ابراهيم أبراشبقدر الاهتمام الكبير بالانتخابات من كل قطاعات الشعب الفلسطيني شعبياً ورسمياً وحتى إقليمياً إلا أن حالة من القلق الشعبي تصاحب الإجراءات والاستعدادات وما تم اتخاذه من قرارات بهذا الأمر، ليس فقط من حيث فرص إتمامها في مواعيدها المحددة والتحديات التي تواجهها من أطراف خارج الحقل السياسي الفلسطيني سواء تعلق الأمر بإسرائيل أو أمريكا والدول المانحة وحتى دول عربية، بل أيضاً من حيث قدرة الانتخابات التشريعية على إحداث تغيير حقيقي في النظام السياسي وإخراجه من حالة العجز والانقسام .

لو كان الأمر يتعلق بانتخابات عادية في دولة مستقلة لكانت الأمور أكثر وضوحاً وطمأنينة، مع أنه حتى بالنسبة للانتخابات التشريعية في الدول العربية التي تجري فيها انتخابات فإن هذه الأخيرة لا تغيِّر في النظام السياسي كما لا تعكس حالة ديمقراطية لأن البرلمان الذي يُفترض تمثيله للشعب وتعبيره عن إرادته ليس صاحب سلطة وقرار، بل مجرد ديكور لإضفاء طابع ديمقراطي على نظام سياسي غير ديمقراطي وحتى مهمة التشريع والرقابة تكون بلا معنى أو قيمة لأن القرار في النهاية يبقى بيد السلطة التنفيذية والرئيس / الملك وبطانته، وفي بعض الدول بيد الجيش والأجهزة الأمنية .

والأسئلة المركزية حول الانتخابات في السياق الفلسطيني هي :مَن هي الجهة المقررة للانتخابات؟ ولماذا يريد الفلسطينيون الانتخابات؟ وما وظيفتها في النظام السياسي؟.

حتى لا نكرر ما سبق وأن كتبناه في عديد المقالات حول الانتخابات فإن الانتخابات كما هي مطلب شعبي فإنها مطلب وجزء من الاشتراطات الدولية ومنصوص عليها في اتفاقية أوسلو، والتحدي الكبير هو كيف نجعل الانتخابات مهمة نضالية لتحرير النظام السياسي من استحقاقات أوسلو ومن الاشتراطات الأمريكية والأوروبية ؟

الشعب الفلسطيني يريد انتخابات نزيهة لإحداث تغيير جذري في النظام السياسي وفي الطبقة السياسية في غزة والضفة حتى يتم إخراج النظام السياسي من أزماته المتراكمة الناتجة عن الاحتلال وممارساته وعن ويلات الانقسام طوال 14 سنة، وإحداث هذا التغيير لا يكون من خلال انتخاب أعضاء مجلس تشريعي فقط لأن المشكلة ليست في المجلس التشريعي لا المُنحل أو سابقه، كما أن المجلس أو البرلمان ليس صاحب قرار سيادي بل مجرد أداة ببد السلطة التنفيذية وخصوصاً عندما تقوم حركتا فتح وحماس وهما السلطتان الحاكمتان في الضفة وغزة بتشكيل القوائم الرئيسية أو بتشكيل قائمة مشتركة، هذا بالإضافة إلى أن الشعب الفلسطيني لا يقتصر على ساكنة غزة والضفة فأهلنا في الشتات يجب ان يكون لهم رأي وحضور، وأي حديث عن إرادة الشعب يجب ان تشمل كل الشعب .

الانتخابات التشريعية لوحدها لا تعني وجود الديمقراطية، وفي الحالة الفلسطينية الانتخابات التشريعية لوحدها لن تُخرج النظام السياسي من أزماته، وإن كانت تمهد لذلك، إنها مجرد أداة لتداول السلطة، والمجلس التشريعي ليس السلطة المقصودة، كما أن السلطة بحد ذاتها ليست هدفاً حتى تكون الانتخابات وسيلة لتوزيع مغانمها وامتيازاتها، بل هي في الحالة الفلسطينية أداة في سياق نضال الشعب من أجل الحرية والاستقلال وإن لم ترتبط العملية الانتخابية بهذا الهدف فلا قيمة لها .

التداول الحقيقي على السلطة أو تغييرها يجب أن يمس من يملك السلطة الحقيقية في النظام السياسي وهذه السلطة –إذا تجاوزنا إسرائيل- بيد مؤسسة الرئاسة واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح، وفي قطاع غزة السلطة بيد القيادات والأجهزة الأمنية والعسكرية والمرجعيات الخارجية لحركة حماس.  

لا شك أنه من حق حركة فتح وحركة حماس، اللتان تملكان السلطة الفعلية، تشكيل قوائم خاصة بهما وهما اللتان ستتحملان نتيجة استنكاف الشعب عن التصويت لقوائمهم في حالة تصدر هذه القوائم وجوه كالحة وفاسدة ، ولكن الشعب هو الذي سيدفع الثمن وسيتحمل المسؤولية أيضاً عن إعادة انتاج نظام عاجز وفاشل.

إن كان الشعب يتخوف من إعادة انتاج نفس النظام السياسي ومن عودة رموزه أكثر قوة لاستنادهم لمجلس تشريعي موال فإنه أيضاً يتخوف من عدم قدرة المجتمع وقواه الحية وكل من هم خارج الإطار التنظيمي للحزبين الحاكمين من تشكيل قوائم انتخابية قوية وتشكيل جبهة يمكنها منح الانتخابات قيمة ومصداقية وجعل المجلس التشريعي القادم به من التنوع ما يشكل قوة ضاغطة على السلطة الفعلية.

التخوف في هذا السياق أن تفشل القوى المجتمعية والسياسية خارج الحزبين الكبيرين في تشكيل قائمة موحدة تستطيع التنافس مع قائمتي فتح وحماس والقوائم الرديفة التي سيشكلها هذان الحزبان، وفي حالة تعدد القوائم قد لا تتجاوز أغلبها نسبة الحسم أو تحصل على مقاعد محدودة، وفي هذه الحالة لن يؤثر وجودها في البرلمان على السياق السياسي ولن تغير فيه بل قد تؤدي مشاركتها لتجديد شرعية الطبقة السياسية النافذة.

التخوف الأخير يتعلق بمستقبل المقاومة والشروط الأمريكية والإسرائيلية للقبول بالانتخابات وبنتائجها والتعامل مع الحكومة التي ستنبثق عنها، فحتى الآن كل الجدل والنقاش حول الانتخابات يتعامل معها وكأنها شأن فلسطيني داخلي ويتجاهل الاشتراطات الخارجية.

مع أن الرئيس أبو مازن في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في السادس والعشرين من سبتمبر 2019 قال بأنه سيجري انتخابات عامة مطالباً الأمم المتحدة وجهات دولية اخرى بالإشراف عليها إلا أن تحريك الملف مؤخراً له علاقة بالاستعداد لمفاوضات قادمة مع إسرائيل وبطلب إدارة بايدن بتجديد شرعية النظام السياسي، وواشنطن لا تريد انتخابات فلسطينية لأنها تريدنا أن نكون ديمقراطيين، بل تريد انتخابات تشريعية تشارك فيها كل القوى الفلسطينية وخصوصاً الفصائل المسلحة، لأن كل من سيشارك في الانتخابات وفي الحكومة الائتلافية التي ستُشكل بعد الانتخابات عليه الالتزام باتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل ووقف المقاومة المسلحة، وهنا سيكون التحدي لأنه سيتم فتح الملف الأمني والسلاح وجماعات المقاومة وخصوصاً في قطاع غزة، وفي حالة تمسك بعض القوى المشاركة بموقفها من المقاومة المسلحة وحقها بالحفاظ على سلاحها فلن يسمح لها بالمشاركة بالحكومة وإن شاركت سيكون مصيرها مصير حكومة إسماعيل هنية بعد انتخابات يناير 2006، أو استنساخ التجربة اللبنانية، فهل الفصائل التي ستشارك في الانتخابات مستعدة لدفع هذا الثمن؟.

وفي حالة رفض بعض الأحزاب ،مثل الجهاد الإسلامي، المشاركة في الانتخابات إن كانت هذا الأخيرة خاضعة لاشتراكات أمريكية وأوربية والالتزام بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، فهل يمكن لهذه القوى أن تستمر على نهجها بعد الانتخابات وأن تستمر في رفع شعار المقاومة والجهاد وخصوصاً إن شاركت حماس في الانتخابات وكانت جزء من الحكومة القادمة؟.

لا نروم من كل ما سبق نشر الإحباط والتشكيك بالانتخابات بل المرام معرفة ما نحن مُقدمون عليه لأن الانتخابات ليست مجرد استحقاق ديمقراطي أو فرصة للبعض لتحقيق مصالح شخصية من خلال عضوية التشريعي، بل تحدي وطني به يرتبط مستقبل النظام السياسي والقضية الوطنية برمتها، وفي حال فشلها قد تعود الحالة أسوأ مما كانت عليه قبل الانتخابات؟ وحوارات القاهرة في الأيام القادمة ستكون محورية وستكشف مدي المصداقية وحسن النية عند القوى المجتمعة وقدرتها على مواجهة الاشتراطات والمطالب الخارجية التي قد يتم عرضها على المجتمعين .

قد يقول قائل إن الانتخابات ستبدأ بالتشريع ويليها انتخابات رئاسية ثم (استكمال المجلس الوطني)، ونعتقد أن انتخابات الرئاسة ستكون أكثر تعقيداً حيث سيكون هناك تداخل ما بين الرئاسات- رئيس السلطة ورئيس الدولة ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية, وهذا موضوع سنتطرق له لاحقاً.

وأخيرا، ومع تلمسنا لكل المحاذير والمخاطر التي تهدد العملية الانتخابية، ولإيماننا بأن حركة فتح بقيادة الرئيس أبو مازن تقع عليها المسؤولية والرهان ولأنها تملك أوراق القوة داخلياً وخارجيا أكثر من غيرها، وهي التي ستتحمل المسؤولية في حالة نجاح أو فشل الانتخابات، نتمنى عليها في حالة إجراء الانتخابات النزول بقائمة واحدة من شخصيات وطنية حتى وإن كانت تخالفها الرأي في بعض المواقف وأن يكون على رأس القائمة الأسير مروان البرغوثي.

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الحسين شعبانكان برنارد باروخ مستشار الرئيس الأمريكي هاري ترومان أول من استخدم مصطلح "الحرب الباردة" في 16 إبريل (نيسان) عام 1947، التي تعني المجابهة العالمية الجيوسياسية والإقتصادية والآيدولوجية بما فيها الحرب النفسية ووسائل القوة الناعمة الإعلامية والثقافية والرياضية ضد الإتحاد السوفيتي السابق، وبعده جاء خطاب ونستون تشرشل  الذي ألقاه في مدينة فولتن بولاية ميسوري الأمريكية، ومع أنه لم يكن حينها رئيساً لوزراء بريطانيا، لكن فكرته سرت مثل النار بالهشيم حين طرح تشكيل حلف عسكري للدول الإنكلوساكسونية بهدف "مكافحة الشيوعية" وكان ذلك ترسيخاً لفكرة الحرب الباردة، حيثُ تأسس حلف الناتو في العام 1949 وبالمقابل أُنشأ حلف وارشو في العام 1955 من جانب الإتحاد السوفيتي وحلفائه .

وقد دامت الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية نهاية الثمانينات، وشهدت سباقاً محموماً للتسلح على الرغم من محاولات الطرفين البحث عن فرصٍ لتخفيض ترسانة الأسلحة عبر معاهدات واتفاقيات دولية جماعية أو ثنائية دون أن تخلو من عقباتٍ وكوابح تعكّر صفو علاقات "التعايش السلمي" وتزيد من سباق المنافسة التسليحية والتي كان آخرها ما عُرف بـ "مشروع حرب النجوم"الذي خصصت له واشنطن ترليوني دولار، وكان ذلك أحد أسباب فشل الإتحاد السوفيتي وتفكّكه في تلك المنافسة غير المتكافئة التي جرّته إليها الولايات المتحدة، خصوصاً في عهد الرئيس ريغان، إضافة إلى أسباب إقتصادية وسياسية واجتماعية وغيرها .

خلال شهر فبراير (شباط) الجاري 2021 سينتهي مفعول إتفاقية ستارت - 3  التي تمّ التوقيع عليها في 18 إبريل (نيسان) 2010  بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف، وقد توصّلت واشنطن إلى "إتفاق مبدئي" مع روسيا على تمديدها لخفض ترسانة الأسلحة النووية، علماً بأنها كانت قد طلبت من الصين الإنضمام إلى المفاوضات التي يشهد برنامجها النووي نموّاً مطرّداً، لكنه لا يقارن من حيث الحجم  بالترسانتين الأمريكية والروسية، حيث تمتلكان نحو 93 % من القنابل النووية في العالم، ويدرك الطرفان إن من شأن عدم تمديد المعاهدة رفع جميع القيود المتبقية على نشر رؤوس حربية نووية، وكذلك الصواريخ والقاذفات القادرة على حملها، مما سيؤدي إلى تأجيج سباق التسلح، ويزيد من حدّة التوتر ويعيد الأجواء إلى مناخ الحرب الباردة .

ولعلّ فوز جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس أوباما حين تم التوقيع على ستارت - 3 إلاّ أنه يعتبر روسيا العدو الرئيس والأول للولايات المتحدة، أما الصين فيعتبرها منافساً وليس عدواً، الأمر الذي قد يجعل العلاقات الروسية - الأمريكية تعيش أوقاتاً صعبة، على الرغم من توفّر الفرصة لتمديد إتفاقية نيوستارت - 3، وكان قد عبّر عن نيّته في تمديد المعاهدة خلال حملته الإنتخابية .

تعتبر ستارت - 3، واحدة من 9 إتفاقيات نووية وقّعتها موسكو مع واشنطن خلال العقود الماضية ويعود تاريخها إلى ستينات القرن الماضي، ومن أهمها معاهدة منع التجارب النووية وهي معاهدة متعددة الأطراف تمّ التوقيع عليها العام 1963 وما تزال سارية المفعول، إضافة إلى معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية لعام 1963 وهي معاهدة متعدّدة الأطراف تم تمديدها في العام 1995 وهي مفتوحةٌ وغير محدّدة بزمن .

ومن المعاهدات الثنائية بين البلدين معاهدة سالت - 1  و ABM و سالت - 2، الأولى تم التوقيع عليها في العام 1972 لغرض تجميد عدد قاذفات الصواريخ البالستية العابرة للقارات بين البلدين (لمدة 5 سنوات) في حين أن الثانية منعت إنشاء درع مضاد للصواريخ، أما الثالثة (سالت - 2) فقد تم التوقيع عليها العام 1979 بشأن الأسلحة النووية، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ، إضافة إلى معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى التي تمّ التوقيع عليها في العام 1987 بين دونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، وهي المعاهدة التي انسحب منها دونالد ترامب في فبراير (شباط) 2019، ومن المعاهدات المهمة ستارت - 1 (1991) و ستارت - 2 (1993) التي لم تدخل حيّز التنفيذ، وتكمن أهمية ستارت - 3 بتحديد عدد الرؤوس النووية بـ 1550 رأساً، وهي خاصة بالأسلحة الهجومية، وقد أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إستعداد بلاده لتمديد المعاهدة، كما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أهمية تمديد ستارت - 3، وذلك خدمة للسلم والأمن الدوليين .

وسيؤدي تمديد المعاهدة إلى تفعيل نظام الرقابة النووية وتخفيف حدّة التوتر في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادي وإقامة نظام مؤتمن في مجال التكنولوجيات، بما يطمئن واشنطن من إلتزام  موسكو بأحكام المعاهدة، ويطمئن موسكو من حسّاسيتها بنصب صواريخ نووية في بولونيا وأوكرانيا وتشيكيا وعلى حدود روسيا .

 

عبد الحسين شعبان

 

صائب خليلللكلمة بعدان، أو خاصيتان: البعد المعلوماتي والبعد التحشيدي.

البعد المعلوماتي هو بعد حيادي يقدم لك معلومة أما تكون حقيقة أو مزيفة، أما البعد التحشيدي فهو التوظيف السياسي للكلمة، فيمكن لمعلومتين متشابهتين وحقيقيتين، أن توظفا لتحفيز وتحشيد المستمعين باتجاهين مختلفين.

لنأخذ موضوع داعش. القول ان "كل الدواعش سنة" هو حقيقة، وكذلك القول: "حديثة حاربت داعش وقدمت الكثير من الشهداء"، هو حقيقة أيضا. أي ان العبارتين متشابهتان في بعدهما المعلوماتي، كونهما حقيقتين. أما في التوظيف كمحفز للمستمع، فهما متناقضتان تماما. الأولى تحشد الآخرين ضد السنة، وتوحي لمستمعها ان التخلص من السنة هو الطريق للتخلص من داعش، فتؤكد طائفية المعركة. والثانية على العكس، تحشد الجميع، سنة وشيعة، في جبهة واحدة ضحية لداعش، وتدعو للتفكير في البحث عن أساس آخر لتقسيم ساحة المعركة مع داعش غير الحدود الطائفية.

يحرص من يريد إقناع مستمعيه أن تكون كلماته صحيحة معلوماتيا، فيتجنب قدر الإمكان، الكذب والتزييف لأن هذا يهدد مصداقيته في حال اكتشافه، وفشله بتحشيد قرائه خلف الموقف الذي يسعى لترويجه. لذلك هو يحاول قدر الإمكان ان يكتفي باختيار "الحقائق" المناسبة لما يريده، وسيشعر إنه في مأمن حتى لو كان إنتقائياً بشكل واضح، فما يقوله يبقى حقيقياً بإمكانه الدفاع عنه ولا توجد إمكانية للومه وتسفيه موقفه. فمهما كان الاتجاه الذي تحشد له تلك الكلمة مرفوضا، يستطيع مروجها أن يدعي أنه انما يفعل ذلك من أجل "الحقيقة" وحدها، وحب الحقيقة وحدها. والحقيقة ان هناك كلمة محددة بالإنكليزية لاستعمال الحقائق من اجل الخداع هي:  paltering

مثلاً، لا تستطيع ان تلوم من يقول "كل الدواعش سنة"، لأنها حقيقة، حتى لو كنت واثقاً من إن توظيفه السياسي لها غير سليم. فهو قد اختار من بين الحقائق، تلك التي تؤكد طائفية المعركة، وقد لا تكون المعركة طائفية في حقيقتها العملية، أو ان الطائفية فيها طابع عرضي فرضته طبيعة مشروع التقسيم المراد للمنطقة، وأن للمعركة أبعاد أكبر أهمية منه. في هذه الحالة يكون رفع الصوت بهذه "الحقيقة" تشويشاً على الحقائق الأهم. وبالتالي فإن تلك الحقيقة "تظلم" الحقائق الأخرى وتأخذ حجماً لا تستحقه وتدفع الناس الى الموقف الخطأ.

يمكننا ان نأخذ امثلة أخرى على "حقائق" ظالمة ان أعطيت أكبر من حجمها، فحين يقال ان داعش تجد المكان الآمن في المناطق السنية لأن أهلها يمثلون "حواضن" طبيعية لداعش، يبدو كـ "حقيقة" معقولة جدا، خاصة لمن كان يسكن في الجنوب، بعيداً عن تلك المناطق. لكن حين نستخدم نفس المنطق لنقول: أن جوكرية تشرين تجد المكان الآمن في المناطق الشيعية لان أهلها يمثلون "حواضن" طبيعية لهم، سيكتشف هذا الجنوبي أن في الحقيقة السابقة خلل ما، وانها غير دقيقة، ويبحث عن تفسير آخر لتواجد الجوكرية في مدن الجنوب. وتستدعي الأمانة هنا ان يبدأ بالشك في "الحقيقة" الأولى عن حواضن داعش في المناطق السنية، لان المنطق الذي أسست عليه هو نفسه الذي اكتشف انه مختل.

نفس الأمر عن فرضيات منتشرة تبدو كـ "حقائق" مثل: "شيعة العراق لا يصلحون للحكم لانهم لم يقدموا اية حكومة جيدة" او "الشيعة لا يقدمون الا حكومات عميلة للأجنبي" أو "كل الحكومات العراقية الشيعية شديدة الفساد". كلها "حقائق"، لكن ربطها بـ "الشيعة" لا دليل عليه في الواقع، لأن الظروف التي حكم فيها "الشيعة" كانت تحت الاحتلال. لا يوجد دليل او مؤشر عقائدي او جيني لدى الشيعة يفسر هذه "الحقائق"، لذلك من حقنا أن نشك بأنها حقائق "ظالمة" اخذت غير حجمها، واستنتاجات غير صحيحة. فقد يكون الصحيح هو: "لا احد يستطيع ان يحكم جيدا في عراق تحتله اميركا وتسيطر على مقاليد الحكم فيه" و "إذا حكم السنة أو الشيعة في بلد تسيطر عليه اميركا فسيجبرون على وضع حكومات فاسدة وعميلة"..

هذا الاستنتاج او هذه المراجعة تتيح لنا ان نبحث عن تفسير آخر لما يجري بدلا من الاستنتاج المتسرع والسهل والذي تشجعه كل القنوات الإعلامية التي نعرف انها تم تأسيسها من قبل الاحتلال خصيصا لتضليل الناس في استنتاجاتهم ولإبعادهم عن اكتشاف دور الاحتلال في التدمير الممنهج للبلد.

وطبيعي أن هؤلاء الإعلاميين تم تدريبهم ويحصلون على النصيحة من اكبر وارقى المؤسسات الإعلامية في كيفية تحقيق ذلك واستغلال "الحقائق" (الظالمة) المناسبة قدر الإمكان والابتعاد عن الكذب المفضوح قدر الإمكان، مما يجعل اكتشافهم، فوق قدرة المواطن الاعتيادي، الذي تقدم له التفسيرات المناسبة للاحتلال، جاهزة وبلا حاجة للبحث والتفكير. فليست كل الفرضيات الكاذبة سخيفة وسهلة التفنيد مثل أن ايران تدعم داعش أو انها أنشأت مزرعة حمير لتبيع حليبها للعراق.

إذن، رغم ان من يريد تضليل الناس عن الرؤية الصحيحة، كثيرا ما يلجأ إلى الكذب، فأن هناك إمكانية كبيرة لأجهزة الاعلام المتطورة للاكتفاء غالبا بـ "الحقائق" الظالمة (او ما يسمى: حق اريد به باطل) لتحقيق هذا التضليل بإعطائها شكلا مناسبا او حجما اكبر او اصغر من حجمها، او انتقاء حقائق معينة مناسبة للتحشيد الذي يريدون.

ملخص ما جاء في المقالة، أن للكلمة بعدين دائما، البعد المعلوماتي (حقيقة او كذب) والبعد التحشيدي (السياسي، الموقف) وهما مستقلان الى حد بعيد. ولأن الكذب مرفوض اجتماعيا ويهدد مصداقية الإعلامي، يسعى من يريد الترويج لموقف معين الى الاكتفاء بـ "الحقائق" المناسبة، ثم يقوم بصياغتها بشكل يجعلها "حقائق ظالمة"، ويستنتج منها استنتاجات غير سليمة. هذا الأسلوب يجعل مهمة المستمع في اكتشاف الخطأ، وإيجاد طريقه الصحيح بين المتاهات أمر عسير، فيتركه للإعلام المؤسس لخداعه، والذي يستغل ذلك ليوجه له التحشيد الذي يريد.

 

صائب خليل

 

مهدي الصافيالانسان والوطن او التوطن، جزء من حقيقة غرس الجذور العصية عن الاقتلاع، تمر السنين، وتتغير الحضارات، ويكتب تاريخ جديد، ويبقى الوطن هو بيت الشعب او الامة الكبير...

الاديان السماوية ليست ابواب مشرعة لانتاج العقائد، ولايمكن لها ان تكون بديلا لمفهوم الوطن، هي مدخل ايمان العبد او المسلم بربه اي بالخالق، ولهذا تندرج او تنتمي عبارة العقيدة وفق رؤيتنا الخاصة الى كل حقول المعرفة، من الانجازات والابداعات الفلسفية والفكرية، والعلمية الانسانية العظيمة، منذ بدء الخليقة حتى يوم الفناء الاعظم..

العقيدة الوطنية هي احدى اهم الانجازات البشرية في تكوين المجتمعات، وصناعة الحضارة المدنية، مع انها كانت ترتبط قديما بالطقوس والاساطير والامبراطوريات (المقدسة ارضيا اي من قبل الشعوب والامم)، الا انها اليوم تحولت الى صيغ ومفاهيم واساليب مختلفة، حتى بات مثال ولادة امريكا (الولايات المتحدة الامريكية) من الشعوب المهاجرة، المتعددة الاعراق والاديان او الاثنيات والثقافات، دليل على نجاح البشرية في تكوين دولة الامة، بعد ان تتوفر لها عوامل واسس بناء الدولة العصرية الديمقراطية العلمية الحديثة،

بينما ترى الاخفاقات والانتكاسات الاجتماعية تعصف بالدول التي كانت قبل الحضارة الالكترونية امم موحدة، غارقة في الفتن والاضطرابات والقبليات او الانقسامات الاجتماعية، وفي العادات والتقاليد البدائية،

وبعودتها او سقوطها في وحل الجاهلية الاولى،

وكذلك زيادة المعاناة من، حالة الفشل والفوضى السياسية والادارية والاقتصادية، وانتشار الفساد والانحراف والانحطاط الاخلاقي، لاشيء يمكن ان يسعف هذه الحالة المزرية،

التي وضعت فيها شعوب تلك الدول الفاشلة، الا ان بصيص الامل يبقى عالقا في اذهان شباب واجيال المستقبل، هذه الشريحة التي وضعت وحشرت عنوة بين جبهتين، جبهة الماضي وعقائده المنتهية الصلاحية، وبين جبهة التحدي اليومي الذي تواجه به اوكار الفساد والجريمة المنظمة ومليشيات او مافيات عمليات غسيل الاموال، وصناعة الارهاب، والتخريب المتعمد للروح الوطنية العامة في الدولة والمجتمع....

لاشك ان انتشار عبارة العقيدة السياسية في الدول والمجتمعات المسلمة جاءت بعد حقبة الاستعمار، ومع بداية ظهور عصر الصناعة الحديثة، بعد ان كانت رديف او تابع مهمل للاديان والطوائف،

ثم اقتبست او استخدمت بعد ذلك في الفكر السياسي (على اعتبار ان الايديولوجيات العصرية اقوى من الاديان في عملية بناء الدولة والمجتمع المدني، التحشيد الوطني القومي غالبا ما يأتي بعد انهيار الدولة او في الحروب الدفاعية)،

فتحولت بعدها الى المؤسسات العسكرية والاحزاب او الحركات الثورية (التي كانت تضع قسم الانتماء كدليل على قداسة الفكر الذي لايختلف وجدانيا عن قداسة الدين)،

وتدرجت هذه التعابير او الاطروحات العقائدية عبر حقب ومراحل متتابعة، الى ان وصلت الى مابات يطلق عليه حديثا في الحضارة الغربية "القيم الاجتماعية الغربية او الديمقراطية العلمانية"،

في حين لازالت تعيش الدول العربية او الاسلامية في دوامة الفتن والموروثات، وهواجس العقائد وملحقاتها البينية (المذاهب والفرق والمدارس الفقهية المختلفة، واراء وفتاوى وقراءات رجال الدين)، الخ.

حاولت الحركات السياسية الاسلامية الحديثة ان تكون اكثر تحضرا من المدارس الدينية التقليدية، عبر الانخراط في العمل السياسي، والتنظير الايديولوجي (اي كانت تريد ان تطرح عقيدة سياسية اسلامية تواجه العقائد السياسية القومية او اليسارية)،

الا انها فشلت في اقناع الامة بأنها تمثل حالة او ظاهرة فكرية متطورة، يمكنها التفاعل بسلام مع الطرح الديمقراطي العالمي لادارة الدولة، او ان تتجاوز فكرة اقحام المجتمع في متاهات العقائد، (القديمة والمستحدثة)، وخطوط الدين الحمر، والاملاءات والتوصيات الجامدة المتكررة، وشروط، الحركة الاخلاقية اليومية للدولة والمواطن، الخ.

