الطيب النقرهجرة العرب في واقع الأمر إلى السودان منذ قرون سحيقة وآماد طوال، ليس شيئاً نفترضه نحن أو نستنبطه استنباطا، بل هي حقائق لن تكلفنا جهداً في إبانتها وتوضيحها، فهناك من يجهل هذه الحقائق أو يتجاهلها، ويتخذ تجاهله هذا مذهباً يصرف نفسه في الهيام به والتعلق بأهدابه، ثم يذيعه في الناس بعد حين في غير تحرج ولا حساب، فقد “شككت بعض هذه الأقلام في عروبة القبائل التي تدّعي هذا الشرف الباذخ، وجادلت في ذلك جدال من أعطى أزمة النفوس، وأعنّة الأهواء، وسعت بكل ما أوتيت من حجج وبراهين أن تطمس حقائق لا يُقدم على دحضها إلا من أوتي فكر فقير مدقع، أو جموح في الخيال

والذي اتضح لي جلياً أن أصحاب هذه الأقلام يعتقدون بأن لهم القدرة على رفع أقوامِ وخفض آخرين، وتصوروا أن باطلهم أشرف من الحق، وأن خطأهم أفضل من الصواب -كما قال المرحوم الزيات في رسالته-، وقد أطنبوا في تحقير هذه القبائل الممتدة على مدار خارطة السودان والزراية عليها، بل تناولوا رموزها بالتهكم والازدراء، رغم درايتهم بأن هذه الرموز كانت مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، وأبناء الطعان، وأنهم مفخرة للسودان والسودانيين قاطبة”.

دعونا أيها السادة في مقدمة هذا البحث نعرف كيف دخلت منظومة الدين الخاتم إلى أرض النيلين من غير خيل ولا ركاب، ونرد التاريخ على أعقابه ليصب في منبعه، ونتتبع مجيء العرب إلى السودان ودخول قاطنيه في الإسلام زرافات ووحدانا، يخبرنا العالم الثبت، والمؤرخ السوداني الذي ارتسم تاريخ أرض النيلين على لوحة قلبه، وانتقش في صفحة ذهنه البروفسير يوسف فضل عن الهجرات العربية إلى أرض السودان بأن العرب المسلمون بدأوا ينسابون منذ العقد الثالث من الهجرة النبوية الشريفة”  من مصر وعبر البحر الأحمر إلى نفس المنطقة ، وفي بطء استمر بضعة قرون أدت تلك الهجرة إلى خلق درجة كبيرة من التجانس الثقافي الاجتماعي والوجداني حتى صارت تلك البلاد جزءاً من العالم العربي الإسلامي يتحدث جل أبنائها العربية ويدينون بالإسلام.

وكانت بلاد النوبة والبجة قد تأثرت ببعض الهجرات العربية الوافدة من جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام، إلا أن أثر تلك الهجرات كان ضئيلاً إذ لم تترك بصمات واضحة على التكوين البشري لسكان تلك الديار، وازدادت تلك الهجرة أهمية بظهور الإسلام الذي أعطاها التوجه الديني والدعم السياسي، وقد أخذت تلك الهجرات صوراً متعددة بعضها بقصد التجارة أو التعدين أو طلباً للمرعى أو هروباً من ضغوطات الحكومات القائمة على أمر مصر”.[1]

وفي بدء الأمر وقف المسلمون على أبواب النوبة والبجة، ثم اشتبكوا بهم ليضعوا حداً لهجماتهم المتكررة على ديار المسلمين في مصر، وسارت الجيوش العربية حتى بلغت دنقلا، ولكنها قوبلت بمقاومة شديدة من النوبيين وكان نتيجة ذلك الغزو(651-652م) أن دوخ المسلمون مملكة النوبة المسيحية ولكن دون أن يقضوا على سلطانها قضاءاً تاماً، وعقد عبدالله بن سعد بن ابي السرح مع ملكهم معاهدة نظمت العلائق بين العرب والنوبة في شئون السلم والتجارة، وظلت هذه المعاهدة التي عُرِفت بعد النوبة أو معاهدة البقط تمثل الركن الأساسي في العلاقات بين المسلمين والنوبيين لفترة تقارب الستة قرون.

وفي فترة سريانها تسربت المؤثرات الإسلامية وتدفق التجار العرب في هدوء أدى في نهاية الأمر إلى تغيير مسار بلاد النوبة السياسي والاجتماعي والديني، وتمكن المسلمون أيضاً من عقد سلسلة من المعاهدات المماثلة لعهد النوبة مع البجة مكنتهم من التوغل في ديارهم واستغلال مناجم الذهب والزمرد في الصحراء الشرقية، في حمى هذه الاتفاقيات، ونتيجة لقرار المعتصم بحرمان المقاتلين العرب من العطاء وأبعادهم عن الجيش تدفق العرب في أعداد كبيرة بلغت الذروة في العهد المملوكي، وانفتح المهاجرون على المجموعات الوطنية معايشة واختلاطاً واستغلوا نظام الوراثة عن طريق الأم الذي كان متفشياً في السودان فبسطوا نفوذهم تدريجياً على أجزاء كبيرة من البلاد”.[2]

انتشار العرب في أنحاء السودان

ومهما يكن من شيء فقد استيقن العرب أن التوغل في هذه البلاد قد أمسى متاحاً لهم، وأن لهم عضداً يسندهم، فتتابعت قوافلهم في مضاء وعجل، وينبغي أن نتصور حال هذا العربي الذي انتقل لتوه إلى ديار لا تضطرك أن تفكر فيها تفكيرا طويلاً متصلاً لأن الحياة فيها وداعة مستقرة، وليست على شاكلة تلك التي انتقل منها، فحياته الماضية كانت حافلة بالأحداث لا تمر عليه لحظة من اللحظات، أو ساعة من الساعات، إلا لقيه فيها حدث قد يرضيه أو يسخطه، وقد يدفعه إلى الذعر أحيانا.

أما هنا فلا يتأثر بالفكر إلا بمقدار، ولا يأبه للأحداث إلا من حيث أنها قد انصبت عليه، أو تجهمت له، عاش العربي في جنوب الوادي ولم تمتد إليه يد ضائم، بل وجدناه نتيجة لنظام الوراثة عن طريق الأم قد حاز على مقاليد السلطة، وكذلك عن طريق الالتحام قد نشر تدريجياً إسلامه وثقافته العربية، وأضحى مؤثراً في محيطه والبرهان على هذا الزعم”  تمثل الوطنيون اللغة العربية والأنساب العربية تمثلاً تاماً، ولكن المدهش أن البجة والنوبة رغم أنهم أولّ من اتصل بالإسلام العربي حافظوا على لغاتهم المحلية، وعلى اثر ذلك شهد الجزء الشمالي من السودان الشرقي اختلاطاً بين العرب والنوبة والبجة من جهة وبين الإسلام والمسيحية والوثنية من جهة أخرى، وكيفما كان الأمر فإن اكتمال انتشار الثقافة الإسلامية وغلبتها كان من مجهود الفقهاء ورجال الطرق الصوفية، في كنف ملوك العبدلاب والفونج والفور، إلى حد ما”.[3]

هذه الحقائق نسوقها لكل من أنكر أو ارتاب في عروبة السودان، داخل السودان وخارجه، فهذه القرون المندثرة من وجود العرب في السودان تنسخ هذه الافتراءات التي لا تمت للحقيقة بصلة، كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال، إذن ففيم الخلاف، وعلاما الجدل؟ في عروبة السودان الذي لم يجد مداً هادرًا لحيويته، ولا سنداً صلداً لقوته، ولا أساساً متيناً لثقافته، إلا في دينه الذي اعتنقه السواد الأعظم من السود، ولغته التي يتخاطب بها عموم الجهلة و المستنيرين في البيادر والنجوع، فمن يصر عليه غيه، ويمعن في تيهه، فعليه أن يلقي نظرة عجلى في تلك الخلائق المبثوثة في القرى والمدن والأسواق، ويطالع تلك الوجوه التي تكسوها الطيبة على تنوعها واختلافها سوف تخبره على خطأ تصوره، وزيف اعتقاده، وحتى لا أطيل إظهار التفجع على مثل هذا الافتئات الذي درجنا عليه فنحن أمة لا تلتفت إلا لما يشاع عنها من بعد، وتغفل عن البلاء الذي لا يختلف باختلاف الظروف، فصراع الهوية المترتب على دخول العرب إلى السودان يسير على منهاج واحد منذ قرن ونيف ولن ينتهي إلا إذا خاطب الكل بعضهم البعض بأسلوب منزه عن الاستعلاء.

لقد توالت هجرات القبائل العربية المسلمة إلى السودان على مر القرون التالية، وعبر العهود الإسلامية المختلفة لتستقر القبائل الوافدة على ضفاف النيل، ثم اضطرهم ضيق الأرض إلى التوغل جنوباً في محاذاة النيل ثم انتشروا شرقاً إلى أن التحموا بقبائل البُجا، ثم اتجهوا إلى أواسط السودان وهناك وجدوا أرضاً واسعةً قليلة السكان أجواؤها و تضاريسها شبيهة بأحوال الجزيرة العربية وبها من أسباب العيش ما يجعلها خير مستقر لهم، وتواصلت الهجرات العربية متوغلةً في السودان جنوباً وغرباً إلى أن صدتهم طبيعة الأرض والمناخ الاستوائي وكثافة السكان من القبائل النيلية من أن يصلوا إلى عمق القارة (في جنوب السودان) أو إلى خط الاستواء فاتجه بعضهم غرباً إلى شمال دارفور وإلى تشاد.

هجرات شمال إفريقيا

وهكذا تشكلت المنطقة العربية في السودان كما نعرفها اليوم وقامت لهم فيها ممالك وإمارات ودويلات كانت في البداية مستقلةً، بعضها عن بعض، وقد أدّى توطّنُ العرب في السودان ومخالطُتهم للسكان الأصليين إلى انتشار الإسلام وغلبة اللسان العربي في شمال السودان ووسطه، على أن بعض اللهجات السودانية القديمة لم تندثر إلى اليوم لا سيّما في المناطق الأقل اختلاطاً بالعناصر العربية، وفي الحقيقة استمرت الهجرات العربية الكبيرة تصل إلى السودان حتى القرن الثامن عشر، مثل قبائل الرشايدة والزبيدية الذين حلّوا في شرق السودان، على أنه كانت تصل إلى السودان عن طريق حدوده الغربية جماعاتٌ أخرى من بلاد المغرب ومن بلاد شنقيط في تطوافهم لأجل الدعوة أو في طريقهم إلى الحج، كثيرون من هؤلاء استقروا بالسودان وكونوا أسراً وجاليات ظلت معروفة إلى حين أن انصهرت وأصبحت بعضاً من النسيج العربي في السودان.

كذلك جاءت إلى السودان وفادة كبيرة من دول غرب إفريقيا لا سيما من قبائل الهوسا المسلمة من شمال نيجيريا حلّوا في بِقاع متفرقِة من السودان”.[4] ويرى العلّامة بروفيسور عبدالله الطيب أن بلاد السودان”  أكرمت الصحابة وأجارتهم فذكروا لها ذلك، وآثر أنهم نهوا المسلمين الأولين أن يقع منهم اعتداء على هذه الجهات، وذلك أعان على نشر الإسلام في بلاد السودان كما لم ينتشر في أي بلاد أخرى، لأن المسلمين لم يوجفوا على بلاد السودان بخيل ولا ركاب، وإنما تغلغل الإسلام فيها من طريق الكلمة المباركة والدعوة الحسنة، وبالرغم مما أضافه الفقهاء أنه يكره السفر إلى بلاد الكفر وإلى بلاد السودان، على الرغم من ذلك انتشر الإسلام في بلاد السودان، ويرى العلّامة الراحل عبدالله الطيب أن دخول الإسلام في بلادنا أدخل معه علوم الإسلام، والمذهب الذي غلب في بلدنا مذهب أهل المدينة، المذهب المالكي، والقراءة التي غلبت على بلدنا رواية الدوري عن أبو عمرو إلا في الناحية الشمالية من السودان انتشرت قراءة ورش فيما عدا جزيرة لبب -مسقط رأس الإمام المهدي- فإنه كان يقرأ فيها بأبو عمرو”.[5]

اتصال السودان باللغة العربية

دخلت اللغة العربية إلى السودان في يسر ورفق ولين عن طريق الهجرات العربية قبل أن تبزغ شمس الإسلام، وانتشارها في تلك الفترة لم يكن ينتهي بنا إلى حكم أو يبني قاعدة، وبعد أن عرفت سلطنة سنار المسلمة نفسها، وتبينت قصدها، وأحّست بفداحة حملها، غدت هذه اللغة السامية محل عناية واهتمام، ولكنها لم تمسى أداة تعبر عما يحسه السود ويجدوه إلاّ قبل عدة عقود، فالسودان كانت تتسيده على مدار التاريخ لهجات كثيره لا حصر لها، بعضها اندثر وما تبقى منها كان في طريقه إلى الاندثار لولا أخطاء حكومة الإنقاذ التي أججت في النفوس أوار القبلية، وأذكّت من حمم الهيجاء، ولعل الشيء الذي أكاد أجزم به أن السودانيين الذين يتحدثون هذه اللهجات، ويتعصبون لها، قبل أن تفرض حكومة الاستقلال المجيدة اللغة العربية على الجميع، قد اختلفوا إلى خلاوي شيوخ المتصوفة زمناً قصيراً أو طويلا، وأنهم قد استفادوا من هؤلاء الشيوخ، وكل هؤلاء قد اجتهد في أن يرفع وصمة الجهل ما استطاع عن خاصته وأقربائه حتى يلموا بتلاوة القرآن وفهمه.

إذن “السودان قد عرف اللغة العربية منذ زمن قديم عن طريق هجرات عربية سابقة لدخول الإسلام إليه، فقد جاء خبر ذلك في عددٍ من المصادر الموثوق بها رغم أن كتابات المحدثين عن تاريخ السودان غالباً ما تتجاوز الحديث عن البدايات الأولى لاستعراب السودان، وقد لخص الإداري المؤرخ “ماك مايلك” في الجزء الأول من كتابه الشهير “تاريخ العرب في السودان” مجمل ما انتهت إليه الدراسات في هذا الشأن بالعبارة التالية – والترجمة بتصرف من عندي: لقد أصبح من الحقائق التي لا خلاف عليها أن استيطان العرب المسلمين في السودان أدَّى إلى تغيير عميق في الأصول العرقية لسكانه الأصليين، بيد أن هذه الحقيقة الأولى لا يجب أن تحجب الحقيقة الثانية التي تتساوى معها في الأهمية وهي أن القبائل العربية كانت منذ زمن بعيد قبل ظهور الإسلام تعبر (من جهة الشرق)، إلى السودان ثم إلى مصر.

فالسفر على شواطئ البحر الأحمر الشرقية والغربية كان في الماضي أمراً ميسوراً بل إن التجار العرب وصلوا في ذلك الزمان الباكر إلى نهر النيل من جهة الشرق، وكانت المنطقة إلى جنوب مصر تعد منطقة اختلاط بين العرب والسكان الأصليين، حيث استق كثير من العرب العابرين عن طريق أريتيريا والبحر الأحمر في السودان لكونه الأقرب إلى طبيعة بلادهم.

ولعل انهيار سد مأرب في الزمان الماضي كان بمثابة الانفجار الكبير الذي فرق القبائل اليمنية أيدي سبأ وبعد بين أسفارهم في أيما اتجاه، فمنهم من عبر إلى السودان عن طريق الحبشة، ومنهم من واصل سيره إلى الغرب في أقصى الشمال الإفريقي، كما فعل إفريقس بن ابرهة ذي المنار وهو الذي غزا السودان من جهة الحبشة وواصل سيره إلى بلاد المغرب ابتنى فيها مدينة إفريقس التي نسب إليها اسم القارة”.[6]

لقد توافدت قافلة العرب إلى السودان غير ظلعاء ولا وانية، وأضحت تتقارب وتتضام وتصاهر وتنصهر مع قبائل السودان المتعددة، يدفعها إلى ذلك شعورها وإدراكها بأهمية هذا التمازج وما يترتب عليه، وسارت وراء حدسها بخطى الواثق المطمئن حتى دان لها الأمر، وصارت لها الغلبة، وخضعت لها الرقاب، حتى صار هاجس كل قبيلة أن تجمعها آصرة رحم، أو نسب شابك، أو واشجة عرق بقبيلة من هذه القبائل التي طرأت قريباً على بلادهم، واستمر هذا التهافت حتى بعد استقلال البلاد من قبضة الأجنبي، فهناك الكثير من القبائل التي تدعي أن لها شرفاً صاعداً، ومجداً باذخاً، ومكانة بعيدة المرتقى، رغم يقينهم في قرارة نفسهم أنهم ليسوا عربا خلصاً.

سيطرة اللغة العربية على الألسنة والأذهان

ويقيني أن الشماليين ما هم إلاّ “شعب هجين تغلب عليه الثقافة العربية، وقد وعى سودانيو الشمال هذه الحقيقة منذ أمد، فهم يعتزون بأنهم عرب وأفارقة دون قلق أو تناقض، بل أن سواد بشرتهم، وهم أكثر العرب أفرقة يجعلهم أقرب إلى التكوين الثقافي والنفسي لإخوانهم في الجنوب، وظهرت هذه الحقيقة جلية واضحة عندما خرجت أجيال من السودانيين تطلب العلم في أوربا وأمريكا وسائر البلاد العربية، وقد ذهلوا لشدة الشبه بينهم بين الأمريكيين السود ومواطني جزر الهند الغربية وكثير من الأفارقة، ولاحظوا في نفس الوقت ما يفصلهم عن بعض العرب شكلاً ومخبراً(أو شخصية)، هذه بعض المؤثرات النفسية التي جعلت بعض من يبالغون في صراحة عروبتهم يراجعون مواقفهم”.[7] وهذا الرأي رغم وجاهته فانه لا ينطبق على كل الشماليين، فوهم النقاء العرقي يدلس لبعض المتباهين بأحسابهم الرأي، ويموه لهم الباطل، وهناك شواهد صادقة على هذا الزعم.

وجود العنصر العربي في السودان وهيمنته على مفاصل الدولة، واستحواذه على المناصب السيادية والدستورية، وسيادة اللغة العربية وسيطرتها على الألسنة والأذهان، خلق حالة من الغبن والامتعاض لدى بقية القبائل التي يذخر بها السودان المتعدد مما حدا بها أن تشعر بأن قبائل الوسط والشمال العربي لا تحفل لهم برأي، أو ترجع إليهم بخبر، ونجم عن هذا الشعور صدعاً بين القبائل، وأفئدة اجتاحتها الغوائل، فأين هو الإنصاف الذي يكشف الضر؟ والمساواة التي ترضي الحر؟

والغريب أن كل الحكومات المتعاقبة تدرك سر النهوض، وتعرف حقيقة الإصلاح، ولكنها لم تحرك ساكناً لتلافي الأمر قبل أن يستفحل ربما كان من الأجدى بعد هذه الإضاءة أن نتحدث عن الأسباب التي جعلت اللغات الأخرى التي يعج بها السودان ضئيلة فاترة، إن السمة الطاغية للغات السائدة في السودان هو التغير في الانتقال التدريجي للغات المحلية التي تتجاوز المائة لغة التي تقهقرت وتراجعت أمام طوفان اللغة العربية، فإن”  السعي التاريخي للسلطات السياسية المتعاقبة في السودان منذ الاستقلال، إلى اتخاذ سياسة لغوية بتنمية لغة مشتركة( اللغة العربية) إنما ينطلق من اعتقاد ضمني بأهمية اللغة المشتركة في خلق وحدة وطنية وبلورة قيم اجتماعية وسلوك نمطي.

ولكن الطبيعة الجدلية للظاهرة اللغوية في مجتمع متعدد اللغات كالسودان تنطوي انطواءً عضوياً على عوامل معرقلة تشكل كوابح عصية في مسار هذا التوجه، إذ تتعرض مثل هذه السياسة اللغوية القاصدة إلى الوحدة لمعارضة شرائح ذات مواقع استراتيجية في المجموعات العرقية، وتتأتى هذه المعارضة انطلاقاً من إحساس هذه الشرائح بأن لغاتها المحلية قد همشت، وأن قدرتها على الإبداع الأدبي والثقافي، وأن إمكاناتها على الحراك الاجتماعي قد كبلت وأن هويتها الجماعية قد صودرت، وعندئذ تشتد حدة الصراع البين-جماعي الدائر أصلاً لعوامل قد لا تكون  ذات صلة باللغة ابتداءً، فيبدأ هذا الصراع يأخذ أبعادا عاطفية تسعر اللغة أوارها”.[8]

ويذهب الدكتور عشاري أحمد محمود في مقاله “جدلية الوحدة والتشتت في قضايا اللغة والوحدة الوطنية في السودان” أن من أهم الأسباب التي زادت من رقعة اللغة العربية وانحسار اللغات المحلية في السودان هي”  الظواهر المتمثلة في نشأة المدن والهجرات من الريف وزعزعة المزارعين، والتزاوج بين المجموعات العرقية-اللغوية، والتعليم باللغة العربية وتعقيد شبكات التواصل المباشر أو عبر وسائل الاتصال الجماهير الكبرى، كذلك تأسست أعراف وتقاليد وتوقعات حيال اللغة العربية واللغات المحلية ارتبطت بالقيم الشرائية المتمايزة لكل من هذه اللغات وبالوعي الشعبي حول  مستقبل كل منها، ونحن إذا نركز على جذور سريان العربية، والعوامل الاجتماعية المصاحبة، والقيم الشرائية المتمايزة للغات في السوق اللساني، فذلك لكي نبين منعة الأسس المادية والقيمية التي يرتكز عليها سريان اللغة العربية والتي تنطوي في ذاتها، على عوامل خلخلة وتقويض دعائم اللغات المحلية في المجتمع”.[9]

خاتمة المقال وأهم النتائج التي حفل بها:

الباحث يريد أن يأخذ الناس برأيه على ما فيه من عوج وأمت، ولهم أن يقوموه أو يضيفوا إليه إذا لاح شيء طارئ، أو برهان جديد، فبعض الناس يجد لذة نفسه ومتاعها في إنكار عروبة السودان، ويتمنى أن يعجب الناس بما ذهب إليه، ويسيغوه ويعجبوا به، لسبب يسير جدا وهو أن غالبية قاطني تلك الرقعة قد اكتسبت ألوانهم اللون الكالح، ولم تجتهد هذه الطائفة ما استطاعت في تحصيل الصواب، وخاضت فيما انتحله الناس ولم يحسنوا رعايته، أو الحرص عليه،  وليس في هذا الزعم شيئا مألوفا قد نقبله أو نرفضه، ولكنه قد يدفعنا أن نستنطق القياس المنطقي عند الاستدلال، وندعي أن اللون الأبيض الناصع البياض الذي نجده في كثير من أقطار الشام وشمال أفريقيا أيضا لا يمت للعروبة بصلة أو يصل إليها بسبب.

عروبة السودان ليست محض افتراء يجب تأولها والتأمل فيها، بل هي حقيقة راسخة مثل انتمائه الإفريقي الذي لا نحتاج أن نتكلفه أو نسعى لإثباته بالعقل والبصيرة، فهو ثابت باليقين المطلق، والأدلة الساطعة. عروبة السودان على كثرة أدلتها، وتنوع براهينها، ما زال جحدها يتكرر في كل يوم دون انقطاع، ويتحدث عنها الناس ويطيلوا الحديث، كأنها خطوب يريدون منها أن يمتحنوا صبر السوداني وجلده، السوداني الذي تمضي أعوامه متصلة في حياة ناضبة تشبه بعضها بعضاً، لم يترك بعد هذه الآثام رغم ما تفرضه عليه من قيود وعنت، فالقبلية لم تخفف من قيودها وأغلالها على نفسه، ورغم أنه يعلم أنها خيل تجري به إلى باطل، وجلبة تودي به إلى ضلال، إلا أنه ما زال يجهل كيف يعفر وجهها، وينتهي بركابها إلى الإعياء. لقد أفسدت القبلية عقولاً كانت قمينة بأن تصلح، وعوّجت أحزاباً كانت جديرة أن تستقيم، وأفسدت طبائع كانت خليقة أن تهتدي إلى أسرار المنثور والمنظوم التي ذمت العصبية وغالت في قدحها.

ما زال السودان الذي تراقبه دول العدى مراقبة متصلة دقيقة يستقبل الوفود التي تترى إليه دون كلل أو انقطاع، ووفود أخرى تتأهب للقائه بعد أن هشت له ومالت إليه، بعد أن بهرهم منه خير جم، وفضل كثير، ورغم ما أصاب السودان من النكبات على كثرتها إلا أنها لم توقف من هدير هذه الهجرات أو تسنى من عزيمتها، وقد أضحى ملتقى التجار من أنحاء البلاد العربية والإسلامية، وقبلة لكل مذعور وفار، يطمئن فيه إلى الأيام، وتسكن فيه عبراته المسفوحة، وتهدأ جفونه المقروحة، وتنقطع الأسباب بينه وبين الشجى والآلام

 

الطيب النقر

 

 

كاظم الموسويمن إيجابيات وسائل الاتصال الجديدة أنها تطلع متابعيها باشياء كثيرة، وتمكن من معرفة ما يصب  في الصالح العام أو مما لا يضر أو يشكل خطرا، وساختار منها بعض ما اسميه بالهوامش في الحياة العامة، وفيها ما ينفع للمقارنة والتذكير بما يفيد ويخدم كل من يعنيه أمره أو يهمه وضعه. وهي بالتالي تحمل معانيها ودلالاتها وكذا العبرة منها رغم أنها ليست الشاغل الرئيس.

هذه الهوامش انقلها من فيديوهات كثيرة، تصور سلوكا أو تصرفات أو أعمال مسؤولين في بلاد "غير العرب والمسلمين"! أو الغرب، عموما، غير ما تبثه الوسائل الإعلامية عن خطب أو أوامر الحمقى والعنصريين من أندادهم أو اقرانهم في بلدان اخرى، مجاورة لهم أو محسوبة عليهم. من بين الكثير من الفيديوهات صور عن وقوف وزير أو رئيس وزراء في طابور بشري أمام الصراف الالي لسحب نقود ببطاقته الشخصية، أو يتنقل بدراجة هوائية للذهاب إلى العمل او عائدا إلى البيت وينتظر ايضا عند إشارة المرور الحمراء لتتحول إلى خضراء ويمر كغيره من المواطنين راكبي الدراجات الهوائية في ممرهم الخاص بالدراجات وليس على رصيف المارة العابرين. كما نشر عدد من الفيديوهات لوزراء عديدين يستعملون الدراجات الهوائية في تنقلاتهم وذهابهم الى العمل الرسمي صباح كل يوم ومع كل ظروف المناخ وتغيراته في بلدانهم المعروفة بتقلباتها اليومية. وهناك قصص كثيرة عن هذه الظاهرة بعينها، ظاهرة الدراجات والمناصب، وكذلك هناك فيديو عن وزير يجلس على درج أمام بناية حكومية ويقرا في اوراق تخص عمله باهتمام انتظارا لخروج زوجته الموظفة في تلك الدائرة للذهاب سوية الى موعد لهما، وتلك مشاهد عادية في الأيام الاعتيادية في تلك البلدان، لا تثير دهشة عند السكان، الا عند بعض المهاجرين واللاجئين فيلتقطون فيديوهات ويبثونها على الانترنت. مثلما حصل لشاب جزائري مقيم في النمسا، حين صعد داخل عربة "المترو" في العاصمة فينا، ووجد نفسه واقفا الى جانب الرئيس النمساوي الكسندر فان دير بيلين، فالتقط الشاب الجزائري صورة "سلفي" مع الرئيس. وكتب عند بثها "فان رئيس جمهورية النمسا متوجها الى مقر عمله برئاسة الجمهورية، لاحظوا معي الرئيس واقفا في العربة، لا يوجد كرسي فارغ، ولم يقدم أحد له مكانه، ولا أحد قربه يهوّس ويصفق بالروح بالدم.... لان شعب النمسا لا يُصنع الطغاة والجاهلين .. ولا يحمي الفاسدين"!.

ومن الصور التي تداولتها الوسائل الإعلامية مؤخرا عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، (67 عاما) وهي التي حكمت بلدها اكثر من عقد ونصف من السنوات في ظروف سياسية متموجة، وإدارت الحكم بحنكة مشهود لها، وقررت عدم الترشح لرئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي بعد خسارته في الانتخابات التشريعية الأخيرة في مقاطعة هيسه التي تشكل اختباراً وطنياً لميركل وفريقها في برلين.. ورحبت في الانتخابات الأخيرة لحزبها بفوز، أرمين لاشيت، (تولد 18 شباط/ فبراير 1961) الحليف لها برئاسة الحزب والترشح من بعدها لمنصب المستشارية بعد أكمال فترتها وانتهاء عهدها حيث اختارت أن تتقاعد عن الهم الوظيفي لتواصل حياتها الخاصة والسياسية من الداخل الحزبي والمعنوي الشخصي. فإضافة لموقفها هذا ولموقعها الرسمي تداولت صور عنها في الأسواق العامة تتسوق بنفسها وتحمل ما تشتريه بنفسها وتدفع ببطاقتها البنكية الخاصة بها، كاي مواطن، وتركب سيارتها دون تطبيل وتزمير وحرس وجرس. وكذلك نقلت صور عن رئيس وزراء كندا، جاستن ترودو، (تولد25  كانون الاول/ ديسمبر 1971) وهو يلتقط صورا شخصية مع العابرين، بطلب منهم، في محطة مترو، يستخدمها لتنقلاته في نهار يوم عمل له. ويحكم حكومة ملونة بكل الالوان المكونة للشعب في بلاده، بازيائهم وتقاليدهم، دون تمييز أو تفريق للون أو دين أو عرق أو جنس. مع احترام كامل للقانون والأعراف والتعايش الإنساني.

واخر اخبار هولندا، استقالة الحكومة ورئيس الوزراء مارك روته، بعد اتهام آلاف العائلات عن طريق الخطأ بإساءة استخدام أموال رعاية الأطفال التي تقدمها الحكومة ومطالبة العوائل بإعادتها. واعترفت الحكومة لاحقا بعد التنسيق مع مسؤولي الضرائب بالخطأ الذي تعرضت له هذه الأسر التي تنتمي في الغالب لجذور من الأقليات والمهاجرين ما أدى لتعرض بعضها لأزمات مالية. ونتيجة الضغوط المتعددة الاتجاهات، قال روته "لقد تم اتهام وتجريم مواطنين أبرياء وتعرضت حياتهم للدمار". وأضاف في تصريحات صحفية أن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق حكومته، بسبب تصريحاته التي اتهم بها بعض سكان البلاد بالغش في المساعدات الاقتصادية والاجتماعية. وسبق أن اشتكت عوائل كثيرة من ذلك. واعترف في العام الماضي، مسؤولو الضرائب بأن 11 ألف شخص تعرضوا لتدقيقات إضافية بسبب حملهم جنسية أخرى مع الجنسية الهولندية. وعزز ذلك الاعتقاد السائد بين الأقليات العرقية المختلفة في هولندا بأنهم يتعرضون للتمييز السلبي بشكل مؤسساتي ممنهج من جانب السلطات.

ووفق ما نقلته مراسلة بي بي سي، أن بعض المراقبين ينظر لاستقالة الحكومة على أنها تقدير للمسؤولية عن الفشل، إلا أن البعض يرون أنها جاءت بهدف تجنب تصويت بنزع الثقة من جانب البرلمان.

وعودة الى النمسا، حيث قدم الرئيس النمساوي فان دير بيلين اعتذاره، على مخالفته للقواعد التي فرضتها الحكومة على عمل المطاعم في ظل جائحة كورونا. حسب ما أفادت صحيفة نمساوية بأن الشرطة وجدت رئيس البلاد مع زوجته جالسا في شرفة أمام أحد المطاعم الإيطالية في العاصمة فيينا بعد منتصف الليل، أي بعد انتهاء الموعد المحدد لعمل المطاعم.

وقد غرّد الرئيس النمساوي على حسابه في "تويتر": "لأول مرة منذ بدء الإغلاق خرجت من المنزل مع زوجتي واثنين من أصدقائي لتناول العشاء، وأطلنا الحديث ولسوء الحظ داهمنا الوقت... آسف حقا... كان هذا خطأ". وأضاف أنه سيتحمل المسؤولية عن أي ضرر يلحق بصاحب المطعم بسبب المخالفة، في إشارة إلى أنه سيدفع عن المطعم 30 ألف يورو جراء المخالفة المرتكبة هذه.

وهناك فيديوهات وهوامش اخرى مشابهة وفيها صور للمقارنة والتذكير، عسى أن تأخذ باي قدر أو مقدار.  كما هناك روايات وتعليقات عليها تنفع ايضا في الاعتبار والعبرة، لمن يستفيد رغبة لا أمرا ويترك بصمته وذكره مثلما تناقلت هذه الصور الواقعية في مشاهدها وتاريخها، فهل تتمدد وتتسع جغرافيا ويسجل التاريخ تطورات وتحولات لا حدود لها؟!.

 

كاظم الموسوي

 

 

عامر صالحقد يكون ليس من المفيد الأنشغال بما قالتة بنت الرئيس العراقي السابق صدام حسين في مقابلة لها عبر حلقات متتالية في قناة العربية  التي تمولها وتملكها المملكة العربية السعودية، وهي مقابلة في مجملها تعكس عن ضحالة الفكر والتحليل لدى بنت الدكتاتور صدام حسين للأحداث التي مر بها العراق بعد وقبل سقوط النظام وتعبر اجاباتها عن ثقافة اقطاعية ـ ابوية استمدتها من ثقافة والدها الذي تشبعت خطاباته انذاك بلغة الانشاء الردئ او بأقتباسات لا يعرف معناها حين يستخدمها، ولكن الأعلام الرسمي والصحافة الصفراء سوقت خطاباته كرؤوس اقلام ترسم ملامح مستقبل افضل للعراق، كما عكفت الجامعات العراقية في زمنه الى استخدام العلم لمصلحة الدكتاتور واصبحت خطبه موضوعات للدكتاتوراه والماجستير تنال شرف الأمتياز عن اللاشيئ. 

كما عكست قناة العربية وتبنيها لتلك المقابلة والأعداد لها من خلال الأسئلة  ومظاهر الحفاوة والتكريم والاعتزاز ببنت الرئيس" رغد صدام حسين " المقبور أن هناك رسالة خاصة جدا تريد السعودية والاعلام الموالي لها ايصالها الى المعنين بالشأن العراقي اليوم والى الخصم المستفحل المتمثل بأيران وحلفائها في المنطقة، وكعادة البراغماتية السعودية فهي تجيد اللعب على الحبال في قدرات استثنائية لأظهار التعاطف والحب والمودة للشعب الذي يكتوى بالصراعات الأقليمية والطائفية ولكن في اجندتها لامانع من ابادته ارضاء لأجندتها الخاصة كما يحصل في اليمن في صراعها الأقليمي مع ايران بشكل خاص، والطرف الايراني هو الآخر لا مانع لديه من حرق دول مستقرة وزجها في آتون اجندتها العقائدية المتخيلة بالحق الآلهي المطلق. 

القناة العربية استخدمت التفاهة في صراعها مع اعدائها الأقليمين وحلفائهم في الداخل، وبالتالي سوقت مقابلة بنت الرئيس وهي الأضعف حلقة من حيث المحتوى والأداء وافتعال الكبرياء والأبهة لمن تقابلهم لأشاعة جو من القناعة لدى المتلقي أن ما تتحدث به بنت الرئيس سوف يلقى آذانا صاغية لدى المتلقي العراقي وتهديدا خفيا للطرف الاقليمي، ولكن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية ويشدد من قبضة الكراهية للسعودية، لأن اختيارها لبنت شخصية كان يتمنى السعوديون زوالها بل ووقفوا مع الامريكان لأسقاطه، كما صدرت فتاوى سعودية بتكفيره، وبالتالي فنحن امام نموذج متحايل للتعامل مع الحقائق والمواقف السياسية عبر توظيفها بطريقة تافه على مستوى محتوى المقابلة ام استثمارها في الزمان وأمكنة الصراع المحددة. ولا ننسى احتجاج الكويت التي احتلها الرئيس السابق على قناة العربية وعلى بنت صدام حسين، حيث صادفت المقابلة بعد ايام من تحرير الكويت، وكانت اجابات بنت صدام تسويفية لأدانة احتلال الكويت. 

المقابلة أثارت أزمة على المستوى الداخلي، فيما يحتمل أن تُحدث تصريحات رغد بشأن إيران ودورها الخبيث في بلادها أزمة بين ثلاث دول هي العراق والسعودية والأردن، حيث طالب رئيس لجنة الشهداء والضحايا والسجناء السياسيين عبد الإله النائلي، وزارة الخارجية، عبر خطاب رسمي، باستدعاء سفيري مملكتي الأردن والسعودية لتسليمهم مذكرة احتجاج، على هذا اللقاء. اللجنة في خطابها علقت على تصريحات رغد بأنها "تجاوز سافر على الشعب العراقي، وتضحياته في مقارعته لحزب البعث"، فيما أشار النائلي إلى أن استدعاء السفير السعودي نتيجة أن القناة التي خرجت منها رغد هي قناة سعودية وتخضع لإملاءات القيادة السياسية هناك، أما استدعاء سفير الأردن فلكون بلاده هي من تستضيف رغد وعائلتها منذ سنوات طويلة. 

ولكن نعتقد ان الاعتراض الرسمي العراقي على مقابلة بنت المقبور هو اسوء من المقابلة ذاتها، فهي يعطي تضخيما للحدث اكبر مما تستحقه المقابلة نفسها، وبالتالي يعكس الخوف المتنامي لدى القوى السياسية العراقية الطائفية وجبهتها الداخلية المتصدعة في احتوائها للتصريحات والانتقادات للأوضاع الحالية في العراق. تحدثت بنت صدام عن سوء الاوضاع اليوم في العراق وهذا صحيح للقاصي والداني، ولكنها اخفت كوارث نظام والدها وحروبه العبثية واستنزاف موارد البلاد في العسكرة والعدوان ثم الحصارات المفروضة بفعل تلك السياسبات التي زرعت الفقر والفاقة والتدهور القيمي والاخلاقي وانهيار البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والتي تمادى بخرابها نظام بعد 2003 بالفساد وسرقة المال العام والخراب الشامل. 

اما على مستوى السياسية ورغبة بنت المقبور بممارسة دور سياسي ما في العراق، فقد اثار هذا غضبا لدى قوى السلطة، وكان يفترض عكس ذلك تماما استنادا ان هناك قاعدة جماهيرية تحمي النظام الديمقراطي من البعث وشظاياه، ولكن بالتأكيد ان ازمة النظام المحصصاتي اصبحت على درجة من الحساسية والخوف وتستفزها ابسط التصريحات وفي مقدمتها بنت صدام التي لا علاقة لها بالسياسة حسب قولها. والأمر هنا فيه عودة مجددة الى فوبيا البعث التي طالما زرعت الأرق في نظام المحاصصة.

والتعقيد هنا ناتج من أن خبرة البعث السابقة في إدارة الدولة وخباياها بطريقة رجل " منظمة المافيا السرية " الذي يحيا ويموت على عدم الثقة بالآخر، وعلى الانقلاب من داخله وخارجه، مكنت الكثير من كوادره وقياداته أن تشكل خلايا أخطبوطية، سياسية وأخلاقية داخل الدولة والأحزاب الحاكمة، ناهيك عن وجودها المستقل علنا والمعلن بعدائه للعملية السياسية.

