سامي عبد العاللو وصلنا إلى المستقبل، فإنه يستحيل العودة منه ثانيةً. ونحن الآن في المستقبل بالنسبة لماضينا ولماضي غيرنا من الشعوب والأمم. والمستقبل دوماً يتساءل عن خطاب (طفلنا الافتراضي)، حتى يواكب وجودُنا مستوى الاستفهام، وحتى نعرف: كيف نتحدث إليه وفقاً لزمنه لا زماننا نحن. ذلك بالرغم من أن ميلادَ الأطفال سيتمُ فوق أجنحة الكلام وعلى فراش تُراثنا الممتد. والمسألة حينئذ ليست أقل من ترك الحياة كي تأخذُ مجراها. وبخاصة أنّ دلالة الطفولة هي رسالة الحياة الخالدة حين تأتينا يومياً مع كل مولُّودٍ جديدٍ.

الحياة المتجددة

الطفلُ الإفتراضي هو الوجود الإنساني الذي سيحل طبقاً لمواصفات الحياة المتجددة. وليس هذا الأمر شيئاً غامضاً، لأننا بإيعاز منه- أو هكذا يفترض- سنقدمُ للأطفال خطاباً نحسبه مغايراً، ونحاول تجنب مشكلاتنا الآسنة طامحين إلى إسعادهم. فلو سألنا شخصّاً: ماذا تتمنى لأطفالك، لكان جوابُه أُريد أنْ أوفر لهم ما افتقدته وحُرمت منه. ولئن وجهنا سؤالاً لشخص آخر: ماذا يعني الأطفال في حياتك؟ سيقول هم ابتسامة الحياة، وإنني لم أكن لأعيش إلاَّ من أجلهم!!

تلك الأقوال ممارسات افتراضية رابطةً للفعل بالخيال، مما يجعل أصحابها على إتصالٍّ دائمٍ بالكائن المختلف. وكم يستغرق الآباء أوقاتاً ليرسموا خريطةً لشخصيات أطفالِّهم، إضافةً إلى ذلك يعانون من تفاصيلها يومياً، وقد يلونون مساحاتها بألوان الحياة. عندئذ لا مناص منطقياً من رؤية مختلفة للطفولةِ، وبحجم المسؤولية، سيكون الحرص على التعبير عنها للمجتمع والثقافة، وأنْ نجعلها جزءًا حيّاً من التاريخ، حتى ولو كانت أحداثُه مليئةً بالمعضلات الإجتماعية.

الخطاب سيصُوغ (على أثر وعينا بالتشوهات السابقة) الرسالة بكلمات ومفاهيم الحياة وتطوراتها فكراً ومعرفةً. إنه خطاب يوازي إمكانيةً خصيبة نضعها في معنى الطفولة. وكل إمكانية هي خارج المكان والزمان الآن، خارج التوقعات، إذ ينبغي أنْ نطمح إلى مجتمع جديدٍ؟! خلال هذا المصير، على الصياغة المنتظرة أنْ تحبط أيَ توقعٍ من شأنه الإتساق المراوغ مع الثقافة السائدة، لأنها ستكون تعبيراً عن حدود أخرى بالوجود والإرادة. ومن هنا فالطفل حين يكون إفتراضياً، لن يكون إذن كما نعيشه، ولا كما تريد الجذور الثقافية تربيته وتوريثه لمجتمع على حافة الإنهيار. إنه بطبيعته الافتراضية يتمتع بمعايير غير محسومة، فمَنْ يستطيع وسط تطور التكنولوجيا والمعارف والفكر أن يمسك بخيال أطفاله؟ مَنْ ذا الذي باحتماله أنْ يضع معايير لنمو المواهب واستثمارها؟ الطفل- قَبلنا أم لم نقبل- يتجاوزنا كل يوم، ففرص التعليم والتعلم أمامه أكثر خلال الفضاء المعرفي المفتوح، أمامة وسائط  متنوعة للإبداع، وسائط مستقبلية التأثير والتشكل دون حدود.

يجب أن نواكِّب هذا الكائن ولنحاول رسم خطوط وإشارات لخطابه المنتظر. ومع الاحتفاظ بالتحديات الآنفة، لانزعم لأنفسنا- ولا يستطيع أحد إتيان- تلك المقدرة على صياغة خطاب الطفوله بدلالتها الافتراضية، نظراً لأن الشروع في صياغة كهذه لن يزيدنا إلا تورطاً في قيود الثقافة العربية مرة تاليةً، وستحكم قبضتها علينا بواسطة اللغة. نحن لا نملك إلاَّ تهيئة الأجواء والظروف وتغيير المفاهيم وشق المسارات الحرة والإنسانية فقط. لهذا أتصور أنَّ قضية من يصوغ خطاب الطفولة، قضية مفتوحة ويستحيل تحديد القائم بها، ذلك بفضل التغير الذي أصاب كل شيء: اللغة، العالم، الثقافة، التربية، المعرفة في عالمنا المعاصر. هل سيصدق القارئُ: إذا ما أكدت له أنَّ من سيصوغ الخطاب هو هذه الأطراف جميعاً بشكل متزايد؟!! وسأناقش ذلك في نقطة مستقلةٍ، لكنني أعرض الآن بعض الإشارات التي تقارب خلفية الصياغة وأسسها.

في الإنسان طفلٌ دائمٌ

لم أقل إنَّ الطفل إنسان، لأنَّ هذا تحصيل حاصل، أمّا الأولّى فهو الإشارة إلى سريان الطفل في البنية الزمنية والنفسية للإنسان إجمالاً. الطُفولة مرحلة لا تنتهي، ولن تتوقف عن الحركة داخلنا بشكلٍّ ما، ومن ينظر إليها كموضوعٍ بعيداً عنه بلغة شيئية إنما يغتال نفسه قبل أي شيء آخر. والإعتقاد بأنَّ الطفل الذي كنَّاه قد مات هو اعتقاد يجعلنا نرميه بخطاب حجرى. الإشارة هنا ستخلِّص الموروث الثقافي العربي من التربية بالعصا والجزرة " الترهيب والترغيب "، ستجعلنا نخرج طفولتنا من سلة المهملات ونحيي وجودَّها مرة أخرى. أليس المبدعون أطفالاً مهما بلغوا من أزمنة؟! ولأن الطفولة هي إبداع الطبيعة وتلقائيتها، فإنَّ تجاهل مرحلة كهذه والمساهمة في تحطيمها لهو مناقض للطبيعة، مناقض للحياة!!

إن الإهتمام بالكائن الإفتراضي معناه مرونة اللغة، وأكثر ما يجفف نبض الإحساس الطفولي ذلك التمسك بكلمات جامدة. فإذا قلت لطفل تعالْ يا "ولد"، فقد يأتي، ولكنه لن يأتي سعيداً كالطفل الذي تناديه بــ "حبيبي" مثلاً. النداء هو النداء في الحالين، غير أنَّ اللغة ليست هي اللغة. ففي الأولى يطرح التواصل الطفلَّ كولدٍ يشبه كل الأولاد ويضعه كائناً محل نداع بلا إحساس، والطفل المنادى عليه يفهم هذا جيداً، ويشعر كأنك في برهٍة ما منفصل أنطولوجياً عنه. وفجأة  أنت تحوله إلى شيءٍ يتلقى صدمةَ النداء ويتوتر مترقباً ماذا تريد وماذا ستتصرف معه وماذا ينتظره؟

لأنَّ الولد، (هذا المنادّى)، داخله لم يحدد ما إذا كنت ستقابله بحنوٍ أم لا، ولم يتبين ما إذا كنت تطلق شعوراً يلامسكما معاً أم لا، وفي الأخير سيعطيه انطباعاً بأنك توجه إليه نداءً كما تنادي أيَّ طفل آخر. أما كلمة "حبيبي"، فيصلُ إحساسُها الحاني قبلَّ بلوغ المعنى المطروح، ويتجلى الموقف الذي يعطيكما وجوداً يجعلك وإياه جُزءاً واحداً لا جزئين منعزلين وأنّك تخُصه هو دون سواه حباً ولطفاً. وكلمة حبيبي بتلك الحمولة الشعورية تجعله(كائناً في سرّه entity in its secret)، كائناً عبر حقيقته المحبوبة، وبالتالي ففي الشعور بالطفولة، تكمن حساسية اللغة التي تفتح عالمها للتواصل الحميم.

لا يستطع التواصل مع أي طفل مَنْ لم يستطع التواصل مع الطفولة داخله. وسيكولوجياً تظل خيوط الطفولة باقيةً مع الإنسان إلى نهاية حياتهِ، وتمثل بالنسبة إليه عوداً على بدءٍ. ومع تقدم العمر، تعد الطفولة صوراً حيةً لا يفارقها، وتبقى عالقةً بذاكرته العقلية والحسية. وأكاد أقول إنها حيوات منفتحة في متصل حياته. ولابد بهذا الإلزام الوجودي من التأكيد على مفهوم الطفولة الممتدة، ولعلَّ أهميته كامنة في تعديل تصوراتنا تجاه تلك المرحلة. ففي الطفولة يتمكن الإنسان من أن يكون إنساناً حقيقياً. إنه سيخاطب معنى الحياة، ويلا مس عمقها الذي لا يصل إلى مداه الأخير بالطبع. فهل هناك شخص، مُرّبٍ بإمكانه أنْ يصوغ فكرةً تامةً حول الطفل، حول سلوكه، حول ماهيته؟ في الواقع الأطفال هم الذين يغيرون اتجاهاتنا في الحياة، إنهم يمنحوننا طاقة بديلة حين نعاني شظفَ العيش، وأي خطاب " محنّط " في أوراق تراثية إنما يرتكب جرماً فعلياً في اختزال ثراء هذه المرحلة.

الطفولة لغة كونية

يُفهم لفظ الكون الوارد هنا بدلالته الطبيعية والثقافية والافتراضية. فالطفل يعبر عن أحاسيسه ومشاعره بلغة الصمت أو البكاء أو الإبتسامة، أو السعاة أو اللعب أوالنشوة، وهي لغة من الممكن فك شفراتها. فالطفل لا يلجأ للتعبيرات المصطنعة، إنه يوظف قدراته التلقائية في شكل معجم صوتي وحركي وعلاماتي وإشاري للتواصل مع محيطه. وهذا طبيعياً يعني أنَّ الطفولة قدرةٌ على ممارسة الوجود بطاقته المحتملة، وأنَّ الطفل يجسد حالة تعبير بكيانه المتصل مع الموجودات والظواهر، حتى أنه يدرك نفسه متماهياً معهاً شاعراً بها. وارتباطاً بذلك، تتبلور صورته الجسدية، فهي الأخرى- كما يقول موريس ميرلوبونتي- صورة يجب أنْ تتكامل شيئاً فشيئاً خلال الطفولة. وكلما ترابطت فيما بينها تلك المحتويات اللمسية والحسية والحركية والمفصلية أو ترابطت مع المحتويات الحسية، أضحت الصورةُ واضحةً[1].

ليس ذلك المظهر التعبيري عبثاً، لكنه يرجع إلى الوظيفة الأولية للغة، وظيفتها الخالقة التي تجعلها طاقةً للتفتح. وبينما كانت اللغة في تاريخ العرب الثقافي أداة للهجاء والفخر والحماسة والبكاء على الأطلال، تعدُّ لدى الطفل فعلاً من أفعال الحركة، نمواً نفسياً وكونياً حراً. وتلتقي اللغة الطفولية في هذا الشوط مع دورها في الأساطير والروايات والحكي، والملاحم والأحلام وأجناس الأدب. ونفي العبث السابق معناه أننا في أمّس الحاجة إلى صياغة اللغة العربية كل الصياغة خلال خطابات التربية والثقافة والتعليم، بحيث يأخذها الوضع الدلالي الجديد إلى لإظهار فكرة الطاقة الخالقة. مازالت اللغة التي نتحدث بها يومياً لغة مشبعة بالنبرات الأخلاقية والمعيارية (لغة الأمر والنهي والعقاب). أي تم تقليص عمل اللغة إلى وصفٍ ذوقي حسي عادةً، وصف مرهون بحالة الفرد النفسية والسلوكية. وليس هذا أمراً عادياً إزاء الطفل، لأننا بهذا المنطق سنشكلّه أخلاقياً فقط، ليعود من فوره مستعملاً الكلمات بالدلالة السطحية للتفضيل والنفور والغريزة ولا يستطيع تكوين شخصيته[2].

إن خطاباً يُستعمَّل تحت ضغط التفضيل إنما يعطي اللغةَ مجالاً لتسطيح القدرات البشرية، والقضاء على الإبداع ويجعل منها مستنقعاً ثقافياً. الاستعمال الإخلاقي والقيمى للغة ينتح كائنات تائهة لا تستطيع التفكير ولا الإنتاج. في النهاية تتوفر لغة مخنثة تنضم في تاريخ العرب إلى خطاب الخصيان، الخطاب الذي تمت صياغتُه في قصور السلاطين والملوك لقتل فاعلية الرجال (الخدم والحاشية) وتدمير طاقاتهم الجنسية خوفاً على شرف السلطة، غير أنَّ دلالتها العميقة كالتالي: أنَّ السلاطين برمزيتهم السياسية كانوا يخشون ذكورية " فاعلية " الألفاظ عموماً، ألفاظ الرفض والخلق والتمرد والنقد، يستأصلون فحُولة اللغة التي تناطح التقاليد السياسية الآسنة. إنه استئصال يتواطأ مع تصفية خطابات الطفولة من الفاعلية والإبداع، ويستهدف إخضاع أية طاقات بشرية إلى المعانى الثابتة القابلة للتدجين.

في الحقيقة مع عبث الأطفال بالكلمات يظهرون شيئاً خطيراً: أنَّ كلماتَّهم خالقةٌ، فهم يصدقون مضمون الكلمات ويجعلُّون دلالتها كائناً مدهشاً ويتقاذفونها كأنها كُرة الحقيقة لا بعضها. لو قلت لطفل أنت جميل، فإنَّه سيصدق بملء يقينه كونه أجمل من جميع أقرانهِ، والشيء نفسه إذا أطلَّقت عبارة وصفيةً أمامه على شخصٍ أو على إحدي ألعابه ستخلق العبارةُ وجودَ الشخصِ ومتعةَ لعبهِ. الحدسُ الخالقُ نوع من الرابطة بين الكلمات والموضوعات، كأن المعنى بمثابة الإمكانية الكونية التي تتجسد موضوعياً- لغوياً. واللغة بالنسبة للطفل تسير وفق اللعب الجَدّي، كأنه ظاهرة وجودية يستولي عليه كليةً، ولا يجد منه تفلُّتاً ولا خروجاً دون إنجاز الأشياء.

كلُّ كلامٍ مؤثر يحمل الطريقةِ السابقة في أداء المعنى، قد يري البعضُ أن براءةَ الأطفال تجعلهم حالمين بالكلمات وعارفين بحياتِّهم من خلالها. القضيةُ ليست في هذا الإتجاه، القضية أن مفهومَ الطفل عن اللغة يعطينا مفتاحاً لإطلاق قدراته، ولإعادة صياغة حياته. هذا يتطلب"فكراً جديداً"، "معجماً جديداً"، "نشاطاً جديداً"، "أداءً جديداً" لكل كلمة يلهو بها الطفل ويرددها، ويبقي الموقفالإفتراضي ناشطاً: كيف سنواكب الإمكانيات الدلالية للغة الطفولة؟

الطفولة أرشيف الغد

إذا كانت ثقافتنا تنحو نحو الاستهلاك المباشر وغير المباشر، فإنَّ الطفولة إدخار وجودي لحياة آتية في الغد. من الضروري تأكيد هذا المعنى داخل لغة الخطاب وعباراته ورسالته. الإستهلاك وجه من وجوه الجمود المعرفي والفكري، وهو يدعم نمطَ القولبة الثقافيةِ التي تشمل التربية والسلوك والتفكير. فحينما أُقولب طفلاً بواسطة خطاب نمطي إنما استهلك وجوده، استنزف كل إمكانيةٍ يتمتعُ بها. وأسوأ أنواع الاستهلاك ذاك الواقع على ما ليس مطروحاً الآن، على ما هو مدّخر للمستقبل. واستهلاك الطفولة انتهاك لجوهرِ الحياة فينا، وهي المرحلة التي تتلخص في أهمية أنْ يعيش الطفل حياته بملء الكلمة.

وإذا أردنا معرفة أثر هذه الظاهرة يجب الإلتفات إلى استهلاك رصيد الطفولة في عمالة الأطفال، وفي استغلالهم جسدياً، وفي قتل حريتهم، وفي توريثهم تقاليد كئيبةٍ، وفي فرض أفكار تجبرهم على تغيير جهازهم العصبي والنفسي. يجري استهلاك رصيد الطفولة في محاولة لنقش وجدانهم، حَفرّه على حساب طاقتهم الإبداعية. بينما في المقابل يفهرّس الخطاب الإيجابيُ هذا الأرشيف بإمكانياته الإفتراضية، فهي ليس أرشيفاً للماضي ولا يجب أنْ يكون، بل لابد أن نغيره- دون تناقض- بمعطيات المستقبل وتطوراته. ومثلما أنَّ الأشكال، الأدوات، الصور، الألعاب الإفتراضية لها إدهاشها وإبتكاريتها، فيجب كذلك أنْ يكون تعاملنا مع الأطفال بالطريقة ذاتها. ولو قيل بضرورة إحتاجنا إلى إثارة وعي الطفل بعالمه وبماذا يتمنى أنْ يكونّه مستقبلاً، فهذا حقيقي، ولكن الأمر غير الحقيقي أننا لا نستطيع  مواصلة خلق عالمهم بالصور القديمةِ نفسها.

لنتصور أنَّ شخصاً يأمل في تحقيق طموح مستقبلي بعينه، حينئذ لن ينقطع عن التفكير فيه، وسيواصل تخيلَّه، وكم سيكون طموحاً رائعاً حال تجسده. الطفل يعيش هكذا في لغته طوال الوقت،  يبني بيتاً  من حروفها، يبني عالماً في صورهِ الخيالية أكثر مما يعيش في واقعه. وبالنسبة إليه لا مفر من الهروب إلى المستقبل وفقاً لمقتضياته. ولذلك فعلى الخطاب المنتظر أن يتسع إلى رسم ما يريده الأطفالُ لا ما نريده نحن. نحن - بتوضيح سابق -  نفكر ونرى العالم من خلال ماكُنّاه، أمَّا هم فنظراً لخيالهم المبدع وإحساسهم الوجودي المرهف، فكل الأشياء ممكنة الحدوث، كل الأشياء قابلة للتغير، لأنها أشياء لا تنطبق على حقيقتها. لنلاحظ أن أطفالاً في رسوماتهم قد يظهرون الخطوط والأشكال كاريكاتوريةً أو مشوشةً. وليس ذلك من قبيل عدم النضج كما قد ينظر الكبار، لكنها تلقائية ثرية في تشكيل العالم والحياة.

الطفولة خيال خلّاق

الطفل أمام قيود الواقع دوماً لديه قدرات على الإنطلاق والتحليق. ربما أنَّ كونه لا يعبأ بما يمثله الواقعُ من ثقلٍ، يعطيه طاقةً على الذهاب بعيداً. إلاَّ أنَّ نظرتنا السلبية لهذا الإبداع وتأخُر اكتشافه وعدم تنميته وغياب رعايته أشياء ولدت خطاباً تربوياً قمعياً. فلا نعطي الأطفال مساحةً للتعبير الحي عن مواهبهم ولا خيالهم. وبفضل اللغة والألعاب يظهرون فقط مراوغةً لكافة أشكال القهر، مع أنَّه قهر يلاحقهم في أي مكان. فالخيال الثر لا يتوقف عن الحركة، هو يحتاج إلى التشكُّل. وليس غريباً ضمن - هذا الإتجاه - ذلك الإبداع الذي يمارسونه في الألعاب وتكوين وتفكيك الأشكال، وخلط المواد وإعادة تصوير الأحداث.

إن خطاباً سينمي ذلك التخييل أمرٌ ملحٌ لا يقل عن فكرة الطفولة نفسها عبر الحياة. وهو خطاب سيتطرق إلى أهمية الإبداع مثلما أن الطفولة لم تُوجد إعتباطاً، ويرعى المواهب التي تؤديه. وإذا كان القهر وأشكاله يسكن خيال الأطفال، فلابد من تحريره بكافة أنواع اللعب وأدواته ومكوناته. فبعض جوانب الثقافة العربية -إذا أجيزت دلالة المفارقة- مبدعةٌ في تدمير الإبداع!! حيث ترسخ النمط الغالب وتعممه على حساب التغيير والإبتكار. وفي الفكر تتمسح بالأفكار الموجهة إذ تختزل طاقة الوقائع في صورة معينة على أنها كل الواقع، على سبيل المثال أخذ الفكر الديني نزوعاً شكلياً في الجوانب النظرية والسلوكية[3]، وتجمد الفكر السياسي باستبداد صولجان السلطة الشكلية، وحتى الفكر العلمي فمازال خاضعاً لشكلانية التراتب الوظيفي للمعارف والأشخاص والمناهج والمؤسسات.

أمّا الطفل، فوحده هو من يبدع إزاء الأشكال ويتلاعب بها، لأن خياله الخلاق يواصل نشاطه عبر المضامين، في عمق الأنماط السائدة. وأدنى شيء واضح على ذلك كونه ينهمك بألعاب صغيرة محطماً إياها من جذورها، ومفككاً لبنيتها إلى مفردات أولية، ولئن كان بإمكانه بإمكانه أن يلعق أصابعه الغضة، فالكبار رغم شيخوختهم يلعقول تمائم السلطان طوال الوقت. السيارة الكبيرة يستمتع لعباً بها في نسخة صغيرة، وهي أساساً تحطيمٌ للشكل، الحديقة الممتدة يلهو بنموذج مصغر لها بينما يعدل في تشكيلها ويتصور شجيرات وينابيع مياة أخرى. وعلى شاطئ البحر قد يبني الأطفال بيوتاً وكائنات من رمالٍ كأنهم  يهدمون عالمهم البيئي ويشكلونه من جديد، ويبدعون على صعيد المعاني، في الداخل من الأشياء، بينما تتلاعب الثقافة السائدةُ بأثار الشكل داعيةً إلى رواجه.

الطفولة فنون افتراضية

ما يتخيله الطفل في إطار فني له بالغ التأثير على تقريب تكوينه الافتراضي والشخصي. إذ أنَّ الفنون والألعاب لها وفرة الإمكانيات والاختيارات والصيغ اللامتناهية. والطفل عندما ينهمك في محاولاته المستمرة مع هذه الفنون والأدوات إنما يعبر عن ماهية مرحلته، وفكرته عن الواقع. بدليل أن الأطفال لا ينتهون عن أخطاء وقعوا فيها، لدرجة إننا حينما نعرف إرتكابهم الأخطاء نفسها بعد أن حذرناهم منها نقول: " لا ضير.. فهم أطفال".

كأننا لا نأسى على أية أشياءٍ ونمحو الأثر بموجب الطفولة، بينما يعدُّ هذا السلوك سلوكاً ينتمي إلى مساحة افتراضيةٍ لديهم. وهناك إمكانية لتحويل كلَّ الأشياء والموضوعات بالطريقة ذاتها. ومن المهم في خطاب الطفولة الاعتماد على معالم النصوص الافتراصية التي توفرها برامج الكمبيوتر وشبكة المعلومات والبيئات الافتراضية، من جهة الأشكال المبهرة، والتحولات المرنة، وتوليد الدلالات، وتكوين الأخيلة البديلة وبناء النماذج وتدميرها.

وعلاوة على ذلك من المهم التركيز على الجوانب الافتراضية لطرق التدريس، وفي مقررات الأطفال التعليمية. ولعلَّ أبرز شيء في هذا الشأن أنَّ الوسائط المعرفية والإلكترونية تعطيهم المجال كاملاً في القيام بمهام التعلم كأنهم مبدعوها، كأنهم مؤدوها بكل حريةٍ ومشاركةٍ، لأنه بتلك الحالة غدا التعلمُ نمطاً من أنماط اللعب الافتراضي. إذن مع دخول الوسائط الإلكترونية سيقلُ- إن لم يختفِ- المللُ الطُفولي، لأنه أصبح لعباً لا فرضاً محتوماً. فالعالم الإفتراضي كسّر الحواجز بين الواقع والخيال وجعل الإهتمام منصباً على الإبداع لا الإجراء وحسب، وهو أيضاً أسهم في تقليص الفوارق بين البيئات التعليمية مع تنشيط وصقل المهارات.

والفنون الإفتراضية تمثل لعباً بالفعل، وبدلا من أنْ يفْصل الأطفال بين ألعابِّهم ومقرراتِّهم، فبالإمكان إدماج الإثنينمعاً بواسطة البدائل الإفتراضية، والمهارات المركبة، وتجسيد الخيال، وهذا يتكئ على طاقات الإبداع والخيال لدى الأطفال[4]. وفي هذا المجال نحن نهتم بإطعامهم وتنميتهم جسدياً حتى غدت التربية مقابلاً لتوفير الغذاء والشراب متناسين أن جوع الخيالي اللعبي أخطر أنواع الجوع، وأعظم أنواع الجوع تدميراً للواقع وغياباً عن أحداثه. وربما يحتاج إلى عالم قائم بذاته كي يغذِيه. والألعاب الإلكترونية استطاعت إشباع خيال الأطفال عن طريق الإمكانيات والأفكار التي يفتقرون إليها في واقعهم.

أشرت- في هذه النقطة- إلى أنَّ الطفولة فنون ونصوص إفتراصية، لأوضحَ الشق الأول منها، أما الشق الثاني فكانت فكرتي الضمنية إعتبارَ الطفل نفسه فناً ونصاً افتراضيين للمجتمع، الثقافة. فالخطابات الشائعة حول الطفولة لا تتوانى عن تشكيلها معتبرة إياها خيطاً ضمن ألعابها الثقافية. الطفل بكيانه، بمدلولاته، بحقائقه، بتحولاته هو نص من نصوص الحياة الجارية. وذلك بموجب تحديد المعاني التي تترسب إزاء الطفوله في الخطاب العام، وطرائق التعبير به في حركة الثقافة. كثيراً ما يُعتقد أنَّ الطفل كائنٌ ككل أفراد المجتمع، غير أن الجديد الذي أنوه إليه كون الطفل ذاته نصاً، أليس موضوعاً للكلمات، أليس فضاءً للحقائق الإجتماعية، أليس يغيب كياناً بينما تحضُر معانيه؟ إذن تشكل حياته قضية لغوية على الأصالة، والتربويونينبغي أن يتعاملوا معها بطرائق الفهم التأويل وإعادة الصياغة تماماً كما نتعامل مع أي نص أثناء القراءة، ومن أقصر السبل هذا ما يفعله علم نفس الطفل، لكن يقتضي الحال تعميمَ التجربة.

الطفل يعلِّم أباه

الأبُوة إذ تَرد بمعنى التقاليد والأنماط والتصورات، تجعل الطفل مسرحاً لأدوارها، فمع بزوغ وعيه يبدي الطفلَّ رفضاً للسيناريو والحوار الجاريين حوله على مسرح الأسرة. وبخاصة أن الرفض وسيلة لردع الأدوار الهامشية التي ترسم له. وبحكم خياله وألعابه الإيهامية يمتلك الطفل سيناريو آخر، وفي التفاصيل الحياتية يعرفُ الأبُّ جيداً- رغم حبه لأبنائه- مدى الخطورة التي يمثلونها على موقعه من المسرحيات الجارية، وإذا كان مؤلِّفاً لتوزيع الأدوار، فإنه يضطر إلى افساح مشاهد ظهورهم تحت وصايته.

الأولادُ لا يخضعُون للمطلوب منهم، الأولادُ لا يحفلون هنا أو هناك بالنواهي والأوامر، الأولاد يتمردون بينما يزجرهم الأب الذي هو لوغوس الأسرة، الأولاد يفهمون خطاب الأب بطريقة مغايرة. وهنا المشكلة كل المشكلة حينما تُمس (لغة الأب) كأنَّ المحتمع بأكمله سينهار. والتهمة الموجهة للأطفال:" أنهم لا يسمعون الكلام "، وتوصي الأم أولادَّها بوصفها حافظةً لسر الأب: " اسمعوا كلام أبيكم، وعَيبٌ أن تشيحوا بوجوهكم جانباً عما يقول "، وبطريقة أخرى تهمس قائلةً: "سأعطيكم هدايا لو سمعتم الكلام ". والكارثة في تكسير اللغة الأبوية أنَّها محط نظر الثقافة وسلطتها، والأب يشعر بتلك الردود الطفولية الخاصة بالرفض كأنَّه يشعر بكيانه يُدّمر، وأنَّ مملكته ومملكة الثقافة تتلاشيان، كأنَّ هيكل الأبوة بمكوناته يذهبُ أدراجَ الرياحِ. وإذا كان الطفلُّ في مرحلته المبكرة لا يمتلك إلاَّ الكلام، فإنَّ الكلام لهو الحقيقة من وجهة نظر الأب، وهو ميدان الصراع وحسم النزاع في المجتمعات.

ومع أنَّ التمرد الطفولي يحتوى على دلالة سلبية بالمعنى السالف، غير أن الأطفال يلفتون نظر الآباء إلى مراجعة الكلام ولو تم ترديده مرة ثانية وثالثة، وحين يأخذون مواقف ولو صغيرة تبقى مؤثرةً في مسيرة التربية والثقافة. فكل محاولة للرفض، للتمرد إنما تمثل درساً لأبٍ يتحدث بإسم صولجان التقاليد، تكشف أنه يستعمل خطاباً لا يملكه لكائن خرج تواً إلى الحياة وأصبح إبناً افتراضياً لها. وربما لن يدرك الأب هذا المعنى البسيط، بيد أنه سيدرك بالتأكيد أنه لم يعد المالك الوحيد للغة. إن خطاباً تربوياً خالياً من مساحة لرفض الأبناء إنما هو خطاب لا يعطيهم قدرة على النمو الصحيح. الرفض حرية، الرفض قدرة على رؤية الحياة بمنطق الحياة، ويجب ألا نخاف على تآكل القيم كما قد يقال، لأن الطفل لن ينظر إلى القيم في كل الأحوال إلاَّ  من منظوره، المهم أن نجعل نظرتهم واعيةً وفاهمةً لا أن نربي أحجاراً.

الطفلُّ يربيه عصرُه

العبارة الدارجة تقول: " مَنْ لم يُربه أبواه، ستربيه الأيامُ والليالي". ويمكن أنْ أقرأ الأيّام والليالي بوصفهما فترتين هما العصر، الزمن، بمعنى المصادر الثقافية التاريخية المتاحة خلاله. وهي ليست مصادر واحدة، بل مصادر مختلفة وتمارس تأثيراً كبيراً. وسواء أشاءت الأسرةُ أم أبَّتْ، سيشاركُّها العصر في تربية أولاهِم وسيشاركها أيضاً من هم خارج منطقها التربوي والثقافي. فهؤلاء لا يستأذنون ولم يعد بالإمكان الإستئذان وسط التنوع غير المحدود للتربويات والمعارف والثقافات والفاعلين الرمزيين على الصعيد الإجتماعي. التصور الواضح عندئذ: أننا نختزل الطفولَّة في إتجاه الأبوين فقط، وهما بدورهما مجرد فاعلين رمزيين بأمر الثقافةِ ليس أكثر.

إذن الحقيقة أن الطفل هو من يربي والديه في بعض المواقف، لأنه بمثابة الطاقة المرنة في حياتهما، هو العين المندهشه، الباسمة، المنتشية، الحزينة، الآملة بصدق والطموحة بصدق والمراقبة بصدق والمستغرقة في وجودها بصدق.. كيف نصوغ خطاباً ملائماً لهذا الوضع؟! ولو تأملنا المشاهد حولنا، لوجدنا الأقران يشاركون الأبوين التربية، والأصدقاء يشاركونهما التربية، ومنتجي الثقافة يشاركونهما التربية، ورجال السياسة يشاركونهما التربية، الفنانيين يشاركونهما التربية، لاعبي الرياضة يشاركونهما التربية، الأشرار والأخيار يشاركونهما التربية، الرموز الدينية يشاركونهما التربية، الأحداث والوقائع تشاركهما التربية، شبكة المعلومات تشاركهما التربية، الفضائيات تشاركهما التربية، الخطابات المتداولة تشاركهما التربية... وكل هذه الأشياء وغيرها تترصد تربية الأطفال عبر النصوص والعلامات والصور المرئية والمسموعة والمقروءة.