العراق بلد محطم وطنيا، عبثت بارضه وثقافة وحضارة شعبه الدكتاتوريات السابقة، وانظمة الفساد الكارثي بعد 2003، تلك التي اسست للانقسام الاجتماعي على اساس الطائفة والعرق اوالاثنيات والانتماءات او بقية الثقافات، وصولا للتمييز المناطقي والقبلي او العشائري، في حالة غريبة قل نظيرها في المنطقة والعالم،

انهارت معها منظومة القيم الدينية والاخلاقية والاجتماعية، حتى شعر الناس انهم في حالة قريبة من يوم قيام الساعة، وبدأت تنشد وتنجذب للقصص والروايات الاسطورية، وقراءة النجوم والطالع، ومتابعة مايرويه ادعياء التنجيم وفك شفرات الابراج، وقراءة المستقبل، وشيوع ظاهرة ولادة جماعات الحركات المهدوية، والترويج لقصص السفياني واليماني، وخروج المسيح الدجال، الخ.

ولكن ماذا يجلب الفساد والفقر والفشل والدجل، غير الخراب والدمار، غياب العقل والتشبث بالغيبيات والسرديات او الروايات الاسطورية، والفاقة والعوز والمرض، ولهذا لم تعد اسواق الاصطفاف الطائفي او الاثني، وصناعة لعبة العقائد مجدية او نافعة لاحد، بعد ان انكشفت لعبة الهيمنة والاستحواذ، وانفضح اداء وعمل الطبقة السياسية الفاسدة في حكومة المحاصصة والتوافق، والمشاركة المباشرة في تمزيق وحدة الامة، وهدم بناء الدولة ومؤسساتها واجهزتها ودوائرها، وتحويلها الى ضيع واقطاعيات عائلية، يحرسها جيش من المرتزقة، ومن المنافقين والانتهازيين والمشردين (ابناء العوز والحاجة ) ....

قد لاتكون دولة الامة موحدة بين الطوائف والاثنيات، وبقية المكونات في الدول الديمقراطية الفيدرالية، الا ان الانتماء الوطني حتى لو كان داخل حدود الاقليم او المحافظة والمدينة، لابد ان يكون ذوعقيدة راسخة مؤمنة بقدسية العمل والبناء الوطني، لا ان يصبح الولاء والتخابر والتجسس للاجنبي عملا واسلوبا مبررا تحت شعار الشراكة العقائدية الهجينة، في حين ترفض هذه الدول التي يتواطئ معها بعض ضعاف النفوس من ابناء الوطن، ان تمس عقيدتها الوطنية والقومية (او ان تؤمن بنظرية تبادل المصالح والمنفعة بين الدول) ..

الدول الاقليمية الكبرى (تركيا وايران) هي دول متعددة الثقافات والانتماءات والاثنيات، لديها اصرار على ديمومة احياء الحضارة والثقافة او التراث الامبراطوري القومي، واعتبارها عقيدة سياسية للحفاظ على دولة الامة، لكن في المقابل ترى حالة من الانقسام والتشتت، والتورط في الازمات والاختلافات المفتعلة بين الدول العربية، مع عجزها التام عن الشروع بعملية اعادة احياء الحضارة العربية والاسلامية، لمواجهة التحديات المحدقة بدولها ومصير انظمتها وشعوبها،

فهي لم تقدم حتى الان اية نماذج حقيقية متقدمة لبناء دولة ديمقراطية قابلة للاستمرار، او البقاء حتى في الظروف الاعتيادية، اغلب ان لم تكن جميع بلداننا العربية هي مشروع جاهز للفتنة، واندلاع الحروب الاهلية والطائفية، او الانحدار نحو التجزئة والتقسيم او الفدرلة (الان دعوات في اصغر البلدان العربية لبنان لتشريع التقسيم الفيدرالي الطائفي والاثني، لعجزعهم عن ايجاد صيغة موحدة لبناء الدولة، ليس لان الشعب مقسم، انما لان الطبقة السياسية الحاكمة فاشلة )،

فلاتوجد عندنا سلطات دستورية مستقلة، او سلطة قضائية نزيهة نسبيا، او كاملة الصلاحيات، فكل شيء خاضع في بلادنا للتسيس والمساومة والابتزاز او التهديد...

ماذا نفعل؟

سؤال كبير ومهم جدا اطلق في جميع البلدان العربية بعد ثورات الربيع العربي، وتجربتها المريرة مع الحركات الاسلامية، وانتشار الارهاب والتكفير والدواعش في مناطق النزاع والتوتر المسلح (العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان وبقية الدول) ..

الطرق اصبحت مسدودة امامهم، كما يبدو لهم ذلك بعد تجربة الاسلام السياسي (السني الشيعي)، في الحكم، وتصاعدة حدة التنافس بين عقيدة الوطن، والعقائد والايديولوجية البدائية الاخرى..

من خلال التجربة والتاريخ والواقع، نجزم ان الشعوب العربية كانت دائما تقدم عقيدة الانتماء الوطني على بقية العقائد (بما فيها الدينية او الطائفية)، وخير دليل انخراطها العفوي في نضال حركات التحرر العربي للخلاص من الاستعماراواسط القرن الماضي،

صحيح كان رجال الدين الى جانب تلك الثورات، وحركات التحرر الوطنية، لاعطاء دافع معنوي وشرعي لها (على اعتبار ان مفهوم الجهاد في الاسلام واجب مقدس في الدفاع عن الارض والعرض والمال، وان القتيل فيها يعتبر شهيدا) في مواجهة الاستعمار،

 او حتى الانظمة العميلة او الظالمة، لكنها لاتمثل بديلا سياسيا، او نموذجا متقدما لعلاقة الدين بالدولة، لان غريزة الدفاع عن الحقوق الخاصة والعامة، لاتقتصر على دين او طائفة او شعب او امة دون غيرها، اي انها، ظاهرة انسانية طبيعية، تحتاج في احيان عدة الى مقومات معنوية وروحية لكسب المعركة او تحقيق النصر في المواجهة....

الحلول المنطقية للاحداث والانتكاسات الوطنية المصيرية ليست ترفا سياسيا، هي في المقام الاول عمل فكري نخبوي ثقافي جماعي، ثم تأتي بعدها مراحل مهمة، من العمل السياسي المنظم، لتهيئة الاجواء والارضية الوطنية الخصبة، لدعم خطوات اتساع رقعة تأثير الثورة الشعبية الشاملة،

مع انها قد تبدو في بداياتها وكأنها ردود افعال فردية او نخبوية معزولة او تجمعات شعبية منفصلة، هي جزء من حركة دوران العالم، اي دورة طبيعية من سنة الحياة او من، صيرورة الكون المتغير، التي تكمن في التفكير والمحاولة والبحث والتجربة، هكذا بدأت الاكتشافات العلمية كما يقال بعد المحاولة جاءت التجربة وظهر الانجاز او الابداع..

الشعوب العربية مطالبة بالبحث الجدي عن ايجاد الحلول لبلدانها المحطمة، كما تبحث عن الخبز، وتنظر وتتطلع الى الرفاهية، عليها ان تعمل ليل نهار على ايجاد المخلص، والمنقذ الفعلي العملي، وليس التنظير للكسل وثقافة الاحباط واليأس، وانتظار الفرج بالمعجزات والخرافات، والصبر الذي يقود الى الانبطاح والاستسلام، لا الى الاستعداد والتحضير والقوة...

قطار الحضارة يسير بالسرعة الفائقة، وهم واقفين عند اعمدة التراث المتحجر او الميت، يتفرجون على نهب ثرواتهم، وضياع دولهم، يسرق من اجيالهم الامل والطموح والتفاؤل والمستقبل،

دون ادنى حركة او رفض او رد ولو باضعف الايمان، حتى وجدت نفسها في وضع تأريخي كارثي، بالذهاب الى التطبيع مع اسرائيل لمواجهة القوى الاقليمية الكبرى، بينما تركت مسألة تشخيص الخلل، والسبل الكفيلة في معالجة هذه الانهيارات المتتالية...

هناك عدة عوامل واسس منطقية علمية خاصة بالدول العربية (والعراق تحديدا، لانه اسوء النماذج السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية العربية بعد 2003)،

لابد ان يتم مراجعتها نخبويا وشعبيا، والتثقيف عليها اجتماعيا، لكي يتم من خلالها فهم اليات العمل الوطني، للخلاص من حالة الفشل العام في تكوين دولة الامة المتماسكة، من هذه العوامل او المراحل، التي تعد بمثابة اعمدة او ركائز التأسيس الاساسية لبناء اي مشروع سياسي جديد او لدعم ولادة الحركات والاحزاب التنموية الاصلاحية الوطنية في بلدانهم، من هذه العوامل:

اولا: مفهوم او مبدأ فصل الدين عن الدولة:

الاديان التي وصلت الى القرن الواحد والعشرين هي اديان شعبية بأمتياز، يضاف لها في كل زمن او حقبة مقدسات ارضية او اضافات شعبية شخصية او فئوية (اي عبر رجال الدين او جماعات وفئات صغيرة تقدم مفهومها وقراءاتها الخاصة للدين، فتصبح بعدها طائفة او فرقة او ملة، وهذا يحدث في جميع الاديان السماوية، في الاسلام والمسيحية وحتى اليهودية)،

فالمؤسسات الدينية او الفقهاء ومراجع المذاهب والطوائف والفرق تعطي لنفسها احقية مقدسة في الافتاء والتأويل والاختلاق، اذ لايوجد وفق منطقها اي قوة على الارض يمكن ان تعترض او تنتقد او ان تختلف معها من خارج اسوار الحصن الديني، هم وكلاء الله (عزوجل) على الناس، يحق لهم التفسير والفهم والافتاء الديني، ولايحق لعوام الناس ان تسأل اوتعترض او حتى ان تستفهم عن "الالتباسات العقائدية"، الخ.

ابعاد الدين عن السياسية لاتعني بالضرورة عدم الايمان بقدسيته او وجوده او اهميته في بناء المنظومة الاخلاقية للمجتمع،

الا ان المفهوم العلماني في بناء الدول المتحضرة هو الحياد، او الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والامتثال العام للدولة او السلطات الدستورية لخيارات الشعب او رأي الامة العقلاني (حتى في الثورة الايرانية بعد عام 1979 خضع اختيار شكل النظام الجمهوري، لرأي الاغلبية الشعبية، لكن الخلل الاصرار يكمن في الابقاء على هذا الخيار، دون السماح للمواطنين بأعادة تقييم ومراجعة خياراتهم السابقة بعد التجربة الطويلة معه، التي تجاوزت الاربعة عقود) ...

لا عقائد فوق عقائد الوطن، فالانسان بلا ارض امنة، اوبلا، نعمة الصحة والامان النسبي في وطنه، لايمكن ان يصلح اسلامه او ايمانه،

وامام الشعوب العربية تجربة الحضارة الغربية، التي يطمح كل انسان عربي ان يلجأ لبلدانهم، ليس بحثا عن حياة الغرب اليومية، انما من اجل الامن والاستقرار النفسي والاجتماعي وحتى المادي...

الدين يمثل حالة روحية نفسية وانسانية وعقلية فردية، لايحق لاية قوة على الارض ان تأخذ مكان الانبياء والرسل ع، او ان يصنع مذهب اقرب للدين الجديد، ليفرض على الناس طريقة عيشهم ولبسهم وأكلهم وشربهم،

ويضع في كل يوم خط احمر جديد بأسم المحرمات او المكفرات، الخ.

الحضارة الانسانية العالمية تفوقت على مايطلق عليه من حدود شرعية في الاسلام، وهذا يتم بأرادة الله عزوجل، الذي من حكمته انه لايسمح للاقوام والشعوب والمجتمعات المتخلفة، ان توقف عجلة الحضارة، تارة بحجة الدين او المذهب، وتارة اخرى بحجة العقائد والموروثات، والعادات والتقاليد والبيئة الاجتماعية السيئة، لكل شيء قانون في الحضارة الغربية،

بل ان عقوبات الاغتصاب والاعتداءات والتحرشات الجنسية تعد في مقدمة الجرائم، وهناك قيم اجتماعية رائعة في مجتمعاتهم، ليست مثالية او تمثل حالة فرعية عن مفهوم المدينة الفاضلة، لكنها قطعا افضل بكثير مما هو موجود في بلداننا، وعابرة لهم باشواط ومتقدمة عليهم بعقود او قرون..

ثانيا: لاعقائد او ايديولوجيات فكرية او اثنية او طائفية في السياسية غير عقيدة الوطن، التي يمكن لها ان تستثمر تجارب الدول والامم الناجحة في بناء قاعدة عقائدية سياسية وطنية تنموية عامة، لاتستثني طائفة او مكون او اثنية او ثقافة معينة،

هي باب وطني مفتوح للتقدم والازدهار، تدعم النخب السياسية النزيهة، وكل الشباب الطامح نحو المشاركة الفعلية في بناء وطنه على اسس علمية صحيحة،

تمنع عمليات تجويع واذلال وافقارالشعب، وتحويله الى قطعان طائفية او اثنية، يسهل السيطرة عليها والاستثمار السياسي بها

 (اقرب لمفهوم مناعة القطيع السياسي، اي كل مكون او طائفة او جهة سياسية، تبني ليها جماعة القطيع المغلقة عليها، تحركها وتوجهها وفق مصالحها الانتهازية الحقيرة، وتدخلها حتى في مسارات تضر بالقطيع نفسه، كالحروب والنزاعات المسلحة المتبادلة، او في التصفيات والتطاحن الداخلي لهذه القطعان المؤدلجة، الخ.) ..

عدم توفر العدالة الاجتماعية وفرص العيش الكريم الادنى للمواطنين، لايمكنها ان تساهم ببناء دولة الامة، هذه هي اسس دولة المافيات والاقطاعيات والدكتاتوريات الاستبدادية (حتى وان كانت هناك مظاهر وجود دولة ديمقراطية دستورية، لكنها غير حقيقية على ارض الواقع والتطبيق، هي خاضعة لسياسة الكذب والتضليل والتزوير والفساد العلني احيانا)، التي تستغل حاجة الناس وفقرهم لادخالهم في اسلوب المساومة والابتزاز، والاختيار بين الدخول في جماعة القطيع او البقاء وحيدا في دوامة البحث عن لقمة العيش..

ثالثا: الدول النفطية وصاحبة الثروات الطبيعية لايجوز لها التخلي او بيع القطاع العام للقطاع الخاص، انما عليها استغلال ثروات الشعب في زيادة الرفاهية الاجتماعية العامة، وتحسين مستوى دخل الفرد، وتطوير البنى التحتية عبر جذب الخبرات والشركات الاجنبية العملاقة، والعمل على ابعاد القطاع الخاص الاستثماري عن ثروات الامة الثابتة (الارض وثرواتها الطبيعية واملاك الدولة)، ومنع التنافس على شراء املاك الدولة، واستثمار ثروات الاجيال القادمة، وترك له حرية العمل في مجالات محددة او مشتركة مع القطاع العام، بغية تطوير الكفاءة والقدرات المحلية

رابعا: الفكر التنموي الاصلاحي في بناء الدولة والمجتمع، يرفع من المستوى الاقتصادي والمعاشي للدولة والمواطن، يعمل على تبني خطط خمسية وعشرية لتطوير قطاعات الصناعة والزراعة والموارد البشرية والثروات الطبيعية، واعتماد الشعارات العملية لبناء عقيدة احترام الخصوصيات الوطنية، فالنخلة ونهري دجلة والفرات تعد من الشعارات الوطنية المهمة لبناء شخصية الامة المعنوية،

اضافة الى الاهتمام بالاثار والمقدسات الاسلامية التاريخية، وكل الموروثات المهمة، وحتى الاصناف الزراعية الوطنية النادرة،

وتشجيع الابقاء على الحرف والمهن اليدوية التراثية، والبيئة في عالم الاهوار والحيوانات البرية والبحرية والطيور،

تعزيز دورعائدية الكائنات والمخلوقات المتوارثة في ارضنا، هي تعد بمثابة الحملة الوطنية لاحياء الفلكلور الشعبي الموروث للامة،

فكما هو معروف في الفلكلور الشعبي العالمي، الذي لازالت اغلب شعوب وامم الارض تفتخر بتاريخ وحضارة وشعارات وموروثات بلدانها، تتعمد اظهار التسمية والتشخيص المحلي لثقافاتها، ورفع الشعارات الشعبية او التراثية فوق شعارها الوطني، (وقد حملت اغلب اعلام الدول تلك الظاهرة الوطنية الطبيعية، اي وضع صورة الطيور او الحيوانات والاشجار والنباتات المشهورة في بلدانهم على الاعلام الوطنية) ...

خامسا: فلسفة بناء الدولة الحديثة، عقيدة وطنية خالصة ونقية، خالية من الشوائب الموروثة، تلك التي لازالت عالقة بخيط رفيع في شباك الماضي، المشدود بقسوة حول رقاب الاجيال الالكترونية (القبيلة والعشيرة او الدين والطائفة او العرق والاثنيات، الخ.)،

هذه الفلسفة لابد ان تصبح بعد الايمان بضرورة وجودها في عقل ووجدان المواطن (بغض النظر عن التحصيل العلمي او المستوى الاجتماعي او المادي، وغيرها من الحسابات الاجتماعية)، عقيدة وطنية ثورية، الغاية منها وضع الدولة والمجتمع على طريق البناء السليم المتين، وابعادها عن المخاطر والكوارث والهاوية،

فالفشل لا يقع على طبقة او جهة او فئة او جماعة معينة، انما تتحمل اوزار الاخفاقات والانهيارات الوطنية، جميع طبقات ومكونات وفئات الشعب، بما فيها الطبقة السياسية الفاسدة، التي حجبت عنها كثرة الاموال المنهوبة من خزينة الشعب، الرؤيا الحقيقية لما تفعله بأوطانها وارض اجدادها، وبشخصيتها المعنوية والاعتبارية،

فالانسان المتحضر اصبح يستمد قوته من قوة الدولة وكفاءتها الادارية والاقتصادية وحتى الخدمية، فضلا عن الامنية والعسكرية وبقية المجالات، يعبر حدود الدول بهيبة ومكانة جواز سفره، مقارنة ببقية مكانة وتقدير هويات دول العالم....

المعلم والاستاذ الجامعي، والعامل والفلاح، والقاضي والمحامي، والمهندس والصيدلي، والمفكر والاديب،

والرياضي والفنان المبدع،

 والسياسي والاعلامي،

وربة البيت والكاسب،

والرجل والمرأة،

لابد ان تبدأ عقولهم وقلبوهم في تخصيص مساحة كافية لتنمية فلسفة الدولة في اذهانهم، وبناء ثقافة العقيدة الوطنية، التي يراد منها ان تجلب الامن والامان، والعلم والعمل والازدهار، فليس من فلسفة البشر، ولا من نتاج الحضارات والاساطير القديمة، وادبيات الامم، والاقوام السالفة، ان تكون غاية الشعوب الفرهود والفوضى، او صناعة الثروات والزعامات فوق رؤوس الفقراء والايتام والارامل، وان تتحالف وتتداخل الاقطاعيات المالية الجديدة مع السياسة والدين، لتنتج ثقافة اجتماعية عكسية مشوهة، لايرى منها غير الانانية السادية، والتوحش، ومانسميه الظاهرة القارونية..

قد تكون من ثقافة الانظمة الشمولية الضغط بقوة على النخب وبقية طبقات المجتمع الواعي لاجبارها تجنب الاقتراب من السياسة، والترويج لعبارة السير الى جانب الحائط،

وهي للاسف تعتبر من الثقافة السائدة حاليا في بلادنا، وتحتاج لفترة من الزمن حتى يمكنها ان تعود الى وضعها الطبيعي، فكل شيء في الوطن مرتبط بشكل واخر بسياسة ونظام الدولة،

ولعل الانظمة الديمقراطي هي اكثر النماذج الابداعية السياسية الانسانية، تعطي هذه المساحة الواسعة المرجوة من كل انسان حر، لابداء الرأي، وطرح المقترحات، والاستماع لرغبات الشارع، وقد تكون ثقافة استطلاعات الرأي المعمول بها في الحضارة والانظمة الديمقراطية الغربية،

وتقارير وتوصيات واصدارات مراكز البحوث الاستراتيجية، بمثابة السلطة الرابعة، او الاستشارية الثانية بعد المستشارين العاملين رسميا مع الحكومات او الانظمة الديمقراطية العريقة، على العكس من انظمة الاستعباد والاقصاء ومصادرة حريات الشعوب واراداتها الوطنية، فالفرق واضح جلي بين الحرية الديمقراطية، وبين الاستبداد الشمولي، اي بين الحياة الطبيعية، وبين الموت البطيء ...

سادسا: فلسفة الثورة الدائمة، هي حالة انسانية فطرية لاصلاح الانسان لنفسه، ومن ثم اصلاح المجتمع الصغير، والانتقال للدائرة الاوسع في الدولة والعالم، كما كانت تفعل الحضارات القديمة، ومافعله بالطبع الانبياء والرسل والمصلحين من الفلاسفة والمفكرين،

ففي القرية الكونية المترابطة عبر شبكات التواصل الالكتروني، التي بات المرض والفيروسات الالكترونية والطبيعية (كفايروس كورونا) تؤثر به بطريقة اسرع من اي وقت مضى، صار التسابق العلمي والتجاري والاقتصادي هو سلاح واداة التنافس والتفوق وبسط النفوذ والهيمنة العالمية او الاقليمية،

وبدون ان تصعد طبقة العلماء والكفاءات والاذكياء والنخب الابداعية المفكرة الى قمة هرم الدولة، لن ترى شعوبهم اي تطور او تقدم وتفوق ملموس..

الثورة ليست بركان هائج، او معركة لقلب الطاولة على رؤوس الناس، هي محاولات جادة وحثيثة لتغيير الواقع البائس،

الذي يشعر به عموم المواطنين قبل ان تلمس اذاه وتأثيراته النخبة المثقفة، التي غالبا ماتحسن بناء وضع معاشي جيد لها، او اجتماعي امن نسبيا،

لانها طبقة متعلمة يمكنها الحصول على وظائف او فرصة عمل حكومي او خاص، فمن الصعب ان تعرف هه الطبقة ماساة ومعاناة الطبقات المهمشة، واجيال العشوائيات المحرومة، الا اذا كانت تعيش فيه اوساطها، فمن هذه المجتمعات تنطلق شرارة الثورات،

هذا لايعني ان النخب مسؤولة عن اهمال ذكر او متابعة تلك الظواهر الاجتماعية السلبية، على العكس لانها تعيش حالة الثورة الاصلاحية منذ ان تقدمت طبقات المجتمع وتنوعاته الى الامام، فأصبحت تمثل الوجه الوطني الحضاري للدولة والشعب، لكنها لاتملك عصا سحرية لانقاذ المجتمع، مالم يخرج الناس من حالة البؤس والضياع الى ساحة الثورة واعلان او ر فع قائمة المطالب والحقوق العامة.....

سابعا: الايمان بأن الله سبحانه وتعالى مع الخير الذي تجاهد وتناضل من اجله البشرية الصالحة، ولايرحم المتخاذلين والمنافقين والانتهازيين، اواعوان الفاسدين والظلمة، وعلى الناس ان تختار طريقها منذ بداية النضوج العقلي، وبزوع بذرة الوعي الثقافي،

اما مع الخير او مع الشر، لاتوجد منطقة للحياد او وسطى في هذا العالم، وقد عايشت اغلب الشعوب قساوة الانظمة الدكتاتورية الشمولية ضد المجتمعات المسالمة (المحايدة)، مثلما يأكل الراعي مايشاء ومايشتهي او يختار من قطيع الانعام التابعة له، تأكل ادوات الانظمة الدكتاتورية او الفاسدة كل من يقع او يقف امامها مما يعتبره قطيع البشر، المستسلم له ولحماقاته وشراهة نزواته وغرائزه..

لايحتاج جهاد النفس، والنضال من اجل العدالة، واستراجاع الحقوق، ونيل الحريات المستلبة، الى مذاهب وفرق، او فتوى دينية، او فقيه او رجل دين، او مليشيات او جماعات المقاومة والدفاع المقدس،

الشعوب المتحضرة تعرف ان الانجازات العظيمة في الدول المتطورة، هي من تحملهم مسؤولية الدفاع المقدس عن بلدانهم،

وترفع من معنويات المقاتلين والمتطوعين،

دولة الامة الموحدة لاتحركها الشعارات الحربية الحماسية، او اي فتوى دينية او مذهبية لاعلان الجهاد والنضال،

انما هي غريزة طبيعية مشتركة بين جميع المخلوقات او الكائنات، يمكن ان تموت او تبرد لاسباب وظروف قاهرة احيانا،

او قد تكون مجرد كسل او حالة اللامبالاة، او حتى نتاج البيئة الاجتماعية العشوائية المنكسرة، لكن في نهاية المطاف الشعوب والامم تدافع وتقاوم وتناضل من اجل البقاء، وليس من اجل حماية الامبراطور او المسؤول او الطبقة الحاكمة...

ثامنا: الحزب الاصلاحي التنموي الوطني او حركة اعادة بناء العقيدة الوطنية:تلك هي هواجس ومخاضات الحراك الشعبي الثوري العربي، فالمائدة او الطاولة العربية السياسية الثورية المعارضة لشكل الانظمة الشمولية السابقة، وللولادة المتعثرة المنتكسة للديمقراطية البدائية (التي استحوذت عليها الحركات الاسلامية الفاشلة والفاسدة) بعد الربيع العربي، تضع عليها فكرة بناء الديمقراطية العلمانية اي العلمية، وضرورة فصل الدين نهائيا عن الدولة (بما فيه رفع عبارة ان الشريعة الاسلامية اساس التشريع او احد مصادر التشريع من الدستور)،

ومنع تكوين الاحزاب والحركات والتيارات الايديولوجية، ورفض كل اشكال التنظيمات السياسية المبنية على اساس ديني او اثني او طائفي، لايمين ولا يسار ولا وسط.

احزاب وتيارات سياسية تتنافس من اجل خدمة الشعب، وتنمية موارده، ورفع المستوى المعاشي والاخلاقي والخدمي والعلمي والصحي والامني وفي بقية المجالات، لها برامج وخطط وطموحات اقتصادية وتجارية وادارية تنهض بالدولة، وتضعها على طريق التنافس الدولي المشروع في الصناعة والزراعة والعلوم التكنولوجية والفضائية....

الحاجة للفكر والثقافة والوعي قبل الانخراط بالعمل السياسي الوطني الكبير، هي الغذاء الروحي والمعني لحركة الجماهير وتعبئتها، حتى وان بدأت عبر تشكيلات وتنظيمات فردية مشتتة (كما حصل بعد ان تحولت انتفاضة تشرين العراقية المستمرة الى العمل التنظيمي المنقسم او المتنوع)،

منها من قد يثبت نجاحه في الشارع، ولو بنسب محددة او وفق التوزيعات او التشكيلات، المناطقية، واخرى قد تختفي بزمن قياسي،

لكنها بالطبع تعكس الرغبة في التغيير، كحالة طبيعية لاستثمار الاندفاع والحراك السياسي الوطني الجديد، الرافض لمايحصل من فساد وتخريب وتدمير متعمد للدولة والشعب،

لأظهار الشخصية الحضارية الوطنية العربية او العراقية، اذ لايمكن ان تكون من حكمة الانسان العاقل ان يجلس وسط بركة دماء او مياه اسنة،

لمجرد انه امتلك المال والسلطة،

لا يفعل ذلك الا الانسان المريض نفسيا وعقليا او جاهل خسيس قذر، استحوذ عليه الشيطان فملأ قلبه بالحقد والانحطاط وكراهية الناس والحياة، كيف يقبل ان يعيش هذا الزعيم او ذاك المسؤول في مدينة او بلد تسرق منه اموال تعبيد وتنظيف الطرق والبيئة، وتنهب اموال الادوية وبناء المستشفيات والمدارس وبقية الخدمات، بل كيف يقبل ان يرى طوابير العاطلين عن العمل تجوب شوارع المدن، بحثا عن اية فرصة لكسب القوت اليومي، ويرى استجداء فقراء الاشارات الضوئية، وضياع الايتام والارامل والمشردين، ولا ينفجر ثائرا ليل نهار بوجه الفساد،

وينتفض من اجل الانسانية لانقاذ مايمكن انقاذه من حالة الضياع الاجتماعي للطبقات المسحوقة، بينما ترى في الحضارات الانسانية الرائعة زيادة في حجم التبرعات والدعم المادي والغذائي او الدوائي، وارسال مختلف المساعدات الى ابعد منطقة او قرية من دول العالم الفقيرة، لايمت لها بأية صلة غير صلة الانسانية...