وقد سهلت التركيبة الطائفية لأحزاب الإسلام السياسي باحتماء الكثير من عناصر البعث ذات الطبيعة الإجرامية،فقد اندست في صفوفه إما " بلحية قصيرة وخاتم " أو " بلحية طويلة وسروال أو دشداشة قصيرة"، وبذلك اختلطت الانتماءات بين شيعي تقي ومؤمن، و شيعي ـ بعثي مجرما، أو بين سني يخاف الله ورسوله، وسني ـ بعثي قاتل. وعلى هذا الأساس تم تشويه صورة الصراع الاجتماعي ، وإضفاء الصبغة الدينية عليه، والذي بطبيعته لا صبغة دينية له، وهكذا أيضا بدأت تتشكل ملامح سياسة " مساواة الجلاد بالضحية "، أو وضع الظالم والمظلوم في سلة واحدة وفي الحزب الواحد، وبذلك تحولت الأحزاب التي تدعي المظلومية إلى أحزاب هجينة وبلون رمادي قاتم لاهوية سياسية لها،وبفعل ذلك أيضا فقد أصبحت بعض من أحزاب الإسلام السياسي مصدرا لحماية البعث والكثير من عناصره الدموية، وتشكل هذه العناصر بنفس الوقت جزء لايستهان به من قاعدة تلك الأحزاب " الجماهيرية " سنية أم شيعية. 

ونؤكد هنا إن قواعد هذه الأحزاب لا ترغب مطلقا بعودة النظام السابق بأي شكل من الأشكال ولا يرغب بعض منها حتى الحوار مع بعض عناصره، طبعا ليست من منطلق العداء له أو العداء للقديم البالي المتهالك، ولكن هؤلاء يستطيعون العبث بالأمن والاستقرار وممارسة الابتزاز والسلب والنهب وخلق الفوضى والاستئثار بالسلطة بما لا استطاعوا فعله في ظل النظام السابق، حيث كانت تجري الأشياء هناك على قاعدة إن الجاني والمجني عليه كانوا معروفين تماما للجميع، أما الآن فالعلم عند الله. إن هذا التعقيد والتداخل في قواعد هذه الأحزاب يضعنا أمام مهمات عسيرة وتساؤل كبير لا تسهل الإجابة عليه آبدا، وهو: " من يجتث من "، وتلك هي إحدى الصعوبات المفصلية التي ألقت بظلالها منذ البداية على هيئة اجتثاث البعث،وأصبح الحديث عن الاجتثاث أول ما يثير قلق عناصر قوى سياسية تحت قبة البرلمان ويمتد هذا القلق ليشمل قيادات إدارية وحزبية وكوادر في مختلف مستويات الهرم الإداري في مختلف المحافظات، وعلى ما يبدوا فأن العملية ليست ببساطة "جرة القلم " كما تصورها الذين اندفعوا للوهلة الأولى. ولعل اختزال الأرقام المفترض اجتثاثها من عدة آلاف إلى عدة مئات يعكس بعض من صعوبات الواقع في هذا المجال. 

ونشير هنا أيضا إلى انسلال جزء كبير من عناصر وقيادات وكوادر البعث السابق إلى مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان المختلفة وغيرها من المنظمات ذات الطابع غير الحكومي، والتي تلعب دورا مهما في بلورة والتأثير على الرأي العام في القضايا الكبرى، كقضية الحرية والديمقراطية والمساواة وغيرها، واغلب هؤلاء من العناصر التكنوقراط وذوي الاختصاصات والكفاءات المختلفة من تعليم وإدارة وإعلام واقتصاد وسياسة، وقد شغل الكثير منهم مراكز القرار في المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية ومؤسسات الدولة بصورة عامة، وعدد غير قليل منهم من أساتذة الجامعات.وهذه الفئة تقع ضمن تعداد المليونين من " النظام السابق " من حملة الخبرات المختلفة والاختصاصات المتنوعة، وتشكل هذه العناصر احتياطي شعبنا ومجتمعنا لمختلف التخصصات، وهم جزء من بنيته التحتية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يجوز وضع هذه الفئة على قدم المساواة مع " ذوي الشهادات المزورة". 

وبالمناسبة ومن تابع حلقات مقابلة بنت صدام والتعليقات عليها من قبل وسائل التواصل سيجد حجم السخرية منها والشجب والأدانة والتهكم عليها وعلى والدها والسب والشتم والتصدي لها بعكس الأحزاب الأسلاموية الخائفة، فالشعب يعي حقيقة المؤامرة على مستقبله ومن هم حلفائه واعدائه، وبالتالي شكلت انتفاضته احدى الخيارات الاساسية للخلاص من المحاصصة، وليست من خلال مشروع بنت الرئيس السابق الذي اقدم على قتل زوجها وتيتيم اطفالها وهي تقول انه رجل رحيم !!!.

 

د. عامر صالح

 

 

تكمن أهمية العقد السياسي والاجتماعي، في النظرة الموضوعية للنخب السياسية والذين ينظرون لهذا العقد، ومدى إمكانية تنفيذه، وفعاليته ونجاحه في أن يكون نظاما فاعلا، لإدارة الحياة العامة للمجتمع والأمة عموما والسياسية خصوصا..

سبق ان تم محاولة تطبيقه في أوربا وبعدة محاولات لتنتج هذه النماذج المطبقة في دول أوروبا.. أما في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، فأن تأثير هذا المفهوم يجب أن ينتقل إلى المستوى الشعبي، لخلق ثقافة سياسية شعبية جديدة، لان الواقع العربي أو على المستوى المجتمع العراقي وبعد سقوط الطاغية، ونشوء نظام سياسي جديد لايحتاج إلى عقد اجتماعي، بقدر احتياجه إلى نظام سياسي جديد تضمن فيه حرية الفرد في المجتمع، وعلى غرار العقد الذي جرى في الولايات المتحدة، والذي تم من خلاله إنهاء حالة الرق في القرن التاسع عشر، وكذلك العقد السياسي الذي جرى في جنوب أفريقيا نهاية القرن الماضي،والذي جرى بموجبه إنهاء حقبة الابارتية،لان الغرض لم يكن غرضاً سلبياً يتمثل في طغيان القوى السياسية، بل كان إيجابياً هدفه التأسيس لسيادة الشعب ومشاركتهم الحكم.

أن نظرية العقد السياسي الذي أطلقه بعض القادة السياسيين في العراق، وفي مقدمتهم السيد عمار الحكيم تقوم على أساس ضرورة إيجاد عقد اجتماعي جديد، لان عقد 2003 لم يكن قادراً على إدارة الدولة، لذلك من الضرورة إيجاد عقد جديد يتناسب مع المتغيرات وطبيعة المرحلة، مؤكدا الحاجة إلى عقد سياسي جديد يعيد أنتاج النظام السياسي في العراق وينهي حالة الجمود والإحباط، ويتناسب مع تطلعات الجيل الجديد الواعي والمثقف والخالي من عقد الماضي وترسباته، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والجمهور .

العقد الاجتماعي ينهي حالة الهيمنة التي تمارسها القوى السياسية، التي سيطرت على القرار السياسي وسرقت فعله السيادي، فأمسى لهذه القوى السيادة على كامل القرار في البلاد، ويأتي ذلك من خلال إجراء عقد سياسي ثنائي، بين القوى السياسية والشعب يتمثل في ضرورة إن يأخذ الشعب العراقي دوره، في إجراء التغير المسؤول للنظام السياسي، وعلى أسس متبانى عليها وبما يحقق انفتاح هذا النظام على الجميع دون استثناء..

العقد الإجتماعي هو المنظم الوحيد للمجتمع، من اجل تطوير العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، وبالتالي تحقيق الحماية المطلوبة لهولاء الأفراد، لان الدولة هي المسؤولة عن الأمن والاستقرار لهولاء الأفراد وتنظيم المجتمع، إلى جانب إن الدولة عبارة عن عقد اختياري، يقوم به الناس من اجل تشكيل نظام سياسي، يخلصهم من حالة الهيمنة والتبعية إلى حالة الاستقرار الاجتماعي وحرية العيش والاختيار في بناء الدولة المستقرة، من خلال سيادة الشعب واختيار ممثلين عنهم يقومون بتشريع قوانين شفافة وسلسة، بعيدا عن الأجندات السياسة، وتأصيل  مفهوم الأغلبية لأنها تمثل العقل عند اختلاف المصالح، فعند اختلاف الآراء يتم الاحتكام للأغلبية .

يدعو الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو(1712-1778) إلى إن النظام السياسي ينبغي إن يبنى على العقد الاجتماعي، وضرورة تنازل وتخلي الأفراد عن حرياتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامة، وكذلك دعا  إلى النظام السياسي الذي يبنى على أن يكون هناك عقد اجتماعي، وضرورة تنازل وتخلي الأفراد عن حرياتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامة، ويرى أن هذا التنازل عن الحقوق بالاتحاد والوحدة، أي كلما تنازلت أكثر قويت الجماعة أكثر، لان الدولة هي مخارج الإرادة العامة، ولايمكن للدولة أن تكون متسلطة عند توظيفها للسلطة، وتسعى الإرادة العامة في الغالب إلى تحقيق المصلحة العامة..

هذا ما يجعل روسو ينادي بحرية الفرد وبالتالي تصبح للإرادة العامة خاصيتان : تكون فوق الجميع وتكون ممثلة للجميع، فلقد كان للعقد الاجتماعي والسياسي عبر التاريخ مجموعة من التطورات الملموسة تصب في مصلحة المجتمع، وتجعله متماسكا أكثر على مستوى العلاقة بين الدولة والمواطن، لذلك يأتي العقد السياسي ليحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويتيح للدولة إن تشرك المجتمع معها، كما أنها تفسح المجال لهذا المجتمع إن يكون له دورا في اتخاذ القرار السياسي، كأحد المنافذ المهمة في تثبيت سيادة القرار السياسي وبالتالي السيادي، وتقوية الفرد داخل الدولة .

 

محمد حسن الساعدي

 

 

Does the US Still Have an Economy?2227 الدكتور پول گريك روبرتس

الدكتور پول گريك روبرتس*

ترجمة: عادل حبه

يريد الناس أن يعرفوا إلى أين يتجه الاقتصاد الأمريكي. وهم يسألون هل مازال لدى الولايات المتحدة اقتصاد؟ جوابي هو كلا، ليس لدينا إقتصاد. وسأشرح الأسباب.

لقد أشرت على مدى ربع قرن إلى التأثير المدمر لنقل الاستثمارات والوظائف الأمريكية إلى الصين ونقاط أخرى في العالم. إذ قدم النقل إلى الخارج خدمة لمصالح المديرين التنفيذيين في الشركات وأصحاب الأسهم. وأدى انخفاض تكاليف العمالة إلى زيادة الأرباح، وبالتالي ، إلى تقديم المكافآت للمديرين التنفيذين وحملة الأسهم ، مما أدى إلى مكاسب رأسمالية للمساهمين فحسب.

ولكن هذه هذه الفوائد لم تصب إلاّ لصالح  فئة صغيرة من السكان. أما بالنسبة للآخرين، فقد فرضت هذه الفوائد المقيدة تكاليف خارجية ضخمة تفوق عدة مرات زيادة الأرباح. وتضررت القوى العاملة في الصناعة الأمريكية، وكذلك القاعدة الضريبية للمدن والولايات والحكومة الفيدرالية. وتقلص عدد الطبقة الوسطى، وانخفض عدد سكان سانت لويس وديترويت وكليفلاند وبيتسبيرج وساوث بيند وغاري إنديانا وفلينت ميتشيغان ومدن أخرى بنسبة تصل إلى 20٪. وتحطمت آمال وتطلعات ملايين الأمريكيين. أصبحت المدن الأمريكية المزدهرة في يوم من الأيام على حافة الإنهيار. وانهارت سلاسل التوريد وقيم العقارات (انظر إلى   كتاب"فشل رأسمالية ليزيه فير بقلم پول  گريك روبرتس"

 (Paul Craig Roberts، The Failure of Laissez Faire Capitalism، Clarity Press، 2013).

2227 الدكتور پول گريك روبرتس 2

ومع انخفاض دخول غالبية المواطنين الأمريكان، ارتفعت المداخيل بنسبة واحد بالمائة، وتركزت مكاسب الدخل والثروة في القمة، مما أدى إلى أن تصبح الولايات المتحدة اليوم أحد أكثر البلدان ذات التوزيع غير المتكافئ للدخل والثروة في العالم.

وبالنظر إلى نقل المرافق ذات الإنتاجية العالية إلى الخارج، فقد أدت وظائف التصنيع ذات القيمة المضافة العالية إلى خفض الدخل الأمريكي، وإلى أن يتأثر سلباً إجمالي الطلب المحلي في الولايات المتحدة وإلى انخفاض النمو الاقتصادي. وقام الاحتياطي الفيدرالي بتوسيع الائتمان واستبدال الزيادة في ديون المستهلك بالنمو المفقود في دخل المستهلك. وأدى ذلك إلى تفاقم المديونية، التي أكد الاقتصادي مايكل هدسون بشكل صحيح أنها تستنفد دخل المستهلك لدفع خدمة الديون من الرهون العقارية ومدفوعات السيارات وبطاقات الائتمان وديون قروض الطلاب، مما يترك القليل من الدخل التقديري أو لا يترك أي دخل تقديري لدفع عملية النمو الاقتصادي.

لقد أكد هدسون ، الذي عمل على تحليل الاقتصاد المتآكل في أمريكا لفترة طويلة، أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد اقتصاداً منتجاً أو صناعياً، بل هو اقتصاد ممول لا يستخدم فيه الإقراض المصرفي للمصانع والمعدات الجديدة، بل من أجل تمويل عمليات الاستحواذ على الأصول الموجودة سعياً وراء الفوائد والرسوم والمكاسب الرأسمالية، وما يسميه الاقتصاديون الكلاسيكيون الدخل غير المكتسب أو "الإيجار الاقتصادي". وباختصار، يوضح هدسون أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد اقتصاداً منتجاً. إنه محظ اقتصاد يسعى إلى الريع.

ويشير هدسون إلى أنه مع تزايد تمويل الاقتصاد، يتحول النهب إلى خصخصة الأصول العامة. والأمثلة لا حصر لها. ففي المملكة المتحدة ، تمت خصخصة مكتب البريد بجزء بسيط من قيمته، إلى جانب الإسكان العام والنقل والهاتف البريطاني، مما أدى إلى مكاسب ضخمة للقطاع الخاص. كما خصخص الفرنسيون الممتلكات العامة. وفي اليونان، تمت خصخصة الموانئ والمرافق البلدية وشركات المياه مع الجزر اليونانية المحمية. وفي الولايات المتحدة، تتم خصخصة قطاعات من القوات المسلحة، إلى جانب السجون. وباعت شيكاغو لمدة 75 عاماً رسوم عداد مواقف السيارات إلى كيان خاص دفعة واحدة. ويتم في كل مكان بيع الأصول العامة، بما في ذلك الخدمات، لصالح القطاع الخاص. ففي فلوريدا، على سبيل المثال، يتم تقديم إصدار بطاقة رخصة السيارة السنوية من قبل القطاع الخاص. عندما لا يتبقى شيء للخصخصة، فمن ستمول البنوك؟

يلاحظ هدسون أن الاقتصاديين الحقيقيين، الكلاسيكيين منهم، ركزوا على فرض الضرائب على الريع الاقتصادي غير المكتسب، وليس على دخل العامل والنشاط الإنتاجي. ولا يستطيع الاقتصاديون الليبراليون الجدد اليوم التفريق بين الريع الاقتصادي والنشاط الإنتاجي. وبالتالي، يفشلون في تحليل الناتج المحلي الإجمالي في الكشف عن تحول الاقتصاد من اقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي. ويسمي هدسون الاقتصاديين النيوليبراليين بـ"الاقتصاديين غير المرغوب فيهم"، وأنا أتفق معه في ذلك. في الأساس، فهذه الأموال موجهة للقطاع المالي والشركات التي تدفع لهم مقابل الجمع بين العمل والاستثمار في الخارج مع الإستثمار في التجارة الحرة.

أنني على قناعة بأنه إذا تم محو الاقتصاد النيوليبرالي بالكامل فلن يفقد أي شيء قيمته. ويقف الاقتصاديون، ولا سيما الاقتصاديون الأكاديميون، على درب الحقيقة. فالإقتصاديون الليبراليون يعيشون في عالم خيالي ابتكروه بافتراضات ونماذج لا وجود لها على أرض الواقع.

وإنني على معرفة بالجامعات والاقتصاديين الأكاديميين. فقد تخرجت من مؤسسة هندسية وعلمية - Georgia Tech - ثم أصبحت طالب دراسات عليا في الاقتصاد في جامعة فيرجينيا وجامعة كاليفورنيا وبيركلي وجامعة أكسفورد. وكان لدي أربعة بروفسورين من الحائزين على جائزة نوبل كأساتذة. ولدي شهادة دكتوراه في الاقتصاد. وقدمت مساهمات في المجلات الرئيسية في الاقتصاد ولغيرها من خارج المجال، ولدي 30 مقالة منشورة قبل مغادرتي الأوساط الأكاديمية. وعملت لسنوات كمرجع لمجلة الاقتصاد السياسي مع التمتع بسلطة إقرار نشر البحوث المقدمة.

لدي كتب تمت مراجعتها من قبل الزملاء من مطبعة جامعة هارفارد ومطبعة جامعة أكسفورد. لقد ناقشت الفائزين بجائزة نوبل أمام الجماهير المهنية. وعملت كمحرر في وول ستريت جورنال وكمساعد لوزير الخزانة الأمريكية، وشغلت العديد من المناصب الجامعية. كما يتمتع مايكل هدسون أيضاً بخبرة حقيقية في العالم في المؤسسات المالية الكبرى والمنظمات الدولية والحكومات، بالإضافة إلى العمل كأستاذ في المعاهد الأمريكية والخارجية، والمساهمات في المنشورات الأكاديمية بالعديد من اللغات.

بعبارة أخرى، نحن نعلم ما نتحدث عنه. وليس لدينا مصلحة في خدمة أي طرف سوى الحقيقة. ولا يدفع أحد لنا أجراً مقابل هذه الخدمة. ولكن لدينا صوتان فقط. قبل عقدين من الزمان، عُرض عليّ احتمال حدوث زيادة كبيرة في تضخيم صوتي بشأن الآثار الضارة للنقل إلى الخارج. في كانون الأول عام 2003 تلقيت مكالمة هاتفية من السناتور الأمريكي تشارلز شومر، الديمقراطي عن ولاية نيويورك. كان السناتور شومر يقرأ أعمدتي التي قدمت فيها قضية أنه تحت ستار التجارة الحرة، تم نقل الوظائف والاستثمار إلى الخارج على حساب النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة. شارك السناتور شومر قلقي وتساءل عما إذا كان مسؤول وزارة الخزانة في إدارة ريغان سيوافق على المشاركة في تدوين مقال لصحيفة نيويورك تايمز يثير مسألة ما إذا كان نقل الوظائف إلى الخارج في مصلحة أمريكا.

 

...................

* معهد الاقتصاد السياسي الأمريكي

* المصدر: Global Research

*الدكتور بول كريگ روبرتس ( Dr. Paul Craig Roberts ) من مواليد 3 أبريل 1939، اقتصادي ومؤلف أمريكي. شغل سابقًا منصبًا وزاريًا فرعيًا في الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة بالإضافة إلى مناصب للتدريس في العديد من الجامعات الأمريكية. وهو مروج لاقتصاديات جانب العرض ومعارض للسياسة الخارجية الأمريكية الأخيرة. حصل روبرتس على درجة الدكتوراه من جامعة فيرجينيا. درس لاحقًا في جامعة ستانفورد وجامعة نيو مكسيكو قبل أن يذهب للعمل كمحلل ومستشار في كونغرس الولايات المتحدة حيث كان يُنسب إليه باعتباره المؤلف الرئيسي للمسودة الأصلية لقانون ضريبة الانتعاش الاقتصادي لعام 1981. وأصبح مساعد وزير الخزانة الأمريكي للسياسة الاقتصادية في عهد الرئيس رونالد ريغان - وبعد ترك الحكومة - شغل كرسي ويليام إي. سايمون للاقتصاد في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية لمدة عشر سنوات، وعمل في العديد من مجالس إدارة الشركات. محرر مشارك سابق في صحيفة وول ستريت جورنال ، ظهرت مقالاته أيضًا في النيويورك تايمز وهاربر، وهو مؤلف أكثر من عشرة كتب وعدد من الأوراق. في عام 1987 ، حصل روبرتس على وسام جوقة الشرف برتبة شيفالييه (فارس) من قبل رئيس فرنسا فرانسوا ميتران. وهو حاصل أيضًا على جائزة الاستحقاق من وزارة الخزانة الأمريكية وجائزة الصحافة الدولية للتحليل السياسي من نادي الصحافة المكسيك.

 

  

احمد عزت سليم"الجيتو المسلح الإلهى"

تعتبر "الدولة الإجرامية الإسرائيلية" الانتقام صورة شرعية من صور السلوك القومى "، وكما انتهى الباحث الأمريكي بار يليخمان فى دراساته حول الانتقامات الإسرائيلية، " بأن الانتقام الإسرائيلى هو سلوك قومى إسرائيلى .. والذى تمارسه الجماعات الصهيونية فى فلسطين المحتلة ضد الشعب الفلسطينى وضد ما تطوله الآلة الصهيونية الوظيفية " دولة إسرائيل" ومعه تتعاظم هذه الشرعية الدموية، وتمارسه العناصر الدينية اللاهوتية حيث تجعل من اليهود البشر الوحيدين مركزاً للقداسة وتجعلهم الشعب البشرى الوحيد الأسمى والمختار وتجعل "الدولة" "دولة" أنبياء ومملكة كهنوت بالإضافة إلى كونها ذات طبيعة إحلالية مادية تعاقدية ونفعية ومن هذا ينطلق فكر الخلاص من الآخر انطلاقا من إيمانات إعادة التراث اليهودى إلى الوجود فى شكل الدولة الصهيونية كإرادة إلهية تمثل مزاعم عودة  وبقاء المملكة اليهودية إلى الوجود كذات مقدسة وفى الوجود كدولة قائمة على تحقيق التخلص من قوى الشر خاصة فى الأراضى التى منحها لهم الإله خالصة كضرورة مقدسة قررها الإله ذاته وجعل اليهود ذوى خصائص أنثروبولوجية وجسمانية وبيولوجية وثقافية وتراثية وقدرات عقلية وأخلاقية موروثة أرقى وأفضل وأكثر قدرة على البقاء وعلى الإبداع من الأغيار . وبالتالى تتبلور فاعليات الخلاص فى الواقع ومن خلال فاعليات استباحة القتل وسفك دماء الآخرين والتى يعبر عنها حديثاً الحاخام كوك الأب الروحى للنزعة المسيانية فى الأصولية اليهودية قائلاً: "إن الفرق بين روح اليهود وأرواح غير اليهود أكبر وأعمق من الفرق بين روح الإنسان وروح البهائم"، ويعبر الحاخام يهود أميتال عن هذه الخصيصة البنائية قائلاً: " إننا نعلم إذن أن هناك تفسيراً واحداً للحروب فهى تهذب وتنقى الروح . فعندما يتم التخلص من الدنس، تصبح روح إسرائيل وبفضل الحرب نقية ـ إننا قمنا بالفعل بغزو الأرض، وكل ما تبقى الآن هو أن نقوم بغزو الدنس " .

ويضيف الحاخام أفنيرى: " إننا يجب أن نعيش فى هذه الأرض حتى بالحرب، علاوه على ذلك حتى لو كان هناك سلام، فإننا يجب أن نشعل حروب التحرير من أجل غزو هذه الأرض، وليس من المستبعد افتراض أن جوش أمونيم إذا ما امتلكت السلطة والوسيلة فإنها سوف تستخدم الأسلحة النووية من أجل محاولة تحقيق هدفها "، أما الحاخام دريفوس فقد عبر عن هذه الخصيصة الإجرامية قائلاً: " إننا سوف نشعل حرباً لا تعرف الرحمة ضد الكيان الكنعانى الفلسطينى "، هكذا يصير سفك الدماء خصيصة بنائية ضرورية للإبادة والمحو والإفناء منذ أن بارك الرب نوح وجعل سفك الدماء فريضة وسلوكاً إلهياً " سأسفك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه . لأن الإله على صورته عمل الإنسان. (تكوين 9: 6)، كما أن " الإله يهوه ينتقل بنفسه من بيت إلى بيت وحيث كان لا يجد بيتاً مطلياً بالدم يقتل فيه الأولاد الذكور بلا تمييز بين ابن فرعون وابن أية أمة فى مصر، وحتى بكور المواشى لم تنج من عقاب يهوه "، فالإله هو إله الجنود ورب الجنود، إذا انهزم الجنود انهزم الرب وإذا سقطت بنى إسرائيل سقط الإله، ولأنه إله بنى إسرائيل وحدهم فهو يحارب معهم ويسير أمامهم ويطرد من أمامهم الأغيار ويحل لهم القتل والنهب والسرقة ويذبح أمماً بأكملها وهو مسرور كإله للجنود من بنى شعبه، وتصور التوراة إله بنى إسرائيل قاسياً مدمراً متعصباً لشعبه وهو بهذا عدواً للآلهة الأخرى كما أن شعبه عدو للشعوب الأخرى ومن هنا فإن رب إسرائيل يأمر شعبه باستعباد جميع الشعوب، وأن لا يبقى منها نسمة أبداً، أى على الإسرائيليين أن يبيدوهم تماماً،" متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك ... لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم " (تثنية 7ـ2) .

وليشكل " التخليص " ماهية الخلاص المقدسة وبحيث يشكل فاعليات الحركة الإجرامية الصهيونية والذى يبلور طبيعتها سعيا للتفريغ العنصرى للأرض الفلسطينية من البشر بكافة الوسائل الإحلالية وبالتزوير والاحتيال وطرق الطرد والنقل والترحيل القسرى ومن خلال الإرهاب المباشر، غير المنظم وغير المؤسسي، الذي تقوم به المنظمات الإرهابية غير الرسمية (المذابح ـ ميليشيات المستوطنين ـ التخريب ـ التمييز العنصري) والإرهاب المباشر، المنظم والمؤسسي، الذي تقوم به الدولة الصهيونية (التهجير ـ الهيكل القانوني للدولة الصهيونية ـ التفرقة العنصرية من خـلال القانون ـ الجـيش الإسـرائيلي ـ الشرطة الإسرائيلية ـ هدم القرى) . وذلك كله كأمر إلهى مقدس واجب على الحركة الصهيونية تنفيذه وعقيدة لا تقبل الشك وحكما واجب التنفيذ وكما قرر جوزيف وايتز، مسئول الاستيطان في الوكالة اليهودية، في عدد 29 سبتمبر 1967 من جريدة دافار، أنه، هو وغيره من الزعماء الصهاينة، قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه "لا يوجد مكان لكلا الشعبين (العربي واليهودي) في هذا البلد" وأن تحقيق الأهداف الصهيونية يتطلب تفريغ فلسطين، وأنه ينبغي لذلك نقل العرب، كل العرب، إلى الدول المجاورة . وبعد إتمام عملية نقل السكان هذه سـتتمكن فلسـطين من استيعاب الملايين من اليـهود، و لتصبح " إسرائيل " كلها "الدولة القلعة". أو كما قال جابوتنسكي إن "سوراً حديدياً من القوات المسلحة اليهودية سيقوم بالدفـاع عن عملية الاسـتيطان الصهيوني، لتصير " الدولة الصهيونية " هى "الجيتو المسلح الإلهى " الذى يعيد العصر الذهبى اليهوى الجديد بعودة مملكة داود وسليمان إلى الأراضى الفلسطينية التى يحتلها العرب و جعلها "ملكا للشعب اليهودي إلى الأبد"، وتخليصها هو جوهر وهدف وحركة وحكم لاهوت الاشتهاء الدموى والمعادة نحو تكثيف وتنفيذ كافة الإجراءات الإجرامية والإرهابية . ويقول هرتزل " إن فلسطين التى نريدها هى فلسطين داود وسليمان " ثم يخلفه حاييم وايزمان، فيربط بين الصهيونية واليهودية ربطاً لا فكاك منه وذلك حين يقول: " إن يهوديتنا وصهيونيتنا متلازمتان متلاحقتان ولا يمكن تدمير الصهيونية بدون تدمير اليهودية "، وعلى نحو روتينى يقوم حاخامات جوش أمونيم وسياسيوها وواضعو أيديولوجياتها بالمقارنة بين الفلسطينيين والكنعانيين القدماء، الذين كان استئصالهم أو طردهم بواسطة القدماء، تبعاً للكتاب المقدس، أمراً إلهياً مقرراً سلفاً، وهذه الإبادة الجماعية الواردة فى الكتاب المقدس تصنع تعاطفاً كبيراً مع جوش أمونيم عبر الكثير من الأصوليين المسيحيين الذين يتوقعون أن نهاية العالم سوف تسبقها مذابح ودمار، وها هو بن جوريون يرى أن كل يهودى لا يعود إلى أرض الميعاد محروم من رحمة إله إسرائيل، فالعالم " خلق إلى وجود ابتدء من صهيون " وهذا الخلق من أجل اليهود الذين لهم النعيم حيث هو مأوى لأرواحهم الذكية ومأكلهم فى هذا النعيم لحم زوجة الحوت المملحة ولحم ثور برى كبير جداً كان يتغذى بالعشب الذى ينبت فى مائة جبل مع لحم طير كبير لذيذ الطعم جداً ولحم أوز سمين للغاية أما الشراب فهو من النبيذ اللذيذ القديم المعصور ثانى يوم خليقة للعالم (سنهدرين ص 8) . وهذا الخلق المميز المزعوم مرتبط بكراهية الشعوب الأخرى كواجب المقدس لابد من السعى لتحقيقه .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

عدنان ابوزيدلا يزال تحويل التنظير الى تطبيق، إشكالية بنيوية لدى الكثير من الشعوب. وفي العراق يكتسب اعتبارية استثنائية بسبب الإخفاق الواضح في التنمية وإرساء التأسيسيات للتطور، واستفحال الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية.

الوصف للمجتمع العراقي بانه تنظيري، تأمّلي، صحيح، نتيجة الفشل في تجربة البناء المادي والمعنوي، ولو عاينت الفعاليات التنظيرية théorie، فانك تجدها في كل القطاعات، ولها من المنابر ما لا يُعدّ، فيما التطبيق خاو، وأجوف.

تكثر الاطاريح الجامعية الهائلة العدد في العراق، وأغلبها المطلق إِنْشاءات أَدَبيّة وخواطر، وهي لا تعدو كونها حبرا على ورق، وهو امر لم يحدث في أي بلد في العالم، حيث الافراد يتسابقون على ألقاب اكاديمية، لا تأثير لها على الإنتاج وتغيير الواقع.

تتضخّم أعداد الكتب المطبوعة في العراق، في مجالات الأدب والثقافة والعقائد، من دون ان تجد ما يدل على انها تحفر في الواقع، او حتى وجود قرّاء حقيقيين لها، فيما يقرض الكثير من افراد المجتمع، الشعر، لاسيما الشعبيّ منه، حتى يخال لك ان كل العراقيين، شعراء، وينطبق الامر على التحليل السياسي والاقتصادي، فيما تزداد اعداد الناشطين المدنيين، والسياسيين، وكل ذلك فضاء تنظيري، لا يُرصد له فعل مادي انتاجي على الأرض.

مقابل كل ذلك، تُهمّش الكوادر الإنتاجية، والمشاريع العملية، واذا وُجدت لا يُحتفى بها، وتغيب الآليات التنفيذية، التي تنقل النظرية الى التطبيق الحركي، وتنحسر الإنتاجية المادية التي تحوّل الأفكار الى صروح مادية.

يعاني الشباب بشكل خاص في العراق، وعلى مختلف توجّهاتهم اليسارية أو اليمينية او الليبرالية والاسلامية من

المثالية السلوكية والفكرية، التي تواجه صعوبة التطبيق، ويعود سبب ذلك الى التطرف الطوباوي، وعدم امتلاك المنهج الإجرائي، الذي يحول الكتب الى انجاز شاخص، فضلا عن تهافت فرضيات البحث بسبب استسهال الكلام، وتأليف المفاهيم.

يتجاوز الأمر، الشباب الى النخب، حيث الأفكار تحتاج الى قادة تنفيذيين لها، لإقناع الجمهور بان العقائد والأفكار، خُلقت من اجل التطبيق والتنفيذ وليس من اجل المباهلة، او التفاخر الفكري، أو الترف الأيديولوجي أو الصورة الملائكية المرسومة في الخيال فقط.

انّ الشعارات التي لا تطبّق على أرض الواقع، تتحول الى سفسطة ترفيّة، فيما الواقع يئن من نخب تقول ولا تفعل.

يقول ألبرت أينشتاين ان "محك النظريات في التطبيقيات"، ولابد لها ان تتحول الى مزاولة اختبارية أولا لحين حسم صحتها، وينطبق ذلك على كل المجالات، حتى المعتقدات، بل ان الممارسة هي التي تقود في النهاية الى تعديل النظرية وملائمتها لتصبح إيجابية التنفيذ.

 على سبيل المثال، فانك مهما وصفت نفسك بانك جوعان او عطشان، فانك لن تجد ابلغ واعظم من تجربة ذلك بنفسك، عندها تدرك الفرق بين الوصف النظري، والاستنتاج العملي.

من الناحية التأملية، يتم وضع العديد من الافتراضات لشرح ظاهرة ما، بينما في الحياة الواقعية، لا توجد افتراضات وشروط فريدة دائمًا.

وفي العراق، بشكل خاص يبقى الانقسام عميقا بين النظرية والتطبيق، لان اغلب افراد مجتمعنا أصبحوا افرادا نظريين، اما خطباء او منظّرين أو تلقينيين، أو محللين، أو أكاديميين شفاهيين، فيما يندر الناس الإجرائيّين بسبب غياب المشاريع، والمختبرات التي تفحص النظريات والمثاليات.

يتحدث فيليب هوفمان من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، كيف ان الصينيين وصفوا صناعة البارود، في كتبهم، لكن الأوروبيين الذين طوّروا تكنولوجيا انتاجه بشكل عملي، نجحوا في الاستيلاء على جزء كبير من العالم، بسبب مهاراتهم العملية قبل أي شيء تنظيري، ولازالوا يتفوقون على العالم لهذا السبب.

 

عدنان أبوزيد

 

 

قصي الصافيبقلم: لورا جوتسدينر

عن مجلة ذي نيشن THE NATION

ترجمة: قصي الصافي


عقب الغزو عام 2003، كشف الأطباء في الفلوجة  عن تزايد مطرد في التشوهات الخلقية بين أطفال المدينة، وحتى يومنا هذا بقي الامر لغزا غامضا.

ثلاث سنوات عقب  محاصرة الجنود الأمريكان لمدينتها، بدأت طبيبة الأطفال العراقية سميرة العاني تلاحظ ما يثير الريبة في جناح الولادة. كانت النساء تحمل أطفالًا بأعضاء تتدلى من بطونهم أو بأرجل متلاصقة  مثل ذيول حوريات البحر. بدا البعض وكأنهم مكسوون بجلد الثعبان. بينما كان آخرون يلهثون دون جدوى لاستنشاق الهواء. لا أحد يعرف ما هذا الذي يحدث للأطفال، و لا أحد على ما يبدو يحاول اكتشاف السر أيضًا.

 كان عام 2007، ذروة العنف السياسي والطائفي الذي أسهم في تأجيجه الاحتلال الأمريكي. وكانت الفلوجة، حيث تقطن وتعمل العاني، تعتبر واحدة من أكثر المدن غير المستقرة والتي يتعذر الوصول إليها. تسربت الأنباء عن الأطفال الرضع من أروقة المستشفى إلى الأفنية الداخلية لمنازل المدينة، وتناثرت الأخبار بين الأقارب والجيران. علمت انتصار حسين، وهي ربة منزل في الفلوجة، بأمر التشوهات بعد عودة ابنة عمها من جناح الولادة. تتذكر انتصار قول ابنة عمها : "امرأة لديها طفل بذيل، وأخرى لديها طفل بوجه أرنب". وقالت إن المرض تسلل إلى أسرتها أيضا: أنجبت إحدى أخوات زوجها طفلا بدون عظام جمجمة تحمي أنسجة المخ، وقد فارق الحياة عند الولادة. تعرضت زوجة أخ أخرى للإجهاض مرتين ثم أنجبت طفلاً برأس ضخم منتفخ. مات هو الآخر.

سرعان ما أصبح أطفال الفلوجة موضوع قلق في الاجتماعات العشائرية وفي نقابة الأطباء في المحافظة. اشتبه العديد من السكان في أن الهجمات الأمريكية المكثفة ضد المدينة قد تكون لها علاقة بالتشوهات. الهجوم الثاني، الذي بدأ في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، كان من أكثر المعارك دموية في الحرب الأمريكية على العراق - حصار دام ستة أسابيع قتل فيه آلاف العراقيين وعشرات الأمريكيين وتحولت معظم المدينة الى حطام، لكن شكوك السكان بقيت طيّ الكتمان.  فخلف الأبواب الحديدية لمنازلهم ، يتجول مشاة البحرية الأمريكية بدوريات في الشوارع، يقول السكان إنهم يخشون ردود الفعل القاسية من الامريكان في حالة البوح  أو التلميح بأنهم تسببو١ في أزمة صحية عامة، مع الأخذ بعين الاعتبار إن الامريكان ليسوا بالطرف الوحيد الذي يخشاه أهالي الفلوجه بل ان حكومة بغداد التي يرونها دمية بيد الايرانيين والامريكان تقوم بحملات الاعتقال والتعذيب والانتقام السياسي ضد منتقديه، لا سيما في المناطق ذات الأغلبية السنية مثل الفلوجة. في الفلوجة، كانت مختلف الأحزاب والميليشيات العراقية تتنافس على السلطة السياسية، و لذا كانوا يحرصون على عدم انتشار المعلومات. حتى وإن لم يكن الناس خائفين، يقول الأطباء والمقيمون إنه لا يبدو أن هناك الكثير مما يمكن لأي شخص فعله بشأن العيوب الخلقية في تلك الأيام. في جميع أنحاء العراق، أطلق الغزو الأمريكي العنان لموجة من العنف ضد الأطباء، الذين جعلتهم ثروتهم النسبية ومكانتهم أهدافًا سهلة وسط الصراع الطائفي المتزايد في البلاد. بحلول عام 2007، عندما بدأت العاني تلاحظ التشوهات الخلقية في الفلوجة، قدرت نقابة الأطباء العراقية أن نصف الأطباء المسجلين أجبروا على الفرار من البلاد. أولئك الذين لم يغادروا، مثل سميرة العاني، لم يخاطروا باحتمالات الاعتقال أوالاختطاف أوالاغتيال فحسب، بل ظلوا يعانون أيضًا بالعمل في ظروف قاسية، حيث نقص الأدوية والمعدات الطبية والمياه والكهرباء. تتذكر العاني "لقد شعرنا أن هناك شيئًا ما خطأ". "لكن لا يمكننا فعل أي شيء."

