحكم القومي بقيادة عبد السلام عارف عام 1964/1065 ضد الكرد أو غير ذلك. ولا بد لي أن أشير إلى أن إنقاذ أي مواطن، سواء أكان يهودي الدين أم مسيحي أم مسلم، بتهريبه من العراق بسبب مخاطر الوقوع بأي النظام البعثي الفاشي مسألة صحيحة. وأعرف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قد ساهم في حماية أرواح كثير من الديمقراطيين والشيوعيين في فترات مختلفة من حكم القوى البعثية والقومية الشوفينية في العراق. وهم مشكورون على ذلك. 

ومع إن معلوماتي عن هذا الموضوع شحيحة، ولهذا لا استبعد صواب ما نقلته الكتب الصادرة في إسرائيل عن مشاركة الكرد في تسهيل مهمة نقل اليهود إلى خارج العراق، رغم أخذي الموضوع بحذر أيضاً. لو كانت لدي هذه المعلومات في حينها لما استبعدتها باي حال. كما أن الكرد لا ينفون علاقاتهم مع إسرائيل غبير الرسمية، رغم أني أرفضها، وأرفض علاقات الدول العربية الرسمية وغير الرسمية بإسرائيل ما دامت تحتل الأراضي العربية في الضفة الغربية وتمنع إقامة الدولة الوطنية الفلسطينية على أرض فلسطين وتصادر بقرار غير شرعي القدس وتقيم المستوطنات غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية وتحتل الجولان ومزارع شبعا. إلا أني لا أرفض وجود دولة إسرائيل التي اعترفت بها منظمة التحرير الفلسطينية وغير مستعد للمتاجرة والمزايدة على منظمة التحرير الفلسطينية كما يفعل علاء اللامي وغيره. إن المتاجرة والمزايدة على منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني وعلى قضيته المركزية العادلة والمشروعة وطرح سياسات وشعارات ومواقف لا تنسجم مع ما يسعى إليه الشعب الفلسطيني، كما تفعل القوى القومية العربية المتطرفة وجماعة الإخوان المسلمين وحكام إيران بشكل خاص، ودورها في شق وحدة الصف الوطني الفلسطيني من جهة، والممارسات العدوانية والتوسعية والاستعمارية لإسرائيل على أراضي الضفة الغربية والقدس العربية وأراضي الدول العربي (شبعا/ لبنان والجولان/سوريا) من جهة ثانية، ومواقف الدول الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة وضعف الجامعة العربية ومساوماتها المؤذية والمذلة من جهة ثالثة، كلها أوصلت الشعب الفلسطيني الى الوضع المأساوي الراهن.   

وأخيراً لو كان علاء اللامي قد كتب مقاله الأول بحسن نية دون أن يوجه اتهاماً صارخاً ومباشراً لي، بتملقي للكيان الصهيوني والإعلاميين والسياسيين اليهود، ولو كان قد طرح أسئلة بهدوء وموضوعية، لما أجبرني على التصدي له بالطريقة التي مارسها إزائي، لأن الحوار الإنساني له شروط ومواصفات، وفي مقاله لم يظهر ذلك على الإطلاق، ولهذا رفضت بقوة تلك الادعاءات والاتهامات التي تريد الإساءة المباشرة ودون وجه حق وفيها كثير من الأحكام المسبقة.

هذه هي الحلقة الأخيرة في الرد على ادعاءات واتهامات علاء اللامي، وأملي أن يحتكم للعقل والمنطق ويعيد النظر بما كتبه ولأي سبب كان.

 

 د. كاظم حبيب

.......................

الهوامش والمصادر

  وعد بلفور 1917، إنه الإعلان الموقع من جيمس أرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا، الذي أعطى بموجبه للمنظمة الصهيونية العالمية فأثناء الحرب العالمية الأولى بإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، علماً بأن فلسطين لم تكن خاضعة للاستعمار البريطاني، بل كانت تحت الهيمنة الاستعمارية العثمانية.

2  أنظر: نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 في تشرين الثاني/نوفمبر 1947، موقع الجزيرة في 28/11/2016. 

3 الراوي، عبد اللطيف. عصبة مكافحة الصهيونية بالعراق...، مصدر سابق، وفيه يمكن الاطلاع على المواقف التي اتخذتها الحكومة العراقية والقضاء العراقي إزاء عصبة مكافحة الصهيونية وكيف فسر الحاكم اسم العصبة.

4 راجع: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية في العراق 45-1946. مصدر سابق. ص 176. 

5  أنظر: الراوي، عبد اللطيف د. عصبة مكافحة الصهيونية. مصدر سابق. وثائق. ص 112.

6 المصدر اسابق نفسه.

- Shiblak،Abbas. The Lure of Zion،the Case of the Iraqi Jews. Al Saqi Books.London. pp 78-86.

7 - أنظر أيضاً: د. كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، مصدر سابق، ص 300.

8  أنظر: كاظم حبيب وزهدي الداوودي، فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2003، ص 342.

9 كورية، يعقوب يوسف. يهود العراق تاريخهم، أحوالهم، هجرتهم. الأهلية للنشر والتوزيع. الأردن. 1988. ص 175/176. نص القانون رقم (1) لسنة 1950. قانون ذيل مرسوم إسقاط الجنسية رقم (62) لسنة 1933.

10  الباچچي، عدنان. مزاحم الباچچي سيرة سياسية. منشورات مركز الوثائق والدراسات التاريخية. لندن. 1989.

11 Shiblak،Abbas. The Lure of Zion. The…, مصدر سابق

12  د. كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، مدر سابق، ص 153.

13 المصدر السابق،

         

الكبير الداديسيالمتأمل في المشهد العربي وربما العالمي يلاحظ أن عددا من ضعاف ومتوسطي  المستوى الثقافي غدوا رموزا يتحكمون في طموحات ورغبات وأحلام الشباب  يتمنى كل الشباب تقليدهم وأن يكون مثلهم لما يكبر، بل هم من أخذوا زمام المبادرة، ورسن توجيه المجتمع وتخطيطه الاستراتيجي بتحكمهم   في الثروة ... فقد يملك شاب رياضي فاشل في الدراسة، أو مغنية أوصدت أبواب المدارس في وجهها باكرا، ما تعجز النار على حرقه وما لا يمكن أن يملك جزءا منه كل مثقفو الأمة طيلة حياة عملهم وكدهم... ويستقبل الفائز في مسابقة غنائية محلية استقبال الفاتحين ولا يلتفت أحد لفائز في مسابقة عالمية للمخترعين والعلماء  .

إنه زمن الرداءة والتفاهة أو ما أطلق عليه الفيلسوف الكندي ألان دونو( Mediocratie)، التفاهة ناتجة عن تشييئ الإنسان، وجعل المال الإله الوحيد الذي تتوحد حوله كل الديانات، والمعبود الأوحد الذي لا خلاف حول طريقة عبادته، بل لقد أصبح المال هو (العبد والمعبود  والمعبد)  على حد تعبير محمود درويش، هذا الإله الجديد الذي قتل القيم ووقف شامخا على قبرها جعل كل شيء في خدمته. فماتت المهننة وحلت محلها الوظيفة والتوظيف، فالموظف مجرد أداة، والوظيفة مجرد وسيلة يمكن لأي القيام بها، فلم يعد مطلوبا من المدرس أن يكون كفئا، ومن إمام المسجد أن يكون حاملا فاهما لكتاب الله... وقس على ذلك فيكفيك شهادة ولو حصلت عليها بمال قذر، فقد تجد إنسانا حاصلا على الدكتوراه في الكهرباء ويستقدم تقنيا بسيطا لإصلاح عطل بسيط في بيته، ويكون آخر أميا لم يلتحق بمدرسة ويدير مكتبة يبيع الكتب ويوجه النشء لشراء كتب لا يعرف محتواها، وصيدلانيا لا يحرك وإلا بأوامر أو استشارة مستخدم له خبرة..  وأمام تعدد الوظائف وتنوعها صار الحرفيون والمهنيون عملة نادرة، فقد تجد في أي مدينة من يؤدون وظيفة المعلم، الأستاذ، الطبيب والمهندس النجار والصباغ السباك ... ولكن قلما تجد الحرفي الذي يتقن عمله... لأن الوظيفة لا تتطلب الإتقان وإنها الهدف منها الأجر بعد أداء المهمة. فالأستاذ يمكن أن يعطي درسا في الفصل كما في البيت، المقهى أو داخل السيارة الأهم هو المقابل...

إن مفهوم الوظيفة قد تسلسل إلى كل هياكل المجتمع والدول وأصبح الوزير ورئيس البلدية والعامل مجرد موظفين يؤتى بهم من أجل وظيفة معينة في مدة معينة، والشاطر من يؤديها على أحسن وجه وبأقل الأثمان، ولتحقيق ذلك يجب عليه وضع منظومة القيم جانبا و الاستعاضة عنها بمفاهيم العصر كالشراكة والفعالية والمردودية ... وهو ما جعل  المؤسسات العمومية كالمستشفى،المدرسة،المسجد، البلدية، الميناء، محطة القطار... - التي يفترض فيها توفير خدمات للمواطنين- شركات تدار بالتدبير المفوض وفق موازين القوى، وقوة ضغط اللوبي المسير، مفروض عليها في نهاية السنة مقارنة المداخيل بالمصاريف واستخلاص الربح الصافي، والمدير الجيد من كانت منحنيات الربح معه في تصاعد و وصل بمؤشر الربح أعلى المستويات...  وهي مفاهيم واعتبارات لا تتناسب والمنظومة القيمية التي تشكل جوهر الإنسان، لأنها تسلب الإنسان إنسانيته، وتسلبه كل قيم المواطنة فيصبح مجرد ساكن/ قاطن ورقم موجود تحت رحمة التافهين من الموظفين الذين ارتقوا درجات سلم الوظيفة دونما حاجة للطرق التقليدية المعلومة كالدراسة، النضال، التدرج ...

إن تَشيء الحياة العامة وتسليع الإنسان جعل التفاهة نظاما اقتصاديا وسياسيا جديدا، فلن ننتظر من المستقبل إلا مزيدا من التافهين في هرم السلطة والاقتصاد عندنا، وطبيعي أن تجد رئيس حكومة لا يفقه شيئا في البروتوكول، وتجد وزيرا لا يميز بين العدو والحليف، ويدلي بتصريحات ضد التوجه العالم للدولة التي يمثلها والتي تدفع له مقابل مهامه الديبلوماسية.  وفي زمن التفاهة طبيعي أن يتم ضبط خطيب واعظ وعضو مجلس عالمي لعلماء المسلمين متلبسا في الخيانة الزوجية والفساد مثل المراهقين على شاطئ البحر مع واعظة لا تتوقف على توجيه النصائح للشباب وتدعو لغض الطرف والعفة وعدم الاختلاط بين الجنسين...

 إنه زمن التفاهة الذي حصر قاعدة النجاح في عنصرين لا ثالث لهما: المال وحسن التنكر داخل اللوبي المسيطر بتغيير اللون في الوقت المناسب، وهي أمور لا يمكن للمثقف أن يجيدها لأنه معروف بالالتزام وكونه لا يراوغ ولا يهادن ولا يستسلم... فقد ضحى مثقفون بحياتهم دفاعا عن أفكار خصومهم، ومنهم من قضى من أجل مبدأ يؤمن به، وكان التزحزح عنه قيد أنملة كاف ليجعله من أعيان اللوبي المسيطر...

وبما أن المثقف كان ولا زال وسيظل شوكة في حلق التافهين، ومسمارا في نعلهم يعرقل سيرهم ويكشف عوراتهم، فقد تسللوا إلى قنوات نشر التفاهة (محطات إذاعية وتلفزية، قنوات خاصة، وشبكات التواصل الاجتماعي) كما تسللوا إلى مختبر تفريخ المثقفين (المدارس، والجامعات...) وحولوها  إلى معاهد مستعيضين عن المثقفين بالخبراء كل همهم جعل الجامعة في خدمة السوق وجعل (العقول تتناسب وحاجات الشركات) وتخريج يد عاملة  لا تعرف إلا الطاعة والولاء، ممنوعة من النقد واستخدام العقل، تعيش دون حس نقدي، صالحة لغرض معين لا تفقه شيئا خارج تخصصها، لا تثقن إلا استهلاك من ينتجه التافهون/ المؤثرون الاجتماعيون ...

 ولتحقيق كل تلك الأهداف كان لا بد من ضرب التعليم والمدرسة العمومية المواطنة، بقصر وظيفتها في إعادة الإنتاج وتخريج "التافهين، من خلال نشر ثقافة صل بخط، اختر الجواب الصحيح، ضع علامة في المكان المناسب، وهي ثقافة تكرس التفاهة، تقتل التحليل والنقد وتنبذ الموسوعية  وتنتج  طبيبا في العيون لا يعرف شيئا عن أمراض الأذن، وطبيبا متخصصا في القلب لا يعرف أمراض الرئة، وأستاذا في الرياضيات أو الفيزياء لا يضبط اللغة و لا يفقه  شيئا عن إبستمولوجية المواد التي يدرسها ... نظام التفاهة وحده يحعل التافهين Les élèves médiocres " في النهاية هم الفائزون، لأنهم يصلون بأي وسيلة، لا يعيِّرون القيم، فقد تأتيه فرصة لعميلة تهريب أو بيع مخدرات ولا يفوتها، ويبيض أموالها ويصبح بماله مؤثرا اجتماعيا، وسيد المجتمع يشتري أصوات الناخبين، ويرتقي أعلى درجات السلّم الاجتماعي، فيما يكون مصير المتفوقين الذين واصلوا تعليمهم، متشبثين بمبادئهم وقيمهم العطالةَ والوقوفَ أمام ابواب التافهين يستجدون عملا...

إن نظام الرداءة والتفاهة يسمح لتافه أمي بأن يتاجر في المخدرات وأن يبيض أمواله فيبني مستشفى ليشغل الأطباء، ويبني مدرسة ليشغل الأساتذة وينشئ مقاولة ليوظف المهندسين ليغدو  هو الرمز والقدوة في المجتمع، مستثمرا مواطنا له الأمر والنهي.. فلا ضير إذا أصبحت القدوة عندنا من التافهين ما دامت ثقافة الاستهلاك  تجعل الإنسان كائنا مستهلكا مثل الحيوان، خاضع لمنطق السوق كالسلع، قابل للتعليب كالسردين، ومن لا يعجبه هذا النظام فللتافهين فليشرب البحر، ما دام للتافهين زبانيتهم التي لا تستخدم العقل. ومن أجل المال لا حدود لتهورهم ورعونتهم ...

يستحيل اليوم مواجهة التفاهة، وجهد ما يستطيع المثقف أن يصبِّـن المفاهيم عسى يعيد إليها شيئا من ألقها ومعانيها الحقيقية، خاصة تلك المفاهيم التي تداس يوميا أمام أعيننا  كالمواطن، الكرامة، المصلحة العامة، التضحية، الالتزام... وهي مفاهيم لا يمكن أن تنبث إلا في المؤسسة العمومية، وكاذب من يزعم زرعها في القطاع الخاص القائم على مبدأ الربح والخسارة ... وإلا فما علينا إلا الاستعداد لأن يفعل بنا التافهون ما يريدون،  وطموحات الربح لا حدود لها، فلن يكتفي التافهون بتعليب الزبناء لأن الأهم هو كم سيربحون من بيعهم...

لأجل كل ذلك سيعف القارئ ما الذي تغير في المجتمع حتى أصبح ضعاف المستوى الثقافي/ التعليمي من المغنيين والرياضيين والفنانين والسياسيين في مراكز القرار يمثلون قدوة للشباب، وتم تهميش القدوة التقليدية المكونة من  الأستاذ، الطبيب، المهندس، الفقيه، الكاتب والمثقف... فلا غرابة أن تصبح قدوتنا في زمن التفاهة من التافهين.

 

ذ. الكبير الداديسي

 

عامر صالحأحال القضاء العراقي، السبت، 20 وزيرا عراقيا للمحاكمة بتهم فساد، كما شملت القائمة مئات المسؤولين الآخرين، ضمن حملة لمحاربة الفساد في العراق. وكشف عضو مجلس النواب النائب جمال المحمداوي، عن مناصب المسؤولين المحالين إلى القضاء بتهم فساد. وقال المحمداوي لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن "قائمة المتهمين المحالين ضمّت أكثر من 20 شخصية بدرجة وزير تمت إحالتهم إلى محكمة الموضوع"، مشيرا إلى أن "هذا مؤشر يؤكد وجوب ألّا يتم اختيار الشخصيات التي تتسلم المواقع الرئيسة من مزدوجي الجنسية.

وأضاف أن "20 شخصية متهمة بدرجة وزير من أصل 333 أحيلوا للمحكمة غيابيا، أما من هم بدرجة مدير عام فقد أحيلوا غيابياً للمحاكم وعددهم 27 ممن اتهموا بالقضايا الجزائية الخاصة بوزارة الكهرباء". وتابع أن "الفئة الأخرى التي هي أقل من مدير عام، يصل عددهم إلى أكثر من 286، وهم أحيلوا غيابيا للمحاكم، فيما تمت كفالة 72 ومن ضمنهم وزيران وأربعة بمنصب مدير عام، و66 من درجة درجات وظيفية أقل". وأشار إلى أن "الإدانات شملت 4 وزراء فقط و7 مدراء عامين من أصل 198 متهما بالقضايا التي تتعلق بملفات الفساد لوزارة الكهرباء".

لطالما وجه الاتهام لمزدوجي الجنسية أي من الجنسية العراقية وحاملي الجنسية الثانية من بلد الأقامة في محاولة لخلط الاوراق في تشخيص رموز الفساد وأضفاء نزاهة مفتعلة على حملة الجنسية الأصل فقط، وهو سلوك اسقاطي سيكولوجي يأمتياز لتحميل حملة الجنسية الأخرى نتائج ما يجري من فساد واهدار للمال العام، نعم هناك من سياسين من حملة الجنسية الثانية متورطين في الفساد بما تزكم له الأنوف، ولكن في التعميم اعاقة فكرية واهداف اريد بها التغطية على فساد اعظم ارتكبه ذو الجنسية الأصل والوحيده لحاملها، وعلى الشعب العراقي ان يعي حقيقة تلك اللعبة المزدوجة التي يرغب الفاسد في لعبها للهروب من القصاص العادل بحق الجميع من مزدودي الجنسية وغيرهم.

ارتبط تفاقم ظاهرة الفساد في العراق بمجمل سياسات النظام السابق الاقتصادية والاجتماعية والحروب المدمرة، والتي أدت بمجملها إلى إفقار المواطن وحرمانه من ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، إضافة إلى ما أدت من تفتيت للبنية الأخلاقية والقيمية وضعف الوازع الداخلي، إلا إن سطوة النظام وقمعه حصرت ظاهرة الفساد، وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافه، وحولت بنفس الوقت الفساد إلى ما يشبه الفيروس الخامل تحمله قطاعات اجتماعية واسعة، وجدت في إسقاط النظام والطريقة أو السيناريو التي هوى فيها النظام فرصة مواتية لينشط هذا الفيروس ويتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالية أو النشاط الكامل ليتحول إلى وباء شامل ينشط بطرائق أخطبوطية وبمدى يصعب التحكم والسيطرة عليه أو تحديد سقف له، وقد وفرت الظروف السياسية ما بعد السقوط وطريقة أداء الحكم بيئة صالحة لنشاط فيروس الفساد ليلتف بدوره حول السياسة ويضربها في الصميم ويعيد بعث ظاهرة الفساد السياسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السياسي وتكريس قيم الحزب الواحد عند الكثير من الكيانات السياسية، ولعل المثل الصيني " الماوي " القائل : " رب شرارة أحرقت السهل كله " يلقي مصداقية كبيرة في تفسير الفساد في العراق.

أن إحدى تجليات الخوف من الفساد الإداري والمالي هي تحوله إلى ثقافة سائدة ما بعد 2003 أو ما يسمى " ثقافة الفساد " مضفيا على نفسه الشرعية في الشارع وفي المعاملات الرسمية اليومية، ومن ترسخه كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي، وبالتالي يتحول الفساد من كونه عمل منبوذ اجتماعيا وقيميا إلى عمل يلقي الاستحسان ويندمج ضمن المنظومة الايجابية للأخلاق والأعراف، ويعتبر نوعا من  الشطارة أو الدهاء الشخصي لصاحبه، وأحد معايير الشخصية الدينامية والمتكيفة القادرة على حل المعضلات بطرائق سحرية.

أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القيمية والتربوية لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبديد قناعاته الأخلاقية والوطنية، فقد انتشرت اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص، كما شاعت قيم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر، وقد جاء ذلك على خلفية التراكمات التي افرزها النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبية التي سببتها الاستقطابات السياسية والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئوية والطائفية والقبلية حيث غياب مفهوم المواطنة ومصالح البلاد العليا.

وهكذا لعبت المحاصصة لاحقا بمختلف مظاهرها سببا في شيوع الفساد الإداري والمالي،ولعبت دور الحاضنة الأمينة له ،فلم يتم اختيار أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاهة والعصامية والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سياسية واستحقاقات غير متوازنة ولا معقولة، وعلى هذا الأساس استخدم الفساد كطريقة وجزء من منظومة " الحوافز الإيجابية " ،" فالمظلوم " من النظام السابق يقوم باسترداد " حقوقه " بطرق غير قانونية كردة فعل على القمع والإقصاء، ويصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلاله منصبا سياسيا أو وظيفيا لا يحمل له أي مؤهل وتحت واجهات ومبررات مختلفة: "خطية يستاهل"، "وصاحب عائلة وأطفال وين يروح"، "خوش آدمي صائم مصلي"، "أحسن ما يمد أديه للناس"، أو يعتبر نفسه مفصول أو مضطهد سياسيا من النظام السابق فيقوم بتزوير الوثائق والمستندات اللازمة لذلك لكي يسترجع " حقوقه ". أما المظلوم الحقيقي من النظام السابق فيعاني الأمرين لانتزاع حقوقه، بل الكثير تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقه تحت وطأة سوء المعاملة’كاصطدامه بموظف كارها له في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفته ويشغل منصبا جديدا تكريما" لمظلوميته ".

وهكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدين بصورة عامة، والجميع بعمل على قاعدة أضرب(أسرق) وأهرب إلى طائفتك أو قبيلتك أو حزبك أو إلى قوميتك، أو هذا لك وذاك لي، بل وصل الأمر إلى العبث في تفسير النصوص القرآنية التي لا خلاف على تفسيرها، في محاولة لانتزاع "الاعتراف الإلهي" بأهلية الفاسد وفساده، فعلى سبيل المثال لا الحصر مثلا يرون في النص القرآني: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" لا تشمل العقوبة سرًاق المال العام، وأن السارق له حصة في هذا المال فهو يأخذ من حصته،والسارق يعرف تماما أن السرقة من المال العام يعني السرقة من أكثر من 40 مليون عراقي، وبالتالي يستحق ليس قطع اليد، بل تقطيع الأوصال(حسب بعض المفسرين)،أما اللهاث وراء الفتاوى الدينية لتحريم الحلال وتحليل الحرام فلا حدود لها،وعلى قاعدة " ذبه برأس عالم وأخرج منها سالم " وما أكثر العلماء في عراق اليوم.

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقيت لديها فسحة من الأمل في بعض من قطاعاتها خالية نسبيا من الفساد، نظرا لارتباط هذه القطاعات بأهداف إنسانية كبرى ذات صلة وطيدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حيث الأعداد والتربية والتأهيل وغرس روح المواطنة ونشير منها على سبيل المثال إلى قطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا مصدرا  لنماذج القيم المتقدمة وإعادة توليد ما هو ايجابي ومشرف في ذهنية الدارسين،إلى جانب كون العاملين فيه من النخب الاجتماعية والتربوية التي يفترض أن تكون نماذج ومعايير يقتدى بها ويسمع رأيها، خاصة في الأزمات العامة، إلا انه مع الأسف كان هذا القطاع من الضحايا الأولى للفساد بمختلف مظاهره من تزوير وسرقة أموال الدارسين وإفساد للعملية التربوية والتعليمية،منهجا وطرائفا وكادرا ومؤسسات، بل أن المحاصصات السياسية والحزبية والطائفية والقومية دخلت بكل حمولتها السيئة لهذا القطاع لكي تحي في ذاكرتنا الآثار السيئة للتبعيث، وبهذا حرم هذا القطاع من دوره الحقيقي في محاربة الفساد بتحويله إلى قطاع مُصدر للفساد.

وتبقى محاربة الفساد وتجفيف منابعه إحدى المهمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا "وديمقراطيته السياسية الوليدة التي بلغت من العمر 17 عاما " ولازالت تحبو، وأن المدخل اللازم للقضاء عليه يتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقه القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبيلة والقومية، والعمل على تفعيل النزاهة والمسائلة والعدالة ضمن آليات عمل مفوضية النزاهة المستقلة ويجب أن تقوم بدورها بملاحقة المتورطين بقضايا الفساد وتقديمهم للعدالة باختلاف مناصبهم ووظائفهم ومسؤولياتهم وأنتمائاتهم الحزبية والطائفية والقومية، والجرأة الكاملة والواضحة في مكافحة الإرهاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما يستخدم للوصول إلى أهداف سياسية، والحفاظ على قطاع التربية والتعليم وتخليصه وتحًيده من الصراعات الطائفية والحزبية والسماح له بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد على نطاق واسع، فهو صمام الآمان لخلق جيل مؤمن بقيم النزاهة والحق والعدالة،وإعادة توليد القيم الايجابية في أذهان رجال المستقبل.

وبهذا  يتحول الفساد من ظواهر فردية متناثرة هنا وهناك إلى عمل مافيوي مخطط يدخل سوق العمالة ويقدم خدماته من خلال اختراقه كل القطاعات الإنتاجية والخدمية، ويخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمية والكيفية ويتحكم بمفاصل تشغيل العمالة، وهذا ما نشهده اليوم من تسهيل معاملات على مختلف المستويات، فهناك تسعيرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط، إلى شرطي أمن، إلى مدير دائرة والى مدير عام ، وتسعيرات للحصول على  مختلف الوثائق والمستندات الشخصية من وثائق دراسية وشهادة جنسية وبطاقة أحوال مدنية وجواز سفر وغيرها،طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبير الذي يخترق مختلف العقود والمشاريع والمخصصات والاستثمارات الإنتاجية والخدمية التي تستهدف إحياء البنية التحتية المدمرة.

الحديث عن الفساد وتحميله لحملة الجنسية الثانية او المزدوجة هو حديث كذب ورياء يراد به خلط الاوراق وتحميل السياسين القادمون من الخارج مسؤولية ما يحصل من الخراب، فالقضية اكبر من حاملي جنسية اخرى بل من احزاب فاسدة لا تؤمن بمشروع بناء دولة المواطنة، نعم منهم من حملة الجنسية المزدوجة ولكن الجنسية الثانية لم تكن سببا في الفساد إلا بقدر انتمائها الى حزب فاسد يروج للخراب وهلاك الدولة وقد يكون الكثير من اعضائه من حملة الجنسية العراقية الوحيدة ولكنهم لا ينتمون الى العراق  بل ينتمون الى مشروع خرابه وارتهانه الى قوى الفساد واللادولة.

 

د. عامر صالح

 

 

عبد الجبار العبيديالسياسة تعني فن الممكن، ويقصدبها فلسفة الابتكار في تقييم الامور في اتخاذ القرارات الصعبة.. تحكمها قواعد النبل والشرف، لأن الشرف له ألتزامات يضطر صاحبه الى التعفف والتسامي فيبتعد عن الدنية.. وتلك الثغرة التي يدخل منهاالفساد الى فكر الحاكم، فعليه ان لا يفهمها سيف ونطع كما فهمها المستعصم العباسي فمات متحسرا على انهيار الدولة العباسية. من يعتقد ان الدولة العراقية اليوم لها سياسيون بمفهوم قيم فلسفة السياسة الدولية فهو واهم، أنما لديها طلاب سياسة لم يتخرجوا من مدارسها الابتدائية بعد . بهذه الدرجة من الضعف والاستكانة هم يحكمون.. لذا سيسقطون.

هذه الحالة السياسية والاجتماعية مرت بالدولة الرومانية قبل السقوط حين كان شعبها يعيش تحت سلطة غاشمة واباطرة مستبدين لا قيمة للانسان في نظرهم ولا معنى للعدالة عندهم، حين دخلوا الحروب العبثية، يخربون المدن والسهول والوديان ويجندون الناس بالقوة ليزجوا بهم في ميادين القتال، ويعتبرونهم من الناحية الواقعية عبيدا لهم، حتى اصبح أنسانهم يعيش بلا قانون رغم وجود القانون عندهم. وهكذا فعل النظام السابق بالشعب العراقي خلا ل مدة حكمه الطويلة للعراق، وهكذا يُفعل الحكام الجدد بشعب العراق اليوم.

هذا التوجه الخاطىء ساق المواطن والحاكم الى التدني بالمستوى الانساني والخُلقي، فأنهارت القيم الانسانية وكل سلطان الضمير عندهم، فصاروا يعيشون همجا من الناحية المعنوية وان كان المظهر الخارجي لهم بقي ضمن الاطار الحضاري المتقدم، وهذا ما يريده الحاكم لينفرد بالسلطة دون معارض.

وهذا أيضاً هو ما حل بالدولة الامريكية في عهد جورج بوش الابن مع الفارق ان الدولة ظلت متماسكة والقيادات بقيت تراقب حالة الانكسار، والمؤسسات ترفض الخروج على القانون لثبات الحالة الدستورية في الوطن عندهم، فظل المرجل يغلي نحو التغيير، ولان الحالة الدستورية هي الغالبة والقانون هو الذي يحكم نفوس الناس وأفعالهم، حتى جرت الانتخابات الجديدة نهاية عام 2008، ليخرج الشعب الامريكي عن بكرة ابيه منتقما من حكامه بالقانون ليستبدلهم بغيرهم لرغبته في ان يتصالح مع نفسه ومع العالم، وهذا ما فعله الشعب العراقي بممثليه الذين ابتعدوا عن حقوقه الوطنية ليستبدلهم بأخرين فقاطع الانتخابات لظنه بالتزوير، كما رأينا في الانتخابات الاخيرة عام 2018، لكن السلطة الغاشمة لازالت أقوى من الشعب بنفوذها وركونها على الأعداء المجاورين وخاصة الايرانيين الذين لا يؤمنون بوطن العراقيين وأعوانهم من احزاب الغدر والخيانة المنتفعين . رغم أنها قد وصلت الى مرحلة الطوفان والغرق الأكيد.

لكن الذي يحصل الان ان من يحكمون الوطن لم يستفيدوا من تجربةالخطأ لكونهم اصبحوا من الغارقين فيها، فلاأمل بردم الخطأ رغم حراجة الموقف .هذا الموقف الصعب لا يفسرعندهم ببداية الانهيار من اصحاب العقول المنغلقة من امثال المالكي والعامري وغيرهم كثير.. كما هم اليوم، الذين لا يعرفون للحقوق القانونية من معنى وللدستور من ثوابت . فالحاكم لن يستطيع ان يحكم دون تحديد مدة او مدى سلطان وللدولة نظامها القانوني الرصين الذي لا يخترق وللشعب من الحقوق لا يمكن التجاسر عليها وهم يتشبثون بالدين باطلاً.. فالدين لن يصنع دولة بل يصنع استقامة واخلاق ولا يمكن لاصحاب النص ان يؤمنوا بالصيرورة الزمنية للتغيير.. وكذلك في وصاياه يخالفهم جملة وتفصيلأ.