وهي موضوعات قيد الطرح التربوي والمعرفي، لأنها نتاجات عصر يستحيل تجنب تداعياته، وإنسان واهم من يعتقد إمكانية عزل الأطفال خارج حدود عصرهم، لأنهم بأنفسهم وبتكوينهم وبفنونهم يمثلون تلك الحدود. وإن استطعنا عزلهم جزئياً، لن نستطيع عزلهم كلياً، وستكون نتيجةُ العزلة اجتياحاً كاملاً من قِبلّ تحولات العصر لهياكلنا القديمة. وليس أمام الخطاب المنتظر إلاَّ التأكيد على هذه النقطة، وليس أمامه إلاَّ الانفتاح على القادم والمختلف والمتداخل. ولم يعد خطابنا الأبوي ليجدي، لأننا في لحظة ما سنعرف من يربي أبناءنا. وبعد أن كنا نظن في هيمنتنا على كيانهم، سيتضح انفلاتهم الكامل من قبضة المجتمع والثقافة. وحالما نتصور انفرادنا حصرياً بمفاهيم التربية والأخلاق، سنستفيق يوماً على تعددية الفاعلين الثقافيين بجوارنا وفي مواجهتنا و في أعماقنا!!

 

د. سامي عبد العال

...........................

[1]-Maurice Merleau-Ponty, Phenomenology of Perception, Translated by Colin Smith, Routledge & Kegan Paul,  London and New York, 1958, PP 94-112.

ربما تسهم تلك الصورة الجسية المترابطة بين الوعي بها كظاهرة و بين إرتداد الوعي خلال إدراك شبه تكاملي، أقول ربما يسهم ذلك في تعمم صورة الجسد كلغة تواصلية مع العالم إذ يحتوي الطفل. والكلمات التي أتحدث عن طبيعتها الوجودية تأخذ مغزاها لدىه من خلال هذه الصورة الجسدية. لا أمانع القول بأنها تماثلها في الطاقة وتخلق الشحنات أثناء الكلام، فالجسد الطفولى عبارة عن قدرة إبداعية على الحركة والإنطلاق، واللغة تمثل عنصراً فاعلاً ضمن هذه القدرة. فكما أن الطفل يدرك جسدَّه كجسد للعالم، للأشياء فكذلك تأتي اللغة جسداً تعبيراً يحركه ويربط بين تمفصلاته بذات الحركة. وحينما نحاول صياغة خطاب الطفولة ولا سيما النصوص المقدمة لهم لابد من الإعتماد على خاصيتي الأداء، متعة الأداء، فاعليته، انتاجيته، لعبيته. لا يكون الأداء صورياً بل تصويرياً(دون تطابق) وتوليدياً (دون جمود) بحيث يصبح الطفل قادراً على إنتاج المعاني والاستغراق في تشكيلها، تماماً مثلما يشكل الأشياء من حوله و يقوم بالاستمتاع الحياتي بأفعاله ولو كانت صغيرة. فاللغة جسده الدلالي، لها نفس مواضعات التعبير الحسي، من جهة التبدي والفاعلية، اللغة  لدي الأطفال نشاط لعبي يتفلت من الأطر التقليدية الصارمة.

[2]-  من أكبر الملاحظات أثراً في  كتب الدراسات اللغوية تقديم اللغة بوصفها (ذوقاً جمالياً) ليس أكثر. الوصف يردُ عادةً بمنطوق" لغتنا العربية الجميلة " في معظم المجتمعات العربية. هذا المنطوق يذهب مباشرة إلى ملكة الحكم بتعبير كانط لا  إلى ملكة التفكير العملى ولا المنطقي. كأنه يقول للطفل عليك أن تتلقى الكلمات والنصوص شعورياً متراوحة بين الجميل والجليل، وليس لك أدنى علاقة بما تفعله اللغة،  ولا بما تتركه من أثر، وكأنه يؤكد أيضاً أن اللغة لا قيمة لها، بإشارة عامة: استقبل ما تقرأه واسمعه بآلية" أذن من طين وأذن من عجين". وفي الحقيقة هذا التدريب النصي  تدريب ينضاف إلى تراث من إهمال علاقة اللغة العربية بالواقع وعدم تطويرها حضارياً، وينضاف إيضاً إلى أننا ثقافياً نسمع الكلمات وهي جوفاء ولا نتفاعل معها. وفي الحياة العامة نقول إزاء الخطاب المترهل والثرثار" وهل الكلام يباع ويشترى؟ فلنتكلم كيفما نشاء"، ونقول أيضاً في الكلام الذي لا طائل من ورائه: "إنه كلام ابن حديث"، وعليه سيكون المتكلم فوهة لطاحونة كلام، جعجعة فارغة ولا دقيق. وفي الخطاب الثقافي العربي اللغةُ لا تُقابل بالفهم العميق بذات الدرجة التي نخاطب بها دون دراية ولا فاعلية. هناك بالمثل تمثل سياسي إعلامي لمقولة لغتنا الجميل، تمثل يدفع السياسيين لإطلاق العبارات البراقة والوعود اللامعة دون إلتزام، لأن الخطاب العام خطاب جميل، خطاب بلاغي مؤثر، هكذا يجب أن يجرى المعنى، أليس  الكلام جميلاً؟ إنه السؤال الذي يطرح بعد أن نتلقاه، ولايجب أن نسأل بتاتاً أليس قابلاً للتنفيذ، هل كان دقيقاً، هل كان محدداً؟ هي ظاهرة "خطاب الثعالب" كما يقول الشاعر أبو الطيب المتنبي" يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب".

وفي الكتب الدراسية للتلاميذ ستجد هذا المعنى منتشراً، لندقق في أي منها حول اللغة العربية، سنجد أن مؤلفيها عادة هم نخبة من الأساتذة. ومصطلح النخبة يحضر بديلاً عن الثقافة السائد، ثقافة إطلاق الكلمات في الهواء كالرصاص للتخويف وإيقاظ الآخرين، لأن هناك صوتاً لابد من سماعه وأنه يمثل المجموع، فهل يخطئ المجموع؟! طبعاً الصوت الهامس المقابل سيجيب بالنفي. بدليل أن المصطلح نفسه تكرر في أكثر من حقل دلالي: " نخبة سياسية، نخبة فكرية، نخبة إقتصادية، نخبة إجتماعية"، وهم أنفسهم  يعبرون عن ميراث ثقافي يجب نقده وفحصه.

والأخطر أنَّ هذا الوضع يظهر نتائج ومقدمات صياغة الخطاب النخبوي المتداول في أغلب المجالات. أولاً: ستكون كلمات الخطاب هوائية بنفس المنطق لا تباع ولا تشترى، أي قل ما تريد فلا ضابط ولا رقيب. ولا يخفى علينا أنَّ غوغائية الخطابات تلعب لعبها في الإكثار اللامتناهي من العبارات الفضفاضة والغامضة التي تطلق مثلاً حول الديمقراطية والعدالة والأخلاق والحكمة والأوصاف الإجتماعية والأسماء العامة. وهي بمنطق الفكر مجرد عملات ورقية زائفة لا قيمة لها في أسواق اللغة والمجتمع. ثانياً: يؤدي الوضع النخبوي إلى اللامعيارية في فهم الخطابات، فيمكن أن نردد الكلام كالببغاوات دون دلالة. وهذا ما نعاني منه بالتحديد بصدد الجوانب الثقافية والتقارير الإعلامية والسياسية. ثالثاً: يتقارب هذا الوضع من كون الخطاب الفكري العربي خطاباً شعاراتياً، لاستمالة المتلقي والإستحواذ عليه فقط، حتى ولو كان الثمن سرقة الواقع واختزاله في المقابل. ولقد تسربت تلك الآلية من الخطاب الديني إلى باقي الخطابات الأخرى، فالخطاب الديني خطاب شعاراتي يوهمك بالحقيقة وبأداء المعنى الإنجازي بينما هو يسرق منك الزمن والحقيقة والوقائع. ويبيع لك الصدق التأثيري بتمثيل الشعارات مصحوبةً بالذهول والإيهام والتخييل والبكاء. وحيث يدفعك إلى الإيمان واليقن، يجعلك ممسكاً بأطراف العبارات وفجأة ستكتشف أنك معلق في الهواء!! رابعاً: يرجعنا إلى التراث الشفاهي للغة العربية، الذي طبعها بأثار الحفظ والتلقين فقط. والكلام الشفاهي كلام طيار، كلام روحاني كالمشروبات الروحانية الكحولية، تتلاعب برؤوسنا لكننا لا نستفيق منها باصطدامها بالأحداث.

[3]- المتنبي بإسمه الدال تاريخياً يخاطب الجموع من المسلمين، يخاطبهم بلغة الشكل  داخل الزمان والمكان: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ...يا أمة ضحكت من جهلها الأممُ". لماذا إسم المتنبي دال في سياقنا؟  لأن وَقْع المتنبي يجري دلالياً على نحو زمني ثقافي، إنه يرمي بحقيقة وجود السلوك إلى المستقبل، إلى كشفه ومعرفة تحولاته المصيرية (أي مآله). و اسم المتنبي يرتبط بالنبأ، أي الإخبار عن زمن ما، عن حدث  أثر ما، لقد قال في شعره: " السيف أصدق أنباءً من الكتب " وهو يشير في سياق الثقافة العربية إلى نفاذ السلطة زمنياً وأن الحقيقة مرهونة بها أكثر مما ترتهن بالصحائف، ومازالت هذه النبوءة سارية حتى لحظتنا تلك. فالوقع المبدئي لأخبار السلطة، ورموزها، ومؤسساتها، و رجالاتها عن شئ لو كان تافهاً أهم مما لو جاء في أوراق،  في الواقع العربي قوة الإخبار من قوة قائله لا من قوة حقيقته. واستعمل المتنبي أفعل التفضيل كي يكون مفتوحاً على زمنه القادم ضمن عصور العرب المتوالية.  من جهة أخرى يرتبط اسم المتنبي كذلك بالنبوءة، والنبوءة دوما واقعة في مستقبل الأيام. النبؤءة بحسبانها حدثاً سواء أكان حفَ الشوارب وما يتضامن معه من وقائع أم نمطاً للحياة. لذلك فإن لإشاراته الشعرية أهميتها في معرفة الطابع التاريخي لتكوين النزوع الشكلي المشار إليه متناً بالأعلى، حيث ربط الغاية بالشكل على خلفية سلوك ديني يتخذ كعلامة على جوهر ما،  إن حف الشوارب شكل لخصَّ واختزل بنية الدين عملاً وفكراً. والمهم في كلام المتنبي أنه يرصد نبض التاريخ، يرصد التحول للعميق الذي يجري شكلياً  على مستواه البنائي. والدليل على تحول الشكل إلى مضمون هو اقتران حف الشوارب بالغاية في مقابل ضحك الأمم من الأمة العربية. الجوهر(حضارة الأمم) يسخر من الشكل، ويبدو التمسك به موضوعاً لسخرية التاريخ أيضاً. فكلمة الأمم يعني أنها مرت ببناء وجودها الحضاري والثقافي. وعلى الرغم مما تقدم إلا أن المتنبي أشار إلى إنحراف الغايات في المجتمع العربي باتجاه التسطيح، وهو ينحرف لا في فراغ إنما بحجم الأمة ذاتها. حتى أننا نري في الصيغة الاستفهامية التي حملت الفكرة قابلية للإنطلاق في وجه جميع الأشكال، وفي وجه أي نزوع شكلي قادم، كان المتنبي مفكراً حينما رصد هذه الظاهرة من خلال الاستفهام، فالأخير لديه المقدرة على الطرح أمام أسماء الجموع، لينتهي إلا الطرح في مواقف الأمة، والموازاة تدل على أنه يدرك غايات الدين، وجوهر السلوك الديني، والحضارة، وبناء الأمم. فليس من المعقول أن تبنى الأمم بحف الشوارب وإطلاق اللحى. ويدرك أيضاً مكانة أمة العرب بين الأمم الأخرى على خلفية الضحك كموقف تاريخي وليس شخصياً.

[4]- يستثمر الفن الإفتراضي صور اللعب الإيهامي. فهذا الفن يقوم على غياب الموضوع الأصلي، تصفيته لصالح موضوع رمزي يمثل وسيطاً لعمليات تشكيلية. وا وإذا كان هذا الفن مهماً للأطفال فإنَّ التعليم والمعرفة عموماً يعبران عن فاعليتيهما بواسطة بدائل شارحة، بدائل تعمل بطريقة أشبه بعمل اللغة. فاللغة نحتاج إليها بالتزامن مع فقدان الموضوع، ونجرب صيغاً متعددة لتقريب صور معانيه  المتتابعة. إذن تشمل اللغة بنية إفتراضية لصياغة الفكر. ولا أغالي إن أشرت إلى هناك أبنية متنوعة تسربها اللغة عبر الإستعمال من خلال التواصل باشاراتها وتعبيراتها. واللعب الإيهامي دال على النمو العقلي، لأنه يعبر عن عمليات رمزية تختلف من شخص إلى آخر وتتغير مع المراحل العمرية للطفل كما يقول جان بياجيه في كتابه " اللعب، الأحلام والمحاكاة في مرحلة لطفولة ".

Jean Piaget, Play, Dreams, and Imitation in Childhood, Heinemann,1951, PP30-43.

والمؤكد أن اللعب الإيهامي يعمل علة مجموعة من القدر ات لدى الطفل، منها الخيال، الأحلام، المحاكاة، التمثل، مهارات التركيب والتفكيك، وهي جميعها تتشكل معاً في المواقف اللعبية. ومع أن هناك موضوعاً أساسياً قد أثار اللعب وأعطاه مساحة للحركة، والطفل يحاكيه بالآثار التي تتشكل في صور رمزية وإشارية إلا أن التكرار الحادث إذ ينخرط فيه الطفل يكون لديه تعميماته الفكرية. والمنطقي أن تبلور هذه التعميمات أفكاره وطريقة تأثيرها داخل عقله، كما أنها تعمل عمل اللغة  من جانب أنها تحل محل الأشياء، وتصبح في الخطاب حدثاً بديلاً ومعبراً. فالكلمات ليست سوى ساحة لإحلال ولإنتاج المعاني. لهذا عندما يسمع الطفل كلمة أو إسماً فإنما يستدعي معه تخييلاً لمدلولاته والأفكار التي تدور حوله.

Jean Piaget, The Language and Thought of the Child, Routledge& Kegan Paul,1948, Chapter one

المتوقع  بناء على ذلك أن تكون النصوص لها الحركة نفسها في تاريخ الثقافة. وتكملة للفكرة السابقة، لا مفر من أن تكون نصوص الأطفال موضع إهتمام بكامل مفرداتها ومكوناتها التي تتمتع الخاصية ذاتها التي أشار إليها بياجيه. لأننا نعاني من نصوص لا تحتوي على جوانب رمزية خصيبة. حقيقي أن الصور والأشكال المطروحة تدخل في إطار لغة النص، إلاَّ أنها إفتراضياً تحول عملية التلقي موضوعاً تكوينياً لفكر الأطفال. ومن ثم سيؤثر ذلك بالتبعية على التعليم، وطرائقه ومناهجه.

 

 

 

عدنان عويدفي المفهوم:

الدولة لغة: ورد في لسان العرب أن "الدَّوْلةُ والدُّولةُ: العُقْبة في المال والحَرْب"، بمعنى الغلبة والظفر بهما، والدولة والدول بمعنى "السُّنن التي تغيَّر وتُبدَّل" و"الدَّوْلةُ الفعل والانتقال من حال إِلى حال" و"دُولة بينهم يَتَداوَلونها مَرَّة لهذا ومرة لهذا". وفي القاموس المحيط "الدَّوْلَةُ انْقِلابُ الزمانِ". بمعنى تغيره، مرَّة لهؤلاء ومرّة لهؤلاء.

الدولة مجازاً:

الدولة هي مجموعة من الأفراد يُمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين مُتفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة، وتشرف الدولة على أنشطة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد والمجتمع فيها، وينقسم العالم إلى مجموعة كبيرة من الدول، وإن اختلفت أشكالها وأنظمتها  (1).

والدولة في المفهوم السياسي هي الدولة التي تمثل هنا تجمعاً سياسياً يؤسس كيانا ذا اختصاص سياديّ في نطاق إقليميّ محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة من الروى والأفكار أو الاْيدلوجيا، أما العناصر الأساسيّة لأي دولة فهي الحكومة والشعب والإقليم، بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها  الشخصيّة القانونيّة الدوليّة، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة الداخليّة والخارجيّة.

وهناك فرق بين "الدولة" ممثلة في مؤسساتها أو وزاراتها التي تضبط نشاط الفرد والمجتمع المادي والروحي، وبين "الحكومة" التي تقوم بتسيير أمور الدولة عبر مؤسساتها ووزاراتها، وفقاً لأيديولوجيا تمثل مصالح هذه الحكومة، أو من تعبر عن مصالحهم في المجتمع، من قوى طبقيّة أو حزبيّة أو دينيّة أو طائفيّة أو قبليّة وغيرها.

الدولة الإستبداديّة:

قبل الدخول في عالم الدولة المدنيّة والنظر في تشكلها وآلية عملها، وأبرز سماتها وخصائصها، لا بد لنا من التعرف على أنموذجين أساسيين من الدول الاستبداديّة التي ظهرت تاريخيّاً واستمرت قائمة لمئات السنين وهما:

أولاً: أنموذج الدولة الثيوقراطيّة، وهي نمط حكم تدعي فيه السلطة القائمة أنها تستمد شرعيتها من الله وتعمل على تطبيق حاكميته، ويدعي الحاكم أنه يمثل الله على الأرض، وبالتالي يُلغى أشكال الشرعيّة السياسيّة الممثلة لإرادة الشعب، بحجة الاستجابة للإرادة الإلهيّة، ويكون الناس مجبرون على الطاعة العمياء لهذه السلطة من منطلق الحق الإلهي وحاكميّة الله.

ثانياً: أنموذج الدولة الأوتوقراطيّة، وهي شكل من أشكال الحكم، تكون فيه السلطة السياسيّة بيد شخص واحد بالتعيين لا بالانتخاب. وهو يحكم باسم الله الذي اختاره وذريته لهذا المنصب. وكلمة "أوتوقراطي" أصلها يوناني و تعني (الحاكم الفرد، أو من يحكم بنفسه).

نقول: إذا كانت مقومات الدولة الشرعيّة – أيّة دولة – هي الأرض، والشعب، والسلطة، فإن مفهومها كما أشرنا أعلاه هو جملة الإدارات والمؤسسات التي حازت على شرعيتها القانونيّة والأخلاقيّة وفقاً لعقد اجتماعيّ يهدف إلى ضرورة أن تقوم هذه الإدارات والمؤسسات بإدارة أمور المجتمع وحماية مصالحه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

والدولة في أدواتها وأهدافها ومضامينها أو بنيتها الطبقيّة والسلطويّة القائمة على هذه البنية، قد تطورت تاريخيّاً، على الرغم من أنها قد تجسدت في نهاية مطاف تطورها في نماذج عدة يمكننا الإشارة هنا إلى أهمها وهي : الدولة الثيوقراطيّة، والدولة الأوتوقراطيّة، والدولة الشموليّة. والدولة المدنيّة.

إن نظرة أوليّة إلى كل من أنموذج الدولة الثيوقراطية وانموذج الدولة الأوتوقراطية، وهما الأنموذجان الاستبداديان للدولة، اللذان نود تسليط الضوع المعرفيّ عليهما قبل الدولة المدنيّة، ستبين لنا أن هناك تطوراً ملموساً في طبيعتهما وأهدافهما وأدواتهما السلطويّة، قد أدت في المحصلة إلى تلاشيهما في الكثير من الدول المتقدمة وبخاصة الأوربيّة منها، بينما لم تزل بقاياهما قائمتان في الكثير من دول العالم الثالث، حيث حافظتا بحواملهما الاجتماعيين على طبيعتهما الاستبداديّة تحت عباءات دستوريّة أحياناً فضفاضة تم صنعها على قياس الحاكم ومن يعمل لخدمته وفقاً لرغباتهم  ومصالحهم.

والملفت للنظر أن هذين الأنموذجين إياهما، قد قامت سلطتهما على أساس مقدس، حيث أن الحاكم فيهما يدعي بأنه يحكم "باسم الله". أو باسم "الحق المقدس" . فالحكم باسم الله تأتي في انموذج الدولة الأوتوقراطيّة، وأن الحكم بحاكميّة الله أي وفقاً لكتابه المقدس تأتي في الدولة الثيوقراطيّة.

هذا وتوجد بين الأنموذجين قواسم مشتركة على مستويات عدّة، مع الاختلاف في طبيعة الحال بالنسبة درجة إدارة الدولة والمجتمع، حيث نجد على:

المستوى السياسي:

هناك سلطة مطلقة للفرد الحاكم في الدولتين. الثيوقراطية (الدينيّة)، والأوتوقراطيّة (النظام الملكي). تؤكدها تلك المقولات التاريخية لقادة أو حكام هذه الدول.

فهذا "عثمان بن عفان" يرد على الجمهور الذي حاصر مكان إقامته وطلب منه التنحي عن السلطة ورفض طلبهم قائلاً: (هذا قميص قَمْصَنِيَهُ الله ولن أتخلى عنه). (2).

أو قول الخليفة العباسي "المنصور" في خطبة تنصيبه خليفة على المسلمين: (أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وأنا خازنه على فيئه، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني فتحني لاعطائكم، وإن شاء أن يقفلني عليه أقفلني... إدعو الله أن يوفقني للصواب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة فيكم، والإحسان إليكم. ). (3)

وهذا التوجه الديني للسلطة وجدناه في مخاطبة الملك الفرنسي " جاك الأول" لوريثه قائلا: ( لقد جعل الله منك إلهاً صغيراً، من أجل أن تتربع على عرشه وتحكم البشر). أو في قول " لويس الرابع عشر لولي عهده: (إن الذي أعطى ملوكاً للعالم، أراد أن يُكرموا بوصفهم ممثليه، واحتفظ لنفسه فقط بالحكم على أعمالهم، إن الذي ولد أو يولد من الرعيّة عليه أن يطيع بدون تذمر، فتلك هي إرادته.). (4).

ومن القواسم المشتركة أيضاً بين هذه النماذج من الدول الما قبل مدنيّة في الاتجاه السياسي ذاته، نجد الغياب الفاضح للمؤسسات الدستوريّة، وإن وجدت فهي ضعيفة وهشة وموجهة من قبل الملك الحكم وعلى قياسه، وتمثل في المحصلة القوى الطبقيّة التي تشارك الحاكم في استبداده إن كان في الأنموذج الأوتوقراطي أو الثيوقراطي، فهذه المؤسسات الدستوريّة كانت غائبة تماما، في الخلافة العربيّة الإسلاميّة على سبيل المثال، وعندما وجدت في نهاية الخلافة العثمانيّة، قام بإضعافها وإجهاضها الاستبداد الحميدي.

وهناك من القواسم ألمشتركة أيضاً في هذا الاتجاه يأتي غياب التعدديّة السياسيّة، وغياب الحريّة الفرديّة، والتعبير عن الرأي واحترام الرأي الآخر المختلف، وإن وجدت هناك بعض القنوات للتعبير عن الرأي، فهي قنوات ضعيفة وتكون دائماً تحت المراقبة.

أما على المستوى الاجتماعي: فكان هناك تفاوت طبقي صارخ، ساهم كثيراً في تفشي الظلم والاستبداد والاستغلال والاستعباد، مع مرافقة الانتشار الواسع للجهل والتخلف، والغياب الفاضح لمعان الإنسانيّة لدى الطبقات الفقيرة والمعدمة.

وعلى المستوى الاقتصادي: فهناك تمركز للملكيّة الخاصة في أيادي طبقة النبلاء ورجال الدين والملك وحاشيته، بينما هي غائبة عند بقية الشعب، وهذا ما يولّد أو ولّد حالات من الفقر، رافقه امتهان لكرامة الإنسان وضياع لحقوقه، إضافة إلى حالات الجهل والتخلف التي أشرنا إليها قبل قليل.

أما على المستوى الثقافي: فقد اقتصرت المعرفة على الطبقات الغنيّة المواليّة والقريبة من القوى الحاكمة أو هرمها، وقد تركزت هذه المعرفة في خطها العام، على الأيديولوجيا الدينيّة بصيغتها القروسطية، وهي معرفة مغلقة ومغلفة بالأساطير والخرافات والسحر والشعوذة، تشرف على تطبيقها شريحة انتهازيّة من  رجال الدين دورها أن تغيب أي فكر تنويري ممكن ان يظهر في صفوف الرعيّة من الفقراء والمعدمين والمحرومين، وبهذا التوجه تحولت الأيديولوجيا الدينيّة الامتثاليّة الغيبيّة إلى قوة هائلة لمحاربة العقل وكل معرفة تنويريّة، قادرة على كشف مواطن الاستبداد واستمراريته. وهنا تأتي مقولة الفيلسوف الروسي " رايفسكي  في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وتحت مظلة الحكم القيصري في روسيا لتعبر عن طبيعة هذه الثقافة الدينيّة بقوله: (إن الايمان الديني هو سيف القياصرة الفولاذي المسلول لإخماد العقول المتمردة). أي التنويرية. (5).

هذا ما وجدناه في تاريخ الدولة الأوربيّة قبل قيام الثورة الفرنسيّة، (1789)، في نهاية القرن الثامن عشر، وفي تاريخ الدولة أو الخلافة الإسلاميّة حتى سقوط الخلافة عام 1924.

وعلى الرغم من أن الدولة في أوربا راحت بعد الثورة الفرنسيّة ووصول الطبقة البرجوازيّة إلى السلطة، تعيش حالات من التحولات الثوريّة التقدميّة ذات التوجه الليبرالي في بداية تشكلها، عبر ميلها في عملها وأهدفها نحو تحقيق مصالح الشعب بكل فئاته، والانتقال بهذا الشعب من حالة الرعيّة إلى حالة المواطنة، إلا أن هشاشة بنية الدولة في بعض الدول الأوربيّة كإيطاليا واسبانيا وألمانيا، ساهم كثيرا في ظهور أنظمة فاشيّة خلفت الكثير من الخراب والدمار على المستويين الماديّ والروحيّ لشعوبها وشعوب العالم كالفاشيّة والنازيّة. هذا دون أن نتجاهل العقليّة الستالينيّة (عبادة الفرد) التي سادت في الاتحاد السوفيات ومعظم دول المنظومة الاشتراكية، وقد خلفت هذه العقلية في الكثير من دول العالم الثالث، ما يسمى اليوم بالأنظمة  التوتاليريّة أو الشمولّيّة، وهذا الأنظمة لها بحث آخر يطول الحديث عنه، ومن الضرورة بمكان أن نخصص له دراسة أخرى لاحقاً.

إذا كانت هذه هي أبرز سمات الدول الاستبداديّة ممثلة كما بينا في الأنظمة الأوتوقراطيّة والثيوقراطيّة والشموليّة، فلابد لنا أيضاً أن نقف قليلاً عند الدولة المدنيّة وتبيان جوهرها وتشكلها وآلية عملها وأهدافها وسماتها وخصائصها بشكل عام.

الدولة المدنيّة:

إن الدولة المدنيّة، تمثل في دلالاتها، دولة القانون والمؤسسات ... دولة المواطنة ... دولة التعدديّة والتشاركيّة. وعلى هذا الأساس جاء تعريفها على أنها الدولة التي  تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القوميّة أو الدينيّة أو الفكريّة... ففي الدولة المدنيّة هناك سلطة عليا هي سلطة الدولة بمن يمثلها من القوى الحاكمة التي تمثل مصالح الشعب،، والتي يلجأ الأفراد إلى حاكميّة مؤسساتها عندما يتم انتهاك حقوقهم أو تتعرض للانتهاك. فالدولة المدنيّة هي التي تطبق القانون، وتمنع أي مكون من مكوناتها أن يستولي على السلطة بمفرده، أو يقوم   بتطبيق أي شك من أشكال العقاب بأنفسهم. (6)

إن من مبادئ الدولة المدنيّة أيضاً، وجود الثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة بين أبناء المجتمع ومؤسساته المختلفة، ويأتي في مقدمة هذه المبادئ المواطنة، التي تعني، أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو طائفته أو مذهبه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيّا اجتماعيّا بأنه (مواطن)، أي أنه عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات. وهو يتساوى فيها مع جميع المواطنين. أو بتعبير آخر، إن من أهم مبادئها – أي الدولة المدنيّة -، أن تتأسس على نظام مدنيّ من العلاقات التي تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، حيث أن هذه القيم هي التي تشكل ما يطلق عليه الثقافة المدنيّة، وهي ثقافة تتأسس على مبدأ الاتفاق، ووجود حد أدنى من القواعد تشكل خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها.

ومن أهم مبادئ الدولة المدنيّة أيضاً، أنها دولة علمانيّة، تفصل بين الدين والسياسة، وترفض المواقف التلفيقيّة التي تعمل على  الخلط القسريّ للدين بالسياسة. وفي المقابل عليها أن لاتعادي الدين أو ترفضه. بل إن ما ترفضه الدولة المدنيّة، هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسيّة تخدم القوى الحاكمة التي غالباً ما تكون قوى استبداديّة لا يهمها إلا تحقيق مصالحها الأنانيّة الضيقة كما بينما في نماذج الدول الاستبدايّة الثيوقراطيّة والأتوقراطيّة والشموليّة أو التوتاليريّة ، لأن ربط الدبن بالسياسة براغماتيّاً او حتى أيديولوجيّاً، يتنافى مع مبدأ التعدديّة الذي تقوم عليه الدولة المدنيّة، وخاصة إذا كانت هذه الدولة متعددة الديانات والمذاهب والطوائف والعشائر والقبائل، كما أن هذا الأمر قد يعتبر من أهم العوامل التي تحول الدين إلى موضوع خلافيّ وجدليّ، وتدفع به إلى تفسيرات قد تبعده عن عالم القداسة وتدخله عالم المصالح الدنيويّة الضيقة.

أما المبدأ الأكثر حيويّة وفاعليّة في الدولة المدنيّة، فهو مبدأ "الديمقراطيّة"، الذي يمنع أن تؤخذ الدولة غصبا من خلال فرد أو نخبة أو عائلة أو قوى أرستقراطية أو تحت أية مظلة أو نزعة أيديولوجية تمثلها حوامل اجتماعية محددة، طبقيّة كانت أو عرقيّة او دينيّة أو حزبيّة. على اعتبار أن الدول في عرف الدولة المدنيّة، يحكمها من يختاره الشعب وفق عقد اجتماعيّ يحدد طبيعة السلطة وآليّة عملها وكيفيّة الوصول إليها.

ملاك القول: إن من المبادئ الأساسيّة للدولة المدنيّة، هو البحث دائماً عن صيغة توافقية للعقد الاجتماعي، يقوم على التعدديّة والتشاركيّة، واحترام الرأي والرأي الاخر، واحترام المرأة ومساواتها في الحقوق والواجبات مع الرجل. كما أن الدولة المدنيّة تشترط في المحصلة، التداول السلميّ المدنيّ للسلطة. وبالتالي لا ملكيّة ولا عسكراتيّة ولا ديكتاتوريّة ولا جمهوريّة شكليّة لزعيم أبدي كما هو الحال في نماذج الدول الاستبداديّة التي جئنا عليها في هذه الدراسة. اذ لا بد في الدولة المدنيّة، أن يتم التداول السلميّ المدنيّ للسلطة بشكل دوري عبر الديمقراطيّة ومؤسساتها الدستوريّة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..............................

(1) الويكيبيديا

(2) تاريخ الخلفاء – للحافظ جلال الدين  السيوطي – دار القلم العربي – حلب – 1993.). ص48.

(3) المرجع نفسه - ص252.

(4) السلطة – التاريخ الطبيعي لنموها – وزارة الثقافة – دمشق – بتران دوجوفينيل. ص48.

(5) كتاب موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الكتاب السوفييت – طبعة ثالثة – إصدار دار الفكر – 1971- ص365

- الويكيبيديا

 

 

التحليل الاجتماعي للظواهر الثقافية يُساهم في بناء منطق جديد للتاريخ الخاص (ذكريات الإنسان وأحلامه الساكنة في أعماقه السحيقة) والتاريخِ العام ( أحوال المجتمع في الأزمنة المُختلفة). وكُلُّ تاريخ يُمثِّل بُنيةً اجتماعية مُتماسكة، ووحدةً معرفية مُتجانسة، وشخصيةً وجودية مُترابطة العناصر، وهذه المُكوِّنات هي أُسُس الهَيكل الفكري للمجتمع، التي تَدفع باتِّجاه توليدِ مفاهيم رمزية قادرة على صِياغة التحولات الجذرية في الشعور الإنساني والسُّلوكِ الاجتماعي، وإنشاءِ هُوِيَّة عقلانية جامعة تستطيع وضع أُطُر مِعيارية تُنظِّم عمليةَ انتقال المعنى الوجودي من شخصية الإنسان إلى شخصية المجتمع، أي: انتقال الدَّلالة المعرفية من الجُزء إلى الكُل، ومِن الخاص إلى العام، من أجل صِناعة منظومة أخلاقية تشتمل على فلسفة العلاقات الاجتماعية، التي ترسم معالمَ المسار الإنساني للوصول إلى حقيقة المعنى، وهذه المعالم الأساسية هي: البُنية الاجتماعية، الظاهرة الثقافية، الهُوِيَّة التاريخية .

