في الحلقة الماضية كنا قد تحدثنا عن طبيعة الملازمة بين - الأمن والاقتصاد والواقعية السياسية -، وقلنا هناك بإن الواقعية تفترض المقاربة والاتساق وترفض الفصل والتبعيض لأي سبب كان، وفي نفس السياق هذا سنواصل البحث ولكن من وجهة نظر الكتاب المجيد اعني: - (الواقعية البنيوية) -، التي ترفض الفصل والتبعيض في هذا الشأن أيضاً، وتبني تصوراتها ومفاهيمها على وحدة المضمون، وقد أتنا الكتاب بشاهد إثبات على ذلك من أجل التوكيد وزيادة الإيضاح حيث قال:

(الذي أطعمهم من جوع وامنهم من خوف) – قريش 4، والجملة الخبرية هذه وردت في صيغة البناء للمعلوم، والضمير فيها يدل على التوكيد، وتقديم الاطعام على الأمن فيها ورد من باب المسامحة، وموضوع الجملة جاء في مقام جواب الدعاء الوارد بلسان إبراهيم النبي حين قال: - (رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق أهله من الثمرات) – البقرة 126، ودلالة هذا في سياق الكلام واضحة على سبيل الاستغراق في طول الزمان والمكان .

ومادة الأمن في الكتاب المجيد تدل على الثقة وعلى الشعور بالاطمئنان، لذلك وسع اللسان العربي دائرة الاشتغال بها لتكون مصدراً وصفةً واسماً وفعلاً، وهي في الأحوال كلها تكون نقيضاً للخوف أو ما يقابله، ودلالة الوصف فيها تعني حفظ الكيان المادي والمعنوي، وكونها أداة ووسيلة في التعبير تكون دالة على معنى القوة الذاتية، والقوة الذاتية: - هي القوة الطبيعة التي تكون للمجتمع وللدولة في الواقع - .

وقد رتب النص استنتاجه على هذا بلحاظ ما وجده من فاعلية وقابلية في قوة الاقتصاد وقوة الأمن، مضيفاً إليهما ما يقوم به الفاعل السياسي من كسب للقوة عبر: - التحالف مع الغير جلباً للمصالح ودرءً للمفاسد -، وهذا هو المضمر في لسان النص والذي ركز عليه في مجال طبيعة العلاقات الواجبة .

إن متلازمة - الاقتصاد والأمن - في الكتاب المجيد تكون أكثر حضوراً في مجال الحماية وفي تحصيل القدرة من مصادرها، وفي ذلك غطاءً شرعيا وقانونيا للدولة ولوجودها وهيبتها وسيادتها على كل الصعد، ولا يفصل الكتاب المجيد بين مفهوم الدولة وبين مفهوم القوة، فالثروة وحركة الفاعل السياسي عناصر للدولة وقوتها (في الفضاء العام)

ولا يفصل الكتاب المجيد كذلك بين قوة الدولة وبين عناصر الحسم فيها، ولا في سلوكها مع الأخرين .

وحدة الأجزاء:

مفهوم الوحدة في الاصطلاح يعني الجمع غير المتفرق، وقيل: هو الجمع الواحد الذي لا يكون لا على نحو الإكراه والتعسف، حين يتوفر الوعي الطبيعي لهما في الملازمة بين - الامن والاقتصاد - وفي طبيعة وجودهما، والذي هو بحسب الوضع: - عبارة عن مركب أجزاء - بشرط عدم الانفصال ذاك الذي يؤدي للانهيار والسقوط، وعدم الانفصال لدى ارسطو: - هو وحدة كل جزء مع الجزء الأخر، وهكذا نفهم معنى الوحدة في عناصر القوة الوطنية ومقوماتها، والحصر ممتنع هنا، أعني حصر القوة عسكريا سببا أو اقتضاءً .

أقول هذا: بعدما كشف لنا - فايروس كرونا - عن ضعف القوة العسكرية في مواجهة هذا الفيروس، وهشاشة ما تدعيه القوى الكبرى في هذا المجال، وكيف خسرت الصين الرهان مع ما لديها من قوة في هذا المجال، ومع ما يوفره لها نظامها الشمولي من القوة وعناصرها، ولكنه فقد الحصانة في مواجهة هذا الفيروس اللعين ولم يستطع الحد من تأثيراته ونشاطه، والأمر نفسه نقوله في شأن الدول الصناعية الكبرى التي عجزت هي الأخرى في مواجهة قوة الفيروس الخفية المرعبة، يقول إغناتيوس: - كشف لنا الوباء عن كذبة نظامنا وهشاشته، وعجز أجهزتنا الصحية والدوائية -، وهذا يعطينا انطباعاً موضوعيا بأن الدول التي تمتلك القدرات العسكرية الفائقة لم تكن ولن تكون في مأمن من الخطر، ولهذا وجدنا العجز والانهيار في المرافق الاقتصادية والاجتماعية لكثير من الدول مما يدل هذا على خطورة الفكر الذي يسعى له بعض دعاة الحرب، لقد كان كيسنجر واضحا حين قال ذات مرة: - بانك قد تربح الحرب ولكن قد تخسر نفسك -، وتحليلنا هذا ينطلق من مشاهداتنا اليومية لما يجري في العالم وفي مجتمعات الدول الصناعية الكبرى، لقد كانت بعض الممارسات من السوء تجاه العجزة وكبار السن دليلا على طبيعة العقلية الخطيرة التي يتسم بها البعض، مما يجعلنا أكثر حذراً في رؤيتنا للمستقبل على المدى المنظور فيما لو طال أمد الأزمة الحالية .

أن العقلية السائدة اليوم تذكرنا بتلك العقلية التي كانت عليها النخب السياسية قبل الحرب العالمية الثانية، وذلك ناقوس خطر يدعونا للخوف على طبيعة التكوين الديمغرافي والتعايش الاجتماعي، وهذا يدعونا لتصديق تلك المقاربة التاريخية التي تقول: - إن حجم الإنفاق في المجال الأمني أبداً لن يكون البديل، عن التحليلات ومراكز الأبحاث التي يقوم بها متخصصين في مجال العلوم والبحوث الاستراتيجية -، ولهذا نرفض مبدأ الاختزال الذي تعتمده النظم الشمولية والامبريالية في نظرتها للمستقبل، ونرفض تركيزها على القوة المحضة، والتي تأتي في المقام الأول عند صناع القرار الدوليين، أن نظرتنا للقوة وما تشكله موضوعيا في الجهد الأحيائي لا تتعدى من كونها وسيلة أو باعتبارها سلوكاً محفزا ليس إلاّ، لهذا قلنا بان ما ذهب إليه أرنولد ولفارز لا يخلو من مخاطرة حين اعتبر: - القوة هي القدرة في أو على دفع الآخرين (نحو عمل ما يریدون ومنعهم من عمل ما لا يریدون) -، لأنه في ذلك خلط ما بين القوة والتأثير، فالقوة موضوعيا هي القدرة في أو على تحريك الآخرين -، ولكن التأثير ليس كذلك، وإنما هو مجرد ترتيب في سُلم الأولويات والمفاهيم وليس هو ذاتها، وفي الحلقة الأولى كنا قد اعتبرنا:

القوة هي الفاعل الحيوي في صناعة الحدث وهي الموضوع الذي يرجع إليه، في ظل المتلازمة المتحركة التي قلنا بها وفقا للطاقات والامكانيات، وهي ذاتها التي تحفظ للدول قيمتها وهيبتها، مع القيد التالي: - ان دول العالم الثالث تعتبر قضية القوة عندها مرهونة بما لديها من موافقات، يحددها لها الغير دول ومنظمات ومؤوسسات -، ولعل لدول مجلس الأمن السهم الأكبر في ذلك، ولا يخفى ما لهذه المؤوسسة من هيمنة وسطوة على القرار الدولي والتحكم فيه، ودول المجلس ابدا لا تبالي بمصالح وحقوق الدول الضعيفة والفقيرة من العالم الثالث، وإنما تفرض نوعا من الشروط والاجراءات المجحفة .

يقول جميس براون في مداخلته بمجلس العموم: - ان اهتزاز ثقة العالم بالنظام الدولي، جاءت بفعل تعسف النظام الدولي وعدم احترامه للأمن والسلام الدوليين -، ولهذا سادت الريبة والشك في العلاقات الدولية وتحملت الدول الصغيرة تبعات تحالفات الدول الكبرى، مما أدى إلى نشوب الحروب الإقليمية والأهلية المتعددة .

المفهوم الجديد للأمن:

تطالعنا اتفاقية يالطا بجمل فضفاضة تقول: - أن الدول باستطاعتها تحقيق حاجاتها وفقا لمصالحها وبحرية !! -، وهذا القول الرومانسي يعني قدرة الدول على صنع مستقبلها بيدها، من خلال ما تجريه من اتفاقيات ومعاهدات بحسب ما ينفعها من الحاجات والمصالح !!، ولكن الجملة وشروحاتها لا تعبر عن الواقعية السياسية التي تحكم الموقف الدولي القديم والجديد، ذلك ان مفهوم الحرية المشار اليه وفقا لمبدا الحاجة والمصلحة يعد شيئا نسبيا في الواقع، وهو بحسب المكانة يعد الأول في الترتيب في السلم الدولي، وهذا ما اعتقد به - وولتز - عن (نظم المفاعلة)، والذي يعد تصورا امنيا سياسيا بامتياز حين ينظر اليه داخل محوطة (التراتبية والفوضوية) في البنى السیاسیة، والتي تتكون في العادة من مبدأ التنظيم والوحدة والقدرة، ويندرج في سهمها نسق المصالح الدولية التي تحدد السلوك الخارجي، ومن جهتنا نحن فنعتبر: - ان الاعتماد على الذات هو الهدف النهائي للدولة، فيما لو ارادت ان يكون لها مستقبل ما، وبداية ذلك ينطلق من الاكتفاء الذاتي في إدارة شؤون الدولة والمجتمع -، وهناك رأي أخر يقول: - ان الدولة الحية هي تلك التي تعتمد على الأرباح النسبية وليست على الأرباح المطلقة، وبعبارة ادق - هي تلك التي تعتمد على اضعاف الآخرين وافقادهم للقدرة او التفوق -، وقد طبق هذه النظرية الرسول محمد – ص - عندما اعتبر الحرب - اخر الدواء - معتمدا على مد الجسور والحوار وعقد المعاهدات في ظل الفضاء الحر، وقد حقق في ذلك تقدما مهولا على صعيد الدعوة والحركة وانضمام الكثير الى دعوته، وهذه وسيلة في اطار مفهوم - اعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... - ولا يخرج هذا عن مفهوم الصراع الطبيعي ولا بين التراتبية والفوضى قال: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وهذه هي الواقعية البنيوية ..

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

حسن خليل حسن(هذا المقال يمثل الجزء الثاني من سلسلة مقالات تهدف الى تحفيز الاهتمام بالتعلم عن بعد، فقد سبقه قبل ايام مقال بعنوان (كورونا والتعلم عن بُعد - رب ضارةٍ نافعة) تناول مدى امكانية التطبيق والصعوبات المتوقعة)

غزت الثورة الرقمية جميع ارجاء العالم ودخلت شبكات الانترنيت الى منازل العراقيين بلا استثناء، كما وصلت الاجهزة اللوحية والموبايلات لجميع الفئات العمرية، وعليه فمن الممكن اعتماد تقنية التعلم عن بعد (او التعليم بالانترنيت على الاقل) في جميع مؤسسات العراق التعليمية لما توفره من ايجابيات عملية في التطبيق وضغط النفقات العامة والشخصية، مع استدراك يتمثل باستثناء الدروس التطبيقية في المدارس والمختبرات العملية في الجامعات عند التطبيق، اذ من الممكن اعتماد التدريس عن بعد لكافة الدروس النظرية في جميع المراحل الجامعية والصفوف غير المنتهية في المدارس، وحصر دوام الطلبة في ايام محددة لتلقّي الدروس التطبيقية المتمثلة بمواد (الرياضيات –الفيزياء- الكيمياء- الاحياء- الحاسوب) كونها تحتاج الى عرض وشرح وخطوات تطبيقية قد لا تتوفر عن بُعد، ونؤكد على هذه التقنية بوجود ايجابيات كثيرة جداً اهمها:

1- ان تطبيق نظام التعلم عن بعد يرافقه سوف يخفّض من الاجور الدراسية للجامعات والمدارس الاهلية تبعاً لتقليل المواد الدراسية واقتصارها على الدروس العلمية الصرفة، كما انه سيقلص من اجور وسائط النقل الخاص على الطلبة ، وتوفر جميع اشكال الانفاق الفردي المتعلق بالمؤسسات التعليمية، اذ ان هنالك اكثر من  743.825 طالب وطالبة في الجامعات وما يقرب من  10.000.000 (عشرة ملايين) تلميذ وتلميذة وطالب وطالبة في المدارس ورياض الاطفال الحكومية والاهلية (بحسب آخر تحديث للجهاز المركزي للاحصاء في العراق) وأليك ان تتخيل حجم الحركة المرورية التي توفرها تقنية التعلم عن بعد في حال تقليص دوام تلك الاعداد المليونية.

2- ان نظام التعلم عن بعد اكثر فاعلية من بدائل مقترحة من قبل وزارة التربية مثل كتابة التقارير او اعتماد الاسئلة والاجوبة التي تسعى الى تطبيقها خلال العام الحالي لتلافي التأخير في تكملة المناهج الدراسية.

3- ان اقتصار الدوام على الصفوف المنتهية في المدارس وبعض الحصص المختبرية في الجامعات سوف يقلل من الزخم في اعداد التلاميذ والطلبة في الجامعات والمدارس الحكومية،  ويرفع ضغط الاعداد الكبيرة في الصفوف الدراسية التي تفوق الطاقة الاستيعابية، حيث ستخلو قاعات كاملة وفق هذا الاجراء وهذا سيرفع من جودة التعليم.

4- تقليل الزخم على الشوارع والطرقات وتقليل الحركة وقت الذروة وما ينعكس عنها من توفير اجور نقل واستهلاك الوقود لوسائط النقل وبالتالي تقليل العوادم وتخفيض التلوث داخل المدن التي تسببها حركة وسائط النقل بأنواعها.

5- توفير استهلاك الطاقة الكهربائية من تبريد واضاءة داخل المؤسسات التعليمية، كما ان اعتماد طريقة التواصل عن بعد في الملتقيات العلمية كالمؤتمرات والندوات وورش العمل والاجتماعات يعمل على توفير مصروفات كبيرة يتم انفاقها في التحضير لتلك الملتقيات.

6- عند تطبيق التعلم عن بعد يصبح من الممكن التغلب على مشكلة الدوام الثلاثي وحل مشكلة عدم التوازن في بين اعداد التلاميذ والطلاب وعدد المدارس في بعض الاحياء السكنية، وقد اصبح ذلك سمة بعض المدارس في العراق.

7- اطالة وقت التعليم وامد التعلم للاستاذ والطالب في نفس الوقت ليشمل معظم ساعات النهار وجزء غير قليل من الليل وهو وقت واسع لتلقي التعليم وترسيخ المعلومة كما يمكن تدارس شمول 6 ايام للعمل وفق هذه الطريقة وربما اكثر بدلاً من 5 ايام.

8- تجاوز مشكلة التعطيل القسري للدوام الرسمي بسبب العُطل الوقائية الناتجة عن ضرر ارتفاع درجات الحرارة المتكررة والعطل المرتبطة ببعض الاحداث السياسية كالمظاهرات واعمال قطع الطرق، ومن الممكن لا قدّر الله ان تتكرر مشكلة الوباء الحالي(كورونا) مستقبلاً اذ يذهب بعض العلماء الى ان الوباء يجتاح العالم وفق موجات زمنية مختلفة، كما انه يجعل بالإمكان التواصل بين الاستاذ والطالب خلال العطل المرتبطة بالمناسبات الدينية.

9- تنشيط اكتساب مهارات الحاسوب وتطوير مهارات استخدام البرمجيات الحديثة لدى التلاميذ والطلبة وهي من سمات عصر العولمة، لما له من اهمية لشربحة المعلمين والمتعلمين على حد سواء، التي تأخر تداولها داخل الاوساط التعليمية، من اجل اللحاق بركب الامم الاخرى في مجال التعلم عن بعد الذي بدأت ارهاصاته في أوربا وأمريكا في أواخر السبعينيات (عن طريق المراسلة البريدية العادية).

10- تشجيع المهارات الفردية لدى الطلبة بعيداً عن اجواء الاكتظاظ في قاعة الصف التي قد تشتت انتباه واستيعاب بعض الطلبة خصوصاً في الاجواء غير المريحة وما يرافقه من التشتت الذهني الذي يسبب الانحراف عن الهدف، وفي هذا الصدد يشير المهتمين بفلسفة التعليم الى ان الابداع يحتاج الى اجواء هادئة وان الانسان المبدع یمیل الى العزلة احیاناً.

11- هذا النظام يعمل على تحريك تجارة الاجهزة الالكترونية في السوق العراقية ومن الممكن تشجيع الصناعات الالكترونية داخل العراق لإنتاج الالواح الذكية من شاشات وموبايلات وأجهزة تصوير ومنظومات الانترنت.

ومع كل ما ذكرناه فان هنالك ايجابيات لهذا النظام قد تظهر في وقتها، ولابد من الاشارة الى ان حجر الاساس في انجاح التعلم على بعد يقع على الجهات التنفيذية والطالب والاهالي بعد ادراكهم لأهمية النظام وجدواه الايجابية على الواقع التعليمي والاقتصادي والمادي.

