 قضايا

سامي عبد العال: الدين والسياسة.. صناعة الكذب (4)

سامي عبد العالمع سقوط الربيع العربي في الصراعات بأشكالها المختلفة، كان الخطاب الديني بمثابة حدِّ السكين. حدٌّ قد قطع كلَّ شريان ثوري مدني في حالتي مصر وليبيا تحديداً، حتى وصل الشأنُ إلى سلطة الإخوان (مصر) ومعارك الجهاد (ليبيا) وحروب جماعات الإرهاب (سوريا). وبدا واضحاً أنَّه قد مزّق أنسجة المجتمعات بين مؤمنين وكفار، مؤيدين ومعارضين، مهاجرين ومتخاذلين. ناهيك عن أنّ الخطاب قد دكَّ برجماتياً أسس الدولة الوطنية من أجل الولاء للأيديولوجيا العنيفة والبراء من تراث المجتمع والسياسة. وبخاصة حين استهدف الخطاب الديني إقامة (دولة الخلافة) على أنقاض الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها. إذ شكلّت مفاهيم الخلافة فوضى الإجراءات السياسية وصياغة الدساتير وظهور الشخصيات والبرامج والخطط المراوغة في التجارب الربيعية الوليدة.

وبإطالة أمد الصراع ذهب المدنيون بعيداً وبقي الإسلاميون في ميادين المعارك سواء أكانت مؤسسات أم برلمانات أم انتخابات أم نقابات. حاولت (قناتا الجزيرة والعربية) تطبيق هذا النموذج على اليمن وسوريا، لكنه فشل. فسوريا أضحت ساحة لصراعات دموية دولية بإمتياز. وبدا اسلاميُوها يعانون سذاجة الإخوان وضمورهم الأيديولوجي. أمَّا اليمن السعيد، فقد تلقفته السعودية بإعتباره معركتها الخاصة ضد التمدد الإيراني في خاصرة الأراضي العربية. وكان النموذج بمصر عنيفاً داخل قوالب الجماعات الدينية، بينما في ليبيا تكونت كتائب مقاتلة تدمر ما يقابلها. كلُّ من ينتمي إليها كان يرتبط بمظاهر الإسلام السياسي وأدبياته في الخطاب والقتال.

والنموذج السابق جعل الخطاب الديني حركياً. وأخذ الأخير يتبلور كسلاح ماديٍّ بالفعل. هنا ظهر أنصار التيارات الدينية المتشددة باستنفار كامل. بل كانوا رابضين باستديوهات الجزيرة والعربية طوال الوقت على أنهم محللون استراتيجيون. وأخذوا يطلقون أهدافهم على الملأ. وكانت الآراء الدينية لاعباً رئيساً في حشود الإخوان بمصر. ولم تخرج الاستراتيجية نفسها بليبيا عن كونها رأس حربة للتحرك على الأرض. طبعاً حدث ذلك تدريجياً: كيف؟

خُميني العرب ومملكة الفتوى

لعلنا نلاحظ أن الخطاب الديني بإطاره الوعظي والإفتائي والتكفيري كان يعلن عن نواياه السياسية، معززاً- عند الحاجة- الحلقةَ الواصلة بين السياسة والوجه الجهادي للدين. لدرجة أنَّ شيوخ قناة الجزيرة قد وقعوا ضحية ازدواجية لا تخطئها العين. هناك على سبيل المثال عدة وجوه وأقنعة ليوسف القرضاوي بين حالة عربية وأخرى، فلم يكن القرضاوي (الشيخ الليبي الشرس) المعلِّق على الأحداث والمستقوِّي على دولةٍ عربيةٍ بالقوات الغربية هو ذاته القرضاوي (الشيخ القطري الهامس) إذ كان يظهر على شاشة الجزيرة في برنامج " الشريعة والحياة" متضرعاً بأكُف النصيحة والدعاء للأنظمة الملكية والأميرية. وهذان القرضاويان الاثنان يختلفان عن يوسف القرضاوي (الشيخ المصري الحركي) الذي أَمَّ الثوار المصريين في ميدان التحرير بطريقةٍ رمزيةٍ مرتدياً عباءة "خميني العرب". فمن كان هو يوسف القرضاوي حقاً، أهو الليبي أم القطري أم المصري أم ماذا بالضبط..؟!