2

كُلُّ تاريخ لا يَخرُج مِن رَحِم الثقافة سيكون أداةً وظيفية مُنقطعة عَن سِيَاقات المعنى الوجودي، لأنَّ الثقافة هي الغِربال الذي يُنقِّي منطقَ التاريخ مِن سُلطة المعرفة المُغرِضة التي تُعيد صياغةَ الأحداث التاريخية لاعتبارات ذاتية ومصالح شخصية. ومُهمةُ الثقافة هي الحفاظ على مَجرى التاريخ كَي يتدفَّق بشكل طبيعي وسَلِس، دُون ضُغوطات فكرية، أوْ تدخُّلات خارجية . إن التاريخ الطبيعي هو الوقائع الحياتية التي حَدَثَتْ على أرض الواقع، أمَّا التاريخ الصِّناعي فهو الوقائع الذهنية التي يتم إسقاطها على أرض الواقع باستخدام آلِيَّات التفسير الوهمية، حيث يتم حقن أحداث الزمان وتغيُّرات المكان بإفرازات المِخيال (تراكُم الصُّوَر الذهنية والرموز اللغوية في تأويل الذاكرة وتفسير الذكريات)، وبالتالي، يتحوَّل التاريخُ إلى خِطَاب للسَّيطرة، ويصير الواقعُ أداةً للهَيمنة، ويُصبح الفكرُ قُوَّةً عمليَّة سلبيَّة .

3

أدلجةُ الفِكر تُحوِّله إلى أداة وظيفية مركزية لتحقيق مصالح شخصية، وتأويلُ الماضي بصورة انتقائية مُغرِضة تُحوِّله إلى حاضر وهمي، فيشعر الإنسانُ أنَّه مُحَاصَر مِن كُل الجهات، فهو يعيش في عالَم الأفكار، ويَعجَز عن تطبيقها، ويعيش في الحاضر مُنتميًا إلى الماضي، ويَعجَز عن اقتحام المُستقبل . والعائشُ في الحاضر برُوح الماضي كالشخص الذي يعيش معَ زوجته، لكنَّه يَشتاق إلى امرأة أُخرى . وهذا الانفصامُ الفكريُّ يُمثِّل شرخًا في أعماق الذاكرة الإنسانية والسلوكِ الاجتماعي . والفِكْرُ إذا تَحَوَّلَ إلى شَرْخ، فإنَّ التفاعلات الرمزية في اللغةِ والمُجتمعِ، سَتَعْجَز عن تفسير مصادر المعرفة، ولن تتمكَّن مِن تَتَبُّع آثار التحولات الاجتماعية على جسد التاريخ، لأنَّ التاريخ سينتقل مِن مسرح الأحداث إلى مَتَاهة المعنى، وينتقل الإنسانُ مِن كِيَان الذات إلى مِصيدة الذكريات . وإذا غابَ التاريخُ في انكسارِ الإنسان، وضاعَ الإنسانُ في مأزق التاريخ، فإنَّ التحليل الاجتماعي للظواهر الثقافية سَيَصِير شكلًا للفراغ، وعَالَمًا مُشَوَّشًا، وصُورةً سطحيةً تعتمد على الملامح الخارجية لأنها لا تستطيع الوصول إلى الأعماق. وإذا تركَّزت زاويةُ الرؤية على سطح البحر، فسيظن الشخصُ أن البحر مُجرَّد أمواج مُتحركة بلا كائنات حَيَّة، ولكنَّه إذا غاصَ في البحر، فسيرى الكائنات الحَيَّة، ويُدرِك أنَّ البحر وجودٌ شامل، وحياةٌ كاملة . وهذا المثال يعني ضرورةَ الغَوص في تركيب المجتمع وأنساق الثقافة وقيمة التاريخ، لإثبات أن الوجود الإنساني لَيس كُتلةً من القوانين الفيزيائية والحركات الميكانيكية، وإنما هو يَقِينٌ مُتمكِّن في قلب الإنسان، وشُعورٌ راسخ يتوهَّج في نَفْسِه، ومادَّةٌ نابضة بالحياة، وقُوَّةٌ توليدية للمعاني، ومنظومةٌ فكرية مُتماهية معَ الوَعْي بالذات والآخَرِ، والوَعْيِ بعناصر الطبيعة في صَيرورتها الاجتماعية والتاريخية.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

داود السلمانمقدمة: لا يخفى على المُطلع على ما قدّم، جوستاف لوبون، من منجز ابداعي في مجال السياسة وعلم النفس الجماهير والتاريخ، ولعل من اهم ذلك هو كتابه "سيكولوجية الجماهير" فضلا عن غيره من مؤلفاته الاخرى، والتي سنذكرها في هذا المبحث.

ثمة الكثير من تبنى افكار لوبون، سواء السيكولوجية أو السياسية، واعد تلك الافكار نضوج فكري وابداعي تصب في اروقة المجتمعات، سواء كانت تلك المجتمعات التي عاش في كنفها لوبون أو حتى في واقعنا المعاش اليوم؛ كما أن له اعداء، ومما لا شك أن العالم والفيلسوف والكاتب الناجح، بل وحتى الذي يتصدى للسياسة، سيخلق له اعداء، بغض النظر عن طبيعة هذا "العداء" وهو ما يسميه البعض بـ "ضريبة النجاح". فلوبون قد اتُهم بأنه كان فاشيا او يروّج للفاشية، وغير ذلك، وهناك من دافع عن الرجل، وتصدى لتلك الآراء والاقوال التي تعرضت له بالقدح.

نعم، لوبون كغيره من المفكرين الكبار تعرض الى النقد والانتقاد، لكن مع ذلك فقد ظلت افكاره ونظرياته التي طرحها مرجع لتبني تلك الافكار، وللاقتباس والطرح والمناقشة الجادة في معظم الاطر التي خاض فيها لوبون.

فمن المآخذ التي أخُذت على لوبون، هي أنه مال الى العرب، من خلال بعض كتاباته، ومنها كتابه "حضارة العرب" حيث اقر لوبون بأن للعرب حضارة لها تاريخ عريق، وانهم قدموا ما قدموا للفكر الانساني، والذين يميلون لغير هذا الرأي لا يقرون بذلك أو بمعنى آخر يشكون في ذلك؛ وبالتالي فالعرب اعدوا لوبون بأنه كاتب ومفكر منصف لا يميل ولا يزيغ عن جادة الحق، فضلا عن كونه مطلع على العديد من الحضارات والفلسفات الاخرى، اطلاع مدقق محقق، ومنها (تلك الحضارات) حضارة الهند وحضارة اليهود وحضارة اليونان، حيث كتب في هذا الخصوص كما كتب للعرب ولغيرهم.

وفي هذا البحث نحاول أن نسلط الضوء على شيء من فكر لوبون.

(1) هل ثمة اوهام علمية؟

يرى لوبون وهو يعالج قضية ما اسماها بـ "الاوهام العلمية" أنه يتعذر تكرير جميع التجارب، ولذلك يبقى مبدأ نفوذ العالم وتأثيره مرشدنا الأساسي؛ فالناس يؤمنون بالعالِم الذي اكتسب من مقامه العلمي نفوذًا كبيرًا، فيظنون أنه لا يأتي بمزاعم مختلَّة يتعرض فيها للتكذيب. والمقصود ليس جميع الناس من يؤمن بذلك، لأنه الناس متفاوتين في الثقافة والمعرفة.

ويوضح لوبون السبب إن العالم لا يخبر بشيء يراه غير صحيح، غير أن الوهم قد يتطرّق إليه بتأثير التلقين،  فيظن الأضاليل التي أملتها عليه مخيلته حقائق، وأكبر دليل على ذلك حكاية أشعة (N) التي كان أشهر علماء الطبيعة يقيسون انحرافها، مع أنه ثبت بعد ذلك أنه لا أساس لتلك الأشعة.

وعليه يفسر لنا لوبون السهولة التي تستحوذ بها الأوهام على النفوس إزاء حوادث لا تنالها يد التحقيق إلا قليلًا، ثم يختار أمثلة تشاهَد في العلماء وحدهم؛ لأثبت أنه بتأثير النفوذ والتلقين والعدوى يحدث في جميع الناس، ومنهم أولو المدارك السامية، معتقدات وآراء مختلة.

ومن هذه الامثلة التي يؤكد عليها لوبون في كتابه "الآراء والمعتقدات" يقول والأمثلة المؤثرة الضلالُ الذي وقع فيه أعضاء المجمع العلمي منذ أربعين سنة، وحمل (ألفونس دوده) على هجو ذلك المجمع في رواية سماها «الخالد»، فقد نشر هذا المجمع مئات من الرسائل التي نسبها أحد المزورين قصيري الباع في الأدب إلى (باسكال) و(غليله) و(كاسيني) وغيرهم، وحازت القبول مع ما فيها من الأغلاط الكثيرة والسقطات الكبيرة؛ نظرًا لنفوذ المؤلفين المنسوبة إليهم، ونفوذ المهندس العالم الذي عرضت بواسطته، ولم يشك أعضاء المجمع حتى سكرتيره في صحتها، وظلوا على ذلك حتى اعترف لهم المزوِّر بأنه هو الذي لفَّقها، وحينئذ زال النفوذ، وأعلنوا أن أسلوب الرسائل ركيك جدًّا بعد أن عدوه من أفصح الأساليب، وقالوا: إنه خليق بأولئك المؤلفين – بحسب تعبير لوبون.

ويضرب لوبون لنا مثل آخر، يقول ظن أحد أساتذة الحكمة الطبيعية المشهورين الموسيو (بلوندلو) أنه شاهد كثيرًا من الأجسام تنشر أشعة خاصة نعتها بأشعة (N)، يمكن قياس تموجها بضبط ودقة، وبما أن العالم المذكور ذو نفوذ كبير سلَّم أكثر علماء فرنسا بصحة زعمه غير مجادلين (وهذا خطأ كبير). وقد كرروا التجربة ذاتها بأنفسهم فرأوا صحة ما تلقنوه، ثم إن مجمع العلوم رأى أن يكافئ صاحب ذلك الاكتشاف الخطير فأوفد كثيرًا من أعضائه إلى المكتشف كي يحققوا عنده صحة مباحثه، فعادوا مشدوهين بما شاهدوه منه، ومنحه المجمع جائزة قدرها خمسون ألف فرنك.

ويختم لوبن حديثه بهذا الخصوص بالقول أنه كان الأطباء منذ خمسين سنة يعتبرون معالجة ذات الرئة بالفصد من أهم ما اكتشفه فن الطب. وقد استندوا في ذلك إلى الإحصاءات التي دلت على أن عدد الوفيات من المصابين بالداء المذكور - بعد معالجتهم بالفصد - هو ثلاثون في المائة، وقد استمر استعمال طريقة الفصد إلى أن زار طبيب ماهر أحد مستشفيات لندن؛ فحقق فيه أن عدد الوفيات من المصابين بذات الرئة هو خمسة في المائة بدلًا من أن يكون ثلاثين في المائة، وأن علة هذا النقص في الوفيات هي أن الأطباء يعالجون المرضى هنالك بعدم التعرض لهم بدواء.

(2) المعتقدات الدينية في خضم تطور الحضارات

آمن الانسان، منذ فجر التاريخ، بوجود مُدبّر خالق للكون، وهذا المُدبُر يجب طاعته والتقرّب اليه بالعبادة والصلوات وبغير ذلك، ومنها انطلقت الاديان وتعددت الآلهة والمعتقدات، ثم تطورت هذه الاديان رويدًا رويدًا، حتى استحقت أن تُدرس ويُنظر في تاريخها، فأنبثق - في اقل من قرن - علم جديد، قام به عدد من الاساتذة والاكاديميين الغربيين، فسمي هذا العلم بـ "علم الاديان".

يقر جوستاف لوبون بأن تَكوَّن المعتقدات الدينية في كل وقت أهمُّ عنصر في حياة الأمم، ومن ثم في تاريخها، وكان ظهور الآلهة وموتها أعظم الحوادث التاريخية، وتُولد مع كل مبدأ ديني جديد حضارة جديدة، وما انفكت المسائل الدينية تكون من المسائل الأساسية في قديم الأجيال وحديثها، ولو حدث أن أضاعت البشرية آلهتها لكان مثل هذا الحادث في نتائجه أهم الحوادث التي تمت على وجه الأرض منذ فجر الحضارات الأولى.

لوبون يرى أنّ جميع النُّظم السياسية والاجتماعية منذ بدء الأزمنة التاريخية قامت على معتقدات دينية، وأن الآلهة مَثَّلَت الدور الأول على مَسْرَحِ العالم في كل زمن، وإذا عَدَوْتَ الحب، الذي هو دين قوي أيضًا ولكنه شخصي موقت، وجدتَ المعتقدات الدينية وحدها تؤثر في الأخلاق تأثيرًا سريعًا، وممكن أن نتبين حال أمة نَوَّمَتْهَا أوهامُها من خلال ما يطلق عليه فتوح العرب والحروب الصليبية وإسبانيا في زمن محاكم التفتيش وإنكلترا في الدور الپيوريتاني وفرنسا في ملحمة سان بارتلمي وحروب الثورة الفرنسية. وللأوهام تأثير دائم يبلغ من الشدة ما يتحول به كل مزاج نفسي تحولًا عميقًا، ولا مِراء في أن الإنسان هو الذي يَخْلُق آلهته، ولكنه إذا ما خلقها استعبدته من فوره، وليست الآلهة وليدة الخوف كما زعم لوكريس، بل هي وليدة الأمل، ولذلك تبقى ذات نفوذ أبدي.

وما توصل اليه لوبون من نتيجة (متأسفًا بذات الوقت) في كتابه "السنن النفسية لتطور الامم" أن تطور الحضارات يُحْدِثُ في الإنسان الحاضر طائفة من الاحتياجات من غير أن يَمُنُّ عليه بوسائل قضائها فيوجب بذلك سُخْطًا عامًّا في النفوس. فالتطور أصل التقدم، ولكنه أصل الاشتراكية والفوضى أيضًا؛ أي أصل ذينك التعبيرين المرهوبين اللذين يَنِمَّان على قنوط جماعات لا تستند إلى معتقد. قابِلوا بين الأوربي القلق الهائج الساخط على حظه والشرقي الراضي بمصيره، تروْا أنهما يختلفان في حالهما الروحية، والأمة تتحول إذا ما تحول طِراز تصورها ومن ثم تفكيرها وسَيْرها.

وينبهنا لوبون أنه أول ما يجب أن يبحث عنه المجتمع هو إيجاد حال نفسية تجعل الإنسان سعيدًا، وإن لم يفعل المجتمع ذلك لم يُكتب له طويل بقاء، وقد استندت جميع المجتمعات التي قامت حتى الآن إلى مَثَلٍ عالٍ قادرٍ على إخضاع النفوس، وهذه المجتمعات قد اضمحلت بعد أن عاد ذلك المثل الأعلى لا يُخْضِعُها.

يقول لوبون ومع ما تكون عليه المعتقدات من قدرة عظيمة تلوح الأخلاق القومية، دائمًا، من خلال النمط الذي تُنْتَحَل به هذه المعتقدات ومن خلال المظاهر التي تؤدي إليها، وانظروا إلى المعتقد الواحد في إنكلترا وإسبانيا وفرنسا تجدوا الفروق عظيمة جدًّا! وهل كان الإصلاح الديني ممكنًا في إسبانيا؟، وهل كانت إنكلترة تخضع لنير محاكم التفتيش الهائل؟ أفلا تُرَى بسهولة لدى الأمم التي انتحلت الإصلاح الديني أخلاقُ العروق الأساسية التي حافظت، بالرغم من تنويم المعتقدات، على صفات مزاجها النفسي الخاصة كالاستقلال والإقدام وعادة التعقل وعدم الخنوع لسيد؟.

ويرى لوبون أنه أقل تغيُّر في معتقدات الأمة يؤدِّي إلى سلسلة من التطورات في حياتها بحكم الضرورة، ومما رأيناه من أن رجال دين القرن الثامن عشر بفرنسا كانوا يَبْدُون مختلفين عن رجال القرن السابع عشر.

ويصل لوبون بنتيجة مفادها أنه إذا كان المجتمع المسنُّ يرتجُّ فوق أسسه، وكانت جميع نظمه ترتجف ارتجافًا عميقًا، فلأنه يَخْسَر بالتدريج ما قام عليه حتى الآن من المعتقدات القديمة، وهو إذا ما تم فقدُه لهذه المعتقدات حلَّت محله حضارة جديدة قائمة على إيمان جديد بحكم الضرورة، ومما يدل عليه التاريخ أن الأمم لا تعيش طويلًا بعد تواري آلهتها، وأن الحضارات التي قامت بفعل هذه الآلهة تموت معها، فلا شيء أشد تخريبًا من عَفْر الآلهة الميتة.

يريد لوبون القول أن الدين هو البناء الاساس في تشيد الحضارة، فلا توجد حضارة بدون دين، فاذا اضمحل الدين ستنهار الحضارة!.

(3) فلسفة الاخلاق

أهتم الفلاسفة اهتمامًا منقطع النظير في المبادئ الخُلقية، ابتداءً من فلاسفة اليونانية الى وقتنا الحاضر، واعتبر جميع الفلاسفة أنَّ مبادئ الاخلاق هي من اعظم الاسس التي تُبنى عليها المجتمعات، علاوة على الفرد، وأنّ المجتمعات من دون اخلاق تُعد مجتمعات ميتة، ولا يمكن أن تقوم لها قائمة إن فقدت هذا المبدأ العظيم. لذلك أن جميع الاديان ركزت على الاخلاق، بل أنَّ الفيلسوف الالماني ايمانويل كانت اعتبر الاخلاق أفضل من الدين، وعليه دعا الى دين جديد هو دين الاخلاق، فالأمم بدون أخلاق لا تصلح أن تعيش تعايش سلمي يُبنى على اسس التسامح ونكران الذات، إذ بالأخلاق يمكن أن نصلح كل شيء بل ونقضي على العادات السيئة، وبالتالي سنعيش متحابين لا تفرقنا الانانية ولا الاحقاد والاحُن.

ومن هذا المنطلق يرى لوبون أنًّ الدِّيانةُ هي أهمُّ أُسُس الأخلاق المَعْزُوَّة، وكثيرٌ من الناس في الوقت الحاضر يَعُدُّون الدِّيانة النَّاظِمَ الرئيسَ للسلوك. يقول وقَلَّمَا كانت الديانات القديمة تُعْنَى بالتعاليم الخُلُقِيَّة، وكان سلوك الناس فيما بينهم يَدَعُ الآلهةَ غيرَ مكترثة، وكان أمرُ مصرَ شاذًّا من هذه الناحية مع ذلك، فأعمالُ الأحياء في مصر كانت تُوزَنُ بعد مماتهم بدِقَّة، فيُذَكِّرُنا حُكم أُوزِبرِس بيوم الفصل لدى النصارى.

لوبون يعتبر من الخطأ بأنه لا تزال الصِّلَةُ بين الأخلاق والدِّيانة في النصرانية تَحْمِلُ كثيرًا من الناس على الاعتقاد بإمكان قيام الأخلاق على الدين فقط، ومصدرُ هذا الخطأ الذي لا يزال شائعًا هو الخَلْط بين الشعور الدينيِّ والشعور الخلقيِّ على العموم، مع أنهما مختلفان منشأً، وإن أَثَّرَ أحدُهما في الآخر، أي إن كلًّا منهما ملائمٌ لاحتياجاتٍ في النفس مخالفةٍ لاحتياجاتٍ أخرى فيها.

ويعلل لوبون أنَّ الشعور الدينيَّ هو وجه من الروح الدينية في الإنسان، وأن الشعور الخُلُقيَّ هو ملاءمةٌ لمقتضيات البِيئة، والمنطقُ الدينيُّ هو الذي يهيمن على الدِّيانة، والمنطقُ العاطفيُّ هو الذي يهيمن على الأخلاق.

وعليه، كان لوبون يطالب بعزل الدين عن الاخلاق، ويوعز ذلك الى إنَّ علماء الحقوق الجزائية أبصروا، منذ طويلِ زمنٍ، وجودَ جُنَاةٍ قُسَاة أتقياءَ معًا، فمزاجُ هؤلاء النفسيُّ مماثلٌ لنفسية أولئك اللصوص الإسبان – كنموذج - الذين يَشْحَذُون خناجرَهم وهم يستمعون إلى بعض الأدْعِيَة حول هيكل بعض القِدِّيسين طمعًا في نَيْل عَوْنهم، وأُتِيح للوبون أن يزور في نوڨِي تارْغ الواقعةِ في جبال تَتْرَة كنيسةً صغيرة أقامها، على ما يُرْوَى، لصوصٌ لمريمَ العذراء شُكْرًا؛ وذلك لحمايتها إياهم في أثناء مغازيهم.

ثم أنَّ لوبون يثبت على ما للدِّيانة والأخلاق من مصادرَ مختلفةٍ يمكن إحداهما أن تُؤَثِّر في الأخرى عندما يكون الإيمان قويًّا، ولكن هذا التأثير ظاهريٌّ أكثر من أن يكون حقيقيًّا.

وبعد، وكلُّ ما يقال بِوثُوقٍ في أمر الأخلاق ذاتِ الأساس الدينيِّ هو أن لهذه الأخلاق قُوَّةَ العادات التقليدية التي يدوم عملها حتى عند عجز العقل عن الدفاع عنها، فللأمم، إذَنْ، كلُّ الحقِّ في المحافظة على آلهتها التي آلَتْ إليها من الأجداد. كما يقول لوبون في كتابه "حياة الحقائق".

ومن ناحية أخرى يضعّف لوبون قيمة الأخلاق القائمة على العقل والعِلم، بمعنى أن لوبون لا يقرر بوجود صلة مباشرة او غير مباشرة بين العقل والعلم من جهة، وبين الاخلاق من جهة أخرى.

ويزيد لوبون على أنَّ الفلاسفة تساءلوا عن إمكان إقامة أخلاق على أُسُس عقلية، وذلك عندما لاح أنه لا يمكن الدفاع عن الافتراض القائل بوجود ربٍّ حاكم يكافئُ المُحْسِنَ ويُجازِي المُسِيء، والعقلُ قد أَدَّى إلى إقامة صَرْح المعارف الرائع، فصار من المأمول أن يُشَاد به صَرْحٌ للأخلاق بسهولة، فهذا وَهْمٌ من آخر أوهام الفلسفة، كما يرى لوبون.

ويضيف موضحًا: ومصدرُ الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع أن يَجِد في العقل جميعَ عوامل السَّيْر هو الخطأ النفسيُّ الذي بحثنا فيه غيرَ مرة، والقائلُ بأن من الواجب أن يكون المنطقُ العقليُّ وحدَه دليلَ المجتمعات والأفراد. وظلَّ كثيرٌ من الفلاسفة والمُرَبِّين والسياسيين المعاصرين قانعين بأن العقل وحدَه هو مصدر الأخلاق، ويَسِير هؤلاء مع الأستاذ بُوتْرُو فَيُعَرِّفون الأخلاقَ، مختارين، بأنها «مجموعة القواعد العقلية لسلوك الإنسان».

إذن لوبون لا يقرّ بأن العقل هو المصدر القوي الذي نقيس به جميع الاشياء، ومنها الاخلاق، وهنا يقف بصف ايمانويل كانت، من هذه الناحية، ويخالف لابينتس ونيتشة وماركس وسواهم.

(4) روح الاجتماع

في هذا الكتاب الذي اطلق عليه "حياة الاجتماع" يحدثنا لوبون  عن الحالة النفسية للجماعات، ويشرح ذلك بالتفصيل. ويقول: تتكون روح كُل شعب من مجموع صفات وخلالٍ تتولد في أفراده بالتوارث، لكن إذا اجتمع عدد من أولئك الأفراد للقيام بعمل من الأعمال تولدت عن اجتماعهم هذا أحوال نفسية جديدة ترتكز على أحوال الشعب، وقد تختلف عنها في كثير من الأوقات اختلافًا كبيرًا.

ولوبون في هذا الكتاب حاول التقصي والبحث في موضوع الجماعات على صعوبته بالوسائل العلمية المحضة، كما عبّر، يعني أنه يريد أن يتبع فيه نسقًا مؤسسًا على قواعد العلم غير ملتفت إلى الآراء والنظريات والمذاهب الجارية مجرى الأمور المسلَّم بها؛ كونه يرى أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لاقتناص بعض شوارد الحقيقة. كما يوضح في مقدمة كتابه هذا.

ويقول، كما جاء في المقدمة إنّ الجماعات "تتجرد دائمًا عن الشعور بعملها، وقد يكون هذا هو السر في قوتها على أنا نشاهد في الطبيعة أن الذوات الخاضعة لمجرد الإلهام تأتي بأعمال دقيقة يحار الإنسان في معرفة جليل صنعها، ذلك أن العقل جديد في الوجود الإنساني وفيه نقص كبير، فلا قدرة لنا به على معرفة قوانين الأفعال اللاشعورية، فما بالك إن حاولنا وضع غيرها في مكانها أن نَصيب اللاشعور في جميع أعمال الإنسان عظيم وافر ونصيب العقل فيها صغير للغاية، والأول يعمل ويؤثر كقوة لا تزال معرفتها غائبة عنا".

ففي فصل له من هذا الكتاب بعنون "أفكار الجماعات" يقسّم لوبون الأفكار إلى قسمين: الأول الأفكار العرضية الوقتية التي تولدها بعض الحوادث لساعتها كولوع بفرد من الأفراد أو مذهب من المذاهب، والثاني الأفكار الأساسية التي تكتسب من البيئة والوراثة والرأي ثباتًا. ويعطينا مثال ذلك العقائد الدينية في الماضي والأفكار الدمقراطية والاجتماعية في الزمن الحالي.

ويقول إنّ الأفكار الأساسية أشبه بالماء الذي يجري الهوينا في النهر، والأفكار العرضية تشبه الأمواج الصغيرة المتغيرة على الدوام التي تضرب وجه ذلك الماء، وهي مع قلة أهميتها أظهر أمام العين من سير النهر نفسه.

لوبون يرى أنّه كيفما كانت الأفكار التي تلقى في نفوس الجماعات، فإنها لا تسود ولا تتمكن إلا إذا وضعت في شكل قواعد مطلقة بسيطة لتبدو لها في هيئة صورة تحسنها، وهو الشرط اللازم لأن نحل من نفوسها محلًّا كبيرًا. وليس بين هذه الأفكار المصورة أقل رابطة عقلية من التشابه أو التلازم، فيجوز أن يحلَّ بعضها محل بعض، كالزجاجات السحرية التي يستخرجها العامل واحدة فواحدة من صندوقها، ذلك هو السبب في قيام الأفكار المتناقضة بجانب بعضها عند الجماعات. وعلى حسب الأحوال تكون الجماعة تحت تأثير أحد هذه الأفكار التي اجتمعت في مدركتها، فتأتي بأشد الأعمال تناقضًا وتضاربًا.

ومع ذلك يرى لوبون أنه لا يمكن القول مطلقًا بأن الجماعات لا تتعقل ولا تتأثر بالمعقول، غير أن طبقة الأدلة التي تقيمها هي تأييدًا لأمر من الأمور أو التي تؤثر عليها منحطة جدًّا من الجهة المنطقية، فلا يصدق عليها اسم الدليل إلا من باب التشبيه.

إذ غني عن البيان، كما يوضح لوبون، أن عدم قدرة الجماعات على التعقل الصحيح يذهب منها بملكة النقد، أي يجعلها غير قادرة على تمييز الخطأ من الصواب، وأن تحكم حكمًا صحيحًا في أمر ما. أما الأفكار التي تقبلها هي، فهي التي تلقى إليها لا التي يناقش فيها. والذين لا فرق بينهم وبين الجماعات في هذا الباب كثيرون، وسهولة انتشار بعض الأفكار وصيرورتها عامة آتية على الأخص من عدم قدرة السواد الأعظم على اكتساب الرأي من طريق النظر الذاتي.

ومُلخّص ما توصل اليه لوبون أنه "لا تتعقل الجماعات إلا بالتخيل ولا تتأثر إلا به، فالصور هي التي تفزعها وهي التي تجذبها وتكون سببًا لأفعالها".

 

داود السلمان

 

 

نجيب طلالمبدئيا؛ فالذي فرض هاته المقالة (الاستحضار المعلن) طبيعة الصمت المريب؛ واللامبالاة المقيتة. من لدن من كانوا يملؤون الساحة المسرحية ضجيجا ويناورون هنا وهناك؛ ويستقطبون هَـذا وذاك؛ لكي ينضم للفصيل (النقابي) أو (اللوبي) وينظمون لقاءات من أجل التزلف لجهة معينة؛ كل هذا على باسم (المسرح) ولكن تبين أنه سواء أكان المسرح أم لم يكن؛ فالأمر سيان. أكيد ولا  خلاف: فمنذ ظهور فيروس كورونا الذي حول العالم إلى جحيم؛ وتغـَيرت معالم حياتنا ونظام عيشنا؛ طوال النهار إلى يوم تمظهر سلالة جديدة لهذا الفيروس العجيب؛ الذي شل إلى حد ما عجلة الاقتصاد الوطني والدولي؛ وأوقف عدة أنشطة ومهـن وحـرف. لكن على الأقل؛ أن يبقى حضور المسرحي في واجهة الأحداث؛ تعبيرا وكتابة وإبداعا؛ مما يطرح السؤال. هـل المسرحيون المغاربة أقـْبروا؛ ولم يعُـد لهم هَـسيس حتى ؟ مقابل هذا السؤال؛ هنا وهناك صرخات ونداءات واحتجاجات محلية ووطنية لعمال وأرباب الحمامات وممولي الحفلات وأصحاب القاعات الرياضية وغيرهم. وبالتالي كنا نسمع ضجيجا وهمهمات إبان الدعم الاستثنائي ! هَـذا يعني أن الحضور والبلبلة والمساومات والتحركات والمقالب بين هَـؤلاء وهَـذا؛ وهؤلاء بالمؤسسات...... له علائق بالجانب المادي؛ ولكن هاهي الوضعية الاحترازية لازالت سارية المفعول: فهل توفي فنان سواء (أكان) موسيقيا / مسرحيا / سينمائيا / مطربا /..../ من جَـراء الجوع ؟ هَـل تشرد فنان (ما) وأمسى عرضة للشارع من جراء عَـدم استخلاص سومة الكراء؟ هل تم اعتقال فنان (ما) جراء عدم استخلاص النفقة على طليقته إن كان مطلقا(وما أكثرهم) هل توقفت أجرة فناني خريجي المعهد ؟ لا شيء وقع إلا لبعض عفيف النفس؛ والذين يخجلون من السؤال. وهاهُـو الوضع الثقافي/ الفني؛ كأنه موجود وهو أصلا غير موجود من خلال أنشطته وحركيته المسرحية، وتفاعله بالنقد والدراسات والمقالات؛ فحتى المواقع الثقافية (العربية) لا وجود لكتابة / دراسة / مقالة / خربشات/ تتعلق بالوضع المسرحي في المغرب؛ وكيف يمكن صناعة فرجة بديلة عبر المسرح الرقمي وتفعيل الوسائط الإجتماعية؛ ناهينا عن ثلاث مواقع تعنى بالشأن المسرحي والإبداعي(مساحات مسرحية/ الفنية/ الفرجة) تعيش جفافا أو بالأحرى موتا ملموسا في العطاء والإنتاج الفكري/ الإبداعي. فالمسرح لا يقتصر على إنجاز عرض (ما) بل كل المكونات الفكرية والثقافية والعلائقية لها تقاطع بالمسرح كروح فاعلة ومنتجة كنسيج منسوج بشكل تركيبي؛ وبناء عليه فالمسرحي بشكل عام سواء أكان ممارسا أو ناقدا أو متعالما أو مهتما يبقى مسؤولا عن التحنيط الذي يعيشه مسرحنا؛ بحيث المسرحي لا يميز بين الواقع والخيال؛ فحياته الحقيقية متداخلة بين المتخيل بالمحسوس؛ واليومي بالمستقبلي؛ ليزيح الغموض عن بؤس الحياة ومعاناة الإنسان. وهكذا كان المسرحي وما يزال وسيبقى. لأن في عرف القضية فالمسرحي مهما كان مستواه يبقى شعلة منيرة فضاءات الثقافة والإبداع.