 كانت  أخصائية طب الأجنة الدكتورة منتهى العلواني تشاطر زميلتها سميرة العاني بان هناك مشكلة في الولادات فعلاً، عملت كلتا المرأتين في المستشفى منذ أواخر التسعينيات، وقد كان ما ترياه من تشوهات الآن أكثر بكثير مما كان عليه قبل الغزو الأمريكي. بدأت العاني بتسجيل الحالات بهدوء، وقامت العلواني بتصوير المرضى الصغار. وقدمت العاني استمارة لتسجيل العيوب الخلقية وزعتها على أجنحة المستشفى. كان العديد من زملائها متشككين في جدوى عملها هذا. قالت العاني: "اعتقد البعض أنه لا فائدة منه". "بالطبع، كانوا مخطئين. من خلال وثائقنا، لفتنا انتباه العالم كله. "

كان ذلك، بداية لعمل غير مكتمل استمر لسنوات بالتوثيق والتحقيق في اللغز الطبي الأكثر إثارة للجدل في حرب العراق: زيادة مزعومة في العيوب الخلقية التي يقول الأطباء المحليون إنها بدأت بعد غزو الولايات المتحدة للبلاد في عام 2003 و مازال مستمراً في المدينة حتى يومنا هذا. أصبحت الأنشطة العسكرية الأمريكية في الفلوجة واحتمال إسهامها في تلك الاضطرابات الخلقية على المحك -  الأمر الذي أثار جدلاً سياسياً وعلمياً على الصعيد الدولي. لسنوات، تركز الجدل الحاد حول الفلوجة على أسئلة حول استخدام وتأثير المواد المحرمة في الأسلحة الأمريكية، وخاصة اليورانيوم المنضب. ومع ذلك، فقد أغفلت المناقشة إلى حد كبير أسئلة أوسع وربما أكثر إثارة للقلق حول الآثار السيئة  على الصحة العامة لحرب المدن على السكان المدنيين ومخاطر تسييس العلوم والطب في أوقات النزاع.

لم تستجب وزارة الدفاع الامريكيه الى معظم الأسئلة التي طرحتها صحيفة The Nation حول مزاعم الزيادة في التشوهات الخلقية في الفلوجة نتيجة الحرب. وقد ابلغتنا انها تتبع سياسة المعالجة البيئية خارج الولايات المتحدة"، والتي تنص على أن "وزارة الدفاع ليس لديها صلاحيات أو تمويل للمساهمة في المعالجة البيئية خارج الولايات المتحدة." وتنص السياسة أيضًا على أن وزارة الدفاع "لا تتخذ أي إجراء لمعالجة التلوث البيئي الناتج عن النزاع المسلح".

من جانبها، قالت الحكومة العراقية إن الولايات المتحدة قدمت موارد لا تقدر بثمن في معالجة الانشغالات البيئية والصحية في البلاد في السنوات التي تلت الغزو. قال جاسم عبد العزيز حمادي الفلاحي، نائب وزير الصحة والبيئة العراقي، "إن الولايات المتحدة تدعمنا ... ليس فقط في مجال الإشعاع ولكن أيضًا في مجال تغير المناخ وتلوث الموارد المائية".

ومع ذلك، بعد أكثر من 17 عامًا على الغزو الأمريكي، لا يزال لغز أطفال الفلوجة كابوساً يخيم على العراق. تقريبًا كل جوانب قصة التشوهات الخلقية في المدينة  محل خلاف. وعلى الرغم من أن روايات وصور أطفال الفلوجة المشوهين والمرضى قد انتقلت من قاعات منظمة الصحة العالمية وصفحات المجلات ووثائق البنتاغون الداخلية وملصقات المظاهرات المناهضة للحرب، تواصل سميرة العاني وزملاؤها العمل في مركز صغير  لمعالجة التشوهات الخلقية يعاني من نقص الموارد، ويعالج الآن الأطفال الذين كان آباؤهم صغاراً عندما غزت الولايات المتحدة العراق.

في صباح يوم حار من شهر سبتمبر من عام 2019، انتظرت أكثر من ست نساء في مبنى  هرم خارج مستشفى الولادة في الفلوجة على ضفاف نهر الفرات. جلس بعضهن بمفردهن، حاملات أطفالهن أو أحفادهن في الأحضان. وكانت آخريات تحيين بعضهن البعض بالقبلات على الخد. ومن بينهن سميرة أحمد، التي قالت إن مرام حفيدتها الرضيعة كانت تنازع من أجل أن تستنشق الهواء منذ أن نقلتها الأسرة إلى منزلها من المستشفى قبل بضعة أشهر. وقالت إن مرام هي الطفلة الأولى لزوجة ابنها بعد حملين سابقين انتهيا بالإجهاض. في وقت لاحق من ذلك اليوم، اكتشف طبيب القلبية ثقباً صغيراً في قلب مرام. في غضون ذلك، كانت سميرة العاني تقود سيارتها من منزلها في وسط الفلوجة إلى المستشفى. أثناء قيادتها، مرت على متاجر الملابس ومحلات الخضار، وركن محل جديد لامع لبيع  الهمبرغر، وأكشاك الشاي على جانب الطريق حيث كان كبار السن يراقبون الغلايات وأكواب الاستكان اللذيذة. أواخر الصيف هو موسم التمر في العراق، وكانت الأطباق المكدسة بالفاكهة الحلوة تملأ كل زاوية شارع تقريبًا. وأحاطت السقالات ببعض المساجد الشهيرة التي اخترقت مناراتها ثقوب الرصاص. لم تكن تنقلات العاني اليومية بهذه السلاسة دائمًا. في عامي 2005 و 2006، بعد أن احتلت القوات الأمريكية الفلوجة، كانت الشوارع شديدة الاختناق بسبب نقاط التفتيش العسكرية الأمريكية لدرجة أنها كانت تضطر لقطع مسافة ميلين من منزلها إلى المستشفى سيرًا على الأقدام. في أوائل عام 2014، كانت تسير بحالة من التوتر وهي ترى المقاتلين الملثمين من تنظيم الدولة الإسلامية في طريقها إلى العمل. تعرض منزلها والمستشفى للقصف بشكل متكرر. ومع ذلك، لم تهن عزيمتها لا آنذاك ولا حتى الآن.

بعد الساعة الثامنة صباحًا بقليل، توقفت الدكتورة سميرة أمام مركز التشوهات الخلقية. إنها امرأة صغيرة الحجم، تميل إلى الأمام وهي تمشي، مما يعطيك انطباعاً انها على عجلة من امرها على الدوام. فتحت باب المركز الصحي ثم أسرعت بخطوات قصيرة متعمدة عبر العشب الأصفر، متجاوزة الرجال الذين يدخنون السجائر في انتظار أخبار زوجاتهم، ثم إلى جناح الأطفال حديثي الولادة، حيث انحنت على طفل اسمه محمد. وُلد قبل أسبوعين بكيس كبير يحتوي على جزء من دماغه يتدلى من مؤخرة جمجمته، وفقًا لصورة المستشفى. هذه الحالة تدعى قيلة الدماغ ويرجح ان تؤدي الى الوفاة، لكن الأطباء المناوبين قالوا إنه يتعافى من العمليات الجراحية بازالة الكيس و تصفية السائل الشوكي الزائد.

انحنت العاني على الحاضنة ورفعت ذراعي محمد وساقيه ثم تفحصت رقبته القصيرة وأضلاعه المشوهة. قالت بنبرة المختص "سيصاب بالشلل". كان أحد أربعة أطفال مصابين باضطرابات خلقية ممن وُلدوا في المركز في 28 أغسطس / آب. بحسب سجلات المستشفى والمقابلات مع الأطباء كان هناك توأم - أحدهما منتفخ الرأس والثاني بأطراف مشوهة وأعضاء تناسلية غير طبيعية. وكانت هناك طفلة تعاني من انسداد تام في تجاويف الأنف ؛ قبل أيام، كانت ترقد في حاضنة بجوار محمد، تبكي وهي تنازع لتلتقط انفاسها. تحدثت العاني عن الغرفة المزدحمة بجدات محمد، اللائي مكثن بجانب سريره في المستشفى منذ ولادته. "هناك أربعة أطفال، واحدة، اثنتان، ثلاث ... ثماني نساء هنا"، تمتمت العاني لنفسها بعبوس"هذا ليس جيدًا للأطفال."

للدكتورة العاني مزاج حاد يتفاقم بسبب المضايقات المختلفة للحيوانات الأليفة - و كثرة النساء اللائي يتزاحمن في جناح حديثي الولادة، والأطباء الذين يبيعون حليب الأطفال نيابة عن شركات الألبان، والأسوأ من ذلك كله، الزملاء الذين يرفضون المشاركة في تدوين حالات التشوه الخلقي . قبل عقدين من الزمان، وقعت في حب طب الأطفال أثناء تدريبها في كلية الطب في بغداد، وكرست حياتها للمهنة منذ ذلك الحين. تتوجه خمسة أيام في الأسبوع إلى العمل في مستشفى الفلوجة العام، رغم فرار الأصدقاء إلى العاصمة أو إلى الخارج أو اختيار العمل معظم وقتهم في عيادة خاصة. ومع ذلك، بعد أكثر من 20 عامًا في الخدمة، تتمنى أحيانًا لو أنها اختارت التخصص في الأمراض الجلدية أو الأشعة أو أي شيء آخر غير رعاية الأطفال في مدينة يبدو أنها تعاني من عيوب خلقية غير مبررة.

بعد فحص محمد، توجهت العاني إلى أرشيف المستشفى لتعقب ملف مريضة وُلدت قبل أيام قليلة بدون جمجمة ولكن لم يتم تدوين حالتها في سجلها. بقليل من البحث، عثرت على مستندات الطفلة وسط أكوام الأوراق ذات اللون الوردي والأزرق والأبيض. كانت العائلة من أبو غريب، على بعد حوالي 20 ميلاً شرق الفلوجة، حيث السجن الأمريكي السابق الذي اشتهر بالتعذيب والاعتداء الجنسي الذي مارسه الجنود الأمريكيون خلف أسواره. عادت بعد ذلك إلى مركز العيوب الخلقية لفحص طفلة مصابة بمتلازمة بيير روبن، وهي حالة نادرة يعاني فيها الرضيع من خلل في الفك يسبب له مشاكل في التنفس والتغذية. "هل يمكن أن تصبح بحالة طبيعية؟ " سألت جدة الطفلة ناهدة سامي أغول. قالت إنها المرة الثانية التي تنجب فيها ابنتها مولوداً بعيوب خلقية. في عام 2014 أنجبت طفلاً برأس رخو وقد فارق الحياة، "لا أعتقد ذلك"، ردت العاني على سؤالها بشكل قاطع، محذرة من أن الأطفال المصابين بهذا التشوه يمكن أن يموتوا من مشاكل في الجهاز التنفسي. "نخاف من الحمل القادم. هل يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى؟ " تساءلت الجدة، ولم يكن لدى العاني إجابة، فسرعان ما تم استدعاؤها إلى جناح الأطفال حديثي الولادة لفحص طفل حديث الولادة برز عموده الفقري من ثقب أحمر اللون في ظهره. كانت والدته لا تزال في غرفة الولادة، ولم تكن تعلم بعد بحالة الرضيع؛ وجدته تحوم فوق الحاضنة معبّرة عن قلقها بصوت عالٍ بشأن عدم وجود المال اللازم لدفع تكاليف علاج الطفل. محمد نامق طبيب أطفال آخر، نظر إلى الغرفة من الردهة. قال: "لدينا حالات كثيرة مثل هذه". كانت هذه سنته الأولى في هذا المستشفى، بعد فترات قضاها خارج بغداد وفي شمال وجنوب شرق البلاد. قال إنه شاهد تشوهات خلقية في الفلوجة أكثر من أي مكان آخر عمل فيه. سحب هاتفه وأظهر صورة لطفل ولد في المستشفى في ذلك العام، وفقًا لسجلات عيادة العيوب الخلقية لم يكن لدى الطفل أنف - وهي حالة نادرة للغاية تُعرف باسم أرينيا. نامق قال إنه أجرى عملية جراحية للمريض لكنها لم تنجح. وقد مات الطفل بعد العملية. وفقًا للأدبيات الطبية، لم تسجل سوى بضع عشرات فقط من حالة كهذه في جميع أنحاء العالم.

على مدى القرن الماضي، أعرب قدامى المحاربين والمدنيين في جميع أنحاء العالم عن مخاوفهم  بشأن الآثار الصحية للحرب على الأجيال القادمة. لطالما شكلت النزاعات الحربيه مخاطر على الصحة العامة، لكن تطور الصناعات العسكريه في القرن العشرين، مع ظهور الأسلحة الكيميائية والتهديد بهجمات نووية، أدى إلى احتمالات أكبر للتعرض للمواد السامة والاشعة وإمكانية حدوث عواقب وراثية مرعبة. في آب 1945، ألقت الولايات المتحدة قنابل ذرية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200000 شخص ودفع العالم إلى العصر النووي. في أعقاب التفجيرات " كان الاهتمام العام قد تركز على العواقب الوراثية أكثر من أي نتيجة صحية أخرى غير مرغوب فيها،" لاحظ عالم الوراثة ويليام شول، عضو لجنة إصابات القنبلة الذرية التابعة للحكومة الأمريكية. "كان لدى العديد  تصورات عن تفشي حالة وبائية  من التشوهات في المواليد أو الموت المبكر للرضع"

منذ ذلك الحين، أثارت قدرة الحرب الحديثة على تشويه الأجيال القادمة اهتمامًا وجدلًا غير مسبوقين. العلم نادرًا ما يكون حاسمًا في هذا الأمر. أكبر دراسة للناجين من هيروشيما وناغازاكي وأطفالهم أجرتها لجنة ضحايا القنبلة الذرية وخليفتها وكالة تأثيرات الإشعاع الأمريكية اليابانية، بعد فحص أكثر من 75000 طفل حديث الولادة في هيروشيما وناغازاكي، خلصت إلى أنه "لم تُلاحظ أي زيادة ذات دلالة إحصائية في العيوب الخلقية الرئيسية أو نتائج الحمل غير المرغوبة بين أطفال الناجين" -وهي نتيجة عززتها دراسات أخرى. على الرغم من هذه النتائج، فإن المخاوف من التشوهات الجينية الجماعية سبب صدمة في الوسط العلمي وحث علماء الأوبئة لإنشاء  السجلات الرئيسية الأولى لتوثيق العيوب الخلقية. وقد انتشر هذا الخوف في عموم السكان أيضًا. في العقود التي تلت ذلك، أثار قدامى المحاربين الأمريكيين الذين شاركوا في تجارب البنتاغون لغاز الخردل خلال الحرب العالمية الثانية مخاوف بشأن العقم والعيوب الخلقية بين أطفالهم. وكذلك فعل قدامى المحاربين الذين أرسلوا إلى جزر مارشال في أواخر السبعينيات لتنظيف النفايات السامة  التي خلفتها التجارب النووية والتي أجراها البنتاغون بشكل مكثف ومستمر، وكذلك مدنيو جزر مارشال الذين أكدوا إن الآثار الإشعاعية الناجمة عن 67 انفجارًا للقنابل النووية أنتجت ما يسمى بأطفال قناديل البحر. في جميع الحالات الثلاث، لم تعترف حكومة الولايات المتحدة أن هناك أدلة كافية لربط هذه الشهادات بالاعاقات الخلقية.

 في أواخر السبعينيات، عرضت على الجمهور الأمريكي برامج  تلفزيونيه في أوقات الذروة تروي قصصاً كابوسية، حيث بدأ قدامى المحاربين في حرب فيتنام بالإبلاغ عن تشوهات خلقية أصابت أطفالهم. وألقوا باللوم على تعرضهم في زمن الحرب لمادة المبيدات البرتقالية التي أمطر سلاح الجو الأمريكي بها مساحات شاسعة من جنوب فيتنام. أدلى غرين بيريت جون وودز بشهادته في جلسة استماع بالكونجرس عام 1979: "لسنا المحاربين القدامى". "أطفالنا هم المحاربون القدامى". وفي السياق نفسه، أعلنت الرابطة الفيتنامية لضحايا المبيد البرتقالي إن ما يقارب 3 ملايين مدني عبر أربعة أجيال قد عانوا من أمراض السرطان و الامراض العصبية ومشاكل الإنجاب وأمراض أخرى مرتبطة بتلك المادة الكيميائية السامة. حتى الآن، يقول المسؤولون الفيتناميون إنهم يشهدون زيادة في عدد الأطفال المولودين بعيوب خلقية - بعد أربعة عقود من نهاية الحرب.

كما في الحالات السابقة، رفضت حكومة الولايات المتحدة هذه الادعاءات، قائلة : الأدلة غير كافية أو غير مقنعة لتثبت وجود عيوب خلقية  ناتجة عن التعرض لمبيدات الأعشاب." لكن عددًا من الدراسات الأمريكية والدولية أشارت الى وجود صلة بين تلك المادة الكيميائية وبعض أنواع التشوهات الخلقية،  الامر الذي أثار جدلاً  لعقود.

 تعقيد العلم يشكل بعض الصعوبة في هذا الأمر، كما أوضحت ليزلي روبرتس، عالمة الأوبئة في جامعة كولومبيا والتي عملت مع منظمة الصحة العالمية: "إن العيوب الخلقية يصعب دراستها وفهمها للوصول الى علاقة سببية قاطعه، مما يجعل الجدال ساخناً ولا يمكن حسمه بشكل نهائي، في بعض الأحيان نواجه مشكلة مثل مادة المبيد البرتقالي حيث يمكننا في الواقع قياس معاملات االتلوث الكيميائية، ولكن ليس في جميع الحالات " وما يضاعف من هذه التحديات العلمية تأثير العوامل المالية والقانونية االتي تصادر اي  دليل قاطع. قالت روبرتس: "لدينا آلات دعاية متطورة للغاية تحاول تجنب  الاعتراف بالمسؤولية".

 في قضية المبيدالبرتقالي، رفع قدامى المحاربين الأمريكيين دعوى قضائية ضد الشركات الكيماوية التي صنعتها، بما في ذلك Dow و Monsanto، وفازوا بتسوية بقيمة 180 مليون دولار في عام 1984. كما دفعوا وكالة شؤون المحاربين القدامى لتغطية الرعاية الصحية لأطفالهم المولودين بشلل الحبل  الشوكي، وعدد من العيوب الخلقية الأخرى، حتى مع ادعاء الوكالة أنها لا تتعلق بالتعرض للمبيد البرتقالي. في غضون ذلك، يواصل المحاربون الأمريكيون الذين تعرضوا للمبيدات وأطفالهم، وكذلك المدنيين الفيتناميين وأحفادهم، المطالبة باعتراف رسمي واضح وتعويض عن الأضرار. في عام 2008، رفضت محكمة أمريكية دعوى جماعية أقيمت نيابة  عن مدنيين فيتناميين، بعد أن جادل سيث واكسمان، الذي كان محاميًا عامًا في السابق -في عهد بيل كلينتون- ، نيابة عن شركات الكيماويات جادل بأن القضية قد يكون لها آثار سياسية بعيدة المدى. وقال " مثل هذا الأمر قد يؤثر على دبلوماسيتنا في الوقت الحاضر". الدبلوماسية التي كان يشير إليها لم تكن مجردة بل مرتبطة بحرب محددة كانت تدور على بعد حوالي 6000 ميل، بأسلحة مثيرة للجدل: الحرب في العراق، التي ترددت شائعات عن استخدام الولايات المتحدة خلالها لليورانيوم المنضب.

بالعودة الى الفلوجة، بعد مرور أكثر من عقد من الزمان على إنشاء العاني لسجل العيوب الخلقية بالمستشفى، لم تزل مسألة التشوهات الخلقية مثيرة للجدل سياسيًا ومتنازعًا عليها علميًا. فمن جانب أطباء الفلوجة، سميرة العاني وزملاؤها بالإضافة إلى الأطباء من جميع أنحاء العراق، وعلى الأخص في النجف والناصرية والبصرة، يؤكدون جميعًا أنهم يواجهون أزمة تشوهات خلقية ؛ وعلى الجانب الآخر، هناك أقوى المؤسسات الطبية والعسكرية في العالم - منظمة الصحة العالمية والبنتاغون.

تؤكد العاني وزملاؤها أن انتشار العيوب الخلقية في الفلوجة كان مرتفعًا بشكل مقلق في أعقاب الغزو عام 2003. ولإثبات أن الأمر أكثر من مجرد ملاحظات سردية، شرعت في عام 2009 لتتبع كل حالة عيب خلقي تم إحالتها إلى مراكز الأطفال الثلاثة في مستشفى الفلوجة العام على مدار 11 شهرًا. ووجدت دراستها، التي نُشرت في مجلة الجمعية الطبية الإسلامية لأمريكا الشمالية، أن ما يقدر بـ 14 بالمائة من الأطفال الذين ولدوا في المستشفى يعانون من اضطرابات خلقية - أي أكثر من ضعف المتوسط العالمي.

وقدأصبحت واحدة من أكثر الدراسات التي تم الاستشهاد بها على نطاق واسع، على الرغم من محددات الحصول على البيانات- كما اعترفت في الورقة - كانت تفتقر إلى معلومات دقيقة عن عدد الحالات المحالة إلى العيادة، مما أجبرها على التقدير. قالت برناديت مودل، الأستاذة الفخرية لعلم الوراثة المجتمعية في جامعة كوليدج لندن والباحثة في منظمة الصحة العالمية منذ فترة طويلة، إن دراسة العاني عانت من الصعوبات التي يواجهها معظم الأطباء العاملين في ظروف شحيحة الموارد أو في مناطق نزاعات: نقص البيانات الوبائية الموثوقة. وقالت موديل: " انه جهد صادق، لكنه لا يقدم أدلة قاطعة".

ومع ذلك، فإن النتائج التي توصلت إليها العاني كانت مدعومة بدراسات صغيرة أخرى أجراها زملائها، بما في ذلك دراسة قامت بها العلواني. وقال وزراء سابقون في الحكومة العراقية وكبار مسؤولي الصحة والبيئة لمجلة The Nation إن الفلوجة شهدت زيادة مقلقة في انتشار التشوهات الخلقية منذ الغزو الأمريكي (على الرغم من أنهم لم يقدموا دراسات حكومية تدعم تصريحاتهم).

في عام 2013، توصل مسح وطني أجرته وزارة الصحة العراقية وبدعم من منظمة الصحة العالمية إلى نتيجة مختلفة تمامًا عما توصل إليه أطباء الفلوجة. واستنادًا إلى مقابلات مع عينة من سكان في 18 منطقة في العراق، خلص الاستطلاع إلى أن "معدلات الإجهاض التلقائي و القسري والعيوب الخلقية الموجودة في الدراسة متوافقة مع التقديرات الدولية أو حتى أقل منها". وقررت أن نسبتها في الفلوجة كان نصف ما في الدول الغنية.

أثار التناقض بين النتائج التي توصلت إليها العاني من جهة والمسح الذي أجرته وزارة الصحة بدعم من منظمة الصحة العالمية من جهة اخرى، عاصفة علمية لا تزال مشتعلة.

قالت مودل إنها تعتقد أن دراسة 2013 أجريت بشكل جيد، بالنظر إلى التحديات في إجراء دراسات وبائية واسعة النطاق في مناطق الصراع. وقالت "عندما  تفحصت المنهجية، كانت رائعة للغاية". لكن خبراء آخرين - عراقيين ودوليين - انتقدوا الاستطلاع لكونه ملئ بالنواقص، بما في ذلك الاعتماد على التذكر، لأنه استند إلى ذكريات الوالدين عن حالات الإجهاض والعيوب الخلقية، بدلاً من سجلات المستشفى. (اعترفت الدراسة "بإمكانية حدوث خطأ في التذكر")

" لابد أن يكون هناك نقص في الإبلاغ. قال جون بيدرسن، المستشار المستقل الذي عمل على استطلاعات وفيات الرضع مع الأمم المتحدة والوكالات الدولية الأخرى، لا سيما في الشرق الأوسط، "هذا واضح تمامًا". (شاركت موديل و بيدرسون في اجتماع عام 2013 مع مسؤولين عراقيين في جنيف لمراجعة بيانات المسح قبل نشر التقرير). كان الجدل ساخناً حتى امتد إلى صفحات The Lancet، إحدى المجلات الطبية المرموقة، حيث كان هناك عدد من الأطباء، بمن فيهم العاني، قد انتقدوا الدراسة بكل تفصيلاتها من منهجيتها إلى محدودية نطاقها إلى الفشل في توفير المعايير المعروفة في مثل هكذا دراسات احصائية.

كان الجدل ذا طابع سياسي بقدر ما كان علمياً. عندما شككت العاني وأطباء آخرون في مستشفى الفلوجة في منهجية الدراسة قبل إصدارها، اتهمهم أعضاء في الحكومة العراقية المدعومة من الولايات المتحدة باستغلال الطب لخلق مشاعر معادية لأمريكا. من جانبهم، زعم أطباء المدينة وعدد من المسؤولين الحكوميين المحليين والوطنيين أن وزارة الصحة العراقية زورت المسح الإحصائي أو قامت بتحريف البيانات في محاولة لتبرئة واشنطن. قال الدكتور جاسب علي، وهو مسؤول رفيع المستوى في وزارة الصحة العراقية في وقت إجراء المسح المدعوم من منظمة الصحة العالمية: "أنا متأكد من أن العمل لم يكن دقيقًا أو كان هناك ضغط لتغيير الأرقام". "ما أنا متأكد منه هو أن البيانات غير صحيحة." (لم ترد وزارة الصحة العراقية على طلبات التعليق على مزاعم الدكتور علي).

تساءل عدد قليل من المسؤولين السابقين في منظمة الصحة العالمية عما إذا كانت المنظمة يمكن أن تكون طرفاً محايداً حقاً وهي العالقة بين الايفاء بواجباتها لخدمة الصحة العامة و بين ارضاء الدول الأعضاء. قال كيث بافرستوك، الرئيس السابق لبرنامج الحماية من الإشعاع في المكتب الإقليمي لأوروبا التابع لمنظمة الصحة العالمية: "منظمة الصحة العالمية منظمة بيروقراطية، تمارس عليها ضغوط سياسية معينة من الدول الأعضاء". وقد رفضت منظمة الصحة العالمية التعليق على هذا الامر، لكن في عام 2013، رد الرئيس السابق لبعثة منظمة الصحة العالمية في العراق، جعفر حسين، في مجلة The Lancet على انتقادات للدراسة. وقال إن بياناتها خضعت لمراجعة "مكثفة" من قبل خبراء دوليين وأن منهجيتها تستند إلى مقاييس " معتمدة عالميًا.

مع استمرار الجدل الطبي والأخذ والرد، تعمق اللغز المتعلق بأطفال الفلوجة ليقود الى لغز آخر عن السبب المحتمل لسلسلة العيوب الخلقية. ولطالما كان هذا السؤال محفوفًا بالمخاطر بسبب إرث استخدام الولايات المتحدة لليورانيوم المنضب خلال حربين في العراق. اليورانيوم المنضب هو معدن ثقيل كثيف للغاية وذو نشاط إشعاعي معتدل استخدم لأول مرة خلال حرب الخليج عام 1991، عندما قام الجيش الأمريكي بإطلاق ما يقرب من مليون طلقة من اليورانيوم المنضب في جميع أنحاء العراق. في حين إن اليورانيوم المنضب يعمل بشكل أساسي على إكساب الرصاص قوة خارقة للدروع، إلا أنه   معروف بالأضرار التي يخشى بعض الناس أن يسببها بعد المعركة: السرطان وأمراض الكلى والاضطرابات العصبية والتشوهات الخلقية.

لطالما قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن اليورانيوم المنضب لا يشكل مخاطر صحية جسيمة، ومع ذلك فقد تصاعد القلق بشأن هذه الأضرار بمجرد انتهاء حرب الخليج. عندما بدأ الأطباء في المنطقة بالإبلاغ عن زيادات مروعة في معدلات التشوهات الخلقية والسرطانات، أرجع بعض المتخصصين العراقيين هذا الارتفاع إلى تعرض المدنيين لليورانيوم المنضب. وأشار آخرون داخل وخارج البلاد إلى عوامل إضافية، مثل القرابة (الزواج بين الأقارب، وهو أمر شائع في أجزاء من العراق) أو لتطور آليات تشخيص الامراض ومتابعة العيوب الخلقية. رفض البيت الأبيض بشكل قاطع احتمال وجود صلة بين الأمراض وأسلحتها. ومع ذلك، توصلت بعض الأبحاث التي أجراها البنتاغون في التسعينيات إلى وجود روابط بين اليورانيوم المنضب والسرطان والاضطرابات الخلقية. في الواقع، قبل حرب الخليج، حذر تقرير للجيش الأمريكي من "مخاطر صحية على السكان الأصليين والمحاربين القدامى" من اليورانيوم المنضب، بما في ذلك "الآثار الإشعاعية والسمية المحتملة".

في السنوات التي تلت ذلك، ازداد التركيز على اليورانيوم المنضب. طوال التسعينيات، كانت الحكومة العراقية تبثّ صورًا لأطفال مصابين بعيوب خلقية على التلفزيون الوطني وفي الصحف الكبرى، وألقت باللوم على استخدام الجيش الأميركي لليورانيوم المنضب في الاضطرابات. عادة ما تقرأ مقالة في إحدى الصحف مصحوبة بصورة لطفل مشوه بشكل مروع: "انظروا ما فعلته قنابلهم بأطفال العراق". لقد حوّلوا أطفال العراق إلى أهداف [لأسلحة] اليورانيوم المنضب. في الوقت نفسه، عندما أصيب قدامى المحاربين في حرب الخليج بمجموعة من السرطانات والأمراض غير المبررة التي أصبحت تُعرف باسم متلازمة حرب الخليج، بدأ البعض في الولايات المتحدة في توجيه أصابع الاتهام إلى اليورانيوم المنضب أيضًا. وعلى المستوى الدولي نظم نشطاء وخبراء ندوات طالبوا فيها بإجراء تحقيقات ودعوا إلى حظر ذلك العنصر المشع المشتبه به.

وسط هذه الدعوات، أجرى المجتمع العلمي عدداً من الدراسات لمحاولة تحديد مدى سمية اليورانيوم المنضب. وقد بقي هذا الأمر مفتوحًا و موضع خلاف. قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن مراقبتها المستمرة لقدامى المحاربين في حرب الخليج الذين تعرضوا لليورانيوم المنضب لم تجد "أي آثار إكلينيكية ضارة" في القوات السابقة ولا عيوب خلقية لدى  أطفالهم. خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضًا إلى أن العنصر لا يشكل تهديدًا كبيرًا بكميات صغيرة. لكن الدراسات الأخرى لا تزال تطلق تحذيراتها، بما في ذلك بعض الدراسات التي وجدت أن التعرض في المختبر لليورانيوم المنضب يمكن أن يتسبب في أضرار جينية أو طفرات وراثية. (في هذه الحالات، يُعتقد أن السمية الكيميائية للمعدن، وليس نشاطه الإشعاعي، هي سبب الضرر.)

ساهمت الدراسات المتنافسة في إثارة الكثير من التكهنات، وبحلول أواخر العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدأت العاني وأطباء عراقيون آخرون بملاحظة العيوب الخلقية، أصبح اليورانيوم المنضب أحد أكثر المواد إثارة للجدل على وجه الأرض. في العراق وعلى الصعيد الدولي سارع الكثيرون إلى النظر إلى تقارير الاضطرابات الخلقية كدليل على أن الولايات المتحدة قد استخدمت اليورانيوم المنضب في الفلوجة أثناء الغزو الأمريكي وما تلاه.

كان التحدي بالنسبة لأولئك الذين يدرسون هذه المسألة هو أن الجيش الأمريكي رفض الكشف عن معلومات حول مكان وكمية اليورانيوم المنضب الذي استخدمه خلال الحرب. لقد حجبت هذه التفاصيل رغم تحذير بعض المسؤولين في البنتاغون من مخاطر عدم الاستجابة لأدراكهم سخونة الموقف واشتداد الحملات الإحتجاجية. كما حذرت إحدى مذكرات البنتاغون التي حصلت عليها مجلة The Nation، " عدم إقرار أو نشر وزارة الدفاع أي معلومات تتعلق بكمية ومواقع اليورانيوم المستنفد المستخدم خلال [عملية حرية العراق]. في بعض النواحي كان ذا عواقب سيئه علينا ".

لم ترد وزارة الدفاع على الأسئلة المتعلقة بأسباب عدم نشر هذه المواد علنًا. لكن المنتقدين يقولون إن صمت واشنطن لم يؤجج سوى التكهنات - وفي حالة الأطباء العراقيين الذين يتطلعون لمساعدة مرضاهم الصغار، فإن سميرة العاني قد نقلت انشغالاتها عام 2013 إلى الولايات المتحدة في مؤتمر نظمه مركز كارتر في جورجيا "بالنيابة عن نساء الفلوجة أود أن أدعو حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للكشف عن المعلومات المتعلقة بجميع أنواع الأسلحة المستخدمة أثناء الاحتلال واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الحق في الحياة و صحة السكان المحليين في حالة أكتشاف مصدر التلوث ".

لم ترد حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على مطالب العاني. لكن على مدى السنوات القليلة التالية، قدم البنتاغون إجابات من نوع ما إلى ويم زفيجنينبيرج، قائد المشروع في مجموعة باكس  الهولندية للسلام  الذي قضى ما يقرب من عقد من الزمان في التحقيق في استخدام الجيش الأمريكي لليورانيوم المنضب. في عام 2014، انضم إلى مركز الحقوق الدستورية ومقره نيويورك لتقديم طلبات وفق قانون حرية المعلومات إلى 10 وكالات حكومية أمريكية فيما يتعلق بالمواد التي استخدمها هذا البلد  خلال حرب العراق. لم ترد معظم الوكالات، بعضها ادعت بانها لا تمتلك مثل هذه السجلات، والبعض الآخر دون سبب واضح. ولكن بمساعدة الوثائق التي نشرتها القوات الجوية في عام 2015، بالإضافة إلى الوثائق التي تضمنها أرشيف الأمن القومي، تمكن زفيجينينبرغ من البدء في تجميع صورة لمكان إطلاق اليورانيوم المنضب. وفي يونيو 2019، زفيجينينبرغ  و CCR مجموعة من الوثائق من القيادة المركزية الأمريكية التي ساعدت في توضيح الصورة.

وثائق Centcom،التي زودتها CCR زفيجينينبرغ  حصريًا لمجلتنا The Nation والتي صادقت عليها وزارة الدفاع، تقدم صورة أولية، إن لم تكن نهائية، في نطاق ومدى استخدام اليورانيوم المنضب خلال كلتا الحربين في العراق. وهي تتألف من حوالي 200 صفحة من المذكرات والتقارير إضافةً الى الخرائط التي توضح أماكن إطلاق ذخائر اليورانيوم المنضب وكذلك الكميات. هناك 28 صفحة مفقودة مما تم تنقيحها أو حجبها لأسباب تتعلق بالأمن القومي. علاوة على ذلك، تقر المستندات نفسها بأنه "كان من الصعب تحديد استخدام اليورانيوم المنضب أو مواقعه بدقة." ومع ذلك فان الاكتشافات التي تتضمنها مهمة، وتشكل رداً على الافتراضات القائمة منذ فترة طويلة حتى أنها تثير أسئلة جديدة.

حسب الوثائق تم الكشف عن أن الولايات المتحدة نشرت يورانيوم مستنفد أقل بشكل ملحوظ في الفلوجة وحولها مقارنة بمناطق أخرى من البلاد. على وجه التحديد، تكشف الوثائق أنه في مارس وأبريل من عام 2003، أطلق الجيش الأمريكي حوالي 4000 طلقة 30 ملم، أو 1.3 طن، من ذخائر اليورانيوم المنضب في الفلوجة - وهو جزء صغير من إل 69 طنًا التي  أطلقها الجيش الأمريكي في عموم العراق. تم إطلاق معظم ال 1.3 طن خارج مناطق الفلوجة السكنية. كما تشير الوثائق إلى أنه بعد نيسان (أبريل) 2003، لم يستخدم الجيش الأمريكي أي يورانيوم مستنفد في العراق وأن اليورانيوم المنضب لم يستخدم خلال أعنف معركة في الفلوجة عام 2004. كما تشير الوثائق إلى عدم استخدام يورانيوم مستنفد في الفلوجة خلال 1991 - حرب الخليج عندما أطلق الجيش الأمريكي 322 طنًا منها في أنحاء العراق.

بالنسبة إلى زفيجنينبيرج، وهو ناقد صريح لاستخدام ذخائر اليورانيوم المنضب، تقدم الوثائق حجة مقنعة ضد النظرية القائلة بأن اليورانيوم المنضب هو المسؤول عن أزمة أطفال الفلوجة. وقال إن من الجدير بالذكر أن مناطق العراق التي شهدت تعرضًا أعلى لم يكن بها عدد كبير من العيوب الخلقية المبلغ عنها. وقال "بالنظر إلى الاستخدام المحدود، أجد صعوبة في ربط اليورانيوم المنضب بالعيوب الخلقية في الفلوجة في الوقت الحالي". 

توصل دوغلاس بروج، رئيس قسم علوم الصحة العامة في جامعة كونيتيكت وخبير الصحة البيئية، إلى استنتاجات مماثلة رغم انه حذر من أن الوثائق لا يمكن أن تكشف الصورة الكاملة. (ولذا، قال، سيكون من الضروري إجراء دراسة للحالة.) "إذا أخذت الوثائق من حيث القيمة الاسمية فيما يتعلق بالفلوجة تحديدًا، فإن كمية ذخيرة [اليورانيوم المنضب] التي تم إطلاقها وتفجيرها بالفعل تبدو متواضعة.

وأضاف " عادة يتم التركيز فقط على اليورانيوم المستنفد لأنه مرتبط بشيء مقلق ومخيف للغاية"( إشارة إلى النشاط الإشعاعي للعنصر، مهما كان ضعيفًا. "لكنني سأتفاجأ إذا ما كان هو فقط الأكثر انتشارًا أو الأكثر سمّية في حرب من هذا القبيل."

قال زفينجنينبرغ إن هذه المعلومات الجديدة ليست نهاية القصة ولكنها مجرد بداية لغز أكثر تعقيدًا. وقال إن عدم وجود كميات كبيرة من اليورانيوم المنضب لا يعفي الولايات المتحدة أو أي جهات عسكرية أخرى من أدوارها المحتملة في أزمة صحية في الفلوجة. وقال إن الافتقار إلى الشفافية غذى المخاوف بشأن مادة معينة (اليورانيوم)، مما صرف الانتباه عن الحاجة إلى تحقيق علمي أوسع نطاقاً لأكثر من عقد.

قال زفيجنينبيرج: "هناك حاجة إلى تركيز أكبر على المخلفات السامة للحرب من غيرالذخائر لفهم مخاطر الصحة البيئية".

في مقابلات مع ذي نيشن  The Nation، اتفق عدد كبير من العلماء والأطباء ونشطاء مكافحة اليورانيوم المستنفد مع زفيجنينبيرغ.، قائلين إن التركيز الضيق على هذا العنصر قد حال دون تحليل الآثار الشاملة على الصحة العامة والبيئة للنزاعات العسكرية في الفلوجة، و كيف يمكن ربطها بالعيوب الخلقية. وكررت منتهى العلواني أخصائية طب الأجنة التي قامت بتصوير الحالات وتسجيلها مع العاني هذا القلق. قالت العلواني: "أعرف أن كل صحفي يركز على نقطة واحدة، وهي الأسلحة". "الأسلحة ليست مشكلتي.المشكلة أكبر من هذا ".