أما سبب تناقض أقنعة القرضاوي، فهو (الموقف الوظيفي) الذي يتبناه بغطاءٍ من آرائه الدينية المؤدلجة. ومع أنها أقنعة قد تتغاير من وضعٍ إلى آخر، وتنقلب نقيضاً إلى نقيضٍ على مائدة أمير أو ملك، لكنه الموقف نفسه الذي تماهى دون تردد في الحالة الليبية مع مواقف القوي الغربية. وبذلك شرّع فقهاء الفضائيات على طريقة القرضاوي (خميني العرب) بأن يكون الخطابُ السياسيُ خطاباً دينياً. أقصد خطاباً وظيفياً له مرجعية الحقيقة الدينية التي يؤمِن بها المسلمون كافةً. وبهذا تتخذ كمرجعية تنسحب عليها أغراضٌ سياسية وإعلامية. وقد حدثت بشأن منح القرضاوي حق العمل على الأرض لقوات التحالف في الشأن الليبي وفي غيره من دول.

وهذا يذكرنا بالقول الشهيرة: " أعطى من لا يملك لمن لا يستحق " مع مراعاة فروق السياق والتوقيت. أما الأخطر فهذا الخطاب الديني مثلّ صكاً ممنوحاً لقناة الجزيرة وغيرها لممارسة الكذب بالمعاني السالفة. أي كان صكاً أيضاً للتلاعب بعقول المتابعين ورسم واقع ليس هو الواقع بالمعنى الفعلي. الأمر الذي استغلته جيداً في التعليق والتحريض الممتد على مدار الساعة. منذ أنْ أعلنت ضرورةَ التخلص من النظام الليبي كاشفةً عن خريطةٍ أخرى للأحداث والمآرب. وبذلك سعت شاشة الجزيرة لإقرار المشروعية نفسها عسكرياً من الداخل والخارج. وحرصت على نقل المؤتمرات مع إبراز الآراء التي تؤيد موقفها وتدعم جوانب تغطيتها.

وقد فهمت الحشود العسكرية والجهادية المتواجدة على الأرض رسالتها بدقة، فأخذته هي الأخرى كبرنامج عمل حربي. وما كان من محللي فوضى الحشود والاشتباكات سوى تحديد المعالم وتوفير الخطط العسكرية للتغلب على الخصم. ولعبت الخبرات التي استضافتها الجزيرة دوراً ليس باليسير في شرح الموقف حين يتأزم. أمَّا المراوحة بين التعليق الديني والسياسي، فكأنّ الجزيرة تحاول رفع الروح المعنوية وإلهاب حماس المجاهدين على الجبهات. وخطابها بذلك كان يمثل لحظة نادرةً لصهر الخطاب والتصورات التي يتم العمل بها على الأرض.

لنتذكر عبر هذه اللحظة ذوبان الدينُ شبه التام في آتون السياسة. فلم يعُد له أي وجود مستقل، بل وعلى خلفية الأحداث والمواقف اتجهت السياسة "غربيةً وعربيةً" لأن تشكل عالماً بدون إلهٍ. فعلاً طبقت هذه السياسة البرجماتية المتناقضة عبارة نيتشه "الإله قد مات" . لقد أعلنت تأليه رموزها في محاولة لأخذ مكانه في خضم الأحداث. ففي غياب الإله يصبح كلُّ شيء مباحاً. وطالما أنَّ كلَ شيء مباح، فأولى بالفضائيات أنْ تكذب ثم تكذب وتكذب. على أساس أن أصدق الوقائع إعلامياً أكذبها، بطريقة الشعراء العرب القدامى" أصدق الشعر أكذبه" .

