عامر صالحشكل مشهد تفشي وباء كورونا كوفيد ـ 19 أكثر المشاهد العالمية حزنا على المستوى الشخصي الذاتي وعلى المستوى العام المجتمعي وعلى الصعيد الدولي للعام 2020, حيث الخسارة في الارواح والمتمثلة بالوفيات حول العالم وانتشار هذا الوباء بشكل مخيف ومرعب دون سابق انذار او ممهدات تذكر او توقعات مسبقة بحصوله, الى جانب ما احدثه هذا الفيروس من انهيارات كبرى في الاقتصاد العالمي وشبه توقف لعصب الحياة القائم على التبادل الاقتصادي العالمي بسبب الأغلاقات العالمية والمحلية لحركة السوق وانسيابية التواصل بين الاقتصاديات المحلية والعالمية, الى جانب الآثار المزمنة التي فرضتها الجائحة في الاقتصاد حيث ارتفاع نسبة البطالة على الصعيد العالمي, وانهيار في الاقتصاديات الضعيفة في الكثير من دول العالم.

وقد تركت كورونا بصماتها الكبيرة والحاسمة في مجمل العلاقات الاجتماعية فقد فرضت نمطا جديدا من التواصل الاجتماعي لم تعهده البشرية ولم تعتاد عليه, فقد فرضت العزلة القهرية على الأسر والافراد والتجمعات والمجتمعات العالمية  التي اعتادت التواصل اليومي المباشر وجها لوجه وفرضت قيودا وانماطا اجتماعية جديدة قوامها التواصل عن بعد وقد فرضت ذلك على قطاعات التربية والتعليم بشكل اساسي عبر مزيدا من التوجه نحو التعليم عن بعد واستخدام تقنيات الأنترنيت المختلفة للتواصل مع مكونات العملية التربوية والتعليمية وقد اصتدم ذلك بصعوبات كبيرة وخاصة في المجتمعات العالمية غير المهيأة لهذا النمط من التعليم الى جانب ضعف البنية التحتية المعلوماتية في الكثير من دول العالم, الى جانب تقليص المعاملات المباشرة في مختلف القطاعات الاجتماعية الاخرى واللجوء الى الانترنيت لتسهيلها.

وقد لعبت جائحة كورونا دورا فرض نفسه في اعادة صياغة التواصل الاجتماعي على اسس من الابتعاد وعدم التواصل المباشر ففرضت التخلي عن الكثير من العادات الاجتماعية والتي لايمكن لها ان تتغير قطعا بدون اشتراطات كورونا عليها, فقد حذرت الجهات الصحية العالمية والمحلية من التجمعات البشرية في المناسبات المختلفة كالأعراس والاعياد والمناسبات الدينية بما فيها مواسم الحج السنوية, كما دعت الى عدم ضرورة التقبيل والمصافحة والاحتضان ودعت بوضوح الى التباعد الاجتماعي والجسدي في اللقاءات المختلفة لأنها تشكل مصادر العدوى المهمة في نقل الفيروس وانتشاره, ونصحت الى جانب ذلك بالغسيل المستمر للجسم ولليدين بشكل خاص واستخدام التعقيم على نطاق واسع.

وقد افرزت الجائحة وعززت من مظاهر سلبية مختلفة بسبب الحجر المنزلي, منها العنف الأسري وتصاعد نسبته على نحو غير مسبوق في العالم جراء حالات الضيق الاقتصادي الناتجة من فقدان الدخل الاسري بدون دعم اجتماعي من قبل الدول, وكذلك تزايد حالات الانتحار بين الافراد وفي داخل الأسرة جراء ضيق الأقامة الجبرية وتحت وطأة الاحتياج والفاقة والفقر, وقد حذرت منطمة الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الاخرى من تداعيات ذلك وخطورته على النهايات المأساوية للأسرة وتفككها من الداخل وتحولها الى بيئة مواتية لارتكاب مختلف الجرائم بحق افرادها. ويكفي هنا ان نشير هنا على سبيل المثال وليست الحصر ان وزارة الداخلية العراقية سجلت رسميا فقط لهذا العام بحدود 15 ألف حالة عنف اسري تراوحت اسبابها بين الاقتصادي والثقافي وتعاطي المخدرت والكحول والانترنيت وتداعيات استخدامه وغيرها من الاسباب, وقد تنوعت مظاهر العنف بين قتل واضطرار للأنتحار وحرق واحداث اعاقات مختلفة, علما ان العام 2019 سجل 17 ألف حالة عنف اسري, وهي عموما احصائيات فقط تلك المبلغ عنها.

وسط هذه الفوضى وقلق العالم، أثمرت الجهود العلمية عن تطوير لقاحات للعالم ضد مرض لم تكن البشرية على علم به قبل عام. تم تطوير واختبار لقاحات كوفيد-19 بسرعة مذهلة. في آخر إحصاء، في نوفمبر، قالت منظمة الصحة العالمية " إن هناك أكثر من 200 لقاح قيد التطوير، حوالي 50 منها في مراحل مختلفة من التجارب السريرية ". تستخدم أبحاث تطوير اللقاحات مجموعة مذهلة من الأساليب، بداية من المدرسة التقليدية القديمة للقاحات بحقن فيروس كورونا المُستجد والمُعطل كيميائيًا ووصولًا إلى التقنيات الأحدث التي لم يسبق أن تم استخدامها من قبل لإنتاج لقاحات مرخصة.

أظهرت نتائج التجارب ذات الفعالية الكبيرة أن اللقاحات، التي طورتها شركة الأدوية "فايزر" وشركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية "بيونتك" وشركة التكنولوجيا الحيوية الأميركية "مودرنا" وشركة الأدوية "أسترازينيكا" وجامعة "أوكسفورد" بالمملكة المتحدة تسهم بشكل فعال في الوقاية من كوفيد-19. وقد بدأت اخيرا امريكا وبريطانيا ودول الاتحاد الاوربي في تلقيحات ضد كورنا رغم مشاعر الناس المتضاربة حول جدوى اللقاح واحتمالات تداعياته والاسئلة المتكررة حول الاصابة بكورونا بعد اللقاح أو الاصابة بامراض جانبية بعد التلقيح.

اما في بلدي العراق فأن الجائحة كورونا اصطفت الى جانب الازمة الاقتصادية العامة, والتي تجسدها انخفاض اسعار النفط وتشوهات البنية التحتية الاقتصادية التي يجسدها الاقتصاد الريعي والازمة السياسية المزمنة في حلف غير مقدس ليضرب البلاد عرضا وطول ليصل بها الى حد عدم المقدرة بدفع الرواتب واللجوء الى الاقتراض الخارجي والداخلي, الى جانب تراكم فساد مالي واداري لسنوات سبقت كان سبب في اهدار ما يقارب 1400 مليار دولار من عوائد النفط المتراكمة لسنوات ما بعد 2003.

تقلبات سياسية غاية في التعقيد، تلك التي شهدها العراق عام 2020، إذ ومع انطلاق التظاهرات الشعبية التي وصفت بالأوسع في أكتوبر/تشرين الأول 2019 أقيل رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بضغط شعبي في نهاية عام 2019، لتستمر التظاهرات بذات الوتيرة حتى مارس/آذار 2020 عندما بدأ تفشي فيروس كورونا في العراق وفرض حظر التجوال في البلاد, ولكنها استمرت بأشكال اخرى. ولم يستطيع مصطفى الكاظمي الذي جاء خلفا لعادل عبد المهدي أن يوقف مسلسل الأغتيالات والخطف والتغيب الذي اطال المتظاهرين السلميين, ولم يستطيع الأيفاء بوعوده في محاسبة قتلة المتظاهرين, بل أنه ولد في عملية قيصرية من قبل الكتل الشيعية السياسية لملئ الفراغ لا غير ولم يتمتع الرجل بأي دعم من قبل الكتل السياسية التي جاءت به وهي ظاهرة فريدة في " الديمقراطية العراقية ", فكان حصاد ضحايا انتفاضة اكتوبر للعام 2019 وحتى اليوم اكثر من 700 شهيد و 30 ألف جريح واكثر من 7 ألف اعاقة منتهية واستمرار عمليات الأختطاف والاغتيال والتغيب مستمرة الى يومنا هذا.

لم يستطيع السيد الكاظمي خلال مجيئه وحتى نهاية العام 2020 ان يفتح ملفا واحدا من ملفات الفساد الكبرى وقد اثبت عجزه واكتفى بتشكيل لجان مختلفة كسابقه عادل عبد المهدي ولم تثمر عن أي شيء. يتصارع الكاظمي مع مليشيات الدولة العميقة وقد اثبت انه غير قادر على ذلك بسبب سطوة المليشيات من داخل البرلمان وخارجه ومن يتحالف معها من الكيانات السياسية والتي يفترض ان تمنع من ممارسة العمل السياسي لأنها تنشط ضد الدولة وضد العملية الديمقراطية وغير مؤمنة بها.

العراق خلال 2020 ذهب الى مزيدا من المجهول بأفتقاد عوامل استقراره ونهضته من خلال وقوعه اسيرا للصراع الامريكي ـ الايراني وارتهانه للأجندة الاقليمية رغم جهود الكاظمي لأيجاد حالة توفيقية يرضي بها الجميع إلا أن قوى الدولة العميقة والمليشيات لا تترك له خيار الوسط بل تشده الى دائرة استقطاب المحاور وتدفعه الى مغامرات تنهي ما تبقى للدولة من مكانة.

واذا كانت هناك من ايجابية لحكومة السيد الكاظمي فهي العزم على اجراء انتخابات مبكرة في يونيو 2021 رغم ان هناك توقعات بعدم تغير الحال نحو الافضل بسبب سطوة السلاح والمليشيات وعدم نزاهة الجهات المسؤولة عن الانتخابات ثم مخاطر التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات كما جرت سابقا, الى جانب ان المتظاهرين الى اليوم يشكون من سوء تنظيم صفوفهم وضعف وحدتهم وتباعد وجهات نظرهم رغم هدفهم الموحد لأزالة الطغمة الفاسدة الحاكمة.

العلم يقول ان اللقاح سيحقق انجازات كبيرة على مستوى التصدي لوباء كورونا والحد منه على طريق القضاء عليه, اما السياسة في العراق فمن الصعوبة التكهن بتغير الحال نحو الأفضل. وكل عام والعراق والعالم بأفضل منه.

 

د.عامر صالح

 

 

مهدي الصافيبين الازمات المحلية والصراعات الدولية المفتعلة

انتفاضة تشرين، ميناء الفاو، خفض قيمة العملة، مليشيات تفكيك الدولة....


لايعد تعريف السياسة "بأنها فن الممكن او بيت الشيطان" هو العنوان او الشماعة التي يحملها الناس مسؤولية مايجري في بلدانهم والعالم من صراعات ونزاعات وحروب وماسي الخ.

هناك اعمال استراتيجية شيطانية توحشت كثيرا مع سيادة قوة القطب الواحد (انتهاء الحرب الباردة)، خضعت بعدها السياسة الدولية (والانظمة الديمقراطية الحديثة) الى سلطة وقوة رأس المال، ولعل فترة رئاسة ترامب السابقة (المنتهية ولايته) هي معيار تلك الحقائق، حيث اصبح الحديث عن الاستثمارات كأساس في العلاقات الدولية الاستراتيجية تسبق الاحتكام الى القوانين والاعراف والاخلاقيات والاتفاقيات الثنائية، المبنية على احترام خصوصيات الشعوب وكرامتهم وسيادة بلدانهم،

وكأن وباء كورونا جاء مفتعلا لاعادة ترتيب خارطة القوى العظمى مع القوى الاقليمية الصاعدة، مع غياب تام لسلطة وقوانين والتزامات الدول بميثاق الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي (التي تحرم التدخلات الخارجية في شؤون الدول الاخرى، او اثارة الحروب والنزاعات، المادة 2، 1 من ميثاق الامم المتحدة ومادة 33، الخ.)،

فتحت الابواب امام النزاعات والحروب الدولية الاقتصادية، التي بدورها تزحف نحو التغييرات الجيوسياسية للدول والمناطق المضطربة او المتوترة داخليا وخارجيا (الدول المتعددة الاثنيات والطوائف) ...

من بحر الصين الجنوبي الى الحدود الهندية الباكستانية (ميناء غوادر الباكستاني على بحر العرب) الصينية الى ابعد نقطة على طريق الحرير

 في الخليج العربي (ميناء الفاو العراقي)، ازمات وصراعات وحروب مصطنعة، غايتها ايقاف المد الامبراطوري الصيني الزاحف بقوة نحو عالم متعدد الاقطاب، وسواء كانت البلدان العربية تميل شرقا اوغربا، نحو هذا الامبراطور الجديد او الابقاء على النمط الكلاسيكي القديم، فالمصلحة الوطنية العليا هي من المفترض ان تكون المقياس او المعيار التي يجب ان يتبع للحفاظ على مصالح الامة الحيوية والاستراتيجية....

كان جليا لاصحاب المعرفة والاهتمام السياسي الاستراتيجي ان تؤشر على ان حرب اليمن، من انها الارض التي ستكشف ان تهافت دول الخليج المدعومة او المدفوعة امريكيا واوربيا لاشعال حرب السيطرة على هذه البلاد، هي عبارة عن حرب الهيمنة على الموانئ والمنافذ البحرية الاستراتيجية،

مثلما ارادت روسيا والصين بمساعدة ايران احداث تغيير كبير في معادلة اعادة ترتيب اوراق السلطة في اليمن بعد علي عبد الله صالح، تحركت السعودية والامارات في حرب مسعورة ضد هذا البلد الفقير، بعد ان ساهمت من جهة اخرى مع تركيا (قبل الانقلاب العسكري الفاشل على حكومة اردوغان)

والجماعات الارهابية على تدمير سوريا (التي تمثل امتداد الهلال الشيعي، ومنفذ حيوي اخر لطريق الحرير الصيني الروسي، ولخطوط نقل الطاقة على البحر المتوسط)، في تقسيم عالمي اقليمي واضح المعالم (روسيا الصين ايران باكستان مع تركيا المتأرجحة والدول الحليفة لهم من جهة، وفي المقابل امريكا والاتحاد الاوربي ودول الخليج واسرائيل الخ.) ..

العراق ساحة الصراعات الامبراطورية للقوى الامبريالية الرأسمالية، تلعب به القوى العظمى والاقليمية لعبة جر الحبل، اذ لايمكن ان تحل هذه المسألة دون قطعه وجره الى جانب القوى المنتصرة،

ايران تريد له ان يبقى دولة فاشلة ينخرها الفساد، لغايات ومكاسب عدة، منها جعله منفذ للهروب من قساوة الحصار الاقتصادي الدولي، وساحة لمواجهة المخططات الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، ولهذا يعد ملف بقاء المليشيات الشيعية المسلحة (الولائية) ضرورة للمواجهة، ولمواصلة التحدي لمن يريد كسر الهلال الشيعي من الوسط، لكنها تصطدم مرارا وتكرارا بتركيبة وعقلية وطاعة هذه المليشيات، المختلفة جذريا عن نظرائها من حزب الله لبنان او انصار الله في اليمن او النظام السوري،

هذه الجماعات فشلت في كسب ود وتعاطف الشارع الشيعي المحلي معها، بعد ان استكملت مرحلة تحرير الموصل والمناطق الغربية من داعش وبقية الجماعات الارهابية، فبادرت بالدخول في تحالفات انتخابية مرفوضة شعبيا، وشاركت بقوة في العملية السياسية والانتخابات الاخيرة المشكوك بنزاهتها

 (التي قاطعها غالبية الشعب العراقي ولم تتجاوز نسبة المشاركة ال 25% كما اشيع حينها في الشارع)، واصبحت شريك فعلي بالمحاصصة والتوافق السياسي، وهي تتحمل ايضا كل التبعات التي شابت ورافقت تلك المرحلة، واهم احداث تلك الفترة المظلمة من عمر الديمقراطية البدائية، هو استهداف المتظاهرين (انطلاق ثورة تشرين 2019) وقتل المئات وجرح الالاف منهم في بغداد وبقية المحافظات ذات الغالبية الشيعية،

فقد كانت هي في موضع الاتهام بما يسمى الطرف الثالث (الذي حمل مسؤولية قتل المتظاهرين واستهدافهم او خطفهم، وتعذيبهم وزرع العبوات امام بيوتهم واغتيال بعضهم بالكواتم او حتى علنا امام الناس وبالقرب من الاجهزة الامنية وكاميرات المراقبة)،

مما يجعل من مهمة التعجيل بتنفيذ مشروع الربط الصيني الاسيوي الدولي مع العراق معقدة او مؤجلة، ومتوقفة على قوة تأثير ومخططات وردود فعل الجانب او المحور الامريكي (الذي يواجه معضلة خسارة صاحب مشروع صفقة القرن ترامب بحذر شديد)،

وهذا مايبدوا انه انعكس على الصراع المحلي بين الطبقة السياسية الحاكمة، فريق يبحث عن العمولات والسمسرة والرشاوى في مشروع ميناء الفاو الاستراتيجي، غير مكترث تماما بالازمات الاقتصادية المتكررة، وغير معني بالبطالة وبمستقبل البلاد، وبشبح الافلاس وانهيار الدولة،

وفريق اخر اقل فسادا يبحث عن وسائل واقعية لانجاح الاتفاقية العراقية الصينية بعيدا عن الاملاءات والتهديدات الامريكية،

الكارثة تكمن في ان حكومة الحل كما يطلق عليها متناغمة كليا مع الفريق الاول (سواء بقصد او بدونه)، والتي تضغط بقوة بأتجاه اضعاف الاقتصاد وتخفيض قيمة العملة المحلية، واتباع شروط واوامر البنك الدولي (والاقتراض غير المبرر) الفاشلة...

كل ماسبق يعكس حالة واحدة تعاني منها بعض الدول المتعددة الاثنيات والطوائف هي غياب الهوية الوطنية الحديثة، فالعالم لم يعد بحاجة الى التعريف القومي العنصري او اليميني القديم للامة، فمن يقوده اليوم هي دولة المهاجرين (امريكا بلد متعدد الثقافات والاديان والاثنيات والاعراق الخ.)،

انما الى تعريف الامة داخل منظومة الانتماء الوطني والامن القومي، التي تكفلت بصياغة مبادئه واسسه الديمقراطية العلمانية الرأسمالية،

دولة الامة تعني ان يكون الولاء للوطن عبر الممارسات اليومية للمواطن، داخل دوائر ومؤسسات الدولة الرسمية العامة والخاصة، على سبيل المثال لا الحصر ان المؤسسات الدينية والفكرية والثقافية والابداعية والاعلامية الخاصة هي ليست ابواب لصناعة الهويات المتعددة للدولة، لانها تخضع بشكل واخر لغطاء الدولة القانوني والدستوري

 (وهذا ينعكس بشكل لافت في الخطاب والنهج الجمهوري العلماني الفرنسي المتشنج تجاه مسألة الاقليات والانتماءات الدينية لانه جاء في سياقات سياسية وليست استنتاجات معرفية او بحثية، بينما في الحقيقة هو خطاب واقعي لمايثار في الغرب عن مسألة الاندماج في القيم الاوربية للاقليات المهاجرة، خوفا من الظواهر الفئوية الانعزالية، التي قد تشكل تهديدا محتملا لوحدة دولة الامة مستقبلا)، حتى الصدقات والتبرعات او المساعدات التي تدفع للفقراء والمحتاجين، لم تعد مخفية يتحكم بها اشخاص مجهولين او تودع في حسابات شخصية وعائلية، انما علنية وتحت انظار الدولة، على عكس مايحصل في بلادنا العربية،

العراق على سبيل المثال تتعدد فيه الولاءات والهويات الاجتماعية والوطنية (الولاء المذهبي والعرقي والاثني والقبلي والمناطقي)، هناك الولاء الشيعي الخارجي تحت ابواب التقليد (اي شيعي عراقي يمكن ان يقلد مرجع عربي او افغاني او ايراني الخ.)، او الولاء الطائفي السني للمدرسة الوهابية او التوجه القومي العربي، الاول التبس عليه الامر فصار عنده الولاء ليس فقهي فحسب، انما عام وشامل، كما في مفهوم ولاية الفقيه الايرانية، بينما في قاموس الدول الحديثة الولاء للوطن (لاضير ان يكون للمسلم او المسيحي او اليهودي مرجع ديني من دولة اخرى، لكن لايجوز ان يصاحبها ولاء سياسي او اتباع شامل لهذه الولاية الدينية)، فالاشكان ان نظرية ولاية الفقيه ليست مختصة بالجانب الفقهي او الديني انما هي مطلقة،

ولهذا يسقط الدراويش الشيعة العرب في شباكها دون معرفة او تمعن (بينما الشيعي الايراني لايعاني من مشكلة الولاء لان اغلب مراجع الشيعة العرب هم من اصول ايرانية ايضا، بل هم اساس مفهوم المرجعية وبناتها الاوائل)،

اما مايخص الولاء السني فهذا اقل خطورة في مجاله ومحيطه العربي

 (مع ان سلطة الفرد التي ظهرت مع الانظمة العربية الشمولية القومية بعد رحيل الاستعمار اواسط القرن الماضي، لايمكنها ان تصنع دولة الامة الحقيقية، انما دولة الزعيم الاوحد، التي سوف تصبح دولة الزعماء والجماعات والاثنيات والطوائف عند الانتقال الى مرحلة الديمقراطية البدائية، كما حصل في مصر من عهد عبد الناصر وصولا للسيسي، بدون الزعيم تتفكك الدول او الامة)،

الا ان الفكر الوهابي الارهابي المتوحش هو الاكثر خطورة في العالم الاسلامي، لانه خاضع ايضا لسلطة دول الخليج الغنية (السعودية والامارات وقطر والكويت)، مما يشير الى حاجة الامة الى نقلة تاريخية مصيرية،

في احداث ثورة ثقافية او معرفية شاملة في المجتمع العربي، لتفكيك المفاهيم والنظريات والاعتبارات المتوارثة، التي كانت ولاتزال تنهك وترهق وتدمر هذه الامة، وتستنزف مواردها وثرواتها، بالشعارات والانتماءات العصبية او الطائفية، لابراز دور الحكمة والعقل في التعامل مع متطلبات المرحلة الانتقالية الفكرية، لبناء دول ديمقراطية متحضرة، تبعد الدين (رجال الدين) عن الدولة،

وفق مفهوم ان الدولة ليست معنية بأديان وعقائد وانتماءات الشعب، بقدر مايعنيها البرامج والمشاريع والاسس التنموية الاقتصادية والتجارية والادارية، واكمال بقية اركان ادارة الدولة المدنية العصرية،

ومؤسساتها المهنية المستقلة، ان تكون من مهام السياسة الوطنية انجاح الدولة والمجتمع، وزيادة الرفاهية والامن واستمرارية التقدم والازدهار،

وشروط تنفيذ برامج العدالة الاجتماعية، تحت مفهوم ان الاديان وثقافات او تراث الشعوب جزء من المنظومة الاخلاقية القيمية العامة للدولة، الخ....

جاءت قضية خفض قيمة العملة المحلية لتثير الشك والريبة من هذا الفعل غير المدروس او المحير، مع تكرار التلويح بأن خزينة الدولة خاوية لاتسد رواتب الموطفين، علما ان اسعار النفط لازالت عند المستويات المعقولة (لم يهبط كما قيل الى مادون25$)، اضافة الى انهيار العملة الايرانية والتركية،

وهي تعد من اهم الدول المصدرة للعراق، البلد تدخله العملة الصعبة من عائدات تصدير النفط، لكن حجم الفساد الهائل والتلاعب بمزاد العملة وفساد بعض البنوك الاهلية، لايعطي لتلك العوائد اي دور في تحسين المستوى المعاشي لذوي الدخل المحدود (حتى رواتب الطبقة المتوسطة تعد حرجة، فكيف بطبقة الفقراء)،

لاسباب عديدة منها الحالة الفوضوية للسوق المحلية، تبخر اموال البطاقة التموينية او رداءة موادها، وغياب مشاريع التنمية الزراعية والتربية الحيوانية، وكثرة الفساد والاتاوات في المنافذ والموانئ والمراكز الحدودية، وهذا كفيل بتعطيل حركة الاستيراد والتصدير والتبادل التجاري مع بقية دول العالم،

وهناك عوامل ادارية روتينية واجراءات ثانوية وتدخلات جانبية للفاسدين تعرقل ايضا عجلة الاستثمار، وتمنع تواجده لفترة طويلة،

وكذلك تعطي انطباع سيء لرؤوس الاموال الاجنبية الاستثمارية الراغبة بالمجيء لاسواقنا المحلية، وهذه الظاهرة لاتحدث الا في دولة المافيات وزعماء العصبات الاجرامية المتداخلة مع بعض اجنحة الطبقة السياسية الحاكمة، وما كثرة الزعامات والمليشيات الا دليل على ان النظام السياسي نظام هش، مقسم بين هذه الجماعات الانتهازية الفاسدة المخربة لوحدة الدولة والمجتمع....

ثورة تشرين هي الحركة الشعبية الاصلاحية، التي اريد لها منذ انطلاقتها العام الماضي، ان تصحح مسار العملية السياسية ولو بشكل جزئي، فحالة الاحباط التي اثيرت بعد الانتصار على داعش بعدم وجود وظائف جديدة، لبلد كان يعتمد نظام التعيين المركزي قبل 2003، الى نظام اخضعت فيه كل الوظائف الى المحاصصة والمحسوبيات والوسائط والرشوة، وبيع وشراء الوظائف والمناصب، (كان النائب المرشح يأتي الى محافظته وبيده قوائم حصته من التعيين)،

فلا الجيش تم بناءه بطريقة مهنية كاملة، ولا الاجهزة الامنية، وهكذا الحال لبقية وزارات ومؤسسات الدولة، مرجعية هؤلاء الموظفين ليس الوزير او المدير العام انما الكتلة او الحزب،

الكل ساهم بصناعة الدولة الفاشلة بما فيها المرجعيات الدينية والاجتماعية او العشائرية الشيعية والسنية، مع غياب كامل لمؤسسات الدولة الرقابية المستقلة، وضعف اداء السلطة القضائية الواضح (التي يقال ان فيها عدد من القضاة المرتشين تركة ثقافة البعث البائد، ولهذا نؤكد دائما على اهمية صياغة عرف قضائي جديد، وهو تكرار القسم السنوي للقضاة للتذكير باهمية مهنتهم امام الله عزوجل والشعب)، وهي السلطة الدستورية الاعلى في الانظمة الديمقراطية....

بناء دولة الامة لايأتي قبل التعريف الكامل بالهوية الوطنية كما ذكرنا، تلك التي يجب ان تكون خيمة لجميع المواطنين، لاتنظر الى الانتماءات والهويات الاثنية الخاصة، انما الى هوية المواطن الفعلية الذائبة كليا في بيت الامة، تحترم كيانه ودوره و مايؤديه من واجبات والتزامات وطنية، فالرفاهية الاجتماعية وتطور الخدمات والتربية والتعليم والامن والاقتصاد الناجح والتنمية هي الاسلحة المدمرة للظواهر السلبية الفردية او الفئوية، القادرة على انتشال الشباب والمراهقين من اوحال الجريمة والمخدرات وبقية الانحرافات الاجتماعية الخطيرة،

اما ان ترى العكس اينما تجلس او تمر في اي مكان او بقعة من بلادك ولاتسمع غير الشكوى والظلم والفقر والحرمان، وحديث السياسة وقصص الفساد والمشاريع الوهمية، والثراء الفاحش على حساب المال العام، فهذا يعني ان الطبقة السياسية الحاكمة لاتصنع غير دولة معاول الهدم، ومشاريع اجرامية متوحشة.....

الصراعات السياسية الداخلية هي ازمات وصدامات مفتعلة، اساسها التدخلات الخارجية وادواتها زعماء مافيات الفساد في الداخل، وهذه ملة لاتشبع من نهب المال العام، ولا من اساليب التخريب والانتقام الشامل من الشعب،

بل ان فسادها يكاد يكون اقرب للجنون والغباء او الجهل المركب، فهي لاتحسن حتى ادارة فسادها والتحكم به، وتطفو صراعتها احيانا بشكل علني على السطح عبر الاعلام،

كل جهة او طبقة تلوح بلمفات الطرف او الجهة المنافسة الاخرى، لكن المخاوف الحقيقية التي يراقبها الشعب العراقي بحذر هو تحالف رئيس الوزراء الحالي الكاظمي مع التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر (لقد تم التلاعب بالاعراف والانظمة والقوانين الادارية المعمول بها منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، لصناعة وجبة جديدة من الشباب الانتهازي صاحب الخبرة الفائقة السرعة، لاستلام المناصب التي تتطلب تدرج وعناوين وظيفية معينة، كانت لاتأتي سابقا الا عبر سياقات ادارية عامة متعارف عليها قبل 2003)،

وهذا التيار لديه مليشيات متهمة بالعديد من القضايا، بعضهم لازال في السجون في قضايا المواجهة المسلحة ضد الدولة واجهزتها الامنية ابان فترة ولاية رئيس الوزراء المالكي (قبل تجميد جيش المهدي)،

وقضايا فساد كثيرة (باعتراف زعيم التيار نفسه الذي وبخهم، وعاقب قسم منهم، وابتعد عنهم اكثر من مرة)، لكن الاعلان عن نيتهم استلام رئاسة الوزراء القادمة، بعد اقرار قانون الدوائر الانتخابية المتعددة المحدودة، والتي يعول عليها كثيرا التيار الصدري، جعلت من حدة هذه المناكفات ان تتصاعد بين جماعة "البيت الشيعي"،

بعد ان تراجعت شعبيتهم، واتهامهم بأختراق ساحات التظاهر (بجماعة القبعات الزرق)، والتكفل بمفرده امام الحكومة والطبقة السياسية بأنهاءها ولو بالقوة (وماحدث في ساحة الحبوبي من حرق لخيام الاعتصام كان دليل على هذه الخطوات التصعيدية)،

وماحصل من جرعات تشجيعية كبيرة ضختها دماء ثورة تشرين في شرائح واسعة من ابناء الشعب (الطبقة الصامتة المحايدة) ، فبات امر توجيه النقد المباشر للتيار الصدري وزعيمه امرا طبيعيا (رغم وجود اسباب الحذر من ردات الفعل لبعض الحمقى ممن يدعون انهم يمثلون التيار الصدري)،

كلها تصب في مصلحة بناء دولة الامة، التي يحتم على المفكرين والنخب والطبقة الواعية بتأييد او الشروع بتأسيس ووضع اللبنات الاساس الاولى على طريق بناء حركة او حزب او تجمع سياسي تنموي وطني، يؤمن بدولة الموطن الديمقراطية الدستورية المدنية، التي تحترم وتقدس كرامة وحقوق الانسان العراقي، وتسعى لضمان حصول كل فرد من ابناء المجتمع على كامل حقوقه ضمن اطار نظام العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص وسبل العيش الكريم...

مايحدث يخجل منه حتى المؤرخين كما نعتقد، كيف يمكن لعراقي ان يدون في سجلات وكتب التاريخ، ان طبقة سياسية في القرن الواحد والعشرين، قرن الحضارة التكنولوجية الفضائية، تعمدت تدمير ارض الاجداد والاباء، بلاد مابين النهرين، تلك التي في كل شبر منها ثروة وارث عظيم....

 لاسبيل للخلاص غيرالثورة المعرفية السلمية،

هي السلاح الشرعي الوحيد الذي لايصدأ ولايهدأ في حربه الدائمة ضد الطواغيت والفاسدين والظلمة، ليس لها نهاية،

لان الشر يعيش مع الانسان كظله،

فهي من اعظم الموروثات الانسانية المتجددة

 

مهدي الصافي

 

 

حسن الياسريأعني بهذا المصطلح الفساد الناجم من القانون. وقبل الولوج في تفاصيلهِ أجدُ من الضروري طرح السؤال الآتي:

هل يمكن أنْ يكون القانون سبباً للفساد؟

والجواب بكل ثقةٍ : نعم، يمكن أن يكون القانون سبباً للفساد. فبعض التشريعات تمهِّد الأرضية للفساد، إذْ يمكن أن يكون القانون سبباً للفساد من الناحية التشريعية، كما يمكن أن يكون سبباً للفساد من الناحية التفسيرية، ما يعني أنَّ ما يمكن أنْ أُطلق عليه (الفساد القانوني) ينشأ تشريعياً أو تفسيرياً .

وفي الحقيقة ثمة أسبابٌ تتسبَّب في نشوء ما يمكن أنْ أُسميه (الفساد القانوني)، سأذكر أهمها، مِن التي أجدها تهيئ الأرضية لهذا الفساد، وهي:

1- سنُّ بعض التشريعات التي يمكن أن يتسلَّل الفساد عبرها. وفي إطلالةٍ على التشريعات التي سنَّها البرلمان في دوراتهِ المختلفة ستجدون بعضاً من هذه التشريعات التي ضمَّت بين طياتها شيئاً من الفساد، مخفياً كان أو معلناً.

2- عدم سنِّ بعض التشريعات الكفيلة بالحدِّ من الفساد، مثل قانون مكافحة الفساد .

3- سوء صياغة القوانين والثغرات فيها: 

إنَّ تسرع البرلمان في سنِّ القوانين وسوء وصياغتها يفضي إلى وجود بعض الثغرات القانونية فيها، تُمكِّن الفاسدين من النفوذ عبرها لتحقيق مآربهم الدنيئة، فضلاً عن وجود مثل هذه الثغرات في بعض القوانين المحكمة. والأمثلة في هذا الباب كثيرةٌ، منها ما سبق أن نبهنا عليه في موضوع السلف التشغيلية، وكذلك تعليمات تنفيذ العقود الحكومية.

4- غموض بعض النصوص القانونية، وتعارض بعضها مع البعض الآخر، وتباين تفسيرها بين جهاتٍ متعددةٍ :

إذْ تعطي هذه الأمور الفرصة للإدارة وموظفيها لتفسيرها على وفق مشيئتهم، الأمر الذي قد يدفعهم لتفسيرها بما ينسجم مع مصلحتهم الخاصة، وبما تجرُّه عليهم من عوائد ماليةٍ غير مشروعةٍ، فضلاً عن التأخير والتعقيد الذي سيواجههُ المواطنون في إنجاز معاملاتهم .

5- الممارسة الفاسدة للقانون:

إنَّ أخطر مظهرٍ وسببٍ قانونيٍّ للفساد يتمثل بالممارسة الفاسدة للقانون، إذْ يقوم أحياناً بعض أرباب السلطة بممارسة الفساد عبر تشريعاتٍ يسنُّها البرلمان، كما حدث مثلاً في قانون إلغاء مكاتب المفتشين العموميين، أو قانون الرواتب المخالف للعدالة الاجتماعية بين الموظفين، أو بعض القوانين ذات الصبغة الفنية التخصصية التي تصدر دون أخذ رأي الجهة الفنية القطاعية، كما يحدث في بعض القوانين المتعلقة بالتربية والتعليم، التي لا يؤخذ فيها برأي وزارتي التربية والتعليم، بل إنَّ بعض هذه القوانين كانت مرفوضةً من قبل هاتين الوزارتين ؛ لكونها تتعارض مع سياق عملهما وإجراءاتهما. وهو ما يحقِّق ما يمكن تسميته (مأسسة الفساد).