عشية الغزو عام 2003، كان العراق بالفعل في أزمة صحية عامة. تضافرت  الحروب في العقدين الماضيين مع العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن الدولي في إحداث تدمير كامل في بيئة البلاد وبنيتها التحتية. خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، قامت الحكومة العراقية بتصنيع ونشر أسلحة كيميائية، مما أدى إلى تعريض عمال المصانع العسكرية وبعض المدنيين فيها للغازات السامة. دمرت الهجمات الجوية التي شنها التحالف بقيادة الولايات المتحدة عام 1991 أنظمة الطاقة والصرف الصحي. كما أعاقت عقوبات الأمم المتحدة، التي فُرضت عام 1990، إعادة بناء المحطات الكهربائية الأساسية ومرافق معالجة مياه الصرف الصحي. وكان حظر استيراد الكلور قد جعل تنقية المياه شبه مستحيلة.

كما دمرت العقوبات نظام الرعاية الصحية في البلاد، والذي كان يعتبر من بين الأفضل في المنطقة. تم تخفيض ميزانية النظام الصحي بنسبة 90 في المائة خلال التسعينيات حيث أدى الحظر إلى شل الاقتصاد. على الرغم من أن الأدوية كانت مستثناة ظاهريًا من الحظر، إلا أن الأدوية منتهية الصلاحية أو غير المعتمدة طبياً أغرقت السوق السوداء. مع ندرة الغذاء، انخفض مدخول الفرد من السعرات الحرارية للعراقيين إلى  1093 سعرة يوميًا في عام 1995، وفقًا لتقرير اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية، وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية عام 1996، "الغالبية العظمى من سكان البلد يتبعون تقشفاً في الغذاء يقترب من المجاعة لسنوات ".

وخلصت منظمة الصحة العالمية إلى أن "جودة الرعاية الصحية في العراق، بسبب حرب الأسابيع الستة عام 1991 والعقوبات اللاحقة المفروضة على البلاد، قد تراجعت فعليًا إلى ما لا يقل عن 50 عامًا الى الوراء".

عمر الديوه جي، الطبيب العراقي وعالم الأنثروبولوجيا الطبية الذي كان يوثق الآثار الصحية للنزاع في البلاد منذ عقود، عاصر آثار العقوبات عندما كان يعمل في مستشفى عام في بغداد سنة 1997. "لدينا حالات من سوء التغذية أعلى بكثير مما كنا قد تجاوزناه في الستينات".

نظام الحصص الغذائية الذي فرضته الحكومة استجابةً للعقوبات، منع حدوث مجاعة محتملة ولكنه ترك الناس يعانون من نقص في العديد من الفيتامينات والمعادن، بما في ذلك العناصر الغذائية الأساسية لنمو الجنين. وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1996، انخفض توافر مركبات الحديد - التي تساعد في منع الاضطرابات الخلقية الخطيرة المعروفة باسم عيوب الحبل العصبي - بأكثر من 77 بالمائة. خفضت حمية الحصص الغذائية الزنك والريبوفلافين إلى النصف، ويرتبط نقصهما ببعض العيوب الخلقية أيضاً، وكذلك الثيامين، الذي يمكن أن يؤدي نقصه إلى زيادة احتمالات الإجهاض. حسب اليونيسف: بحلول عام 2003، كان ما يقرب من 60 بالمائة من سكان العراق يعتمدون بشكل كامل على الحصص الغذائية، مما يعني أن نقص التغذية أثر على أكثر من نصف السكان. سجلت وزارة الصحة ارتفاعا على مستوى البلاد في أمراض القلب الخلقية، أحد أكثر أنواع العيوب الخلقية شيوعا، بين عامي 1991 و 1998.

 قال د.عمر الديوه جي: "من المعروف أن العوامل الغذائية تسبب تشوهات خلقية وعيوبًا، ولم يتم البحث في تلك العوامل جيدًا في دراسة التشوهات الخلقية في العراق".

أدى الغزو الأمريكي في الفلوجة إلى تفاقم هذه المشاكل الصحية والبيئية الأساسية. في عام 2004 كانت المدينة مسرحًا لأكثر المعارك دموية في الحرب الأمريكية على العراق. في تشرين الثاني وكانون الأول، أمعنت تسع بتاليونات تابعة للجيش ومشاة البحرية الأمريكية تدميراً في الفلوجة، ودمرت عشرات الآلاف من المنازل، ومحطات معالجة المياه والطاقة، ونظام الصرف الصحي في المدينة. قتل في المعركة آلاف العراقيين و 82 أميركياً. غمرت مياه الصرف الصحي الشوارع. وتناثرت جثث الكلاب المتعفنة في أنحاء المدينة. نشرت القوات الأمريكية الفسفور الأبيض، وهو سلاح كيميائي قادر على حرق الجلد والعضلات بل حتى العظام. لقد كانت معركة خاضتها القوات الأمريكية بروح الانتقام لأنه، كما صرح وزير الدفاع دونالد رامسفيلد وكبار القادة الأمريكيين الآخرين، "أصبحت الفلوجة رمزًا لمحاربة الاحتلال الأمريكي للعراق.

تتذكر لقاء وردي، العضوة السابقة في البرلمان من الفلوجة، كيف نُقل زوجها المهندس إلى المدينة على متن مروحية عسكرية وكلف بمسح الأضرار عقب الحصار العسكري الامريكي. وقالت: "أخبرني أن المدينة مغطاة تماماً بالمياه، وأن الجثث منتشرة في كل مكان، وهناك الكثير من العقبات والتحديات أمام إعادة الإعمار". خلال الأشهر التي تلت ذلك، عاد السكان النازحون - بمن فيهم العاني وعائلتها - إلى الفلوجة وشرعوا في إعادة بناء مدينتهم. لكن الوضع الأمني غير المستقر في ذلك الوقت جعل من المستحيل على أعضاء وزارة البيئة أو برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) دراسة حجم الأضرار.

شكل عدد كبير من المصانع والمستودعات الكيميائية والمباني الصناعية العسكرية في الفلوجة و ضواحيها مخاطر جمّة على السكان القريبين. سلط برنامج الأمم المتحدة للبيئة الضوء على العديد من هذه المواقع في ثلاثة تقارير نُشرت بين عامي 2003 و 2005. أحد أكبر مستودعات المواد الكيميائية في البلاد، في خان ضاري، على بعد حوالي 20 ميلاً من الفلوجة بالقرب من أبو غريب، تعرض للنهب في أعقاب الغزو الأمريكي. (لا يحدد التقرير الجهة التي نهبت وأضرمت النار في أجزاء من المجمع). تم تسرب أو حرق أو سرقة مئات الأطنان من المواد الخطرة في هذه المستودعات، بما في ذلك المواد الكيميائية عالية السمّية مثل إيثيل الرصاص، والفورفورال، وميثيل إيثيل كيتون، وهيدروكسيد الصوديوم. هناك مواقع أخرى لم تدمّر ولكنها تشكل مصادر خطره للتلوث. أحد مواقع التصنيع العسكري بالقرب من الفلوجة يحتوي على السيانيد والمعادن الثقيلة، وما ينفثه مصنع للأسمنت من مواد ضارة بما في ذلك الزرنيخ والديوكسين (مادة كيميائية تدخل في صناعة المبيد البرتقالي)، وكلاهما مرتبطان بالتسبب بعيوب خلقية. (لم ترد وزارة الدفاع على أسئلة حول هذه التقارير عن انتشار التلوث البيئي).

من المحتمل أن تختلط جميع هذه المواد الكيميائية مع الملوثات التي خلفتها الحروب السابقة. في عامي 1991 و 1998، على سبيل المثال، قصفت الولايات المتحدة مجمع أسلحة كيماوية ومصانع لإنتاج المبيدات الحشرية في المنطقة - المعروفة باسم الفلوجة 1 و 2 و 3 - مما أدى إلى تلويث التربة في الموقع. في الثمانينيات من القرن الماضي، ربما تعرض سكان الفلوجة لسموم خطيرة من خلال الخدمة في الجيش العراقي أو العمل في المصانع العسكرية حيث كانت تدابير الصحة والسلامة شحيحة. 

لم يقتصر هذا التلوث على الفلوجة. في عام 2005 قدرت الأمم المتحدة أن العراق مليء بعدة آلاف من المواقع الملوثة. بعد خمس سنوات، كشف تحقيق أجرته صحيفة "تايمز أوف لندن" أن الجيش الأمريكي أنتج أكثر من 10 ملايين رطل من النفايات السامة وأنه كان يتخلى عن مواد خطرة في مكبات النفايات على طول الطرق الرئيسية. في العام نفسه، اكتشفت دراسة أجرتها الحكومة العراقية من قبل وزارات البيئة والصحة والعلوم أكثر من 40 موقعًا في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك موقع واحد على الأقل في الفلوجة، ملوث بالإشعاع أو الديوكسين. كان حسن برتو، مدير برنامج فرع إدارة الأزمات في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ضمن فريق التقييم البيئي في أعقاب الغزو. صرح لمجلة The Nation أن "التلوث البيئي في العراق هو أحد أخطر حالات تلوث في مناطق النزاعات التي حقق فيها برنامج الأمم المتحدة للبيئة"، مشيرًا إلى "أسباب التلوث المزمنة والمتعددة والواسعة الانتشار".

ومع ذلك، حتى في خضم الأزمة البيئية على مستوى البلاد، كانت  الفلوجة هي الابرز في مستوى التلوث السمّي. قال عبد الكريم السامري، وزير التكنولوجيا والعلوم العراقي من 2010 إلى 2014، لصحيفة The Nation: "كانت الفلوجة المدينة الأكثر تلوثًا في العراق". معرباً عن قلقه من التقارير التي تتحدث عن ارتفاع معدلات التشوهات الخلقية والسرطان في الفلوجة، قال إنه سعى إلى إنشاء مراكز محلية لدراسة الأمراض والتلوث خلال فترة عمله وزيرا، لكن المبادرات لم تكتمل قط. وقال إن التمويل المتعلق بالصحة غالباً ما يلتهمه الفساد أو يتم تحويله إلى الميزانية العسكرية. ولم ترد الحكومة العراقية على إستفساراتنا حول سبب عدم اكتمال عمل المراكز البحثية الهادفة إلى دراسة التشوهات الخلقية والسرطانات في الفلوجة. ومع ذلك، قال جاسم عبد العزيز حمادي الفلاحي، نائب وزير الصحة والبيئة العراقي في مقابلة إن سنوات النزاعات العسكريه بشكل عام، بما في ذلك حرب 2014-2017 ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قد أجبرت الحكومة على سحب الموارد من البرامج الاجتماعية. وقال الفلاحي أيضاً إن الزيادة المزعومة في التشوهات الخلقية في الفلوجة يمكن ربطها بهذه الأزمة البيئية العامة، وكان حريصاً على عدم ذكر علاقة سببية محدّدة، وكرر قول المسؤولين الآخرين إن التحسينات في نظام التشخيص والتسجيل للتشوهات الخلقية تفسر جزءًا من الارتفاع المبلغ عنه. ثم أضاف "لكن في بعض الأحيان ربما – وأركّز على كلمة ربما- نربط التشوهات الخلقية بالتلوث: تلوث الهواء، وتلوث المياه، وتلوث التربة بالمعادن الثقيلة، والإشعاع، و السموم الكيمياوية، لأننا كما قلت، نشهد عقودًا من الحرب"٠

أوضح الديوه جي أن التحدي المتمثل في دراسة العيوب الخلقية في الفلوجة وفي جميع أنحاء العراق يعود إلى حقيقة أنه لا يمكن أن تنسب التشوهات بسهولة إلى سبب واحد. قال: "أنت تتعامل مع نظام إيكولوجي معقد من ناحية السمّية والتفاعلات". "أعتقد أن هناك نوعًا من الهوس لإيجاد جواب سحري لشرح العيوب الخلقية في العراق…. الناس يحاولون أن ينسبوا ذلك إلى سلاح معين مثل اليورانيوم المنضب، الجميع يريد أن يكون اليورانيوم المنضب هو المسؤول، وأشعر أن البحث عن سبب واحد كمن يبحث عن شجرة فيهمل الغابة. نحن نفتقد الصورة الأكبر لكيفية حدوث إنتاج منهجي للسمّية على مدى عقود في الحياة اليومية للعراقيين ".

بالنسبة إلى الديوه جي والآخرين، الحديث عن الصورة الأكبر لا يستبعد مسألة تحديد المسؤولية. لكنها تفضي الى ذات النتيجة، على الأقل في حالة الفلوجة، فتلك الرؤية تجبر المرء على إعادة النظر في البحث عن مادة سامة واحدة وبدلاً من ذلك يكون التفكير باحتمال أن حرب المدن في القرن الحادي والعشرين، في حد ذاتها، قد تطلق العنان للمخاطر على الأجيال والتي بدأنا تواً ندركها. وقال "هذا جزء من اللغز الذي لم يتم حله بشأن هذه العيوب الخلقية". وهو ما يجعلنا نسأل: كيف نمضي قدماً وكيف يمكننا حقًا التفكير في تحديد المسؤولية في مثل هذه القضايا؟ ".

 

بعد سبعة عشر عامًا من غزو الولايات المتحدة لبلدهم، ما زالت سميرة العاني وزملاؤها لا يعرفون بالضبط كيف أو حتى ما إذا كانت الحرب لها علاقة بالتشوهات الخلقية التي تقول إنها تشهدها في المستشفى يوميًا. في صباح آخر حار من أيام سبتمبر من العام الماضي، جلست في مكتبها الصغير ذي الإضاءة الخافتة قبل جولاتها في جناح الولادة. كانت منزعجة من حركة المرور في الصباح، وبدت متعبة. على مر السنين، ألفت أو شاركت في تأليف أكثر من اثنتي عشر دراسة، وتحدت منظمة الصحة العالمية، وسافرت إلى الولايات المتحدة لمناشدة الرئيس السابق جيمي كارتر للسعي من أجل الحصول على معلومات حول المعارك التي تقودها الولايات المتحدة في مدينتها. وقد نجت من الضربات الجوية واحتلالين عسكريين أجنبيين. وقد فقد أفراد عائلتها أطفالهم بسبب العيوب الخلقية التي سعت إلى علاجها.

سحبت نسخة من طلب رسمي،  كان يرسله -على حد قولها- المستشفى إلى وزارة الصحة في بغداد كل شهر لطلب معدات جديدة، بما في ذلك جهاز لمعالجة الدم بأشعة غاما، ومحلل Cobas E 411 لإجراء فحوص مختبرية لغرض التشخيص، و جهاز فحص حديثي الولادة لتحديد الاضطرابات الوراثية والتمثيل الغذائي. قالت: حتى الآن لم تصل المعدات  لكنها تنوي الاستمرار في طلبها. وقالت: "إننا نتطلع لإيجاد حلول لهذه العائلات".

عندما كانت العاني تستعد لرؤية مرضاها، دخلت منتهى العلواني إلى المكتب. تذكرتا عندما بدأتا في تسجيل الحالات منذ حوالي عقد من الزمان، حيث التقطت العلواني  صوراً بالكاميرا فلم يكن لديهما موبايلات بعد. قالت العلواني إنها لم تكن تنوي استخدام الصور لأغراض سياسية. وقالت: "لا أحب أن أشهر مأساة الناس". "كنت أفكر في حل المشكلة، وليس إعادة إنتاجها." لكن بمرور الوقت، تحولت صور أطفال الفلوجة القتلى والمشوهين إلى رموز لعواقب الحرب المروعة التي طال أمدها. أصبحت الصور الملصقة على لوحات الملصقات والمواقع الإلكترونية المناهضة للحرب رموزًا للآثار المدمرة و المتوارثة بين الأجيال للحرب التي يصفها الاميركان الآن بأنها كانت خطأ. لكن أطفال المدينة – تقول العاني و العلواني- لم ينالوا الاهتمام العالمي المطلوب .

بعد أسابيع قليلة، نشرت العاني دراسة أخرى في المجلة الآسيوية  للتقارير الطبية والصحية. في الورقة التي راجعها الزملاء، قامت بتحليل التوأم اللذان ولدا في مستشفى الفلوجة ولديهما اضطرابان شديدان مختلفان. كتبت أن الطفل الثاني، كان ذكراً وقد  ولد ميتاً وأمعاءه الزرقاء متدلية من بطنه. أول طفل دخل العالم حيا. كانت العاني تعلم أنه لن يعيش طويلاً،طالما أن ساقيه الصغيرتين ملتصقتان معًا. ذكّرها كلا الطفلين بالتشوهات الأخرى التي رأتها وسجّلتها في المستشفى،لكنها لم ترَ المتلازمتين النادرتين معاً في نفس الحمل من قبل.

أنهت العاني دراسة الحالة بملاحظة محبطة،  فكتبت أن "الانتشار الواسع للعيوب الخلقية في الفلوجة يؤثر على صحة السكان وقدرتهم على رعاية الأطفال الباقين على قيد الحياة". وأضافت أن المشكلات تفاقمت بسبب قلة الرعاية السابقة للولادة، ونقص دعم الأسر المصابة بعيوب خلقية، و "عدم وجود خطط مستقبلية جادة وواضحة لتحسين النظام الصحي أو اتخاذ إجراءات جادة لتنظيف البيئة الملوثة بعد الحروب".

ما لم تكتب عنه هو كيف أصبح والد التوأم في حالة هستيرية بعد الولادة ورفض السماح لها بإجراء الأشعة السينية أو الموجات فوق الصوتية عليهما. لقد أخرج الطفل الأول ببساطة من المستشفى ليموت في المنزل، تاركًا العاني لتدوين المعلومات المحدودة التي تمكنت من جمعها، على أمل أن يفيد السجل يومًا ما مرضاها، وإنْ كان غير مكتمل.

 

رابط التقرير

 https://www.thenation.com/article/world/fallujah-iraq-birth-defects/

 

 

 

قاسم حسين صالحيحدثنا التاريخ ان الانكليز هم الذين أدخلوا شيوخ العشائر ميدان السياسة. ففي التقرير الذي رفعته (المس بيل) إلى لندن عام 1923، اوضحت أن أصلح طبقة لحكم العراق هم شيوخ العشائر، فأشركوهم  في المجالس النيابية المتعاقبة بعدد كبير زاد على ثلث أعضائها، وصاروا أصحاب ثراء وجاه واعتبار اجتماعي وسلطة يستعان بها في إدارة البلاد وضرب المعارضة السياسية.

وكانت (المس بيل) اول من درس شخصية رؤساء العشائر العراقية..علميا وعمليا.كانت تتعشى معهم في مضائفهم واحصت عنهم كل صغيرة وكبيرة بما فيها عدد الزوجات والخيول والمواشي...التي يمتلكها كل واحد، فضلا عن قيمهم وعاداتهم.وكان هذا العقل البريطاني الاستخباراتي الذي امتاز بالذكاء والدهاء يرفع تقاريره الى الحكومة البريطانية فتوافق عليها مع الامتنان.

ومع أن العشائر العراقية قامت بثورات وتمردات ضد سلطات الحكم العثماني، إلا أن أبرز دور لها هو اشتراكها بثورة العشرين، إلى جانب رجال الدين الذين رفعوا شعار (إخراج الكافر الأجنبي من البلاد) بوجه القوات البريطانية التي دخلت العراق عام 1917.ويحسب لها أنها أسهمت من خلالها بتعميق الحس الوطني ومناهضة السيطرة الأجنبية، وإضعاف الروح الطائفية التي جعلت بغداد ساحة احتراب طائفي في فترة الحكم العثماني.

والواقع إن عشائر وسط وجنوب العراق تختلف عن عشائر المنطقة الغربية، في أن الأولى تتحكم بها قيم المرجعية الدينية فيما تتحكم القيم البدوية في الثانية.غير أن كلا الفريقين تجمعهما "العصبية القبلية" بوصفها الوسيلة التي تلزم الجميع بحماية كيان العشيرة لقاء تأمين حاجة أفرادها الى الشعور بالأمان، التي تجسدت عام 2003.فحين سقطت الدولة وتعطّل القانون، برزت لدى الفرد العراقي سيكولوجيا الحاجة إلى "الاحتماء" فكانت العشيرة هي ملاذه الأول.

والتاريخ يحدثنا ايضا أن شيوخ العشائر يقفون مع الأقوى.ففي التقرير الذي أعدته دائرة الاستخبارات البريطانية في العراق عن مشايخ ولاية بغداد سنة 1917، يذكر مترجمه عبد الجليل الطاهر أن بعض شيوخ العشائر كانوا متعاونين مع الإنكليز، وأنهم كانوا يحصلون منهم على الرشوات، وأن الإنكليز استعملوا أساليب الإغراء وتلويث الضمائر واستطاعوا شراء ذمم بعض شيوخ العشائر.

والمفارقة ان الدكتاتور صدام حسين والطائفيين (الديمقراطيين) اعتمدوا نفس الاسلوب الانكليزي.فلقد شجع النظام السابق على استيطان عشيرة الجنابيين في الشريط الواقع جنوب بغداد لتكون حائلا بين بغداد والمدن الشيعية.ويذكر علي عبد الأمير علاّوي بكتابه (احتلال العراق) أن رؤساء الأفخاذ العشائرية الجنابية منحوا أراض زراعية خصبة في اللطيفية واليوسفية والمحمودية..التي صارت تعرف فيما بعد بـ"مثلث الموت".

وعمد صدام إلى تشكيل (شيوخ أم المعارك)..كثيرون منهم رؤساء عشائر شيعية اشترى ذممهم بدفع هدايا مالية ومسدسات وامتيازات، لقاء قيامهم بالسيطرة على أفراد عشائرهم وأن يكونوا عيونا للسلطة.واستجاب عدد منهم طمعا بـ(التكريم)أو دفعا لشرّ طاغية لا يرحم.والشيء نفسه قام به الطائفيون، إذ التقى رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي) بعدد من الشيوخ بقصد كسب أصوات أتباعهم في الانتخابات وتأييدهم لشخصه.ويذكر لي احد شيوخ الناصرية انه قبيل انتخابات 2010 زاره ممثلان عن حزبين شيعيين في السلطة طلبا منه أن يمنحاه أصوات أفراد عشيرته، ولأنه لا يريد أن "يزّعل "احدهما فإنه أخبرهما بأنه سيجعل أصوات جماعته مناصفة بينهما!

ولأول مرّة في تاريخ الحكومات العراقية يكون سوء إدارة الحكومة لشؤون الناس والبلاد سببا في بعث الروح الوطنية وخفض العداء الطائفي بين شيوخ عشائر في الطائفتين السنّية والشيعية.فبعد اندلاع التظاهرات في الأنبار بالأسبوع الأخير من عام 2012، وظهور شيوخ عشائر سنّية تشكو ظلم الحكومة وتؤيد مطالب جماهير انتظمت في تظاهرات عفوية سخر منها رئيسها بوصفها (فقاعات)، عُقد في البصرة مجلس ضم شيوخ عشائر بأغلبية شيعية، أعلنوا فيه تضامنهم مع المطالب الشرعية للمتظاهرين في المدن ذات الأغلبية السنية.وفي اليوم نفسه أقام شيوخ عشائر مجلس عزاء بمدينة النجف لشيخ عشائر الجبور (محمد طاهر العبد ربه) الذي اغتيل في الموصل وعدّوه رمزاً من الرموز الوطنية.

بالمقابل، نظمت وزارة الداخلية باليوم نفسه مؤتمرا موسعا لرؤساء عشائرمن الطائفتين.ومع انه دعا إلى تشكيل لجنة من رؤساء العشائر لتوحيد مطالب المتظاهرين، إلا أن الهدف الرئيس له هو خطب ودّ شيوخ عشائر ليكونوا مع الحكومة..التي قامت بتوزيع (استمارات خاصة بحيازة وحمل السلاح لأكثـر من (150) من شيوخ العشائر بينهم زعماء قبليون من الأنبار، ودعتهم إلى التدخل لوقف التظاهرات.وهذا حال كل الحكومات العراقية..إنها تستميل إليها شيوخ العشائر حين تشعر بخطر يتهددها، وتجزل العطاء لمن يتعاون معها، وإن عددا من الشيوخ يستجيبون حتى لو كانوا يعلمون أن الحكومة على باطل.

ان قراءتنا السيكولوجية التاريخية تكشف عن صفة ثابتة في شخصية شيخ العشيرة، هي أن الحمية على وطنه لا تأخذه قدر ما تأخذه الغيرة على الشرف، بمعنى أنه يغلّب قيمه العصبية ومصالح عشيرته على مصلحة الوطن، وانها ميالة إلى التباهي بما تملك من ثروة وخيول وأبقار وأغنام..ونساء!.وقد توفرت الفرصة لعدد من الشيوخ أن يجمعوا بين رئاسة العشيرة والعمل كرجال أعمال،  اذ يذكر علي علاوي بكتابه(احتلال العراق) أن بعض رؤساء العشائر اندفعوا للتعاون مع سلطة الائتلاف الموقتة لأسباب مالية صرف.

الحدث الأكبر الذي حسم موقف شيوخ العشائر هو انتفاضة تشرين 2019 ، اذ فرزتهم الى فريقين، كثرة وقفت الى جانب المتظاهرين، وأقلية مع قيادات أحزاب السلطة.وكان الحدث الذي كشف حقيقة شيوخ العشائر هو انتكاسة انتفاضة تشرين وواقعها في 2021 بعد ان تم استهداف رموزها ونشطاء فيها بالقتل او الأختطاف من قبل ميليشيات وعصابات ومرتزقة تابعة لأحزاب السلطة. فمن غرائب ما حصل أن شيوخ عشائر كانوا في 2019 الى جانب المتظاهرين المطالبين ب(استعادة وطن ) انحازوا في 2021 الى قادة احزاب يعرفون انهم فاسدين وفاشلين سياسيا وأخذوا يتملقون لهم..والتملق يعني التودد والتلطف باظهار في اللسان ما ليس في القلب..مع انه يفترض في شيوخ عشائر الوسط والجنوب ان يلتزموا بموقف المرجعية الموقرة التي بح صوتها من نصح حكّام شيعة فاسدين.

ان ما حصل يجعلنا نستنتج بان ازدواجية مواقف جمع كبير من شيوخ العشائر تبقى يحكمها عامل التملق بالتودد للسلطة للحصول على منافع وسلطة وجاه، وان العصبية القبلية تبقى تتحكم بهم وتكون هي الأقوى في أوقات الأزمات..ومع ذلك فان بينهم جمعا اكبر يبقون اصلاء (ينحطون عالراس) لأنهم ظلوا بعيدين عن سلطة اثبتت احداث (18)سنة انها فاشلة سياسيا،  ويدركون ان شيخ العشيرة يسقط في نظر ابناء عشيرته ان تملق لحاكم فاشل وفاسد.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

 

مهدي الصافيبغداد عاصمة الخلافة العباسية لم تستقر يوما بعد سقوط الامبراطورية الاسلامية على يد المغول، بقيت مدينة احلام امبراطوريات الامم الاخرى، حتى قيل بعد احتلالها من قبل بوش الابن2003، ان اعلان السيادة والسيطرة على العالم يبدأ منها...

التركة الامبراطورية العثمانية الثقيلة في بلاد العرب، تركت اوطاننا غارقة في المشاكل والازمات الاجتماعية، ولان طبيعة المجتمع قبلي عشائري واثني وطائفي، والبيئة فيه متشابكة ومتداخلة بين الطوائف والاعراق والاديان،

ولانه بلد لاذت به قوميات الدول المجاورة منذ زمن، ضعفت عند ابناءه الروح الوطنية العامة، وقويت بدلا عنها روح الانتماء القبلي او الطائفي، وقد تكون مسألة قبول ملك عليهم من الحجاز دليلا على صعوبة ايجاد قائد او ملك عربي عراقي، تجمع عليه مكونات المجتمع، ولعل الاستعمار الانكليزي لعب دورا في تفضيل المحلي على الملك المعلب او الجاهز مسبقا من قبلهم.....

لقد كان العراق يعرف ببلد الانقلابات العسكرية، وهذه الظاهرة المعروفة لايمكنها الا ان تكون انعكاس لطبيعة المجتمع الذكوري المعقد او المركب، ولكن نتيجة هذه التحولات السياسية الدموية، انتجت نخب وطبقة سياسية تؤمن بالعنف كوسيلة للوصول للهدف، وهو حكم البلاد (تحت شعار تخليص البلاد من الاستعمار والعملاء)، الا ان الحياة الاجتماعية الاقطاعية السابقة كانت ايضا هي الدافع لصعود واستفحال تلك الظاهرة، اي ان العنف (القبلي والعشائري) زحف من المجتمع الى السياسة وليس العكس...

المجتمعات غير المتجانسة وطنيا او انظمة الدول البدائية (المحير في الامر ان اغلب الانظمة العربية الجمهورية التي استلمت الحكم بعد رحيل الاستعمار وانهيار الانظمة الملكية كانت لديها اجهزة امنية متوحشة)

التي تنتشر فيها عصابات الجريمة المنظمة والمتوحشة، تنتج شعبا حذرا خائفا مضطربا، يخضع لسلطة وهيمنة وثقافة الاقوى في الشارع، ليس العراق وحده من عانى من تلك الحالة، انما دول اخرى وقعت في نفس الماساة، وهذا بدوره يجعل الارضية معبدة لولادة كيانات سياسية مشوهة، تمزج بين الانتماءات الاثنية او القبلية وبين المفاهيم والشعارات السياسية وبين الاساليب الاقطاعية في الحكم، وتحديدا في الدول التي تواطئت معها او سكتت عنها المؤسسات الدينية..

ولتحديد مراحل او مستويات العنف في المجتمع العراقي

يمكن الاشارة اليها في عدة نقاط منها:

اولا: الحياة البدوية والقبلية قبل قيام الدولة اي تحت الاحتلال العثماني..مرحلة غياب النظام والقانون الوطني

ثانيا: الاقطاعية السياسية والاجتماعية في العهد الملكي

ثالثا: الاحزاب والتيارات السياسية (اليسارية واليمينية او القومية) في العهد الجمهوري الاول (عهد عبد الكريم قاسم)

رابعا: عهد العارفين وصعود البعث (وهو يشكل انعطافة خطيرة بالمستويات الدموية السياسية)

خامسا: عهد البكر وصدام ودخول الانتماءات القبلية والعشائرية والطائفية بقوة في الحكم

سادسا: الحروب المتوصلة مع ايران 1980-1988، وحرب الخليج الثانية عام1990

سابعا: الحصار الاقتصادي الدولي المدمر على العراق بعد عام 1990

ثامنا: اسقاط النظام السياسي في العراق عام 2003 وبداية انتشار الفوضى العارمة في البلاد

تاسعا: انتشار الارهاب الاسلاموي الاخواني والداعشي في البلاد، وتعمد توفير بيئة نظرية الهيمنة والاستحواذ بعد نشر التوحش

عاشرا: ظاهرة الدعشنة او التدعيش التي عبرت الى الجماعات والفصائل والاحزاب والتيارات الاسلامية الشيعية

بعد نهاية الحرب الباردة، وانسحاب الروس من افغانستان بعد هزيمة الاستنزاف الطويلة، اشار بعض الكتاب العرب الى ازمة او ظاهرة الافغان العرب، واحتمال عودتهم الى بلدانهم، والدخول في دوامة عنف جديدة، وبداية لاثارة الفتن الداخلية، لم يتوقع احد ان تكون تلك الفرضيات او الاحتمالات ممكنة الوقوع، وبالاخص مع وجود انظمة واجهزة امنية عربية حديدية،

الا ان خنادق التأمر الامبريالي العالمي كانت تخطط لهذه العودة، لاشعال مابات يسمى بعدها ثورات الربيع العربي بعد 2003، الذي بدء بضخ الارهاب بقوة الى بلاد الرافدين، على اعتبار ان هناك مشروعية دينية للحرب المقدسة، لطرد الاحتلال الامريكي من دار الاسلام، ولحماية العرب السنة من الحكم الشيعي الجديد، ثم تحول وانتقل هذا المرض المعدي الى بقية الدول العربية (سوريا لبنان ليبيا ومصر وحتى اليمن الخ)،

هذه الفتنة الطائفية الدموية جعلت من منطقة الخليج العربي، ومايسمى بدول الهلال الشيعي، في حالة حرب طائفية مستعرة، ومنطقة لتصفية الحسابات العربية والاقليمية والدولية، فهي من جهة صراع عربي عراقي لابعاد الهيمنة الشيعية على الحكم، وطرح سيناريوهات متعددة منها تقسيم البلاد الى اقاليم ثلاث (اقليم عربي شيعي، واقليم عربي سني، واخر سني كردي)،

او تركها دولة مفككة غير مستقرة ينخرها الفساد، حتى يتم الانتهاء من ملف التطبيع او لتمرير صفقة القرن، ومواجهة ايران النووية، وكذلك صراع عربي اسرائيلي ضد ايران وسوريا، واخر امريكي روسي صيني لبسط النفوذ في المنطقة، حتى جاءت لحظة سقوط الموصل بيد داعش واعلان دولة الخلافة 2014،

ومن ثم اصدار فتوى الجهاد الكفائي، وانطلاق تشكيل الحشد الشعبي، الذي قاتل الارهاب ببسالة وشجاعة عالية، شهد لها القاصي والداني،

تم بعدها سحق داعش وانهاء دولة البغدادي الورقية، الا ان المشكلة الجديدة التي ولدت بعد التحرير، هو انعدام الثقة بين الدولة ومؤسساتها العسكرية والامنية الرسمية وبين فصائل الحشد الشعبي (الذي بات يعرف بالحشد الولائي اي التابع لولاية الفقيه الايرانية)، وبقية المجاميع المسلحة، هذه الجماعات لاتريد العودة للحياة المدنية حتى مع توفير فرص الاندماج بمؤسسات الدولة، بحجة ان فتوى الجهاد الكفائي لازالت سارية المفعول، وانها لن تلقي السلاح حتى خروج اخر جندي امريكي من البلاد، تماما كحالة الاحراج التي تعرض لها حزب الله بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وبقيت الاسباب غير المقنعة للشارع معقلة بمزارع شبعا، حتى تورط الحزب بالملف السوري بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية لاسقاط نظام الاسد ولازال مستمرا، حتى بعد انتفاضة الجوع اللبناني قبل وبعد دمار مرفأ بيروت، وانتشار وباء كورونا

 (من النادر جدا ان تتخلص الدول المبتلية بأفة المليشيات والجماعات المسلحة بسهولة منها، وبدون قتال واراقة الكثير من الدماء، وقد كان ابن سعود مؤسس مملكة ال سعود في نجد والحجاز من ادهى الحكام العرب، عندما تخلص في بدايه حكمه من المليشيات اي حركة الاخوان، ومن باقي القبائل المسلحة، التي ساعدته في انهاء حكم الشريف حسين بن علي واعلان دولته) .....

المزج بين الواجب الديني والوطني لايمكن القبول به في عصر العولمة والهيمنة الالكترونية، لاتوجد حروب مقدسة دينية او طائفية عابرة لسيادات الدول، هناك امبريالية رأسمالية تفرض سيطرتها بقوة على العالم، تتحكم بالسياسة والقوانين والاعراف الدولية، وباتت تلعب على المكشوف، لم يعد هناك شيئا خافيا على احد في القرية الكونية....

سياسة تصدير او ترحيل المشاكل ليست حديثة، تتبعها بعض الدول التي تعاني من ازمات داخلية، ايران تعاني من حصار ووضع اقتصادي صعب في المنطقة، ولهذا انخرطت بقوة في مشروع الاحتواء والتبني الكامل لدول او منطقة الهلال الشيعي، رافعة شعار المقاومة الدينية الثورية لتحرير القدس، ولاخراج الامريكان من الخليج العربي-الفارسي،

في حين هي تعاني على المستوى السياسي العام من تصاعد حدة الرفض لبقاء شكل وهيئة وتركيبة الدولة الدينية (ولاية الفقيه)،

بعد ان اصبحت دولة نووية، وكما هو معروف من ان النقيضان لايجتمعان، بين العلم والجهل، فمن الطبيعي ان يحصل تغيير ثقافي في المجتمع، وان يتراجع التأييد الشعبي او حتى النخبوي والاكاديمي، وان ينتقد الناس وتعترض على نمطية التراجع السياسي، او ان تبقى اسيرة الحرس الثوري القديم، والطريقة البدائية المتخلفة في الحكم وادارة الدولة، وهذا الامر لايقتصر على طبقة معينة دون غيرها، انما منذ اعلان الجمهورية الاسلامي بعد عام 1979، كانت هناك معارضة شديدة حتى من قبل الحوزات الدينية التقليدية لفكرة ولاية الفقيه المطلقة (في غياب الامام المعصوم)،

وقد كانت ردود الافعال الرسمية على تلك الاعتراضات عنيفة، بل دموية احيانا، وقد لوحظ في الاونة الاخيرة كثرة الاعتقالات والاعدامات للمعارضين والمفكرين والاكاديميين الايرانيين،

مما دفع بالنظام الايراني الى احياء ملفات التدخل المقدس في شؤون الدول الاخرى، دافعة بذلك الرأي العام الى التحشيد الشعبي، للعودة الى شعارات الحرب العراقية الايرانية،

ونظرية تصدير الثورة (ونموذج هيمنة الحرس الثوري على الجيش والدولة)، واحياء يوم القدس، والمساهمة بقوة في نشر روايات ظهور الامام الغائب  (والمسيح الدجال والسفياني واليماني، وقد اشرنا الى هذا الامر في مقالات سابقة)، وهذا ما يتحدث به ايضا الجماعات او المليشيات الولائية التابعة لهم في العراق، من جهة اخرى لا احد يمكنه ان ينكر من وجود مخاطر ارهابية حقيقة، تهدد الوجود العربي الشيعي او العلوي في العراق وسوريا، وتتمنى انهيار او زوال النظام الاسلامي الايراني (لكنها هي ايضا رغبة اغلبية الشعب هناك)،

فقد تعاملت دول الخليج بغباء كبير، وحماقة غير مسبوقة مع الملف العراقي والسوري وحتى اليمني، حتى انتهى بها المطاف الى ان ترتمي في احضان وشباك التطبيع مع اسرائيل لمواجهة ماتعتقد انه خطر يهدد امن واستقرار بلدانها (بينما قطر ذهبت الى طلب الحماية من ايران وتركيا لمواجهة الخطر التوجهات السعودي الاماراتي العدائية على سيادتها ووجودها، وهذه ايضا تؤكد على فقدان بوصلة الاستقرار والامن الاستراتيجي العربي والاقليمي)، وللحد من الهيمنة الايرانية المتوقعة على منافذ تصدير الطاقة البحرية (اي عودة شرطي الخليج الفارسي الى عمله السابق كما كان في عهد الشاه)،

اي بالفعل كانت هناك تهديدات طائفية، ويبدو انها مستمرة في عهد بايدن (ساكن البيت الابيض الجديد)، لكن هذه التهديدات ليست مبررا للمساهمة بصناعة دول كارتونية فاشلة كما في العراق وسوريا، او ان تفتح مخازن السلاح وبقية الدعم اللوجستي لكل من يريد انشاء او تشكيل فصيل مسلح بعيدا عن سلطة ورقابة وموافقة الدولة،

مع انها كانت ووفقا لمصادر سياسية عديدة تتدخل على سبيل المثال في اختيار مرشح رئاسة الوزراء العراقي (وحتى الوزراء، وبقية المسؤولين)، لانها تمتلك النسبة الولائية المعطلة لاختيار اي شخصية غير مقبولة ايرانيا في البرلمان (المجلس الاسلامي الاعلى، وفيلق بدر، والعصائب، واجنحة من حزب الدعوة، وحتى احيانا كسب التيار الصدري المتذبذب الولاء، وبقية الشخصيات والجماعات الولائية، وتعلم المكون السني هذه اللعبة وبدء يبحث عن ورقة التأييد الايراني على منح منصب معين، كما في عملية الاستحواذ على كرسي رئاسة مجلس النواب على سبيل المثال، الخ.)،

حالها حال بقية التدخلات الخارجية لدول الخليج وامريكا وتركيا، فلكل دولة شروطا معينة في تشكيلات الحكومة وقراراتها...