والمنبع المتفرع عنه ذلك واحد: ذلك التراث الثقافي الذي يغذي الخيال العربي شعراً وإعلاماً. إنه ثقافة التصحر حيث يمثل السراب الواحة الدائمة للأذهان والمؤامرات، سراب يعشش في الأدمغة والمفاهيم. ولأنها قنوات مسيّسة تحتاج إلى التشويق والإثارة، فقد جعلته آلية لغوية. وهي تعلم أن المشاهدين متحمسون بأرجلهم وأظافرهم وأنيابهم لرسائلها. ثم إن أنماط الممارسات السياسية العنيفة خلقت وضعاً لمشروعية دولية للتدخل على الأرض مختلفة عما ألفناه من مشروعيات. وأعتقد ضمن هذا لم تتورع شاشة الجزيرة عن استغلال رمزية الدين في ممارسة القمع المتواصل لكل ما يُضادها رأياً كان أم خطاباً. وهنا إذا أردنا أن نوصف الخطاب الديني فإنه إقرار لطقوس سياسية عنيفة لا تختلف عن أية نحلة عنصرية من هذا القبيل.

ومن ثمَّ كان الدين هو دين السياسة على لسان القرضاوي وعلى الصلابي وعائض القرني وصولاً إلى مانعي المظاهرات وأصحاب الافتاء السياسي كمشايخ السلاطين والإمارات والممالك الخليجية. ولا سيما أنَّ القوة الأمريكية، وهي القوة المهيمنة عالمياً، لا تعترف بأية قوةٍ غيرها. وتتوفر على كم هائل من الاحتماء اللانهائي بذاتها المتضخمة، كما لو كانت سراً مقدساً. هذا السر الذي سرعان ما ينفتح لمن هم من الأحبار والمريدين ورؤساء المنظمات الدولية الموالين لها. وهم في وضعهم هذا يُكّوِنون طبقةً من الدول التي تتعبد في محراب "القوة الأكبر" بحماية المحور الدولي للتحالف.

هكذا كانت تتواتر المشاهد المتلفزة، من داخل الاجتماعات والمؤتمرات وحلقات النقاش والجلسات الطارئة للأحلاف الإقليمية إزاء ليبيا. رسمت الفضائيات تلك الصور عبر إطار شعائري لإيقاع الخوف والترويع في روع الشعب العربي قبل الشعب الليبي. ثم بدورها غلّظت وسائط الإعلام تهديدات الأحلاف والهيئات الدولية، من خلال تلاوة القرارات التي تستند إلى قدرات متخذيها فقط. وفي العادة، كانت هناك القوة الأكبر - أمريكا كما أشرت - لتتحلق حولها كافة الأعين، ولتتعلق بها كل الآذان. وقد جرى هذا على شاشتي الجزيرة والعربية من خلال قُدّاس سياسي ديني. يعلن ضمنياً على الأقل عن تبادل الحدود وظيفياً بين الخطابين الديني والسياسي. وهي الحدود نفسها التي ترامت لتوعز من قبل البعض إلى إمكانية تحريك قوى دينية نائمة في جغرافيا العالم الإسلامي لتأجيج الصراع.

وسواء أكانت القوة المقصودة جماعات، كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية المقاتلة، وحركات كالجهاد أو شخصيات إسلامية، فإن هناك أمراً فُهِمَ بالتخاطر السياسي (لا الديني). أمر مفادُّه: ضرورة الإسراع بانتهاز الفرصة السانحة سعياً للانقضاض على النظام الليبي. لقد تعددت الأسباب والاتجاهات، وظل الهدفُ واحداً: الفوز بالغنيمة البترولية التي لطالما سال اللعابُ حولها. وفي حينه كان عبد الرحمن شلقم (وزير خارجية ليبيا آنذاك ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة) قد لخص - باتصال هاتفي على شاشة العربية- خطورة الهدف وأهميته بضرورة طّي الوقت طيّاً لمحاصرة القيادة الليبية من جميع النواحي. ثم ذكر عبارةً دالةً: هذه فرصتنا الأخيرة يا إخوان!! كأنه يقول كم رتبنا لهذه الخطوة، وأدرنا رؤوسنا متقلبين شمالاً وجنوباً بحثاً عنها. وهاهي الفرصة سانحة الآن، ونحن على استعداد للتحالف مع الشيطان لبلوغ المرام مع أهل الغرام بالسلطة والنفط!!