تاسعا: الثورة الاصلاحي ليست ثورة المواجهة او التغيير المسلح، او لتصفية الحسابات، وتكرار تجربة الاقصاء والابعاد، واحياء ثقافة بدوية قبلية قبيحة في الثأر والتصفية والاذلال، هي محاولة اصلاحية شاملة، تتسع للجميع، تلم الشمل ولاتفرق، تؤمن بالعفو والتسامح ولغة السلام والمحبة، وترفض اساليب الغوغاء والهجمية والعنف البربري، لان الوطن بحاجة ابناءه، ولايؤمن بنزع هذا الحق عن احد، مهما كانت انحرافاته او جرائمه او تجاوزاته، القضاء اولى بهذه المهمة...

عاشرا: العقيدة الوطنية فوق الانتماء القبلي او العشائري او المناطقي: لايمكن ان تبني القبائل او العشائر دولة مدنية امنة متحضرة مستقرة، وهي عاجزة عن ايقاف النزاعات والتوترات والمواجهات العشائرية فيما بينها، هي احد ضحايا الانظمة الفاشلة، فظاهرة فرص الفصول والديات اصبحت في الحضارة الغربية جزء من منظومة التأمين المالي الحكومي او الخاص على الحياة او جراء الحوادث والكوارث الطبيعية او المفتعلة، لايشعر المواطن هناك ان حياته غير امنة في الشارع او حتى في البيت، ولو اطلعت العشائر العراقية على التعويضات المقدمة للضحايا سواء من الدولة او شركات التأمين لاصابها العجب..

الدولة والادارة السليمة الناجحة قادرة على تخليص المجتمع من الصراعات والمشاكل والتوترات والاعتبارات الاجتماعية المحرجة....

لا تقل اني عاجز عن النهوض والثورة والتغيير

ولاتقتنع بما يقوله السفهاء بأن الشهداء فقدوا ارواحهم لاهداف غير عملية او واقعية،

ولايخاف اصحاب الحق من الباطل، مادامت هذه الارض تحمل فوقها وتضم تحتها المجاهدين والمناضلين والصالحين الاحرار،

الذين هم ورثة وخلفاء الارض والحياة، لهم الدنيا وبالطبع الاخرة....

 

مهدي الصافي

 

 

تتخبّط الطبقة الحاكمة في لبنان، في كل مجالات السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وبناء الإدارة العامة، والتربية والتعليم، ويظهر تخبّطها جليّا للقريب والبعيد، ، فهل هذا التخبّط جديدًا، وطارئًا ، ام انّه ملازم لوجودها؟ وتعبير قاطع عن فشلها؟. وكيف يمكن الخروج من المآزق الكبرى التي يعيشها اللبنانيون نتيجة فشل وتخبط هذه الطبقة؟.

القارئ الموضوعي لتجربة هذه الطبقة، منذ ما بعد اتفاق الطائف، في اوائل تسعينيات القرن الماضي، لم يفاجأ بحجم التخبط والفشل، بل المفاجأة كانت لماذا تأخر الانهيار الى هذا الوقت؟ وكيف استطاعت هذه الطبقة ان تداري فشلها حتى أتت على كل مقومات الدولة، وعلى أموال الناس ولقمة عيشهم.

لقد رسم اتفاق الطائف عام 1989، طريقًا لإعادة بناء الدولة بعد حرب قاتلة لمدّة خمسة عشر عامًا. وهذا الاتفاق، جاء ثمرة طروحات مختلف أطراف الطيف اللبناني، حيث انتصرت وحدة لبنان على طروحات التقسيم، والتفتيت، والفدرلة، وكان يُفترض ان يكون الحكّام وطنيّون، وحدويّون، ديمقراطيّون. لكن بسبب التحالف الإقليمي الدولي المُهيمن آنذاك، تسلّمت الميليشيات والمافيات مقاليد السلطة، فجرى الإلتفاف على اتفاق الطائف، ولم تُطبّق بنوده، ولم يتم الإلتزام بالمواعيد التي حدّدها، كإطار زمني للوصول الى دولة المواطنة بدل دولة الطوائف والمذاهب.

كمثال على ذلك: غاب الإنماء المتوازن، فتم تهميش المحافظات، ولم يتم النهوض بالمدن وبالعاصمة تحديدا، غاب الإهتمام بالزراعة والصناعة والإنتاج، وذهب الجميع الى اقتصاد ريعي هجين.

تعمقّ التعصّب المذهبي والطائفي، باعتماد قوانين انتخابيّة مناقضة لما ورد في اتفاق الطائف، ولم تنشأ الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، ولم يقم مجلس الشيوخ. والمجلس الاقتصادي الاجتماعي تم تحويله الى فولكلور، وكذلك مجلس محاسبة الوزراء والنواب، وحيل دون قيام سلطة قضائيّة مستقلّة. اما الإدارة العامّة فاستُبيحت، وهُمشّت المؤسّسات الرقابيّة، وحل التعاقد الوظيفي مكان الكفاءة، والخبرة، والجدارة، والتجرّد عن الأهواء والعصبيّات والمحسوبيّات. لم يبنَ تعليم رسمي، ولم يُحصّن مستشفى حكومي، ولم تُشق طرقات، بل تضاعفت الديون العامّة مئة ضعف، باقتصاد ريعي، تعاون في انجازه حاكم مصرف مركزي، وجمعيّة مصارف، وحيتان مال، وتجار سياسة، وبائعو أوهام، وإعلام مأجور وتابع.

هل يمكن الخروج من كل هذه المآزق؟ وقد تم إفشال تحرك 17 تشرين 2019 ؟. الجواب نعم، لكن الطريق طويل وشاق، ولن يستطع سلوكه المترددون، والخائفون، والتابعون، والمزايدون، والمغامرون، والمقامرون.

الطريق يُختصر باعتماد مطلب واحد، يُشكّل المدخل للتغيير والتطوير وضمان حقوق الوطن والمواطن.

فلبنان يتبع النظام البرلماني، ولا سبيل الى تغيير هذا النظام، ولا مصلحة في تغييره. اذن بداية الطريق: قانون انتخابي وفق ما جاء في الدستور: نسبي، وعلى أساس المحافظة، ودون قيد طائفي، وبضوابط صرف مالي. لقد كان مفترضًا الغاء طائفيّة مجلس النواب، بعد ستة عشر عامًا على انتخاب اول مجلس نيابي بعد الطائف، وقد انتهت المهلة. بالمقابل يتم انتخاب مجلس شيوخ على أساس طائفي كما ورد في اتفاق الطائف وتُناط به حقوق الطوائف، بينما يُناط بالمجلس النيابي حقوق المواطن.

ان اجتمع الثائرون، والديمقراطيون، ودعاة بناء لبنان الوطن لا المزرعة، على هذا الهدف، تكون مسيرة الإنقاذ قد بدأت بخطوتها الأولى على طريق الألف ميل.

ان وحدة المطلب تضيّق مساحة الاختلاف في الاجتهادات، وتجعل تحقيقه اكثر يسرًا، وتقلّل التجاذبات والتدخلات الخارجيّة، في حين أن طرح جميع المطالب في وقت واحد يؤدّي الى المثل الشعبي: من كبّر الحجر ما صاب.

 

عدنان برجي

مدير المركز الوطني للدراسات في بيروت

 

كريم المظفرلم تكن المكالمة الهاتفية الاولى التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، في السادس والعشرين من يناير الماضي، مجرد مكالمة هاتفية لتقديم التهاني، بل كانت مكالمة مهمة بالنسبة للروس، الذين ارادوها ان تكون بمثابة "التطبيع" للعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الذي سيخدم مصالح كلا البلدين والمجتمع الدولي برمته، والعلم بمسؤوليتهما الخاصة عن دعم الأمن والاستقرار في العالم، واعتبروها بانها بمثابة  " فاتحة خير" للبلدين، لان الرؤساء ناقشوا مجموعة واسعة من الموضوعات بشفافية وبصراحة بحسب الكريملين، والاتفاق على تمديد معاهدة تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها (ستارت)، وعلى عكس التصريحات السابقة بأن عملية التصديق ستستغرق وقتًا طويلاً، فقد تم الاتفاق على تسوية جميع الإجراءات الشكلية في أقرب وقت ممكن.

وبشكل عام، كانت المحادثة بين قادة روسيا والولايات المتحدة من وجهة نظر المراقبين، ذات طبيعة تجارية وصريحة، ويلخص بيان الكرملين انه "تم الاتفاق على الحفاظ على الاتصالات"، وبمبادرة منه، كما قالت المصادر لوكالة أسوشيتيد برس، ان المحادثة تمت بعد تواصل موسكو مع واشنطن حيث أيدت الولايات المتحدة فكرة المحادثة، لكن جو بايدن قرر أولاً الاتصال بقادة بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا، وكذلك الأمين العام لحلف الناتو.

الرئيس جو بايدن اتصل بالرئيس بوتين، لمناقشة رغبة الولايات المتحدة في تمديد ستارت لمدة خمس سنوات، وللتعبير عن دعمها القوي لاستقلال أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي المستمر، ولإثارة قضايا مهمة، وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جينيفر بساكي على الفور نوع القضايا المهمة التي تتم مناقشتها: ( قرصنة SolarWinds والهجوم الكبير للقراصنة في نهاية عام 2020، والذي ألقت فيه الخدمات الأمريكية الخاصة باللوم على روسيا)، حول "الجوائز الروسية لرؤساء الجنود الأمريكيين في أفغانستان" حول "التدخل في الانتخابات" في الولايات المتحدة في عام 2020، وتسميم زعيم المعارضة أليكسي نافالني والإجراءات الصارمة ضد المتظاهرين السلميين، وأكدت ان الرئيس بايدن شدد على أن " الولايات المتحدة ستتصرف بشكل حاسم للدفاع عن مصالحنا الوطنية ردًا على أفعال روسيا الخبيثة " .

المكالمة، بحسب موسكو، ركزت على "قضايا الساعة في الأجندة الثنائية والدولية"، وبحث في إمكانيات التعاون في مكافحة مشكلة حادة مثل جائحة فيروس كورونا، وكذلك في مجالات أخرى، بما في ذلك التجارة والاقتصاد، في الوقت نفسه، يتم توضيح الكلمات على جدول الأعمال الدولي: موضوع انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الأجواء المفتوحة، و "الاتفاق النووي" الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة، خطة العمل الشاملة المشتركة)، و "التسوية الأوكرانية الداخلية"، والمبادرة الروسية عقد قمة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي تم التطرق إليها.

وبعد هذه المكالمة الهاتفية تقدمت موسكو بنوايا " حسنة " تختبر بها " النوايا" الامريكية، وجسدتها في العديد من التصريحات للمسئولين والدبلوماسيين والنواب الروس وعلى كافة الاصعدة، بالإعراب على استعداها لفتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون مع واشنطن، لحل جميع المشاكل العالقة والقضايا الدولية، والوصول الى تفاهمات مشتركة تخدم مصالح  البلدين، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين رحب بتمديد العمل بالمعاهدة الجديدة للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "نيو ستارت" لخمس سنوات واعتبرها "خطوة في الاتجاه الصحيح "، ولم يستبعد الكرملين إمكانية أن تراجع روسيا عن قرار الانسحاب من معاهدة "السماء المفتوحة"، وبعد المكالمة الهاتفية بين الرئيسين .. وافق البرلمان الروسي بغرفتيه (الدنيا والعليا) على مشروع قانون خاص بتمديد المعاهدة، ووصفه بأنه يتوافق مع المصالح القومية الروسية ويتيح الحفاظ على شفافية العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن، خطوة رحبت بها العواصم الاوروبية والصين وسط أمال بأن تفتح الباب نحو توافقات أخرى بين القوتين.

واستمرارا لهذه " النوايا الحسنة " تسعى روسيا تقديم مقترح على الولايات المتحدة التوصل إلى معادلة أمنية دولية جديدة، تشمل جميع الأسلحة الهجومية والدفاعية، النووية وغير النووية، ووفقا لما قاله نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، "أريد أن أؤكد أن أي اتفاقيات مستقبلية ممكنة فقط على أساس التكافؤ المحض والمساواة، ولا يمكن تقديم أي تنازلات أحادية الجانب من الجانب الروسي"، وتوضح روسيا أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بين موسكو وواشنطن، التي جرى تمديدها مؤخرا في روسيا إلى سنة 2026 يمكن أن تشمل كذلك منظومة صواريخ "أفانغارد" الروسية، وان جوهر المقترحات الروسية هو وضع معادلة أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار تطور الجوانب الأمنية العسكرية-التقنية والعسكرية-السياسية، " ونحن في الواقع نقترح توسيع جدول الأعمال الاستراتيجي وإدراج جميع الأسلحة الهجومية والدفاعية، النووية وغير النووية" بحسب ريابكوف

لكن الترحيب الأوربي والصيني بالخطوات الروسية، لم يشبع رغبات واشنطن في اتجاه تحسين العلاقات، وفشلت واشنطن في اول اختبار " لنواياها " في تحسين العلاقات مع موسكو، التي رأت بأن واشنطن بدأت في التدخل في شؤونها الداخلية، ونددت بالتصريحات الامريكية و ما قامت به السفارة الامريكية على خلفية تصدي القوات الأمنية للمظاهرات (الغير مرخصة رسميا)، والتي طالبت بأطلاق سراح المعارض الروسي الكسي نافالني، وهو ذات المطلب الذي اكد عليه الرئيس الأمريكي في مكالمته مع نظيره الروسي، الامر الذي اعتبرته موسكو بأنه تدخل " فظ " في شؤونها الداخلية، وذكرت موسكو نظيرتها واشنطن، بعكس وضعية الحدث، وحصول تدخل ودعم روسي للمهاجمين على " للكابيتول " ورسم لهم مخطط سير مسيرات احتجاجهم، ماذا سيكون ردة الفعل الامريكية ؟ بالتأكيد فان الحديث عندها سيكون بالتلويح لفرض عقوبات شديدة على موسكو لتدخلها بالشأن الأمريكي !!، لذلك نصحت موسكو الأمريكيين بالاهتمام في شؤونهم الداخلية "أحسن لها " من الولوج في شؤون الغير .

أما بشأن أوكرانيا فقد أعترف الكريملين باختلاف وجهات نظر كبيرة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأمريكي جو بادين، حول الوضع بمنطقة دونباس (أوكرانيا)، ما عزز توقعات المحللين بأن جو بايدن سيتخذ موقفًا أكثر راديكالية بشأن أوكرانيا، ويكثف المساعدات إلى كييف، ويعالج بشكل أكثر قوة قضية حقوق الإنسان في روسيا، بينما سيضم فريقه العديد من الأشخاص الذين يرون في موسكو منافسًا استراتيجيًا، ولا ننسى طموحات موسكو في الموضوع الآخر على الأقل لـ "الحوار الانتقائي" بين الولايات المتحدة وروسيا بعد رحيل دونالد ترامب، وهو خفض تصعيد الأزمة النووية الإيرانية التي نشأت بعد انسحاب واشنطن أحادي الجانب من خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA)) والاتفاق بين طهران والقوى العالمية "الست" بهدف حل مشكلة الذرة الإيرانية، والتي ترى فيها موسكو انها ( أي خطة العمل المشتركة ) كانت ثمرة الجهود المشتركة لموسكو وواشنطن، التي حاول دفنها دونالد ترامب، لكن التصريحات الامريكية والإسرائيلية الأخيرة بشأن صعوبة العودة الى الوراء بشروطها القديمة، وفقا لمحلل صحيفة " الإزفيستيا" سيرجي ستروان صعبت من مهمة موسكو حيالها .

جلسات الاستماع لمجلس الشيوخ الأمريكي، التي جرت لتأكيد المرشحين للمناصب الرئيسية في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، هي الأخرى تخللتها لحظات فيها اوجه تشابه مع ما قبلها في الحكومات الامريكية السابقة، ونسفت " النوايا الحسنة الروسية " - فلا يزال ذكر الاتحاد الروسي والصين هما أصحاب "التهديدات الرئيسية لأمن الولايات المتحدة"، ووصف المرشحون للمناصب الرئيسية المشكلات المرتبطة بموسكو بأنها "عاجلة"، وسلطوا الضوء بشكل منفصل على الهجمات الإلكترونية، وبناء نورد ستريم 2، وقضية السياسي أليكسي نافالني، وهذه الأخيرة شدد وزير الخارجية أنتوني بلينكين على أن "المشكلات المتعلقة بروسيا في عدد من المجالات تمثل أولوية عاجلة"، وأطلق على اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني، "إنه لأمر مدهش كم يخاف فلاديمير بوتين من شخص واحد ... محاولة إسكات هذا الصوت وإسكات السيد نافالني أمر ندينه بشدة" في حين حذر بشان قضية وبناء نورد ستريم 2 أنه إذا رفض الشركاء الأوروبيون التعاون في هذا الاتجاه، فإن واشنطن "ستضطر إلى النظر بجدية في الأدوات التي لم يتم إشراكها بعد" .

ويرى وزير الدفاع لويد أوستن في شأن الخطر العسكري الأكبر بانه " يرتبط بالسلوك العدواني لروسيا"، والإشارة الى ان الحديث عن روسيا هو أسلحة البعيدة المدى، وصواريخ كروز، وأسطول الغواصات للقوات المسلحة الروسية، ونشر ما يسمى بالأنظمة النووية الجديدة "، فضلاً عن" ترسانة كبيرة ومتنوعة من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية "، والتركيز على انه سيصبح الاحتواء الكامل نموذجًا جديدًا للعلاقات الروسية الأمريكية خصوصا وأن موسكو برأيه تستخدم القوة الناعمة والقوة الناعمة وتشكل تهديدًا ليس فقط في أوروبا، ولكن أيضًا في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والفضاء، والتأكيد على أنه يعتزم "ترك الباب مفتوحًا" لتعاون أوثق بين الولايات المتحدة وروسيا "في المجالات ذات الاهتمام المشترك"، والحديث يدور وفقا لرئيس البنتاغون المحتمل عن مكافحة الإرهاب، وضبط التسلح، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتسوية النزاعات العسكرية.

وخلص الوزراء الرئيسيين في إدارة جو بايدن، وهم وزير الخارجية أنتوني بلينكين ورئيس البنتاغون لويد أوستن ووزير الأمن الداخلي أليخاندرو ماجيكاس ورئيس الخزانة جانيت يلين ومدير المخابرات الوطنية أفريل هاينز إلى أنهم مستعدون "لأعمال عدائية من جانب روسيا" في العالم ولن يتركوا هذه الأعمال دون عواقب، وأن واشنطن لديها "الأدوات التي أعدها الكونجرس" لمواجهة موسكو، وقانون "مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA) و"قانون ماغنيتسكي".

وبالنظر إلى أن الدبلوماسية تتشبث دائما بالقشة وتحاول رؤية الضوء في نهاية أطول نفق، وبحسب السياسي ألكسي نوموف، فإن تصريح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف لوكالة أنباء إنترفاكس لا يبدو متشائمًا للعام الجديد، والذي قال فيه "ننتقل من سيء إلى أسوأ "، وأضاف ان "إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب تركت إرثًا ثقيلًا للرئيس الجديد جو بايدن، وسيستغرق الأمر وقتًا طويلاً للتعامل مع هذا الأمر"، ووفقا للدبلوماسية الروسية، التي تشدد على انه بما أن السياسة الأمريكية معادية بشدة لروسيا فانه في العلاقات مع واشنطن، سيتعين على موسكو التحول إلى نهج ذي مسارين، ويجب أن يقترن الاحتواء الكامل للولايات المتحدة في جميع الاتجاهات، و"عند السير على هذه المسارات، فعلى ما أعتقد، قد تظهر بعض الأسس لتطبيع تدريجي للعلاقات مع واشنطن"، وحاول سيرغي ريابكوف مع ذلك النظر في الضوء في نهاية النفق.

ووفقا للمراقبين الروس فانه اذا تم تقييم الضرر الذي ألحقه دونالد ترامب بالعلاقات الروسية الأمريكية على مدار سنوات حكمه، فيمكن القول إنه دمر (أو قوض على الأقل بشكل خطير) ثلاث ركائز لهذه العلاقات: آلية القمم التي لم تعقد، والقنوات الدبلوماسية المشتركة التي أغلقت، والإطار القانوني لضبط التسلح الذي ألغي، وإذا كان دونالد ترامب قد أثرى العلاقات الروسية الأمريكية بمجموعة من التغريدات حول أهمية روسيا، فقد أوضح جو بايدن مرارًا وتكرارًا أنه لا ينوي الإطراء على موسكو،، وإن ترامب أظهر عدم صرامة كافية في الرد على روسيا، وخصوصا في ما يتعلق الأمر بالهجوم إلكتروني، زُعم أنه أثر على وزارات الدفاع والأمن القومي والمالية والتجارة، بالإضافة إلى آلاف الشركات، وعلى عكس دونالد ترامب، رأى وزير الخارجية بومبيو والمدعي العام ويليام بار أن هذا على الفور هو "يد موسكو".

ويتوقع الخبراء الأمريكيون أن يعتمد جو بايدن، إلى حد أكبر بكثير من دونالد ترامب، على الفريق ويأخذ في الاعتبار رأي مستشاريه، وبالتالي فإن تعييناته مثيرة للاهتمام ومهمة بشكل خاص لروسيا أيضًا، لكن النظرة الأولى على أولئك الذين أشرفوا على اتجاه السياسة الخارجية في مقر حملته، وأولئك الذين يرشحون مناصب عليا، تجعلك تشك في أن العلاقات الروسية الأمريكية تنتظر حتى ما يشبه إعادة التعيين، وهذا ما يميز الوضع الحالي عن الحالات السابقة للتغييرات في الإدارات الأمريكية، لذلك لا تربط  هياكل دولة الاتحاد الروسي أي آمال خاصة بوصول جو بايدن إلى السلطة.

على ما يبدو ان إدارة بايدن لم تلتفت الى " النوايا الحسنة " الروسية، وفشلت في اول اختبار لها بتدخلها  (الفظ)، في إدارة هذه الاحتجاجات عن طريق سفارتها في موسكو وبشكل علني، بحسب الخارجية الروسية التي ترى بان هذا التدخل بات حقيقة ثابتة تماما مثل ترويج الأنباء المزيفة والدعوات للقيام بأعمال غير مرخصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها واشنطن، واعتبرت دعم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن لهذه النشاطات غير المشروعة، بمثابة تأكيد آخر على الدور الذي تلعبه واشنطن وراء الكواليس، اذن احداث التدخل في الاحتجاجات وتهديد الامن والاستقرار الروسي هو بمثابة الرد الأمريكي على " النوايا " الروسية، وان مستقبل العلاقات الروسية الامريكية، لا تحددها " النوايا "، فان من مثل واشنطن لا يهمها " النوايا الحسنة " بقدر ما يهمها مصالحها وبأي ثمن .

 

الدكتور كريم المظفر- موسكو

 

 

عدنان ابوزيدمقاطع الفيديو القصيرة في الحاسوب والهاتف، التي تسحب اهتمام الجمهور، عبر تطبيقات سهلة التنزيل، تصبح مرجعا للمعلومة، مستغنية عن النص الخبري المكتوب، الذي مهما كسب المصداقية، لن يكون أكثر اقناعا وبرهانا، من الحدث الملتقط، صوتا وصورة.

أذلك نهاية عصر الصحافة التقليدية؟، بعد أن شهدت السنوات القليلة الماضية انفجارًا في تداول فيديو الحدث عبر الإنترنت، مدفوعًا بالتحسينات التقنية على منصات مثل فيسبوك، تويتر، انستغرام، والاستثمار من قبل الشركات الإعلامية في تنسيقات جديدة لنشر الاحداث بطريقة مرئية.

سرعة تطور تقنيات اقتناص اللقطة وسرعة النشر المباشر، تنبأ بالانقلاب العظيم في أساليب سيناريو المعلومة، يقلب بشكل تام، قواعد اللعب في ساحة الصحافة.

المواطن في كل مكان في انحاء العالم، يصبح صحافيا، طالما بحوزته موبايل وانترنت، ولا تحتاج منه تقنيات نقل البيانات من خلال تطبيقات الهواتف الذكية سوى ضغطة زر، موثّقا أعظم الاحداث واكثرها حساسية، بطريقة عفوية، بل وخالية من مقاصد التسييس، أو الإعلان، والتضخيم او التهميش، لتتحول تقنيات نشر مثل غوغل بلاي، تطبيق تيك توك الاجتماعي، الى منصات اعلامية تفاعلية، يرسل لها المليارات من الناس، الأحداث الملتقطة، في تواصل اجتماعي لم تشهده الكرة الأرضية من قبل.

الصحافة الفيديوية الجديدة، لم تعد تمتلك نقل المعلومة فقط، بل المال أيضا، محققة رأسمالا ضخما لم تسبقه اليها اية مؤسسة صحافة تقليدية طوال التاريخ، ومن ذلك ان قيمة شركة Bytedance بلغت نحو الـ 75 مليار دولار، فيما يبلغ رأسمال شركة TikTok نحو المائة مليار دولار، وحقّق تطبيقها نسبة تنزيل بأكثر من 660 مليون مرة في العام 2019 ، ويستخدمه أكثر من 500 مليون شخص على مستوى العالم شهريًا.

كما يتابع تطبيق الفيس آب FaceApp أكثر من 80 مليون مستخدم.

الأمر يتعدى المال الى النفوذ السياسي، وبحسب "وول ستريت جورنال" فإن صفقة بين مايكروسوفت الامريكية، وتك توك الصينية، سوف تعيد تشكيل المشهد التكنولوجي العالمي وتؤثر على العلاقات الأميركية الصينية.

يلجأ بشكل متزايد، الكتاب والاعلاميون والسياسيون، والاكاديميون والمهتمون، في الوقت الحاضر، الى انشاء القنوات على الفيديو، لإيصال أفكارهم ونظرياتهم، ورسائلهم الثقافية والسياسية والعلمية، عوضا عن كتابة المقالات وتأليف الكتب والنصوص.

ومنذ ظهور صحافة الفيديو في الستينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح واضحا جدا انها ستكون البديل المهم لصحافة الصورة والنص.

في العام 2001، انتقلت بي بي سي البريطانية، إلى صحافة الفيديو، ثم لحقت بها اذاعة صوت أمريكا، وفيديو نيوز إنترناشونال، ووظّفت نيويورك تايمز وحدها 12 تقنيا في صناعة الفيديو، في ذلك الوقت. 

تطغى في أوربا الغربية وأستراليا وكندا، صحافة الفيديو بشكل ملموس جدا، ولم يحسّن ذلك من سرعة نقل الخبر

صوتا وصورة فقط، بل وفّر في النفقات أيضا.

لكن التحول الأهم في كل ذلك، ان صحافيي الفيديو لم يعودوا، أبطال اللعبة، لان كل من يمتلك هاتفا ذكيا اليوم، يستطيع ان يوثّق الحدث ويرسله في ثوان معدودة الى انحاء العالم.

تارا ساتون، مثال صارخ على صانع الفيديو الخبري الميداني، وقد عملت في العراق، ووثّقت الكثير من مشاهد الحرب، متخفية، لتجنب المخاطر الشديدة -كما تقول-، وفازت بالعديد من الجوائز الدولية.

تفوقت مقاطع الفيديو عبر الإنترنت التي يتم إعادة توجيهها من منصات البث، على الأخبار التلفزيونية التقليدية في نسب المشاهدة.

في تقرير لمعهد رويترز، فان مستخدمي مواقع الويب في 26 دولة يتابعون الاحداث عبر الفيديوهات على منصات التواصل لا عبر الفضائيات، كما تميل الإعلانات العالمية الى التحول الى مسار صحافة الفيديو، الامر الذي يجعل من الصحافة التقليدية، الخاسر الأكبر في سوق الإعلانات.

 

عدنان ابوزيد

 

كريم المظفرواحدة من أجمل الامثال الشعبية التي تروق لنا، هو ذلك المثل الشعبي السوري الذي يقول (بكرا يذوب الثلج، ويبان المرج)، إلا أن نوايا المعارض الروسي ألكسي نافالني، الذي لا يزال قيد الحبس بتهمة انتهاك شروط وقف تنفيذ عقوبة السجن الصادرة بحقه سابقا بتهمة الاختلاس، منذ عودته أوائل يناير إلى روسيا من ألمانيا التي نقل إليها في أغسطس بعد تعرضه للتسميم المزعوم، لم تنتظر حتى يذوب ثلج شتاء روسيا القارص وثلوجه الكثيفة .

وقلنا في موضوع سابق أن عودة (الليبرالي في المفهوم الغربي) نافالني الى موسكو، رغم علمه المسبق بأنه سيتعرض للاعتقال، ليست كما يقول المثل العراقي (لله بالله)، بل إنه جاء بسيناريو غربي المعالم، لإثارة، شريحة معينة من المجتمع الروسي، ألا وهم شباب المواقع الاجتماعية، والقصر، واستغلالهم في زعزعة الاستقرار بأسناد ودعم أمريكي بالدرجة الأساس .