لكن؛ فالإشكالية التي سقط فيها المسرح (في المغرب) التهافت الفاضح على المال الذي حول الفن/ الإبداع إلى سمسرة؛ والمسرحي إلى رقم من أرقام البورصة ! فمن البدهي أن سوق الدلالة حينما يُغلق؛ يخرس (الدلال) عـن تبريحه في السوق. ولم يعُـد أحد يقاسمه نفس الحركية والتعامل، ونفس حالة البيع والشراء، ونفس الموقف من الثمن المطروح. ربما هانا نبالغ بعض الشيء؛ ولكن إذا أكدنا بأنه خلال أسبوعين من هذا الشهر (شتنبر2021) مسرحيين سقطوا بين التهميش والموت؛ والبعض رحل إلى دار البقاء ك [ التهامي الوردي المعْـروف ب[ بوشعيب / وجدة ] و [ الحاج محمود مـانـا / الصويرة ] و [ الشرقاوي البياض/ الرباط ]و[ شامة الـمودن/ آسـفي] و [ نورالدين الشاوني/ فاس] [...] لا أحـد اهتم بوفاتهم  بشكل فعلي وجاد وذكر مناقبهم الإبداعية وتضحياتهم الجسيمة في المجال المسرحي/ الفني؛ فحتى المواقع المسرحية (الثلاث) التي ذكرتها؛ لم تفكر حتى في وضع صورة بئيسة لبعض للراحلين (عجائب) اللهم بعض الشذرات الفايسبوكية؛ التي لا تخدم صاحبها؛ فبالأحرى المتوفى. ونعي مقتضب من إحدى النقابات في حق (شامة المودن) ربما سيقول قائل: هاته الأسماء لا نعرفها ولم نسمع بها ؟ طبيعي أن نسمع مثل هذا القول؛ علنا أو هَـمسا. لأن الراحلون أساسا من الجيل الثاني؛ والجيل الثاني بعض منهم لازالوا أحياء؛ ويعرفونهم حق المعرفة؛ ولكـنهم ملتزمين الصمت؛ غائبين؛ لكنهم يترقبون من الفصيل السياسي الذي ستسند له حقيقة وزارة الثقافة ؟ بعْـد الانتخابات الجهوية والتشريعية ببلادنا؛ لأن لجَـن الدعم توقـفت ! والتهافت على الدعم كذلك توقـف ! توقفت المهرجانات والأنشطة (اللوبية) ! وتوقـفت السفريات للخليج ! والمساهمة في أنشطة الهيئة العربية للمسرح !  وتوقف الدعم السري لبعض الأحزاب لبعض النقابات (الاحترافية) ! وتوقفت التعويضات من بعض المجلات/ الصحف ! وبالتالي فليمت (أي) كان؛ لأنه من بين المسلمات فالمال مهما كان قـَدره واخترق الوسط الفني والإبداعي بشكل سافر وغير مبرر؛ من البدهي ستنعدم الأخلاق وتجف العاطفة؛ رغم أن الفنان عاطفته جياشة؛ ولكن يتبن عبر الواقع أن (المسرحي) الذي يمارس التهميش والإقصاء ضمني في حق رفاقه وأصدقائه، وبتواطؤ ضد مصالحهم؛ رغم التضحيات والعطاء الذي يقدمه (أي) فنان في المشهد الإبداعي/ الثقافي، وخاصة (أولئك) الذين يعملون في الظل وبعيدين عن اللوبيات والسماسرة والانتهازيين , وما أكثر الذين عاشوا الإقصاء والتهميش وهضم حق الاستمرارية  أو عرقلتها بشتى الطرق، قبل أن ينزل طير الموت ليخطفهم لدار البقاء؛ فإذا نظرنا للمتوفين ماذا قدموا للمشهد المسرحي بعجالة، سنكتشف المفارقات العجيبة في بلاد العجائب أننا نمارس الاقصاء والتهميش فيما بيننا في الوسط الفني والابداعي الى حد الاغتيال الرمزي؛ فالفنان(بوشعيب/ من المؤسسين الأوائل للمسرح الشعبي بمدينة وجدة رفقة فاروق عطية/ بلعيد أبو يوسف /  بنيونس الفيلالي/ ميمون بوطيب/ له أعمال متميزة منذ بداية (1959) ولقد ساهم في تفعيل ودعم  المسرح بمدينة [ أوطاط الحاج ] مسقط رأسه؛ علما أنه يعتبر ذاكرة المسرح الوجدي خاصة والمغربي عامة.  وبالمناسبة أصيب بضعْـف حاد في البصر؛ فتم إعلان نــداء اســتـعــجـالـــي" إلى كافة الإخوة المسرحيين والفنانين بمدينة وجدة. وذلك في شهر فبراير ـ2018  - (من أجل إجراء عملية على مستوى العينين.) هل تحقـق النداء؟ نتمنى أن نتلقى جوابا؛ من لدن أحد المسرحيين الوجديين. رغم أن المعني بالأمر؛ لقد توفي رحمه الله.لأن المعضلة فالذين يدعون التوثيق للمسرح المغربي لا يعرفونه ولم يتصلوا به من أجل (الاستئناس) به أو دعمه ! لأنه من طينة أهل الظل؛ نفس الطينة عاش فيها (الشرقاوي البياض) أحد الأطر الفعالة والقوية في وزارة الشبيبة والرياضة؛ وتحديدا بدار الشباب علال الفاسي بالرباط وقاعة (سوميه) في زمانها تشهد على ذلك؛ علما أنه من الأوائل الذين اشتغلوا مع الراحل الطيب العلج في فرقته؛ وانسحب ليعانق شق الهواة بمدينته؛ وخاصة جهة يعقوب المنصور. فحتى وجوده كان في الفايس بوك خجولا؛ يزن الموضع في موضعه؛ والحرف بميزانه؛ أما قيدوم المسرحيين بمدينة الصويرة الراحل(مانا) فأول من عَـرف للعالم الخارجي مدينة الصويرة مسرحيا؛ رغم أنه كانت هناك (جمعية الرجاء المسرحي) في الأربعينات؛ ورغم أن الراحل الطيب الصديقي من أبنائها لم يعرفها كما عرفها (الحاج مانا) قبل أن ينظم أول ملتقى مسرحي بشروطه الموضوعية سنة1978 قبل ملتقى الإتحاد الإقليمي لمسرح الهواة (أكادير) وغيره؛ وهو أول من نظم ليالي كناوة؛ وبحرقته المسرحية؛ وهوسه المطلق؛ والغريب أنه الوحيد الذي ظل منذ سنين وهو يطلب بإنشاء قاعة للمسرح بالمدينة؛ وذلك من خلال جمعية أسوار؛ ومن خلال الإتحاد الإقليمي لمسرح الهواة الذي كان رئيسه قبل وفاته؛ أما الراحلة (شامة المودن) تعتبر رائدة  وأول فتاة اقتحمت المسرح بأسفي؛ مع جمعية هواة المسرح سنة1969 وساهمت بوقتها وجهدها؛ ولقد ظلت وفِـيَّة للمسرح حضورا رغم اهتمامها بالرسم والشعر والزجل؛ وعلى ذكرهذا الأخير فشامة تلتقي مع الشرقاوي في صقل الحرف ومعاني الكلمات؛ أما الرسم فالرحل (مانا / يلتقي مع الراحل نورالدين الشاوني) هذا الاسم كان له حضور متميز وذو قيمة إبداعية خلاقة، في فضاء مدينة فاس منذ (1973) مع جمعية التجديد المسرحي؛ ليتطور فيما بعْـد بعطائه الفني وصقل موهبته مع الإتحاد الفني/ جمعية الشروق؛ ليستقر على تأسيس جمعية (النداء المسرحي) التي قدم فيها الشيء الكثير من الأعمال المسرحية؛ للعلم رغـم شهادته الجامعية ظل معطلا؛ لا يستعطف أحدا ولا يطرق أبواب المسؤولين؛ ولا يشتكي من هول أيامه، بل استعطف آلته التصويرية (فيديو) التي كانت هي دخله اليومي؛ وكذا لوحاته الفنية الرائعة؛ التي تزخر بها بعض الدور والمطاعم الفاسية؛

فلماذا أثرت هذا (ونعلم مسبقا؛ أن بعض القراصنة؛ سيأخذون هاته المعلومات؛ وسينسبونها لأنفسهم) لنكتشف أن هنالك رجالات كانوا مبدعين وأتقياء؛ مقابل هذا هناك قلة مروءة واعتراف بالآخر؛ لأننا ضد أنفسنا؛ ومن له رأي آخر فليدلي به؛ ولا يتحفظ؛ لأننا سنعيش سويا في مجتمع رقمي؛ كل شيء سيصبح مفضوحا مكشوفا أكثر مما نحن عليه الآن.....

 

نـجيب طــلال

فــاس 20/09/2021

 

 

 

 

 

ادم عربيالمثاليون يجيبون على هذا السؤال جوابا قاطعا مانعا ان الوعي هو من يسبق اللغة، وان الوعي حاكما عاما للكون، وان الوعي هو مخترع اللغة، وان لا لغة دون وعي، وان وعي الانسان هو كل شيئ في هذا العالم، لكن لنسال انفسنا، هل كان هناك وعي قبل اختراع اللغة ؟ .

الانسان منذ وجودة على هذه الارض تميز بين باقي الحيوان بالعمل، فمنذ ان امتدت يداه على ما توفر في الطبيعة من ادوات حجرية بدا العمل وتصنيع ادوات العمل حسب الحاجة، فمن الفاس الحجرية والسكين الحجري ثم القوس للصيد للبقاء على قيد الحياة البدائية كمرحلة من وجودة، ثم تطورت ادوات العمل لدية ليتغلب على البيئة الطبيعية وخلق لنفسة بيئة جديدة توفر له حياة اسهل، فتفرع العمل واصبحت له حاجة بالتواصل فيما بين افراد المجموعة، سواء كانت حاجة نفسية او مادية، فتفاعل المجموعة مع بعضها بما فرضته ظروف المجتمع الجديد، اوجبت ايجاد اسلوب للتواصل بين المجموعات البشرية، ولم تخرج في بدايها عن تقليد الحيوانات بالصوت كلغة بدائية اوجدت اسلوب من التواصل بين افراد المجموعة، ومع تطور ادوات العمل اكثر، اشتدت الحاجة اكثر لتطوير اللغة لتصبح في النهاية لغة منطوقة تعبر عما هو تواصل اجتماعي وعاطفي ونفسي لافراد المجموعات البشرية، اذن العمل هو من فرض اللغة ولم تات اللغة من الحيوان البدائي الانسان، الا بعدما مارس العمل واشتدت الحاجة له للتواصل والتفاهم .

العمل وبصفة كونه ليس فردي بل جمعي او اجتماعي يتتطلب اختراع اللغة، فالوعي الذي اخترع اللغة لا وجود له دون عمل، فالعمل اوجد الوعي الذي بدورة اوجد اللغة، لنصل ان العمل هو اساس اللغة والوعي، وتطورت اللغة معتمدة على المنطق والتجريد الفكري الذي يتميز به الانسان دون غيرة من الحيوانات، فتسمية الاشياء كالقمح مثلا والخبز والتفاح ورجل وامراة ما هي الا دلالة على خاصية التجريد الذهني التي ميزت الانسان على غيرة من الحيوانات، واعتقد ان التجارب على الحيوانات التي تشيه الانسان كالقرد، اظهرت ان هذه الحيوانات تفتقد للتجريد، ففي تجربة لقرد دُرب ان يدخل برميل ماء ليسبح ومن ثم اعطائة الموزة مكافآة له، وُجد انه بعد وضعه قرب بركة ماء لم يعرف ماذا يفعل، دلالة على انه لم يميز بين ماء البرميل وماء البركة، بل لم يعرف خصائص الماء هي وحدها .

العمل بصيغتة الاجتماعية هو خالق اللغة، فلا وعي دون لغة، لنصل لنتيجة اسبقية اللغة على الوعي في مسيرة انسنة الانسان، لكن مع هذا سيسئلني احدهم، ويقول ما دام العمل اوجد اللغة ومن ثم الوعي، لماذا لا يكون العمل هو من اوجد الوعي ومن ثم الوعي اوجد اللغة، لاصل الى نتيجة، كلا ليس هكذا يكون الاستنتاج، فالعمل الاجتماعي توجب اختراع اللغة، ومن اللغة تفتق الوعي، ومع تطور اللغة تطور الوعي، او ما تطوير اللغة الا تطور للوعي .

 

د. ادم عربي

 

 

عبده حقيترجمة بتصرف: عبده حقي

على الرغم من أن معظم النفايات الإلكترونية تكون قابلة لإعادة التدوير، إلا أن الحقيقة الصارخة هي أن البشرية مازالت لم ترق إلى المستوى المطلوب عندما يتعلق الأمر بمعالجة مشكلة النفايات الإلكترونية المتزايدة. هيأة الأمم المتحدة تقدر أن 45 مليون طن من أجهزة الكمبيوتر والتلفزيون والهواتف المحمولة والسلع الإلكترونية الأخرى يتم التخلص منها كل عام. وينتهي الأمر بهذه النفايات الإلكترونية في مقابر خاصة بها، عندما يمكن إعادة تدوير كمية كبيرة منها.

لسوء الحظ، هناك الكثير من الإحصاءات والحقائق والأرقام التي ترسم صورة قاتمة لكيفية تأثير النفايات الإلكترونية على البيئة وتؤدي بها للأسوأ. في هذا المقال سنقوم بتفصيل المشكلات التي تتسبب فيها النفايات الإلكترونية وتأثيراتها، بالإضافة إلى أهمية إعادة التدوير الصديقة للأوزون فيما يتعلق بأجهزة الكمبيوتر.

- في عام 2014، تم إنتاج حوالي 41.8 مليون طن من النفايات الإلكترونية في جميع أنحاء العالم.

وفي عام 2018، ارتفعت كمية النفايات الإلكترونية المنتجة على مستوى العالم إلى حوالي 49.8 مليون طن. وإذا ما ترك ارتفاعها من دون رادع، فقد يتضاعف هذا الرقم إلى 120 مليون طن بحلول عام 2050.

- حاليًا، يتم إعادة تدوير من 15 إلى 20 في المائة فقط من جميع النفايات الإلكترونية.

- تشير الدراسات إلى أن إنتاج جهاز كمبيوتر وجهاز عرض يستهلك ما لا يقل عن 1.5 طن من الماء

و21 كيلوجرامًا من المواد الكيميائية و 240 كيلوجرامًا من الوقود الأحفوري.

- تحتوي الهواتف المحمولة على كميات كبيرة من المواد الثمينة مثل الفضة والذهب.

- من المتوقع أن تنمو النفايات الإلكترونية العالمية بنسبة 8 في المائة سنويًا.

- يمكن أن تؤدي إعادة استخدام أجهزة الكمبيوتر أو إعادة تدويرها إلى توفير 296 وظيفة إضافية سنويًا لكل 10000 طن من نفايات الكمبيوتر التي تتم معالجتها، مقارنة بالتخلص منها في مقابر النفايات.

- عند رميها وتجاهلها في البيئة، يمكن أن تسبب النفايات الإلكترونية أضرارًا جسيمة لجسم الإنسان، مثل سرطان الدم والكلى إلى الجهاز العصبي المركزي والمحيطي.

كيف يؤثر تقادم أجهزتنا المخطط له على المخلفات الإلكترونية؟

إن مسألة تقادم أجهزتنا الإلكترونية المخطط لها يضيف كذلك إلى مشكلة التلوث مشاكل أخرى . هل تساءلت يومًا أيها القارئ عن سبب وفاة هاتفك المحمول قبل أن يوشك عقد شرائه على النفاد؟ أو لماذا يصبح تلفزيونك قديمًا بمجرد ظهور طراز جديد أكبر وأرفع قيمة؟ حسنًا، هذا يقع لأن الشركات قد صممت هذه الأجهزة للقيام بذلك .

إن تكلفة مواكبة أحدث الاختراعات التقنية لا تؤثر فقط على جيوبنا. فنحن تجذبنا السرعة التي يتم بها طرح النماذج الجديدة في السوق، جنبًا إلى جنب مع التدفق المنتظم للتحديثات والتحسينات، إلى شراء هذه المنتوجات، مما ينتج عنه كميات هائلة من النفايات الإلكترونية. كل هذا يعني أن هناك تكلفة بيئية كبيرة جدًا أيضًا.

إذن، ما الذي يمكن فعله لتجنب هذا التقادم المخطط له وتقليل مشكلة النفايات الإلكترونية؟

على المستوى المجتمعي، يمكننا اختيار العلامات التجارية التي تميل منتوجاتها إلى الاستمرار لفترة أطول، وتطلب المنتوجات في المتاجر ذات العمر التشغيلي الأطول والضمانات الأطول مع قطع الغيار المضمونة. في وضع آخر، يمكن أن يساعد أيضًا إعادة تدوير نفاياتنا الإلكترونية بشكل صحيح ومطالب الشركات المصنعة للتخلص من المواد الخطرة.

إذا كان قول هذا قد يبدو أسهل من فعله، أو حتى أنه غير فعال، فمن الجدير بالذكر أن بعض الدول قد اتخذت مؤخرًا تدابير قوية للحد من التقادم المخطط له. حيث إذا استمرت هذه الممارسة عن عمد، فقد يواجه رجال الأعمال أحكامًا بالسجن، بينما ستكون الشركات عرضة لغرامات تصل إلى 300 ألف يورو.

ما علاقة النفايات الإلكترونية بأضرار الأوزون؟

بالإضافة إلى المواد الكيميائية مثل الزئبق والرصاص والكادميوم التي تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، وتلوث إمدادات الغذاء والمياه، وتنبعث النفايات الإلكترونية، عند حرقها بدلاً من إعادة تدويرها، من الغازات السامة بما في ذلك ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت التي تؤدي إلى تلوث الهواء، مما يزيد من نضوب طبقة الأوزون الهشة التي تحمينا من أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة.

بسبب هذا النضوب، هناك ظاهرة الاحتباس الحراري التي يمكن أن تحدث تغيرات جذرية في الأنماط المناخية لكوكبنا، فضلا عن زيادة حالات الإصابة بسرطان الجلد، والشيخوخة المبكرة وإعتام عدسة العين.

من المحتمل أن تحتوي السوائل الموجودة عادةً في أجهزة التدفئة والتبريد، مثل الثلاجات والمجمدات والرادياتيرات المملوءة بالزيت والتي تم تصنيعها قبل عام 1994، على مواد مستنفذة للأوزون مثل مركبات الكربون الكلوروفلورية ومركبات الكربون الهيدروكلورية فلورية. تشمل المواد الخطرة الشائعة الأخرى الموجودة في النفايات الإلكترونية .

ما هي أهمية عملية إعادة التدوير الصديقة للأوزون؟

مما لاشك فيه أن الالتزام بتأمين إعادة تدوير الحواسيب سيؤدي إلى تقليل المخلفات الإلكترونية والحفاظ على أمان البيانات.

تعد عملية إعادة التدوير لأجهزة الكمبيوتر أمرًا حيويًا للشركات التي ترغب في لعب دورها في الحد من النفايات الإلكترونية التي قد تكون ضارة بالصحة والبيئة، والحفاظ على أمان بياناتها. لذلك، إذا كانت الشركة ملتزمة بإعادة التدوير أخلاقيا لأجهزة الكمبيوتر والمنتوجات التكنولوجية القديمة، فمما لاشك فيه أن إعادة تدوير أجهزة الكمبيوتر الآمنة والصديقة للبيئة والتي تلتزم بلوائح إعادة التدوير المناسبة هي جزء من استراتيجية الشركة.

أخيرا من المهم أيضًا أن ندرك أن الشركات ملزمة قانونًا اليوم بالتخلص الآمن من المعلومات الحساسة وفقًا لقوانين الأمان الحالية وقانون حماية البيانات لعام 1998. يجب التأكد فقط من استخدام شركة إعادة تدوير الكمبيوتر ويفضل أن تتجاوز جميع الإرشادات الحكومية وقانون حماية البيانات.

 

ترجمة بتصرف

 

 

ادم عربيامر الملحدين لا يهمني ولا يشغل بالي فهم وخصومهم من المؤمنين بالخلق من جنس فكري واحد.. ان ما يهمني ويعنيني لهو "المادية "، لان المادي يسمو فكريا عن طرفي هذا النزاع، بل عن نزاعهما نفسه.

انهم وما اكثرهم يذكروننا في تجاربهم ما يدحض مادية العقل، لكن هل مادية العقل من الفكر المادي؟. انا من وجهة نظري المادية اقول لهم ان العقل ليس ماديا وليس من جنسها، ليس مادة في طبيعته ولا يمت للمادة بصلة، ولو كان ماديا ِلمَ اخذ كل هذا من الفلاسفة كل هذا الجهد لقرون وقرون؟!.في سعيهم لايجاد الصلة بين المادة والعقل.

دماغ الانسان لا شك انه "مادة" تتكون بشكل رئيسي من عنصر الكربون، ولا شك ان تلك المادة هي عضو التفكير و"العقل"، انها "مادة الدماغ" تمثل اعلى درجة في تطور المادة، وبفعل ما لديها من خصائص مادية خاصة جعلتها تعي وتُفكر، جميع العالم المادي باستثناء الدماغ لا يعي ولا يفكر، فالحجر لا يعي ولا يفكر والماء لا يعي ولا يفكر ولا يحس ولا يشعر، مادة الدماغ هي من تقوم بكل تلك الاشياء، لكن هل الفكر يُمكن ان يوجد في الدماغ لوحده، بعني خُلق فيه ؟. لا عمل دون وجود مجتمع بشري، ولا مكان للغة دون عمل، ولا مكان لفكر دون لغة ايضا.

مع انتصاب قامة الانسان وبيدة البشرية بخصائصها الطبيعية جعلت الانسان والذي يعيش مع جماعه من نوعه هي التي جعلت الدماغ يفكر، او جعلت المادة لها قدرة على التفكير، فهذه اليد جعلت من صاحبها (والذي يعيش مع افراد من نوعه) حيوانا صانعا ومنتجا ومستعملا للادوات من اجل انتاج ما يحتاجه من ماكل وملبس،هذا الحيوان الاجتماعي، الصانع للأدوات والمستعمل لها والذي يعيس مع ابناء جنسه كان في الوقت نفسه، حيوانا ناطقا، أي يفكر تفكيرا منطقيا فلا فكر بلا لغة، أو قبل اللغة.

المادي في تفكيره لا ينكر وجود الفكر ويعلم ان الفكر ليس مادي ولا يمت لها بصلة، الا انه ينكر الوجود المنفصل للمادة عن الفكر، كما ينكر خلق هذه المادة على يد كائن غير مادي من نوع الفكر والوعي.

الوعي البشري، ولا احسب وجودا غيره، والذي هو موجود ولا احد يستطيع اقامة الدليل على عدم وجوده، ووجوده في ذلك العضو المادي الذي يُسمى الدماغ، ولا يمكن وجوده خارجه، فبذلك العضو المادي وعت المادة نفسها ولم يكن هناك وعي قبل وجود الانسان، اي لم يكن وجود وعي في الطبيعه، الوعي هو الصور الذهنيه في داخل ذاك العضو البشري والذي اذا اتيح لك فتحه لا تجد ايٍ منها، تلك الصور الذهنيه لا تخرج عن الواقع الموضوعي، فمهما تخيلت من الاشياء فواقعها الموضوعي موجود، حتى الجان لديك صورة ذهنيه له لا تشذ عن الواقع الموضوعي، تستطيع ان تتخيل ما تريد ولكن جذور تخيلك موجود في الواقع الموضوعي، او اعطنِ شيء خارج عن الواقع الموضوعي على اعتبار انكَ تعطي اولوية وجود العقل، الوعي لا يمكن ان يكون مادة، والوعي لا يمكن النظر اليه بمعزل عن الماده، فهو ثمرة تفاعل بين الواقع الموضوعي والدماغ، والدماغ هو جسم مادي وعليه نقول ان الوعي لا بد ان يكون نتيجه تفاعل مادي - مادي، حتى بالصور الذهنيه لا تستطيع فعل اي شيء فلا بد من استعمال ادوات ماديه لفعل ما تريد، قد تستطيع اقناع غيرك براي او فكرة ما دون استعمال ادوات ماديه كما هو حال نقاش الافكار، لكن لا يمكنك اقناعي بفكرة ما لم تقم الدليل على واقعها المادي.

 

د. ادم عربي

 

محمد الربيعي مقدمة: العراق دولة غير مستقرة واقتصادها ضعيف. هناك انعدام للاستقرار السياسي في البلاد. إلى جانب ذلك، فإن البلاد في قبضة عميقة من الاضطرابات السياسية المتزايدة، والعنف المتزايد، والصراع الطائفي المستمر، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والتدهور الاقتصادي. كل هذه المشاكل هي بشكل مباشر أو غير مباشر نتاج نظام تعليمي ضعيف مستقطب وغير موحد. يواجه العراق اليوم العديد من المشاكل مثل الفقر وانعدام الأمن والطائفية والفوضى والفساد المالي والاداري. وأسباب هذه المشاكل هي التطرف، وقلة الوعي العام، والأمية، والامية المقنعة التي يعززها نظام تعليمي غير فعال. تم إهمال الدور الحيوي للتربية والتعليم في العراق مما أدى إلى تدهور الاقتصاد والصحة وجميع مجالات الحياة. لقد تم التعامل مع التعليم بصورة طائفية وبعقلية متخلفة. لم توضع ميزانية التعليم في خدمة التربية والتعليم وانشاء المدارس وتجهيزها مما أضعف أساس الجودة في نظام التعليم. وبالتالي، فشل نظام التعليم في إخراج البلد من المستنقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتزايد.

المشاكل المرتبطة بنظام التعليم في العراق هي الفساد الإداري، وانعدام الكفاءة والافتقار إلى الموارد الكافية، والسياسات التربوية والتعليمية الخاطئة، ونظام الجودة الضعيف، وسوء المرافق التعليمية، ونقص كفاءة المدرس، وعدم تنفيذ سياسات التعليم، والتعليم بلا فلسفة او اتجاه، وانخفاض معدلات الالتحاق، والتسرب على نطاق واسع، والتدخل السياسي، والمناهج القديمة وغير الملائمة للتعلم الحقيقي، وسوء الإدارة والإشراف، ونقص البحث التربوي والإداري والأكاديمي. يمكن حل المشاكل المذكورة أعلاه من خلال صياغة سياسات وخطط عقلانية وعن طريق ضمان التنفيذ السليم للسياسات.

أهداف التعليم في العراق

تأسست الدولة العراقية بموجب مؤتمر القاهرة في  مارس 1921 وفي هذا العام تم تأسيس وزارة المعارف. وكان العراق بلدا فقيرا يعتمد اقتصاديا على الزراعة كدخل أساسي. ولأن العراق كان من الدول العثمانية لما يقرب من 400 عام، فإن نسبة الأمية عام 1920 كانت أكثر من 90٪ من الشعب العراقي. وكان أهم إنجاز في التعليم العالي في تلك المرحلة هو تأسيس بعض المدارس مثل: الطب والهندسة والقانون والفنون التي كانت تابعة لجامعة بغداد بعد إنشائها في وقت لاحق. ومنذ نشوئه عُرف نظام التعليم العراقي بأنه من أكثر النظم التعليمية تقدما في المنطقة، حيث تمتع بمستويات ملحوظة من الإنجاز وقاعدة علمية قوية. وأُثني على البلد لأدائه النموذجي في الحد من الأمية والفوارق بين الجنسين. ومع ذلك، منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، انخفض أداء نظام التعليم وركدت معدلات الالتحاق بسبب الحروب والازمات وما ترتب عليها من صعوبات اقتصادية ناجمة عن العقوبات الدولية وما لحقها من حصار ذاتي نتيجة العزلة الدولية والانغلاق عن العالم. ومنذ بداية تأسيسه اعتبر نظام التعليم القوة الدافعة وراء جميع الأهداف التنموية وبارتباطه باحتياجات الشعب العراقي. اعتبر اول رئيس لجامعة بغداد عبد الجبار عبد الله الهدف الرئيسي لنظام التعليم العالي في العراق هو تطوير الشخصية الاكاديمية والعلمية للفرد العراقي. احتوت هذه الشخصية الوطنية على إحساس عالٍ بالمسؤولية والنزاهة الاجتماعية والأخلاق الاكاديمية والخدمة المتفانية للبلاد.

ولتعزيز دور التعليم، شُكلت لجان تربوية مختلفة واخذت قرارات تربوية. ولكن من المفارقات أن نرى أن التنفيذ كان سيئا للغاية. وبسبب هذا، عانت جودة التعليم في البلاد من ازمة حادة بدلاً من إحراز تقدم. مشكلة أخرى أثرت سلباً على النظام التعليمي هي اتساع الفجوات والمسافة بين السلطة والمؤسسات التعليمية وقياداتها وبين المجتمع.

تحليل نقدي لمشاكل التعليم

يواجه نظام التعليم في العراق على الرغم من المطالبات والستراتيجيات والخطط المشاكل التالية التي يمكن تحليلها بشكل نقدي كالاتي:

1- مناهج قديمة

المنهج هو الأداة التي يتم من خلالها تحقيق أهداف التعليم. مناهج التعليم في العراق لا تلبي متطلبات العصر الحالي. إنه منهج قديم وتقليدي يجبر الطلاب على حفظ حقائق وأرقام معينة دون مراعاة حقيقة أن التعليم هو التنمية الشاملة للطالب. إنه يركز كثيرا على فردية المتعلم لكنه لا يهتم لحالته النفسية والتي لا يمكن إنكارها في عملية التعليم والتعلم. يجب تطوير أهداف التعليم على الأسس النفسية والفلسفية والاجتماعية للتعليم. المناهج التعليمية الحالية لا تلبي هذه المعايير الحديثة للتعليم والبحث. ومن ثم فإن هذا المنهج لا يعزز اهتمام المتعلم بالعمل العملي والبحث والمعرفة العلمية والنقاش والتحليل والتفكير المستقل، بل يركز على الحفظ والذاكرة والمواضيع النظرية.

 

2- قلة التطوير المهني للمدرسين

التدريب ضروري لأداء الجودة. التدريس في العراق مهمة صعبة. هناك نقص في فرص التدريب وإعادة التدريب للمعلمين في العراق بدون أدنى شك. على الرغم من وجود كليات مختلفة لتدريب المدرسين والمعلمين في الجامعات العراقية فهي إما تفتقر إلى الموارد الكافية أو أنها تدار بشكل سيئ بسبب نقص التمويل والموارد البشرية المدربة مثل التدريسيين والمدربين والإداريين الذين درسوا وتدربوا في الجامعات ومعاهد التربية والتعليم العالمية. لا توجد معايير تدريب مناسبة في كليات التربية لإعادة تدريب المعلمين على التطورات والأساليب التربوية الحديثة في العالم، ولا توجد علاقات تربوية وثيقة مع جامعات ومعاهد تدريب المعلمين في دول معروفة بتفوق أنظمتها التربوية، ولا توجد علاقات تربوية بين المدارس العراقية ونظيراتها الاجنبية. الدورات التي يتم إجراؤها في حدس تعليم المعلمين وطرق التدريس قديمة وتقليدية للغاية ولا تعزز مهارات وجودة المعلمين.

 3- قلة المعلمين الأكفاء

المعلم هو العمود الفقري لنظام التعليم. جودة المعلمين في المدارس العراقية مؤسفة. وفقا لتقارير الخبراء، فإن جودة المعلمين والتعليم في المدارس منخفضة. هذا الوضع أكثر كآبة في الأجزاء النائية من المحافظات الجنوبية حيث لا يوجد حتى معلمون بصورة كافية في المدارس. من بين أكثر من 394 ألف معلم في العراق، هناك حوالي 292 ألف فقط مؤهلين أكاديمياً، في حين أن حوالي 100 ألف معلم لديهم معرفة قديمة ويحتاجون إلى إعادة تدريب وإعادة تأهيل. أظهرت دراسة أجرتها اليونيسف حول التعليم في العراق أن مشاركة المعلمين المؤهلين أكاديمياً في التعليم الابتدائي والثانوي قد انخفضت بنسبة 3 إلى 4٪ في عام 2016. لا يستخدم المعلمون أساليب واستراتيجيات جديدة للتعليم والتعلم. لا يعرف غالبية المعلمين شيئا عن تخطيط الدروس مما يجعلهم غير قادرين على التعامل مع المشكلات المختلفة في عملية التدريس والتعلم. لا يعرف الطلاب استخدام المكتبات في المؤسسات التعليمية او خارجها ولا يشجعون على استخدامها ولا على القراءة الخارجية. وبالتالي فإن عادات القراءة تتناقص بين الطلاب. المعلمون مسؤولون بشكل كبير عن كل هذه الفوضى حيث تقع على عاتقهم المسؤولية المهنية لتوجيه الطلاب نحو قراءة الكتب. يعتمد المعلمون على طرق المحاضرات التي لا توفر فرصة للطلاب للمشاركة في عملية التعليم كعضو نشط. الطلاب يلاحظون فقط المعلومات ويحفظونها فقط لاجتياز الامتحان. وبالتالي يتم تقييم الطلاب على أساس حفظ الحقائق والمعلومات بدلاً من الأداء.