اتفق هؤلاء وأولئك كقوى بديلة في المشاهد نفسها مع مضمون دين السياسة الجديد، وخدم الفقهاء أهدافه بكل إصرار وترصد. فلم يعودوا خدماً للشرائع السماوية، بل كانوا سدنة لأمراء النفط والغاز والأحلاف العسكرية. وبذلك غدت "مملكة الفتوى" أكبر أثراً من كل ممالك الصحراء. بل أمسينا نرى عمائم أزهرية تحمل في طياتها سيادة الأمراء والسلاطين والرؤساء وأصحاب الفخامة والسمو. وبحجم فتواها الوظيفية كان ومازال يتسع سلطانهم الجغرافي إلى أقاصي الأرض أو أدناها. وعلى إثر ذلك الحال الهذلي، كان أجدى افتتاح علم جديد بمسمى "علم خرائط الإفتاء السياسي" . وهو علم أحى به أن ينقب في الكتب السماوية الخاصة بالأمراء عن مآرب السياسة وحقول النفط. من أجل ضخ الطاقة السياسية في أنوف حكام العرب والغرب على السواء. وهو علم جيو ديني بوليتيكي، يتذرع علماؤه بالمناشدات المسبوقة بالأسماء والصفات الإلهية وكذلك بالدعوات الباكية المتضرعة لإسقاط الأنظمة الحاكمة. وبهذا الهدف النبيل لا مانع من إطلاق اللعنات المرسلة عن بعد لملاحقة قيادات الدول المارقة!!

وبشأن ليبيا لم يتوان هؤلاء المشايخ عن تطبيقه بكل ممالأة وتواطؤ. فلم يستنكفوا الظهور في أي وقت من الأوقات على صفحة الشاشات الفضائية. ولعبوا دوراً مهماً من الناحية الاستراتيجية في تعجيل الضربات الموجهة إلى المدن الليبية من أجل حماية الشعب. واعتنى كلٌّ منهم بتحقيق أهدافه عبر الطريق الذي يعطيه السند الديني من وجهة نظره. واستدعى كل منهم صوته البراق، ونغمته المتوافقة مع مريديه المنتظرين للتمتمة الإلكترونية، فضلاً عن إطلاق الآهات والزفرات والنظرات المصحوبة بالتحليق في الأفق البعيد انتظاراً للمجهول.

وبالتزامن مع هذا الوضع ضمن مشهد آخر، ظهر بابا الفاتيكان متحدثاً من علٍ. يوجه الكلام إلى رعاياه عبر نافذة الوعظ والتراتيل بأحد المباني الكنسية. حيث نوه مشدداً على قوات التحالف الدولي أنْ تتوخى الحذرَ من جهةٍ، وأن تطبق قرار مجلس الأمن تطبيقاً أميناً يؤدى إلى حماية المدنيين من جهةٍ أخرى. ولا يخفى على قارئ أن هذا الظهور البابوي لم يغب عن تاريخية الصراع بين الخطابات الدينية، التي بقت فاعلة في السياسة منذ العصور الوسطى. لأنَّ هنالك مشروعيات قديمة، كان يحركها رجال الدين ويتبناها الساسة، لأجل إنقاذ المقدسات.

على هذا الإيقاع التاريخي تناهى إلى أسماعنا من طرف فقهاء الدولة الليبية المحليين مصطلح " الحرب الصليبيةcrusade ". أطلقوا التعبير كتوصيف غير مباشر لعملية التدخل الالحاصل في دولتهم. حتى يلتقي مع دلالة هذا التحالف الغربي بتراثه الوسيط. إذن أُطلق المصطلح بالتحديد لكي يفهم كل متلقٍ ما هي الممرات والدروب الخلفية للصراع بين الغرب والشرق. وبالتالي سيكتسب أي تحرك عسكري ضد النظام الليبي بعضَ رواسبها على الأقل. والمصطلح دعوة لمعارضي النظام للإفاقة من التخدير الإعلامي المضاد بحسب هؤلاء الفقهاء. ونوع من التميمة البلاغة لدفع العدوان الغربي كما دفعه قديماً قادة العرب والمسلمين. حقاً دلل الموقف على إمكانية وجود خطابات دينية مسيحية و إسلامية (بالفعل أو برد الفعل) تسير في نفس الآفاق. وتجدد نفس الحالة بصدد الدفاع أو الهجوم أو تعبئة الوعي العام مع سير الأحداث. لقد برهنت على رسم حدود ميدان خيالي متوسطي (البحر المتوسط) للنزال العسكري. وهو ميدان يشبه ألعاب الإعلام والوسائط الإلكترونية. لكنه يقف على تربه بركانية ملتهبة بالصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.