من هنا فقد اصاب الدولة الخلل الذي سوف لن يطول، لكن الذين عاشوا في فوضى السلطة ولم يعرفوا القانون والدستور الا حينما يطبقونه على المواطنين، راحوا يصورون للشعب انهم هم العارفون الذين يحمون الدولة من مؤامرات الاعداء.. وما دروا انهم هم اعداء الوطن وان كانوا يعلمون، لكي يبقوا هم المسيطرون ليعبثوا بالامة والشعوب دون واعز من ضميراو التزام من اخلاق.. وهم الواهمون.

لا مقارنة بينهم وبين دول القانون الحضارية اليوم، فهي دول قوية وعملاقة ونحن هنا لسنا مخولين بتوصيفها، ان سر قوتها يكمن في دستورها وقوانينها الانسانية المحكمة والمطبقة فيها والتي تفتقر اليها كل دول العرب، ولا يغُرك بالله الغَرور. لكن كل هذا غير موجود في دول امة العرب وفي العراق اليوم خاصة .ففي مجال الاقتصاد لا زالت دول القانون هي الرائدة ولديها من الخزين النقدي والعملة الصعبة يكفيها لعشر سنين حتى لو كسر عليها خراج الدولة وموارد الوطن، ففيها النفط والغذاء والماء والارض الخصبة وأرادة القانون، وتستطيع امريكا مثلاً أستيعاب ضعف سكانها دونما خلل او عطل.، لاسيما وان اقتصادها مسيطر عليه من قبل المؤسسات الدستورية، لا من قبل افراد معينين من المصابين بالغباء والغرور، ومعاملها تنتج ما يكفي لها وللاخرين.أما في العراق فألأقتصاد والمالية بيد الجهلة وسراق المال العام، لذا تراهم يلهثون خلف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليستطيعوا ردم الاحتياج المتزايد ولو بأعلى الفوائد التي ستجلب لهم المتاعب المستقبلية دون علم او دراية في المصير.

ان ما يعنينا هنا كيف نملك من السياسيين الذين يستطيعون اخراج الوطن من الطريق المسدود الذي وصلت اليه الدولة.. ولا اعتقد يستطيعون الا بثورة علمية فكرية حقيقية على كل ما يسد طريق التقدم من قيود على الفكر والحرية، لكن المهم كيف سنجدهم في دولة يقودها التخلف الفكري والجمود الديني الذي لا يؤمن الا بالقوة والتخريف.. والجهل الذي هورأس الأخطاء والشرور.. هؤلاء هم اصحاب الفلسفة السياسية التأملية وليسوا من اصحاب الفلسفة السياسية الواقعية.. الذين لا يدركون كيفية بداية التحرك السياسي لينشئوا قاعدة جديدة للفكر السياسي الواقعي المنطقي المنظم.. في وقت ان اصحاب المطالب السياسية الاخرين والذين بيدهم القوة والسلاح يخالفون.. من هنا فلا تفائل مسرف فيما يصنعون.. لأنهم لا يفكرون، وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.

هذه تركة كبيرة ناقصة ورثوها حكامنا اليوم من فقهاء المسلمين حين تناولوها بطريقة استطرادية، دون ان يضعوا لها نظريات عامة تناسب أهميتها العملية في تطبيق نظام السلطة التشريعة.. .ودون ذكرلحقوق الأفراد وواجباتهم الأسلامية، فظلت السياسة بلا عنوان، والدراسة بلا تعريف، والخلافة بغير بيان، لا تنتج الا دولة الفوضى الخلاقة كما سمتها وزيرة خارجية امريكا كوندريزرايز مصممتها قبل التغيير بقصد.. أما في العراق فلا جيش يستطيع الدفاع عن الوطن، والمليشيات التي يسمونها الحشد الشعبي اللامقدس تتحكم بسلطة الدولة مقابل حاكم مدني جبان وخائف ولا يملك أيديولوجية السياسة .أنا لا افهم تصريحات الرئاسات الثلاث دون لديهم مبدأ وحدة الامة، متمثلين بطائفية مقرة من قبلهم تتشابه وفرق الأنكشارية العثمانية.. سقطوا بمجرد سقوطها لانهم يحكمون بشروط غير قابلة للتحقيق حتى لو كانوا مخلصين، فلا شعب ممثل ولا سياسة قابلة للتطبيق، بل كتلا سياسية جاهلة متناحرة من اجل المال والسلطان ولاغير.. هؤلاء نسميهم سياسيون.. ؟

ان دور الكتاب والسياسيين المخلصين اليوم ان ينبهوا القراء الى ضرورة البحث عن حقائق الاموروتركها خلف ظهورهم بعد ان عفا عليها الزمن مثل خلاف الخلافة بعد الرسول.. وظهور نظرية عبدالله بن سبأ.. ومقتل الامام الحسين.. والوليد بن يزيد بن عبدالملك واستهتاره بالمعاصي وضرب القرآن بالرمح والسيف.. والحجاج الثقفي وخطبته بذم العراقيين.. وأنتقال الخلاف بين الامويين والعباسيين الى أخر الجرائم في النزاع والتخاصم بين بني امية والهواشم وما شابه ذلك وما كتب فيها المؤرخون.. وفي غالبيتها ليست قضايا شعوب سوى خصام سياسة ولاغير..

ان جميع هذه الاحداث وما جرت الية من اشكاليات الدولة كانت جرائم سياسية لمنافسين سياسيين لبني أمية يريدون أنتزاع الخلافة منهم. والسياسة كما تعلم اخي القارىء تعمي البصر، وتضلل الذهن، وتملأ القلب قسوة، وتجعل الانسان يرتكب جرائم لا توصف من اجل ان تبقى السلطة بيده كما نرى اليوم.. وما دام الأنسان قد دخل السياسة وطلب السلطان فهو المسئول عما يصيبه.

نعم ان بني امية ليس من حقهم الانفراد بالسلطة اذن فما هو الاساس الشرعي لمطالبة العلويين بها، والخلافة تخضع لقانون الشورى بين المسلمين.. نعم كل ذلك يقع على عاتق الفقهاء الذين لم يضعوا للخلافة تشريعاً.. بل اعتمدوا على احاديث نبوية منتحلة جرت الى هذا المصير الذي عطل القانون وتطور الدولة معاً فكانت خيبة الشعوب التي انجرت من ورائهم بلا تفكير..

من وجهة نظري الشخصية ان عمر بن الخطاب "ت24 للهجرة" كان يريدها مدنية يتحكم فيها القضاء اولاً بينما الامام علي "ت41 للهجرة" كان يريدحاكمية.. فالمشكلةالاساس هنا هو عدم وجود دستور لهاوحق الامة في الانتخاب.. وهذا هو ما أنكرته الأمة، ,لكن احداً لم يصحح ذلك الخطأ تصحيحاً شرعياً بوضع دستور يحتكم اليه الجميع.. حتى تحولت السلطة الى مسألة عنف وقسوة وغش وغدر، ,هذا هو ما ينبغي ان نضعه في المنهج المدرسي لنخلص فكر الطالب مما رتب عليه الفقهاء من أحقية وما شابه ذلك، وجر علينا كل هذه الاشكاليات التتي نعاني منها اليوم.نقول هذا حتى لا نصيب الاسلام بأذى ونلحق به شرور الناس.

بهذا التوجه العقلاني عسى ان نُخرج جيلا عقلانياً لا عاطفياً.. أنساناً لا طائفياً.. ولنا فيما نحن فيه اليوم من الفُرقة والطائفية والعنصرية والكراهية والبغضاء التي لا تزول.. .الكثير.

لنكن واقعيين فلا نحن ولا ايران بقادرين على تغير موازين القوى في المنطقة دون امريكا والاوربيبن. .وعلى امريكا يقع وزر اسقاط حكومة العراقيين دون سبب او تبرير على ماقاله بوش الأبن من صنع دولة القانون.. وقد خانوا القولين معا دون قانون والا لماذا لم يطبقون.. ؟.

ان احسن عمل يعمله اليوم كما يريده حاكمنا المتسلط علينا ان ننقل محاربة الارهاب والتطرف الى عقيدة بين شعوبنا ونحن الذين اكتوينا بنارها مالا وانساناً، وليست ايران التي وجدت العراق حاضرا على مائدة من ذهب لتنفرد به قتلا واغتصابا دوون حدود، فعلى ايران ان تتعقل في التصرف والقول الرصين فبايدن اقسى وأمر عليها من ترامب فلينتظروا المصير.. فأمريكا لا تضحي بمصالحها من اجل الاخرين.. وغبي من يعتقد بذلك.

وحتى لا تقع ايران بما وقع به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصدام حسين وما جروا على شعوبهم من ويلات الحروب ودمار السنين. انها فرصة حياة لا تعوض ولان تبدو اكثر اعتدالا في التعامل مع انفسنا ومع الاخرين دون ان يتنازل اي واحد منا عن حقوفه تجاه الاخرين، مادامت اليد ممدودة للتعاون ضمن الحقوق والواجبات، وبما يرضاه الله والشعب.. فهل من عاقل ينضوي تحت التفكير.. ؟

الاوربيون وغيرهم من الشعوب المتحضرة أمنوا بالفكر والحرية والتقدم، ونحن آمنا بالسيف والنطع واللطم والزنجيل والقامة وضرب الخدود، وبنظرية ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهمية.. وهم غيروا المفاهيم المتوارثة في ميادين المعرفة واشتركوا ويشتركون في رؤية جديدة لمستقل الانسان في بلدانهم والعالم، ونحن لا زلنا نتفاخر بالموروث القديم دونما رؤية واضحة قي حياة الناس، هم حددوا سلطات الدولة عن حقوق الناس ونحن، لا زلنا نرمي بالمعارضين بالقال والقيل والسجن والقتل والتشريد،، هم لازالوا يضعون ثقتهم بالعلم وحده وبقواعد التفكير الواقعي المنطقي المنظم، ونحن لازلنا نؤمن بقارئة الفنجان والكتابة على الافخاذ وأصوات الموتى في القبور.يتقاتلون فيما بينهم كي لا ينجز مشروع الفاو الكبير. ولهذه الدرجة وصل الطمع في الصدور .

وسيبقى عندهم العقل والعلم والحكمة هي التي تحكم مجتمعاتهم ونحن لم نصل ابدا ما وصلوا وسيصلون، فهل سنحول المبادىء التي جاء بها الاسلام "الوصايا العشر"الى تشريعات ام سنبقى نلطم وننوح ونحن وراء الجهل وخرافات الموروث نلهث ونصيح.. كما قال شاعرنا السوري:

بلدي عمائم كله.. أرأيت مزرعة البصل..

قليل من التعقل فلم يعد الزمن يرضى بالانتظار والوعد والوعيد، فلا طيارة صنعنا ولن نصنع، ولا مرض كافحنا ولن نستطيع، وليس لدينا مستشفى اسعاف واحدة بمستوى مستشفيات العالم من صنع أيدينا، وها هو الانسان حتى اضطررنا ان نعالج مرضانا في الهند على البخور.. العراقي والعربي المفكر والواعي يقتل او يموت في الشارع وبأيدي القتلة من الارهابين وليس لدينا من يحقق فيه "المفكر الهاشمي وغيره كثير مثالاً لما نقول"سوى عربات الدفع (مترو رافع العيساوي) لننقله لمركز تجميع الموتى من اللآأدميين.. يموت ولا احد ينقله لمركز الاسعاف، فلا عوز اصلحنا، ولن نصلح امرا فقدناه.. ولا كهرباء صنعنا ولن نصنع، ولاماءً صالح للشرب جهزنا المواطن ولن نستطيع، ولا شعب وحقوق احترمنا ولن نحترم.. حتى المعونات الأجتماعية نعطيها لغير المستحقين..

ان كل ما ندعية هو من البهتان المبين، العالم احسن منا الف مرة بالصدق المبين. اما بالكلام والشعرومحاورات الفضائيات الدعائية الكاذبة في معظمها كما في لعبة الكراسي وغيرها والتصفيط.. . فقبض من دبش عنهم عبر السنين.. . ولازلنا نهوس بأننا نحن المسلمون سنذهب الى الجنة وحور العين والولدان المخلدون غداً.. وهم كفرة سيذهبون الى النار والسعير.. هذه هي العقول التي ستصنع دولة وحقوق.. ؟

تافهة هي الحياة حين تخلوا من الآمال.. ومؤلم هو العيش حينما يصبح تعداد لأيامٍ. عذاب.. بلا.. .نهاية.. للمغفلين.. .

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

احمد عزت سليمفى مقابل الفاعليات التى تشكل مشهد الأمن القومى العربى، تتصاعد بقوة المؤثرات والفاعليات الصهيونية التى تحاول تسييد أكاذيب الدولة الصهيونية فى المنطقة كـ " دولة " لها خصوصيتها وماهيتها الفريدة وامتدادها التاريخى العميق وحيث يشكل ذلك كله ماهية "قومية" خاصة بها ـ كما تدعى ـ، وفى إطار فاعليات الصراع العربى الإسرائيلى السيبرانى، إلا أن الحقائق تكشف بقوة أكاذيب هذه المزاعم وكما يتبين مما يلى:

1 -  رغم وجود أكثر من 300 موقع تقوم فيها البعثات الأثرية بأعمال الحفر، في "إسرائيل" والضفة والقطاع، لم يتمكن الأثريون من العثور على أى دليل أثرى يؤكد أوحتى يشير إلى مملكة داود وسليمان في فلسطين، كما لم ترد أية إشارة لهؤلاء الملوك في المصادر التاريخية وأكد ذلك كله كذب المزاعم التوراتية  بوجود مملكة إسرائيلية متحدة أيام شاؤول وداود وسليمان، وأنها روايات أسطورية لا تعبر عن الأحداث التاريخية الحقيقية .

- وقد تبين الآن أن قصص التوراة تضمنت أحداثا تاريخية لشعوب وممالك أخرى في الشرق الأوسط، تم اقتباسها لتكون جزءا من تاريخ مملكة بني إسرائيل المزعومة، فقد استعار كتبة قصة داود الرواية المتعلقة بتكوين تحتمس الثالث للإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات قبل عصر داود بخمسة قرون ـ ونسبوها إلى ملكهم، وكما يؤكد ويبين باحث  المصريات الكبير العالم أحمد عثمان: ـ لا تزال تفاصيل المعارك التي استعارها الكهنة لقصة داود بني إسرائيل، مسجلة حتى أيامنا هذه على جدران معبد الكرنك وفي سجلات حروب تحتمس الثالث .

2 - لا أرض ولا استقرار إنما ترحل وتناحر جمع القبائل العبرية على مساحة اجتماعية غائمة لا حدود لها ولا ثبات ولا قيم أخلاقية أو دينية غير تلك التى تدفع هذه القبائل أن تنجرف وراء ترحالها ومشاغباتها للشعوب المستقرة فتخربش أطرافها دون أن تصيبها بأمراضها القبائلية وأقصى ما فعلته أنها انتهبت خلال ترحلها وما وقع تحت يدها من تراث فأفسدته وهى فى كل ذلك لا تملك غير كهنة اتخذوا أشكالاً متعددة، ملوك عصاه أو ملوك دخلوا الطاعة وكذلك قضاة ومتنبئين ورجال كهنوت والجميع تبادل الأدوار والمصالح مع أفراد القبيل،  الكهنة وفروا لأفراد القبيل إله فوق الآلهة الأخرى، لا يعرف هو أيضاً الاستقرار، تارة هو يهوه وأخرى إلوهيم وكثيراً ما تتغلب الآلهة الأخرى وتعلو وتتعدد فيغضب الإله . 

3 ـ هذه الحقائق التاريخية الكاشفة والتى تؤكد أكاذيب الحركة الصهيونية وكيانها الإجرامى دولة "إسرائيل" جعلتهم يؤسسون فاعلياتهم وآلياتهم الاستراتيجية والتكتيكية والحركية فى الواقع بكل مستوياته على ما ينفى هذه الحقائق حماية للكيان الصهيونى وبما يؤسس ماهية الأمن " القومى " الإسرائيلى ماديا ونفسيا وأيديولوجيا وديموجرافيا وحيويا وعمليا تدعيما لقدرتها على الاستمرار والبقاء والمواجهة مع أعدائها تأكيدا لقوتها حفاظا على ما نهبته من الأراضى العربية وتبريرا لتصرقاتها الإجرامية العنصرية المستمرة وديمومتها فى احتلال أراضي الغير، واستيطان الأرض وإبادة شعبها أو تهجيره، وفرض توفقها وهيمنتها الكاملة داخليا وعلى من حولها .

- وتزداد أهمية تشكيل ماهية الأمن "القومى" الإسرائيلى لما لهذه الحقائق التاريخية وفى تشكلها مع الديناميات الصهيونية فى الواقع، من انعكاسات على الواقع فى الدولة الصهيونية وتتمثل فى عمليتين إثنتين لهما أهميّة كبيرة على اتجاهات تطور المجتمع الإسرائيلي العنصرى وتشكله من المجموعات ذات الخصوصيّة مثل مجتمع المتدينين المتزمتين (الحريديم)، ومجتمع الكيبوتسات، وسكّان بلدات التطوير، وسكان حي رامات أبيب ج (تل أبيب)، ومجتمع المهاجرين من الروس الناطقين بالروسيّة، ومجتمع المهاجرين من الأثيوبيّين وغير ذلك السود، بالإضافة إلى الأساس العربى الفلسطينى كمجتمع له خصوصيته وهويته: العمليّة الأولى: ـ تتمثّل في استمرار وازدياد توجّهات الانقسام الثقافي والابتعاد عن " بوتقة الانصهار " التى تدعيها الحركة الصهيونية  ويشهدها المجتمع الصهيونى .

- أمّا العمليّة الثانية:  فهي سلسلة الانتكاسات التي تتراوح بين المصالحة والمواجهة بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين حول الحدود والسيادة . 

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

كفاح محمودفي مخرجات ما أطلق عليه بالربيع العربي، الذي بدأت بواكيره على الطريقة الأمريكية في إزاحة مؤسسة النظام في العراق، حيث نجحت القوة الأمريكية ومن حالفها، سواء في العراق أو بعده في ليبيا وسوريا واليمن، ومن تحت الطاولة في بلدان أخرى، نجحت في تدمير كرسي الحكم وهيكل الإدارة، حيث هرب الدكتاتور مخلّفاً وراءه أفواجاً من اللصوص والقتلة، كما شهدناه على أرض الرافدين، حينما أطلق رئيس النظام، حينها، سراح كبار المجرمين والسفاحين واللصوص والقتلة قبل هروبه بعدّة أشهر، وتحت شعار ناعم هو تبييض السجون، لكي يكملوا المشوار من بعده مع مجموعات إرهابية عقائدية تم استيرادها قبيل حرب احتلال العراق بفترة وجيزة، فيما أوصى أركان حكمه وقيادات نظامه بسرقة ونهب كل موجودات البلاد ومخازنها ومعسكراتها وآلياتها، من سيارات وأسلحة في أبشع عملية إفراغ للدولة من مكنوناتها المادية والعسكرية والوثائقية والفنية والمتحفية.

وفي الوقت الذي انكفأ دكتاتور العراق في حفرة تحت الأرض ليواري عورته وجرائم نظامه، حلّق دكتاتور تونس طائراً في الأجواء تاركاً منظومة متكاملة ممن تقع عليهم مهمة اغتيال الثورة أو الانتفاضة، حيث بدأت فرق الغوغاء بالانتشار في المدن والبلدات على طول البلاد وعرضها، لكي تثبت لتلك الجموع الثائرة ودول الجوار قبل غيرهم بأنّ ما يحدث هو نتيجة لغياب منقذ الأمة ومخلّصها الهارب، كما يفعلون في العراق منذ سنوات، في إحراق الأخضر واليابس تحت مختلف الشعارات الرنانة والجوفاء وبثياب دينية ومذهبية، وهم يستهدفون الأهالي العزل في الشوارع والأسواق والمساجد والكنائس والمدارس بنافورات من الدماء التي لم تنزف فيها قطرة من دماء المحتلين.

صحيح أنّ دكتاتور تونس شدّ الرحال هارباً إلى جنة أخرى بعيدة عن قصره وعبيده، إلا أنّه ترك نظاماً أشرف على تربيته وصناعته لأكثر من عشرين عاماً، بذات الفكر والنهج، كما فعل النظام هنا في العراق، وترك سلوكيات ونهجاً في الثقافة والتفكير تعمل على إبطاء التقدّم، وتعرقل تحقيق الأهداف النبيلة في بناء بلد ديمقراطي حر، حيث استغلّت تلك القوى البديلة سلالم الديمقراطية في مجتمعات غير مؤهلة بالكامل لممارسة هكذا نظام، وتحت ضغط الشعارات العقائدية المرتبطة بالدين والمذهب والفتاوى، لكي تتبوّأ ثانية مراكز القرار، كما فعلت في مصر، وحاولت كثيراً وما تزال في تونس وفي اليمن، ناهيك عما حدث ويحدث في سوريا، التي حصرت النظام في زوايا ضيقة وشتتت البلد بيد ميليشيات ومافيات وعصابات تعتمد في معظمها الغطاء الديني السهل لتنفيذ عملياتها الإرهابية، كما يحصل اليوم في عفرين المستباحة، وفي كثير من المناطق الأخرى ذات الإدارة شبه المستقلة، بينما تم تقزيم النظام وتقطيع معظم أذرعه، والإبقاء على هيكله لحين اتخاذ القرار بمصيره.

إنّ مجرد هروب دكتاتور لا يعني إنجاز الثورة أو التغيير المرتجى، فقد سجل التاريخ الكثير من عمليات الهروب والعودة، وما زالت ثورة مصدق الإيرانية وهروب الشاه في الذاكرة السياسية للشعوب الإيرانية، وفي تونس ما زالت قوى هذا الدكتاتور وغيره مهيمنة على كثير من المفاصل المهمة في الدولة والمجتمع، وهي قادرة على إحداث تغييرات بالاتجاه الذي تريده وبالضد من آمال وتطلعات الأهالي، فمعظم المؤسسات المهمة في البلاد هي من إنتاج وتصنيع ذات الفكر الشمولي الذي صنعه الدكتاتور علي زين العابدين، ابتداء من المؤسسة العسكرية والأمنية وانتهاء بالبرلمان وكثير من أوساط الطبقة المتوسطة، وبهذه المسطرة نقيس ذات الأبعاد، في العراق واليمن وسوريا وليبيا ودول أخرى لا تختلف عنها، كما في أفغانستان وإيران، ومع كل الاحتمالات الواردة في الصراعات الجارية اليوم في هذه الدول والمجتمعات، فإنّ ما يحدث الآن ورغم بؤسه وقسوته أيضاً إلا أنًه يؤشر تطوراً نوعياً في الأداء الشعبي المعارض الذي تمثّل في اندلاع احتجاجات وتظاهرات كبيرة وعفوية اخترقت حاجز الخوف وتمردت على الميليشيات ونظامها الحاكم من دمشق إلى طرابلس وصنعاء وبغداد وتونس والجزائر، وهي بالتأكيد واحدة من أولى ردود الأفعال لعملية التغيير الجارية في بلاد الرافدين منذ الاحتلال في 2003 وحتى اندلاعها في تشرين 2019، بكل ما رافقها من إيجابيات خلاقة ومن أخطاء أو تشويهات من قبل معظم الأنظمة السياسية وأجهزة إعلامها التي تنتمي لعقلية وثقافة الحكم الشمولي.

ويقيناً، إنّ ما يجري هنا في العراق من عمليات إرهابية وتعقيدات لتأخير أو إعاقة تطوّر العملية السياسية والبناء الديمقراطي، إنّما تتورّط فيه كثير من الميليشيات والأنظمة ذات النظم المستبدة والدكتاتورية، لأنّها تتقاطع وطبيعة التكوين السياسي والاجتماعي للنظام الجديد وفلسفته في التداول السلمي للسلطة والاعتراف بالآخر المختلف، ولكي تنأى بنفسها وأنظمتها عن نيران التغيير التي تصبّ في خانة الشعوب وتعيد تعريفات كثير من المصطلحات والتسميات لكي لا يكون الرئيس موظفاً يؤدي خدمة عامة حاله حال أي موظف آخر، بل ليبقى كما يريدوه في كل هذه المنطقة، زعيماً ومنقذاً وملهماً فوق الشبهات والشك والنقد، لا شريك له ولا معترض، وهذه المرة باسم الرب بدلاً من الأمة أو الشعب.

إنّ ما يحصل اليوم في العراق وتونس يمثّل رسالة مهمة جداً لشعوب هذه المنطقة، بعد أن ذاقت الأمرّين من حكم الطغاة المستبدّين لعشرات السنين، وهي تبشّر ببداية عمليات تغيير واسعة النطاق في معظم هذه البلدان، ترافقها عمليات تشويه وصراع خفي لوأد الحركة أو تقزيمها من خلال ما يحدث من تداعيات أمنية تقوم بها أجهزة الأمن المرتبطة بنظام الحكم كما يحصل على أيدي الميليشيات في تعاملها مع المحتجّين، في محاولة لاغتيال الحركة أو الانتفاضة بشتّى الطرق والأساليب، مستغلّة الكثير من نقاط الضعف والتناقضات التي أنتجتها الأنظمة السياسية المستبدّة على كل الصعد، إنّهم يرعبون الناس بمقولة “إنّ أيّ تغيير في البلاد وطبيعة النظام ستؤول فيه الأحداث إلى ما آلت إليه في العراق من حمامات للدماء وحرب طائفية أو عرقية، وإنّ النظام الحالي مهما يكن فهو أفضل بكثير مما سيحدث من فقدان للأمن والسلم الاجتماعيين”، وبذلك يغطّون على تورّطهم بكثير من تلك الحمامات، وحتى الحروب الداخلية في العراق وسوريا وليبيا واليمن، إنّهم يحاولون اغتيال مبدأ الثورة أو الانتفاضة لدى الاهالي، من خلال الترهيب والاغتيالات والخطف وإشاعة الفوضى وعمليات السلب والنهب وفقدان الأمان، لتكريس الاستكانة والعبودية لدى العموم من الأهالي.

 

كفاح محمود كريم

 

علاء اللاميجاء رد السيد كاظم حبيب، الذي نشره في موقعيِّ الحوار المتمدن والمثقف، على مقالتي - والتي هي كما أشرت جزء أول من دراسة طويلة لم أنشر جزأها الثاني بعد - جاء رده منفعلا وعصبيا وشتائميا إلى درجة تثير الدهشة فعلا، ليس لقسوتها فقط، بل أيضا لأنها تأتي من رجل متقدم في السِّن وفي التجربة كما يُفترض. فهو يصف قولي إن مقالته عن الفرهود في بعض فقراتها "لا تخلو من تملق الدولة الصهيونية التي بادرت إلى إعادة نشرها في الموقع الرسمي لوزارة خارجيتها"، يصفه بأنه (ادعاءات وأحكام غير مبررة واتهام تافه) في جملة واحدة، وفي جملة أخرى يصفه بـ (التهمة الدنيئة) في جملة أخرى (بالاتهام الخبيث الدنيء) وفي أخرى يعتبرها (اتهاماً لا يليق بكاتب يحترم نفسه). كل هذه الشتائم من كاظم حبيب "الذي يحترم نفسه وسنَّه" لها دلالة واحدة تعبر عن شدة الصدمة التي أصيب بها حتى انكشف تماما موقفه الفكري والسياسي التطبيعي والممالئ للدولة الصهيونية والمروج لصديقه الكاتب الصهيوني الإسرائيلي الذي يصفه بأنه "محب لدولته إسرائيل"  شموئيل موريه، صدمة تسببت بها مقالة واحدة تجرأ صاحبها على مقاربة الحقيقة في موضوع الفرهود وتهجير اليهود العراقيين من منطلق الدفاع عنهم ولكن ليس على حساب الحقائق، فاستشاط حبيب غضبا وراح يقذف بالشتائم يمينا وشمالا، وراح يعيد ويكرر متباهيا أنه كتب كتابا يقع في ثمنمائة صفحة حول "يهود العراق ومواطنتهم المنتزعة"، مروجا نفسه ومادحا إياها بالقول (تبلورت لديّ أثناء دراستي ما سجلته من رؤية تحليلية واقعية وموضوعية) مؤكدا ببهجة لا تخفى أنه أورد في كتابه ذي الثمانمائة صفحة، وقبل عشر سنين من الآن (ما يكفي من البراهين والأدلة والوثائق التي يجد فيه القارئ والقارئة الردّ المفحم ضد ادعاءاته - علاء اللامي -  الفارغة واتهامه السيء والمعيب والمسبق الصنع الذي طرحه علاء اللامي ضدي). ولكن لغة الوقائع على الأرض تقول لنا شيئا آخر:

لم يرد كاظم حبيب أو يناقش أياً من الأسانيد والوثائق - ومنها وثائق إسرائيلية سرية كشف النقاب عنها مؤخرا - والآراء والمعلومات التي أوردتها اقتباساً عن الدكتور عباس شبلاق، وعن الإسرائيلي نائب رئيس الموساد السابق نحيك نفوت، والأستاذة الجامعية اليهودية المنصفة إيلا شوحط، ولا للوثائق المهمة التي نشرها موقع "jewishrefugees" باللغة الإنكليزية والعائد بعضها لعصابات الهاغاناه الصهيونية، ولا لأقوال المحامي الإسرائيلي من أصل عراقي كوخافي شيمش والتي تؤكد كلها مسؤولية الكيان الصهيوني ومخابراته ومعها مسؤولية حكومة النظام الملكي الهاشمي في العراق عن أحداث الفرهود وتهجير اليهود العراقيين القسري وتنسف كل الثرثرة المملة التي كتبها كاظم حبيب في مقالته الأولى، وعاد وكررها في مقالته الجوابية وكأنه لم يقرأ من مقالتي سوى تلك الجملة ( يقول علاء اللامي: أن المقالة "لا تخلو من تملّق الكيان الصهيونيّ ومؤسّساتِه الإعلاميّةِ والسياسيّة")، فثارت ثائرته وطاش لبُّه، كيف لا وقد تعود على تصفيق المداحين وردح والرداحين! عفوا، لقد اقتبس حبيب - والحق يقال - أربع فقرات من مقالتي ولكنه تركها معلقة كما هي في نص مقالته دون تعليق، فهل هذه طريقة جديدة في النقد والسجالات الفكرية؟

 

من جهة أخرى، لم يُثبت حبيب لقارئه كيف كان كلامي عن تملقه للكيان الصهيوني "ادعاءات واتهامات تافهة وخبيثة ودنيئة من كاتب لا يحترم نفسه"، وهل ينكر أن مقالته تلك قد نشرت في موقع وزارة خارجية الدولة الصهيونية فعلا، وأنني افتريت عليه وكذبت في هذا الصدد؟ ثم إنني لم أقل إن كاظم حبيب نشر مقالته هناك بل قلت حرفيا (بادرتْ وزارةُ الخارجيّة الصهيونيّة إلى نشر فقراتٍ ضافيةٍ من دراسته، ضمن مقالةٍ إطرائيّةٍ بقلمه أيضًا، حول مذكّرات الأديب الإسرائيليّ من أصل عراقيّ شموئيل موريه)، أم أنه يعترف بتلك الواقعة ويتبرأ من المسؤولية الشخصية عنها؟ وهنا، فهذه مشكلته هو، ولا علاقة لها بالسجال السياسي معه حول موضوع تاريخي وسيامجتمعي آخر، ومن الأفضل أن يتعلم كيف يجيد كتابة أفكاره في جمل وفقرات واضحة ودقيقة، فالتباهي بالمؤلفات وبعدد صفحات كتبه ومديحه لنفسه وطريقته في الكتابة "الموضوعية"، فكل هذا بات يعتبر في النقد الحديث نوعا من النزعات النرجسية والانفصال عن الواقع.