" النوايا الخبيثة "التي ذكرتها شبكة الأخبار الامريكية CNN من أن صندوق مكافحة الفساد التابع للمعارض الروسي نافالني "لم تنتظر ذوبان الثلج" وكشفت عن دعوتها للرئيس الأمريكي جو بايدن لفرض عقوبات على 35 شخصية روسية، بينهم "8 روس رفيعو المستوى مقربون من فلاديمير بوتين"، وبحسب قول فلاديمير أشوركوف، المدير التنفيذي للصندوق فإن المؤسسة وجهت رسالة إلى بايدن تدعو الولايات المتحدة إلى الضغط على بوتين للإفراج عن نافالني المحتجز، وأن الرسالة قسمت المطلوبين " معاقبتهم " إلى ثلاث فئات، وهي " الأوليغارشيون الذين منحهم بوتين الثروة والسلطة (بحسب رأيهم)، والذين يتصرفون بها نيابة عن النظام"، وثانيا "منتهكو حقوق الإنسان والذين يقمعون الحريات المدنية والسياسية الأساسية"، وثالثا "الأفراد المتورطون بشكل مباشر في ملاحقة نافالني ومؤسسته ".

ووسائل الاعلام الأمريكية، لم تتوانى في اعلان أسماء المدرجين في "قائمة نافالني"، وهي تضم رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين، ومدير جهاز الأمن الفدرالي ألكسندر بورتنيكوف، والناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف، ورئيسة لجنة الانتخابات إيلا بمفيلوفا، وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين، ورئيس شركتي "غازبروم" أليكسي ميللر و" روسنفط" إيغور سيتشين، ورئيسة تحرير شبكة RT مارغاريتا سيمونيان، ورئيس مصرف التجارة الخارجية أندريه كوستين وآخرين.

لقد أصبح الناشط المعارض أليكسي نافالني في الأسابيع الأخيرة من أهم الأسماء في عناوين وسائل الإعلام التي تغطي الوضع داخل روسيا، فيما هذه التقارير لا تتطرق كثيرا إلى مواقفه السياسية، واقتصرت الكثير من وسائل الإعلام الغربية في حديثها عن نافالني - الذي سلك المسار السياسي عام 2000 ضمن حزب "يابلوكو" الليبيرالي، وعلى الرغم من انتمائه رسميا إلى الجناح اليساري في هذا الحزب كان يعرف بعلاقاته مع الأوساط اليمينية، وفي ديسمبر 2007 قررت لجنة حزب "يابلوكو" طرد نافالني من الحزب بتهمة "الإضرار بسمعته السياسية وممارسة الأنشطة القومية" -، على الإشارة إلى معارضته الشديدة لحكومة الرئيس فلاديمير بوتين، دون شرح آرائه السياسية.

زعماء المعارضة الروسية، الذين تخلوا عن نافالني ومغامراته، يرون فيه بانه مزدوج الشخصية، ففي الوقت الذي يعبر أحيانا عن أفكاره القومية، فانه لا يتوانى في تقديم نفسه كمتطرف، وفسر نافالني حينها قرار حزبه بخلافات داخلية، لكن بعض مواقفه العلنية في تلك الفترة استدعت الجدل، بما فيها تصريحاته الداعية إلى تشديد القيود على الهجرة من آسيا الوسطى، ففي احد مقاطع فيديو ظهر فيه نافالني بزي طبيب أسنان، قال في إشارة إلى قضية المهاجرين: "لا يجب الاعتداء بالضرب على أي واحد، بل يجب إزالة كل ما يسبب لدينا مشاكل على نحو دقيق لكن حازم من خلال الترحيل"، وفي الوقت الذي كان فيه نافالني في هذه الفترة من دعاة "القومية الروسية الجديدة" وأصبح عام 2007 رئيسا مشاركا لحركة "الشعب" القومية الديمقراطية، شارك نافالني في تلك الفترة في تجمعات يمينية جنبا إلى جنب مع شخصيات منتمية إلى اليسار المتشدد، وأعرب في عام 2013 عن تأييده للجانب اليميني في الاضطرابات ذات الدوافع العنصرية التي شهدتها منطقة بيريوليوفو في موسكو.

وفي العام نفسه، أعلن نافالني لأول مرة عن تطلعاته إلى تولي منصب رئيس الدولة كي "يعيش سكان روسيا في ظروف طبيعية كما في دول أوربا "، وفي 2013 أيضا احتل نافالني المرتبة الثانية في انتخابات عمدة موسكو بجمعه أكثر من ربع أصوات الناخبين، وكان ضمن برنامجه الانتخابي توسيع صلاحيات السلطات المحلية والسماح بتنظيم مسيرات "فخر المثليين"، بالتزامن مع تشديد القيود على الهجرة، وبالتالي أصبح عام 2013 نقطة تحول جذري في حياة نافالني السياسية، حين خفف من نبرته اليمينية وركز على جذب اهتمام الشباب غير الراضين عن الظروف داخل البلاد والذين ينتمي الكثير منهم إلى اليسار.

وعلى الرغم من تقديم معظم وسائل الإعلام الغربية نافالني اليوم على أنه سياسي ليبرالي، الا ان مواقفه في بعض المجالات تختلف جذريا عما لدى القوى الليبرالية في دول الغرب، وخاصة يعرف ان نافالني بموقفه المؤيد لعودة شبه جزيرة القرم إلى قوام روسيا وسبق أن دعم سياسات روسيا إبان الصراع الجورجي الأبخازي إذ وصف العسكريين الجورجيين بـ"القوارض" واقترح قصف هيئة الأركان الجورجية بالصواريخ.

كما السيرة الذاتي للمعارض الروسي مليئة بالتناقضات، ولامجال لذكرها، ومواقفه السياسية لا تزال تمثل مسألة معقدة وقد تستدعي الجدل في صفوف مؤيديه داخل البلاد وخارجها في حال سينظرون إليه ليس كـ"بديل لبوتين" بل كسياسي مستقل، وتتعارض مع المفهوم الغربي التي سمحت للسفير الأمريكي لدى روسيا مايكل ماكفول مؤخرا بمقارنته على حسابه في "تويتر"، نافالني بشخصيات مثل مهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا، بل ومن المضحك المبكي ان يتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل التي باتت اليوم تمنح، وكما يقول المثل الشعبي العراقي الساخر (لشعيط ومعيط) .

دعوة صندوق نافالني الى معاقبة قيادة بلاده، هو استفزاز شديد اللهجة، بغض النظر عن الاختلاف او الاتفاق معها، فأنها من وجهة نظر الكثيرين تعتبر "إهانة للذات وإهانة الدولة"، وقد ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، ليس في المفهوم الروسي فقط، وانما في المفهوم الشمولي العام "فهل بإمكان التصور أن منظمة أمريكية تلجأ إلى بوتين بطلب فرض عقوبات على رئيس الولايات المتحدة؟"، لذلك فمن الطبيعي بمكان ان يعبر عدد من البرلمانيين الروس عن امتعاضهم لمبادرة صندوق نافالني المزعومة لأنها تدل على أنها "مؤسسة فاسدة تسعى إلى إعادة الروس إلى هاوية المآسي المماثلة لما كان عام 1991"، وانه "يجب التصدي لذلك بشدة، ويجب أن يكون الرد صارما جدا من قبل أجهزة إنفاذ القانون مثل النيابة العامة وهيئة الأمن الفدرالية.

وعلى ما يبدو ان الغرب قد وجد ضالته في (استفزاز) روسيا، واختيارها لشخص نافالني، كان مدروس بشكل جيد، خصوصا وان الأخير ارتضى لنفسه ان يلعب معهم، لذلك فان الغرب أول – بات ا لإن بحاجة إلى هذا "الناشط" لزعزعة استقرار الوضع في روسيا، وبهدف إحداث اضطرابات اجتماعية وإضرابات و"ميادين" جديدة، وثانيا انها أصبحت تعرف جيدا التفكير " النفسي " للشخصية الروسية التي تؤكد ان نافالني انتهك عديد المرات قوانين روسيا بشكل صارخ، وشارك في عمليات احتيال على نطاق واسع، ويجب أن يتحمل المسؤولية، ليكون " الشماعة " التي تعلق عليها الدول الغربية " ادعاءاتها "، وإلا فان مسلسل العقوبات مستمر منذ اكثر من سبع سنوات، وهو يفوق حلقات المسلسلات البرازيلية والبرتغالية .

اذن، يبدو ان المعارض الروسي قد خسر مرتين، الأولى فرصة الوصول إلى السلطة، أما الآن فالوضع أصبح أسوأ بالنسبة له، من الواضح أن واشنطن فهمت ذلك، وقررت استخدام نافالني كصاروخ وحيد الاستخدام، يمكن التخلص منه ما دام لا زال لديه بعض التأثير، وهنا يبرز جانب آخر، وهو كيفية استخدام الغرب لنافالني ولأي الأغراض، وثانيا وفي هذه القضية بالذات حدث تغيّر نوعي في الفترة الأخيرة بتحوّل نافالني من عميل نفوذ طويل الأمد إلى قنبلة وحيدة الاستخدام، وهو ما يمكن أن يكون نافالني نفسه يجهله حتى اللحظة.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

 

 

عبد الجبار العبيديالشرعية هي الالتزام والتقيد بأحكام القانون، وهي اساس السلطة التي تحكم مجتمع معين وتمارس فيها الحقوق. اما المشروعية وان تشابهت مع الشرعية لكنها تمثل العلاقة القانونية التي تختص بالحق القانوني وقراره الملزم وكل التعليمات القانونية الصادرة من الاعلى الى الادنى.

كلمة مشروعية مشتقة من الفعل شرع َ يُشرع، يقال شرع فلان بالآمر، أي اذا سار فيه وسلكه.. وقيل الشريعة والشراع ما سُن الله تعالى من الدين وأمر به كقوله تعالى (ثم جعلناك على شريعة من الامر فأتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون، الجاثية18). وقوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، المائدة 48).، هنا تكون الشريعة هي قانون الدين والمنهاج هو الطريق او الاسلوب الذي به تنفذ اوتطبق الشريعة على المجتمع) لسان العرب، كلمة شرع).

والشريعة هي النظام او المنهج الواضح الذي يرسُم أو يُسن للناس في شؤونهم. وبهذا المعنى يفهم قول الشافعي) الا سياسة الا ما وافق الشرع (.أي المنهج والنظام الذي أختارته الجماعة وأتفقت عليه وأرتضته لنفسها ميراثاً أو أكتساباً لصالحها وخدمة شؤونها لينتفع منه عامة الناس .من هنا يتبين لنا ان السياسة الاسلامية هي ما تقره الشريعة، وأنها منها بمنزلة الجزء من الكل. وهي في الاسلام المبدا الاعلى والمنطق الاسمى الذي يتوج النظام الاسلامي، وهو التضامن الحقيقي بين الناس في تنفيذ ماأمر الله به دون اعتراض..والشريعة الاسلامية هي الشريعة الوحيدة بين الشرائع السماوية والارضية التي اهمل المسلمون تطبيقها بين الناس بعدالة القانون.. حين طبقوا العدالة الأنفرادية وأبعدوها عن عامة الناس كما مطبق اليوم في العراق والدول المشابهة له.

وكلمة الشريعة والمشروعية ليست جديدة، فقد ولدت في الحضارة العراقية القديمة مثل شريعة أصلاحات آوركاجينا، وشريعة آور نمو السومرية، وشريعة حمورابي البابلية المتمثلة، بمجموعة قوانين حمورابي الملزمة التنفيذ في وقتها والتي هي اكثر عدالة مما يطبق اليوم في ظل عدالة الاسلاميين الذين انحرفوا عن الشريعة الاسلامية واستبدلوها بشريعة السلطة الميتة المبتكرة ظلما على المسلمين .، والمعروف ان حمورابي قد وضع في شريعته ما مجموعه 282 مادة قانونية في مختلف النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية. وتعتبر الشرائع العراقية القديمة من اقدم الشرائع العالمية..وأفضلها وغالبية ما جاء به الاسلام قوانين شرعية مُستل منها..

لكن الكلمة لم تظهر بمعناها الواسع الا في العصر الحديث بعد الثورةالفرنسية عام 1789 والنهضة الاوربية وحركات الفصل الديني عن السياسة حيث أصبحت ذات معنى عريض، ومكانة عظيمة، فهي تدل على سيادة القانون وحقوق المواطنين في الحرية والاخاء والمساواة في الدولة، وربما كانت جزء من مصطلح الايديولوجيا. اي المبدأ والعقيدة والفلسفة التي يقوم عليها النظام المعاصر في بلد معين، ولربما أستعملت الشرعية بمعنى مطابقتها الفعل اوالعقد اوالقرار لنظام قانوني صحيح، فيكون شرعياً بهذا..وليست شرعية المتدينيين الذين حصروا الحقوق بهم دون الأخرين والذين تجاهلوا ان العلاقة بين القديم والجديد هي علاقة جدلية يتبادل الاثنان فيها التاثر والتاثير وصولا الى حالة من الاستقرار يلتقي عندها الاثنان في تركيب لا يشبه اياً منهما .

ولا يستطيع اي باحث او كاتب ان يتعرض لمعطيات شرعية دولة من الدول في النظام او القوانين، في الحياة الاجتماعية او السياسية او الثقافية لبلد معين، سواءًًكان هذا في الماضي او الحاضر، مالم يدرس او يبحث ويسلط الضوء على المنهج او الشريعة لانها طبيعة الفلسفة والقوانين التي كانت تحكم ذلك النظام، او هذه الدولة، في هذه الحقبة او تلك، لاننا لا نستطيع ان نتفهم كيان أسمه نظام أو دولة مالم نتلمس معنى دقأئق تلك الفلسفة أو المعتقدات التي أرتضتها الجماعة لتكون لها قانوناً.

ان الحكم في الاسلام اساسه التراضي او التوافق وفق مبدا الحق والعدل وليس مبدأ التفرد والأستغلال كما يعمل به اليوم، لأن الشرعية علاقتها واضحة بمبدأ الشورى والرضى عن المُولى يأتي عن طريق توليته وحقه الشرعي، ثم يكون المُولى أهلا للحكم وليس غاصباً له "كما يقول نوري المالكي: "أخذناها وبعد ما ننطيها"، وهو يمثل حزبا أساسيا تعامل بخيانة الوطن مع التغيير.لان الخلافة او الرئاسة في المفهوم الاسلامي تمثل السلطة التي تقوم نيابة عن الرسول(ص)بالنظر في مصالح المسلمين حيث يعتبر الخليفة او الرئيس الحاكم الاعلى للدولة ويجب طاعته بشرط ان لا يخالف الوصايا العشر التي وردت في الفرقان شرطا مكتوبا عليه.

ويبقى الشرط مقرونا بشروط الكفاءة التي يجب ان يتمتع بها الحاكم وبأخلاقية التطبيق، منها العدالة والعلم وسلامة الحواس وسلامة الاعضاءوالشجاعة في قول الحق وحقوق الرعية والرأي المفضي الى تدبير المصالح للامة او الشعب.يقول الحق :"ألم*الله لا آله الا هو الحي القيوم* نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدىً للناس.. وأنزل الفرقانآل عمران 1-3".أي ان القرآن قد صادق على ما ورد في الكتابين السابقين، لأن الوحي لا يتجزأفي جوهرة الذي يأتي في أتفاق مع كل عصر..من هنا فالشرعية الدينية واحدة لا تختلف يجب ان تطبق على الجميع لا كما فهمها فقهاء الدين الذين حول الاسلام الى مذاهب دين والدين الى أديان ومن يتبعهم بالانفرادية بهم دون الاخرين.

اما التراضي والتوافق فقد حددت الشريعة المتكاملة له شروط اقسى وأمر منها :ان لايقدم المفضول على الافضل لاي سبب كان.وان يختار صاحب المنصب المتوافق عليه ممن تنطبق عليه شروط التولية وان يكون أمينا يتمتع بالسمعة والسلوك الحسن دون ان يحق لاحد مجاراته لاي سيبب كان.، كما في رفض الامام علي(ع) تولية اخاه عقيل لعدم توفر شروط الطلب فيه.فأين نحن من تطبيق الشرعية الملزمة بالقرآن اليوم؟..في دولة فقدت الشرعية هي ومن تسير في ركبها والتي ساهمت بتدمير اربع دول اسلامية وترغب في المزيد املا بتكوين امبراطوريتها الجديدة المبنية على الوهم وعلى ما قال احد مسئوليها اليوم ..من اجل تطبيق مبادىء ولاية الفقيه والمهدي المنتظر التي ليس لهما من أصل في الدين.

لكن النقطة التي يجب التنويه اليها هو ان الشيعة العلوية لا يلتزمون بهذا المبدأ العام في تطبيق الشرعية السياسية، بل بمبدأ شرعية التفضيل لاهل البيت دون سواهم وأهل البيت ابرياء منهم ومما به يعتقدون. حين جوزوا ان لا احد يسمى امير المؤمنين الا علي بن ابي طالب، ولا يجوز لغير الأئمة من نسل الامام علي وزوجه فاطمة الزهراءان يتلقبوا بهذ اللقب. لان كل أمام يوصي للذي يليه في الامانة، حتى يصبح المرشح الشرعي للوظيفة المقدسة( السيوطي، اللآلىء المصنوعةج 1 ص 184-185).وماذا بعد انتهاء الأئمة الأثنا عشر ..ابتكروا قضية المهدي المنتظر لتبقى صلة امامة الحكم فيهم الى يوم الساعة..علما ان الامام الحسن العسكري(ع) مات دون عقب.ويقول كولد سيهر المستشرق الالماني في كتابه العقيدة والشريعة ان سورة الشمس بأدعاء الشيعة الامامية جاءت في القرآن بحق محمد وعلي والحسن والحسين( عقيدة الشيعة ص175).من هذا المنطلق فقد عد الشيعة الامامية كل من يخرج على هذه المفاهيم خارجاً على المصادر الشرعية والارشاد الديني وقيادة الجماعة الاسلامية. وهذا يعني من وجهة نظرهم هم اولياء الناس دون غيرهم.فأي شرعية هذه التي بها يعتقدون. .

من هذا التوجه الخاطىء هم يعتقدون ان وجود الامام لكل عصر آمر ضروري برأيهم لا يمكن الاستغناء عنه لتنفيذ الشريعة واحقاق الحق وقواعده وأرساء العدل والمساواة التي جاء بها الاسلام وياليتهم يطبقون مبادىء الاخيار. وعلى هذا الاساس فالامامة واجبة وتنتقل بوراثة لا تنقطع للحائزين على هذه الصفات، .بينما يرى الشيعة العلوية تغليب المصلحة الدينية ولا ندري اي دين يعبدون؟، لانهم كانوا لا يرون الحكومة الا ان تكون حكومة مقدسة .ويا ليتهم كانوا اوفياء لاهل البيت لا ان مسخوا تاريخهم الى الابد .. ان من يدعون بهذه القيم الشرعية أولى بهم ان يكونوا هم المطبقون لها وليس الخارجون عليها في كل آدوار التاريخ الاسلامي..كما في الدولة المهدية في المغرب والفاطمية في مصر والبويهية في العراق..

كم هو جميل لو ان الذين يدعون بهذ المثل العليا التي جاءت بها مدرسة أهل البيت العظام ان يتمسكوا بها وينقلونها الى واقع التطبيق على الارض لكانوا اليوم هم الأعلون.نعم وبكل حيادية وصدق وصراحة اقول ان السيرة العطرة التي رافقت اهل البيت ابتداءً بالامام علي ومرورا بالامام الكاظم وجعفر الصادق وانتهاءً بالحسن العسكري الذي مات دون عقب.. قد ألتزمت بهذا الاتجاه الديني والسياسي بالكامل دون نقص.

ان مسألة الشريعة والتشريع مسألة في غاية الدقة والاهمية بعد ان رأينا ان التجربة الكبرى التي بدا بها صاحب الدعوة قد توقفت بعد وفاته حين اشتد الخلاف على الرئاسة بين المهاجرين والانصار وكأن الامة التي كونها محمد(ص) قد انتهى وجودها ولم يبق منها الا المهاجرين والانصارحين نادوا منا امير ومنكم أمير، وكأن الدولة اصبحت شركة قابلة للقسمة بينهم

. ولقد خاض الفقهاء الذين لم يستوعبوا فلسفة الرسالة الدينية اثناء الخلافة الراشدة مساجلات ومناقشات ادى الى تشريد وقتل الكثير منهم، فكان الصحابي ابو ذر الغفاري منهم، فكانت اول ثورة على الواقع المزري في خلافة عثمان (رض)حين بدأت اعوان الخلافة بتفريق اموال بيت المال على الاقربين والمحاسيب دون حسيب او رقيب من وراء ظهر الخلافة..كما نشاهده اليوم في دولة الشيعة العراقيين الذين خانوا الوطن مع الاجنبي الذي يسمونه بالكافر ونهبوا اموال الناس وزوروا كل حق الى باطل بعد ان سكتت مرجعياتهم الدينية المقدسة عن الأعتراض لا بل شاركت في الجريمة وقبضت الثمن . لذا كان هذا مبدأ خطير جر على الدولة الويلات..

وسط هذا الزحام من النصوص يقف المؤرخ حائرا في شرعية الدولة، فيختلط الحابل بالنابل وسط منهج دراسي لم يراعي اصولية المنهج ولا مسئولية العقيدة ولا حقوق الناس.واليوم كل يدعي انها له دون الاخرين وها ترى الفرق تتقاتل والناس تجري من ورائها دون هدى ولا صراط مستقيم حتى حولوا الدولة الى فوضى المنتفعين .من يعتقد ان الامة ستخرج من النفق المظلم فهو واهم فهل من مشروع اسلامي جديد او ميلاد مجتمع جديد واكتشاف القانون الذي يحكم الظاهرة الحالية لكي يفرض نفسه على مجتمع مزقته المصالح والانانيات، وأورثت فيه من العادات والتقاليد التي ما جاء بها الاسلام ابدا ولا شرعها في شريعته هذا مستحيل ..لا حل اليوم الا بالعلمانية وتنحية النص الديني في سياسة دولة المواطنين .

لقد اصبح من الصعب جدا ازاحة الخطأ الذي لم يتعلموا منه عبر العصور من رؤوس الناس بعد ان اعتقدوا بصحته عبر الزمن الطويل، ان الفكر المضاد الذي يريد ان يعالج الواقع الموضوعي عليه ان يعالج الكل الاجتماعي بظروفه وقوانينه التي تركزت في الاذهان .وهنا لابد من ان يسلك الطريق الصعب طريق الاستقراء والاحصاء والاستقصاء والتمحيص والتصنيف والتمييز بين الطبيعة الاصلية وبين الظواهر العارضة، أنظر ابراهيم الغويل، المشروع الاسلامي ص193).

هنا يقف الكل امام حيرة التطبيق ومن اين نبدأ ؟ وكيف؟ ومن يستجيب؟ ويبقى السؤال المطروح، هل ان الاسلام يستطيع معالجة مشكلات العصر الحديث اليوم وسط هذا الضجيج العالمي الكبير ؟ وهل لديه ايديولوجية ترقى الى هذا المستوى؟وهل لديه من المفكرين الاحرار الذين يستطيعون نقل الصورة الحقيقية للاسلام للاخرين؟ بكل صدق وصراحة بعيدا عن العاطفة الدينية، أقول:

. اذا بقينا نتعكز على التفسير والمفسرين القدامى الذين فسروا القرآن وفق منطوق اللغة العربية القديمة التي لم تستكمل تجريدانها اللغوية على عهدهم بعد..وفقه الفقهاء للقرون الثلاثة الاولى الثاني حتى الخامس الهجري ونظرية ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهمية ومراكز التوجيه الديني الحالية، فسنبقى نراوح مكاننا الى ان يرث الله الارض وما عليها. أذن كيف يجب ان نختار ؟ هذا ما يجب ان نبحث فيه بروح التجرد لا بمنطق الفرق الدينية المتعارضة اليوم..لا يوجد مستحيل لمن يحاول .. وهو يطلب الحق وان قل..ولكن بقناعة المنطق لا بقناعة التهريج.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

قاسم حسين صالحاشاع النظام السابق تسمية الناصرية بـ (الشجرة الخبيثة) ليصف اهلها بالخبثاء، لأن اهوارها احتضنت الثائرين عليه من التقدميين والاسلاميين، وفيها مدينة الشطرة التي منحها لقب (موسكو الصغيرة) وأوجعت رأسه فتقصد اهمالها. وفي انتفاضة آذار" 91" كانت الناصرية آخر مدينة تمت السيطرة عليها في 23/3/1991 بعد ان اعتقل ثوارها رئيس اركان الجيش العراقي السابق نزار الخزرجي الذي رأس وفدا للتفاوض مع قوات التحالف في سفوان، وأقالوا المحافظ وسيطروا على المدينة بالكامل.. وكنت حينها في مدينتي الشطرة.. وشهدت كيف تجمع شبابها ظهر ذلك اليوم الذي انتفضوا فيه واعتلوا سطوح دوائرها الرسمية وهم يهزجون.

و(للشجرة الخبيثة) حادثة هي ان القوات البريطانية التي احتلت العراق عام 1917 دخلت من البصرة. وكانت الامدادات العسكرية والجنود تنقل في سفن عبر الفرات مرورا بالناصرية باتجاه بغداد.

وذات ليلة كانت السفن راسية قرب الناصرية، فامطرها الثوار برصاص بنادقهم (البرنو) وقتل منهم من قتل. وفي الصباح تبين للقائد العسكري البريطاني ان مصدر النار كان من شجرة صفصاف كبيرة تسلقها الثوار، فأمر جنوده قائلا: (اقلعوا هذه الشجرة الخبيثة).

هذا يعني ان التسمية تشير الى حادثة بطولية تشّرف اهل الناصرية، وعشائر العراق الجنوبية تحديدا التي قاتلت المحتلين الانكليز لاسيما في واقعة (الشعيبة) التي شكلّت رمزا للوحدة الوطنية العراقية شارك فيها الكورد ايضا.

وتاريخ الناصرية يحكي الجزء الأكبر من تاريخ العراق الحضاري والسياسي والثقافي. فأبو الانبياء ابراهيم ولد في اور، والحضارتان السومرية والاكدية نشأتا في محيط الناصرية، ومعظم الحركات السياسية الحديثة، التقدمية والقومية والاسلامية نشأت في الناصرية، وعدد من رؤساء الوزارات، والوزراء كانوا من الناصرية، واول ثلاثة مطربين غنوا في اذاعة بغداد عند تأسيسها عام 1936 كانوا من الناصرية: حضيري ابو عزيز، داخل حسن، ناصر حكيم. فضلا عن شعراء ومثقفين معروفين.. بينهم الأديب وزميل دراستي الفقيد عزيز السيد جاسم، وزامل سعيد فتاح كاتب اغنية (اعزاز)، وآخرهم طائر الثقافة.. الوديع الدمث الأخلاق.. كامل شياع.. المسفوح دمه في آب 2008 الذي اطلق أسمه على قاعة ثقافية بصقيلية في أيطاليا فيما طوى النسيان ذكراه بوزارة الثقافة العراقية التي عمل فيها مستشارا، وبالوطن الذي لم يسأل عن قاتله ولم يثأر لدمه!.

ولقد زرت الناصرية لأمر يستدعي حضوري دائرة التسجيل العقاري. واخذت المعاملة طريقها نحو (المدير) وانا مع صاحبها، فوصل الى شخص كان واقفا في الممر الرئيس المزدحم بالمراجعين. ولأن الجو حار، والبناية قديمة، وكهرباء (ماكو)، اشرت له ان يستعجل بالدخول على المدير، فقال لي: هذا هوالمدير.. يقصد الواقف أمامنا الذي ترك مكانه ليستلم معاملات الناس ويوقعّها في الممر!.

ولقد اثارت هذه الظاهرة الايجابية فضولي فسألته عن السبب الذي يستدعيه لفعل ذلك.. فاصطحبني من يدي وادخلني مكتبه الواسع والمؤثث والمحترم.. وأجابني بأن معظم المراجعين هم ناس بسطاء يحتاجون الى المساعدة وانه يسهل ابتزازهم من قبل الدلالين والمعقبين، ولأن دائرة التسجيل العقاري تعدّ الاخطر في دوائر الدولة لانها تتعلق بنقل املاك الدولة والمواطنين، فضلا عن ان هذا التصرف يرفع همّة الموظف حين يرى مديره يشاركه المتاعب نفسها. شكرت (ابا محمد) وتمنيت لو ان كل المدراء في دوائر الدولة كانوا مثله.