صناعة دولة المليشيات تعني تسهيل عملية الاستهداف للقواعد الامريكية (في العراق والشريط الحدودي مع سوريا)،

ولنقل الاسلحة ايضا من ايران الى سوريا ولبنان، من هنا نجد ان مطالبة الكتل السياسية للمحافظات الغربية بسحب الحشد والفصائل المسلحة من مناطقهم، هي تأتي بدعوة خليجية امريكية لقطع المنافذ البرية المفتوحة بين ايران وسوريا مرورا عبر الاراضي العراقية (وليست نتيجة للخروقات او التجاوزات من قبل افراد الحشد او الفصائل كما يشاع عنها)،

مع ان المخاوف من عودة داعش الى تلك البؤر والحواضن لازالت كبيرة، ولكن يبدو ان قيادات الحشد والفصائل المسلحة المرتبطة بأيران، ترفض اعادة هيبة المؤسسة العسكرية والامنية، مثلما اعترض سابقا اقليم كردستان على اعادة تسليح الجيش، وكذلك رفض المكون السني من ان يتم تطوير المؤسسة العسكرية بقيادة عربية شيعية (كانت تطلق على الجيش العراقي بعد2003 بالصفوي)، الخ...

مستويات العنف الجديدة للفصائل والاحزاب والتيارات الاسلامية الشيعية، ظهرت بعد تجربة التوحش والارهاب الداعشي في البلاد، اذ بدأت تدخل الى المذهب الجعفري المصطلحات والمفاهيم والتأويلات الداعشية (الضرورات تبيح المحظورات، انما الاعمال والافعال بالنيات، خدمة الصالح العام، طاعة ولي الفقيه او المرجع نائب الامام الغائب واجب شرعي، كطاعة او بيعة الدواعش لامراءهم، قطع دابر الفساد، الخ.)، بينما كان ابناء الطائفة الشيعية وعبر تأريخهم الطويل عرضة للتكفير والقتل والارهاب، ولم يعرف عنهم انهم كانوا يفعلون كما يفعل الخوارج، لديهم فتاوى تكفيرية ميتة لايترتب عليها اي تبعات اجرامية، لانه مذهب معارض ومطارد من قبل الدول والانظمة الطائفية منذ ثورة كربلاء او بعد واقعة استشهاد الامام علي ع،

الى ان استلمت ولاية الفقيه الشيعية الحكم في ايران، فصار بعدها للمذهب الجعفري دول اقليمية مهمة، تغيرت بعدها الفتاوى والمفاهيم او المبادئ والاجتهادات السياسية والفقهية الشيعية...

اعتمدت الفصائل الاسلامية الشيعية المسلحة على ابناء العشائر، وهذه الطبقة في الاعم الاغلب كانت غارقة في النزاعات العشائرية المسلحة (ابناء المدن عادة لايؤمنون ولايرغبون في الانخراط بالعنف المسلح المنظم عقائديا او اجراميا او حتى عشائريا)، وهي قادمة من ثقافة اقتل وافصل (اي العشيرة تتكفل بدفع دية القتيل سواء كان على حق او باطل)، التي انتشرت بعد الحصار الاقتصادي، وتزايدت بشكل كبير بعد 2003، عندما تعمدت الطبقة السياسية الفاشلة ان تجعل من المحافظات دوائر انتخابية واحدة، تحولت الاحزاب والتيارات السياسية الى تجمعات عشائرية انتخابية، حيث عمدت بعض هذه الاحزاب الى اهمال واقصاء قياداتها المفكرة غير العشائرية، لانها غير نافعة في مسألة جلب اصوات الناخبين، كما يحصل عند مرشح هذه العشيرة او تلك،

هذه التصرفات الهمجية البدائية اعطت قوة كبيرة لنشر حالة اللادولة، وبات المواطن يسمع النخب السياسية الحاكمة او المسؤولة تردد عبارة "الاحتكام الى الاعراف العشائرية"  اكثر من السلطة القضائية،

ومن خلال تلك التركيبة المشوهة للديمقراطية الفوضوية في بلادنا، استغلت الجماعات والفصائل المسلحة تلك الارضية الخصبة لبناء قوة عسكرية وسياسية واقتصادي غير دستورية،

يمكنها تعطيل الدولة وشل حركتها متى ما ارادت، وقد استعرضت لهذه القوة في الشارع اكثر من مرة، الا ان انتفاضة تشرين، وزيادة الوعي الوطني، والامتعاض الشعبي من هذه التصرفات، ادى الى رد فعل عكسي من قبل هذه الجماعات المسلحة، عبر كيل سلسلة من الاتهامات لكل من يعترض على وجودهم خارج سلطة القانون، او يصف ولاءهم لايران بأنه انعدام للوطنية، الخ.

المجاميع المسلحة الشيعية والحشد الشعبي كانت واجباتهم دفاعية في بادئ الامر، ومع الانتهاء من ملف الارهاب، وتحرير المحافظات الغربية من داعش، تمسكت هذه الفصائل بالبقاء في تلك المناطق، وعززت من قدراتها القتالية والتسليحية، بعد ان دخلت بشكل مباشر في العملية السياسية بعد انتخابات 2018 الاخيرة، ومع غياب العدو الميداني، قامت بصناعة عدو اخر، لكنه وهمي

 (اخراج الامريكان من العراق، مع وجود اتفاقية دولية موقعة بين البلدين، اتفاقية الاطار الاستراتيجي)،

لم يقتنع الشارع والنخب السياسية والثقافية والاجتماعية بتلك الاسباب، ومع اتساع الهوة بين الشارع وهذه الفصائل والمليشيات المسلحة،

تحول التعاطف والتأييد الشعبي السابق لها الى عداء مبطن واحيانا علني، بعد ان شاركت الاحزاب والتيارات الفاسدة تقاسم كعكة المحاصصة في تشكيل الحكومة (المشهورة والمتهمة بنهب المال العام، وبيع او توزيع المناصب، وشراء الاملاك العامة، والمتاجرة بالعملة الصعبة، وسرقة اموال قطاع الصحة والتربية والتعليم والخدمات والبطاقة التموينية، الخ.)،

وتوجيه اصابع الاتهام لها من قبل ثوار انتفاضة تشرين بأنها جزء من الطرف الثالث، الذي استهدف المتظاهرين في بغداد وبقية المحافظات بالرصاص الحي (منذ الايام الاولى لانطلاقها في اكتوبر 2019)، ومن ان قسما منها يقف وراء اغلب عمليات الاغتيال والخطف والتعذيب او زرع العبوات الناسفة، التي تستهدف الناشطين والمعارضين لهم، الخ.

ثنائية العرب والسلاح، تكاد تكون جزء من العادات والتقاليد العربية القبلية الموروثة، في السلم والحرب السيف او البندقية تبقى معلقة في ديوان القبيلة او العشيرة، بل هي سمة عامة لدى البشر، اي من الصعب نزع سلاح المسلح، الا بعد ان يشعر ان الجميع لايشكلون خطرا عليه،

وانهم لايحملون اسلحة او تخلوا عنها قبله،

ومن هنا نؤكد على ان المطالب بنزع السلاح غير الدستوري دون وجود ضمانات حقيقة ضرب من الخيال، اي نعتقد ان لايحق لاحد ان يطلب من البيشمركة او سرايا السلام او الحشد الولائي وبقية الفصائل المسلحة ان يتركوا اسلحتهم، وان يعودوا الى بيوتهم، لانهم جزء من قوة الشعب القتالية (غير المنظمة)، التي كان لها دورا تأريخيا في حفظ البلاد من الارهاب الداعشي، وايقاف تمدده الى العاصمة بغداد،

لكن من حق الدولة والشعب والطبقة السياسية النزيهة ان تقترح او تطرح خطط معينة لايجاد حلا لهذه المعضلة، كما فعلت بعد 2003 عبر قانون دمج المليشيات بالقوات المسلحة والاجهزة الامنية (مع انها كانت عملية فاشلة تندر عليها الشعب كثيرا ولايزال، لانها تجاوزت الاعتبارات والسياقات الامنية والعسكرية في منح الرتب)، قبل ان تتصاعد مستويات العنف، فيصبح القتال كما كان في شمال العراق قبل 2003، من بيت الى بيت، ومن شارع الى شارع،

بالاستفادة من الخبرات القتالية والعسكرية لافرادها، واعادة توزيعها على الوحدات والالوية العسكرية، وبقية الاجهزة الامنية، والعمل على تشريع قانون الخدمة الالزامية، لضمان غلق الابواب امام اي مكون او طرف يتبنى اجندات تخريبية خارجية، لاثارة الفتن بغية تدمير العملية السياسية او الذهاب الى مشروع تقسيم البلاد، وبما يخدم المصلحة الوطنية العليا، دون اقصاء او تهميش او ابعاد لاحد....

الجندي الذي يبقى حاملا سلاحه خارج ساحة الحرب، اما ان يبقى على اهبة الاستعداد بشكل دائم، او يقوم بالروتين اليومي بالتدريب وتنظيف سلاحه، اما المقاتل المدني المسلح داخل المدن فهو يعتقد ان القوة والقانون في مقدمة فوهة البندقية، ولهذا يستعرض بها في الشارع كلما خفت بريقها امام الناس، وعند الاستفزاز قد يستخدمها في جميع الاتجاهات ...

 

مهدي الصافي

 

العراق الملكي- مرحلة التأسيس - 1921-1940

التاريخ أحد العناصر الأكثر أهميةً في تشكيل الهوية القومية لشعب من الشعوب، غير أن الهوية ترتبط، أحيانًا، بالأهواء السياسية والأيديولوجية، أي أنها تُصنع وتُخترع. وصناعة وطن، بحسب أرنست رينان، تقوم، في حالاتٍ كثيرة، على تزوير تاريخه الخاص، وتلفيق الوقائع وابتداع التفسيرات، وهو ما ينطبق تمامًا على تاريخ العراق فهو تمت كتابته وفقا لأهواء النظام الحاكم وكذلك تمت التغطية على الكثير من جوانبه بدعوى الحفاظ على (اللحمة الوطنية) فكان المخفي منه اخطر مما كتب . تعرف الطائفية بانها " ميل فردي أو اجتماعي إلى تفضيل تفسير محدد أو مدرسة فقهية محددة لدين أو مذهب على غيرها من الأديان أو المذاهب، يأخذ بتأثير ظروف اقتصادية سياسية صفة تعصبية، تتداخل مع مفهوم اعتبار الذات في تفضيل أبناء المذهب نفسه، أو الدين نفسه، على غيرهم من المنتمين إلى مذاهب وأديان أخرى، ويكون هناك ميل إلى النبذ والرفض، وحتى العزلة عن الآخرين، أي هي: نتاج تفاعل عوامل سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ذات مساس مباشر بحيادية الفرد اليومية، امتزجت مع تهديدات أمنية للهوية الثقافية للمجتمع، لتشكل توجهات اجتماعية تعصبية نحو الآخرين الذين يختلف معهم الطائفي في تفسير الشريعة أو المعتقدات الدينية" [1]. من هذا التعريف يتبين ان الطائفية بحد ذاتها هو اتجاه فردي او اجتماعي ولكن المشكلة الكبيرة هي ما يعرف بالطائفية السياسية . تعرف " الطائفية السياسية " بانها منهج يقوم على تسيس الانتماء الطائفي للمواطن وأدلجته في الحياة السياسية على مستوى الأفكار والمجتمعيات والسلطة، وتعارض الطائفية السياسية كلياً فكرة العقد الاجتماعي السياسي الذي يفترض بالدولة مجموع مواطنين (أفراد) أحرار متكافئين ومتساويين بغض النظر عن هوياتهم الفرعية (الجماعية)، متجاهلة بذلك أن الوحدة الأساس في الدولة هو الفرد المواطن وليس الجماعة الفرعية، وعلى هذا الأساس تنشأ الأمة الوطنية للدولة" . مشكلة تناول موضوع الطائفية السياسية في العراق هي محاولة انكار وجودها نهائيا وإلقاء اللوم على الدول الخارجية وما يصطلح عليه "الطرف الثالث" او اعتبارها أساس البناء الوطني للدولة .

في سن الثامنة والثلاثين وتحديدا في الثالث والعشرين من اب 1921 اجلس الإنكليز فيصل بن الحسين على عرش العراق بعد استفتاء تم خلاله طرح سؤال واحد فقط وهو "هل تقبل بفيصل ملكاً وزعيماً للعراق؟" وكانت الإجابات على طريقة تقديم المضابط من لدن فئات وشرائح المجتمع العراقي. كانت نتيجة الاستفتاء كما وصفتها المس بيل، فيصل " نُصب بإستفتاء جماعي لأنه مرشحنا نحن " . وكانت ردود الفعل التي استلمها فيصل واضحة، فعندما زار الشيخ علي سليمان مع أربعين شيخا بغداد في (23 نيسان 1922) لمقابلة الملك بعد أن قابلوا المندوب السامي (كوكس)، فذكروا له عبارة واضحة بأنهم لن يقسموا بالولاء له إلا أن يصغي للنصائح البريطانية.ثم نظموا مضبطة طويلة وقد ورد فيها "من حيث أن حكومتنا في الدور الابتدائي ومحتاجة الى من يمد إليها يد المساعدة مادياً وادبياً، فالى أن تبلغ درجة الكمال والاستغناء عن الغير … يجب أن يطلب من حكومة بريطانيا، المنتدبة من قبل عصبة الأمم على العراق، كل

المساعدات المطلوبة والتى يتوقف عليها توطيد أركان حكومة العراق كحفظ النظام وتوطيد الأمن واعمار البلاد ويجب أن يعتمد عليها كصديق مخلص للبلاد وأهل البلاد " [2]. وقد امتنعت السليمانية من المشاركة في الأستفتاء لعدم وفاء الأنجليز بتكوين دولة كوردية يرأسها الشيخ محمود الحفيد، ورفضت كركوك تأدية قسم الولاء لفيصل، ووافقت ولاية الموصل بشروط منها اعطاء الحقوق القومية للأقليات، اما البصرة فكما تقول المس بيل، أرسلت وفدا تطالب بأن يكون فيصل ملكا على العراق على أن يكون للبصرة مجلسها التشريعي الخاص وجيشها وجبايتها اخلاصة للضرائب، أي أن تكون فدرالية شبه مستقلة، فوعدتهم بيل خيرا دون أن تلبي ً أيا من مطالب أهل البصرة [3]. بالإضافة الى وجود شخصيات عراقية كانت تطالب بنظام جمهوري منها على سبيل المثال توفيق الخالدي وحمدي الباجي جي وحسين الرحال وزكي خيري ومزاحم الباجي جي والصحفي محمد عبد الحسين والمحامي عبد الرزاق عدوة وعبد الله جدوع وعوني بكر صدقي وغيرهم .

لم يكن فيصل الأول سعيدا بتولي عرش العراق وكان يتمنى ان يعود الى عرش سوريا وقد كتب لورانس في خطاب بخط يده الي صديقه وزميله في المكتب العربي غريفز، في هذا الخطاب يحاول اقناعه بأن العراق اهم من سوريا فقال: “ان العراق هو الذي سيصبح مركز حركة الاستقلال العربي وليس سوريا. وبغداد ستصبح القاعدة وليس دمشق. ان تعداد سكان سوريا الآن خمسة ملايين وتعداد سكان العراق ثلاثة. لكنه في المستقبل لن يزيد عدد سكان سوريا على سبعة ملايين في حين سيصل تعداد سكان العراق الى 40 مليوناً. ان ذلك سوف يتحقق خلال عشرين سنة لا اكثر”. اما فيصل فقد كان ينظر الى العراق كما ورد في مذكراته في نهاية عام 1932 "العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً أكثريته جاهلة، بينهم أشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي عنها بدعوى إنها ليست من عنصرهم. وأكثرية شيعية جاهلة منتسبة عنصرياً إلى نفس الحكومة، إلا إن الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكِّنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه، والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين، كل ذلك جعل مع الأسف هذه الأكثرية، أو الأشخاص الذين لهم مطامع خاصة، الدينيون منهم وطلاب الوظائف بدون استحقاق، والذين لم يستفيدوا مادياً من الحكم الجديد يظهرون بأنهم لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعــة، ويشوقون هذه الأكثرية للتخلي عن الحكم الذي يقولون بأنه سيء بحت، ولا ننكر ما لهؤلاء من التأثير على الرأي البسيط الجاهل." وأضاف الملك في مكان آخر من مذكرته ما تقوله قادة الشيعة: "إن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني، ما الذي هو للشيعي، حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها"[4]. وكان الملك في ذلك يرد على التيار العربي السني الحاكم . فعلى سبيل المثال كان (توفيق السويدي) وزير المعارف ّ آنذاك بكتب رسمية يرفض مبدأ توزيع مقاعد الطلبة في الكليات والمعاهد بحسب نسب السكان في الألوية، مشيًرا باستهزاء "الى أن الملك يريد أن يأتي بشباب من الشيعة من المقاهي والحوانيت لإدخالهم يفي خدمة الدولة"[5].

كما كانت ذهنية الملك تعتمد على منح الامتيازات للأعيان والوجوه البارزة، وهذه كانت في الغالب سنية المذهب. ولعل التقرير البريطاني السنوي لعصبة الأمم لعام 1927 كان يتحدث عن هذه الحقيقة عندما أشار إلى ما "أظهره الشيعة من عدم الارتياح إلى النفوذ السني الغالب في حكومة البلاد"[6].

كان من ضمن قرارات مؤتمر القاهرة الذي عقد في 12 آذار –مارس سنة 1921 "النظر في نوع وشكل القوات العسكرية التي ستقع عليها مسؤوليات الدفاع عن العراق في حال انسحاب القوات البريطانية " . في 6 كانون الثاني –يناير سنة 1921 تقرر تأسيس جيش وطني عراقي من 5000 مقاتل، وتخصيص 15 % من إيرادات العراق العامة له على أن يزداد هذا المبلغ حتى يصل إلى 25 % سنويا .كما تقرر أن يعزز بسبع اسراب من الطائرات البريطانية ترابط في قواعد إستراتيجية على أن تنسحب القوات البريطانية المحتلة بالتدريج.

قام المندوب السامي برسي كوكس بتشكيل اللجنة العسكرية البريطانية لتكون مشرفة على تشكيل الجيش العراقي برئاسة وزير الدفاع العراقي جعفر العسكري, وعضوية وزير التربية والتعليم، عزت باشا، ووزير المالية، ساسون أفندي والمقدم دينت. ممثل شعبة العينة، الرائد بويل وامين سر اللجنة النقيب كلايتون . وفي 1 كانون الثاني 1921 التحق الميجر أيدي البريطاني الذي عينته السلطات البريطانية مشاورا للإدارة في وزارة الدفاع , والتحق بوزارة الدفاع في اليوم نفسه وكيل القائد (الرائد) محي الدين عمر الخيال وعمل الاثنان بتوجيه الوزير جعفر العسكري والمعتمد السامي البريطاني برسي كوكس على مفاوضة مجموعة تتكون من 14 ضابط عراقي لتعيينهم والشروع في إنشاء الجيش العراقي وهم " العقيد عبد الحميد بن احمد، المقدم عبد الرزاق بن ياسين الخوجة، المقدم شاكر عبد الوهاب الشيخلي، الرائد سعيد حقي، الرائد محي الدين السهروردي، الرائد بكر صدقي، الرائد توفيق وهبي معروف، عبد الرزاق حلمي، محسن بن علو، تحسين مصطفي العسكري والنقيب يوسف الباجة جي، النقيب يوسف حنظل" . ولم يكن من ضمن اللجنة أي ضابط شيعي او مسيحي او يهودي .

في يوم 6 كانون الثاني سنة 1921 إجتمعت مجموعة الضباط العراقيين في دار عبد القادر باشا الخضيري الواقعة على نهر دجلة في بغداد بقيادة جعفر باشا العسكري هناك وضعوا اللبنة الأولى لتأسيس نواة الجيش العراقي وعندما تولى جعفر العسكري رئاسة الوزراء للمرة الأولى عام 1923 تقدم بمقترح الى المجلس التأسيسي يقضي بجعل الدفاع عن العراق واجب وطني وسن قانون للتجنيد الإجباري في العراق وتمت دعوه عدد اخر من الضباط العثمانيين السابقين بلغ عددهم 111 ضابطا . استشعره الملك فيصل بغياب الشيعة عن الجيش فأمر بفتح دورة خاصة لابناء عموم العشائر العراقية ليمنحوا رتبة ملازم في الجيش، الا ان القادة العسكريين الموجودين في قمة الهرم العسكري والمؤسسة الدينية اسهما من جديد في ان يكون غالبية المنتسبين الى الدورة من العشائر ذاتها الموجودة في أعلى وسط وشمال العراق . كان "شيوخ العشائركانوا يخبرون الملك بأن الكلية العسكرية تتلكأ في قبول أبنائهم، ما دعا الملك لفتح تحقيق تبين من خلاله أن وزارة الدفاع قبلت خلال تلك السنة (26) تلميذاً لم يكن من بينهم سوى تلميذا واحداً فقط من لواءالمنتفك (الناصرية حاليا ً)" [7].

استقرت تفاصيل مسميات المقر العام للجيش وتسمية رتب الضباط .كما حظر على الضباط الانتماء غالى الأحزاب ولبثت الوزارة فيه شهرا واحدا ثم انتقلت إلى البناء المعروف بأسم (المشيرية) في داخل القشلة على نهر دجلة حيث يقوم برج الساعة وفتحت دوائرها هناك في شباط 1921 في 6 كانون الثاني 1921 تمت مناقشة فتح دوائر المقر العام للجيش .وتقرر في الاجتماع تأليف المقر العام من أربع دوائر هي : الحركات،والإدارة واللوازم والطبابة والمحاسبات في الأول من حزيران 1921 صدر قانون التطوع الذي نص على انه " يجوز لكل عراقي عمره بين 18-40 سنة التطوع للخدمة في الجيش " وفي التاريخ نفسه تألف أول (مقر) للتجنيد .وفي 19 تموز 1921 أرسلت أول قافلة من المتطوعين إلى "ثكنة الخيالة " وكان عددها 160 متطوعا ثم توارد المتطوعون وأصبح بالإمكان تشكيل أول فوج سمي ب(فوج موسى الكاظم) .وكان أول أمر له (العقيد الشيخ أمين) .واستأجر خان الكربولي في الكاظمية مقرا له في 17 اب 1921 .وفي 29 تشرين الثاني 1921 نقل فوج موسى الكاظم الى الحلة (مركز محافظة بابل حاليا) .وفي بداية تشرين الأول 1921 تشكل "صنف المدفعية " .آذ تشكلت أول بطرية للمدفعية العراقية وكان آمرها الرئيس الأول إبراهيم أدهم.

في الأول من نيسان 1924 تقرر فتح " المدرسة العسكرية الملكية " في الرستمية ببغداد، وفي سنة 1937 عزز الجيش باستخدام سرية دبابات .أما القوة الجوية فقد تأسست في 22 نيسان 1931 .وكانت وزارة الدفاع قد أرسلت في 19 مايس 1927 كلا من حفظي عزيز وبشير يعقوب الى انكلترا للتدريب في كلية القوة الجوية البريطانية(كرانويل) . وفي 1ايلول 1927 انضم اليهما محمد علي جواد وناطق محمد الطائي وموسى علي وناصر حسين الجنابي .كما وافقت الجهات البريطانية على تدريب 16 عاملا فنيا على إدامة الطائرات ومن هؤلاء عبد الله محمود شهاب وحاتم حسين وميخائيل فتح الله وياسين النعمة وجسام محمد الشاهر وسعيد جورج وسيد محمد عباس .وبعد تخرج دورة الطيران الأولى عادوا الى الوطن وانضموا الى احد الأسراب البريطانية لحين تزويد العراق بالطائرات ولم يتم ذلك حتى 15 اذار –مارس 1931 حين تسلم العراق الطائرات المقاتلة وذهب خمسة من الطيارين إلى لندن وعادوا بالطائرات إلى قاعدة في مطار الوشاش يوم 22 نيسان 1931 .

منذ تشكيل الحكومة العراقية كان قانون التجنيد الاجباري يأخذ حيزا مهما من مناقشات ومداولات الوزارات العراقية المتعاقبة على حكم العراق الحديث . أعلن عدد كبير مـن العشائر من بينها بـنـي حجيم والـزيـاد والـظـوالـم عصيانا مسلحا، واجتمع عدد من عشائر الغراف التي قررت مشاركة عشائر الديوانية في تمردها، واعلن الإضراب في النجف، وشكل العلماء حزبا طالبوا من خلاله بإلغاء التجنيد الإلزامي ولم يكن موقف الأرمن والإيزديين إيجابي[8] . كما تمردت عشائر الفرات، ولم يكن في كل انحاء العراق كانت رافضة للتجنيد الاجباري وليس عشائر الفرات الاوسط والجنوب فقط، حيث نشر نائب كردي هو السيد اسماعيل الراوندوزي في جريدة الاوقات البغدادية بيانا جاء فيه " ان بعض الناس يظنون ان المخالفين للتجنيد الاجباري هم اخواننا العرب فقط، الا ان الاكراد هم مخالفين للتجنيد الاجباري" [9]، كما وقف العديد من زعماء الاكراد ضد المشروع انطلاقا من تجاربهم السابقة ذات الميراث المأساوي الطويل المقترن بالسخرة والابتزاز واذلال الذات الفردية والقومية ايام العثمانيين. وقد وقف الايزيديون ضد مشروع التجنيد الاجباري، لأنه يتعارض وماهية مبادئهم الدينية التي تقضي بالابتعاد عن الخدمة العسـكرية وقد اعفتهم الدولة العثمانية، أما الحكومة العراقية فحاولت فرض التجنيد االجباري وقاوموه بالقوة، الامر الذي قاد الحكومة الى استخدام القوة ضدهم [10].

لقد بين فيصل الأول غايته الأساسية من تأسيس الجيش بالقول " إني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر، الذي سوف نطلبه هو أن يكون مستعدا لإخماد ثورتين تقعان لا سامح الله في آن واحد في منطقتين متباعدتين" [11]. وبالفعل استخدمت وحدات الجيش لأول مرة ضد سلسلة من الحركات المناوئة للسلطة كالحركة الأثورية التي حدثت في صيف 1933م، وحركات بارزان واليزيدية في شمال والحركات العشائرية في وسط وجنوب العراق العراق[12] .

كانت اكبر مشكلة واجهت الدولة الوليدة هي مشكلة تحديد من هو " العراقي " . وخصوصا ان الملك فيصل كان غريبا على الأرض التي جاء ليحكمها فهو لم يولد في العراق ولم يعش فيه حتى وصل بغداد وهو بعمر الثامن والثلاثين بل حتى ابنه الأكبر غازي كان من مواليد الحجاز . بالإضافة الى ذلك كان غالبية الرجال والضباط الذين عملوا معه منذ أيام عرش سوريا كانوا يحملون الجنسية العثمانية . لذلك عملوا على وضع قانون للجنسية العراقية بما يناسب وضعهم .

تاريخيا وقبل انسحاب العثمانيين من العراق كان الحصول على الجنسية القاجارية (الإيرانية) بمثابة تميز كبير لا يحصل عليه إلا كبار رجال الدين وكبار التجار والميسورين والعوائل الثرية وكانت الأسر ترغب بهذه الجنسية لأنها تعفي حاملها من التجنيد بالجيش العثماني ويحصل بموجبها على نوع من الحصانة والامتياز. يوم سقطت الدولة العثمانية ومع دخول معاهدة لوزان حيز التنفيذ في 6 آب 1923 كان العراقيين تبعيتين تبعية عثمانية وتبعية فارسية . وقد حاولت الطبقة الحاكمة تعزيز مقولة ربط التشيع بالتبعية لإيران لدرجة ان شاعر مثل الرصافي، في كتابه (الرسالة العراقية)، الذي كتبه سنة 1940 يقول "إن إيران هي القبلة السياسية التي تتجه إليها قلوبُ شيعة العراق منذ عهد الدولة العثمانية البائدة. و... إن عراقيتهم تتلاشى تجاه الإيرانية المستحكمة في قلوبهم;. ويضيف:;إن بين التشيع وبين العروبة تناقضا لا يخفى على أسخف العقول" .

بناء على ما تقدم قامت النخبة الحاكمة آنذاك بوضع قانون للجنسية يناسب توجهاتها وحتى قبل صدور القانون الأساسي . صدر قانون الجنسية العراقية رقم (42) لسنة 1924 وبموجبه تم منح الجنسية العراقية للساكنين في العراق وفي المادة الثانية منه، عرف الساكن في العراق بأنه (كل من كان محل إقامته المعتادة في العراق منذ يوم الثالث والعشرين من آب سنة 1921) . لكنه بنفس الوقت وفي فقرات أخرى أعتبر ضمناً إن حامل التبعية العثمانية مواطن من الدرجة الأولى وحامل التبعية الفارسية مواطن من الدرجة الثانية. أعتبر العثماني عراقي الجنسية حكماً وبصفة اصلية، تتوزع هذا الأسر في جنوب و وسط وشمال العراق وتتنوع عرقياً، وفي تمييز عنصري ومجحف كانت تحمل شهادات الجنسية لكثير من العراقيين عبارة (تبعية إيرانية) رغم ولادتهم في العراق وسكن عوائلهم في العراق حتى قبل تأسيس الدولة العراقية.

في حين اصبح العراقي من التبعية الفارسية يحصل على الجنسية العراقية بصفة مكتسبة، أي يصبح العثماني مواطناً عراقياً من الدرجة الاولى وأن كان ساكناً في تركيا العثمانية والبلاد التابعة لها وبغض النظر عن لغته وعرقه وجنسه . ان قضية الجنسية لم تقتصر على التبعية الفارسية فقط بل امتدت لتشمل كل من الكلدو آشوريين والارمن، حيث ان الحكومة العراقية اسقطت الجنسية العراقية عن القائمين بالحركة الاثورية في عام 1933 . أصدرت مرسوم اسقاط الجنسية العراقية رقم 62 في الوزارة الكيلانية الأولى (20/3/1933- 8/11/ 1933) وأول من طبقته على المثقفين هي حكومة جميل المدفعي الرابعة (17/8/1937- 24/12/ 1938) التي قامت بنزع الجنسية عن كل من: القصصي والصحفي عبد القادر إسماعيل البستاني من مؤسسي جماعة الأهالي، وأخيه يوسف اسماعيل البستاني والنقابي مهدي هاشم عضو اللجنة المركزية لجمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار، وهم من العاملين في حقل الثقافة العراقية ومن المنتمين للحركات الجذرية وذلك عام 1937. واستمرت هذه الظاهرة فيما بعد انتكاسة حركة مايس 1941 حيث تم اسقاط الجنسية العراقية المكتسبة عن ساطع الحصري وغيره من المتجنسين العرب وبالاخص من الضباط وبعض المدرسين من ذوي التوجه القومي .

كان من أوليات المهام التي كانت تواجه الدولة الناشئة هي كتابة " النظام الأساسي " . فقد تعهدت بريطانيا في المادة الأولى من لائحة الانتداب بأن تضع في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ الانتداب قانون أساسياً للعراق يعرض على مجلس العصبة للمصادقة على أن يضمن هذا القانون الحقوق الأساسية للأهالي الساكنين في البلاد. وقد بدأت أولى المحاولات لوضع القانون الأساسي في أوائل خريف 1921 من قبل عدد من الموظفين البريطانيين في العراق من ضمنهم مستشار وزارة العدلية العراقية المستر دراور والمستر فيجل دافيس والمقدم يونك استعانت بدساتير استراليا ونيوزيلندا. ثم بعد ذلك في آذار عام 1922 قام الملك فيصل الاول بعرض المشروع على لجنة عراقية مؤلفة من وزير العدلية ناجي السويدي ووزير المالية ساسون حسقيل وسكرتير الملك رستم حيدر.، فاعترضت اللجنة على هذه اللائحة لأنها منحت الملك صلاحيات واسعة ثم أرسلت المسودتان الى لندن في وزارة المستعمرات لمراجعتها من قبل المقدم يونك والسير بونهام إدوارد (مستشار العدلية العراقية) وذلك المندوب السامي برسي كوكس، ومشاركة عراقية ضمّت وزير العدلية ناجي السويدي ووزير المالية ساسون حسقيل، وفيما بعد لجنة برئاسة عبدالمحسن السعدون وعضوية السويدي ورءوف الجادرجي فأيدت الأخيرة وجهة نظر اللجنة العراقية. وتمت إعادة المسودة الى بغداد ليقرر مجلس الوزراء بعد ذلك عرضه على لجنة مشتركة عراقية بريطانية تضم وزير العدلية ناجي السويدي والمستر دراور مستشار وزارة العدلية ليخضع المشروع للتنقيح مرة اخرى من قبل وزارة المستعمرات البريطانية بعد ذلك خضع مشروع الدستور للمناقشة في مجلس الوزراء واجراء توجيهات الملك عليه وبعد انتخاب اعضاء المجلس التأسيس العراقي في 25 شباط عام 1924 ابتدأ المجلس بتأليف لجنة من اعضائه لدراسة مشروع الدستور وقد روعي في تأليف اللجنة بضمنها عضوا من كل لواء من الوية العراق وفي 14 حزيران عام 1924 بدأت مناقشات الدستور والتي كانت مقيدة بنصوص المعاهدة البريطانية العراقية واستغرقت المناقشات ثماني عشرة جلسة انتهت في 10 تموز عام 1924 بموافقة المجلس التأسيس على الدستور الذي بدأ يعرف باسم القانون الاساسي العراقي باعتبار ان كلمة دستور غير عربية ولم تتم مصادقة الملك عليه ولم ينشر في الجريدة الرسمية حتى اذار عام 1925. وتضمن القانون الإساسي من (123) مادة موزعة على عشرة أبواب مع مقدمة. وقد وصف الفقيه القانونى الاستاذ عبدالرحمن البزاز عملية كتابة القانون الاساس قائلا (بأن القانون الاساسى العراقى والحالة هذه لن يكون نتاج ارادة الشعب الحرة المطلقة بل هو نتيجة معاهدة حددت مداه وأشترطت أن يحتوى على مالا يخالفها، أى أن الدستور أصبح فرعا من أصل المعاهدة،وكان الوضع الطبيعى والمعقول هو وضع دستور للبلاد أولا وتكوين حكومة شرعية تقوم هى بعقد تلك المعاهدة ليكون لها النفوذ الإلزامى الصحيح "[13]

طرح (ناجي السويدي)، بوصفه وزيراً للعدلية آنذاك، قانون المحاكم الشرعية المتأسس على القانون الوقتي للمرافعات الشرعية المُقر في العام 1921، والذي عززته المادة 77 من القانون الأساسي العراقي عام 1925 (الدستور الملكي). فجاءت تلك الخطوات إرضاءً للموقف الشيعي المتزمت من إدارة الأحوال الشخصية، والذي قُسّم بموجبه "الاحتكام الشرعي" على أساس محاكم شرعية "جعفرية" و"سُنية"، والأخيرة التزمت بقانون العائلة العثماني، وترأس المحاكم الجعفرية العالم الشيعي هبة الدين الشهرستاني. يُقرّ موظفين بريطانيين رفيعي المستوى، وهما إدجار بونهام كارتر (قاضي رفيع) ونيجل ديفيدسون السكرتير القانوني للمفوض السامي البريطاني بأن الحكومة البريطانية كانت وراء منح "الأحوال الشخصية" إلى رجال الدين الشيعة لـ"ضمان دعمهم للنظام ولنا".

قدم المندوب السامي البريطاني اول مسودة المعاهدة العراقية – البريطانية المزمع عقدها والتي ستحل محل الانتداب . شكل عبد الرحمن النقيب الوزارة ثانية، فوافقت حكومته على المعاهدة في 13 تشرين الأول 1922، فقدم جعفر ابو التمن وزير التجارة استقالته في اليوم الثاني احتجاجا .طلب المندوب السامي البريطاني من فيصل الأول الايعاز الى عبد الرحمن النقيب باعادة تاليف الوزارة، تكون مهمتها نشر مشروع المعاهدة واجراء انتخابات المجلس التاسيسي بطريقة تؤمن مجيء اكثرية يمكنها امرار المعاهدة في المجلس .شكل النقيب وزارته الثالثة في 20 ايلول 1922 وقد ايدت الوزارة قرارها السابق في المصادقة على المعاهدة وتم نشرها بعد ثلاثة ايام . وحددت الوزارة يوم 24 تشرين الاول من العام نفسه موعدا للبدء بانتخابات المجلس التاسيسي اتخذت حكومة النقيب خطوات مهمة لاجراء الانتخابات، ودعا وزير الداخلية عبد المحسن السعدون لاستخدام القوة في اجراءها، وقدم استقالته في 6 تشرين الثاني لعدم استجابة الحكومة لطلبه، ثم قدم النقيب هو الاخر استقالة حكومته في 16 من الشهر نفسه .

عهد الى جعفر العسكري بتاليف الحكومة الجديدة في 22 تشرين الثاني 1922، وتم تحديد يوم 25 شباط 1924 مرحلة نهائية للانتخابات، وقد افتتح الملك المجلس التاسيسي في 27 اذار 1924، وهو اول مجلس منتخب يجتمع في بغداد اصبح عبد المحسن السعدون رئيسا للمجلس التاسيسي وياسين الهاشمي وداوود الحيدري نائبين للرئيس، وبدأ المجلس اعماله بتاليف لجنة لتدقيق المعاهدة ورفع تقرير عنها من 15 عضو برئاسة الهاشمي، وقد عقدت اللجنة عدة اجتماعات واعدت تقريرا بعد ذلك يتكون من 65 صفحة . تناول التقرير جوانب المعاهدة المختلفة، ولم يكتف بنقدها وانما طلب رفضها اذا لم تجر عليها التعديلات المطلوبة . اصدر السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني الذي خلف برسي كوكس انذارا اعلن فيه انه في حال عدم الموافقة على المعاهدة بحلول 10 حزيران، فان بريطانيا ستلجأ الى وسائل مختلفة لتنفيذ انتدابها على العراق، وقد ادى هذا الانذار الى الموافقة على المعاهدة في اللحظات الاخيرة، اذ صوّت الى جانبها 37 عضوا من عدد الحاضرين البالغ 69 عضو وعارضها 24 عضو وامتنع 8 اعضاء عن التصويت، مما فسح المجال لاصدار القانون الاساسي (الدستور) والقانون الانتخابي لاحقا .