4- التعليم بدون اهداف سليمة

إن نظام التعليم السليم ضروري لكل بلد في العالم. كل دولة تطور شعبها على أساس التدريب والتعليم النشطين وعلى أسس اجتماعية وسياسية واقتصادية. نظام التعليم العراقي بسبب كونه يفتقر الى اهداف مناسبة او فلسفة هو تعليم ضعيف غير قادر على تطوير وتوجيه الشعب على أسس سياسية واجتماعية سليمة. بينت دراسة استطلاعية تفصيليه لنظام التعليم في العراق اجريت في عام 2010 الحاجة إلى سياسة تعليم تستند إلى الأدلة وليس الرأي لتوجيه ممارسات التعليم. هناك نقص في التماسك في النظام، واهتمام كبير بالتعليم النظري العام الذي لا يصنع قوى عاملة ماهرة للسوق مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة. هذا الوضع قد يعزز الشعور بالحرمان عند الناس ويؤدي الى اضطرابات ثقافية وسياسية في المجتمع. إلى جانب ذلك، هناك نقص في الفرص التعليمية لمواد العلوم والتكنولوجيا. ويفتقر النظام الى أسلوب تربوي سليم لصقل وتطوير التفكير والاستدلال والإبداع لدى الطلاب.

5- التسرب

يعتبر التسرب المدرسي والرسوب الدراسي من أبرز أسباب الهدر الاقتصادي. هناك أسباب عديدة للتسرب منها ضعف التحفيز أو البيئة المدرسية غير الجذابة وجزئيا بسبب ضعف اهتمام الاسرة وضعف الإمكانية المادية لها، والرسوب المتكرر، وعدم تلبية المناهج وطرق التدريس المملة لميل الأطفال وهواياتهم. عمالة الأطفال والفقر هو أيضا أحد أسباب التسرب من المدارس. كما تعود أسباب التسرب الى ضعف النظام التعليمي في المدارس الابتدائية وعجزه عن تحقيق الأهداف التربوية، وكنتيجة الحروب وغياب الأمن والتي أدت إلى الهجرة القسرية، وازدياد نسب الأطفال اليتامى وفقدان الرعاية الأبوية. 

تبلغ نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العراق 91٪. وتنخفض هذه النسبة بشكل ملحوظ لتصل إلى 36٪ في المدارس المتوسطة وتنخفض أكثر إلى 18٪ في المدارس الثانوية. نسبة الطلاب الملتحقين بالجامعات 14٪ فقط. وهكذا، فإن نسبة 73٪ من نسبة الملتحقين بالمدارس الابتدائية تسربوا من الدراسة.

وفقا لليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي، فإن أعلى معدلات التسرب هي بين الإناث. 11.4٪ من الإناث يتسربن مقابل 5.4٪ فقط من الذكور. وبذلك تغيرت نسبة الذكور إلى الإناث في المرحلة المتوسطة إلى 142: 100. نتيجة لهذا العدد من الطلاب المتسربين وإعادة سنوات الدراسة، فقد العراق ما يقرب من 850 مليون دولار في عام واحد. في عام 2016، أدى فشل الطلاب في الاختبارات إلى وجود أكثر من 107 آلاف طالب بعمر أكبر من أقرانهم في الصف. وفي نفس العام بلغ عدد الأطفال النازحين الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس 355 ألفاً، معظمهم من الفتيات. ضمن الفئة العمرية من 10 إلى 14 عاما، لم يذهب 1 من كل 5 إلى المدرسة. وبالتالي، لا يبدو من الغريب أن يكون العراق من بين أعلى نسبة من البالغين الذين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، مقارنةً بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

6- نظام الامتحانات

الامتحان هو تقييم تعلم الطالب. يجب أن يعتمد على التقنيات النوعية والكمية لتقييم أداء الطلاب بشكل شامل. ويجب أن تضمن المعايير صحة وموثوقية الإجراءات المستخدمة في عملية التقييم. الهدف الأساسي للامتحان هو تقييم أداء الطلاب. إن نظام الامتحانات في العراق ليس فقط قديما ولكنه أيضا لا يتمتع بالجودة اللازمة لتقييم أداء المتعلمين بشكل شامل. يختبر نظام الامتحانات في العراق ذاكرة الطلاب فقط فلا تقييم لهم في جميع جوانب التعلم. علاوة على ذلك، فإن الامتحانات تتأثر بقوى خارجية وداخلية تشجع الممارسات غير المشروعة مثل الغش. ونتيجة لذلك، يشجع نظام الامتحانات التعلم عن ظهر قلب والحشو مما ينفي دور القوة الفكرية العالية للمتعلمين في العملية التعليمية مثل التفكير النقدي، والتفكير المستقل، والمهارات التحليلية وما إلى ذلك ولا يقيس الامتحان الإنجازات الفعلية وأداء الطلاب الحقيقي.

7- معايير إشراف ضعيفة

يتمثل دور الإشراف في استكشاف نقاط ضعف أو أخطاء المعلمين وإظهار المعاملة القاسية في شكل عمليات قطع راتب او تأخير الترفيع وتلعب المحسوبية والمنسوبية دورا في ذلك. الإشراف هو مراقبة التدريس والتعلم. من خلال تقنيات الإشراف الفعال يمكن تحسين عملية التدريس والتعلم. حاليا نظام الإشراف المدرسي بلا هدف. ليس هناك فقط نقص في الأنشطة الإشرافية في المدارس ولكن عملية الإشراف نفسها لا تحقق أي نتائج إيجابية للمعلمين والطلاب. يهتم نظام الإشراف بالسيطرة على المعلمين ومضايقتهم بدلاً من تقديم المساعدة والإرشاد لتحسين الأداء. لقد أصبح فشل الحكومة في الإشراف الفعال على المعلمين - في تحميلهم المسؤولية عن التدريس غير الفعال، والعلاقات السيئة مع الطلاب، وإهمال الواجبات - مشكلة خطيرة. في عام 2012، كشف المسح التعليمي للعراق (مهارات) أن الأداء غير الملائم للمدرسين ترك الطلاب العراقيين يفتقرون إلى مهارات القراءة والرياضيات الأساسية، والأهم من ذلك، مهارات حل المشكلات.

8- التأثيرات الداخلية والخارجية

لا يخلو نظام التعليم في العراق من التأثيرات الخارجية والداخلية. خارجياً، أصبح النظام رهينة للتدخل السياسي، وداخلياً يعاني من التلاعب البيروقراطي. هناك قدر كبير من المحسوبية والمحسوبية في مسائل النقل والتعيينات والترقيات. نتيجة لذلك تأثرت البنية التحتية الأساسية لنظام التعليم.

9- تنفيذ السياسات

منذ نشأة الدولة العراقية، تم وضع عدد من السياسات التعليمية. كان هناك نقص في الإرادة السياسية من جانب الحكومات المتعاقبة لتنفيذ السياسات بعضها كانت سياسات طموحة للغاية ولكن لم يكن بالإمكان تنفيذها نصا وروحا والبعض الاخر كانت لفرض هيمنة الدولة وايديولوجيتها. كانت هناك أيضا مشكلة الفساد ونقص الأموال وعدم الاتساق الفادح في التخطيط المتتالي من جانب الأنظمة السياسية المختلفة. علاوة على ذلك، تم تجاهل المعلمين في صياغة السياسة العامة واعتبارهم عنصرا غير مهم مما أدى إلى العزلة بين المعلمين ونظام التعليم.

10- انخفاض مخصصات ميزانية التعليم

يعتبر التمويل محرك أي نظام. أصيب نظام التعليم في العراق بالشلل بسبب قلة التمويل حيث ينفق العراق على التعليم أقل من أي بلد في العالم. وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تنفق لوكسمبورغ 21320 دولارًا لكل طالب، بينما تنفق إندونيسيا 1209 دولار على كل طالب. في العراق، ينخفض الإنفاق، في أحسن الأحوال، إلى حوالي 600 دولار لكل طالب. في عام 2016 خصص العراق 5.7 مليار دولار للتعليم، لكن 91٪ من ميزانية التعليم تذهب لتغطية الرواتب، في حين أن الاستثمار في التعليم كان ضئيلاً نسبيا، حيث بلغ قرابة 600 مليون دولار، وقد تم نهب معظمه.

11- الفساد

من بين الأسباب الأخرى، يعد الفساد العامل الرئيسي المساهم الذي أثر بعمق على نظام التعليم في العراق. هناك نظام ضعيف للرقابة والمساءلة شجع العديد من العناصر الإجرامية في قمة النظام على اختلاس الأموال واستخدام السلطة بشكل غير قانوني وإعطاء مزايا غير ضرورية في تخصيص الأموال والتحويلات والترقيات واتخاذ القرار. وفقا لمنظمة الشفافية الدولية، فإن العراق مدرج في قائمة أكثر دول العالم فسادا. بسبب المحاصصة وشيوع الفساد الإداري والمالي وتدني الأجور، يسعى المعلمون الذين يبحثون عن معايير الحياة الكريمة والحفاظ على ارواحهم إلى طرق وسائل غير نزيهة في الامتحانات والمسائل المتعلقة بالشهادات والدرجات وما إلى ذلك.

12- البنى التحتية

تعاني العديد من المدارس، لا سيما تلك الموجودة في المناطق الريفية والمناطق الفقيرة، من تدهور مبانيها التي تهدد صحة الطلاب وسلامتهم وفرص تعلمهم. يوجد في العراق أكثر من 15 ألف مدرسة ابتدائية، لكن 35٪ من هذه المدارس ليس لديها مبانٍ خاصة بها. من بين أكثر من 4 آلاف مدرسة متوسطة في العراق، 30٪ ليس لديها مبانٍ خاصة بها، ومن أكثر من ألفي مدرسة ثانوية، 30٪ تفتقر إلى مرافقها الملائمة. وهذا يترك عجزا في أكثر من 8500 منشأة مدرسية على جميع المستويات. علاوة على ذلك، هناك أكثر من 4500 مبنى مدرسة ابتدائية بحاجة إلى إعادة تأهيل، كما هو الحال بالنسبة لمباني المدارس الثانوية والبلغ عددها 1280، وهناك أكثر من 1800 مبنى مدرسي غير ملائم على الإطلاق.  تعاني المناطق الريفية من نقص حاد في المدارس والمدرسين والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه وإمدادات التشغيل الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، في حين أن المدارس في المدن بها ما يصل إلى 24 صفا دراسيًا، فإن المدارس الريفية بها ما يصل إلى 6 صفوف دراسية فقط. ساهمت هذه النواقص في تقليص عدد ساعات الدراسة في المدارس العراقية، حيث يتلقى الطلاب التعليم لمدة 3 إلى 4 ساعات فقط في اليوم مقارنة بالطلاب في أمريكا والصين وكوريا الجنوبية الذين يتلقون 8 و10 و14 ساعة على التوالي. كل هذه العوامل أثرت سلبا على العملية التعليمية العراقية ومخرجاتها.

استنتاج

تستنتج هذه الدراسة أن التعليم يطور الناس في جميع مجالات الحياة مثل الاجتماعية والأخلاقية والروحية والسياسية والاقتصادية. إنه قوة ديناميكية تمكن كل شعب من تحقيق أهدافه الوطنية الشاملة. من الحقائق الثابتة أن البلدان التي طورت نظاما تعليميا سليما لديها نظام اجتماعي وسياسي سليم. مع وجود أنظمة تعليمية فعالة، تلعب العديد من الدول دورا قياديا في المجتمع الدولي ويتمتع الافراد بحرياتهم وهم أحرار ومتطورون سياسياً واقتصادياً. لم يتمكن نظام التعليم في العراق من أداء دوره بفعالية في بناء الدولة. وقد ساهم هذا العامل في تنمية حالة الإحباط لدى المجتمع العراقي. جيل المستقبل في العراق بلا اتجاه بسبب نظام التعليم المعيب الذي فشل بشكل جذري في استنهاض البلد على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية سليمة.

ينتج نظام التعليم الزائف قوى من حاملي الشهادات الذين يعانون من نقص في المهارات الحية عالية المستوى مثل التفكير والتفكير النقدي والتحليل والبحث والإبداع. وبدلاً من ذلك، ركز نظام التعليم على تغذية الفرد بمعلومات ومعرفة قديمة لا صلة لها بالعالم الحالي سريع التغير. مخرجات نظام التعليم العراقي سليمة من الناحية النظرية ولكن لا تمتلك مهارات لتطبيق ما تتعلمها من المدارس والجامعات بسبب الأساليب التقليدية للتعليم والتعلم.

أخيرا، خلصت هذه الدراسة إلى أن هناك حاجة ملحة لإصلاح نظام التعليم في العراق ولهذا الغرض تقدم هذه الدراسة التوصيات التالية:

التوصيات

1- يجب توفير موازنة كافية للتعليم في الناتج المحلي الإجمالي الوطني. ستمكن هذه الموارد اللازمة من النهوض بالتعليم وبناء ما يحتاجه العراق من 20 ألف مدرسة في عموم العراق هذا إذا ما تم القضاء على فساد مشاريع الأبنية المدرسية.

2- يجب أن تكون هناك مؤسسات نوعية للتطوير المهني للمعلمين من المستويات الابتدائية إلى المستويات العليا. لهذا الغرض، يجب تزويد النظام الحالي لمؤسسات تعليم المعلمين بالموارد البشرية المؤهلة لتشغيل برامج تدريب المعلمين على أساس دوري.

يجب تعزيز نظام المساءلة وتثقيف جميع المهنيين المرتبطين بنظام التعليم لتحمل مسؤولياتهم على أساس فردي وجماعي. هذا يساعد في خلق شعور بملكية النظام ووظائفه.

3- يجب تقييم المناهج الدراسية على أساس سنوي. في هذا الصدد، يمكن إجراء مسح واسع للحصول على آراء المعلمين وأولياء الأمور والمجتمع فيما يتعلق بتوقعاتهم وملاحظاتهم. في ضوء ذلك وتوصيات الخبراء التربويين، يجب إعادة تحديد أهداف المنهج وإعداد منهج يلبي احتياجات المجتمع والدولة دون أي تمييز في المذهب والاثنية.

4- يجب أن يكون هناك أقل قدر ممكن من التدخل السياسي. سيسمح هذا للنظام بالعمل بسلاسة ودون أي تمييز. خلق التدخل السياسي المتكرر ونظام المحاصصة ثغرات سيئة في النظام أدت إلى التراجع والفساد.

5- ينبغي تنفيذ سياسات صائبة بالاستعانة بخبراء دوليين دون أي تأخير من حيث الوقت والموارد.

6- يجب أن تكون هناك إرادة سياسية قوية من جانب الحكومة لتنفيذ السياسات دون أي تأخير. أدى التلكؤ في التنفيذ والتنفيذ السيئ للسياسات إلى خلق فجوات وعجز في الثقة من قبل أبناء الشعب

7- يجب أن يكون نظام الامتحانات خال من مافيا الوسائل غير العادلة والفساد والإكراميات غير القانونية. لهذا الغرض، يمكن تحسين نظام الإشراف والتفتيش ماديا ونظريا. يجب على الحكومة تعزيز رواتب العاملين في مجال التعليم حتى لا تنحرف ميولهم نحو الوسائل غير النزيهة لزيادة مدخلاتهم.

8- تشجيع حملة الشهادات العليا من الولوج في سلك التدريس الثانوي وتقديم الاغراءات الوظيفية لهم كوسيلة لدعم المدارس بعناصر تربوية عالية التدريب والمعرفة.

9- يجب تعزيز ثقافة البحث داخل المؤسسات التعليمية. لهذا الغرض، ينبغي تسريع وتيرة البرامج الموجهة نحو البحث في بيدوغوجيات التدريس والتعلم في المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء البلاد وخاصة في المستويات العليا. يجب على الحكومة زيادة حجم تمويل البحث العلمي لهذا الغرض.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

ليلى الدسوقيينقسم القضاء فى الاسلام الى نوعين:

القضاء العادى ويختص بالنظر فى المنازعات العامة الا ما استثنى بنص خاص والقضاء الادارى ويختص به ناظر المظالم وله اختصاصات محددة وايضا يوجد المحتسب والذى يختص بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر

فقد قسم الفقهاء القضاء العادى الى ثلاثة انواع قاضى ذو ولاية عامة موضوعا ومكانا وقاضى عام النظر محدد مكانا وقاضى محدد الولاية

واذا كان الاصل فى الوقت الحاضر ان مهمة القاضى تقتصر على تطبيق القانون فان حرية القاضى الاسلامى كانت اوسع من ذلك فهو ملزم بما ورد فى كتاب الله وسنة رسوله وبما اجمع عليه المسلمون

وقد تاكد ذلك فى حديث سيدنا معاذ ابن جبل حين ارسله رسول الله ﷺ قاضيا الى اليمن وقبل ان يرسله ساله بم تحكم؟ قال معاذ بكتاب الله قال فان لم تجد؟ قال بسنة رسول الله فان لم تجد؟ قال اجتهد راى ولا آلو فقال رسول الله ﷺ " الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسوله"

الوظائف المتصلة بالقضاء

اولا المحتسب:

الحسبة لغة: حسن التدبير

الحسبة اصطلاحا: امر بالمعروف اذا ظهر تركه ونهى عن المنكر اذا ظهر فعله

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‎﴿١٠٤﴾‏ آل عمران

لقد أمر الله- تبارك وتعالى - الناس جميعاً ذكورا وإناثاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) آل عمران 110

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‎﴿٤١﴾ الحج

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة 71

فعلى المرأة المسلمة أن تكون محتسبة في الأسواق النسائية ويكون الاحتساب على الزائرات للسوق والعاملات فيه، وكل من رأتها تخالف أمر الله -تبارك وتعالى-. والله أعلم.

يشترط فى المحتسب ان يكون حرا عدلا ذا راى وصرامة وخشونة فى الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة، ويعتبر من أهم الأدوات التي يمتلكها المحتسب الرفق والغلظة، وهو يختار باجتهاده ما يُناسب الموقف، ولا يجب عليه أن يضع الرفق في غير محلِّه، وكذلك الغلظة، ومن ثَمَّ لما رأى الخليفة المأمون محتسبًا غليظًا، قال له: "يا هذا، إنَّ الله أرسل من هو خيرٌ منك لمن هو شرٌّ منِّي؛ فقال لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} طه: 44

واختلف الفقهاء من اصحاب الشافعية فى هل يجوز للمحتسب ان يحمل الناس فيما ينكره من الامور التى اختلف الفقهاء فيها على رايه واجتهاده ام لا؟

فذهب راى الى ان يحمل ذلك على رايه واجتهاده اى يجب ان يكون المحتسب عالما من اهل الاجتهاد فى احكام الدين ليجتهد برايه فيما اختلف فيه

وذهب راى اخر الى ان ليس له ان يحمل الناس على رايه واجتهاده ولا يقودهم الى مذهبهم لتسويغ الاجتهاد للكافة فيما اختلف فيه ومن ثم فانه يجوز ان يكون المحتسب من غير اهل الاجتهاد اذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها

ومن وظائف المحتسب الاشراف على اقامة شعائر الدين - الاشراف على المرافق العامة – النظر فيما يتعلق بالغش والتدليس فى المعاملات ومراقبة المكاييل والموازين – منع المسألة فى غير حاجة – الاشراف على الاسواق – تلقى شكاوى المواطنين والنظر فيها - القضاء على الإشاعات التي قد تُسبب هرجًا بين الناس، ففي عهد السلطان برقوق، عام 781هـ، حدثت واقعة غريبة؛ فقد "شاع بين الناس أن شخصًا يتكلم من وراء حائط (من داخله) فافتتن الناس به، واعتقدوا أن المتكلم من الجن أو الملائكة، وقال قائلهم: يا رب سلم! الحيطة تتكلم.

وقال ابن العطار:

يَا نَاطِقًا مِنْ جِدَارٍ وَهْوَ لَيْسَ يُرَى *** اظْهَرْ وَإِلاَّ فَهَذَا الْفِعْـلُ فَتَّـانُ

لَمْ تَسْمَعِ النَّاسُ لِلْـحِيطَانِ أَلْسِنَةً *** وَإِنَّمَـا قِيـلَ لِلْـحِيطَانِ آذَانُ

ثم تتبع جمال الدين المحتسب القصة، وبحث عن القضية إلى أن وقف على حقيقتها، فتوجَّه أولاً إلى البيت، فسمع الكلام من الجدار، فرسم على الجندي جار المكان، وضرب غلامه، وقرَّره وأمر بتخريب الدار فخُربت، ثم عادوا بعد ذلك وسمعوا الكلام على العادة، فحضر مرَّة أخرى، فأمر من يخاطب المتكلم، فقال: هذا الذي تفعله فتنة للناس فإلى متى? قال: ما بقي بعد هذا اليوم شيء، فمضى، ثم بلغه أنه عاد وقوي الظن وأن القصة مفتعلة، فلم يزل يبحث حتى عرف باطن الأمر، وهو أنه وجد شخصًا يقال له: الشيخ ركن الدين عمر. مع آخر يقال له: أحمد الفيشي. قد تواطئَا على ذلك، وصارا يلقنان زوج (امرأته) أحمد الفيشي ما تتكلم به من وراء الحائط، من قرعة تصير الصوت مُستغربًا لا يُشْبه صوت الآدميين، فانتهى الأمر إلى برقوق، فسمَّرهم بعد ضرب الرجلين بالمقارع، والمرأة تحت رجلها، وحصل لكثير من الناس عليهم ألم عظيم، وخلع على جمال الدين خلعة بسبب ذلك"

و كان اول من باشر وظيفة الحسبة بنفسه سيدنا عمر بن الخطاب فقد كان يشرف على الرعية ليلا ونهارا ، فقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى لما لم تمهد الطريق لها .

ذات ليلة خرج عمر بن الخطاب في الليل مع أحد الخادمين لديه ويسمى أسلم ، وأثناء تجوله جلس على إحدى الجدران حتى يستريح جانب أحد الجدران ، فسمع صوت إمرأة تأمر ابنتها أن تقوم وتخلط اللبن بالماء ، فردت عليها الفتاة وقالت لها ألم تسمعي المنادي اليوم؟

وبعد ذلك ردت الأم على ابنتها وسألتها ما الذي قاله منادي عمر؟ فردت الفتاة وقالت أن عمر أمر ألا يتم خلط اللبن بالماء، فردت الأم وقالت قومي يا ابنتي اخلطي اللبن بالماء فإن عمر ومناديه لن يرانا ، فاقتربت الفتاة من والدتها وقالت لها والله يا أماه أماه ما كنت أطيعه في العلن وأعصيه في الخفاء ، وإن كان عمر لا يرانا فإن الله سبحانه وتعالى يرانا.

الا انه بعد زيادة المهام الملقاة على عاتق الدولة تميزت وظيفة المحتسب واصبحت وظيفة عامة يعين لها موظف يسمى المحتسب وكان ذلك فى عهد الخليفة العباس محمد المهدى (158-169 هــ) الا ان العصر الذهبى للحسبة والمحتسب كان فى عصر المماليك (648-933هــ) نظرا لاتساع نشاط الدولة التجارى وبالتالى زيادة المجالات التى تدخل فى نطاق سلطات واختصاصات المحتسب

والعجيب أن أوربا قد أخذت نظام الحسبة عن المسلمين في عصورهم الوسطى، خاصة في وقت الحروب الصليبية ، وقد أبقى الصليبيون وظيفة المحتسب على المدن التي استولوا عليها في المشرق، ونقلوها إلى كثير من بلدانهم في أوربا؛ إذ جاء في كتاب "النظم القضائية لبيت المقدس"، الذي وضعه الصليبيون أثناء احتلالهم بيت المقدس أنه ينبغي "أن يُقْسِم المحتسب على نفسه أنه سوف يعمل على احترام القوانين، وأنه سوف يُحافظ على حقوق الملك... ويجب على من يتولَّى منصب الحسبة أن يذهب إلى الأسواق في الإصباح؛ ليتفقَّد حوانيت الجزارين... وغيرها من حوانيت المأكول والمشروب... ويجب عليه كذلك أن يتحرَّس مما يُدخله الباعة، والدَّوَّارون في مبيعاتهم من الغشوش، وأن يُراعي وجود الخبز في الأسواق وجودًا غير مقطوع، وأن يكون وزن الخبز مطابقًا للوزن المقرر بمجلس الحكم "

ناظر المظالم

هو قود المتظالمين الى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ولقد كان اول من نظر المظالم الرسول عليه الصلاة والسلام وقد كان يقول دائما " ابلغونى حاجة من لم يستطع ابلاغها فانه من ابلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الاقدام "

وقد سار على نفس الدرب الخلفاء الراشدون الا ان اول من افرد للظلامات يوما يتصفح فيه احوال المتظلمين عبد الملك بن مروان فكان اذا وقف منها على مشكل او احتاج فيها الى حكم منفذ رده الى قاضيه ابى الادريس الاودى وكان اول من ندب نفسه للنظر فى المظالم عمر بن عبد العزيز ثم جلس لها خلفاء بنى العباس فكان اول من جلس لها الهادى ثم الرشيد ثم المامون واخر من جلس لها المهدى حتى عادت الاملاك الى مستحقيها

صفات ناظر المظالم ان يكون جليل القدر نافذ الامر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع

ويجب ان يشتمل مجلس ناظر المظالم على خمسة اصناف لا يستغنى عنهم

الحماة والاعوان والقضاة والحكام والفقهاء والكتاب والشهود

اختصاصات ناظر المظالم

اختصاصات يباشرها من تلقاء نفسه وهى جور العمال – تصفح كتاب الدواوين- النظر فى منازعات الاوقاف العامة

اختصاصات لا يباشرها الا بناء على مظلمة

تظلم الموظفين من نقص اجورهم – النظر فى رد الاموال المغتصبة – النظر فى منازعات الاوقاف الخاصة – مساعدة المحتسب فيما اوكل اليه من اختصاصات – مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والاعياد والحج والجهاد

ومن استعراضنا لاختصاصات ناظر المظالم يتبين لنا انها اختصاصات قريبة الشبه الى حد كبير الى القضاء الادارى ( مجلس الدولة ) فى عصرنا الحالى ومع ذلك فان عمل ناظر المظالم ليس قضائيا خالصا بل هو قضائى تنفيذى

مما سبق يتضح جليا ان الدول العربية الاسلامية طبقت من نظم الرقابة الدقيقة على عمال الدولة ما يكفل للمواطنين حماية حقوقهم وحرياتهم الامر الذى لم تصل اليه الدول الاوروبية الا فى وقت متاخر بكثير عن العصر الاسلامى

و الله اعلى واعلم

 

ليلى الدسوقي

 

 

 

 

اسعد شريف الامارةالكثير منا ينتابه الخوف من الفشل وعدم القدرة على كفاية معيشته اليومية في عالمنا اليوم، عالم التحضر وعالم التكنولوجيا، عالم البحث عن شهادة عليا، وأعلى من الشهادة الجامعية ربما الماجستير والدكتوراه، والاسراع في التخصص في مجال الطب بكل فروعه، وحتى ممن أمتهن العسكرية وأصبحت حرفته يرغب في أن يصبح من ملازم إلى عقيد بأسرع وقت متاح بلا خبرة أو تدرج وظيفي، أنه عالم مستعجل في شق عباب السنين والشهور، عجلة ليس لها مثيل أو مقارنة في العالم الخارجي، أقصد في بلدان العالم الاخرى المتقدم، حيث عرف عن التأني في الحصول على الشهادة وكسب الخبرة، والتريث في التواصل مع المستجدات، إلا إننا في هذه البقعة من بقاع العالم شعارنا العجلة ثم العجلة، وإلا فاتك قطار العمر، هذا العصر عصر عجيب يتحقق فيه أعظم تقدم وتكنولوجيا وفيه يظهر أعلى درجات العجلة، تنافس من أجل الحصول على مكان في هذا الزمن حتى وإن سبب القهر للآخر، عصرنا هذا عصر تجتمع فيه المتناقضات على نحو فاق جميع ما سبق من عصور، عصر يشهد التناقض في القيم، الدين والسياسة معًا في تسابق مع الحياة، وكلاهما يبحثان عن مصالحهما في تحقيق أهدافهما، ووقودهما إنسان اليوم في عالمنا العربي والعالم الثالث.

إن أزمة اليوم هي أزمة وجود إنساني أزمة اثبات لمن يحقق الوصول مهما كانت النتائج وما يدفعه الفرد في هذا الصراع غير المنتهي.

ان الفرد منا يستمر في معاناته مع الصراعات الداخلية في الوصول لاهدافه، علمًا انها أكثر خطورة لأنها غير مرئية هذه الصراعات، ولكنه دخل في دوامة المنافسه في كل مجالات الحياة، وبدأها من نفسه، ومع نفسه، ويعتقد ان الحياة باتت حلبة صراع تبدأ من الصباح ولا تنتهي إلا في ساعة متأخرة من اليوم، يقول علماء النفس أن الشخص الذي يعيش في دوامة الصراع المحتدم من أجل تحقيق أهدافه البسيطة والكبيرة لابد من أن يعاني من الصراع مع الآخرين والصراع الداخلي، فهو خائف نفسيًا، وخائف في وجوده، خائف على كيانه الذي يرتبط بمستقبله، يستدعي المكبوتات التي خزنها في لاشعوره، واستدعاها من خلال أنواع كبته، هذه الآلية صحيحه بالنسبة إلى كل الآلام السيكولوجية أيا كانت، صراع الحصول على الرزق اليومي، صراع المنافسة على الشهادة، صراع الحفاظ على وجوده وعودته سالمًا لأسرته بلا اثار جسدية، أو الالام في الركبة أو المفاصل، أو الظهر، أو في احشائه الداخلية التي لا يدرك خطورتها إلا بعد أن يضع نفسه على السرير ويتمدد على الفراش، حينها تبدأ المعدة بالآنين، أو ارتفاع نبضات القلب، أو الزيادة في ارتفاع ضغط الدم، فضلا عن استخدام مفرط في لفائف السيكاير بأنواعها واستخدام الشاي بشكل شره ومفرط.

 تؤكد لنا أدبيات العمل النفسي والخبرة فيه يحدث الارهاق عندما يصرف الإنسان من طاقته ما يتجاوز إمكاناته، فالاستعمال المفرط لأي عضو من اعضاء الجسم، كالدماغ مثلًا يعني إنقاص قدرته، مثله في ذلك مثل السيارة على وجه الدقة. حيث يؤدي بالنتيجة إلى بدء العطل فيه، وكذلك المفاصل التي تغدر بصاحبها، أو القدمين التي لا تعين صاحبها على الوقوف وغيرها. يصاحب ذلك وبشدة الجوانب النفسية التي تربك صاحبها، وابرز علامتها عدم القدرة على التركيز، والنسيان وبالاخص نسيان الاسماء والاشياء، رغم أن الفرد لم يبلغ بعد من عمره العقد الرابع، أو الخامس.

ان الحاجة تدفع الإنسان إلى أن يغامر ويخاطر من أجل تحقيق هذه الحاجة وإشباعها، أعني الرغبة الإنسانية وهذه الرغبة تكمن خلفها دوافع لا حصر لها ويقول الاستاذ الدكتور" فرج أحمد فرج" رحمه الله ان رغبة الإنسان في أن يصير موضع رغبة الآخر .. لذلك فالعلاقة بموضوع الحاجة هي في جوهرها علاقة إفناء، فإنسان اليوم يفنيه الإجهاد والضغوط بانواعها والازمات بمختلف أشكالها ويواجه الصدمات حتى يقتله الإعياء النفسي والارهاق والانهاك، أو يستمر في تحقيق رغبته فالجائع يستهلك صحن طعامه وينصرف عنه، او عما بقي فيه من طعام إذا ما أصاب شبعًا، وعندما يتحقق للجائع الشبع الكامل نراه ينصرف عن الطعام وينصرف عن التفكير فيه والإنشغال بموضوعات اخرى من أمور الحياة.. وهكذا يبقى السعي مستمرا في البحث عن الاشباع من أمور الدنيا والحياة، أنه إيقاع دوري يتصاعد ويتفجر وينطفئ ولا يوقفه إلا حالة الاعياء النفسي والانهاك المرضي.