6- ضعف بعض النصوص العقابية المناهضة للفساد، وعدم فاعلية بعضها الآخر:

فلقد أصبحت تلك النصوص بمرور الوقت وتطور الجريمة غير فاعلةٍ وغير رادعةٍ، فضلاً عن كون بعضها لا تغطي جميع الجرائم. وتجربتنا في هذا الميدان أثبتت عدم تعاون الجهات الأخرى المعنية بصدد مقترحاتنا التي قدَّمناها لتعديل تلك النصوص، ما أسهم بالمحصِّلة في اتساع رقعة الفساد.

7- منح الإدارة الحق في التعاقدات الحكومية:

إنَّ منح الإدارة الحق في التعاقدات الحكومية أسهم في زيادة نسبه الفساد، الأمر الذي سبق أنْ عالجناه في رؤية مكافحة الفساد التي طرحناها في عام 2016، فلقد طالبنا فيها بإيجاد لجنةٍ مركزيةٍ للتعاقدات الحكومية على مستوى الدولة. وحتى لا يتسرَّبَ الفسادُ إلى عمل هذه اللجنة فقد وضعنا بعض الشروط والقيود المطلوبة في أعضائها، منها أن يكونوا مستقلين تماماً وغير منتمين لأية جهةٍ سياسيةٍ،  وأن يكونوا من خيرة خبراء العراق في مجال اختصاصهم، ومن الذين لا يختلف اثنان في خبرتهم ونزاهتهم.

8- ضعف أداء السلطة القضائية في بعض دول العالم:

إنَّ ضعف أداء السلطة القضائية في بعض دول العالم،، ولاسيما العالم الثالث، واعتمادها بعض الأساليب القديمة التي لم تعد مجديةً مع تطور الفساد واستشرائهِ، وطول إجراءات التحقيق والمحاكمة في قضايا الفساد ؛ أسهم كله في نمو الفساد وعدم الحدِّ منه، هذا فضلاً عن أنَّ التأخير في إجراءات المحاكمة جعل الجمهور والرأي العام يفقد الثقة بالقضاء والأجهزة الرقابية، متهماً إياها بالكذب، ونحو ذلك .

9- ضعف الرقابة الداخلية:

إنَّ ضعف الرقابة الداخلية وخضوعها في الغالب لإدارة المتنفذين في الوزارة أو المؤسسة، لعدم وجود حمايةٍ لها، قد أسهم في تفشي الفساد في داخل الوزارة أو المؤسسة. ولا أظنُّ أحداً مراقباً ومتابعاً لم يُشخِّص هذا الضعف والخلل.

10- ضعف أداء الدوائر القانونية في وزارات الدولة ومؤسساتها:

لقد أفضى هذا الضعف -الواضح للعيان- إلى إبداء المشورة القانونية الخاطئة من قبل هذه الدوائر في بعض القضايا المهمة، ما تسبَّب في وقوع الوزارة أو المؤسسة في المخالفات القانونية المتراكمة، والتي يدخل بعضها في جرائم الفساد .ولسنا هنا في مقام الإعمام والإطلاق، بل في مقام الإشارة إلى ظاهرةٍ موجودةٍ، ليس بوسع أحدٍ إنكارها.

11- سقوط هيبة القانون:

إنَّ كل الأسباب المتقدِّمة تفضي بالمحصلة إلى فقدان هيبة القانون في أوساط المجتمع، فينشأ سببٌ أو عاملٌ جديدٌ للفساد وخطيرٌ، وهو(سقوط هيبة القانون). إذ إنَّ هذا السقوط يولِّد في المجتمع شعوراً لدى أفرادهِ بالتجاوز على القانون وعدم احترامه، الأمر الذي يوسِّع من رقعة الفساد ويضيِّق الخناق على العاملين في أجهزة مكافحة الفساد، الذين يبقون يخوضون غمار الحرب وحدهم، وهم مكشوفون لا حماية لهم.

 

د. حسن الياسري

 

 

ان ابسط قرأة للدستور العراقي الحالي الذي تم التصويت عليه وتمريره بالاستفتاء الشعبي العام يحمل في طياته الكثير من المشاكل التي قد يتفاجاء البعض بوجودها والتي يصعب تعديلها او تغييرها ومن هذه المشاكل موضوع الطائفية السياسية والتي لاتقتصر فقط على موضوع شيعة وسنة فنصوص الدستور الحاليه تفرق بين المسلمين وغير المسلمين . وبغض النظر عن كل مايقال عن طبيعة الطائفية السياسية في العراق، فلا يمكن ان ينكر احد ان تلك الطائفية موجودة حتى قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ، وتسللت الى الأساس والبنيان الذي تم على أساسه يناء الدولة العراقية مما حولها الى منظومة تخريبية تنخر في البناء المجتمعي . ومما يزيد المشكلة سوءا هي محاولة البعض بحسن نية او بسوء نية انكار وجود الظاهره الطائفية او التقليل من حجمها او اظهارها وكأنها وليدة ما بعد 2003 . وينسى هذا البعض ان الحكومة العراقية  الملكية ، عندما أصدرت قانون الجنسية العراقية سنة 1924، قسمت العراقيين آنذاك إلى قسمين تبعية عثمانية وتبعية إيرانية. حيث اعتبرت الحكومة التبعية العثمانية مواطنين درجة أولى، والتبعية الإيرانية من الدرجة الثانية. كان من نتائج ذلك القانون قيام النظام السابق يتهجير حوالي مليون عراقي شيعي بحجة أن أصولهم إيرانية والقائهم على الحدود الإيرانية الملغومة إثناء الحرب، بعد مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، وحتى وثائقهم الرسمية من شهادات دراسية وغيرها التي تثبت عراقيتهم، وبحجز عشرات الألوف من شبابهم وخاصة الكرد الفيلية، ليعدمهم فيما بعد بالجملة ويدفنهم في مقابر جماعية.

مما يؤسف له ان محاولة انكار وجود المشكلة في المجتمع أدى الى تسلل تلك المشكلة الى النصوص الدستورية فنجد ان ديباجة الدستور قد جعلت من كتابة الدستور " َاسْتِجَابَةً لدعوةِ قِياداتِنَا الدِينيةِ وَقِوانَا الوَطَنِيةِ وَإصْرَارِ مَراجِعنا العظام " مع تكرار الإشارة الى الطوائف العراقية من شيعة وسنة واكراد وغيرهم فهنا ديباجة الدستور تؤكد على البعد الطائفي للمجتمع " شَعْب العراقِ الذي آلى على نَفْسهِ بكلِ مُكَونِاتهِ وأطْياَفهِ" غهذه الديباجة تهيئ الجو للمحاصصة الطائفية مستقبلا بدلا من علاج المشكلة الموجودة فعلا .

اما اذا اخذنا نصوص الدستور فنجد ان المادة  (2) أولاً تنص على "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع: ‌أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام". فهذه المادة تحمل في طياتها أولى فقرات الطائفية فهي تفرق بين العراقي المسلم والعراقي غير المسلم . اما المادة (3) من الدستور فهي تعترف صراحة بوجود عدة قوميات وأديان ومذاهب . ولو عرضنا هذه الفقرة على أي دستور في العالم ، لو اخذنا الدستور الهندي لسنة 1949 علي سبيل المثال حيث يوجد في الهند اكثر من اربعمائة لغة والمئات من الطوائف والأديان نجد ان الدستور الهندي قد اكد على لغة واحدة هي اللغة الهندية عدا المحاكم التي تم اعتماد اللغة الإنكليزية اللغة الرسمية فيها . كما ان الدستور ذكر موضوع الدين في مجال " حظر التمييز على أساس الدين أو العرق أو الطائفة أو الجنس أو مكان الولادة " .

مما تقدم نجد ان موضوع الطائفية الذي كما ذكرنا سابقا موجود قبل ان تتكون الدولة العراقية الحديثة قد تسلل الى الدستور العراقي متسترا بالنوايا الحسنة او السيئة التي حاولت انكار وجوده . ولكن هل اقتصر الموضوع على النصوص الدستورية فقط ؟

الجواب هو كلا ، فقد اصبح هناك عرفا غير مكتوب واتفاق بين القوى السياسية على تقاسم السلطة بحسب المكونات والطوائف فرئاسة الجمهورية أصبحت "حقا " حصريا للكورد ورئاسة مجلس النواب "حقا" حصريا للسنة بينما رئاسة مجلس الوزراء فهي "حقا " حصريا للشيعة . كما تم تقسيم الوزرات الى وزارات سيادية ووزرات خدمية ويتم توزيعها بحسب المكونات بغض النظر على الاختصاص والكفاءة. بل وصل الاتفاق على توزيع الحصص الى الدرجات المتوسطة .

ان الغاية من هذا الاستعراض هي بيان عمق المشكلة والتاكيد على ان محاولة التغطية على المشكلة الطائفية تحت شعارات اللحمة الوطنية والدولة المدنية والاخوة لن يؤدي الا الى تعميق المشكلة وجعل نتائجها اكثر سوء . يجب على من يريد التصدي لهذه المشكلة ان يعترف بوجودها وبعمقها من اجل خلق حالة من المكاشفة بين مكونات الشعب وخلق وعي جماهيري ان من يريد المحافظة على العراق يجب ان ينظر الى جميع العراقيين بميزان واحد ، ويعترف بان هناك من مكونات الشعب من عانى اكثر من غيره وان له استحقاق لتعويضه عما عاناه في الماضي . سيكون استعراضنا لهذه الظاهره على ثلاث مراحل الأولى هي مرحلة ماقبل الحكم الوطني في العراق ، والمرحلة الثانية تتناول ظاهرة الطائفية السياسية في العهد الملكي والعهد الجمهوري لغاية 2003، اما المرحلة الأخيرة فستركز على فترة ما بعد 2003 .

اذا رجعنا في تتبع بداية استفحال المشكلة نجد ان البحث سيقودنا الى الحقبة العباسية الأولى التي شهدت ظهور مدارس الفقه الكبرى، التي نعرفها الآن، والمنسوبة إلى الامام جعفر الصادق، مؤسس المذهب  الجعفري الشيعي الاثنى عشري والمتوفى سنة 765 ، وأبي حنيفة النعمان ابن ثابت المتوفى سنة 767، ومالك ابن انس المتوفى سنة 795، والشافعي المتوفى سنة 820 ،  واحمد ابن حنبل المتوفى سنة 855 . وهذا لايعني عدم وجود مذاهب أخرى الا ان العوامل السياسية، والاجتماعية، والديموغرافية، أدت إلى اختفاء تلك المدارس والمذاهب، كما هو الحال مع مدرستي الثوري والطبري .

كانت اول محاولة سجلها التاريخ لفرض مذهب واحد على الدولة حصلت في بغداد أيام الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور حيث ارسل اليه ابن المقفع الرسالة المعروفة باسم "رسالة الصحابة" ، وقد أشار فيها ابن المقفع الى ضرورة توحيد ما يقضى به بين الناس في مدونة واحدة يعمل على وضعها عدد من الفقهاء يدونون آراء القضاة المجتهدين والفقهاء في ذلك العصر بعد تمحيصها والترجيح بينها. وقد بين ابن المقفع في رسالته حال اختلاف القضاة المجتهدين، وكيف إن الأمر الواحد يقضي فيه أحد القضاة المجتهدين برأي، ويقضي غيره في نظيره بخلافه، في الأموال والأنكحة وغيرها. وقد أراد أبو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد أن يختار مذهب الإمام مالك وكتابه «الموطأ» فرفض مالك ابن انس ذلك قائلا "إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب" .

بعد نلك الحادثة بداء المذهب الحنفي يلقى قبولا رسميا خصوصا بعد ان ولي أبو يوسف منصب القضاء للرشيد ثم صار قاضي القضاة، فكان لا يعين قاضياً في البلاد الإسلامية، من أقصى المشرق إلى شمالي إفريقية، إلا أن يكون حنفياً. فكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي غير المعلن للدولة في عهد العباسيين. حتى تولى عبد الله المامون الخلافة فحاول ان يفرض العقيدة المعتزلية على الدولة بما صارت تُعرَف لاحقا بالمحنة وهي محاولة إرغام العلماء على القول بأن القرآن مخلوق وليس كلام الله بذاته "وهي القضية المعروفة تاريخياً باسم "خلق القرآن". وقد استمرت (المحنة ) سنة عشر عاما حتى انهاها الخليفة المتوكل هو من أنهى تلك الأحداث بإطلاق سراح العلماء المعارضين من السجن، وتعيينهم في مناصب سلطة في بعض الحالات.

وقد تحدث المقريزي في خططه عن انتشار المذهب الاشعري بالقول "فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبدالملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب، قد نشئا عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك. واتفق مع ذلك توجه أبي عبدالله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لفقها عنه عامتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبدالمؤمن بن علي الميسي، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهدي المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلا الله خالقها سبحانه وتعالى، كما هو معروف في كتب التاريخ.فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب، وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحكم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة، وعلى الصوفية"  .

في عام (381) للهجرة حصلت اول محاولة جدية لفرض شريعة واحدة لجميع المسلمين قام بها الخليفة العباسي " القادر بالله " الذي اصدر العقيدة المعروفة تاريخيا باسم " العقيدة القادرية " وأمر أن يرسل بها إلى أنحاء الدولة العباسية وأطراف الأمة الإسلامية.وكانت هذه العقيدة قد كتبها "أبو أحمد الكرجي" المعروف بالقصاب المتوفي سنة (360هـ)، كما ذكر ذلك ابن تيمية في مواضع من كتبه ، مما يعني أنه قد كتبها للقادر بالله قبل توليه الخلافة، إذ أنه تولى الخلافة سنة (381هـ)، ثم أظهرها في خلافته وأرسل بها في الآفاق.قال الوزير ابن جهير: "هكذا فعلنا أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع" .وممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها محمود بن سبكتكين ، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم على المنابر.قال ابن تيمية: "اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا – من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة – في مملكته، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضا الأشعرية"   . وقال الذهبي: "وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولعنوا على المنابر"  .

ثم لما كان في سنة 460هـ أعيدت قراءة "الاعتقاد القادري" وأمر بأن يقرأ في الجوامع والمساجد.

قال ابن الجوزي: "وقرأت بخط أبي علي بن البنا قال: اجتمع الأصحاب وجماعة الفقهاء، وأعيان أصحاب الحديث... وسألوا إخراج "الاعتقاد القادري" وقراءته، فأجيبوا وقرئ هناك بمحضر من الجمع... وكان أبو مسلم الليثي البخاري المحدث معه كتاب (التوحيد) لابن خزيمة فقرأه على الجماعة... ونهض ابن فورك قائماً فلعن المبتدعة وقال: لا اعتقاد لنا إلا ما اشتمل عليه هذا الاعتقاد، فشكرته الجماعة على ذلك... وقال الوزير ابن جهير:... ونحن نكتب لكم نسخة لتقرأ في المجالس، فقال: هكذا فعلنا في أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع، وقال: هكذا تفعلون فليس أعتقد غير هذا، وانصرفوا شاكرين". وقد حددت تلك الوثيقة المعتقدات التي يجب على المسلمين اعتقادها ، وتمنع معتقدات أخرى تحت طائلة العقوبة والنكال ، وقد منعت هذه الوثيقة الاجتهاد. وقد نصت الوثيقة على مايلي " هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر (…) هذا قول أهل السنة والجماعة؛ الذي من تمسَّك به كان على الحق المبين؛ وعلى منهاج الدين والطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار؛ ودخول الجنة إن شاء الله تعالى". وكانت هذه الوثيقة هي الاعلان الرسمي لظهور مذهب مايعرف باسم " اهل السنة والجماعة " والذي وان كان قد ظهر ايام احمد ابن حنبل ولكن تدوين العقيدة القادرية كان اعلانا رسميا لتبني الدولة لهذا المذهب .

مع ظهور الدولة العثمانية اضطر سلاطين ال عثمان للأخذ بالمذهب الحنفي، كونه الوحيد الذي يعترف بالامامة لغير قريش من المسلمين . ثم أخذوا يحملون الناس على اعتناق مذهبه، حتى أصبح أكبر مذهب إسلامي له أتباع بين المسلمين، بسبب طول فترة حكم الدولة العثمانية الذي امتد حوالي سبعة قرون من الـزمن. بل بلغ بهم الأمر إلى فرض قراءة حفص عن عاصم، بدلاً من القراءات المنتشرة في العالم الإسلامي (وبخاصة قراءة الدوري)، لمجرد أن أبا حنيفة كان يقرأ بها! ونشر الأتراك مذهبه في شرق أوربا والعراق وشمال الشام، لكنهم فشلوا في فرضه في المناطق البعيدة عن نفوذهم كالجزيرة وإفريقيا.ثم قننوا مبادئه في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت تلك أول مرة يتم فيها تحويل الشريعة إلى مواد مقننة، تسن باعتبارها القانون الرسمي الموحد داخل أراضي الإمبراطورية.

وقد بدأت عملية التقنين بإصدارالقانون التجاري في عام 1850،  وقانون الإجراءات التجارية عام 1879، وقانون الإجراءات المدنية عام 1880 متبعة في ذلك نموذج القانون الأوروبي، الساعي لسن قوانين شاملة تتضمن كل القواعد المناسبة للحياة اليومية.

في عام 1858 تم اصدار "قانون الجزاء الهمايوني" والذي قسم الجرائم حسب الأحكام المقررة في الشریعة الإسلامیة . كما قسم العقوبة المقررة لها إلى جرائم الحدود وجرائم القصاص والدیة وجرائم التعزیر بشأن جرائم الحدود والقصاص والدیة، مع تحدید عقوبات أخرى كالقتل والحبس والجلد والنفي والتوبیخ، تبعا لنوع الجریمة للجرائم الأخرى كإثارة الفتن ضد الدولة والاختلاس والاستیلاء على الأراضي وتجاوز الموظفین حدود واجباتهم.  كذلك دخلت في القانون الهمايوني مفاهيم القانون الجنائي الحديثة مثل الدفاع عن النفس، والمشاركة بالجريمة بشكل غير مباشر والمجرمون الأطفال ، مع تأكیده في مادته الأولى على عدم الإخلال بالحقوق الشخصیة المقررة شرعا .

بعد انتهاء حرب القرم بين روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية عام 1856، فطلبت السلطنة العثمانية من الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو تقنيناً واضحاً لكيفية معاملة الرعايا المسلمين الذين اصبحوا تحت السلطة الروسية بعد خسارة العثمانيين للحرب ، مما دفع الروس للرد بالمثل. فأنشأ السلطان عبد المجيد لجنة من الفقهاء الحنفية منهم الشيخ "علاء الدين عابدين " ابن صاحب الحاشية مع مساهمين من المذاهب الثلاث الأخرى بصفة مراقبين؛ لتقنين أحكام المعاملات والقضاء، فصدرت مجلة الأحكام العدلية. وقد صدرت المجلة باسم " مجلة الاحكام العدلية " عام 1869 وتضمنت جملة من أحكام البيوع، والدعاوى، والقضاء ، واحتوت على 1851 مادة.

في عام 1876 وبأمر من السلطان عبد الحميد الثاني تقرر اعتبار مجلة الاحكام العدلية بمثابة القانون الموحد للسلطنة العثمانية في مجالات البيع، والإيجارات، والكفالة، والحوالة، والرهن، والأمانات، والهبة، والغصب، والإتلاف، والحَجْر، والإكراه، والشفعة، والشركات، والوكالة، والصلح، والإبراء، والأمور المتعلّقة بالإقرار، والدعوى، والبيّنات والتحليف، والقضاء. وكانت تشرف على اصدار المجلة لجنةٌ علميةٌ ألفت بديوان العدلية في اسطنبول وكان رئيسها ناظر هذا الديوان أحمد جودت باشا. كان المصدر الرئيس الذي اغتمدت عليه اللجنة ، كتاب: " الأشباه والنظائر " لابن نُجيم الحنفي.

بالنسبة للأحوال الشخصية فقد ظهر هذا المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر حيث ورد هذا المصطلح في كتاب محمد قدري باشا المعروف "بالأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية". وقد ورد في مقدمته أنه "يشتمل على الأحكام المختصة بذات الإنسان من حين نشأته إلى حين منيته وتقسيم ميراثه بين ورثته". وقد صنف محمد قدري باشا كتابه على شكل مواد قانونية بلغت 647 مادة أخذها كلها من القول الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة من دون غيره، تلبية لحاجات القضاء الشرعي الإسلامي في مصر الذي يعتمد هذا المذهب في أحكامه على المصريين المسلمين، ثم شاع هذا الكتاب وانتشر ، واعتمده القضاة في أقضيتهم وإن لم يصدر به قانون ملزم، ولهذا الكاتب كتب أخرى في هذا المجال، منها في الوقف وفي أحكام المعاملات. وسميّ هذا "مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان" جعله على أحكام عامة، وأخرى خاصة، وعرضه في مواد بلغت "1045" مادة   وفي الوقت الذي بدأ فيه هذا المفهوم في التبلور والوضوح، بادر العثمانيون بإصدار قانون حقوق العائلة سنة 1917 مقتبسين هذا المصطلح المستحدث أيضاً من الغرب لكن ما يميز قانون الأسرة العثماني أنه لم يعتمد الفقه الحنفي، بل أخذ بعض الأحكام من المذاهب السنية الثلاثة الأخرى ولكنه لم يأخذ باي شيء من المذهب الجعفري .

اكتسبت "المجلة" نفوذاً كبيراً عندما أصبحت قانوناً، وصارت نموذجا مبكرا، لإعمال أجزاء كبيرة من الشريعة، بواسطة سلطة الدولة، محولة بذلك بعض قواعد الشريعة إلى قانون وضعي، بالمعنى الحديث للمصطلح. أكثر من ذلك أن هذا التشريع جرى تطبيقه على نطاق واسع على المجتمعات الإسلامية داخل الإمبراطورية العثمانية،وقد أعاقت "المجلة" إمكانية العمل بآراء المذاهب الأخرى بما قننته من أحكام المذهب الحنفي.

بعد دخول القوات البريطانية الى العراق عام 1917 اصدرت (بيان المحاكم) والذي بموجبه شكلت المحاكم الشرعية التي تنظر في الاحوال الشخصية المتعلقة بمذهب اهل السنة فقط ، اما الاحوال الشرعية المتعلقة بالمذهب الجعفري فقد عهد للمحاكم المدنية بنظرها ..

 

زهير جمعة المالكي

 

قاسم المحبشيالله لا هان عزيز! بهذا الدعاء بدأتها

ثم قلت: أننا هنا في حضن أم الدينا الحانية البلد العربي الوحيد الذي فتحت ذريعتها لنا ونحن نعيش أسوأ كارثة إنسانية شهدها اليمن السعيد منذ أن تفرقت أيدي سبأ بعد خراب سدها المنيع. اليمن شعب كريم وحضارة تليدة وحينما نحكي عن اليمن فهذا يعني أننا نحكي عن أهم الحضارات التي شهدت جنوب الجزيرة العربية في تاريخها وبعضها لازالت مستمرة على مدى سبعة الالف عاما ومنها حضرموت درة الجزيرة العربية وخلاصة حضارتها التليدة حضرموت هي التي جمعتنا في أم الدنيا للبحث في مصابنا برعاية مصرية يمنية حانية.

تعد اليمن من أكثر الدول كثافة بالسكان في شبه الجزيرة العربية وبمعدل نمو سنوي يبلغ 5.3 ، %وفي حالة بقاء معدل النمو على حاله فإن عدد السكان سيبلغ 000.844.37 نسمة بحلول عام 2026م، فضلا عن ما تمتلكه من تنوع طبيعي مناخي  فريد وغنى زاخر بالموارد النباتية والحيوانية والكائنات الدقيقة المفيدة والتي تقوم بوظائف حيوية مفيدة، فالتنوع الطبوغرافي أسهم في وجود تنوع حيوي ومناخي ساعد في ظهور بيئات متنوعة لعبة دورا هام في التنوع الحيوي الزراعي والاستقرار البشري و الحفاظ على نوعية الهواء وضمان بيئة صحية للسكان، آما أن غنى التنوع الحيوي وآثافة الغطاء النباتي ساعد على حماية التربة من الانجراف. ووفقاً للمعهد الدولي للموارد فإن الأنظمة البيئية تعتبر "آليات الإنتاج للكون" حيث توفر الغذاء والماء والمواد المستخدمة في الملابس والورق والخشب للبناء (عام 2000 .(وقد مارس السكان اليمنيين ومنذ فجر التاريخ على مهنة اصطياد الحيوانات وصيد الأسماك وبرع في استخدام المنتجات النباتية والحيوانية لسد حاجاته اليومية من الغذاء والملبس والبناء وغيرها من الاستخدامات المختلفة والتي لازالت تمارس حتى اليوم ، يقدم الجدول (3 (أمثلة لقائمة السلع والخدمات التي تقدمها أربعة نظم بيئية متوفرة في اليمن وشهدت اليمن خمس حضارات متزامنة (حمير وحضرموت ومعين وريدان وقتبان واوسان وسبا) وفي اليمن خمسة مراكز ثقافية تليدة هي( حضرموت وزبيد وعدن وصنعاء وتعز) وفي اليمن خمسة الألوان غنائية هي (اللون الصنعاني واللون اللحجي واللون الحضرمي واللوان اليافعي والألوان التهامي) وفي اليمن أنماط متعددة من الفن المعماري الفريد في العالم منها النمط اليافعي والنمط الحضرمي والنمط الصنعاني ، وفي اليمن أساليب متنوعة من الفنون الشعبية والأزياء والأطعمة واللهجات والحكم والأمثال الشعبية وتمثل الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية والصناعية الصغيرة في اليمن رافداً حيوياً للشعب اليمني ,منها: الفخار، البخور، الزباد، الحصير، الجنابي، آلات العزف، المشغولات الفضية، والعقيق اليماني، والمشغولات الجلدية، والنسيج، والنحت على الخشب الذي يتضمن زخرفة، ونحت اللوحات، والأبواب، والشبابيك الخشبية، والكراسي، وبعض الطاولات بتصميمات يمنية ذات طابع تراثي وتاريخي ومعماري أصيل، وعمل الجصيات، غيرها هذا التنوع الطبيعي والتاريخي والثقافي فضلا عن الثروة البشرية التي تتميز بها اليمن تعد من مقومات التنمية المستدامة لو صلحت السياسية التي بدون صلاحها يصعب الحديث عن أي شئ ممكن. إذ أن لتنمية المستدامة تنمية طويلة الأمد، حيث تأخذ بعين الاعتبار حقوق الأجيال القادمة في موارد الأرض وتسعى إلى حمايتها. تلبّي احتياجات الفرد الأساسيّة والضروريّة من الغذاء، والكساء، والحاجات الصحيّة والتعليمية التي تؤدّي إلى تحسين الأوضاع الماديّة والاجتماعيّة للبشر دون الإضرار بالتنوّع الحيويّ، وهذا من أولويّاتها فعناصر البيئة منظومةٌ متكاملةٌ والحفاظ على التوازن ما بين هذه العناصر يوّفر بيئةً صحيةً للإنسان. تحافظ على عناصر المحيط الحيوي ومركباته الأساسيّة، مثل: الهواء والماء؛ حيث تشترط الخطط عدم استنزاف الموارد الطبيعيّة في المحيط الحيويّ، وذلك برسم الخطط والاستراتيجيات التي تحدّد طرق استخدام هذه الموارد مع المحافظة على قدرتها على العطاء. تعتمد على التنسيق بين سلبيّات استخدام الموارد واتجاهات الاستثمارات؛ حيث تعمل جميعها بانسجامٍ داخل منظومة البيئة، بما يحقّق التنمية المتواصلة المنشودة وقد أكدت نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية كمعطى جوهري وحيوي للحياة الإنسانية والتنمية المستدامة لأن الأمة التي تتعدد فيها وتتوازن أنماط الحياة تصبح اقل تعرضاً للمفاجآت وأكثر قدرة على الاستجابة للمواقف الجديدة، ومن ثم فان النظم السياسية التي تشجع تنوع أنماط الحياة المتعددة اقرب للنجاح من تلك التي تقمع التنوع الضروري. وتؤكد النظرية أن التعددية جوهرية، لان اختلاف الناس في هذا العالم هو الذي يمكـَّن أنصار كل نمط حياة من أن يعيشوا بطريقتهم بحيث تصبح معيشة الناس في نمط واحد نوعاً من (اليوتوبيا) المهلكة، لأن أنصار كل نمط حياة يحتاجون للأنماط المنافسة، سواء للتحالف معها، أو الشعور بالذات في مقابلها أو حتى لاستغلالها لمصلحتهم. تؤكد نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية كمعطى جوهري وحيوي للحياة الإنسانية، وحينما ننظر نظرة سريعة إلى شكل المجتمع الإنساني نرى أن الفرد في المجتمع يتفق مع بعض الناس في كل النواحي كما يتفق مع بعض الناس في نواح أخرى، ولا يتفق مع أي من الناس في نواح ثالثة. وإذا ما انطلقنا من تعريف الأمريكي (روبرت بيرستد) للثقافة بأنها « ذلك المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نمتلكه كأعضاء في المجتمع» ومن ثم فان النظم السياسية التي تشجع تنوع أنماط الحياة المتعددة اقرب للنجاح من تلك التي تقمع التنوع الضروري.وتؤكد النظرية أن التعددية جوهرية، لان اختلاف الناس في هذا العالم هو الذي يمكـَّن أنصار كل نمط حياة من أن يعيشوا بطريقتهم بحيث تصبح معيشة الناس في نمط واحد نوعاً من (اليوتوبيا) المهلكة، ل

تنطلق فرضيتنا من الاعتقاد بان منظمات المجتمع المدني بتنويعاتها وأدواتها وعناصرها وعلاقاتها وتشبيكها وشبكاتها الواسعة في اليمن يمكنها أن تلعب أدوارا جديرة بالقيمة والأهمية في تسوية النزاعات الناشبة وبناء السلام المأمول، بالشراكة مع الفاعلين الآخرين الحكومة والسلطات المحلية والهيئات الدولية. إذا ما تم أعادة تنظيم نشاطها وتعزيز قدراتها بالدعم والممكنات اللازمة.

ويأتي بحثنا لمنظمات المجتمع المدني ودورها في بناء السلام والتنمية المستدامة في اليمن في سياق الجهود الدولية والمحلية الرامية لحل النزعات وبناء السلام في هذه البلاد التي أثخنتها الحروب والنزاعات بما يدعم الاستقرار الاجتماعي عبر تعزيز آليات منع النزاعات العنيفة وتسويتها وتمهيد الأرضية المناسبة لأجراء حوار شامل بين اليمنيين، بما يؤمن فرصة الوصول إلى تسوية سياسية ممكنة للأزمة السياسية اليمنية الراهنة. وذلك من خلال فهم الموارد والقدرات التي يمتلكها المجتمع المدني والبحث في كيفية تفعيلها وتنميتها وتوظيفها في خدمة الهدف العام لبناء السلام المأمول.

إذ تعد منظمات المجتمع المدني من المكونات الأساسية للمجتمع اليمني، بوصفها تضم شرائح واسعة من الفاعليين الاجتماعيين الذين يضطلعون بوظائف وادوار حيوية في التنمية الاجتماعية، وقد شهدت الدوائر الأكاديمية والسياسية والإعلامية في غضون السنوات القليلة الماضية تزايد الاهتمام بالمجتمع المدني والاعتراف المضطرد بأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه منظماته المتنوعة في مجتمعاتها المتعينة ومنها: منع نشوب النزاعات أو المساعدة في تسويتها حال نشوبها والاسهام في بناء السلام في المجتمعات التي شهدت نزاعات حادة، كما بينت تجارب البلدان التي شهدت حروبا ونزاعات عنيفة كالبوسنة والهرسك وما مارسته منظمات المجتمع المدني من أدوار في بناء السلام بعد الحرب. هذا هو ما أقرته مختلف تقارير الأمم المتحدة وإعلاناتها بما في ذلك تقارير مجلس الأمن الدولي والمنظمات العاملة في حل النزاعات وبناء السلام حول العالم. وقد تنوعت أدوار منظمات المجتمع المدني في حل النزاعات وبناء السلام اثناء الحروب وبعدها من ذلك: مبادرات الوساطة الشعبية والنخبة الفاعلة بالتفاوض والدعوة للحوار بين أطراف النزاع والإغاثة والتنمية التقليدية وممارسة الضغوط المدنية على الحكومات في سبيل التنمية.

وفي مقاريتنا سوف نحاول التعرف عن واقع منظمات المجتمع المدني في اليمن وطبيعة الأدوار والأنشطة التي يمكنها أن تقوم بها في بناء السلام باليمن؟ وماهي قدراتها الكامنة للقيام بهذه الأدوار؟ وما الإشكاليات والمعوقات التي تعيق اسهامها الفعال في بناء السلام؟ وما حدود مساهمتها ووسائل وطرق وأدوات تلك المساهمة؟

منظمات المجتمع المدني في اليمن وتجربة الحرب

أثبتت الأزمة اليمنية وما شهدته من أحداث عاصفة منذ اندلاع المواجهات العسكرية قبل ستة سنوات مضت، الدور الحيوي للمجتمع المدني ومنظماته الأهلية والمهنية والثقافية دورا حيويا في حفظ المجتمع من الانهيار والفوضى، إذ رغم غياب مؤسسات الدولة الرسمية (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وتدمير البنية التحتية للخدمات وتعدد أطراف الحرب وهيمنة الجماعات المسلحة والمليشيات وانتشار السلاح بين السكان على نحو لم يشهد له تاريخ اليمن مثيل، بحيث بات معظم سكان اليمن الذكور يمتلكونه، في هذه البيئة الملغمة بكل أسباب النزعات وأدواتها العنفية، كان المجتمع المدني هو الحاضر الوحيد في حفظ الرمق الأخير من الحياة الاجتماعية المشتركة للناس في المدن والأرياف وفي تأمين شبكة الطرق والمواصلات الرئيسة بين المحافظات اليمنية المترامية الأطراف، إذ قام المجتمع المدني بمختلف هيئاته المتنوعة بدعم قدرات المجتمع الذاتية وتعزيز شبكات الأمن والاستقرار الاجتماعية وحل النزعات الصغيرة والحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي لسكان المدن والأرياف، وهو بذلك قام بدور تعويض غياب السلطات والمؤسسات الرسمية، وذلك عبر سلسلة واسعة من المبادرات والتدخلات الفاعلة في تلبية الحاجات الحيوية للناس إثناء الحرب، إذ بادر الفاعلون المدنيون منذ قبيل اندلاع المواجهات الحربية في اليمن إلى تقديم مقترحات مكتوبة لحل الأزمة بالطرق السلمية وعبر الحوار والتفاهم وبناء الثقة وقامت عدد من منظمات المجتمع المدني بمساعي عدة للتوسط بين أطراف النزاع والبحث عن أرضية مشتركة لبناء السلام، وفي إثناء الحرب تزايد أدوار منظمات المجتمع المدني، في توفير السكن للنازحين وإسعاف الجرحى وحفظ جثامين القتلى، ومد المحاصرين والمعوزين والنازحين بالغداء والماء والدواء مواساة اسر الضحايا، وكان الفاعلون المدنيون اليمنيون في داخل الوطن وخارجه ولا زالوا يمارسون أدوار حيوية وبالغة الأهمية في الحفاظ على الحد الممكن للتماسك والاندماج الاجتماعي لسكان اليمن الذي يقدر عددهم ب بثلاثة وثلاثين مليون نسمة متذذرين في ( 133000) تجمع سكاني كبير وصغير.