اجريت اول انتخابات نيابية في العراق في عهد وزارة ياسين الهاشمي في 8 حزيران 1925 وعقد اجتماعه الاول في 16 تموز من العام نفسه وانتخب رشيد عالي الكيلاني رئيسا للمجلس، وقام المجلس بالتصديق على النظام الداخلي للمجلس في 25 اب من العام نفسه .صدرت من علماء الدين فتوى شرعية تحرم المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي المراد منه الموافقة على المعاهدة فوصلت المواجهة بين علماء الدين والمعارضة من جهة وبين الحكومة والملك والأنجليز من جهة اخرى الى ذروتها.

قام نجل عالم الدين محمد الخالصي بتعليق فتوى تحريم المشاركة في الأنتخابات على باب الصحن الكاظمي الشريف، فقامت الحكومة بأعتقاله، فرد عالم الدين الخالصي على ذلك بدعوة الأسواق الى الأضراب، كما اعلن امام حشد كبير من اهالي الكاظمية تخليه عن بيعة الملك والمطالبة بأعلان جمهورية مستقلة.

فردت الحكومة بأصدار قانون جديد للهجرة يسمح بأبعاد المواطنين الذين يمارسون نشاط ضد الحكومة، فأسس الأنجليز وعملائهم ’سنة ثانية اتبعها صدام حسين في تهجير الكورد الفيلية والمواطنين العراقيين الى ايران، كما بثت الحكومة دعاية عبر وسائلها الأعلامية بأن علماء الدين في النجف والكاظمية وكربلاء من اصول ايرانية. إ جاء في تقرير رفعه القنصل الإيراني في بغداد الى وزارة الخارجية الايرانية الى" أن اوضاع العراق في هذه الايام شديدة الاضطراب، ولا أحد يستطيع أن يحدد أفاق المستقبل وقد وجهت الإدارة الإنكليزية العليا انذار الى الشيخ محمد الخالصي والسيد الصدر بوجوب مغادرة العراق خلال 24ساعة " [14].

قامت الحكومة ايضا بأعتقال الخالصي الأب وولديه واثنين من افراد عائلته “أبعدوه خشية أثارة المشاكل، اذ نفي الى إيران يوم27 ﺁب 1922م “[15]، وابعاد علماء الدين المحتجين على ذلك ووضع آخرين تحت مراقبة الشرطة، كما قامت الحكومة بأغلاق الصحف المعارضة للأتفاقية وحل الأحزاب الوطنية، فعندما خلا الجو للحكومة من المعارضين قام المجلس التأسيسي بتوقيع المعاهدة ليلة 10 /11من حزيران 1924 وبدأ الأنتقام من الفلاحين المشاركين في ثورة العشرين بتمليك اراضيهم لرؤساء القبائل الذين ساندوا الأحتلال والمعاهدة.

في هذه الاثناء جاء الى العراق "ساطع الحصري " فعينه الملك فيصل مديراً لدار الآثار ورئيساً لكلية الحقوق، ثم ولّاه منصب المدير العام في وزارة المعارف في بغداد . وساطع الحصري كما يروي المؤرخ خير الدين الزركلي هو "ساطع بن محمد هلال الحصري، أبو خلدون، كاتب وباحث من علماء التربية، تترّك ثم تعرّب، حلبي الأصل وُلد بصنعاء وكان والده رئيس محكمة فيها، تعلّم في إسطنبول وتنقّل في التعليم والإدارة، كما أصدر مجلة بالتركية في التربية، قيل إنها الأولى من نوعها بتلك اللغة. ووضع 12 كتاباً بالتركية طُبعت كلها كما أخبرني هو" [16]. وقد وصف حسن العلوي موقف الحصري من العراق بالقول "مناوئ إلى حد البغض للوطنيين العراقيين سنة كانوا أم شيعة. مناوئ للعراقيين الشيعة وطنيين كانوا أم عملاء. مناوئ للأكراد في الحالتين[17]. وكان الحصري يمارس الطائفية بدهاء، خاصة في تعامله مع الطلبة الشيعة في إرسال البعثات إلى الخارج، إذ يذكر الراحل عبد الكريم الأزري عن إنحياز الحصري ضد طلبة الشيعة في إرسال البعثات فيقول: " لا أذكر تماماً عدد طلاب البعثة العلمية الموفدة إلى خارج العراق في السنة الدراسية 1931 ولكني أتذكر أن عدد الطلاب في البعثة من الشيعة كان أقل بكثير من عدد اليهود وكان قد حدث حادث ليس غريباً ولا غير متوقع للبعثة المذكورة إذ أوفد معظم طلاب البعثة العلمية إلى (صفد) في فلسطين لكي يدرسوا اللغة الإنكليزية هناك ويتقنوها. وهناك في صفد التحق أحد طلاب البعثة من اليهود بإحدى المنظمات الصهيونية التي تبنته."[18]

في عام 1922 تقدم الميجر ج. م. ويلسون مدير الأشغال العامة باقتراح للملك فيصل بتأسيس جامعة عراقية ووافق المشروع هوى في نفس فيصل الأول وقرر تشكيل لجنة للاشراف على تنفيذ المشروع واختار بنفسه اسم (جامعة ال البيت) للجامعة المقترحة . كان ذلك الاختيار بداية للهجوم على المشروع فقد بداءت الاتهامات توجه للملك بانه اختار الاسم استرضاء للشيعة وبدفع من مستشاره اللبناني " رستم حيدر " . وقد كان لساطع الحصري منذ البداية دورا معرقلا للمشروع . " ساطع الحصري الذي كان مسيطرا على وزارة المعارف، الذِي اتخذ موقفا معارضا لجامعة آل البيت، إذ كان َّ الحصري على النقيض تماما من توجهات فهمي المدرس، وكان لذلك الخلاف الشخصي ِ دور كبير في إفشال مشروع جامعة آل البيت"[19]. كان لدور الحصري المعرقل للمشروع ان أدى الى ان تصدر الحكومة في 1930 قرارا بإغلاقها وتحويل مبناها إلى مقر لمجلس الأمة (البرلمان) والاكتفاء بإرسال بعثة علمية إلى الجامعة المصرية. وفيما يتعلق بهذا التعثر يتناول الدكتور سيارالجميل الاتهامات المتبادلة بين رئيس هيئة الأمناء فهمي المدرس وساطع الحصري بالقول "ويبدو أن الأمر كان يتعلق بخلفية وأجندة كل واحد منهما. فالمدرس عراقي أصيل اشتغل في جامعة إسطنبول 15 سنة بتدريس الحقوق وتاريخ الآداب العربية وجال على الجامعات الأوروبية وكان الجيل الباني للحلم العراقي الجديد، بينما كان الحصري وافداً على العراق يحمل أجندة أيديولوجية ويحرص على أن يكون كل مشروع تعليمي يحمل بصمته. ومن هنا فقد وجه في مذكراته أقسى العبارات لمشروع قانون جامعة آل البيت حيث وصفه «أنه يكون كارثة عظمى للعراق تأسيس أول جامعة للقطر تحت تأثير قانون سيء التصور وسيء الكتابة ومليء بالسخافات»، بينما رد عليه المدرس في صيف 1924 بمقالة قوية بعنوان «جامعة آل البيت وساطع بك الحصري» في جريدة «العالم العربي» اتهمه فيها بأنه يريد إفشال الجامعة الجديدة لتوجيه الشباب العراقيين إلى الجامعة الأميركية في بيروت" [20].

سعيا من الحصري لتطبيق ايديولوجيته الخاصة، قام باستقدام اربعة مدرسين سوريين من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت للتدريس في المدارس الثانوية ودار المعلمين (وهم كل من انيس زكريا النصولي، وعبد الله المشنوق، ودرويش المقدادي، وجلال زريق)، أحدهم أنيس زكريا النصولي [21]، الذي تولى تدريس التاريخ في المدرسة الثانوية المركزية للبنين في بغداد. وقد طبعت محاضراته في آخر السنة الدراسية من عام 1926، في كتاب "الدولة الاموية في بلاد الشام"[22] . وعند صدوره في اوائل كانون الثاني عام 1927، أثار ضجة شعبية واسعة وخلق أزمة حادة وردود فعل قوية، فحدثت اضطرابات كانت البلاد في غنى عنها [23] . جاء في كتاب النصولي الموسوم: (الدولة الأموية في الشام) وطبعه في مطبعة دار السلام في بغداد في سنة 1926، وسبب ردود أفعال عنيفة من قبل الشيعة لأنه تعرض بالإمام الحسين وتبجيل بني أمية وخاصة يزيد بن معاوية، ومما جاء فيه قوله: " ولطالما استمسك بنو أمية بعروة الخلافة وبينوا جلالها وأهميتها الدينية، فادعوا أن الله ناصرها ومذل أعدائها، وإن الذين يسعون في الخلافة عليها هم الكفرة الفجرة. ولا غرابة في ذلك فالعاهل الأموي كان خليفة رسول الله، ومن يخرج على الخليفة فإنما يخرج على رسول الله، ومن يخرج على رسول الله فإنما يخرج على الله ومقره جهنم وساءت مصيرا." . وكان المخطط هو فرض كتاب النصولي على المدارس الثانوية في درس التاريخ بتعليمات من الحصري مما أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بفصل النصولي ومنع كتابه من التدريس في المدارس، وذلك لإخماد نار الفتنة المتأججة في البلاد[24]. بناءً على ذلك، اتخذت وزارة المعارف موقفاً يتفق ومشاعر الاستياء الذي أثاره الكتاب فبادرت إلى فصل النصولي ومنع كتابه من التدريس في المدارس، تضامناً مع مشاعر الغضب الثائرة ولتهدئة النفوس .

نظمت ثلاث مضابط أعدها ووقع عليها وجهاء شيعة من بغداد والنجف وكربلاء، كلفوا الشيخ محمد رضا الشبيبي بتقديمها إلى الملك، طالبوا فيها بطرد أنيس النصولي وزملائه عبدالله مشنوق ودرويش المقدادي وجلال زريق، وإتلاف نسخ الكتاب كلها

أصدرت اللجنة الوزارية المشكلة للتحقيق بـ(قضية النصولي) عقوبات بحق الطلبة وبعض المدرسين بـ(طرد وفصل وانذار)(كانت العقوبات، هي انهاء خدمات أنيس زكريا النصولي وزملائه نهائياً واشارت التقارير البريطانية ان قبل مغادرتهم البلاد اشار عليهم كل من ناجي القشطيني، ومحمد بهجت الاثري، ويوسف العطا، وهاشم الالوسي بالتوجه إلى الحجاز والحصول على عطف بن سعود. وعلى اثر ذلك، ذهب امين الجرجفجي معتمد حزب "النهضة العراقية" في الثلاثين من كانون الثاني عام 1927 إلى مدينة الكاظمية، حيث عقد اجتماعاً مع السيد محمد الصدر . مع العلم أن هذا الاجتماع قد حضره اكثر من (16) شخصاً من الوجهاء والنواب، تقرر فيه كتابة رسائل إلى المؤسسة الدينية في مدن كربلاء والنجف، توضح فيها تداعيات القضية كاملة، وتؤكد على ان النصولي تقصد اثارة النعرة الطائفية، وهذا قد يؤدي حتماً إلى حدوث انقسامات في المدارس وانتشار ذلك بين الأهالي، وطلبت من المؤسسة الدينية ضرورة الكتابة إلى الحكومة لتصفية القضية على وجه السرعة . وقد اصر رجال الدين على ضرورة طرد مدير المعارف العام ساطع الحصري من عمله[25] .

وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات، الا أن الستار لم يسدل نهائياً على القضية، فعند ورود معلومات لحزب "النهضة العراقية" بأن ياسين الهاشمي كان ينوي إعادة المدرسين المفصولين للخدمة، عقد الحزب اجتماعات كثيرة في بداية أيلول عام 1927، وقد حمل المجتمعون ياسين الهاشمي مسؤولية القضية . لأن هذا الإجراء ضد سياسة الشيعة، واتخذوا التدابير اللازمة للحد من ذلك، وقرروا الاتصال بالمؤسسة الدينية في النجف وكربلاء لتعيين شخص يتولى تقديم احتجاج إلى الحكومة بذلك الشأن. وبالفعل، قررت الحكومة في اوائل تشرين الأول عام 1927 إعادة المدرسين المفصولين إلى الخدمة، فوقف حزب "النهضة العراقية" ضد قرار الحكومة، وأخذ ينشر المقالات في جريدة الحزب، فكتب مقالاً بعنوان "امهزلة جديدة ام قضية النصولي تبعث تارة اخرى" وقد حمل الحزب فيها وزارة المعارف مسؤولية إعادة النصولي ورفاقه للخدمة الذين كانوا مصدراً لسخط الشعب العراقي واستيائه، ومبعثاً لروح التفرقة والشقاق بينه، وأشار الحزب إلى أن انتشار نبأ اعادة المفصولين لوظائفهم قد أثار الدهشة في النفوس، عاداً اياها مأساة جديدة .

لم يكتفِ الحزب بذلك، بل حشد كل طاقاته للوقوف ضد قرار وزارة المعارف، فأرسل كتاباً بيد محمد رضا الشبيبي إلى السيد علي بحر العلوم في النجف دعاه الى ضرورة تقديم احتجاج شديد إلى مجلس الوزراء بشأن هذه القضية، فضلاً عن ذلك، قام عبد الأمير الخراز مدير التحرير السابق لجريدة "النهضة" بزيارة سريعة إلى النجف وكربلاء للتأكد من انتشار هذه القضية في هاتين المدينتين . كما قام محمد رضا الشبيبي بزيارة القبائل العراقية الموجودة على الحدود مع إيران لتشجعيهم على تقديم احتجاج ضد الحكومة، ودعاهم الى بتشكيل حكومة شيعية تجمع الشيعة كلهم تحت سيطرة المؤسسة الدينية في النجف، فضلاً عن ذلك، فقد قام الشيخ عطية ابو كلل بزيارة الشيخ مجيد الخليفة شيخ عشائر البو محمد في العمارة وطلب منه الكتابة إلى المؤسسة الدينية في النجف نيابة عن قبيلته واعداً بتقديم اقصى ما يمكن من المساعدة إلى الحركة الشيعية.

في 1933 أصدر عبد الرزاق الحصّان كتاب "العروبة في الميزان" , وكان يعمل في وزارة المعارف العراقية آخذاً على الشيعة توجّهاً فارسيّاً وعدم قدرة على المواءمة بين ولائهم الطائفيّ وعروبتهم. وكان قد طرح في كتابه هذا فكرة مفادها أن الشيعة في العراق لم يكونوا عرباً، بل أنهم انحدروا من المجوس القدماء، وهم في العراق من بقايا الساسانيين، كما أنه قدم وصفاً لنزعة الشيعة نحو إبداء الولاء إلى إيران، وإن تاريخهم هو تاريخ الشعوبية نفسه وقد رأى بعض كُتّاب الشيعة أن الكتاب وُضع بإيعاز من ساطع الحصري. . وأخيراً اضطرت الحكومة بمصادرة الكتاب وتمت محاكمة المؤلف وحكم عليه بالسجن.[26]. وكان واضع الرسالة (عبدالرزاق الحصان) من حاشية نوري السعيد، وظهر فيما بعد أن ياسين الهاشمي كان وراء المؤلف، وقد تبناه شخصياً طه الهاشمي طيلة حياته [27].

كان الحصري لايثق بقدرات العراقيين من اهل البلد التي هو ضيف فيها والتي لم يجيد لغتها لذلك كان يصر على استيراد المعلمين من سوريا ولبنان ومصر وتفضيلهم على العراقيين. علماً بأن كان هناك الآلاف من خريجي المدارس الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وبغداد وسامراء، يصلحون للتدريس في اللغة العربية وآدابها ومادة التاريخ والرياضيات.. وغيرها. ولما أمر الملك فيصل بفتح دار للمعلمين في الحلة وأخرى في الموصل، رفض الحصري المشروع بشدة، وذكر في مذكراته فيما بعد، أنه رفض المشروع لأنه كان في الحلة يفيد الشيعة وفي الموصل يفيد المسيحيين، وقال ما نصه: "وأنا لم أتردد في الحكم بأن تنفيذ هذه الخطة- إنشاء دار للمعلمين في الحلة وأخرى في الموصل- يعرض الوحدة الوطنية لخطر عظيم لأنه كان من الطبيعي في تلك الظروف أن تكون الأكثرية الساحقة من طلاب دار المعلمين في الموصل من أبناء المسيحيين وفي الحلة من أبناء الجعفريين" [28].وكان يرفض الاعتراف بخريجي المدارس الجعفرية، وكان يسميها "المدارس الإيرانية."[29] وأصر على عدم تعادل شهادتها بالشهادة الثانوية. وكانت تُرفض طلبات الطلبة الشيعة في القبول في كلية الحقوق. ولما كثرت الاحتجاجات على هذا السلوك، أوعز الملك بفتح صف إضافي في كلية الحقوق لقبول الطلبة الشيعة من خريجي المدارس الجعفرية. والجدير بالذكر أن إجراء الملك هذا واجه معارضة ليس من قبل الحصري وحده، بل ومن مسؤولين آخرين . فهذا كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي يقول “إن نوري السعيد كان يريد أن يجعل من أبناء الجنوب الشيعة عمالاً ماهرين.. ومن أبناء السنة خريجي جامعات”.. المصدر"[30].

لم يكن الشيعة فقط هم ضحية التمييز الطائفي بعد تأسيس الدولة العراقية، ففي عام 1925 عندما عين مصطفى العمري من الموصل وزيرا للداخلية، الذي سعى بجد لدفع العرب الى المجيء والاستقرار بمناطق كوردية من نينوى وكركوك. ومن بعد ذلك بين الاعوام 1930- 1935 الذي شجعت خلالهما الحكومة وبدفع من رئيس وزرائها ياسين الهاشمي عربا من قبيلة العبيد للتوطين زراعيا في منطقة الرياض وهم البدو الرحل، وقام بإنشاء مشروع اروائي في المنطقة بهدف دفعهم الى أمتهان الزراعة أحد أهم عوامل الاستقرار بالمنطقة. وعلى وفق هذا الإجراء يعد البعض من الباحثين أن ما قام به الهاشمي هو اللبنة الأولى لعملية التعريب المنظم حديثا في كوردستان العراق التي غيرت معالم كركوك والمناطق المحيطة بها ديموغرافيا[31]. وهكذا احتدمت الأوضاع الداخلية في البلد بشكل ملفت حيث تفاقمت انتفاضة الأكراد في الشمال بقيادة الشيخ (محمود البرزنجي) واحتدام إحداث العنف في المدن العراقية وخاصة في البصرة والديوانية وسوق الشيخ والموصل والسماوه وتحديدا في ايار عام 1931 بسبب إجراءات وزارة (نوري السعيد) في إقرار قانون رسوم البلديات.

في عام 1933 حصلت مذبحة الآشوريّين، وهو العمل الذي ارتبط باسم بكر صدقي، الضابط الذي ما لبث، في 1936، أن نفّذ أوّل انقلاب عسكريّ ناجح في العالم العربيّ. وكان هذا إشارة مبكرة إلى وجود ميول تطمح إلى تجاوز التفتّت الاجتماعيّ بالحلّ العسكريّ المفروض من أعلى، ولم تحُل الخطابيّة القوميّة العربيّة عن "الأخوّة" دون تفجّر العداوات والنزاعات على أسس طائفيّة وإثنيّة. بسبب غياب الملك في حينها للعلاج فقد كلف الحكومة بالتعامل معها مؤكدا بان ما حدث في العراق بـ(الإضراب العام) سنة 1930 ينبغي كما قال "ان يجعلنا نغير حساباتنا ونضع بالاعتبار كيفية إخماد مثل هذا الإضراب وكذلك لابد من أخذ العبرة من إحداث ثورة الشيخ محمود البرزنجي.. ومعرفة قدراتنا في مواجهتها وما عانته الدولة بكل حزم ودون تهاون" . صرح الملك (فيصل الأول) في جريدة (ديلي ميل) في بداية أيلول 1933 وصف بها احداث الاشوريين بانها "أقلية أشورية تريد الاستقلال السياسي وهذا يعني خراب البلد والإطاحة بالنظام".

توفي الملك فيصل في 8 أيلول 1933 بصورة مفاجئة فاجتمعت الوزارة وأقرت تتويج الأمير غازي ولي عهد العراق ملكاً على العراق. وبعد وفاة الملك فيصل / آب 1934 . واستغلت الجهات الحاكمة ضعف خبرة الملك الشاب لتزيد من سيطرتها على مقدرات البلاد. قفي انتخابات 1934، اتُّهمت الحكومة بالتدخّل وإسقاط بعض الوجوه من الشيعة، فضلاً عن إعطاء مقاعد شيعيّة للسنّة، ما أطلق تحرّكاً للعشائر والشيوخ أدّى إلى إسقاط حكومة علي جودت الأيوبي في فبراير 1935. ثم، وتحت التهديد بانتفاضة، سقطت حكومة جميل المدفعي، إذ استقالت في 15 مارس من العام نفسه، وكُلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومة تولّى فيها رشيد عالي الكيلاني وزارة الداخليّة. نتيجة لشعور الشيعة بالغبن من الإجراءات الحكومية فقد قدموا مطالب تتعلق بالمساواة وتدريس الفقه الشيعي في كليّة القانون، كما أصدر المرجع الشيعيّ محمد الحسين كاشف الغطاء فتوى بهذا المعنى. وحاول الهاشمي كرئيس للحكومة منع مواكب محرّم، وانزاح الوضع برمّته إلى حافّة الانفجار المسلّح. وبالفعل ففي 6 مايو، وبعد اعتقال رجل دين شيعيّ، ثارت بضع عشائر وأُعلنت أحكام عرفيّة، كما قصف الطيران العراقيّ لواء الديوانيّة قبل أن تنضمّ عشائر سوق الشيوخ والناصريّة إلى التمرّد، فقُطع خطّ سكّة الحديد بين البصرة والناصريّة وتمّ احتلال مدينة سوق الشيوخ. وإذ أبدت حكومة الهاشمي استعدادها للتفاوض فإنّها ما لبثت أن غلّبت الخيار العسكريّ لإخضاع المتمرّدين.

"لايوجـد احصـاء رسمـي بعدد القـتلى والجـرحى من الاهالي كمـا أننا لانعلم شـيئـاً عن عـدد خسـائر الجـيش. وقد أكـدّ لنا عليـم... بأن عدد القـتلى من الاهلl والجـيش والشـرطة قـد بلغ زهاء سـتمـائة]. إن كـاتب هذه السطور شاهد مـشانق علّق عليـها أربعة من أصل عـدد آخر في مدينة النـاصرية. كمـا اتيحت له زيارة لسـوق الشيـوخ بعـد نهـاية الحركـات ليـشهـد منظراً واحـداً من الاجـراءات التأديبـيـة. كانت البـلدة قد عـريت تماماً عن غابات النخيل المحيطة بها التي تحجبها عن أعين القادمl اليها. فقد نفذ آمر القوات بكر توصية رشيد عالي الكتــابيّـــة بأمانةٍ وجـرّد أكثر من عشرة آلاف نخلة من أغصانـهـا وفروعهـا ولم يبق منها إلا أجذاع قائمة. وهذا ما رأته عـيني"[32] . كما يذكر الحسني " شاع في الأوساط يومـئذ أن قيادة القوات التـأديبية في لواء الديوانية والقائد الفـريق بكر صدقي - أصدر الاوامـر بوجـوب قتل الأسـرى والأطفـال من الثـوار الذين يقـعـون بيد الجـيش. فـشـخص وزير الدفـاع جعـفـر العسكري الى الـديوانية بنفسـه للتحقـيق في صحة هـذه الشائعات لكنّ تقـريره بقي مكتومـاً. فلما دالت ايام الوزارتl الهــاشـمـيـة الـثـانيـة والسـليـمـانيــة سـمـعت من رئـيس الديوان الملكي رســتم حـيـدر يقــول إنه آسف لتكذيبــه هذه الشـائعـات في حـيـنه بينمـا تحـقـقـت صـحـتـهـا بعـدئـذ. وكـان السـيـد رشـيـد عـالـي حـاضـراً هذا الحديث" [33]. وذكر اللـواء (الركن ابراهيم حــمـدي الراوي) " فـانه (اي بكر) كان قـد أصدر أمراً عـسكريّاً صارمـاً بان لاتستـخدم اية شفقـة أو رحمة مع الثائرين. وعلى الـعكس أن تحرق مزارعهم وهي المعـوّل عليها في معاشـهم وأن يقتل أي أسيـر أو جريح وتهـدم بيوتهم " [34]. وقــال جــمس مــورّي فـي كــتــابه " تم اخــمــاد هذه الثـــورات بالـعنف ومن دون رحـــمــة أو هـوادة. وكــان بطـلهــا بـكر صــدقـي الذي قــضـى على الآشـــوريين في 1933 .كانت قـواته تزحف على مناطق الثورة فوراً فـتبطش وتضرب وتـقتل وتذبح. ثم تعتـقل المئات وتشنق العشرات من دون محاكمة أو بعد محاكمات عسكرية صورية " [35]. شهد عام 1935 اول مقبرة جماعية في تاريخ العراق الحديث حيث قام الفريق بكر صدقي العسكري الذي كان مسؤولا عن مذبحة الاشوريين عام 1933 وخلال الانتفاضة الممتدة مابين الرميثة والسماوة باسر ثلاثين عراقي من الثوار وامر باعدامهم رميا بالرصاص ومن ثم دفنهم في مقبرة جماعية من قبل بلدية لواء الديوانية[36] .

في عام 1936 حدث اول انقلاب عسكري قاده الفريق بكر صدقي العسكري ونتج عنه مقتل مؤسس الجيش الفريق جعفر العسكري. وكان هذا الانقلاب أول تدخل فعلي لفصيل من القوات المسلحة في الحياة السياسية العراقية وبالتعاون مع جماعة وطنية وديمقراطية عراقية مثل جعفر أبو التمن وكامل الچادرچي وعبد الفتاح إبراهيم. وإذ رفض في البداية كل من محمد جعفر أبو التمن وعبد الفتاح إبراهيم استخدام القوات المسلحة للوصول إلى السلطة، إلا إن محمد جعفر أبو التمن قد تراجع عن موقفه ووافق المشاركة في الانقلاب، في حين استمر عبد الفتاح إبراهيم رافضاٌ مبدئياً وكلياً وبإصرار مشاركته ومشاركة الجماعة في تنفيذ الانقلاب، باعتباره خرقاً للدستور وتجاوزا على الديمقراطية ومهمات القوات المسلحة العراقية، إضافة إلى إنها بادرة ستجر بعدها انقلابات أخرى، وكان على حق كبير. علماً بأن حكومة ياسين الهاشمي حينذاك لم تمارس سياسة ديمقراطية بل "ارتكبت أخطاء أساءت إلى الحكومة كالفساد واستغلال النفوذ ورعاية المنافع الخاصة وتفشي المحسوبية والرشوة وإهمال مصالح الشعب واستخدام القوة المفرطة في قمع احتجاجات العشائر المطالبة بحقوقهم وتمرد الآشوريين وزج الجيش في قمع الاضطرابات الداخلة وملاحقة الصحافة والأحزاب والنقابات بإجراءات مخالفة للقانون، لهذه الأسباب فقد عمّ الاستياء والتذمر والملل من الحكومة. ومع ذلك لم يكن الانقلاب طريقاً سليماً لتغيير الأوضاع. وهو الدرس الذي استفاد منه فيما بعد السياسي العراقي الكبير كامل الچادرچي. لقد شارك في حكومة الانقلاب التي ترأسها حكمت سليمان أربعة من جماعة الأهالي بضمنهم أبو التمن والچادرچي. إلا إن الحكم الفعلي لم يكن بيد الحكومة بل بيد بكر صدقي العسكري وقد سقط النظام بعد اغتيال قائد الانقلاب بكر صدقي بالموصل في العام 1937. وقد مارس بكر صدقي ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث نهج الاستبداد والعداء للقوى اليسارية وخاصة الشيوعيين والديمقراطيين، وأسقط أيضاً الجنسية عن شخصيات شيوعية عراقية مثل عبد القادر إسماعيل وأخيه يوسف إسماعيل وإبعادهما على خارج العراق.

اذن ونحن نصل الى عام 1940 يبدو واضحا ان العقلية العثمانية قد بقيت مسيطرة على العقول المؤسسة للدولة العراقية الحديثة . فقد استمرت التفرقة بين المواطنين الدرجة الاولى والدرجة الثانية . والمعلومات المتوفرة تؤكد استبعاد العراقيين الشيعة لاسباب طائفية من المناصب العامة فلم يتولى اي شيعي رئاسة الوزراء او وزارة الدفاع او الداخلية او الخارجية او اي وزارة مهمة واقتصرت الوزارات الممنوحة لهم على وزارة المعارف التي كان يتحكم بها ساطع الحصري اما في الجيش فلم يوجد بين المؤسسين اي ضابط شيعي ولم يتولى اي شيعي منصب مهم في الجيش . كذلك تمت محاربة الشعائر الشيعية لاسباب طائفية مع اتهام جميع الشيعة بانهم (جعفرية ايرانيين) .

 

زهير جمعة المالكي

.................................

[1] جلال الدين محمد صالح، الطائفية الدينية: بواعثها..واقعها..مكافحتها. دار جامعة نايف للنشر. الرياض، السعودية. الطبعة الأولى 2016 .ص 32.

[2] د. علي الوردي (لمحات من تاريخ العراق الحديث) الجزء السادس (6) مطبعة بغداد . ص 150-151 .

[3] د.علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث،ج6، ص202.

[4] عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، ص11، مطبعة دار الكتب بيروت، 1983.

[5] عبد الكريم الأزري، مشكلة الحكم في العراق من فيصل الأول إلى صدام، الدار العربية للموسوعات-بيروت، 1991، ص369

[6] عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، المصدر السابق .

[7] عبد الكريم الأزري، مشكلة الحكم في العراق من فيصل الأول إلى صدام، ص11-12.

[8] رجـاء حسين الحسني الخطاب، تأسيس الجيش الـعـراقـي وتـطـور دوره السياسي مـن 1921 – 1941، 124-122 ص، بغداد: دار الحرية، 1979.

[9] حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق،لندن- ط2 1990م، ص 135 .

[10] لويد دولبران، العراق من الانتداب الى الاستقلال، ترجمة دار الموسوعات العربية، بيروت- 2002 .

[11] عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 1،ط 7(بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1989،)ص 9 وما بعدها.

[12] عبد الرزاق عبد الوهاب، حركات األثوريين سنة 1933م، مجلة، العسكرية، بغداد، 1 نيسان 1941، العدد 69، ص .182-163

[13] حسن العلوى .أسوار الطين. دار الكنوز الادبية .الطبعة الاولى .1995.ص50

[14] نقلاً عن: هدايت الله بهبودي، روز شمار تاريخ معاصر ايران، جلد دوم 1388ه، مؤسسة مطالعات وپژو هشهاي سياسي، طهران، 1388ه.ش-2009م، ص329.

[15] علي عبد العزيز الجبوري، الشيخ محمد الخالصي والتجديد الفقهي، بحث غير منشور مقدم الى معهد المرتضى، سوريا للدراسة والعلوم الاسلامية،

[16] خير الدين الزركلي، الأعلام، ج 3، ط 15 (بيروت: دار العلم للملايين، 2002)، ص 70

[17] حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ص 258، مطبوعات CEDI فرنسا عام 1989.

[18] عبدالكريم الأزري، مذكرات الأزري، ج1، ص30-31

[19] نجيب محيي الد ين الصالحي، جامعة آل البيت محاولة لتأسيس أول جامعة 1922-1930،مجلة الحوار المتمدن، العد29،بغداد، كانون الأول، 2011 ص 13 .

[20] الدكتور سيار الجميل، لماذا فشلت أول جامعة في العراق ؟، http://sayyaraljamil.com/2014/07/07/2139.html 

[21] حسين جميل، العراق شهَادة سيَّاسية 1908 – 1930، دار اللام، لندن، 1987، ص184.

[22] انيس زكريا النصولي، الدولة الاموية في الشام، مطبعة دار السلام، بغداد، 1927 .

[23] عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الثاني، ص80 .

[24]مؤيد شاكر كاظم، السيد عبد المهدي ودوره السياسي في العراق، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية / ابن رشد، جامعة بغداد، 2000، ص38.

[25] ساطع الحصري مذكراتي في العراق(1921-1914)، الجزء الاول، الطبعة الاولى، منشورات دار الطليعة، بيروت، 1967، ص10-27 .

[26] د.خالد التميمي، محمد جعفر أبو التمن، ص320-321، دار الوراق، لندن، 1996.

[27] حسن العلوي، التأثيرات التركية، ص 12، دار الزوراء، لندن، 1988، نقلاً عن مذكرات الهاشمي، ج2 ص 244.

[28] مذكرات الحصري، ص 80

[29] تيخونوفا، ساطع الحصري رائد المنحى العلماني في الفكر القومي العربي، ص30، دار التقدم، موسكو، 1985

[30] رفعت الجادرجي. صورة أب. ص ١١٦

[31] عزيز حسن البارزاني (2002) الحركة القومية التحررية في كوردستان العراق، مطبعة وزارة التربية، هولير.

[32] عبد الرزاق الحسني، تاريـخ الوزارات العراقيـة، الجزء 4 ص 130 .

[33] عبد الرزاق الحسني، تاريـخ الوزارات العراقيـة، الجزء 4 ص 193 .

[34] اللـواء الركن ابراهيم حــمـدي الراوي (مـن الثـورة العربيّـة الكبرى الى العـراق الحديث)، ص 160 .

[35] جــمس مــورّي فـي كــتــابه «الملوك الـهــاشــمــيــون»، ص 173 .

[36] عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء 4، ص 163 .

 

 

ابراهيم أبراشمنذ أن تولت حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) قيادة العمل الوطني عام 1968 باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها رئيس منظمة التحرير، مروراً بتأسيسها للسلطة الوطنية 1994 وقيادتها لها إلى اليوم، منذ ذلك التاريخ وهي مثار جدل ونقاش ما بين مدافع عنها لأنها استطاعت الحفاظ على حيوية القضية الوطنية وتأسيس كيانية فلسطينية مستقلة ونقل القضية الوطنية للعالمية وجعلها محط اهتمام العالم بل وانتزعت اعترافاً دولياً بحق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة، ورؤية أخرى تُحمل حركة فتح المسؤولية عن تقليص الأهداف الوطنية من كل فلسطين إلى المطالبة بدولة غير مضمونة في غزة والضفة وعدم قدرتها على منع الاستيطان والعدوان الصهيوني المتواصل في غزة والضفة وضياع القدس بل تحميلها المسؤولية عن الانقسام وكل ما صاحب السلطة من أشكال فساد الخ.

مما لا شك فيه أن حركة فتح وطوال 53 سنة تقريباً وهي تتموقع كحزب السلطة- مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية مفهوم السلطة في الحالة الفلسطينية-  وحزب السلطة دوماً وفي كل المجتمعات وخصوصاً العربية يكون مستهدفاً ومحل انتقاد شعبي، ولا شك أيضاً أن هناك أخطاء وتجاوزات كثيرة وقعت في الإدارة الداخلية والسياسة الخارجية، إلا أنه في المقابل يجب استحضار طبيعة العدو الذي تواجهه الحركة وكل الشعب الفلسطيني و أيضاً التحولات العربية والإقليمية التي لم تأتي لصالح القضية الفلسطينية.

حركة فتح طوال هذا الوقت كانت تتحمل المسؤولية وتدفع الثمن من دماء أبنائها وقادتها الذين سقطوا في المواجهات مع جيش الاحتلال داخل الوطن وعلى الحدود وفي كل أماكن تواجدهم في الخارج وقافلة الشهداء والأسرى خير شاهد على ذلك، كما أن ريادتها للحركة الوطنية و(النظام السياسي) لا يعني أنها كانت مستبدة أو متفردة في رأيها بل كانت تُدير ما سماها الراحل أبو عمار (ديمقراطية غابة البنادق)، و يمكن أن نذهب أكثر من ذلك ونقول إن حركة فتح دفعت غالياً ثمن وطنيتها وديمقراطيتها وتقبلت كل الانتقادات التي توجه لها بل حتى اتهامات جائرة بالخيانة وجهها البعض لقيادات فتح حتى للرئيس الراحل أبو عمار ومن بعده أبو مازن دون أن تعلق المشانق لأحد .

لم ترفض حركة فتح أن يشاركها أحد في المسؤولية وفي السلطة سواء في إطار منظمة التحرير أو السلطة الوطنية حيث ناشد الراحل أبو عمار في بداية تأسيس السلطة الجميع المشاركة في السلطة، وشارك البعض وقاطع آخرون، ومن رفض المشاركة بداية لأنها سلطة أوسلو في رأيهم شاركوا لاحقاً في نفس السلطة بل وبسقف أقل، كما أن الرئيس أبو مازن الذي جاء عن طريق انتخابات لم يشكك أحد بنزاهتها هو الذي وافق على إجراء انتخابات تشريعية لاحقاً 2006 وهو يعلم بثقل وجود حركة حماس، وبعد فوز حماس تم تكليف السيد إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة وكان الرئيس مستعداً لاستكمال المسار الديمقراطي لولا الانقلاب الحمساوي.

 نعم، حركة فتح تحتاج لاستنهاض نفسها وتجديد قياداتها وتصليب نهجها الوطني، كما يجب عدم السماح بمصادرة هذه الحركة العملاقة من طرف البعض ممن تسلقوا لمواقع قيادية دون وجه حق، ولا أن تتشرذم الحركة إلى تيارات متصارعة كما هو حاصل اليوم ونحن على أبواب الاستحقاق الانتخابي الذي بات الشغل الشاغل للجميع.

خلال مسيرتها الطويلة تعرضت الحركة لمحاولات انشقاق متعددة كما خرج منها قيادات وكوادر اشتقوا طريقا خاصاً بهم كما شهدت خلافات وصراعات خلال الانتخابات الداخلية –المؤتمر العام- في الحركة وما صاحب المؤتمرات الثلاثة الأخيرة من تشكيك بنزاهتها، أيضاً خلافات وتجاذبات حول الانتخابات التشريعية كما جرى عام 2006، وفي اعتقادنا أن ما تشهده الحركة اليوم من خلافات وصراعات داخلية هو الأكبر والأخطر في تاريخها .

خلافات وصرعات داخلية حتى داخل اللجنة المركزية للحركة خرجت للعلن، وغياب لأغلبية أعضاء اللجنة المركزية عن المشهد السياسي والتزامهم الصمت، صمت العاجز والمستسلم والمُحبط، أو صمت الرافض ولكنه خائف من التصادم العلني حرصاً على سمعة الحركة أو خوفاً على مصالحه الشخصية، بالإضافة إلى حلافات سابقة للاستحقاق الانتخابي .

 هل ستشارك حركة فتح مع حركة حماس بقائمة مشتركة وهي مغامرة غير محمودة العواقب ومرفوضة من غالبية القاعدة الفتحاوية؟ وهل ستدخل الانتخابات بقائمة فتحاوية واحدة أم بعدة قوائم؟ وما إن كان مروان البرغوثي سيكون على رأس القائمة الفتحاوية الموحدة أم ستكون له قائمة خاصة به، وما إن كان سيتحالف مع محمد دحلان أم بدونه، وهل سيتنافس مع الرئيس أبو مازن في الانتخابات الرئاسية أم سيترشح للرئاسية في حالة عدم استنكاف الرئيس أبو مازن عن الترشح....