من جهة أخرى، لم يغب الخطاب الديني اليهودي عن التغطية الإعلامية. فقد ورد كخبر وسط حمأة الأنباء المتلاحقة عن ليبيا والربيع العربي مؤداه أنَّ إسرائيل تزمع في بناء مستوطنات لليهود داخل الكتل السكانية العربية. وتم ترديد الخبر نفسه على القنوات المحلية الليبية. وهو بوصفه خطاباً استيطانياً قيد التنفيذ، فقد أفرز مشروعية التدخل لاستكمال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وكما قال معلقو النظام الليبي استغل انشغال العالم بالمسألة الليبية، ليقرر أن هناك مخططاً يهدف إلى توغل المساكن اليهودية داخل الأحياء العربية الفلسطينية. في خطوة لافتة لتفكيكها وهضمها وامتصاصها داخل بطن الدولة اليهودية.

جرى الموضوع حينذاك بدعوى حماية اليهود من جيرانهم المقهورين. وبالتالي يصبح حق التدخل و بالأدق حق الاحتلال مشروعاً في أي وقت. على طريقة مسمار جحا الذي تركه في بيت باعه لآخر. غير أنه لم ينقطع طوال الأيام والأسابيع عن زيارة البيت للاطمئنان على المسمار، أين المسمار وكيف حاله وهل ظل ثابتاً أم لا؟! ومن مرة يتأخر فيها جحا داخل البيت ليتأكد من وجود المسمار إلى أخرى يتلكأ فيها متعللاً بإلقاء النظرة الأخيرة عليه، استطاع استعادة البيت كله مرةً ثانيةً. أخذ البيت بعد أن فاض الكيل بصاحبه من زيارات حجا المتطفلة، فتركه بجميع مساميره وذهب دون رجعة. وعلى الرغم من أن هذا النمط من الخطاب الديني بعيد بحكم سياقه المغاير إلاَّ أنه يكشف عن طبيعة "دين السياسة" العالمي. إنه فيما يتصور مؤيدو النظام الليبي خطاب " النموذج " القابل للتكرار عبر سياقات سياسية أخرى. وما تصرف قوى التحالف إزاء ليبيا إلا تطبيق له، ونتيجة تجري على منواله...أو هكذا يريد الإعلام المحلي أنْ يقول.

لاهوت العلمانية

هنا ينبغي التأكيد على الانحراف والتخليط في معنى العلمانية السياسية، تلك المهتمة كما يُزعم دائماً بالمصلحة والنفوذ والقوة فقط. فهذه العلمانية عن طريق القوة ليست ارتباطاً بالعالم والعلم والإنسان على ما تظهر مفردات كهذه في الممارسة السياسية. إنها إقرار لسلطة فوقية بديلة تحتل مكان المشروعية الدينية. وذلك اُستعمل أيضاً لإحداث مشروعية سياسية قافزةً فوق سيادة الدول وحقوقها مهما كانت خصوصية المشاكل التي تتورط فيها.

يتفرع عن التأكيد السابق أنَّ الابتعاد السياسي عن الدين بالمعنى الطقوسي جعل هناك متسعاً لممارسة نفس المضمون، لكن في شكل إنساني متطرف وعدواني. بحسب الاعتقاد السائد أن حالة العالم محكومة بهيمنة القطب الواحد. هكذا أصبحنا نرى قوى سياسية تتحدث بلغة الخطاب الديني في مصطلحات سياسية وأخلاقية، وتطرح مشروعات ديمقراطية عن طريق مؤسسات عابرة للحدود بهدف التهذيب والإصلاح الكونيين لبعض الدول المارقة، لكن تهذيب لمن وإصلاح لمن؟!