 

د. حسن خليل حسن

جامعة البصرة

 

كاظم لفتة جبران الحديث عن اللاوعي والوباء امر خطير يعدهُ البعض، لأن تجنُب الوباء يحتاج ان يكون الانسان واعياً ليحسن التصرف مع الفايروسات بوصفها كائنات حيوانية لا تملك الوعي وحكمة التصرف، كما هو الإنسان ذو العقل . ويمكن استعارة تقسيم أرسطو للنفس الانسانية من قوة عقلية، و حيوانية، واخرى نباتية، فالأولى العقل بذاته، والثانية غضبية، والثالثة حسية وتخص النمو، فالعقل هو الحكمة والقوة التي تربط وتسيطر على القوى الاخرى لبسط النظام وفرض ارادة الذات الجوهرية للانسان، أما الفايروسات بوصفها حيوانات لا تملك العقل بل تملك القوى الاخرى، لذلك هي لا تعيش بذاتها وإنما على ذوات الآخرين،. وبما أن الإنسان ينقسم إلى نفس وجسد أو بعبارة أرسطو صورة ومادة، والصورة بالفعل والمادة بالقوة، فالفايروسات بالقوة وليست بالفعل موجودة، اي ان الفايروسات لم توجد إلا إذا كانت هناك صورة تمكنها من الظهور للوجود الفعلي، فالإنسان هو صورة الفايروس لما يحمله من ذات شفافة لا ترى بالعين ولا بالمجهر بل بالعقل، أما الفايروس فهو لا يرى بالعين بل بالمجهر عندما تسلط عليه الصورة، صورة الإنسان هي التي توفر العمل له . الفايروسات لا تعي ذاتها لأنها غير عاقلة بل تعي الآخر من خلاله النمو على المادة وهي الجسد . فالفايروسات تعتمد على اللاوعي عند التكاثر والنمو على صور الآخرين،مفهوم اللاوعي كما هو معروف ظهر مع عالم التحليل النفسي سيغموند فرويد، عندنا رأى ان الذي يتحكم في الإنسان عدة عوامل وأشياء يتعرض لها الإنسان منذ تكوينه ثم تخزن في هذا اللاوعي،أو العقل الباطن،الأشياء التي يتعرض لها الإنسان إذا كانت عميقة وتؤثر في تكوينه تخزن في هذا اللاوعي ثم تظهر حين مواجهة مماثلة لذلك المخزون . ومن ناحية اخرى تظهر مدى قوة اللاوعي هذا الفايروس في التحكم في البشرية . فتاريخ الإنسان يبدأ من نمو الإنسان من معركة الحيوانات المنوية إلى النصر ومرحلة التكيف على مع الآخر عبر الحجر في رحم المرآه، ثم الخروج إلى الخارج والتكيف مع الوضع الخارجي عبر التعلم والاكتساب، فالفايروسات ايضاً تشبه عالمنا من حيث أنها تحاول التكيف مع الإنسان بوصفه كائن حي، الحرب الدائرة بين الفايروس والانسان هي تعود بنا إلى مرحلة حروب اللاوعي و لغرض فرض سيطرتنا على ذلك الفايروس يجب علينا استخدم وعينا وعقلنا وتمكين معرفتنا للدخول لذلك اللاوعي وإيقاف سطوته على البشرية، فما بين لحظة واخرى بدأ كل شيء مختلفاً،ما سعى الإنسان له عبر تاريخ الوعي الإنساني للفكر، لم يصمد أمام اللاوعي فجميع السبل التي اخذت سواء كانت حجر، أو ابتعاد، أو عدم تواصل، أو استخدام المعقمات كلها أصبحت تدخل الإنسان في مرحلة مضطربة، فأصبح الشك والحذر هو اليقين الذي نتبعه واليقين هو الشك الذي نحذر من تحققه، فهذه المتغيرات اوجبت علي الانسان تغير طريقة تواصله من خلال التواصل عن بُعد بأجهزة اللاوعي وهي الحياة الجديدة مع الكترونيات، وبهذه الحرب يجب التكيف مع الوضع الجديد لانتقال لنوع وعصر جديد من الانسانية بعيد عن سيطرة بعض الدول العظمى على اللاوعي التي تحاول من خلاله فرض سيطرتها على البشرية من خلال قوة السلاح أو الاقتصاد أو اللاوعي الخاص بجماعة معينة وهي الجماعات الدينية . اللاوعي هو شبه الايديولوجيا أو ان الأيديولوجيا هي التي تعيش على اللاوعي لتمكنه من العيش واكتساب حقيقته، فالحرب التي نخوضها متعددة الجوانب للحفاظ على الانسان ويجب أن نعي ذلك .

 

كاظم لفته جبر

 

الحسين اخدوشأشرف عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو» (Pierre Bourdieu) على الكتاب الضخم –حوالي 947 صفحة- «بؤس العالم» (La Misère du monde) بمعية كتاب آخرين، وذلك  لتحليل ظاهرة العصر بامتياز: الفقر والتفاوتات الاجتماعية وغيرها. غير أنّ هذه الظاهرة ما فتئت تتسع وتتفاقم رغم كلّ الجهود المبذولة من طرف الحكومات وجمعيات المجتمع المدني. 

والواقع أنّ الليبرالية الجديدة التي رفع لواءها عالم المال والاعمال هي ما جعل سلطة المال فوق كلّ اعتبار، وبذلك سيّدت الربح وأطلقت سطوة الأعمال والبنوك. في تقديسها لنمو الأسواق المالية، جعلت الرأسمالية المالية عملية صنع القرار في يد عالم المال والأعمال على نحو كامل، مكرَّسة للرّبح الخاص للمؤسّسات المالية على حساب المجتمعات المعاصرة.

لقد تحولت الاوليغارشيات المالية العالمية إلى الامر الناهي في هذا العالم المعولم، بينما بقيت الحكومات المحلية مقيّدة بالديون غير قادرة فعلا على التحكّم في جموح وسطوة رجال الاعمال وكبريات الشركات العالمية.

منبها إلى أن الطفرة الإنتاجية الصناعية المترتبة عن التقدم العلمي الاقتصادي، أبرز المفكّر «داني- روبير ديفور» (Dany Rober Dufour) أنّ عولمة قيم السوق أثّر سلبيا غلى العالم والبيئة، من حيث كون السوق مجرّد دعوة جامحة لاستثارة الغرائز واستغلال الموارد الطبيعية المحدودة أصلا، حتى أنّ الكوكب الأرضي لم يعد يتحمل كلّ هذا التسيّد المادي الاستهلاكي المفرط، نظرا لمحدودية موارده الطبيعية.

هكذا، ظهر للناس جلّيا أنّ إحراز مستوى التنمية الأعلى في الشمال (أميركا، كندا، أوروبا) بالنسبة لسكان الجنوب (إفريقيا، آسيا، وأميركا الجنوبية) أصبح يتطلب أضعاف مضاعفة الموارد الطبيعية الحالية، وهذا من شأنه أن يلحق ضررا  فادحا بالأنظمة البيئية كلّها.

يسائل هذا الوضع الجديد مقولة النمو الدائم مشكّكا في خلفياتها الأيديولوجية، جاعلا الزيادة في الإنتاج والاستهلاك تصطدم بمحدودية موارد الطبيعة. وتبيّن الوقائع الآن وجود تعارض بين متطلبات اقتصاد السوق الحالي (القائم على النمو الدائم) ومحدودية الموارد الطبيعية، والتغاضي عن هذه الحقيقة والاستمرار على النهج الاستهلاكي القائم حاليا، قد عجل بالصدامات الاقتصادية وكرّس التفاوتات وخرّب الانظمة الطبيعية للماء والزراعة. إلخ.

غير أنّ الانتقال من نمط الإنتاج السائد حاليا إلى نمط اقتصاد بديل، يحتاج إلى استبدال البارديغم الليبرالي كلّه (النموذج الراهن الموروث عن الحداثة الأنوارية) إلى بارديغم جديد للحياة والاجتماع البشري، يكون قادرا على تجاوز نزعة الاستغلال القائمة على فكرة السيطرة على الطبيعة. ويلزم من هذا التحوّل ضرورة تخطي المنظورات الكلاسيكية والمعاصرة معا للعقلانية والتحديث والتقدم، واستبدال نزعة المنفعة الآنية التي تنظر إلى الطبيعة كموضوع للسيطرة فقط. لقد ثبت الان بأن منطق الإنتاج المادي الحالي لا يمكنه أن يطول مادام يصطدم بمحدودية الموارد وانتشار الفقر والتفاوتات بين الأغنياء والفقراء.

إن تبرير منافع النمو يجب أن يأخذ بالاعتبار استدامة الطبيعة وتحقيق العدالة المناخية ومراعاة حقوق الشعوب الضعيفة في مواردها المحدودة. ولأجل ذلك يتعين على العالم تغيير السلوك والفكر معا، إذ التغيير المطلوب اليوم جذري وعميق، وكما يقول «ميشيل سير» (Serres Michel) يجب التحكم في التحكم الذي أفضى إلى ما نراه الان. غير أنّه لا يمكن تعزيز مكانة الطبيعة من جديد مالم تقوّض الايديولوجية الليبرالية الجديدة المنفلتة، سواء في ثوبها الاقتصادي، أو في شكلها السياسي الذي تغذّيه النزعة النفعية – المصلحية المادية.

تقدّم بعض التيارات النقدية المعاصرة يعض الحجج في رفض هذه الأيديولوجية الشمولية التي توجتها العولمة الامريكية سواء بالنسبة للسياسة أو الاقتصاد، وتقيم هذه الحجج على أطروحة جديدة تزعم بأن الفكر الحديث في شكله العقلانی الموروث عن الأنوار الغربية عبارة عن أداة شرسة للتحكم في الطبيعة، ولكي يعري هذا التوجه النقدي الجديد تحكمية العقلانية الحديثة (اقتصاديا وسياسيا وعلميا).

يقدم أنصار البيئة والتعدّدية القيمية عيوب النموذج الأنواري الحديث من خلال الاعتبارات الآتية:

- النموذج الأنواري للاقتصاد والسياسة يهمه التحكم في الطبيعة قصد استغلالها؛ لكنه بهذا الفهم، قد أصبح مقادا بتصورات فكرية وأيديولوجية تعتبر مبادئ الطبيعة خارج نطاق سائر الثقافات الإنسانية. لذلك، لا يمكن تفسير نظام الطبيعة الفريد إلا من خلال علم ذي صحة كونية، ومن ثم مشروعية الدراسة الموضوعية للطبية والتعامل معها على أنها موضوع قابل للاستغلال إلى ما لانهاية.

- لا تسمح أيديولوجيا الأنوار الحديثة بتفسير العلوم وفلسفاتها على ضوء الثقافة الاجتماعية التي أنتجتها، إذ تزعم أنها موضوعية وكونية، وتريد أن تتعالى على المنفعة والمصلحة والثقافة التي أنتجتها، في حين تبقى في عمقها وليدة الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها.

- تعد نزعة الأنوار الحديثة مسؤولة عن ترسيخ دعائم نظرة تحكمية للطبيعة والبيئة، ومن ثم، لا تحمل في نموذجيتها شروط إمكان فهم الطبيعة خارج دائرة الموضوعية، ومن ثم فهي محكومة بهاجس التحكم فيها واعتبار الإنسان سيدها ومستغلها.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، تقيم التيارات النقدية الجديدة الأدلة على محدودية نظرة العقلانية الكلاسيكية للطبيعة، لذلك كان هدف النموذج الاقتصادي والسياسي القائم على هذه النظرة الضيقة السعي إلى استغلال الثروات الطبيعية للربح، ومراكمة رأس المال، والثروة المالية، وقد أوقع ذلك فكر الأنوار الحديث في قصور منهجي خطير عماده اعتبار الطبيعة مصدر تلبية كل الرغبات وبشكل غير محدود.

وقد سبق في سياق الفكر المعاصر أن نبهت المفكرة «هانة ارندت» (Hannah Arendt) إلى خطورة النزوع التحكمي للتقنية التحديثية باعتبارها سيرورة منفلتة، حيث رأت في ماهية التقنية في صيغتها الحديثة وسيلة لإرغام الطبيعة على التطويع الدائم للسيطرة البشرية. ونفس الحدّة النقدية، نبهت المفكرة الأميركية المعاصرة «ساندرا هاردينغ» (Sandra Harding) إلى ضرورة تهذيب فلسفات التنوير الحديثة كي تتخذ وجهات فكرية مفيدة في إرشاد إنتاج المعرفة النافعة وبلورة السياسات الديموقراطية الحقة.

يلزم تغيير العادات والافكار لأنّ التركيز على تحقيق الأرباح ومراكمتها فقط، أصبح لا يتماشى والأمل في البقاء على قيد الحياة. وهكذا، ستكون الإنسانية أمام امتحان عسير بحيث سيلزمها أن تختار: الاستمرار في هذا المشهد البئيس والتوجّه رأسا إلى الكارثة البيئية والصحية، أو تعديل المنظور والسلوك ناحية مسار جديد تلجم فيه الحكومات الشركات وتحدّ من سطوة رجال الأعمال وكذا جوقتكم التكنوقراطية الغبيّة والأنانية.

 

الحسين أخدوش  

 

مجدي ابراهيمعندي أن التسبيح بالقلم ذِكر. هو ذكر وأي ذكر. تأمل قوله - صلوات ربي وسلامه عليه - "مذاكرةُ العلم تسبيح"؛ وتأمل قول الله تبارك وتعالى: "أذكروني أذكركم". وفي الحديث عن أم أنس في وصية لرسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - قالت أم أنس لرسول الله، يا رسول الله: أوْصِني، قال: أهجري المعاصي، فإنها أفضل الهجرة. وحافظي على الفرائض، فإنها أفضل الجهاد. وأكثري من ذكر الله؛ فإنك لا تأتين بشيء أحَبَّ إليه من كثرة ذكره". ففي الحديث كما يلاحظ : هجران المعاصي، والحفاظ على الفرائض، وإتيان الذكر الذي هو أحب الأشياء إلى الله: دعائم وجود روحي مؤسس بالدرجة الأولى على الإخلاص.

وثمرة الذكر حقيقةً لا تُقَالُ بكلمات ولا توصف مطلقاً بعبارات ولا يُعبَّر عنها بلفظ خارج من اللسان دون القلب. أقل ثمار الذكر الكثير أنه مصدر الصحة النفسية بإطلاق، ولن يضام من يذكر الله في كل حال .. لن يضام.

هنالك "قوة توجُّه" بالذكر لا ينفع معها ولا يصلح إلا الذكر المخصوص ذي الهيئة المخصوصة، فقوة التَّوَجُّه بالذكر هى أهم درجات القوة الحقيقية حين لا يكون على الحقيقة هناك حَوْلٌ ولا طَوْلٌ ولا قوةٌ إلا بالله.

أمّا التسبيح بالقلم الذي أقصده هنا؛ فهو نقش في  روضة من رياض المعرفة خاصة جداً فيما لو كانت مقصودة عند صاحبها موجهة إلى الملأ الأعلى، لا يمكن لنا أن نتجاوز حقيقتها إذا نحن تعاملنا معها بتبتل العارفين؛ إذْ كانت حقيقتها من الأهمية بمكان بحيث يكون القلم الذي أقسم الله به في كتابه هو الأداة التي يقتدر المرء من خلالها على تسبيح الله بفضل فيه جزاء صاحبه أن يكون مع الله، والله قدَّر ذكر الذاكرين.

عندي أن القلم تعبيرٌ عن حالة "القلب" الموصولة بالله على الدوام. ومن هنا؛ فإن فضله لا يمكن أن يتأتى بغير معرفة، أعني لكي تكون كاتباً على الوصف المقصود عندنا بخصوصية الكاتب هنا عليك أن تكون من جملة الذاكرين الله تعالى بالقلم؛ فللقلم في حالات اتصاله - لا انفصاله طبعاً - تسبيحٌ علويٌ مباركٌ لاشك فيه، ولن يأتَّي لك هذا الفضل ما لم تكن في الأصل قادراً على تقدير الموهبة التي وهبك الله تعالى إيَّاها : رعايتها، والعناية بها، والوصول بها، ومن خلالها، إلى الله تعالى؛ مع سؤالك له التوفيق في كل حال. فإن وَجَدت في نفسك إقبالاً على القراءة والعلم والبحث والتقييد فهو توفيق. توفيقٌ فوق كونه من فضله تعالى فهو كذلك تسبيحٌ علوي بكل تأكيد. وإلا فهو البطر الذي ينتاب النفس جحوداً يمزقها ويفتت روابطها وعراها في أكثر أحوالها من عدم الاجتهاد، وغياب الجد في جليل الأعمال.

نعم! قد يصيبُ النفس في كثير من الأحيان شدة البطر والإحساس المرير بالفشل، والعزوف والإهمال لقيمها ومصادر تفوقها وامتيازها، وهى في المقام الأول مصادرٌ إلهيّة؛ لكنما البطر يرتدُ إلى التعلق بالأغيار وممارسة شؤون الحياة اليوميّة. غير أنها من جانب آخر كلما تعلقت بالله شعرت بتفوقها وامتيازها لا لشيء إلا لأنها شعرت من فورها بحريتها كاملة غير منقوصة بعد تحرِّرها من علائق السِّوي، بمقتضى ثورتها الروحيَّة ضد الظلم والبغي والعدوان أعنى : عدوان النفس على النفس، وظلم الإنسان للإنسان، وبغي النفس على النفس أو على سواها من نفوس الآخرين.

في مثل هذا التَّحرُّر لا تحسَّ إذْ ذاك بأن أعمالها صادرة منها بل من توفيق الله لها، ولكن البطر؛ وهو أشدُّ ألوان العدوان، كثيراً ما يُصيبها في شتى النواحي المُدركة للقيم العلوية فيشل حركة النهوض فيها ويقطع عنها من ثمَّ أجمل ساعات الاتصال بالملأ الأعلى، فلا تقبل على مهامها وتبعاتها، ولا يعودُ الضرر إلا عليها لا على غيرها ممّا يُكثر فيها الغمِّ واليأس والقنوط بما عساه تكره؛ لأنها كانت ضَمَخَتْ بالبعد عن الله واتصلت بالعلائق والأغيار، بمقدار ابتعادها قطعاً عن هذه الروضة الطيبة المباركة : روضة التسبيح بالقلم ..!

يقول لك أطباء النفس قيد حالاتك النفسيّة إنْ في حال الفشل، وإنْ في حال النجاح، وأرقبها جيداً؛ ليكون من بعدُ فعل الكتابة نفسه هو العلاج الناجع لمدقع الآفات التي تلمُّ بالنفس في أحوال البطر والإهمال؛ لكأنما التدوين نفسه هو طريق الترقي الدائم مع الباطن ليجيء البصر بخوافي النفس أصدق مع القلم وأفعل.

كل كلمة يكتبها القلم وهو على حال التسبيح هذا؛ مصدرها التوفيق الإلهي، تصلح لأن تكون ذكراً لله عن طريق القلم مع تصحيح النية وتصحيح العزم والإقبال على الله بجدٍ وحزمٍ. كان سيدي الإمام الهمام القطب الكبير أبو الحسن الشاذلي رضى الله عنه وأرضاه يقول :"من أكتسب وقام بفرائض رَبَّه؛ فقد كمُلت مجاهدته".

وكان تلميذه الشيخ أبو العباس المُرسى يقول :" عليكم بالسَّبب؛ وليجعل أحدكم مكوكه سبحته، وقدُّومه سبحته، والخياطة سبحته، والسَّفر سبحته".

وربما كان المقصد من وراء هذا هو أن الصُّنعة تصبح طريقاً لله فيما لو صدقت النية، وكان العمل خالصاً لله تعالى؛ إذْ الأعمال موصولة بالنوايا، والنوايا موصولة بالله، والأعمال إذا خلِّصَت لله تعالى، وكانت النية فيها حاضرة مع الله كبُرت وعظمت وآتت أكلها وأثمرت خيراً وفضلاً ومثوبة؛ وإنْ كانت صغيرة.

وإذا هى (أي الأعمال) كانت محجوبة عن وحدة القصد وخلوص السريرة، مهما كَبُرت؛ فهى حقيرة متهافتة متناقضة في ذاتها، إلى زَوَال، وإنْ ظن الظانون فيها العِظَم والكبر والاقتدار، لكن :" ما كان لله دَامَ واتَّصل، وما كان لغير لله أنقطع وأنفصل". الإحساس بالله تعالى أثناء العمل هو موطن التوفيق.