لنعد الى المقالة الرد لكاظم حبيب، غاضّين النظر عن السرد الطويل فيها حول الوضع السياسي في عراق الأربعينات، ومواقف الحزب الشيوعي العراقي من انقلاب الكيلاني الذي انقلب من التأييد الحماسي للانقلاب إلى المعارضة التامة، ومحاولات حبيب شيطنة الاستقلاليين العراقيين والقوميين منهم خاصة. وتحويل هؤلاء إلى نازيين هتلريين صرحاء رغم أنوفهم وأنف التاريخ، وليسوا ساسة استقلاليين ضد الاحتلال البريطاني يبحثون عن أي حليف دولي ليساعدهم على نيل استقلال بلادهم. ومتى؟ في وقت لم يكن فيه التعامل وحتى التحالف مع ألمانيا النازية العنصرية آنذاك وكما يعرف الجميع مثلبة أو جريمة. أقول هذا رغم احتقاري ورفضي كماركسي للنازية العنصرية التي لا تختلف كثيرا عن الصهيونية العنصرية المعاصرة ودولتها المسخ الخرافية الأيديولوجية "إسرائيل"، فقد عقدت الدول الأوروبية بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا مع هتلر اتفاقية ميونخ في 30 أيلول/ سبتمبر 1938، وعقد الاتحاد السوفيتي اتفاقية مع هتلر في عهد ستالين هي اتفاقية "مولوتوف - ريبنتروب" ووقعت في العاصمة السوفيتية موسكو بحضور ستالين شخصيا في 23 آب/أغسطس 1939، وتم بموجبها اقتسام بولندا بينهما، إضافة إلى استيلاء الاتحاد السوفيتي على إستونيا ولاتيفيا وليتوانيا وأجزاء من فلندة، واستقبال ستالين شخصيا لريبنتروب وزير خارجية هتلر. كل هذا حدث قبل سنتين فقط من حركة الكيلاني والعقداء الأربعة، وقبل سنة واحدة من زيارة مفتي القدس الى برلين ولقائه بهتلر في تشرين الثاني / نوفمبر 1941. وهكذا يكون في عرف وموضوعية كاظم حبيب حلالا على ستالين أن يوقع معاهدة دولية مع هتلر، وحرام على غير ستالين كالحسيني الذي تطارده بريطانيا كإرهابي بعد فشل ثورته المسلحة لتحرير فلسطين، التي ستمنحها بريطانيا لاحقا للحركة الصهيونية زيارة برلين ولقاء هتلر!  وعموما، فلن أتوقف طويلا عند هذه التشنيعات، فقد قلت ما يكفي لتفنيدها في مقالتي ولم يرد حبيب على النقاط المحددة التي أثرتها بل راح يسهب ويلف ويدور ويكرر قناعاته الفاسدة ذاتها التي كتبها في مقالاته وكتابه. 

ولكي يحاول حبيب التخفيف من تملقه للكيان الصهيوني، يكرر علينا الأفكار التبريرية ذاتها التي أخذت تكررها وزارة خارجية دولة عيال زايد ودول المتصهينين العرب الآخرين والمتساقطين في مستنقع التطبيع هذه الأيام، وكأنهم يقتبسونها حرفيا مما كتبه كاظم حبيب حيث قال مبررا تطبيعيته وترويجه للدولة الصهيونية لقد (اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل وكذلك عديد من الدول العربية وتقيم معها علاقات دبلوماسية منذ سنوات، منها مثلاً مصر والأردن، إضافة إلى دول عربية جديدة أخرى. كما إنها - إسرائيل- دولة عضوة في الجمعية العامة للأمم المتحدة). وبعدها يقفز حبيب إلى اعتبار العدو هو علاء اللامي وأمثاله لأنهم (جزء من النهج والسياسة والخطاب التدميري الذي تعرضت له القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من جراء تلك المزايدات البائسة)، مسجلا على اللامي "جريمة" جديدة وهي أنه يستعمل في مقالته تعبير "الكيان الصهيوني"، لأن هذا التعبير كما يقول حبيب هو (الذي تمارسه القوى القومية اليمنية المتطرفة وقوى الإسلام السياسي المتطرفة وإيران)! وباختصار ووضوح، فالسيد كاظم حبيب لا يكتفي بأنه ارتضى لنفسه الوقوع في مستنقع التطبيع والصهيونية بل يريد أن يجبر الآخرين على السقوط معه فيه، ويقسرهم على استعمال مصطلحاته الكتابية والتخلي عن مصطلحاتهم ولغتهم الخاصة بهم.

في نهاية مقالته، يتبرأ حبيب من عار نشر مقالته في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، فيحاول التخفيف من وطأته أيضا: أولا، بالقول إنها لم تكن مقالة تلك التي نشرها موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية بل مقتطفات من مقالة، وثانيا، بالقول إنه ليس (مسؤولاً عن هذا النشر، إذ أن عشرات المواقع الديمقراطية العراقية والعربية وغيرها قد نشرت هذا المقال). وطبعا، لم يتوقف حبيب عند دلالات إقدام موقع الخارجية الصهيونية على نشر المقال كاملا وبضمنه فقرات ضافية من مقالته حول الفرهود، ولم يتساءل: هل تنشر الخارجية الصهيونية مقالات لعراقيين أو عرب أو حتى ليهود تقدميين آخرين إن لم يكونوا يدافعون عن الكيان أو يتملقونه ويروِّجون قناعاته العنصرية الخرافية؟

لنلقِ نظرة الآن على مقالة حبيب الأخرى التي تبرأ من نشرها في موقع وزارة الخارجية الصهيونية، لنرى بوضوح أشد عدداً من المقولات الصهيونية التي يروجها كاظم حبيب ثم ينسى أو يتبرأ من أنه يروجها، ففي معرض امتداحه للكاتب الإسرائيلي الصهيوني -المولود في العراق - شموئيل موريه، يكتب في مقالته تلك دفاعا حارا عن إسرائيلية موريه و"حبه لدولته إسرائيل"، وقد لا يتوانى كاظم حبيب عن امتداح حب شموئيل للمنزل الذي يعيش فيه بعد أن اغتصبه - كسائر المستوطنين آنذاك كما نرجح - من أسرة فلسطينية تعيش في مخيمات اللجوء الآن، فيكتب (لا شك في إن الرجل المحب لبغداد - شموئيل موريه - وأهلها والذي أجبر على الهجرة إلى إسرائيل يحب بلده إسرائيل ودولته، سواء أكان موافقاً على سياسات الدولة وحكوماتها المتعاقبة أم اختلف ويختلف في بعض منها ومع هذه الحكومة أو تلك. وهو أمر طبيعي لكي لا يذهب بالبعض منا تصور خاطئ، وأعني بذلك إن حبه لبغداد وأهل العراق يجعله ضد إسرائيل أو غير محب لها. فإسرائيل وطنه الجديد بعد أن طرد من وطنه الأول، العراق... وأن حبه لوطنه إسرائيل وحبه لشعبه يتحركان فيه دوماً)! وكيف لنا أن نشك في "حب موريه لإسرائيل وشعب إسرائيل" فهو مفهوم؟ ولكن شكنا سيطول كل من يروِّج له ويدافع عن أمثاله ثم يدعي التقدمية، ولن ترهبنا اتهاماته بالتطرف والإرهاب، خصوصا وأن هناك يهودا عراقيين وغير عراقيين شرفاء ومناهضين للصهيونية رفضوا أن يعيشوا في دولة الكيان وعاشوا كسائر المنفيين والمهاجرين العراقيين في الدول الأوروبية وغير الأوروبية ومنهم أقلام وشخصيات تقدمية معروفة لكاظم حبيب وسواه، وقد عرفت بستة وثلاثين منهم، بينهم يهود عراقيون وعرب وأجانب في سلسلة موجزة ومصورة نشرتها في كتيب صغير تبدأ بالمناضل الماركسي الراحل إبراهيم سرفاتي من المغرب، وتنتهي بالروائي والحقوقي يعقوب كوهين من أصل مغربي يعيش في فرنسا ويحمل جنسيتها.

ولكن إذا أهملنا شتائم كاظم حبيب وتكراره لمقولات وزارات الخارجية في دول التطبيع والاستسلام الخليجية ومديحه لنفسه ولكتاباته فما الذي تبقى ليكون موجبا للرد على هذه الثرثرة الطويلة وكأنها صفة عريقة في كتابات الرجل الرتيبة والمملة؟ لا شيء تقريبا يستحق الرد أو الإشارة، ربما باستثناء رده على تعليلي لوقوع أحداث الفرهود المأساوية والمدانة بالظرف السياسي العراقي الذي كان قائما آنذاك، أعني ظروف سحق القوات البريطانية لانقلاب مايس -آيار 1941 بقيادة السياسي العراقي رشيد عالي وحلفائه العسكريين العقداء الأربعة وإعدامهم وفرار الكيلاني لاجئا إلى السعودية وإعادة العائلة المالكة الهاشمية وعملاء بريطانيا إلى الحكم بالطائرات والدبابات البريطانية. إن كاظم حبيب يخطئني في هذا التعليل، فيكتب (كل الدراسات والبحوث المنشورة حتى الآن، وكل الوثائق التي تحت تصرفي والدلائل التي توصلت إليها من خلال قراءاتي لكثرة من تلك الكتب والأبحاث والاستقصاءات التي قمت بها واللقاءات التي أجريتها مع عدد كبير نسبياً ممن عاش تلك الفاجعة من اليهود والمسيحيين والمسلمين، أو من عرفها عن قرب وعن تلك المرحلة، تبلورت لديّ أثناء دراستي ما سجلته من رؤية تحليلية واقعية وموضوعية، بشهادة من كتب عن الكتاب، لتك الأحداث التي بدأت مع نهاية العشرينات وكل الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن العشرين في العراق، وكذلك ما كان يحصل في فلسطين وثورة الشعب الفلسطيني في الثلاثينيات من القرن العشرين، سواء في المقال المذكور أم في كتابي المشار إليه: "يهود العراق والمواطنة المنتزعة"...) رغم ركاكة هذه الفقرة لغويا، وفوضويتها الأسلوبية المعيبة، يمكننا أن نفهم منها أن كاتبها يعتقد بأن أسباب واقعة الفرهود أو ما يسميها هو "فاجعة اليهود" بدأت في نهاية العشرينات وكل الثلاثينات وأوائل الأربعينات من القرن العشرين، وكأن اليهود العراقيين كانوا يعيشون حالة حرب شُنت عليهم من الغالبية العربية المسلمة طوال ثلاثة عقود، وهذا رأي لم يقل به أشد اليهود العراقيين تطرفا وصهيونيةً كالحاخام عوباديا يوسف زعيم حركة ساش الصهيونية المتطرفة - المولود في البصرة العراقية سنة 1924-، بل إن حبيب يوضح هذه الفرية الملفقة في عبارة أخرى يقول فيها (لقد بدأ التمييز والعداء لليهود في العراق بوقت مبكر من ثلاثينيات القرن الماضي وأصبح واضحاً حين أصدر، ولأول مرة، وزير الاقتصاد والمواصلات أرشد العمري في عام 1934، وبموافقة الحكومة العراقية ورئيسها علي جودت الأيوبي، قراراً بفصل 150 موظفاً في وزارته كلهم من يهود العراق بحجة النشاط الصهيوني). إن تعليلات كاظم حبيب لحدثي الفرهود وتهجير اليهود العراقيين تنطوي على تبرئة ضمنية ولكنها واضحة للكيان الصهيوني ومخابراته من جريمة استهداف اليهود العراقيين لدفعهم الى الهجرة وهي تبرئ أيضا الاستعمار البريطاني ونظام الحكم الملكي التابع له في العراق من المساهمة الفعلية في تلك الأحداث المأساوية.

أما الواقع التاريخي على الأرض فينسف كل هذا الهراء بضربة واحدة، ويقول لنا، إن حكاية تهجير اليهود العرب من بلدانهم كانت خطة صهيونية في الأساس، شاركت في تنفيذها الأنظمة الرجعية العربية في المغرب واليمن والعراق وكانت تبحث عن أي مبرر. لنقرأ هذه الخلاصة التي كتبها الروائي اللبناني نبيل خوري في مقالة له بعنوان "من قتل المهدي بن بركة - كيف مهدت إحدى أكبر الجرائم السياسية للتطبيع المجاني الحاصل حالياً بين دول عربية واسرائيل؟" كتب (الحكاية بدأت بعد موت الملك محمد الخامس، وتسلم الحسن الثاني العرش عام 1961. ففي الفترة الممتدة بين تشرين الثاني -نوفمبر 1961، وربيع 1964، أنجزت العملية التي يطلق عليها الاسرائيليون اسم "عملية ياخين". وعملية "ياخين" هي جزء من سلسلة عمليات كان هدفها تهجير اليهود العرب: فكانت عملية "بساط الريح" في اليمن 1949-1950، وعملية "عزرا ونحميا" في العراق 1950-1952، و"ياخين" في المغرب.  هذه العمليات الثلاث تمت بالتواطؤ والتعاون مع حكام هذه الدول، وكان لا بد من اليهود العرب لسد النقص الديموغرافي اليهودي في اسرائيل. هذه العمليات الثلاث كانت التطبيع الذي مهّد للتتبيع الحالي، لأنها كشفت أن الأنظمة الاستبدادية ساهمت في تأسيس دولة اسرائيل، وكانت شريكاً للصهيونية في طرد الفلسطينيين من أرضهم، وفي تأسيس ثنائية الاستبداد- الاحتلال التي تهيمن على العالم العربي/موقع صحيفة "السفينة" عدد 24 آب -أغسطس 2020).

وكعادته، لا يكلف حبيب نفسه عناء التساؤل فيما إذا كانت هذه الممارسات ضد اليهود العراقيين التي ينسبها مثلا للرئيس الوزراء الملكي علي جودت الأيوبي وغيره من مسؤولين ملكيين عراقيين هي تصرفات فردية تحسب على من قام بها في مجتمع تعددي منفتح كالمجتمع العراقي آنذاك، أم إنها نتاج تعاون بين النظام الملكي الهاشمي العميل لبريطانيا وبين الكيان الصهيوني، وهو التعاون والتنسيق الذي اعترف به الصهاينة أنفسهم وذكرنا في مقالتنا أمثلة عليه وردت في وثائق سرية للموساد وغيره، ونشرت في كتب ومقالات لإسرائيليين، وبلغت درجة التفاوض بين توفيق السويدي وعميل الموساد شلومو هليل لاحقا، كما يخبرنا د. عباس شبلاق في كتابه (هجرة أمْ تهجير: ظروفُ وملابساتُ هجرة يهود العراق) الذي اقتبسنا عنه، لتسهيل تهجير اليهود العراقيين الى الكيان الصهيوني بكل الوسائل والدوافع والطرق بما في ذلك تفجير القنابل في كنيس "مسعودة شنطوف" ببغداد وقتل اليهود أنفسهم! في حين أفادت شهادات أخرى ليهود عراقيين كانوا من ضحايا التهجير إن المفاوضات جرت بشكل غير مباشر بين نوري السعيد وبن غوريون بواسطة شلومو هليل ومن هؤلاء المحامي شميش والناشط المدني صديق صديق الذي قال لصحيفة المشهد الإسرائيلي ("أنا مولود في العراق. وهاجرت إلى إسرائيل في العام 1951. ولم أهاجر وحدي، وإنما بلغ عدد العراقيين الذين جاؤوا إلى إسرائيل في هذا العام قرابة 130 ألف عراقي".وقال ايضا: ومجيئنا إلى إسرائيل تم من خلال مؤامرة وصفقة جرى تنفيذهما في العام 1949، في سويسرا بين [رئيس الحكومة العراقية] نوري السعيد ودافيد بن غوريون [رئيس حكومة إسرائيل]. وقضت هذه الصفقة ببيع يهود العراق، من خلال مغادرتهم لبلادهم والمجيء إلى إسرائيل". وقال في المقابلة: "إحدى الوسائل التي استخدمت لإرغام يهود العراق على مغادرة وطنهم هي أن الحركة الصهيونية، بواسطة عملائها، نفذت تفجيرات في كنس اليهود، من أجل أن يقال إن العرب يفجرون الكنس كي يطردوا اليهود. لكن تم إلقاء القبض على يهود كانوا ضالعين في تفجير الكنس اليهودية في بغداد/ مقالة لمحمد محفوظ جابر على صفحة "الضفة الفلسطينية عدد 14 تشرين الثاني –نوفمبر 2012 ). الراجح عندي أن المفاوضات بين الحكومة الصهيونية والحكومة الملكية العراقية بدأت في حكومة السويدي التي انتهت عهدتها في 15 أيلول سنة 1950 واستمرت في عهد حكومة نوري السعيد التي خلفتها مباشرة.

إن تعليل أحداث الفرهود بـ "روح العداء لليهود لدى العرب والمسلمين" هي مقولة عنصرية أشاعها الإعلام الصهيوني الإرهابي نفسه، وقد رد عليها كتاب تقدميون وموضوعيون يهود وإسرائيليون كثر، أذكِّر هنا بما قالته الأستاذة الجامعية إيلا شوحط بهذا الصدد حيث كتبت - وكأنها ترد على ما كتبه كاظم حبيب تحديدا- (إنّ إدانةَ العنف الذي مورِس ضدّ اليهود خلال الفرهود يجب ألّا يُستغلَّ "لمساواة العرب بالنازيّين، وتكريسِ السرديّة المزوّرة حول العداء الإسلاميّ الأبديّ للساميّة." وتمضي شوحَط أبعدَ من ذلك، فتتّهم الخطابَ الأورومركزيّ بإسقاط تجربة إبادة اليهود في أوروبا على ما حدث في العراق، مسجّلةً "أنّه خلال أعمال الفرهود حمى بعضُ المسلمين جيرانَهم من اليهود،" وأنّ أقلّيّةً من اليهود بقيتْ رغم الفرهود وبعد التهجير الجماعيّ في وطنهم العراق. ومن أسباب بقاءِ هؤلاء، في رأي شوحَط، "أنّهم اعتبروا أنفسَهم عراقيّين أوّلًا وأساسًا، و/أو لأنّهم اعتقدوا بأنّ هذه عاصفةٌ ستمرّ، و/أو لأنّهم، ببساطة، لم يشاؤوا أن ينسلخوا عن حيواتهم.". وكمثالٍ على ذلك، تذْكر شوحَط عائلةَ كبير حاخاماتِ اليهود العراقيّين، الحاخام ساسون خضوري، إذ إنّ "أكثرَ أبنائه هاجروا إلى إسرائيل، فيما بقي بعضُهم الآخر في العراق،" وفي مقدّمتهم الحاخام خضوري نفسُه وابنُه شاؤول حتى وفاة الأوّل ببغداد سنة 1971) هذا الكلام للباحثة اليهودية المنصفة إيلا شوحط كنت قد اقتبسته في مقالتي ولكن كاظم حبيب لم يأبه له، أو ربما لم يره ويقرأه في غمرة انفعاله وغضبه من وصفه بالتملق للكيان الصهيوني. والحقيقة هي أنني ربما تسرعت في وصفه بالمتملق للكيان الصهيوني فهو أسوأ من المتملق بكثير بعد أن أماط هو اللثام عن أفكاره المتصهينة ويكشف عن  حقيقة دوره كمروج للفكر الصهيوني، يكرر المقولات العنصرية الصهيونية ودون أدنى خجل أو ذكاء تحريري، ويطري ويمتدح الشخصيات الصهيونية وحبها لدولتها "إسرائيل" ويستقرأ وقائع التاريخ بعينين صهيونيتين عنصريتين تروجان للتطبيع ولما هو أسوأ من التطبيع، وهو في كل ذلك يغمض عينيه مزيدا من الإغماض عن فاجعة مستمرة أخرى هي فاجعة الشعب الفلسطيني الذي اقتلع من وطنه ورمي به في مخيمات اللجوء ليستوطن في بيوته وقراه ومدنه أمثال صديقه شموئيل موريه، إذ يبدو أن كاظم حبيب لم يسمع بعد بفاجعة الشعب الفلسطيني أو أنه متخصص بنوع آخر من الفواجع.

حقا، لقد ألحق كاظم حبيب وأمثاله من تطبيعيين ومتصهينين، يحسبون أنفسهم على اليسار العراقي، عارا ولطخة سوداء بتراث وسردية الحركة الشيوعية العراقية، التي عرفت تاريخيا بأنها الحركة الأكثر كفاحية وصدقا في مناهضتها للصهيونية ماضيا، وانحازوا لانتهازية عبد القادر البستاني وجماعة باريس "اللجنة العربيّة الديموقراطيّة" في وثيقتهم المجللة بالعار (أضواء على القضية الفلسطينية). وهاهي الجماعة المتصهينة تبعث من جديد في صورة كاظم حبيب وأمثاله، فتتآمر ضد تراث فهد وحزبه المناهض للصهيونية، وخانوا دماء شهداء اليسار العراقي بدءا من شاؤول طويق، اليهودي العراقي اليساري المقتول برصاص الشرطة الملكية العراقية، لأنه تظاهر ضد الكيان الصهيوني ودفاعا عن فلسطين وشعبها، ومرورا بشهداء العراق في صفوف المقاومة الفلسطينية ضد هذا الكيان. ولكن هذا العار وهذه اللطخة السوداء ستكونان - في حساب الأجيال والتاريخ - حكرا على هؤلاء المرتدين المتصهينين ولن تضر الشرفاء الأنقياء من جيل الثوريين الشجعان العظماء شيئا!

وأخيرا، فسيكون هذا هو ردي الأخير على السيد كاظم حبيب على الأرجح، إلا إذا تعلم كيف يساجل ويكتب ويرد على الآخرين باحترام ومنطق ولغة مفهومة وبلا شتائم لا تليق بسنِّه وأن يرد على نقاط محددة جاءت في مقالتي ردودا واضحة ودقيقة!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

.................................

للاطلاع

ماذا في جعبة علاء اللامي حول فاجعة الفرهود ضد اليهود في العراق؟ (1) / د. كاظم حبيب

 

 

علي المرهجالفشل معناه عدم قدرة هذه الجماعات المدعية احتوائها للإسلام على تحقيق الأفضل لمجتمعها، ولا نحتاج للتدليل على فشل جماعات الإسلام السياسي في قيادة الأمة لما فيه تقدم لأمتنا الإسلامية أو العربية.

لم تنجح تجربة الإسلام السياسي طويلاً ممثلة بحكم الدولة الإسلامية في إيران التي تبنت مواجهة العالم لتكون المُتصدية لما سُميّ بخط الممانعة والمقاومة، فإيران تعيش اليوم ومن قبل أشد حالات الحصار والتغييب المقصود لتاريخها ودورها. اضافة الى فشل الإسلام السياسي الإيراني في التعايش مع المعارضة لا السياسية فقط بل الفكرية أيضا، ليكون مصير خط الاصلاح في إيران هجر كبار العقول كسروش وكديور، بنيما بقي كروبي وحسين موسوي وخاتمي في الاقامة الجبرية ليومنا هذا.

أخفقت جماعة الأخوان المسلمين في مصر، حينما تمكنت هذه الجماعة من مسك زمام القيادة فيها، فآل مصيرها للصراع وخروج ملايين المصريين لرفض حكم الأخوان المسلمين وصولاً لتمكن (السيسي) من الوصول للسلطة.

في العراق أثبتت جماعات الإسلام السياسي فشلها بامتياز في إدارة الدولة والوصول بها لبر الأمان، فحصل ما حصل، وكاد العراقيون أن يقتتلوا فيما بينهم سنة وشيعة.

لا تحتاج لدليل حتى تُثب فشل تجربة الإسلام السياسي الشيعي في العراق، ولن تتعب بمجرد زيارة مناطق الجنوب والوسط بأغلبيتها الشيعية لتكتشف بؤس ما يعيشه جماعات هذا المكون التي تصرخ كل ساعة وكل يوم (ماكو ولي وانريد قائد جعفري) ليصل بها الحال يأساً، لتنشد معترضة (ماكو ولي إلا علي ومنريد قائد جعفري)!، و (منريد قائد جعفري تاليها يطلع سرسري)!.

الإسلام السياسي في ليبيا له ىجذوره منذ حركة (السنوسي)، لتنشط حركة (الإخوان المسلمين) فيها بعد سقوط القذافي، ليكشفوا عن غياب الوعي السياسي عندهم، وبعد حين يكتشف الليبيون عقم التفكير السياسي عند هذه الجماعة التي انبرت جماعتها لتضع نفسها موضع الإصلاحيين والنهضويين، كما هو حال جماعات الإسلام السياسي في العراق ومصر، لتدخل في معادلة (التكفير) لكل مخالف لها!!.

بعد حين تشضت الحركة لتكون جماعات منها تأخذ قراراتها من الخارج وأخرى لا طاقة لها لقبول الديموقراطية بوصفها منهج وطريقة حياة.

غاب المشروع الوطني في ليبيا، فآل مصيرها لما هي فيه الآن من تشتت وتشظي في الولاء لآخر، وغياب الوعي بقيمة الهوية الوطنية.

كانت جماعات الإسلام السياسي في تونس أكثر وعياً من باقي الجماعات الإسلامية التي تمكنت من مسك الحكم في دولها، ليكون راشد الغنوشي صمام أمام لهذه الجماعات واستمرار تأثيرها في السوسطين السياسي والاجتماعي.

كشف السياسي البارز في حزب النهضة التونسي (لطيف زيتون) عن فشل الإسلام السياسي في تونس، فكانت هذه (الجماهعة) مصدراً لتقسيم المجتمع التونسي لا لوجدته.

ليس المهم أن تُقارع الاستبداد، ولكن المهم والأهم في رؤيتك أن تعرف قدرتك وقدرة الجماعة الذين معك على إدارة الدولة بما ينقلها لحال أفضل.

أثبت الإسلام السياسي بتجربته القصيرة في الحُكم على أن جماعته يُجيدون تشتيت الموحدين، ولا قُدرة لهم على جمع المشتتين.

إنهم يحكمون بإسم الحق الذي يظنون أنهم يمتلكونه، ولم يقدروا أن يُقنعوا أنفسهم ويجمعوا شتات التيارات الإسلاميمة المختلفة مع من تمكن من الوصول لقيادة الدولة.

إن لم تكن لديك القدرة على جمع المخالفين لك في الرؤية لا في العقيدة، فتأكد أنك ستفشل في نيل مقبولية من يختلف عنك في العقيدة وتصوراته للوطنية.

الوطن لا يٌحكم برؤية عقائدية يدعي المسؤول فيها أنه (ابن المذهب)، أو (ابن الدين) وأنه محكوم بتكليفه الشرعي!.

الوطن يعني أنك تقبل كل مختلف معك وإن لم يقب بعقيدتك أو مذهبك أو دينك، تقبله لأنه مواطن له حقوق وعليه واجبات، والحقوقو والواجبات ليست دينية ولا مذهبيثة ولا عرقية، كما الحقوق، لأنها من متطلبات المواطنة الحقة.

لا يُمكن لجماعات الإسلام الإسلام السياسي سنية كانت أم شيعية، وقل إسلامية كانت أم من ديانات أخرى أن تعي هذا الخطاب الذي يجعل المواطنة أولوية.

لذلك لن ينجح جماعات الإسلام السياسي في حكم دولة عربية أو إسلامية متعددة الأطياف والمذاهب والأديان، لأنهم يُغلّبون العقيدة على المواطنة وإن ادعوا غير ذلك.

 

ا. د. علي المرهج

 

 

كاظم حبيبالإيديولوجية القومية اليمينية المتطرفة وانقلابيو مايس 1941 في العراق

في هذه الحلقة الثانية سأطرح رؤيتي وما توصلت إليه في أبحاثي عن انقلابيي مايس 1941 وعن تلك النقاط التي أثارها علاء اللامي في مقالته التي حاول فيها الإساءة المقصودة لي والانتقاص دون أدلة وبراهين من البحث العلمي في كتابي المنجز عن "يهود العراق والمواطنة المنتزعة" من خلال ذلك المقال، الذي يدعي بشكل مقصود عدم الاطلاع على هذا الكتاب رغم صدوره في عام 2015 ومقاله مكتوب في عام 2020 ومقالي عن انقلابيي عام 1941 منشور في عام 2011. يبدو بوضوح أن علاء اللامي مأزوم فكرياً وسياسياً ويدرك تماماً خطأ الادعاءات والاتهامات التي وجهها لي، لاسيما اتهام التملق للكيان الصهيوني ومؤسساته الإعلامية والسياسية، وسكوتي عن المؤسسات الصهيونية وإسرائيل فيما حصل من تهجير قسري للعائلات اليهودية من العراق إلى إسرائيل أو التغطية على العصابات الكردية التي كانت تساهم في تهجير اليهود سراً مقابل الحصول على أموال، وهو يعني بهم الأحزاب الكردية.

السؤال المهم الذي يستوجب الإجابة عنه هو: من هم انقلابيو أيار/مايس 1941 في العراق، وما الأهداف التي كانوا يسعون إليها؟

بعد مرور 80 عاماً على تلك الأحداث وصدور مئات الكتب التي تبحث في هذا الموضوع وفي فاجعة الفرهود ضد يهود العراق في عام 1941 تأكد بما لا يقبل الشك أن الحزب السياسي الذي كان وراء تنفيذ الانقلاب هو الحزب الذي تأسس عام 1940 باسم "حزب الشعب"1 وشكل مؤسسوه لجنة سياسية وعسكرية سرية مكونة من مدنيين وعسكريين. فمن هم المدنيون ومن هم العسكريون؟

المدنيون: المجموعة المدنية الأساسية التي شاركت في الانقلاب تنحدر سياسياً من مجموعتين هما:

المجموعة المرتبطة بنظام الحكم الملكي والمؤيدة له وعملت في كل الحكومات التي تشكلت قبل الانقلاب، ولكنها تمردت عليه في أعقاب فشل انقلاب بكر صدقي عام 1936. وأغلب هؤلاء الانقلابيون شاركوا في تنفيذ سياسة النظام الملكي العسكرية المناهضة لمصالح الشعب العراقي والمؤيدة للسياسة البريطانية في العراق، لاسيما في الموقف من الحركات السياسية في الفرات الأوسط وكردستان، وفي مقدمتهم رشيد عالي الكيلاني، وزير الداخلية حينذاك، وبكر صدقي العسكري. ومن بين الجماعات التي شكلت جزءاً من النخب الحاكمة حينذاك وعملت مع رشيد عالي الكيلاني نشير إلى ناجي السويدي وعلي الشيخ محمود الشيخ علي والدكتور محمد حسن سلمان وسامي شوكت وناجي شوكت وغيرهم. ويمكن لكتاب عبد الرزاق الحسيني تاريخ الوزارات العراقية بغض النظر عن نواقصه يقدم صورة جلية عن هؤلاء السياسيين، أو كتاب نجم الدين السهروردي الموسوم "التاريخ لم يبدأ غداً"- حقائق وأسرار عن ثورتي رشيد عالي الكيلاني 41 و58 في العراق2.  ومن الجدير بالإشارة إلى أن رشيد عالي الكيلاني كان رئيساً لوزراء العرق ثلاث مرات (الوزارة الأولى 20 أذار/مارس 1933 والوزارة الثانية في 9 أيلول/سبتمبر 1933 والوزارة الثالثة في 31 أذار/مارس 1940)، قبل أن يقود الانقلاب العسكري ويشكل حكومة الدفاع الوطني في الأول من شهر أيار/ مايس 1941.