يبدأ الأضطراب النفسي " العصاب" بالظهور ويكون العامل العصابي التكويني المسبق الذي يفسر بأن فردًا ما يكون أكثر عرضة من فرد آخر تجاه حدث واحد كما يقول البروفيسور "عدنان حب الله" ويؤكد رؤية "سيجموند فرويد" بان ظهور عصاب ما "مرض نفسي" إنما يعزى إلى تداخل عاملين: الاول صدمي والآخر تكويني، فإذا اجتمعا معًا يزعزعان إذا ما تعديا شغف الاحتمال لدى الفرد ويوقعانه في المرض النفسي وهكذا يكون مدخل الإنهاك النفسي هو المدخل لاختلال الصحة الجسدية والنفسية، وهو من اضطرابات الحضارة الجديدة.

 

د. أسعد شريف الامارة

 

سامي عبد العالواضح أنَّ الثقافة العربية بصدد الطفولة قد طابقت بين الوسيط (الوسيلة) والكائن (الإنسان) في مجالات المعرفة والتعليم. بمعنى أنَّها لم تركز على الإنسان كإنسان ولا على قدراته المتطورة، لكنها أرادت تثبيت كيان الفرد (الساكن) كحجرٍ هو الوسيط، ضاربةً صفحاً عن كيانه المائي السائل (المتغير). لقد أعطت عناية للصلصال داخل الإنسان، للسمع والطاعة، للموت، للحقيقة الكاملة عبره. وفي الوقت ذاته حاولت تحجيم إمكانية التغيير الزمني أمامه: فليأتِ التغيير مصادفةً أو حتى عُنوةً أو قدراً إلهياً كالطوفان أو كارثة محققة، لكنه لا يجب أنْ يأتي تخطيطاً حُرّاً لأناسٍ أحرار!!

وبناءً عليه، يبدو أنَّ هناك وظيفة محددة للغة، الصياغة، الخطاب، وهي وظيفة معروفة في مثل هذه الحالات .. أنْ تكون اللغةُ بكل صياغاتها وصفية descriptive، أي تحاول وصفَ المعارف لا إنتاجها، نقلها لا إبداعها، تكرارها لا الإتيان بشيء مختلفٍ والتحليق حولها لا الدخول إلى منطقها. فالتعليم عموماً له خاصية أنْ يُغير الاتجاهات نحو العالم والحقيقة والحياة والقيم السائدة، بينما تجعله اللغة العربية، النصوص والخطابات المستعملة في المجال العام ذا (طبيعة سلفية محافظة)، إنَّه لا يفتأ يلخص المبادئ التي تسربها الثقافة التقليدية في مجالاتها المتباينة.

التعليم وما ينتمي إليه، أصبح أمراً ملحقاً، هامشياً على متن حياة ملؤها الفقر والاستبداد، إذ ذاك لايؤثر التعليم في الصغر ولا في الكبر. كيف يؤثر في هكذا مرحلتين وهو لا يؤثر في المجتمع أصلاً؟! فالثقافةَ العربيةَ لا تضع الزمنَ في سلم أولويتها وإلاَّ لأخذت بالتغير وبالمستقبل الإفتراضي، إنما وضعت الإنسانَ داخل كتلة عُمريّة ضبابية لا تهتم بتفاصيلها.

أولاً: المفاهيم والتصورات الهلامية تحكم صياغات الخطاب الثقافي، وبخاصة تجاه المستقبل الافتراضي. هنا لابد من القول إنَّ الهلاميات أُسس وأركان ومؤسسات وقوانين في المجتمع العربي لا مجرد أفكار فقط. مثل كلمات الصباح، الظهر، العصر، المساء، الليل، إذ تُطلَّق من فاعلى الثقافة حينما يضربون موعداً، ولم تكن هناك دقة محددة للزمن إرتباطاً بالأعمال. الزمن بنية خطابية تُعدُّ دلالة الطفولة إحدى مفرداتها الغائمة. ومع كون مشكلة الزمن لغويةً نجدها بذات الوضع، بل بجذورها مشكلة ثقافيةً، وينسحب الوضع الهلامي إلى السلطة، السلطان، الحاكم، القبيلة، الأسرة، الدولة، مكونات عربية ترفلُّ في إهاب واسع من الضبابية التصورية. وحتى إذا كان ثمة ممثل لها، فإنَّه ينال ذات القَدْر والقُدْرَة معاً إن لم يكن أوسع من مكانته الرمزية.

المثال البارز على ذلك (أهمية الزمن)، ولاسيما من جانب علاقته بالفعل. فعلى الرغم من أن علماء العربية خاضوا بحثاً وجدلاً في دقائق اللغة، وعلى الرغم من ورود صيغ المشرق والمغرب بالقرآن في صورة الجمع (ربُّ المشارق والمغارب[1])، إلاَّ أنّهم لم يكترثوا بهذه المسألة. ومع أنهم فطنوا إلى الفروق بين معاني الفعل الخالي من القيود الزمانية، وبين الفعل المقيد بها مثل (طلّبَ) و(سبقَ أن طلّبَ) و(يكونُ قد طلّبَ) و(لولاه لمِا طلّبَ)، غير أنهم لم يدخلوا في تفاصيلها، ولم يجعلو من الصيغ الزمنية باباً خاصاً كما تم ذلك في كثير من اللغات الحية[2].

لكن الأغرب من تجاهل مسألة الزمن هو تبرير تجاهلها: " يغلب أنْ يكون هذا ناشئاً من عدم علمهم (أي العلماء) بلغات أجنبية، إذ أن كثيراً من المفاهيم والحالات والمقتنيات لا يتبادر إلى الذهن تلقائياً وبسهولة إلاَّ بعد ظهور سبب ذكره أو ضرورة تستدعيه. فهذه المنجزات الحضارية والتقنية الضخمة التي نلمسها في مجالات مختلفةٍ من حياتنا تبرهن على هذه الحقيقة "[3].

عدم اطلاع علماء العرب على اللغات الأجنبية لا يجعل اللغة (هذا الكيان الوجودي، التاريخي) تُسقِط علاقةَ أفعالها بالزمن. اللغة باعتبارها تاريخية الثقافة، أي تعبير عن العمق الحياتي للإنسان، تؤكد هذا " العمى " الزمني، هذا الانزلاق على سطح الزمن دون تحديد. الثقافة العربية لا تلتفت إلى الوحدات الزمنية بوصفها جوهراً حياتياً، إنما بوصفها معطى طبيعياً. وعربياً كان الزمن في عموميته تهويماً نهارياً أو ليلياً. فالليل على سبيل الشرح سيمر كما هو في شكله الشامل، في حركته الكلية، عبر غشيانه للنهار وللكائنات، وللأحداث. في الشعر العربي يرد الليل على نحو شبيه بالوضع الإنساني، ليل ثقيل، ليل بهيم يسرِّب إليك لونا من الملل، إنه ليل ناء بكلكله كما يقول إمرؤُ القيس.

وليلٍ كمَوجِ البحر أرخى سدولَه .. عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه .. وأردف أعجازًا وناء بكلكل

ألَاَ أيها الليل الطويلُ أَلاَ انجلي .. بصبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ

يأتي الليلُ في" لسان العرب " كتحول زمنى كوني، أشار اللسان إليه بوصفه مرحلةً عقب النهار، ومبدؤه من غروب الشمس حتى الفجر. لقد عرِّف المعجمُ العربي ظاهرة طبيعيةً كالليل بظاهرة طبيعيةٍ أخرى هي غروب وشروق الشمس،فاللغة من خلال بصماتها الدلالية دائرية محدودة بحدود البيئة. لم يكن الحدث الإنساني، أي حدث، ولم يكن الفعل الإنساني، أي فعل شاغلاً لفكرة الزمن في أذهاننا، إنما كان انعكاسه جارياً على نقيضه. يقول معجم " تهذيب اللغة " الليل ضد النهار، والليل ظلام الليل، والنهار ضياء اليوم، فإذا أفردت أحدهما من الآخر قلت ليلةَ يومٍ، أليس ذلك مثالاً على المفاهيم الهلامية؟! ماذا ستكون صياغة الخطاب الموجه إلى الطفل؟

بالتأكيد لايدرك أطفالُنا ما معنى الزمن سوى معاني الشروق والغروب. ولو حاولنا تحديد الزمن، فلن نجد إحداثيات مهمة، ستكون صياغة العبارات، الجمل، الكلمات في الحياة العامة فضفاضةً ومتزحزحة. إننا نمتلك لغةً من أكثر اللغات انطواءً على الزمن، ولكنها هي الأكثر تفرداً في تضييعه. وبذلك نسرب إليهم عدم الإلتزام بأي عمل ممكن. والأخطر برمجة عقلية الطفل على أن الجهدَّ أمر غير مهم، طالماً انعدمت الفروق الزمنية. فالجهد هو حاصل ضرب الطاقة في الزمن، وإذا كان الزمن هائماً، فستهدر الطاقة بالتبعية، لأن الطاقةَ تحتاج إلى فاعلية الزمن المقنن بجانب الشعور بأهميته وإنجاز الأعمال خلاله.

ثانياً: أفكار التمثيل والمحاكاة تهيمن على خيال الطفل. والتمثيل في اللغة يرجع إلى ربط المعاني بمحددات بيئية (مكانية وزمانية). وهو مشكلة تثار على خلفية العلاقة بين اللغة الواقع. الملاحظ في هذا الجانب أن الصياغات المقدمة للأطفال لها أبلغ التأثير على تشكيل الإدراك وطرق التفكير، فتقديم صور للحيوانات والأشجار والأماكن مقرونةً بالمعاني المطروحة إثبات لصحة المعاني على نحو تطابقي. بينما الأجدر أنْ يقرأ الطفل هذه الصور مع عمليات تمثيل بديل، أي لا بد أنْ يتدخل الطفل بنفسه للتعليق أو للرفض أو للتغيير. إضافةً إلى أنَّ عرضَ المعرفة بتلك الطريقة يجعلُ من الطفل ذاكرةً حافظةً فقط، وكأنَّه سيصبحُ في نهاية العمر ماكينةً للحفظ والترديد، ولعلَّ هذه القضية تُعرَف بالتلقين والاستظهار!!

ومع أنها قضية تبدأ بفكرة التلقين، إلاَّ أنها تنتهي إلى الميراث الثقافي العام، ميراث الإحتفاظ بالأطُر المعرفية وبأنماط التقاليد المعوِّقة للحرية الفكرية والسياسية. طبعاً تمثل عملية الصياغة اللبنة الأولى تاريخياً لهذه الطقوس الثقافية. وليس من مفرٍ إزاء هذا الوضع إلاَّ التعمق في التحولات المعرفية واللغوية التي تتخفى بها المفاهيم والأفعال. لنضرب مثالاً: قد يقدم للإطفال نصٌ قصصي يعالج أهمية القيم والأخلاقيات على الصعيد الإجتماعي، وقد يكون هذا النص مكوناً من مرحلتين: أولاً الترابط الاجتماعي والأسري من خلال إحترام الأكبر سناً والأكبر مقاماً (الأب أو الجد أو الأستاذ). وثانياً التمسك بالسلوكيات التي تدعو إلى تقدير الآخر والحفاظ على كيانه التواصلي.

هنا يبدو أن نصاً لغوياً يدعم حركة الفعل الإجتماعي بشكل كامل. لكن لوتساءلنا إلى أي مدى يكون الفردُ فاعلاً؟ لكان الجواب أنه يكون كذلك حينما يسهم في الحفاظ على القيم الفرعية المؤدية إلى الفعل العام. بالتالي من الخطأ الاعتقاد بأنَّ التلقين التربوي والمعرفي يذهب هباءً، إنه يُفرِّغ طاقته الجزئية في هذا المجرى أوذاك ليلتقي مع غيره، والتراكم الثقافي المؤيد لحالة الخطاب الإجتماعي عبارة عن تراكمات جزئية ملتصقة بالأعصبة الحية للتعبير باللغة في مواقف فردية. الأفراد منتشرون ظاهرياً عبر المجال الثقافي، ويصبحون منجذبين إليه بحكم الرؤية والقيم ونسق المفاهيم، سوى أنهم يردُون إليه هذه الأشياء أضعافاً مضاعفةً، والمجال الثقافي نفسه يمتصُ معاني عباراتهم ليعيد دمجها في حركة الخطاب الموجه إليهم مرةً تاليةً.

يتشكل خيالُّ الطفل في أتون تلك العملية، وما لم نأخذ بتحرير الصيغ التقليدية للعلوم والمعارف والتواصل من القيود والأطر، فسيتجمد هذا الخيال الخصيب والمبدع، سيتسرب إلي أشياء جانبية. هناك على سبيل التوضيح القول الشائع: " يعملُّوها الصغارُ ويقع فيها الكبار"، كإشارة إلى أهمية الفعل الأتي من هؤلاء الصغار إلاَّ إنه قول يقصد بهم صغار العمر مرةً وصغار النفوس مرةً أخرى. ولو كان ثمة مناخٍ حي في المجتمعات العربية لكانت الحياة مزرعة لأعمال هؤلاء الأطفال، وما كانت دلالةُ القول لتنحرف ثقافياً تجاه  وصف مايصدر عن الأطفال بــــ"العيب" في نظر الكبار!!

ثالثاً: تقوم صياغة المعارف وأفكار النظريات الحديثة والمعاصرة على "منطق تراثي تفريغي". قبل توضيح ذلك لا يمكن تجاهل أن اللغة منطق ورؤية على الرغم من أنها وسيلة ومن أقوى الوسائل للفهم. بيد أن الثقافة العربية أثبتت إمكانية استعمالها كــ" أداة تفريغ ". فصيغ المعارف المقدمةً للأطفال قوالب مفرغة من ثقافتها العلمية والفكرية، وقد تم إعاة حشوها بالزخم التراثي المفقود، زخم متعلق بالاعتقاد الشائع أنَّ العلماء العرب هم آباء الحضارة العالمية، وهم الذين قدَّموا للعالم نموذجاً يحتذي وأنه ما زال العالم كله ينهل من علمهم المديد!! فيقال مثلاً حيال النظريات العلمية: " هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا "، ثمَّ ما نلبث أنْ نتناولها بأدوات ومفاهيم تراثية، كأن نتحدث عن نظرية النسبية ونظريات الكم الفيزيائية فيى حين نتجاهل تماماً التفكير المنهجي الذي أدي إليهما ولا نناقش بنية الثقافة التي أنتجتهما.

وبفضل أن النظريات العلمية المعاصرة لم تُبدّع في ضوء طرائق التفكير داخل البيئات العربية، نسرِّب إلى أطفالنا كونِّها بضائع مستوردة فقط، ولا نلامس مضامينها الثورية في العقل والتاريخ، بسبب أن الثقافة التقليدية تحاصر الصيغ اللغوية وتخترقها من خلال المنطق الذي تقوم عليه، وتلك الممارسة التربوية إنما هي ممارسة للجمود الفكري الذي نعاني منه. وإذا كان الأمر مع التكنولوجيا والبضائع أمراً مفهوماً مع مظاهر العولمة وأنماط الإقتصاد المفتوح إلاَّ أنه أمر لا مبرر له تجاه المعرفة والنظريات على الإطلاق.

أؤكد أنَّ تلك الآلية في مداها البعيد لا تربي أطفالاً، بل تجاراً للبضائع المعرفية علاوة على البضائع المادية، وتدخل بنا مدرجات المشاهدين إزاء التطورات المعرفية والسياسية دون إسهام، كأن الموضوع لا يعنينا من قريب أو بعيدٍ، جاعلةً العقل، الوعي وعياً إرتدادياً لأن التعبير باللغة عملية تفريغ واسعة الإنتشار للمضامين. وهنا تُرْسَّم سلسلةُ التفريغات: الآباء يفرّغون محتويّات أفكارِّهم لصالح الأجداد، والأبناء يفرِّغون محتويات معارفهم تبعاً لتوجهات آباء المعرفة(الأساتذة) والمرأة تفرِّغ مضمون سخصيتها وفقاً لتقاليد المجتمع الذكوري، وفاعلو المجتمع الذكوري يفرِّغون إرادتهم وفقاً لهيمنة السلطة. وفي الإطار العام تفرغنا الثقافة نحن أنطولوجياً، وفكرياً، وسلوكياً لتلقي بنا في زمن ليس زماننا، وبين رجال كانوا فاعلين يوماً ونفتقدهم الآن، ووسط أحداث وتواريخ إنطفأ بريقُها المعاصرة. القضية أن تلك السلسلة لا تنتهي، فاللغة تهامس المتحدثين، تخاتل الكاتبين،  تغرر بالمخاطبين على إعادة إنتاجها مراراً، واللافت أنها سلسلة دلالية تجتاح كافة المجالات، كافة المعارف، كافة الخطابات.

رابعاً: اللغة أداة عقابيةـ، أداة ردع رمزي عنيف. تُستعمل الألفاظ، والمقولات والنصوص كأنها في محل عقاب تنزله الثقافة بأطفالها. وبطبيعة الحال ليس هذا العقاب جارياً بشكل مباشر، هناك الكم الكبير من الموضوعات والنصوص المحتمتدريسها لهم، هناك النصوص الجافة، الأشعار الكلاسيكية (الشعر الجاهلي)، القصص المملة وغير الإبداعية، أشياء تعبر بصورةٍ أو بأخرى عن كونها لطمات للطفولة.

في ظني يرجع هذا إلى عدم الإهتمام بالإبداع من قبل الخطاب الموجه للطفل، الشيء الآخر أن هناك تشوهاً أنطولوجياً في الثقافة العربية، تلخصه فكرة طرح العقاب قبل المعرفة بحجة التربية، بدليل العطف المنطقي في المصطلح العام"التربية والتعليم". ولتوضيح ذلك نقف على مقولة:" الأدب فضلُّوه على العلم "، من هؤلاء اللذين يفضلون الأدب على العلم؟ لا نعرف ولم يقل لنا شخصٌ من هم هؤلاء. الأدب هنا بمعنى القيم التلقينية، بمعنى النقش الحجري لأخلاقيات الضبط والمراقبة الإجتماعيين، النقش في وجدان ومشاعر وسلوكيات وأجساد وعلاقات الأطفال بمحيطهم. وغياب الملامح في "فضلوه"، يعني غياب الهوية، غياب الفعل، ومعناه بالنسبة لهؤلاء اللذين فضلوا الأدب إيقاع التخويف، إضافة الفراغ الذي يتركه المجهول في شكل إلزام قسري بالأثر المترتب عليه.

أكبر تزييف للوعي أن نرى فعلاً رمزياً يقوم به المجهول، بينما تتخفى في تفاصيله عصا الثقافة الغليظة. عصا تهوى على رؤوس الأطفال في كل عملٍ، في كل فصل دراسي، في كل مقرر معرفي، والأنكي أنْ يقوم بالعقاب من بإمكانه حمل العصا. لأنه أصبح مأخوذاً بوصية هؤلاء المجهولين، ومنفذاً لتفضيلهم. التفضيل في الثقافة العربية عقاب جماعي لمن هم دونه أو في مرماه التربوي، والفعل(فضلوه) بضميره الجمعي اشتراك في جريمة قتل المواهب والقدرات، وليس هناك مجال(بحكم المجهول أيضاً) لتحديد من المسؤول. وهاء الغائب مثل العفاريت والجان والشياطين التي تسكن مناطقنا الثقافية المظلمة، غرفنا الخطابية المهجورة، وجداننا الأخلاقي الجاهلي[4]. وينطوي الأدب كدال مفضلٍ على مدلولين، الأدب بمضمون التربية والأدب بمعنى الإنتاج القصصي والشعري والفني. إذن المراوحة تجعل الأدبَ كتربية تمتد إلى تربية الوجدان  والعواطف، إلى عقاب المشاعر.

خامساً: الإستناد إلى لغة إنفصاميةٍ، لغة تُرسخ شيزوفرنيا الفكر، الفعل. هناك فكر شائع حول المثل المفارقة، إذ تدعو في عين الوقت إلى إزدراء الحياة، وتدور معه الخطاب الديني والإجتماعي. إنه الفكر ذاته الذي يسلب حياة الإنسان، حياة الأطفال باسم النعيم مع أن الدين أخبرنا أن الدنيا مزرعةُ الآخرة. الواقع العربي مغطى بطباق هائلةٍ من التحديدات الإنفصامية، أحياناً نظن أنَّ للأطفال عالمَهم الخالص سوى أن الواقع، اللغة، تبتلع كل هذه الأقوال وتكرس التناقض. ولا تكون ثمة تربية ولا معرفة دون المرور بتحولاتهما التي تفرز هيمنة متبادلة الأدوار مع الخطاب المنتشر، أي هما(التربية والمعرفة) يعطيانه البراهين على الولاء الكامل للإنفصام.

وسط هذه الشفرات يتحدث خطاب الطفولة إلى الأطفال بكلمات يجب وينبغي ولابد، ومن الضروري، بينما الواقع مغاير تماماً، الواقع مراوغ كليةً. إنها كلمات الأمر والنهي، إفعل ولا تفعل، بينما نجد اللغة مترسبة بازدواجيتها في المناسبات والشعائر والخطب السياسية والخطب الدينية، مترسبة بكم مهولٍ من أخلاقيات الواجب والضرورة الموعودَّتين. ومن ثم فالخطاب الثقافي بتعبير نزار قباني " مستنقع كلام"، خطاب يستعمل اللغةَ بألف وجه، بألف معنى، بألف تحول في مواقف الإنجاز والتقرير لا التأويل. فالتأويل كما نعرف يُثري فهم اللغة، فهم النصوص، فهم الحقائق، غير أنَّ المستنقع يجعله، في الحياة، ناتجاً عن تراكم العمليات والاحالات الإنفصامية، إنه تعبير عن حال يستغرق فيه الإنسان محاولاً الخروج، التحرر فلا يجد إلى الإلتصاق باللغة والتقلب مع دورانها.

وفجأة يتوارى المتحدث على طريقة " فضلُّوه " لتظهر اللغة في الشارع، وفي التواصل، وفي التربية بنفس المنطق الإنفصامي. ويضطر الطفل أن يتلقى الكلمات بالطريقة ذاتها، خطاب كهذا يعدُّ أقوى تأثيراً من الواقع، لأنه حالة تحمل واقعها، وتعبر عن زمنها المنقسم كما لو كان حقيقةً. إنه حالة اللعبة التي تستولي على الكائن الإفتراضي، ونجده حين يتلهى بها، تعيد دمجه في حالات مماثلة إثباتاً لنفسها بشكل مستمر[5]. حتى أنَّ الطفل مع التكرار لا يستطيع العيش دون استعادة الوضعية السابقة. وكلام الطفل هو ألصق تعبير عن أثر اللغة في تنميط الخطاب ومعانيه، فنظراً لقدرته على التكيف فإنه يخضع بسهوله لمقتضى الحال إذ يشعره بإرضاء واسعاد الآخرين كما يريدون.

سادساً: إشباع الأطفال وأخيلتهم وحواسهم بلغة السلطة الأبوية حتى التخمة. السلطة الأبوية بمثابة غطاء الرأس لكل الأقانيم الموجودة في المجتمع العربي، وبهذا المقتضى تقوم هذه السلطة بدور المُرضعة الإجتماعية، لدرجة أن أى سلوك، أى فكر يمر ثقافياً إلى الأطفال لا يمر إلا عبر مصفاة تلك السلطة، هي توازي لدى الطفل الرغبة والرهبة، الخوف والسعادة، الوهم والحقيقة. وحين يمارس حياته يضع سلطة الأب نصب عينيه، فماذا تفعل الثقافة من الخلف بهذا المعنى؟

إنها تخلق لدى الطفل بذرة الإنفصام المدعم للنقطة الأولى، لأنه في نهاية الأمر سيحاول الموازنة بين رغباته وتفضيلاته وبين نواهي الأب الممثلة لحدود الثقافة. بطريقة أخرى  تتسلل إلى الطفل من خلال قناع أبوي براق. لهذا نقول عن الأب في لهجتنا العربية الدراجة "سيدي"، لكونه يعبر عن السيادة العائلية ويحمل رمزيةً غير مباشرة لسيادة الثقافة المهيمنة، كما أنه قرين شعار الحياة، إذ يلبي إحتياجات الأبناء ورعايتهم مادياً وإجتماعياً. السلطة الأبوية في هذا الإطار قانون الوجود الإجتماعي الذي يصارعه الأبناءُ ويرغبون فيه، يتقاتلون معه ويحتاجون إليه، إنها التناقض في محل وجود مزدوج بين الحب والكراهية.

ومكانة الأب في طريقه السلطوي إنما تعبد الطريق لفكرة المحرمات الإجتماعية إذ تتخذ من المحرمات الدينية مثالاً لها. الثلاثة (الأبوة، المجتمع، الدين) أي (السلطة، الأخلاق، المقدس) يتركزون في لفظة سيدي. مرة الأب سيداً للبيت، أي طوبغرافي العادات والعائلة، ومرة المجتمع إقليماً ثقافياً أخلاقياً، ومرة الدين علاقةً للسماء بالأرض واسقاطاً للمثال علي الواقع. والأب بهذه السلطة (القابلة للتسلط) ينزع إرادة الطفل من جذورها، وقد لا يترك له مساحة للتنفس الطفولي الحر. لأن الأب وفي حالة غيابه مكانياً يترك للثقافة مهمة مراقبة الأبناء وملاحقتهم. والتعاليم التربوية خيرُ دليلٍ على عملية النسخ  copy processالممارَّسةِ على الكيان الإفتراضي. نسخ لا يترك إحتمالاً واحداً لأن يخرج من قبضة الأبوة، ولعل هذا السر وراء ضعف الشخصية لدى الشباب، بل لدى الرجال في المجتمعات العربية. فنحن نفرّغ المجتمعَ بإسم الوصاية الأبوية من مستقبله، من إمكانية بناء كوادر بشرية. الأبوة لا ينبغي أن تكون هيكلاً سلطوياً يلتهم ما سواه. ولكنها إن جسدَّت قيداً، فهي انفتاح من جهة أخرى، فلم نر شجرة ً كبيرةً تقتل أخرى صغيرةً، بل الحياة النباتية تكشف أن هذه البذرة تشق طريقَها دون عائق وتتعملق إلى أبعد مدى نحو السماء.

سابعاً: صيغ الفشل تدخل إلى الخطاب المتداول من خلال رؤية القضايا الحياتية، الفشل في العلاقات الإجتماعية والإنسانية، الفشل في التعليم، الفشل في تحقيق الطموحات والأهداف. كثيراً ما نتصور أن الطفل بمنأى عن الحياة العامة المليئة بالإحباطات أو أنه كائن سعيد، وهذا تصور غير دقيق، فالطفل كائن حساس لكل ما يجري حوله صغُر أم كبُر. وربما يتأثر أكثر من غيره من أفراد المجتمع على نحو أسرع. رأينا في جميع الأحداث والصراعات التي تشهدها الخريطة العربية أن الأطفال يقعون في منزلقات ومشكلات الحياة السياسية، لينطبق على حالهم عكس المثل الذي أشرت إليه في صفحة سابقة: "يعملوها الصغار ويقع فيها الكبار" فيصير كالتالي " يعملوها الكبار ويقع فيها الصغار"!!

الأطفال يدركون كل ما يجري حولهم بالتفاصيل الجزئية على نحو ممل، وجميع الكلمات التي تعبر عن الفشل، التخلف تترسب لديهم وتشكل جهازهم النفسي والمعرفي. نحن نكوِّن أجيالاً فاشلة، لأننا نشركهم في صناعة الفشل اليومي بتكرار العبارات التي تحض عليه، والأطفال يتعاملون مع القضيا المعقدة بأكثر التصرفات تلقائية وبراءة غير أنهم يدخلون في دوامة الواقع المتخلف بمجرد أن يتلقوا معطياته الخطابية والقصصية.

هنا يهمني التذكير بأن النظام الإجتماعي الحياتي مستند أثناء حركته إلى"بنية سردية"، مثله تماماً مثل الحكي القصصي. الأطفال جزء من حبكته الدرامية، لذلك نجدهم ملتصقين بالحكايات اليومية في المناسبات والطقوس والأعياد. وهم كأطفال يحفظون عن ظهر قلب العلاقات بين أفراد العائلة ناهيك عن درجات التقدير أو التحقير التي ينالونها في حياتهم الإجتماعية. ويجدون متعة خيالية في سماع الخطاب اليومي، تغيراته وتناقضاته وعلاقاته الصراعية، وبخاصة أنهم يخلطون ذلك بتجسيد الصور ويترجمونها إلى عواطف ومشاعر، الأجهزة النفسية للأطفال "معامل ترجمة فورية" للأحداث والعلاقات. فإن كانت أحداثاً سلبية كانت الصور النفسية سلبية، ولذلك بنفس براءة التلقي والكلام تكون براءة الترجمة والتأثُر.

ثامناً: تعبيرات الخطاب الثقافي ترَّسب قيماً سلبيةً لدى الأطفال، على وجه الدقة قيم الخنوع، قيم الطاعة العمياء وملحقاتها(تلّقِي الأوامرَ والنواهي، التصديق دون تفكير، خفة العقل، الهذيان الفكري)، قيم عدم تقدير الآخرين، قيم الإساءة السلوكية والكلامية، قيم إضاعة الوقت والفرص في الحياة، أساليب النفاق الإجتماعي. إليك حكاية إجتماعية توضح المعنى المقصود: " يُحكى أنَّ إمرأة في إحدى المناسبات قد ذهبت إلى جارتها لتتبادل أطراف الحديث، وأثناء الحديث كان طفلُ الجارة جالساً بالقرب منهما. وظلت المرأتان مستغرقتين في الكلام واستعراض أحوال العيش والجيران، بينما كان الطفل يسمع كلَّ ما يدور، وبعد أن استأذنت المرأة للانصراف إلى بيتها، قالت أمُ الطفل لزوجها حسناً أن غادرت، "فهذه المرأة بوجهين"، في إشارة إلى أنها تقول كلاماً يخالف تصرفاتها في مواقف أخرى. ولكن حدث أن جاءت هذه المرأة الزائرةُ ثانيةً إلى أم الطفل في بيتها. وإذ هي جالسة هذه المرة ظل الطفلُ يدور حولها ويحوم متفحصاً إياها عن كثب، فقالت له المرأة: ما بك ياحبيبي: لماذا تنظر إليّ مندهشاً هكذا؟، فرد الطفل هامساً: أريدُ أن أرى وجهك الآخر، أنت لك وجه واحد فقط!! ضحكت المرأة متساءلةً.. أيُّ وجه يا صغيري الذي يتريد رؤيته، فقال مباشرة: وجهك الثاني، لأن ماما قالت لبابا بعد أنْ غادرت البيت المرةَ السابقةَ إنك بوجهين".

هذا الموقف يمثل الخطاب الذي يرسّب قيماً سلبيةً، إذ أن عبارة " هذه المرأة بوجهين " دفعت الطفل للبحث عن الوجه الآخر. كان يمكن أن يمر الموقف تلقائياً غير أن الدال الإجتماعي (الوجه النفاقي) تحول في مخيلة الطفل إلى دال طبيعي (الوجه الجسدي)، وبالتالي حدث لدي الطفل رد فعل في صورة قبول واندهاش من الموقف، قبول لأنه صدَّقَ الوصف النفاقي بشكل جسدي، واندهاش لأنه لم يره في الحقيقة.

حينئذ ستكون النتيجة بالنسبة إلى الطفل: إما أن أمَّه تعلمه الكذبَ لأن عدم وجود الوجه الآخر للمرأة يثبت أنَّ كلامها غير صحيح، وإمَّا أن يترك حيرته معلقةً إننظاراً لتوضيح الأم لهذا الموقف، وفي هذه الحالة ستشرح له الأم: لماذا قالت ذلك، فيكون إدراكه راميّاً إلى أن هذا الوصف كان في غياب الجارة. وبالتالي فإن أمه أيضاً بوجهين، لأنها قالت وصفاً للجارة حين ذهبت بينما لم تستطع قوله في حضورها. إذن نحن نعلم الأطفال النفاقَ في أبسط أشكاله ومن خلال  ممارسات الحياة العادية. وتعد الحكاية تدريباً عائلياً(أمومياً أبوياً) على الكذب والنفاق، وتدربه كذلك على أن اللغة لا طائل من ورائها، إذ حينما بحث عن الوجه الآخر لم يجده، ومن ثمَّ لا ينطبق الكلام على الواقع، إنه مجرد كلام في الهواء!!