مبدئياً هي قوى عولمية تجوب أقاليم العالم وقاراته دون سقفٍ حقوقي أو قانوني. إذ تُطرح هاتين المحاولتين لتهذيب وإصلاح شياطين العالم وأشراره (دول محور الشر كما أصطلخ عليها الأمريكان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألفين وحادي عشر). حيث وضعتهم نصب أعيُنها الكونية نتيجة اقتناص مصالح أو شن حروب استباقية كما فعل بوش الابن. وقد نُظِرَ إليها- أي لتلك الدول- باعتبارها خارج الإيمان بالمبادئ والقيم الغربية. والقول نفسه تردد كثيراً على لسان الرئيس الأمريكي أوباما، وتردد في خطابات عدد لا بأس به من الساسة الغربيين، الذي يعلقون على سير الأحداث في العالم العربي. لقد جاء القول السابق في صورة عبارة تشير إلى الإسلاميين المتطرفين هكذا: " الذين لا يؤمنون بالإنسان ولا بروح الحضارة الغربية ". ولندقق النظر في أنَّ هؤلاء الساسة يستخدمون مصطلح الإيمان- الذي ظل مميزاً للتجربة الدينية- بالمعنى السياسي، فبات من حينه يقرر المعاني الدنيوية الأخرى ويطفو عليها.

كانت وسائل الإعلام هي الأداة الباطشة لكل من يقف في وجه هذا التيار المتشدد، بل لم تترك القوى الكبرى وبخاصة أمريكا فضاءً عالمياً دون أن تثبت خلاله تلك السلطة القامعة. وأمام الفضاء العربي الإسلامي استطاعت أن تُحرِك داخله الفاعلين المحليين من مشايخ وإعلاميين ورجال سياسة أنصاف ببغاوات ورؤساء منظمات إقليمية. فهؤلاء دون وعي عبارة عن قطع غيار في تروس آلة مهيمنة على العالم. ولا يغرُب عن بالنا أنّ أكثر المجالات- كالفتاوى والخطاب الديني- بُعداً عن الاتصال المباشر بتلك القضايا العالمية تخدم عن إلتفافٍ ومناورة أهدافاً ومصالح حيوية لهذا الاتجاه. لأنها تتم من خلال وسيط خطابي توليفي يُؤخِر ويُقدِم ويُعيِد إنتاج المشاهد إعلامياً.

لعلّ هذا ما دفعني للقول إن بعض القنوات العربية تكثف الاتجاه العالمي الغالب على نحو لا مثيل له. وتدعم رؤية الأخيرة بصدد القدرة على الاحتواء والاستعمال غير المباشر للموارد الدينية كالمذاهب والرموز والتنظيمات الحركية التي تصب في الإطار العام. حتى ولو كانت تلك القنوات تغذي في الظاهر مصالحها القصيرة. فليس بن لادن والقرضاوي والقرني سوى مساهمين فاعلين في إمداد الفضائيات بالذخيرة الدينية الحية – مثل الأحكام والأحاديث والفتاوى والأحاديث اللاذعة على اختلاف مشاربها من جهة الرؤية والمنطق والنتائج- لقصف من يناوئها. من هذا الجانب لم تكن الفضائيات محايدة على الإطلاق.

إن هناك توظيفاً مضاعفاً عن طريق الوسيط الإعلامي بفضل مونتاج خطابي خاص بالعقل السياسي والأحداث الجارية. هي تضاعف تبرير التدخل في الشؤون الخاصة بدولة من الدول، فتصبح كل وحدة خطابية من عبارات وشعارات لها ترتيب معين، ولها مساراتها التي تستنطق ذهنية المتلقي، بما يتواءم مع الهدف غير المعلن. وإن كان الوضع (في المسألة الليبية) هدفاً معلناً بوضوح: تدمير قدرات الدولة وانتهاك سيادتها!! لكن أُخفيت سلسلة الأهداف التالية.

من ثم لم تكن فتاوى القرضاوي ولا حوارات الصلابي ملكاً لهما بتلك الطريقة. بدليل أنَّ قناتي الجزيرة والعربية ما إنْ طرحتا هذه الخطابات حتى كانتا تشددان على دلالةٍ أخرى في تفاصيل الأحداث، دلالة كانت تلتحم في الأفق العام مع ما يقوله براك أوباما وساركوزي، وتؤيد ما يعلنانه من خطط عسكرية لضرب القوات التابعة للدولة الليبية. الفرق أنَّ القرضاوي والصلابي كانا يرتديان عمامتين شرقيتين. واتساقاً مع ذلك كان المنتظر أن يخلعانهما على الرئيسين الأمريكي والفرنسي. لكن القاعدة المنطقية تقول: إذا توحدت المصالح تشابهت المواقف، بل تطابقت الأفكار تماماً.