المدنيون القوميون العرب الذين تبّنوا الفكر القومي اليميني والمتأثر بالفكر القومي النازي وبسياسات ألمانيا الهتلرية. وهنا ترد أسماء كثيرة من العرب العراقيين ومن عرب من دول عربية أخرى. من بين العراقيين نشير إلى: يونس السبعاوي، الذي أول من قام بترجمة ونشر كتابي كفاحي لأدولف هتلر في عام 1933، وناجي شوكت وسامي شوكت ومحمد مهدي كبة، وفائق السامرائي، محمد صديق شنشل وصائب شوكت وخالد الهاشمي ومتى عقراوي ودرويش المقدادي ومحمد علي محمود، وداود السعدي وآخرين. وجدير بالإشارة إلى أن محمد مهدي كبة وفائق السامرائي ومحمد صديق شنشل هو الثلاث الذي شكل في عام 1946 حزب الاستقلال القومي العربي الذي بدا معتدلاً ولكنه حمل ذات الأفكار التي برزت في عام 1935 في نادي المثنى بن حارث الشيباني. ويمكن الإشارة إلى مجموعة كبيرة ممن كانت في حزب الشعب (العربي) السري أو مؤيدة له من العراقيين والعرب منهم قاسم المفتي وغربي الحاج احمد وكاظم الصلح ودرويش المقدادي وقسطنطين زريق وفريد السعد، وعز الدين الشوا، وممدوح السخن ورشاد الشوا وخلوصي خيري وواصف كمال وفريد يعيش وسليم ألنعيمي وصلاح الدين الصباغ ومصطفى الوكيل وغيرهم3.

كما شكلت لجنة من مجموعة عربية تساند القوميين العراقيين العرب قبل وأثناء الانقلاب، منهم: الحاج محمد أمين المفتي، رشيد عالي الگيلاني وناجي شوكت وناجي السويدي ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة والعقيد إسماعيل حقي من العراق وشكري القوتلي وعادل أرسلان وزكي الخطيب من سورية، ويوسف ياسين وخالد الهود من العربية السعودية"4.  والجدير بالذكر أن الحاج محمد أمين الحسيني، الذي ترك القدس بعد ثورة الشعب الفلسطيني بين 1936-1939 إلى لبنان، ومن ثم إلى العراق عام 1940، كانت له علاقة مع المبعوث الألماني بمدينة القدس الدكتور فرتز غروبا،قام في حينها بترويج فكرة "الجهاد الإسلامي" ضد الاحتلال البريطاني واستقلال الدول العربية وضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين من خلال الادعاء بدعم ألمانيا لهذين النهجين5.  مع واقع إن مناهضة الوجود اليهودي في ألمانيا قد دفع لمن استطاع الهروب من المانيا التوجه إلى أوروبا ومنها إلى أمريكا ومنها إلى فلسطين أيضاً.  لقد كان لفرتس غروبا علاقات مع عرب فلسطين والحاج أمين الحسيني حين كان مبعوثاً لألمانيا بمدينة القدس بفلسطين قبل تعيينه في العراق. وبعد فشل الانقلاب وهروب رشيد عالي الكيلاني والحاج أمين الحسيني عينت وزارة الخارجية الألمانية فرتز غروبا مسؤولاً عن العلاقات معهما.

المجموعة العسكرية: العقداء الأربعة زائداً مجموعة من الضباط القوميين العرب العراقيين، منهم العقيد إسماعيل حقي.

جميع المدنيين القوميين العراقيين والعرب الذين عملوا في بغداد كانوا أعضاء في نادي المثنى الشيباني الذي تأسس عام 1935 واستمر رسمياً حتى عام 1937، وواصل نشاطه غير الرسمي حتى فشل الانقلاب العسكري في نهاية حزيران/يونيو 61941،  كما ساهم بتنظيم الوفود إلى ألمانيا لاسيما الطلائع والمشاركة والدفع بتشكيل نظام الفتوة في المدارس العراقية على طريقة تنظيم الطلائع في المانيا وشباب هتلر التي أسست في عام 1922-1945 والتي تشكلت منها فرق العاصفة في ألمانيا وكذلك في إيطاليا. ومن شبيبة العراق القوميين، الذين انتظموا في كتائب الشباب، شكّل منها يونس السبعاوي ميليشيا "فدائيو السبعاوي" التي قامت على صيغة تنظيم وفكر شبيبة ألمانيا الهتلرية وشبيبة موسوليني الإيطالية. كما كان النادي يستورد الأفلام من ألمانيا التي تقدم حياة الألمان في زمن النازية وتروج للفكر النازي الألماني.

لقد كان موقف هذه الجماعات، كما هو حال بقية العراقيين والعراقيات، مناهضاً للوجود البريطاني في العراق، والذي تبلور في ثورة العشرين وفي مناهضة معاهدة 1930 مع بريطانيا وضد تدخل السفارة البريطانية في الشأن العراقي حتى بعد إلغاء الانتداب البريطاني على العراق عام 1932. وكانت علاقة العقداء الأربعة ممتازة بالبيت الهاشمي للعالة المالكة ومع نوري السعيد. إلا أن وصول هتلر إلى السلطة باعتباره حزباً قومياً ومعاداته لبريطانيا بشكل خاص، دع عنك عداءه للسوفييت والشيوعية، قد ساهم ببروز تيار قومي يميني متطرف في صفوف القوميين العرب أعضاء النادي وفي القوات المسلحة العراقية الذين سعوا لتعزيز العلاقات مع ألمانيا أولاً، ومن ثم مع إيطاليا التي تسلَّم الفاشيون الحكم في وقت مبكر وفرضوا نظاماً شبيهاً بالنظام القومي النازي الألماني فيها.

من الصحيح القول بأن القوميين العرب كانوا ضد الهيمنة البريطانية على العراق. ولكن هذا الموقف ضد الهيمنة البريطانية قد اقترن منذ النصف الثاني من العقد الرابع من القرن العشرين بتحول في الفكر والممارسة السياسية إلى:

1) تبني الفكر القومي اليميني المتطرف من خلال تنشيط وتطوير العلاقات السياسية لنادي المثنى مع الجهات الرسمية والحزبية والشعبية الألمانية عبر القنصل الألماني؛

2) إقامة تشكيلات سياسية وشبه عسكرية في المجموعة العراقية مماثلة لما هو موجود في ألمانيا بشكل خاص؛

3) تعزيز العلاقات الثقافية بين نادي المثنى والشخصيات الفكرية القومية مع المؤسسات الثقافية الألمانية لاسيما الدعاية، ومنها الإذاعة والصحافة ونشر الكتب والأفلام الألمانية، وتنظيم المحاضرات في النادي لشخصيات عراقية وعربية وألمانية التي تتضمن دعوة مكشوفة للفكر القومي النازي المناهض لليهود والشيوعية والإنكليز ولصالح ألمانيا الهتلرية. وتنامى هذا النهج في عامي 1939-1941.

4) تبني متشدد مناهض لليهود في العراق بهدف الإساءة لهم وجعل وجودهم في العراق جحيماً لا يطاق، بسبب تفاقم الكراهية والحقد ضدهم. ولم تكن فاجعة الفرهود لتقع لولا تلك الأجواء المسمومة ضدهم، وكانت البداية التي انتهت بصدور قانون إسقاط الجنسية، والذي تناغم مع جهود الحركة الصهيونية العالمية وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في هدف إخراج اليهود من العراق ونقلهم إلى فلسطين، وفيما بعد إلى إسرائيل.

جدير بالإشارة إلى أن من الخطأ اعتبار كل القوميين العراقيين العرب قد تبنوا الفكر النازي حينذاك، إلا إن موجة الفكر النازية قد تفاقمت بحيث لم يعد يمكن التمييز بين من هم نازيون ومن هم غير نازيين.

إن قراءة التقارير الألمانية حول العلاقة بين القيادة الهتلرية والمجموعة القومية العربية العراقية، وكذلك المجاميع القومية في الدول العربية، ومنها فلسطين حينذاك، وكذلك كثرة من الكتب الصادرة باللغة العربية عن الجهات التي كانت مرتبطة بهذا التيار الفكري القومي وغيرهم، تكشف بوضوح تلك العلاقات المشبوهة التي تؤكد الموقف الكاره لليهود كيهود، رغم كونهم مواطنين عراقيين يحملون الجنسية العراقية (أ)، ولم يقوموا بما يستوجب أصلاً تلك الكراهية والمعاداة.

الحركة الصهيونية في العراق

لم يكن فكر وممارسة الحركة الصهيونية العالمية متغلغلين في أوساط اليهود العراقيين قبل مجيء الملك فيصل الأول إلى العراق. فالمعلومات المتوفرة تشير إلى أن بدايات النشاط الصهيوني في العراق تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي بمبادرة فردية محدودة تبناها اليهودي العراقي آهرون ساسون بن الياهو ناحوم الملقب بالمعلم. إلا إن هذه المبادرة لم تتعد حدود قراءة الصحف الصهيونية التي كانت تصل إلى العراق من فلسطين والولايات المتحدة وبريطانيا. وعند متابعة الأدبيات المتوفرة حالياً يظهر بأن النشاط الصهيوني في العراق كان أوسع من هذه المحاولة بدليل وجود ملف يحمل عنوان (النشاط الصهيوني في العراق 1899) في أرشيف جمعية الأليانس الإسرائيلية في باريس، يضم بين طياته مجموعة حوادث بضمنها رسالة كتبها آهرون المعلم."  فماذا جاء في هذه الرسالة؟7 تقول الرسالة المؤرخة في شهر نيسان/أبريل من العام 1919 ما يلي:

"إننا نتشرف بإعلامكم بأن الفكرة الصهيونية قد رسخت جذورها في قلب كل واحد من أبناء طائفتنا، وتلبية لطلب الجمهور فقد قررنا أن نؤسس جمعية صهيونية حتى لا يكون نصيبنا في مساعدة الشعب أقل من نصيب بقية أخوتنا، من ألواضح أن المهمات الأساسية لأعضاء جمعيتنا هي إعطاء المعلومات الكافية، ومساعدة أولئك الراغبين في الهجرة إلى البلاد بهدف الاستيطان وإحياء اللغة العبرية في أوساط شبان طائفتنا في العراق التي يربو عددها المائة ألف نسمة"8.  لقد كانت هذه الرسالة مبالغ فيها جداً، إذ لم يكن أهرون المعلم نفسه قد تيقن تماماً من أهداف الحركة الصهيونية من جهة، ولأن غالبية يهود العراق لم تكن قد عرفت شيئاً عن طبيعة الحركة الصهيونية من جهة أخرى.

إلا إن هذا قد تغير نسبياً بعد تولي فيصل الأول عرش العراق. فالمعلومات المتوفرة والوثائق المنشورة تؤكد أن اتفاقاً وقع بين حاييم وايزمن وفيصل الأول قبل تسلمه عرش العراق وبرعاية بريطانيا بأن يفسح الملك فيصل الأول المجال للحركة الصهيونية بالعمل في العراق. (أنظر الملحق رقم 1 اتفاق وايزمن وفيصل الأول). وكانت باكورة الأعمال التي قام بها الملك فيصل الأول بعد اعتلائه عرش العراق هي دعوته لوجهاء الطائفة اليهودية ببغداد ومنهم السر ساسون حسقيل وزير المالية، والسيد مناحيم صالح دانيال عضو مجلس المبعوثين في الاستبانة سابقاً، والسيد ألياهو العاني عضو المجلس التأسيسي العراقي فيما بعد وغيرهم وطلب منهم تأسيس جمعية لنشر الآراء الصهيونية وتعاليمها بالعراق. فما كان من الوجهاء إلا أن أجابوه بصوت واحد وبلا تردد أنهم يعارضون الفكرة جملة وتفصلاً معلنين له أنهم عراقيون يخلصون للعراق وحده ولا يرضون عن العراق بديلاً" 9. لقد كان هؤلاء الوجهاء من يهود العراق قد عرفوا وأدركوا النية التي تعمل لها هذه المنظمة اليهودية الدولية والتي يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة على يهود العراق والتي تبلورت في ثلاث أهداف أقرها المؤتمر الدولي الأول لهذه المنظمة بمدينة بازل في سويسر في 29 أغسطس/آب 1897 بقيادة تيودور هيرزل (1860-1904م)، وهي:

1- جمع التبرعات لضمان إرسالها للمنظمة الدولية لغرض شراء المزيد من الأراضي ودور السكن في فلسطين لصالح اليهود،

2- والتشجيع على تعلم اللغة العبرية وقراءة الصحف والمجلات بالاقتران مع تأسيس جمعيات صهيونية،

3- وثم تشجيع اليهود العراقيين على الهجرة إلى فلسطين والسكن فيها لمن يرغب بذلك وتوفير مستلزمات هذا السفر.

يشير الدكتور فرتز غروبا إلى "أن الملك فيصل الأول قد تسلم في عام 1933م خلال زيارته للندن اقتراحاً بتوطين مائة ألف يهودي في منطقة دجلة السفلى في موقع بين العزيزية والكوت وعرض على الحكومة العراقية في حالة قبولها الاقتراح فوائد مالية وقروضاً كبيرة بشروط سهلة! ولم يرفض الملك العرض بل أحاله إلى الحكومة العراقية للنظر فيه!" 10. وقد رُفض هذا الطلب من جانب الحكومة العراقية.

بعد وفاة الملك فيصل الأول تغير الموقف إزاء اليهود من جانب الحكومة العراقية الذي أشرنا إليه حين أقدم أرشد العمري على فصل 150 مواطناً يهودياً من وظائفهم في عام 1934، وبدء التحرش الفعلي المتزايد بهم في الدولة والمجتمع. يشير الكاتب الشيوعي العراقي، الذي رفض العيش في إسرائيل وبقي في لندن منذ تهجيره من العراق حتى وفاته في عام 2018 والذي وقف طيلة حياته ضد الفكر القومي الصهيوني، حسقيل قوجمان، الى تنامي العداء لليهود حينذاك  بما يلي:

ويشير إلى ذلك المواطن العراقي والشيوعي المعروف حسقيل قوچمان في إجابة له عن واقع الجالية اليهودية بالعراق، إذ كتب يقول: " منذ سنة 1937 بدأنا نحن الطلاب نشعر بوجود دعاية نازية بين الطلاب والمدرسين في المدارس المتوسطة والثانوية. كان ببغداد ناد يسمى نادي غروبا على اسم السفير الألماني بالعراق. كان هذا النادي يدفع لكل طالب ينتمي إليه 250 فلسا في الشهر وكان هذا المبلغ يكفي الطالب للسينما وشراء السجاير وحتى لتناول بعض وجبات الطعام خلال الشهر كله. وكانت تدفع للمدرسين مبالغ تتناسب مع رواتبهم الشهرية لدى الانتماء لهذا النادي. وطبيعي أن التثقيف في هذا النادي كان تثقيفا نازيا ومعادٍ لليهود بصورة خاصة. وفي العطلة الصيفية لسنة 1936 كان مهرجان رياضي في برلين اشترك فيه وفد عراقي يضم عددا من المدرسين والمثقفين والرياضيين العراقيين. وقد شعرنا بعد رجوع هذا الوفد بتأثير الاتجاه النازي عليهم. فأحيانا كان المدرس يلقي علينا محاضرة في صف به أغلبية يهودية موضوعه "كيفية إبادة اليهود في ألمانيا" بدون مراعاة لإحساسنا نحن اليهود الموجودين في الصف. وكان مدرس الفيزياء مثلا يلقي علينا محاضرة في قدرة الشعب الألماني على الاكتفاء الذاتي بزراعة البطاطا في بيوته إذا نشبت الحرب. ولم تكن هذه الثقافة عميقة في نفوس الطلاب. فلم نكن نشعر بيننا بالفرق بين الطالب اليهودي والطالب المسلم أو المسيحي. كنا جميعا كإخوان لا فرق بيننا. كانت تحدث حالات قد تكون مضحكة. فقد يكون طالب غير يهودي ممسكا بأخيه الطالب اليهودي بيده اليسرى وبيده اليمنى قطعة طباشير يكتب فيها على الجدار "كافحوا الذباب اليهودي" بدون أن يشعر أن في هذا مساس بمشاعر صديقه اليهودي الذي يسير معه كأخيه"11.

والمعلومات والوثائق المتوفرة تشير إلى أن الرفيق فهد، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي، قد توجه برسالة إلى رئيس وزراء الانقلاب رشيد علي الكيلاني، وقبل وقوع فاجعة الفرهود، تتضمن احتجاجاً ضد أعمال العنف والاعتداء التي يتعرض لها اليهود خلال تلك الفترة وتطالبه بضرورة وأهمية عدم التمييز في التعامل ضد اليهود. وجاء في نص الرسالة ما يلي:

"أولاً، يأسف الحزب الشيوعي، بل يشمئز من الأعمال الاستفزازية المدبرة ضد اخوتنا اليهود من قبل أدوات الاستعمار البريطاني من جهة ودعاة الاستعمار الألماني من جهة أخرى. إن الاعتداء على الحريات واقتحام البيوت وسلب الممتلكات وضرب الناس وقتلهم ليست، يا صاحب الفخامة، مخالفة للقانون والعدالة فحسب، بل إنها أمور تتعارض مع النزعة الطبيعية لهذه الأمة إلى الكرم والبسالة والنبل … إن أمثال هذه الأعمال الإجرامية تؤذي سمعة الحركة الوطنية وتؤدي إلى إحداث شرخ في صفوف الجبهة الوطنية الموحدة، وبالتالي إلى الفشل، ومن يستفيد من هذا غير الاستعمار؟ وإننا إذ نعبر بهذا عن عدم موافقتنا، فأننا لا ننكر بشكل من الأشكال وجود خونة ينتمون إلى الطائفة اليهودية وقفوا مع عصابة عبد الإله ونوري السعيد وأتباعهما الشريرة، ولكننا نشعر أن العقاب يجب إلا يعمهم جميعاً، استناداً إلى مواد القانون.

ثانياً، إننا من أصحاب الرأي القائل، في ما يخص الدعاية أنه يجب على الإدارة المختصة أن توجه العراقيين على أساس خطوط وطنية صحيحة، ولكننا لاحظنا مؤخراً، وبقلق غير قليل، … أنها انحرفت إلى سبل لا يمكنها إلا إيذاء الناس … لم نسمع مؤخراً إلا قرعاً للطبول حول "القضية العادلة" لقوى المحور … وإنكم تتفقون معنا، بلا شك، يا صاحب الفخامة، أن القوى المذكورة ليست أقل إمبريالية من بريطانيا."12.

لم تستطع الحركة الصهيونية في العراق الحصول على موطئ قدم فعلي واسع لها الأوساط اليهودية في البلاد، بسبب العلاقة الحميمية التي نشأت بين يهود العراق الذين جُلبوا سبّياً من مدنهم في السامرة ويهودا وأورشليم القدس وغيرها إلى بلاد ما بين النهرين منذ ما يقرب من ثلاثة ألاف سنة وعيشهم في العراق، الذي اعتبر وطن الغالبية العظمى منهم، وبالتالي أصبح العراق وطنهم الأول دون أدنى ريب. وكانت مشاركتهم واسعة في الفترة التي سبقت فاجعة الفرهود في النشاطات الثقافية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية. إلا أن فاجعة الفرهود قد أوجدت شرخاً وخلقت أوضاعاً جديدة، بحيث برزت ثلاث ظواهر ملموسة:

أ‌- تنامي الخشية لدى جمهرة واسعة من العائلات اليهودية من احتمال تفاقم العداء ضد اليهود وعجز الحكومة العراقية عن الدفاع عن أرواحهم وممتلكاتهم.

ب‌- بروز نشاط جديد للعناصر الصهيونية بصورة سرية ونشوء أرضية صالحة لعملهم في أوساط اليهود العراقيين واتساع الرغبة في تعلم اللغة العبرية.

ت‌- بروز أجواء مناهضة للصهيونية أيضاً والتحاق المزيد من المثقفين والمثقفات والعمال اليهود بالحزب الشيوعي العراقي الذي كان يدافع عن حرية وحقوق اليهود ومساواتهم ببقية العراقيين والعراقيات، والذي تبلور في تشكيل عصبة مكافحة الصهيونية في عام 1946، التي دعا إليها وعمل لقيامها الحزب الشيوعي العراقي بمبادرة من فهد (يوسف سلمان يوسف) بهدف التصدي لعمل القوى الصهيونية في العراق، ودعم بقاء اليهود في البلاد والعمل على مكافحة التمييز ضدهم ومساواتهم ببقية المواطنين13.

ورغم إن هذا النشاط الصهيوني لم يبرز بشكل واضح في فترة الحرب العالمية الثانية، إذ بذل يهود العراق جهداً لاعتبار فاجعة الفرهود ذدهم حالة استثنائية بأمل العود إلى الحياة الطبيعية وعلاقات سوية مع بقية بنات وأبناء الشعب العراقي. إلا لإن الفترة التي أعقبت الحرب قد أبرزت ظاهرة تشكيل جماعات إرهابية عمدت إلى تنفيذ بعض التفجيرات لبث الرعب في صفوف اليهود واتهام المسلمين بها، والتي ماثلها قيام بعض القوميين المسلمين العرب العراقيين بأعمال مماثلة ولنفس الهدف، أي بأمل دفع اليهود لمغادرة العراق، إضافة إلى تنامي النشاط الصهيوني من جهة، والنشاط القومي العربي المناهض لليهود من جهة أخرى، والذي تفاقم بعد إعلان تقسيم فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل. ومن هنا يمكن أن يلاحظ بأن اتجاهين قوميين متطرفين كانا يقودان إلى نتيجة واحدة هي إخراج اليهود من العراق!

 

د. كاظم حبيب

......................

* الحلقة الثالثة ستتضمن استكمالاً للنقاط التي لم تبحث في هذه الحلقة لاسيما الإجابة عن السؤال التالي: من عمل على تهجير العائلات اليهودية من العراق؟

الملاحق

الملحق رقم 1

 2123 ملحق 1

الملحق رقم 2

2123 ملحق 2في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر 1917 وجه أرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد (1868-1937م) البريطانية الجنسية ، كما جاء نصها في الموسوعة الحرة ويكبيديا:

وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

...........................

الهوامش والمصادر

[1] يشير الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقال له عن محمد صديق شنشل إلى أن الحزب السري الذي أسسه القوميون العرب، وكان محمد صيق شنشل عضواً فيه، كان باسم "الحزب العربي السري". أنظر أ. د. إبراهيم خليل العلاف، محمد صديق شنشل والحياة السياسية في العراق المعاصر، موقع دنيا الوطن في 20/12/2009. 

[2] أنظر: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، في عشرة أجزاء، الجزء الخامس، مطبعة العرفان، صيدا-لبنان، 1966، ص 204-282. أنظر أيضاً: نجم الدين السهروردي، التاريخ لم يبدأ غداً، شركة المعرفة، بغداد، ط 2/ 2 مايس 1988. 

[3] أنظر أ. د. إبراهيم خليل العلاف، محمد صديق شنشل والحياة السياسية في العراق المعاصر، موقع دنيا الوطن في 20/12/2009.

[4]  أنظر: الجيزاني، عبد الله. حزب الاستقلال العراقي 1946-1958 التجربة الفكرية والممارسة السياسية. الطبعة الأولى 1994. بدون ذكر الدار والبلد الذي تمت فيه طباعة الكتاب. ص 37-39.

[5] Schwanitz, Wolfgang G. „Der Geist aus der Lampe“: Fritz Grobba und Berlins Politik im Nahen und Mittleren Orient. COMPARATIV 14 (2004), Heft 1, S. 126-150.

[6] ملاحظة: سُمي النادي باسم القائد العسكري العربي المثنى بن حارث الشيباني أحد قادة جيش المسلمين العرب في المعارك التي دارت ضد الجيش الفارسي الساساني في عام 636م في فترة خلافة أبو بكر الصديق والتي سميت بمعركة القادسية والتي تيمن بها صدام حسين وسمى معاركه في الحرب العراقية الإيرانية بالقادسية أيضاً، وفي كلتا الحالتين، سواء أكان اسم المثنى بن حارث الشيباني أو القادسية هما التعبير عن الموقف القومي من التراث العسكري والشوفيني العربي. ك. حبيب

[7] أحمد وليد خالد.  تهجير يهود العراق. موقع كتابات. نشر بتاريخ 21/5/2013.

[8] أنظر: سرحان، علي كامل حمزة، اليهود في الحلة: دراسة تاريخية لأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دار الثقافة والإعلام في الحلة. 2011. ص 171.

[9] أنظر: المصدر السابق نفسه. ص 29/30.

[10] أنظر: المصدر السابق نفسه. ص 30.

[11] حسقيل قوچمان، الجالية اليهودية في العراق سابقا، موقع الحوار المتمدن-العدد: 1104 - 2005 / 02/ 09، 

المحور: قراءات في عالم الكتب والمطبوعات.

 [12] د. كاظم حبيب ود. زهدي الداوودي، فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، بيروت، طبعة أولى 2003، ص 426/427.

أنظر أيضاً: حنا بطاطو، العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ترجمة عفيف الرزاز في ثلاثة كتب، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، بيروت 1990، الكتاب الثاني-الحزب الشيوعي العراقي، ص 107-109.  

[13] د. كاظم حبيب ود. زهدي الداوودي، فهد والحركة الوطنية في العراق، مصدر سابق، 298-298.

أنظر أيضاً: د. عبد اللطيف الراوي، عصبة مكافحة الصهيونية في العراق 1945-1946، دار وهران، دمشق، 1986.

 

 

عدنان ابوزيدالأخلاقيات السياسية هي الممارسات التي ترتبط بالعمل السياسي، وتوابعه، وتفترضها الدراسات والقواميس والادبيات منعزلة عن السجايا التي يتّسم بها الفرد، وسلوكياته في المجتمع.

بتعبير أدق، فإنها سلوكيات متحزّبة، لأيديولوجية او مجموعة عمل، ولا تعكس الأخلاق الشخصية المستنبطة من دين او مذهب، أو تربية مجتمعية.

ميكيافيللي، الأب المؤسّس للاعتباريات السياسية، يجزم انّ متحزباً، او عضواً في حزب يرتكب أفعالا تتناقض مع اخلاقه الشخصية، ويعمل على إنجازها بحسب أوامر، والا يعتبر غير ملتزم بأخلاقيات العمل السياسي.

 الديمقراطيات المعاصرة تأبى ذلك نظريا، لكنها في الواقع تمارس هذه السلوكيات، تحت شعار "الغاية تبرّر الوسيلة"، وهو الشعار التاريخي الذي يضرب الاخلاقيات الدينية والاجتماعية، عرْض الحائط، ويراعي السلوكيات السياسية التي تختلف من مجموعة مؤدلجة الى أخرى، ويقلل من وطأة تنازلها عن المبادئ والشعارات، فيُطلق عليها وصف "الدبلوماسية" أو "المناورة".

الأخلاق في السياسة هي اللا اخلاقيات، لهذا أصبح فن إدارة السلطة، خلال السنوات العشر الماضية أقل تحضرا ودماثةً، كاشفا عن نفاق ومرائية كل من يصل الى سدة الحكم، حتى في البلدان الديمقراطية العريقة مثل الولايات المتحدة، الى الحد الذي يستخدم فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفردات سوقية تجاه الخصوم مثل "نصّاب" و"مجنون" و"مريض نفسياً" و"محتال"، لمهاجمة معارضيه، وبشكل منتظم.

كما استخدم ترامب الإهانات الشخصية ضد الأنداد، حين وصف المستشارة السابقة للبيت الأبيض ميكا بريجينسكي بأنها "كلبة" و"تنزف بشدة من كثرة عمليات شدّ الوجه".

أضاعت السياسة، التي كانت على الدوام مرتبطة بسلوك حضاري للنخب، الكياسة، والصبر، والسكوت على الانتهاكات الشخصية، والتوجس من انهيار الصورة الإعلامية، لكن الزعماء الحاليين في مختلف البلدان، بدأوا يتصرفون على نحوٍ فظٍ وغير لائق، ولم تعد تهمّهم الاتهامات التي توجّه اليهم بالفساد، والتورط في الفضائح.

في الكثير من النقاشات السياسية المفتوحة، والتي تُنقل حيّة الى الجمهور، تجد زعماء وسياسيين، وخبراء في التحليل ومعالجة الاحداث، لا يزدانون بالأخلاق الحميدة، وتنقصهم الدماثة والالتزام باللطف واللياقة في النقاشات، ويمكن للمتابع للفضائيات الامريكية والعربية، أن يرصد بيسر، كيف تدور الاشتباكات بالأيدي، وكيف تتحول الندوات الى حلبات مصارعة، وحفلات كلام فَضَّة.

 أحد أسباب الفساد الأخلاقي في السياسة، هو الرياء الذي ينكشف حين تحصل لحظة تقاسم الغنائم، عندها يتحول أصحاب

المبادئ في الكلام، الى طلاّب مصالح في الواقع، كما يتحوّل التنظير الأخلاقي المثالي الى سلوك منحرف، وتتحول الأيديولوجيا المثالية في بطون الكتب الى اختبارات ميدانية فاشلة، ولعل ذلك، احد أسباب انحسار الثقة بالسياسيين في الكثير من دول العالم.

يقول انيس منصور انّ "السياسة هي فن السفالة الأنيقة"، فيما أصبح واضحا ان الممارسة السياسية أصبحت غير مقيّدة بمبادئ اعتبارية، وان اقطابها ينقصهم الصدق الشخصي، والمهني على حد سواء.

كل ذلك لا يبدو غريبا لميكيافيلي الذي يعترف بان العمل السياسي يجب ان يكون بعيدا عن تطفل الأخلاق والدين، وان السلوك في السلطة ومجتمعات الأحزاب، لا صلة له بالأخلاق، بل يجب أن نحكم على الفعل السياسي من خلال النتائج، وفيما اذا هي مفيدة او لا.

فات على ميكيافيلي بان هناك اشخاصا طارئين على فن السياسة العظيم، لا يمكن شمولهم بتعريفه، وهم أولئك الذين يتعمّدون الفساد، لأجل كسب المغانم الشخصية، فيما الذين يتحدّث عنهم من محترفي السياسة الذين يهمّشون المبادئ الأخلاقية، غرضهم تجاوز بعض الموانع السلوكية، لبناء مشروع بنتائج.

 

عدنان أبوزيد 

 

 

ابراهيم أبراشنهاية عام وبداية عام جديد تشكل فرصة للكيانات السياسية والمؤسسات والإدارات العامة في جميع المجتمعات المتحضرة وعلى كافة المستويات لمراجعة حساباتها واستشراف آفاق المستقبل ووضع خطط تبنى على استخلاص الدروس والعبر من إنجازات واخفاقات العام المنصرم، أما في عالمنا العربي فهكذا مناسبات تقتصر على إقامة المهرجانات للتغني بأمجاد وبطولات الماضي والتهليل والتصفيق للقيادات وشكرها على (منجزاتها التاريخية).