 

د. سامي عبد العال

.......................

[1]- ورود الشروق والغروب بصيغة الجمع يعني إحتواء الزمن على مستويات عديده من التحول. والإشارة واضحة إلى عنصرالتغير الزماني والمكاني، وهذا ما يظهر في علوم الفلك نظراً لإحداثيات دوران الأرض حول الشمس. وربط القرآن المشارق والمغارب بمصطلح الرب معناه الحساب الإلهي للفعل الإنساني، وأن الفعل مرهون بالزمن والعالم من حوله. وبالتالي كان يتعين على الإنسان الإهتمام بالحساب الزمني للأفعال. وكلمة الرب تتضمن العناية والمرجعية والحاجة إلى التدقيق، بمعنى أن لا يوجد كائن بشري غير مربوب لله، والربوبية سقف لطلب الغايات وانجاز الإعمال. الأمر الذي يحتم التدقيق في مكان وزمان أي فعل مهما صغر. وإذا كان الرب يطلب عبادته فلا تتم دون تنوع الشروق والغروب بتنوع الأزمنة ومن ثم الأفعال، فهناك مواقيت للعبادة وللأيام والشهور والسنيين. ويشير تجاهل علماء اللغة لتلك الدلالات إلى أن صياغة اللغة، الخطاب تتم بتواطؤ القوالب الثقافية مع تصورات المكان والزمن دون أدنى إهتمام بالقرآن وهو النص المؤسس في المجتمعات العربية!!

[2] - فريد الدين آيدن، الأزمنة في اللغة العربية، دار العبر للطباعة والنشر، إسطنبول تركيا 1997، ص2.

[3]- المرجع السابق، ص2.

[4]- يقول نزار قباني معريَّاً بأدوات الشعر " نحن شعوب من الجاهلية ونحن التقلب، نحن التذبذب والباطنية، نبايع أربابنا في الصباح ونأكلهم في العشية". هذه ظاهرة ثقافية لا تنفصل عن الموضوع الذي أتحدث عنه، لأن اللغة العقابية ممتلئىة بانعكاس قهرى نمارسه على أي موضوع حتى ولو كان طفلاً. وقوله نحن لا يشير إلى فرد عيني بل يلتقي مع (هاء) الجمع في الفعل فضلوه، ألم يكن هؤلاء اللذين فضلوا الأدب على العلم هم أنفسهم من أكلوا أربابهم وقت العشية وسيأكلونهم في أي وقت. الظواهر الثقافية تتجاور وتتبادل الأفعال والترميز. إن اللغة التي تتقلب، تتذبذب أنما تصبح عقابية بإسم الأدب. بمناسبة المجهول المخيف وراء دلالة(فضلوه) يحدده نزار ولعب على نفس الصيغة، وأغلب الظن أنه لم يعرف هذا، لكن بإبداعه يكشف كيف يفكر، كيف يشعر هؤلاء مصدر التفضيل.

[5]- يُوصِّف نزار قباني هذه الظاهرة في قصيدة بعنوان مورفين: " اللفظة طابة مطاط.. يقذفها الحاكم من شرفته للشارع .. وراء الطابة يجري الشعبُ ويلهثُ .. كالكلبِ الجائعِ .. اللفظةُ في الشرقِ العربي أرجواز بارع يتكلم سبعة ألسن، ويطل بقبعة حمراء، ويبيع الجنة للبسطاء وأساور من خرز لامع، ويبيع لهم فئرانا بيضاً.. وضفادع، اللفظةُ جسد مهترئ ضاجعه كتاب والصحفيُّ وضاجعه شيخُ الجامع، اللفظةُ إبرة مورفين يحقنُها الحاكمُ للجمهور من القرن السابع، اللفظة في بلدي إمرأة تحترف الفحش من القرن السابع".

نزار قباني، روائع نزار قباني(موقع أوراق أدبية) WWW.AwraG.com ص ص114-115.

يوثق نزار برؤيته الشعرية هذا التكوين التاريخي للكلمة، هي مزيج من نبض اللغة والثقافة ونبوءة الشعر وحركة التاريخ. أدرج عنوان القصيدة كدواء، كعقار يخفف الألم ولا يقضي على المرض، بل وجود العقار الحقيقي يكمن في المحافظة على وجود المرض، هما يتبادلان الوجود والعوَّز، في تنويه إلى أن اللغة في الثقافة العربية مسكنة للهواجس، للآلام ومهيجه للأحلام دون جدوى . علينا أن نعيش فقط على أجنحة الكلمات ولا نلامس واقعاً ، والتاريخ يقول ذلك. إنها لا تقدم حلولاً ولا خبزاً و لا صدقاً بل تقدم وهماً في وهم. الكلمة تعبر عن حالة إنفصام وجودي، لا مجرد تعبير في مواقف. وكم كان نزار دقيقاً عندما ذكر الحاكم  بلا تحديد كرمز للسلطة، والتقاليد والمركزية الثقافية. فالحاكم كلمة مهملة المرجع، ملقاة في فضاء النص الشعري غير أن لها كل المراجع بحسب مواصفات الحاكمية في التاريخ العربي. هي تأتي من هنالك حيث فعل"فضلوه"على ما ذكرت في المتن، أي أن السلوك السائد حاكم، الفكر الديني المهيمن حاكم، سلطة النص تعد حاكماً، السلطة الأبوية تعتبر حاكماً، فجميع تلك الأنماط بمثابة شرفات للعلو والقمع، هي شرفات تنطلق منها اللغة. ولا ننسى أن كلمة النص في العربية مأخودة من الإقرار والعلو ومنها جاءت المنصة التي يقف عليها الخطيب لإلقاء كلامه. إذن اللغة العربية تحمل في بنيتها هذه الشرفات المقدسة، وعلى متلقيها، بلا استثناء الركض خلف الكلمات، لأن الكلمة تراوغ واقعاً آسناً فلا مقابل دلالي لها.

والجري حالة من العشوائية بحثاً عن تفسير للواقع الذي بُصقت عليه الكلمات. كلمات الحاكم تبصق لا تنطق، تقذف مثل كرة المطاط لا تحط على مضمونٍ. إنها تقدم وعوداً وراء وعود بينما الشعب كل الشعب يلاحق مسيرتها بلا طائل. الشعب كما يؤشر نزار  كلب جائع، والمثل الشعبي يقول"جوع كلبك يتبعك". وعلى الرغم من أن الكلمات تشبع الجوع الرمزي إلا أنها لا تجدي فتيلاً بالنسبة للجوع الكلبي. وتباعاً لا يغني الواقع نفسه الذي تدثر حتى أطرافه باللغة، لا يغني عن المعنى. الشعب بدون معنى لهو شعب محروم من الغذاء، من الروح. وهذا ناتج عن ألعوبة الكلمة تاريخياً في التراث العربي. الكلمة القامعة والمتسلطة تفعل بالواقع ما لا يستطيع الواقع فعله بنفسه. هكذا نرى تحول الكلمة إلى بهلوان يتكلم بسبعة ألسن، ويبيع النعيم للبسطاء ويخرج الفئران والضفادع من القبعة. وفي مستنقع الكلام تنبت سيقان الكلمات خادعة وهي تطلق أصواتها كنقيق الضفادع. اللفظة جسد إغوائي منتهك، مهترئ من كثرة إستعماله وتعريه  الإباحي. عبَّر بمضاجعته الكتابُ والصحفيون. الخطاب فاحش، مدنس منذ القرن السابع الهجري. حتى غدا كأنه إمرأة تحترف بيع جسدها للآخرين،  تمنح حروفها لكل من هب ودب ليقف على شرفتها. لكن الحاكم هو الذي انتهك عذريتها وظل يبتاع انحرافها، يبتاع شرفها دون إي بادرة للتغيير.

 

 

عبد الجبار العبيديالحضارة: هي ثمرة جهود الانسان البشر منذ الأزل.. فكل جهد مبذول هو حجر في بناء الحضارة، لذا أرتبط المفهوم بالتاريخ لأنه الزمن.. فاضافة جهد الانسان الى الزمن هوتاريخ حضارة ذلك الزمن.

الحضارة البشرية بدأت بأكتشاف رغيف الخبز الذي وجد في مقابر الفراعنة، والزقورات وشريعة آور نمو في عهد السومرين.. والحدائق المعلقة وقانون حمورابي في زمن البابليين.. والثور المجنح في عهد الأشوريين وغيرها كثير.. وفي عهد الاوربين معالم حضارة روما وأثينا.. ثم معرفة الأنسان للصناعة من ادوات الاحجار التي اصبحوا بها يأكلون، ومنها بدأت مسيرة الحياة الجديدة على البشر.. من هنا أيضاً تتجلى لنا الصلة بين التاريخ والحضارة في صناعة انسان الزمن.هذه الصلة هي التي اكتشفنا منها علاقة التاريخ بالحضارة حين عرف الانسان الصناعة والحرف ثم طورها حتى اصبحت اليوم قانون جفرسن.. والموبايل وكبسولة الفضاء التي أعتلاها الغرب بأسمه.. لكن بقينا نحن العرب نعبد التمثال والصنم والحجر..

من هنا تدرج الانسان في مراتب الحياة في الصناعة والتجارة والحدادة حتى اصبحت غرائز له بمرور الزمن.. هنا تفتح عقله على كل ما يحيط به من مخترعات آنية يومية حتى قال العلماء المحدثين :"ان العقل كان اول مخترعات الانسان البشر.. فلولاه لما فكر وأنتج.. ونعني بالعقل أصبحت لنا القدرة على ربط الظواهر التي كان يراها ولا يعرف لها من سبب.فبقي العقل مقفلا حتى علمتنا الديانات طاعة البشر.. ولكننا لم نستفد لا من الدين ولا من عقل البشر..

وبمرور الزمن استخدم العقل استخداماً منظما بعد زمن طويل فكانت ولادة حضارة الزمن في الانسان البشر.. بعدها عدَ العلماء ان اكتشاف العنصرين المهيمنين اللذين بهما تفتحت بها حضارة الزمن.. فكانت الاسارير وربط الظواهر وهي بداية حياة الانسان الحضارية في الزمن، فتولدت له معرفة التاريخ ليهتدي به الى العقل والتفكير في انسان جديد صنع من نفسه حضارة زمن.. لكننا بقينا نحن العرب والمسلمين جامدين لا نتحرك خشية ان نخترق العادة والتقليد والمآلوف في الزمن ففقدنا القانون والحقوق فتجمدت حضارتنا الى الأبد.. والا هل من المعقول ان معمماً او رادودا متخلفاً يسيطر على عقول المثقفين والشباب بالعمد.

أما عند الآوربيين الذين استبدلوا الفكر الديني المقيد بنظرية العلم القائم على التجربة والبرهان عند البشر.فكان التقدم وحضارة الزمن.

الانسان هوالانسان في حضارات سومر وأكد وبابل وأشور والفراعنة وانسان بلاد الشام وأثنا وروما وباريس ولكن بين عقل وعقل جدلية.. حين ابتلى عندنا بنظرية الدين التي لا تتغير لصالحه.. وبين نظرية الدين عند الاوربيين الذين طوروها لصالح حضارة البشر. وكيف اوجدوا لانفسهم طريقا جديدا اهتدوا اليه بعقولهم ليصنعوا حضارة بشر..

هذا الانسان هو هو في َ آثنا وروما والصين والهند وفرنسا وانكلترا ومدن غربية اخرى كبثيرة.. لكن الأهم ان الانسان في كلا المنطقتين الشرقية والغربية من العالم وجدناه يتشابه في خصائصه البدنية العامة وخصائصة العقلية بدليل كانت ادواته المكتشفة تتشابه في خصائصها ولا تختلف الا حسب البيئة والمناخ وما اضاف عليها الزمن.. .فاذا كان الانسان جنس قائم بذاته فلماذا هذا الاختلاف بينه وبين الاخر بمجرد تواجده في مناطق مختلفة.. من حياة البشر؟

في المشرق ترك لنا حضارة الحجر التي لا زالت شاخصة لنتعلم منها جهود ما قدمه البشر.. من عصر الجاهلية ونحن ندور سبع مرات حول كعبة الزمن ونلبس لباس الجاهلية العاري في طواف حج الزمن.. ومن حولنا السقاية والرفادة وأحتياجات الزمن.. لكننا لم نستفد منها في جعلها اداة لتطوير عقل البشر.. علمونا كيف نقرأ وثيقة المدينة، ونحفظ القرآن، وتفسيره المتعدد الآثر، ونقرأما قاله الطبري وابن الاثير والبخاري ومسلم وبحار الانوار وغيرها كثيرمن قصص البشر.. لكنلم يعلمونا لماذا جاء القرآن ووثيقة المدينة للانسان البشر..؟

حتى ظننا ان قراءة عبد الباسط للقرآن هو مقام عراقي اصيل منذ آمد، واليوم يتعلم الشباب من الرادود باسم كربلائي كل غباء التاريخ لشباب العراقيين الغض وهو يلطم على من مات قبل 1400 سنة من أجل انسان البشر وحقه في الحياة وتخليصه من ظلم الزمن.. ولم نستفد من جهاده الا الفرقة والطائفية وأذى البشر حين يقول هذا الرادود الملياردير : "كومن يانساء النبي شدن خيوط الخيم.وبخيوطها نصنع عبي" هذا هو العلم الذي تركوه لنا، لهذا وصلنا الى ادنى مراحل غباء الأمم.

بينما قرأنا حياة الاوربيين وما تركوا في مناهجهم العلمية حين قالوا لنا :" ان التطور العلمي يقوم على قاعدتين هما:الفكر العلمي ثم استقرار فكرة التقدم في الأذهان".. وما في متاحف باريس ولندن وستكهولم وهولندا لنتعلم منها حضارة الحياة الجديدة التي تحولت الى دساتير الحقوق ومناهج التعليم لتقدم البشر فكان.. منهجهم الدراسي أبتكار الراديو والسيارة والطيارة والثلاجة والموبايل وأدوية حماية البشر، في وقت لم يتركوا لنا عرب الحضارات غير المفاخرة والقصائد الشعرية للمعلقات وأولوا الامرمنكم، ومنا أمير ومنكم أمير والحر والعبد واحتقار المرأة والزواج المتعدد وتخريفات الزمن.. وغيرها من ترهات البشر.. حتى اصبحنا اليوم في ذيول حضارات الأمم.. حين فقدنا القانون والمساواة في الحقوق وحضارة الزمن.. لنسمع لصنم لا ينطق ولا حتى باشارة الزمن..

وحيين أعتقد العلماء الاوربيين أن الجنس الاسود اقل ذكاءً وقدرة على التطور من الجنس الابيض تراجعوا اليوم بعد ان ظهرت نظريات التخلص من التعصب.. لكننا نحن لن نتراجع عن خطأ .حين ثبت لهم ان دولا سوداء شعوبها امتازت بخلق متين، وصدق في القول، وصفاء في النيات، وبعد عن الخداع، فزالت نظرية التفريق التي عادت بالويل والثبورعلى البشر"جنوب أفريقيا مثالاُ" لتوفر عنصر الانسان الحر في الزمن.لكننا مع كل الحروب التي أبتلينا بها وظلم الحاكم البشر.. الحروب مع الاوربيين وغزو المغول وقادة الشعوب المتغطرسة كما في حروب الفرس والأتراك والسلاجقة وبعض الهنود واخيرا تعاقدنا من الاجنبي لتدمير الوطن وسلخه من قوائم البشر.. ولا زلنا نقاوم ولم ننجح في تحدي الزمن رغم غدر البشر.. فاين ديننا الذي قال لنا :"أنتم خير أمة أخرجت للناس" في الزمن.

نحن نقر ان القدرات الأنسانية متشابهة بين كل البشر.. نعم متشابهة اثبتها العلم الحديث مثل : القدرة على الوقوف والمشي دون أنحناء وتمكننا من القبض على اشيائنا دون عائق بتناسق أعضاء الجسم عند الجميع دون فرق بينهما.. تلك نظرية اصبحت حقيقة.. فلماذا لانقرحقيقة مثل البشر.أذن علام الاختلاف والبغضاء والتخلف بيننا..، وبينهم مودة الزمن..؟ ألم أقل لكم نحن بقينا مع حضارة الحجارة المقدسة وهم مع حضارة قانون الزمن؟يا من تحكمون عرب البشر الانبياء والكتب السماوية المقدسة تدعوكم للعدل بين البشر، ولا تدعوكم لمظهرية الدين دون البشر.. ..

لا شك ان حضارة الانسان واحدة.. اذن لماذا حضارتنا ظلت حضارة حجر، ولم تبتكر غير السيف والرمح والمذهب المفرق والحديث الوهمي وعداوات البشر؟ وحتى أعلامنا اليوم تحمل سيف جلاد الزمن؟.. وحضارتهم انتقلت الى حضارة بشر فكان معها الانسان في مشيه ومأكله وسكنه وسفره الى ما يطمح اليه بحرية.. انسانهم له دينه وللأخر مثله في اعتقاد الزمن وأصبحنا نحن نهرول خلفهم نستجدي منهم حضارة البشر.. ولكن لا زلنا نعتقد هم كفرة في النار ونحن في جنة الخلد وما ملكت ايماننا من حوريات الزمن.بينما بقينا نحن العرب نقرأ النص في قرأننا ولا نعرف عنه غير العكس في تطبيق الزمن. وحاكمهم منصف ومقيد بالقانون.. والحاكم في بلادنا المؤدي للقسم يسرق وينهب ويقتل ويهرب اليهم عبر الزمن.. ولن نحظى بواحدة منها ابداً.. فهل نحن اللابشر؟

يقول بعض العلماء ان الطفل في الحضارة الغربية استوعب منذ الطفولة اشياء لم تخطر على بال انسان من منهج الدراسة فتفتحت قريحته على الصح في العمل.. فظلت مخزونه في فكره الذي تحولت بفعل نظرية التجربة والبرهان الى عملية استيعاب الثروة الثقافية والحضارية في مجتمعها انذاك.. ,هكذا بمرور الزمن تكامل البشر عندهم .. بينما ظل البشر عندنا مربوطا بتراث الزمن ولا نغالي الى اليوم دون تغيير من أمل.. مع أننا ولدنا مع نظريات الصيرورة الزمنية مثل البشر.. فلماذا تخلفنا ولم نكتسب معارف الزمن ً.. لأننا كبلنا بدين ٍ يخالف دين السماء ومحمد (ص)وأديان البشر.. دين فقهاء تخريف الزمن..

دين الفقهاء والمرجعيات الذي كبلنا بقدسية الفقيه (قدس سره) فهل سنصحوا على الزمن.. .وكيف نصحوا وبيتنا المنقسم على نفسه مهدد بالزوال عبر الزمن.فهل قال لنا الدين والمذهب تفرقوا عبر الزمن..؟. ام ان جيناتنا لا تقبل تطور الزمن..؟ هنا يجب ان يركز المنهج الدراسي لنتحول الى بشر..

اذا لم تحرر الشعوب فكرها من خرافات واوهام الزمن بأيديها فلا أمل.. الم يحن وقت التخلي عن التعصب، والاعتراف بالحقيقة الدينية انها قابلة للتغيير والتطوير عبر الزمن.. وليست هي حقيقة مطلقة منقوشة فوق حجر.. فألى متى نبقى منافقون امام أنفسنا والشعوب حتى اعتقدنا ان النفاق والكذب هو دين الزمن.. يبدو نحن لا ندرك خداعنا لأنفسنا.. لأننا جميعا بما فينا مؤسسة الدين نكذب بصدق على أنفسنا.. امام التاريخ والبشر والزمن.. .أعدلوا أقرب للتقوى في الزمن..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

سامي عبد العالهذه شبه قاعدة: كلما كانت الطفولة معبرةً عن مستقبل إفتراضي في مجتمعاتنا العربية، جاء الخطاب الثقافي ليدمغها بطابع ماضوي صارم. طابع حجري منقوش كنقش فرعوني قديم بتاريخه الأثري. أي خطاب قائم على تبديل زمن بزمن آخر كحركة تبديل الحروف المعروفة بالتصحيف اللغوي، لتشكيل الكلمات (مثل كلمتي النبوة والبنوة). و(التّصْحِيف الثقافي) هو عملية تبديل (المفاهيم بمفاهيم أخرى) لتشكيل الوعي والتواصل على أساس التشابه والتماثل. وهذه العملية تقوم بها المجتمعات نتيجة تراجع قدرتها على مواكبة العصر والإنسانية. وفي الوقت نفسه نظراً لكون الثقافة شفاهية قائمةً على مركزية اللغة، وأنّ الأخيرةَ تصنع نماذج التفكير وتؤكد التصورات الشائعة. والمدهش أن تكون دلالة الأفعال صورة طبق الأصل من طرائق التعبير.

إنَّ المستقبل الافتراضي أشبه بالماء الذي يمد الكائنات بأكسير الحياة. وخوفاً - كما تقول العبارات المفتاحية - من أنْ يكون" التعلَّيم في الكبر كالنقش على الماء"، حاولت الثقافة العربية الهيمنة على طفولتها (كائنها القادم الذي تخشاه)، فاستبقت اللغة الأحداث مؤكدةً على أنَّ:" التعلِّيم في الصغر كالنقشِ على الحجرِ". أي تحاول الثقافة ضمان ترسيخ وجودها منذ بدايات الإنسان الأولى. ومن ثمَّ كانت العبارة السابقة متداولة كأنها مسلّمة وتستوجب التماشي مع مضمونها العام.

وربما الهوة في هذا السياق بين الحجر والماء هوة لاحدو لها، لكن حالة السيولة المخيفة التي ستحدث في قادم العمر كانت هوة مملوءة بالنقش الثقافي المشار إليه. وهذا بالتخصيص ما حدث في تاريخ الثقافة العربية، مما أصبح عليه الحالُ والمآل نتيجة ردود فعل أمام تحديات حياتنا الراهنة، وذِكرُ الحجرِ هو علامة على الثبات والصلابة التي ستبقى، فالثقافة برأي الأديب الروسي أنطون تشيكوف: هي ما يبقى في الذاكرة بعد أنْ يزول كلُّ شيء. ولئن كان قولٌّ كهذا منطبقاً على ثقافةٍ بعينها، فأولى أن ينطبق على جوانت كثيرة من الثقافة العربية ولا سيما جوانب التربية والعادات والتقاليد.

كانت الكلمات الواردة في الجملة الأولى: (التعلِّيم، الكِّبر، النقش، الماء)، وفي الجملة الثانية: (التعليم، الصغر، النقش، الحجر). التعليم والنقش كلمتان مشتركتان في الجملتين، وهما معبرتَّان عن خطاب المعرفة وآلياته ومناهجه التعليمية. والنقش كما أشرت سلفاً دال على القمع، القهر، الصورة المطبوعة بالصلصال. أرأيتم في يوم من الأيام حجراً يتقبل حفراً من تلقاء نفسه؟ أرأيتم حجراً حُراً؟! إنَّه بالضرورة خاضع لعملية الحفر (التسلُّخ المادي) بموجب ترك حروف بارزةٍ عليه. السؤال المنطقي: بأية وسيلة تحفر الثقافة العربية وجدان فاعليها؟

إنَّ الأزميل الذي تحفر ثقافتنا به هو خليط من الأخلاق وفكرة الطبيعة والحقيقة الإجتماعية. تُستعمل الأخلاقَ لأنَّ فعل الحفر يظهر كما لو كان مسؤولية غامضة وملزمة، ولا تتوفر ملامح مثل هذه المسؤولية سوى في التقاليد الأخلاقية. الأخلاق تجعل التعليم والمعرفة نقشاً له آليات الواجب والقوة، إعادةَ صهر وسبكٍ لمعدن الإنسان (العربي)، حيث يشعر المعلم بممارسة الواجبات التي تفرضه أُطر الثقافية. ولذلك ينتشر التعليم بالعقاب كما في بعض البيئات نظراً لهذا المعنى الشائع لتحصيل المعرفة.

وفي الواقع يعتبر مثل هذا التصور مناقضاً لمفهوم المعرفة جملةً وتفصيلاً، فالمعرفة متغيرة من عصر لآخر، ولها أساليبها المتطورة مع تطورات العلم والأفكار. وطالما كانت ثمة معرفة، فإنَّ القدرات الإفتراضية تبقى مهمةً، كيف نقدم معرفةً دون إمكانية التلقي بلا شروط؟! فضلاً عن أنَّ خلط الأخلاق بالمعرفة يعدُّ عملاً غير مسؤولٍ، بسبب أنَّ الأخلاق تستند إلى معايير ثابتة وإلى قيم كليةٍ، بينما تتقدم المعرفة وفق اللامعيار، بل تتقدم لأنها تنسف المعيار من أساسه. والحفر والحرف يتكونان لغوياً من الحروف نفسها، غير أنَّ العلاقةَ بينهما علاقة (تصحيف لغوي) حاضر أثناء النطق، علاقة إبدال حرف بحرف تظهر على نطاق الثقافة العربية في صورة الفكرة المأخوذة عن الموضوع (الطفولة)، فالطفل عبارة عن (حفر وحرف) لكونه حجراً تربوياً.

وإذا كان هناك ترجيح ثقافي لعبارة النقش على الحجر، فلماذا يكون الطفل حجراً؟ اللغة العربية بوصفها أساساً نقلت حركةَ التصحيف في شكل الطفولة، أرادت حياتياً أن يتحول التصحيف اللغوي إلى (تصحيف تربوي أيضاً) وقد فعلت. لقد كان التصحيفُ حركة رابطةً بين (التصور والمماثلة وعملية الحفر) من خلال التأكيد على الوسيط ( الحجر- الطفل)، وكأنها تريد القولَّ بوجوب أنْ يحتفظ الطفلَّ بكل ما يتلقاه، ويجب أن تُقلص قدراته لصالح ما ينقش عليه. فالحجر أصم، الطفل صامت، الحجر صلد، الطفل صلب أو هكذا يبدو، الحجر خاضع لقانون الحركة والجاذبية، الطفل ممتثل لنمط السلوك والأخلاق، الحجر ملق هناك، الطفل مقهور هنا وهناك. إذن النقش فعل أخلاقي معرفي تحول إلى حتمية ثقافية أيكولوجية، فالحجر كمفردة من مفردات البيئة ينقلنا مباشرةً إلى الأصول الصحراوية للذهنية العربية .

وبالتالي يأخذ التعليم الزخم الحياتي نفسَه، التعليم كما ترجح الثقافة العربية عمل طبيعي، إنه ينحت مفاهيمه، معارفه، مهاراته، قيمه بالطبيعة، على غرار الحروف البارزة التي تصاع على أسطح مصقولةٍ. وهذه هي دلالة الطبيعة موجودة في الحجر والصغر (الزمن)، وهما منوط بهما الإتيان بكل المفردات الأخرى مثل: الإنسان، الحياة، الأرض، الموجودات، فالصخور نقوش إلهية، عبارات منحوتة عبر الكتاب الكوني المكتوب بالمداد الإلهي. وبجانب ذلك تسعى الثقافة إلى جعل الحقيقة الإجتماعية، أي نمطية الأفكار كأنها لوح محفوظ، لوحاً طبيعياً يبرز كنقوش محفورة .

في الوقت عينه، لايمكن التسليم بهذه الأفكار الحجرية، فالشطر الآخر من العبارة يظل مفتوحاً على الزمن، كلماته تحفل بالتناقض: التعليم، الكبر، النقش، الماء. طبعاً لن يوجد طفل لا يمر بمرحلة الكبر، والعبارة بشطريها تتحدث عن تعليم الإنسان كأنّه خطوة خاطفة بين كائنين وهذا غير حقيقي. فالطفل الذي كان تعليمه كالنقش على الحجر هو هو الرجل الذي سيكون تعليمه كالنقش على الماء. النقش، الزمن، الماء، أشياء تفك رموز الحفريات في الطفولة، وستغير صورة العالم، صورة الحقيقة، صورة الإنسان ذاته.

ولذلك فإنَّ الثنائية التي تؤكد التناقض بين الإنسان طفلاً والإنسان رجلاً هي ثنائية تستند إلى مرجعية غير مرنة ولا تعطي الإنسان حرية التفكير والإختيارات. هي تريد ضمان التحكم في مسار حياته حتى الرمق الأخير لأنها بعد أن تنقش وعيه ستضعه في سياق آخر من الرقابة لإكمال الطريق.

في الشطر الأول كان التعليم نقشاً على حجر، بينما جاء في الشطر الثاني نقشاً على الماء. إذن الحجر نفسه هو الماء، والماء يعني تشكيل الحجر. وواضح من ذلك أنَّ طوفان نوح راسخ في الذاكرة الثقافية للغة العربية، إنه أزال كلَّ شيءٍ، ولم يترك كائناً. وفي رمزية مؤشرة تاريخياً حدث الطوفان بخاصية وجودية إلهية حين محى الكائنات والأشياء، كأنه أعاد الكونَ، الطبيعة، الحياة إلى نقطة الصفر، أرجعنا إلى بداية الخلق من جديد. والشطر القائل" إن التعليم في الكبر كالنقش على الماء" ذو وجهين يبدوان متعارضين. أولهما: أنّ التعليم يمحو (يغير) الأسس التي كونت الفرد، تماماً كما أتي ماء الطوفان على أسس الحياة في زمنه. وثانيهما: أنَّ الماء ماءُ الحياة، هو الذي خرجت منه الأشياء والكائنات. المماثلة واضحة بين أثر فعل الماء والأثر الذي يتركه التعليم. ولكن نظراً لأنّ الثقافة العربية تخشى على أسسها النافذة عبر التاريخ، فإنها تريد حفراً أزلياً وعصياً على المحُو.

 

د. سامي عبد العال

 

محمد بنيعيشأولا: الدعوة الإسلامية من السر إلى الجهر (حصانة واختبار)

لم تكن مسالة السرية في الدعوة الإسلامية يوما ما، وخاصة في عهد النبي والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مرتبطة كليا بالعدد أو الضعف والقوة الذاتية في المواجهة، وإن كان ظاهريا يبدو الأمر كذلك، كما ورد في السيرة نفسها هذا التعليل، لأنه لو حسبنا الأمر بهذا الشكل فسيكون الصدع من ناحية الرأي العادي أنه قد جاء قبل إبانه وذلك من حيث تقدير إمكانية نجاح المقاومة أو الجهاد وإسقاط النظام القائم آنذاك بالقوة وذلك لما ترتب عن هذا الصدع، والذي قد كان بأمر رباني، من تعذيب وتنكيل بالمسلمين سيطال حتى شخص الرسول (ص)، هذا إذا أضفنا بأن تثبيت دعائم الدعوة وتطبيق الدين عقيدة وشريعة لم يتأت إلا بعد الهجرة إلى يثرب المدينة المنورة.

فكيف يمكن إذن تفسير هذه السرية بمجرد التهيؤ العددي أو المددي كعدة للمواجهة وفرض الأمر الواقع؟ مع أن دار الأرقم بن الأرقم قد كانت معروفة عند قريش، وأن اجتماع النبي (ص) بأصحابه هناك لم يكن يخفى عليهم كل الخفاء، لكن مع ذلك فقد كانوا محجوبين أو مصروفين عن اقتحامه، وذلك لأنه كان مجلس الحضور والحضرة، حضرة الله تعالى وحضرة رسوله ونبيه (ص) ثم حضرة صحابته الكرام وأقطاب الدعوة على مر الزمان والدوام!

فمجلس دار الأرقم بن الأرقم قد كان مركز ذكر محاط بالملائكة ومحصن كل التحصين، و كانت بمثابة راجمات نورانية للشياطين وحارقة لهم، ولكن هذه المرة من ناحية الأرض (أرض أرض) وليست فقط من السماء، وأعظم ما في هذا المجلس هو حضور النبي (ص)، الذي كان قلبه مهبط الوحي ومكنونه الرئيسي، بحيث صارت هذه الحضرة مانعة لإبليس وجنوده من استراق السمع ولو عند تكلم النبي (ص) جهرا مع صحابته الكرام ومن داخل الدار.

فالعدو هنا سيبقى معزولا عن التنصت والتجسس لأن خطاب النبي (ص) لم يكن كلام إعلام فقط وإنما هو تبليغ وتلقين وتربية وتكوين، وهذا لا يتأتى علميا إلا إذا كان هناك تواصل كلي وتوجه محصن يخرج من القلب إلى القلب ويحيي القلب بالقلب ويدمج القلب مع القلب...