ومعنى الإحساس بالله هنا، هو الحضور. والحضور قوة تلقِّي، هو البرزخ يلتقي عنده العمل مع التوفيق؛ إذْ التوفيق من الله تعالى، والعمل من العبد، وفضل التوفيق جليل، وجلال العمل في حدِّ ذاته ضربٌ من توفيق الله تعالى للعامل.

كيف نستطيع فهم ذلك أو تحقيقه في حياتنا؟

يخبرنا الإمام سَهْل بن عبد الله التُّسْتَريِّ في شذرة ممتازة سابحة من شذرات العارفين بالله، تجيء دالة كل الدلالة على الثقة بالله في عرفان الطريق، وذلك حين يربط العمل الخالص بالتوفيق الإلهي ويربط التوفيق بالتضرع والدّعاء.

يقول في إشارة له :" الأعمال بالتوفيق، والتوفيقُ من الله، ومفتاحها الدُّعاء والتَّضرّع ".

أقول؛ يخبرنا أن العملَ مَرْهُونٌ بتوفيق الله في كل حال، لكن هذا التوفيق هو في الأساس تحت ضراعة العبد أيضاً مع بذل المجهود في كل حال، فما للعبد إلا أن يسعى، والسّعي عمل، وليس عليه إدراك النتائج؛ لأنها توفيق، والتوفيق من الله.

وفي إشارة أخرى لطاووس العلماء هو أبو القاسم الجنيد تقول :" مَنْ فَتَحَ على نفسه باب نيّة حسنة، فتح الله عليه سبعين باباً من التوفيق. وَمَنْ فَتَحَ على نفسه باب نية سيئة، فتح الله عليه من حيث لا يشعر سبعين باباً من الخذلان".

في هذه الزاوية القائمة ينبغي أن تنحصر الأعمال، ولا تنحصر في زاوية سواها : في زاوية الرقابة الباطنة على القول والفعل والتصريف يحق لأعمال الخُلَّص من الصادقين أن تنحصر، وهى توفيق.

فلئن كان المكوك سبحة، والقدوم سبحة، والسّفر سبحة، وكانت الخياطة سبحة؛ فأحرى بالقلم عندنا وأولى أن يكون هو سبحتنا، فلنسبِّح به صباح مساء، لعَلَّنَا نلقى الله به ومن خلاله في روضة الرضوان، تلك الرّوضة هى الغاية الشريفة من وجدان القلم عندنا، وهو من الآثار النافعة الباقية، والتي نسأل الله على الدوام أن تكون نافعة باقية ليتمَّ لها الشرف والمجد والبقاء، إنْ لم يكن في نفس القارئ وفي عقله وفي ضميره؛ فعلى أقلِّ تقدير في نفس كاتب هذه السطور وفي عقله ووجدانه وضميره.

الغاية من وجدان القلم عندي هى غاية تشريفية فوق كونها غاية تكليفية، فليس من الشرف في شيء ألا تكون للإنسان غاية؛ ولئن كانت فهى في الأغلب الأعم تقع ضمن الغايات الترابية. أمّا القلم فوجوده عندي من أشرف المنافع العلوية؛ ولأنه بهذا الشرف، فلابد أن يكون تكليفاً أيضاً، أنه تكليف في تشريف وتشريف في تكليف، إذْ مجرَّد الرَّقم به على قرطاس المعارف الذوقية لدليلٌ على نفعه وبقائه ودوامه، واتصال هذه الوسيلة بأرقى المنافع الباقية فيما لو أنتفع بها حقيقةً خادمها، ولابد له في النهاية من مَزِّيّة الانتفاع.

ربما كان القلم في حدِّ ذاته وسيلة مادية لغاية روحيَّة، وهو بالتأكيد يخضع لحالات التعبير الصافية التي تمتلك صاحبها تماماً كما يخضع لأوهام كثيرة عند من لا يقدِّرون له قيمة ولا وزناً في عالم التفكير والتعبير، ولكن هذه الوسيلة المادية تصبحُ في يد الماهر المتقلِّب في رياض النشوة الروحيّة والفكرية من أكثر الوسائل تبتلاً وانقطاعاً إلى عالم الروح؛ فكما لا يترك الصوفي الكبير مسْبَحَتَه ولا يفارقها، كذلك الكاتب الذي يتَبَتَّل في خدمة الكلمة لا يفارق قلمه إلا أن تكون اللحظات الأخيرة من حياته، حيث يترك كل شيء ولا يتركه عمله.

إنها لغايةٌ شريفةٌ تفيدُ رجل الفكر والروح، إنها لحقاً الغاية الشريفة تجعله قادراً على مواصلة المسيرة الطيبة التي يمكن إدراكها والسير فيها من بعيد : من الفضاء الروحي والفكري، تماماً كما يمكن إدراكها من قريب : من الوسيلة المادية التي تتمثل في هذا القلم. لا ريب كان هذا الإدراك النافع من بعيد قد يعجز عنه آخرون لم يكونوا قد تدَرَّبُوا سلفاً على امتلاك زمام القلم، ولم يكونوا قد أدركوا مثل هذه الحالة الروحيّة العالية التي يتصفُ بها المرء خلال تعامله مع "قيمة الكلمة" أو تعامله مع القلم النافع ذي العلم النافع ذي الفضل النافع في كل حال.

ماذا عَسَاهَا تقدِّم أقلامنا إنْ لم تذكر الله على الحقيقة؟ ماذا عَسَاهَا تقدِّم؟! لا شيء! إنّ فضيلتنا الحاضرة كفضيلتنا الباقية هى أن تذكر الله ولا تغيب عن ذكره لحظة واحدة؛ فإن الغفلة عن ذكر الله بالقلم جريمة في حق الوجود الروحي وتربية الأفكار العلويّة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصاريلقى الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون (١٨٤١-١٩٣١م)، والفيلسوف الإنجليزي أرنولد توينبى (١٨٨٩ - ١٩٧٥ م) على كاهل النخب - من المبدعين فى السياسة والعلوم والآداب والفلسفة - مسئولية تقدّم الأمم ورقيها، وتخلفها عند غيابهم أو إقصائهم من موقع القيادة والريادة، وذلك لأنهم من أكثر المؤثرات فاعلية فى بناء الروح الجمعى وتوجيهه الوجهة الصحيحة صوب الإصلاح والمدنية. وأحسبُ أن مفكرنا خير من يمثل هذه الطبقة المستنيرة فى الثقافة العربية المعاصرة.

هو فليكس حبيب فارس أنطوان، أديب وصحفي ومفكر موسوعي وعلم من أعلام النهضة العربية المعاصرة (١٨٨٢ - ١٩٣٩م)، ولد فى قرية صليما من أعمال جبل لبنان، من أب عربي ماروني وأم أوروبية تحمل الجنسيتين الفرنسية والسويسرية. رغب فى طفولته عن المدارس النظامية ومناهجها التلقينية واختار أن يثقف نفسه بنفسه وقد أعانته مكتبة أبيه على ما أراد، فاستوعب معنى الأصالة والولاء خلال درسه - الوطنية والانتماء الحضارى والإيمان العقلى المؤسس على التسامح بين الأغيار ورفض التعصب فى كل صوره - الذى وجده فى قراءاته للتراث العربى الإسلامي، وأخذ عن والدته معظم الآداب الغربية، ولا سيما الفرنسية والألمانية فجمع بذلك بين الثقافتين فى بوتقة واحدة تولدت عنها عقلية نقديّة راقية.

وفى شبابه التحق بالمدرسة الوطنية فى بعيدات ومنها إلى مدرسة الشويفات الثانوية. وقد تجلت إبداعاته فى شعره وخطبه التى تناقلها المثقفون فى السهل والجبل، وذلك فى سنين عمره المبكرة، وقد جمعها فى ديوانه «زهر الربا فى شعر الصبا». أما مقالاته النثرية فكانت محط إعجاب معاصريه، تلك التى كان ينشرها فى مجلة «الاتحاد» و«العروس» و«المراقب» و«أنيس الجليس» و«لوتس» و«سركيس»، - وذلك خلال عمله بالتدريس فى مدرسة الآباء الكبوشيين، ومدرسة الآداب الوطنية، والمكتب السلطاني بحلب، وقد جمع فى دروسه بين آداب اللغة العربية واللغة الفرنسية ثم اللغة التركية التى أجادها بعد ذلك -، وكان جميعها موجه لإصلاح الأمة ونقد العادات الفاسدة وتقويم الأخلاق المنحرفة والرد على جحود المستغربين لفضل أمتهم العربية على الحضارة الإنسانية فى جل ميادين العلم والفلسفة، ومن أقواله «ويلٌ لأمَّةٍ لا وطنَ لها، ولا تملكُ عنان نفسها .. ويلٌ لأمَّةٍ لا ينبتُ فيها رأسٌ إلا وهو مشدودٌ بناصيته إلى أذيال الغريبِ».

أسس فى لبنان رابطة وطنية لمحاربة التعصب الملى والطائفي وانضم كذلك لجمعية الاتحاد والترقي لمناهضة ظلم العثمانيين للعرب، ثم هاجر إلى أمريكا عام ١٩٢١ لتأسيس رأى عام قائد من مثقفي الشوام فى المهجر، وذلك للدفاع عن حق بنى جلدته فى الحرية والعدالة والمساواة، ذلك فضلا عن تأسيسه للعديد من الجمعيات الخيرية لمساعدة اللبنانيين الذين فتكت بهم المجاعة وضاقت بشبيبتهم الأرزاق، ومن أقواله «لنحترس من أن نقول إن هذا الوطن هو وطن هذا الدين أو ذاك المعتقد، فإذا نحن ألقينا بشقائنا إلى هذه الأرض المغطاة برمادِ الرفات المتحدة، فإنما نحن مدنِّسوها، ولعلَّ هذه الأرض تعلم أكثر مما نعلم نحن، بأن خالقها هو الواحد الأحد، وبأنها غذَّت كل أبنائها على السواء من حشاشتها الواحدة».‏

ثم عاد إلى بيروت عام ١٩٢٢م واحترف المحاماة شأن أبيه، غير أن آراءه السياسية ضد الباب العالي والحكومات العثمانية الاستبدادية قد سببت له الكثير من المضايقات، فغادر لبنان إلى الإسكندرية عام ١٩٣٠م؛ ليتسلم رئاسة قلم الترجمة هناك، وخلال هذه الفترة أسس مع رفاقه الشوام وبعض الأدباء المصريين جمعية الرابطة العربية، وذلك للترويج بين المثقفين لفكرة جامعة الدول العربية، وقد ألقى فى هذه الجمعية عشرات الخطب التى تدافع عن أصالة الشرق وعبقرية الحضارة الإسلامية وحرية المرأة وسماحة وعقلانية الدستور الإسلامي المحفوظ فى القرآن وسنة محمد عليه الصلاة والسلام، ذلك فضلا عن تصدّيه لحملات العلمانيين المستغربين والملحدين وافتراءات غلاة المستشرقين، ومزاعم الكاتب التركي إسماعيل أدهم (١٩١١-١٩٤٠ م) وآراءه العدائية تجاه الفكر الشرقي والعقيدة المحمدية، على صفحات مجلة الرسالة.

وقد راقت خطبه للخاصة والعامة وقد استحسن أكابر المثقفين بلاغته وفصاحة ردوده وقوة طعونه ونقوده، وقد رفض الانضمام إلى الجمعيات الماسونية وانضوى تحت راية الاتجاه المحافظ المستنير وبخاصة مدرسة محمد عبده؛ التى نادت بالتأليف بين الأصالة والمعاصرة والدين والعلم والانتماء الوطني والانضواء الحضارى ورفض التبعية للأغيار والاعتماد على الذات فى التجديد وإعادة البناء والإصلاح، ونقد الفكر الوافد قديماً موروثاً كان أو حديثاً لفظته الحضارة الأوربية ونظمها المعاصرة، ومن أقواله المعبرة عن ذلك «لقد طغت على مجتمعنا فى معتقداته وفى نظم أسرته وفى آدابه، وفى حكوماته من متخلفات جميع العصور وجميع الأمم فنحن اليوم أشبه بنبيل أخنى عليه الدهر فأجاعه، فهو يأكل من فضلات موائد الأمم ومزق ثوبه فهو يستر عورته بترقيعه ملتقطا له الخرق أمام كل بيت غريب، ومن كل مزبلة تعترض طريقه».

وقد حمل فليكس فارس على شبيبة العرب الذين انخدعوا بأقوال الفلاسفة الماديين الغربيين وروّجوا للإلحاد وجحدوا عروبتهم باسم المدنية واستهزئوا بأخلاقياتهم وأصدروا دينهم وتعاليمه التى جاء بها عيسى ومحمد، وعاب على نفر منهم التعصب الديني الذى يقودهم إلى الفتنة الطائفية التى لا يُحصد من غرسها فى جسد الأمة إلا الدمار والخراب والفرقة وتكالب الأمم عليها فينهبون ثرواتها ويستعبدون أهلها، مؤكدا أن الأخوة الدينية والتصالح بين المذاهب العقدية هو السبيل الذى لا عوض عنه لنهوض الشرق واستقراره وسلامه وأمنه من كيد الكائدين، ومن أشهر أقواله فى ذلك «من رأى فى الإنجيل والقرآن ما يدفع إلى الشقاق ويؤدى إلى خلاف فقد جهل حقيقة الإنجيل والقرآن، وكلاهما إلهام الحق المطلق يتعالى من أن تتناوله فكرة إنسانية بإصلاح وتحوير؛ ليولي المسيحي وجهة شطر الشرق وليولي المسلم وجهة شطر القبلة، إنهما لجهتان مختلفتان فى الابتداء ولكنهما ينتهيان إلى وجه الله الحق، والحق محور الكائنات وقطبها».

والغريب أن مفكرنا قد تنبأ بمقامه فى سماء الفكر العربى المعاصر وإهمال الشبيبة لكتاباته، وها هو يقول: «أهملني الترك لأنني عربي، وأهملني العرب لأنني نصراني، وأهملني النصارى لأنني لست جيزوتياً - وهى إحدى فرق الكاثوليك اليسوعيين».

فهل يمكننا اليوم إعادة هذا المفكر ثانية إلى دائرة الضوء ونقلده وسام الثقافة العربية؟

(ولسيَر الأعلام بقيَّة)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

نابي بوعلي"هنا أكتب أفكاري، أرتبها وأشاركها وأدافع عنها،

في هذا المكان من العالم يسكن أصدقائي،

الذين يشاركونني أرائي، واهتماماتي.

يقولون إنه عالم افتراضي وهو

يكسر حاجز الزمان والمكان"

(رضوان نوران)


 

مقدمة:

لقد استطاع الإنسان أن يخلق عالماً جديداً من التواصل الإنساني والاجتماعي، وأضحت القدرة على التنقل بثقة في ثقافات جديدة ميزة هذا العصر في عالم اليوم المعولم، وتضطلع شبكات التواصل الاجتماعي، في ظل ثورة الاتصال التي اجتاحت العالم، بدور مهم في تشكيل الصداقات بين الناس، من خلال جعل الخبرات المشتركة مرئية لكل من ينخرط في شبكة الانترنيت، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي العابرة لجغرافيا الأمكنة والأزمنة. حيث وفرت هذه الاخيرة مساحات جديدة للتفاعل وبناء علاقات اجتماعية، في قرية عالمية على حد تعبير (ماكلوهان). لقد كان لهذه الثورة تأثيرا بالغا في تغيير سلوك الناس، وأصبحت المعلومة تنتقل بسرعة كبيرة من خلال التواصل الحر. لقد أتاحت هذه الثورة لأول مرة إمكانية طلب صداقات عبر الفضاء الأزرق. أين يتجسد أفق العالمية في عملية التواصل الإنساني. ومن لا يملك صفحة على أطياف وساحات مواقع التواصل الاجتماعي فهو معزول عن العالم في زمن العولمة.

أصبحت الأنترنيت في عالمنا من أهم مسالك التواصل الكوني مع الآخر، حيث فتحت نوافذ الأمم على بعضها البعض بشكل غير مسبوق، وأصبح بالإمكان الاتصال بأي شخص على سطح الكرة الأرضية بالصورة والصوت...وصارت الانترنيت وسيلة حيوية لديمومة الحوار والتفاعل بين الثقافات. وعلى الرغم من السلبيات التي تشير إليها بعض الدراسات، فإن مواقع التواصل الاجتماعي قد فرضت نمطا من التواصل يمكن أن يسهم في تدعيم مستويات الصداقة التي يمكن أن يكون لها تأثيرا أقوى. ويمكن استثمارها في العمل الايجابي وتحقيق المنفعة والخير للجميع وتوسيع المشاركة وتعميم دمقرطة التواصل التي يتيحها الفضاء الافتراضي.

نسعى في هذا الموضوع إلى الحديث عن الصداقة الافتراضية باعتبارها معطى جديدا أو براديغما اجتماعيا في عالم الاتصال وثقافة التواصل، وعن دورها في توسيع ومد جسور التواصل مع الآخر، قصد المساهمة في فتح آفاق للتساؤل والنقاش وليس تقديم أجوبة لإشكالية جدالية غير محسوم فيها نظرا لطبيعتها الجديدة التي لا تزال مطروحة على طاولة البحث، من أجل إثارة تساؤلات حول مفهوم اكتشاف الصداقة والصديق عبر التواصل الافتراضي (الصداقة بعيون الانترنيت)، ودور الصداقة الافتراضية في التواصل مع الآخر.