في الممر ذاته كان المطرب حسين نعمة.. وحين رآني فتح ذراعيه وصاح بلهجة اهل الناصرية المحببه: (هاي انت اهنا.. يا يابه!).. واخذني بالحضن.. وتذكرنا حادثة، انني كنت في السبعينيات جالسا بغرفتي بالقسم الثقافي باذاعة بغداد. ولما التفت الى الجالسين معي وجدتهم: (الملّحن طالب القره غولي، الشاعر زامل سعيد فتاح، حسين نعمة، الصحفي عادل سعد، وانا مقدّم البرامج الثقافية وخبير برامج الأطفال). قلت لهم:

-  تدرون انتو الكاعدين بنص اذاعة بغداد.. كلكم ناصرية!

ضحكنا للمفارقة.. وعلّق أحدنا قائلا:عوزها "خضير مفطوره ".. وكان هذا أشهر مطرب في الناصرية سبق المطرب العمارتلي سلمان المنكوب.

ومع ان حسين نعمة شكا لي اهماله واهمال المبدعين عموما، وحكى لي كيف ان دولة خليجية استضافته في فندق ست نجوم وتذكرة الطائرة وسائق تحت تصرفه لعشرة ايام و 25 الف دولار.. وكيف ان المبدعين العراقيين يحضون بتكريم الخارج واهمال الداخل، الا ان اهل الناصرية حملّوني عتبا شديدا لأبناء منها.. نسوها ونفظوا أيديهم منها حين صاروا في الدولة!.

ولأنهم (حلّفوني بأيمانهم!) ان اوصل عتبهم الى الاعلام، فاني برّأت ذمتي حينها بذكر من يخصّهم العتب "مع أن بينهم من لا يستحقه": (عادل عبد المهدي، شيروان الوائلي، حسن السنيد، عزيز العكيلي، خالد الأسدي، صادق الركابي، احمد الجلبي، وموفق الربيعي).

اللهم اشهد ان عتب اهل (الشجرة الطيبة) قد اوصلته الى اصحابه.. عسى أن أحدهم يقول لنفسه (والله حقهم علينا) فيخصها بزيارة ليرى كيف حالها.. وياحيف على أهل الناصرية أن يضطرهم الزمن النحس الى ان يستنجدوا بمن جاءت بهم حليفة من امطروا جنودها برصاص " البرنو" من على شجرة الصفصاف!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

عامر صالحوالى الأصلاح بالصدمة

علينا الأعتراف بأن حاضر العراق هو نتاج صدمات لتاريخه القريب، ولا يوجد ما يشير الى ان العراق كان بلد مستقر وهادئ خلال عقوده الماضية وان ما كان فيه هو نعيم وجنة ورخاء، ولكن بالتأكيد المقارنة تكون نسبية، فالأسوء يستنهض فينا ايجابية السيئ رغم مرارة الأخير، إلا ان الفطرة الانسانية تشتغل على سنة من يرى الموت يرضى بالسخونة المرتفعة، والذاكرة الانسانية تنشظ بذكرى الاحداث من حيث تراتيبيتها ووقع الألم فيها ودرجة تلاشيه في مختلف الحقب التاريخية، الشخصية منها والعامة.

في التاريخ الحديث للشعوب توجد عدة أحداث بارزة شكلت صدمة أو رجة في الوعي الجمعي، قادت بدورها إلى تحولات على المستوى السياسي والحضاري، بما في ذلك إجراء مراجعات فكرية مختلفة وممارسة للنقد والنقد الذاتي. باستثناء منطقتنا العربية والاسلامية، والعراق نموذج لذلك العزوف عن نقد الذات وانتاج خطاب يسهم في رسم ملامح حاضر افضل والذي يبدو أنه محصن حتى الآن من تأثير هذا النوع من الصدمات، بل ان مافيه من تفاعلات تعيد احياء السيئ بما هو اسوء منه.

فبالاضافة إلى الاستبداد والقمع والفساد الذي عانى منه ويعاني العراقيون، هناك أيضا حجب كامل للمعلومات واستهتار واضح بقيمة الإنسان العراقي. وهناك ميل دائم للتعامل مع المواطنين كما لو كانوا أطفالا أو قصرا بحاجة دائمة إلى من يفكر عنهم ويتخذ القرارات نيابة عنهم. وهناك حرص سلطوي على جريان السياسات والتعليمات والمعلومات في اتجاه واحد فقط من الأعلى إلى الأسفل وهناك التعامل مع الشعب كقطيع يستحق الرعاية والقيادة الرتيبة الى حين يريد القائد الفذ او الحزب القائد، إن كان دكتاتوريا ام اسلامويا او غيره.

لقد نشأ الظلم والفساد في العراق في عقوده الأخيرة على أرضية قسوة خارقة واستثنائية حيث قائد الضرورة كان على هبة الاستعداد لذبح مئات الألوف من عامة الناس ومن كوادر البلد العلمية والمهنية والسياسية ومن خيرة مفكريه وأدبائه وكتابه وشعرائه، وحتى من أنصاره ومؤازريه،وحرب ضروس استمرت ثماني سنوات لم تلبث أن انتهت بأعجوبة ساهم العناد الإيراني باستمرارها وإراقة الدماء عند كلا الطرفين،حتى لحقت بها حرب احتلال الكويت،ثم تلتها حرب تحرير الكويت ضد العراق وكان في ذلك اشد دمارا للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للدولة العراقية، وقد ساد مناخ من الإعتام واليأس والقنوط والإحباط ارتبط بفقدان الأهل والإخوة والأقارب في الحروب وتصدع العائلة والمدينة والقرية والحي والحارة والجار بتأثير شدة الفقر والحاجة حيث بلغت الرواتب في أفضل الحالات من 5 الى6 دولارات في بلد نفطي كالعراق،إضافة إلى التصدعات القيمية والأخلاقية العامة كمحصلة لهذا كله، وقد قادت هذه الظروف إلى شيوع الجريمة العادية والسرقة ولكنها كانت في معظمها تحت قبضة النظام السابق حيث كان على استعداد لتشجيعها أو القبض على منفذيها بنفس الوقت للتخفيف من أزمته الداخلية، وكذلك تاركا لأجهزته المخابراتية والأمنية حرية ارتكاب الجرائم النوعية ضد مناوئيه.

ثم أتت فترة  الاحتلال الأمريكي عام 2003 واسقاط النظام السابق حيث شيوع وانتشار التنظيمات السياسية الطائفية التي نمت نموا مذهلا وسريعا وبتشجيع من دول الجوار العربي وغير العربي مستفيدة من حالة الإحباط التي عانى منها الشعب العراقي لعقود في ظل النظام السابق جراء الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي سببها له،وهي بمثابة استجابة انفعالية ـ سياسية في تصور غير عقلاني للخلاص من الظلم الاجتماعي دون فهم قوانينه وأسبابه، والكثير من هذه التنظيمات الطائفية ـ السياسية تربى في جبال أفغانستان أو في سهول إيران والجميع حمل أجندة البلد الذي قدم منه لينفذها على ارض العراق المظلوم ويتلقى إلى اليوم وباستمرار دعم تلك البلدان واشتراطاتها السياسية، بما فيه حتى شروط تشكيل حكومته القادمة، أنها كارثة حقيقية ضد استقلال البلد وسيادته، وعلى خلفية ذلك اشتد الاقتتال بين طوائف الدين الواحد ليتخذ طابع التصفيات الدموية والانتقام والتكفير المتبادل، بل امتد ليشمل أديان وطوائف أخرى لا ناقة لها ولا جمل في الصراع الدائر في عمل هستيري لا حصر لحدوده، وفي محاولات عبثية لحرق الأخضر باليابس.

لقد تواجدت هذه القوى تحت المظلة الأمريكية والجميع غير مؤمن بالديمقراطية السياسية كأسلوب لإدارة الحكم، وإذا كان المحتل صادقا في نيته في بناء نظام ديمقراطي في العراق فتلك هي حالة الاغتراب بين المحتل وبين من يتعامل معهم لإدارة شئون البلاد،وكما يقول المثل " إن كنت تدري فتلك مصيبتي وان كنت لا تدري فالمصيبة أعظم "، وعلى خلفية ذلك ولد الدستور"رغم مثالبه "معطلا والمؤسسات الديمقراطية الناشئة فارغة المحتوى غير ذات جدوى،والجميع يعمل على شاكلته وبطريقته الخاصة مستلهما من الدكتاتورية السابقة اعتى دروسها في "التبعيث الجديد" والاستحواذ والقمع، وكل من هؤلاء انشأ ميليشياته "الجيش الشعبي الجديد" وحتى منظمات مجتمعه المدني الصفراء،وقواه الأمنية ليدافع عن نفسه وعن امتيازاته وبقائه بعيدا عن الانتماء إلى الوطن والمواطنة.

وعلى خلفية هذه التعبئة المشوهة اندفعت شرائح واسعة من مجتمعنا في البداية إلى الارتماء في أحضان هذه الحركات على خلفية فهم محدود لإزالة أثار الفقر ومسبباته في تصور خاطئ مفاده إن جرة قلم سوف تنقلهم من فقر مدقع إلى غنى لا حدود له، في ظروف سياسات انفتاح غير مدروسة وعبثية صوب الانتقال إلى اقتصاديات السوق،في وقت توقفت فيه الدولة عن أداء دورها التنموي في بلد غني كالعراق،وتتسع دائرة الظلم الاجتماعي والفساد، ويبدأ الفقر بالضرب بشدة في ما تبقى من صلابة التنظيم الاجتماعي بما فيه العائلة ليفضي إلى تصدع اجتماعي وترهل سياسي مخيف فيخيم على المجتمع شعور طاغ بالاغتراب وفقدان المعنى والمصداقية مع انعدام العدالة والتخلص من كل تخطيط ليقع المجتمع فريسة ضروب الفوضى وارتفاع مخيف لنسبة البطالة وسط غنى هو الأخر مخيف وفاحش، وتتعمد القوى السياسية لتسريع الانتقال إلى الرأسمالية المشوهة والوحشية لتحقيق مكاسب خاصة عبر الوكالات والسماسرة والفساد بكل أنواعه، ونفس هذه القوى تندفع إلى تسويات سياسية غير عادلة يسودها منطق الانهزامية الوطنية في ظروف يبدوا فيها محيط العراق الخارجي أكثر شراسة وعنف في التدخل في شئونه وارتهانه وأضعاف وحدته الداخلية.

أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى،ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية،حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد،مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد،وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار، وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية،مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة، وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة، أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.

كما أن نظام المحاصصة يعرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد، بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ،بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "،وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ،وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية،فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها، أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.

أن إضفاء الصبغة الطائفية والعرقية على الصراع السياسي واللجوء إلى الحلول ذات الطبيعة التوافقية ـ الطائفية والعرقية تسهم في تكريس منظومة قيمية ذات طبيعة تعصبية " شاء الفرد أم أبى" لتشكل بدورها اتجاها نفسيا سلبيا مشحون بشحنة انفعالية ضد الأخر الديني أو الطائفي أو العرقي دون سند علمي أو منطقي أو بمعرفة كافية، ليتحول التعصب إلى مشكلة حقيقية في التفاعل الاجتماعي الإنساني المنفتح، وحاجزا يمنع كل فكر تقدمي جديد، ويفتت مكونات المجتمع الواحد ويحولها إلى أشلاء منغلقة ذاتيا بعيدة كل البعد عن التطورات المتلاحقة التي تحصل في العالم الخارجي في كل المجالات، أنها حالات من الصمم والبكم والعمى الهستيري والتي لا تدرك الأشياء والظواهر إلا من خلال اتجاهات التعصب الأعمى، أنها فرصا مواتية لتشديد قبضة الكراهية والعدوان الاجتماعي، ونحن نعلم من الناحية النفسية أن التعصب والتخندق الطائفي والعرقي هي سلوكيات مكتسبة ومتعلمة في أعمها الأغلب ولا توجد أدلة قاطعة ذات طبيعة غرائزية أو فسيولوجية لوجودها،فهي حالات من التمركز حول الذات وعدم تقبل الحوار مع الأخر المغاير.

استكمالا لذات النهج المريض وتأسيسا عليه يمر العراق اليوم بأزمات مركبة، سياسية، واقتصادية، وصحية وأمنية قد تؤدي الى ما لا يحمد عقباه من انهيارات كبرى، حيث عدم الاستقرار السياسي والصراعات السياسية تفتك بالعملية السياسية وتقود البلاد الى المجهول، وبالمقابل يشتد قمع المتظاهرين المطالبين بتحسين اوضاعهمم الحياتية وتغير العملية السياسية، حيث قوبلت بالقتل العمد والاغتيالات والاختطاف والتغييب حيث تجاوزت اعداد الضحايا اكثر من 700 شهيد واكثر من 30 ألف جريح ومئات الاعاقات المنتهية، دون ان تجري محاسبة القتلة وتقديهم للعدالة.

كما ان الحديث عن انتخابات مبكرة استجابة لمطالب المتظاهرين باتت للأستهلاك الاعلامي ولأمتصاص نقمة المجتمع الغاضب على الطبقة السياسية، وقد تم ترحليها ايضا الى اكتوبر بدلا من حزيران ولازال الصراع على اجرائها والكيفية التي تتم بها هاجس قوى المحاصصة كي تؤمن فوزها القادم، وهناك صعوبات معروفة للجميع بأستحالة قيام انتحابات عادلة ونزيهة، من انتشار السلاح المنفلت وغير المنفلت الذي يستخدم للترهيب، وكذلك المال السياسي، واشكاليات انجاز سريع للبطاقات الانتخابية البايومترية للحد من التزوير، وعدم اكتمال نصاب المحكمة الاتحادية، وعدم تعديل قانون انتخابات مجلس النواب واشكاليات اخرى متعلقة بانتخابات مجالس المحافظات التي يريد مجلس النواب اجرائها متزامنة مع الأنتخابات البرلمانية.

ثم تدهور الاوضاع الأمنية على مستوى عودة العمليات الارهابية والاختراقات للأجهزة الأمنية في مختلف مناطق العراق، وكانت العملية الارهابية التي حصلت في ساحة الطيران بمثابة جرس انذار للجميع، الى جانب الاغتيالات الفردية المستمرة للناشطين المدنيين والمحللين السياسين والجرائم العادية المنتشرة في العراق. وكان تدهور الوضع الصحي بسبب جائحة كورونا وعدم القدرة احتواء نسبي للوباء عكس بشكل جلي المكانة المتدهورة لقطاع الصحة والذي صرفت عليه المليارات من الدولارات في السنوات السابقة دون جدوى ومخرجات تذكر وقد ألتهم الفساد الكثير من هذه الاموال اسوة بالقطاعات الاخرى.

اما في نطاق  العملية الاقتصادية والاجتماعية فأن حقبة مابعد 2003 شهدت فسادا واهدارا وسرقة للمال العام لم يحصل في تاريخ الدولة العراقية، فقد تجاوز اهدار المال العام 1400 مليار دولار في سرقات مباشرة ام تلكأ مشاريع او مشاريع وهمية، وقد رافق ذلك تدهور لقطاع الدولة في مختلف المجالات الانتاجية والخدمية، وتعثر وخراب في القطاع الخاص ونسف للبنية التحتية في كل المجالات، وبات الاقتصاد العراقي ريعيا بأمتياز حيث بيع النفط من اجل الرواتب والأكل والشرب والاستيراد من الخارج ابسط المستلزمات التي كان يصنعها العراق سابقا، والاعتماد على النفط كمورد اساسي ووحيد تصل بنسبة 97%، ومع تداعيات اسعار النفط تم اللجوء الى الاقتراض الداخلي والخارجي بما يكبل الدولة ومستقبل البلاد بمزيدا من الارتهانات. ووفقا للتقارير الدولية فأن اعداد السكان التي تحت خط الفقر وصلت الى 12 مليون او تجاوزته بسبب انهيار اسعار النفط ووباء كورنا الى جانب انعدام السياسات البديلة لأحتواء الازمات، ومن الممكن ان تتضاعف معدلات الفقر الى 40% من عدد السكان.

وقد لجأت الحكومة العراقية مؤخرا رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي من 1190 دينار للدولار الواحد إلى 1450 دينار، ما تسبب بصدمة اقتصادية كبيرة في البلاد التي تعاني أساسًا من أزمة مالية كبيرة منذ أشهر نتيجة تبعات فيروس كورونا وما تسبب به من حالة إغلاق عالمية وتأثير ذلك في أسعار النفط التي انهارت إلى مستويات قياسية، الى جانب عدم المقدرة لوضع حد للفساد المالي، وقد رافق ذلك توجه الحكومة الحالية عبر ما يسمى " بالورقة البيضاء للأصلاح " الى جانب موازنة 2021 التي يرى فيها العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين " أنها موازنة بائسة معتمدة على القروض الداخلية والدولية ، وإنها أعدت على عجل ، بأرقام غير دقيقة ، ولم تعرض على وزارة التخطيط ، وأشارات بزيادة الأنكماش الأقتصادي ، وتخلو من برامج تحفيزية حقيقية جعلت الشعب العراقي يستذكر العودة إلى زمن الحصار الأقتصادي ، وان هذه الموازنة البائسة سوف تزيد الفقراء فقراً واللصوصية ثراءاً وفحشاً ، وأن الوطن المنكوب ذاهب إلى الهاوية ، وهذه بعض الملاحظات:

- الأرتفاع المفاجيء لسعر الدولارفي مسودة الموازنة ، مما أدى إلى خفض القوّة الشرائية للمواطن والتسبب في كساد السوق

- أستقطاع من رواتب الموظفين ، وفر ض رسوم على البنزين.

وفي مشروع موازنة 20-21 تضمنت الأقتراض من أكثر من 50 جهة لتأمين الكهرباء فقط والكارثة بضمانة سيادية. ـ

وفي الموازنة هناك دوائر ووزارات لم تقدم بعد حساباتها الختامية منذ سنوات ربما منذ سنة 2012. ـ

- أحتساب أيرادات النفط الخام على (التخمين) وذكر رقم 42 دولار للبرميل الواحد ، بالوقت الذي صعد اليوم إلى أكثر من 50 دولار.

- التوزيع الغير عادل للثروات بين المحافظات مثلا البصرة المغبونة التي تضخ الميزانية العراقية بأيرادات النفط بنسبة 90% ، وفي

محافظات الوسط والجنوب هناك عشرة ملايين مواطن تحت خط الفقر.

- مشروع موازنة 2021 تفرط بعقارات الدولة ، كما ورد في المادة 60 من قانون الموازنة: ” تجيز بيع الأصول المالية للدولة وشركاتها العامة ” (طريق الشعب).

لن نرى في كل هذا إلا ان يكون تراكم لصدمات سوف تجعل من المجتمع العراقي يقترب من حافة الهاوية والانفجار غير المحسوب العواقب، فأذا كانت احتجاجات اكتوبر سلمية بأمتياز، فمن يضمن السلمية في المرات القادمة على خلفية تعاظم الكبت الناتج من الحرمان في اشباع الحاجات الانسانية الاساسية وبالتالي فنحن امام برميل بارود اذا لم يحكم السيطرة عليه لحيلولة دون انفحاره فأنه قطعا سينفجر !!.

 

د.عامر صالح

 

 

ابراهيم أبراشحتى بدون تخطيط فإن الأزمات التي افتعلها الرئيس ترامب خلال ولايته وأثناء العملية الانتخابية أدت لتبييض صفحة الولايات المتحدة خارجياً وتجديد ديمقراطيتها داخليا وتحميل ترامب وزر كل أخطاء إدارته وكل الإدارات السابقة، وبذلك يكون ترامب قدم خدمة لبلاده ولخلفه جو بايدن الذي ستجد سياساته في فترته الأولى القبول دون كثير معارضة عندما يتم مقارنتها بسياسات سلفه ترامب وخوفاً من أن يؤدي فشله لعودة ترامب والحزب الجمهوري.

الارتياح داخل الولايات المتحدة الامريكية وخارجها لنجاح الديمقراطي جو بايدن لا تمنح حكم مطلق بالأفضلية أو شهادة حسن سلوك مسبقة للرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي أو أن الولايات المتحدة في عهد بايدن انفصلت عن تاريخها السيء وخصوصا تجاه شعوب العالم الثالث وحركاتها التحررية والتقدمية، أو أنها لم تعد ما كانت عليه طوال عقود وخصوصاً في مجال السياسة الخارجية وبتحديد أكثر في علاقتها بالشرق الأوسط وبالقضية الفلسطينية.

ما جرى في الانتخابات الأخيرة أن الأمريكيين والدولة العميقة أنهوا حكم رئيس نهج بعض السياسات والمواقف الدراماتيكية والتي تتعارض مع  ما سارت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخلق حالة من الاحتقان الداخلي التي نتجت عن تصريحاته ومواقفه العنصرية، ومواقفه في السياسة الداخلية كانت السبب الرئيس في خسارته للانتخابات.

صحيح أن الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية يضعون ويتركون بصماتهم على سياسة البلاد ولكن لا تتغير الاستراتيجيات جذريا مع كل رئيس جديد. فبالرغم من تعاقب عدة رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على الحكم ما بعد الحرب الباردة إلا أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم الخارجي لم تتغير كثيرا، لا تجاه روسيا الاتحادية أو الصين مع بعض التغيير تجاه اوروبا والأمم المتحدة، حيث كنا نلمس تغييرا في الخطاب واللغة وفي السياسة، بما هي دون الاستراتيجية، وليس تغييرا في الاستراتيجية نفسها.

وبالنسبة للملفات المتعلقة بالشرق الأوسط وأكثر تحديداً بالنسبة لإسرائيل. فالرئيس الجديد بايدن من الحزب الديمقراطي وهو حزب عريق حكم الولايات المتحدة لعقود طويلة بالتناوب عبر صناديق الانتخابات مع الحزب الجمهوري وخلال هذه العقود تواصل الموقف الأمريكي المعادي للحقوق الفلسطينية والمؤيد للكيان الصهيوني بغض النظر عن الحزب الحاكم، كما أن بايدن كان نائب الرئيس أوباما قبل مجيء ترامب وقد لمسنا وعشنا مرحلة أوباما التي كانت الأسوأ في التعامل مع القضايا العربية، ففي عهده رعى وموَّل،  مباشرة أو من خلال الانظمة العربية التابعة لواشنطن وخصوصاً الخليجية، ما يسمى (الربيع العربي) الذي نشر الخراب والدمار في العالم العربي ومول جماعات الإسلام السياسي المتطرفة وشجع دول الجوار على التدخل في الشؤون العربية بل واحتلال بعض الأراضي العربية، كما كانت الإدارة الامريكية في عهد أوباما أكبر مساند لإسرائيل في سياساتها الاستيطانية والعدوانية، وإدارة أوباما كانت وراء فشل كل محاولات إدانة إسرائيل في المنظمات الدولية الخ.

استبشر كثيرون خيرا بذهاب ترامب وكأن المشكلة كانت في الرئيس ترامب وليس في الدولة الأمريكية. فحتى لو عادت السياسة الامريكية إلى ما كانت عليه قبل أربع سنوات فهل كانت سياسة عادلة ومنصفة ومسالمة؟ وهل بمجيء بايدن وحزبه الديمقراطي ستسقط  عن أمريكا صفة الدولة الامبريالية والعدوانية وعدوة الشعوب العربية وقضاياها العادلة كما كان الخطاب السياسي العربي يصفها طوال عقود؟ وهل ستسقط عنها صفة وواقع الحليف الاستراتيجي لإسرائيل؟ وعندما يقول حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية إن ما صدر عن الإدارة الامريكية الجديدة من تصريحات "خطوة إيجابية يمكن البناء عليها وعودة العلاقات مع أمريكا لطبيعتها"، فما هي العلاقة الطبيعية بين الفلسطينيين وامريكا؟ أليست علاقة عداء وتنَكُّر للحقوق الوطنية الفلسطينية؟.

وزير الخارجية بلينكن تحدث عن عودة أمريكا لسياساتها قبل مجيء ترامب وخصوصا في مجال دعم الديمقراطية وتجديد العلاقة مع الحلفاء التقليديين وضرورة أن تخرج امريكا من عزلتها وأن تنفتح على العالم حتى تتمكن من قيادته، كما أن الرئيس بايدن وقَّع قرارات منها العودة لاتفاقية باريس للمناخ ولمنظمة الصحة العالمة إلا أن العلاقات مع روسيا والصين استمرت متوترة كما كانت، كما لم تتغير السياسة تجاه إيران بالرغم من التصريحات المتفائلة خلال الحملة الانتخابية.

أما بالنسبة للشرق الاوسط وخصوصا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية  فوزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن أحبط مبكرا مراهنات المتفائلين بالإدارة الجديدة حيث أكد على التزام أمريكا بأمن إسرائيل والبناء على ما انجزه ترامب فيما يتعلق بالقدس الموحدة كعاصمة للكيان الصهيوني، أيضاً بالنسبة للتطبيع العربي حيث أيد نهج التطبيع مع إمكانية إعادة النظر بما التزمت به إدارة ترامب تجاه الدول العربية المطبِعة، كصفقة الطائرات للإمارات والاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء .

نعلم، إن العالم يتغير ولم تعد نظرة العالم لأمريكا كما كانت أثناء الحرب الباردة كما نعترف بأن الرئيس ترامب كان الأسوأ بين كل الرؤساء الامريكيين السابقين له في تعامله مع الفلسطينيين، وندرك أن لا دولة استطاعت ملء فراغ وقف الرعاية الامريكية لعملية التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ولكن هذا لا يعني المبالغة في المراهنة على الرئيس بايدن وقد نفاجأ بأنه لا يختلف كثيراً عن سابقه ترامب ما دام تبنى كل سياسات ترامب بالنسبة للقدس والاستيطان .

أما المراهنة على حديث أركان إدارة بايدن بأنه يتمسك بحل الدولتين فهذا حديث سيبقى مبهم وغامض وحمال أوجه، وقد كان الرئيس أوباما يعترف بحل الدولتين ولكن كورقة لإدارة الصراع وكسب الوقت لصالح إسرائيل حتى تواصل مشاريعها الاستيطانية وليس لحل الصراع ولم يُقدِم على أية خطوة تجعل من حل الدولتين أمرا قابلاً للتطبيق، ولن يكون لحل الدولتين أي مصداقية ما لم تُوقِف إسرائيل الاستيطان وتعترف واشنطن بالدولة الفلسطينية، ثم بعد ذلك يمكن التفاوض على التفاصيل وآليات قيام الدولة.

 

إبراهيم أبراش

 

 

كريم المظفرقد يبدو للبعض ان عنوان المقال غريبا، ولكن وفي ظل هذه الظروف التي تمر بها روسيا، يتوجب علينا تسليط الضوء على بعض الحقائق الضرورية التي يجب ان يعلمها من المهتمين بالشأن الروسي، من الذين لم يعايشوا البلاد في تسعينيات القرن الماضي، لكنهم اليوم يحللون ويكتبون مواد لم يعايشوها، بل سمعوها من مؤسسات تحاول رسم صورة مختلفة عن روسيا،  ويحاول البعض منهم  إضفاء صفة " المفهومية"  لنفسه في بواطن الحياة السياسية الروسية.

وهنا بات لزاما علينا وضع  القارئ الكريم بالصورة الحقيقية لما شاهدناه وعشناه في روسيا، وكما هي ودون رتوش او إضافة او نقصان، ولا نريد هنا مجاملة احد على حساب الحق، لأني لست مواطنا روسيا ولم احصل حتى على اقامتها الدائمة بحكم القانون الروسي وشروطه المعقدة  لذلك،  وقد تكون شهادتي (مجروحة) كوننا نقيم على الأرض الروسية منذ هروبنا منذ العراق عام 1999، لكن روسيا وفرت لنا وعائلتي الأمان والاستقرار الذي فقدناه وغيرنا من المقيمين في بلداننا، وافضل طريقة لرد الجميل هو قول الحق، حتى وان كان هذا سيغيض البعض ممن اكل وشرب من خيرات هذه البلاد، وما ان حصل على جوازها الذي فتح له أبواب العالم، راح (ينعق) مرددا الأصوات الغربية النشاز ضدها.