نهاية سنة 2020 وبداية عام 2021 له خصوصية لأن سنة 2020 من أسوء ما مر على البشرية منذ الحرب العالمية الثانية وذلك بسبب وباء كوفيد 19وتداعياته. وبالنسبة للشعب الفلسطيني ففداحة خطر وسوء 2020 أكثر تجلياً لأن الكورونا شكلت مجرد إضافة على حالة متردية أصلاً بسبب الاحتلال والانقسام ثم التطبيع العربي.

مع أنه لا يلوح في المدى القريب ما يبشر بفرج قريب إلا أن هذا يجب ألا يكون مدعاة لليأس والاحباط، فهناك دائما أمل وتفاؤل بالمستقبل، مصدره إرادة الشعب بالتغيير وتصحيح المسار وعدم الاستسلام للأمر الواقع والشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء.

حتى لا يصطدم الأمل والتفاؤل بصخرة السراب أو يتحول لسراب يجب أن يكون مشفوعاً ومدعوماً بجهد وعمل مضني وعقلاني. التفاؤل والإرادة معاً يشكلان منطلقاً لجعل بداية عام جديد فرصة لمراجعة مخرجات العام الفارط واستشراف المستقبل الموعود. إلا أن المراجعة واستشراف المستقبل سيكونان قاصرين أيضاً إن اعتمدا فقط على أحداث ومخرجات العام الفارط فقط، فهناك سيرورة تمتد لمائة عام من النضال الوطني رافقها، فلسطينياً وعربياً، ارتكاسات وفشل وأخطاء سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة.

وهكذا ومن منطلق أن الحياة ستستمر ومصير الشعب لا تحدده توازنات ومعطيات آنية وعابرة، فلا يمكن لنا ولكل الحريصين على المصلحة الوطنية والمؤمنين بعدالة قضايا شعوبهم ممن يعملون بالشأن العام وخصوصا في المجال السياسي إلا أن يكونوا متفائلين ويستمرون في طَرقِ باب الأمل.

ليس هذا تفاؤل الحالم والمثالي بل تفاؤل المؤمن بعدالة القضية الوطنية وبقدرة الشعب الفلسطيني على تجاوز أزمته وظروفه القاهرة، والشعب الفلسطيني عبر تاريخ وجوده على أرض فلسطين مر بظروف ومنعطفات لا تقل خطورة عما هو موجود اليوم بل في بعض المراحل نعى البعض الشعب الفلسطيني وحركته التحررية الوطنية، ومع ذلك كان دائما ينهض من تحت الرماد كطائر العنقاء، فيُسقط مع عاصفة إقلاعه كل المتخاذلين والمفرطين ويُعيد الأعداء حساباتهم.

وفي هذا السياق نستحضر تأسيس منظمة التحرير وانطلاقة الثورة الفلسطينية منتصف الستينيات بقيادة حركة فتح، فقبل هذا التاريخ كانت القضية الفلسطينية مجرد قضية لاجئين دون أي مضمون سياسي ولو لم تنطلق الثورة بفكر جديد وقيادة جديدة لذاب الشعب الفلسطيني في بلاد الشتات، والشعب الفلسطيني اليوم بعد أن ثبَّت ورسَّخ هويته الوطنية ووضع أسس كيانية سياسية بحاجة لانطلاقة وطنية جديدة بفكر جديد وأشخاص جُدُد أو مخضرمين، حيث لا يمكن تجديد واستنهاض الحالة الوطنية بأدوات قديمة.

من المهم التأكيد ومن خلال التاريخ والوقائع أن نكبة الشعب الفلسطيني التي ما زالت متواصلة لم تكن لأن الفلسطينيين باعوا أرضهم أو قصروا في الدفاع عنها كما يزعم المرجفون، بل كانت نتيجة هزيمة الجيوش العربية في حرب 48(النكبة) التي كان نتيجتها إقامة الكيان الصهيوني (إسرائيل) على مساحة 78% من فلسطين ثم هزيمتها في حرب 1967 (النكسة) حيث تم إضاعة بقية فلسطين وأراضي عربية أخرى، ويمكن أن نضيف بأن النكبة الفلسطينية الجديدة ( الانقسام ) الذي جرى عام 2007 كان بتواطؤ بعض الأنظمة العربية مع كيان الاحتلال، بمعنى أن الفلسطينيين يدفعون ثمن هزائم الجيوش العربية وتدَّخُل بعض العرب في شؤونهم الداخلية .

ومع ذلك فإن أخطاء كثيرة صاحبت مسار الحركة الوطنية الفلسطينية بمؤسساتها الرسمية والحزبية، سلطة ومعارضة، وهي أخطاء سهلت على الأعداء تمرير بعض مخططاتهم، وبالتالي فإن مواجهة التحديات سواء تعلقت بالاحتلال ومشاريعه الاستيطانية أو بصفقة القرن أو بموجة التطبيع العربي الجديدة تتطلب إصلاح النظام السياسي جذرياً وإنجاز الوحدة الوطنية والتوقف عن الهروب من المسؤولية بتحميل الأطراف الخارجية المسؤولية عما آلت إليه القضية الوطنية.

وقبل التطرق لاستراتيجية العمل المطلوبة واستشراف المستقبل من المفيد مراجعة تجربة العمل الوطني الفلسطيني مع نقد موضوعي لأنه بدون هذه المراجعة والنقد لا يمكننا الخروج من المأزق الراهن.

المشهد السياسي الفلسطيني الراهن

التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني متعددة الوجوه والأبعاد: الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية والعسكرية الإرهابية في الضفة والقطاع ،الممارسات العنصرية في أراضي 48 ،السلوك الأمريكي المعادي لشعبنا والمساند لدولة الاحتلال، التراجع الملحوظ في التأييد الرسمي العربي بعد موجة التطبيع الجديدة، الانقسام، والوضع الاقتصادي السيئ، كل ذلك أرهق وشوه الحقل أو المشهد السياسي الفلسطيني وجعله يعاني من حالة مريعة من التسطيح السياسي والفكري والثقافي تسير في تواز مع عملية تجريف لحالة التحرر الوطني بقيمها وثقافتها ورجالاتها، بحيث لم تستطع كل أشكال البطولة والتضحية والمعاناة والصمود الشعبي التخفيف من وطأة هذا المشهد الذي لم يؤثر سلبا على مسار قضيتنا الوطنية وصراعنا مع الاحتلال فقط بل أيضا على نظرة العالم للشعب الفلسطيني، كما اتاح فرصة للبعض من العرب الذين ينتظرون الفرصة للتحرر من التزامهم القومي والأخلاقي والقانوني تطبيع علاقاتهم مع إسرائيل.

كان من الممكن أن يكون المشهد مفهوماُ لو كنا في حالة انتقال فعلي من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة الاستقلال والدولة، إلا أن هذا المشهد يجري في ظل استمرار الاحتلال وتعثر عملية الانتقال إلى الدولة وفي وقت تتكاتف فيه قوى اليمين الصهيوني مدعومة بتأييد غير مسبوق من الإدارة الأمريكية مع التطبيع العربي الجديد، وذلك بهدف تصفية القضية الفلسطينية.

دون التقليل من شأن تضحيات الشعب ومعاناته فإن المشهد السياسي الراهن مريع وملتبس على مستوى حالة الاشتباك مع الاحتلال) سلماً وحرباً، وهي المحك العملي لإثبات الجدارة الوطنية، وتاه عامة الشعب أو غالبيته واختلطت وارتبكت مداركه وأصبح يعيش في حالة ألا يقين من كل شيء حتى تاريخه الوطني والنضالي وثوابته التي تربى عليها ولا تشوب عدالتها شائبة أصبحت محل تساؤل عند البعض.

عندما يقف المواطن، وخصوصاً في قطاع غزة، الذي تم إفقاره وتجويعه وكي وعيه، متردداً وحائراً أمام مَن يقدم له الراتب أو (الكوبونة) أو منحة المائة دولار من جانب وواجبه الوطني بالنضال والدفاع عن الأرض والمقدسات من جانب آخر، فلا يمكن لومه إن اختار الراتب و(الكوبونة) والمائة دولار دون أن يسأل عن مصدرها وأدار الظهر للطرف الثاني، ليست هذه رِدة وطنية أو كفراً بالنضال ولكن تمسكاً بالحياة، والمسؤولية تقع على من أوصلوه لهذه الحالة من التعارض بين المقاومة والنضال من جانب، ومتطلبات توفير قوت اليوم والعيش الكريم من جانب آخر، بالإضافة إلى ندرة القدوة والقيادات الثورية الملهمة من الأحياء.

هذا الحالة من التسطيح والتجريف نلمسها حتى على مستوى المؤسسات والقيادات. فلا توجد مؤسسة رسمية يتوافق عليها الشعب ويلتف حولها كمرجعية وعنوان، فلا إجماع على منظمة التحرير ولا على المجلس التشريعي ولا على الحكومة ولا على مؤسسة الرئاسة، وحالة ارباك في التعامل مع القضايا الوطنية الاستراتيجية: تحرير فلسطين، المقاومة بكل أشكالها، منظمة التحرير وضرورة تفعيلها، الوحدة الوطنية والمصالحة، حتى لقاء الأمناء العامين للفصائل ما بين بيروت ورام ألله في سبتمبر الماضي وحوارات استنبول والدوحة التابعة لها والحديث عن تشكل هيئة قيادية موحدة للمقاومة ومواعيد للانتخابات كلها زادت المشهد ارباكا حيث بقيت مجرد قرارات ونوايا تبخرت بعد أشهر محدودة.

وانطلاقاً من العلاقة الجدلية بين الخطاب والواقع فإن الخطاب السياسي الفلسطيني الحزبي والرسمي يوغل مع مرور الأيام في الغموض والالتباس والافتقار للرؤية الاستراتيجية، وهو ما يعكس ويعبر عن حالة تيه خطيرة وأزمة عميقة في القيادة والنظام السياسي، وما يزيد الأمور تعقيداً ويفاقم الأزمة بؤس وضعف الحوامل الإعلامية والمؤسساتية لهذا الخطاب وخصوصاً القنوات التلفزيونية والصحف الرسمية والتنظيمات الحزبية.

لا غرو أن الاحتلال واختلال موازين القوى لصالحه والمتغيرات الدولية والإقليمية التي لم تأت كما تشتهي سفن الشعب الفلسطيني لها دورا كبيرا في هذه الصيرورة، ولكن القيادة والنخب السياسية تتحمل المسؤولية أيضاً عما آلت إليه الأمور، بالرغم من بعض الإنجازات التي تحققت.

يمكن القول إن أهم انجازات الشعب الفلسطيني تحققت خلال المرحلة الممتدة ما بين تأسيس المشروع الوطني منتصف الستينيات حتى عام 1988 حيث بدأت المراهنة عمليا على التسوية السياسية، وكل ما تسمى (انجازات سياسية) بعد ذلك هي في أغلبها استحضار وإعادة تدوير لإنجازات الشعب وحركته الوطنية خلال المرحلة السابقة.

صحيح، إن المرحلة الأولى لم تحرر أرضا ولكنها استنهضت الهوية الوطنية وعززت الكرامة الوطنية ووحدت الشعب وحافظت على الثوابت والحقوق التاريخية وآنذاك اعتراف العالم بحق تقرير المصير وبالحق بالحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني وحقه بمقاومة الاحتلال كما اعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعيا للفلسطينيين وتم افتتاح عشرات السفارات والممثليات عير العالم ، بينما في زمن المراهنة على (التسوية السياسية) برعاية أمريكية وخصوصا في إطار تسوية أوسلو فقد زالت أو التبست الخطوط الحمراء وتوسَعَ الاستيطان وتغول المستوطنون وتسلق انتهازيون إلى مراكز صناعة القرار وتوارى أو تم تهميش المناضلين والثوار الحقيقيين، وكانت الحصيلة أرضا أقل وحقا أقل وكرامة أقل، حتى وإن كان لدى بعض القيادات نوايا طيبة أو خانتهم حساباتهم.

المطلوب مراجعة استراتيجية شاملة وليس مجرد ردود أفعال

عندما يصبح الحال على هذه الدرجة من الخطورة وهي حالة تشكل تهديداً ليس فقط للسلطة الوطنية ولحل الدولتين بل للوجود الوطني برمته، في هذه الحالة يجب تجاوز ردود الأفعال الآنية ووضع استراتيجية شاملة تتضمن مراجعة شاملة.

المفهوم العلمي والصحيح للاستراتيجية في المنعطفات المصيرية وفي حالة كالحالة الفلسطينية يجب أن تتضمن مراجعة شاملة لمجمل المسيرة الوطنية، من سلوكيات وأيديولوجيات وأفكار ومسلمات وبنى تنظيمية وشبكة علاقات وتحالفات، لأنها كلها تتحمل المسؤولية عما وصلنا إليه.

وعندما نقول ونطالب بمراجعة استراتيجية لأنه منذ دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (دورة إعلان الاستقلال) في الخامس عشر من نوفمبر 1988 لم يجري أي لقاء وطني توافقي ولم تحدث أية مراجعة استراتيجية حتى داخل منظمة التحرير، بالرغم من الأحداث الجِسام التي مرت على القضية الوطنية، واستمر النظام السياسي يعاني من حالة تخبط وتيه ومراهنة على الخارج وتجريبية قاتلة وما يصدر عنه مجرد ردود أفعال وقرارات لا تنفذ غالباً.

في المنعطفات التاريخية وعندما تكون الأمة والوطن في خطر فإن الأمر يحتاج لوقفة مراجعة شاملة لمعتقدات وأيديولوجيات وسياسات وطابوات وبرادغمات تعايش معها وتعود عليها الشعب لعقود حتى توَهَّم أنها مسلمات وحقائق وأن النصر والتحرير لن يتأتيا إلا بها ومن خلالها دون الانتباه لما يطرأ من تغييرات وتحولات في النظامين العربي والدولي وفي داخل المجتمع الفلسطيني.

هذه المراجعة والاستراتيجية الجديدة قد تكون صادمة ومؤلمة وتضر بمصالح فئات عديدة، ولكنها ضرورية حتى يستفيق الشعب من غفوته ومن المراهنات المريحة نفسياً ونظرياً، والمنافية للعقلانية السياسية والمدمِرة لمصلحة الوطن عملياً.

وفي هذا السياق، فالاستراتيجية الوطنية المطلوبة يجب أن تكون في سياق التفكير خارج الصندوق، الفكري والمؤسساتي، وأن تضع محل النقاش قضايا بعضها كان بمثابة مسلمات عند انطلاق الثورة الفلسطينية في منتصف الستينيات وأخرى تم اصطناعها أو ترويجها لاحقاً كمسلمات وحقائق. والمراجعة ليس بهدف التجاوز والقطيعة كلياً، بل بهدف التمحيص وإعادة النظر للتأكد من مدى ثباتها وموائمتها في ظل المتغيرات المتسارعة في العالم، وأهم هذه القضايا أو (المسلمات): -

1- عدم حل القضية الفلسطينية يهدد السلام العالمي! .

2- اليهود يسيطرون على العالم ويوجهون سياساته!

3- القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى!

4- فلسطين وفي قلبها القدس والمسجد الأقصى مقدسة لأكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين!

5- ستقام الدولة الفلسطينية من خلال الشرعية الدولية والأمم المتحدة!

6- المقاومة والجهاد المقدس الطريق الوحيد لتحرير فلسطين! .

7- الانقسام سببه خلافات فتح وحماس! .

8- منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

9- لا يمكن الاستغناء عن السلطة/السلطتين والأحزاب السياسية القائمة!!!

بناء على إعادة تقييم (المسلمات) السابقة يمكن صياغة الاستراتيجية المطلوبة التي تحتاج حضور كل المكونات السياسية والمجتمعية من داخل منظمة التحرير ومن خارجها.

وهذه بعض الخطوط العريضة يمكن التفكير فيها كأساس للاستراتيجية الوطنية المطلوبة:

1- وضع حد لمهزلة حوارات المصالحة بالشكل الذي كانت تجري عليه طوال عشرة أعوام، وهذا يتطلب تغيير الأسس والمنطلقات التي تقوم عليها الحوارات، وتغيير الأشخاص المكلفين بها.

2- السلطة والأحزاب والفصائل بكل مسمياتها وأيديولوجياتها مجرد أدوات لتحقيق الأهداف الوطنية وليست ثابت من الثوابت الوطنيةـ وقد أثبتت فشلها لذا يجب تغييرها.

3- لأن الطبقة السياسية في غزة والضفة وصلت لطريق مسدود ولا يمكن المراهنة عليها في وضعها الحالي لمواجهة تصفية القضية، يجب إجراء الانتخابات العامة بكافة مستوياتها برعاية دولية، لأنه لو تُركت الانتخابات تحت تصرف حركتي فتح وحماس فسيتم إعادة انتاج نفس الوجوه والبرامج.

4- ما بعد الانتخابات بكل مستوياتها وبغض النظر عن الحزب الفائز يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمجلس الوطني الجديد يصبح صاحب القرار في تحديد الهدف الاستراتيجي النهائي والأهداف المرحلية.

5- إعادة صياغة العلاقات الفلسطينية مع العالمين العربي والإسلامي على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار السياسة الواقعية وليس الاعتبارات الأيديولوجية القومية والعلاقات التاريخية فقط.

6- إعادة النظر في المراهنة المبالَغ فيها لمنظمة التحرير على الشرعية الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.

7- إعادة النظر بمفهوم المقاومة واستراتيجيتها، لأن ما يجري على حدود قطاع غزة لا علاقة له بالمقاومة بل يسيء لها ويُسخِّفُها، كما أن العمليات الفدائية الفردية في الضفة الغربية لا تكفي.

8- مع ضرورة الاستمرار بالتمسك بخطاب السلام والتسوية السياسية العادلة إلا أنه مطلوب إعادة النظر بالنهج المتبع في التعامل مع التسوية والشرعية الدولية وبالدبلوماسية الفلسطينية بشكل عام.

9- الحسم في موضوع السلطة الفلسطينية وما ارتبط بها من اتفاقات وبروتوكولات، وهل ما زالت ضرورة ومصلحة وطنية؟ وإن كانت كذلك فكيف نجعلها نقطة انطلاق نحو الدولة؟ وإن لم تكن كذلك فما هو البديل لها؟

10- العمل على التحرر رسمياً وشعبياً من ابتزاز التمويل الخارجي أو المال السياسي، فهذا الأخير كان سبباً في اختراق حصانة المجتمع وافساد مؤسسات المجتمع المدني.

ربما بعض مكونات الطبقة السياسية مُلمة بكل ما سبق ومقتنعة به إلا أنها غير قادرة على تنفيذه بفعل بنيتها وارتباطاتها ومصالحها، وخصوصاً أن قرارات وتصريحات صدرت عن القيادات والمؤسسات الرسمية والحزبية طالبت أكثر من مرة بالأخذ ببعض هذه العناصر ولكن دون جدوى.

ومع ذلك، فلن نفقد الأمل لأننا نلمس حالة غضب وتمرد عند الشعب، وجذوة وطنية خامدة عند البعض من الطبقة السياسية ممن لا يرغبون بأن ينهوا حياتهم بوصمة الخيانة. حتى وإن لم تستجب الطبقة السياسية لهذه الاستراتيجية وغيرها من النصائح والمقترحات التي قدمتها أكثر من جهة وطنية، يبقى الأمل بأن تكون المراجعة الاستراتيجية أساساً لتفكير جديد خارج الصندوق.

الخاتمة

ما طرحناه أفكار للخروج من العدمية السياسية وقطع الطريق على من يريد استغلال سوء الوضع الفلسطيني الداخلي لتصفية القضية برمتها، وحتى لا يستمر الحال على ما هو عليه وتستمر الطبقة السياسية في الدوران في حلقة مفرغة وانتظار آت لا يبشر بخير إن استمرت الأمور على حالها.

لقد بات واضحاً أن الاستقلال الفلسطيني التام ليس قريب المنال حتى في حدود دولة في الضفة وغزة، وأن مراهنات طرفي المعادلة الفلسطينية، منظمة التحرير وحركة حماس، وصلت لطريق مسدود أو فشلت، كما أن المراهنة على أنظمة العالمين العربي والإسلامي لا جدوى منها وخصوصا بعد موجة التطبيع الأخيرة مع إسرائيل ومؤشرات على سير دول أخرى في نفس الطريق، لذا يجب الانطلاق نحو مراجعة شاملة وإعادة بناء البيت الفلسطيني.

 

إبراهيم ابراش

 

 

قاسم حسين صالحشهدت البشرية سنوات معينة كانت هي الأسوأ في تاريخها، اذ تعد سنة 1347 واحدة من اسوأ وأقسى السنوات التي عايشها الإنسان، حيث ضرب فيها "الموت الأسود" أو الطاعون أوروبا ليقضي على ما بين 75 - 200 مليون شخص، والمفارقة العجيبة أن هذا الوباء ظهر عام 1331 في الصين، بمقاطعة هوبي، وهي المقاطعة التي ظهر فيها أيضًا فيروس كورونا الجديد!.

وبحسب ما يقول مؤرخ العصور الوسطى وعالم الآثار في جامعة هافارد، مايكل ماكورميك: "ان سنة 536 تعد الأسوأ لأن الضباب فيها غمر غرب أوروبا والشرق الأوسط، وأجزاء من آسيا وصارت السماء قاتمة ليلا ونهارا لمدة 18 شهرا، وانخفضت درجة الحرارة في صيف 536 بنسبة 1.5 الى 2.5 درجة. وسقطت الثلوج في ذلك الصيف في الصين، وتضررت المحاصيل الزراعية ومات الناس جوعا، بحسب مقالته بمجلة "ساينس"، فيما يزعم خبراء ان ما حدث في سنة 536 هو ثوران بركان كارثي في ايسلندا تسبب في اطلاق رماد وصخور كثيفة حجبت الشمس فوق قارة اوربا تسبب في انتشار الطاعون المميت، ووصف ذلك العام بأنه الأسوأ في التاريخ، مع أن الطاعون كان قد أودى الطاعون في القرن الرابع عشر بحياة ربع سكان العالم، وقضى على ما لا يقل عن 50 مليون شخص في الإنفلونزا الإسبانية بين العامين 1918 و1919 و33 مليونا جراء مرض الإيدز في غضون أربعين عاما.

2020 .. السنة التي غيرت العالم

تعدّ سنة 2020 الأسوأ في تاريخ البشرية الحديث، ففيها انتشر وباء كورونا في كل قارات العالم ليصل عدد من اصيب به الى ما يقرب من ثمانين مليونا، وعدد الوفيات بحدود المليونين. وفي بداية انتشاره عجز العلماء عن ايجاد لقاح ودواء واعتمدوا طرائق الوقاية بلبس الكمامات والكفوف والنظافة والمعقمات والتباعد الأجتماعي (الجسدي)، فشاع الخوف والقلق والرعب بين الناس.والمخيف ان فيروس كورونا يتحايل على العلماء بأنتاجه فيروسا شرسا وماكرا وقاتلا هو (كوفيد 19)، وما ان تم الوصول الى لقاح يمنع العدوى به، فأنه انتج سلالة جديدة في بريطانيا.. ما يجعلنا نستنتج حقيقتين: الأولى ان اللقاح، او اللقاحات التي يتوصل لها العلماء ستكون من حصة السياسيين والميسورين ولن تصل الى الطبقتين الوسطى والفقيرة الا بعد ان يحصد الفيروس ما يشاء منهم.والثانية.. ان وباء كورونا بسلالاته سيستمر معنا لسنوات طويلة.

وعالميا شهدت 2020 اغتيالات سياسية ووفيات وكوارث طبيعية وانهيارات اقتصادية، اخطرها اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ونشوب سلسلة من الحرائق في ولاية كاليفورنيا لم تشهد مثلها منذ عدة أعوام، أتت على مساحات واسعة من الأراضي، وأجبرت مئات الآلاف على مغادرة منازلهم وانقطعت الكهرباء في العديد من المناطق. واقتصاديا، اعترف صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد العالمي الذي هزمه تفشي فيروس كورونا في 2020، هو الأسوأ منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي. ليس هذا فقط، بل إن فيروس كورونا الذي اجتاح العالم، أدى إلى انهيار أنظمة الرعاية الصحية وكشف عن عدم قدرة مؤسسات كبيرة في دول متقدمة على مقاومة الوباء تتصدرها الولايات المتحدة الأكثر تضررا بالفيروس. بالإضافة إلى انخفاض التعليم بكافة مستوياته، والآثار النفسية للتباعد الأجتماعي، وحجر أربعة مليارات من البشر في بيوتهم، والخوف والقلق والرعب التي ادت الى اضطرابات نفسية وعقلية سيمتد تأثيرها الى سنوات مقبلة.

وعراقيا، يعدّ الصراع الأيراني الأمريكي الخطر الأكبر الذي اشتد بعد قيام اميركا باغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي، أبو مهدي المهندس، في غارة جوية بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد الدولي في الثالث من يناير، وردّ القوات الإيرانية بعد خمسة أيام بقصف قاعدة "عين الأسد"، التي يتخذها الجنود الأمريكيون مركز مبيت لهم، ليتصاعد الصراع بعد قصف السفارة الأمريكية بالصواريخ قبيل انتهاء 2020 لتنذر بحدوث الأسوأ بداية 2021.

واقتصاديا، شهد الدينار العراقي انهيارا كبيرا مقابل سعر الدولار، حققت فيه جهات اقتصادية مرتبطة بأحزاب وكتل السلطة مليارات الدنانير فيما كان المتضرر الأكبر هم الفقراء والموظفون حيث تضاعفت اسعار المواد الغذائية والمواد الأستهلاكية.

وكنا استطلعنا آراء عينة من العراقيين فاجابوا ان افدح خسائرهم في 2020 فقدانهم احبة قبل الأوان، وزيادة الضغوط النفسية التي زادت من جزعهم من السياسة، وانعدام الوعي الصحي الذي جعل العراق يتصدر الدول العربية في عدد الأصابات والوفيات بفيروس كورونا. وحددها آخرون:بانتكاسات على مستوى الوطن والذات، استمرار انتفاضة تشرين بعد ان اسقطت حكومة عادل عبد المهدي الذي تسبب باستشهاد مئات الشباب، رفع خيم المتظاهرين، بقاء انتفاضة تشرين حية رغم تراجعها، انهيار الوضع الاقتصادي الذي يفتح ابواب الاحتمالات على مستقبل مجهول، وخيبة الامل بحكومة الكاظمي.

وتمنى كثيرون العودة الى الوطن في 21 بعد ان غادروه في 2020، فيما وصف آخرون بأن "مكوثي في خيام ساحة التحرير لسنة 2020 هي اجمل سنوات حياتي".

ولك ان تجمل القول بأن الحرب العالمية الثانية غيرت العالم بالحرب، وان 2020 غيرت العالم بفيروس لا يرى بالعين المجردة!

وما ننبه اليه أن وسائل الأعلام والمنظمات الأنسانية ركزت في 2020على الأخبار السيئة ما جعل الناس بين من يتوقع الأسوأ، ومن يعيش حالات نفسية تراوحت بين الخوف والقلق والرعب والهلع، وانعكاس ذلك على الحياة الأسرية وحصول شجار وتباعد أسري وأخرى انتهت بالطلاق، فيما ينبغي التعامل مع هذا الوباء بالتكييف له والأسناد الأسري والتواصل الاجتماعي التي تزيد من مناعتنا السيكولوجية.. وذلك ما نفتقده للأسف في وسائل الأعلام العربية والعراقية بشكل خاص، وغياب دور علماء النفس والأجتماع الذين يشيعون التفاؤل بين الناس والتعلق بالحياة رغم قساوة المحنة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

31/12/2020

 

 

 كاظم حبيبنشر علاء اللامي مقالاً في صحيفة المثقف بتاريخ 26/12/2020 تحت عنوان: "الفرهود" وتهجير اليهود العراقيين: قراءة جديدة في الخلفيات". ومع أنه أدان عملية الفرهود بقوله "المعلوم أنّ تلك الأحداثَ المؤسفة والمدانة وقعتْ في تلك السنة ردَّ فعلٍ على سحق قوّات الاحتلال البريطانيّة للانقلاب العسكريّ الذي قاده السياسي رشيد عالي الكيلاني ورفاقُه العقداءُ الأربعة، الذين أُعدِموا بعد سنواتٍ قليلة، وبعد احتلال البريطانيّين لبغداد للمرّة الثانية من أجل إعادة الحكم الملكيّ الهاشميّ.". إلا إنه اعتبر تلك الفاجعة التي قتل فيه 144 مواطناً يهودياً عراقياً ومواطنة يهودية عراقية بمثابة ردّ فعل على سحق قوات الاحتلال البريطانية للانقلاب العسكري، وبالتالي ابتعد تماماً عن الأسباب والعوامل الفعلية والأساسية التي كانت وراء وقوع تلك المذبحة الشرسة ضد يهود العراق لاسيما الفكر القومي العربي المتطرف. ثم ركز في هذا المقال على قراءة مشوهة لمقال نشر لي في عام 2011 تحت عنوان: "حركة شباط - مايس 1941 الانقلابية والفرهود ضد اليهود" في الحوار المتمدن، وفي عدد أخر من المواقع العراقية والعربية واختار منها موقع تابع لوزارة الخارجية التي كما قال اللامي أنها نشرت بعض فقرات منه، في حين كان في مقدوره العودة إلى المقال بكامله أولاً وفي موقع الحوار المتمدن، كما كان في مقدوره قراءة الكتاب الواسع الذي نشرته في عام 2015 تحت عنوان "يهود العراق والمواطنة المنتزعة"[1] والذي يبحث في كل المشكلة اليهودية في العراق منذ السبي البابلي حتى التهجير القسري لهم على وفق القانون الصادر عام 1950. ويقع الكتاب بـ 800 صفحة وفيه ما يكفي من البراهين والأدلة والوثائق التي يجد فيه القارئ والقارئة الردّ المفحم ضد ادعاءاته الفارغة واتهامه السيء والمعيب والمسبق الصنع الذي طرحه علاء اللامي ضدي (كاظم حبيب)، علماً بأن اللامي ذاته أشار إلى ما يلي: يقول الكاتب إن هذه الدراسة جزء من كتاب بعنوان: محنة يهود العراق. وكان حرياً به أن يعود إلى الكتاب ليجد الإجابات الوافية على تلك المسائل التي أثارها والتي حاول بها الإساءة لي والتشكيك في علمية المقال المنشور وموضوعيته. مقال علاء اللامي كتب ونشر بعد مرور عشرة أعوام تقريباً على نشري ذلك المقال وتضمن ادعاءات واتهاماً لا يليق بكاتب يحترم نفسه، أذكرها هنا كما جاءت في مقاله المشار إليه:

" 1) محاولةُ الشيوعي العراقي "السابق" كاظم حبيب، لمقاربة حدث الفرهود المأساويّ وتحليله، غير متوازنة، وسطحية، ولا تخلو من تملق الكيان الصهيوني ومؤسّساتِه الإعلاميّةِ والسياسيّة.