الجدير بالذكر أولا أن مفهوم الصداقة الافتراضية لم يتبلور بعد على مستوى الأبحاث النظرية في العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل واضح، ولم تتحدد معالمه بعد لمعرفة أبعاده وتداعياته المستقبلية. والغرض هو محاولة اقتراب منهجي وعلمي للتعرف والتعريف بمستوى علاقة الصداقة الافتراضية، وهل ساهمت في تراجع الصداقة الحقيقية الواقعية؟ أم بالعكس جعلتنا نعيش تجربة جديدة؟ وكيف نوفق بين الصداقة التقليدية التي تتميز بالدوام والامتداد الزمني والاحتفاظ بالذكريات، والصداقة الافتراضية التي تتميز بالدينامية والتغيير؟

 1- اكتشاف الصداقة والصديق

الصداقة من أرقى العلاقات الإنسانية، وهي مشتقة من كلمة الصدق الذي يمثل جوهر القيم التي تضمن تكوين الصداقة الحقيقية وبناء العلاقات الاجتماعية، إلى جانب الإخلاص والثقة. وهي الدافع المشترك بين الناس لتكوين العلاقات، إنها خاصية إنسانية وأخلاقية محضة، ويعد البحث عن الأصدقاء والاختلاط بهم والتعايش معهم حاجة فطرية يفرضها التفاعل الاجتماعي مع الغير، فلا بد أن يكون الإنسان صديقا لهذا أو ذاك، فلم يخلق الإنسان ليعيش منعزلا، ولا يمكنه أن يعيش دون الآخرين، إنها امتحان الاختلاط بالناس، "ويكاد يجمع الفلاسفة على أن كثرة الأصدقاء تأتي حتى قبل الصحة والنبوغ في ترتيب النعم والخيرات التي يرزق بها الإنسان في الحياة" . وقد أشار أرسطو إلى أن الشخص المتفوق يتعلق بصديقه بنفس الطريقة التي يتعلق بها بنفسه، ولذلك نقول أن الصديق هو ذات أخرى. وتقوم الصداقة على التفاعل وتقاسم المشاعر وتبادل الآراء والمواقف والأفكار والاهتمامات، وتفضي إلى تحقيق المنافع المشتركة. ولكن أين نكتشف الصديق بعدما انشطرت الصداقة بين عالمين: عالم حقيقي واقعي وعالم افتراضي لا يتجاوز حدود مساحة الكومبيوتر والأجهزة الذكية؟

لقد أصبحت عوالم الحياة اليومية مع تطورها الكبير وبشكل متزايد، أكثر انغماسا في الثقافة التكنولوجية. وقد كان لغزو التكنولوجيا أثرا على الحياة بالمقابل، فتغيرت الثقافات وتعددت إمكانات البشر بعد التلاحم الكبير بين أوصال العالم بسبب الدمج التدريجي لأطرافه المتباعدة حتى صار أقرب إلى الجسد الواحد. وفي خضم هذا التقارب تكثفت الصداقة عبر الفضاء الافتراضي، ومما ساعد على انتشارها نذكر ما يلي:

 تنامي الإقبال على استخدام الانترنت على مستوى العالم

 سهولة الانتقال بين الفضاءات الاجتماعية المتنوعة، والاتصال بالآخر من خلال حزمة من التطبيقات التي يمكن أن توفر لنا كل ما نحتاجه.

 تمتع الأفراد بهامش كبير من الحرية، والانفتاح على الغير، وإتاحة الجديد خارج محيط الفرد الضيق.

 تجديد المعرفة وسهولة انتشارها وسرعة التحقق منها، نظرا لوجود المعلومات وتوفرها للجميع.

 فتح باب النقاش في كل المواضيع بدون استثناء...

لقد ساهمت هذه الأسباب وغيرها في تزايد الاقبال على الصداقة عبر الفضاء الافتراضي، وكانت هي الدوافع الأصلية لانتشار الصداقة مع الأخر. غير أن صداقة العوالم الافتراضية تطرح أسئلة حقيقية حول هذا المعطى الجديد، ما بين التحذير والتخويف وما بين الترحيب. هل هي صداقة فعلية خاصة في ظل وجود أعدادا كبيرة من الأصدقاء أم صداقة مصلحية سطحية لا تعدو أن تكون مجرد علاقة ظرفية تجمع بين شخصين ثم تنتهي بانتهاء المصلحة التي تجمع بينهم، وأن هذه المواقع لا تساعد الناس على تكوين صداقات حقيقية؟ هنا سأستلهم الرؤية الفلسفية للصداقة عند ابن مسكويه، حيث رأى أن الناس يسعون في حياتهم لنيل واحدة أو أكثر من بين ثلاث حاجات، وهي الله والمنفعة والفضيلة، ويصنف ضروب الصداقة تماشيا مع هذا التصور إلى ثلاثة ضروب، وهي صداقة اللذة أو المنفعة أو الفضيلة، فعلى ذلك فإن "صداقة اللذة تنعقد سريعا وتنحل سريعا لأن اللذة متغيرة، وهي أكثر شيوعا بين الفتيان "صغار السن"... إن صداقة المنفعة تنعقد بطيئا، وتنحل سريعا بانقضاء المصلحة، وهي صداقة كبار السن... إن صداقة الفضيلة تنعقد سريعا وتنحل بطيئا لأن الخير باق بين الناس، وهي صداقة الأخيار" . فاذا حظيت بصديق مفضل فيعتبر ذلك شرف وامتياز.

1 الصداقة عبر التواصل الافتراضي (الصداقة بعيون الانترنيت):

الصداقة الافتراضية مفهوم جديد ظهر بظهور الانترنيت والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي، وصارت تتوسع باستمرار في المجتمعات، وتحولت الحياة نحو الرقمنة، وظهرت مفاهيم جديدة مثل: مفهوم الإنسان المرقمن، الكائن الإلكتروني، المجتمع الالكتروني، البيئة الافتراضية، الثقافة الافتراضية، الهوية الافتراضية، التربية الرقمية، الإبحار الرقمي، العنف الرقمي... وصار "مفهوم صديق في مواقع شبكات التواصل الاجتماعية يعكس عددا عريضا من العلاقات (زمالة، معارف، أفراد عائلة...) ذلك لأنه أخذ منحى آخر عن المعنى الذي يؤديه في العالم الفيزيقي"  وبالفعل فنحن أمام صداقة جديدة تختلف عن الصداقة التقليدية تاريخيا، فالصديق هو الذي نلتقي به حسيا ونتفاعل معه وجوديا، ونتبادل معه الأفكار والأشياء ماديا، ونعرف اسمه الحقيقي وهويته الشخصية، غير أن الصداقة الافتراضية، ربما تكون من خلال اسم مستعار وصورة رمزية فقط. ولذلك اهتزت العلاقات التقليدية التي لم تكن لها القدرة على تحمل التصادم مع هذا الفضاء الجديد.

فإلى أي مدى يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تؤسس صداقات حقيقية من واقع افتراضي؟ هل يمكن اعتبار هذا النوع الجديد من الصداقات البديلة التي رأت النور مع تطور وسائل التواصل في قطيعة مع أشكال الصداقة التقليدية، وهل تلبي حاجيات الصداقة؟ هل التواصل مع الآخرين عبر مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي المشهورة ترتقي لمسمى الصداقة الحقيقية؟ وهل تحترم قيم ومتطلبات الصداقة التقليدية التي تحقق لها البقاء وتضمن لها النماء، وهي: الاعتمادية والتبادلية والدافعية والصدق والوفاء والحقيقة...؟

باعتبار الصداقة قيمة مقدسة، فإنها تطرح تساؤلات حينما يتعلق الوضع بالصداقة عبر الانترنت، عندما تتواصل مع أشخاص بأسماء وهمية، تجهل حقيقتهم وماضيهم وحاضرهم فكيف تثق فيهم؟ كما يمكن استغلال هذه الوسائط المختلفة لنشر الأفكار الداعية للتطرف من خلال بث روح الفتنة والكراهية، ولذلك يجب ايجاد آليات آمنة وضابطة للأفراد عند استخدام مختلف الوسائط الاتصالية الرقميّة.

2 - دور الصداقة الافتراضية في التواصل مع الآخر:

إذا كانت إمكانات الصداقة قد توسعت مع ثورة المعلومات، فيمكن اعتبار الصداقة الافتراضية تطور طبيعي في مسار الحياة، وتطوير لأسلوبها الذي يتناسب مع ايقاع السرعة في عصرنا، مع أشخاص واثقون من الصداقة وموثوق فيهم بحسب مكانتهم من العلم والمعرفة والفهم باعتبار الصداقة رباطا مقدسا مهما اختلفت الوسيلة، فالإنسان لا يولد لنفسه بل يولد للدنيا، وتسعد حياته حينما تحمل أسماء أصدقاء، وليست مجرد انعكاس لوجود الانترنيت، أو صداقة لهدر الزمن والجهد والبحث عن المصلحة. لقد فرضت الصداقة الافتراضية وجودها إلى جانب الصداقة الحقيقية، في عالم يزداد ترابطا وتداخلا، وتتعمق فيه العولمة المفتوحة على أفق المستقبل الذي يتسع لكل الممكنات. لقد أحدثت التطورات السريعة في مجال تكنولوجيا الاتصال تغييرا في كيفية ودرجة التفاعل العالمي بين الأشخاص بطرق لم تكن معروفة من قبل، ولم تكن ممكنة أصلا، ويتجلى ذلك في قدرتها الفائقة في تقليص المسافات والزمن.

لا يمكن الحكم على ايجابية الصداقة الافتراضية إلا من خلال تأثيراتها وانعكاساتها، واستكمالا للرؤية الفلسفية، أشير إلى نموذج عملي للصداقة الافتراضية الناجحة، ويتمثل ذلك في ما يعرف بمنصات التواصل العلمي مثل: قوقل سكولار ورشتتش قايت التي تمثل مستودعا للأبحاث العلمية ووسيلة فعالة في نقل المعلومة وفتح باب واسع للحوار والتواصل وتجاوز بنية التواصل التقليدي المحدود، بين أهل الاختصاص وساهمت في تدعيم دينامية ايجابيات الصداقة، دون النظر إلى الأفراد من حيث الجنس أو البلد أو العمر أو اللغة أو المعتقد أو الثقافة غير أن هذا الفضاء يجمع الجميع دون استثناء في اطار التواصل الاجتماعي فيما بينهم. وتستمر الصداقة تبعا لما توفره شبكات التواصل من معلومات لا يمكن للفرد أن يتوصل إليها بنفسه، هذه الحقيقة تجمع اليوم عددا كبيرا من الباحثين والعلماء عبر العالم وفي مختلف التخصصات والتي لم تكن سوى حلما في الماضي، سيؤدي لا محالة إلى انفجار علمي كبير. فهي على سبيل المثال تؤلف بين عالم من بريطانيا وآخر من ألمانيا وباحث من الأردن وطالب من أمريكا وأستاذ من تونس وخبير من جنوب إفريقيا... للحوار والتواصل، وفي هذا الصدد تقول سامية الجندي" إن صداقات الإنترنت سهلت من عملية التواصل، فأنت تستطيع أن تتحدث إلى صديق تعرفه منذ سنوات ولكن الظروف الزمنية والمكانية باعدت بينكم، كذلك تستطيع أن تصل بالإنترنت إلى قريبك المتواجد في قارة أخرى رغم كل الحواجز والحدود الجغرافية، فهذه الصداقات إذا وظفت بالشكل الصحيح تسهم بشكل كبير في تدعيم العلاقات الإنسانية وتعزيزها” .

إن منصات التواصل العلمية ليست لنشر الرسائل النصية أو الصور ومقاطع الفيديو، بل هي فضاء مفتوح تتوثق فيه صداقة الفكر كرمزية للتواصل الحضاري مع الآخر. كما تساعد في استحداث آليات جديدة للحوار الذي يمثل أحد المخارج لثقافة العنف والإقصاء، وشرطا لتحقيق الذات لمحاربة الانغلاق، وتثمين أواصر الصداقة والتعاون وترسيخ القيم السامية، وإشاعة التنوع والتعددية والانفتاح. كما تسهم في إضافة تجارب الآخر المختلفة إلى تجربة الأنا الخاصة، وفي البحث عن متطلبات الحياة الفاضلة في عالم صار مثقلا بثقافة الكراهية والعنف والإرهاب وهواجس الخوف، ومن هنا يجب تثمينها وحشد الإمكانيات لتعزيز هذا الجسر التواصلي المهم بين الحضارات والثقافات.

خاتمة:

 إن الصداقة عموما ضرورة وجودية بوصفها وسيط الشخص لاكتشاف الصديق، وخوض تجربة الالتقاء بالآخر الغريب والأجنبي والعيش في حياته، ونسج الروابط معه في إطار تفاعلي ومثمر بين الأصدقاء. إن الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت بكثرة هم في حياتهم الحقيقية أكثر تواصلا اجتماعيا من الذين لا يستخدمون الإنترنت بكثرة. والغرض من الصداقة هو السعي لتطوير الذات والرقي بها نحو الأفضل. والصداقة الافتراضية نختارها بأنفسنا بكل حرية ولما نشعر أنها انحرفت عن وظيفتها وأهدافها، فإننا سرعان ما نتخلى عنها، إذ ليست هناك قوة تدفع إلى الصداقة إذا لم يكن مرغوبا فيها. وأكدت الكثير من الدراسات على وجود علاقة إيجابية بين مستوى الصداقة الواقعية، ومستوى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي. غير أن البعض الآخر يرى أنه على الرغم من نجاح وشيوع الصداقة عبر الأنترنيت إلا أنه يفضل الصداقة والعلاقات الواقعية، التي تعتمد على اللقاء المباشر مع الصديق في صورتها التقليدية، وهذا عكس الصداقة الافتراضية التي هي صداقة هشة في الزمن وسريعة الزوال تنتهي بانتهاء المصلحة.

ومهما يكن تبقى إشكالية الصداقة الافتراضية مسألة خلافية غير محسوم فيها، ومهما يكن أيضا فإن الإنسان يحتاج إلى الصداقة من أجل البحث عن المشترك الإنساني واكتشاف الأسس الروحية المشتركة، وتعزيز التضامن داخل المجتمعات ذات الثقافات المتنوعة، وبين شعوب العالم قاطبة مما يؤدي إلى فهم أفضل للتحديات التي تواجه الإنسان وأسباب الصراعات والحد منها.

وعلى المجتمعات ذات البنية التقليدية أن تتكيف وتسعى إلى حوكمة هذه المواقع والاستفادة من هذه الثورة العلمية بدلا من التركيز على الوجه السلبي للتكنولوجيا الرقمية ومحاولة محاصرتها ومنعها وحجبها دون جدوي، في محاولات يائسة، وأن تعي أن الاختلاف يكون دافعا للتعاون وليس للتصادم، ويجب أن تحكمه القيم الأخلاقية التي تراعي حق الآخر في الاختلاف. "كان (وليم اوسلر) يقول: إن الرجل يبدأ في الشيخوخة عندما يعجز عن اكتساب أصدقاء جدد، لأن مداومة الاختلاط بالناس دليل على الاستعداد للتطور واستيعاب الأفكار الجديدة، والحيوية وحب الحياة" . واذا كنت تمتلك أصدقاء فأنت غني، ويبقى التساؤل قائما عن مستقبل الصداقة الافتراضية، التي تستند على التكنولوجيا في ظل الأفق العالمي للصداقة، وكيف تتحول إلى "نافذة فرح وحياة" على حد تعبير الأب نادر ميشيل اليسوعي، وإلى صداقة حقيقة في عالم افتراضي تحكمه متغيرات متداخلة ولا يحظى بثقة الجميع؟

 

د. نابي بوعلي

جامعة معسكر /الجزائر

...........................

الهوامش:

1- محمد الأمين لعليجي، علاقات الصداقة بين الواقعي والافتراضي، مجلة علوم الانسان والمجتمع، عدد16،سنة 2015، الجزائر.

2- زيد بن محمد الرماني، الصداقة وتوسيع آفاقنا الفكرية، https://www.alukah.net.

3 ابن مسكويه، تهذيب الاخلاق وتطهير الأعراق، دراسة وتحقيق عماد الهلالي، منشورات طليعة النور.

4 الأب نادر ميشيل اليسوعي، الصداقة فرح وحياة، دار الشروق، بيروت، ط1،2013.

 

علي المؤمنالمرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي (5)

الخلاف داخل الحوزات العلمية لم يكن يوماً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً، ولن يكون؛ إلّا في مخططات الخصوم والأنظمة ووسائل الإعلام الطائفية، أو لدى أصحاب المصالح والمنفعلين؛ لأن الحوزات العلمية في بغداد والنجف وقم والحلة وجبل عامل وكربلاء ومشهد وإصفهان وسامراء والكاظمية والأحساء والبحرين، لا تزال تستخدم المناهج الدراسية والسياقات العامة والأفكار نفسها، الى حد التطابق غالباً، وتعتمد سبل التعاون والتبادل والتكامل نفسها، منذ 1200 عام وحتى الآن؛ حتى يمكن القول أنها حوزة علمية واحدة، فيها فروع مناطقية منتشرة في بلدان الكثافة السكانية الشيعية. وقد يتألق فرع على حساب الفروع الأخرى في زمن معين، وقد يأفل ويضعف بعضها مقابل صعود آخر. وهذا التألق والصعود والنمو أو الأفول والضعف والإنكماش يرتبط بظروف خاصة بالفرع الحوزوي حصراً أو بانتقال بعض المراجع والفقهاء من فرع الى آخر.

أما الخلاف الحقيقي داخل الحوزات العلمية، فهو يتصل بالخلاف حول تطبيقات الإلتزام بمنهجية عمل الحوزة وسياقاته المتعارفة، وأهمها طريقة إعلان بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خارج السياقات والمعايير المتعارفة، وطرح بعض الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة سلوكيات ترتبط بالشان العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعيات العليا المتصدية، وتساهم في تمزيق الواقع الشيعي.

وقد يتفاقم هذا التعارض في الأفكار والسياقات والسلوكيات لدى بعض علماء الدين الى المستوى الذي يحوّلهم الى خط عرَضي خاص؛ مقابل الخط المرجعي العام في النجف أو قم. وهو ما حصل - مثلاً - مع الشيخ محمد الخالصي في الكاظمية خلال عقد الخمسينات وبداية عقد الستينات من القرن الماضي، مقابل مرجعية السيد محسن الحكيم التي تمثل الخط المرجعي العام؛ حتى أخذ خصوم الشيخ الخالصي يتهمونه بالتسنن، وأن له جماعة خاصة تنسب إليه، عرفت بجماعة الخالصي. لكن خط الخالصي ضعف كثيراً بعد وفاته في العام 1963.

وحصل الأمر نفسه مع السيد محمد الشيرازي في كربلاء منذ بداية عقد الستينات، حين كان شاباً وطرح نفسه مجتهداً ثم مرجعاً، خارج السياقات المتعارفة، وتحول تدريجياً الى جماعة خاصة تعرف بجماعة الشيرازي؛ تقابل مرجعيات الخط العام المتمثلة في السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي. وقد ظلت مرجعية النجف تشكك في اجتهاد السيد الشيرازي، فضلاً عن مرجعيته. وبعد وفاته في قم في العام 2001، أصبح شقيقه السيد صادق الشيرازي خليفة له في المرجعية وقيادة الجماعة، إنطلاقاُ من حوزة قم. وفي الوقت نفسه استقل السيد محمد تقي المدرسي عن مرجعية خاله السيد صادق الشيرازي، وأعلن مرجعيته الخاصة التي استقطبت جزءاً من الشيرازيين أيضاً.

وهناك علماء دين أخرون يمارسون حالياً نشاطهم الديني في النجف وكربلاء وقم ولبنان ولندن، وبات لهم خطاً خاصاً يتعارض مع الخط العام للمنظومة المرجعية الشيعية، إلّا أن هذه الخطوط لم تتحول بعد الى جماعات مؤثرة دينياً في الشأن الشيعي العام وذات امتدادات جغرافية ملموسة.