وأول ما نتذكره  عندما وطأة أقدامنا هذه البلاد عام 1995 (كمراسل صحفي)، هي تلك الذكريات الرهيبة والمؤلمة للغاية لحقبة التسعينيات من القرن الماضي، فروسيا كانت كالبلد المريض برئيس مريض (بوريس يلتسن)، فاقد للوعي، ومدمن، وبسبب هذا الإدمان على الكحول سجلت كاميرات التلفاز العديد من الفضائح له خلال مناسباته الرسمية، ويذكر رئيس جهاز الأمن الرئاسي السابق يلتسن الكسندر كرجاكوف  في كتابه (من الشروق الى الغروب) واحدة من فضائح ادمان الرئيس " لقد اضطررنا الى الغاء الزيارة الى المانيا رغم هبوط الطائرة في برلين وحضور المسئولين لاستقباله، وافهامنا الجانب الألماني بتعرض الرئيس لوعكة صحية مفاجئة،  لكن السبب الرئيس هو انه كان ثملا للغاية وتركناه ينام لأنه لا يقوى حتى على الوقوف من شدة حالة السكر) وهذا خير دليل على الوضع الروسي الذي كان  يمثله يلتسن.

وحتى انتهاء الفترة الأولى لحكم أول رئيس لروسيا بوريس يلتسن كانت قد تلاشت آمال الجماهير بالديمقراطية المزعومة في روسيا، وتمخضت الاصلاحات الاقتصادية وعلى رأسها الخصخصة عن افقار شامل للسكان، وبدلا من الحكم الديمقراطي حلت سلطة أساطين المال، وقادة فساد تفننوا في سرقة ممتلكات الدولة بداعي (الخصخصة) وحركة الإصلاح التي قادها إيغور غيدار وأناتولي تشوبايس، وعراب الكريملين بريزوفسكي وعراب الاعلام زيلينسكي  وغيرهم، بالإضافة الى الجوع والعوز لدى الناس، وموظفين لم يتلقوا رواتبهم لأكثر من سنتين، ومافيات تقاسم الناس رغيف خبزهم، وديون دولية اثقلت الميزانية الروسية، ذهبت جميعها الى جيوب الفاسدين، ومثل هذا الوضع يذكرني بما يجري في بلدي العراق اليوم.

ومع بداية فترة الرئيس فلاديمير بوتين عام 2000 دخلت روسيا بألفية جديدة  ركز فيه الرئيس الجديد على الاختفاء التدريجي  للمظاهر السابقة،  وطارد الفاسدين والمافيات في عقر دورهم، فمنهم من اتخذ بريطانيا ملاذا  " كفاسدي العراق الان"، ومنهم من طالتهم يد القانون الذي احكم الرئيس بوتين دوره بشكل قوي، عندها بدأت مظاهر  الازدهار الاقتصادي تلعب دورها في حية المواطن بشكل كبير، ساعد في ذلك أيضا ارتفاع سعر النفط،  ما دفع الرئيس بوتين في احداث قفزات اقتصادية كبيرة، وارتفعت معها التصنفيات الاقتصادية الدولية لروسيا، وأحس المواطن الروسي بنعمة هذه الازدهار، وبات يعرف مهنة الاصطياف كل عام في دولة جديدة غير التي قبلها، وتسابقت الدول السياحية بتقديم العروض تلو الأخرى لاستقطاب السائح الروسي، والذي اصبح حتى اليوم رقما صعبا في سوق السياحة العالمية لجذبه اليها، ناهيك عن الطفرة القوية في سوق العقارات والمشاريع العمرانية وافتتاح ارقى المراكز التجارية الضخمة بماركاتها الأجنبية المعروفة وتهافت شركات السيارات العالمية، تويوتا وفولكس فاكن وبي ام دبليو ورينو وغيرها من الماركات العالمية تتهافت لفتح مصانع لها في روسيا، بعد ان  رافقت سيارات (لادا او موسكوفيج) المواطن طوال حياته، والقائمة تطول من الإنجازات الاقتصادية تحتاج لدواوين لكتابتها  .

ونعتبر تنظيم روسيا لفعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم 2018، القشة التي قصمت ضهر البعير، وفضحت  ازدواجية الغرب  و"استقتاله" المميت لعرقلة هذا التنظيم، واعتبروها "الغلطة" التي لن تغتفر لهم (أي للغرب)، لأنه كشف ما زعم به الساسة والاعلام الغربي وتحذيراتهم من السفر الى روسيا ومخاطرها، والصورة التي رسمها الاعلام الغربي لمواطنيه عن روسيا مثل كونها بلد المافيات والعصابات والفقر الذي يعيشه المواطن فيها، فقد اثبتت روسيا العكس تماما وبشهادة كل المختصين والمحللين السياسيين والرياضيين، بالمستوى العالي للتنظيم، ونظافة البلاد، والامن والأمان  في جميع المدن التي استضافت فعاليات البطولة وطيلة فترة ال 30 يوميا، لتكون احسن بطولة على الاطلاق في العالم، ومثالا يحتذى به للبطولات السابقة .

كما التفت الرئيس الروسي الى الوضع الصحي في البلاد فإعادة هيكلة المرافق الصحية وتزويدها بأحدث الأجهزة والكوادر الطبية بجميع فئاتها وآلياتها وأجهزتها، بالإضافة الى إعادة تنظيم القوات المسلحة وتزويدها بأحدث الأسلحة، وأزال الصدأ عن معدات قواته المسلحة، ورفع جاهزيتها وبناءها بشكل سليم لتكون سور البلاد المنيع وبكافة تشكيلاته المسلحة، وكذلك رفع الموثوقية في السلاح الروسي، وتشجيع الابتكارات العالمية لتطويرها، حتى بات اليوم أحد وجهات الصراع بين روسيا والغرب للاستحواذ على سوق السلاح.

اما على الساحة الدولية، فكان خطاب الرئيس بوتين، مدويا في ميونخ عام 2007، وكان البداية للخلاف مع الغرب، بعد ان أعادت روسيا تموضعها بروح المبادرة والإقدام، وبعد عهد مديد تآكل فيه نفوذها حتى في مجالها الحيوي المباشر، وخسرت مواقع متقدمة في جوارها الذي التحق بعضه بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما فقدت امتيازات تمتعت بها في البحر المتوسط

وجاءت روسيا بمطالبة واضحة بأن ينكمش نفوذ "الغرب" لصالح قوى جديدة تتصدرها روسيا عملياً، ولا يبتعد هذا عن هواجس تتأجج في أوروبا تحديداً بشأن مصير "الغرب" ذاته، وليس النظام الدولي فقط، وحضرت روسيا مؤتمر ميونيخ 2016 كما يقول الكاتب حسم شاكر في مقالته،" حضرت روسياً مؤتمر ميونيخ الأمني هذه المرة مكللة بتاج الوقار، بعد سنوات ثلاث تلازمت خلالها مشاركتها في أعماله مع إثارة الجدل بسبب سياسة المبادرة والتوسع التي انتهجتها ".

موسكو اليوم هي ليست موسكو التسعينيات، فتبدو الآن شريكاً بديلاً محتملاً لبعض عواصم وسط أوروبا وشرقها، كما ظهر مؤخراً في التقارب الروسي مع الاوربيين وبلدان أمريكا الجنوبية، والعالم العربي وقضاياه، والتي أصبحت تحمل رسائل لاذعة إلى الشركاء الغربيين وامريكا، وباتت موسكو اليوم " محج" الباحثين عن حلول لقضاياها المصيرية، بعد قناعة منهم بان روسيا بعيدة عن " منطق الاستعمار " الذي يجسده الغرب بصورة وحشية في كل تحركاته.

ما قامت به روسية خلال السنوات الماضية من تحركات عسكرية ودبلوماسية، اثبت انها باتت رقما صعبا في قضايا دولية مهمة، سواء في الشرق الأوسط والخليج وحتى في مجال التعاون الاقتصادي والامن الأوربي، تحركات جعل الغرب يسرع من عجلى " مؤامراته " ضد روسيا عموما والرئيس بوتين خصوصا، لان الأخير بات يلعب في مناطق سجلت كمناطق نفوذ غربية واوربية، وكشفت " زيف وازدواجية " تعامل الغرب مع قضايا هذه المنطقة، وبالتالي خسر الغرب وأمريكا صورته التي رسمها طوال عقود من الزمن بأنه " الوسيط النزيه ".

وقد يجادل البعض في وجهة نظرنا المتواضعة، لأننا نمتدح الخطوات الروسية بشكل تام، لكن نحن لا ندعي ذلك، فلروسيا أيضا لها مصالحها في العالم، ولا تستثني نفسها منها،  لكنها على عكس غيرها، فهي عادة ما تبني علاقاتها مع الحكومات الشرعية،  على عكس الغرب الذي يبني مصالحه مع طرف على حساب الأطراف الأخرى، وفي ذات الوقت  تمسك  موسكو العصا من وسطها، وتحتفظ بخيوط العلاقة مع جميع الأطراف في أي (نزاع) فمثلا انها تحتفظ بعلاقات مع جميع الأطراف الفلسطينية وإسرائيل، ومع الحوثيين والحكومة الشرعية في اليمن، حتى في النزاع الخليجي الإيراني فموسكو تقف مع الجميع على مسافة واحدة، وفي الملف الليبي تحتفظ بعلاقات مع حكومة طرابلس وبنغازي، وهكذا هو تعاملها مع الملفات الأخرى، وتحاول موسكو تقريب وجهات النظر خدمة لمصالحها ومصالح الأطراف المتخاصمة .

وفي غمرة الإزاحات الميدانية والتحولات السياسية وخلط الأوراق على جبهات عدّة يكون لدى موسكو ما تعنيه من دعوتها لإعادة تشكيل النظام الدولي، ومن ذلك ضرورة فتح صفحة جديدة في مجالات متعددة، بما في ذلك الإقلاع عن مساعٍ غربية لمحاصرة روسيا والضغط عليها، علاوة على أنها رسالة من موسكو بأهمية الاعتراف بدورها الصاعد في عالم متعدد الأقطاب.

اذن كلمات لرئيس بوتين " لسنا بحاجة لعالم لا توجد به روسيا"، وعلى الرغم من طباعه الهادئة، فقد اثبت أنه شخص صارم وحاسم، وهو مستعد لاستخدام الأسلحة النووية ضد الولايات المتحدة الأمريكية حالة وقوع هجوم نووي على روسيا، وتعني ان روسيا لن تكرر مصير الاتحاد السوفيتي، وهي قادرة على استخدام جميع الوسائل المتاحة لمنع ذلك، دون استثناء.

وخلاصة القول فان روسيا كغيرها من دول العالم التي طالتها تأثيرات جائحة كورونا، وطالت جميع مرافق الحياة في البلاد، وشلت البلاد تقريبا لعدة شهور، وكغيره من شعوب العالم انعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين، لكن ما يميز روسيا هي انها ركزت على مكافحة مظاهر الغلاء والتلاعب في قوت الشعب، ولم تسمح بحدوث قفزات كبيرة تثقل كاهل مواطنها، وتكليف الحكومة لمراقبة الأسعار خوفا من استغلالها من قبل بعض "المتصيدين" في هذه الظروف، وكذلك عملت الحكومة على تشريع قوانين وتسهيلات للتخفيف عن المتضررين، وشجعت علمائها لابتكار  لإسراع في ابتكار اللقاحات اللازمة، وباتوا اول دولة تصنع لقاحات تكافح كورونا، وبدأت حملة شاملة لمواطنيها، رغم كل العقوبات الغربية التي تفرض عليها بين الفينة والفينة بحجج مختلف لوقف عجلة التطور الروسية في كافة المجالات .

لذلك، فإن اختيار الغرب للتوقيت لاستهداف روسيا هذه الفترة لم يكن موفقاً، وإثارة الاحتجاجات ضد حكومتها، فالشعب الروسي غير مستعد للاحتجاج، على الأقل في الوقت الراهن، ولن تكون هناك ثورة كما " يتوهم " البعض ممن اغرتهم ثقتهم بما يردده الاعلام الغربي وساسته، ولا يمكن أن يستثمر المعارض الروسي نافالني  لتحقيق نتائج الاحتجاجات في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي تجري في سبتمبر من العام الجاري 2021، فالوقت مبكر للغاية، وستختفي الاحتجاجات قبل ذلك بكثير، ويبقى الخطر الرئيس الآن هو التصعيد المباشر  من قبل الولايات المتحدة الأمريكية (لمؤامراتها) بشكلها القبيح .

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر - موسكو

 

 

كريم المظفرإصرار المعارض الروسي الكسي نافالني، للعودة الى موسكو، اكثر ما يمكن تسميته (بالاستعراض)،  قادما اليها من المانيا في السابع عشر من يناير من العام الحالي، بعد " مزاعم " تعرضه  في أغسطس /اب الماضي  الى محاولة تسميم  بمادة " نوفيتشوك " شديدة الخطورة "اعدت " المانيا بانها دست في ملابسه الداخلية، من قبل جهات امنية روسية،  مع علمه المسبق، بانه سيتم القاء القبض عليه من قبل سلطات تنفيذ الاحكام القضائية  "لورود اسمه في قائمة المطلوبين إثر انتهاكه بشكل ممنهج الإفراج المشروط عنه، ما يقتضي ضبطه وإحضاره "، جعلني في موقف لا يحسد  عليه  بسبب  كم الرسائل النصية والرسائل التي وصلتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تقدم بها  الزملاء الصحفيين والمثقفين الذين اجبرتهم الظروف للانتشار في ارجاء المعمورة بسبب الأوضاع في بلدانهم، ولكوننا  مقيمين في روسيا منذ فترة طويلة تصل الى اكثر من (20) سنة، يستفسرون عما يحدث في روسيا .

واجمعت عندها في الإجابة على تلك الأسئلة، بأن عودة (نافالني) كانت ليست كما يقول مثلنا الشعبي  (لله بالله)، وانما بات واضحا منذ اللحظة الأولى، بان عودته حملت معها سيناريو غربي، كان  قد أعد مسبقا ، وبدايته كانت في المسيرات الاحتجاجية التي تشهدها بيلاروسيا، والتي بدأت مطالبها أولا بإعادة الانتخابات وتغيير لجنة الانتخابات،  اعتراضا على اعلان فوز الرئيس الكسندر لوكاشينكو في الانتخابات الرئاسية، وخسارة المعارضة بفارق كبير، بعدها خرجت "ثلة  ممن نصبوا انفسهم  بقادة المعارضة "، وقيامها بجولات غربية، رغم انها لا تملك حتى أقيام هذه الجولات والفنادق الفارهة التي يسكنون فيها، لتتغير مطالب المحتجين الى المطالبة اليوم  "بإطاحة" نظام لوكاشينكو،، عندها اطلق الرئيس البيلاروسي تصريحه "المثير" مخاطبا فيه روسيا، بأنه يمتلك من المعلومات بأن ما يحدث في بلاده، هو استهداف لروسيا بالدرجة الأساس عبر البوابة البيلاروسية،  وفي هذا التصريح  من المصداقية، فبعد احتواء اوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق من قبل الغرب، لم يتبقى اما حلف شمال الأطلسي (الناتو) الا مينسك، التي يتمسك رئيسها "بالإرث التاريخي " بين الشعب الروسي وشعبه .

والسؤال الاخر الذي فرض نفسه، ما إذا كان نافالني بالفعل سياسياً هامشياً؟ ام سياسياً فاعلا، على الرغم من محاولات الدعاية الغربية تقديمه كزعيم للمعارضة الروسية، ومنافساً رئيسياً لبوتين، إلا أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالطبع نعم، أليكسي نافالني هو سياسي هامشي، لكن صورة حجمه السياسي في الخارج، بفضل وسائل الإعلام الغربية، أكبر بكثير من حجمه الحقيقي داخل روسيا، فمن ناحية، يعتبر نافالني قزماً سياسياً، لكن لديه بعض الإمكانات كي يكون سلاحاً ضد روسيا كما يقول المحلل السياسي ألكسندر نازاروف.

وللتذكير، فان ما حدث للمعارض الروسي، هو  تعرضه لازمة صحية في الطائرة التي تقله من مدينة تومسك الى موسكو، عندها  لم تكمل الطائرة رحلتها وهبط في  مطار أومسك،  حيث كانت تنتظره مفرزة طبية لنقله الى المستشفى، ووفقا للتقارير الطبية التي قدمها الفريق الطبي  لم تسجل تعرضه لأي مواد سامة، وبسبب رجاء عائلة (نافالني) للرئيس بوتين  لنقله للعلاج خارج البلاد، وافق الكريملين على سفره لألمانيا، وهنا وقفة مهمة في مسار أحداث " التسميم "، فلو افترضنا جدلا بان الحكومة ضالعة  في هذا الحادث، فلماذا اذن وافقت على سفره للعلاج في  المانيا؟، وهنا تسقط تهمة ضلوع الحكومة في مرضه .

وفيما يتعلق بقضية التسميم المزعومة، ووفقا للاستطلاعات الراي فان  30% من الروس  يعتقدون أن ما حدث لم يكن سوى مسرحية مفتعلة من السياسي المعارض نفسه، و19% يرون في ذلك استفزازاً متعمداً من أجهزة الاستخبارات الغربية، و15% يرون فيها محاولة من السلطة لإزاحة أليكسي نافالني،  في الوقت نفسه، يثق ما يصل إلى 34% من الفئة العمرية 18-24 عاماً من عينة الاستطلاع في تورط السلطة في عملية "التسميم"، وعلى خلفية أغلبية المواطنين الروس الذين لا يهمهم مصير نافالني، وجد استطلاع الرأي أن 17% فقط من المواطنين يتابعون عن كثب تطور هذه القضية.

وهنا نستذكر مثال روسي قديم يتداوله الروس بشكل كبير «تكرار كلمة حلوى لن يجعل مذاق اللسان حلواً"، وعلى ما يبدو ان الغرب، الذي لا يكل ولا يمل من تنظيم سيناريوهات " التآمر " ليس ضد روسيا فحسب، بل أيضا ضد أي دولة تقف عائقا ضد مصالحها، حتى تلك الدول التي تعتبرها " حليفة لها "، ولنا في التاريخ القريب الكثير من الشواهد سواء في ليبيا والعراق وسوريا وكوري الشمالية والصين.. والقائمة تطول، مستخدما آلة إعلامية ضخمة لا توازي لا من قريب ولا من بعيد ما تمتلكه الدول المستهدفة، وللأسف تتبعها وسائل الاعلام العربي (كالببغاء) ما يبثه الاعلام الغربي، و " محلليها الفطاحل" ممن باتت مصالحهم تتعارض مع روسيا، وهذا ما حدث بالضبط عند عرض فيلم مفبرك حمل اسم (قصر بوتين) وبلغة ركيكة غير موجودة في اللغة الروسية.

ووفقا للسيناريو المعد فقد لجأ نافالني الى تهييج مشاعر الشباب والقصر، عندما نشر فيلما " زعم " أنه بني كمقر سري فاخر للرئيس فلاديمير بوتين، بناه " الأوليغارشية " المقربين منه، والذي  كتب سيناريو الفيلم هي غرفة أطلق عليها نافالني اسم "غرفة الطين" mudroom، وترجمها حرفياً عن الإنجليزية دون معرفة، بعد أن قدمها له شخص ما، باللغة الإنجليزية، إلا ان هذه الجولة افشلتها مانشرته قناة Mash على موقع "يوتيوب" من تقرير مصور من داخل القصر قيد البناء، موضحة أن فريقها صور هذه اللقطات بموافقة من ممثل عن الهيئة المشرفة منذ ست سنوات على أعمال بناء الموقع العقاري.

وكشفت اللقطات المعروضة للموقع ان البناء في مراحله الابتدائية وإنه من المتوقع أن تستكمل أعمال بناء القصر بعد خمس-ست سنوات فقط، وانه ليس كما عرض في فيلم نافالني الذي صور " القصر " من عجائب الدنيا " الثامنة " وفيه مواقع مختلفة منها غرف فاخرة بشكل مفرط وكنيسة، وتبيّن أن صورة إحدى الغرف في "قصر بوتين" كانت في الواقع صورة لقاعة مكتبة براغ، وإن القيمة المعلنة للـ "قصر " المزعوم لا تساوي حتى تقريباً تكلفة يخت واحد من اليخوت التي يمتلكها الأوليغارشي الروسي أبراموفيتش، وأن الفيلم أقرب للعمل الدرامي منه إلى الوثائقي، فهناك كثير من الأكاذيب.

أما قناة "دوشد" التلفزيونية المعارضة، فقد أفشلت هي الأخرى بنفسها " مزاعم " الزخم الكبير للمظاهرات وان تباينت الآراء بشأن عديدها، فما بين 4000 الاف بحسب الإعلانات الرسمية و20000 الفا كما يقول الغرب مسافة كبيرة، واخذنا اوسطها، فان من اجرت معهم القناة من  المشاركين في الاحتجاجات في مقابلات مباشرة، اجمعوا ان خروجهم ليس تأييدا لنافالني كما يروج له، بل غضبا من "القصر"،  لذلك فإن صغر حجم الاحتجاجات وغياب الدعم الشعبي الواسع لها، يتركان طريقاً واحداً أمام منسّقي تلك الاحتجاجات لتحقيق زعزعة الاستقرار، وهو تنسيق إراقة للدماء، بحيث يموت أثناء الاستفزازات عدد من الأشخاص، من المفضّل أن يكونوا أطفالاً في المدارس، حتى تنتفض روسيا غاضبة من تصرفات "النظام الدموي"، وعندها يبدأ تصعيد الاحتجاجات، لكن حنكة قوات حفظ الامن وتعاملها بشكل مهني وخلق حالة من العلاقة الإنسانية مع المشاركين من توزيع " الأقنعة الطبية " لهم وحثهم على التباعد الاجتماعي، أفشل جزء مهم من اهداف هذه التظاهرات.

لقد بات واضحا ان المعارض الروسي، ما هو الا  تجسيد لقوى سياسية  لا يهمها شعب روسيا  اكثر من همها  ثروات بلاده، وان نافالني الذي لا يتمتع  الا بدعم 2% فقط من المواطنين الروس، ويراهن أعوانه على الإطاحة بالحكومة باستخدام العنف والشارع واستغلال أطفال المدارس كدروع بشرية لهذا الغرض، في وقت حصل الرئيس بوتين وفقا لاستطلاعات الراي ومنهم الذي اجراه المركز الروسي لأبحاث الرأي  للفترة من 11-17 يناير،أظهر أن حوالي 66% من سكان روسيا يثقون برئيس البلاد، فلاديمير بوتين، بينما أبدى 29.7% عدم ثقتهم بالرئيس الروسي، وان 60.3% من المستطلعين، حسب المركز،  يتوافقون مع أنشطة بوتين، فيما لم يوافق عليها 29.7 %، ما هو الا " كومبارس " في فيلم معروفة نهايته " كالأفلام الهندية "، التي تجمع  نهايتها على ان عروسة البطل تظهر " فجأة " انها اخت العريس  .

اذن ماذا يريد نافالني ومناصروه في الوقت الذي ينادي فيه كل الناس في روسيا ضد ظواهر الفساد؟ هل لديه برنامج سياسي واضح؟ هل يقترح حلولاً فعالة للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطنون؟ ولماذا تستجدي مكاتب نافالني الشباب القاصرين للخروج بهم إلى الشارع؟  لقد ارتد السحر على الساحر على نافالني، حتى ان معظم أحزاب المعارضة في روسيا نأت بنفسها عن نافالني، وكشف نفسه على انه أداة غربية بامتياز.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر – موسكو

 

 

علجية عيشأوّل المُمَوِّلِين لقيام الكيان الصهيوني ​

(أندرو جاكسون وصف "آل روتشيلد" بالأفاعي وجون كندي اغتيل بسبب علاقته بجمال عبد الناصر في ما يخص القضية الفلسطينية)

آلاف الملفات الحساسة جدا التي لا تزال مخزنة في البيت الأبيض تعود إلى رؤساء قادوا الولايات المتحدة الأمريكية مثل ملف اغتيال جون كندي، عندما آزر القضية الفلسطينية وملف آل روتشيرد وكيف وقف أندرو جاكسون ضد هذه العائلة وطردها، بعدما وصفها بالأفعى، وظلت هذه الملفات عقود في خانة السرية إلا أن ترامب قرر نشرها إلا أنه تحفظ على بعض الملفات ويرفض كشفها للرأي العام كونها تتعلق بالقضية الفلسطينية أو ملفات يكون من بين المتورطين فيها، والحديث عن القضية الفلسطينية مرتبط بالحديث عن ظروف ظهور الكيان الصهيوني، حيث يعود تاسيس دولته إلى مجموعة آل روتشيلد  مهندسوا بروتوكولات حكماء صهيون، وقد كان الأب الممول الرئيسي لقيام الدولة الصهيونية على دولة فلسطين  رافعا شعار: "من لا يملك المال لا يملك القوة"

فكشف الملفات الحساسة والتي يتورط فيها كبار رجال السياسة والإستخبارات تتم عادة بموجب قانون مثلما جرى في ملف اغتيال جون كيندي الرئيس الـ: 35 للولايات المتحدة الأمريكية والذي سمح ترامب كشف ملفه اغتياله بموجب قانون تم تمريره عام 1992 استجابة لمطلب الراي العام الأمريكي، تكشف الكتابات أن اغتيال الرئيس جون كندي كان بسبب العلاقة التي كانت تربطه بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكان الإثنان اتفقا على حل القضية الفلسطينية، ومن هنا بدأ التخطيط لنظرية المؤامرة، بذريعة معارض كندي للمشروع النووي الإسرائيلي، ومحاولته إرسال فرق تفتيش للتأكد من سلمية البرنامج، فكان محط أنظار الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي)، في رسالة من نجلة الرئيس جمال عبد الناصر كشف فيها هذا الأخير أن معالجة ملف القضية الفلسطينية كرجها الرئيس جون كنيدي وكشف لعبد الناصر عن رغبته في حل مشكل اللاجئين الفلسطينيي من خلال تبنيه قرارات الأمم المتحدة لحل المشكلة، وهذه القرارات كان إما رجوع اللاجئين الفلسطينيين إلى موطنهم أو تعويضهم وكان هذا المقتلاح نفس توجهات مصر، لكن غسرائيل رفضت عودتهم أو تعويضهم، فضلا عن رئسائل اخرى تحدثا فيها الطرفان عن الأوضاع في اليمن وغير ذلك، ويعد اغتيال الرئيس الأسبق في 22 نوفمبر 1963 في دالاس، لحظة مفصلية في تاريخ الولايات المتحدة، نظريات المؤامرة منذ عقود، ما جعل ترامب بعض الأسرار طي الكتمان، لأسباب أمنية وهذا بضغط من وكالة الاستخبارات المركزية.

آل روتشيلد مهندسو بروتوكولات حكماء آل صهيون​

تقارير أخرى تكشف أن من بين الرؤساء الذين وقفوا ضد التواجد اليهودي الرئيس الأمريكي السابع أندرو جاكسون عندما فتح النار على آل روتشيرد وأمر وزير الخزانة بسحب جميع الودائع من البنوك التابعة لروتشيلد في امريكا عام 1823 من أجل إيداعها في حساب بنوك الدولة، وتمكن من تسديد الديون الفيدرالية للمرة الأولى في التاريخ وهو ما جعل الحكومة الأمريكية مستقلة عن سيطرة مصرفي آل روتشيرد، وسبب له هذا القرار أن يكون أول رئيس أمريكي يعاني محاولة الإغتيال في 1835، لكونه الرجل الوحيد الذي استخدم حق الفيتو ضد إنشاء البنك المركز الأمريكي، لأن جزء كبير من اسهم هذا البنك يسيطر عليه الأجانب وهو ما اعتبره خطرا ليس على أمريكا كدولة بل على الشعب الأمريكي، ويخشى أن يقعوا ضحية استغلال هؤلاء الأجانب عبر القروض، والسيطرة على العملة الأمريكية، كانت أسر آل روتشيرد الخمسة تتمتع بنفوذ وكانت دوما تنتظر الفرص لنشوب الحروب المبرمجة في فلسطين والجزائر من أجل دخولها في المعمعة عن بُعْد باستخدام نفوذها وإلقاء ثقلها المالي الكبير لتحريك جماعات الضغط اليهودية.