2) كما برَّأ حبيب أطرافًا أخرى من مسؤوليّةِ ما تعرّضَ له اليهودُ العراقيّون من قمعٍ وتهجيرٍ قسريّ؛ ومن هذه الأطراف الأحزاب الكردية وزعاماتها. والحقّ أنَّ عنوانَ دراسة حبيب يقول كلَّ شيء منذ البداية: فالعنوان " حركة شباط - مايس 1941 الانقلابيّة والفرهود ضدّ اليهود "[10] يَرْبط مباشرةً أحداثَ الفرهود المدانةَ بحركة أيّار 1941 العسكريّة التي قادها رشيد عالي الكيلاني ورفاقُه الأربعة ضدّ النفوذ البريطانيّ. وهذه تبرئة مسبقة، وغير معللة، لمصلحة الصهاينة وأطرافٍ أخرى، وتلطيخ لصفحة وطنيّين عراقيّين مناهضين للاحتلال البريطانيّ بتهمة النازيّة.

غير أنّ تفنيدَ حبيب ومَن نقل عنهم يفتقد إلى الرصانة. ومفادُ هذا التفنيد أنّ اليهود قد خرجوا احتفالًا بعيدهم، "عيدِ نزول التوراة عند اليهود، وليس لأغراض الإستفزاز والإحتفاء بعودة الوصيّ على العرش." والمعلومة عن تصادُف عيد شفوعوت اليهوديّ مع هذه الأحداث صحيحة.

ويقتبس حبيب أيضًا عن الدكتور سلمان درويش معلومةً حول " محادثةٍ هاتفيّةٍ جرت بين ضابطٍ عراقيّ، وبين مُرافق السفير البريطانيّ كورنواليس، الكابتن المدعوّ هولت، الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغِه بالمجزرة الجارية ضدّ اليهود في جانب الرصافة بقوله إنّ السفير يَعرف ما يجري من إطلاق نارٍ وسلبٍ ولكنّه يعتبر ذلك مسألةً داخليّةً لا يجوز للقوّات البريطانيّة التدخّلُ فيها."، ولكنّنا عبثًا نبحث عن أيّ تحليل أو وصفٍ أو إدانةٍ منحبيبلهذا الصنيع البريطانيّ المدان.".

(مقتطفات من نص مقال علاء اللامي المنشور في صحيفة المثقف بعددها 5226 بتاريخ 26/12/2020).

كان بالإمكان إهمال الرد على هذه الادعاءات والأحكام غير المبررة والاتهام التافه الذي نشره علاء اللامي بالتملق للدولة والإعلام والسياسة الإسرائيلية، لولا يقيني أن جمهرة من الناس يمكن أن تقرأ هذا المقال والتي لم يتسن لها الاطلاع على مقالاتي بشأن الموقف من القضايا الواردة في ادعاءاته واتهاماته أولاً، كما طلب مني بعض الأصدقاء الذين أرسلوا مقالته لي الردّ عليها، لاسيما وأنهم مطلعون على كتاباتي حول اليهود في العراق وحول الدولة الإسرائيلية المحتلة للضفة الغربية وسياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة إزاء الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ونضاله المشروع من أجل استرداد حقوقه المغتصبة ثانياً.

كما أن هناك كثرة من شبيبة العراق لم تطلع على خبايا انقلاب الأول من أيار/مايس 1941 وعلاقة المجموعة الانقلابية والقوى القومية اليمينية المتطرفة بالحزب النازي والدولة الألمانية النازية والفكر القومي النازي منذ بداية الثلاثينيات وبعد تأسيس نادي المثنى بن حارث الشيباني في بغداد عام 1935 وبالقنصل الألمان ببغداد الدكتور فرتز غروبا حينذاك.

سأتناول تلك الفقرات المقتطفة من مقال علاء اللامي التي أوردتها في أعلاه بالتعليق والمناقشة في عدة حلقات لغرض التوسع في الرد على افتراءاته وتشويهاته المشبوهة.

الحلقة الأولى:

التهمة الدنيئة بالتملق للكيان الصهيوني

في هذه الفقرة من افتراءاته يطرح اللامي ثلاث مسائل: 1: الشيوعي السابق كاظم حبيب؛ 2: مقاربة غير متوازنة وسطحية التحليل؛ و3: التملق للكيان الصهيوني.

** في النقطة الأولى يؤكد اللامي بأن كاظم حبيب شيوعي سابق، وهو بهذا لا يريد أن يعرفني، بل يريد   علاقتي بالحزب الشيوعي العراق التي أعتز بها وبنضال الحزب المديد وتضحياته وموقفه المميز من القضية الفلسطينية والدولة الإسرائيلية والتي فاقت في جودتها وصوابها مواقف كل القوى القومية والبعثية والإسلامية السياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، لاسيما إيران، التي كانت بمثابة مزايدة رخيصة ومضرة ألحقت أضراراً فادحة بقضية الشعب الفلسطيني وجلبت له كثرة من العواقب السلبية وخسارة مساحات كبيرة جداً من أرض الضفة الغربية لصالح المحتل الإسرائيلي. لقد كان الحزب الشيوعي العراقي واقعياً وسليماً في مواقفه السياسية من القضية الفلسطينية ومن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة على أرض وطنه واعتبار القدس الشرقية عاصمة لها، وإدان وشجب الاحتلال للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، واعتبر المستوطنات اليهودية التي تقيمها إسرائيل في الضفة الغربية تجاوزاً فظاً على حقوق وأراضي الشعب الفلسطيني وعلى قرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، كما يدن ويشجب باستمرار سياسات التمييز المتطرفة التي تمارسها إسرائيل ضد العرب فيها وضد الشعب الفلسطيني وسجناء الراي العرب في سجون إسرائيل ومعتقلاتها. وموقفي الفكري والسياسي من هذه القضية هو نفس موقف الحزب الشيوعي العراقي حين كنت عضواً في لجنته المركزية ومكتبها السياسي وما زال موقف هذا لم يتغير وسيبقى موقف هكذا ما دامت إسرائيل تحتل الأراضي العربية وتحاصر غزة وتحتل مزارع شبعة والجولان. وبالتالي لا غبار على موقف الحزب الشيوعي العراقي وموقفي الشخصي من القضية الفلسطينية ومن الدولة الإسرائيلية. وقد بينت في كتابي المشار إليه مواقف الحزب الشيوعي العراقي التاريخية من القضية الفلسطينية والتي حظيت بقبول كبير وتأييد لا من الحزب الشيوعي الفلسطيني ومن ثم امتداده حزب الشعب الفلسطيني فحسب، بل ومن منظمة التحرير الفلسطينية وقادتها ابتداءً من ياسر عرفات وانتهاءً بمحمود عباس ومن عموم الشعب الفلسطيني.

2) وفي النقطة الثانية يشير اللامي إلى "مقاربة حدث الفرهود المأساويّ (مع المحرقة التي حدثت في ألمانيا النازية الهتلرية، ك. حبيب) وتحليله، غير متوازنة، وسطحية... ". والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه: لماذا وكيف وقعت هذه الفاجعة ضد يهود العراق وليس ضد غيرهم من أتباع الديانات في العراق؟ كل الدراسات والبحوث المنشورة حتى الآن، وكل الوثائق التي تحت تصرفي والدلائل التي توصلت إليها من خلال قراءاتي لكثرة من تلك الكتب والأبحاث والاستقصاءات التي قمت بها واللقاءات التي أجريتها مع عدد كبير نسبياً ممن عاش تلك الفاجعة من اليهود والمسيحيين والمسلمين، أو من عرفها عن قرب وعن تلك المرحلة، تبلورت لديّ أثناء دراستي ما سجلته من رؤية تحليلية واقعية وموضوعية، بشهادة من كتب عن الكتاب، لتك الأحداث التي بدأت مع نهاية العشرينات وكل الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن العشرين في العراق، وكذلك ما كان يحصل في فلسطين وثورة الشعب الفلسطيني في الثلاثينيات من القرن العشرين، سواء في المقال المذكور أم في كتابي المشار إليه: "يهود العراق والمواطنة المنتزعة". لم اشك يوماً ولم أنف احتمال حصول تباين في وجهات النظر وفي التحليل لأسباب كثيرة. وليس الاختلاف في الرأي عيباً، كما إن النقد مسألة طبيعية وضرورية شريطة أن تلتزم الموضوعية وأدب الكتابة وتتعد عن الاتهامات المسبقة الصنع وبعيدة عن الواقع ودون سند لها. وهو المطب الذي سقط فيه علاء اللامي.

برزت خلال النصف الأول والعقد الرابع (الثلاثينيات) من القرن العشرين في العراق ثلاث حركات فكرية وسياسية واضحة نشير إليها باختصار:

أ) تبلور وتطور الحركة السياسية وبروز نشاطات لها تحت قيادة شخصيات منحدرة من فئة البرجوازية الوطنية التجارية المتطلعة للحياة الحرة والديمقراطية وبناء اقتصاد وطني متقدم وصناعة حديثة، ومن فئات البرجوازية الصغيرة، لاسيما من صفوف المثقفين والمتعلمين وأصحاب الصنائع الصغيرة. وبرز ذلك بشكل خاص في نشاط الحزب الوطني بقيادة محمد جعفر أبو التمن، وجماعة الأهالي ومن ثم جمعية الإصلاح الشعبي، بقيادة كامل الجادرجي وعبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وحسين جميل وكامل قزانجي وغيرهم؛

ب) الخلايا الشيوعية ومنها نشأت جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار، ثم منها تأسس الحزب الشيوعي العراق عام 1934؛

ج) الحركة القومية العربية التي برزت منذ أوائل الثلاثينيات وتبلورت كتكوين ثقافي وسياسي في نادي المثنى بن حارث الشيباني في عام 1935 ومن ثم في اللجنة السياسية السرية لحزب الشعب السري.

ما يهمنا في هذا المقال هو دور الحركة القومية العربية التي نشطت في هذه الفترة بمجموعة من القوميين العراقيين العرب وشكلوا نادي المثنى وأقاموا علاقات حميمة وقوية ومستمرة مع القنصل العام الألماني في بغداد الدكتور فرتز غروبا، الذي بدأ نشاطه بإقامة علاقات واسعة مع نادي المثنى والشخصيات الثقافية والسياسية القومية العاملة فيه. وتركز نشاط القنصل الألماني بالاتجاهات التالية:

1- تعزيز العلاقات بالمسؤولين العراقيين وبالنخبة السياسية والعسكرية والاجتماعية، وكذلك بمنظمات المجتمع المدني حينذاك، وبالشخصيات العامة. ومن خلالها جهد على جمع المعلومات الضرورية لتزويد وزارة الخارجية الألمانية، وبشكل خاص حول النشاط البريطاني والعلاقات العراقية-البريطانية.

2- السعي لتطوير العلاقات الدبلوماسية بين العراق وألمانيا ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لتكون على حساب العلاقات مع بريطانيا.

3- تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية وإعادة العمل لخط بغداد – برلين للسكك الحديد.

4- تطوير التعاون العسكري بين العراق والمانيا وعقد اتفاقيات عسكرية والسعي لبيع السلاح لوزارة الدفاع العراقية. وقد برز هذا التعاون بشكل خاص أثناء الانقلاب القومي في مايس 1941.

5- ممارسة الدعاية المضادة لبريطانيا واحتلالها للعراق والدول العربية والترويج للسياسة الألمانية فيها على وفق رؤية الحزب النازي والدولة النازية ووزير إعلامه غوبلز.

6- مارست المجموعة العاملة في القنصلية الألمانية الدعاية النازية المضادة للسامية، ولليهود العراقيين على نحو خاص، ومن المواقع الإيديولوجية العنصرية.

7- ممارسة الدعاية الشديدة ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية وضد الحزب الشيوعي العراقي.

ولكن الدعاية النازية اليومية في العراق قد تركزت حينذاك وبشكل ملموس ضد ثلاث أطراف: 1) ضد الإنكليز أولاً، لكسب الرأي العام العراقي والسياسيين المناهضين للإنجليز والوجود العسكري البريطاني في العراق، وبالتالي ضد سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة باعتبارها حليفةً لبريطانيا؛ 2) ضد اليهود ووجودهم في العراق واعتبارهم السبب في كثير من مشاكل البلاد، وربط اليهود في العراق مع يهود فلسطين بالصراع العربي اليهودي في فلسطين من خلال الدعوة لفلسطين عربية؛ 3) ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية والحزب الشيوعي العراقي. وتشير المعلومات المتوفرة عن فرتز غروبا لدى الأوساط السياسية الألمانية في عهد هتلر وحزبه الفاشي، إذ أنه كان قد التحق بالحركة أو التنظيم الماسوني ووصل إلى الدرجة السابعة في التنظيم الماسوني الدولي.[2]

أولى الصلات بالحزب النازي في ألمانيا عبر يونس بحري

كان يونس بحري قد زار ألمانيا عدة مرات وتعلم اللغة الألمانية وكان يتحدث بها بطلاقة. في العام 1931 كان قد التقى بجوزيف غوبلز قبل أن يصل هتلر إلى السلطة في العام 1933 وقبل أن يصبح وزيراً للدعاية في حكومة أدولف هتلر. اتفق يونس بحري مع بأول جوزيف غوبلز أن يعود إلى العراق ويؤسس له صحيفة باسم "الُعقاب" ليبشر بالفكر النازي وبالتعاون مع الحزب النازي في ألمانيا. وقد حصل هذا فعلاً، وهي التي نشرت خبر مقتل الملك غازي في العام 1939 واتهمت نوري السعيد وعبد الإله والإنكليز بمقتله.

لقد استطاع يونس بحري وبتوصية من فرتس غروبا أن يعزز علاقته بالشخصية البارزة في النظام النازي الألماني ووزير الدعاية في الرايخ الألماني الثالث "باول جوزيف غوبلزPaul Joseph Goebbels  "  (1897-1945م)، من ثم بـ"وهاينرش لويتبولد هملر، Heinrich Luitpold Himmler " (1900-1945م) مدير الشرطة العام والمسؤول الأول عن جهاز القمع الألماني .

لقد لعب السياسي والإعلامي العراقي يونس بحري دوراً بارزا في عدة اتجاهات أساسية تمس العراق أساساً وعموم الدول العربية:

كان يونس بحري ضابطاً عسكراً، واسمه الرسمي في الوثائق الألمانية يوهانس بحري Juhannes Bahri ، برتبة رائد في قوات الأسس الألمانية التي كانت تعتبر القوة القمعية الأكثر إجراماً والأشد قسوة ضد قوى المعارضة ولكن بشكل خاص ضد اليهود والشيوعيين.[3]

كان المذيع والمسؤول الأول عن الإذاعة العربية وصلته المباشرة بـ غوبلز، مسؤول الدعاية الألمانية، وكان يمارس دور الداعية المروج للأفكار والسياسات الألمانية في الدول العربية والمحبذ للاتجاهات النازية بالعراق والدول العربية، والمحرض للعداء والكراهية ضد اليهود بالعراق والعالم العربي، والمحرك للفعاليات المناهضة لبريطانيا وفرنسا. لقد استطاع يونس بحري وبتوصية من فرتس غروبا أن يعزز علاقته بالشخصية البارزة في النظام النازي الألماني ووزير الدعاية في الرايخ الألماني الثالث "باول جوزيف غوبلزPaul Joseph Goebbels " (1897-1945م)، من ثم بـ "وهاينرش لويتبولد هملر Heinrich Luitpold Himmler  (1900-1945م) مدير الشرطة العام والمسؤول الأول عن مخابرات أمن الدولة SS، وهو جهاز القمع الألماني السيء الصيت. ومن ثم تم اللقاء بهتلر أيضاً. وقد انتهى التعاون بين غوبلز ويونس بحري إلى تأسيس قسم عربي في إذاعة برلين يترأسها يونس بحري ويصبح مذيعاً فيها. وعبر برنامجه الإذاعي الذي عرف بندائه الشهير "حيي العرب هنا برلين" على نطاق واسع منذ العام 1939 في العراق والدول العربية حتى العام 1945.

وكان يونس بحري صلة وصل مهمة بعد تأسيس اللجنة السرية لحزب الشعب بين هذه اللجنة، التي كان يرأسها الحاج أمين المفتي، والسلطة وأجهزة الأمن والإعلام الألمانية.

وكان المسؤول عن كسب وتهيئة مراسلين مخبرين عرب لصالح المخابرات الألمانية الهتلرية وإرسالهم إلى الدول العربية كصحفيين والعمل بصورة سرية للحصول على معلومات تفيد المخابرات والإذاعة العربية في آن واحد.

كما استطاع يونس بحري أن يساهم بتأمين نفوذ قوي للدعاية النازية في الصحافة والدعاية العراقية مبكراً وقبل وصول هتلر إلى السلطة، ثم تنامى ذلك بعد عام 1933.

منذ أوائل الثلاثينيات بدأت العناصر القومية العربية في وزارة المعارف العراقية تستجلب معلمين ومدرسين عرب من سوريا وفلسطين للتدريس في المدارس العراقية، وكان جلهم من القومين العرب المناهضين للسامية واليهود والمتأثرين بالصراع العربي اليهودي في فلسطين، وبدأوا بنشر الرؤية المعادية لليهود في المدارس التي عملوا فيها وبشكل واسع. ولعب ساطع الحصري الدور الأساس في استيراد هؤلاء المعلمين والمدرسين العرب، وكان جلهم من حملة الفكر القومي العربي اليميني. وعن هذا الموضوع يشير السيد حازم المفتي، صاحب كتاب "العراق بين عهدين: ياسين الهاشمي وبكر صدقي"، إلى دور هؤلاء الأساتذة العرب فيكتب ما يلي:

"وقد ركز الأساتذة السوريون والفلسطينيون دعايتهم ضد الإنكليز واليهود والفرنسيين وأشعلوا نار السخط والغضب في قلوب طلاب العراق ومثقفيه وحرضوهم على تطهير البلاد العربية من الاستعمار الغربي والاستيطان الصهيوني وفضحوا مخططات اليهودية العالمية وأطماعها في بلاد العرب"[4]. وكان جزءاً من هذه الكراهية والحقد موجهين ضد يهود العراق، إذ بدأ يهود العراق يعيشون عداءً صارخاً وتحرشاً مستمراً وإساءة يومية، سواء اكان ذلك في دوائر الدولة أم في الشوارع والمدارس أم في الحياة اليومية.

لقد لعب ساطع الحصري دوراً بارزا في نشر الفكر القومي اليميني المتطرف المصحوب برؤية طائفية ملموسة. لقد كان الرجل الذي انتقل من العثمانية والدفاع عن الدولة العثمانية إلى العروبية[5] من المتأثرين جداً بفكر وقادة الفكر القومي الألماني في القرن التاسع عشر والتي وجدت تعبيرها في المحاضرات والكتب التي كان يصدرها وفي نشاطه العام في وزارة المعارف العراقية وفي نادي المثنى في بغداد.[6] فالعودة إلى برامج محاضرات نادي المثنى التي بدأت بمحاضرات لساطع الحصري وفيها تقديس للفكر القومي وخلفياته. من الممكن العودة إل مؤلفاته التي تكشف عن أيديولوجيته القومية اليمينية الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان: الأعمال القومية لساطع الحصري، الأقسام الثلاثة، سلسلة التراث القومي، الطبعة الثانية: بيروت. 1990). وكان يعتمد في تثقيفه في النادي على أفكار كبار القوميين الألمان الذين اتخذ الفكر النازي الجديد والنظام الهتلري منهم قاعدته ونهجه لأيديولوجي المعادي للسامية وللشعوب عموماً.

لقد بدأ التمييز والعداء لليهود في العراق بوقت مبكر من ثلاثينيات القرن الماضي وأصبح واضحاً حين أصدر، ولأول مرة، وزير الاقتصاد والمواصلات أرشد العمري في عام 1934، وبموافقة الحكومة العراقية ورئيسها علي جودت الأيوبي، قراراً بفصل 150 موظفاً في وزارته كلهم من يهود العراق بحجة النشاط الصهيوني[7]. وكان أرشد العمري من اشد المعادين لليهود من منطلق إيديولوجي مناهض للسامية، وعمل على إحلال مواطنين مسلمين مكانهم. وجدير بالإشارة أن أرشد العمري أصبح فيما بعد رئيساً للجنة التي تشكلت بعد هروب الوصي لحماية مدينة بغداد، وهو من بين من عمل على تأجيج العداء ضد اليهود في بغداد وعموم العراق.

لقد وصل مفتي القدس الحاج أمين الحسيني إلى العراق بعد قيام الثورة الفلسطينية وهروباً من الاعتقال في فلسطين. فعمل مع الجماعة القومية ومع رشيد عالي الكيلاني وسامي شوكت ويونس السبعاوي وغيرهم، وكذلك مع العقداء الأربعة وشكلوا سوية اللجنة السرية لحزب الشعب غير المعلن عنها، وكان لكل عضو في قيادة هذا الحزب اسم سري. وكانت المهمات المطروحة على هذا الحزب هي:

** تأمين مجموعة مهمة من السياسيين القوميين البارزين لعضوية هذا الحزب.

** تنشيط التعاون مع الدولة الألمانية والدولة الإيطالية ومحاولة إيقاف التعاون مع بريطانيا، عدم فسح المجال لاستخدام العراق قاعدة عسكرية ضد المانيا في الحرب العالمية الثانية.

** دعم نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار البريطاني وضد توطين اليهود القادمين من أوروبا.

** التهيئة للقيام بانقلاب عسكري ضد الحكومة العراقية وتسلم السلطة.

لعب الحاج أمين المفتي دوراً كبيراً في بلورة وتأسيس هذا الحزب ودوره في اللجنة السرية التي تشكلت لهذا الغرض وكان على رأسها. ومن الغريب في الأمر أن رشيد عالي الگيلاني، وبعد سنوات طويلة، وهو العضو البارز في المجموعة القيادية ورئيس وزراء الحركة ومعتمدها بعد المفتي، قد أنكر وجود ونشاط مثل هذا الحزب أو هذه اللجنة السرية في النقاشات التي جرت على صفحات الصحف في القاهرة، رغم أنه كان من المشاركين في تقديم طلب إجازة الحزب رسمياً، وعضواً أساسياً بارزاً في اللجنة السرية للحزب. مما اضطر المفتي أن يستعين بذاكرة ناجي شوكت ليؤكد صحة وجود مثل هذه اللجنة السرية أولاً، وعضوية رشيد عالي الگيلاني فيها ثانياً، وصحة الأسماء الحزبية التي كان يحملها أعضاء قيادة هذه اللجنة ثالثاً[8]. وجدير بالإشارة إلى أن المجموعة المدنية في هذه التشكيلة القيادية والأعضاء، وهم رشيد عالي الگيلاني (عبد العزيز)، ناجي شوكت (أحمد)، علي محمود الشيخ علي، يونس السبعاوي (فرهود)، محمد علي محمود، داود السعدي، والدكتور محمد حسن سلمان، قدمت طلباً رسمياً قبل الانقلاب بفترة قصيرة، أي بتاريخ 27 آذار/مارت من عام 1941، إلى وزارة الداخلية لتكوين حزب سياسي باسم "حزب الشعب" وقبل استقالة وزارة العميد طه الهاشمي دون أن يجاب الطلب[9]. أما القيادة العسكرية فتكونت من العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ (رضوان)، وفهمي سعيد (نجم)، وكامل شبيب ومحمود سلمان (فارس).

إن هذه العوامل وغيرها هي التي لعبت الدور الأساس في الموقف المناهض لليهود في العراق لدى مجموعات من الناس التي تأثرت بالفكر القومي ومن ثم بالنازية، وهي التي أوجدت الأرضية الفكرية  الصالحة والمناخ السياسي المناسب لحصول فاجعة الفرهود في بغداد، في حين شكل غضب الجنود بانهيار القوات المسلحة العراقية أمام القوات البريطانية الذي أشرت له وأشار إليه اللامي أيضاً، القشة التي قصمت ظهر البعير، وليس الأساس الفكري والسياسي، إضافة إلى أني أشرت إلى أن السماح بحصول الفاجعة من جانب القوات البريطانية والسفارة البريطانية عبّر عن رغبة جامحة لدى الجماعات الصهيونية والحكومة البريطانية في زعزعة الثقة لدى اليهود في وجودهم في العراق ودفعهم للهجرة إلى فلسطين، كما كان يحصل في هجرة يهود من دول أوروبا، لاسيما أوروبا الشرقية وألمانيا قبل الحرب وأثنائها.

إن فاجعة الفرهود التي وقعت في الأول والثاني من شهر حزيران/يونيو 1941 ببغداد، وقبلها فرهود أخر في البصرة، لم يقترن الأخير بقتلى، ولكن حصل فيه نهب وسلب للمحلات، في حين سقط 144 مواطناً يهودياً ويهودية في هذين اليومين فقط، إضافة إلى كثرة من الجرحى، في بغداد، مع حصول نهب وسلب وتدمير محلات وبيوت العائلات اليهودية.

تملق الكياني الصهيوني

3) يقول علاء اللامي: أن المقالة "لا تخلو من تملّق الكيان الصهيونيّ ومؤسّساتِه الإعلاميّةِ والسياسيّة.".

إن هذه الجملة لللامي تتضمن مسألتين: الأولى قوله الكيان الصهيوني، وهو التعبير الذي تمارسه القوى القومية اليمنية المتطرفة وقوى الإسلام السياسي المتطرفة وإيران، في حين اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل وكذلك عديد من الدول العربية وتقيم معها علاقات دبلوماسية منذ سنوات، منها مثلاً مصر والأردن، إضافة إلى دول عربية جديدة أخرى. كما إنها دولة عضوة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكنها دولة معتدية ومحتلة وتمارس سياسة استعمارية مرفوضة دولياً على وفق اللوائح والقرارات الأساسية لمجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة. وبالتالي فأن هذه التسمية التي يطلقها علاء اللامي هي ليست سوى جزءاً من النهج والسياسة والخطاب التدميري الذي تعرضت له القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من جراء تلك المزايدات البائسة التي لا يتأثر بها ممارسوها، ولكنها آذت ومازالت تؤذي أولاً وقبل كل شيء الشعب الفلسطيني. ليس كل الشعب في إسرائيل صهاينة، أي ليسوا كلهم من القوميين اليهود اليمينيين المتطرفين، بل هناك من هم يناضلون ضد هذه السياسة، سواء أكانوا من اليهود أم من العرب في هذه الدولة. وعلاء اللامي كأي قومي يميني لم يعد قادراً على التمييز بين اليهود وبين سياسة الدولة الإسرائيلية التي لا نتفق معها بل نعارضها بشدة، وكذلك بين اليهودي الذي لا يحمل فكراً قومياً يمينياً متطرفاً أو صهيونياً. إذ بدون هذا التمييز يصعب تحقيق الدفع باتجاه تحقيق التمايز الفكري والسياسي داخل المجتمع الإسرائيلي الضروري لصالح حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة والعادلة التي أشرنا إليها سابقاً.

والمسألة الثانية التي طرحا اللامي تطرح بدورها السؤال التالي: لماذا أتملق إلى إسرائيل وإعلامها وسياسييها؟ هل لي من مصلحة في ذلك، وأنا المعارض لكل الدكتاتوريات وكل أشكال الظلم والجور والاغتصاب والتمييز العنصري والديني والمذهبي؟ إن ما يحصل في إسرائيل هو تمييز عنصري واجتماعي صارخين ضد العرب وضد اليهود السود وضد فقراء اليهود، بل حتى ضد اليهود الشرقيين، ومنهم يهود العراق. إسرائيل دولة رأسمالية مستغلة ومستعمرة ومغتصبة للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ومزارع شبعة والجولان. إن ما كتبه اللامي اتهام خائب يدين صاحبه، إذ لا دليل لديه على ذلك. كما أن نشر مقتطفات من المقال من جانب وزارة الخارجية، إنها ليست سوى كلمة حق يراد بها باطل، ولست مسؤولاً عن هذا النشر، إذ أن عشرات المواقع الديمقراطية العراقية والعربية وغيرها قد نشرت هذا المقال، إضافة إلى أن كتابي الذي أشرت إليه سابقاً قد وزع وبيع على نطاق واسع في الدول العربية والخارج، وعلاء اللامي هو الوحيد الذي "اكتشف!" بخبث وافتراء "تملقي للكيان الصهيوني!". إن أشخاصاً من أمثال علاء اللامي هم الذي ساهموا، أدركوا ذلك أم لم يركوه، هم الذي ساهموا بإيصال القضية الفلسطينية إلى الواقع المحزن الراهن، وهم الذين ساعدوا بدعاياتهم الرخيصة والكاذبة برمي "الكيان الصهيوني بالبحر"، بحصول إسرائيل على دعم أكبر من دول وشعوب كثيرة في العالم، وهم الذين ساعدوا بشكل غير مباشر على اغتصاب المزيد من الاراضي الفلسطينية، بنسبة عالية مما كانت عليه حصة فلسطين في التقسيم الأول لفلسطين عام 1947 والتي لم تعد اليوم سوى 21% من تلك الحصة، وأن هذه النسبة هي الأخرى مليئة بالمستوطنات اليهودية، في حين ارتفعت حصة إسرائيل عملياً إلى 79% بعد أن كانت بحدود 51% في عام 1947.

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.

 

د. كاظم حبيب

.....................

* للاطلاع على مقال علاء اللامي: "الفرهود" وتهجير اليهود العراقيين: قراءة جديدة في الخلفيات!

[1] أنظر: الدكتور كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، منشورات المتوسط - إيطاليا، ط 1، 2015.

[2] Orientreferent Wilhelm Melchers beurteilte Fritz Grobba، den „deutschen Lawrence“، wie er es nannte، so: „Grobba selbst war als hochgradiger Freimaurer im dritten Reich schwer belastet und nur seiner Orienterfahrung wegen (er stammte aus der Dragomanlaufbahn) zu halten gewesen. Er hatte große Kenntnisse in personalibus orientalibus، die ihm den Ruf eines erstklassigen Orient-Fachmannes eintrugen. Er war fleißig، betriebsam und ehrgeizig.

[3] Source: Reprinted from The Journal of Historical Review، vol. 19، no. 1، p.32.

[4]  المفتي، حازم. العراق بين عهدين ياسين الهاشمي وبكر صدقي. مكتبة اليقظة العربية، بغداد. 1989. ص 64.

[5] وليام ل. كليفلاند، ساطع الحصري من الفكرة العثمانية إلى العروبة، تعريب فكتور سحَّاب (بيروت، دار الوحدة، 1983)، ص 27.

[6]  أنظر: ساطع الحصري ما هي القوميّة؟ (أبحاث ودراسات على ضوء الأحداث والنظريّات) (بيروت، دار العلم للملايين، 1959). أنظر أيضاً: ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القوميّة، ط4، (بيروت، دار العلم للملايين، 1959).

[7]  - أنظر: عبد الله، سعد سلمان، النشاط الصهيوني اليهودي بالعراق، مصدر سابق، ص 141.

أنظر أيضاً: السوداني، صادق حسن، النشاط الصهيوني في العراق 1914-1952، منشورات وزارة الثقافة والإعلام-الجمهورية العراقية، سلسلة دراسات 206، بغداد ،980. ص 84/85.

أنظر أيضاً: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الرابع، مطبعة دار الكتب في بيروت، الطبعة الرابعة 1974، ص 29/30.

[8]  ناجي شوكت، سيرة وذكريات، الجزء الثاني، ص 510-514.

[9]  الحسني، عبد الرزاق. تاريخ الوزارات العراقية. الجزء الخامس. مصدر سابق. ص 194.