في اعتقادنا أن مرد هذا الاهتمام بما يجري داخل وحول حركة فتح يؤكد أنها ما زالت محل رهان الشعب وعليها تقع المسؤولية في كل ما يجري، وقلة فقط هم الذين يراهنون أو يتوقعون نظاماً سياسياً أو سلطة أو حكومة بدون حركة فتح في المقدمة، ليس لأن حركة فتح بدون أخطاء بل لأن الساحة الفلسطينية لم تفرز حتى الآن حزباً أو حالة سياسية بديلة قادرة على تحمُل المسؤولية والتمسك بالحد الأدنى من الثوابت والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، كما جرب الشعب حكم وسلطة حماس وما آل إليه الحال من تدهور في قطاع غزة وعلى المستوى الدولي.

حركة فتح اليوم ومع الاستحقاق الانتخابي أمام تحد كبير. ففي حالة نزولها بقائمة فتحاوبة وطنية فستضمن أغلبية مريحة في المجلس التشريعي كما ستكون أكثر قوة في الانتخابات الرئاسية وفي تركيبة المجلس الوطني حتى وإن أفرزت الانتخابات الرئاسية رئيساً من خارج فتح، أما إن خاضت الانتخابات التشريعية منقسمة فقد تتعرض لنكسة أو يكون تأثيرها محدوداً في المجلس التشريعي القادم، وفي حالة حدوث ذلك وبالرغم من أن المجلس التشريعي ليس مربط الفرس وليس مركز السلطة، إلا أن خسارة الحركة للانتخابات التشريعية سيكون مؤشراً خطيراً على إمكانية خسارتها حتى الانتخابات الرئاسية، مما سيطرح تساؤلات حول أحقيتها بقيادة النظام السياسي، كما أن خسارتها الانتخابات التشريعية سيجعل استكمال مسلسل الانتخابات - رئاسية ومنظمة تحرير- غير مؤكد أو مضمون.

في اعتقادنا أن التهديد الكبير الذي يواجه حركة فتح في الانتخابات في حالة إجرائها ليس المنافسين من الأحزاب الأخرى بل انقسامات فتح الداخلية وخصوصاً إن نزل مروان البرغوثي على رأس قائمة خاصة به أو بمشاركة أطراف أخرى أو رشح نفسه للرئاسة في مواجهة الرئيس أبو مازن.

وفي هذا السياق يجب الإقرار بأن القائد الأسير مروان البرغوثي يحظى بالتقدير والاحترام عند الشعب الفلسطيني وخصوصاً عند حركة فتح، وإن كان لديه رغبة بالدخول بالمعترك السياسي فإنه يستحق أن يكون على رأس قائمة وطنية لحركة فتح، ووجوده فيها سيُحدث فرقاً كبيراً في نتائج الانتخابات ويقطع الطريق على من يريدون تشتيت حركة فتح. وبالنسبة لقضية ترشحه للانتخابات الرئاسية فلا نعتقد وجود مشكلة في أن يرشح نفسه للرئاسة في حال إجراء انتخابات رئاسية، ولكن في هذه الحالة ولمصلحته ومصلحة حركة فتح عليه أن يضمن مسبقاً أغلبية مريحة في التشريعي وهذا لن يتأتى إلا إذا نزل الانتخابات التشريعية بقائمة فتحاوية وطنية تضمن أغلبية مريحة لفتح في التشريعي .

قد تُطرح تساؤلات ذات طبيعة عملية ودستورية وسياسية  حول ترشُح البرغوثي وفي حالة فوزه، لكونه داخل المعتقل وإسرائيل لن تسمح بإطلاق سراحه في حالة فوزه في الانتخابات إلا ضمن صفقة وشروط قد تسيء للبرغوثي نفسه، وفي حالة عدم خروجه من المعتقل سيكون فراع أو إشكال.

بالرغم من مشروعية هذه التساؤلات إلا أن وجِد توافق و إجماع فتحاوي وإرادة وطنية على ترشحه للرئاسة يمكنه تذليل جميع هذه العقباتـ،، وفي اعتقادنا أن البرغوثي يُدرك كل هذه العقبات وقد يكون حديثه عن الترشح للرئاسة أو أن يكون على رأس قائمة منفصلة عن حركة فتح مجرد تهديد بدوافع وطنية لحث القيادة لتشكيل قائمة وطنية تضم شخصيات محترمة وشابة وأن يتم التفكير بمرشح للرئاسة حتى يمكن القول بأن الانتخابات أحدثت تغييراً حقيقيا في النظام السياسي  .

في اعتقادنا أن المشكلة تتجاوز هذا الجانب الدستوري والسياسي إلى الخلافات داخل حركة فتح والصراع على خلافة الرئيس أبو مازن، حيث هناك قيادات فتحاوية تتمسك بترشيح أبو مازن مرة أخرى للرئاسة، مع أننا لم نسمع من الرئيس رأياً حول الموضوع، وتمسكهم هذا يرجع لخلافات فتحاوية داخلية حول خلافة الرئيس وغياب قيادات وازنة في فتح عليها إجماع فتحاوي يمكنها أن تفوز في أية انتخابات رئاسية. كل ذلك يتطلب تبصر وحكمة وتغليب المصلحة الوطنية العليا على حساب المصالح الضيقة، والأمر يبقى بيد الرئيس أبو مازن رئيس كل الشعب الفلسطيني فهو وحده القادر على مواجهة وحسم هذه الإشكالات كما أن الشعب الفلسطيني قادر على انتخاب رئيس جديد كما انتخب أبو عمار وأبو مازن من قبل .

وأخيراً ، ودون تجاهل كل السلبيات والأخطاء التي صاحبت مسيرة حركة فتح التي تداخلت سياساتها وأدوارها مع سياسات وأدوار منظمة التحرير، وبالرغم من تعدد  القضايا الخلافية الكبرى حول الانتخابات والمصالحة في الوقت الراهن، ومع تلمسنا لأهمية التوافق الوطني والبرنامج السياسي المشترك، فإن القضية مثار الاهتمام الوطني وحتى العربي والإقليمي تدور حول حركة فتح وما يجري داخلها بشان الانتخابات، وقليل هو الجدل والنقاش حول قائمة حماس أو قوائم المستقلين وحول مشاركة أو عدم مشاركة الفصائل في الانتخابات، فالكل يناقش ويترقب ما يجري داخل حركة فتح تحديداً، وهذا يدلل على أنها ما زالت محل رهان غالبية الشعب الفلسطيني كما يدلل على المكانة المتميزة للحركة عربياً وإقليمياً.

 

إبراهيم أبراش

 

 

 

باسم عثمانيتطلع الشعب الفلسطيني إلى أن تكون نتائج الحوار الفلسطيني-الفلسطيني الأخير في القاهرة، بمستوى المسؤولية التاريخية والوطنية الواقعة على عاتق النخبة الفلسطينية المتحاورة، والمعنية بوضع الخطط الكفيلة واليات التنفيذ للخروج برؤية سياسية توافقية تستجيب لمتطلبات التحديات والمخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية داخليا وخارجيا.

لقد كان من الطبيعي والضرورة الوطنية ، واستجابة للأولويات والاحتياجات الفلسطينية، ولخصوصية الحالة الفلسطينية في سمات مرحلتها الراهنة، أن تجري الانتخابات تتويجًا لرؤية سياسية توافقية تستند على أسس الشراكة الوطنية والسياسية لمتطلبات الحالة الفلسطينية, وابرزها إنهاء الانقسام، والتوافق على استراتيجية وطنية كفيلة باستنهاض طاقات الشعب الفلسطينية وتمكينه من الصمود في وجه كل التحديات المفروضة عليه، وهذا لم يتم لأسباب أهمها عدم استجابة القوى المهيمنة على القرار الفلسطيني و"التمترس" خلف خياراتها الاحادية وتجاذباتها الإقليمية والدولية.

أما الآن، وقد أصبح التوجّه العام نحو إجراء الانتخابات أولًا، كمثل الذي "يضع العربة امام الحصان"، ويهتم "بالنتائج" دون معالجة مقدماتها ومداخلها, ويؤسس لسابقة إجرائية ممكن ان تكون مغامرة غير محسوبة النتائج, اذا تمت بمعزل عن الحل السياسي التوافقي ومرتكزاته الوطنية والسياسية, لذلك وفي هذا السياق, ودرءاً لكل المخاطر الغير محسوبة النتائج, لا بدّ من عمل كل ما يلزم وتحضيرا للحوارات الفلسطينية القادمة, من اجل التوافق على رؤية وطنية بخطوطها العريضة تستجيب بالحد الأدنى لمتطلبات التعبئة والنهوض الوطني الفلسطيني, وتستوفي شروط اللحمة الفلسطينية الداخلية, وتحكمها خطة تنفيذية في الميدان, لكي لا يكون إجراء الانتخابات مغامرة كبرى غير مضمونة النتائج, وهي ليست وسيلة لتقويم المسار السياسي, بل ممكن ان تكون اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي والتنظيمي.

ولكي تُثمر الحوارات الفلسطينية القادمة، وينجح تحدي الانتخابات بنتائجه الوطنية المرجوة، لا بد لها من مناقشة وتحديد الهدف الوطني للمشروع الفلسطيني واليات إنجازه، مرجعيات القرار السياسي واشكال المقاومة، من خلال رؤية سياسية توافقية واضحة المعالم، وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على الانتخابات وتوفّر شروط احترام نتائجها، وتمهّد الطريق لتشكيل حكومة ائتلاف وطني عام بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

 صحيح بأن للانتخابات وظيفة ديمقراطية واستحقاقات وطنية ودستورية, لها علاقة بحق المواطن باختيار ممثليه والذي كفلها القانون الأساسي, ولكن الأهم من ذلك يكمن في البعد الوطني لها, بما اننا نعيش في مرحلة تحرر وطني لها متطلباتها وروافعها, الأمر الذي يتطلب وضع الانتخابات في إطار الاشتباك مع كيان الاحتلال واعتبارها معركة وطنية بامتياز وخاصة في مدينة القدس, لتجديد التأكيد على موقف الشعب الفلسطيني الرافض لكافة الاجراءات الأحادية التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال, بهدف تغيير الوضع القانوني للقدس وطمس هويتها الوطنية، كما يمثل تأكيد جديد أيضا على الموقف الفلسطيني الرافض للمواقف والاجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية باعتبار القدس عاصمة للاحتلال, وما تبعه من إجراء نقل السفارة الأمريكية إليها.

لقد كان لبيان القاهرة الأخير للحوار الفلسطيني من الناحية السياسية مؤشر هام وتطور جديد، وأن نصل الى تشكيل "مؤسسة" عبر الانتخابات شيء مهم وضرورة وطنية، خاصة بعد ما أصاب "المؤسسة القائمة" ما أصابها، فباتت هشة لا تقوى على المواجهة والقيادة، ولكن واقع الحال يكشف أن ثقافة الانقسام "عند البعض" لا يمكن أن تنتهي ببيان أو قرار فوقي، تحتاج لتعبئة وطنية وبأولوياتها من جديد، لما تمثله هذه الثقافة ومكوناتها و" دُعاتها" من الظاهرة الأكثر تهديدا للحالة الوطنية الفلسطينية.

الرؤية السياسية التوافقية لاجراء للانتخابات الفلسطينية:

- اعلان دولة فلسطين وفق قرار الأمم المتحدة 19/ 67 لعام 2012، والذي دعمه دوليا وبوضوح كامل قرار المحكمة الجنائية الدولية فبراير 2021، الذي حدد حدود الدولة الفلسطينية وسيادتها في الضفة وغزة والقدس الشرقية.

- الدعوة الى عقد مؤتمر دولي وبرعاية دولية, لحل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي وفق قرارات المجتمع الدولي ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

- وقف كل اشكال الارتباط بكيان الاحتلال وسحب الاعتراف به، وانهاء المرحلة الانتقالية والتزامات أوسلو وتبعاته.

- دعم كل اشكال المقاومة والذي تكفله القرارات الدولية للأراضي المحتلة بالقوة.

- بحث قواعد الانتقال من السلطة الى الدولة خلال "مرحلة انتقالية" والعمل على ترسيخ قواعد الدولة وأسسها.

اليات العمل للحوار الفلسطيني المطلوب:

أولًا: مشاركة ممثلين عن مختلف القطاعات والتجمعات والكفاءات الفلسطينية والمستقلين من مختلف التجمعات الفلسطينية في الحوارات الفلسطينية القادمة، ولاتقتصر المشاركة على الفصائل الفلسطينية فقط.

ثانيًا: ان تشمل الحوارات الفلسطينية القادمة عددا من القضايا المحورية، ولا ينحصر الحوار بمستلزمات العملية الانتخابية واجراءاتها الشكلية فقط، لتعزيز التوافق على أسس الشراكة السياسية والوطنية التي تضمن مشاركة كل قوى وعناصر الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف مكوناتها. 

خلاصة القول:

ان الحالة فلسطينية ومتطلباتها، بحاجة الى ثورة على وقائع وتفاصيل سياسات باتت مسيطرة على العقل القيادي الفلسطيني وفلسفته، تجاه مختلف قضايانا الأساسية والجوهرية، وبهذا السياق لابد من اعادة تموضع جديد في سياسة النخبة الفلسطينية وفلسفتها، فلسفة تقوم على ديمومة المقاومة وابتداع ادواتها والياتها، ونبذ “فن التكتيك” والمراوغة في احتراف العمل السياسي ودهاليزه، التي اصبحت تُثقل كاهل قضيتنا وتحملها ما لا يمكن احتماله.

إن المقاومة الشعبية بكل أشكالها النضالية، وتوفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق ارضه في ظل قيادة وطنية موحدة، وتحت سقف القرار السياسي الوطني بالمجابهة الشاملة والميدانية، هي السُبُل التي من الممكن لها أن تدافع عن المصالح الوطنية، وهذه كلها تستدعي استراتيجية وطنية شاملة تغادر الرهان على الغير وخيارات التسوية العقيمة، وعلى ما يسمى بالتحالف الدولي المزعوم، والعمل على إحداث ميزان قوى جديد في الميدان، من شأنه هو وحده أن يضع المجتمع الدولي أمام وقائع جديدة لا يستطيع تجاهلها.

لو كانت الأرض الفلسطينية مشتعلة بالمقاومة والمقاطعة وصولًا إلى الانتفاضة الشعبية الشاملة، على أساس الوحدة وطنية والشراكة الحقيقية، لكان بمقدورنا أن نفرض على الجميع دون استثناء (إسرائيليا وإقليميا ودوليا) رؤيتنا الفلسطينية في انجاز حقوق قضيتنا الوطنية المشروعة.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

شهد التعليم العالي نهضة حقيقية منذ ثورة 14 تموز 1958 حيث انيطت رئاسة جامعة يغداد الحديثة بالعالم المرموق الاستاذ عبد الجبار عبد الله كما جرى ابتعاث المئات من الطلبة المتفوقين للدراسة في الجامعات الاوربية وخاصة بريطانيا والمانيا الغربية وفرنسا وكانت اختيار طلبة البعثات وفق المعدلات دون اي اعتبار او تمييز على اساس المذهب اوالدين او القومية .

تعرضت العملية التربوية بكافة مراحلها لانتكاسة كبيرة بعد غزو الكويت وفرض الحصار الظالم على الشعب العراقي، رغم ما سبق ذلك من عملية تبعيث قبيحة للجامعات تلك العملية التي افقرت الجامعات علميا وادت الى خسارة العراق للمئات من خيرة الاساتذة والعلماء، الا ان ما حصل بعد الحصار كان كارثة حقيقية حيث اضطرت الكوادر التدريسية للجامعات الى اللجوء الى اعمال ومهن بسيطة وصلت حد بيع السكائر ببسطات لغرض توفير لقمة العيش .

لقد بدأت عمليات الغش وتزوير الشهادات منذ تللك الفترة حيث انتعش سوق مريدي للاوراق المزورة وتمت عمليات واسعة لكتابة الاطروحات للطلبة  باثمان  بخسة وكانت تشترى الدرجات والشهادات وبدأ الفساد ينخر في جسد العملية التربوية ولذلك يمكننا القول بموضوعية بان تدني مستوى التربية  والتعليم وخاصة التعليم العالي لم يكن وليدة يومه بعد الغزو والاحتلال عام 2003 .

اود ان اوضح قبل الاسترسال بان ذكر هذه المقدمة للفترة الماضية هو بهدف توضيح خلفيات الظاهرة الحالية في تدني مستوى التعليم العالي كما اود ان اذكر بان شرح هذه الحالات المرضية ليس بغرض التعميم او الانتقاص من القدرات العلمية لطلبتنا فرغم تلك الصعوبات مازال لخريجي الجامعات العراقية وخاصة الاطباء والمهندسين والعلماء بصمة عالمية ايجابية واضحة كما انهم اثبتوا جدارة كبيرة في سنوات الحصار  في مواصلة انتاج المصانع العراقية واستمرار عمليات البناء وتوفير الخدمات الصحية على قدر المستطاع .

يطول الحديث عما يجري حاليا من خراب ممنهج للعملية التربوية منذ مرحلة رياض الاطفال الى مرحلة الدراسات الاولية والدراسات العليا في الجامعات وقد كتبت ونشرت مئات المقالات والدراسات من الاساتذة الافاضل حول تلك المواضيع لذلك احاول التطرق لموضوعين اساسيين احدهما القانون القبيح الذي اصدره البرلمان العراقي والذي ليس هناك مثيل لبعض بنوده على النطاق العالمي والموضوع الثاني يتعلق بالجامعات الاهلية التي اصبحت كما يبدو اخطبوطا يسيطر على مجمل التعليم العالي .

لقد اصدر البرلمان العراقي قانون اسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والاجنبية رقم (20) لسنة 2020  في سابقة تعدي خطيرة على مهمات وصلاحيات الجهات المهنية المختصة (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) وبالرغم انه يعتعمد في الكثير من مواده على قانون تعادل الشهادات القديم لعام 1976 وتعديلاتة الا انه تضمن اضافات خطيرة مفصلة على مقاس العناصر الطائفية الفاسدة التي يظهر انها لم تكتفي بتسميم العملية السياسية كاملة بل قررت وبغياب رقابة المحكمة الاتحادية العليا على القونين ان تضيف مواد قراقوشية في القانون الجديد ليتمكن المسئولين والنواب الفاسدين (وهم مرضى بالالقاب) الحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه حتى بدون امتلاكهم لشهادة الاعدادية؟!

ان البرلمان العاجز عن اصدار القوانين التي تهم مصلحة الشعب والوطن كقانون الاحزاب وقانون النفط وقانون من اين لك هذا على سبيل المثال لا الحصر، لا يتورع من اصدار هذا القانون المسخ للاستفادة والمنفعة الشخصية اذ كيف يمكن كما نصت المادة الثانية من القانون للامانة العامة لمجلس النواب ان تمنح صلاحية تعادل اية شهادة حيث انها وفق قانون وزارة التعليم العالي هي حصرا من صلاحيات مديرية تعادل الشهادات بالوزارة والتي من واجباتها التاكد من رصانة الجامعة والشهادة كما الغى القانون في مادته السادسة ضرورة البقاء بشكل متواصل في البلد الاجنبي للفترة المطلوبة للحصول على الشهادة واعتبر فترة 4-6 اشهر للبقاء حتى بشكل غير متواصل كافية للحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه ولمدة دراسة سنة للماجستير وسنتين للدكتوراه اي ان قضاء فترة العطلة الصيفية لمرة او مرتين للنزهة  كافية للحصول على الشهادة كما منح القانون امتيازات خاصة للنواب والمدراء العامين وذوي الدرجات الخاصة تستثنيهم من شرط العمر وتسمح لهم الدراسة اثنا الوظيفة وهي مخالفات صريحة لقوانين التعليم العالي النافذة ومخالفة لمباديء الدستور في تكافؤ الفرص .

من الواضح ان القانون قد شرع للمصلحة الانانية الشخصية ولتحقيق منافع وامتيازات خاصة بهم ولمنح الشهادات العليا لعناصر الاحزاب والقيادات السياسية بدون استحقاق في تجاوز واستهانة صارخة بصلاحيات واختصاصات وزارة التعليم العالي ومن المؤسف ان يقف مجلس الوزراء صامتا متفرجا او متواطاْ في اصدار هذا القانون الذي سيدمر اية سمعة تذكر للرصانة العلمية في مؤسساتنا الجامعية وان الاصوات التي رفعت ضد القانون لم تكن مع الاسف بمستوى الضرر الذي يسببه هذا القانون وارى ان من مسؤولية الاكاديميين العراقيين داخل وخارج الوطن  القيام بحملة نشيطة لالغاء هذا القانون خاصة ان من المحتمل ان يكون احد اهداف تشريعه المصادقة على 5000 شهادة مزورة لم تعترف بها الوزارة مما يهدد مصداقية التعادل يايشع الاشكال ؟

الموضوح الآخر هو اتساع ظاهرة الجامعات الاهلية التي بدأت بالانتشار بعد عام 2003 ورغم ان القطاع الاهلي يلبي حاجةالطلبة الميسورين الذين لا تكفي معدلاتهم للدخول الى الجامعات الحكومبة وكذلك الاعداد الكبير منهم الذين لا تستوعبهم الجامعات . ان الاسئلة المشروعة التي تثار حول الجامعات الاهلية هي دوافع انشائها من ناحية ومستواها ومدى جودة التعليم فيه من ناحية اخرى .

لقد تم تأسيس معظم هذه الجامعات التي بلغ عددها 67 جامعة وكلية اهلية لحد الان من قبل متنفذي العملية السياسية وازلامهم والكثير منها نشأت بعيدة عن الضوابط المهنية المطلوبة ولم تؤسس وفق اية دراسة عن الحاجة والجدوى ولا يتوفر فيها الكادر التدريسي المؤهل وهي تخضع للعلاقات الشخصية والولائات الحزبية  في انجاح الطلبة وقبولهم وتخضع للصفقات المشبوهة، وانفتحت الابواب مشرعة امام المستثمرين مهما كانت مؤهلاتتهم حيث اصبح مجالا للاثراء السريع حيث تقدر ايرادات الجامعات الاهلية بالتريولانات واصبحت ماقيا التعليم الاهلي تتحكم بوزارة التعليم وتعيين الوكلاء والمستشارين في الوزارة وتتلاعب بمقدرات الوزارة ومن اخر فضائح التعليم قضية ما يسمى بالجامعة الامريكية التي تم منحها القصور الرئاسية ومنحة حكومية كما منحت بعض لجامعات الاهلية حق فتح كليات للطب البشري من دون وجود مستشفيات تعلمية وتم استثنائها من هذا الشرط، وطبعا الكل يعرف ان تدمير البلد يتم عبر تدمير التعليم والغش الذي يؤدي الى تخريج اطباء فاشلين يقتلون المرضى ومهندسين فاشلين في يناء المباني او العمل في الصناعة .

ان التزوير في الشهادات ظاهرة مستفحلة ولاتتم محاسبة او محاكمة هؤلاء المزورين لانهم جزء من الحكام الفاسدين الذين لاتتوفر لدى بعضهم وهو عضو برلمان الا شهادة اعدادية مزورة كما ان وزير تعليم عالي سابق وقيادي اسلامي اعترف قبل سنوات بوجود عشرات الالاف من شهادات الاعدادية المزورة التي تم قبولهم في الجامعات وفقها .

ان الخطورة في استمرار هذه الظواهر المرضية التي يجب عدم السكوت عنها وفضح العملية السياسية المحاصصاتية الفاسدة التي دمرت وتدمر حاضر العراق ومستقبله .

 

 د. محمد الموسوي

15-2-2021

 

 

صلاح حزامبعد العام ٢٠٠٣ اي بعد الاحتلال الامريكي للعراق، انطلقت دعوات محمومة لتحرير الاقتصاد والانفتاح على العالم دون قيود.. دعوات للاسراع بالانضمام الى منظمة التجارة العالمية وعقد اكثر ما يمكن من اتفاقيات التجارة الحرة مع دول مختلفة.. وكذلك التخلص من نظام الحماية المُتَّبَع ..

بموجب هذه الاتفاقيات، تصبح اسواق البلدين مفتوحة امام بعضها وتدخل منتجات كل بلد الى سوق البلد الآخر دون رسوم كمركية..

السؤال هو: ما الذي سوف نصدّره نحن للدول الاخرى مقابل استيراداتنا منها؟

والجواب هو: لاشيء تقريباً !!

هذه سياسات تدل على اما الجهل والتخبط او انها سياسات مُغرِضة تهدف لقتل الاقتصاد العراقي وجعل العراق بلداً يعتمد على الاستيراد فقط، او انها تخدم مصالح التجار المستوردين فقط..

الحمائية المطلقة والمستمرة ليست جيدة طبعاً، ولكن الغائها تماماً وبشكل مستعجل، ليس صحيحاً ايضاً.

كيف ينمو القطاعان الخاص والعام في ظل منافسة غير متكافئة ؟

دراسة اوضاع كل قطاع على حدة واتخاذ مايلزم من اجراءات يعتبر اجراءً ضرورياً في هذه المرحلة ..

قد يكون منع الاستيراد او فرض ضرائب تمييزية امراً حتمياً للنهوض بهذه القطاعات .

فرض ضرائب كمركية على بعض المنتجات المستوردة سوف يوفر موارد كمركية اضافية للدولة ويخفف من تحويلات العملة الصعبة الى الخارج مما يحسّن من وضع ميزان المدفوعات..

هذه سياسة مارستها الحكومة الامريكية في زمن الرئيس ترامب عندما شعرت بعدم القدرة على منافسة المنتجات الامريكية للمنتجات المستوردة، مع ان امريكا تعتبر زعيمة العالم الحر !! فقاموا اما بمنع او الحد من استيراد بعض المنتجات او فرض ضرائب اضافية على بعض المنتجات.

من يفهم من السياسيين في العراق خطورة هذه الاتفاقيات ؟ كم شخصاً اطلع على شروط اتفاقية منظمة التجارة العالمية؟

وهل هناك منهج معتمد لكيفية ادارة الاقتصاد بشكل واقعي يخدم مصالح البلد دون استعارات فارغة وتقمّص لدور الدولة الرأسمالية الصرفة (التي لم يعد لها وجود في الحياة العملية)؟

السوق الحرة وحثُّ القطاع الخاص ودعمه للعمل بنشاط، تعتبر اموراً حتميةً للارتقاء بالاقتصاد الوطني، ولكن التدرّج والدراسة المستفيضة تعتبر امراً لازماً ..

انا ضد المركزية في الادارة ولكن وجود سياسات مركزية يعتبر امرا لابد منه..

الدول الرأسمالية العريقة تمارس دوراً مركزياً حازماً من خلال السياسات المالية والنقدية اضافة الى بعض التشريعات والانظمة التي تخدم الاقتصاد الوطني وتعزز النمو والتشغيل ورفع مستوى المعيشة.

 

د. صلاح حزام

 

 

عبد الجبار العبيديالشرعية هي الالتزام والتقيد بأحكام القانون، وهي اساس السلطة التي تحكم مجتمع معين وتمارس فيه الحقوق. ومشروعية السلطة تأتي من باب الأيمان بها وتطبيقها دون مصلحة شخصية أو انحراف سياسي معين، وهي تمثل العلاقة القانونية التي تختص بتطبيق الحق القانوني واقراره المُلزم للوطن والشعب،وكل التعليمات القانونية الصادرة من الاعلى الى الادنى.. بحق قيادة الوطن في التطبيق.. فأين من يحكمون الوطن العراقي اليوم منها..؟

والشرعية هي النظام او المنهج الواضح الذي يُرسم أو يُسن للناس في شؤونهم. وبهذا المعنى يفهم قول الشافعي (الا سياسة الا ما وافق الشرع). أي المنهج والنظام الذي أختارته الجماعة وأتفقت عليه وأرتضته لنفسها ميراثاً أو أكتساباً لصالحها وخدمة شؤونها لينتفع منه عامة الناس . من هنا يتبين لنا ان السياسة الاسلامية هي ما تقره الشريعة الحقة المعترفة بمساواة الحقوق ضمن صيرورة الزمن في التغيير،وهي بمنزلة الجزء من الكل. وفي الاسلام هي المبدا الاعلى والمنطق الاسمى الذي يتوج نظام الحكم الاسلامي،وهو التضامن الحقيقي بين الناس وهيئة الحكم في تنفيذ ما أمر الله به دون اعتراض.. مستبعدة تطبيق العدالة الأنفرادية بين عامة الناس خدمة للصالح العام .

والشرائع القانونية قديمة قدم الحضارات كما في العراقية واليونانية والرومانية، ففي الحضارة العراقية القديمة شريعة أصلاحات آوركاجينا، وشريعة آور نمو عند السومرييين،وشريعة حمورابي عند البابليين االمتمثلة، بمجموعة قوانين حمورابي الملزمة التنفيذ في وقتها والتي هي اكثر عدالة مما يطبق اليوم في ظل عدالة الاسلاميين الذين انحرفوا عن الشريعة الاسلامية واستبدلوها بشريعة السلطة الميتة المبتكرة ظلما على المسلمين . ،والمعروف ان حمورابي قد وضع في شريعته ما مجموعه 282 مادة قانونية في مختلف النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية. وتعتبر الشرائع العراقية القديمة من اقدم الشرائع العالمية.. وأفضلها وغالبية ما جاء به الاسلام من قوانين شرعية مُستل منها..  كما في :"العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص".

لكن الكلمة لم تظهر بمعناها الواسع الا في العصر الحديث بعد الثورةالفرنسية عام 1789 والنهضة الاوربية وحركات الفصل الديني عن السياسة حيث أصبحت ذات معنى عريض،ومكانة عظيمة، فهي تدل على سيادة القانون وحقوق المواطنين في الحرية والاخاء والمساواة في الدولة،وربما كانت جزء من مصطلح الايديولوجيا..  اي المبدأ والعقيدة والفلسفة التي يقوم عليها النظام المعاصر في بلد معين،ولربما أستعملت الشرعية بمعنى مطابقتها الفعل اوالعقد اوالقرار لنظام قانوني صحيح،فيكون شرعياً بهذا.. وليست شرعية المتدينيين الذين حصروا الحقوق بهم دون الأخرين والذين تجاهلوا ان العلاقة بين القديم والجديد هي علاقة جدلية يتبادل الاثنان فيها التاثر والتاثير وصولا الى حالة الاستقرار يلتقي عندها الاثنان في تركيب لا يشبه اياً منهما .

ولا يستطيع اي باحث او كاتب ان يتعرض لمعطيات شرعية دولة من الدول في النظام او القوانين،في الحياة الاجتماعية او السياسية او الثقافية لبلد معين،سواءًًكان هذا في الماضي او الحاضر،مالم يدرس او يبحث ويسلط الضوء على المنهج او الشريعة لانها تمثل طبيعة الفلسفة والقوانين التي كانت تحكم ذلك النظام،او هذه الدولة،في هذه الحقبة او تلك،لاننا لا نستطيع ان نتفهم كيان أسمه نظام أو دولة مالم نتلمس معنى دقأئق تلك الفلسفة أو المعتقدات التي أرتضتها الجماعة لتكون لها ميراثاً قانوني عَتيد.

ان الحكم في الاسلام اساسه التراضي او التوافق وفق مبدا الحق والعدل وليس مبدأ التفرد والأستغلال كما يعمل به اليوم في دولة اللاقانون،لأن الشرعية علاقتها واضحة بمبدأ الشورى والرضى عن المُولى يأتي عن طريق توليته وحقه الشرعي،ثم يكون المُولى أهلا للحكم وليس غاصباً له "كما يقول نوري المالكي: "أخذناها وبعد ما ننطيها"، أو كما قال الدكتور محمود المشهداني رئيس الحزب الاسلامي : "نحن جئنا كعصبة تفليش وتهديم لا بناء واصلاح"..  وهم يمثلون احزابا أسلامية تعاملت مع الخيانة الوطنية بعد التغيير. لان الخلافة او الرئاسة في المفهوم الاسلامي تمثل السلطة التي تقوم نيابة عن الرسول (ص) بالنظر في مصالح المسلمين - كل الشعب دون تمييز-حيث يعتبر الخليفة او الرئيس الحاكم الاعلى للدولة ويجب طاعته بشرط ان لا يخالف الوصايا العشر في الحقوق التي وردت في الفرقان شرطا مكتوبا عليه.

ويبقى الشرط مقرونا بشروط الكفاءة التي يجب ان يتمتع بها الحاكم وبأخلاقية التطبيق، منها العدالة والعلم وسلامة الحواس وسلامة الاعضاءوالشجاعة في قول الحق وحقوق الرعية والرأي المفضي الى تدبير المصالح للامة او الشعب. يقول الحق : "ألم*الله لا آله الا هو الحي القيوم* نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدىً للناس..  وأنزل الفرقان آل عمران 1-3". أي ان القرآن قد صادق على ما ورد في الكتابين السابقين،لأن الوحي لا يتجزأ في جوهرة الذي يأتي في أتفاق مع كل عصر.. من هنا فالشرعية الدينية واحدة لا تختلف يجب ان تطبق على الجميع لا كما فهمها فقهاء الدين الذين حول الاسلام الى مذاهب لا دين والتي لم يتفوه بها الامام جعفر الصادق ولا الأمام ابو حنيفة النعمان.. ومن لديه الاعتراض فليأتينا بنص ودليل. فحول الفقهاء الدين الى أديان ومن يتبعهم بالانفرادية بهم دون الاخرين.. فأذا جاء الدين من اجل الفرقة والأقتتال بين الناس وتدمير الحقوق والشتيمة للسابقين..  فلا اعتراف بدين من هذا القبيل.

اما التراضي والتوافق اللذان ينادي بهما من يحكمون اليوم باطلاً فقد حددت الشريعة المتكاملة له شروطا اقسى وأمر منها :ان لايُقدم المفضول على الافضل لاي سبب كان.. وان يُختار صاحب المنصب المتوافق عليه ممن تنطبق عليه شروط التولية وان يكون أمينا يتمتع بالسمعة والسلوك الحسن دون ان يحق لاحد مجاراته لاي سيبب كان. ،كما في رفض الامام علي(ع) تولية اخاه عقيل لعدم توفر شروط الطلب فيه. فأين نحن من تطبيق الشرعية الملزمة بالقرآن التي يدعون بها اليوم؟.. في دولة فقدت الشرعية القانونية في التطبيق.

لكن النقطة التي يجب التنويه اليها هو ان قادة الشيعة العلوية لا يلتزمون بهذا المبدأ العام في تطبيق الشرعية السياسية،بل بمبدأ شرعية التفضيل لاهل البيت دون سواهم وأهل البيت ابرياء منهم ومما به يعتقدون حين لا نجد نصا مقدسا في ذلك وان الامام علي قبل بولاية البيعة في التنصيب.. . حين جوزوا ان لا احد يسمى امير المؤمنين الا علي بن ابي طالب، ولا يجوز لغير الأئمة من نسل الامام علي وزوجه فاطمة الزهراءان يتلقبوا بهذ اللقب. لان كل أمام يوصي للذي يليه في الامانة،حتى يصبح المرشح الشرعي للوظيفة المقدسة ( السيوطي،اللآلىء المصنوعةج 1 ص 184-185). وماذا بعد انتهاء الأئمة الأثنا عشر.. ابتكروا قضية المهدي المنتظر لتبقى صلة الحكم فيهم الى يوم الساعة.. علما ان الامام الحسن العسكري(ع) مات دون عقب. ويقول كولد سيهر المستشرق الالماني في كتابه العقيدة والشريعة ان سورة الشمس بأدعاء الشيعة الامامية جاءت في القرآن بحق محمد وعلي والحسن والحسين (عقيدة الشيعة ص175). من هذا المنطلق فقد عدت الشيعة الامامية كل من يخرج على هذه المفاهيم خارجاً على المصادر الشرعية والارشاد الديني وقيادة الجماعة الاسلامية . وهذا يعني من وجهة نظرهم هم اولياء الناس دون غيرهم. فأي شرعية هذه التي بها يعتقدون. .

من هذا التوجه الخاطىء هم يعتقدون ان وجود الامام لكل عصر آمر ضروري برأيهم لا يمكن الاستغناء عنه لتنفيذ الشريعة واحقاق الحق وقواعده وأرساء العدل والمساواة التي جاء بها الاسلام وياليتهم يطبقون مبادىء الاختيار. وعلى هذا الاساس فالامامة واجبة وتنتقل بوراثة لا تنقطع للحائزين على هذه الصفات،لانهم كانوا لا يرون الحكومة الا ان تكون حكومة مقدسة ويا ليتهم كانوا اوفياء لاهل البيت كما يدعون بعد ان مسخوا تاريخهم الى ابد الأبدين بهذا الأنحراف السياسي البغيض والذي قل نظيره في العالمين غش وتزوير وسرقة وقتل وتدمير..  ان من يدعون بهذه القيم الشرعية أولى بهم ان يكونوا هم المطبقون لها وليس الخارجين عليها في كل آدوار التاريخ الاسلامي.. كما في الدولة المهدية في المغرب والفاطمية في مصر والبويهية في العراق.. ودولة الخيانة اليوم في العراق.

ان مسألة الشريعة والتشريع مسألة في غاية الدقة والاهمية بعد ان رأينا ان التجربة الكبرى التي بدا بها صاحب الدعوة قد توقفت بعد وفاته حين اشتد الخلاف على الرئاسة بين المسلمين كل يريدها له،وكأن الدولة اصبحت شركة قابلة للقسمة بينهم وليست لعامة المسلمين.

. ولقد خاض الفقهاء الذين لم يستوعبوا فلسفة الرسالة الدينية اثناء الخلافة الراشدة مساجلات ومناقشات ادى الى تشريد وقتل الكثير منهم،فكان الصحابي ابو ذر الغفاري وأبو عبيدة منهم،فكانت اول ثورة على الواقع المزري في الخلافة الراشدة كما سموها تجاوزا على التشريع.. حين بدأت اعوان الخلافة بتفريق اموال بيت المال على الاقربين والمحاسيب دون حسيب او رقيب كما نرى أحفادهم اليوم في عراق المظاليم.. وكما نشاهده اليوم في دولة الشيعة العراقيين الذين خانوا الوطن مع الاجنبي الذي يسمونه بالكافر والذين ركعوا على يديه قبل التغيير،ونهبوا اموال الناس وزوروا كل حق الى باطل بعد ان سكتت مرجعياتهم الدينية (المقدسة )عن الأعتراض سوى تلميحات لذر الرماد في العيون.. لا بل شاركت في الجريمة وشرعنة الاحتلال . وباعوا حتى سيف الامام علي للمحتل الكافر دون اعتراض من احد منهم.. هذا مبدأ خطير جر على الدولة الويلات..

وسط هذا الزحام من النصوص يقف المؤرخ حائرا في شرعية الدولة، فيختلط الحابل بالنابل وسط منهج دراسي لم يراعي اصولية المنهج ولا مسئولية العقيدة ولا حقوق الناس. واليوم كل يدعي انها له دون الاخرين وها ترى الفِرق تتقاتل والناس تجري من ورائها دون هدى ولا صراط مستقيم كما في دعوة مقتدى الصدر للحكم حتى حولوا الدولة الى فوضى المنتفعين.. من يعتقد ان الامة ستخرج من النفق المظلم فهو واهم فهل من مشروع اسلامي نهضوي جديد او ميلاد مجتمع جديد.. ؟

واليوم يطرح السيد برهم صالح رئيس الجمهورية الذي ولد من برلمان لم يكتسب الشرعية مشروعه الجديد.. واكتشاف القانون الذي يحكم الظاهرة الحالية لكي يفرض نفسه على مجتمع مزقته المصالح والانانيات،وأورثت فيه من العادات والتقاليد التي لم يأتِ بها الاسلام ابدا ولا شرعنها في شريعته هذا مستحيل لأن صاحب المشروع نفسه لا يؤمن بقاعدة أسس المشروع الجديد..  وهو الذي قال امامنا قبل التغيير في واشنطن انه لا يؤمن بوطن واحد للعراقيين.. فلا حل اليوم الا بحكومة وطنية تأتي بها انتخابات نزيهة وليست تحت سلاح احزاب الخونة والمارقين من قاتلي شباب تشرين الأبطال. وتنحية النص الديني في سياسة دولة المواطنين .