وإذا كانت معايير الخط العرَضي الخاص تنطبق فعلاً على جماعة الخالصي وجماعة الشيرازي، كما يعتقد الرأي العام الحوزوي؛ فإن بعض جماعات الضغط والمصالح ظلت طوال تاريخ الحوزة العلمية تستغل معادلة الخط العام والخطوط الخاصة، وتحاول أن تعممها على فقهاء أخرين يتميزون بفاعليتهم الفكرية وحراكهم النهضوي الإصلاحي، برغم عدم انطباق معايير الخط الخاص عليهم بتاتاً. ولكن سبب ذلك يعود الى التعارض بين حراك هؤلاء الفقهاء والمراجع النهضويين، وبين مصالح بعض جماعات الضغط. وربما كان الشيخ فضل الله النوري في إيران والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء من أوائل الفقهاء المعاصرين الذين تعرضوا لهذا اللون من الشبهات. إلّا أن الإمام الخميني والشهيد السيد محمد باقر الصدر هما أكثر مرجعين معاصرين واجهوا شبهات تكوين خطوط عرَضية خاصة، منذ عصور مرجعيات السيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي.

والحال أن ممارسة هذا اللون من الحراك العام المميز عن الحراك المرجعي السائد؛ هو نوع من أنواع الإجتهاد في تشخيص المصالح والمفاسد؛ لطالما كان هذا المرجع والفقيه قد درس في الحوزة بشكل طبيعي تقليدي، وحصل على درجة الإجتهاد من أحد أساتذته المعترف باجتهادهم وفق العرف الحوزوي، ثم طرح مرجعيته وفق السياقات التقليدية المتعارفة أيضاً. وبعد ذلك لا يضره أن يمارس الحراك العام وفق اجتهاده، في حدود عدم التضارب مع التوجهات العامة للمرجعية العليا، وعدم خلق شقاقٍ في المجتمع الشيعي.

إذاَ؛ معايير الإلتزام بالخط الحوزوي والمرجعي العام هي:

1- التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2- حصول عالم الدين على درجة الإجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً.

3- عدم خروج عالم الدين على الإجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4- عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام.

5- إلتزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته.

وإذا لم يلتزم عالم الدين بهذه المعايير؛ فيعني أنه سيشكل خطاً خاصاً عرضياً لاينسجم مع الخط العام للمرجعية والحوزة. ولذلك يمكن معرفة مصاديق الخطوط العرَضية الخاصة من خلال تطبيق هذه المعايير الخمسة.

أما خلاف المنهجيات المحافظة والإصلاحية والثورية في الحوزة العلمية، والتي تتمظهر في تباين وجهات النظر على الصعد الإجتماعية أو السياسية أو السلوكية، في إطار الفقهاء والمراجع المعترف باجتهادهم ومرجعياتهم وفق المعايير المذكورة؛ فهو خلاف اجتهادي وتكويني متعارف ومقبول؛ شأنه شأن أي خلاف إنساني؛ شرط أن لا يتسبب في انشقاق الواقع الشيعي وتشرذمه؛ أي أن يبقى محصوراً في حدود الدوائر الحوزوية ذات العلاقة؛ بل أن من أكبر الكوارث أن يتم الإحتكام الى الشارع المتدين أو جمهور المقلدين والأنصار؛ ليحولها المنفعلون والجهلاء الى معارك، كما حصل في فترات زمنية سابقة ولاحقة، ومنها الخلافات بين الإخباريين والأصوليين في كربلاء وإصفهان والنجف طوال قرن وأكثر، والخلافات بين أنصار المشروطة والمستبدة في طهران والنجف في أوائل القرن العشرين، والخلاف بين الخالصيين وأنصار مرجعية النجف في الكاظمية في خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي، والخلافات بين الشيرازيين وأنصار المرجعية النجفية في كربلاء والكويت والبحرين وقم طيلة ستة عقود، والخلاف بين أنصار السيد الشريعتمداري وأنصار الثورة الإسلامية؛ لاسيما في تبريز وقم في أوائل ثمانينات القرن الماضي، ثم بين أنصار الشيخ المنتظري وأنصار المرجعية العامة في قم وإصفهان، أو بين أنصار السيد محمد حسين فضل الله وأنصار بعض مرجعيات النجف وقم في الفترة نفسها، وكذلك الخلاف في النجف وغيرها بين أنصار السيد محمد الصدر وأنصار بعض مرجعيات النجف في تسعينات القرن الماضي، ثم امتدادها الى مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي في العام ٢٠٠٣.

هذه الخلافات؛ الصحية أحياناً؛ كونها تحرك الركود والجمود؛ كان يمكن أن تمر بشكل طبيعي، ككل الخلافات المتعارفة الأخرى بين الفقهاء والمراجع العدول في المسائل الفقهية وفي تشخيص المصالح والمفاسد؛ فيما لو تمت إدارتها إدارة حكيمة، ولم تستثمرها جماعات الضغط والمصالح الداخلية؛ كمادة دسمة تعتاش عليها، ولم تنزل الى الشارع وتتحول الى فتنة إجتماعية، ولم يسمح للخصوم الخارجيين باستغلالها وتأجيجها بهدف تضعيف الحوزة والمذهب والطائفة.

بيد أن الجانب المهم في هذا اللون من الخلافات؛ هو أنه لايؤثر في الأبعاد العلمية وأحجام النفوذ الديني للفقهاء والمراجع المعترف باجتهادهم ومرجعياتهم حوزوياً، ولا يكرس توصيف بعضها خطاً عاماً والآخر خطاً خاصاً، كما فصّلنا في الحلقة السابقة؛ أي أنها لا تشبه الخلاف بين المرجعيات التي تمثل الخط العام، والخطوط الدينية العرَضية الخاصة التي لايعترف الرأي العام الحوزوي باجتهاد أصحابها ومرجعياتهم.

وهناك أمثلة قريبة تاريخياً بشأن الخلاف الصحي المتعارف بين المرجعيات في الموضوعات الفقهية والنظرة الى الشأن العام. ومن أهمها ظاهرة الثنائية بين مرجعية السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومرجعية السيد الخوئي المحافظة في خمسينات وستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي، والتي استطاع خلالها السيد محمد باقر الصدر إيجاد منهجية ثالثة فاعلة؛ لكنها لم منظورة حينها؛ إذ ظلت تتمظهر - غالباً - في الفعاليات والنشاطات المحسوبة على مرجعية السيد الحكيم وجماعة العلماء في النجف الأشرف وكلية الفقة. أي أن واقع الاجتماع الديني النجفي أصبح ينقسم في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي إلى ثلاث منهجيات رئيسة:

1 - المنهجية الوسطية الإصلاحية المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقيه واسعة في الأمور الحسبية ورعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح مقيد في السلطة. ومن الفقهاء المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ محمد رضا المظفر والسيد عبد الله الشيرازي، وحالياً السيد علي السيستاني. وتماثلها في قم مرجعيات السيد محمد رضا الگلپايگاني والسيد كاظم الشريعتمداري والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي. وهي منهجية متأثرة بمدرسة الشيخ الأخوند الخراساني والشيخ فتح الله الإصفهاني والشيخ الميرزا النائيني والسيد أبي الحسن الإصفهاني.

2 - المنهجية التقليدية المحافظة المتمثلة في مرجعية السيد أبي القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقيه محدودة في الأمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوعة السلطة. وهي متأثرة بمدرسة السيد كاظم اليزدي والشيخ ضياء الدين العراقي. ومن المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: مرجعيتا السيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محمود الشاهرودي. وتماثلهما في قم مرجعيتا الشيخ عبد الكريم الحائري والسيد حسين البروجردي سابقاً، والشيخ حسين الوحيد الخراساني حالياً.

3 - المنهجية التغييرية الثورية المتمثلة في الفقيه الشاب السيد محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وتحول جذري في السلطة وإنخراط في العمل التغييري الثوري. أما في قم فإن هذه المنهجية أسسها الإمام الخميني. وأبرز المراجع المتماهين مع هذه المنهجية هم تلاميذ السيد الشهيد الصدر والإمام الخميني، ولا سيما السيد محمد الصدر والسيد محمود الهاشمي والسيد كاظم الحائري والشيخ حسين علي المنتظري والسيد علي الخامنئي والشيخ جعفر السبحاني والشيخ فاضل اللنكراني. فضلاً عن مراجع آخرين أحياء تتلمذوا في مدرسة السيد حسين البروجردي؛ لكنهم خالفوا أستاذهم في مسألة ولاية الفقيه العامة؛ فقالوا بها وانخراطوا في الحراك الثوري التغييري الذي قاده الإمام الخميني؛ كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي والسيد موسى الشبيري الزنجاني والشيخ لطف الله الصافي الگلپایگاني؛ برغم أنهم ليسوا من تلاميذ الإمام الخميني.

والملاحظ في النجف في ستينات القرن الماضي، أن المنهجيات الفقهية والتطبيقية المتفاوتة الثلاث، والمتمثلة في السيد محسن الحكيم والسيد أبي القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، كانت تتبادل الحماية والدعم والتأييد. وحصل الأمر نفسه في أوائل عقد الستينات من القرن الماضي؛ حين مارست مرجعيات قم المحافظة والإصلاحية دور الحماية لمرجعية الإمام الخميني التغييرية الثورية.

وقد يرى بعض المراقبين مفارقة في هذا المجال؛ فكيف يدعم التيار الديني التقليدي المحافظ تياراً إصلاحياً وآخر ثورياً، أو العكس؟!. لكن من يعرف قواعد تفكير المرجعية العليا التي تمثل الخط العام، وأساليب حركتها؛ سيدرك بأن هذه المرجعية تمارس - عادة - دور الأبوة لكل التيارات والوجودات في الوسط الشيعي، وتعمل على حمايتها وعدم التفريط بها، وشدها إليها بهدوء وصبر؛ للحؤول دون انكفائها خارج المنظومة الدينية الشيعية؛ سواء كانت المرجعية العامة نفسها ثورية أو إصلاحية أو محافظة.

 

د. علي المؤمن

 

داود السلماننحن لسنا ضد الذين، والمثقف الحقيقي لم يكن في يوم من الايام، وقف يكافح ازاء الدين، ومن قال غير هذا هو من يريد زرع فجوة بين المثقف والدين، فجوة لا يمكن ردمها، اما: لغاية في نفسه، أو لكسب منفعة، أو هو ذاته لم يفقه فلسفة الدين ولا يدرك مغزى وهدف الدين؛ اليس الدين هو اخلاق الهية يطبقها صاحب الدين على نفسه ويتعامل بها مع الآخرين؟. اليس الدين يدعو الى الخير والسعادة والقيم النبيلة؟، وحث الناس على العمل الذي ينجي الناس من براثن الكسل والتكاسل وعدم الافراط بحياة ومصالح جميع الناس على حد سواء، الا ما يخدم مصالحهم المشتركة، التي يفضي بالتالي الى انبثاق روح المحبة والاخلاص والتفاني من اجل الكل، بغض النظر عن صالحهم وطالحهم، ابيضهم واسودهم، وهو ما تدعوه الاديان جميعها، وتشهد عليه فلسفتها وقيمها التي قامت هي نفسها بنفسها؟. هذا ما يعلمه المثقف، والمثقف المطلع، الذي يدرك الهدف السامي لقيم الدين، وما يفهمه كذلك من فلسفة نادى بها الدين، وبيّن رسالتها الانسانية منذ تاريخها، يوم كان الانسان هو اقرب الى الحيوان الاعجم منه الى الانسان العاقل، أي قبل اكتشاف النار، وتحديدا، يوم كان يسكن الكهوف ولا يعرف كيف يبني له منزلا يقيه من القر ومن الزمهرير، ورويدا رويدا حتى وصل الى ما وصل اليه اليوم من تقيات العصور الحديثة وهذا التطور العظيم. كان قد استنجد بالدين ولاذ به كما يلوذ الوليد الصغير بأمه، حينما يشعر بمخاطر جسيمة تحف به.

هذا هو الدين، بتعبير آخر، الدين ملاذ الانسان الذي يصد به المخاطر الخارجية، وبالخصوص المخاطر غير المعلنة، المخاطر المتوقعة، والمجهولة والتي لا يدرك كنهها، ومنها الموت وما بعد الموت والحياة الاخرى التي سيؤول اليها، وما يصاحبها من قضايا يجهلها، ولم يستطع عقله أن يدركها، لأنها فوق مستوى عقله ويعجز عن تفسيرها لبه.

لكن ما هو الدين الذي يريده المثقف، أو بالأحرى الدين الذي هو كان قد فهمه وغاص في اعماق فلسفته؟. هذا هو السؤال.

يرى البير كامو، الفيلسوف والكاتب الروائي "إن طريق الحياة وعرٌ وشاق بدون مساعدة الدين والفن والحب". اذن ثمة ثلاث ركائز رئيسية يمكن لنا من خلالها أن نضع اقدام النجاح في حياتنا ومسقبلنا، هي هذه المعان الثلاث، وقد جعل كامو اول ركيزة هي الدين. وأن فقدنا ركيزة واحد من هذه الركائز سوف يُكتب لنا الفشل، وما بعد الفشل الا الخسران المبين، وعلى وجه الخصوص الركيزة الاولى، التي هي الدين. لكن المشكلة هي في من يستغل الدين ويتخذه مطية يمتطيها في تحقيق مآربه واهدافه. ومثل هؤلاء هم من عناهم شوبنهاور بقوله "الطبيب يشاهد كل الضعف البشري، والمحامي كل الشر، ورجل الدين كل الغباء". يصبح غبيا، رجل الدين، بحسب الفلسفة الشوبنهاورية، حينما يستغل الآخرين ويستفزهم واحيانا يسرق اموالهم ويحتال عليهم، بل وطورا يكذب عليهم بنصوص ينسبها الى الاله وربما الى الانبياء، فلا يخجل من هذا الكذب والتدليس والمراوغة، كل ذلك من اجل مصالحه واهدافه، فهو يجعل المبررات منساقه لخدمته، لا تهمه مصلحة الناس بقدر ما تهمه مصلحة نفسه، اذ يعد نفسه أنه يتصف بالأخلاق، لكن الاخلاق بعيدة عنه كل البعد، فالذي يدلس لا يفقه قيمة الاخلاق، اليس الاخلاق هي رسالة الانبياء؟، اليس هي من دعا اليها بعد الانبياء هم الفلاسفة والعلماء واهل الاصلاح من الخيرين؟. فأين هم من اولئك. وكأن سقراط هو الطبيب الماهر وعالم النفس المتحذلق حينما كان يرى إن" قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندم عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها". فهذه كالسرطان القاتل لا دواء ينفعه ولا طريقة تجدي به، لأن حالته وصلت الى ادمان الجهل، وركوب المخاطر التي لا يمكن المحيص عنها.

واذا كان بعضهم يصف هذه بـ "الاخطاء" أي هذه الامور التي يرتكبها، بقصد، معظم رجال الدين، وبمرور التاريخ، فهي اخطاء كارثية، ففيها زهق ارواح، وسلب اموال، ومصادرة حقوق، وتضييق حريات، واتهام المفكرين بالهرطقة، والفلاسفة بالزندقة. فمن يعيد لكل هؤلاء الذين وقع عليهم الحيف، ويعيد اليهم حقوقهم، الحقوق المعنوية والعينية معا. وبحسب تعبير ديفيد هيوم " بشكل عام، الأخطاء في الدين خطيرة، بينما التي في الفلسفة سخيفة فقط". وهيوم هنا لا يعني بعبارة "سخيفة" المعنى المستهجن او يريد الانتقاص من قيمة الفلسفة، بقدر ما يريد القول: إن الاخطاء الفلسفية يمكن اصلاحها والرد على مدلولاتها كأن يكون قد التبس على الفيلسوف الامر، أو عصت عليه مسألة من المسائل ففهمها كما فهما هو. وكانت معظم الفلسفات تقوم على نقض الفلسفات التي سبقتها، بمعنى آخر إن الفيلسوف ينتقد الفيلسوف الذي سبقه كأن يبطل فلسفته ويأت بعكسها، أو يقوضها فمثلا أن فلسفة كارل ماركس هي جاءت نقيض من فلسفة هيجل، وبالتالي ظلت فلسفة هيجل كما هي وكذلك ظلت فلسفة ماركس قائمة بذاتها، بل جاءت مدارس أخرى كثيرة بعد ماركس انتقدته وحاولت ابطال فلسفته، حتى حينما كان يرى ماركس "إن الدين افيون الشعوب" فقد جاءت دراسات وبحوث واقوال كثيرة تثبت عدم صحة هذه العبارة واعتبرتها مقولة مبالغ بها وغير دقيقة.

ثم اليس فرانسيس بيكون، كان يعتقد " إن قليلا من الفلسفة يجعل الإنسان يميل إلى الإلحاد، أما التعمق والتبحر فيها فيجعلان عقل الإنسان يميل إلى الدين". وكأن بيكون هنا ينتقد ماركس على مقولته هذه، فيعتبره غير متعمق بالفلسفة، وأن هذه المقولة فيها قسوة مفرطة على المتدينين، علما أن بيكون كان فيلسوف متدينا، بعكس ماركس الموغل بالمادية، والمادية الجدلية. والفلاسفة بحسب تقييم بعض مؤرخي الفلسفة ينقسمون الى ثلاث فئات: ماديون، ملحدون، لاأدريون. ولكل من هذه الفئات الثلاثة مدارسها واتباعها، منذ الفلسفة اليونانية والى يومنها هذا، هي مدارس قائمة بذاتها.

الدين، إذن، لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الاحول، ولا يمكن تبديله، اذ هو والعلم صنوان لا يفترقان، فكما نحتاج للعلم كذلك نحتاج للدين، وافضل من عبر عن هذا هو مارتن لوثر كينج بمقولته "العلم يبحث؛ الدين يفسر.. العلم يعطي الإنسان المعرفة والتي هي قوة؛ الدين يعطي الإنسان الحكمة والتي هي ضبط.. العلم يتعامل أولاً مع الحقائق؛ الدين يتعامل أولاً مع القيم.. الاثنان ليسا متضادين، بل مكملان لبعضهما البعض". فالعلم نكسب به الاولى ونعمّر به الثانية (الدنيا- الآخرة) كما الابدان تحتاج الى تقويمها وديمومتها ومقاومتها للأمراض وما يعتريها من خطوب واهوال، كذلك تحتاج النفس الى ما يقيم أودها لكي تستقر وتمعن بالأمان.

الانسان يحتاج الى قوة ودافع، على اعتباره كيان ضعيف، حتى يقاوم ما يلاقيه من صعوبات الحياة، كي يستمر ولا يتمزق شراعه بأول عاصفة تعتري طريقه في لجة الابحار، فيستسلم لها كالغريق الذي تلقفته موجة البحر فقذفته في الاعماق. هنا سيكون مصيره الغرق لا محالة، فلا من مُنجي ولا من منقذ، بعكس الذي يمتلك قوة، وقوة جبارة، لا تداهن ولا تستسلم، فهو المنتصر، هو القائد الباسل الذي تحوطه جيوش جرارة، وعساكر كثيرة، لكنه يمتلك إرادة صلبة وتحت امرته جنود كماة لا تهاب الموت، ولا تخشى العدو، فسُيكتب له النصر، وسيعود ظافرا مرفوع الهام.  وهذا الذي عبّر عنه جورج برنارد شو، الكاتب المسرحي الكبير " الدين قوة عظمى.. انه القوة الدافعة الحقيقية الوحيدة في العالم".