وكما تمكنت منظمات المجتمع المدني في اليمن من مواجهة تحدي الحرب وتفعيل ممكناتها في ممارسات أدوار فاعلة في تسوية النزاعات الاجتماعية في المجتمعات المحلية والحفاظ على المجتمع من الانهيار في الفوضى؟ تتوقع دراستنا هذه بان منظمات المجتمع المدني يمكنها القيام بأدوار مهمة في بناء السلام باليمن، عبر ممارستها نشاطات وأدوار متنوعة منها:

- نشر الوعي حول السلام وضرورته والتعريف بمخاطر الحرب وتوعية المجتمع المحلي بضرورة التخلي عن السلاح ومخاطر حمله في الفضاء العام.

- بناء قدرات النخب السياسية والإعلامية والمجتمعية حول مهارات وقيم ومعارف التعايش والتسامح التصالح والتضامن والسلام

- التوعية بأهمية العدالة الانتقالية، ودورها في بناء السلام، والقيام بتنفيذ برامج ثقافية توعوية عن العدالة الانتقالية وأهميتها في تجاوز الماضي المأساوي وتنمية ثقافة النظر الى المستقبل والمساهمة المباشرة في عمليات العدالة الانتقالية وبرنامجها.

- المطالبة بتفعيل المؤسسات الدستورية وضمان حماية مبدأ المواطنة المتساوية. مناصرة المفاوضات الرامية لتحقيق السلام، عبر الاسهام في بناء جسور الثقة بين الأطراف المتنازعة.

- الكشف عن الجرائم والانتهاكات التي تخالف مواثيق وقوانين حقوق الإنسان وتوثيقها والتنديد بمرتكبيها ومناصرة ضحاياها.

- تعزيز قيم الإنصاف والاعتراف عبر المساواة والشراكة الوافقية العادلة. المساهمة في تحريك عجلة التغيرات السياسية بتعزيز ثقافة الحكم الرشيد ومحاربة الفساد. نشر الوعي المنهجي في المجتمع المحلي بالحقوق الخاص بالنساء والأطفال وذوي الحاجات الخاصة وتعزيز دور المرأة والشباب في صناعة المستقبل. تعزيز ونشر ثقافة الحوار البناء بين مختلف شرائح المجتمع، القيام بمبادرات لحل الخلافات الهيكلية في المجتمعات المحلية. دعم أنشطة تحسين سبل المعيشة للأسر والأفراد.

- المساهمة في خلق وسائل إعلامية بديلة عن إعلام الحرب، وتعزيز إعلام السلام لتكون أداة لنشر ثقافة التعايش وقبول الأخر.

- . تسهيل التواصل بين الأطراف وخلق بدائل متعددة للحوار السياسي - المشاركة في المفاوضات السياسية وتيسير التوسط بين أطراف التفاوض.

- الإسهام الفعال في إيجاد "سلام عملي" على صعيد المجتمعات المحلية من خلال البحث عن أرضية مشتركة لحل النزعات وتنمية المجتمع.

وتنطلق فكرة الشراكة الاجتماعية من واقع أن الناس في المجتمع هم شركاء فيه على قدر متساوي من الحق والأهلية. و الشرط الأولي لكل عيش اجتماعي مشترك ممكن ومستقر, ينتهج طريق واساليب سلمية عقلانية رشيدة في حل مشاكله ونزاعاته التي لا سبيل الى تجاوزها , وهذا لا يتم الا بالتفاوض والتفاهم والحوار الايجابي بين الفاعلين الاجتماعيين في سبيل تحقيق العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاجتماعيين هذا معناه ان أي حوار وتفاوض وتفاهم وتنسيق لا يمكنه أن يقوم ويتحقق وينمو ويزدهر ويثمر بدون التسامح الإيجابي الذي يرتكز على الاعتراف المتبادل بين الأطراف بالأهلية والقيمة والندية والقدرة والسلطة والنفوذ بما يكفل لكل طرف من الإطراف قول رأيه والتعبير عما يعتقده صوابا بحرية كاملة وظروف متكافئة , فالتشارك هو الشرط الضروري للتعايش والعيش بسلام والتفاهم بشأن المشكلات والأزمات والنزاعات الاجتماعية التي تنشأ في سياق الحياة الاجتماعية للناس الساعيين وراء إشباع حاجاتهم وتامين شروط حياتهم ويمكن تلخيص أهم شرط من شروط التسامح الفعّال بانه الاعتراف بقيمة الآخر وجدارته ونديته وحقوقه المتساوية مع الجميع اعضاء المجتمع المعني وهو نمط من أنماط العلاقة بين الذات والآخر يعني التقدير والاحترام وتكافؤ الفرص والعدالة والإنصاف والاعتراف إذ أن أكبر التي يمكن أن تصيب الإنسان هو غياب التقدير والإنصاف والاعتراف و يمكن أن يتحمل المرء كل المصائب الخارجية مقارنة بالظلم والإهمال والاحتقار. وتلك هي سمة المجتمع المتصالح والمتسامح مع ذاته وعكسه عدم التسامح وهو يتساوي مع اللامبالاة والانعزال والإهمال أو غياب الاهتمام بمعنى عدم التفاعل والتعاون والتضامن الفعّال، إذ تجد فيه كل فرد من أفراد المدينة أو المجتمع أو المؤسسة العامة منشغل بأمور حياته الخاصة ويعزف عن الاهتمام بالموضوعات العامة التي يتشارك به مع غيره من أعضاء المؤسسة أو الحي أو المدينة أو المجتمع عامة، ويتصرف وكأنها لا تعنيه! وهذا هو المستوى الأدنى من التسامح الهش الذي لا يمكن البناء عليها لانه لايدوم على حال من الأحوال بل يظل سريع التبدل والتحول والزوال. بينما التسامح المطلوب والملح والضروري في وضعنا الحالي هو التسامح الإيجابي الذي يعني أن الفاعلين الاجتماعيين المستهدفين بالتسامح قد استشعروا الحاجة الحيوية إلى بعضهم وأن لديهم مشاعر واعية ومشتركة باهمية التعايش والاندماج في مجتمعهم ويمتلكون القناعة الراسخة بأهمية الحفاظ على سلمه وسلامته ونظامه واستقراره وتنميته وترسيخه بالتسامح الفعّال بالأفعال والأقوال بوصفه قيمة أخلاقية وثقافية مقدرة خير تقدير في حياتهم المشتركة وحق من حقوق كل الإنسان الذي يستحق التقدير والاحترام وهذا النمط من التسامح لا يكون ولا ينمو الا في مجتمع مدني منظم بالقانون والمؤسسات العامة التي يجب ان تقف على مسافة واحدة من جميع أفراد المجتمع بما يجعلهم على قناعة تامة بأنها مؤسساتهم هم وأن الحفاظ عليها وصيانتها وتنميتها هي مسؤوليتهم جميعا، ويستشعرون في أعماقهم الدافع والحماس للعمل والنشاط والتضامن الفعّال وبذلك يمهد التسامح الشرط والمزاج العام للتضامن العضوي بين جميع أفراد المجتمع في مشروع إعادة بناء مؤسستهم السياسية الوطنية الجامعة أي الدولة على أسس عادلة ومستقرة جديرة بالجهد والقيمة والاعتبار والإفراد يأتون ويذهبوا اما المؤسسات فهي وحدها التي يمكن أن تدوم إذا ما وجدت من يتعهدها بالصيانة والحرص والاهتمام . والنَّاس هم الذين يشكلون مؤسساتهم ثم تقوم هي بتشكيلهم! فكيف ما كانت مؤسساتهم الحاضرة يكونون في مستقبل الأيام ! هذا هو التسامح المطلوب في واقع حياتنا الراهنة، انه التسامح الذي لا يعني أن على المرء أن يحب جاره بل أن يجهد في احترامه ويصون حقوقه وفقا للقاعدة الأخلاقية :عامل الناس كما تود أن يعاملوك.

وفِي الختام أكدت على أهمية أن الشعوب لا تعيش بالحروب فقط

وأن السلام والاستقرار والعدالة والتنمية هي المدخل السليم لإعادة بناء اليمن وهذا يحتاج إلى خطة مرشال عربية إقليمية دولية تعيد الحياة والأمل إلى اليمن السعيد واهله الذي وصفهم فيهم خاتم الأنبياء والمرسلين بأنهم أرق قلوب والين أفئدة! قبل أن تجف قلوبهم وتتحجر أفئدتهم. والخير يخص والشر يعم والشعوب لا تموت.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

عبد الجبار العبيديقالها محمد رسول الاسلام (ص) ورددتها اليوم.. أنتفاضة آكتوبر العظيمة :" والله.. لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان اترك هذا الامر ما تركته أو أهلك دونه ".. وقد حقق الرسول القسم وأسقط الاعداء ونجحت الدعوة.. واليوم يردده الثوار حتى سقوط الخونة المرتدين عن العهد والقسم والقيم والدين رغم الخسائر الفادحة في الارواح والاموال فنجحوا.. وبات اعداؤهم قريبون من محكمة التاريخ.. انهم فتية آمنوا بربهم ووطنهم وحقوقهم فزادهم الله ايمانا.. حتى أنهم رفضوا ان يطيعوا كل حلاف مهين.. هَماز مشاءُ بنميم.. مناعُ للخير.. معتدٍ أثيم.. حين جاوز المعتدون المدى في الظلم وأصبحوا مغولاً على المواطنين اصحاب الحقوق ومطالبهم المشروعة شرعا وقانوناً في بلادهم بلاد العراقيين.. ولتسقط زيزفون المعتدين..

لن تعود المؤامرة الأولى مرة اخرى.. ولن يعود منا امير ومنكم اميرحين أعتدوا على وثيقة الحق .واليوم لن تستطيع كتل الخيانة والاعتداء على الحقوق من أصحاب التزوير ان تعود مرة أخرى.. ذاك زمان مضى.. ولن تعود محافظة متميزة عن المحافظات الاخرى كما كنا قبل التغييرلتكون ملجئا لكل الخونة والمارقين بقصورهم الفخمة هناك.. ولن تعود الرئاسة والوزارة والنيابة لطبقة محدودة تتصرف في شئون المواطنين  وتحجر على حرياتهم دون الطبقات الاخرى.. ولن يعود المال العام محصورا بطبقة دون اخرى.. ولن تكن الوظيفة لطبقة دون اخرى.. بل للشعب كل الشعب يتحكم به القانون ولن تكون السفارات والممثليات في الخارج ومقاعد نواب الشعب ملكا للمزورين وابناء المسئولين من حثالات الزمن الاسود.. من اجل عودة دولة القانون الحضارية لكل العراقيين.. .لا دولة القانون المزيفة التي ولدتها الدولة العميقة في عهد الخائنين.. الذين ستلعنهم اجيال القادمين..

لقد ماتت العنصرية والطائفية والمذهبية والمحاصصية فكريا وعقائدياً الى الابد بفضل مناضلي التحرير وهذا هو المهم ، والا لماذا جاء التغيير؟ وهي اول انتصار لثورة الاحرار في آكتوبر العظيم.. ,وليبقى قانون حمورابي هو امل دولة العراقيين في العدل والحرية والاخاء والمساواة بينهم دون تفضيل.. لتنتقل الدولة نحو الاصلاح الاجتماعي الحقيقي الذي وعدت به ثورة الأحراربشهدائها الابرار.. ولتقضي على كل خونة الوطن الذين كتبوا بأيديهم عار الزمن.. ليكتب لنا التاريخ قصة اخرى سجلها المغول الجدد في عراق العراقيين..

الشارع العراقي الناهض اليوم سرعان ما طوق الأزمة والفُرقة التي اتخذت حدودها في شكل حاكم ومحكوم.. وغالب ومغلوب.. وسادة وعبيد.. فتغلب الشارع على الخطأ بالوحدة الوطنية وروح المؤاخاة التي غرسها المواطن الحر فحوله الى واقع ثابت لا يتغير.. فمكن للجميع ان يجتمعوا على خير رغم عصابات الظلام وبريق السيوف والمسدسات الكاتمة للصوت لقتل العلماء والمفكرين والمرحوم الهاشمي مثالاً.. فكانت أستجابة بعض المخلصين بأعتبارها طلقة الرحمة في رؤوس الخائنين.. ان التمسك بقيم الشهادة القديمة لتراث للعراقيين وتمجيدها ليس منقصة ، لكن تقديسها والايغال بالتشبث بها حقيقة راسخة لأ كما في" قدس سره البغيض" الذي ادخلنا في ظلام العميان هو المنقصة. كل الشعوب لها تراث ، حققت به الكثير.. الا هُم حين حولوه الى تقديس اجرد.. فكانت النتيجة ان تقدمت تلك الشعوب ونحن تخلفنا ،لماذا ؟ سؤال بحاجة الى جواب يستند على المنطق لا العاطفة والتقليد.. هنا دور المنهج والجامعة في ايقاظ الضمير.. والمصير.. لجيل أرادوا له ضياح المصير.. ولكن اين الجامعة اليوم والمنهج في دولة الفوضويين..؟

والسؤال المطروح هو: هل يمكن للتراث العراقي القديم –ثراث الحضارات والقانون- ان يعالج مشكلات العصر الحديث؟ ومشكلات التطور العصري الدائم؟ وفقَ ايديولوجية واضحة المعالم ؟وهل فيه من القوانين ما يُمكننا من الحل؟ نعم فيه الكثير؟حين توجه القيم توجها علمياً صحيح ليعطينا نتائج ايجابية لحل معضلات المجتمع العراقي المتفاقمة اليوم؟من اجل هذا يجب علينا ان نطرح النظام الفكري العملي الذي ندعيه للمناقشة والحوار وان لا نتهم من يتحاور معه ومعنا بالخروج على الدين ،فالدين ليس عبوديةً بل استقامة ومنهجا وليس كل ما جاء به السلف الصالح وهي تهمة جاهزة لمن يتعدى الخطوط الحمراء للمؤسسة السياسية الثلاثية الباطلة المغلفة بغلاف الدين في عراق المظاليم.. وهل بامكاننا تطبيقه للوصول الى الحل.؟ام نبقى ندور في النظريات الميتافيزيقية والماورائية والفقه الميت المتوارث منهم فتلك نهاية الوطن والمصير المحتوم كما نراه اليوم مع أعداء الامة في وطننا المجاهد الظليم.. وكما نقرأهُ في ولاية الفقية التخريفية والمهدي المنتظر الوهمية نظريات ما اجمع عليها العلماء،وما قاله القرأن العظيم العقل الرزين.. في الأعتقاد والتطبيق. 

لكن السؤال الاكثر الحاحاً هو : من منا بأمكانه التقدم بمشروع علمي فكري واضح خارج نطاق الفكر الديني الجامد ليتحاور مع النص ؟ ويعمل على أنشاء موسوعة علمية بعيداً عن الميثولوجيا الدينية ، ويتمكن من ان يبقى ويستمر؟ واذا كان هذا الطوق المضروب علينا من المؤسسة الدينية الخارجية عمدا ،فهل تريد لنا هذه المؤسسة العبودية الدائمة ومنطق التخلف المرفوض؟ ام انها عاجزة عن اعطاء الجواب المقنع بعيدا عن العاطفة والتجهيل؟ لكن الاكثر خطورة انها استطاعت بالتدليس الديني تارة وبالاغراءات المادية لمليشياتها المجرمة - من امثال حزب الشيطان والعصائب- التي اصبحت تملكها اليوم تارة اخرى بالقتل والترهيب ،بعد ان اصبح المال والقوة بيدها تسندها السلطة العميقة،وسلطة الدولة المتراخية من ان تزرع فكرها الطوبائي في عقول المواطنين بالقوة والترهيب،.. وتلك اصعب من المشكلة نفسها،. أسئلة كثيرة تطرح لابد من الاجابة عليها. فليجيبوا ان هم قادرون.. .وليتدخل اصحاب الاقلام النظيفة للمناقشة والحوار معهم،لعلنا نستطيع ان نحتل موضع قدم عند عامة الناس بعد ان سيطروا عليها بالمال الحرام وبسيوف المتخلفين.. لكن ثورة الشباب السلمية والفكرية التي أنبثقت في أكتوبر العظيم بدأت تهاجم البيت القديم وان لم تهدمه بعد.

ابتداءً نقول: اذا كان التاريخ ينتقل بالانسان من حالة الاهمال الى حالة التقدم والثبات ، فلمَ ِلم يشملنا التاريخ مثلما شمل امم اخرى كثيرة اقل منا حضارة وتاريخ؟ فأذا كان الجواب بنعم.يبدو اننا لم نفهمه، واذا كان الجواب بلا فعلينا فهمه . ان الاعتزاز بتراث القيم واجب وطني وانساني ،لكن لايجب ان يكون على حساب التقدم الفكري والعلمي والاقتصادي للامة؟ لابل يجب ان يخضع لصيرورة الزمن في التغيير.. ان كل مالدينا من تراث بحاجة الى مراجعة جدية لكتابته من جديد.. وان نلغي من قاموسنا ورؤوسنا ما قررته النظرية الدينية الجامدة، (ان كل ماجاء في صحيح البخاري ومسلم وبحار الانوار صحيح).

ان اول ماعلينا اليوم عمله هو ان نعترف بأن الفقه الموروث اصبح ميتأ فلا بد من دفنه والترحم عليه فلا عمامة تحكم ولا تستشار.. ولا قدس سره يقدس.. فلا مقدس غير الله والقرآن.. ،اما العصمة ، فهي محصورة بالرسالة وليس بشخص الأنبياء والأولين كما قال الحق :،"يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ،المائدة 67." فالعصمة في الرسالة وليس في شخصه العظيم.. .فالدراسة بلا منهج هي كمن ينفخ في قربة مقطوعة. أذن لا بد من اتباع المنهج التاريخي العلمي في الدراسات اللغوية والتاريخية ونستبعد قول عصر قبل الاسلام.. لنفكر دائماً بطريقة منطقية عقلية.. .و لنتخلص من نظرية الترادف في القرآن اولا، ونجتاز المرحلة الاولى لبناء الفقه الجديد ،القائم على التـأويل الجمعي للعلماء من اصحاب الاختصاصات المتنوعة لا الفقهاء من اصحاب التفاسير الاحادية التي جاؤا بها في القرنين الثالث والرابع الهجريين قبل ان تستكمل اللغة العربية تجريداتها اللغوية والمنطقية.. أنظر نظرية أبن جني في اللغة..

اما المرحلة الثانية التي نعتمدها هي النظرية العلمية .الصرفة التي يجب ان تقودها المؤسسات العلمية والجامعية لنتجاوز عصر النشاط والركود.. ليستطيع المجتمع ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها ان هي اصرت عليه.. وهكذا يكسب المجتمع احترام نفسه والأخر.. حين يترفع عن الكذب والتزوير لينتج لديه وعي خلقي وأنساني قائم على العمل والتجويد.

وهكذا يتحول الوطن والشعب الى قلعة علمية تخترع وتبتكر كل جديد في سبيل تطوير امكانيات الامة وتحولها الى تجديد.. حين نعمد الى تغيير المناهج الحالية البالية التي ورثناها من اعداء الامة والمصير . فالعلم غير الفقه،والعالم غير الفقيه والأية "7 من آل عمران"الكريمة جاءت بصفة الجمع للعلماء لا بصفة المفرد . وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم " (أنظركلمة عالم وفقيه في لسان العرب). من هنا فأن كل التفاسير الفقهية الاحادية يجب أعادة النظر فيها ولكل الفرق الدينية المبتكرة والباطلة دون أستثناء. .فلا سني ولا شيعي أوأيزيدي ومسيحي وصابئي.. ,بل كلهم مسلمون والقرآن يقول :" ان الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.،المائدة 69".فأين الفرق ايها الكافرون.. يا من فرقتم المجتمع لتسودوا.. غير آمنين ؟

من هنا علينا ان ننطلق نحو منطق فلسفي جديد ينتج عنه بالضرورة فقه جديد.. نعم هكذا تأتي الثورات العظيمة لتمحو التفرقة بين المواطنين.. ولنا في ثورة شباب اكتوبر عزا وفخراً.. ايها الظالمون.

اما المرحلة الثالثة :التي يجب ان ننتقل اليها هي الخلاص من عيوب النظام الذي فرض على العراقيين بتقسيم البلاد الى المذهبيات وقوميات وديانات وآقاليم.. حتى اصبحت خارطة العراق  وكأنها رقعة مزينة بقطع الفسيفساء الصغيرة الواهمة لأمال المواطنين.. وفي غياب سلطان مركزي قوي انعدم فيه الامان والأطمئنان في الطرق والحارات والاماكن العامة حين اصبح المواطن لا يأمن على نفسه وماله رغم المؤسسات الامنية المتعددة التي تمتص اموال الدولة والعامة على غير هدى حتى اصبح الوطن كما لو في دولة الصعاليك الذين استولى بعضهم على قطاعت الدولة دون خوف من سلطة او قانون.. مثمثلة بالاغتيالات الفردية والاختطاف القسري والاعتداء على الممتلكات واحتلال الشوارع والاستيلاء على موارد الدولة كما في المناقصات والمنافذ الحدودية ونشر المخدرات وامور اخرى كثيرة دون حسيب اورقيب.. ترافقها فوض اعلامية لكل من هب ودب حتى اصبحت الفضائيات والاعلام الوطن خطرا يهدد المواطنين.. .في هذا المجتمع المتفكك فحلت الكارثة بعد ان ضاق الشعب ذرعا بالحاكمين.. .فكانت ثورة الشعب لقلع اصحاب نظريات الخطأ في التطبيق.

ان هذا المجتمع المتهرىء المكون من مجتمع الدائرة المغلقة.. الذي اصبح  ولا مخرج منه لنظام سياسي فيها يتكرر عاما بعد عام.. حتى أتى عليه من ناحية لم يكن احدا منهم يتوقعها ابدا.. .وهاهم يقعون اليوم في حيرة التاريخ والزمن الذي لا ينفع فيه ندم النادمين.. لحكام قادوا نظاماًعقيم أجرد لا يمكن ان ينبت فيه شيىء يرتجى منه خيرا للوطن والمواطنين.. استلموه من محتل غاصب ركعوا على يديه من اجل التغيير فكانت الكارثة.. كارثة الاحتلال وسرقة اموال الدوولة وحل الجيش الوطني العظيم ونشر فلسفة الخيانة والتزوير.. ونحن هنا نثبت الحقيقة لا تبريرا للنظام السابق الدكتاتوري الكريه.

اننا نعيش اليوم آزمة فقهية سياسية قاتلة تدعونا ان نتحول الى استنباط فقه جديد معاصر بعيداً عن التفسير الفقهي الجامد للنص الديني التي اوهمونا به الفقهاء . لنتحول الى نظام سياسي منتخب من كفاءات المجتمع بعد ان شخصنا المشكلة ووجدنا ان كل من استلم مهمة في الدولة قد خان الامانة وأخل بالقسم والتشريع وتقف رجال القيادات الثلاث منذ التغيير في المقدمة.. فلا بد من الحل.فهل من فتح جديد يخرجنا من الظلمات الى النور، نعم ثورة الفاتح من اكتوبر وتأييد الشعب لها هي بداية الخروج من ازمة التخلف للأنتقال الى ساحة الحقوق وبناء الدولة والقضاء على المتخلفين كما عملت ثورات الفرنسيين لنأتي بالدساتير المكتوبة المؤيدة من قبل الجماهير لنبني نظام جديدا كما بنت دولة التقدم الاخرين.. . لنرمي كل المتخلفين..

سنبقى نطالب بالحق وان قل.. ؟ .

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

- أستكملت القوى المتحكمة بالوضع العراقي، وهي قوى الاسلام السياسي الشيعي، وبخنوع وتواطىء حلفاءها من التحالف الكردي والسني، في بناء نموذجها الايراني سواء في الدولة العميقة او يدها الضاربة المتمثلة  بالمليشيات.عمليا يعني ذلك شل الدولة العراقية وتغيبها والتي ستبقى أسيرة هذا النموذج الذي يماثل الى حد كبيرالنموذج الايراني واللبناني.  

- أثبتت قوى المحاصصة والتي تشكل البيوتات المالية قاعدتها الاساسية، افتقادها الى منهج وطني يخرج البلد من أزماته المستفحلة، واصبح  هذا النظام الذي فرضه الاحتلال الامريكي هو المصدر الاساسي لاعادة إنتاج هذه الازمات. مع الايام يتحول العنف ودعم الفساد والاستبداد والارتباط بالمشاريع الاقليمية وبالذات الايراني، هو النهج الثابت في مسيرة هذه القوى والتي تتعامل مع  الوطنية باعتبارها عملة فاسدة. ليس هناك من مؤشرات للتخلي عن هذا النهج، بل وعلى العكس من ذلك تجدها، تندفع بكل استهتار في مواصلة استخدام العنف والقمع وتسويات داخل حصونها المحاصصية والطائفية. حتى أكثر الاطراف التي تعتقد انها تمتلك شىء من العقلانية، فأن تفكيرها لا يتجاوز حدود وجود معارضة شكلية، متواطئة معها ومفصلة على مقاييسها. أن الطغمة المهيمنة والحاكمة بكل تلاوينها وبسبب عوامل عديدة طبقية وسياسية وايديولجية واخلاقية وسيكولوجية وغيرها مما هو معروف، عاجزة والى الابد عن أجراء انعطاف في وضع البلد حتى وأن ذهب الى الجحيم. هي كانت خير وريث في منظومة التفكير والممارسة لنظام البعث الساقط.

- تشكل الانتخابات القادمة والموقف منها، سواء المبكرة أو الطبيعية، مفصل هام واساسي في بناء جبهة المعارضة الشعبية لهذا النظام، والعمل على شل يداه واسقاطه لاحقاً. أن هذه الموضوعة التي تشغل أو من المفترض أن تشغل، حيزاً اساسياً وهاماً في موضوعات وحوارات القوى الخيرة المعارضة بصدق ووطنية لهذا الوحش الجاثم على أنفاس العراقيين مستثنيا بذلك درازين الاحزاب والتشكيلات الشكلية التي تقوم قوى المحاصصة بانتاجها، لاسباب عدة منها انتخابية أو تلك التي تسعى لتحسين مواقعها في نظام المحاصصة، ولاسباب عدة أو تلك التي لا تمتلك سوى الحقد على شعبنا العراقي. بقدر ما سيكون الموقف من الانتخابات سليماً وقريباً من وقع الشارع ومطاليب الناس والانتفاضة، بقدر ما سيكون رافعة هامة لتطوير قاعدة النضال اللاحق ضد هذا النظام وتوسيعها. في الوقت نفسه سيكون الامر معاكساً في حالة الافتقاد الى موقف وتصور مشترك، وربما من شأنه أن يكون عامل تفريق وتشتيت وتضييق أمكانيات تصعيد النضال اللاحق. أن المسؤولية العالية في التعامل مع هذا الامر وهذا الموقف، تكتسب اليوم أهمية فائقة  لما لها من أنعكاسات لاحقة على مجمل الوضع العراقي.

ترتسم الان بتقديري ثلاثة مواقف أو ملامح لهذه المواقف في تحديد الموقف من الانتخابات القادمة. هي ليست جديدة، أقلها خلال العشر السنوات الاخيرة، لكن تأرجحها بين الصعود والهبوط يرتبط بواقع الحال وتطور الاحداث في البلد.  

الاول: يتجسد بالمقاطعة العامة للانتخابات والعملية السياسية، باعتبارها نتاج الاحتلال الامريكي ويدين القوى التي ساهمت فيها. يعتقد هذا الرأي بعدم فاعلية الانتخابات والياتها وفسادها، لاجراء انعطاف في الوضع القائم وخاصة بعد خيبة العراقيين من هذا الطريق، واتساع مقاطعتهم لها كما في الانتخابات الاخيرة. بقى هذا الموقف ثابت الى حد ما خلال الفترات المنصرمة.

الثاني: يعتقد بامكانية أجراء تغييرات في واقع الحال وفي مجمل العملية السياسية من خلال اليات العملية السياسية والتي ابرزها هي الانتخابات. يواجه هذا الموقف والذي تتبناه طائفة واسعة من قوى اليسار والمدنية والديمقراطية، ازمة حادة بسبب يمكن اختصاره ب (أن حسابات الحقل لا ولن يتطابق مع حساب البيدر). زاد في تشظي هذا الرأي وخلخلته هو أنفجار الانتفاضة التشرينية والتي لم تكن متوقعة وصمودهها وقدرتها الكفاحية العالية وغير المسبوقة، بما فيها أقتحام الموت وأمكانيتها على التواصل رغم التراجعات الاخيرة فيها. مقابل ذلك عنف واستهتار القوى المتحكمة ومليشياتها ولا وطنيتها وتحالف وتواطىء أوساط السلطات الثلاثة معها ودفع البلد الى هاوية الجحيم.

 يبدو هذا الموقف من الانتخابات، يشهد صراعاً صداه يتصاعد، وخاصة في ظل عقم هذا النهج أو محدودية نتائجه في أفضل الاحوال  منذ 2003 ولحد الان. يبدو أن الرؤوس أو الاطراف المتحكمة في هذا النهج بدلاً من أن تتجه أو تندفع في حوار مسؤول في جدوى أستمرار التبني لهذه الوجهة، فانها تسعى لاحقا لفرضه كأمر واقع. هذا ما يبدو من طبيعة حركتها وتصريحاتها ووجهتها في البحث عن  تحالفاتها القادمة والبحث عن غطاء مسبق لفشلها اللاحق. تطرح معظم هذه القوى شروط سليمة وصحيحة من أجل تأمين انتخابات نزيهة ومعقولة، تقود الى أن تكون الانتخابات ونتائجها،  اداة للتغيير الفعلي وسبق أن طرحت في السنوات السابقة جزء من هذه المستلزمات والشروط، ولكن واقع الحال لم تلتزم بها واندفعت باتجاه أخر مغاير وهو المشاركة اللامشرطة في الانتخابات السابقة ولم تحصد ما تحسد عليه.

الى اي حد سيربط هذا الرأي مشاركته في الانتخابات بالالتزام بشروطه السليمة أو بقدر منها لانتخابات نزيهة ؟ الى اى مقدار سيصمد أو يواجه قوى الميليشيات والقوى المتحكمة في بلورة قراره المستقل والذي يتعارض مع تصوراتها بمعارضة معلبة؟.

الى اي حد سيسهم هذا الموقف في تعزيز الثقة به جماهيريا ويكسبه مكانة أكبر ويعزز من وحدته، أم سيتحول الى معول أخر لهدم الكثير من اساساته وعامل أختناق وعزلة، وبما يشدد من ازمته الداخلية التي تستفحل يوماً بعد أخر. العديد من الاسئلة المفتوحة التي تتنظر إجابات، سيكون المستقبل كفيل بتصويبها وبتصويب تنظيراتها.

قد تتراجع بعض أطراف هذه الجبهة عن موقفها في المشاركة في الانتخابات تحت ضغوط قواعدها والشارع، لكنه سيكون تراجعاً في الوقت الضائع والاخير وعند اقتراب موعد الانتخابات، بحيث لن يكون له معناً مؤثراً، أو فعلاً نضالياً في الشارع بما يزعج القوى المتحكمة ولن يكون ذلك سوى العمل تحت شعار كفى الله المؤمنين شر القتال.  

الثالث: يمكن صياغته تحت شعار ( لا مشاركة في أنتخابات لا تقود الى التغيير). هذا الرأى له صدى واسع وخاصة بين العراقيين الذين تترسخ خيبتهم في النظام القائم منذ 2003. أولئك الذين جربوا فساد الانتخابات وعدوانية الميليشيات والدولة العميقة والاجراءات المتخذة ضدهم. هذا الصوت ارتفع بعد أن عززت الانتفاضة وتحدياتها البطولية، الثقة بالقدرات الحية لاوساط واسعة من العراقيين. وهو يمثل قوى واسعة وعريضة يجمعها هاجس التغيير وهو بحاجة الى حوارات مثمرة وإجراءات عملية  من أجل تطوير موقفه، والتصدي لقوى التخريب والتهديد وهمجية المتصدين له. أنها المطالبة بشروط إجراء أنتخابات نزيهة بالشروط المعلنة والمعروفة وضمان سلامة المرشحين والمُنتخَبين من بطش وعدوانية وأغراءات قوى الفساد والمحاصصة قبل وبعد الانتخابات. لاتبدو لحد الان اية مؤشرات او خطوات جادة من قبل السلطات الثلاثة وبالذات البرلمان لدفع الامور بالاتجاه السليم ونحو انتخابات نزيهة وعادلة، بل على العكس من ذلك، تتوارد الاخبار عن التهديدات والانسحابات للذين يتوجهون للترشيح، بعيدا عن القوى المهيمنة.

أن هذا الرأي، لا يرتبط بالدعوة السلبية لمقاطعة الانتخابات والتزام الصمت، بل على العكس من ذلك، هي دعوة لتصعيد الكفاح اليومي وتفعيل وتطوير الاحتجاجات ومواصلتها وفضح نهج وعدوانية القوى المهيمنة. هي نضال يومي من أجل أن تكون الانتخابات أحد الوسائل الفعالة والمقنعة للتغيير وفي انتاج نظام وطني يضع مصالح الشعب في مقدمة أولياته. 

أن هذا الراي أو هذه الجبهة بتقديري من الممكن أن تكون اساس لمعارضة وطنية واسعة، فيما لوتم التعامل معها أو تعامل أطرافها فيما بينها بحيوية ومسوؤلية، والسعي لتطويرها وتطوير أساليب عملها. أن اشد ما يقلق قوى المحاصصة والفساد هو تجمع قوى العراقيين على اساس سليم جوهرها النضال الفعال وغير المٍتواني ضدها. أن هذا النضال لن يكون في جوهره بتقديري، سوى نضال وطني وديمقراطي على المدى القريب. لقد خَبر العراقيون نظم التمييزوالتفريق والاستبداد بكل اشكالها، ولم يجنوا سوى الخراب، ويخطىء كما أعتقد من يتصور ان القوى المهيمنة ستكون سعيدة بمقاطعة الانتخابات، وتعتبر نفسها منتصرة كما يبدو في ظاهر الامر. أن الامرعلى العكس من ذلك تماماً، فهي تدرك أن هذا الامر سيشدد من عزلتها وغرقها في مستنقع فسادها ودمويتها، وافتقادها لمشروع واقعي ينقذ البلد، ويفتح افاق لتفجير ازمتها المستفحلة ويضعها يوم بعد آخر في مواجهة شعب لن يمل أو يكل الى أن يغرقها في مستنقع فسادها واجرامها. مهما كانوا متجبرين فان مصير النظام الساقط في 2003 بكل عدوانيته وجبروته وأكاذيبه وتحايله وغيرها، من مما هو معروف من وجوهه البشعة، يبقى ماثل أمامهم.