إذن فلا مطمع هنا لإبليس في أن يعرف ما يدور في هذه الحلقة النورانية شديدة السرية والحساسية ومحصنة الأسوار أيما تحصين، أسوار الأرواح وخفايا وسماوات القلوب، بحيث سيكون التسريب عزيزا ووعرا والكشف صعبا، بل ممتنعا في هذه الحالة !.في حين لم يستطع أحد من المشركين أن يفتح أو يقتحم مكان مجلسه هذا، سواء على سبيل الاستطلاع فقط أو المنع والتفريق أو حتى مجرد التجسس. بل إن كل من دخل دار الأرقم حينئذ إلا وأصبح رقما مركزيا ومضافا إلى المجموعة، ونالته ما نالتهم من الهداية وإشعاع القلوب بنورها ومباهجها، ولو كان الداخل يعد من ألد أعداء النبي (ص) ودعوته وصحابته. حتى إن كل من سولت له نفسه أن يفعل ويتجرأ على المقام بقصد ونية سوء إلا وحدث له تحول طارئ وجذري وفعلت فيه الحضرة فعلها فانغمس في مختبر كيمياء السعادة الأبدية وانقلب توجهه ومراده رأسا على عقب.

تماما كما حدث للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقصة إسلامه، التي كانت الفيصل بين مرحلة السرية والجهرية المتحفظة بالانتقال إلى الإعلان الصادع وفرض الأمر الواقع في تزامن مع تسارع الأحداث وتفاعلها...

ومن مظاهر كمال الحال والمقام عند رسول الله سيدنا محمد (ص) هو: أنه قد جمع في دعوته إلى الله تعالى بين حال السر وحال الجهر ومقامهما، مع التأسيس لمعارج الروح وكمال النفس بالتنمية والتربية والسلوك القويم المبني على مقدمات ونتائج كلها تخدم مبدأ الكمال والجمال في الوجود والإنسان وتصل الغيب بالشهادة، والظاهر بالباطن والجسد بالروح، والعقل بالقلب، وصلة متناسقة وثابتة ومتراتبة من الجميل إلى الأجمل والكامل إلى الأكمل.

ثانيا: المختبر الميداني للجهر وأوجه الردود أمام الصمود

فإذا كانت مرحلة السرية - كما قلنا - تمثل ركن التأسيس وتثبيت الأعمدة ورص اللبنات الصلبة للمقاومة وضمان طول عهد البناء فإن عهد الجهرية سيكون هو المختبر الميداني والعملي لثمرات ومدى صمود تلك الأعمدة في مواجهة المعارضة وشدة العواصف الآتية والعاتية بزلازلها وقوة هزاتها !

بحيث يكاد يجمع العلماء والباحثون على أن مرحلة الجهر بالدعوة هاته كانت قد ابتدأت بأمر من الله تعالى جازم عند نزول هذه الآيات وبعد مرور ثلاث سنوات من السرية والخفاء وهي قول الله تعالى: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"1 و"أنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون"2.

"وحينئذ بدأ رسول الله (ص) بتنفيذ أمر ربه فاستجاب لقوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " بأن صعد على الصفا فجعل ينادي :يا بني فهر، يا بني عدي، حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر "ما هو؟فقال النبي (ص) :أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا:ما جربنا عليك كذبا.قال:فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.فقال أبو لهب:تبا لك ألهذا جمعتنا ؟فنزل قوله تعالى:"تبت يدا أبي لهب وتب " ثم نزل الرسول فاستجاب لقوله تعالى:"وأنذر عشيرتك الأقربين"بأن جمع من حوله جميع ذويه وأهل قرابته وعشيرته...

وفي رواية الإمام أحمد عن أبي هريرة قال:لما نزلت هذه الآية "وأنذر عشيرتك الأقربين"دعا رسول الله (ص) قريشا فعم وخص، فقال:"يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها". ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة وله طرق أخرى عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره"3.

قال ابن إسحق: فلما بادى رسول الله (ص) قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله (ص) عمه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله (ص) على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شيء"4.يتبع...

 

د. محمد بنيعيش

.........................

سورة الحجر آية: 94

سورة الشعراء: 214 - 216

ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص456

ابن هشام:سيرة النبي (ص) ج1ص276

 

 

ادم عربيالفلسفة وتاكيدا على اهميتها في وعينا وثقافتنا وحياتنا هي كيف ينظر المرء الى العالم وكيف يفهمة ويتصوره، من هنا تبرز اهمية الفلسفة في حياتنا وما هي الا لاقامة الدليل ان حاجة البشر لا تنتفي اليها، فان كان لا بد من تعريف مختصر لها، فهي علم الواقع والذي ضاق به كل علم .

انها علم القوانين الموضوعية العامة لهذا العالم، فالطبيعة وللواقع من القوانين الموضوعية في شموليتها وكليتها ما يؤكد الحاجة للفلسفة . ان الفلسفة العلمية تتطلب استكشاف وصياغة تلك القوانين في كليتها، ان فهم الطبيعة والعالم كاجزاء غير متصلة مع بعضها البعض مدعاة لفهم جزئي لهذا العالم، لان كل جزئية لها قوانينها الخاصة، لكن ان اردنا فهما شموليا فلا بد من قوانين عامة تشترك فيها كل تلك الاجزاء . في سيعنا نحو المعرفة لا بد ان نقر بوجود الحقيقة الموضوعية الكبرى، والتي مفادها وجوهرها ان هذا العالم الذي نعيش هو وحدة واحدة، على كثرة تنوعه، حتى تتولد الحاجة لنا في ايجاد علما شامل وموحد، يسعى الى اكتشاف قوانين كونية عامة، اوسع واشمل من قوانين الاجزاء (كيماء، فيزياء..الخ) ولا بد لهذا العلم ان يكون الفلسفة العلمية والتي تبحث عن المعرفة بمقياسها الموضوعي العلميي .البرق وسببه وكيف نتغلب على اثاره المدمرة؟ ان فهمنا للبرق كظاهرة طبيعية مادية فمن السهل التغلب عليها بطريقة مادية ولا اسهل من استخدام مانعة صواعق، اما وان فهمنا تلك الظاهرة فهما ميتافيزيقيا سببه غضب السماء فلا من طريقة للتغلب عليها الا بالتقرب من السماء وبالصلاة مثلا، وبتلك الطريقة لا نتغلب على الظاهره اي بالصلاة لا يمكن التغلب على الظاهره .

وفي اشكالية المعرفة لا بد من تعظيم اهمية التجربة العلمية في معرفة القوانين الموضوعية المادية في سعينا نحو المعرفة، وهذة القوانين الموضوعية المادية هي الطريق نحو نجاح اي عمل نقوم به، ان الانسان لا يستطيع ضمان فعل ما يشاء ما لم يكن عارفا بالقوانين المادية لاي فعل، ولا بد من التجربة التي تتوافق مع الواقع لاقامة الدليل على صحته، حاول ان تقطع نهرا مشيا على الماء كما المسيح لتعرف عاقبة من لا يعرف قوانين الطفو على الماء. الفكرو التفكير ينبغي لهما أن يراعيا، تلك القواعد والمبادئ، وأن يستمسك بها إذا ما أراد صاحبه الوصول إلى الحقيقة،  لذلك نقول كيف جاء المنطق الى راس الانسان  بتلك المباديء والواعد؟، باعتقادي ان له مصدر واحد لا غير وهو التجربة العلمية والممارسة للانسان في صراعه مع الطبيعة، وان النجاح والفشل في تجارب الانسان العلمية قيد الصراع وبالصراع هما ما فرضا على الانسان ان يكون منطقيا، والمنطقية لم توجد ولم تنشا لدى البشر الا بصفة كونها شرط بقائه .

 

د. ادم عربي

ليلى الدسوقيالحقوق السياسية هى الحقوق التى يقرها القانون ويعترف بها للشخص على اساس الانتماء الوطنى (شرط الجنسية)

و يلاحظ ان الحقوق السياسية تجمع بين فكرتى الحق والواجب معا لان الحقوق السياسية بقدر ما تكون حقوقا للافراد فانها تكون واجبا عليهم

و هذه الحقوق السياسية تتضمن مساهمة الافراد فى تكوين الارادة الجماعية سواء بانتخاب ممثليهم فى المجالس والهيئات النيابية المختلفة او بترشيح انفسهم لها

اما بالنسبة لمدى تمتع المرأة بالحقوق السياسية هناك ثلاث آراء:

الرأى الاول ذهب الى القول بأن الاسلام لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ولا تتساوى المرأة بالرجل فى هذا المجال

الرأى الثانى ذهب الى ان الاسلام يقر ويعترف بالحقوق السياسية للمرأة بإستثناء رئاسة الدولة

الرأى الثالث ذهب الى ان هذه المشكلة ليست مشكلة دينية او فقهيه او قانونية انما هى مشكلة اجتماعية سياسية

أما الرأى الاول الذى لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ايدته بقوة إحدى الفتاوى الصادرة من لجنة الفتوى بالازهر الشريف

فتوى إبى حامد الغزالى تقول " ان الامامة لا تنعقد لامرأة وان اتصفت بجميع صفات الكمال وخصال الاستقلال وكيف تترشح امرأة لمنصب الامامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادات فى اكثر الحكومات والامامة تشترط الاختلاط مع الرجال وهذا امر ممنوع للمراة فى الاسلام ولان المراة ناقصة فى امر نفسها حتى لا تملك النكاح فى تجعل لها الولاية على غيرها (الولاية العامة اى تنفيذ الاحكام او سن القوانين وليست الولاية الخاصة اى الوصية على الصغار او على الاموال)

و هذه قصة سقيفة بنى ساعدة فى اختيار الخليفة الاول بعد الرسول ﷺ قد بلغ فيها الخلاف اشده ثم استقر الامر لابى بكر وبويع بعد ذلك البيعة العامة فى المسجد ولم تشترك امرأة مع الرجال فى مداولة الرأى فى السقيفة او فى البيعة العامة ومن الاسانيد وحجج هذا الرأى:

- من القرآن الكريم:

" لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ " النساء 34

" وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ" البقرة 228

" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ " الاحزاب 33

- من السنة النبوية:

" لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة "

اى منع كل امرأة فى اى عصر من العصور ان تتولى اى شىء من الولايات العامة

" النساء ناقصات عقل ودين "

اذا كان امراؤكم شراركم واغنياؤكم بخلاءكم وامركم الى نسائكم فباطن الارض خير لكم من ظاهرها "

الراى الثانى: احقية المرأة فى التمتع بالحقوق السياسية

لها الحق فى مباشرة الحقوق السياسية اسوة بالرجل ولها حق تولى كل الوظائف السياسية ماعدا رئاسة الدولة

و استند هذا الراى الى الحجج الاتية:

-  أولا: من القرآن الكريم:

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‎﴿٧١﴾" التوبة

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" الحجرات 13

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " النساء 1

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‎﴿٧٠﴾‏ سورة الاسراء

يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ‎﴿٣٢﴾‏ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ‎﴿٣٣﴾‏  سورة النمل 32،33

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ " الممتحنة 12

بايع النبى وفد من الانصار رجالا ونساء فى بيعة العقبة الثانية

و اجاز الرسول ص للمرأة ان تمثل المسلمين وتتحدث نيابة عنهم وتعطى الامان الملزم بأسمهم فقد قبل الرسول ﷺ أمان ام هانىء لاحد الكفار يوم فتح مكة وقال لها " لقد اجرنا من اجارت ام هانىء "

-  ثانيا من السنة النبوية:

" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "

" اذا استأذنت احدكم امرأته الى المسجد فلا يمنعها "

و من اشهر ما يروى ان الخليفة العادل بن الخطاب وقف بالمسجد يخطب الناس ويطالبهم بعدم المغالاة فى صداق النساء ووضع حدا اقصى لها فعارضته امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين نهيت عن الزيادة فى صداق النساء ووضع حد اقصى له فقال نعم اما سمعت قول الله سبحانه وتعالى:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ‎﴿٢٠﴾‏ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ‎﴿٢١﴾‏ النساء

فاعترف الفاروق عمر بخطئه وقال اللهم غفرانك أ كل الناس افقه من عمر حتى النساء وعاد للناس وقال " كنت قد نهيتكم عن زيادة صداق النساء على اربعمائة درهم فمن شاء ان يزيد فليفعل "

فهذا ان دل على شىء انما يدل على ان المرأة اجاز لها الاسلام المشاركة فى شئون الامة وان يكون لها رأى مسموع حتى أمام أعلى قيادة فى الدولة

الرأى الثالث من الخطأ محاولة حل هذه المشكلة على اساس دينى او فقهى

وعلى هدى الفكرة القائلة بان الاخذ بمبدأ يمنح المرأة حق الانتخاب او غيره من الحقوق السياسية هو دليل على الاخذ بنسبة التقدم والرقى واننا بناء على ذلك يجب ان ناخذ هذا المبدا لكى نثبت للبلاد الاجنبية اننا امة بلغت شأناً بعيداً فى ميدان التقدم والرقى ولهذا فهى مشكلة اجتماعية سياسية ويجب ان نلتمس حلها فى ضوء ظروف البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

و اخيرا ... بعد استعراض الآراء الثلاثة سالفة الذكر فإننا نؤيد الرأى الثانى الذى يرى حق المرأة فى مباشرة الحقوق السياسية والله أعلى وأعلم.

 

ليلى الدسوقي

 

 

 

نايف عبوشيتذمر الكثير من مستخدمي الفيسبوك، من تواضع مضامين بعض المنشورات، وركة لغتها. ولأن الفيسبوك فضاء تواصل افتراضي مفتوح للجميع بلا قيود، ويسمح للجميع بولوجه، دون ضوابط علمية، فهو وسط ثقافي تواصلي جديد، وليس كالمجلات العلمية الرصينة التي عهدناها، والتي اعتادت أن لاتنشر المقالات، الا بعد عرضها للتقييم، توخيا للرصانة العلمية والمهنية.

ولذلك فقد سادت كتابات متواضعة في الفضاء الرقمي للفيسبوك، وشاعت في فضائه مصطلحات مفرطة في عاميتها،وبالتالي فلم يعد من المجدي على ما يبدو، أن يرهق المستخدم نفسه، بالتدقيق في رصانة، ومتون النصوص، والمقالات، في الفيسبوك.

ومع ذلك، فإن ألحرص على الرصانة العلمية واللغوية، التي لم نعد نجدها ربما إلا في اروقة الدراسات العليا في الجامعات، والمراكز العلمية، يظل أمرا مطلوبا، حتى مع تفشي هذه الظاهرة السلبية في عوالم الفيسبوك، وبين العوام من الناس وكتاب الوقت الحاضر، باعتبارها جزءا من ثقافة واقع حال عصر، قد يصعب تصحيحها ، خاصة وان لغة الدردشة العربيزية،باتت تسود في هذا الوسط، بشكل لافت للنظر ، تدعمها الأدواتية الفنية، وسهولة الاستخدام، والرموز والأيقونات المستخدمة في هذا الفضاء، وهو ما قد يضعنا أمام كارثة لغوية في قادم الأيام، بشيوع استخدام الأيقونات، والرموز في التعبير، بدلاً من استخدام التعبير بالألفاظ، وما يعنيه ذلك ساعتئذ، من مسخ للغة العربية، وتيبس في الإبداع التعبيري.

ولابد من الإشارة ايضا، إلى أن الأمانة العلمية ضرورية جدا، وبالتالي فلابد من الحفاظ على أصالة هوية اللسان العربي عند تداوله في أي خطاب، أو دردشة ، لاسيما وان الكثير من المتصفحين بات يتذمر، من أن الأمانة العلمية بدأت تتعرض للطمس، باستخدام تقني (إنسخ والصق)، دون الإشارة إلى المصدر عند الإقتباس والنشر، ويخشى أن يتسرب هذا الأسلوب، حتى إلى البحوث والرسائل العلمية، حيث تطالعنا شكاوى المختصين، وتذمرهم من تفشي هذه الظاهرة للغش والتدليس في فضاء الفيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي الرقمية، وهي إفراز سلبي للثقافة الرقمية المفتوحة بلاقيود، حيث لم يعد هناك ضوابط، في مجال الحرص على الأمانة العلمية، وصيانتها من التعرض للمسخ، بتداعيات بدائل الثقافة الورقية،إلا نقاء الضمير ابتداءً، باعتباره معياراً أخلاقيا له مفاعيله.

وللتذكير فإن ظاهرة شيوع ثقافة التواصل الرقمي بماهي تقنية عصرية سادت في الحياة اليومية، تتسم كما هو معروف، بسهولة الإستخدام، بحيث يلاحظ أن فئة المستخدمين من الأطفال يمكنها استخدامها بمهارة وإتقان أعلى من تلك المهارة التي بحوزة كبار السن، في أغلب الأحيان، في حين يتسم تصنيعها بالتعقيد التقني، الذي يحتكره المصنع في الدول المصدرة لهذه التقنيات المتطورة، وما يعكسه هذا الواقع من تداعيات تمسخ خصوصية الهوية ، بالرطانة التي ستطال اللغة الأم، بهيمنة ثقافة العصرنة الرقمية، رغم كل ايجابياتها، لاسيما وأن شعوب، وحضارات المنطقة، ومنها بالطبع منطقتنا، قد تنحت جانبا عن ساحة العطاء والابداع، وباتت تعتمد على الخارج، حتى في لقمة الغذاء، وحبة الدواء .

 

  نايف عبوش

 

 

عبد الله الفيفي(من "فَعْلَة" المتنبِّي إلى "كريمة فُلان"!)

 ناقشْنا في المساقَين السابقَين القصيدة الأُولى التي رثى بها (أبو الطيِّب المتنبِّي) جَدَّته، والقصيدة الثانية في رثاء والدة (سيف الدَّولة). واليوم نناقش قصيدته الثالثة في رثاء أخت (سيف الدَّولة)، وهي ذات المطلع:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

                            كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَّسَبِ

ومنها الأبيات:

أُجِلُّ قَدْرَكِ أَنْ تُسْمَي مُؤَبَّنَةً

                             ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ

لا يَملِكُ الطَّرِبُ المَحزونُ مَنطِقَهُ

                            ودَمْعَهُ وهُما في قَبْضَةِ الطَّرَبِ

غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفنَيتَ مِنْ عَدَدٍ

                         بِمَنْ أَصَبْتَ وكَمْ أَسكَتَّ مِنْ لَجَبِ

وكَمْ صَحِبتَ أَخاها في مُنازَلَةٍ

                             وكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ تَخِبِ

طَوَى الجَزيرَةَ حَتَّى جاءَني خَبَرٌ

                             فَزِعْتُ فيهِ بِآمالِـيْ إِلى الكَذِبِ

حَتَّى إِذا لَم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أَمَلًا

                        شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بي

تَعَثَّرَتْ بِهِ في الأَفْواهِ أَلْسُنُها

                    والبُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ

كَأَنَّ فَعْلَةَ لَمْ تَمْلَأْ مَواكِبُها

                               دِيارَ بَكْرٍ ولَمْ تَخْلَعْ ولَمْ تَهَبِ

و"فَعْلَة" هذه هي (خَوْلَة)، أخت (سيف الدَّولة).  وكانت لها في نفس الشاعر مودَّة، بلغت حدَّ زعمهم أنَّه كان يُحبُّها.  ومهما يكن من صِحَّة هذا، فإنَّ عبارة "فَعْلَة" تؤسِّس لنا ما أشرنا إليه في المقال الماضي ممَّا أصبح يُعرف اليوم في دعوات الزَّواج في مجتمعنا المحلِّي بـ"كريمة فلان"، تحاشيًا للتصريح باسم المرأة؛ فلقد بات اسم المرأة "عورة" أيضًا!  على أن التعبير بـ"فَعْلَة" أفظع من التعبير بـ"كريمة"!  ولا مسوِّغ لمحو اسم المرأة؛ لا من الوجهة الاجتماعيَّة ولا السياسيَّة، سِوَى (الحياء) المرَضِيِّ المتوارث من حضور المرأة، في أيِّ سياق، وبأيِّ صفة. غير أنَّ الشاعر قد أساء من حيث توخَّى الإحسان، أو قل: من حيث توخَّى توقِّي اللَّوم الاجتماعي؛ حتى أوشك بكلمته هذه يتحوَّل بقصيدته من رثاء (فَعْلَة) تلك إلى هجائها!  إنَّه القلق المزري أمام المرأة، يفعل فعله، فإنْ خرج شيطانه من الباب وَلَجَ من الشبَّاك؛ كأنه لا مفرَّ منه- في مجتمع فحوليٍّ معتَّق- إلَّا إليه.

ماذا عن "فَعْلَة" أبي الطيِّب؟

لقد كان (أبو الطيِّب) يراعي أنَّه لم يكن لدَى (أبي المِسْك) في (مِصْر)، لتعبق روائح الحُريَّة نِسبيًّا، طِيبًا ومِسكًا، بل كان لدَى (سَيف الدَّولة)، في محيطٍ من الأعراب!  وبالرغم من أن "فَعْلَة" قد حجَّبها شاعرنا في القصيدة، فإنَّ ذلك لم يمنعه من التغزَّل الحِسِّي بها:

يَعْلَمْنَ حِيْنَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمِها

                                ولَيسَ يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ بِالشَّنَبِ

و(الشَّنَب) هنا لا علاقة لها بمعنى: شَعر الشارب، بل يعني: جمال ثغرها وعذوبة ريقه. وإلَّا لو كانت "فَعْلَة" ذات شَنَب بالمعنى الأوَّل لما كان ما كان، بل لما كانت "فَعْلَةً" أصلًا!

ومن طرائف (أبي الطيِّب) أنَّه قد يجمع بين العبقريَّة والحُمق في نَصٍّ واحد!  فأوَّلًا، ما دمتَ، يا شاعرنا، قد صرَّحت باسم أخيها، وأسهبتَ في الثناء عليه، فإنَّ كِتمانك اسم أُخته لا يُقدِّم ولا يؤخِّر.  بل لقد اعترفت أنت بذلك، بقولك: "ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ"!  فأين ستذهب من (العَرَب)، بعد أن كنَّيتَ تكنيةً أفضحَ من التصريح؟! وثانيًا، إنَّ تكنيتك عن تلك الأميرة بلقب "فَعْلَة"، فيه فِعلٌ مسيءٌ للأميرة ولأخيها معًا. ولا يَبعُد أن يُصبِح قولك نبزًا للأمير نفسه؛ فإذا الناس يكنُّونه بـ(أخي فَعْلَة): جاء (أخو فَعْلَة)، ذهب (أخو فَعْلَة)، بدل لقبه (سيف الدَّولة)!  وهذا محتملٌ، من شانئيه، على الأقل. ثمَّ إنَّك تَعلَم أنَّ التكنية لدَى العَرَب لها إيحاءاتها، وهي بهذه المادَّة اللغوية لا تكون إلَّا فيما يُسترذَل ذِكره؛ وتَعلَم تكنية العَرَب بـ(ابن الفاعلة)، مثلًا.  ولعلَّك تعلم أيضًا أنَّ (الأخطل التغلبي)(1) قد عَرَّض بقومٍ ساخِرًا، فقال:

إِنَّ بَني زَيْدٍ مَليحُو الشَّكْـلِ

                       كَمْ فيهِمِ مِن (فَعْلَةٍ) و(فَعْلِ)!

ثمَّ قِلْ لي بربِّك، أهذا مقام التغزُّل بفَعْلَتك، كائنةً من كانت، وأنت ترثيها، وتتظاهر بالحياء حتى من الإشارة إلى اسمها؟!  وأيُّ شاعرٍ يتغزَّل بحُسْن مَبسِم امرأةٍ (فَعْلَةٍ) ميِّتةٍ وبأسنانها وريقها؟!  لقد كان (دُرَيْد بن الصمَّة) أَقَلَّ جفاءً منك، وأكثر حكمة، لمَّا استهلَّ قصيدة رثاء بالغزل.  وكان كذلك (تميم بن أُبيِّ بن مُقْبِل العجلاني)، لمَّا ختمَ قصيدته في رثاء الخليفة الثالث (عثمان بن عفَّان) بالغَزَل، فعُدَّ ذلك جفاءً أعرابيًّا منه، لم يُسبَق إلى مثله ولم يُلحَق.(2)

أمَّا بيتك، يا (أبا الطَّيِّب):

وإِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنثَى لَقَد خُلِقَتْ

                        كَريمَةً غَيْرَ أُنْثَى العَقْلِ والحَسَبِ

فتذكيرٌ بتقنية الاستثناء، التي توقَّفنا عندها في المقال الماضي.  فالسيِّدة المرثيَّة هنا، هي مثل (أُمِّ سيف الدَّولة) تمامًا، ليست بأُنثى كالنِّساء، وإنْ كان ظاهرها يوهم بأنها امرأة!  ولكن- سبحان الله- "خُلِقَتْ أُنْثَى"!  ولله في خلقه شؤون! تخيَّلوا أنَّ "فَعْلَة" المتنبِّي قد خُلِقَتْ أُنْثَى، ومع ذلك- ويا للمفارقة- لَقَد خُلِقَت "غَير أُنْثَى العَقلِ والحَسَبِ"!  ذلك لأنَّ العقل ذُكوريٌّ، أساسًا، حسب فلسفة (أبي الطيِّب)، التي توسَّع فيها من بَعده تلميذه النجيب "فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة": (أبو العلاء المعرِّي) توسُّعًا فاضحًا، في قصيدة الوَأْد، التي سبق أن أشرنا إلى أنها البرهان على أن عقليَّة وَأْدِ المرأة لم تنته بانتهاء العصر الجاهلي، بل استمرَّت- وإنْ نظريًّا وشِعريًّا- خلال العصور الإسلاميَّة، كما يشهد بذلك الشِّعر العَرَبي. 

وفي المساق التالي نواصل تفصيل ذلك.(3)

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1) (1996)، ديوانه، صنعة: السُّكَّري، رواية: ابن حبيب، تحقيق: فخر الدين قباوة، (دمشق: دار الفكر)، 463.

(2) انظر: (1955)، العُمدة في صناعة الشِّعر ونقده، باعتناء: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، (مصر: مطبعة السعادة)، 2: 152.

(3)  هذا المقال جزء سابع من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

 

 

حاتم حميد محسنكتب افلاطون بغزارة، وافكاره كانت إبداعية ومنطقية وقوية. أعماله تشكل حجر الزاوية للعديد من الموضوعات: الابستيمولوجي، الجماليات، الميتافيزيقا، السياسة، وعلم النفس.

اثّر افلاطون ايضا في المسيحية، والتي أصبحت بدورها نوعا جديدا من الدين. لاشيء في الحياة يمكن التعامل معه بشكل منعزل. وراء كل فكرة، او شخص او اكتشاف او اختراع او مشروع شبكة مخفية من الظروف التي قادت لذلك. وهذا ينطبق بقوة على الأكاديمية. وكما ذكر اسحق نيوتن مرة، نحن جميعنا "نقف على أكتاف العظماء". الفلسفة هي كذلك، تقريبا كل مفكريها البارزين قرأوا وناقشوا وتحدثوا عن أفكار مع معاصريهم. أفكار ارسطو كانت جوابا لإفلاطون، القانونية الصينية كانت نقدا للكونفوشيوسية. ديفد هيوم وآدم سمث كانا صديقان حميمان، فولتير وجان جاك روسو كثيرا ما هاجما بعضهما، توماس هوبز كان في مراسلة دائمة مع ديكارت. لذا، من الصعب الجواب على السؤال: منْ كان الفيلسوف الأكثر أصالة؟ لكن هذا لا يعني اننا لن نحاول الجواب.

أصل الشجرة

في الغالب كل قضية فلسفية (في الغرب) تتصدرها مقدمة تبدأ بعبارة، "بدأ في اليونان القديمة". من بين هؤلاء المفكرين الأصلاء، اعتُبر افلاطون هو الأول. هناك عبارة مقتبسة شهيرة من A. N. Whitehead تقول، "أفضل وصف عام للثقافة الفلسفية الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش لإفلاطون". لا شك، هناك بعض الحقيقة في هذا. افلاطون كتب بكثافة، وفي كل من حواراته والجمهورية نجد اسس الفلسفة السياسية، والابستيمولوجي، والميتافيزيقا والجماليات. هو كان عالم نفس قبل ان يظهر مصطلح علم النفس: تقسيمه الثلاثي للنفس الى ايروس (الرغبة) و ثيموس (الروح او العاطفة) و لوغوس (العقلانية) تتطابق تماما مع تقسيمات فرويد الثلاثة الهو والأنا والأنا العليا.

كان افلاطون قد حدد قواعد اللعبة الفلسفية التي كان فيها الحوار والنقاش والديالكتيك والسجال العقلاني هو الطريقة المثلى لعمل الفلسفة. اليوم، نفترض ان الجدال الجيد يجب ان يكون منطقيا، وان معظم الناس وفي أغلب الأوقات يريدون اكتشاف حقيقة الكون (Truth)، وكل هذا يأتي من افلاطون. (من الصعب العثور على شيء مشابه له في التقاليد والثقافة الشرقية).

هناك فقط مشكلة واحدة، وهي من الصعب القول كم كان افلاطون أصيلا وكم كان سلفا صدى للايديولوجية السائدة انذاك في جزيرة البيلوبونيز اليونانية . جميع حوارات افلاطون تحتوي على نسخة قصصية لإستاذه وصديقه سقراط الذي كان تقريبا الشخصية الأعظم حكمة والفائز دوماً في النقاشات. سقراط ذاته لم يكتب ابدا اي شيء (وفي الحقيقة يبدو انه كان يعارض هذا النوع الجديد من الكتابة)، لذا نحن تُركنا نخمن كم مقدار ما نسميه افلاطوني يأتي حقا من استاذه سقراط. ربما كله، وربما لاشيء منه. كذلك، افلاطون يلمح الى فلاسفة فُقدوا لوقت طويل، مثل ديوتيما التي يُعتقد كانت اول امرأة فيلسوفة وحتى معلمة لسقراط. لذا فان العديد من هؤلاء المفكرين "ما قبل سقراط" كتبوا فعلا، لكن أعمالهم ضاعت ولم تصل الينا، لذا علينا ان نثق مرة اخرى بافلاطون والمصادر اللاحقة. (الأكثر أهمية وثراءً من بين هذه المصادر هو كتاب حياة وأفكار فلاسفة بارزين للكاتب ديوجين لارتيوس). ولكن مع فقدان الدليل، نحن مجبرون لإعطاء افلاطون حقه – حتى لو كان فقط اول من كتب الأفكار.

كيف أثّر افلاطون في المسيحية

اذا كانت الفلسفة الغربية والاسلوب الذي تمت به هي فقط "هوامش لإفلاطون"، عندئذ من الملائم القول ان افكار افلاطون تختبئ تقريبا في خلفية كل فيلسوف قرأناه. مفكرون مثل ديكارت ونيتشة وفرويد كانوا اما يجيبون افلاطون او يضيفون الى افكاره. يمكن القول ان ما هو أكثر اهمية من ذلك هو مدى تأثير الإفلاطونية على المسيحية، الدين الاكبر في الارض. آباء الكنيسة الأوائل كانوا غارقين في التعاليم اليهودية والفلسفة اليونانية، الأخيرة كانت يهيمن عليها افلاطون وأتباع مدرسته (الاكاديمية).

أفكار افلاطون عن عالم الأشكال – الذي هو عالم تام اُزيل من عالمنا الفاسد – اتخذت طريقها للعقيدة المسيحية الرسمية. العديد من الافكار حول آثام الجسد الفاني تأثرت بافلاطون. في قصة الكهف، جادل افلاطون اننا يجب ان لا ننغمس في النزوات والرغبات الأرضية (ايروس) وانما يجب ان نتأمل ونتفلسف (اللوغوس). جميع هذه الافكار تسللت الى الكنيسة الوليدة. في الحقيقة، يفتتح انجيل يوحنا بالآية "في البداية كان اللوغس (الكلمة)، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة".

لا يزال معنا

مع تأثير افلاطون على المسيحية، توفرت لدينا طريقة جديدة كليا في عمل الفلسفة او – في هذه الحالة الثيولوجي. المسيحية هي نوع أصلي من الايمان كان نصفه يهودي ونصفه الآخر يوناني. هيمن افلاطون على الفلسفة الغربية لقرون وسيبقى حيا بميراثه في تفضيل الفكر والعقلانية على شهواتنا الدنيوية. تسمية "لاعقلاني" لاتزال تسمية سيئة. وحتى عندما يزحف ارسطو نحو الثيولوجيا المسيحية عن طريق توما الاكويني في القرن الثالث عشر الميلادي وتأثير ثيولوجيين آخرين امثال اوغستين وارينوس و اوراغن، لكنهم لم يتركوا ابدا نفس العمق والتفرد الذي تركته أفكار افلاطون الأصلية.

 

حاتم حميد محسن