 

داود السلمان

 

عبد الجبار الرفاعيهلع الكتابة: منذ بدأتُ الكتابة مازلت أتهيّب الكتابة، ففي كل مرة أقرر أن أكتب أحاول الهروب، وغالباً ألتمس الأعذار بانشغالي، وندرة ما يتوافر لدي من وقت فائض اُخصصه للكتابة، وربما هربت إلى حيل نفسية، تنقذني من مأزق "هلع الكتابة". كنت أحسب أني مصاب بشلل في الإرادة، وأني أنفرد بذلك، غير أني اكتشفت أن معظم الكتاب الجادين يعانون من ذلك، ولعل من أعنف توصيفات وجع الكتابة ما تحدثتْ عنه الأديبة آني إيرنو، بأن "الكتابة كخنجر"[1]، أو قول إرنست همنغواي عندما سُئل عن أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يصبح كاتباً، فأجاب: "إن عليه أن يذهب ويشنق نفسه، لأنه سيجد أن الكتابة صعبة إلى درجة الاستحالة. ثم ينزل عن المشنقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية الباقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية"[2].

يبدو أن هروبي وغيري من الكتابة يكشف عن شعور غاطس في الوجدان، من خشية الفشل في إنتاج نصٍّ يرضي القراء، ويمنحنونه اعترافهم، مثلما يخشى الفشل كلُّ شخص يباشر عملاً نوعياً في حياته، فيحترز ويحذر كثيراً، قبل أن يقدم على أية خطوة في إنجازه.

لا شكَّ أن طلب الكمال، والرغبة بالظفر بمنجز فائق الجودة، والمبالغة في التهيب من الوقوع في مغامرة الأفعال الصعبة، يصبح أحياناً عائقاً يمنعنا من الإنجاز، ويقعدنا عن المباشرة بالعمل، أو يعطلنا في منتصف الطريق عن الاصرار على المضي فيه، حتى جني الثمرة. في حالة كهذه لا ينجح إلاّ أولئك المغامرون، ممن لا يتهيبون الاقتحام، ولا يترددون في الاقدام على أي عمل، مهما كان شاقاً وخطيراً، فإن الأعمال الخطيرة لا تنجزها إلاّ الهمم والعزائم الكبيرة.

الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون

يسألني الكثير من تلامذتي عن: كيف يمكنهم تعلم الكتابة، وعن مجموعة القواعد والمعايير والوسائل التي تمنحك تلك الموهبة؟ وعادة ما أجيبهم أن ليست ثمة قواعد ووسائل صارمة تقودهم إلى احتراف الكتابة. بل طالما كررت أنه "كما الاقتصاد سياسة مكثفة، كذلك الكتابة مطالعة مكثفة". فمن دون تراكم قراءات متنوعة متواصلة ليس بوسعنا أن نكتب ماهو مفيد. في القراءة أيضاً علينا أن ندرك ألا كتاب حقيقياً يُغني عن بقية الكتب، وأن ليس هناك كاتب تغني مطالعة آثاره عن آثار كلّ الكتّاب.

الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون، مالم تكن قارئاً نهماً لا تكف عن ملاحقة كل ما هو هام من إنتاج فكري وأدبي، لا يمكنك أن تكتب ما هو هام ومميز، خاصة مطالعة ما يتصل بالمجال الذي تتمحور اهتماماتك فيه.

يمكننا العثور على أحد أهم مفاتيح دراسة تقدم اليابان في: كثافة القراءة، وشغف المجتمع بمطاردة المعلومة، وولعه المزمن باكتشاف المجهولات، وصمته المتأمل الطويل، الذي يبوح بكلام أعمق وأدق من: صخب السياسيين، وثرثرات وعاظ السلاطين، وضوضاء المعلمين، وضجيج الدارسين.

طالعت قبل سنوات عديدة، أن الصحافة في اليابان توزع يومياً ما يُقارب تسعين مليون نسخة. ومن الطريف أن اليابانيين وضعوا في إحدى الساحات المعروفة، تمثالاً لرجل يمسك بكتاب، وهو يقول: "إن وزنك بعدد ما قرأت من كتب، لا بعدد الكيلوغرامات التي تمتلكها".

لا تبدأ الكتابة من الصفر. لا يبدأ من الصفر إلا الصفر.كل كتابة جادة هي نحو استيعاب وهضم وتركيب لبناء جديد، يتسع نسيج الكتابة لاستيعاب شيء من كتابات سابقة، مُعاد ابتكارها. الكتابة تتخلق باستمرار في صيرورة جدلية، تتمثل ابتكار السابق، وتعيد خلق اللاحق.

الكتب الخالدة هي خلاصة خصبة جداً لمكتبات كاملة، تم استيعابها وهضمها وتمثلها، وإعادة سبكها وتكوينها في مركّب مختلف، لا يَتَلَمّس مرجعياته والمناهل التي استقى منها إلاّ أولئك الخبراء من القراء.

ولا أعني بذلك المحاكاة التقريرية، أو سلخ أعمال الآخرين وانتحال كتاباتهم، أو ترجمة نصوص من لغة ثانية ونسبتها إليه، والبراعة في محو الأصول، وإخفاء آثار الانتحال والترجمة. بل أعني أن النص الجديد للكاتب هو مخلوق جديد، لا يشبه منابع إلهامه، ولا يحاكي مطالعات الكاتب، أو يستنسخها ويتطابق معها. أي أن كتابته هي نحو تفاعلِ مجموعةِ عناصرَ لتنتج مركّباً جديداً لا يشبهها، إنها بمثابة إنتاج مركب صناعي من عدة عناصر، لا يعود يشبهها في صفاته ووظيفته، كما هو تركيب الماء، من الأوكسجين والهيدروجين.

في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. لا تبدأ أية كتابة من الصفر، ففي كل نص ترقد الكثير من النصوص. في كل كتاب ترقد الكثير من الكتب. يتوالد كل نص مما يختزنه الكاتب من نصوص مسبقة. في كل نص تترسب نصوص عديدة متنوعة، تحيل إلى مطالعات الكاتب.كما أنه: قبل كل تفسيرٍ تفسيرٌ قبلي، قبل كل تأويلٍ تأويلٌ قبلي، قبل كل فهمٍ فهمٌ قبلي، أيضاً قبل كل نصٍّ نصٌ قبلي.

الكتابة بلا قراءة هي نحو من اجتراح المستحيل، إنها بمثابة من يحاول تشغيل محرك بلا وقوده الخاص. لا أنفي وجود أمثلة تفتّقت عن إبداع خلّاق في الفلسفة والأدب والفن، كان منبع الإلهام الأثرى لها هو التأمل العميق، والسياحة العقلية الروحية العاطفية في الآفاق الظاهرة والمضمرة للذات والانسان والحياة والعالم. لكن تلك الأمثلة إنْ هي إلاّ انفرادات استثنائية جداً.

الكلمات في الكتابة صوت التفكير. الكتابة بلا تفكير ليست سوى صوت طبلٍ أجوف. الكتابة بلا تفكير أسوأ أنواع الكتابة، والأسوأ منها الكتابة قبل تعلّم التفكير. الكتابة ضرب من التفكير المزمن، والعمل المستمر على تعلّم التفكير. وإن كان الكثيرون في بلادنا يكتبون بلا تفكير، أو يكتبون قبل أن يتعلّموا التفكير. لا نتعلّم التفكير إلاّ بالتفكير.

الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير، ومن كل ما يوقظ العقل من سباته، لذلك يفتشون على الدوام عمن يفكّر عنهم بالنيابة، فيعودون في كل شيء يسير أو خطير في حياتهم إلى من ينوب عن عقلهم.

الجبان عقله مشلول، لا طاقة لديه للتفكير، ذلك أن التفكير شجاعة، وأحياناً تكون ضريبته موجعة، وفي بلادنا من يفكر بحرية لابدّ أن يكون مستعداً للتضحية بمقامه وماله وانتمائه لجماعته، بل ربما حياته.

أخطر أنماط العبودية عبودية العقل، هي التي تفضي إلى عبودية الروح والعواطف والضمير. صاحب العقل يشقى بعقله. الجاهل يمرح بجهله. تعطيل العقل مهرب للخلاص من مرارت الواقع، تنويم العقل ملاذ لتخديرنا من آلام الحياة المنهكة. لكنه أيضاً ضرب من الحياة النيابية، التي تغيب فيها الأنا الشخصية، ويكفُّ فيها الكائن البشري عن أن يكون هو.

إنما نتعلم التفكير بالتفكير، نتعلم المطالعة بالمطالعة، نتعلم الكتابة بالكتابة،كما نتعلم الرسم بالرسم. لكن حتى التفكير ربما يصير أحياناً ضداً للتفكير، حين يطمس الكاتبُ العقلَ بعقله، ويعطّل التفكيرَ الحر بتفكيره، ويختزل كلَ شيء بما لا يختزل به.

كسر احتكار الكتابة

إن كانت الكتابة تتوالد من المطالعة والتفكير، فبماذا نفسّر تدفق كل هذا الكم الهائل كالشلال اليوم من النصوص. بعد شيوع قنوات النشر المجاني، وإتاحتها الفرصة لكل من يشتهي الكتابة والنشر، أضحى عدد الكتّاب بعدد صفحات الفيس بوك وتويتر والصحف الألكترونية والمواقع العامة والشخصية على الأنترنيت. ومعظم هؤلاء ممن لا علاقة له بالقراءة بالمفهوم الاحترافي.

هذه الظاهرة تعبّر عن منعطف بالغ الدلالة، يؤشر إلى انتقال الاجتماع البشري إلى عصرٍ ثقافيٍّ جديدٍ. هو منعطف كأنه قدر ثقافي، لا يمتلك المرء حياله خيار الرفض والمقاطعة، لأنه يحيطنا ويغطي كلَّ فضاءٍ في حياتنا.

حتى أولئك القلائل الذين يتعاطون معه بريبة وخوف، ويرونه ضيفاً غير مرحب به، يعرفون ألا أحد اليوم يستغني عن الأنترنيت وما يقدّمه من خدمات، وما يؤمّنه من شتى احتياجات الفرد والمجتمع، وما يموج به من بحار المعارف والعلوم والفنون، مما لم يجتمع في حيز واحد، بهذا الشكل المجاني الميسر الاستخدام، مذ عرفت البشرية تداول المعارف والعلوم.

إنها المرة الأولى في تاريخ الحضارة التي يخترع الانسان فيها فضاءً افتراضياً موازياً للفضاء الواقعي، يعمل على تأمين المتطلبات البشرية الواقعية، بحذف الكثير من الكلف والمشقة والمعاناة والجهود المرهقة.

من سمات هذا العصر الثقافي الجديد كسر احتكار الكتابة، وتعميمها للكل، وهو تحوّل بالغ الأثر في الحاضر والمستقبل.

لست حانقاً أو متشائماً أو قلقاً من هذا المنعطف الكبير، في تبدّل أنماط التعبير والاشهار والنشر، ذلك أن هذا الفضاء البديل في التمرين على الكتابة والنشر، قدر ما يتضمن من ثرثرة وهذيان وفوضى وضياع، هو أيضاً يضعنا للمرة الأولى في تحدٍّ مختلف، يختبر الكتابة الأصيلة في الرهان على تميّز حضورها، ومقدرتها على ممارسة وظيفتها في الابداع، وإعادة خلق وبناء التفكير المختلف.

وبموازاة ذلك ستبتكر هذه القنوات البديلة للانتشار أنماطَها المشابهة لها من النصوص، وهكذا أنماطها الخاصة من القرّاء، مثلما تُرسّخ تقاليدَ أخرى للقراءة، وأساليبَ جديدة لتلقّي المعرفة، بل لعلها تصوغ لنا مفهومها الخاص للثقافة والمثقف غداً.

لا أريد أن أستغرق في القول أو أتشاءم فأقول: لعل الغد سيفاجئنا بنحو تصبح فيه معايير الجودة والانتشار مغايرة تماماً لما نعرفه، لكن أود الاشارة إلى أن من ينتمي إلى تقاليد الكتابة والنشر الورقي، من أمثالي، يصعب عليه استيعاب ما ستباغتنا به طبائع الثقافة والتثقيف والمثقف الآتية.

أرى إلى ذلك، وأنا أعيش تجربة أقحمتني فيها الأجهزة اللوحية الجديدة "الآيباد"، وهكذا الهواتف مثلها "الآيفون"، التي تبدلت معها طرائق تلقي المعلومات وتداولها لأول مرة في حياتي، رغماً عني. فقد منحتني هذه الأجهزة إمكانات مدهشة للسياحة والترحال في عوالم لا يوحّدها إلاّ أنها تتضمن كل ما بحثتُ عنه من كتب نادرة لسنوات طويلة، ولم أعثر عليه، وآفاق فسيحة للمعرفة ومختلف المعلومات، وكل ما أود معرفته بغرض التعلم، أو الخروج من الرتابة والملل، بحثاً عن الاستراحة والمتعة، في حالات العزلة والغياب عن المجتمع.

الكثير من الزملاء في جيلي لم يسرقهم هذا العالم مثلما سرقني، إذ اضمحلت مطالعاتي للصحافة الورقية، ذلك أن الصحف كافة متاحة لي بعد صلاة الفجر كل يوم. كما تراجعت لدي حالات العودة لمطالعة الكتاب الورقي، بعد توفر أعداد لا حصر لها من العناوين، التي تبحث مختلف المعارف والفنون والآداب. كذلك لم أعد أستخدم القواميس والمعاجم والموسوعات، بعد وجود نسخها الألكترونية محمولة معي حيثما أكون، ففي كل مرة أكتب لا أحتاج إلاّ وقتاً قليلاً لمراجعة مصادر المعلومات لحظة الكتابة، للتثبت من معلومات أسوقها في سياق النص، بينما كان التثبت من معلومة فيما مضى يتطلب مني أحياناً ساعات عديدة وربما أياماً، من التفتيش في صفحات المراجع. أتذكر قبل سنوات كنت أحياناً أراجع كتباً مثل: فهرست ابن النديم، وكشف الظنون، ومعجم المؤلفين لكحالة، والأعلام للزركلي، والذريعة للطهراني.. وغيرها، بغية معرفة كتاب أو مؤلف أو معلومة معينة. عادة لا تضم مكتبتي كل ما أحتاجه في كتاباتي، فأضطر لمراجعة المكتبات العامة، أو ما تضمه خزانة كتب الأصدقاء. الظفر بكل ذلك اليوم لا يكلفني سوى استعمال مفاتيح الجهاز اللوحي أثناء كتابتي النص من خلاله، ليكشف لي عاجلاً عن بحر من المعلومات، يقدم خيارات متعددة لكل ما أبحث عنه.

مآلات الكتابة في عصر الأنترنيت

كنت حين أكتب في الماضي أستهلك كميات ليست قليلة من الأقلام والأحبار والأوراق، غير أني غادرت القلم والورق منذ سنوات، ووجدت قبل فترة أن مجموعة الأقلام المهجورة في مكتبتي قد تخشبت أحبارها، فألقيتها في مكب النفايات.

ينحاز جيلي للورق والكتاب، ففي كل مرةٍ يجري الحديث عن الوظائف البالغة الأهمية للنشر الألكتروني، وقنواته، وأشكاله، ووفرته حد التخمة، نُصرُّ على أن الكتاب الورقي لن يزول اليوم أو في الغد، وأن النشر الألكتروني لا يمكن بأية حال أن يزيح ما هو ورقي. لكن منطق الواقع أشد قسوة من منطقنا الرومانسي، وحنيننا ووفائنا لذاكرتنا، وما ترسّب فيها من ألوان الحبر، ونكهة الورق، وجمال المكتبات، وتناسق رفوف الكتب، والإيقاع الهادئ لحضور الكتب في فضاء المنزل. ففي منازل الكتّاب، ممن تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، يستمع منها المولعون بالورق إلى سمفونية تفيض على أرواحهم رقّةً وهدوءاً. لوجود الكتاب الفيزيقي معنى لا يتذوقه إلاّ أولئك المولعون بالورق، ذلك أنهم يتعاطون معه وكأنه صديق حميم، يبدّد وحشة عزلتهم، وينقذهم من القلق واليأس، ورفيق روح يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يقتبسونه من أي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدّد شعورَهم بالقرف والملل، وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها. لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب: يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيُصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم، يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه، بلا أي ثمن.

أعرف جيداً أننا كائنات مشدودة بحبل وثيق لما ترسب في أعماق الذاكرة، فمن يصاحب الورق والكتاب عدة عقود في حياته، ليس بوسعه الافلات من شباك ذاكرته، غير أن ذلك كله لن يوقف صيرورة التاريخ، ولن يعطل روح العصر، ولن يسمح لنا أن نلبث طويلاً مسجونين في نمط ثقافتنا المألوفة، والإصرار على سلّة أحكامنا القيمية ومعاييرنا المحلية.

نحن في تحدّ أنطولوجي أو قل حدث وجودي يحكي انتقالاً إلى طور وجودي مختلف، نشهد ارهاصاته في سياق تطور الاجتماع البشري.

بالضرورة، سيفضي ذلك إلى تبدل أنماط حياتنا الثقافية، ووسائل تعاطينا المعارف، وعوامل إنتاج المعرفة، وانتشارها كونياً، غير أنه لن يفضي بالضرورة إلى المزيد من الضياع والتيه في عالمنا.

أما مآلات الكتابة، ومعايير اصطفاء ماهو نوعي ونموذجي من نصوص، في عصر فوضى الكتابة، وممارسة الكل الكتابة للكل، فربما يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً، إلاّ أني أظن أن تميز واصطفاء النصوص المضيئة المتوهجة ليس متعذراً، إذ لا يمكن أن يحجب الظلامُ ضوء شمعة، ضوءُ الشمعة يفضح الظلام مهما كان شديد الحلكة، ولعل الشمعة وسط ركام الظلام تسفر بوضوح أشد عن شعاع نورها مما لو كانت وسط كتلة نور لمصابيح مضيئة.

في الكتابة يمكن القول، عكس ما تقوله قاعدة تداول النقود الشهيرة: "تطرد العملةُ الرديئة العملةَ الجيدة"، في الكتابة تطرد "الكتاباتُ الجيدة الكتاباتِ الرديئة". ذلك ما يبوح به تاريخ الكتابة، بدءاً بأول نص كتبه البشر حتى الآن، ولا يمكن أبداً أن تبلغ الكتابة مرحلة تغدو فيها الكلمات الشفاهية والهذر والهذيان والثرثرة كتابةً، أي لا يمكن أن نصل إلى مرحلة تنفي فيها الكتابةُ ذاتَها.