 

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

 

حسن الياسريلا ريب في أنَّ للسياسة وأربابها الدور الأبرز في ترسيخ دعائم الحكم الرشيد أو تأسيس الفساد العتيد. من هنا كان النظام السياسي وطبيعته ومنهجه يمثِّل سبباً رئيساً في استشراء الفساد أو الحدِّ منه. فالسياسة تعدُّ مجالاً واسعاً لتفشي الفساد ونشوء ما يمكن أنْ نطلق عليه (الفساد السياسي)، وهو الفساد الناجم من الممارسة السياسية، ويتحقق حينما يحصل سوء استعمال السلطة لتحقيق مكاسب خاصةٍ من قبل النخب الحاكمة ؛ فهو فساد السلطة الحاكمة. إنَّ هذا النوع من الفساد يعدُّ الأساس والنواة لبقية أنواع الفساد. وفي الحقيقة ثمة أسبابٌ كثيرةٌ ومتعددةٌ تتعلق بالنظام السياسي والممارسة السياسية يمكن أنْ تسهم في تفشي الفساد السياسي في دول العالم المختلفة ؛ وتوخياً للإيجاز سأذكر أهمها وأخطرها، مستوحياً جُلَّها من التجربة الميدانية.

1- طبيعة النظام السياسي:

ينتشر الفساد في النظم السياسية جميعها، سواءٌ أكانت ديمقراطيةً أم غير ديمقراطيةٍ، وسواءٌ أكانت الدولة متقدمةً أم ناميةً، ولكن بتفاوتٍ، إذ تكون العلاقة في العادة عكسيةً بين الديمقراطية والفساد، فكلما كانت الدولة أكثر ديمقراطيةً كلما قلَّ الفساد، وبالعكس يزداد الفساد مع شيوع الاستبداد والدكتاتورية، كما كان في العراق في ظل النظام الدكتاتوري البائد. إذْ كانت مُقدَّرات البلد كلها منوطةً برغبات ونزوات شخصٍ واحدٍ وحزبٍ واحدٍ، يفعلون ما يشاؤون، دون حسيبٍ أو رقيب. وبالعكس يضعف الفساد -ولا يختفي- في الدول الديمقراطية، ويزداد ضعفاً كلما رسخت الديمقراطية وآلياتها أكثر.

2- الاستقرار السياسي:

يتفشى الفساد مع جوِّ عدم الاستقرار السياسي، فكلَّما كان النظام السياسي غير مستقرٍ وغير فعَّالٍ كلَّما تنامى الفساد، الأمر الذي يفضي إلى غياب دولة المؤسسات، وضعف الحافز الذاتي لمناهضة الفساد. ولهذا ترون أنَّ منظمة الشفافية الدولية تعتمد في أحد معاييرها المهمة في تصنيف العراق بمراتب متأخرةٍ في الفساد على معيار الاستقرار السياسي. ومن المعلوم أنَّ العراق كان يعاني منذ حرب عام 2003 من أجواء عدم الاستقرار السياسي، الناجمة من الاحتلال الأميركي والدمار الذي أحدثه للبنية التحتية، وما رافق ذلك من تنامي إرهاب القاعدة وغياب الأمن، ثم احتلال داعش الإرهابي لأجزاء من أراضي العراق. فكل ذلك ولَّد أجواءً من عدم الاستقرار السياسي، التي انعكست على تنامي الفساد من جهةٍ، والتصنيف المتأخر للبلد في معايير مكافحة الفساد من جهةٍ أخرى.

3- التغيير المستمر في الحكومات:

إنَّ مما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي ما تواجههُ بعض الدول، وبخاصةٍ النامية، من كثرة التغييرات في الحكومة، سواءٌ أكان التغيير ديمقراطياً عبر الانتخابات أم غير ديمقراطيٍ عبر الانقلابات، ونحو ذلك. إذ عادةً ما يؤدي هذا -كما في العراق مثلاً- إلى تغيير القيادات الإدارية وإبدالها بقياداتٍ أخرى تعتمد على الولاءات السياسية أساساً، وليس الكفايات الإدارية، الأمر الذي يزعزعُ الاستقرار السياسي ويهيئ الأجواء لنمو الفساد ؛ وذلك لسببين:

الأول: شعور الموظف عموماً والقيادات الإدارية على وجه الخصوص بعدم الاستقرار، وأنَّ مسيرتهم الوظيفية ليست مرتبطةً بمدى خدماتهم في الوظيفة العامة، ولا بكفايتهم ونزاهتهم في أداء العمل، بل ترتبط بالولاء لجهاتٍ معينةٍ ؛ وكل ذلك سيفضي إلى إصابتهم بحالةٍ من الانفلات الإداري -إنْ صحَّ التعبير- واللامبالاة والتسيُّب.

الثاني: عدم خبرة القيادات الإدارية الموالية في الغالب، ولكونهم قليلي الخبرة، ولكونهم يعلمون أنهم ما حازوا الموقع بجدارتهم وخبرتهم وكفايتهم، بل بولائهم لهذه الجهة أو تلك، فإنَّ ذلك كله سيخلق فكرةً في أذهانهم مفادها أنَّ الموقع الإداري والوظيفة ما هما إلا فرصةٌ للتربُّح والكسب السريع وتكوين النفس -كما يُعبِّرون-، وليس للخدمة العامة، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى سيغرسُ ذلك في أذهان غيرهم من الموظفين أنَّ الخبرة والكفاية والنزاهة لا اعتبار لها، ما يُصيبهم بالإحباط بالمحصلة؛ فيتفشَّى الفساد ويتأصل من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

4- التزاوج بين السلطة والثروة:

إنَّ استغلال السلطة لتحقيق مآرب خاصةٍ يتسبَّب في نشوء الفساد، فإذا تمَّ التزاوج -إنْ صحَّ التعبير- بين السلطة والثروة اتَّسع الفساد أكثر. وبيان ذلك أنَّ الفساد السياسي يخلق نوعاً من التزاوج بين أرباب السلطة من جهةٍ ورجال الأعمال وثرواتهم من جهةٍ أخرى، حيث تكون المنافع متبادلةً بين الاثنين، إذْ يبسط رجال السلطة حمايتهم على رجال الأعمال ويمكنونهم من الحصول على مقاولاتٍ بطرقٍ غير مشروعةٍ، في مقابل قيام رجال الأعمال ببسط جيوبهم وتقديم الدعم المالي لرجال السلطة، سواءٌ في الانتخابات أو غيرها .

وكل ذلك سيوقعهم في شراك الفساد المستحكم أو المستتب، إذْ يكون الفساد منتظماً ومستحوذاً عليه من قبل فئةٍ مؤثرةٍ في المجتمع. إنَّ استغلال السلطة والنفوذ من أهم الأسباب السياسية للفساد، وإنَّ هذا الاستغلال لا يقتصر على المراتب العليا، بل يشمل المستويات الإدارية جميعها، العليا والوسطى والدنيا.

5- الضغوط السياسية والاجتماعية:

إنَّ كثرة الضغوط التي يتعرَّض لها التنفيذيون والإداريون تأخذ مناحيَ عدةً، أبرزها المنحى البرلماني والاجتماعي. فلقد أثبتت التجربة البرلمانية في العراق -كما هي واضحةٌ للجميع- كثرة الضغوط التي يمارسها -بعض- أعضاء البرلمان؛ ما يضطر القيادات الإدارية التنفيذية لتلبية طلباتهم ورغباتهم المخالفة للقانون ؛ للتخلص من هذا الضغط، ولا سيما حينما يُشفع -الضغط- بالتصريحات الإعلامية النارية -المخالفة للواقع- والتهديد بالاستجواب ونحوه، فتتحول الوسائل الدستورية التي وجدت لتقويم الأداء إلى وسائل ضغطٍ وابتزازٍ رخيص. وهكذا الضغط الاجتماعي المتمثل بالعشيرة والقرابة والعائلة والأصدقاء ..الخ. إذْ تؤدي كل هذه الضغوط إلى خضوع واستجابة المسؤول التنفيذي لها، وإنْ كانت مخالفةً للقانون؛ الأمر الذي يوقعه في شراك الفساد. ولا إخالُ أحداً من المسؤولين التنفيذيين والإداريين لم يتعرَّض لهذين النوعين من الضغوط. والسؤال المنطقي الذي يُطرح هنا لا يتعلق بمعرفة كم من هؤلاء تعرض لهذه الضغوط، بل بمعرفة كم واحداً منهم خرج منها منتصراً شامخاً بأنفهِ، ليس بخاضعٍ للفساد ولا بمطيعٍ له !!

6- توزيع المناصب دون مراعاة الخبرة والكفاية والنزاهة:

ليس غريباً في النظام الديمقراطي أنْ تحصل الأحزاب السياسية المؤتلفة في الحكومة على بعض المناصب التنفيذية. بيد أنَّ الغريب أنهم قد يحصلون عليها دون مراعاة المبادئ الرئيسة في تسنُّمها، والمتمثلة بالخبرة والكفاية والنزاهة؛ فإنْ عُدمت هذه المبادئ تفشَّى الفساد، وغدا أمراً متسالماً عليه ؛ الأمر الذي يُصيب العملية السياسية بمقتلٍ.

إنَّ الفساد -السياسي- الناجم من الممارسة السياسية هو الأبرز، بل البعض يعده الأخطر ؛لأنه يؤدي إلى فساد القمة التي ينبغي أن تحارب الفساد، لا أنْ توجده؛ ما يفضي بالمحصلة إلى تقليل فرص محاربة الفساد من قبل غيرهم بفاعليةٍ. مع أني أميلُ إلى أنَّ الفساد الأخطر هو الناجم من فساد المجتمع -كما سيتضح لاحقاً إنْ شاء الله.

وللحديث تتمة

 

د. حسن الياسري

رئيس هيئة النزاهة الأسبق - بغداد

 

احمد عزت سليم1 ــ سفك الدماء خصيصة الشعب الصهيونى

استمرار الوجود الإنسانى منذ أن قرره الإله مرتبط باستمرار العهد الإلهى لبنى إسرائيل فى مستقبل محكوم بملك يهودى مقدس لا يحق مناقشته ولا ريب فيه، لامتناهى ولا نهاية له  ولا آخر فى حكمه الإزلى غير القابل للفناء  بالنسبة لجميع الموجودات بعد التمكن فهو مطلق غير مشروط  إلا بعودته وإقامته للمملكة العبرية التى تحدد وجوده الثابت المستقل والجازم القاطع القائم بذاته المطلقة، والذى لا يرتهن بأى آخر فتتمثل حقيقته الأبدية فى تسلط مملكته بيهوديتها على المصير الإلهى والكونى والبشرى والذى لا وجود لهم إلا بهذا الملك اليهودى بهويته الخالصة الموسومة بالنقاء المزعوم  تحقيقا لهذا العهد الإلهى الأبدى .

" يدور الفكر الصهيونى حول فكرة العهد هذه،  فأحقية اليهود فى أرض فلسطين حسب تصورهم مسألة لا تقبل النقاش بسبب هذا العهد الأبدى،  ويرى الصهاينة الدينيون أن العهد حقيقة تاريخية،  ومن ثم فإنهم يرون أن مصدر المطلقية هو الإله،  أما بن جوريون فكان يرى " أن أعضاء جماعة يسرائيل هم الذين اختاروا الرب إلهاً لأنفسهم وبدونهم فلن يكون إلهاً  " (1)  وفكرة الاختيار هذه التى يشير بن جوريون إليها هى التى يدور عليها الفكر العنصرى الإسرائيلى منذ بدايته الأولية،  عندما أعلن الإله عهده لإبرام " فإذا تنور دخان ومصباح يجوز بين تلك القطع،  فى ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً : لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات (تكوين15 :7-18 )،  فأمام إبرام أدى الإله الطقوس بكل دقة والتزام،  " واستجاب للتقاليد الشرعية التى كان يتقبلها قانون العبرانيين  القدماء للتصديق على العهد (2  ) وبين طرفين لا يبدوان متساويين فإبرام لم يؤدى هذه الطقوس أمام الرب وإنما أدها الإله أمامه،  وذبح الضحية ثم أن تقطيعها إلى أجزاء ترمز إلى الجزاء الذى سيحل بالشخص الذى يخون العهد أو يحنث باليمين ويصير مصير هذا الشخص كمصير الحيوان هو القتل (3 ) وليس القتل فحسب ولكن تمثيلا بالتقطيع،  هكذا أعطى الإله العهد على نفسه وألزم نفسه وحده بالمرور بين الذبيحة وبالتالى أوقع على نفسه العقاب إذا حنث هو بالعهد،  وأصبح هو الطرف غير الموثوق فيه،  وأصبح إبرام فى موقع يفوق موقع الرب،  ودون أدنى إلتزام عليه أو بمعنى آخر كما يقول بن جوريون " بدونهم فلن يكون هناك إلهاً "،  ولن يكون هناك عهد أو ميثاق،  وبالتالى فإن حتمية وجودهم هى  الضرورة الوجودية للعهد وللإله والأرض .

هكذا تصير العناصر الثلاثة الإله/ الشعب/ الأرض ميثاقاً أبدياً قطعياً ذات طبيعة لاهوتية،  تُدرك من خلاله الدعاوى العنصرية الإسرائيلية التى يرتفع فيها قدر الشعب فوق قدر الإله،  وعليه فمن يقدر على حساب شعب تفوق على الإله وحل بدلاً منه فى العالم وأصبح يحدد مصير البشرية !!  ولا عجب من ذلك فقد صورت التوراة الرب على هيئة إنسان وجعلت الإنسان على هيئته،  وخلعت على الرب صفات إنسانية محببة إلى النفس البشرية،  فقد طرد الرب آدم وحواء وفقاً لقصة التوراة لا لمجرد مخالفتهما للمحظور الذى حذرهما منه الرب،  ولكن لأنهما سلباه صفة كان يود أن يستبقيها لنفسه دون البشر وهى معرفة الخير والشر،  ومن ثم فقد أسرع الرب وطردهما من الجنة قبل أن يتمكنا من أن يسلباه صفات إلهية أخرى وبصفة خاصة صفة الخلود،  وذلك إذا ما تهورا وأكلا من الشجرة الثانية المحرمة وهى شجرة الحياة،  ولكن الذى يفصح عنه النص أن هذه الصفة قد اكتسبوها رغماً عن أنف الإله فقد رأوا وجهه ولم يموتوا، وأكلا من الشجرة ولم يموتا ثم يعطيهم الرب عهداً أبدياً بعد أن صار الأجداد من الآلهة " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا "  بل وقد عمل الإنسان على صورته،  "سأسفك دم الإنسان،  بالإنسان يسفك دمه لأن الرب الإله على صورته عمل الإنسان (تكوين 9 : 5/6) هكذا انحدر الشعب المختار من الإله وحلت فيه الإلوهية التى ورثها هو،  ليخلص الميثاق الأبدى، بين الإله وبين كل نفس حية فى كل جسد على الأرض (تكوين 9 : 16)، إلى الحفاظ على شعبه المختار وحده بعد أن لعن كنعان وجعله عبد العبيد لإخوته، فقال : مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم (تكوين 9 :20- 27) .

وهكذا أصبح سفك الدماء طبقاً للشريعة خصيصة ورثها الشعب المختار من أجداده ولازمة وجودية لبقائة وتكتسب منها العقيدة العنصرية الإسرائيلية شرعيتها الدموية وتتشكل منها الخلفية الدافعية التى تقف خلف هذه العقيدة وسلطتها وشعائرها،  وهى تصبح بذلك أحد العناصر الأولية المشكلة لبنى الميثاق الأبدى الذى اكتسب سلطة الإله وتفوق عليه وأدى الرب طقوس العهد أمامه وحده،  وأصبح بذلك السلطة الدينية التى تتحقق فيها صفات الوجود (من وجهة النظر اليهودية) والتى بنيت على الانتقاء والاختيار بين المخلوقات والشعائر والتصرفات والتزم الإله أن يعتنى بهذه الأرض التى وعد بها إبراهيم " الأرض التى أنتم عابرون إليها لكى تمتلكوها أرض جبال وبقاع من مطر السماء تشرب ماء،  أرض يعتنى بها الرب  إلهك،  عينا الرب إلهك عليها دائماً من أول السنة إلى آخرها "  ( تثنية 11 : 12) "،  أحفظوا كل الوصايا التى أنا أوصيتكم بها اليوم كى تنشدوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التى أنتم عابرون إليها لتمتلكوها ولكى تطيلوا الأيام على الأرض التى أقسم الرب لآبائك أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبناً وعسلاً " ( تثنية 11 : 8- 9) ويكون الرب لها سور نار من حولها ومجداً فى وسطها  " والرب يرث يهوذا نصيبه فى الأرض المقدسة ويختار أورشاليم بعد " (زكريا 2 : 5-12) " ويقوم فى الأرض البهية وهى بالتمام بيده " ( دانيال 11 : 16) .

 

بقلم :ـــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

....................

المراجع:

1)  د عبد الوهاب المسيرى، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1999، ج  5،  ص   77

2) نفسه جـ  8، ص   342

3) نفسه جـ  8، ص   349

 

 

ناجي احمد الصديقلم يشأ الرئيس الامريكى دونالد ترامب وهم على عتبات الخروج من الأبيض الا ان تزل قدماه   وينزلق قلمه ويخط بتوقيعه الغريب اخر فصول حكمه السيئ ويعفو فاصدا عن اربعة جزارين قتلوا فى لحظة واحدة وبدم بارد اربعة عشرا أنسانا لمجرد ان خيالهم المريض قد صور لهم ان اولئك الابرياء العزل قد هموا بقتلهم  ، لم يشأ الرئيس الا ان يوصم نفسه بعدو حقوق الإنسان الغير امريكى فحق الإنسانية فى تصوره قد مقصور على الامريكين و ليس على بقية العالمين الا الانحناء فى خشوع لهولاء السادة وليس لهم الا الموت الزؤام .

فى يوم مشئوم أطلق اربعة حراس من شركة بلاك ووتر الامريكية سيئة الصيت النار دون رأفة على حشد من العراقيين فى قلب عاصمتهم وقتلوا منهم أربعة عشر شخصا  وتجرع اهلهيم وابناءهم وزوجاتهم وذويهم فجيعة الفقد ومرارة الحرمان وقسوة الحياة وفقدان السند وذهبوا الى رحاب ربهم مع كل الذين قتلوا ثمنا رخيصا لجريمة احتلال العراق ارضا وشعبا وكرامة .

لم يكن غريبا على الرئيس المغادر ان يقوم بالعفو عن القتلة والسفاحين فهو رجل قد امتد اذاه من اقصى العالم الى ادناه ، ولم يكن بعيدا علينا ان نرى قتلة بلاك ووتر يخرجون من بين القضبان وما تزال بايديهم دماء رجال ونساء لم تكن تجمعهم به غير مواضعات السياسة مماحكات السياسيين  ولم تكن الا حظوظهم العاثرة سببا فى ان تأتى بلاك ووتر من وراء البحار لقتلهم فى بلدهم دون جريرة . وهاهو دونالد ترامب يعمق الجراح ويأبى وهو يهم بالخروج الا ان يضع ميسمه على جسد العراق المنهك وهذا هو الصلف الامريكى يأبى الا ان يكون حاضرا فى المشهد العربى  على الدوام حتى وان كان بالعفو عن القتلة. والاستهتار بدماء العرب

لم يكن الرئيس ترامب من الذين يدور بخلدهم القانون ولا من اللذين تعنيهم الحقوق ولا من الذين يقيمون وزنا للمشاعر ولم تكن سياساته كلها الا خرقا للقانون وطمسا للحقوق وايذاءا للمشاعر فهو وحده الذى تحرأ على اخراج بلاده من اتفاقية المناخ وهو وحده الذى منح دون مقابل الاراضى العربية فى القدس والجولان لاسرائيل وهو وحده الذى قتل قاسم سليمانى حارج القانون وهو الذى سام العرب أجمعين ذل المسألة وذل العطاء وذل المنع وهو الذى طمس الحق الفلسطينى الاصيل بعودة اللاجئين فلم غريبا عليه إيذاء مشاعر الأرامل واليتامى من النساء والولدان الذين فقدوا زواجهم وابائهم وامهاتهم بفعل اخرق من جنود مرضى ظنوا – وقد صدق ظنهم – ان دماء العراقيين وارض العراق متاعا لهم يفعلون فيها ما يشاءون 

لم يكن الرئيس ترامب من الذين يحفلون بحقوق الإنسان ولا بمبدأ الإفلات من العقاب الا ان يكون هذا الانسان أمريكيا ويكون ذلك الأفلات عربيا فرأيناه يتوعد ايران ا ن هى مست بجندي امريكى وهو الذى قتل العشرات فى العراق بالسلاح وقتل المئات فى ايران بالعقوبات وهو الذى وقف مع بنى لونه حينما أزهق روح جون فلويد الامريكى الأسود وهو الذى ضرب بعرض الحائط أنات الفلسطينيين الذين يعتاشون من منظمة الانوروا اكلا وشربا وتعليما وعلاج

على عتبة الخروج اكد ترامب انه نصير الظالمين من أمثال ناتنياهو وعدو المظلومين الذين قتلوا فى العراق وفى ايران وحتى داخل الولايات المتحدة الامريكية ممن لا بواكى لهم ولا نعلم ان كان من الذين يخلدهم التاريخ بسوء السمعة ام من الذين يرميهم وراء ظهره فكم من الطغاة خلدهم التاريخ بسوء السمعة وكم منهم رماهم وراء ظهره.

 

ناجى احمد الصديق الهادى  - المحامى - السودان

 

 

مصطفى محمد غريبيكاد ان يكون الوضع العام والخاص في العراق مأساويا عبارة عن مسلسل من الكوارث المتلاحقة التي ساهمت في التدهور الذي نشهده ونلمسه في المجلات السياسية والاقتصادية والمعيشية والأمنية ...الخ، ففي السياسية نجد إن ما وصل اليه الحال من تفكك وتطاحن نتيجة نهج المحاصصة والقوى المتنفذة الطائفية التي قبضت على مقاليد السلطة وسمحت لنفسها أن تساهم في خلق بؤر من التكتلات المتطاحنة غير المتفقة  إلا على طريق وحيد وهو الفساد المالي والإداري، اما كوارث الاقتصاد والحياة المعيشية، لن نعددها فهي كثيرة ونكتفي في ما جاء في افتتاحية جريدة طريق الشعب حول الإجراءات الأخيرة  التي اتخذت والاثار السلبية التي نتجت عنها من ارتفاع الأسعار وتخفيض سعر الدينار العراقي والاستقطاعات في الرواتب وزيادة الضرائب والمتقاعدين وغيرها من القضايا التي مست حياة المواطنين وقد اكدت الافتتاحية في  "المحصلة إن هذه الاجراءات التي اتخذت، أو في طريقها عند إقرار الموازنة العامة لسنة 2021 لن تزيد الأمور إلا سوءاً وتعقيداً، وهي ليست ما يتوقعه المواطن وينتظره، الأمر الذي يوجب مواصلة الضغط، كي لا تمر مثل هذه الخطوات المتعجلة وذات التداعيات غير المدروسة على مختلف الصعد، خاصة منها ما يمس المواطن ومعيشته، واقتصاد البلد وتطوره" وتناولت الافتتاحية بحق ما جرى ويجرى في الوضع العراقي الخاص والعام،  وأمام هذه الظروف فأن الوضع الأمني اصبح في كف عفريت ونحن نعيش التدخلات الخارجية الملموسة التي تدفع الأوضاع لجعل العراق ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الإيرانية ويساهم استهتار الميليشيات المسلحة التابعة في التعقيد حيث تتحرك وكأنها السلطة الحقيقية، تعتقل وتخطف وتغتال وتطلق الصواريخ على الهيئات الدبلوماسية وبخاصة السفارة الامريكية والمناطق السكنية بدون أي رادع او موقف مضاد يطبق بحقها القانون ويمنعها من تجاوزاتها ويلزمها احترام وعدم خرق القوانين المحلية والقوانين الدولية، ولم يسلم الوضع الداخلي من التدخلات الخارجية والعبث بمقدرات الدولة وخير مثال تفاجأ الكثير من العراقيين على زيارة الأخ الكبير!! قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني العميد إسماعيل قاآني للعاصمة بغداد في 24 / كانون الأول / 2020 واثناء الزيارة التقى العميد بكبار المسؤولين العراقيين بالتبعية، الخبر لم تذكره وسائل الاعلام العراقية بشكل مفصل بل  جاء  عن وكالة أنباء فارس الإيرانية وهدف الزيارة حسبما ذكرته قناة العالم الإيرانية (كلها إيرانية) أن "قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني  بحث خلال لقاءاته سبل تطوير التعاون الثنائي بين ايران والعراق (".على أساس لا يوجد تعاون ثنائي ولا تنسيقي ولا يومياً تدخل اكثر من 1000 شاحنة بضائع إيرانية ولن نتحدث عن الجودة والتالف منها!!)، ويبدو أن هناك جدولة حسب تصريحات إيرانية، اما العراقية فساكتة، والتصريحات الإيرانية تهدف من هذا التأكيد " الجدولة" ابعاد التهمة التي وجهت اليها من قبل الإدارة الأمريكية وعلى راسها رئيس الولايات المتحدة الامريكية وهذا ما ظهر من تصريحات ايرج مسجدي السفير الإيراني في العراق  الذي برر من خلالها زيارة قائد فيلق القدس فقال " "العميد إسماعيل قاآني "باعتباره رئيساً او قائداً سياسياً رفيعاً" التقى خلال زيارته برئيس الوزراء ورئيس الجمهورية وباقي المسؤولين العراقيين"ولم يكتف مسجدي بهذا فقد حاول تبرئة ايران من حادثة الصواريخ التي اطلقت على السفارة الامريكية مؤخراً مع العلم ان الفصائل المسلحة العراقية التابعة لإيران الظاهرة غير المستترة وقدرها (8) ميليشيات في العراق هي المتهمة في هذه الحادثة وصواريخ أخرى وحتى الاغتيالات، كما كانت التصريحات تحمل البعض من ملامح التدخل الإيراني في الشأن الداخلي وحسب تصريح مسجدي إن  "التحركات الإيرانية في العراق تأتي في إطار تقوية الحكومة وتشجيع الكتل والتيارات السياسية على التوحد". لا نفهم ماذا يعني " تقوية الدولة!!" وما شأنهم بالدولة العراقية وهم لديهم دولتهم الإيرانية، أو ان يقوم قائد عسكري بمهمات سياسية ولقاءات بأعلى المستويات العراقية رئيس الجمهوري ورئيس الوزراء ومسؤولين كبار لكي يساهم "في إطار تقوية الحكومة وتشجيع الكتل السياسية على التوحيد" هل هذه مهمة من مهمات القائد العسكري؟ وهل يقبل النظام الإيراني أو يسمح للمجاملة فحسب أن يقوم قائد عسكري عراقي بزيارة إيران ويلتقي بخامنئي والرئيس روحاني وبغيرهم ويتكفل بمثل مهمة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني، كيف تسمح الحكومة والدولة العراقية وعلى رأسها رئيس الجمهورية والسيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي؟ على كرامتها واستقلالها ان يقوم قائد عسكري إيراني ومتى يرغب الدخول الى البلاد ويناقش الكتل السياسية حول الشؤون الداخلية العراقية، وتكون زيارة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني حسبما يشاء ويرغب كما كان سلفه سليماني أيضاً (قبل أن يقتل) متى يشاء ويرغب! أن يزور قادماً بسيارة او طائرة أو أي شيء،  فقد زار إسماعيل قاآني العراق بشكل سري وهي الزيارة الثانية يوم الخميس 24 / 12 / 2020 وقيل عن الزيارة الثانية انه يحاول تهدئة الأوضاع وإبعاد إيران عن حوادث الصواريخ التي تطلق من قبل ميليشيات متهمة بتبعيتها، واعتبرت العديد من الأوساط السياسية الداخلية والعربية والدولية إن اطلاق الصواريخ " الفاشوشية " التي تُسَقَطْها السفارة  والقسم منها على رؤوس المواطنين والمجمعات السكنية والاقل الأقل منها على البعض  من المباني السفارة الامريكية عبارة على زيادة الاحتقان لتصفية الحسابات بين أمريكا وايران على الساحة العراقية، التهديدات الامريكية تختلف عن تهديدات "من حقنا الرد في الزمان والمكان" ، لقد خبرنا التهديدات الامريكية الغاشمة والتي من نتائجها احتلال العراق وما حدث في أفغانستان ضد الحكومة الشرعية لنجيب وما يحدث لسوريا ونستطيع أن نعدد التهديدات الامريكية التي نفذت بدون الزمان والمكان، والآن هذا هو واقع الحال وحذرنا الحكام الإيرانيين الف الف مرة ان يكفوا عن التدخل في شؤون الدول الأخرى وعدم تصدير السلاح والثورة بالمفهوم الإيراني والسعي للحصول على السلاح النووي وان يفكروا بمصالح الشعب الإيراني المغلوب على أمره الذي يعيش الأمرين من القهر والبطش وتغييب الحقوق ،الجوع والبطالة والفقر بشكل واسع  لكن ذلك كان في وادي وما تقوم به الحكومة الإيرانية  في وادي آخر ولا يقل غباء وعنجهية عن أردوغان والحكومة التركية التي تتدخل ايضاً في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى. التهديدات الإيرانية وتصدير السلاح بما فيها البرنامج النووي هما السبب الرئيسي في عدم استقرار الأوضاع في المنطقة وهي حجة  تتركز عليها الولايات المتحدة الامريكية وغيرها في التدخل العسكري في الدول المحيطة وتحشيد الجيوش في المياه الدولية والإقليمية، قد يفهم اننا ضد الزيارات الدبلوماسية لتطوير العلاقات الثنائية في مجالات كثيرة وعديدة منها الواردات والصادرات والمنافع الأخرى التي تدر على الشعبين فوائد جمة نقول لا إننا مع العلاقات الطبيعية المبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل ، لكن أن تكون الزيارات عبارة عن تدخل مفضوح فهو مرفوض ويجب الوقوف بالضد منه وليس استقباله من قبل المسؤولين العراقيين الكبار، وإلا كيف يمكن أن يفسر أن عميد عسكري يقدم ويلتقي برئيس الدولة ورئيس الحكومة هكذا لأنه يريد مساعدة الحكومة وتقريب وجهات النظر بين الكتل السياسية العراقية والعجيب أن تذكر الصحف الإيرانية أهداف زيارة العميد العسكري بينما يذكر الخبر بخجل في الاعلام العراقي، إن الزيارة الثانية خلال اقل من شهر واحد الخميس 24 / كانون الأول / 2020 لإسماعيل قاآني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري ما هو إلا دليل على أن أرض العراق "خانجغان " لكل من هب ودب وبخاصة أنه جاء لمحاولة " التهدئة" والتنصل من مسؤولية قصف السفارة الامريكية خوفاً من هجوم عسكري أمريكي مفاجئ، حتى البرتوكولات في العلاقات الدولية ان رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة مؤهلان لاستقبال متكافئ بين المراكز ومسؤوليات الدولة الأخرى، لكنه التدخل غير المستور والفاضح لزيارات قائد فيلق القدس، ان ترامب الأمريكي أتهم بشكل مباشر قائلاً " : "الصواريخ جاءت من إيران ونحن نسمع أحاديث عن هجمات أخرى على الأميركيين في العراق"، مضيفاً "نصيحة ودية لإيران إذا قُتل أميركي واحد فسوف أحمل إيران المسؤولية. عليكم أن تفكروا في الأمر". مما جعل محمد جواد ظريف أن يقوم بنفي اتهام ترامب لإيران عن حادثة السفارة، هذا التنصل يُظهر الخطر المحدق الذي يحيط بإيران من جهة والدول والشعوب في المنطقة من جهة ثانية. إن تكثيف العمل لمنع المتورطين من الميليشيات المسلحة التابعة بأطلاق الصواريخ على المنطقة الخضراء والهيئات الدبلوماسية وعلى المنازل السكنية للمواطنين وتقديمهم للعدالة سيدفع شبح الحرب عن الساحة العراقية ويمنع التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية، ان تصريح علي الغانمي عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية "السفارة الأمريكية مؤسسة دبلوماسية كبيرة، وما يشاع حول أنها تمثل مجلس قرار القيادة الأمريكية غير صحيح". ان ذلك يدل على ان مطلقي الصواريخ معروفين حق المعرفة خطورة الموضوع لكنهم ينفذون التوجهات الخارجية المرتبطين بها ولا يهمهم ما سيلحق من أضرار جسيمة تلحق بالعراق وبالمواطنين العراقيين.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

صلاح حزامبعد الكارثة الاقتصادية التي تسبب بها قرار خفض قيمة الدينار العراقي بنسبة تقترب من ٢٢٪؜ والذي جاء صادماً ومفاجئاً وكبيراً جداً، خرج السيد محافظ البنك المركزي بتصريح نشرته هذا اليوم جريدة الصباح، يقول فيه ان خفض قيمة الدينار جاء بناء على طلب من وزارة المالية (سوف ارفق تصريح السيد المحافظ مع هذه المقالة)!!!

ولا اعرف إن كان هذا التصريح الغريب يدل على محاولة للبراءة من القرار وتبعاته، ام انه يدل على ان السيد المحافظ لايعرف بالضبط دور ووظيفة البنك المركزي وكيف يتخذ قراراته ومدى استقلاليته؟؟

واضح ان وزارة المالية لديها الرغبة في زيادة ايراداتها بالدينار العراقي بدون ان تتسبب في زعل وغضب بعض الجهات المتنفذة التي تسيطر على المنافذ الحدودية والضرائب مثلاً، كذلك لاتستطيع ان تتحمل غضب اصحاب الرواتب العالية، إذا لجأت الى خفض حقيقي لتلك الرواتب والمزايا الخرافية.

وهكذا وجد الوزير الذي يقال انه من "عباقرة العالم"، أن اسهل طريق لتحقيق زيادة الايرادات هو ان يتم على حساب الفئات الضعيفة التي لاحول لها ولا قوة سوى ان تتضور من الجوع وتشتم الحكومة ( شتم الحكومة من مظاهر الحرية والديمقراطية المفرطة التي يتمتع بها الشعب العراقي)...