و قد تدخلت لحماية مصالحها ومصالح حلفائها كفرنسا وإنجلترا التي تأوي الجاليات اليهودية، وكان كل من ناتان روتشيلد في لندن وأخيه يعقوب جيمس روتشيلد في باريس بمثابة الرواد في مضمار تاسيس الجماعات السياسية الضاغدذطة بمفهومها العصري، أما تاليران اذي كان سفير فرنسا في لندن ووزير خارجية فرنسا ورئيس حكومتها وكان مفاوضا باسمها في مؤتمر فيينا تكفل بالجانب السياسي في كل علاقاتها مع حلفائها وحل مشاكلهم سواء كانت سياسية أو افتصادية، وتنحدة أسرة آل روتشيلد من أصل الماني وكانت تقطن بفراكفورت سور ماين بألمانيا، كان ماييل أمشيل وهو الأب، يملك محلا لصرف العملات ويحمل اسم "الدرع الأحمر" وتكتب بالألمانية: " Zum rothen schilde  ومنه جاء اسم العائلة، اختار ماجير أشيل روتشيلد (الأب) هذا الإسم للتعتيم على اسمه العبري، خاصة بعدما عمل بإحدى البنوك بهانوفو وجمع ثروة، أهّلته لأن يصبح "حاخاما"، ثم ترقيته إلى يهودي البلاط في عهدة الأمير غليون التاسع، لكنه وأبناؤه احتفظوا بجنسيتهم الألمانية حيثما استقروا في كل الدول التي آوتهم، ولم يتجنسوا بجنسية أجنبية كما نلاحظه في بعض الشعوب التي آثرت التخلي عن جنسيتها الأصلية أو تحمل جنسية مزدوجة .

 وآل روتشيلد هم مهندسو بروتوكالات حكماء آل صهيون، وأول الممولين لقيام الدولة الصهيونية على دولة فلسطين عبر شراء وعد بلفور كما كانت أول الممولين بأموالها بناء أول المستوطنات على أرض فلسطين وبذلك استطاعوا زرع إسرائيل على خريطة العالم من العدم، وصورة مائير الآن تتصدر العملة الإسرائيلية ( الشيكل الإسرائيلي)، كما يستعملون السيوف والدروع رمزا لهم كدليل على الهيمنة، فكانوا  سبب الحروب في الماضي والحاضر، كما استطاع الأب ماجير أشيل روتشيلد تأسيس منظومة بنكية صهيونية سميت مجموعة آل روتشيلد البنكية groupe lcf rothshilsd، حيث لعبت دورا كبيرا خلال الحربين العالميتين من حلفاء ومحور وتمويل ألمانيا النازية ومحرقة اليهود، وتمتلك 80 بالمائة من ثروات العالم وهي المسؤول عن إحداث كل الأزمات الإقتصادية والسياسية لأهداف توسعية ربحية، وقد وصف الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون آل روتشيلد بالأفاعي، حيث خاطبهم قائلا:" أنتم وكر من الأفاعي وأنا عازم على استئصالكم"، يقول مؤرخون أن الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون كان شخصية كاريزماتية، وقد ساعدته في المقاومة لأوساط المال، لدرجة أنه تعرض في كثير من المرات لمحاولات اغتيال، قبل وفاته أوصى بالكتابة على قبره عبارة: " لقد نجحت في قتل لوردات المصارف رغم محاولاتهم التخلص مني".

 

علجية عيش

 

 

عبد الخالق الفلاحتأتي الأزمات ومنها"  الحالات التي تؤدي الى حدث وفعل يسفر عنه  تدمير وخسائر جسيمة في الموارد البشرية والمادية او الطبيعية. وعادة ما تكون غير مسبوقة بإنذار. وتتطلب اتخاذ إجراءات غير عادية للرجوع إلي حالة الاستقرار. وقد تؤدي إلي ما يسمي بالحادث المفجع. والعكس صحيح فقد تؤدي إلي كوارث إذا لم يتم اتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة لمواجهتها" بأشكال وأحجام مختلفة وكل أزمة تحتاج الى نوع من العلاج وتحتاج الى استجابة خاصة بها من متخصصين وتختلف الأزمة المالية عن الأزمة الطبيعية كالزلزال والإعصار والفيضان والأزمة الصحية كالوباء أو الجائحة او العمليات الارهابية من حيث المعالجة وهكذا ،يعد اتخاذ القرار السريع والفعال أمرًا بالغ الأهمية أثناء الأزمة، ليس فقط بسبب ضيق الوقت لاتخاذ قرارات مهمة، بل لأن الأزمات لا يمكن التنبؤ بها وقد يطال تأثيرها قطاعات كبيرة من السكان، إذا لم تكن عملية صنع القرار السياسي منظمة بشكل جيد لا  مثلما نراه في العراق اليوم من تخبط وترك ابناء الوطن يتضوعون من شدة العوز والفقر وترك الحلول للميزانية التي تمثل لقمة اكثر ابناء شعبهم وذهاب ممثليهم بسفرات تثقل كاهل الموازنة العامة وعلى حساب مصالح العراق الجريح وخارج الاعراف الدبلوماسية التي تتعامل بها الدول في هذه المرحلة بحذر، فإن ذلك يعيب قدرة ممثلو"الشعب المنتخبين" والأحزاب والحكومات على الاستجابة للأزمة بشكل فعال و تقدم توصيات بالأطر والعمليات والهياكل التي تحدد المتطلبات في صنع القرار الموحد أثناء الأزمات. ويحدد سبب أهمية إنشائها، كالفرق الاقتصادية التي تهدف إلى إدارة والحد من التداعيات الاقتصادية وتكوين نظرة ثاقبة حول كيفية تأثر الأعمال التجارية والتوظيف والدخل والقروض الدولية والديون وغيرها من تطورات الاقتصاد الجزئي وايجاد حلول للتخفيف من المشاكل، وأنواع الهيئات الاخرى لصنع القرارات المختلفة، ومن يجب أن يكون جزءا منها و يساهم فيها وماهي مسؤولياته.

من  أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المركزية في بغداد هي ازمة كورونا  او كما تسمى كوفيد 19الحالية الحالية والتي " كشفت عن اختلالات كبيرة في نظام الحوكمة الصحية والاقتصادية، بل والسياسية أيضاً في البلد لغياب العقول المتخصصة القائدة،في حين بالمقابل عجزت دول صناعية غنية بمواردها المالية ومتقدمة علمياً وطبياً في مقابلة هذا الوباء السريع الانتشاراو من ايقاف مده، بسبب عدم استعداد نظمها للتعامل مع مثل هذه الأزمات، بينما أثبتت دول فقيرة لديها بنية تحتية متواضعة ولكن بارادة وطنية  ومهارة في التنسيق واستنفار طاقاتها البشرية لمواجهة خطر انتشار هذا الوباء" وكيفية وصول الخدمات الضرورية الى الفئات الهشة والضعيفة نتيجة هذه الجائحة المميتة وفي ضرورة تقوية ودعم وحماية الجهات الرقابية من خلال سيادة القانون وإنفاذ القانون والتشريعات الضرورية وفق إتفاقية مكافحة الفساد كرقابة إستباقية وعدم الإستجابة الكاملة لمتطلبات الجهات الرقابية وإدارة الوظائف العامة والحماية السياسية للفساد والإفلات من العقاب إضافة الى متطلبات سيادة القانون وعدم إنفاذ القانون سوف تحث كارثة لا يمكن حساب عاقبتها لا في القريب ولا في البعيد ، وماذا ستفعل الحكومة بعد للتعامل مع هذه الأزمة او تلك وفي ان تضع خطوات الإطار العام للنتيجة المتوقعة أوالاستجابة السريعة والتي تشرح ما ستقوم  به الحكومة لرفع القلق والرغبة بمعرفة ما سيحدث فيما بعد بطمأنينة وبأن الأزمة سوف تقوض مما  يعطي هؤلاء الناس املاً في التواصل و شعورا أساسياً ً بعملية التعامل  مع هذه الأزمة و تعتبره جزءاً من واجبات الدولة الادارية الاساسية في حلها، كما يوضح للناس ما يمكن توقعه وما يجب عمله، ويعطي الاطمئنانً بوجود الحلول الازمة. من الضروري أن تظل العمليات والهياكل الاجتماعية عاملة خلال الأزمة. إذ تزداد أهميتها عندما يتم اتخاذ القرارات بسرعة وفتح الموازنات  لإنفاق المال في ظل الازمة ومحددات الصرف وفي فترة زمنية قصيرة وتصبح السلطة بيد السلطة التنفيذية في ضمان الشفافية وتنفيذ الرقابة ولها الامر الحاسم  في هذا الوقت و يحتاج المواطنون خلال الأزمة، إلى فهم قرارات الحكومة أكثر من أي وقت اخر و عندما يتأثر التواصل والمشاركة بتدابير التباعد الاجتماعي، والاستجابة لرغبات المواطنون أثناء الأزمة، في صنع القرار، لأن العديد من القرارات التي يتخذها صناع القرار السياسيين، تؤثر عليهم بشكل مباشر. يمكن لعدة آليات تسهيل مبادئ التشاركية أثناء الأزمات وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الناطق والورقي. والتي يجب خلالها ملاحظة التباعد الاجتماعي وأن يكون الاختلاط الجسدي محدود.ويمكن الاستفادة من التجارب العالمية لان الدول قد تتشابه الأزمات فيما بينها وبطريقة التعامل في هذه الظروف الخطرة التي يعيشها العالم في انتشار وباء كورونا وفي ظل الحصار المفروض على اكثر شعوب العالم حفظاً من الحكومات على ارواح ابنائهم وعادة ما تكون الأزمة شاملة وفوضوية لدرجة يصعب استيعابها بكليتها ويحاول الناس جاهدين فهم ما يحصل خاصة في بداية الأزمة، مما يولد لدى المواطنين الشعور بعدم الأمان والكثير من التساؤلات، ويمكن أن تتحول إلى الشعور باليأس والفزع والغضب والاحباط  فيلجأ المواطنون الى الدولة لايجاد حل لهم للابعادهم عن الشر،

من جانب اخر و المرجح أن يكرس المجتمع الدولي ككل وقتاً واهتماماً أقل لدبلوماسية الأزمات، أو الجهود المبذولة لحل المشاكل البينية ، ومن الواضح أن الأمر كذلك ، حيث يعتبر الوباء القضية الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي وكل يغني على ليلاه، ولكن من المحتمل أيضاً أن يكون الأمر كذلك بعد ذلك عندما تحاول الحكومات التعامل مع عواقب الأزمة والركود ، وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تنزلق العديد من الدول الفقيرة والضعيفة بالفعل إلى أزمات اقتصادية حتى من دون احتواء الأزمات المتعلقة بالصحة. ومن الممكن أن توافق الدول الأغنى على تخفيف ديون الدول الأكثر فقراً، ولكن من المحتمل أن نشهد رغبة أقل في حشد المساعدات لحالات الطوارئ الإنسانية، وفي إجراءات الاستقرار ، أو في توفير المال والقوى العاملة. يمكن أن تظهر أشكال جديدة من العولمة أيضاً، ومن غير المحتمل أن تكون هناك صورة شاملة موحدة للتأثير الجيوسياسي للأزمة، وما ينتج عنها من تطورات في النظام العالمي والتنافس بين الدول، سواء الصراعات أو التعاون و سيظل شكل العالم بعد الوباء خاضعاً للإرادة السياسية والقيادة، وقدرة الجهات الفاعلة الدولية على التعاون فيما بينها لتجاوز الازمة الحالية. إن مواجهة الأزمات والحالات الطارئة سواء بالاستعداد لها أو توقعها أو التعامل معها إذا ما حدثت يضع على كاهل وحدات دوائر الدولة العمل لحمل العبء الأكبر في هذا المجال لضمان توفير الحماية الشاملة للأفراد والمنشآت ، ولزاما عليهاً إعداد خطة شاملة لمواجهة الكوارث والحالات الطارئة التي قد تتعرض لها المنشآت العامة والخاصة ، تتضمن كيفية الاستعداد لهذه الحالات الطارئة واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتأمين سلامت وكفالة الطمأنينة والاستقرار والأمن للجميع في اقل خسائر ،

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

علاء اللاميعودنا الإعلام الصهيوني على إطلاق الكذبة وتكرارها حتى يصدقها هو قبل غيره. واحدة من أشهر أكاذيب هذا الإعلام، والتي شاركت في تسويقها وزارة خارجية الكيان الصهيوني هي ما سمي "الفرهود"، أي حوادث النهب والاعتداء التي تعرض لها اليهود العراقيون في بغداد في شهر حزيران - يونيو 1941. وكنت قد استعرضت تحليليا هذا الموضوع في مقالة منفصلة نشرت في إصدار شهر كانون الأول- ديسمبر 2020 من مجلة "الآداب"، وفي هذه المقالة نستكمل الحديث عن حيثيات أخرى ذات صلة بشيء من التفصيل:

جاءت تلك الأحداث المؤسفة كرد فعل على سحق قوات الاحتلال البريطانية للانقلاب العسكري الذي قاده السياسي رشيد عالي الكيلاني وحلفاؤه العسكريون "العقداء الأربعة" الذين سيتم إعدامهم بعد سنوات قليلة وإسقاط "حكومة الإنقاذ الوطني" التي شكلوها. بمعنى أن هذه الحوادث وقعت خلال ما يسمى "الاحتلال البريطاني الثاني لبغداد" في حزيران- يونيو 1941، وليس خلال حكم الكيلاني والعقداء الأربعة. وقبل ذلك بسنة ونصف، شهدت بغداد مظاهرة صاخبة سنة 1939 حمل المشاركون فيها السيوف والخناجر بعد الإعلان عن مقتل الملك ذو النزعة الاستقلالية غازي الأول، والذي اعتبره العراقيون حادثا مدبرا واغتيالا سياسيا من قبل البريطانيين وعملائهم في الحكم الملكي الهاشمي في العراق للملك. وقد وثَّق مصور فوتوغرافي أجنبي هو بيرند لوسي (Bernd lohse) سنة 1939 وليس سنة 1941 ونشرت الصورة في جريدة برلين المصورة (berliner illustrirte zeitung)، وكتب عليها التعريف التالي باللغة الإنكليزية (المملكة العراقية: تظاهرة علنية لرجال ضد الدكتاتورية الفرنسية والبريطانية). ولكن وزارة الخارجية في الكيان الصهيوني حرَّفت موضوع الصورة ونشرتها على موقعها على الانترنيت بعد أن عرفتها بالمعلومة الكاذبة التالية (صورة نادرة للفرهود في بغداد سنة 1941 ... اليهود من فوق بيوتهم ينظرون للمسلمين وهم يحملون الخناجر واليرق "؟" والعصي التي فتكوا بها باليهود).

 من الواضح، لمن زار بغداد أو شاهد صورا عن شارعها الشهير "شارع الرشيد" أن الصورة موضوع الحديث التقطت في هذا الشارع فعلا. ولكن اليهود - وهنا ينكشف لنا تزوير الصورة المذكورة - لم يكونوا يسكنون في هذا الشارع أو في المنطقة يمر بها أو ينتهي إليها عند ساحة "الميدان"، بل كان لهم شارع تصطف منازلهم على جانبيه يدعى "عقد اليهود" في منطقة البتاويين البعيدة عن شارع الرشيد. ثم أن الواقفين على الشرفات في الصورة ومعهم نسوة كثيرات هم متفرجون وبعضهم يصفق للمتظاهرين، كما نشاهد رجلا يضع عمامة سوداء من النوع الذي يضعه رجال الدين المسلمين الشيعة. ومعروف للعراقيين أن اليهود سكنوا في حي يدعى "حي التوراة" بالقرب من "شارع الكفاح" بحي "قنبر علي" منذ العهد العثماني. وكان لليهود مقبرتان: الأولى، وهي القديمة بمنطقة "النهضة"، والثانية في أطراف مدينة الثورة -الصدر، وأقيمت كبديل لمقبرة "النهضة" التي داهمها النمو العمراني لبغداد ولإقامة أبراج المواصلات هناك، وتضم المقبرة الجديدة زهاء أربعة آلاف قبر لليهود ولها حارس مُعيَّن من الدولة حتى الآن. ونقرأ في تقرير صحافي نشر في حزيران 2017 لقاء مع حارس المقبرة اليهودية ورد فيه (يقول حارس المقبرة زياد محمد فاضل البياتي: أنا أعمل هنا منذ العام 1980 بعد أن ورثت العمل عن والدي، الناس هنا يحترمون هذا المكان خاصة وانه يضم آلاف الأموات، والمسلمون يحترمون كرامة الإنسان في حياته ومماته، ولم يحاول أحد أن يقتحم المقبرة أو يدخلها عنوة، لكن الجنود الأميركيين في العام 2003 ضربوا جدار المقبرة بالدبابات وأحدثوا فيه ضررا بالغا)[1].

 نحن هنا، لا ننفي وقوع حادثة الفرهود المحزنة والمدانة، والتي حرَّضت على القيام بها حكومة النظام الملكي وعملاء "المنظمة الصهيونية العالمية" سلف "الموساد الصهيوني" واندست فيها عناصر متطرفة ومشاغبة ومشبوهة بهدف إرعاب اليهود العراقيين ودفعهم الى الهجرة الجماعية الى فلسطين المحتلة لدعم الوجود الصهيوني الهش هناك، وفق خطة صهيونية مسبقة شملت العراق والمغرب واليمن. لنقرأ هذه الخلاصة التي كتبها الروائي اللبناني إلياس خوري في مقالة له بعنوان "من قتل المهدي بن بركة - كيف مهدت إحدى أكبر الجرائم السياسية للتطبيع المجاني الحاصل حالياً بين دول عربية واسرائيل؟" كتب (الحكاية بدأت بعد موت الملك محمد الخامس، وتسلم الحسن الثاني العرش عام 1961. ففي الفترة الممتدة بين تشرين الثاني -نوفمبر 1961، وربيع 1964، أنجزت العملية التي يطلق عليها الاسرائيليون اسم "عملية ياخين". وعملية "ياخين" هي جزء من سلسلة عمليات كان هدفها تهجير اليهود العرب: فكانت عملية "بساط الريح" في اليمن 1949-1950، وعملية "عزرا ونحميا" في العراق 1950-1952، و"ياخين" في المغرب. هذه العمليات الثلاث تمت بالتواطؤ والتعاون مع حكام هذه الدول، وكان لا بد من اليهود العرب لسد النقص الديموغرافي اليهودي في اسرائيل. هذه العمليات الثلاث كانت التطبيع الذي مهّد للتطبيع الحالي، لأنها كشفت أن الأنظمة الاستبدادية ساهمت في تأسيس دولة اسرائيل، وكانت شريكاً للصهيونية في طرد الفلسطينيين من أرضهم، وفي تأسيس ثنائية الاستبداد- الاحتلال التي تهيمن على العالم العربي/موقع صحيفة "السفينة" عدد 24 آب -أغسطس 2020). بل نحن نحاول أن نضع أحداث الفرهود والتهجير القسري لليهود العراقيين في سياقها التاريخي الحقيقي لنكشف واحدة من هذه الأكاذيب والمبالغات الكثيرة التي يكررها الإعلام الصهيوني والمحازبين له دون تدقيق. وسيكون من العبث واللاجدوى الوصول إلى أرقام دقيقة أو حتى قريبة من الصحة لعدد القتلى والجرحى ولكننا يمكن أن نقترب من أرقام تقريبية بمقارنة أرقام الطرفين العراقي الحكومي واليهودي العراقي ونقول إن القتلى كانوا بالعشرات. ومن تقرير "لجنة التحقيق بحوادث يومي 1 و2 حزيران من عام 1941 بناءً على قرار مجلس الوزراء الصادر يوم 7 حزيران 1941م، وكانت برئاسة السيد محمد توفيق النائب وعضوية كل من ممثل وزارة الداخلية السيد عبد الله القصاب، وممثل وزارة المالية السيد سعدي صالح، وعقدت اللجنة اثنتي عشرة جلسة، نعلم أن عدد القتلى كان 110 قتيلا بينهم بعض المسلمين الذين هبوا لحماية اليهود، وعدد الجرحى مائتان وأربعة جرحى. ولكن رئيس الطائفة اليهودية - أو الطائفة الموسوية كما تسمى في العراق-  الحاخام ساسون خضوري والذي بقي في العراق حتى وفاته ببغداد سنة 1972، فيذكر أن عدد القتلى والجرحى أكثر مما ذكرته اللجنة التحقيقية الحكومية ولكنه لا يقدم أرقاما بديلة محددة. ومن المرجح أن تكون الأرقام الحقيقية للقتلى والجرحى أكبر مما ذكرته اللجنة أما حالات الاغتصاب فقال الحاخام خضوري أنها لم تتجاوز الثلاث أو الأربع حالات.

إن السياق الذي اشتغل عليه الإعلام الصهيوني هو سياق يحاول أن يجعل هجرة اليهود العراقيين في الخمسينات من القرن الماضي نتيجة لعمليات النهب والاعتداء التي تعرضوا لها خلال "الفرهود"، وهذا غير صحيح تماما من حيث الدوافع والسياق والتوقيت. فأحداث الفرهود التي بولغ في تفاصيلها وأعداد ضحاياها كانت حملة مخطط لها مسبقا من المنظمة الصهيونية العالمية حيث استغلت الفورة الشعبية للعراقيين ضد أحداث قمع البريطانيين للانقلاب العسكري الاستقلالي بزعامة الكيلاني ورفاقه، وقام عملاء الصهيونية بعمليات إجرامية كثيرة من تفجيرات وقتل ضد اليهود العراقيين أنفسهم، لكي تتفاقم حالة الفلتان والاضطرابات. ثم جاء تعاون السلطات الملكية الجديدة الموالية لبريطانيا مع حكومة بن غوريون بواسطة عميل الموساد شلومو هيلل ليتحقق الهدف من هذه الفتنة ويتم تهجير اليهود وإسقاط جنسيتهم العراقية بعد سنوات قليلة.

من الكتاب اليهود الذين تناولوا حدث الفرهود وتهجير اليهود العراقيين بموضوعية وإنصاف الباحثة إيلا شوحط - الأستاذة في جامعة نيويورك وهي من أصول عراقية يهودية-، والتي تساءلتْ في دراسة لها وكنت توقفت عندها مفصلا في مقالة أخرى نشرت في مجلة الآداب إصدار كانون الأول - ديسمبر 2020، تساءلت : "حتى لو أنّ أعدادًا متزايدةً من اليهود في بلدانٍ كالعراق عبّرتْ عن رغبتها بالذهاب إلى إسرائيل، فإنّ السؤالَ هو: لماذا، وبشكلٍ مفاجئ، وبعد ألف عامٍ من غياب مثلِ هذه الرغبة، يريد هؤلاء تركَ حيواتِهم في العراق والمغادرةَ بين عشيّةٍ وضُحاها؟"[2].

وقد سجلت شوحَط إدانتَها لمحاولات الصهاينة دمجَ "المسألة العربيّة-اليهوديّة بالمحرقة؛ ومثالٌ على ذلك الحملةُ التي أُطلقتْ لإدخال الفرهود ضمن برامج متحف المحرقة التذكاريّ في الولايات المتحدة." وتضيف أنّ إدانةَ العنف الذي مورِس ضدّ اليهود خلال الفرهود يجب ألّا يُستغلَّ "لمساواة العرب بالنازيّين، وتكريسِ السرديّة المزوّرة حول العداء الإسلاميّ الأبديّ للساميّة." وتمضي شوحَط أبعدَ من ذلك، فتتّهم الخطابَ الأورومركزيّ بإسقاط تجربة إبادة اليهود في أوروبا على ما حدث في العراق، مسجّلةً "أنّه خلال أعمال الفرهود حمى بعضُ المسلمين جيرانَهم من اليهود،" وأنّ أقلّيّةً من اليهود بقيتْ رغم الفرهود وبعد التهجير الجماعيّ في وطنهم العراق. ومن أسباب بقاءِ هؤلاء، في رأي شوحَط، "أنّهم اعتبروا أنفسَهم عراقيّين أوّلًا وأساسًا، و/أو لأنّهم اعتقدوا بأنّ هذه عاصفةٌ ستمرّ، و/أو لأنّهم، ببساطة، لم يشاؤوا أن ينسلخوا عن حيواتهم".

مقارنة بما كتبته الكاتبة اليهودية شوحط، تبدو محاولة الشيوعي العراقي "السابق" كاظم حبيب، لمقاربة وتحليل حدث الفرهود غير متوازنة وسطحية ولا تخلو من تملق الكيان الصهيوني ومؤسساته الإعلامية والسياسية والأمنية، ولهذا السبب بالضبط بادرت وزارة الخارجية الصهيونية فنشرت فقرات ضافية من دراسته ضمن مقالة إطرائية بقلمه أيضا حول مذكرات الكاتب الإسرائيلي من أصل عراقي شموئيل موريه على موقعها الرسمي بتاريخ 25 نيسان أبريل 2015، وفيها يؤكد حبيب أن موريه الذي (أجبر على الهجرة إلى إسرائيل يحب بلده إسرائيل ودولته، سواء أكان موافقاً على سياسات الدولة وحكوماتها المتعاقبة أم اختلف ويختلف في بعض منها ومع هذه الحكومة أو تلك. وهو أمر طبيعي لكي لا يذهب بالبعض منا تصور خاطئ، وأعني بذلك إن حبه لبغداد وأهل العراق يجعله ضد إسرائيل أو غير محب لها)، ولن نجد وصفا آخر لكلام حبيب هذا غير الترويج للصهيونية والمواطنة الإسرائيلية.

 في مقالته تلك، يبرئ حبيب أطرافا أخرى من مسؤولية ما تعرض له اليهود العراقيون من قمع وتهجير قسري، ومن هذه الأطراف الأحزاب الكردية وزعاماتها التي عرف كاظم حبيب بارتباطاته النفعية بها، وبدفاعه المستميت عنها في ذروة ارتباطها بإسرائيل خلال محاولتها الانفصالية في أيلول - سبتمبر 2017. عنوان المقالة التي نشرها حبيب يقول كل شيء منذ البداية فهو (حركة شباط - مايس 1941 الانقلابية والفرهود ضد اليهود)[3].

وكنت قد أوردت فقرة قصيرة من قراءتي النقدية هذه في ما كتبه كاظم حبيب، في الجزء الأول الذي نشر من هذه الدراسة في موقع مجلة "الآداب"، فرد حبيب بثلاث مقالات مطولة، أخفق فيها - للأسف - في الرد المباشر على ما أثرته من أسئلة وتساؤلات وأوردته من وقائع وأدلة واقتباسات من كتب ومقالات ووثائق. أما عن نقدي له بسبب سكوته على دور الأحزاب والزعامات الكردية في تهجير يهود العراق فقد كتب (يبدو إن علاء اللامي مولع جداً باتهام الكرد والأحزاب الكردية في المساعدة في تهجير من تبقى من يهود العراق إلى إسرائيل، وهو منطلق قومي، ينسى فيه كلية الدور الأساسي والرئيسي لحزب وحكم البعث، وكذلك القوى القومية اليمينية المتطرفة ابتداءً من عام 1963 وما بعده)، ولكنه يعود فيعترف بدور الأحزاب والزعامات الكردية في تهجير اليهود فيكتب (ومع إن معلوماتي عن هذا الموضوع شحيحة، ولهذا لا استبعد صواب ما نقلته الكتب الصادرة في إسرائيل عن مشاركة الكرد في تسهيل مهمة نقل اليهود إلى خارج العراق). وعن الوثائق والكتب والمقالات التي كتبها إسرائيليون رسميون أو باحثون غير رسميين وأكدوا هذا الدور أو اتهموا الموساد والمنظمة الصهيونية صراحة بالتورط في مؤامرة تهجير اليهود، فحبيب يشطب عليها جميعا ويكذبها كلها ثم يستدرك ويؤكد صحة بعضها فيكتب (لا أثق بالمعلومات التي تنشرها إسرائيل أو جهاز الموساد، فهم غالباً ما يمنحونه قدرات خارقة ونشر الأساطير عن أفعال هذا الجهاز في الخارج. ولكن ليس كل ما ينشرونه من هذا النوع كاذب، فبعضه يتضمن حقائق، منها ما أشير إليه من أفعال المنظمات الصهيونية الموجهة من الموساد في العراق)، فكيف السبيل لمناقشة نصوص زئبقية كهذه يقول كاتبها الشيء ونقيضه في عبارة واحدة؟

خلاصة القول هي أنَّ مأساة اليهود العراقيين، جزء لا يتجزأ من المأساة الأكبر التي تسببت بها الحركة الصهيونية العنصرية العالمية، ودفع أغلى أثمانها الشعب الفلسطيني، أما الجزء الخاص بالعراقيين اليهود، واليهود العرب عموما، فيختلف في التفاصيل والسياق عن الأذى الذي تعرض له يهود آخرون في بلدان أخرى. إذْ أنَّ حالة اليهود العراقيين، تختلف بعمق عن حالة يهود آخرين أقاموا لزمن معين في بلدان أخرى، والسبب هو أن اليهود وجدوا في العراق منذ السبي البابلي قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، أي أنهم مواطنون راسخو المواطنة والهوية العراقية، ويختلفون تماما عن اليهود الآخرين، ربما باستثناء الأقلية اليهودية التي بقيت في فلسطين قبل احتلالها وإنشاء الكيان الأيديولوجي الخرافي "إسرائيل" من قبل الحركة الصهيونية العالمية، والأكيد أن تهجير اليهود العراقيين بعد تلك المؤامرة اللاإنسانية قد ترك جرحا غائرا في أرواح ضحاياها الذين لم يبق الكثيرون منهم على قيد الحياة، وفي الوقت ذاته في عمق الهوية الوطنية العراقية القائمة منذ القِدَم على التنوع والتعددية.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..........................................