لقد ظهر التدوين مبكراً، وابتكر الانسان طرائق متنوعة لتدوين كتاباته، مذ كان يرسم أحلامه وأفكاره على جدران الكهوف، ثم كتابته على ألواح الطين، والحجر، فالبردي، والعظام، والجلود، إلى الورق. ظلت الكتابة على الدوام أثرى مستودعٍ أودع فيه الانسان منجزاته وإبداعاته، وخزان يتسع لاستيعاب كلّ أوهامه وأحلامه وأفكاره، وسجل يحتفظ بأوجاعه، ومدونة لأرشفة مواقفه.

لكن منطق القانون العصي على التغيير للكتابة، يشدد على محو كافة كتابات البشر الرديئة، إذ سرعان ما تختفي، مهما واكبها من إملاءات السلطة وقهرها، ومهما صاحبها من دعاية، وإنفاق رؤوس أموال لترويجها، ومساعي جماعات لإشهارها، وما تعمله من تهريج وضوضاء. فمثلاً في حضارة وادي الرافدين ماهو مكتشف أكثر من مليون لوح ورقيم كتابي، ومالم يُكتشف في المواقع الأثرية غير المنقبة أضعاف ذلك، بيد أن ما له قيمه نوعية، وما استطاع أن يخترق العصور وجغرافيا المكان، هو نصوص قليلة جداً من ذلك الموروث الهائل، إذ نلاحظ مثلاً فقط: ملحمة جلجامش، شريعة أور نمو، شريعة حمورابي.. وبعض المدونات القليلة الخالدة. وهكذا هو الحال في ميراث الحضارات الأخرى الموازية لها.

وربما يعود صمود هذه النصوص أمام عوامل التعرية التاريخية، مضافاً إلى قيمتها الفنية الابداعية، أيضاً إلى مضمونها الوظيفي، ورصيدها الاجتماعي، فالكتابة عند القدماء "ظهرت، لكن ليس كما قد يتبادر الى الذهن، نتيجة لتعلمٍ جاد، فقد تمت استعارة رمزها، بينما ظلت حقيقتها غريبة، لغاية اجتماعية أكثر منها فكرية. لم يكن المقصود هو المعرفة والحفظ والفهم، بل زيادة الهيبة والسلطة، لفردٍ، أو وظيفة على حساب الغير"[3]. كما اكتشف ذلك كلود ليفي شتراوس في رحلته مع قبائل النامبيكوارا. الذي أضاف أيضاً: "وبهذا اكتشف أحد أهالي العصر الحجري، أن وسيلة الفهم العظمى، حتى إذا لم تُفهم، يمكن لها أن تستخدم لغايات اخرى. وعلى كل فطوال آلاف السنين، وحتى الآن[4] في جزء كبير من العالم، وجِدتْ الكتابة كمؤسسة في مجتمعات لا يستطيع أفرادها في أغلبيتهم ممارستها"[5].

تمحو ذاكرة الكتابة كل كتابة زائفة

أنفق في عصرنا معمر القذافي ملايين الدولارات على نص تافه، كتبه بعنوان: "الكتاب الأخضر"، ودشن عدة دور نشر وظيفتُها طباعته وترويجه، وحرص على إقامة مؤتمرات وندوات وجوائز من أجله، تسابق إليها بعض المرتزقة المتسكعين على فضلات السلاطين، بل أنشأ مؤسسة دراسات رصد لها ميزانية ضخمة، مهمتها تتمحور في تفسير الكتاب الأخضر، وإنجاز دراسات وشروح له تشبهه، مع كل ذلك انتقمت النصوص الجادة من هذا النص البائس، وسرعان ما محته من ذاكرة الكتابة.

وهكذ فعل زعماء آخرون، كما انتقلت العدوى إلى بعض رجال الدين، وتفشت هذه الموضة لدى بعض من هو مسكون بنشر كل ما يقوله من: أحاديث لوسائل الاعلام، وخطب منبرية، ومحاضرات شفاهية، وأحاديث عفوية. ذلك أنه يتم ضبط كل عبارة يتفوه بها وتسجيلها، ويتولى فريق خاص نقلها على الورق، لتغدو كتباً، سرعان ما تأخذ طريقها للطباعة والنشر، رغم أنها لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه، لأنها كتابة زائفة. يمعن بعض السياسيين في عدم احترام المتلقي، في خطاباته وكتاباته، فيعمل على خلق منحوتات لغوية مبتذلة، على غير قياس، وعبارات لم يألفها أهل اللغة، ولا تعرفها مواضعات العربية، وقواعد اشتقاق كلماتها. إنها كلمات وعبارات مبتذلة مشوهة، ينفر منها ذوق المتلقي، ويستبشع طبع إبن اللغة ما هو غرائبي فيها، لكن ذلك السياسي يغرق في الوهم، فيحسب نفسه سيبويه أو الفراهيدي أو طه حسين.

كنت أقول لأحد الأصدقاء: ستمحو ذاكرةُ الكتابة كلَّ ذلك، إذ ليس في هذه الكتابات أي شيء ينتمي للكتابة الحقيقية، لذلك ستطردها الكتب الحقيقية، وأن ليس فيها ما يبقى، بوصفها لم تتوالد من رحم صعوبة الكتابة. إنها ليست سوى أحاديث شفاهية وحكايات استطرادية، مسكوبة حبراً على الورق.

ومن الطرائف أنه كان يعيش في مدينة النجف شخص يدعى "قربون علي"، في مطلع القرن الماضي، يشتغل عاملاً في محل للحلاقة، وقد تعلّم على يد صاحب المحل كيفية ختان الأطفال، وشيئاً من الأساليب البدائية لتحضير بعض الأدوية الشعبية، ثم استقل في دكان خاص به، وباشر ختان الأطفال، وتطبيب المرضى.

واهتم أيضاً بتدوين أساليبه في العلاج، وكتابة تجاربه الكثيرة مع المرضى، فبلغ مجموع ما كتبه ثمانية وعشرين مجلداً. رغم أن تجاربه الطبية وعلاجه وأدويته كانت موضوعاً للتفكّه والتهكّم والسخرية. (وحين مات "قربون علي" عُرضت مخلفاته للبيع، فاشترى الشيخ قاسم محيي الدين منها هذه المجلدات الثمانية والعشرين، بمبلغ أربعين ربية يومذاك، وجلّدها تجليداً فخماً، وسماها: "دائرة معارف قربون علي"، واستكتب أحد الخطاطين، فكتب له هذا الاسم على كل مجلد.. وقد ارتفع ثمن هذه الدائرة بعد ذلك، وصارت لها قيمة، لا من حيث واقعها، وانما من حيث قابلية مؤلف يستطيع أن يضع ثمانية وعشرين مجلداً في بحوث ليس لها أصل وفرع من قبل)[6].

لا شك ان "قربون علي" يمثل نموذجاً نعثر عليه بدرجة وأخرى في عدد ليس بالقليل من الكتب المطبوعة. لكن تلك الكتب سرعان ما تفنيها ذاكرة الكتابة، ذلك أن ما هو مكتوب يختلف نوعياً عن كل ما هو شفاهي، وقد دللت الأيام أنه قد أوشك أن يموت كل شيء شفاهي تحوّل كتاباً، لحظة موت صاحبه.

لحظة مات "قربون علي" مات هذره معه، ولحظة يموت زعيم سياسي تموت خطاباته المطبوعة كتباً معه، ولحظة يموت بعض رجال الدين ممن لا يكتبون، وانما تتحول أحاديثهم دائماً إلى كتب، فإنها ترحل معهم. هذا هو مصير ما يطبعه كل من ظلوا مسكونين بموضة "شفاهية الكتابة".

لا تتحقق الكتابة بالنيابة

لا تتحقق الكتابة بالنيابة، كما يفعل البعض من المستثمرين في السياسة أو الدين، حين يقوم بتجنيد مجموعات من ذوي المواهب الجياع، واغوائهم بالكتابة له، مقابل ما يقدمه لهم من رغيف خبز، منقوع بالتمويه والخداع، ثم نشر كتاباتهم باسمه.

في مثل هذه الأعمال نادراً ما نعثر على نصوص مبتكرة، لأن الكتابات التي انجزت بغية العيش ليس إلاّ، هي عادة ما تكون رديئة، لا تحتفظ بها ذاكرة الكتابة طويلاً، ذلك أن الكتابة كأي منجز خلّاق، لا يمكن أن يبدعه الكائن البشري مالم ينتسب إليه، مثلما الولد الذي ينجبه، و مالم يظهر توقيعه عليه، ليحقق به ذاته، ويطبع بصمته في ضمير التاريخ.

بهجة الكتابة كبهجة كل فعل ابداعي، يبعث الغبطة والطرب في النفس، وتنشرح به المشاعر.كل فعل ابداعي لا يمكن أن يحدث بالنيابة، لأنه ما لم تكن كتابة الكاتب منتسبة إليه، لا يمكن أن تنبعث من صميم عقله وأعماق وجدانه. وكتابة كهذه لا يمكنها أن تُلهمه أي نحو من الابتهاج والغبطة، وبدلاً عن ذلك ستغرقه الكتابة بالنيابة بالنَّكَد والاكتئاب.

تشيع الكتاباتُ الرديئة، ويتورط فيها بعض من يمارس الكتابة في عالمنا، خاصة بعض رجال السياسة في وطننا والبلاد العربية، ممن تسكرهم السلطة، فيتفشى في أذهانهم وهم العبقرية، والقدرة الخارقة على صناعة كل شيء، فينشغلون عن مهماتهم الوظيفية ببناء حطام الأوطان بإنتاج نصوص هشّة، يمكن أن نصنفها على كل شيء، إلاّ الكتابة الحقيقية. وهذا نمط من الكتابات إنما هو ممارسة للكتابة تنفي الكتابة الأصيلة الجادة، أو يمكننا توصيفها بأنها: "كتابة ضد الكتابة"، أو "كتابة تمحو الكتابة"، أو "كتابة اللاكتابة".. أو هي ضرب من: "توهم الكتابة"، أو "عبث الكتابة"، أو "فوضى الكتابة"، أو "زيف الكتابة". إنها نوع من الغثيان أحياناً، نصوص يضيع فيها القارئ، كما ضاع فيها الكاتب قبله، إسهاب لنثرٍ تتكدس فيه كلمات لا تنتج معنى، إنشاء تضطرب مدلولاته، بنحو ربما نلتقي فيه بكل شيء سوى الكتابة، أو ينقض كلُ شيء كلَ شيء فيها، أو أنها مصفوفة أحكام معيارية، تمنح كل شيء قيمة زائفة، بلا أن تحلل وتناقش وتفسّر أي شيء.

إنهم يكتبون دون قراءة، يكتبون دون تأمل وتدبر وتفكير عميق، يكتبون دون مراجعة وتحرير وتهذيب، وإعادة كتابة، وحذف واختزال وتكثيف، يكتبون دون ألم ومعاناة الكتابة.

أليست كتاباتنا مرآة قراءاتنا، فكل ما نكتبه إن هو إلاّ نسيج متشابك يحيل إلى شتى المراجع المتراكمة في ذاكرتنا؟ أليست الكتابة فن الحذف والاختزال والتكثيف؟ أليست كتاباتنا مثلما نحن ننتجها هي أيضاً تنتجنا، إذ تعمل على صياغة رؤيتنا للعالم، وترميم إدراكنا لمحيطنا وعصرنا، وتشكيل نمط وعينا؟ طالما تأخّر لدي نشر ما أكتبه من نصوص، وكثيراً ما أتردد في طباعتها، ذلك إني عندما أبتعد عن لحظة تدوينها أتهيب نشرها، ومتى ماحاولت طباعتها أعود اليها مجدداً، لأمحو وأحذف وأضيف وأصحح، وكأني أزج نفسي في حلقة مفرغة، أعود فيها كل مرة من حيث أبدأ، لكن أيضاً كلما أحجمت، يشجعني على النشر قول الأديب الشهير خورخي لويس بورخيس: "كل ما نشرته كان يتطلب مني عشرة إلى عشرين مسودة قبل صياغته النهائية، فأنا لا أستطيع أن أكتب دون مسودة. أحياناً أقوم بتشطيبات، حتى يبدو العمل أكثر تلقائية.كل الكتّاب يعانون من صعوبة الكتابة.. سألت الفونسو ريس، لماذا ننشر أعمالنا، أجابني: ننشر حتى لا نبقى طوال حياتنا نُصحّح المسودات".

الكتابةُ رسمٌ يلوّن العالم بالكلمات

لا يمكن تعلم الكتابة إلاّ بالكتابة، لا يمكن تعلم الكتابة إلاّ بتكرار الكتابة. يقول إرنست همنغواي: (كتبت نهاية "وداعاً للسلاح"، الصفحة الأخيرة منها، تسعاً وثلاثين مرة، قبل أن أشعر بالرضا)[7]. ليس بوسع أي كاتب تعلم الكتابة إلاّ بإدمان الكتابة. الكتابة تمرين أبدي، وقوده المطالعة المزمنة، والتفكير المستمر، والمراجعات المتكررة، وشطب ما ينهك النص، واستبعاد ما يطفئ توهجه، والعمل على ترصين بناء الجملة، وتكثيف الدلالة بأقل ما يمكن من كلمات. الكتابة هي اقتصاد الألفاظ. الكتابة هي تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. الكتابة هي إعادة كتابة.

توثين اللغة ضرب من توثين الحروف ونسيان المقاصد في مجتمعاتنا. اللغة كائن تاريخي. اللغة لا تنتمي إلاّ للبشر. تنقرض اللغة إن لم تتكلم روح العصر. اللغة كائن راهن ومستقبلي. اللغة ليست ما وضعه البدوي خاصة، فعقمت ولم تتوالد. اللغة ليست ما فرضته سياقات دينية سياسية ثقافية، فتسيّدتْ منذ تدوينها. اللغة كلمات تولد وأخرى تموت.كل عصر يضيف للغة كلماته.كل عصر يحذف الكلمات الأخرى التي لا تشبهه. اللغة أساليب بيان منسوخة وأخرى ناسخة. تحرير اللغة من أغلالها تحرير العقل من أغلاله.

الكلمة كائن حي، تجري عليه نواميس الخلق والولادة والتطور والهرم والمرض والموت، مثلما يولد ويتطور ويهرم ويمرض ويموت كل كائن حي. وحين تموت الكلمات، يمسي ترقب ضوء يشرق به استعمالها في الكتابة، بمثابة ترقب توهج نار من الرماد.

جماليات الكتابة صورة جمال ألفاظها، والبراعة في استعمال الألفاظ في بناء العبارة، ذلك أن تشييد العبارة كتشييد العمارة. ينبغي انتقاء الكلمات المضيئة الحساسة، ذلك أن الكلمات بطبيعتها ينطفئ وهجها وما تشعه من ضوء، إثر استنزافها بإسراف في استعمال مبتذل مريض.

في الكتابة الابداعية تتحدث إلينا الكلمات أصواتاً عذبة، يوحّدها إيقاع موجة تتناغم فيها ألحان المعاني، ويعيش ذهننا معها الأُلفة والأُنس. في "عبث الكتابة" تنبعث أصوات موحشة، يستهجنا الذوق السليم، نشعر حيالها بالغُربة، وتستنزف الذهن في شَجَن لا مفهوم.

ليس المهم في الكتابة الحقيقية التكديس بل البناء، ليس المهم الكم بل الكيف، ليس المهم ما يصدر بل ماذا يصدر، ليس المهم ضوضاء النشر بل مضمون النشر.

الإنتاج الثقافي الأخصب في التاريخ، الذي تمثل بالفلسفة والابداع الأدبي والفني، لم يخضع لمعادلة الكم.كل ما توالد في سياق معادلة الكم،لم يمكث في الأرض.

الفيلسوف الألماني شوبنهاور أمضى حياته كلها في كتابة كتاب واحد، هو: "العالمُ ارادةً وتصوراً"[8]، وهو الكتاب الذي ولد من كلماته نيتشه. يكتب نيتشه في مقالته "شوبنهاور كمعلم"، بأنه "ما إن قرأ هذا الكتاب، حتى شعر بالدوار العقلي، الذي لازمه تسع سنوات، وجعل صورة العالم تتبدل أمام ناظريه"[9]. ثم فكّر فوكو في سياق نصوص نيتشه، وتناسلت في سياق تلك النصوص لاحقاً صيحات عاصفة في العقل الغربي.

يُصاب بعضُ الكتّاب بادمان الكتابة، وادمان النشر لكل ما يكتب، وينشأ ذلك عادة عن هوس عاطفي، وذهان ذهني، يغرقه في عالم متخيل يصنعه هو لذاته، كي يرضي نرجسيتَه، فيضاعف وهمُه قيمةَ وأثر منجزه عشرات أو مئات أضعاف أثره وقيمته الواقعية، متخيلاً أن القراء يترقبونه كل يوم، متلهفين لأثره الجديد، لذلك يسرف في الكتابة، ويظل على الدوام مشدوداً لحركة المطابع، إلاّ أنه لا يدري أن كل كتاب رديء يصدره سيمحو بعضَ ما ربما كان جيداً، مما كان أنتجه من قبل.

الكتابة كيفية، لا تخضع لقياسات كمية مادية، لا يصبح المرء كاتباً بغزارة انتاج الكتب، وإيهام القراء بتعدد العناوين وتكديس المجلدات.

الكتابة ضرب من الرسم بالكلمات، وتلوين المعاني بضوئها. الكتابة الخالدة كما اللوحة الخالدة، إنها بمثابة انشغال فنان محترف برسم لوحة، فكلما كان الفنان عظيماً، لن يخبو خياله الابداعي عن خلق العناصر والرموز والثيمات الموحية في ثناياها، وتركيب المزيد من الألوان في طبقاتها، وتكريس وقت طويل لتأملها، والعودة إلى إثراء أطيافها، بالمزيد من الدلالات والإشارات والرموز. ألم يلبث الفنان العبقري دا فينشي عدة سنوات في رسم رائعته الأشهر في العالم منذ عدة قرون "الموناليزا". لقد بدأ ليوناردو دا فينشي رسم الموناليزا سنة 1503 وانتهى من رسمها سنة 1510[10].

خلود الكتابة ليس بحشد العناوين، ولا بوفرة عدد الكتب، بل بما هو مميز وأصيل فيما يُكتب. هناك حالات أشبه بالهلوسة تصيب بعض من يمارسون الكتابة الرديئة، ممن يوقفون حياتهم لتكثير العناوين بأي شكل، حتى تصل أحياناً اصدارتهم إلى مئات المجلدات، غير أنها سرعان ما تختفي، كما يختفي السراب الذي يخطف أبصار الناظرين لأول وهلة.

الكاتب الحقيقي يكتب كتاباً واحداً، الشاعر الأصيل ينشد قصيدة واحدة، ما يضيفه الكاتب هو تنويعات تحيل إلى ذلك الكتاب الذي كتبه، ما يقوله الشاعر هو تنويعات على القصيدة التي أنشدها.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...........................