لم يكترث هؤلاء السادة الاذكياء، او ربما لايعرفون اصلاً، نتائج هذا القرار

الصادم وبهذه النسبة المرتفعة على الاقتصاد الوطني (او ماتبقى منه)لاسيما أثره على العلاقات التعاقدية بين مختلف الاطراف لاسيما علاقة الدائن/ المدين وعلاقة المقاولين مع اصحاب العمل وعلاقة تاجر الجملة بتاجر التجزئة ..

والاهم من ذلك سمعة ومصداقية النظام الاقتصادي العراقي لاسيما بالنسبة للاستثمار الاجنبي (الذي خسر ٢٢٪؜ من قيمة استثماراته في العراق) نتيجة صدور هذا القرار غير الحكيم وغير المسؤول.

وهذا يتقاطع مع دعوات الحكومة العراقية لجذب الاستثمارات الاجنبية.

كيف يمكن ان يثق رجال الاعمال الاجانب بحكومة لاتتورع عن اتخاذ مايحلو لها من قرارات بغض النظر عن آثارها على باقي الاطراف ؟؟

أما فيما يتعلق بالآثار الانسانية الكارثية على الفقراء وهم كثيرون في هذا الزمن، فأنه

من المعروف على مستوى التجربة الانسانية تاريخياً، ان المنتجين والمستوردين يميلون عادةً الى رفع اسعار منتجاتهم باعلى من نسبة الخفض في قيمة العملة الوطنية وذلك من باب التحوّط او اتخاذها كغطاء لتحقيق ارباح فاحشة في ظل الفوضى السعرية التي تنجم عن خفض قيمة العملة..

ذلك سيكون كابوساً حقيقياً لاصحاب الدخول المنخفضة والذين لايستطيعون نقل العبء الى غيرهم بسبب كونهم الحلقة النهائية والأضعف في المجتمع ...

ختاماً اود التذكير بأن البنوك المركزية،او كما تسمى بالسلطة النقدية، هي سلطات مستقلة ولاتخضع لقرارات الحكومة بل هي تنظر الى مصلحة الاقتصاد الوطني ككل ..

ومن يتابع اخبار العالم الاقتصادية، سوف يلاحظ ان الحكومات في الدول المتقدمة "تتمنى" على البنوك المركزية ان تتخذ بعض الاجراءات لاسيما فيما يتعلق بخفض او رفع سعر الفائدة او الضوابط التي تفرضها البنوك المركزية على البنوك التجارية فيما يتعلق بسياسات تلك البنوك ..

وان تلك الحكومات تشكو من ان البنوك المركزية لم تلتفت الى رغبة الحكومة.

الرئيس الامريكي طالما تذمر من عدم التفات الاحتياطي الفيدرالي الى دعواته بخصوص السياسة النقدية.

 

د. صلاح حزام

 

علاء اللامي

شغلتْ قضيّةُ تهجير اليهود العراقيّين إلى الكيان الصهيونيّ، وعلاقتُها بما عُرف بأحداث "الفرهود"[1] التي تعرّض لها اليهودُ في بغداد في حزيران (يونيو) 1941، حيّزًا كبيرًا من الجدل والحوار السياسيّ والفكريّ لسنواتٍ عديدةٍ مضت. ولكنّها حظيتْ بأهمّيّةٍ متجدّدةٍ في ضوءِ ما كُشف النقابُ عنه أخيرًا من حقائقَ وأسرارٍ قديمةٍ وجديدة.

المعلوم أنّ تلك الأحداثَ المؤسفة والمدانة وقعتْ في تلك السنة ردَّ فعلٍ على سحق قوّات الاحتلال البريطانيّة للانقلاب العسكريّ الذي قاده السياسي رشيد عالي الكيلاني ورفاقُه العقداءُ الأربعة، الذين أُعدِموا بعد سنواتٍ قليلة، وبعد احتلال البريطانيّين لبغداد للمرّة الثانية من أجل إعادة الحكم الملكيّ الهاشميّ. وثمّة مصادرُ كثيرةٌ - منها إسرائيليّة - تتحدّث عن دور المنظّمة الصهيونيّة العالميّة، وسليلِها لاحقًا جهاز الموساد، في العمليّات الإرهابيّة التي استهدفت اليهودَ العراقيّين، بهدف دفعهم إلى الهجرة الجماعيّة إلى فلسطين المحتلّة. فقد قام عملاءُ الصهاينة بزرع القنابل في محلّات اليهود وكُنُسِهم وأماكنِ وجودهم، وأحدثوا حالةً من الرعب والاضطراب. وقد سهَّلت السلطاتُ الملكيّةُ الهاشميّة الحاكمة في العراق قطفَ ثمار هذه العمليّات التخريبيّة بالموافقة الفوريّة على طلبات الهجرة، بحيث وُضع يهودُ العراق أمام خيارٍ واحد، هو الهجرةُ إلى الكيان الصهيونيّ وإسقاطُ جنسيّتهم العراقيّة!

من جديدِ هذه المصادرِ الإسرائيليّة كتابٌ بعنوان: عالمٌ بأكمله: قصّةُ رجل موساد، من تأليف الكاتب الصهيونيّ نحيك نفوت، نائبِ رئيسِ الموساد الأسبق. في هذا الكتاب معلوماتٌ كثيرةٌ عن دور الأحزاب الكرديّة العراقيّة في تهجير يهودِ العراق إلى الكيانِ الصهيونيّ أواخرَ ستينيّات القرن الماضي.[2] يكتب نفوت: "لقد زوَّدْنا أصدقاءَنا الأكرد بعناوينِ العائلات اليهوديّة في بغداد ومدنٍ عراقيّةٍ أخرى، حيث وصل الأكرادُ لهذه العائلات وأبلغوها بضرورة الاستعداد للمغادرة." ويُكمل قائلًا إنّ الأكراد قاموا "بنقل العائلات اليهوديّة في جِيبات [سيّارات جِيب] إلى الحدود العراقيّة-الإيرانيّة، ومن ثمّ إلى داخل إيران، ومنها إلى إسرائيل."[3]

كما أشار نفوت إلى دوره شخصيًّا في "تعزيز العلاقات الأمنيّة والاستخباريّة والاقتصاديّة بين إسرائيل وإيران تحت حكم الشاه."

***

أمّا الباحث في جامعة أكسفورد د. عباس شبلاق، فيذهب في كتابه، هجرة أمْ تهجير: ظروفُ وملابساتُ هجرة يهود العراق، إلى درجة القول بوجود تنسيقٍ بين الحكومة الملكيّة العراقية والكيانِ الصهيونيّ بهذا الخصوص. فهو يكتب مثلًا:

"حدث تطوّران كان لهما تأثيرٌ عميقٌ في التشجيع على حدوث هجرةٍ جماعيّةٍ لليهود العراقيّين: أوّلُهما، في 7 مايو 1950، حين عُقدت اتفاقيّةٌ لنقل اليهود بين توفيق السويدي، رئيسِ الحكومةِ العراقيّة آنذاك، وبين شلومو هليل، المبعوثِ الإسرائيليّ وأحدِ عملاء جهاز الموساد، وُضعتْ بموجبها عمليّةُ إجلاء اليهود في أيدي السلطات الإسرائيليّة؛ ثانيهما، بدأتْ سلسلةٌ من التفجيرات استهدفتْ أماكنَ يهوديّةً عامّةً في الوقت نفسِه الذي كان هليل يفاوض في بغداد بشأن صفقةِ إجلائهم. وأعلنت الحكومةُ العراقيّة في 26 يونيو 1951 عن اكتشاف خليّةِ تجسّسٍ في بغداد يديرها أجنبيّان ألقي القبضُ عليهما، وهما يهودا تاجر، ومواطنٌ بريطانيّ يدعى روبرت رودني كان عميلًا للموساد. وقد حقّقتْ تلك التفجيراتُ الغرضَ الذي توخّاه مَن كان وراءها. فبعد أوّل اعتداءٍ بالقنابل، أخذ الآلافُ من اليهود يصطفّون أمام مكاتب التسجيل للهجرة. وفي 5 يونيو 1951 وصل كلُّ أولئك الذين سُجّلوا، وعددُهم 105000 نسمة إلى إسرائيل. وبحسب الإحصاءات الإسرائيليّة، فإنّ 124646 يهوديًّا من مواليد العراق قدِموا خلال الفترة منذ تاريخ إقامة إسرائيل في 15 مايو 1948 وأواخر سنة 1953."[4]

أمّا الكاتبة الإسرائيليّة والأستاذة في جامعة نيويورك إيلا شوحَط، فقد تساءلتْ في دراسةٍ مطوّلة: "حتى لو أنّ أعدادًا متزايدةً من اليهود في بلدانٍ كالعراق عبّرتْ عن رغبتها بالذهاب إلى إسرائيل، فإنّ السؤالَ هو: لماذا، وبشكلٍ مفاجئ، وبعد ألف عامٍ من غياب مثلِ هذه الرغبة، يريد هؤلاء تركَ حيواتِهم في العراق والمغادرةَ بين عشيّةٍ وضُحاها؟"[5] وتضع شوحَط عدّةَ أسبابٍ لهجرة (أو تهجير) اليهود العراقيّين، يهمّنا أن نتوقّف عند التالية منها:

- الجهود التي بذلتْها الحركةُ الصهيونيّةُ السرّيّة في العراق.

- محاولات هذه الحركة "دقَّ إسفينٍ بين اليهود والمسلمين" في هذا البلد.

- اعتقال الشيوعيّين العراقيّين، وبينهم يهود، ممّن كانوا مناهضين للفكرة الصهيونيّة.

- الاتفاقات السرّيّة بين بعض القيادات الحكوميّة العراقيّة والإسرائيليّة على إجلاء اليهود إلى "إسرائيل."

وتسجِّل شوحَط إدانتَها لمحاولات الصهاينة دمجَ "المسألة العربيّة-اليهوديّة بالمحرقة؛ ومثالٌ على ذلك الحملةُ التي أُطلقتْ لإدخال الفرهود ضمن برامج متحف المحرقة التذكاريّ في الولايات المتحدة."[6] وتضيف أنّ إدانةَ العنف الذي مورِس ضدّ اليهود خلال الفرهود يجب ألّا يُستغلَّ "لمساواة العرب بالنازيّين، وتكريسِ السرديّة المزوّرة حول العداء الإسلاميّ الأبديّ للساميّة." وتمضي شوحَط أبعدَ من ذلك، فتتّهم الخطابَ الأورومركزيّ بإسقاط تجربة إبادة اليهود في أوروبا على ما حدث في العراق، مسجّلةً "أنّه خلال أعمال الفرهود حمى بعضُ المسلمين جيرانَهم من اليهود،" وأنّ أقلّيّةً من اليهود بقيتْ رغم الفرهود وبعد التهجير الجماعيّ في وطنهم العراق.

ومن أسباب بقاءِ هؤلاء، في رأي شوحَط، "أنّهم اعتبروا أنفسَهم عراقيّين أوّلًا وأساسًا، و/أو لأنّهم اعتقدوا بأنّ هذه عاصفةٌ ستمرّ، و/أو لأنّهم، ببساطة، لم يشاؤوا أن ينسلخوا عن حيواتهم."[7] وكمثالٍ على ذلك، تذْكر شوحَط عائلةَ كبير حاخاماتِ اليهود العراقيّين، الحاخام ساسون خضوري، إذ إنّ "أكثرَ أبنائه هاجروا إلى إسرائيل، فيما بقي بعضُهم الآخر في العراق،" وفي مقدّمتهم الحاخام خضوري نفسُه وابنُه شاؤول حتى وفاة الأوّل ببغداد سنة 1971. وقد أصدر الابن، حين هاجر إلى لندن سنة 1999، السيرةَ الذاتيّةَ لوالده الراحل، وفيها "فنّد بشدةٍ الصورةَ السلبيّةَ التي أُلصقتْ بالحاخام الذي طعنت السرديةُ الصهيونيّةُ بسمعته." الكتاب، وعنوانُه راعٍ ورعيّتُه، نشرتْه في القدس هيئةُ الأكاديميّين اليهود من العراق. ومؤلّفُه يناقش، "بحرارةٍ شديدةٍ،" أنّ الحاخام كان، من دون أدنى شكّ، "زعيمًا كرّس حياتَه لأبناء طائفته،" وأنّه "خشيةً منه على مصلحة الطائفة، بل على وجودِها نفسِه،" آثر الدفاعَ عنها "وسط ضغوطٍ شديدةٍ وثمنٍ شخصيٍّ مرتفع..."[8]

مقارنةً بما كتبته شوحيط، تبدو محاولةُ الشيوعيّ العراقيّ "السابق" كاظم حبيب، لمقاربة حدث الفرهود المأساويّ وتحليله، غيرَ متوازنة، وسطحيّةً، ولا تخلو من تملّق الكيان الصهيونيّ ومؤسّساتِه الإعلاميّةِ والسياسيّة. ولهذا بادرتْ وزارةُ الخارجيّة الصهيونيّة إلى نشر فقراتٍ ضافيةٍ من دراسته، ضمن مقالةٍ إطرائيّةٍ بقلمه أيضًا، حول مذكّرات الأديب الإسرائيليّ من أصل عراقيّ شموئيل موريه، وذلك على موقعها الرسميّ بتاريخ 25 نيسان (أبريل) 2013، وما تزال المقالةُ منشورةً هناك حتى الآن.[9]

كما برَّأ حبيب أطرافًا أخرى من مسؤوليّةِ ما تعرّضَ له اليهودُ العراقيّون من قمعٍ وتهجيرٍ قسريّ؛ ومن هذه الأطراف الأحزابُ الكرديّةُ وزعاماتُها. والحقّ أنَّ عنوانَ دراسة حبيب يقول كلَّ شيء منذ البداية: فالعنوان "حركة شباط - مايس 1941 الانقلابيّة والفرهود ضدّ اليهود"[10] يَرْبط مباشرةً أحداثَ الفرهود المدانةَ بحركة أيّار 1941 العسكريّة التي قادها رشيد عالي الكيلاني ورفاقُه الأربعة ضدّ النفوذ البريطانيّ. وهذه تبرئةٌ مسبَّقةٌ، وغيرُ معلَّلة، لمصلحة الصهاينة وأطرافٍ أخرى، وتلطيخٌ لصفحة وطنيّين عراقيّين مناهضين للاحتلال البريطانيّ بتهمة النازيّة.

ثمّ ينتقل حبيب إلى أحداث الفرهود والأفعال الإجراميّة التي تخلّلتهْا، ويرصِّع ما كتبه بشهاداتٍ فرديّةٍ وغيرِ موثَّقة غالبًا بشكلٍ عمليٍّ ودقيق. ومن التفاصيل المهمّة التي يتوقّف عندها محاولةُ تفنيده لخروج مجموعاتٍ من اليهود في تظاهرة استقبالٍ وابتهاجٍ بعودة الوصيّ على العرش إلى الحكم بطائرةٍ بريطانيّةٍ حطّت في مطار "الوشاش" بعد القضاء على حكومة الكيلاني وانقلابِه؛ وهو ما قال بعضُ المؤرّخين والكتّاب - من بينهم طارق الناصري - إنّه استفزّ العراقيّين المؤيّدين للكيلاني والمناهضين للاحتلال البريطانيّ، فبدأ الاعتداءُ على اليهود. غير أنّ تفنيدَ حبيب ومَن نقل عنهم يفتقد إلى الرصانة. ومفادُ هذا التفنيد أنّ اليهود قد خرجوا احتفالًا بعيدهم، "عيدِ نزول التوراة عند اليهود، وليس لأغراض الاستفزاز والاحتفاء بعودة الوصيّ على العرش." والمعلومة عن تصادُف عيد شفوعوت اليهوديّ مع هذه الأحداث صحيحة، ولكنْ هل يوجب الاحتفالُ بها الذهابَ الى المطار وإظهارَ البهجة في يومٍ اعتبره العراقيّون يومًا قاتمًا وهزيمةً للاستقلاليّين أمام القوّات البريطانيّة التي أعادت الوصيَّ عبد الإله الى الحكم، واعتبروه بدايةَ مطاردة مناهضي بريطانيا، انتهاءً بإعدام العقداء الأربعة وفرارِ الكيلاني إلى المملكة السعوديّة لاجئًا؟ ليس القصدُ من كلامي هنا تبريرَ أو تسويغَ حدثِ الفرهود في حدّ ذاته، وعمليّاتِ القتل المدانة ضدّ اليهود العراقيّين، حتى لو صحّ ما يُقال من خروج اليهود مبتهجين بعودة الوصيّ؛ فهذا التفصيل لا يبرِّر الجريمةَ التي حدثتْ.

ثمّ إنّ حبيب مرّ مرورَ الكرام على موقف القوات البريطانيّة في العراق من أحداث الفرهود، مقتبسًا معلوماتٍ شديدةَ الأهمّيّة عن كتّابٍ آخرين من دون أن يوليَ الموضوع أيَّ أهمّيّةٍ تحليليّة. فهو مثلًا يقتبس عن الدكتور داود سلمان قولَه إنّ القوّات البريطانيّة التزمتْ بتعليمات القائد العامُّ للقوّات المسلّحة للحلفاء، الجنرال ويغل، "ولذلك لم تحرِّكْ ساكنًا عندما حصل الاعتداء [الفرهود]، بل إنّها كانت سببًا في فسح المجال أمام العرب للاعتداء على اليهود."[11] ويقتبس حبيب أيضًا عن الدكتور سلمان درويش معلومةً حول "محادثةٍ هاتفيّةٍ جرت بين ضابطٍ عراقيّ، وبين مُرافق السفير البريطانيّ كورنواليس، الكابتن المدعوّ هولت، الذي امتنع عن إيقاظ السفير وإبلاغِه بالمجزرة الجارية ضدّ اليهود في جانب الرصافة بقوله إنّ السفير يَعرف ما يجري من إطلاق نارٍ وسلبٍ ولكنّه يعتبر ذلك مسألةً داخليّةً لا يجوز للقوّات البريطانيّة التدخّلُ فيها." ولكنّنا عبثًا نبحث عن أيّ تحليل أو وصفٍ أو إدانةٍ من حبيب لهذا الصنيع البريطانيّ المدان والتحريضيّ!

ومن ملفّ اليهود العراقيّين والمؤامرة الصهيونيّة التي حيكت ونُفّذتْ لتهجيرهم من وطنهم، ثمّة مقالةٌ مهمّةٌ نُشرتْ في موقع jewishrefugees  باللغة الإنكليزيّة بتاريخ 8 نيسان (أبريل) 2006. ومع أنّ هذه المقالة تخفِّف من مسؤوليّة الدولة الصهيونيّة بالقول إنّ الموساد وعملاءه لم يكونوا وحدهم مَن قام بتلك التفجيرات والعمليّات التي استهدفت اليهودَ بل شاركهم في ذلك عناصرُ إسلاميّةٌ عراقيّة، فإنّ المقالة تعترف ببعض الحقائق وتحتوي معلوماتٍ ثمينةً سنتوقّف عند أهمّها:

- تنقل المقالةُ عن وثائقَ بريطانيّةٍ صادرةٍ عن السفارة البريطانيّة في بغداد ما مفادُه "أنّ نشطاءَ الحركة الصهيونيّة أرادوا تسليطَ الضوء على الخطر المُحْدق بيهود العراق، من أجل حثّ دولة إسرائيل على تسريع وتيرة هجرتهم. في ذلك الوقت، كان هناك نقاشٌ جادٌّ في إسرائيل حول هذه القضيّة، وتمنّى البعضُ إبطاءَ معدّل الهجرة من العراق."[12] ويقول كاتبُ المقالة: "تمّ اقتباسُ تقييم السفارة البريطانيّة في كتاب استير مئير من جامعة بن غوريون في النقب. كما قدّمت السفارةُ تفسيرًا محتملًا ثانيًا: كان الهدفُ من القنابل التأثيرَ في اليهود الأثرياء في العراق الذين يرغبون في البقاء هناك، لحملهم على تغيير رأيهم والقدومِ إلى إسرائيل أيضًا."[13]

- يخبرنا كاتبُ المقالة أنّ أرشيف منظّمة الهاغاناه الصهيونيّة الإرهابيّة يحتوي على العديد من "المراسلات بين عملاءِ الموساد في بغداد ومسؤوليهم في تل أبيب، وتتضمّن تقاريرَهم حول تفجير الكنيس اليهوديّ [كنيس مسعودة شيمتوف في بغداد]. الانطباعُ الذي ينشأ من تبادل البرقيّات هو أنّ عملاءَ الموساد في بغداد ورؤساءَهم في تل أبيب لم يعرفوا مَن المسؤول عن الهجوم." لكنْ ينتقل الكاتبُ الى "منشورٍ حديثٍ يُلقي ضوءًا جديدًا على اللغز،" إذ كُشف عن هذه المعلومات من يهودا تاجر، "وهو عميلٌ إسرائيليٌّ عمل في بغداد، وقضى حوالي 10 سنوات في السجن هناك. بحسب تاجر، فإنّ تفجيرَ كنيس مسعودة ميشتوف لم يتمّ على يد إسرائيليّين، بل على يد عناصرَ من الإخوان المسلمين."[14] بيْد أنّ هؤلاء، كما نعلم، لم يسجَّلْ لهم أيُّ وجودٍ أو فعاليّةٍ في عراق الخمسينيّات، إذ كان المشهدُ السياسيُّ العراقيّ مقسَّمًا بين التيّار الشيوعيّ الماركسيّ والتيار القوميّ العروبيّ والتيار الوطنيّ العراقويّ. وفي المقابل، أكّد كاتبُ المقال "أنّ ناشطًا واحدًا على الأقلّ من الحركة السرّيّة الصهيونيّة، هو يوسف بيت حلاحمي، نفّذ على ما يبدو عدّة هجماتٍ إرهابيّةٍ بعد اعتقال رفاقه، أملًا في أن يُثْبت للسلطات العراقيّة أنّ هؤلاء المعتقلين لم يكونوا متورّطين في هذه الأعمال. وهذه هي المرّة الأولى التي يؤكّد فيها أحدُ المتورّطين في هذه القصّة أنّ عناصرَ الحركة الصهيونيّة السرّيّة نفّذوا فعلًا تفجيراتٍ في بغداد."[15]

لم تنجحْ محاولاتُ نفي مسؤولية الدولة الصهيونيّة والمنظّمة الصهيونيّة العالميّة وجهازِ الموساد عمّا لحق باليهود العراقيّين أو التخفيفِ من وطأته. ولم تمنعْ هذه المحاولاتُ بعضَ الضحايا اليهود العراقيّين من المطالبة بالتحقيق مع هذه الجهات التي أضرّت بهم، ودمّرتْ حياتَهم في بلادِهم، وجعلتهم مواطنين من الدرجة الثانية في الكيان الصهيونيّ العنصريّ. وطالب هؤلاء بالتعويض، رافضين تحميلَ الشعب الفلسطينيّ أيَّ مسؤوليّةٍ عمّا حصل لهم.

فقبل بضع سنوات اتَّهم يهودٌ عراقيّون اليمينَ الإسرائيليَّ بـ"طمس الحقائق التاريخيّة في ما يخصّ ظروفَ هجرتهم من العراق، ورفضوا حملةً للحكومة الإسرائيليّة تطالب بتعويضات عن أملاكهم،" وطالبوا "بالتحقيق في دور الموساد في هجرتهم."[16]

وكانت "لجنةُ يهود العراق" في الكيان الصهيونيّ قد دعت إلى "فتح ملفّ الانفجار الذي استهدف كنيسَ مسعودة ببغداد بوضع متفجّراتٍ فيه، والتوصّل إلى الجهة التي تقف وراءه، وما إذا كانت هذه الجهةُ هي الموساد بهدف تسريع رحيلهم من العراق."[17]

وأكّدت اللجنة أنّ اليهود العراقيّين "سيطالِبون بنصف التعويضات من الحكومة العراقيّة، وبالنصف الآخر من الحكومة الإسرائيليّة وليس من السلطة الفلسطينيّة." وشددتْ على "رفضهم تعويضَهم من أملاك الفلسطينيين، أو الربطَ بين قضيّة أملاكهم التي تركوها في العراق بقضيّة اللاجئين الفلسطينيين."[18]

وقال كوخافي شيمش، وهو محامٍ يسكن في القدس ولكنّه من مواليد العراق، لـالشرق الأوسط، "إنّ اليمين الإسرائيليّ المتطرّف يَطمس حقائقَ تاريخيّةً مهمّةً في إطار خطّة المطالبة بحقوق اليهود من أصلٍ عربيّ، وإنّ يهودَ العراق هجَروا وطنَهم وقدِموا إلى إسرائيل وتركوا أملاكَهم هناك، ليس لأنّهم طُردوا؛ بل لأنّ هناك اتفاقًا أُبرِم بين حكومة إسرائيل بقيادة ديفيد بن غوريون وحكومةِ العراق برئاسة نوري السعيد."[19]

وبهذا فإنّ الحقيقة، أيَّ حقيقةٍ إنسانيّة، سيبقى لها مسارُها الخاصّ، الشبيهُ بمسار نجمٍ بعيدٍ لا يَطمس ضوءَه السحابُ مهما طال الزمن، إذ سيأتي يومٌ ليشعَّ فيه من جديدٍ ويقولَ للأحياء كلَّ ما لديه. وسيأتي اليومُ الذي تُطرح فيه كلُّ الحقائقِ والقصصِ السرّيّةِ المتعلّقة بنشأة هذا الكيان العنصريّ الخرافيّ "إسرائيل،" الذي لا يعدو أن يكون جريمةً أخلاقيّةً مستمرّةً استمرارَ بقاء أكثر من نصف الشعب الفلسطينيّ في مخيّمات اللجوء خارج وطنه وداخله. ومن تلك القصص السرّيّة، القصةُ المؤلمةُ التي دفع ثمنها اليهودُ العراقيَون، الذين كانت كلُّ جريمتهم أنّهم أحبّوا وطنَهم الذي وُجدوا فيه منذ أكثرَ من ألفين وخمسمائة عام، ولكنّ الحركة الصهيونيّة العنصريّة كانت لها حساباتُها المختلفة.

 

علاء اللامي

..........................

هوامش:

[1] فرهد: كلمة في اللهجة العراقيّة تعني نهب، ولكنّ معناها المعجميّ العربيّ بعيدٌ عن معنى النهب في أغلب المعاجم.

[2] صالح النعامي، "قائد في الموساد: الأكراد ساعدوا بتهجير يهود العراق لإسرائيل،" موقع صحيفة عربي 24، عدد 25 نيسان (أبريل) 2015:

https://arabi21.com/story/826685/%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AF-%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D9%88%D8%A7-%D8%A8%D8%AA%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%B1-%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84

[3] المصدر السابق.

[4] "يهود العراق بين الهجرة والتهجير،" جريدة الشرق الأوسط، عدد 31 أيّار (مايو) 2015:

https://aawsat.com/home/article/372596/%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%B1

[5] إيلا شوحيط، "سبعون سنةً على رحيل يهود العراق،" نقلها من الإنجليزيّة: وفيق قانصوه، موقع مجلة orientxxi القسم العربيّ، عدد 22 تشرين الأوّل

: https://orientxxi.info/magazine/article4231

[6]  المصدر السابق.

[7] المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] https://mfa.gov.il/MFAAR/Opinions/OpinionsOfArabWriters/Pages/Baghdad-my-love-book-wins-respect-of-Kazim-Habib.aspx?fbclid=IwAR3fWRait7OcpthDl4ItrR7p3ppvxmV6QLJUT0L13AVO8wCE-wKuUsW72jg

[10] كاظم حبيب، "حركة شباط-مايس 1941 الانقلابيّة والفرهود ضد اليهود،" موقع doxata.com، القسم العربيّ، 2 حزيران (يونيو) 2011. يقول الكاتب إنّ هذه الدراسة جزء من كتاب بعنوان: محنة يهود العراق:

http://www.doxata.com/aara_meqalat/5944.html?fbclid=IwAR2Sx3vffFDNPNOxQNYpXRy9ju1tYaIRd6nbF7Zr266GaHDxRs9sn12LJyU

[11] المصدر السابق.

[12] مقالة في موقع jewishrefugees باللغة الإنكليزيّة بتاريخ 8 نيسان (أبريل) 2006:

https://jewishrefugees.blogspot.com/2006/04/iraqi-muslims-threw-1951-synagogue.html?fbclid=IwAR1sW8b3hQP4MW_ckvxVRfsiS6rP7kYVSQAe6fWc4AxTQMv0vqC-YkPfZTM

 

[13] المصدر السابق.

[14] المصدر السابق.

[15] المصدر السابق.

[16] جريدة الشرق الأوسط، "يهود العراق يطالبون الحكومتيْن الإسرائيليّة والعراقيّة بتعويضات،" 17 سبتمبر 2012 :

https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12347&article=695657&fbclid=IwAR1z-7X9vX1SWM7ZHJ4TQrKmUO93N3fj6SbCMXxDLik0ZCXWT-9cbZHqlEQ#.X-MM7dgzbIU

[17] المصدر السابق.

[18] المصدر السابق

[19] المصدر السابق.

 

 

محمد سعد عبداللطيفمازال النظام الأنتخابي في مصر لة طبيعة خاصة يختلف عن كل النظم العالمية التي يجري فيها عملية الأقتراع السري .من نظام شعبوي وجهوي .وقبلي وكانت محصورة ومازالت في عائلات فقط وخاصتا في وجه قبلي في صعيد مصر ففي نهاية الفترة الناصرية وبداية حكم السادات . كانت تجري عملية الأنتخابات المحلية بنظام الفريقين داخل القرية وكان يطلق عليها انتخاب أعضاء الاتحاد الأشتراكي وكانت. القرية تنقسم الي جبهتين في معظم القري وكان وجهاء القرية والعائلات . تتحكم أختيار المرشحين وكان ذلك يسبب في حدوث خلافات لاستقطاب مرشح من عائلةكبيرة أخري من نفس منطقة المنافسين الأخرين لضرب الجبهة وكانت طبيعة الموقع الجغرافي عامل مهم في فوز جبهه منهم بسبب الزيادة السكانية حتي ولو كان هناك فريق من أصحاب المناصب اومن الحاصلين علي الشهادات العليا او المثقفين . بين الفريقين كان العامل الجغرافي والسكان هو المتحكم في الفوز .ففي أوائل السبعينيات من القرن المنصرم

.في مسقط رأسي بالدقهلية .حدث خلاف بين الجبهتين . فذهبوا الي السيد مدير الأمن لمنع حدوث مشاكل بينهم . في القرية بعد فوز جبهة منهم .. فقام الفلاح الفصيح يشرح الموقف من الناحية الجغرافية والموقع وعدد السكان وطبيعة البيئة .التي ساعدت علي الفوز .فما كان من العمدة وهو من الفريق الخاسر . بعد شرح تفصيلي للسيد مدير الأمن من الفلاح الفصيح .من الرد وخرج من المديرية

يضرب كف علي كف ويقول مقولتة المشهورة (الا ان مدير الأمن معزور)

فبدأ العمدة يشرح الموقف وكأنة مشهد من التراجيديا من ممثل بارع وصاحب كريزما وهو يشرح ماذا كان يجسد الفلاح الفصيح في الشرح ويرفع ساقية ليظهر الملابس الداخلية (الكلسون) صحاب الاستك منة فية . وكأنك أمام مشهد من (مسرحية هالو شلبي لسعيد صالح) أستيك منة فية .وبعد ذلك ظهر عامل التقسيمات الجغرافية في دوائر مجلس الشعب النواب حاليا في مجالس المحليات والعاطفة من فوز مرشح مجلس محلي القرية التابع لها المرشح والتعاطف معه علي حساب مرشح أخر حتي ولو كان احسن واصلح منة .لانة من مجلس قروي أخر .رغم انهم من دائرة واحدة فجغرافية المكان في شرح الفلاح الفصيح .شرحها ولم يعلم أن هناك فرع في الجغرافيا البشرية يسمي جغرافيا الأنتخابات وهو فرع من فروع الجغرافيا البشرية، يهتم بتحليل الأساليب والسلوك ونتائج الانتخابات في سياق جغرافي وباستخدام مناهج تحليلية جغرافية. أو على وجه التحديد، هو دراسة التفاعل المزدوج بموجب السمات الجغرافية للإقليم المراد دراسته؛ كذلك تأثير القرارات السياسية والتوزيع الجغرافي على نظام ونتائج الانتخابات. والغرض من هذا التحليل هو تحديد وفهم العوامل المسببة لانتخابات سكان الأراضي بأسلوب متكامل..وتعد جغرافية الانتخابات فرع جديد تناولتها الجغرافية السياسية وتعد من المواضيع الحديثة والتي لها تأثير مباشر في الوضع السياسي الداخلي والخارجي للدولة، ومما لا شك فيه أن جغرافية الانتخابات بما تحتويها من دراسات في الأنماط الانتخابية والسلوك الانتخابي، قد أضافت بعدا جديدا للجغرافيا السياسية بشكل خاص وللجغرافيا بشكل عام، فجغرافية الانتخابات هي جزء من الجغرافيا السياسية، وذلك لأنها تهتم بدراسة تباين الأنماط الانتخابية من مكان إلى أخر، وتحديد أسباب هذه الاختلافات، وهذا يعد من صميم اهتمام الجغرافيا كما تستطيع الاستفادة من البيانات والاحصائيات الانتخابية المتاحة في إثراء الجغرافيا بأبحاث ودراسات متميزة على اعتبار أن ظاهرة الانتخابات هي ظاهرة مستمرة ومتغيرة من فترة إلى أخرى، وأن تتبع هذه الظاهرة ومتغيراتها يحقق هذا الإثراء.

 من هذا المنطلق فإن جغرافية الانتخابات هي جوهر الجغرافيا السياسية خاصة وأن الهدف النهائي للجغرافية السياسية هو توضيح المسببات والنتائج المكانية للعمليات السياسية. وفي هذا المجال بالذات دراسة العمليات المكانية واختلافاتها تستطيع جغرافية الانتخابات أن تضيف بعدا جديدا للدراسات الجغرافية إذا كانت العلوم بشكل عام يمكن أن تصنف وفق ثلاث مجموعات أساسية بحيث تشمل المجموعة الأولى العلوم الطبيعية، سواء تلك التي تبحث في المادة غير الحية كما هو الحال في الكيمياء والفيزياء، أو تبحث في الكائنات الحية كما هو الحال في علم الأحياء أو النبات. في حين تشمل المجموعة الثانية العلوم الرياضية، والتي تبحث في الكم والخواص المجردة من أعداد وأشكال. أما المجموعة الثالثة فتضم العلوم الاجتماعية والإنسانية، والتي تتمحور حول الإنسان وأحواله كعلم النفس والاجتماع والاقتصاد.فإننا لا يمكن أن نضع الجغرافيا تحت أي مجموعة من المجموعات السابقة، فهي ليست بالعلم الطبيعي الصرف، كما أنها ليست بالعلم الاجتماعي الصرف. وإنما هي جسر يجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية في نسق واحد تتفاعل فيه البيئة الطبيعية مؤثرة في الإنسان ومتأثرة به. بحيث يخرج في النهاية مركب جغرافي متكامل ناتج عن هذا التفاعل بين المكونات الطبيعية والبشرية للبيئة الجغرافية. ومن هنا نجد أن التفسير المتكامل للعديد من الظاهرات البشرية وفق المفهوم المتكامل لعلم الجغرافيا هو أحد الأمور التي يجب العناية بها.