 

 

عبد الحسين شعبانبتفاقم جائحة كوفيد-19 "كورونا" التي شهدت أرقاماً قياسية كبيرة خلال الأسابيع الماضية فقد داهمت العراق جائحة جديدة لا تقلّ خطراً عن جائحة "كورونا" ألا وهي جائحة الدينار؛ وهو ما أخذ يتندّر به العراقيّون، خصوصاً تأثيرها المباشر على الفقراء لأنها تتعلّق بقُوتهم اليومي، فقد تمّ خفض سعر الدينار مقابل الدولار، حيث بدأ البنك المركزي في 20 ديسمبر (كانون الأول) تطبيق السعر المنخفض للدولار البالغ 1450 ديناراً عوضاً عن السعر السابق البالغ 1190 ديناراً عراقيًّا لكل دولار أمريكي، وعمدت الحكومة العراقيّة على اتخاذ هذه الخطوة بعد عجزها لشهرين متتاليين من دفع رواتب الموظفين، إضافة إلى استمرار الأزمة مع إقليم كردستان وتعقيداتها بشأن دفع الرواتب من جهة، وواردات النفط من جهة أخرى، تلك التي استمرّت بالتعتّق منذ سنوات.

وعلى الرغم من أن الحكومة اتخذت هذه "القرارات الصعبة" كما تقول لكنّها من أجل تصحيح الأوضاع بتبرير أنّ التأسيس كان خاطئاً للنظام السياسي والاجتماعي المُهدّد بالانهيار بالكامل، فإمّا الفوضى العارمة وإمّا عمليّة قيصريّة للإصلاح، كما ورد على لسان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. ويذهب وزير المالية علي علاوي أكثر من ذلك حين يعتبر "الورقة البيضاء" بمثابة "مانيفستو" الإصلاح، الذي يعني "حكم الضرورة"، إلّا أنّ "تجربته" تفتّقت عن اقتطاع رواتب الموظفين بخفض سعر الدينار الذي أثار موجة عاصفة من ردود الفعل.

أمّا حركة الاحتجاج التشرينيّة فقد ندّدت بتلك الإجراءات وشدّدت على تحقيق مطالبها بمحاسبة الفاسدين ووضع حدٍّ للفساد ومساءلة المتّهمين بارتكاب جرائم أودت بحياة أكثر من 600 إنسان وجرح وإعاقة نحو 20 ألف آخرين، علماً بأنّ هذه الانتهاكات ما تزال مستمرة دون رادع أو حسيب، مثلما يستمر قصف مواقع الهيئات الديبلوماسية وانفلات السلاح وهشاشة الوضع الأمني، وما ضاعف من معاناة الناس هو انحدار الوضع الاقتصادي والمعاشي وتدهور الوضع الخدمي الصحّي والتعليمي وتآكل البُنية التحتيّة، خصوصاً في فترة الشتاء وتساقط الأمطار.

إن قرار خفض سعر الدينار يضيف عبئاً إضافيًّا على الاقتصاد العراقي المتهالك أصلاً، إذْ سيسبّب موجات تضخّم اقتصادي جديدة، بتراجع مستوى الدخل في العراق بنسبة 22.5%، ولأنّ الاقتصاد العراقي في مجمله هو اقتصاد استهلاكي يقوم على الاستيراد، فستكون نتائج خفض سعر العملة المحلية فادحة، وبالأساس على الطبقة الوسطى، التي سينحدر الكثير من أوساطها إلى الطبقات الفقيرة والمسحوقة، بينما يبقى الأغنياء يزدادون غنىً، سواءً من القوى الحاكمة أو القريبة منها باستمرار الفساد المالي والإداري الذي بدّد الموارد الهائلة والتي تُقدّر بما يزيد عن 700 مليار دولار خلال الفترة من العام 2005 إلى العام 2014، فلم يبقَ أمام الحكومة سوى تخفيض سعر الدولار والاقتراض من البنك المركزي واللجوء إلى الاقتراض الخارجي، وهي السياسة التي اتّبعتها وزارة المالية في مشروع قانون الموازنة المقترح للعام 2021.

إنّ تخفيض سعر الدينار يعود إلى أسباب تتعلّق بالسياسة النقدية للحكومة، فضلاً عن جانب موضوعي يتعلّق بالعقوبات المفروضة على سوريا وإيران، حيث يشكّل العراق المنفذ الأساسي لهذين البلدين للحصول على الدولار وإنعاش احتياطيّيهما النقديّين منه، وإذا تركنا جانباً زيادة الطلب على الدولار وهو ما يؤدي إلى ارتفاع سعر الأخير، فإنّ أحد الأسباب المهمّة هو تهريب العملة الصعبة من خلال مبيعات البنك المركزي للدولار يوميًّا لأصحاب المصارف فيما يُسمى المزاد اليومي للدولار تحت عنوان "إنعاش السوق" بالدولار بزعم تثبيت سعر الدينار بحدود معيّنة، علماً بأنّ بعض التجار يقوم بشراء الدولار من البنك المركزي لحساب آخرين، جزء منهم يتبع للقوى السياسية المتنفّذة.

لقد سبّب ارتفاع قيمة الدولار في رفع قيمة المواد الاستهلاكية وغالبيّتها الساحقة مستوردة، لأنّ الدولار يعتبر العمود الفقري للتجارة العراقيّة في ظل النظام الذي اتّبع ما بعد الاحتلال والذي أطلق عليه "الاقتصاد الحر"، ومع ارتفاع سعر الدولار أصبح كل شيء باهظ الثمن في السوق، لا سيّما لأصحاب الدخل المحدود، وبالفعل فقد تأثّر السوق بذلك على الفور وتقلّصت الحركة فيه على الرغم من الاستعداد لاستقبال عيد رأس السنة الميلادية، وغالباً ما ترتفع الحركة خلال هذه الفترة من السنة.

لقد ازدادت معدّلات الفقر إلى مستويات مريعة، وتستمر التوقعات المتشائمة في ظل استمرار "جائحة كورونا"، وانخفاض أسعار النفط وانكماش الاقتصاد، يضاف إلى ذلك استشراء الفساد المالي والإداري وغياب الخطط الاقتصاديّة العقلانيّة البعيدة النظر، ناهيك عن الترهّل الوظيفي في أجهزة الدولة مع وجود موظّفين وهميّين أو موظّفين يستلمون أكثر من راتب، وعدم الشروع بتنمية القطاعات الإنتاجية المحليّة وارتفاع نسبة البطالة. وقد توقّعت ممثلة الأمم المتحدة في بغداد جانين هينس بلاسخارت خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي "انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 9.7% مع ارتفاع معدّلات الفقر إلى نحو 40% في العام الحالي 2020، فضلاً عن توقّعات حدوث انخفاض في الفرص الاقتصادية"، وقد تزيد جائحة الدينار الوضع سوءًا خلال فترة التحضير للانتخابات المقرّرة في شهر يونيو (حزيران) المقبل.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

حسن الياسريالفسادُ بالأساس ظاهرةٌ اجتماعيةٌ في المجتمعات البشرية. إنَّ البيئة الاجتماعية بما تملكه من مجموعةٍ كبيرةٍ من الوسائل،التي تمثل آليات الضغط الاجتماعي، لها الأثر الكبير في التأثير في الفرد. فالفرد بالنتيجة هو جزءٌ من النظام الاجتماعي. ومن المعروف أنَّ لكل نظامٍ اجتماعيٍّ قيمهُ الموروثة،التي تبرز على شكل ضوابط سلوكيةٍ يخضع لها الفرد، خشية تعارض رغباته وحاجاته مع الآخرين. لذلك ينظر علماء الاجتماع إلى الفساد بكونه (علاقةً اجتماعيةً) تتمثَّل في الخروج عن القواعد المستقرَّة في المجتمع المتعلقة بواجبات الفرد إزاء الآخرين. إنَّ الفساد يمكن أنْ يتفشَّى في المجتمعات الصغيرة التي تتميَّز فيها العلاقات بين الأفراد بطابعٍ شخصيٍّ واضحٍ،و تبرز فيها أهمية ما يسمى (الرصيد الاجتماعي للفرد) أي قدرته في التأثير في الآخرين .

فالعلاقات الاجتماعية ومدى ترابطها أو تفككها لها الدور الكبير في تفشَّي الفساد أو انحساره. ولعلَّ من المفارقات أنَّ هذا التماسك في بعض المجتمعات،ولاسيما في الدول النامية -ومنها دولتنا -، يعدُّ من أسباب تفشي الفساد وانتشار مجموعةٍ من أفعالهِ، مثل الواسطة والمحسوبية والمحاباة. ومن جهةٍ اخرى فإنَّ غياب القيم في المجتمع وعدم الاهتمام بغرس قيم الفضيلة والخير والمساواة، في مقابل قيمٍ اجتماعيةٍ أخرى تقوم على الولاء والانتماء لعشيرةٍ أو حزبٍ أو جهةٍ معينةٍ يؤدي الى تخفيف حِدَّة النظر الى الفاسدين بكونهم فاسدين، بل سيُنظر اليهم بوصفهم سنداً وقوةً،وربما فخراً،وهو ما يؤدي بالمحصِّلة إلى استفحال الفساد، ومن ثم التأثير في إضعاف سياسات مكافحتهِ.

وكلُّ ذلك يؤشر ضعف المجتمع وعدم حصانتهِ،وتراجع دور المدرسة والجامعة والمسجد،وغير ذلك من مؤسسات المجتمع، في تحصينهِ ضد الفساد. فالحقُّ أنَّ تغوُّل الفساد في المجتمع لهو دليلٌ قاطعٌ على وجود (خللٍ اجتماعيٍّ) في التركيبة الاجتماعية، وهكذا كلما ازداد الخللُ كلما تصدَّع جدارُ المجتمع في مقابل الفساد، الأمر الذي يسمح للأخير – الفساد- بالنموِّ والترعرع،حتى لا يكاد يُنظر إليه بوصفهِ جريمةً،وإنْ كان الجميع ينكرونه بألسنتهم ويتظاهرون ضده، إذ سيصبحُ سلوكاً متأصلاً حتى في نفوس بعض من ينكرونه بألسنتهم ؛ فينشأ ما يمكن تسميته (الفساد المجتمعي أو الاجتماعي)،وهو الفسادُ الناجمُ من المجتمع.

وبتقديري الشخصي إنَّ هذا الفساد،وما يضمّهُ من عوامل وأسبابٍ اجتماعيةٍ لهي الأكثر خطورةً مما سواها من أسبابٍ وعوامل سياسيةٍ واقتصاديةٍ ونحوهما، خلافاً لمن يعتقد أنَّ بعض أنواع الفساد الأخرى هي الأخطر ؛ ذلك أنَّ فساد المجتمع يفضي إلى فساد المناحي الأخرى جميعها، سياسيةً وماليةً واقتصاديةً، فلو أنَّ العملية السياسية أصابها الفساد مثلاً فيمكن إصلاحها عبر مجموعة مساراتٍ معروفةٍ، وهكذا يمكنُ إصلاح الاقتصاد والسياسة المالية،وما إلى ذلك، بيد أنَّ المشكلة كلها تكمنُ في إصلاحِ المجتمع، فهو أمرٌ في غاية العسرِ والصعوبة. ولذا ترونَ أنَّ رسلاً وأنبياءَ يوحى إليهم، وأئمةً معصومين، قُتلوا وفقدوا حياتهم ولم يستطيعوا إصلاح المجتمع.

 

وعموماً يمكن بإيجازٍ إيراد أهم الأسباب والعوامل المتسبِّبة في الفساد المجتمعي – الاجتماعي- بالآتي:

1- نمطُ العلاقات والأعراف بين أفراد المجتمع:

فلقد ذكرنا آنفاً أنه كلما قويت هذه العلاقات والروابط بين أفراد الطائفة الاجتماعية الواحدة،وازدادت الولاءات للعشيرة وللحزب ونحوهما،كلما كان ذلك عاملاً مساعداً لنموِّ الفساد. إذْ سيميلُ المسؤولون التنفيذيون وسائر الموظفين العموميين لتفضيل أقربائهم وأصدقائهم، وستنتشرُ أفعال الواسطة والمحسوبية والمحاباة على حساب المصلحة العامة .

2- ضعفُ الوعي الاجتماعي:

فكلما ازدادَ الفقرُ وساد الجهلُ في المجتمع كلما كانت الأرضية خصبةً ومهيأةً لنموِّ الفساد، ولبروز نجم بعض الجهلة الذين يتبعهم المجتمع، حتى لو كانوا أئمة الفساد، إذ سيُنظر إليهم كأنبياء ومخلِّصين، ما دامت الكلمة الفصل في المجتمع للجهلة وأتباعهم، وليس لأرباب الفكر والمتنوِّرين. كما أنَّ هذا الجهل وضعف الوعي الاجتماعي سيولِّد حالةً من السلبية واللامبالاة في المجتمع، الأمر الذي يؤثر في سلوك المواطنين الذين سيكونون جزءاً من منظومة الفساد دون رفضٍ منهم .

3- الشعورُ بالمظلوميةِ والانتقاص:

أحياناً يشعرُ المجتمع أو فئةٌ منه بالمظلومية، وأنهم ضحيةٌ للآخرين، فيتولَّد لديهم شعورٌ نفسيٌّ داخليٌّ بضرورة تعويض ذلك، وسيكون التعويض – بحسب اعتقادهم- عند توليهم الوظيفة العامة ؛ إذْ سيسارعون إلى نهب المال العام. وحتى لا يقعوا في الخطيئة وتأنيب الضمير سيقولون في أنفسهم إنَّ ما يأخذونه من المال العام ما هو إلا جزءٌ يسيرٌ لتعويض مظلوميتهم وانتقاصهم وإعادة حقهم المهدور. وفي هذا الإطار يلعب الإعلامُ المغرض دوراً كبيراً في تغذية هذا الشعور.

ومن جهةٍ أخرى تشعرُ بعض الفئات الاجتماعية بأنَّ الوطن ليس وطنهم، بل هم ضيوفٌ عليه، ويحسبون الأيام لتغيير هذا الواقع بصورةٍ أو بأخرى ؛ لذا سيتعاملون مع المنصب والوظيفة العامة كما لو كانت مؤقتةً وإلى زوالٍ ؛ وهي فرصةٌ للتربُّح، وليس مقصدها الخدمة العامة، فيسارع بعضهم لاستغلال الفرصة لنهب المال العام بأية طريقةٍ كانت. وللحديث تتمة في الجزء الثاني إنْ شاء الله.

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

 

سعد جاسم"كنتُ قلقاً حول حياته ومصيره في عراق الكوارث والجيوش الأجنبية والعصابات والجواسيس والعملاء والمرتزقة ، ومنذ أَن عرفتُه وشخَّصتُه قلتُ: انّهُ سيتعرض لسوء مبرمج لأن قامته أعلى بكثير مما هو مسموح للعراقي في هذا الزمان ، ولأن عقله نور كاشف في عراق الظلم والظلمات وفي شرق أوسط الهزائم والنكبات . نورٌ يستطيل ليشمل العالَم العربي كله والأنسانية جمعاء: فما أشجعه وأبسله مدافعاً عن وطنه والأِنسانية}

هذا ما أَباحَ به اليَّ اخي "كريم الاسدي"

 الشاعر العراقي الاصل الالماني الجنسية؛

عندما قرأ نصي الشعري

{حسين سرمك: أَهكذا تغدرنا برحيلك المفاجيء}

والذي كتبتهُ ونشرتهُ بعد ساعات قليلة من موت أخي

وصديقي وابن مدينتي الاولى {الديوانية} الطيّبة .

وأَنا ومن جهتي كنت قد علّقتُ على ماقاله الشاعر" الاسدي"

  حيثُ قلتُ له : أَنا أُشاطرك وأُوافقك الرأي بعقل يقظ وتأويلي وبروح متوهجة وقوية وبقلب محب ومخلص ونظيف ؛

واوافقك على كل كلمة قلتها

عن ماحصل وحدث لاخينا وصديقنا وزميلنا الشهيد المغدور

الدكتور " حسين سرمك حسن "

ولااخفي عليك شكوكي وهواجسي وقلقي الكبير ازاء

الموت شبه المفاجيء

للراحل الحبيب ...لأَنني كنتُ متواصلاً معه بشكل يكاد ان يكون يومياً خلال محنته المرضية المفاجئة والخفية والسريعة بشكل يدعو للقلق والشك والاسئلة الخفيّة والمُعلنة ؛ رغم تكتكم "د. حسين" على حالته المرضية التي لايعلم بها إلا انا وأَشخاص قليلين للغاية . ولااكتم عليك مدى شكي وقلقي وخوفي

 بان فقيدنا{ قَدْ} وأُؤكد وأَضع مليون خط أَحمرتحت مفردة {قَدْ} وأنا اعتقد وأظن وأهجس ان الدكتور " حسين سرمك " قد أُغتيل بجريمة قتل " بايولوجية "سرّية وخفية جداً جداً .

وكانت تقفُ وراءها واشتركتْ بارتكابها عدّة دول إمبريالية وحكومات محترفة في القتل والتصفيات السرّية وقد كانت هذه الدول والحكومات قد نفّت جريمتها الغادرة والوحشية بواسطة شخصيات مخابراتية ومافيوية واجرامية متعددة الجنسيات

 والاهداف والغايات والمصالح والنوايا السوداء

حيث انها قامت بفعلتها الاجرامية البايلوجية بحق

"الدكتور سرمك" باحترافية وسرّية لايعلمها الا الله والراسخون

بالجرائم والخيانات والغدرالدموي والقتل المتعمد

 لفقيدنا الاديب والدكتور والعالم الجليل

الذي سبق له ان قام بفضح الطغاة والديكتاتوريين والامبرياليين والمجرمين والقتلة الذين قاموا بصناعة وباء

{الكورونا وكوفيد 19}

وكذلك قاموا بحربهم البايلوجية المشتركة على جميع شعوب البشرية في هذا العالم المبتلى بالحروب والمجاعات والاوبئة

وانا سأقوم الآن وبكل شجاعة وجرأَة وصراحة

بإطلاق صرختي الجريحة

وتساؤلي الفاجع

{مَنْ قتلَ حسين سرمك؟}

نعم ... ها أَنا أُجهر بسؤالي وصرختي 

أَمام الله والبشرية والانسانية جمعاء

وهاأنذا أٌعود وأَتساءل: ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة

وللمرة المائة والالف والمليون

" مَنْ قَتلَ حسين سرمك؟ "

اللهم اني بلّغتُ

وأَنتَ على سؤالي وصرختي

شاهد وشهيد

 

سعد جاسم

 

 

محمد توفيق علاويخلال فترة تكليفي في الشهر الثاني تم عقد اجتماع من قبل رئيس الجمهورية في مقره معي ومع مجموعة من السفراء ومنهم سفير الاتحاد الاوربي والبريطاني والفرنسي والايطالي والاسباني والكندي والياباني والسفيرة الاسترالية وآخرين؛ لقد كان هذا الاجتماع مهماً لي لأني كنت اعرف تداعيات الازمة الاقتصادية العالمية على الوضع العراقي واحتمال حدوث انهيار اقتصادي في العراق وهذا يتطلب البدء ببرنامج اصلاحي للنهوض بالقطاع الصناعي والزراعي وقطاع الخدمات والنهوض بالاستثمار وتحويل العراق إلى واحة استثمارية جاذبة للاستثمار، ولذلك كان كل همي منصباً على الحصول على اسناد من الاتحاد الاوربي واستراليا وكندا واليابان لمساعدة العراق في الحصول على منح وعلى قروض ميسرة للمساعدة في تحقيق هذا البرنامج الطموح.

كان حديثي معهم منصباً على نيتي في تشكيل حكومة من وزراء مستقلين ونزيهين وكفوئين وإني بحاجة إلى اسنادهم لتحقيق برنامجي الاصلاحي؛ وحيث ان تعريف الدكتور برهم صالح لمجموعة السفراء بأن اهم ما يميزني نزاهتي الشبه مطلقة مما اعطى مصداقية لكلامي عند المجموعة، فكان حديث سفير الاتحاد الاوربي معبراً عن نفسه كاتحاد اوربي وعن باقي الدول، وقال لي بالنص ( نحن مما قدمته لنا من برنامج لتشكيل حكومة من الوزراء المستقلين والنزيهين والكفوئين فأني اقول لك نيابة من الاتحاد الاوربي بل عن المنظومة المالية الدولية بأن هناك امكانية كبيرة لمساعدة حكومتك إذا كانت تتمتع بهذا المميزات؛ واني اقول لك ايضاً إننا غير مستعدين لمساعدة حكومة السيد عادل عبد المهدي بسبب سياساتها وبالذات طريقة التعامل مع المتظاهرين ودرجة الفساد المستشرية)؛

يعلم المواطن العراقي اني اعتذرت عن تشكيل الحكومة لاختلافي مع اغلبية الطبقة السياسية الحالية التي ترغب بالاستمرار بمنهج المحاصصة السياسية على نهج السبعة عشر عاماً الماضية، وهذا ما لا يمكنني القبول به؛ فإما ان اقود البلد بمبادئي السياسية الى شاطئ السلام والتقدم والازدهار، وإما أن تستمر هذه الطبقة السياسية على المسار المؤلم للسبعة عشر عاماً الماضية من دون وجود أمل لإنقاذ البلد مما هو فيه.

لقد جاءت حكومة السيد مصطفى الكاظمي على نفس النهج السابق، وتشكلت اغلبية الوزارات على اساس المحاصصة واستمرت المكاتب واللجان الاقتصادية للأحزاب التي تقود البلد، وللأسف الشديد بعد الحصول على الآمال الكبيرة من قبل الاتحاد الاوربي والدول العالمية الاخرى لإسناد العراق وإنقاذه من وضعه الاقتصادي المتردي وصل الحال بنا أن الاتحاد الاوربي وضع العراق على اللائحة السوداء بسبب الفساد وغسيل الاموال؛ للأسف نخشى إن استمر الوضع على ما هو عليه فلا يوجد امل على انقاذ البلد؛ ولا يمكن إنقاذ البلد من المستقبل الخطير الذي ينتظره إلا بخروج المواطنين الكرام من الذين لم يصوتوا في الانتخابات السابقة وهؤلاء يشكلون نسبة اكثر من 80٪ ثم يقوموا بالتصويت لصالح من يعتقدون بصلاحهم و حبهم لشعبهم و وطنيتهم واخلاصهم لبلدهم.

 

محمد توفيق علاوي

 