وكان و مازال السؤال يجري بالطبع حول: أيةُ أيدٍ كانت تعبثُ بفكرة الحق والمشروعية لإسقاطها على الواقع؟ مهما تكّن الإجابةُ التي حلحلنا خيوطها إلى الآن. فالقراءة السابقة أبرزت عدة نقاط بصدد المسألة الليبية:

1- لكم صاغ الخطاب الإعلامي (للجزيرة والعربية والحرة...) مشروعيةً للصور المبثوثة التي لم تمت للواقع بصلة. و قامت هذه الشاشات بتكرارها حتى تتعلق بخلفية المتلقي، وتشكل متصلاً للاستنتاج البصري المتتابع أمام تطور الأحداث بل كانت تحاول أن ترمي إلى الأمام منها لتغطية المستقبل. وبخاصة إذا كان الإعلام يتبنى أيديولوجيا مسبقة تناوئ موضوع التغطية. كما تم إخفاء وجوه أخرى للصراع على الأرض، بينما جري التأكيد على وجه معين فقط على مستوى التحليلات واللقطات الجزئية كي يكون التصور المشوه والراجع شاملاً في المقابل.

2- لعب هذا الخطاب ذاته على وتر المشاعر عن طريق تكرار المشاهد المُخيفة نتيجة الصراع الدموي بين النظام والمعارضين. كي يُقنع المتابع بما يراه على أنه الواقع الحقيقي. وهذا لون إعلامي يذهب عادة خلف صور مثيرة بصرياً، حتى ولو كانت دامية، لتنال قدراً كبيراً من التعاطف. ينجرف المتابع إلى هذا لأنَّ هناك تماثلاً في الشعور الإنساني تجاه صور القتل والرعب من مجمل الناس. وهذا احتاج من قناتي الجزيرة والعربية وغيرهما إلى أسلوب القص واللصق البصري، وإدخال مشاهد مكان مشاهد أخرى مع اختلاف التعليق، مع نزع الكلمات والعبارات من سياقها ووضعها في سياق آخر. كما حدث مع خطاب الرئيس الليبي في الساحة الخضراء، الذي تم اجتزاء جملة منه مثل قوله: "إذا كان الشعب الليبي لا يحب معمر القذافي فلا يستحق الحياة".

فعلى الرغم من أنَّ الزعيم الليبي قد أكد آنذاك على مضمونها مرة أخرى في الخطاب ذاته كالتالي: " إذا كان الشعب لا يحب معمر القذافي، فإنَّ معمر القذافي لا يستحق الحياة "، إلاَّ أنه تم استنطاق هذه الجملة في حينها- على هيئة خبر عاجل أسفل شاشة العربية- بما يفيد: أن الشعب الليبي ذاته لا يستحق الحياة في حالة عدم حبه لقائده المفدَّى. وبالتالي استناداً إلى هذا التحريف الخطابي، أصبح المجتمع الدولي أمام حالة للإبادة الجماعية وإهدار حقوق الشعوب، بينما منطق العبارة بحسب ما كان يقول صاحبها: أنَّه هو نفسه كحاكم لا يستحق الحياة .. ذلك على قاعدة أنَّ الشعب هو مصدر الحياة لزعيمه ومنه يستمد وجوده ومشروعية بقائه.

3- تمَّ انتزاع التصريحات من بعض المسؤولين الدوليين لإدانة الأثر الحاصل نتيجة صور القتل والتدمير دون معرفة مصدرها الفعلي أو التحقق منها. في هذا المجال كان انتقاء هؤلاء الشخصيات الواقعة على رأس المنظمات العالمية والإقليمية فاعلاً في توقع ما هو قادم (أو بالأحرى التنبؤ بما سيحدث). بل وصل هذا الأسلوب إلى أكثر، جرى دفعه في الاتجاه الذي تتبناه القناة الفضائية كالجزيرة التي كانت فاقعة الإيغال في هذا المنحى. وضح ذلك جلياً بصدد القرارات السريعة التي كانت قد اتخذتها جامعة الدول العربية بشأن تعليق عضوية ليبيا، وعجلت بقرارات الإدانة التي ما إنْ وصلت إلى مجلس الأمن حتى استحالت إلى إجراءات عسكرية رادعة. وذلك بناءً على تقارير إخباريةٍ غير صادقة، وبفعل ما شاهده وسمعه عمرو موسى أمين الجامعة العربية وأعضاء مجلس الأمن دون أن يتقصوا الحقائق.