 وعليه فإن تعريف الجغرافيا بأنها علم التخصص في عدم التخصص هو أحد التعريفات الهامة للجغرافيا والتي تؤكد على الطبيعة التركيبية لعلم الجغرافيا والتي تتداخل فيها أفرع الجغرافيا المختلفة سواء منها الطبيعية أو البشرية. وعليه فإن الجغرافيا تدرس البيئة بكل مكوناتها والتي لا يستطيع أن يفهمها أو أن يدرسها بهذا الشكل باحث آخر في أفرع العلوم الأصولية المختلفة بسبب محدودية رؤيته النابعة من طبيعة تخصصه. ولم تعد الدراسات الجغرافية في الوقت الحاضر دراسات تقليدية نمطية أو كشفية وصفية بل أفرزت الاتجاهات المعاصرة في الجغرافية فروعاً جديدة ترتبط بالواقع البشرى المعاصر كجغرافية الانتخابات وجغرافية الأديان والصراع الدولي والسلام ويمكن القول أن جغرافية الانتخابات كانت من اسهامات المدرسة الجغرافية الفرنسية والتي تطورت لتشمل اهتمام عدد من المختصين في حقل الجغرافية السياسية بهذا الموضوع في الوقت الحاضر وفي مختلف جهات العالم. ولم تعد دراسات الجغرافيا السياسية في الوقت الحاضر أسيرةً لدراسة الدولة كونها وحدة سياسية ، إلا أنها اتجهت نحو دراسات عديدة ومتعمقة ترتبط بالتحولات الاقتصادية والسياسية العالمية التي طـرأت عـلى الساحة السياسية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. بالإضـافة إلـى انتشار مفاهيم جديدة مثل: العولمة والمقرطة (إشاعة الديمقراطية)، وأيضاً ظهور بعض الدراسات الخاصة بسلوك الأفراد والجماعات تجاه بعض الظواهر مثـل: دراسـة السلـوك الانتخابي للأفراد وتأثره بالظروف الجغرافية (جغرافية الانتخابات)

 

محمد سعد عبد اللطيف *

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية *

 

 

جاسم الصفارذكر مدير الصحة العامة في وزارة  الصحة والبيئة رياض عبد الأمير الحلفي لـ”واع” ان "وزارة الصحة وصلت إلى مراحل متقدمة من المفاوضات مع شركة فايزر الأميركية، ومن المحتمل أن يتم في الأيام المقبلة (أي قبل نهاية شهر كانون الأول من هذا العام- الإضافة مني) توقيع اتفاق معها لتجهيز العراق بكمية من اللقاح، تصل الى مليون ونصف المليون جرعة، خلال الربع الثاني من السنة المقبلة" .واستدرك الحلفي، أن "الوزارة متواصلة مع بقية الشركات، لكن هناك شرطا للتوقيع معها يتوقف على اعتمادها دولياً"، ولتوضيح فهمه للاعتماد الدولي، أكد الحلفي على أن "لقاح فايزر تم اعتماده من وكالة الأدوية البريطانية، ووكالة الأدوية والغذاء الأميركية" (!).

ليس من شك في الرصانة العلمية للوكالتين ألأمريكية والبريطانية، ولكن في روسيا والصين توجد نظائر للوكالات الغربية، تعترف برصانتها وتتعامل معها منظمة الصحة ألعالمية، فلماذا لا يعتد العراق باعتمادها للقاحات تم تجهيزها في تلك البلدان، وأخص منها روسيا التي بدأت بنجاح، قبل غيرها، بالتطعيم الجماعي الطوعي لمواطنيها.

يحق لخبراء وزارة الصحة والبيئة العراقية أن يختاروا اللقاح المناسب لتطعيم المواطنين ضد فيروس كوفيد-19، كما أن من حقنا كمواطنين أن نتساءل عن المعايير التي استندت اليها الوزارة في اختيارها، سواء العلمية منها أو التجارية، عدا "الاعتماد الدولي" الذي "اشترطته" الوزارة، كما جاء في تصريح الحلفي، أعلاه. هذا، بالطبع، إذا كانت الوزارة هي التي اختارت لقاح شركة فايزر، دون املاءات من الخارج، تتجاوز المصالح الوطنية للعراق وتسعى لتحقيق مكاسب سياسية وعوائد مالية على حساب المواطنين البسطاء. ولا حاجة بي هنا للتذكير بما تتعرض له دول العالم، وخاصة منها تلك التي تخضع للإرادة ألأمريكية، الى ضغوطات، كما في حالة هنغاريا، وأحيانا للأوامر المبطنة بالتهديد، كما في حالة أوكرانيا.

مقدما، لابد من التأكيد، على أني في هذه المقالة المتواضعة، لا أنتقص من أهمية أي من اللقاحات، في أي مرحلة كانت من التطوير والإنتاج، بغض النظر عن مصدرها. فهي قبل كل شيء تعتبر مكسبا هاما يحسب للإنسانية جمعاء، كما أنها عتبة أخرى تتجاوزها بنجاح علوم المناعة والاوبئة. لذا يجب الحرص على تلك المكاسب وعدم تبديدها أو الانحطاط بها، بإخضاع المعايير العلمية للإرادات السياسية. وهذا يتطلب من وزارة الصحة والبيئة، ان حسنت النوايا، إعادة النظر في قرارها باقتناء لقاح بعينه دون غيره من اللقاحات المتاحة، بإخضاعه للمعايير العلمية ومصالح العراق الوطنية. ولكيلا توضع أو تفهم تلك المعايير بصورة متحيزة وغير موضوعية، دعونا نعود الى البدايات.

ذكرت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها نشرته في أبريل من هذا العام، أنه " لتطوير وتجهيز لقاح ضد فيروس كورونا يحتاج الأمر الى ما لا يقل عن 18 شهرا" واستدركت " تعد فترة الـ 18 شهرًا هذه بحد ذاتها قياسية في قصرها" مبينتا في تقريرها أن فترة تجهيز اللقاح " قد تستغرق في الظروف الاعتيادية من 10 إلى 15 عامًا، وأحيانًا تطول الى أكثر من ذلك، كما تعلمنا تجارب الماضي. "، حسب قولها.

تقرير منظمة الصحة العالمية لم يكن موجها ضد لقاح بعينه، خاصة بعد أن عززت تقريرها المذكور بوضع جدول زمني يحدد تاريخ جاهزية اللقاحات المسجلة لديها. ولكن ما أن تم الإعلان عن بداية التطعيم المجاني والطوعي للمواطنين الروس ضد فيروس الكورونا أو ما يعرف بكوفيد-19، متجاوزا الحدود الزمنية المعلنة من قبل منظمة الصحة العالمية، حتى استعرت حملة إعلامية شعواء، تحذر من تبعات التطعيم باللقاح الروسي. إنظم الى تلك الحملة أكاديميون ومشعوذون من كافة الجنسيات، بمن فيهم الطبيبة الروسية المعارضة أناستاسيا فاسيلفا التي حرضت أطباء موسكو على رفض التطعيم ضد كوفيد-19، بحجة واهية وهي أن اللقاح قد تم تجهيزه على عجل.  لنناقش اذا هذه الحجة، مع شيء من الاهتمام باللقاح الروسي "سبوتنك-V"، علما بأن جميع اللقاحات تعتبر غير جاهزة بعد للتطعيم الجماعي، حسب الجدول الزمني الذي نشرته منظمة الصحة العالمية (يمكن الاطلاع عليه على موقع المنظمة).

من المعلوم أن تطوير أي لقاح للحماية من الأوبئة الفيروسية يتطلب، على العموم، تقنية استخدام "مادة" فيروسية ضعيفة للتلقيح الوقائي، أي أن نظام "تطوير اللقاح" في حد ذاته بوجود "عامل حث فيروسي" لزيادة المناعة هو إلى حد كبير معروف ولا يتطلب البدء من الصفر. نعم، هناك مجموعة معينة من الإجراءات ومراحل العمل التي تعطي بمحصلتها نتائج تسمح بتقييم جاهزية وكفاءة المنتوج النهائي، الا أن سرعة تطويره تعتمد بشكل أساسي على التقنيات التي يمتلكها المطور، والأموال التي يتم توجيهها للبحث وديناميكية استخدام المعلومات، وأخيرًا، الأهداف التي يسعى الى تحقيقها الباحث في نهاية المطاف. لذا، لا أعتقد، أن من الصحيح فرض حدود زمنية واحدة على الجميع، دون مراعاة العوامل المؤثرة على سرعة الإنتاج في كل بلد على حده. دعونا ننظر في الأمر بالترتيب.

أولاً، في أوروبا والولايات المتحدة، تقوم الشركات الخاصة بتطوير لقاح ضد كوفيد -19، وفي بعض الأحيان، يكون للدولة حصة في أسهمها. ومن البديهي بالتالي، أن تتنافس تلك الشركات مع بعضها وتحجب عن بعضها البعض الأسرار المهنية لنشاطها. وهذا، بطبيعة الحال، يؤدي إلى تقييد استخدام المعرفة العلمية. أما في روسيا الاتحادية، والصين كذلك، فتتم عملية تنفيذ كل الإجراءات الخاصة بتجهيز وتطوير اللقاح من قبل المنظمات التي تسيطر عليها الدولة وهي بالتالي قادرة على الوصول الى اية معلومة قد تتوفر في أي مؤسسة نظيرة تعمل على أراضي الدولتين، كل على حده، وهذه العملية تتم بسلاسة وديناميكية عاليتين لتختصر إجراءات التنفيذ بصورة كبيرة.

ثانيًا، في أوروبا والولايات المتحدة، يتم احتساب مبلغ الأموال الموجهة لتطوير لقاح ضد كوفيد -19 من ميزانية الشركات المنتجة للقاح، أو جزء من الميزانية يخصص لهذا الغرض. بينما في روسيا الاتحادية والصين ينفذ مشروع تجهيز وتطوير اللقاح على حساب ميزانية الدولة. ولم تحدد أي من الدولتين المذكورتين دعمهما المالي في تمويل انتاج نوعًا أو اثنين من اللقاحات، بل في انتاج العدد الكافي من اللقاحات التي تفعَل الخيارات العلمية الضرورية. في روسيا مثلا، تمول الدولة انتاج وتطوير أكثر من اثني عشر نوعًا من اللقاحات ضد كوفيد-19، بينها لقاحات شاملة لكل العائلة الفيروسية الخاصة بالأنفلونزا وفيروس الكورونا بكل تنوعاته الجينية.

ثالثًا، لا تتمثل مهمة الشركات المنتجة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في إنشاء لقاح بقدر ما تتمثل في إنشاء لقاح مربح يمكن استخدامه لكسب المال. لذا فان الشركات المنتجة للقاح ستهتم في اعدادها لمشروعها ليس فقط بالجانب العلمي بل الاقتصادي بالدرجة الأولى، وليس غريبا بالتالي أن تتخلى عن بعض خيارات الإنتاج في مراحل مختلفة من التنفيذ. وهذا، منطقيا، قد يمد من زمن انتاج وتطوير اللقاح. بينما يختلف الأمر نوعيا في روسيا الاتحادية والصين اللتين يهمهما تبوء مكانة متقدمة في مجال التطور العلمي تكسبهما شهرة دولية ومكانة مرموقة في أسواق الدواء إضافة الى اهتمامهما الاوسع، كدول، في إعادة الحياة سريعا لعجلة الإنتاج في كل المجالات التي تشكل أساسا للتطور الاقتصادي والرخاء الاجتماعي.

رابعاً، لا شك في أن منظمة الصحة العالمية اختارت موقفا أكثر أمانا بتأكيدها على أهمية التريث في اعتماد نتائج الدراسات والاختبارات من أجل انجاز تجهيز وتطوير لقاح ضد كوفيد-19، وضرورة الالتزام الصارم بالمراحل الاربعة المعلنة من قبلها، وأنا اتفهم هذا الموقف الحذر من قبل منظمة الصحة العالمية، فالتطعيم بخلاف العلاج، ينتج ليستخدمه الأصحاء، بينما العلاج ينتج، عادةً، ليستخدمه المرضى. خاصةً وأن هنالك تجارب محبطة ومخيبة للآمال حدثت في القرن العشرين تعجل فيها منتجي اللقاحات، وقتها، باعتمادها والشروع بالتطعيم الجماعي بها. فما هي إذا تلك المراحل الأربعة التي تفرض المنظمة الدولية الالتزام بمعاييرها قبل انتاج اللقاح للتطعيم به:

1- الدراسات الاساسية ومرحلة البحث

2- مرحلة ما قبل الاختبارات السريرية

3- المرحلة الاختبارات السريرية

4- مرحلة التوزيع الى الاسواق

يبدو أن نصيب الأسد من الوقت المستغرق لتجهيز اللقاح "18 شهرًا ... أو ربما 10-15 عامًا" يستهلك في مرحلة الاعداد للاختبارات، أي في المرحلة الأولى. ولكن، بما أن العامل المسبب لوباء كوفيد-19 تم عزله قبل إعلان منظمة الصحة العالمية عن توقيتات اعداد اللقاح، فان هذه المرحلة قد جرى اجتياز جزئها الأكبر، ان لم يكن قد تم تجاوزها بالكامل. أما بالنسبة للمرحلة الرابعة، الخاصة بالتوزيع والتسويق فهي نشاطات لوجستية بحتة وفترة إنجازها لا تعتمد على الإطلاق على الأطباء وعلماء الأحياء وعلماء الفيروسات، ولكن على السياسيين ورجال الأعمال وغيرهم، ولا علاقة لسرعة انجازها بالحرص على صحة الناس.

وان كان اللقاح الروسي قادرا على اجتياز مرحلة التوزيع والتسويق، من الناحية التقنية، دون عوائق فإن شركة فايزر ألأمريكية ستواجه مشكلة حقيقية في هذا المجال. فحسب المعايير التقنية التي وضعتها الشركة ذاتها، يجب نقل عبوات اللقاح في حاويات خاصة تصل درجة الحرارة فيها الى 70 تحت الصفر، علما أن العبوات الزجاجية يمكن أن تتهشم في هذه الظروف الحرارية، الا إذا استخدمت الشركة المنتجة عبوات من الكوارتز النقي، وهذا ما سيرفع سعرها الى أضعاف مضاعفة، قد لا تتحمله الدول التي تعاني من وضع اقتصادي صعب، مثل العراق.

بناءً على ما سبق، يمكن الاستنتاج بأن من الممكن اختصار الزمن عند تجهيز وتطوير لقاح ضد فيروس الكوفيد-19، دون المساس بالمعايير الضرورية المعتمدة لإنتاج اللقاح في تلك الحدود الزمنية المختصرة. وانا أتمنى أن تتمكن كبريات شركات انتاج وتطوير اللقاح، غربية كانت أم شرقية، من توفيره للتطعيم الجماعي في فترات زمنية قياسية، مقارنةً بالحدود الزمنية التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية، تاركة للدول غير المنتجة له حق اختيار ما يناسبها من لقاح وفقا لمعايير علمية واقتصادية شفافة، دون املاءات سياسية وفرض لإرادات دول بعينها، تخط بذلك نهجا في العلاقات الدولية، يكون، برأيي، المسمار ألأخير في نعش الحياد العلمي، ليس فقط في مجال صناعة الادوية والرعاية الصحية، بل في كل مجالات النشاط العلمي الإنساني مادامت تفوح منه رائحة المال.

 

د. جاسم الصفار

24/12/2020

 

 

ابراهيم أبراشتثير مشاركة المسلمين للمسيحيين أعيادهم أو تهنئتهم بعيد رأس السنة الميلادية (الكريسمس) الجدل كل عام مع قرب حلول المناسبة، و يتبارى كل من هب ودب من مدعي الغيرة على الإسلام للإفتاء فيها ما بين مُحرِم أو مكره لها ويتجاوز الأمر البعد الديني ليتداخل الدين بالسياسة على يد جماعات الإسلام السياسي حيث إن إثارة هذا الموضوع يشكك بمفهوم المواطنة والوحدة الوطنية ويعزز انقسام الشعب الواحد إلى طوائف ومذاهب.

للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين خصوصية في الحالة الفلسطينية حيث يخضع المسلمون والمسيحيون للاحتلال ويقاتلون ويعانون ويستشهدون جنباً لجنب وتتعرض مقدساتهم كمقدسات المسلمين للانتهاك والتدنيس وكان المسيحيون الفلسطينيين على رأس الحركة الوطنية في مقاومة الانتداب البريطاني ثم الاحتلال الصهيوني وكان أول ظهور للحركة الوطنية عام 1918 يحمل مسمى (الجمعية الإسلامية المسيحية)، وبالتالي فإن نقل الجدل الخارجي حول علاقة المسلمين بالمسيحيين وشرعية أو عدم شرعية مشاركتهم أعيادهم إلى الساحة الفلسطينية يعبر عن قصر نظر وجهل في الدين كما في السياسة

تعميم وزارة الأوقاف في قطاع غزة الصادر يوم الخامس عشر من ديسمبر الجاري حول احتفالات رأس السنة الميلادية (الكريسمس) يثير ليس فقط الاستهجان بل والغضب لدلالاته الخطيرة من حيث الشكل والمضمون، حيث يكشف النهج الانفصالي عند حركة حماس ومحاولات دولنة غزة كما يثير الفتنة والكراهية بين المسلمين والمسيحيين.

أولاً: من حيث الشكل

التعميم مروس باسم دولة فلسطين وتحته وزارة الأوقاف، ولا ندري أية دولة فلسطين يقصدون، هل هي الدولة الفلسطينية المتوافق عليها بقيادة منظمة التحرير والرئيس أبو مازن؟ وإن كان الأمر كذلك يفترض أن تكون السلطة ومنظمة التحرير موافقة على هذا التعميم وأن يمتد مفعوله للضفة الغربية أو كما تسمى الأقاليم الشمالية من الدولة وخصوصاً مدينة بيت لحم مهد السيد المسيح ولها خصوصية في احتفالات الميلاد. ولأن هذا لم يحدث فإن المقصود بدولة فلسطين هي دولة غزة، وهنا تكمن الخطورة.

هذا التعميم ومع أنه داخلي إلا أنه يضاف لمئات القرارات والتعميمات الصادرة من جهات رسمية حكومية أو تشريعية في غزة في مجالات التعليم والاقتصاد والمواصلات والجباية والقضاء الخ وكلها مروسة باسم دولة فلسطين ولكنها تقتصر في التطبيق على قطاع غزة.  وهذا يؤكد أن حركة حماس تتصرف وكأن قطاع غزة هو الدولة الفلسطينية أما الضفة وبقية الأرض الفلسطينية فهي خاضعة للاحتلال، أو جزء من دولة إسرائيل وهو نفس التفكير الإسرائيلي وما يتم التخطيط له في أية تسوية قادمة.

ومن جهة ثانية فإن هذا التعميم يؤشر لحالة سبق أن حذرنا منها وهي أن يؤدي وقف المقاومة والصراع المباشر مع الاحتلال إلى توجيه الاهتمام للقضايا الداخلية الخاصة بحياة البشر وعلاقاتهم ببعضهم البعض وبربهم، بحيث سيتعزز التيار المحافظ والرجعي والمغلق في حماس على حساب تيار المقاومة والتيار الوطني العقلاني، وسنسمع في قادم الأيام مزيداً من حالات التضييق على الحريات العامة باسم الدين كما جرى في أوقات سابقة حيث كان يتم مطاردة الفتيات والشباب بسبب لباسهم وتم الاعتداء على بعض الصالونات ومحلات التجميل، وتغيير أسماء الشوارع والميادين والمدارس لتحمل أسماء لها رمزية ودلالات دينية، وتغيير في بعض المناهج الدراسية وزي التلاميذ الخ .

ثانياً: من حيث المضمون

التعميم الذي يدعو لمحاصرة ظاهرة احتفالات الكريسمس أو الحد من تفاعل المسلمين معها غريب ومثير للفتنة لأنه يوحي لأخوتنا المسيحيين شركائنا في الوطن والدم بأنه من غير المرغوب أن يشاركهم المسلمون أفراحهم!!! ولا ندري ما الذي يضايق حركة حماس وكل جماعات الإسلام السياسي في أن يشارك الفلسطينيون المسلمون في احتفالات الفلسطينيين المسيحيين، أولئك الذين يشاركوننا في الوطن وفي المقاومة ويقاتلون إلى جانب إخوتهم وشركائهم في الوطن دفاعاً عن مقدساتنا الإسلامية والمسيحية؟ وهل من ضرر أن نشارك مثلاً الأب مانويل مسلم والمطران عطا الله حنا وحنان عشراوي وأسر آلاف الشهداء والأسرى والمناضلين المسيحيين أعيادهم؟ !!!

وبعيداً عن هذا الجدل العام، فمع حالة البؤس والفقر والحصار الذي يخيم على قطاع غزة فما المانع من اقتناص أية مناسبة للفرح؟ وأفراح غزة في الكريسمس لا تتجاوز حفلة موسيقية في مقهى أو منتزه عام يتناولون فيها طعام العشاء والحلوى والشاي والقهوة وعصائر الفاكهة أو زيارة الجار أو الصديق المسيحي لتهنئته بعيد ميلاد السيد المسيح عيسى عليه السلام، خصوصا أن عيد الميلاد مُصنف ضمن أعيادنا الوطنية.

نحن الفلسطينيين أولى من غيرنا بالاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح ويشرفنا أن السيد المسيح الذي له الفضل في نشر أكبر ديانة سماوية في العالم فلسطيني المولد والنشأة، كما أن المسيحيين أصحاب ديانة سماوية وليسوا كفاراً.

وبهذه المناسبة نقول لإخوتنا المسيحيين بكل طوائفهم كل عام وأنتم بخير وعيد ميلاد مجيد.

 

إبراهيم أبراش

 

 

عمانوئيل خوشاباأقامت البطريركية الكلدانية مساء الخميس المصادف 24 كانون الاول 2020 مراسيم قداس ليلة عيد الميلاد في كاتدرائية مار يوسف في بغداد، والتي ادارها قداسة البطريك الكاردينال مار لويس ساكو مع عدد من أساقفة الطائفة الكلدانية، وحضر القداس فخامة الرئيس العراقي برهم صالح، وسماحة السيد عمار الحكيم رئيس تيار الحكمة، الشيخ ستار الحلو رئيس الطائفة المندائية بالعالم، وعدد من نواب شعبنا في البرلمان العراقي بالأضافة الى عدد من أفراد السلك الديبلوماسي المعتمد في بغداد وشخصيات مختلفة اِضافة الى جمع من المواطنين. ومن جانب آخر حضر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قداس عيد الميلاد الذي أقيم في كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد.

وقد تخلل القداس عدد من الصلوات الروحية الربانية المأخوذة من تعاليم الليتورجيا المعتمدة عند الطائفة الكلدانية، وكان هناك حيز تم خلاله تلاوة عدد من الخطب الرسمية، حيث بادر الكاردينال لويس ساكو بألقاء

خطبته مرحباً بالضيوف ومسلطاً الضوء على أهمية الدور الوطني المسؤول من قبل كافة القوى السياسية في التعاون من اجل رفع الكم الهائل من الظروف الصعبة التي يمربها الوطن من الناحية الأمنية، السياسية، الأقتصادية، الأجتماعية والصحية، وأكد بدوره الأعتماد على عاملي الصفاء الروحي والأخلاقي لتحقيق السلام والأخوة مابين أبناء الوطن. ونود القول بانه كان الأجدر من الكاردينال ساكو بأن يدعو الى قداس مشترك موحد مع باقي الطوائف المسيحية في العراق، لكي يجسد موعظته المتعلقة حول مفاهيم الأخوة والسلام، ومن ثم اِظهار مدى وحدة كلمتنا الروحية والقومية.

أود تسليط الضوء على الحدث الأهم في هذا الأحتفال هو حالة الرياء الظاهرة في خطاب الرئيس برهم صالح، والسيد الحكيم، ومن ثم خطاب رئيس الوزراء الكاظمي في الأحتفال الآخر، وتمثلت جميع الخطب بالوجهين المتناقضين فكرياً وعملياً، اِذ نتناول الوجه الظاهري والتي أكد من خلاله الجميع على الأستلهام من القيم الأنسانية والنبيلة التي جاء بها السيد المسيح والتي ترسخت من خلال مفاهيم الحب والتسامح عند البشرية، والعمل من أجل سيادة روح السلام والتعايش والتلاحم الوحدوي ما بين الفرق العراقية بكافة تلاوينها العقائدية والطائفية تحت ظل العراق الموحد. سادت خطبهم المفهوم العاطفي الجياش والمتمثل بالدور المتميز لمسيحي العراق ضمن النسيج الوطني العراقي وأبدوا كمال الأسف على هجرة الجموع الكبرى منهم الى خارج الوطن، حيث أكد الجميع العمل وبصورة جدية على تهيئة الظروف المناسبة والدعم الكامل لعودة المهجرين من أبناء شعبنا الى بلدهم العراق.

أما الوجه الآخر والمتمثل بالفكر الباطني المضمور بالنوايا والأفكار التي تخدم أيدولوجيتهم وسياساتهم المبنية على الطائفية المقيتة والتي نجحت فيه الأحزاب الثيوقراطية جنباً مع جنب الاحزاب الشمولية في عميلة توظيف وأستغلال فسيفساء الهوية الطائفية للأنطلاق من قاعدة فرق تسد المشؤومة في سبيل اِدامة الفرقة بين المكونات الأجتماعية العراقية وتقييد الحريات اِضافة الى تهميش فرص المساواة مابين الأفراد ضمن المجتمع العراقي والغاية منها هو بث كامل سيطرتها على مفاصل الحياة بكافة أنواعها في العراق.  تحدث الجميع عن أهمية الحفاظ على اللحمة الوطنية العراقية ودورها الفعال في بناء الوطن، متناسين في ذلك دورهم السلبي في وصول العراق الى مرحلة الأنهيار الحالية المعتمدة على مبدأ الولاءات العقائدية والطائفية وخلق مساحة عريضة من حالات الخوف والرعب والفساد المستشري في بدن الدولة.

2108 خوشابة

فيما يلي نود تسليط الضوء على بعض النقاط المهمة والتي يتناقض من خلالها ساسة البلد:

1 - الرئيس برهم صالح يدعو الى التلاحم الوطني العراقي وتناسى مشاركته الفعالة في عملية الأستفتاء الكوردي (ريفيردوم) الذي أقيم في 25 أيلول 2017 من أجل أستقلال اِقليم كردستان عن جسد العراق، والذي أعتبر حينها خرق دستوري، والآن هو يمثل الراعي الأول للعراقيين. والجدير بالذكر بأن كل ما ينطق به ساسة العراق عن اللحمة الوطنية ما هو اِلا أحد أنواع التسويق والأستثمار السياسي الكاذب والذي يراد منه التكتم على ماوصل البلد اليه اليوم بحيث لم يعد هناك مصطلح وطن تابع الى مواطنيه بغض النظرعن الأنتماءات القومية والعرقية.

2 – يركز أغلب الساسة وأخص منها الأحزاب الدينية على مسألة حقوق الأنسان ودور المرأة في العراق مابعد 2003، اتسائل أي حقوق اِنسان تتناغمون اللعب من خلالها على مشاعر المواطنين، هل نسيتم أفتعالكم أزمة تغيير قانون الأحوال الشخصية العراقية المرقم 188 لعام 1959 المتوافق مع المعايير الدولية، وتبديله بالقانون السئ الصيت المتمثل بظاهرة تزويج الفتيات القاصرات دون السن القانوني والمتمثل ب 8 سنوات، ومنها سحبتم الثقة من السلطة القضائية وأعطيتم الشرعية لرجال الدين والمشايخ المسلمين لأجراء هذا القانون طبق هواهم.

3 – تؤكدون على اهمية الحفاظ في التنوع والتعايش السلمي بين المواطنين، بالمقابل كان لكم الدور واليد المقيتة في سن قوانين تؤدي بدورها أسلمة القاصرين من الأقليات العرقية طبق الفقرة الثانية من المادة رقم (26) من قانون البطاقة الوطنية العراقية والمرقم (3) لعام 2016 والتي تشير الى (يتبع الأولاد القاصرين في الدين من أعتنق الدين الاِسلامي من البوين) وأسلمتهم قبل بلوغ سن الرشد، والذي يمكن أعتباره أحد الأنتهاكات الخطيرة لحقوق الأنسان والحقوق الدينية المكفولة ضمن الدستور العراقي ومن ثم المواثيق والقرارات الدولية.

4 – تتباكون على مسيحيوا العراق وكان لكم الذراع الطويلة في تهجيرهم وتضائل عددهم الى أكثر من 83% منذ الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، حيث أغلب التقديرات أشارت بأن عدد الآشوريين المسيحيين بمختلف طوائفهم كان حوالي مليون ونصف وقد تناقص عددهم الى ال 250 ألف نسمة في الوقت الحاضر، ولازال العدد ينخفض بأستمرار كنتيجة للسياسات الفاشلة التي أدتها الحكومات المتعاقبة لحكم البلد منذ عام 2003 . وتشير الكثيرمن الأحصائيات الدولية بأن العراق واحد من أسوأ بلدان العالم في الكثير من النواحي . كذلك يمكن الذكر بعدم تفعيل القرارات الصادرة من مجلس الوزراء والخاصة بأبناء شعبنا منها اِقامة محافظة سهل نينوى، وعدم تخصيص ميزانية مالية لهذه المناطق لتوفير أبسط الخدمات لها وخاصة وهي بحاجة ماسة الى التعويض المالي لأعادة اِعمارها بعد الهجمة الشرسة التي قام بها تنظيم داعش عام 2014 والتي أمست بعدها واحدة من المناطق المنكوبة في العراق، التدخل السافر من قبل أحزاب السلطة في بغداد وأربيل بمناطق تواجد شعبنا ومن ثم السيطرة على مقاعد الكوتا، من الناحية التربوية تشير أغلب المناهج الرسمية العراقية بأن المسيحيين هم دخلاء على هذا البلد، ولاننسى تصريح القادة السياسيين في البلد بأن المسيحييين هم بمثابة جالية تعيش في العراق.

5 - يتفق الساسة العراقيين على اِتخاذ الخطوات الجادة في عملية حق العودة للجموع المليونية المهجرة من أبناء شعبنا والأقليات الأخرى الى بلدهم العراق، ونود الأعلام بأن عراق اليوم يعاني أسؤأ حالاته وعلى كافة الأصعدة، ونخص منها العامل الأمني والأقتصادي وغيرها والتي القت ظلالها السلبية على الواقع المعيشي المتردي الذي يعانيه المواطن العراقي ومن ثم أنعدام أبسط الخدمات الواجب توفيرها، لذلك أود التسائل من سيادة رئيس السلطة التنفيذية ومن معه، الا تخجلون بالضحك على ذقون العامة من الشعب المسكين والغالب على أمره، كيف تنادون بالمهجرين الى الرجوع الى بلداتهم وانتم لم توفروا أبسط الحقوق المدنية للمواطن، اِذا كنتم جادين بطرحكم هذا، نهيب بكم بالمحافظة على القلة الباقية من أبناء شعبنا المتناثر في العراق، واِرجاع حقوقه وأراضيه وقراه المسلوبة في المحافظات الشمالية الواقعة تحت سيطرة الأكراد والمحافظات العراقية الأخرى مثل بغداد ونينوى وضواحيها، ودعم المستوى المعاشي للمواطنين من خلال توفير الوظائف والأشغال وأعادة اِعمار المناطق المنكوبة، وتوفير الخدمات البلدية وتحقيق مبدأ العدالة وسيطرة الدولة على مقاليد الأمور وتقديم المجرمون الى المحاكم القضائية لكي يأخذ القانون مجراه .....وأخيراً أقولها للسادة الرؤساء هل وفقتم في القبض على قتلة الشهيد هشام الهاشمي وقتلة شهداء ثورة تشرين منهم صفاء السراي، صلاح العراقي من بغداد، الشهيدة الدكتورة ريهام يعقوب من البصرة، الشهيدة أم عباس من الناصرية، الشهيد ريمون ريان، الشهيد سربست عثمان من السليمانية، الشهيد شفان شكلاي من قضاء كفري ومئات الشهداء الأخرين... كيف يعود المهجر والقاتل طليق يا سيدة الرئيس !!!!!

تملون على شعبنا العديد من الصفات الطنانة منها تقولون لنا : اِنتم ملح هذه الرض، انتم أصل العراق وغيرها من التواصيف الرنانة، نقولها بملْ الفم لكم كفانا أيها السادة في نعتنا هكذا لأنها تعابير مجازية يراد منها غرض معين ومن ثم ليس بالمهم عندنا الحصول على عطلة رسمية بمناسبة أعياد الميلاد... نقول لكم فقط (نريد وطن) .

 

عمانوئيل خوشابا

25-12-2020

...........................

الهوامش:

* صورة الموضوع مأخوذة من الموقع العربي موضوع ولاتستخدم للأغراض التجارية ...

 

علجية عيش(مفدي زكريا وعقيدة الوحدة لشمال افريقيا)

أحيانا يصنع الطلبة ما لا يقدر السياسيون على صنعه، فقد لعب الطلبة المغاربة دورا لا يستهان به في بناء وحدة المغرب العربي وجعل شعوبه يجتمعون في جسد واحد ويكون لهم قرار موحد ومصير مشترك متخطين بذلك كل الحواجز والبرافنات من أجل وحدة شمال افريقيا، كان الحلم أن تنتقل الوحدة المغاربية من المستوى المغاربd إلى المستوى القطري، لكن الأطماع السياسية للحكام دمرت شعوب المغرب العربي وجعلتهم يتصارعون كالثيران فتفرقت بهم السبل​

يعتبر شهر ديسمبر الشهر الذي شهد تاسيس جمعيات تنادي بوحدة المغرب العربي ، فبعدما فشلت كل المحاولات السياسية في الحفاظ على تشكيلة المغرب العربي، جاء دور الطلبة في إعادة اللحمة المغاربية وخدمة القضية المغاربية، والسعي بالطرق المشروعة لتحقيق حرية واستقلال شعوب شمال افريقيا (تونس، الجزائر ومراكش)، لم يكن تحقيق ذلك سهلا وبدون وجود هيئة تنظمهم، إلا أن طلبة المغرب العربي رفعوا التحدي وبادروا تحت إشراف نجم شمال افريقيا إلى تأسيس جمعية سمّوها "جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين" AENMA، تم التصريح بها من طرف السلطات الفرنسية في 28 ديسمبر 1927 بباريس، انصهرت فيها جميع الجمعيات الوطنية لطلبة المغرب العربي، وكانت تهدف إلى تمتين روابط المودة والتضامن بين طلبة شمال افريقيا وتحرير المغرب العربي.