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

تصاعد التوترات في العراق مع اقتراب ذكرى وفاة سليماني يكشف الصراع المتفاقم في الأيام الأخيرة بين الحكومة في بغداد والميليشيات الموالية لإيران، ويعكس ثقل الصراع على السلطة على الساحة الداخلية العراقية، على رأس الحرب بين طهران وواشنطن. سفارة الولايات المتحدة في بغداد اتي تعرضت لهجمات صاروخية مكثفة عدة مرات من قبل ميليشيات وفصائل مسلحة منفلتة وخارجة على القانون، منذ أكثر من أسبوع، اتهمت إيران والولايات المتحدة بعضهما البعض بإثارة التوتر بعد أن ألقت واشنطن باللوم على طهران في التورط في إطلاق الصواريخ التي سقطت بالقرب من السفارة الأمريكية في بغداد.، قبل أسبوعين من ذكرى وفاة الجنرال قاسم سليماني، في غارة أمريكية شنتها في 3 كانون الثاني / يناير 2020. لكن الأحداث التي وقعت في الأيام التالية تبدو أيضًا وكأنها تعكس الاضطرابات داخل المشهد السياسي العراقي الداخلي.. بعد أيام قليلة من الهجوم الأخير على السفارة الأمريكية في العاصمة العراقية، حيث حذر المتحدث باسم ميليشيا كتائب حزب الله القوية الموالية لإيران، أبو علي العسكري، في تغريدة نُشرت في 26 ديسمبر / كانون الأول. رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ألا يختبر صبر المقاومة فهي جاهزة للمواجهة وطنيا وخارجيا قبل أن يضيف أن فصائل المقاومة ستدعم بعضها البعض فيما بينهم، وبين أنه لا أجهزة المخابرات الأمريكية ولا تلك الإيرانية إطلاعات قادرة على حماية رئيس الحكومة وقد حان الوقت لقطع إذنيه كما تقطع آذان الماعز. في وقت سابق، بدا أن مصطفى كاظمي هو صاحب اليد العليا في الاشتباك مع الميليشيات الشيعية الموالية لإيران من خلال اعتقاله، كرد فعل على الهجوم على السفارة الأمريكية، العديد من أعضاء منظمة عصائب أهل آلحق بزعامة قيس الخزعلي المختبيء في طهران والمدعوم من قبلها، ومن بين المعتقلين حسام زرجاوي الذي اعترف بأن العصائب هي التي أطلقت صواريخ الكاتيوشا على السفارة الأمريكية وذلك في مقطع فيديو سجل في 25 كانون الأول (ديسمبر). بينما هددت مجموعات بايعت زعيم هذه الميليشيا قيس الخزعلي في مقاطع فيديو نُشرت بعد ذلك بوقت قصير بمهاجمة الحكومة وانتشرت في مناطق عدة في العاصمة بغداد في استعراض قوة وتحدي لهيبة وسلطة الدولة، مما اضطر رئيس الوزراء العراقي إلى تهدئة الأمور واقتراح ترتيب مع عصائب أهل الحق بعد تدخل الأعرجي أدى إلى الإفراج عن أعضائها. والتعهد بعدم مهاجمة ومحاربة الميليشيات المسلحة التي تسمي نفسها بفصائل المقاومة وتعتبر نفسها جزء من الحشد الشعبي. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية في حزيران (يونيو) 2021، يحاول رئيس الوزراء تحسين صورته في الشارع العراقي بالقول إنه يريد استعادة حكم القانون ونزع سلاح الميليشيات في البلاد. لكن هذه الأخيرة، صاحبة السلطة الحقيقية، تحاول تشويه سمعته أمام الناس من خلال انتقاد تحالفه مع الولايات المتحدة "، يلخص إحسان الشمري، مدير المركز العراقي للفكر السياسي، في مقابلة مع صحيفة لوريان لوجور. لا تتردد كتائب حزب الله في تسليط الضوء على الخيانة التي تشترك فيها الحكومة بقربها وتعاونها وتنسيقها مع واشنطن. وإقامة تحالف ثمين لمصطفى كاظمي على رأس دولة انهار اقتصادها. كما جعل رئيس الوزراء محاربة الميليشيات أولوية له منذ توليه منصبه، وكان يعتقد أنه سوف يصفيها من أول صفعة سوف يوجهها لها كما أخبر بذلك النائب والمرشح السابق لمنصب رئيس الوزراء فائق الشيخ علي، لكن دون جدوى في الوقت الحالي. وعندما تولى السلطة، رفض رئيس الحكومة جميع القوى السياسية والعسكرية الشيعية، المعتدلة منها والراديكالية، حتى 48 ساعة قبل تعيينه. لكن لم يكن لديه أيضًا عضو مؤسس في البرلمان ولا قاعدة اجتماعية متشددة ولا حتى حزب سياسي وقد وصل إلى هناك بفضل اتفاق الكتل السياسية العراقية وموافقة طهران الضمنية للخروج من الأزمة السياسية القائمة وفراغ السلط، كما تمتع بالدعم الدولي، ولا سيما من الولايات المتحدة. من الواضح أنه بعد سبعة أشهر تقريبًا، لم تزد شعبيته "، كما صرح لــ  لوريان لوجور عادل بكوان، مدير مركز علم الاجتماع العراقي. بينما يرى قسم كبير من السكان أن ظروفهم المعيشية تتدهور أكثر فأكثر، لا تبدو صورة رئيس الوزراء مواتية لهم. في الواقع، يرى العراقي العادي عملته الوطنية تنخفض مقابل الدولار ما يعني اانخفاض القدرة الشرائية وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. كما أنها المرة الأولى منذ تأسيس الدولة العراقية التي لا تستطيع الأخيرة دفع رواتب موظفيها. ناهيك عن مشاكل الكهرباء ومياه الشرب، في حين أن 27٪ من سكان بغداد لا يحصلون عليها "وظروف المدن العراقية أسوء من ذلك بكثير لاسيما في وسط وجنوب العراق، يضيف المختص. كما يواجه رئيس الوزراء انتقادات لسياسته الأمنية، رغم أنه لم يكشف حتى الآن عن اسم أو أسماء قتلة المحلل العراقي والمتخصص بالشأن الجهادي هشام الهاشمي الذي قُتل أمام منزله في 6 تموز / يوليو.عللى يد  عناصر من الميليشيات التباعة لحزب الله العراقي الذين تم تهريبهم إلى إيران فوراً . فمقتله محسوب على الميليشيات الموالية لإيران. لكن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لا يستطيع أن يعارضهم تمامًا أو يقف في وجههم ناهعيك عن محاسبتهم ومحاكمتهم من قبل القضاء العراقي. ميزانية 2021 للحشد الشعبي (وهو تنظيم عسكري للميليشيات ذات الغالبية الشيعية) التي فحصها مجلس الأمة تتجاوز ميزانية ست وزارات، بما في ذلك وزارة الخارجية. وفي هذا السياق، لا مصلحة لمصطفى الكاظمي في تكثيف موازين القوى بينه وبين المليشيات العراقية رغم تصريحاته عن استعداده لمواجهتها، على ضوء"الصفقة الكبرى" بين طهران وواشنطن التي هي ضرورية لبقائه في السلطة.  تضاف هذه التوترات الداخلية إلى المواجهة الإيرانية الأمريكية، التي تأخذ منعطفًا أكثر وضوحًا مع اقتراب الذكرى السنوية لاغتيال الجنرال قاسم سليماني. "بينما تستعد طهران وواشنطن لإعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني، يحاول الطرفان كسب النفوذ"، حسب تحليل لـ علي الفونيه، المتخصص في شؤون إيران والباحث في "معهد دول الخليج العربي ومقره واشنطن. في الأشهر الأخيرة، فرضت إدارة ترامب سيلًا من العقوبات الجديدة على إيران، والتي ستستخدمها إدارة بايدن كورقة مساومة عند العودة للمفاوضات حول الملف النووي الإيراني. من ناحية أخرى، تعارض الجمهورية الإسلامية المصالح الأمريكية لتذكير المفاوضين الأمريكيين بقدرتها على إلحاق الأذى بالعراق وأماكن أخرى. وبالتالي، يتصرف كلا الطرفين بشكل منطقي وبراغماتاي متوقع، ولكن هناك دائمًا خطر حدوث أخطاء في التقدير والحوادث، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل كبير "، كما يخلص المختص. يكشف الصراع في الأيام القليلة الماضية بين حكومة بغداد والميليشيات الموالية لإيران، عن ثقل الصراع على السلطة على الساحة الداخلية العراقية على خلفية الحرب بين طهران وواشنطن. حزب الله العراقي في حالة تأهب في حال وقوع مواجهة إيران والولايات المتحدة في العراق وتخشى بغداد من أن التوترات بين واشنطن وطهران على أراضيها سترتفع عدة درجات وتتفاقم وأن البلاد ستغرق أكثر في حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني. في نهاية العام بالطريقة التي بدأت بها؟ يبدو أن هذا ما تخشاه بغداد وسط توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران خاصة منذ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة الذي ألقى باللوم فيه على إسرائيل بدعم وتأييد من قبل الولايات المتحدة الأمريكية .وهو توتر جعل البلد يحبس أنفاسه من احتمال دفع ثمن عملية مماثلة لتلك التي حدثت في كانون الثاني (يناير) 2020 والتي قضت فيها الولايات المتحدة في العاصمة العراقية على الجنرال قاسم سليماني القائد العام السابق لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس، الزعيم الفعلي السابق للحشد الشعبي ولحزب الله العراقي، وهو تحالف شبه عسكري يجمع اليوم الميليشيات العراقية التابعة لطهران. يزداد الألم عمقًا حيث يبدو المقيم الحالي في البيت الأبيض، دونالد ترامب، مع حليفه الإسرائيلي، مصممين على تضييق الخناق قدر الإمكان حول الجمهورية الإسلامية قبل وصول منافسه الديموقراطي جو بايدن إلى السلطة في الــ  20 من يناير.القادم،  سواء كانت الفصائل الموالية لإيران في العراق أو الحكومة بقيادة مصطفى كاظمي - وهو نفسه مقرب من واشنطن ولكنه مجبر منذ توليه منصبه على الدخول في لعبة توازن بين الولايات المتحدة وإيران - كل شيء يبدو في حالة تأهب خاصة منذ الإعلان عن القضاء على قائد كبير في الحرس الثوري الإيراني على الحدود السورية العراقية بطائرة مسيرة قبل أيام. المعلومات التي نفاها المتحدث باسم الخارجية الإيرانية. وزادت احتمالات استهداف شخصيات إيرانية في العراق أو حلفاء لطهران بشكل كبير بعد اغتيال العالم النووي في إيران. الطريقة التي قُتل بها والموقع يفتحان مجموعة من الاحتمالات في العراق "، يلخص إحسان الشمري، مدير المركز العراقي للفكر السياسي، فبعد اغتيال "سليماني والعالم النووي" الإيراني، أصبح حزب الله في العراق وفي إيران في حالة تأهب أكثر من أي وقت مضى، استولت الحكومة الأمريكية على الصفحة الإلكترونية لقناة الغدير التابعة لتنظيم بدر. وهي واحدة من أكبر الفصائل بين الميليشيات التي تسيطر عليها طهران في العراق. ويتزامن هذا مع مصادرة وسائل الإعلام الأخرى المرتبطة بالجماعات المسلحة التي تسيطر عليها إيران. كما تم قطع قناة النجباء التلفزيونية التابعة لحركة حزب الله النجباء في وقت سابق من شهر نوفمبر. تم فرض عقوبات على شبكات مثل شبكة المنار التابعة لحزب الله في لبنان في عام 2006. واستنادًا إلى المعلومات المقدمة، ربما تكون الصفحات الأخيرة متورطة في أنواع معينة من الأنشطة الإجرامية، "حسب تعليق لـ  فيليب سميث، باحث مشارك في واشنطن معهد. الخلاف يأتي تبعد صاعد العنف بين طهران وواشنطن في الوقت الذي يقع فيه رئيس الوزراء العراقي بين المطرقة والسندان. لقد جعل الرجل محاربة الميليشيات السبب الأول لولايته - ولا سيما بهدف الاستجابة لتوق العراقيين إلى استرجاع السيادة وهيبة الدولة وفرض القانون حسب مسؤولين عراقيون - لكن محاولاته باءت بالفشل حتى الآن. إذا تم ضربها بشدة، فقد تضطر الميليشيات إلى الانتقام بالعنف وبالتالي تكثيف مناخ عدم الاستقرار في البلاد. لكن من خلال عدم إعطاء دفعة حقيقية لضرب عش الدبابير، فإنه يزعج واشنطن التي لا يستطيع العراق أن يدير ظهرها لها في ضوء وضعه الاقتصادي الكارثي..  في نهاية سبتمبر، هدد وزير الخارجية الأمريكي المنتهية ولايته مايك بومبيو خلال مكالمات هاتفية مع الرئيس العراقي برهم صالح ومع مصطفى كاظمي، بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد ما لم يتم إنهاء الهجمات بصواريخ الكاتيوشا الإيرانية الصنع التي نفذتها الميليشيات ضد المصالح الغربية في البلاد. وأثار الإنذار بعد ذلك حالة من الذعر بين صفوف قوات الحشد الشعبي وذراعها السياسي، تحالف فتح، الذي سارع إلى إصدار بيانات تنأى بنفسها عن الهجمات على البعثات الدبلوماسية بل وتدينها. هناك ثلاثة أنواع من السيناريوهات المحتملة. الأول يأتي في شكل عقوبات فردية والإعلان عن إدراج قادة الميليشيات أو السياسيين أو حتى الشركات أو المؤسسات المالية القريبة من طهران في القائمة السوداء. كما قال إحسان الشمري: "والثاني قصف مواقع تابعة لهذه الفصائل مثل مقار ومخازن أسلحة أو قادة على الأرض". ويضيف أن "السيناريو الثالث يتعلق أخيرًا باستهداف قادة الميليشيات الذين يهددون الأمريكيين". يبدو أن هذه المخاطر تدفع بعض الفصائل إلى لعب ورقة التهدئة في مواجهة واشنطن. في 17 تشرين الثاني (نوفمبر)، تم إطلاق صواريخ على سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء، منتهكة بذلك الهدنة التي استمرت لمدة شهر في السابق. لكن أقوى الميليشيات والأقرب من طهران، كتائب حزب الله، نفت مباشرة تورطها وأكدت أن الهدنة لا تزال سارية. ومع ذلك، ليست كل هذه المجموعات لها نفس الخطاب. وتسعى كتائب حزب الله، رسمياً على الأقل، إلى الالتزام بأوامر إسماعيل قاآني، قائد وحدة النخبة في القدس وخليفة سليماني، الذي ذهب إلى بغداد قبل أسبوع لإصدار أوامر للفصائل بوقف هجماتهم على المصالح الغربية وتكرار هذه الزيارات ، بينما دونالد ترامب لمغادرة  منصبه وتسليم مفاتيح البيت الأبيض. من ناحية أخرى، يلعب الآخرون ورقة عدم الثقة. وقال قيس الخزعلي، قائد ميليشيا عصائب أهل الحق، في رسالة تلفزيونية لإسماعيل قاآني بعد زيارته: "الأمريكيون يحتلون بلادنا وليس بلدكم. لن نستمع إليكم بعد الآن لأن دوافعنا وطنية 100٪. يقول فيليب سميث: "يبدو أن الكثير من هذا التهديد يهدف إلى خلق انطباع بأن الجماعات التي سيطرت عليها بشكل فعال إلى حد ما لمدة تصل إلى عقد ونصف من قبل الحرس الثوري الإيراني يمكنها التصرف بمفردها". هذا نهج يهدف إلى الترويج لفكرة أنه سيكون هناك نيران بين هذه الجماعات والحرس الثوري الإيراني. لايهم، هذه ليست القضية. كتائب حزب الله هي أيضًا القوة الدافعة الرئيسية وراء كل هذه الجبهات التي نشأت في العراق. من المحتمل أنهم سيحاولون اختبار الولايات المتحدة لمعرفة كيف تستجيب واشنطن أو ما إذا كانت هناك ردود من إدارة بايدن. " بعد اغتيال "سليماني النووي" الإيراني، أصبح حزب الله في حالة تأهب أكثر من أي وقت مضى. وبحسب ما ورد نقل قائد فيلق القدس الجديد رسالة إلى التشكيل الشيعي خلال زيارة سرية أخيرة إلى لبنان: تجنب استفزاز إسرائيل لكيلا تعطى ذريعة لمهاجمة إيران مباشرة. لقد أثار اغتيال خبير البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زاده، الذي ألقت طهران بمسؤولية اغتياله على إسرائيل، مخاوف من انتقام إيران من خلال حلفائها في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله. لكن التشكيل الشيعي يبدو عازمًا على تجنب الانجرار إلى دوامة من العنف، بينما ينتظر وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) المقبل، الذي تأمل إيران في استئناف الحوار معه. صحيح أن حزب الله ظل في حالة تأهب منذ عدة أشهر. وكشف حسن نصر الله في خطابه يوم 11 تشرين الثاني / نوفمبر بمناسبة "يوم الشهيد"، عن وضع قوات الحزب في حالة تأهب، وعن امتلاكه لأسلحة جديدة سرية سوف تثير العجب، إلى جانب قيام إسرائيل بمناورات عسكرية تحت اسم "السهم القاتل". ثم فسّر خبراء الشؤون العسكرية في حزب الله العنوان الممنوح للمناورات على أنه إشارة إلى أن هذا "السهم" كان موجهاً إلى شخصية أراد الإسرائيليون تصفيتها. التشكيل الموالي لإيران، الذي لم يتعامل أبدًا مع التهديدات الإسرائيلية باستخفاف، مع إيمانه بأن الدولة العبرية لا تنوي في المرحلة الحالية شن حرب أو مواجهة عسكرية، لكنها مع ذلك وضعت قواتها في جنوب لبنان في حالة تأهب وأرسلت تعزيزات هناك، بحسب مصادر عسكرية مطلعة. كما كثف الحزب الشيعي اللبناني إجراءاته الأمنية الهادئة في الضاحية الجنوبية لبيروت. الإجراءات التي اتخذت بالفعل منذ اغتيال الجنرال الإيراني القوي قاسم سليماني، في يناير الماضي في غارة أمريكية، يستعد حزب الله لاحتمال تلقي عملية مماثلة تستهدف أمينه العام، الذي يعيش مختبئًا منذ الحرب. من عام 2006، نتعلم من نفس المصادر. في سياق التوتر هذا، نفذت إسرائيل غارتين استهدفتا حلفاء إيران في سوريا في الآونة الأخيرة، إحداهما بالقرب من مطار دمشق في جبل مانح، استهدفتا بحسب تقارير مركز استماع حزبي. وأخرى مقار لـ حزب الله ومواقع عسكرية إيرانية في القنيطرة بالجنوب. ثم جاء اغتيال محسن فخري زاده، العالم الإيراني البارز، الذي وصفه عدة مراقبين بـ "سليماني النووي". توعدت إيران بالرد على هذه العملية والانتقام، قال حزب الله، في بيان مدروس بعناية يدين الاغتيال، إن طهران يمكن أن "تقطع يد" أي شخص يستهدف خبرائها ومسؤوليها، دون أن ينطق. نفسه بتهديدات صريحة للدولة العبرية و. لبنان يخشى من عواقب هذا التصعيد. إن الحزب الموالي لإيران مصمم بالفعل على عدم التحرك نحو مواجهة مفتوحة مع الدولة اليهودية، كما يؤكد مسؤولوه. ويؤكد أحدهم في هذا السياق أن إيران سترد على اغتيال فخري زاده، لكن ليس من لبنان أو سوريا، لأن الرد يجب أن يكون متوازنًا، أي عبر عملية تستهدف مسؤولاً إسرائيلياً أو هدفاً إسرائيلياً رئيسياً. تزعم بعض المصادر أن الرد سيكون "غير تقليدي" ولا يستبعد أن يكون يستهدف حلفاء إسرائيل الجدد في الخليج مثل الضربة التي استهدفت منشآت شركة النفط السعودية العملاقة أرامكو في سبتمبر 2019. وقد تبناها الحوثيون، المتمردون اليمنيون الموالون لإيران. فقتل العالم الإيراني سيقود الجدل في إيران حول الرد ويضيف المسؤول نفسه في حزب الله أنه بعد اغتيال الخبير النووي، فهم الطرف الشيعي والإيراني لماذا أرسل الأمريكيون والإسرائليون مؤخرًا حاملة الطائرات نيميتز وقاذفات بي 52 وغواصات إلى منطقة الخليج: وقال متحدث باسم حزب الله "ليس للشروع في معركة كبيرة، ولكن لدعم مثل هذه العمليات والرد أو منع أي رد إيراني". تعتقد المصادر المتوافقة أن رد فعل إيراني محتمل يجب أن يحدث قبل مغادرة الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) المقبل، حيث لن تستطع طهران إجراء عملية عسكرية أثناء عودتها إلى طاولة المفاوضات مع خليفته جو بايدن. وبينما يشير المصدر في حزب الله إلى أن لبنان لن يتأثر بالرد الإيراني، فإن هذا لا يعني أن البلاد ستنجو من التوترات الإقليمية والتصعيد. وتوضح أنه في حال استهداف إيران بضربة عسكرية إسرائيلية أو أمريكية، فإن الحزب سيعود إلى القاعدة التي سبق أن أعلنها حسن نصر الله، وهي قاعدة "الجبهات المفتوحة والمتكاملة". أي أن "الجبهة" اللبنانية ستكون مكملة لـ "الجبهات" السورية والعراقية والإيرانية، ويمكن نقل المقاتلين من إيران والعراق إلى لبنان وسوريا للمشاركة في العمليات العسكرية. وفي هذا السياق يقال إن الحزب استعد لاحتمال تنفيذ عملية ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي السورية، الأمر الذي أثار حفيظة الجيش السوري الذي يريد تجنب المواجهة مع القوات الإسرائيلية بأي ثمن، بحسب التقارير. مصادر عسكرية.. إن هذا الاغتيال يهدد بتعقيد مهمة بايدن وبحسب دوائره، المقربة إذا استبعد حزب الله حتى الآن إمكانية وقوع مواجهة عسكرية كبيرة، فإنه يدرك في الوقت نفسه أن إسرائيل يمكن أن تستغل عملية حزبية وتغتنم الفرصة لشن حرب واسعة النطاق. ضربات ضد أهداف للتشكيلات الشيعية في لبنان وسوريا، بما في ذلك استهداف صواريخها عالية الدقة. وفي هذا السياق، كان من المفترض، بحسب مصادر عسكرية، أن ينفذ مؤخرًا تحركات للقوات في أجزاء من جنوب سوريا لتجنب زيادة الخسائر خلال الضربات الإسرائيلية التي تستهدفهم بانتظام. لذلك فإن حزب الله مصمم على عدم تقديم أي ذريعة للدولة العبرية، بحسب مسؤول الحزب. في هذا السياق، علمنا، بحسب بعض التقارير، أن اللواء إسماعيل قاآني الذي خلف اللواء قاسم سليماني على رأس فيلق القدس، وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني المسؤولة عن العمليات الخارجية، قام بزيارة سرية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت في الأيام القليلة الماضية وتحدث إلى حسن نصر الله ومسؤولين سياسيين وعسكريين آخرين بالحزب، كما زار العراق لنفس الغرض، وشدد المسؤول الإيراني على ضرورة البقاء في حالة تأهب قصوى في مواجهة أي طارئ، بينما أبلغ محاوريه بضرورة تجنب أي عمل يمكن اعتباره تصعيدًا واستغلاله من قبل إسرائيل لشن هجوم واسع وشن ضربات جراحة. ويقال أيضاً إن الجنرال قاآني سافر إلى سوريا لإيصال الرسالة نفسها. ثم في العراق، حيث اجتمع مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وكذلك الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وزعيم ميليشيا بدر هادي العامري القوية، فضلاً عن قادة آخرين من الحشد الشعبي، الميليشيات الموالية. لإيران. كان سيطلب منهم الكف عن استهداف الأمريكيين وتهدئة الأمور، ما دامت الولايات المتحدة هي التي اتخذت قرار الانسحاب من العراق.  يمكن القول إنه على الرغم من كل أخطائه، فإن الرئيس ترامب لم يرتكب، على المستوى الدولي، أخطاء إستراتيجية تعادل أخطاء غزو جورج بوش للعراق أو تخلي باراك أوباما عن فرض خطوطه الحمراء. في سوريا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه حول إدارته للملف الإيراني: من خلال تقويض الاتفاق النووي لعام 1995 (المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة)، ربما يكون ترامب قد جعل أمرًا واقعًا لا رجعة فيه، ستكون إحدى عواقبه دفع دولة أساسية. للتوازنات في الشرق الأوسط - إيران - للإبحار في فلك الصين. لكن بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، دخلت المسألة الإيرانية الآن مرحلة جديدة. سياسة الأرض المحروقة في المستقبل القريب، يعتزم دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ممارسة سياسة الأرض المحروقة قبل انسحابهما. بالنسبة لهم، يتعلق الأمر بإرسال رسالة إلى قاعدتهم - وهي الولاء المطلق لاستراتيجيتهم المتمثلة في "الضغط الأقصى" ضد إيران وبشكل عام لوعدهم "بإعادة" الجنود "إلى الوطن". . هدف آخر بالنسبة لهم هو جعل مهمة خلفائهم الديمقراطيين أكثر صعوبة. كما لا يستبعد أن يتعرضوا لضغوط من بعض الحلفاء الإقليميين مثل إسرائيل والسعودية: هذا أحد التفسيرات المحتملة لاغتيال "العالم" محسن فخري زاده في طهران. هل ستدفع مثل هذه التصرفات الإيرانيين للرد مما يؤدي بدوره إلى هجمات أمريكية؟ لا يفتقر قادة الجمهورية الإسلامية إلى رباطة الجأش والسلوك البراغماتي، ودونالد ترامب غير معروف بغريزته القتالية. كما يعلم الرئيس المنتهية ولايته أن رأيه العام وحتى قاعدته لن يتبعوه في عملية عسكرية. ومع ذلك، قد يحدث خطأ في التقدير أكثر من أي وقت مضى في الأسابيع المقبلة. في مناطق أخرى، اتخذ البيت الأبيض إجراءات: من ناحية، توقع خفض عدد القوات المتمركزة في أفغانستان والعراق، من ناحية أخرى، وسن عقوبات جديدة على المسؤولين أو قطاعات النشاط الإيرانية وربما حلفاء الجمهورية الإسلامية (الحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان) من ناحية أخرى. الإجراءات التي اتخذت بالفعل ينبغي أن يتبعها إجراءات آخرى في الأسابيع المقبلة. في كلا المجالين، تهدف القرارات النهائية لإدارة ترامب إلى العمل كمصائد لإدارة بايدن. وبالتالي، فإن التقليص في أفغانستان والعراق سوف يدخل حيز التنفيذ في الأيام التي تسبق تنصيب الإدارة الجديدة. ستكون القوات المتبقية في حالة ضعف شديد. في كلتا الحالتين، يمكن أن يكونوا هدفًا لهجمات مميتة - تطلق الميليشيات الإيرانية في العراق صواريخ بشكل روتيني على القواعد الأمريكية. إذا أريقت دماء الجنود الأمريكيين أو إذا أراد القادة الأمريكيون الجدد الاحتراز من مثل هذا الخطر، فستواجه الإدارة الديمقراطية معضلة: إما إرسال قوات إضافية، وهو ما يتعارض مع التزامات حملة السيد بايدن ومزاج الرأي العام الأمريكي. أو المضي قدما في الانسحاب الكامل، الذي من شأنه أن يضعف بلا شك يد واشنطن أكثر في تسوية في أفغانستان أو في لعبة النفوذ في بغداد. وفيما يتعلق بالعقوبات، فإن المعضلة ستكون ذات ترتيب مماثل، خاصة بالنسبة للعقوبات التي لا علاقة لها بالقضية النووية، ولكنها تتخذ لأغراض حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب. أو تقوم الإدارة الجديدة بإلغائها، الأمر الذي سيكون صعبًا تقنيًا ومكلفًا سياسيًا للكونغرس (وهو كما نعلم معادٍ لإيران من جانب الحزبين). أو يتركهم في مكانهم، مما يجعل محاولة إعادة الاتصال بطهران أكثر صعوبة. نحن نعلم أنه بمجرد تعيين السيد بايدن في البيت الأبيض، فإن عملية تشكيل إدارة جديدة ستستغرق وقتًا طويلاً. قد تكون التأخيرات المعتادة أطول هذه المرة بسبب الاستقطاب في الكونجرس والفوضى البيروقراطية التي تتركها الإدارة وراءها. ورقة رابحة. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون القرارات بشأن إيران من بين أولى "الإشارات القوية" التي سترسلها الحكومة الأمريكية الجديدة دوليًا، وكذلك عودة أمريكا إلى منظمة الصحة العالمية أو إلى اتفاقية باريس للمناخ. العديد من المتخصصين في الملف، بعد أن عملوا في خطة العمل الشاملة المشتركة في عهد أوباما، يحيطون بالرئيس المنتخب. علاوة على ذلك، يبدو على الورق إعادة دمج الأمريكيين في الاتفاق النووي أمرًا بسيطًا: فالأمر متروك للولايات المتحدة لرفع العقوبات التي فرضها ترامب وللإيرانيين للعودة إلى التطبيق الصارم لالتزاماتهم التي تحرروا منها. لأكثر من عام. هذا هو ما يسمى بصيغة "الامتثال للامتثال". في الواقع، تخاطر المناورة، على العكس من ذلك، بمواجهة عدد معين من الصعوبات. على سبيل المثال، لا يمكن للأمريكيين التزحزح إذا لم يتمكنوا من ضمان أن يخفض الإيرانيون مخزونهم من اليورانيوم المخصب، ويدمرون أجهزة الطرد المركزي الفائضة مرة أخرى، وهكذا. علاوة على ذلك، كيف يمكننا أن نأخذ بعين الاعتبار بعض التقدم الذي لا رجعة فيه الذي أحرزه الإيرانيون في البحث والتطوير على سبيل المثال؟ ما هو الأثر الذي سيكون لرفع العقوبات أو تخفيفها في البداية حيث سيكون من الصعب للغاية إقناع الشركات الغربية الكبرى، التي تحرقها الالتواءات الأمريكية، بإعادة الانخراط والعودة لنشاطاتها الاستثمارية؟ وبالتالي، كيف يمكن للإيرانيين ألا يخافوا من أنهم لن يحصلوا أبدًا على الفوائد الاقتصادية لـ "صفقة" مع أمريكا؟ من خلال مراجعة التقدم المحرز في برنامجهم النووي، ألا يخاطرون بالتخلي عن فريسة الظل؟ كل هذه الأسئلة تتطلب هندسة دبلوماسية رفيعة المستوى ليتم معالجتها. تأتي الإجابات بلا شك من اتفاق حول "تسلسل" الإجراءات التي سيتم اتخاذها على الجانبين، وهو العمل الذي يمكن القيام به في إطار لجنة خطة العمل الشاملة المشتركة. ومن العلامات المشجعة أنه بعد أن بدا وكأنه يتباطأ (مضاعفة شروط فكرة "الامتثال للامتثال")، أشار الخبراء بصفة شخصية ثم وزير الخارجية جواد ظريف بصفة رسمية إلى أنه ستعرف إيران كيفية الامتثال إذا فعل الأمريكيون ذلك بمفردهم. ومع ذلك، ففي هذه النقطة الأولى يمكن أن تكون مساعدة الموقعين الآخرين على الاتفاقية - الصينيون والروس، وخاصة الفرنسيين والألمان والبريطانيين. سيتطلب الجانب الاقتصادي من الاتفاقية أيضًا جهدًا جماعيًا واسع النطاق. هذه هي النقطة الثانية التي يتعين على أوروبا على وجه الخصوص أن تلعب فيها دورًا مهمًا: لا يمكننا إجبار الشركات على إعادة الاستثمار في السوق الإيرانية، ولكن يمكننا، من حيث الائتمان أو دعم معاملات معينة، الدخول في بمعنى الحاجات الايرانية. هذا ما بدأه الأوروبيون بآلية التنسيق المنفرد المستقل عن الجانب الأمريكي، سيكون من الضروري تحديد ما إذا كان سيتم السماح للإيرانيين بتنفيذ عمليات بالدولار - مما يثير مشكلة أخرى، وهي احترام بنود مجموعة العمل المالي (فاتف) من قبل السلطات في طهران. لا تزال هناك بيئة سياسية لعودة الولايات المتحدة المحتملة إلى الملف الإيراني، الذي يجب الاعتراف بطابعه الملزم بشكل خاص. في طهران، كل شيء معلق على قرارات المرشد الأعلى. ستجرى انتخابات رئاسية جديدة في يونيو. سوف يجلب إلى رئاسة الدولة ما يسمى بالحكومة "المحافظة" (الإدارة الحالية للسيد روحاني تعتبر "إصلاحية"). ويخشى ألا يسمح الدليل للإدارة الحالية المألوفة لفرق أوباما بالتفاوض أو أن تتساءل إدارة ما بعد يونيو عما كان يمكن تحقيقه. في نهاية المطاف، حول الدليل، سيكون هناك شخصيات يثق بها (وبالتالي من خلال فرضية "المتشددين")، والذين سيقولون أنه بحكم حالة اقتصاد البلد، سيكون من غير المسؤول عدم البحث عن خزان أوكسجين على الجانب الغربي؟ هل هو وحده القادر على تحقيق هذا الخيار التاريخي؟ تلك الوعود بالتعاون مع الصين، على افتراض أنها ليست وهمية، لن تتحقق إلا على المدى الطويل وقد تكون أكثر خطورة على استقلال الجمهورية الإسلامية من ترتيب جديد مع الغرب؟

 

 

بكر السباتينحينما يختار العرب الهامش ويتركون العقل للأخرين.

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مشروع العصر، طريق الحرير الصيني الجديد المتمدد عبر قارات العالم القديم، مخترقاً الصحارى والمهاد والجبال الشاهقات الوعرة والبحار.. وقد حظي الشرق الأوسط بجانب حيوي منه، وأدخل هذا المشروع المنطقة في تحالفين استراتيجيين تمخض عنهما خيارين إقليميين، بغية وَضْعِ أصحابَ طريق الحرير الصينيين، ودول الاتحاد الأوروبي كجهة مستهدفة، أمام الخيار الأكثر جاذبية، وهما:

أولاً:- خيار مسار "قطار الازدهار" الإسرائيلي ويضم الدول المطبعة مع الاحتلال الإسرائيلي.. فقد كشفت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن مراحل هذا الخيار (قيد التنفيذ) وإمكانية تطويره ليصل إلى الإمارات، من خلال ما طرحه وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس على مسؤولين إماراتيين خلال زيارته المسبقة للإمارات.

ونشرت الوزارة عبر موقعها الإلكتروني في وقت مسبق، لقطات تظهر تفاصيل خطة المشروع الذي سيربط البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربي مرورا بالأردن من خلال مد خطوط للسكك الحديدية.

وينطلق الخط من ميناء حيفا مروراً بمدينة بيسان في الأغوار، ومنها عبر معبر الشيخ حسين إلى مدينة إربد الأردنية، وصولاً إلى السعودية وسواحل الخليج.

ويهدف المشروع حسب الخارجية الإسرائيلية إلى ما وصفته بتعزيز السلام الإقليمي ورفع حجم التجارة مع دول عربية وصفتها بالمعتدلة..

في المقابل فإن هذا المشروع يعتبر امتداداً لصفقة القرن التي من شأنها تصفية القضية الفلسطينية وإعادة تقسيم الشرق الأوسط وفق خارطة المصالح الاقتصادية المشتركة في تحالف اقتصادي إقليمي قوي يتحكم به العقل الصهيوني من خلال التكنلوجيا الإسرائيلية ورأس المال العربي، مع أنه يشكل ضربة قاسمة لقناة السويس التي تعتبر عمود الاقتصاد المصري المتعثر.. والثمن بلا شك سيدفعه الفلسطينيون الذين يراهنون على فشله.

ثانياً:- الخيار التركي الذي يربط بين الخليج العربي من منطقة الفاو، فالبصرة ومروراً ببغداد وصولاً إلى استنبول.. وهو متشعب عن خط سكة حديد (استنبول- طهران- إسلام أباد)، لذلك فالمفاوضات التركية العراقية الجارية اليوم تركز على ذلك.. وقبل أيام، قرر وزراء النقل في "منظمة التعاون الاقتصادي" إعادة تشغيل خط القطارات لنقل البضائع بين مدن إسطنبول وطهران وإسلام أباد، مطلع عام 2021، وذلك في الاجتماع العاشر لوزراء نقل منظمة التعاون الاقتصادي، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة.

ودعا وزير النقل والبنية التحتية التركي، عادل قره إسماعيل أوغلو في كلمته خلال الاجتماع لإزالة كافة العقبات أمام نقل البضائع بين الدول الأعضاء في "منظمة التعاون الاقتصادي" التي تضم عشر دول، هي: تركيا، أذربيجان، أفغانستان، أوزبكستان، إيران، باكستان، تركمانستان، طاجيكستان، قيرغيزيا وكازاخستان.

وعقب الوصول إلى الصين ومحيطها، تهدف أنقرة من خلال تفعيل خط طهران – إسلام أباد للوصول إلى الجانب الآخر من آسيا لتكون نقطة ربط جديدة نحو مناطق مختلفة من العالم بالإضافة إلى تعزيز قدرة وصول المنتجات التركية إلى السوق الباكستاني، وذلك في ظل تنامي التعاون السياسي والاقتصادي عقب التقارب الكبير بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان.

وتسعى تركيا إلى دور مركزي أكبر في المشروع داخل نطاق الشرق الأوسط وشرق آسيا، من خلال تفرعاته الكثيرة.. حيث جرى في سياق ذلك، أتمام (خط سكة حديد باكو – تبليسي – قارص) وهو خط سكة حديد يربط تركيا بأذربيجان مروراً بالأراضي الجورجية، وهو ما فتح أفقاً أوسع للتجارة بين تركيا وجورجيا وأذربيجان وصولاً لدول أخرى في وسط آسيا والقوقاز.

ولذلك نجم عن إنهاء الحرب بين جورجيا وأذربيجان التي تدخلت فيها تركيا لوجستياً لصالح الأخيرة، اتفاق برعاية روسية أعاد ربط أذربيجان بناختشيفان الأمر الذي ربط تركيا وأذربيجان بممر بري لأول مرة منذ عقود. وبناء على ذلك قررت أنقرة وباكو الشروع في بناء خط سكة حديد بين البلدين عبر ناختشيفان بشكل مباشر على أن يصل لاحقاً إلى الجمهوريات الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، وهو ما سيتيح لتركيا خطوطاً وبدائل أسرع وأرخص في إيصال بضائعها لتلك المناطق.

والغريب في الأمر أن الدور العربي في هذا المشروع الصيني الدولي يبدو تابعاً ل"مشروع الازدهار الإسرائيلي للسكك الحديدية"، والذي يزيد من رسوخ ما يسمى ب"إسرائيل" على أرض الوقع على حساب قناة السويس والأمن القومي المصري والعربي، والقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها، ويعزز هذا الخيار السيء من الأمن القومي الإسرائيلي القائم على تغلغل تل أبيب في العمق العربي بدعم لوجستي عربي مفتوح، وبالتالي توظيف الرساميل العربية لتمويل الرؤية العربية الإسرائيلية الاقتصادية المشتركة لتنمية الشرق الأوسط حيث يقوم فيها الصهاينة بدور العقل.. ويظل العرب في سبات عميق وهم في العرف التلمودي مجرد "جويم" وكل ما هو منوط بهم، فقط، خدمة مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي.. وكان الأولى على الدول العربية أن تنضم إلى الخيار التركي الذي يشمل إيران والباكستان في إطار شراكة إقليمية متكافئة، مع الحفاظ على مقومات القضية الفلسطينية، علماً بأن رؤوس الأموال هي من تحدد اللاعب الرئيس في امتدادات طريق الحرير الذي يطلق عليه اسم "مشروع العصر الصيني العابر للقارات" الذي اختار العرب في سياقه دور الهامش الوظيفي وتركوا العقل للأخرين.

 

بقلم بكر السباتين..