لقد اصبح من الصعب جدا ازاحة الخطأ الذي لم يتعلموا منه عبر العصور من رؤوس الناس بعد ان اعتقدوا بصحته عبر الزمن الطويل، ان الفكر المضاد الذي يريد ان يعالج الواقع الموضوعي عليه ان يعالج الكل الاجتماعي بظروفه وقوانينه التي تركزت في الاذهان . وهنا لابد من ان يسلك الطريق الصعب طريق الاستقراء والاحصاء والاستقصاء والتمحيص والتصنيف والتمييز بين الطبيعة الاصلية وبين الظواهر العارضة،أنظر ابراهيم الغويل،المشروع الاسلامي ص193).

هنا يقف الكل امام حيرة التطبيق ومن اين نبدأ؟ وكيف؟ ومن يستجيب؟ ويبقى السؤال المطروح،هل ان الاسلام يستطيع معالجة مشكلات العصر الحديث اليوم وسط هذا الضجيج العالمي الكبير؟ وهل لديه ايديولوجية ترقى الى هذا المستوى؟وهل لديه من المفكرين الاحرار الذين يستطيعون نقل الصورة الحقيقية للاسلام للاخرين؟ بكل صدق وصراحة بعيدا عن العاطفة الدينية،أقول: لأ..؟

. لأننا لازلنا نتعكز على التفسير والمفسرين القدامى وعلى فقهاءالبويهيين والسلجوقيين الذين فسروا القرآن وفق منطوق اللغة العربية القديمة التي لم تستكمل تجريدانها اللغوية على عهدهم بعد.. وفقه الفقهاء للقرون الثلاثة الاولى الهجرية.. الني جاءت لخدمة السلطة لا شرعية الدين ونظرية ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهمية ومراكز التوجيه الديني الحالية، لذا سنبقى نراوح مكاننا الى ان يرث الله الارض وما عليها. أذن كيف يجب ان نختار؟ هذا ما يجب ان نبحث فيه بروح التجرد لا بمنطق الفرق الدينية المتعارضة اليوم.. لا يوجد مستحيل لمن يحاول..  وهو يطلب الحق وان قل.. ولكن بقناعة المنطق لا بقناعة التهريج.

ان الذين استولوا على مفاصل الدولة من العدو الكافر كما يقولون لن يسمحوا للفكر ان يحضر لنقاش حقوقهم من عدمها.. لأنهم هم اصلا لا يعترفون بحقوق الاخرين.. وما دامت نظرية الدين هي التي تحكم يؤيدها المتخلفون والنفعيون لن نصل الى ما نرغب ونريد من وضوح الرؤيا في التنفيذ.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

سعيد الشيخيا سيدي يا الرسول العربي؛ في قلبي لوعة أمام دمعتك على أحوال العرب.

**

شعوب البلاد العربية لا يحبون الحقيقة بسبب انتماءاتهم الطائفية والعصبية.

**

أي حضارة تبدأ من العقل، إلا العرب يدخلونها من باب الاستهلاك.

**

ونحن نشهد موت الثقافة في البلدان العربية، نشهد موت العلماء.

**

في أزمان سابقة كانوا يحكمون وهم عقلاء أمّا اليوم يحكمون وهم عملاء.

**

بسلاح الغرب وبأيدينا جُعلنا أمة آيلة للاندثار.

**

ويل لمجتمع علماؤه اتّبعوا أهواءهم ومغريات الحكّام.

**

الديمقراطية طير

لم يهتدِ إلى الصحراء

الديمقراطية مطر

لا يهطل على العشائر،

ولا تجلبه صلاة الاستسقاء

**

الديمقراطية كنزة شتوية

لا يرتديها العربي

من شدة قيظ الصحراء وجفاف العقل

**

تغيّرتْ مدن العرب وازدهرت، ولكن العقل ظلّ متقوقعا في التيه.

**

لا تفسحوا لجاهل أنْ يتحكم بدفّة السفينة.

**

أحلام الأمة المحطمة الممدّدة كجثث، جسر إلى الانحطاط والتخلف.

**

أسوأ ما يمكن أنْ يصيبنا أنْ تتعوّد أرواحنا على الهزيمة، وتصبح هي العادي في حياتنا اليومية.

**

في بلادنا فقط

المجرمون يعلقون المشانق للأبرياء.

**

السؤال الآن:

كيف سقط العقل في بئر من النفط؟

***

ضيّعتنا الفتاوى

كثيرة هي كالطحالب وما منها رجاء.

**

ينادون بالشرعية.. حكام البلاد العربية

ولكن من هو الذي كان شرعيا من نتاج الديمقراطية؟

**

عباءة عن عباءة تختلف

عباءة تحتها الشهامة والنخوة والخير

وعباءة تحتها الخيانة والغدر والأذى!

**

الحاكم الفاسد لا يستطيع محاكمة الفاسدين

لأنهم أدواته في الحكم

**

– أمستبدٌ ومعشوق؟

لا بد من وجود خلل ما في المجتمع، خلل يفكك الرأي الذي يقول: إنّ زمن عبادة الأصنام الذي توارثناه من عهد الجاهلية قد انتهى.

**

الحياة البديهية ألا يكون البيت الذي يجاور بيتك مجرّد دبّابة.

**

حينما تنتهي الحرب ينبغي أنْ نفكر في ترميم أنفسنا قبل ترميم بيوتنا المدمّرة.

**

لطالما وقفت أمام الصحراء أسائلها

أيّهما أشدّ ظلمة، الظلاميون أم النظام العربي المستبد؟

**

لماذا يتهافت النظام العربي على أعتاب «إسرائيل»؟

لا أجد جوابا إلا كيفما الذباب يعرف طريقه إلى المزبلة.

**

سيّد هو الخراب في تفاصيلنا اليومية

يرمي ظلاله على كينونتنا التي تنفر منا

**

نتمسك بالحياة ونحن لم ننتج لها ما يوطّد علاقتنا بها.

**

سيركض العرب ويلهثون، ولكنهم لن يدركوا حضارة العصر.

**

أيتها الحرية.. هل تساوين كل هذا الخراب؟

**

لقد تأخرنا كثيرا في صناعة ملابسنا وسياراتنا وحواسيبنا، أفلا نسارع إلى إبداع وتطوير قيَمنا ومعاييرنا الإنسانية التي تؤهل لنا موطئ قدم في هذا الكوكب؟

**

لا يكفي أنْ نقول: انتصرنا

يجب أن نشعر بهذا النصر في حياتنا اليومية

**

المواطن العربي لا يعرف من النصر

سوى ما تقوله بيانات الأحزاب والحكومات

**

حين تمرض النفوس، كل شيء في حياتنا يستبيحه المرض، كل شيء حتى المحبة لا تعود تطرق أبوابنا.

**

في الأنظمة الديكتاتورية الحاكم يصبغ نفسه بهالة من الجلال التي تعود إلى الله فقط.

**

الديكتاتور يصدق نفسه بأنه هو مصدر الخير.

**

الدولة التي بلا سيادة، تبحث عنها في قهر الفقراء.

**

كيف نبحث عن التغيير في البدائل نفسها بين القوى والتيارات المهيمنة التي هي من الألوان المتفحمة ذاتها؟

**

الآن.. نحن مغيّبون في زمن يقف على طرف هاوية

نطلق النار على بعضنا بمسرّة

ولكن حين يكون لنا صحو

سنكتشف بأننا لسنا نحن، لسنا نحن من أطلق النار.

**

لقد بات الشتات العربي يشكل جرحا مفتوحا في جسد الأمة العربية يهدد الهوية الوطنية، بدون أي معالجة حقيقية تذكر من قبل الحكومات العربية التي تقف مشلولة تجاه هذا الموضوع. والنتيجة ستكون على مقدار من الخزي لو قارنّا سلبية هذه الحكومات مع ما تقوم به الحكومات الغربية التي تضع برامج وخططا تكفل للمهاجرين أن ينغرسوا أكثر في مجتمعاتهم الجديدة بعدما أمّنت لهم كرامة العيش، ممّا يمكّن القيّمون على هذه البرامج، تحقيق أهدافهم في المحافظة على الطاقة البشرية التي ابتلعتها حروب صارت من التاريخ.

**

تتطلعون إلى الأبراج وأرواحكم في الحضيض.. يا للعجب.

**

في عصور عربية قديمة كان المساس بالكرامة يستدعي الحروب، أما في عصرنا الحديث فأنّ الكرامة العربية باتت عنصرا مُضْمحّلا داخل النفس.

**

أي ثقافة يوم تعودون

وقد نسفتم في تباغضكم وحروبكم

كل فكرة عن الحياة

**

بعد كل هذا الخراب، ليس للعربي أنْ يسأل عن المستقبل، عليه فقط أن ينتظر يوم القيامة.

 

سعيد الشيخ

كاتب فلسطيني

 

كريم المظفر"موسكو مستعدة لقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في حال فرضه عقوبات تشكل خطرا على قطاعات حساسة من اقتصاد البلاد"... كلمات اطلقها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على الهواء عبر قناة "سولوفيوف لايف" على اليوتيوب، ضربة ثانية " هزت" الاتحاد الأوربي في معقله، اعتبرها الكثيرون "ضربة " في "الرأس"، أفاقت وعي الاتحاد الأوربي "المريض سريريا"، بعد خروج بريطانيا وتفكير دول أخرى بالحذو حذو لندن ، " والمهووس " بالعقوبات ضد روسيا منذ سبع سنوات لإرضاء واشنطن سواء بسبب او بغيره، وابتكار نماذج عديدة لهذه العقوبات ضد موسكو .

تصريحات رئيس الدبلوماسية الروسية " المخضرم " والعارف بدهاليز السياسية الأوربية، وحكمته ودهاءه في اختيار عبارات التخاطب، فقد استشهد بمثل روسي  "إذا كنت تريد السلام، فاستعد للحرب"، زاد من " لهجة " بلاده ضد الاتحاد الأوربي ، ليؤكد للغرب بأن لدى روسيا القوة الكافية لإسكات الأصوات " النشاز " الداعية الى فرض عقوبات جديدة على موسكو عل خلفية اعتقال " مريض برلين " ألكسندر نافالني والحكم عليه بالسجن بتهمة الفساد .

وكعادة الاعلام الغربي المسيس، فقد عرفناه بأنه دائما يختار العبارات المثيرة، واقتطاع ما يناسبه خدمة لأغراض سياسية، لتأجيج الرأي الأوربي والغربي ضد روسيا، وحاول تشويه تصريح الوزير لافروف، وكما قال الكريملين فقد تم تقديم هذا العنوان المثير بطريقة تصور روسيا وكأنها هي التي ستبادر إلى قطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي،، وأخذ منه ما يناسبه " روسيا مستعدة لقطع علاقاتها مع أوربا" وعلى مبدأ لا تقربوا الصلاة ... "، تعمد الاعلام الغربي الى حذف ما بعد هذه العبارة  وهي " استعداد موسكو لقطع العلاقات مع بروكسل .. إذا فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات تهدد مجالات حساسة في الاقتصاد الروسي ".

موسكو حاولت توضيح سوء الفهم الغربي للتصريح الروسي، وأكدت على لسان الكريملين أنها لا ترفض التفاعل مع الاتحاد الأوروبي، لكنها تستعد للأسوأ، وأن روسيا تفضل عدم قطع هذه العلاقات بل على العكس تقويتها، لكنها قد تضطر للذهاب إلى إجراءات متطرفة، في الوقت نفسه، فإن مجلس الدوما على ثقة من أن بروكسل سيكون لديها سبب كافٍ لعدم دفع الوضع إلى طريق مسدود، لأن الاتحاد الأوروبي نفسه سيعاني من انهيار العلاقات.

كلا البيانين يعبران عن شيء واحد - هو الرفض الروسي القاطع لإجراء حوار مع الاتحاد الأوروبي حول السياسة الداخلية الروسية، وأن كانت العلاقات مع روسيا ليست في أحسن أحوالها، وأن الموافقة على عقوبات جديدة ستتطلب قرارا بالإجماع من قبل جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، فإنها تشدد (أي موسكو) على أنها مستعدة لهذه الخطوة، على الرغم من عدم رغبتها في الاعتزال عن حياة العالم ، إذا رأت مرة أخرى، كما كان قد حصل مرارا، وأن العقوبات التي تفرض في مجالات محددة تشكل خطرا على اقتصادها وخاصة "قطاعاتها الأكثر حساسية".

وكما اسلفنا، فقد اصابت كلمات الوزير لافروف، الاتحاد الأوربي في "معقله "، والذي لا يتعلق ضغطه وسبب العقوبات الجديدة المحتملة بأي جانب من جوانب السياسة الخارجية لروسيا أو القانون الدولي، ولكن بشؤونها الداخلية البحتة -، وقصة مع زعيم المعارضة أليكسي نافالني، وصعبت تصريحات لافروف من فهم المتحدثة باسم الخارجية الألمانية أندريا ساسي، التي اعتبرت تصريح الوزير لافروف حول عدم استبعاده قطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بانها " غريبة وغير مفهومة" ، وتسارع المفوضية الأوروبية في الإعلان وعلى لسان بيتر ستانو، المتحدث باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بان "الاتحاد الأوروبي أخذ تصريح وزير الخارجية الروسي حول العلاقات مع التكتل بعين الاعتبار، كما أخذنا في الاعتبار التوضيحات التي صدرت عن الكرملين، وسنبحث كل ذلك في مجلس الاتحاد الأوروبي"، للتخفيف من" غضب " موسكو .

التصريحات الروسية " الحازمة " ارادات منها موسكو، التوضيح من خلالها أن إدراج قضايا السياسة الداخلية على جدول الأعمال، ناهيك عن الدعم المفتوح للمقاتلين ضد القيادة السياسية في البلاد، والذي كان الاتحاد الأوروبي يتظاهر به منذ أغسطس من العام الماضي، هو " خط أحمر" الذي لا يجب تجاوزه، وأن موسكو تسعى إلى حوار مع الاتحاد الأوروبي حول قضايا السياسة الخارجية، حول التحديات المشتركة (المناخ، انتشار أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب، البرنامج النووي الإيراني، القطب الشمالي)، مهتمة بالتعاون في مجالات مثل الطاقة والعلوم والتعليم والسياحة، ولكن بشكل قاطع غير مستعدة للاستماع إلى ما يجب أن تفعله محليًا.

المراقب للأحداث بين روسيا والاتحاد الأوربي، يرى ان ما يجري هو مثال على الانهيار النهائي للنموذج السابق للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، الذي تم تشكيله في أوائل التسعينيات ودخل في أزمة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنه لم يتغير منذ ذلك الحين، واعتمد هذا النموذج على دفع روسيا إلى الالتزام بقيم ومعايير وقواعد الاتحاد الأوروبي، ووفقًا لهذا النموذج، لا يزال الاتحاد الأوروبي يسمح لنفسه بمطالبة روسيا باتخاذ إجراءات معينة في السياسة الداخلية، ويأسف رئيس الدبلوماسية الأوروبية، جوزيب بوريل، على القول بأن "روسيا لا تريد أن تكون ديمقراطية على النمط الغربي "، ونطلق على هذا سببًا لفرض عقوبات جديدة ومراجعة لسياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا ككل.

تصريحات الوزير لافروف ، جاءت هذه المرة لمهمة التكتيكية للضغط على دول أوروبا الغربية الكبيرة (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا)، التي تؤكد باستمرار على الحاجة إلى الحفاظ على الحوار مع روسيا، وتخويفها بقطع هذا الحوار وبالتالي تقليل العقوبات الجديدة، وأحدث مثال على ذلك هو تصريح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس حول عدم جواز قطع العلاقات مع روسيا، ومن المفترض أنه بعد كلمات سيرغي لافروف، سيكافح ماس لتقليل العقوبات الجديدة بشكل أكثر حسم، وكذلك يدخل انتقاد عضو البرلمان الأوروبي الايرلندية كلير دالي تعامل الاتحاد مع روسيا، معتبرة أنه يستخدم قضية نافالني لتأجيج المواجهة الجيوسياسية مع موسكو، خدمة للمجمع الصناعي العسكري، وأضافت: "أنا لست أقل من غيري اندفاعا واستعدادا للدفاع عن حقوق أي إنسان، بمن في ذلك نافالني.. لكن دعونا نتحدث بصراحة عنه.. إنه عنصري.. معارض شرس للهجرة.. لو افترضنا جدلا أن 4% من الروس يؤيدونه وتشهد المدن الروسية الكبرى مظاهرات بالمئات بل وبالآلاف لأنصاره، كل ذلك لا يعني أن تلك الحشود جماهيرية عارمة، ولو كان (نافالني) اعتقل ليس في روسيا، بل في أي دولة أخرى، لما كنتم ناقشتم أمره هنا بين هذه الجدران".

إذا، فان القضية هنا بحسب العديد من البرلمانيين الاوربيين ليست قضية حقوق إنسان، بل مواجهة جيوسياسية مع روسيا يؤججها المجمع الصناعي العسكري الذي يبحث دائما عن عدو كي يبرر" نفقاته الضخمة"، وان موسكو ترى في التهديدات الاوربية هو إن المسؤولين في بروكسل يلجؤون إلى العقوبات كل ما يواجهون حرص روسيا ودول ذات سيادة أخرى التام على حماية مصالحها المشروعة ومنع التدخل السافر في شؤونها وعدم الانجرار " وراء مهندسي النظام العالمي الغربيين"، وتشدد على أنه "من غير المقبول إطلاقا " استغلال حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية وجعلها أداة جيوسياسية.

الضربة الروسية الأولى، والتي لا تقل شأنا عن الضربة الثانية، كانت في زيارة جوزيب بوريل إلى موسكو الأسبوع الماضي، والتي كانت تعتزم مناقشة التقدم المحتمل في العلاقات مع روسيا، والطلب بإطلاق سراح (نافالني) ، اعتبرها الاوربيون بانها كانت بمثابة إذلال لهم وللدبلوماسية الأوروبية بأكملها، بعد أن أزاحت موسكو يد بروكسل الممدودة جانبًا وأظهرت مرة أخرى ازدراءها لأوروبا، وكانت المباراة بين رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيب بوريل ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف غير متكافئة، واهان الوزير لافروف وفق المنظور الأوربي، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي، الذي كان ينوي مناقشة التقدم المحتمل في العلاقات مع روسيا، ليجعله مضطرا إلى انتقاد الحظر الأمريكي على كوبا، في حين أن موسكو، ودون إبلاغ المسئول الأوربي الزائر لموسكو، قامت بطرد الدبلوماسيين الأوروبيين من البلاد، وتجاهل المطالب الاوربية والحكم على " مريض برلين " بالسجن، لتؤكد من ان هذه الخطوة، لا تسلط الضوء فقط على سذاجة قيادة بروكسل تجاه الرئيس فلاديمير بوتين، لكنها تذكر أيضًا بالازدراء الذي يعامل به الكرملين أوروبا وممثلي مؤسساتها.

ووفقا للمراقبين الاوربيين فان نتيجة الزيارة، وضعت بوريل في موسكو في مكانه، وفي مكان الاتحاد الأوروبي ككل، وبشكل واضح وبشكل خاص - من خلال "تزامن عرضي" مع زيارته، فإن طرد ثلاثة دبلوماسيين أوروبيين "لأنشطة غير متوافقة"، أو بالأحرى، للمشاركة في احتجاجات غير قانونية "سوف تتراكم"، مع تجاهل واضح لكل السخط والتهديدات الأوروبية في هذا الصدد، والسؤال ما إذا كانت روسيا والاتحاد الأوروبي سيتمكنان من تحسين علاقاتهما على المدى القصير هو سؤال مثير للجدل إلى حد ما، فقد قيل في بروكسل أكثر من مرة إن تحسين العلاقات يعتمد على تسوية النزاع في جنوب شرق أوكرانيا من خلال تنفيذ اتفاقيات مينسك (التي ترفضها كييف)، وإلى أن يتم تنفيذ اتفاقيات مينسك، لن يتم تطبيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، اذن تصريحات الرئيس الروسي التي شدد فيها أن روسيا لن تتخلى عن دعم أهالي منطقة دونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، والتشديد على أنه "قبل اتخاذ أي قرار من الضروري التفكير في عواقب هذه الخطوة أو تلك"، قد تكون " الصفعة الثالثة " للاتحاد في غضون أسبوعين .

ومع ذلك، بالطبع، ستكون هناك عقوبات جديدة، والمزيد من تدهور التفاعل مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا مفر منه، والمبنى، الذي تم تشييده في 1993-1994، عندما كانت روسيا والاتحاد الأوروبي يتفاوضان بشأن اتفاقية شراكة وتعاون (المادة 55 منها تفترض تقارب التشريعات الروسية مع تشريعات الاتحاد الأوروبي)، انهار ولا يمكن إنقاذه، وانه ليس من المنطقي وضع الدعامات ومحاولة الاحتفاظ بجدار واحد أو آخر، ويجب أن ينهار تماما، وفي نفس الوقت، فإن "الانقطاع التام"، أي الرفض الكامل لأي تفاعل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، أمر مستحيل.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

عبد الحسين صالح الطائيعظمة العراق التاريخية وعبقريته الحضارية تكمن في موقعه الإستراتيجي في وسط منطقة الشرق الأوسط. ظل العراق طيلة تاريخه سهلاً خصيباً مفتوحاً ووطناً لإستقبال وتمازج لشعوب المنطقة. هذا الدور المركزي والإستقبالي هو الذي منح العراق هذه القدرة العجيبة على الإنفتاح والإبداع الحضاري.

تاريخ العراق فيه الكثير من العنف والخراب، بسبب سهوله الخصبة ونهرية الوفيرين وموقعه الجغرافي وإحاطته ببلدان جبلية وصحراوية، مما جعله يتعرض دائماً للإجتياحات والإحتلالات وعمليات التخريب، بالإضافة إلى غدر النهرين والفيضانات المدمرة. هذه العوامل جعلت العراق موطناً لأولى وأغنى الحضارات الإنسانية، حيث الخصب الروحي والإبداع الجمالي والعلمي. وهو أكثر بلدان الأرض في إحتوائه على عواصم ومدن حضارية خالدة، قدمت للبشرية أعظم الإنجازات: أور وبابل ونينوى والمدائن والكوفة والبصرة وبغداد.

دخل العراق في الإمبراطورية العثمانية عام 1534م، وإستمر حكم الأتراك على العراق حوالي أربعة قرون حتى نشوب الحرب العالمية الأولى. لقد أعتبر العراق من المقاطعات العثمانية النائية بعد أن إنتقل مركز العالم الإسلامي إلى إسطنبول حيث كان مقر خليفة المسلمين، وكانت الإمبراطورية العثمانية وبضمنها العراق تدار بواسطة الولاة الذين كانوا يديرون الولايات المختلفة التي يعينون لها بأمر من الحكومة المركزية في إسطنبول. وبصورة عامة كانت الإمبراطورية العثمانية تسير في طريق الإنحلال، ولم تكن إدارتها ناجحة فقد كان الجهل والفقر والأمراض متفشية بشكل كبير.

لم يكن الشعب العراقي راضياً عن سلطة الإحتلال العثماني، رغم محاولة الحكام العثمانيين تغليف حكمهم بإطار الدين الإسلامي. كان يسعى للتخلص من ذلك الطوق البشع، ظهرت عدة حركات وطنية ترمي إلى التحرر من رق وسيطرة الإحتلال التركي. ومحاولة إقامة حكماً وطنياً متحرراً من سلطة وهيمنة الأتراك. فقد قامت العديد من الإنتفاضات في الأرياف والمدن ضد الأتراك، أشهرها ثورة بغداد في 13 حزيران 1831م، وأعقبتها إنتفاضة المفتي جميل زادة جدّ أُسرة آل جميل في عهد علي رضا باشا بتاريخ 28 أيار 1832، كما قامت عدة إنتفاضات بقيادة شيوخ العشائر ذوي النزعة الوطنية التحررية، سواء في المنطقة العربية أو الكردية، ولكن الحكومة العثمانية كانت تلجأ إلى أقسى درجات العنف لقمع تلك الإنتفاضات، وتنفذ سلسلة من الإعدامات بحق الناشطين من الوطنين.

حدثنا التاريخ عن الكثير من الإنتفاضات، ولكنها كانت تحصد الفشل والإنكسار ومنها ثورة 1920 ضد الإحتلال البريطاني للعراق، لأسباب كثيرة أهمها عدم وجود قيادة موحدة منظمة للإنتفاضة، كان قادتها من القوى الفلاحية والعشائرية ورجال الدين. هذه القيادات بعيدة عن الطبقة البرجوازية التي إستطاعت أن تعي ذاتها وتنتج فكرها في الزمان والمكان المناسبين لتحرز الإنتصارات الكبرى في التاريخ. لم تكن في العراق طبقة برجوازية في المجتمع بالمعنى الواضح لأن قرون التخلف التي سيطرت عليه لم تسمح له بإنتاج طبقة صناعية حرفية مستقلة عن إرادة الدولة العثمانية كما حال الطبقة البرجوازية في أوروبا.

لقد وجدت الشعوب التي كانت تستظل بالراية العثمانية، بعد سقوط تلك الراية، إنها مقسمة تقسيماً جغرافياً وسياسياً وسكانياً، يعكس مصالح الدول الإستعمارية الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى دون أخذ رأي تلك الشعوب أو مصلحتها في ذلك التقسيم. هكذا جاءت الخارطة السياسية للمنطقة العربية مشوهة تحمل ألغاماً تتفجر بين حين وآخر. وفي هذا السياق جاء قرار حرمان الأكراد، على سبيل المثال، من حق تقرير المصير وفرض تجزئة الوجود الكردي بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. وبذلك عانى العرب والكرد والقوميات الأُخرى من تسلط الغرب الإستعماري ووعوده. لقد وجد عرب العراق وأكراده والأقليات الأُخرى أنفسهم يتشاركون وطناً واحداً اسمه العراق، ويعيشون قضية واحدة هي التخلص من الإنتداب البريطاني الذي تحول إلى معاهدات تربط العراق بالهيمنة الإستعمارية البريطانية.

أصدر الجنرال "مود" بلاغاً رسمياً عندما إحتل الجيش البريطاني بغداد، مؤكداً بإن الجيش جاء إلى العراق منقذاً محرراً لا فاتحاً مستعبداً. وأعقب نشرهذا البلاغ صدور بلاغات رسمية خطيرة من سلطات الحلفاء أهمها: التصريح الفرنسي- البريطاني الصادر في 7 تشرين الثاني 1918، الذي جاء فيه: "إن الحكومتين الفرنسية والبريطانية اتفقتا على تأسيس حكومات وطنية للشعوب المحررة التي هضم الترك حقوقها". لقد خدعت هذه الوعود الساسة والمفكرين لا في العراق حسب، وإنما أقطاب السياسة عامة في جميع البلدان العربية التي إنسلخت من الإمبراطورية العثمانية.

وبينما كان العراقيون ينتظرون تحقيق هذه الوعود وإذا بمفاجأة قرار مؤتمر الحلفاء في "سان ريمو" بتاريخ 25 نيسان 1920، الذي يقضي بوضع العراق وفلسطين تحت الإنتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي. كان القرار ضربة صادمة ونقضاً صريحاً للوعود والعهود. وعلى أثر ذلك تضافرت جهود العراقيين على المطالبة بحقوقهم المشروعة. عقدوا الإجتماعات السرية والعلنية في بغداد والنجف والموصل وغيرها من المدن العراقية. وسرعان ما تطورت هذه المطالب إلى ثورة مسلحة، كانت الحدث التاريخي الأبرز الذي سمي بثورة العشرين، التي مرت في مسيرتها بثلاث مراحل: أولاها تتمثل في الأحداث التي مهدت للثورة وهي الأحداث التي جرت في بغداد وكربلاء ودير الزور وتلعفر والموصل. والثانية تتمثل في الثورة المسلحة التي إنطلقت من الرميثة يوم 30 حزيران 1920. أما الثالثة فتتمثل في إنتشار الثورة في مناطق العراق الأخرى.

لم يسع الحكومة البريطانية، إزاء هذه الحالة، إلا أن إستبدلت حاكمها العام في العراق "سيراي. تي. ولسن"، المعروف بالشدة والغلظة، بشخصية "برسي كوكس"، الذي لديه معرفة وإلماماً بشؤون العراق. وصل إلى بغداد بتاريخ 11 تشرين الأول 1920، وأخذ على عاتقه إطفاء نار الثورة، وتأليف حكومة مؤقته برئاسة نقيب بغداد "عبدالرحمن الكيلاني"، بتاريخ 25 تشرين الأول 1920. جعلها تحت امرته وهيمنته. وأخذ يدرس مختلف الأساليب لمعرفة الحكم الذي يجدر ببريطانيا أن تقيمه في العراق.

تم دراسة قضية العراق في مؤتمر القاهرة الذي عُقد بتاريخ 12 آذار 1921، برئاسة وزير المستعمرات البريطانية "ولسن تشرشل". وتقررأن تؤلف فيه حكومة عربية برئاسة الأمير "فيصل"، تكون تحت الإنتداب البريطاني. وقررت الحكومة المؤقته في جلستها المنعقدة بتاريخ 11 تموز 1921، المناداة بالأمير "فيصل بن الحسين" ملكاً على العراق. وبعد إجراء التصويت علناً بين 15-22 تموز، اسفرت النتيجة عن أكثرية ساحقة ممثلة في 97% من العراقيين الذين بايعوا فيصلاً وإرتضوه ملكاً لهم. وتم إقامة حفل التتويج يوم 23 آب 1921، ألقى فيه الملك فيصل خطاباً مليئاً بالوعود. وعلى أثر إرتقاء الملك فيصل عرش العراق، إنسحبت الحكومة المؤقته، وحلت محلها وزارة جديدة برئاسة عبدالرحمن النقيب. وبقيت الصلات بين العراق وبريطانيا تسير سيراً متبايناً، تتحسن تارة وتسوء تارة. وكان الحكم خلال ذلك وطنياً بالظاهر، بريطانياً بالواقع، حتى دخل العراق عضواً في عصبة الأمم بتاريخ 3 تشرين الأول 1932، حيث إرتقت العلاقة إلى المستوى الدبلوماسي بين الطرفين.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

............................

المراجع:

- سليم مطر: العراق، سبعة آلاف عام من الحياة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2013.

-  نديم، شكري محمود: حرب العراق 1914-1918، شركة النبراس للنشر والتوزيع، ط4، بغداد 1954.

- د. عبدالحسين شندل: نظام الحكم في العراق وفق دساتيره الحديثة، المكتبة القانونية، بغداد.

- عبدالسلام متعب عيدان: النظام السياسي في العراق بين المحاصصة والطائفية منذ عام 1921-2003.

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج4، ج5، ج6، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

 

 

علي الدباغتنشر مجلة الإيكونوميست البريطانية مطلع كل عام ومنذ 2006 مؤشراً لوضع الديمقراطية في دول العالم المختلفة، وهذا الإصدار الثالث عشر من مؤشر الديمقراطية ويسجل مدى تحقق الديمقراطية في عام 2020،  والذي يستند إلى مؤشرات يحوي كل منها على خمس فئات قيمتها من 0-10 ويتم جمع درجات تلك الفئات الخمسة وتقسم لينتج منها المعدل والدرجة التي حصلت عليها كل دولة في المؤشر.

يوفر مؤشر الديمقراطية التابع لوحدة الاستخبارات الاقتصادية لمحة سريعة عن حالة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم في 165 دولة مستقلة وإقليمين. وهذا يغطي تقريباً جميع سكان العالم والغالبية العظمى من دول العالم (يتم استبعاد الدول الصغيرة).

مؤشر الديمقراطية يستند في تصنيفه على  الفئات الخمسة التالية:

1- العملية الانتخابية والتعددية

2- عمل الحكومة

3- المشاركة السياسيّة

4- الثقافة السياسية

5- الحقوق المدنيّة.

يتم تصنيف كل بلد على أنه أحد أنواع الأنظمة الأربعة التالية:

1- ديمقراطية كاملة

2- ديمقراطية معيبة

3- نظام هجين

4- نظام إستبدادي

يركز التقرير بصورة أساسية على تأثير فيروس كورونا (كوفيد-19(  على الديمقراطية والحرية حول العالم، و كيفية تأثير الوباء على الديمقراطية والحقوق المدنية في دول العالم، ويستعرض كيف إن الوباء أثّر على تقليص الحريات المدنية على نطاق واسع وغذى إتجاه قائم من التعصب والرقابة على الرأي المخالف.

كما يفحص التقرير حالة الديمقراطية الأمريكية بعد عام مضطرب هيمنت عليه ثلاثة عوامل هي:       جائحة فيروس كورونا، وحركة "حياة السود مهمة" وانتخابات رئاسية متنازع عليها بشدة .

المصدر: وحدة الإستخبارات في الإيكونوميست البريطانية EIU

https://d1qqtien6gys07.cloudfront.net/wp-content/uploads/2021/02/democracy-index-2020.pdf

جدول رقم 1 مؤشر الديمقراطية 2020 حسب نوع الحكم

2217 الديمقراطية 1

عدد سكان العالم يشير الى إجمالي سكان 167 دولة موضع بحث المؤشر

وفقًا لمقياس الديمقراطية، يعيش حوالي نصف (49.4٪) فقط من سكان العالم في ديمقراطية من نوع ما، وأقل (8.4٪) تعيش في "ديمقراطية كاملة".

هذا المستوى أعلى من 5.7٪ في 2019، حيث تم ترقية العديد من الدول الآسيوية.

يعيش أكثر من ثلث سكان العالم تحت الحكم الاستبدادي، مع وجود حصة كبيرة في الصين.

في مؤشر الديمقراطية لعام 2020، 75 من 167 دولة ومنطقة التي يغطيها النموذج، أو 44.9٪ من المجموع، تعتبر ديمقراطيات.

ارتفع عدد "الديمقراطيات الكاملة" إلى 23 في عام 2020، ارتفاعًا من 22 في عام 2019. وانخفض عدد "الديمقراطيات المعيبة" بمقدار اثنين، إلى 52

في مؤشر الديمقراطية هناك 57 دولة "أنظمة استبدادية"، ارتفاعًا من 54 في عام 2019، و 35 دولة مصنفة على أنها " أنظمة هجينة "، انخفاضًا من 37 في عام 2019.

كان التدهور في النتيجة العالمية في عام 2020 مدفوعًا بانخفاض متوسط النتيجة الإقليمية

في كل مكان في العالم، ولكن بشكل خاص تقع في المناطق التي يسيطر عليها النظم الإستبدادية،

في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. انخفضت درجاتهم بمقدار 0.10 و 0.09، على التوالي، بين عامي 2019 و 2020.

سجلت كل من أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية انخفاضًا في متوسط درجات إقليمية 0.06.

النتيجة الخاصة بآسيا وأستراليزيا، المنطقة التي حققت تقدما كبيراً خلال الفترة التي من عمر مؤشر الديمقراطية (من 2006) انخفض بمقدار 0.05.

في أمريكا اللاتينية انخفض متوسط الدرجات بنسبة 0.04 في عام 2020، مسجلاً بذلك العام الخامس على التوالي للانحدار للمنطقة.

انخفض متوسط النقاط لأمريكا الشمالية بنسبة 0.01 فقط، ولكن كان الانخفاض الأكبر بمقدار 0.04 في النتيجة الأمريكية يعدل منه تحسن في نتيجة كندا.

في عام 2020، سجلت أغلبية كبيرة من البلدان، 116 من إجمالي 167 (حوالي 70 ٪)، انخفاضًا في

مجموع درجاتهم مقارنة بعام 2019.

سجلت 38 فقط (22.6٪) تحسنا بينما سجلت 13 أخرى ركوداً، مع بقاء درجاتهم دون تغيير مقارنة بعام 2019.

كان هناك تحسناً مؤثراً لتايوان مثلاً التي انتقلت من الدرجة 31 الى 11 مسجلة تحسناً بـ 20 درجة، بينما كانت بعض الانخفاضات الدراماتيكية، مثل دولة مالي.

انتقلت ثلاث دول (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان) من فئة "الديمقراطية المعيبة" لتصنيفها على أنها "ديمقراطيات كاملة" ودولة واحدة، ألبانيا تمت ترقيتها إلى "ديمقراطية معيبة" من "نظام هجين" سابقًا.

فرنسا والبرتغال شهدوا انعكاسًا، حيث فقدوا وضع "الديمقراطية الكاملة" الذي استعادوه في عام 2019، وعادوا إلى صفوفهم من "الديمقراطيات المعيبة".

تم إقصاء السلفادور وهونغ كونغ من "الديمقراطية المعيبة" التصنيف إلى "النظام الهجين".

وفي أسفل الترتيب، خسرت الجزائر وبوركينا فاسو ومالي وضعهم كـ "أنظمة هجينة" ويصنفون الآن على أنهم "أنظمة استبدادية".

تتميز الدول العربية عدا تونس بأنها في أسفل سلم الديمقراطية ولا توجد أي منها في الدول الديمقراطية بل معظمها تقع في الأنظمة الإستبدادية عدا المغرب ولبنان فإنها تصنف بالأنظمة الهجينة.

ويبدو أن السياسات التي إتبعها الرئيس دونالد ترامب ونتيجة الانتخابات العامة الأمريكية كان لها تأثير مباشر في حالة الديمقراطية الأمريكية. ومن المرجح أن تؤدي إلى زيادة تفتيت المجتمع المنقسم بالفعل، ومواصلة تحويل المؤسسات التي تديرها الدولة في البلاد، إلى ساحة معركة للتحالفات السياسية والأيديولوجية.

2217 الديمقراطية 2

مؤشر الديمقراطية 2020 حسب المناطق الجغرافية

جدول رقم 2 - مؤشر الديمقراطية 2020

ديمقراطيات تامة

2217 الديمقراطية 3

2217 الديمقراطية 4

ديمقراطيات معيبة

2217 الديمقراطية 5

2217 الديمقراطية 6

2217 الديمقراطية 7

2217 الديمقراطية 8

دول بأنظمة هجينة

2217 الديمقراطية 9

2217 الديمقراطية 10

2217 الديمقراطية 11

دول بأنظمة إستبدادية

2217 الديمقراطية 12

2217 الديمقراطية 13

2217 الديمقراطية 14

2217 الديمقراطية 15

2217 الديمقراطية 16

ترتيب الدول العربية على مؤشر الديمقراطية العالمي 2020 بالمقارنة مع 2019

2217 الديمقراطية 17

ترتيب الدول العربية في مؤشر الديمقراطية 2020 حسب التوزيع الجغرافي

2217 الديمقراطية 18

تطور الديمقراطية عبر الفئات الخمسة للفترة 2008-2020

من الخط البياني المرفق نلاحظ التراجع الحقوق المدنية والمشاركة السياسية والإنتخابات والتعددية عبر العالم

2217 الديمقراطية 19

 

السفير علي الدباغ