يقول الدكتور محمد بلقاسم في كتابه " وحدة المغرب العربي فكرة وواقعا" أن الجمعية من خلال مؤتمراتها اتخذت عدة مواقف، وهي مواقف تساير الإصلاح الديني في المغرب العربي، كما كان الطلبة في كل مؤتمراتهم يهتفون بعبارات مغاربية (يحيا شمال افريقيا، افريقيا الشمالية وحدة لا تتجزأ، عاشت تونس، عاشت الجزائر، عاش مراكش، عاش المغرب العربي) كانت شعارات من شأنها خلق الرأي العام في المغرب العربي، وكان الطلبة في كل مؤتمراتهم يعلقون راية كبيرة ثلاثية الألوان (الأخضر الأبيض والأحمر) جعلوها رمزا لوحدة أقطار شمال افريقيا، وترمز ألألوان الثلاثة إلى: البيض رمز الجزائر البيضاء، الأخضر رمز تونس الخضراء، والأحمر رمز مراكش الحمراء، كما ألقى الشاعر مفدي زكريا في إحدى مؤتمراتها خطابا خلص من خلاله إلى 10 نقاط أساسية سمّاها "عقيدة الوحدة لشمال افريقيا".

كانت هذه الجمعية بمثابة إيديولوجية مشتركة للطلبة لتوحيد المغرب العربي، باعتباره وطنا واحد لا يتجزأ، لدرجة أن جمعية العلماء المسلمين طورت من شعارها الجزائري إلى شعار طلابي مغاربي: "الإسلام ديننا وشمال افريقيا وطننا والعربية لغتنا" وجعل المغرب العربي جزء لا يتجزأ من الشرق العربي يرتبط به إلى الأبد بروابط اللغة والعروبة والإسلام، ومن خلال هذه المؤتمرات التي انعقدت والخطاب الذي ألقاه مفدي زكريا دفعت أحد الطلبة الجزائريين بتونس وهو محمد العيد الجباري إلى إنشاء جمعية أخرى في نفس الشهر (ديسمبر) من عام 1936 سمّاها " شبيبة شمال افريقيا الموحدة" التي من مبادئها: "افريقيا الشمالية وحدة لا تتجزأ" وهي أمة واحدة يجب أن تظل أبد الدهر أمة واحدة والشمال الإفريقي شعب واحد يجب أن تكون لغته وثقافته وعاداته واحدة، هي نفس المبادئ التي قدمها مفدي زكريا في مؤتمر تونس سنة 1934.

كان المؤتمر الحادي عشر المنعقد بتونس من 15 إلى 22 ديسمبر 1950 أهم مؤتمر الطلبة المغاربة، حضرت شخصيات سياسية ة منظمات وطنية، نقابات وجمعيات وكشافة إسلامية ومثقفين، وبحضور 70 طالبا من (الجزائر تونس والمغرب وليبيا) وكان عبد اللطيف بن جلون من المغرب هو من تراس المؤتمر، ناقض فيه المؤتمرون عذ قضابا وعلى راسها القضية الليبية، حيثعرضوا لائحة نوفمبر 1948 الصادر عن الأمم المتحدة وطالبوا عدم تنفيذها مؤكدين على وحدة واستقلال ليبيا، كما عارضوا فكرة انتماء المغرب العربي إلى الإتحاد الفرنسي واستنكروا تبعية الجزائر لفرنسا باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من المغرب العربي، وبالتالي عدم إدخالها في نظام دفاع الحلف الأطلسي، وطالب المؤتمر الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو، وكذا الهيئة الأممية بتطبيق قراراته بخصوص المغرب العربي، كانت من الثمار التي جناها مؤتمر المغاربة هو إنشاء الإتحاد المغاربي للطلبة والمسلمين (U.N.M.A ) Union Maghrebine des Etudiants Musulman ، كان الحلم أن تنتقل الوحدة المغاربية من المستوى المغاربي إلى المستوى القطري، لكن الأطماع السياسية للحكام دمرت شعوب المغرب العربي وحلم الطلبة وجعلتهم يتصارعون كالثيران فتفرقت بهم السبل.

الأطماع السياسية دمرت حلم شعوب المغرب العربي

البداية كانت بتحرك بعض القيادات المغاربية (حزب السياسيين) للتنسيق مع السلطات الفرنسية وطروحاتها المتمثلة في إقامة "مجموعة شمال افريقيا مرتبطة بفرنسا" وإنشاء نظام فدرالي اقتصادي شمال افريقي مرتبط بفرنسا، وجرى اتفاق بين بن بلة، بوضياف ، خيضر وحسين آيت أحمد الذهاب إلى المغرب لمقابلة محمد الخامس لمعالجة الخطوط الكبرى لكنفدرالية المغرب العربي قبل عقد ندوة تونس الثانية، أما الرئيس بورقيبة كان يطمح أن تتعاون الجزائر مع فرنسا لكي تصبح دولة حرة وقوية وقد خاطب الشعوب المغاربية كما جاء في الصفحة 327 من الكتاب السالف الذكر مقترحا عليهم تشكيل مجموعة فرنسية لشمال افريقيا، من أجل تعاون جديد، طالما هذه الشعوب مرتبطة بفرنسا جغرافيا واقتصاديا وثقافيا، هكذا أجهض مشروع بناء وحدة المغرب العربي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم الإستيلاء على الأسماء، يقول صاحب الكتاب في الصفحة 372 أنه تم استبدال مصطلح مراكش وبلاد مراكش الذي اشتقت منه التسميات الأجنبية Marroco وMaroc وهذا الإسم كان شائعا للدلالة على المغرب الأقصى.

أما بخصوص خريطة المغرب العربي وقعت مشاكل حول الحدود المغربية، عندما زعم علال الفاسي أن المغرب تنتمي حدوده إلى نهر السنغال ويحتوي على منطقة تندوف وبشار وتوات والقنادسة ويحتوي كذلك على السودان الفرنسي (شمال المالي الحالي) وعلى تنزفورت وانتقد مشروع فرنسا بإنشاء منطقة "الصحراء" معتبرا ذلك إجراء تأميمي، كما زعم أن قبائل المناطق المذكورة كانت خاضعة للدولة العلوية، واصبح الفاسي يلوح بهذه الخريطة في كل مناسبة مدعيا أن المناطق المذكورة هي مراكشية، وقادته الأطماع إلى جعل تيديليكت وعين صالح وتيميمون وغيرها من الواحات تابعة لمراكش، هي نفس الخريطة التي وزعها المهدي بن بركة العربي في كواليس مؤتمر طنجة الذي حضره الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطنية عبد الحميد مهري وقال أنه لم يخل من مفاجآت، حيث وزعت خريطة حزب الإستقلال التي فيها المغرب العربي الذي يمتد شرقا إلى عين صالح بالصحراء الجزائرية وجنوبا إلى نهر السنغال.

وطالب الفاسي الجزائريين أن يعيدوا للمغرب المناطق الصحراوية المرتبطة بالجزائر، اي الصحراء الغربية المحدودة بخط فيقيق وبالجنوب بالخط الموازي سان لويس بالسنغال، وكان موقف رئيس الحكومة المؤقت فرحات عباس آنذاك أنه عندما تستقل الجزائر سيعاد النظر في مسالة الحدود، إلا أن المغرب لم يراع ظروف حرب الجزائر مع فرنسا وسارعت بإنشاء مديرية للشؤون الصحراوية وأسست لجنة الحدود، لكن بعد مؤتمر طنجة بدات الأزمة المتنامية في الحدود الجزائرية المغربية في التدهور نتيجة اعتداءات القوات المملكية والسلطات الحكومية تجاه اللاجئين الجزائريين، وهذا ما يفسر ان دعوة المراكشيين إلى مؤتمر طنجة كان من أجل المطالب الترابية وليس من اجل وحدة المغرب العربي التي تلبي تطلعات شعوب المنطقة.

 

قراءة: علجية عيش

 

 

عبد الحسين شعبانمقدّمة كتاب د. محمد الزين محمد

حين طلب منّي الدكتور محمد الزين محمد الأكاديمي والناشط الحقوقي السوداني كتابة مقدمة لمخطوطة كتابه " السودان - الطريق إلى الدولة المدنية" مع عنوان فرعي "جنوب السودان من الحرب إلى الانفصال" استعدتُ في ذاكرتي اللقاء الذي تم تنظيمه لعدد من المثقفين العرب مع الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير[1]، والذي تناول جوانب مهمة من موضوع الدولة المدنية وعلاقة الدين بالدولة والدين بالسياسة وتعتّق الحرب في جنوب السودان حتى غدت بؤرة مستديمة للصراع وغيرها من القضايا الملحّة حينها.

وقد التأم ذلك اللقاء مع الرئيس البشير قبل عقدين من الزمان عشية الانتخابات النيابية التي قاطعتها المعارضة العام 2000، والتي فازت بها قوائم السلطة بما يسمّى بـ "الإجماع السكوتي"  أي الفوز بـ"التزكية" بمعنى عدم وجود منافسة أو انتخابات حقيقية، وهي حسبما أعرف غالباً ما تكون حامية الوطيس في السودان في ظل استقطابات وتقاطعات واختلافات سياسية وبرنامجية.

عشية الألفية الثالثة كانت السودان تعيش مخاضاً جديداً يتعلّق بالجدل الدائر حول فكرة الدولة المدنية، خصوصاً بعد أن شهدت تجربة الحكم انسداداً في الآفاق وضيقاً في الهوامش، إثر قوانين سبتمبر (أيلول) 1983 المتعصبّة والمتطرّفة التي اعتمدت تطبيق "الشريعة الإسلامية" وفقاً للمفهوم المتخلّف، ولاسيّما نظام العقوبات والردة وإقامة الحد والموقف من المرأة وحقوقها وغير ذلك، لدرجة أن مفكراً ومجتهداً إسلامياً مثل محمد محمود طه تم إعدامه في 18 يناير العام 1985 بسبب تلك القوانين، وبعد نحو عشر سنوات من الانقلاب العسكري الذي قاده البشير في 30 يونيو العام 1989 بتعاون وتنظير من الشيخ حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية، كانت السودان تواجه ذات الإشكاليات التي واجهها النميري، بل زاد عليها تدهور الوضع الاقتصادي وشحّ الحريات وهجرة العقول والأدمغة وأصحاب الكفاءات العلمية.

وكانت حركة الإنقاذ الوطني قد أعلنت عن هوّيتها بالتصريح أنها لا تعرف الفصل بين الدين والسياسة، فالموضوع غير قابل للنقاش، وكان لإعلان الشريعة الإسلامية الأثر الأكبر في إنشاء "التجمع الوطني الديمقراطي" (المعارض)، لاسيّما باستمرار الحرب في جنوب السودان ؛ ولم يكن مثل ذلك الجدل والنقاش بعيداً عن أربع عوامل أساسية.

الأول - تطورات الوضع في جنوب السودان بعد وصول الحلول المطروحة جميعها إلى طريق مسدود، خصوصاً باستمرار القتال وتجدده وخروج مناطق كاملة عن سيطرة الحكومة دون التوصل إلى حلول سلمية على أساس المواطنة السليمة والمتساوية. ومثلما فشلت جميع الحكومات المتعاقبة على دست الحكم منذ استقلال السودان العام 1956 في التوصل إلى حلول سلمية لمشكلة الجنوب لم تنجح الحركة الجنوبية هي الأخرى في تحقيق مطالبها بالوسائل العسكرية، وخسر السودان عموماً الكثير من موارده، فضلاً عن تعطل التنمية، بسبب عدم احترام الهويّة الخصوصية لسكان الجنوب واللجوء إلى الحلول العنفية والمسلّحة، التي زادت المشكلة تعقيداً.

والثاني - استقطاب النظام الجديد خلال السنوات المذكورة عدداً من الفاعليات والأنشطة الموسومة بالإرهاب، لاسيّما من جانب المجتمع الدولي والقوى المتنفذة فيه، وخلال تلك الفترة استقبلت الخرطوم كل من أسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة، والذي جاء دوره لاحقاً في أفغانستان بعد مناورتها العام 1996 [2]، وكارلوس أحد أبرز الشخصيات العالمية التي لوحقت لأكثر من ربع قرن حتى ألقت السلطات القبض عليه في الخرطوم العام 1994 وتم تسليمه إلى فرنسا[3] في مساومة رخيصة لتبرئة ذمتها من العلاقات بالإرهاب الدولي.

الثالث- شحّ الحريات وارتفاع موجة القمع والاستبداد والتفرد بالسلطة لدرجة فقد النظام جميع حلفائه بمن فيهم الترابي، وفشلت جميع المحاولات التي اقترحتها للحوار مع المعارضة، خصوصاً وأن الشعور العام لدى قوى المعارضة كان يميل أن ما يسمى بالحوار والرغبة في المشاركة، ليس سوى تسويف وكسب للوقت ولعب من موقع السلطة لتفتيت مواقف معارضتها.

الرابع- الحصار المفروض على السودان ونظام العقوبات الذي بدأ يؤثر على تطورها، علماً بأنه تم فرضه ابتداء من العام 1988، بأوامر تنفيذية من الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) وبتشريعات من الكونغرس، وذلك بهدف الضغط على السودان المتهم برعاية الإرهاب، خصوصاً باستضافة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وكارلوس المتهم بالعديد من قضايا الإرهاب الدولي، واتخذ الرئيس بيل كلينتون عقوبات مالية وتجارية في العام 1997 ومنع تصدير التكنولوجيا، كما قام بتجميد الأصول المالية، بل أكثر من ذلك قام بقصف مصنع الأدوية في الخرطوم (العاصمة) في 20 أغسطس 1998، لكن السودان تراجعت عن توجّهها هذا، فأبرمت اتفاقية تعاون لمحاربة الإرهاب بعد هجمات سبتمبر، إلّا أن العقوبات استمرت ضد أشخاص ومسؤولين اتهموا بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقد جدّد العقوبات الرئيس أوباما وإنْ أقدم على تخفيضها، لكن المطالبة بتقديم الرئيس البشير للمحكمة الجنائية الدولية زاد المشهد تعقيداً، حيث أصدرت أمرين بين عامي 2009 و2010 بشأن موضوع دار فور (2003) وكرّرت ذلك بعد اعتقاله والمطالبة بتسليمه إليها إثر انطلاق ثورة ديسمبر 2018[4]

يومها أخذت ترتفع مطالبات بالفيدرالية والانفصال وحق تقرير المصير، وتكوين كيانية خاصة، وهو الأمر الذي حصل لاحقاً في العام 2011 بإعلان الاستفتاء بواسطة الأمم المتحدة وتأسيس دولة جنوب السودان[5].

وكنتُ قد سألت الرئيس البشير في الحوار المتلفز: ما السبيل الذي تفكّر الحكومة المركزية بانتهاجه بعد فشل الخيار العسكري؟ فأجاب: إذا لم يوافق الجنوبيون على الفيدرالية والعيش المشترك، فليس أمامنا سوى الانفصال. وأعدت عليه السؤال بأسلوب آخر قائلاً: هل لديكم خطة حول حق تقرير المصير ؟ أو هل هناك مشروع جنوبي مطروح لدراسته بهذا الشأن؟ فأجابني حينها: " نحن مستعدون لكل الخيارات"، وكنت أظن إن ما قاله كان من باب الذهاب إلى أبعد نقطة لاستباق أي أسئلة أخرى حول هذا الموضوع وذلك بفارق زمني زاد على عشر سنوات، لكنه حسبما يبدو كان جاداً فيما ذهب إليه، ولكن المهم أن يبقى هو في السلطة حتى لو تم اقتطاع نصف البلاد.

من جهة أخرى كانت قضية بيوت الأشباح واعتقال المعارضين في أماكن سرّية وتعريضهم للتعذيب، كلها أمور مطروحة للحوار مع الرئيس البشير في ذلك المساء السوداني الذي ظلّت فيه عيون السودانيين ترنو إلى شاشات التلفاز في ذلك الحوار الساخن.

وكان فاروق أبو عيسى أمين عام اتحاد المحامين العرب وزميلنا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان (القاهرة) وكذلك الصديقة فاطمة أحمد ابراهيم عضوة البرلمان سابقاً والقيادية الشيوعية (أرملة الشفيع أحمد الشيخ الذي أعدم في العام 1971) قد أخبراني، إن السودان يومها لم تنم بعد بث المقابلة، من محطة التلفزيون السوداني الرسمي (الخرطوم) وبالتزامن مع تلفزيون المستقلة (لندن)، ومدّدت المقابلة من ساعتين إلى ثلاث ساعات، وكان الحوار حامياً والنقاش صريحاً والسجال حيوياً بشأن القضايا المطروحة للنقاش، والتي جاء الصديق د. محمد الزين محمد على ذكرها في كتابه المهم.

وحسناً فعل الزين محمد باختيار موضوع الطريق إلى الدولة المدنية في السودان، أولا- باعتبارها قضية إشكالية يواجهها السودان اليوم، ولاسيّما بعد انتصار ثورته،وثانيا- لأنها مسألة غير ناجزة، أي أن أمامها في الطريق عقبات وكوابح تقليدية دينية وعسكرية وآيديولوجية عديدة، بعضها من تراث الحرب الباردة وبعضها الآخر صراع على مواقع النفوذ، فضلاً عن الامتدادات الإقليمية والدولية. وثالثا- لأن الحوار والنقاش والجدل يمكنه أن يرسم خريطة طريق بكل تضاريسها ومنعرجاتها، بل ودروبها الوعرة أيضاً، والهدف هو استكشاف معالم ذلك الطريق والسعي لاختبار الأنسب فيه، ورابعاً- جلب الانتباه إلى أهمية مشروع خلاص وطني اتفاقي ضمن عقد اجتماسياسي يمثّل التوجه الجديد لدولة تحترم جميع تنويعاتها الثقافية الإثنية والدينية واللغوية والسلالية خارج دائرة التمييز أو الاستعلاء أو محاولات فرض الهيمنة لأي سبب كان وخامسا- التركيز على المواطنة المتساوية والمتكافئة الضامن الأساس للتقدم والتنمية.

فما هي الدولة المدنية، خصوصاً حين ربطها الباحث بموضوع جنوب السودان؟ وعلى أي الأسس تقوم المواطنة باعتبارها حجر الزاوية فيها ارتباطاً مع عناصرها الأربعة الأساسية وهي: الحرية والمساواة والعدالة، لاسيّما الاجتماعية والشراكة والمشاركة في الوطن الواحد؟ وهي العناصر التي كانت غائبة في السودان، وشكّلت طموحاً سعت إليه القوى المؤمنة بالدولة المدنية والتي تبلورت رؤيتها بالتدرج والتراكم وبعد فشل التجارب الأخرى ووصولها إلى طريق مسدود، الأمر الذي دفع السودان ثمنه باهظاً من التفتت والتمزّق وهدر الموارد وتعطيل التنمية ثم ما هو الدور المنوط بالنخب الفكرية والثقافية في الوصول إلى موضوع الدولة المدنية وفق فهم مشترك؟ وفي كل الأحوال لا بدّ من التوقف بالذي نعنيه بالدولة المدنية، وكيف السبيل إلى تحقيقها؟ وأي التحديات التي تواجهها على المستويين النظري والعملي والداخلي والخارجي؟

**

حسب متابعاتي يمكنني القول إن مصطلح الدولة المدنية طرح في السودان كشعار ودعوة لأول مرة خلال الثمانينات حين تبنته بعض القوى السياسية، لاسيّما في المشاورات التي أجراها مجلس رأس الدولة مع الكتل البرلمانية بعد إقالة حكومة الصادق المهدي الثانية، وذلك في النقاش حول طبيعة الدستور، فهل هو دستور إسلامي أم علماني؟ وعليه يتأسس السؤال: على نحن بصدد دولة دينية أم دولة مدنية؟ وكان ذلك في العام 1988؛ وقبل هذا التاريخ لم يكن شعار الدولة المدنية قد تضمنته بشكل واضح وصريح برامج القوى والأحزاب السياسية، علماً بأن الجدل احتدم عشية فرض قوانين سبتمبر لعام 1983 التي اعتمدت تطبيق "الشريعة الإسلامية" حين نصّب الرئيس محمد جعفر النميري نفسه إماماً، وكان قد وصل إلى السلطة في مايو 1969، متحالفاً مع اليسار، لكنه اتجه إلى التشدد الديني بالتدرّج غالقاً الباب أمام أي خيارات أخرى سوى فرض الشريعة بالقوة وخارج سياق قناعات الناس، حتى أطيح به بالانتفاضة الشعبية في أبريل العام 1985.

الجدال حول مصطلح الديني والعلماني دفع محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني السابق وخلال فترة قضاها ما بين الاختفاء والسجن، للتفكير بالخروج من هذا المأزق لاختيار مصطلح " الدولة المدنية "، وكان قد بدأها في الفترة بين عامي 1990-1991 واستكملها في العام 1994 وما بعدها، وجاء ذلك مترافقاً مع خصوصية الوضع السوداني من جهة، ومن جهة أخرى متساوقاً مع انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 وانحلال الكتلة الاشتراكية واختفاء الاتحاد السوفييتي في نهاية العام 1991 [6].

ولعلّ ذلك كان أحد الأصوات السودانية التي ارتفعت مطالبة بالدولة المدنية التي زاد رصيدها في العالم بشكل عام وأخذت طريقها إلى الأدب السياسي ودراسات العلوم السياسية في العديد من البلدان العربية، خصوصاً بانتهاء عهد الحرب الباردة وبداية شكل جديد للعلاقات الدولية، وبروز دور المجتمع المدني والهوّيات الفرعية على الصعيد العالمي، وعلى الرغم من أن رياح التغيير التي شهدتها أوروبا الشرقية قد انكسرت حدتها عند شواطئ البحر المتوسط في موجتها الأولى (أواخر الثمانينات) لكن الموجة الثانية المستمرة كانت وتيرتها أقوى ودورها أكثر اتساعاً وعمقاً، وذلك لامتدادها، وهي التي عُرفت بموجة الربيع العربي التي دشنتها ثورة الياسمين في تونس وثورة النيل في مصر.

الدولة المدنية: مشكلة أم حل؟

الدولة مفهوم حديث نشأ ما قبل الثورة الصناعية وتطوّر بعد قيام الثورة الفرنسية العام 1789، ولاسيّما ما يتعلّق بموضوع الحقوق والحريات؛ وهي منجز بشري بامتياز ومؤسسة دنيوية من صنع الإنسان هدفها رعاية المصلحة العامة بحفظ أرواح وممتلكات الناس وضبط النظام والأمن العام.

وبهذا المعنى فهي تقوم على اتفاق الناس وإراداتهم، وبالتالي فهي خيارهم، الذي هو في الوقت نفسه تعبير عن حاجتهم لإطار جامع يحميهم ويرعى مصالحهم ويحفظ حقوقهم، لاسيّما في حماية السلم والأمن المجتمعيين، حيث لا يمكن تطور البشر من دونهما.

ويعتبر مفهوم " الدولة المدنية" أكثر حداثة في علم السياسة، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، حيث كثر استخدامه في العقود الأربعة الماضية، وإن ازداد النقاش والجدل حوله خلال موجة ما سمّي بـ"الربيع العربي" كما أشرنا، وأريد به توسيع دائرة الحرّيات وإعلاء شأن المواطنة والمساواة والمشاركة والعدالة، ولاسيّما العدالة الاجتماعية، ولذلك أصبحت شعارات الحرية والعدالة رديفة لشعارات الكرامة الإنسانية.

تحدّث أرسطو ومن بعده ابن سينا وابن خلدون وميكافيلي وصولاً إلى توماس هوبز وباروخ سبينوزا وجون لوك ومونتسكيو وجان جاك روسو وهيغل وماركس، عن كون الإنسان مدني بطبعه، الأمر الذي سيعني إن القواعد التي تنظّم حياته وعلاقته مع غيره ومع المجتمع، هي قواعد مدنية، وهذه ليست سوى منظومة من القوانين التي يخضع لها أفراد المجتمع، وتتطلّب وجود قضاء يفصل في المنازعات ويرسي مبادئ العدل، وتطبّق أحكامه سلطة تنفيذية يكون من مهماتها فرض القانون على من يقوم بانتهاكه أو مخالفته أو الامتناع عن تنفيذه. وهكذا تكون الدولة ضرورة لا غنى عنها للاجتماع الإنساني.

وإذا افترضنا وجود "عقد اجتماعي" تتوافق عليه إرادات الحاكمين والمحكومين، فإن الدولة ستكون بهذا المعنى: اتحاد أفراد يعيشون في مجتمع ويخضعون لطائفة من القوانين والأنظمة التي يتم تشريعها، وهذه تحتاج إلى سلطة لفرضها، مع وجود سلطة قضائية للفصل في المنازعات، وهذا بالضبط ما نعنيه بفصل السلطات، التي ينبغي أن تكون مستقلة عن بعضها ومتكاملة في الآن ذاته.

والدولة بشكل عام كمنجز تاريخي ينبغي أن تتوفر ثلاث أركان لها هي: الإقليم والشعب والسيادة (حكومة تبسط سلطانها على الجميع) وهناك من يضيف ركناً رابعاً ألا وهو الاعتراف الدولي، وتختلف الدولة عن السلطة، فالأخيرة مؤقتة، أما الدولة فهي ثابتة، وقد نشأت الدول وفقاً لنظريات مختلفة.

الدولة إذاً نشأت وفقاً للحاجة والضرورة وعلى أساس اتفاق وتوافق وتمت بإرادة بشرية، وولايتها بهذا المعنى مدنية وهي مسألة عقلية وليست دينية، وإنها من لوازم السياسة وليست من لوازم المعتقدات، ويُفترض بها حفظ حقوق الجماعة والأمة وتحقيق وحدتها واستقرارها، وهي لا تتم بناء على تكليف ديني أو وفقاً لنص إلهي، وبالتالي فإن ولاية الدولة تكون على ولاية الاجتماع البشري داخل مجتمع معين.

ويكون من وظيفة الدولة وحدها حق احتكار السلاح لبسط سلطة القانون والإشراف على المجال العام الذي يدخل تحت ولايتها، حماية الحقوق والحريات وكل ما يؤثر في العلاقات العامة ويمتد صيانة إلى السلم والأمن المجتمعي، إضافة إلى تنظيم ومراقبة الحياة الاجتماعية والسياسية وإخضاع جميع المؤسسات للنظام القانوني ومنع التلاعب بكل ما من شأنه المساس بوحدة الوطن والأمة وتحت أي مسمّى أكان دينياً أم عشائرياً ام فئوياً أم جهوياً أو غير ذلك.

وإذا كان الغرب قد سبقنا إلى تحديد فكرة الدولة في إطار التطوّر القانوني والدستوري الذي يمتد إلى نحو أربعة قرون من الزمان، فإن الحضارة العربية - الإسلامية ساهمت هي الأخرى برافدها فيما يتعلق بالارهاصات الأولى لفكرة الدولة، ابتداء من "صحيفة المدينة" إلى فكرة "الشورى" و"الاستخلاف" و"البيعة" و"أهل الحلّ والعقد"، وذلك بهدف توسيع دائرة المشاركة، بما يستجيب لروح العصر ويتساوق مع التطور القانوني والدستوري على المستوى العالمي[7].

وبما أن الدولة المدنية هي منتج إنساني، فهي لا تخص مجتمعاً دون سواه، وإنها تتويج لما وصل إليه الفكر القانوني الإنساني، وهي مسألة تعني جميع الشعوب والبلدان، ولهذا نرى الجدل الثائر حولها بما يتلاءم مع خصوصيتها الثقافية وتاريخها وتراثها، ولعلّ مجتمعاتنا ودولنا معنية بها على نحو شديد، خصوصاً للّحاق بالركب العالمي والتطوّر الحضاري، وذلك انطلاقاً من قاعدة فقهية معروفة في الإسلام تقوم على " تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان" فما كان صالحاً لزمان ربما لم يعد نافعاً لزمان آخر، وحسب ما يقول الإمام علي " لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".

واليوم حين ينطلق الجدل وينفتح النقاش لدرجة التعارض حول فكرة الدولة، ولاسيّما بين المتشدّدين من الفريقين، فلأنها ليست ترفاً فكرياً بقدر ما هي حاجة ومشروع للتغيير الديمقراطي المطلوب ولتوسيع دائرة المشاركة والحرّيات، فالاتجاه الشديد المحافظة يعتبر فكرة الدولة المدنية بدعة وخروجاً على الدين، بل واستهدافاً للإسلام وليس ذلك سوى إخفاء للفكرة العلمانية المريبة. أما الاتجاه المعاكس والمتطرّف لمثل هذا التوجه، فهو يريد فك الارتباط بالدين والتاريخ والتراث، بزعم إن التطوّر لا يمكن أن يحدث في مجتمعاتنا دون القطيعة الأبستمولوجية (المعرفية) بين الحاضر والماضي.

ولعلّ كلي المفهومان لا يعبّران عن حاجة مجتمعاتنا، فلا إنكار التطور الدستوري والقانوني يصل بنا إلى التضامن المجتمعي، ولا إنكار دور تراثنا وحضارتنا في رفد الحضارة الإنسانية يصل بنا إلى شاطئ الأمان ويحقق السعادة والعدالة المنتظرة لمجتمعاتنا، لأن دولنا ومجتمعاتنا لا تعيش في جزر معزولة، وبقدر ما يمكننا الاستفادة من التطوّر العالمي على هذا الصعيد، فإنه يمكن ضمّه إلى تراثنا الإيجابي بما يراعي خصوصيتنا الثقافية والدينية.

يمكن أن تنشأ دولة مدنية عصرية وحديثة، بخلفيات تراعي مرجعيتها الدينية، فليس في ذلك ما يتعارض مع الحداثة والعقلانية والديمقراطية، خصوصاً إذا التزمت بالحقوق والحرّيات وقامت على أساس حكم القانون ومبادئ المواطنة والمساواة والمشاركة والشراكة واستندت إلى قواعد العدالة، ولاسيّما الاجتماعية. وإذا كان للدين حقله، فإن من واجب الدولة حماية الحق في الدين والضمير وحق ممارسة الشعائر والطقوس بحرّية تامة ودون أي تمييز.

وبالمناسبة ليس هناك شكلاً واحداً للدولة المدنية، فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن فرنسا وألمانيا هما دولتان مدنيتان وكذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهي دول تقوم على حكم القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء واحترام الحقوق والحرّيات ومبادئ المواطنة وعدم خلط السياسة بالدين، لكنها تختلف من حيث نظامها السياسي، فمنها ما هو جمهوري وما هو ملكي، وآخر نظام برلماني أو نظام رئاسي، وهكذا توجد دول مدنية بخلفيات إسلامية مثلما هي تركيا وماليزيا ودولاً أخرى بخلفيات مسيحية.

وبتقديري إن الدولة المدنية يمكنها استيعاب التراث العربي - الإسلامي الحضاري وإسهامات المبدعين المسلمين على مرّ التاريخ، سواء ما يتعلق بالحكم وفلسفته أو ما يتعلق بالاجتماع الإنساني والأدب والفن والعمران والجمال، وهذا الموقف يتجاوز التيار الإنكاري الرافض للفكرة، كما يتجاوز التيار التغريبي الذي يعتقد بالقطيعة مع التراث.

ويواجه هذا الرأي المتطرّف رأي آخر مغرق في رجعيته وانغلاقه يستخدم الإسلام وتعاليمه السمحاء ضد الإسلام وهو ما ندعوه "الإسلاملوجيا"، كما هي التنظيمات الإرهابية التكفيرية مثل القاعدة وداعش وأخواتها، وعلى النقيض منه هناك التوجه الاستشراقي الذي يعتبر الإسلام دين يحض على العنف والإرهاب في نظرة استعلائية نطلق عليها "الإسلامفوبيا" أي "الرهاب من الإسلام" [8].

ولعلّ هذه المواقف تحتاج إلى نقاش وحوار انطلاقاً من معايير الدولة المدنية، بهدف تأصيلها وتعضيدها أي تبيئتها وجعلها تتنفس هواءً عربياً وسودانياً وأفريقياً وحسب تطور كل بلد وحاجاته، وهو استمرار للنقاش الذي ساد لعقود من الزمان حول الأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة والتقليد والتجديد، وكأنه استمرار لمدرسة الكوفة والبصرة حول النقل والعقل والسلفية والإصلاح في عهد النهضة، تفاعلاً مع محمد عبدة والأفغاني والكواكبي والطهطاوي والتونسي.

إن المفهوم الحضاري يختلف عن الدعوات الإنكارية والتغريبية في آن، مثلما يختلف عن المحاولات التوفيقية الانتقائية، لأنه ينظر إلى الإسلام باعتباره يمثل حضارة كاملة ولا يمكن تجاهل تأثيره السابق والحالي والمستقبلي في الحضارة الإنسانية والفكر البشري، بما فيه قضية الدولة المدنية بإرهاصاتها الأولى ذات الطابع الجنيني، ولذلك فلا خشية من التفاعل مع الحضارات الأخرى، بدلاً من إنكارها أو الذوبان فيها، وعليه فلا غضاضة من اعتماد المعايير التي تمثل المشتركات الإنسانية للفكر الدستوري القانوني الدولي، مع مراعاة الخصوصيات وعدم القفز فوقها [9].

وأيا كانت الآراء والدعوات بالإنكار أو بالتغريب أو غيرها، فإنها جميعها بعيدة عن مفهوم الدولة المدنية، التي تقوم على العقلانية واستيعاب التراث وإسهامات المبدعين المسلمين لتجاوز الإنكارية والإقصائية والاغترابية في آن، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تطوير النقاش بشأن بعض قواعد الحكم في الإسلام،وصولاً إلى الديمقراطية وقواعدها العامة، مع مراعاة الخصوصيات واحترام الهوّيات.

واليوم حين يثور الحوار لدرجة الاشتباك حول مصطلح الدولة المدنية، فإنه قد يكون مخرجاً معقولاً للصراع بين الدولة الدينية والدولة العلمانية، إذ كان هو الآخر مصدر صراع حاد واستئصالي بين المتشدّدين من الفريقين، فإن فكرة الدولة المدنية يمكن أن يكون مصدر توافق ونقطة لقاء للتيارات الوسطية: الدينية والعلمانية التي يمكن أن تلتقي عنده، باعتباره يمثل لقاء إرادات على قواعد يمكن أن تلبي طموحات جزء غير قليل من طموحات الأطراف المختلفة، خصوصاً حين يتم ربطه بحكم القانون، ولعلّ هذا ما يحتاج إليه السودان وعدد من البلدان العربية في المشرق والمغرب، خصوصاً حين يتم التوافق على " عقد اجتماعي" جديد يلبي طموحات جميع القوى في إطار المشترك الإنساني والموحّد الجامع وليس الواحد، بدلاً من التشبث بادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة وتعظيم الفوارق بدلاً من تقليصها.