*هذه المقالة هي الجزء الثاني من دراسة بعنوان ("الفرهود" والمؤامرة الصهيونية لتهجير اليهود العراقيين) وستنشر في كتابي الجديد "سجالات في التراث والتاريخ والسياسة" والذي سيصدر في بحر العام الجاري.

* رابط لمشاهدة الصورتين المشار إليهما:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/3632

[1] جريدة الصباح العراقية الرسمية عدد 8 تشرين الأول – أكتوبر 2019

[2] إيلا شوحط، "سبعون سنةً على رحيل يهود العراق،" نقلها من الإنجليزيّة: وفيق قانصوه، موقع مجلة orientxxi القسم العربيّ، عدد 22 تشرين الأوّل:

 https://orientxxi.info/magazine/article4231

[3] كاظم حبيب - حركة شباط - مايس 1941 الانقلابية والفرهود ضد اليهود – موقع " doxata.com" القسم العربي" بتاريخ 2 حزيران يونيو 2011. يقول الكاتب إن هذه الدراسة جزء من كتاب "محنة يهود العراق".

 

 

عباس علي مرادإن قلب الأمة كان "جيداً ولكنه يحتاج إلى أن يتعافى"

The heart of the nation was “good but it needs healing

النائب الفيدرالي رسل برودبانت من ولاية فكتوريا من حزب الأحرار


في السادس والعشرين من  كانون الثاني من كل عام الذي يصادف اليوم الوطني الأسترالي والذي يعتبره السكان الأصليين (الأبوريجنال) يوم الغزو يتصدر الحدث المشهد السياسي في استراليا.

هذا اليوم الذي رفع فيه الكابتن ارثر فيليب العلم البريطاني في خليج مدينة سدني، وذلك بعد يومين فقط من وصوله إلى البر الأسترالي، وأعلن أن المنطقة أصبحت تابعة للعرش البريطاني، يعتبر يوماً مثيراً للجدل من عدة جوانب أبرزها التهرب من مواجهة الحقيقة التاريخية لمعاناة سكان البلاد الأصليين.

منذ أكثر من مئتي عام  بدأت معاناة السكان الأصليين المتواجدين في هذه البلاد منذ ستين ألف عام مع المستوطنين الجدد الذين عملوا على إبادتهم بشتى الوسائل والتي شملت ايضاً نقل الأمراض المعدية لهم.

رغم إعلان الفيدرالية الأسترالية عام 1901 إلا أن السكان الأصليين لم يُعْتَبروا جزءاً من السكان حتى العام 1967 حيث شملهم الإحصاء أول مرة. ومع ذلك بقيت الحكومات الأسترالية الفيدرالية المتعاقبة وحكومات الولايات تتجاهل حقوق هؤلاء السكان وترفض الإعتراف بمعاناتهم والإعتذار منهم رغم بعض عمليات التجميل السياسية الآنية.

الخطوة الأبرز في مسيرة المصالحة والمصارحة  كانت عام 2008 حيث قدم رئيس الوزراء العمالي كيفن راد الإعتذار عن ممارسات الحكومات الأسترالية بحق الأجيال المسروقة، والتي اعُتبرت نوع من الإبادة الثقافية حيث كان يتم انتزاع أطفال السكان الأصليين من ذويهم بعد الولادة ونقلهم إلى المؤسسات الدينية والحكومية والعائلات من خلفيات انكلوسكسونية لتنشئتهم.

رئيس الوزراء سكوت موريسن كان له موقف ملفت ومثير للجدل بهذه المناسبة قائلاً: "ان هذا اليوم لم يكن يوم سعيداً" لأولئك الذين وصلوا إلى هنا على متن الأسطول الأول، مشيرا إلى معاناتهم خلال الرحلة، وكأن رئيس الوزراء يريد المقارنة بين معاناة السكان الأصليين على يد المستوطنين الجدد!

رئيسة ولاية نيو سوث ويلز غلاديس بيرجكليان والتي لا تؤيد تغيير تاريخ يوم استراليا، قالت أن يوم 26 كانون الثاني يسبب الألم للسكان الأصليين وأضافت انه لديها أمل في ان استراليا اقرب إلى ان "تكون شعباً واحداً حقاً" وأن البلاد لا تزال تتطور لكن لا ينبغي إنكار أي جانب من تاريخنا، أو المعالم الرئيسية التي جعلتنا الأمة التي نحن اليوم، وأضافت " لكن ما زال لدينا الكثير لإنجازه".

واتخذ وزير شؤون السكان الأصليين في نيو ساوث ويلز دون هاروين موقفاً مماثلاً لموقف بيرجكليان مضيفا انه يمكننا أن نعمل معاً نحو مستقبل أكثر توحيداً.

لكن النائب في مجلس الشيوخ في الولاية من حزب الخضر ديفيد شوبريدج انتقد تصريحات بيرجكليان قائلاً: "إنها تفتقر إلى البصيرة وانعدام القيادة" وقال: " ان الإصرار على الإحتفال بيوم استراليا في اليوم الذي يصادف بداية الغزو أو السلب أو العنف المستمر ضد السكان الأصليين يزيد من انقساماتنا.

السيدة اونتي كاثرين دودد فيرول من قبيلة وانجو باري من السكان الأصليين قالت: ان السيدة بيرجكليان لم تأتِ بجديد وانها تردد نفس المعزوفة القديمة، وأضافت اننا لن نكون شعباً واحداً حقاً حتى يتم الإعتراف بنا في الدستور وفي مناهج التعليم.

المتحدث باسم المعارضة العمالية في الولاية لشؤون السكان الأصليين ديفيد هاريس قال ان التغيير يأتي من خلال قول الحقيقة، وبحث مسالة المعاهدة مع السكان الأصليين والخطاب العام حول تاريخ استراليا وهذا لا يتعلق بيوم واحد، إنما يتعلق بما حدث على مدار 250 عامًا الماضية من الشواذات، وكيف تسبب ذلك في ألم الأجيال ، والذي سنظل نراه من خلال النتائج السيئة على السكان الأصليين.

الموقف الأبرز الذي كان ملفتاً للنظر جاء من النائب الفيدرالي رسل برودبانت من ولاية فكتوريا من حزب الأحرار، حيث حث حزبه لإعادة النظر بموقفه من بيان اولوروو للسكان الأصلين المعروف ببيان من القلب والذي أصدره السكان الأصليون بعد  المؤتمر الدستوري الوطني الأول للسكان الأصليين الذي استمر أربعة أيام وعُقد في اولوروو عام 2017 وحضرته أغلبية قيادات مجموعات  السكان الأصليين.

  وأضاف النائب برودبانت: لقد حان الوقت للإعتراف رسميًا بالماضي والسعي للمغفرة والتسامح وقبول الدعوة السخية للسير معًا كما جاء في بيان من القلب.

ويدعو البيان إلى تمثيل السكان الأصليين في الدولة من خلال الإعتراف بهم في الدستور، ورفض المشاركون في المؤتمر أي تمييع وإلتفاف على البيان من خلال اللجوء إلى مشاريع القوانين لتمثيل السكان الأصليين.

زعيم المعارضة الفيدرالية انتوني البانيزي قال إن حزب العمال سيظل ملتزماً ببيان أولوروو وإن استراليا بحاجة إلى العمل على كيفية تجنب الجدل المثير للإنقسام الذي يحدث في كانون الثاني/ يناير من كل عام، وتابع إن 26 كانون الثاني قد يكون موعدًا مستقبليًا للتصويت الناجح للإعتراف الدستوري بالأستراليين الأوائل.

 أما الأكثر غرابة فكان موقف وزير السكان الأصليين الأسترالي الفيدرالي كين وايت من حزب الأحرار (وهو من السكان الأصليين) الذي جادل بأن تغيير الدستور عملية محفوفة بالمخاطر، حيث لم ينجح الا ثمانية استفتاءات للرأي فقط من أصل 44 استفتاءاً في تاريخ استراليا الحديثة. وقال وايت انه بدلاً من إجراء استفتاء يجب أن يتم تشريع نموذج  تمثيل السكان الاصليين المقترح قبل الانتخابات القادمة.

استراليا والتي تعتبر دولة رائدة على أكثر الصعد، لا يمكن لها إن تستمر في دفن رأسها في الرمال والهروب إلى الأمام من مواجهة الحقيقة والإعتراف بماضيها وبما فعله المستوطنون البيض بحق السكان الأصليين  وذلك من أجل مصالحة حقيقية تعزز ازدهار البلاد، لأن التجاهل سيبقي الجرح مفتوحاً مع ما يكلف ذلك البلاد من النواحي الثقافية،الإنسانية، الإجتماعية وحتى الإقتصادية.

إذن، المطلوب خطوات شجاعة لدفع المصالحة إلى أبعد من مجرد زيادة الوعي على أهميته، ولا نبقي الإعتماد على إستطلاعات الرأي لأن الأمر لا يمكن النظر إليه من خلال  تلك الإستطلاعات  التي قد يكون لها بعض المصداقية حول نتائج الإنتخابات، لكن مسألة تقرير مستقبل أفضل تتطلب قيادة وطنية تضع خطة طريق وطنية مستقبلية لملاقاة طروحات السكان الأصليين وتمتين أسس البناء الوطني الذي يرتكز إلى القوائم الديمغرافية الثلاث (السكان الأصليين، المستوطنين والمهاجرين).

 

عباس علي مراد

سدني

    

 

محمد الورداشيفي صبيحة السادس والعشرين من يناير الجاري، بساحة النصر، مدينة الدار البيضاء، توقفتُ جامدا في مكاني مشدوها من الترسانة الأمنية التي انتشرت في الساحة، حيث لم تمض إلا لحْظاتٌ حتى تفاجأت بأن المدينة (الدار البيضاء) كلها مطوقة بالجهاز الأمني المغربي بشتى أنواعه.. لقد اعتقدت أن ثمة خطرا كبيرا يحيق بأمن البلاد، فإذا بي أتفاجأ أكثرَ حين رأيتُ ذوي الوزْرات البيضاء يدخلون الساحة(1)، إنهم الأساتذةُ الذين فرض عليهم التعاقدُ؛ هؤلاء الذين خاضوا، وما يزالون، معاركَ منذ أربع سنوات بغية إسقاط مخطط التعاقد، ومن ثم، الإدماج في سلك الوظيفة العمومية. هؤلاء الأساتذة يرفعون شعاراتٍ عنوانها العدالةُ الاجتماعيةُ، والحريةُ، والمساواةُ. بيد أن الدولة المغربية تقابلُ هذه الأصوات بمقاربةٍ قمعيةٍ استباحت دماءهم وداست كرامتهم في سبيل الحفاظ على مصالح نخبتها. وأنا أجيل بصري في هذا الجيش المدجج، تواردت إلى خاطري ذكرى أليمة محفورة في ذاكرة وجسد ووجدان المغاربة.. تذكرت انتفاضة الأطفال والشباب الذين كانوا تلاميذَ وطلبةً، في مارس 1965، انتفاضة "كانت احتجاجا على قرارات مجحفة في حقهم"(2)، فقدمت استشهادات، وسالت دماءٌ كثيرةٌ كانت "المؤشر على فشل سياسة "إغناء الفقير بدون إفقار الغني" (3). فالظروف الاجتماعية المهترئة التي نسجت خيوط إضرابات مارس 1965 وأذكت فتيلَها، هي ذاتُها التي أذكتْ فتيلَ الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، الذين سالت دماؤهم وما تزال.

على أن المقارنة بين ما حدث في 1965، وما يحدث اليوم دليلٌ واضحٌ على أن الدولة المغربية لم تدخل في اهتماماتها التعليم والثقافة، وأي تمرد على هذا الإهمال المقصود تقابله بالمقاربة القمعية. وبهذا، فإنها تسعى بطرق مختلفة من حيث الشكلُ، لكنها متفقةٌ من حيثُ الغايةُ؛ أي سعيها إلى تكميم الأفواه، وإخماد نيران الرفض المؤججة في نفوس  "البدونيين" (بدون سكن، بدون عمل، بدون هوية...) الذين هم ضحايا اللبرالية الجديدة التي تحمي نفسها من خلال إنتاجها المجتمعات المراقبة، على حد تعبير دولوز"(4).

وهكذا، نرى أن المقاربتين القمعقراطية والتلفيقراطية اللتين تنهجهما الدولة المغربية في مواجهة احتجاجات الأساتذة آيةٌ على أنها وصلت إلى النفق المسدود، الذي لم يبق بعده إلا الإدماج من جهة، وجهلها وتعنتها أمام الحركة الجدلية الاجتماعية التي تحرك المجتمعاتِ البشريةَ، وتعطي للحياة معنى الاستمرارية في حركة التاريخ. ومن ثم، نقول إن"السياسة المغربية، كغيرها من سياسات العالم العربي، سياسة فاقدة للبوصلة، ومحتقرة للإنسان"(5). فاقدةٌ للبوصلة؛ لأن إرادتها ليست بيدها أولا، ولكونها لم تفقه بعد أساليبَ حضاريةً ناجعةً (الحوار، مواجهة المشكل وليس الهروب إلى الأمام والتسويف...) للتعامل مع مشاكل وأزمات المجتمع المغربي الاجتماعية، وبخاصة أزمة قطاع التربية والتعليم..ثانيا، وحسبانها إسكات الأصوات لا يتم إلا بالقمع في واضحة النهار، واستباحة دم الأستاذ والدوس على كرامته ثالثا. ومحتقرةٌ للإنسان؛ لأنها منذ استقلالها "الجزئي والشكلي" انكبت على التحديث المادي، وغضتِ الطرف عن العنصر البشري، فكانتِ النتيجةُ نخبةً تركض لاهثةً وراء التحديث المادي، وشعبا لا يزال يعاني الأميةَ والتفقيرَ، ويتعرض للعنف من قبل دولةٍ ضربتْ ما سنّتهُ في دستورها (منع العنف و...) عرض الحائط.

وبناء على سلف ذكره، نقول للذين لا يحسنون إلا القمعَ والرفسَ، إنكم تتواجهون مع أساتذة لهم منسوب وعي كبير بظروفهم في هذا الوطن الجريح، وبمرامي وأبعاد سياساتكم التي تحمي مصالح الأقلية النخبوية على حساب السواد الأعظم من الشعب الفقير، ونؤكد لكم أن "كل محاولة (منكم) للتكميم أو فرض الرقابة (ما هي إلا) محاولة إتقاء أشعة الشمس بالغربال"(6)؛ فلن نسلمكم صمتنا أبد الآبدين، ولن تسرقوا منا أصواتنا الرافضة للمخططات التخريبية للمدرسة العمومية؛ لأن هذه الأخيرة ليست مجالا للتسييس والأدلجة، ولا سلعةً تتاجرون بها على حساب بؤس الشعب المغربي.

كما أننا نقول للأساتذة الذين يتخلّفون عن معاركنا، ويتشدقون بكونهم ذوي مبادئ و... دون أن يشاركونا ما نحن فيه علما أننا جميعا قابعون في المشكل نفسه، نقول لكم، وبكل هدوء، أثبتوا لنا وجودكم "بالممارسة التي تبقى هي وحدها الكاشفة لحقيقة المواقف والأفكار والانتماءات"(7). ومن ثم، فإن الثقافة وحدها لا تفيد بدون ممارسة، والأستاذ المثقف الحقّ هو من يعبر عن ثقافته ومنسوب وعيه نظريا وعمليا، قولا وفعلا، رفضا واحتجاجا، ولا يمنح صمتَهُ على حساب كرامته.

 

محمد الورداشي

............................

 الإحالاتُ والمراجعُ:

1- تجدر الإشارةُ إلى أن الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد قد خاضوا مسيرة (القطب الثاني) بمدينة أكادير في اليوم نفسه 26 يناير 2021، وتعرضوا بدورهم للقمع والضرب والرفس أسوةً بإخوانهم في الدار البيضاء (القطب الأول).

2- محمد برادة، "سياقات ثقافية"، منشورات وزارة الثقافة، ط1..2003، ص49،

3- نفسه ص50،

4- نفسه ص129،

5- نفسه ص137،

6- نفسه ص14 (بتصرف)

7- نفسه ص96.

 

لقد تأسس الحكم العثماني مواصلا للقيم الاسلامية ومواجها للقوة البحرية الأوروبية الغازيةعلى شواطئ البحر المتوسط .فقد كان نظاما امبراطوريا كلفه استينفاذ القوة وتبعثر الجهود وتشتت المصالح .مما جعله لايطيل كثيرا في المنطقة المغاربية مع ملاحظة الظروف المحلية في تونس وليبيا والجزائر وحدوث ثورات مناوئة له في تلك البلاد.التي توسعت عبر الفضاء الواسع وحكمها الانكشارية والشيوخ وممثلي البايات في كل   االمقاطعات ومناطقها افي الجزائر العثمانية .

1. نظام الدولة

لذا قسم العثمانيون الجزائرالئ ثلاث بايلك 1. التيطري في المدية والشرق في قسنطينة والغرب في معسكرثم وهران ودار السلطان في العاصمة }وكان يسموا مناطق التابعة للبايلك سناجق كالولاية ثم النواح ثم الاحياء او الحارات كما القايدات 1اوالاوطان واما الضواحي فكانت تسمى الفحوص

وكانت النقود المستعملة في الجزائر العثمانية متنوعة بين السلطاني والسكينة العثمانية والليرهة الإيطالية والدورو الإسباني والريل والفرنك ومنها كان نوعان هناك نقود التبادل وهي المعروفة عاديا ممثلة في قطع نقدية معدنية كان منها الزياني والدينار الحفصي في المرحلة الاولى ثم ظهرت السلطاني العثماني والسكينية التركية كما استعملت الريال والريل بوجو والدرهم والبياستر الاسباني وكان هناك نقود الحساب التي مؤداها تقدير الاثمان وتقييم السلع مرة وللدفع المالي التبادلي مرة اخرى ،و منها الصايمة والموزونة ريال دراهم صغار  عموما، كما وجدت نقود احرى مثل الخروبة والدورو الفرنسي والمحبوبة وغيرها  ..

وكانت مصادر الخزينة العثمانية في الجزائرالقرصنة البحرية والرسوم والتاوات المفروضة على الدول الاجنبية والسفن في البحر المتوسط . ضرائب على التجار الاجانب والشركات الاجنبية والسواح والمقيمين منهم  .هدايا وعطايا مفروضة على القناصل وبعد الاخلال بالمعاهدات المعلنة سابقا معهم.. ضرائب على السكان المحليين.منها ضرائب على الارض وعلى الاملاك –فارس. و النشاطات...يبع الاسرى او تحصيل اثمان تحريرهم ..غرامات متنوعة –منها غرامة اللزمة على غير القادرين على الجندية ...غرامات على القرى للانكشارية بعد حروجهم للمحلات.غرامات الجمرك على التجار المتنقلين من بايلك الى اخر .غرامات على الحرفيين ..غرامات على الافراد والعائلات احيانا  ..منها على السيبا بعد دخولهم البايلك..غرامات على المطامير والمخازن على الفلاحين. معونات على المواطنين وحتى السيبا احيانا.. الجزية على اليهود.المكوس على استعمال المكان –وكانت تعطى تفويضا لموظفين مكلفين .تعميم غرامة اللزمة  على كل السكان.. الزكاة. والعشور  حكور .العوايد والضيفة  ايام الاحتفالات والاعياد وحين دخول الباي المدينة او حين تنصيبه—الدنوش وهي عطايا متنوعة .. واليباشي وهي غرامة على السيبا والصحراء بعد دخولهم البايلك..

ومن ذلك سوف نكتشف التغيرات والتأثرات لهذا النظام على المجتمع الجزائري وفعاليته ة نشاطاته ووطق اكتيسابه للوعي والادراك وشحنات الامفعال

2 - بنية المجتمع السياسي العثماني:

لقد كان الحكم العثماني،حكما متسلطا،متمكنا بفضل القوات الانكشارية ووجد قوته في استمالة السكان الحضريين وقبائل الجوار المديني نظرا للهجومات والتحرشات الاسبانية والبرتغالية على الساحل الإفريقي الشمالي ،ونجح في تطوير الدويلات المنتشرة في تونس والجزائر وليبيا ولكنه فشل في المغرب الأقصى .استطاع خير الدين وعروج صد الهجومات الأوربية على الساحل الجزائري حيث استطاع عروج أن يفتح تلمسان ويخضعهها لخلافة أسطنبول وواصل خير الدين حملاته في التوسع واستمالة القبائل الحضرية والريفية في المناطق الداخلية .

لقد استطاع خير الدين ان يفشل حملة نائب ملك صقلية  سنة 1518م/924ه وقضى على افرادها واسر بعضهم، وفاز عليهم ولكنهم، نظرا لمعرفة الأتراك مسار الأمور والسياسة فعينوا بعض الزعماء والمشايخ على مقاطعاتهم،منهم محمد بن القاض الزواري عليه قبائل الشرق، ومحمد بن علي على قبائل الغرب الجزائري،وبما هذين الأخيرين بصلة بالحكم الحفص والزياني،فقد تحرشا وتمريضا من طرف الحكمين ضد الاتراك .ولكنهم عملوا مع الأتراك حيثا ونجحا في احتضان بعض قبائل الشرق وقبائلأخرى  في الغرب الجزائري .

لقد رفض الأمير عبدالله،خليفة أبي حمو الثالث،سلطة الأتراك ى،لكن خيرالدين حمى ودافع عن . الأمير مسعود – الذين عارض أخيه عبدالله ولكن مسعود تمرد أخيرا عن الأتراك أيضا،إلا أن المسار اتجه نحو الصلح * مع الأتراك واتفقا على سلطة موحدة عثمانية بفضل أحد الفقهاء وعلماء المنطقة .

والملاحظ أن عدم تماسك السلطة العثمانية،في المرحلة الأولى كان واضحا وخاصة بعد وفاة عروج وأخيه مقتولا،حيث عاد أبي حمو الثالث الى تلمسان غربا وحميده العبد الى تنس جوارا .حيث واجها كل منها التحرش الإسباني .لقد قام عملاء الاسبان بقطع الطريق عن عروج وأخيه إسحاق حين عودتهم من الغرب الى العاصمة في موقعه حامية بني راشد كما تم حصار عروج في تلمسان .(2) حيث كان عروج متوقعا حاميه السلطاني الوطاس في حمايته بالوصول اليه،ولكن نفذ الصبرلديه  فهرب،فلحقه الإسبان في بني يزقن في غرداية  في ماي 1518 وقضوا عليه، فإنتهى الحكم الى أبي حمو الزياني بمناصرة الإسبان له حتى وقت لاحق حيث سيمتد التوسع العثماني الى تلمسان  بعد فتنة خطيرة في  ضواحي قلعة المشور  بين الرافضين والقابلين للحكم العثماني .

3 النظم الإجتماعية في العهد العثماني: لقد مثل التنظيم العثماني في الجزائر، هيئة غير موسعة ومتشتتة مثلت القبائل تمثيلها في الجنوب، بينما كانت رئاسة الخلافة في العاصمة قسنطينة وهران والتيطري حيث المدن الكبيرة وكثافة السكان والأراضي الخصبة وقرب البحر،حيث العثمانيون إمبراطورية بحرية قوية وجدت نافذة لها إتجاه إسطنبول المركز لقد ساهم في شساعة الأراضي العثمانية من المشرق إلى المغرب أدى إلى ضعف نشاط قبضة الحكم العثماني على البعض المناطق، رغم أن كثافة الروح الدينية وقوة الإرتباط بالقيم المرجعية للسكان . 

لكن أن الواضح إلتزام ممثلي الخلافة في كل المناطق كان مرتبطا بقوة النظام، بينما ضعفه في الأيام الأخيرة بعد ضعف الخلافة المركزية وصعود الحضارة التكنولوجية الأوروبية عجل في سقوط الخلافة منذ غزو نابليون لمصر وسقوط الأسطول الجزائري العثماني .

لكن الوضع الداخلي الذي يعلن صراع قوى بين القبائل إلى تعيين الباشا والآنا والخوجا، كان متعدد الأوجه مما جعل البعض يرفض تسليم الضرائب وإعلان التمرد على خلافات العثمانية رغم قوة الجيش الإنكشاري الذي لم يحاول التوغل في المناطق الداخلية لثقته في السكان إن التمثيل العثماني للجزائريين بدأ يضعف بعد مؤامرة التدخل الأوروبي على هذه البلاد، فيما كان يعكس الوضع المحلي عدم تطابق إجتماعي ونشوء طبقات كان يخلقها عملية تقسيم الأرض وتعيين المراعي والسلم التجاري وقوة القوافل التي كانت تتعرض للقطاع في كل مكان .رغم ذلك نشأت جماعات حرفية وجمعيات تعاونية، تمركزت في القصور والتجمعات الكبرى .

في حين بقي المواطن البسيط عالة على القبلية والعائلات الكبرى التي جعلت من بعض هؤلاء عمالا وخدما له في جميع المجالات الإقتصادية والفلاحية والتجارية والحربية، وهذا من الفتح العثماني على المناطق الإسلامية .

يقول عبد العزيز الدوري (1): فقد استولى العثمانيون على القطاعات المملوكة كلها، فيما فيها تلك التي حولت إلى وقف أو ملك، وضمت الأراضي السلطانية "الخراجية" التي تعمل بدفع .الخراج. المنصوص عليه في التراث الإقتصادي الإسلامي منذ عهد الخلافة الراشدية ولكنهم اتخذوا النظام الإقطاعي المملوكي أساسا في تنظيم الأراضي مع إبطال صفته العسكرية >.

لذلك تقسيم الأراضي حسب سياسة إجتماعية محددة تم على إثرها توزيع إقطاعات على أشخاص لا يخدمونها بل هم مجرد أرباب عمل بالمفهوم الحديث مما سهل التفكك الإجتماعي وخلق الإضطراب وزعزعة ضوابط الإلتزام ونزع الثقة لذلك تم تسليم اخصب الأراضي على المقربين من السلطات والخليفة والباي والباشا ومشايخ القبائل الإسلامية عبر كل مناطق الإمبراطورية العثمانية، وقد قام هؤلاء بتعيين ممثلين عنهم في تسيير وخدمة تلك الأراضي وبعدها توكيل جماعات من العمال يسهرون على خدمتها إذا كانت شاسعة أو عاملا واحدا إذا كانت قليلة المساحة وقريبة من السكن .

وذلك لم يكن نافيا لوجود ضرائب على استزراع  هذه الاراضي كما يرى كذلك الدوري، حيث ذلك يخضع لمعاهدة سابقة مع الإدارة وتوثيق تلك التعهدات وسجل أصحابها، حيث لجأت السلطة أحيانا لتعيين عمالا من الجند يكونون تحت وصاية أمناء معنيين من طرف الإدارة العثمانية ولكن التطور اللاحق جعل السلطة تلجأ إلى المشايخ لأنهم أقرب تمثيلا للسكان وهم أكثر احتراما من الغير، مما جعل العامل خماسا، وأحيانا عامل يومي أجير بالمقايضة بدل عرقه لدى كبار العائلات والمشايخ .

إن تسليم الأرض لبعض ممثلي الخلافة، جعل هؤلاء المكلفين ينتظرون الفرصة لنقص النظام وفرض قرارهم، وأبدعوا نظام السخرة وانمحت الصفة العسكرية على ملك الأرض وتسييرها هكذا تم توارث الأرض من المماليك والمتعهدين حيث كانت الضريبة رمزية تدفع للسلطان سميت المصالحة، في بعض الأماكن،رغم أن الخلافة العثمانية حاولت تجميد تلك العمليات لكنها فشلت ولم تحرر حتى تحديد الفترة الإستعمالية للأرض، بل تطور النموذج إلى ملكيات وراثية بحق التصرف الكامل .

 

عتيق العربي - الجزائر

................................

[1] عبد العزيز الدوري: مقدمة في التاريخ الإقتصادي في التاريخ الإقتصادي العربي (م د و ع) بيروت 2007 ص 93/94