4- إعلاء نبرة التحريض الذي يواصل مفعوله كلما خبا أوار الصراع المسلح على الأرض، أو كلما رأت القناة أحداثاً هادئة هنا أوهناك. وشمل التحريض بالنسبة للجزيرة مثلاً الاستعانة بمن هم قادرين فنياً وعسكرياً على رسم الخطط والاستراتيجيات التي تخرج الطرف (المتمرد) من مآزق عملية أو إعلامية. وفي الوقت نفسه تم التكتم على الآراء والوقائع التي لا تنتظم وفق هذه التغطية. وإذا كانت تلك الآراء مؤثرةً، فكانت تُعطى لها مساحة ضيقة وهامشية، عادةً ما يقطعها مقدم البرنامج استعداداً لجولة قادمة.

5- كان التوسع واضحاً في فقه الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي (أي الفقه الوارد على الشاشات وعبر الواقع الإفتراضي)، حتى كاد يُلامس حدود وإدارة المعارك على أرض الواقع، وكاد يدس أنفه في كافة المواقف والتفاصيل المؤيدة والمدعمة لجانب الطرف الثائر (المعارضين)، ثم سرعان ما كانت تُعممّ الفتاوى دون حساب الآثار والنتائج التي تشكل جانباً مهماً لمقاصد الدين. فعلى سبيل المثال هناك قول مأثور دينياً يدحض هذا المنحى: " درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".

وبالمناسبة هو قول مهم على مستوى التشريع. لأن الأساس في الفتوى ليس تمتع الفعل الذي تفصل فيه بالحلال أو الحرام فقط كمبدأ صوري، لكن أيضاً أن ترتهن باستشراف النتائج المترتبة عليه. وذلك بفضل الآثار المترتبة على إمكانية ظهور المفاسد وإمكانية استفحالها وإن كان المدخل إليها من باب المصالح الوقتية المقبولة. ولعلَّ هذا ما قد يبطل فعلاً مباحاً في حالة إذا قاد إلى النهاية الفاسدة نفسها. وبالتالي تبطل الفتوى بدورها ولو كانت صحيحة إذا اسفرت عن مفاسد. غير أنَّ هؤلاء المشايخ يطلقون العنان لكلماتهم من غير التفكير في العواقب ودون دراية بطبيعة المجتمع الليبي ولا غيره من المجتمعات.

في المحصلة كان ومازال (دين السياسة أو السياسة كدين) عبارة عن إقرار " الواقع الافتراضي" البديل الذي تبثه الفضائيات المؤدلجة، والسعي للبحث عن فرضه على الواقع فرضاً. ولذلك كثيراً ما تضم صناعة الكذب جميع الأنماط من تحليلات وخطط استراتيجية وآراء ملفقة وتوظيفات. وهي آراء قد تكون مأخوذة بالتماثل بين حالات في دول أخرى كمصر وتونس، ولكن لم يرضَ الخطاب الاعلامي بديلاً عنها في المجتمع الليبي، رغم اختلاف سياق المجتمعات المتجاورة. والحق أن السياسات العسكرية وُضِعت بمصاحبة الإعلام أصولاً للاهوت التحريم والتحليل المصحوب بالخطط والتحركات. ولجأت إلى تثبيت قوى عليا ناسجةً حولها مجازات الخوف والرعب والتدمير. نتذكر في هذا الشأن مصطلحات غربية لم تبرد دلالتها مثل:"أسلحة الدمار الشامل"، "الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية، "الصدمة والرعب" التي تعبر عن هذا العالم المرعب.

 

د. سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5522 المصادف: 2021-10-18 01:51:31


Share on Myspace