وبالعودة إلى الدولة الدينية، فبغض النظر عن مسمّياتها، فإن تدخل الدين بالسياسة يفقده حقله الوعظي الأخلاقي القدسي، لأن للدولة قوانينها التي تحكم بها وهي قوانين وضعية حتى وإن أخذت بنظر الاعتبار قواعد الشريعة الإسلامية الأكثر إجماعا واتفاقاً واستجابت لروح العصر، وسواء كانت دولة الخلافة (أمير المؤمنين) أو دولة الولي الفقيه (المرشد الأعلى ) أو الحق الإلهي أو دولة التصور الداعشي (أمير الجماعة) فإنها في نهاية المطاف تعني فرض نمط فوقي سيؤدي إلى الاستبداد بزعم "القدسية" على الآخر، التي غالباً ما يستغلّها الحكام سواء حكموا باسم الدين أو بدعم من رجال الدين.

أما الدولة "العلمانيّة" فإنها ارتبطت في أذهان الكثير من الناس بمعاداة الدين وممارسة سياسة لا دينية أفضت إلى تقليص الحق في الحرية الدينية وحق العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وهو ما ذهبت إليه الأنظمة الشيوعية السابقة التي كرّست دساتيرها عقيدة رسمية للدولة في الوقوف بوجه العقائد الدينية، الأمر الذي جعل العلمانية مفهوماً مستنكراً، بل ومريباً في عالمنا العربي والإسلامي، حتى وإن كانت العلمانية تعني شيئاً آخر.

ولذلك وفي إطار التطور التدرّجي أخذت أوساط واسعة تتقبّل فكرة الدولة المدنية، بل إن بعض الجماعات الدينية بسبب فشل مشروعها والنظام الذي أقامته أخذت تعلن قبولها فكرة الدولة المدنية، سواءً عن قناعة أم ركوباً لموجة قوية بشّرت بها حركة التغيير في العالم العربي، أو أن مثل هذه القناعة تختلف باختلاف المواقع، فحين تكون في المعارضة يصبح الحديث عن الحريات والخصوصية واحترام التعددية أمراً مقبولاً، وحين تكون في السلطة أو بالقرب منها تتغير بوصلة الحديث، فيصبح إجماع الأمة وهويتها ومبادئ الشريعة ركناً أساسياً من أركان مشروعها.

إن شروط العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد هي مدنية وليست عقائدية، وهي تقوم بالدرجة الأساسية على حفظ أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام والأمن العام وإدارة الحياة المشتركة للناس وفقاً لقانون يتم تطبيقه على الجميع على نحو متساوي مثلما هي الحقوق والحريات. وعلى هذا الأساس تحترم الدولة الفضاء الخاص للفرد وحريّاته وتصدر القوانين التي تنظم الفضاء العام، وسيكون من وظيفة الدولة المدنية، حماية عقائد الأفراد والإشراف على التعليم بما فيه الديني وحماية الحق في العبادة، ومثل ذلك هو أحد مداخل الإقرار بالتعدّدية والتنوّع الذي تديره الدولة المدنية باعتباره إحدى وظائفها.

وبالعودة لأصل المصطلح في علم السياسة، فتوصيفه وليس تسميته يعني في الغالب إيجاد تخارج وتقابل بين حقلي السياسة والدين، وبقدر تمايزهما وفصلهما عن بعضهما، فإن الوصل بينهما ليس بعيداً، وبالتوصيف فإن عدم التمييز بين المواطنين بسبب الاختلاف في الدين أو الجنس أو العرق أو العنصر أو اللغة أو الأصل الاجتماعي، هو إحدى أساسات الدولة المدنية التي يكون الحكم فيها للقانون، بمعنى خضوع الحاكم والمحكوم للمساءلة والمحاسبة، أي وحدانية السلطة السياسية، حيث يطبق القانون على جميع الأشخاص، وحسب مونتسكيو "القانون مثل الموت لا يفرق بين الناس" بمعنى لا يستثني أحداً، وتلك من خصائص حكم القانون في الدولة المدنية.

ونرى اليوم إن غالبية الأحزاب والجماعات الإسلامية تعلن عن قبولها بفكرة الدولة المدنية، بل إن الكثير منها لا يفتأ من تكرار أن لا دولة دينية في الإسلام، بل إن بعضها يذهب أبعد من ذلك بالقول إن "صحيفة المدنية" التي نطلق عليها "دستور المدينة" والذي اعترف بالآخر وحقوقه، مهّد لإقامة دولة مدنية لاسيّما بعد وفاة الرسول. ومن جهة أخرى إن العديد من الأحزاب والجماعات اليسارية والعروبية، التقدمية والمحافظة تقرّ بالدولة المدنية منتقدة تجربة سيطرة الجيش على الحكم، ومع ذلك، فإن هناك إشكالات ومشكلات عديدة برزت، سواء في فترة مقاربتها للحكم أو عند إعداد الدساتير العربية في بلدان ما بعد الربيع العربي، وهو ما يواجه السودان اليوم على نحو شديد.

وبغض النظر عن التعبير الديني والعلماني للدولة، فإن المسألة الأساسية هي: التوافق على إقامة دولة مدنية تحترم الأديان بالطبع ويتم فيها فصل السلطات وتداول السلطة سلمياً وبصورة ديمقراطية والقبول بالتعايش والتنوّع والتعدّدية واحترام حقوق وحريات الأفراد والمجموعات الثقافية حتى لا يتغوّل أحد على الآخر بسبب معتقده، سواء كان في السلطة أو خارجها، وتلك مسألة محورية تواجه مجتمعاتنا التي لم تصل بعد إلى صيغة عقد اجتماعي جديد لحكم القانون ووجود مؤسسات حامية وضامنة للتطوّر في إطار احترام حقوق الإنسان.

إن جوهر النقاش اليوم حول فكرة الدولة المدنية يدور بسبب المأزق التاريخي الذي وصلت إليه الدولة العربية التي تحتاج إلى إعادة قيام الدولة خارج نطاق الآيديولوجيا، سواء كانت دينية أو علمانية، بل مواكبة التطور الحديث دستورياً وقانونياً، بما يضعها على مسافة واحدة من الجميع.

**

المهم في الدولة المدنية أن تكون ديمقراطية، فقد كان النظام الذي أقامه الجنرال عبود علمانياً أو قريباً من ذلك، لكنه دكتاتورياً، ونظام النميري قبل تحوله إلى دولة دينية كان يسارياً، لكنه دكتاتورياً، وهكذا فالأساس في الدولة المدنية والمهم في قربها من الناس هو شكل نظام الحكم الذي ستختاره هل سيلبي طموحات الناس في المواطنة المتساوية والمتكافئة؟ وهل يؤمن حكم القانون في ظلّ الإقرار بالتعددية والقبول بالتنوّع ؟ الأمر الذي يتطلّب فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحق المحكومين في اختيار الحكام وعزلهم بانتخابات دورية يختار فيها الشعب ممثليه.

وقد تبنى التجمع الوطني الديمقراطي [10] في اجتماعه بلندن 26 يناير - 3 فبراير 1992 في المادة 10 من الدستور الانتقالي (المقترح) ما يأتي، تعامل الدولة معتنقي الأديان السماوية وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دون تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في هذا الدستور كمواطنين ولا يحق فرض أي قيود على المواطنين أو مجموعات منهم على أساس العقيدة أو الدين..."

أما ميثاق نيروبي الذي صدر 17 ابريل (نيسان) العام 1993 فقد اعتبر " المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من القوانين السودانية ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري. كما نص على عدم جواز تأسيس أي حزب على أساس ديني وتعترف الدولة بتعدد الأديان وكريم المعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع الإكراه أو أي فعل أو إجراء يحرص على إثارة المعتقدات الدينية والكراهية العنصرية في أي مكان أو منبر أو موقع في السودان.

وكان مؤتمر أسمرة يونيو (حزيران) 1995 قد أكد على هذه المبادئ للأخوة والتعايش السلمي والعدل، فضلاً عن المواثيق والعهود الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان ويعتبر باطلاً وغير دستوري أي قانون أو إقرار مخالفاً لها.

وأود هنا أن أثبت وجهة نظر الحزب الشيوعي السوداني الذي أكّد في مايو (أيار) 1999 وجهة نظره في ورقة بعنوان: قضايا استراتيجية عالجت قضية علاقة الدين بالسياسة وذلك بإقرارها: السودان متعدد الديانات والمعتقدات، حيث توجد أغلبية مسلمة وكذلك مسيحيون ومعتقدات أفريقية، من هنا شرط التسامح والاحترام في المعتقد الديني كمقدمة للمساواة في المواطنة، حيث لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية[11] مع التأكيد أن الدين يشكّل مكوّناً من مكوّنات فكر ووجدان شعب السودان.

**

إن كتاب د. محمد الزين محمد هو جهد أكاديمي كُتب بقلب حار ورأس بارد، لمعالجة قضية الدولة المدنية ومتفرعاتها التي ما تزال مطروحة للنقاش في السودان بشكل حاد، ولاسيّما قبيل وبُعيد التجربة الانتقالية وما ستؤول إليه البلاد، وهو يقدم حلولاً ومقترحات عملية انطلاقاً من فهمه لمفهوم الدولة المدنية وكان الزين محمد كان قد وصل من منفاه في النرويج ليشارك في الانتفاضة السودانية الظافرة التي أطاحت بالرئيس البشير والذي كانت المحكمة الجنائية الدولية تطالب بتسليمه لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تقترب من جرائم الإبادة الجماعية، في دارفور وغيرها، وخلال مشاركته كانت قد تبلورت لديه فكرة الكتاب بصيغته المطروحة، والتي كانت قد اختمرت خلال نحو عقدين من الزمان.

وقد قسم الكتاب إلى توطئة وستة فصول، تناول فيها تاريخ الدولة السودانية بشكل عام ومشكلة الجنوب بشكل خاص، وخصص الفصل السادس للحكومة الانتقالية الحالية ما بعد الانتفاضة السودانية 2019-2020، وهو محاولة لاستبصار رؤية للأزمة العميقة التي عاشتها الدولة السودانية، خصوصاً بالحرب في الجنوب التي استمرت لنصف قرن تقريباً.

ويقول الزين محمد أن فكرة الكتاب نشأت لديه منذ العام 1996 بعد نيله الماجستير في العلوم السياسية (جامعة الخرطوم) وكانت أطروحته عن مشكلة جنوب السودان وأسباب النزاع ومساعي السلام. ولعل أهم استنتاجاته أن مشكلة الجنوب لا يمكن حلّها دون حلّ مشكلة السودان ككل عبر دولة مدنية، وعكس ذلك فالأزمة ستتفاقم كما استنتج، وهو ما حصل فعلاً وأدى إلى انفصال الجنوب واستمرار النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كروفان والنيل الأزرق وشرق السودان (المقدمة ص 9).

وبعد استعراض تجربة الدولة السودانية بصل الكتاب في خاتمة محطاته إلى الحكومة الانتقالية الرابعة برئاسة د. عبدالله حمدوك، ليستعرض تجربة الدولة المدنية (2019- 2020) علماً بأن الحكومة كما يقول تحت التجربة ولم يرغب في إصدار حكم قاس عليها وما يزال هناك عامين لتقييم الفترة الانتقالية، ولكنه يعود ليقول بأن الاخفاقات خلال العام الذي انقضى كانت أكثر بسبب الصراعات السياسية والمحاصصات الحزبية وعدم كفاءة بعض الوزراء والفشل في التوصل إلى حلول ناجعة للمشاكل الاقتصادية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية، ناهيك عن تداخل السياسي بالعسكري بالأمني (ص 378).

إن هدف ثورة ديسمبر الاستراتيجي كما يقول هو بناء الدولة المدنية وهو الحل التوافقي لعملية الانتقال الديمقراطي ويدعو إلى التزام المؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية بوظائفها التقليدية المعروفة وفقاً للدستور والقانون وإبعادها عن أي نشاط حزبي أو سياسي، ولكنه يضع مشكلات الدولة المدنية في ثلاث محاور.

أولها - الدولة المدنية كفضاء للتعايش السلمي بين مكوّنات الشعب المتعود ثقافياً وعقائدياً وعرضياً وقبلياً.

وثانيها- مشكلة الدستور وصياغته وعلاقة ذلك بالدولة المدنية والتجاذب بين العلماني والديني.

وثالثها- الدولة المدنية والجيش، إذ يبدي ارتياباً أو خشية من احتمال الانقلابات العسكرية التي ينبغي وضع حد لها وذلك انطلاقا من التجربة السودانية ذاتها.

ولعلّ أساس الدولة المدنية الذي يركز عليه هو المساواة وعدم التمييز على أساس العرق أو اللغة أو الجنس أو اللون، لأنها دولة حكم القانون واستقلال القضاء والفصل بين السلطات، ويدعو لإجماع وطني في صياغة الدستور بإنجاز عملية السلام العادل والشامل وإطفاء بؤر النزاع ومحور آثار الحرب وتحقيق التنمية، وذلك عن طريق الحكم اللّامركزي (الفيدرالي)، مع أن هناك فرقاً بين اللّامركزية والفيدرالية، ويعتبر الحكم الاتحادي والحكم المحلي من مقومات بناء الدولة المدنية على أساس المواطنة، وذلك بالتربية على الدولة المدنية في جميع مراحل التعليم في المؤسسات المدنية والعسكرية ويدعو إلى إقامة المجلس التشريعي الانتقالي بالتوافق السياسي [12].

ويقترح مشروع ميثاق وطني سوداني يطلق عليه مبادئ ما فوق دستورية لقيادة التوافق السياسي والمجتمعي وجميع مكونات الثورة وهو يدعو لحوار جاد ومسؤول له. وتكمن أهميته أنه نشره في 5 مايو (أيار) 2019 وهو أشبه بدستور مؤقت أو مبادئ دستورية عامة تضع إطاراً لدستور الدولة المدنية، وهي مساهمة جادة على هذا الصعيد.

وكما يقترح مشروعاً للعدالة الانتقالية (مفوضية) (ص 386) وهذه تتطلب كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والتعويض وإصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني، لكي لا يتكرر ما حصل، والهدف هو تحقيق المصالحة المجتمعية، كما يدعو لمؤتمر وطني دستوري، وذلك بهدف تحديد وجهة الدولة المدنية التي يعتبرها دولة التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وذلك أساس شرعية الحكم وإدانة الناجح، أي منجزة في نهاية المطاف.

الكتاب بقدر ما يقدم من معلومات ومعرفة، فهو يقدّم في الوقت نفسه اجتهادات ووجهات نظر مدعومة بمعطيات أكاديمية، وأعتقد أنه سيرفد المكتبة السودانية والعربية بالجديد حول فكرة الدولة المدنية وأنواعها وسبل الوصول إليها، لذلك فهو يستحق التقدير، لاسيّما ما سيثيره من نقاش يضاف إلى النقاش الموجود عملياً في الساحات والجامعات والنقابات والاتحادات والمجتمع المدني، وفي أروقة السلطة المدنية والعسكرية، وداخل كل تيار سياسي وفكري أيضاً.

ولعلّ طريق الحوار ونبذ العنف ومنع استخدام السلاح واعتماد الحلول السلمية وسيلة لفضّ النزاعات وحل الخلافات هو الذي ينبغي الركون إليه للمفاضلة بين برامج الأحزاب والقوى السياسية، هو ما يمكن أن يضع السودان على طريق السلام الحقيقي والتطور والتنمية المستدامة، خصوصاً بالتوافق على دستور مدني يحظى بتأييد الجميع ويحتكمون إليه، وهو ما ذهب إليه د. محمد الزين محمد.

 

أ.م.د. عبد الحسين شعبان

..................

أكاديمي ومفكر عراقي - دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية(معهد الدولة والقانون) - أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية - نائب رئيس جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي، بيروت، له ما يزيد على 70 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة والثقافة والمجتمع المدني وحائز على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - 2003).

هوامش

[1] - شارك في اللقاء مع الرئيس البشير: د. علي عقلة عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب (سوريا)، د. عبدالله الشايجي المستشار الثقافي وأستاذ العلوم السياسية (الكويت) وأ. محمد العربي المساري وزير الاتصال (الاعلام) ورئيس تحرير جريدة القلم (المغرب) ود. مصطفى الكثيري رئيس اتحاد اقتصاديي المغرب العربي والمندوب السامي لقدماء المقاومين (المغرب) وعبد الحسين شعبان المثقف والأكاديمي (العراق)، وأدار اللقاء الإعلامي د. محمد الهاشمي الحامدي مؤسس جريدة وتلفزيون المستقلة (تونس/لندن).

[2] - أسامة بن لادن من عائلة سعودية معروفة، ولد في 10 مارس 1957 في الرياض، وشارك في الحرب ضد القوات السوفييتية في أفغانستان، ثم أسس تنظيم القاعدة في العام 1988، واستناداً إلى أفكار سلفية ماضوية عفا عليها الزمن، وقام بعدد من العمليات الإرهابية أبرزها هجمات 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات مدريد العام 2004 لندن في 7 يوليو 2005 وغيرها، وقد كان ساعده الأيمن الذي تولى قيادة التنظيم من بعده أيمن الظواهري. قتل بن لادن في 2 مايو 2011 بعد مطاردة أمريكية دامت لسنوات.

[3] - الاسم الحقيقي لكارلوس هو: إيليتش راميريز سانشيز، مواليد 12 اكتوبر (تشرين الأول) 1949 في كراكاس (فنزويلا) ومن ألقابه إضافة إلى كارلوس، الثعلب وابن آوى، وقد درس في جامعة لوموبا (موسكو) ويتقن 7 لغات هي: الإسبانية والإيطالية والفرنسية والروسية والعربية والأرمنية والإنكليزية، وانضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كلّفته في العام 1971 وقد تدرب في معسكراتها في الأردن، ومن أبرز العمليات التي قام بها احتجازه 11 وزيراً للنفط في منظمة أوبك العام 1975 بمهمات خاصة بالعاصمة النسماوية (فيينا). حكم عليه بالسجن المؤبد العام 1997 وما يزال يقضي محكوميته في العاصمة الفرنسية (باريس).

[4] - قام باعتقال البشير عبدالفتاح البرهان الذي عيّن رئيساً جديداً للمجلس العسكري الانتقالي السوداني، ليكون ثاني رئيس خلال يومين من الإطاحة بالبشير وقد رقاه البشير إلى رتبة فريق أول ركن. وقد كان عدد من كبار قادة الجيش يطالبونه بالتنحي فقد تم اعتقاله في 16 ابريل 2019 حيث قضى نحو 30 عاماً في السلطة.

[5] - أجري الاستفتاء الشعبي لسكان الجنوب يوم 9 يناير 2011 وكانت نتائجه قد زادت على 98% لصالح الاستقلال وتشكيل كيان جديد حددت مهلته إلى 9 يوليو 2011 وهو ما حصل بالفعل،وإذا كانت مشكلة الجنوب قد استمرت منذ إعلان استقلال السودان في العام 1956 فإنها لم تنتهي حتى بعد استقلالها وانضمامها إلى الأمم المتحدة كجمهورية جديدة باسم جمهورية جنوب السودان.

انظر: عبد الحسين شعبان - الاستفتاء السوداني: بين الديناميكية والسكونية، صحيفة النهار (اللبنانية)، العدد 24088، الخميس 6/1/2011

[6] - انظر: محمد ابراهيم نقد- حل أزمة السودان يتمثل في دولة مدنية، ورقة للتداول والمناقشة؛ استكملت بأوراق أخرى خلال فترة التسعينات.

[7] - انظر: عبد الحسين شعبان - المصادر التالية: قول آخر في الدولة المدنية، صحيفة الخليج (الإماراتية)، 30/5/2018. محاضرة بعنوان: مفهوم الدولة المدنية وأنواعها- المعهد الشرعي الإسلامي ومؤسسة الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت، 21/2/2018. محاضرة في عمان - ملتقى عمان الثقافي 15، عمان 24/10/2017. عن فكرة الدولة المدنية، منتدى الفكر العربي، عمان، 2017. مقالة بعنوان: العراق وشعار الدولة المدنية، صحيفة الخليج (الإماراتية)، 21/10/2015

[8]- انظر: عبد الحسين شعبان - الإسلام وحقوق الإنسان، مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني، بيروت، 2001 و ط2، دار بيسان، بيروت، 2014.

[9] - انظر: عبد الحسين شعبان - فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي، الثقافة والدولة، دار النهار، بيروت، 2005.

[10] - شارك فيه: الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة، الحزب الشيوعي السوداني، المؤتمر السوداني الأفريقي، النقابات، الحركة الشعبية، القيادة الشرعية للقوات المسلحة، شخصيات وطنية.

[11] -انظر: محمد ابراهيم نقد- حل أزمة السودان يتمثل في دولة مدنية، ورقة للتداول والمناقشة؛ وتأكيداً على الخصوصية جاء فيه: لسنا ملزمين بنماذج العلمانية في انكلترا أو أمريكا أو فرنسا أو نموذج العلمانية من فوهة البندقية في تركيا، إنما نتعامل معها من حيث التعامل مع تجارب شعوب العالم، فضلاً عن أن الترجمة العربية لمصطلح العلمانية ملتبسة بفتح العين غيرها بكسرها، والتركيز على الديمقراطية، لأن ليس كل دولة علمانية ديمقراطية مثلما هي تجربة ستالين وموسوليني وبيوشية، مع الأخذ بنظر الاعتبار التجربة السودانية والنماذج الدينية: لدولة المهدية، تجربة مايو الإمامية وقوانين سبتمبر التي أقامت الحد، القطع، البتر والصلب والتشهير وأسلحة النظام المصرفي والتجريم والتكفير وتجربة الانقاذ.

[12] - انظر: عبد الحسين شعبان- التربية على الدولة المدنية - محاضرة في تونس تونس 24-26 كانون الثاني (يناير) 2020، ملخص لها منشور في جريدة الخليج (الإماراتية)، 26/2/2020.

 

صائب خليلهل من "مصلحة البلد" ان يغلق حدوده تجارياً بوجه البضاعة الأجنبية من خلال تحديدات او ضرائب (مؤثرة)، أم ان يفتحها؟

من الواضح ان من "مصلحة البلد" ان تزدهر صناعته وتجارته وان تنتشر وتباع بأكبر كميات ممكنة، فهذا يعود على شعبه أولاً بالوظائف (أي قدرته على توظيف طاقة العمل وتحويلها الى أموال وأسباب للعيش) وعلى مردودات الربح للبلد ثانيا. وبالتالي يصبح السؤال أعلاه أسهل قليلا وأكثر تحديداً، فيصير: "هل أن اغلاق الحدود بوجه التبادل التجاري، أنسب لبضاعة البلد وأكثر دعماً لانتشارها، أم فتح تلك الحدود هو الأنسب"؟

لو فتحنا التلفزيون أو قرأنا الإعلام العراقي، لوجدنا تأكيداً لضرورة فتح الأسواق، بل تسبيحاً بحمد ذلك الفتح. وليس السبب في ذلك صحة هذا الجواب، بل في حقيقة ان من يقوم على اعلام البلد واقتصاد البلد، جهات تدفع لها رواتبها مقابل ترويجها لاتجاهات مناسبة لمن يدفع، أما الحقيقة فهي اعقد من ذلك قليلا. في الغالب لن يقدم لك المتكلم في الإعلام العراقي او امثاله، اية أدلة على ما يقول، او يكتفي بأدلة غامضة مثل: "أنه الاتجاه الحديث للعالم" و "كل الدول المتقدمة تفعل ذلك". فحقيقة انه "الاتجاه الحديث" أو ان "الدول المتقدمة تتبعه" لا يثبت أنه الأفضل لكل الدول.

الجواب الصحيح على هذا السؤال (أيهما أفضل للنشاط الاقتصادي لدولة محددة، فتح الأسواق ام اغلاقها؟) غير ممكن بشكل عام. ومن يحاول ان يعطي جواباً عاماً لكل البلدان، فهو مخادع أو جاهل يكرر كلاما سمعه من مخادع. فكل بلد يختلف عن الآخر، وكل زمن وظرف في أي بلد، يختلف عن زمنه وظرفه الآخر، فمتى يكون فتح الأسواق مفيداً لنشاط صناعة وزراعة البلد، ومتى لا يكون؟ إن استطعنا الإجابة عن هذا السؤال، يمكننا عند ذاك ان نقرر إن كان البلد المعني يتوفر على الشروط التي تجعل فتح السوق لصالحه أو العكس.

أول حاجة ضرورية للبضاعة لتبقى وتزدهر، هو وجود من يستهلكها، أي وجود سوق لها. فالسوق العراقية للطماطة مثلا، هي كمية ما يستهلكه العراقيون من الطماطة في العام الواحد.

يمكن لأية دولة ذات سيادة، ان تمنع استيراد البضاعة الاجنبية، او ان تضع تعريفات جمركية عالية عليها. ولنفرض من اجل التبسيط وجود بلدين فقط، ولنفترض انهما العراق وتركيا، ولنفترض ايضاً للتبسيط، أننا نناقش أما فتح الحدود التام او اغلاقها تماما امام البضاعة. كذلك سنفترض للتبسيط ان السوق ثابت الحجم، (وهو ثابت نسبيا) يمثل عدد سكان البلد الراغبين والقادرين على شراء السلعة، وتبسيطات اخرى.

في حالة إغلاق العراق حدوده التجارية امام تركيا، فأن بضاعتنا ستمتلك السيطرة على سوقنا بلا منافسة. لكن تركيا ستعاملنا بالمثل وتغلق أسواقها بوجه بضاعتنا. أي أن بضاعتنا، لن تستطيع ان تخرج خارج حدود البلد واسواقه. وبالتالي فبضاعتنا سيكون لها سوق، لكنه محدود، السوق المحلي فقط.

وإذا اتفقنا مع تركيا وفتحنا الحدود، فستتمكن بضاعتنا من الخروج الى سوق تركيا وتأخذ جزءاً منه، لكن بالمقابل ستدخل البضاعة التركية الى سوقنا وتسلب بضاعتنا جزءاً منه. وهنا يصبح الجواب عن السؤال الرئيسي بسيطاً: إن كان حجم السوق الذي تكسبه بضاعتنا في تركيا أكبر من حجم السوق الذي تفقده في العراق لصالح البضاعة التركية، ففتح الأسواق في صالحنا! وإن كان العكس، وكانت خسارة السوق المحلية أكبر من ربح السوق التركية، فالإغلاق هو الذي في صالحنا!

والآن يكون السؤال: لو فرضنا اننا كنا في حالة غلق الحدود اقتصادياً، فهل لدينا بضاعة عراقية جاهزة لغزو السوق التركي ومنافسة البضاعة التركية واخذ حصة معتبرة فيها؟ أم ان البضاعة التركية "اقوى" وهي التي ستغزو اسواقنا وتزيح بضاعتنا بشكل أكبر؟

هذا الأمر يعتمد كثيراً على مدى التطور الصناعي والزراعي لكلا البلدين. فالتطور في الصناعة والزراعة يتيح انتاج بضاعة أفضل أو بسعر أقل، وبالتالي فسوف تأخذ صناعة وزراعة البلد الأكثر تطوراً، كل السوق للبلدين وتحرم الأخرى من سوقها المحلية بدون مقابل!

لو شبهنا تطور البلد بارتفاع أرضه، والبضاعة بالماء، فليس من الصعب أن نتخيل من ايهما "ستسيل" البضاعة إلى الآخر.

هذا يفترض دراسته من قبل وزارة التجارة في البلدين، لتقدير قوة البضاعة العراقية والتركية المتنافسة، وتقدير حجم السوق الذي ستربحه العراقية من تركيا والتركية من العراق، وتقدير الفائدة والضرر من فتح الأسواق، قبل قرار فتحها! إنها حسابات بسيطة ليس فيها الكثير من العواطف وعبارات المجاملة و "التآخي" وغيرها. كذلك ليس فيها تفاخر بـ "الحداثة" والتشبه بالدول المتطورة او الاختلاف عنها. إنها حسابات مالية بسيطة وواضحة. وقد يتبين لاحقاً أن الحسابات خاطئة بعض الشيء، لكن بشكل عام، ليس صعباً تقدير حركة السوق عند فتح الأسواق وغلقها، وليس هناك بلد لدى حكومته الحد الأدنى من احترام نفسها، تقوم بفتح او غلق أسواقها التجارية بدون حسابات الربح والخسارة هذه.

ماذا نستنتج من هذا ايضاً؟ نستنتج ان الدول النامية حديثة الصناعة والزراعة يجب ان لا تفتح أسواقها لصناعة وزراعة منافسة، لأنها ستخسر الكثير ولن تربح شيئا، وستحرم صناعتها وزراعتها من أسواقها المحلية تماما وبدون بديل او مقابل، أي انها ستقضي عليها!

لماذا إذن تفتح كل الدول المتطورة أسواقها مع بعضها البعض؟ بالضبط لأنها "متطورة" وقادرة على المنافسة فيما بينها. إنها تفتحها لأنها متطورة، وليس أنها تطورت لأنها فتحتها!

ولماذا تصر أميركا والمؤسسات المالية الغربية على كل مستعمراتها وكل الدول التي تسيطر على حكوماتها أن تفتح أسواقها للبضاعة الخارجية وتضع النصوص بهذا الاتجاه في قوانين منظمة التجارة العالمية؟

لأنها ببساطة تطبق المبدأ أعلاه: إنها لا تريد لتلك الدول ان تتطور وتنافسها، بل تريد ان يتاح لها ان تقضي على صناعة وزراعة الدول النامية، لصالح صناعتها وزراعتها هي واستيلاء الأخيرة على كل الأسواق. إن "حماية" البضاعة من خلال غلق الأسواق بالتعرفات الجمركية العالية مثلا، هي الوصفة السحرية الضرورية لتنمية صناعة وليدة، والحكومات الوطنية تحمي صناعة بلدها تماما كما يحمي الاب والأم طفلهما ويعلمانه حتى يشتد عوده قبل ان يلقيا به في العالم لينال نصيبه. ومثلما ينظر باحتقار لمن يلقي بأولاده في العالم دون ان يتكلف بمصاريف دراستهم، فتنتهي حياتهم الى مأساة، يجب ان ينظر الى الحكومات التي تفتح أسواقها قبل نمو صناعتها وزراعتها باحتقار وشبهة، واعتبارها خطر على البلد.

صحيح أن حساب الربح والخسارة أكثر تعقيداً من الأمثلة المبسطة التي ذكرناها، لكن الخط العام يبقى صحيحاً وأساسياً في تلك الحسابات، وإن تلك التعقيدات قد تقلل أو تزيد من هذا العامل او ذاك، دون أن تحيد النتائج عن الخط الرئيس العام، ويمكننا ان نعتمد عليه لتقييم السياسة الاقتصادية لحكوماتنا دون أي تردد.

من هنا يمكننا ان نحكم على الاتفاقيات التي وقعها عبد المهدي لفتح التجارة مع الأردن، وبدون اية دراسة كافية لإدانته ليس فقط بالإهمال او الجهل، فهو ليس كذلك، بل بالعمالة لجهة تدفع به الى تخريب صناعة وزراعة العراق. فأقصى ما فعله عبد المهدي هو ان أرسل رسالة الى اتحاد الصناعات العراقية يسألهم عن البضاعة التي يرون ضرورة منعها، ولم يهتم بما لدى العراق من صناعة في القطاع العام مثلا. كذلك فان عبد المهدي لم يوافق إلا على نسبة ضئيلة من تلك القائمة، وفتح أبواب السوق العراقية للباقي. وإذا تذكرنا ان "البضاعة الأردنية" لن تكون اردنية فقط، بل ان اتفاقاتها مع إسرائيل، ستعني اننا سندخل بضاعة إسرائيلية، نعرف حجم الكارثة التي ستأتي من تطبيق هذا الاتفاق. هذا إضافة الى إمكانية التلاعب بأوراق البضاعة الصينية مثلا لتصبح "اردنية" وتدخل البلاد، وسيكون على البضاعة العراقية ان تنافس بضاعة لا تستطيع ان تنافسها أفضل الصناعات الأوروبية المتطورة! إن توقيع اتفاقات فتح الأسواق العراقية، وبدون اية دراسات لنتائج ذلك الفتح، ولا تقديرات للحجم المتوقع للبضاعة المستوردة مقابل المصدرة، وعدم الاهتمام حتى بجمع الإحصاءات اللازمة لتلك الدراسة، هو اصدار حكم بالإعدام على اية صناعة أو زراعة عراقية، وهذا ما فعله عبد المهدي!

وفي الوقت الذي نكتب فيه هذه السطور، يتجول رئيس الحكومة الحالي، الذي فرضته السفارة الامريكية على ساسة العراق، في الأردن ومن ضمن مهامه "تفعيل" تلك الاتفاقيات القاتلة! ومن الطبيعي ان نشاهد الحماس الشديد للأردن لدفع الحكومة العراقية لتفعيل تلك الاتفاقات، فهي تعلم ان عشرات المليارات من الدولارات ستصب من العراق الى الأردن نتيجتها، وأن وجود حكومات عميلة بشكل مطلق في العراق يجب ان يستغل بأقصى سرعة لتقييده باتفاقيات، احتياطا للمستقبل.

إذن، فالإشارة في حملات الإعلام، والتي يقودها إعلاميو المؤسسات العراقية والمختصون بالاقتصاد في وزارة الكاظمي اليوم، الى حقيقة ان الدول المتطورة تفتح أسواقها، ليست صدفة وليست خطأً تماماً. فهي الوحيدة التي تستطيع ان تفتح أسواقها دون قتل صناعتها، ومع ذلك فهي لا تفتحها بالشكل الذي فتح به عبد المهدي أسواق العراق.

إن هؤلاء الاقتصاديون المحتالون يتحدثون عن الوضع الحالي لتلك الدول، ولم يجرؤوا على القول بأن هذه الدول نمت عن طريق فتح أسواقها، لأن ذلك كذب سهل دحضه تماماً بمراجعة تاريخ تطور تلك الدول.

لقد شبه الاقتصادي "تشانغ" ضغط الدول المتقدمة على الدول النامية من اجل فتح أسواقها، بأن الدول المتقدمة صعدت الى الأعلى باستخدام "سلّم" الحماية الجمركية لبضاعتها، ثم "ركلت" السلم لكيلا تستطيع الدول النامية استخدامه مثلها للصعود وتطوير صناعتها وزراعتها. ووضع "تشانغ" في كتاب اختار له اسماً معبراً جداً هو "ركل السلّم" (متوفر بالعربي) امثلة كثيرة جداً لمختلف البلدان المتطورة حاليا وكيف انها بدأت كدول تمارس الحماية الشديدة لبضاعتها، وانه لم يكن هناك أي شك في ذلك لأي دولة متطورة، إلا احتمال سويسرا وهولندا ولأسباب خاصة جداً. أما القاعدة العامة لمن لا تتوفر له هذه الأسباب الخاصة، فلا طريق له "للصعود" سوى "سلّم" الحماية، كما برهن تاريخ التقدم لكل الدول المتقدمة الأخرى!

 

صائب خليل

21 ك1 2020