الإحالات المرجعية

[1] مجلة نزوى "مسقط"، ع 80 "2014".

[2] الياسين، نايف "ترجمة وتحرير". متعة المتخيل: حوارات مع كتّاب عالميين. دمشق: دار التكوين، 2009، ص 14.

[3] مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان- دمشق، ط1: 2003/2000.

[4] من الجدير بالذكر أن كتاب ليفي شتراوس: مدارات حزينة، ظهر عام 1955، وهو يتحدث عن رحلاته ما بين عام 1934-1939.

[5] مداريات حزينة، كلود ليفي شتراوس، ترجمة: محمد صبح، تقديم: د. فيصل دراج، دار كنعان- دمشق، ط1: 2003/2000.

[6] الخليلي، جعفر. هكذا عرفتهم. بغداد: 1963 ، ج 1: ص 288 – 289.

[7] الياسين، نايف "ترجمة وتحرير". متعة المتخيل: حوارات مع كتّاب عالميين. ص 11. [8] نشر آرتور شوبنهاور كتاب "الحواشي والبواقي"، وبعض النصوص الأخرى، إلاّ أنها لم تكن سوى تنويعات وهوامش وشروح وتعليقات على متن كتابه العمدة: "العالمُ ارادةً وتصوراً".

[9] شوبنهاور، آرتور. العالمُ ارادةً وتصوراً. ترجمة وتقديم وشرح: سعيد توفيق. مراجعة: فاطمة مسعود. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006، ج 1، ص 7.

[10] بدأ دافينشي برسم اللوحة في عام 1503 م، وانتهى منها جزئياً بعد ثلاثة أو أربعة أعوام، بعد أن رسم أجزاء من اللوحة، ثم تم الانتهاء منها عام 1510. ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

 

صباح الحاج مفتنإلى أي مدى يمكن للعلم أن يضع حلولاً تنسجم مع الواقع من الناحية الأخلاقية؟ وهذا التساؤل لا يعني نَفْيَنا لدور العلم في الحياة الإنسانية؛ لأنَّ العلم بدون جانب إنساني لا يمكن أنْ يتّجه اتجاهاً صحيحاً في تطبيقاته على الواقع الاجتماعي.

ومن هنا طرح العلم في ثمانينيات القرن الماضي أخلاقاً جديدة تدعى "أخلاق العناية" أو أخلاق المحبة أو الأخلاق العلائقية، وهي تختلف عن الأخلاق الكانطية المتمثلة بالواجب، وعن الأخلاق الأرسطية المتمثلة بالفضيلة. فأخلاق العناية تدعو إلى أخلاق تتّصف بالثقة، والعناية، والاستجابة للحاجات، وتنمية العلاقات، على وفق تَصوُّر ترابطي للأشخاص بدلاً من تَصوُّر الأفراد بوصفهم مستقلين ومكتفين ذاتياً.

ما لفَتَ انتباهي ونحن نعيش معاناة كورونا، هو الصورة الجميلة التي عبَّرَت عنها الكاتبة الايطالية "فرانشيسكا ميلاندري" منذ أيام؛ إذ تقول، إنَّ مخططات جائحة كورونا تُبيِّن أننا جميعا متضافرون في رقصة متوازية رغم أننا متقدمون عليكم بالإصابة بخطوات قلائل على طريق الزمن، تماما كما أنَّ "ووهان الصينية" متقدمة علينا ببضعة أسابيع.. ولو مددنا أبصارنا إلى المستقبل الأبعد، فليس بوسعنا إلاّ أنْ نقول: حينما ينتهي هذا كله، لن يكون العالم مثلما عهدناه.....

وتحدثت المستشارة الألمانية ميركل: علينا أنْ نتمكن بكل السبل من مساعدة المصابين بالفيروس بأفضل طريقة ممكنة.. وأنَّ المصابين ليسوا أرقام في الإحصائيات، بل هم آباء وأجداد وأبناء وشركاء حياة.. إنهم بشر وحياتهم مهمة جداً..

وفي السياق نفسه هناك موقف لا يتوافق ولا ينسجم مع المسألة الأخلاقية، وهو موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المصابين بكورونا؛ إذ أعطى أوامره للأطباء باستخدام علاج الملاريا chloroquine وهو ما حاولت فرنسا استخدامه رغم اعترافها بفشله تماماً:

حاولت فرنسا استخدام علاج chloroquine مع مرضى كورونا، لكنَّ المحاولة لم تنجح، وأدَّت إلى موت خمسة أشخاص. الغريب في الأمر أنَّ ترامب يأمر باستخدامه رغم خطورة وتحذير الصحة الأمريكية منه بسبب النتائج التي انتهت إليها فرنسا من أنَّ هذا العلاج يسارع من نبضات القلب وتوقفه المفاجئ...

على الأغلب لم يهتم ترامب ما إذا مات المصابين أم لم يموتوا.. فلم يلتفت لمراعاة مسألة الموت الرحيم ولا حياة البشر.. وهذا ما لمسناه منه منذ استلامه إدارة البيت الأبيض وتعامله مع الأزمات...

في أخلاق البيولوجيا أو ما يسمى "البيوتيقا Bioethics" أصبحَ الطب والعلاج اليوم يطرحان مشاكل أخلاقية غير مسبوقة؛ خاصة في ميادين تتعلق بالتجارب على البشر، والاحتضار، والموت الرحيم، وهذا تعامل مهم إذا ما قارنّاه قبل قرن من الزمن:

قامت "النازية" بتجارب وحشية أودت بحياة الآلاف من الضحايا باسم "العِلِم" وباسم أيديولوجية نازية عرفها أشهر أقطابهم "رودولف هيس" الذي قال: "إن الاشتراكية الوطنية ليست أكثر من تطبيق البيولوجيا"، وأكَّدَ كذلك "هتلر" بقوله: "بدون أساس وهدف بيولوجي ستبقى السياسة عمياء". كل ذلك حاولوا تبريره على انه لمصلحة البحث العلمي...

في عام 1990 أُثيرت قضية تتعلق بعشرين ألفاً من الجنود الأمريكان الذين شاركوا في حرب الخليج؛ إذ تم إخضاعهم لتجارب دوائية، وأُرغموا على تَجَرُّع أقراص لأجل فحص آثار مكوناتها التي تتضمن مادة مضادة لغازات كان مِن المحتمل أنْ تستخدمها القوات العراقية، وبالنتيجة كان الجنود يعانون من اضطرابات عديدة، وقد عَزاها الأطباء العسكريون إلى الإرهاق، وإبعاد الجنود عن الأسباب الحقيقية لهذه الأعراض، خشيةً من الفضيحة...

ولا نستبعد ذلك لِما يقوم به ترامب اليوم، فما أشيع اليوم هو أنَّ هذا الفيروس هو بتأثير غاز "سارين" الذي تم إخضاع الجنود الأمريكان له في معامل صينية، ولم يتمكن الأمريكان من السيطرة عليه...

ويبدو أنَّ ترامب بات يغامر بحياة العالم بما فيهم الأمريكيين في مقابل الأزمة الاقتصادية التي من المتوقع أنْ تعيشها بلاده وربما -بحسب التوقعات- أنها ستفوق الكساد العظيم عام 1929.

وهنا تبرز لنا مسالة أخلاقية مهمة، على العلم أنْ يتعامل معها بشكل جدّي، وهي مسألة "الموت الرحيم".. فالي أي وقت يمكننا تمديد أمد الحياة للمرضى وهم على مشارف الموت؟ وإلى أي مدى يمكن أنْ نقرر بشكل نهائي مفارقة شخص ما للحياة؟ وهل يمكننا انتزاع الأدوات الداعمة للحياة من شخص لا يؤمل شفاءه؟ وهل يمكن إدراج الحق في الموت في إطار حقوق الإنسان؟ ومتى يمكننا أنْ نستجيب لرغبة شخص ما يطالب بالموت الرحيم؟

وعلى الأخلاق البيولوجية أنْ تقيم تحالف بين علوم الحياة Bio وبين القيم الإنسانية والقواعد الأخلاقية Ethics، والبحث عن جملة المطالب لاحترام إنسانية الإنسان، وتقدمهما في القطاع الحيوي- الطبي؛ إذ إنَّ ربط الحياة بالأخلاق هو سبيل للتحكم في سلطان العلم وجنون التكنولوجيا.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

اسعد شريف الامارةالحياة ساحة صراع غير محدودة، الصراع من أجل البقاء والمطاولة، أحد طرفاه الإنسان – الفرد بوجوده المادي والمعنوي، النفسي والشخصي، إذن هي أنا بمواجهة آخر، من هو الآخر؟ الطبيعة، الفرد، الوباء، الزلزال، الهزة الأرضية، النزوح القسري، الهجرة والإنتقال إلى بيئة ومجتمع جديد، الخسارة المادية، فقدان شخص عزيز"الام، الزوجة، الابن، الاخ، ابن العم، أو الخال، لا بل أنا شخصيًا بمواجهة الموت، صدق الفيلسوف الوجودي"جان بول سارتر" حينما قال: ليست المشكلة مشكلة الموت، وإنما المشكلة هي إني أموت. هنا يكون المحك هو الإنسان بمواجهة الموت، الأزمة التي من المحتمل أن  تفضي به  إلى الموت.

سنحاول في هذه الصفحات أن نسبر أغوار واحد من تخصصنا النفسي وهو علم النفس الفارقي، ويسمى أيضا سيكولوجية الفروق الفردية، ونتعرف على كيفية أن يتعامل الإنسان السوي في مواجهة الازمة، لا نحاول التطرق إلى الشخصية غير السوية قدر المستطاع،  سبق وإن كتبنا في هذا التخصص من علم النفس  كتاب بعنوان علم النفس الفارقي، سيكولوجية الفروق الفردية في العام (2012 ) وصدر في عمان- الاردن.

الشخصية في علم النفس كما تعرف بأنها: شخوص أي ظهور حضور في حضرة  الآخرين وفي مواجهتهم، هي تواجد في حضرة الآخرين، حضور أمام النظاره - المشاهدين. وهي أيضا ذلك التنظيم الدينامي الثابت نسبيًا، القابل للتغيير، ويشبه  "البورت" بتعريفه للشخصية بالتنظيم الدينامي داخل الفرد للأجهزة النفسية الفسيولوجية التي تضمن توافقه الخاص مع بيئته. أما "دانيال لاجاش" يطرح رأي التحليل النفسي في الشخصية بقوله: أن الأنا هو الذي يوجه وينظم عمليات توافق الشخصية مع البيئة والتوترات التي تحفز الشخصية وتحقيق إمكانياتها. هذه الكثرة الكاثرة من التعريفات الخاصة بالشخصية وبالاخص في علم نفس الشخصية لا تهمنا بقدر ما يتعلق بها من ارتباطات بالفروق الفردية قبل وأثناء وبعد التعامل مع الأزمات والصدمات النفسية. ويذكرنا هذا الترابط القوي بأحدى الدورات التي دخلناها في السويد بمركز الازمات والصدمات النفسية في العام( 2005) في مركز محافظة اوريبرو، حيث تخصص المركز الأكاديمي التابع لمستشفى الجامعة بدراسة الاضطرابات النفسية بأنواعها، فضلا عن قسم الضغوط النفسية، هذا الترابط بين الشخصية وبين ما تحمله من فروق في التعامل بمواجهة الأزمة، هذا هو تخصص التخصص، ليس بجانبه النظري فحسب، وإنما بجانبه الميداني العملي أمام المحك.

تواجه الشخصية الإنسانية مواقف متعددة في سياق حياتنا اليومية قد تكون مواقف إحباط، أو افراح ومسرات، كبف بتعامل معها الفرد؟ سيعود بالتأكيد إلى تكوين شخصيته ونمطها Patterns ولذا ستكون معالجته  على وفق ما تكونت شخصيته وأطرها المرجعية، وبناءها وتكوينها الذاتي – النفسي، وكيفية استخدام الأليات النفسية الدفاعية وانواعها، وتؤكد دراسات علم النفس أنه يتحدد تأثير الأزمة ونتائجها الناتجة عنها على وفق شخصيات الأفراد المختلفين، وعليه بالتأكيد ستكون ردود أفعال مختلفة باختلاف الشخصيات، فالأزمة تؤثر على الناس بطرق مختلفة، فمثلا ما يزعج أحدًا من الناس ربما لا يضايق آخر، ومن أساسيات الفروق الفردية هو أن هناك من الافراد لو أخفق في حل مشكلة واحدة تواجهه فإنه يتوقع أن المشكلة الاخرى ستكون متضاعفة في صعوبتها وستتزايد في أزمته، وستربكه، وتغير اتزانه النفسي، فيطرأ عليه سلوك التبرم والضيق، والانطواء وربما التخاذل من داخل نفسه، وربما تصل به المبالغة إلى اللجوء إلى نوع من التعميم المطلق ويرى نفسه عاجز تماما، وإذا ما ذهب أعمق فإنه ينكر على نفسه فرصة أخرى تساعده في تنمية مهاراته اللازمة في التعامل مع مشكلاته وأزماته، وبالعكس تماما نجد شخص آخر يستمر بالمواجهة رغم النكسات الواحدة تلو الاخرى ولكنه يستمر بالمطاولة مع مشكلته رغم ما يتحملة من إحباط حتى يحلها فيكتسب الثقة بنفسه من نفسه، ويتعلم مهارات القوة بالتحمل، وتضيف له هذه القدرة في الخروج من الأزمة ثقة في النفس وعليه فإن قدرتنا على مواجهة المشكلات والأزمات تنبع من قدرتنا على تحمل الاحباط وتزيدنا الأزمة قدرة أقوى وأشد، وليس نقيضها عند بعض الأشخاص، وهنا تبرز الفروق الفردية في أساليب التعامل مع الازمات أو الضغوط الحياتية بأنواعها، الاقتصادية، الاجتماعية ، السياسية ومنها التهجير والاضطرار بالنزوح والهجرة الدائمة بلا عودة للمجتمع الاصلي. ان ما نتحدث عنه في هذه السطور بالنسبة لمواجهة الأزمات وحل المشكلات الفردية ينطبق تماما على العلاقات بين الافراد في المجتمع، فالشخص الذي لم يستطيع التوافق مع مجتمعه واختلاطه مع الناس ربما يتصور أن بعده وإنسحابه عن كل تواصل إجتماعي هو أسهل طريق للهروب من معاناته وما يعيشه من مآزق داخلي، فإذا أختار هذا الطريق فإنه يقع في مشكلة التوفيق بين إنطوائه هذا وبين رغبته في إشباع حاجاته مع التواصل مع المجتمع والاختلاط مع الناس. إنها أزمة نفسية تحددها الفروق الفردية في داخل نفس كل منا، وهذه الاختلافات في الفروق الفردية هي إختلافات في القدرات، أو الكفاءات المكتسبة، أو الفطرية بين الناس، وهذه هي ايضا لها تأثير في قدرته على مواجهة الأزمات وحل المشكلات وكذلك في درجة مرونة الاساليب المتبعة بالحل، فربما يستخدم البعض منا طريقة واحدة تَعودَ عليها في مواقف معينة، ولكنه قد يكون عاجز أمام أية احتمالات أخرى للحل. ومن المحتمل أن يتمسك الفرد بهذا الحل الوحيد وتصبح (عادة) سلوك لا يستطيع تغييره لدرجة أنه يصاب بالفشل في إيجاد الحلول الجديدة الاخرى فيزداد لديه الإحباط وتزداد خيبة الأمل عندما لا يصل إلى  حل أزمته، أو مشكلته بالطريقة المألوفة حينئذ يتكون ويولد شعور عظيم بالقلق وعدم الكفاءة، ومثل هؤلاء الافراد من المحتمل انهم فقدوا كفاءتهم مع المرونة وهو يؤدي إلى فقدان التكيف مع الحياة وصعوباتها وأزماتها. وهذا سيقود حتمًا إلى التوافق المرضي بإستخدام أساليب لاستعادة التوازن ولو مؤقتًا، وقبل أن ننهي هذه الاوراق نود أن نقول أن للأزمات نتائج  إيجابية رغم أن لها  نتائج سلبية، ومن هذه النتائج أن الفرد قد يتفاعل مع المواقف الصعبة والايام القاسية، والساعات الثقيلة بشكل لم يعهده من قبل، وتكون النتيجة إكتساب مهارات وأوجه نشاطات جديدة لمواجهة المواقف القادمة بعد أن تكون الأزمة قد عدت ومضت وتركت الأثر النفسي فيستعد لمواجهة جديدة ولكنه استطاع أن يطور طرق واساليب جديدة للوصول لحل الأزمات ، وهذه هي الحياة  ساحة صراع غير محدودة زمانيًا ولا مكانيًا، لذا فإن ردود الفعل الناتجه عن الازمة تعتمد إلى حد كبير على قدرة الفرد على تحمل المواقف التي تسبب الازمة ومواجهتها واتخاذ الاساليب السلوكية السوية دون اللجوء إلى الاساليب السلوكية غير السوبة"المرضية".

 

د. اسعد الامارة

 

عصمت نصارما أكثر الأقوال والكتابات التى تناولت الحب بسياقاتٍ عديدة - نفسية واجتماعية ودينية وجنسية وفلسفية وأدبية - ولعل أشهر الأقوال الذائعة بين العوام والمثقفين (الحب أعمى يقوده مجنون) أما أشهر السياقات الأسطورية هى "إيزيس وأزوريس"، و"أسطورة التفاحة الذهبية"، و"أسطورة كيوبيد".

وفى ميدان الفلسفة نذكر شذرات "هيرقلطيس (540 ق . م -480ق. م)" عن جدل الحب والحرب كسبيل للمعرفة والتعقل وإدراك سر الحياة، ونظرية "أمبادوقليس (490ق.م-430ق.م)" في نشأة الوجود والعناصر الأربعة التى تتحرك بموجب الحب والكراهية، ومحاورة المأدبة "لأفلاطون (427ق.م-347ق.م)"، تلك التى ربط فيها بين الحب والسّمو الأخلاقي والعزوف تمامًا عن كل ما فيه شهوة أو متعة جنسية زائفة.

وفى العصر الوسيط نجد "يوحنا ذهبي الفم (349م-407م)"، و"القديس أوغسطين (354م-430م)"، و"القديس توما الإكويني (1225م-1274م)" الذين اجتهدوا في عظاتهم للكشف عن دلالة الحب الروحية والتأكيد على أنها الرابطة التى تربط النفس الإنسانية بالحقيقة الربانية، وتوضيح أن الحب هو سلم الكمال وطريق الخلاص ومستقر السعادة في الدنيا والآخرة، وفى العصر الحديث نجد الفيلسوف الألماني "فريدريك هيجل (1770م-1831م)" الذى نظر إلى الحب على أنه سنة كونية والقوة الدافعة للوجود، والتقدم، والأخلاق، والإبداع، وتماسك المجتمعات، وتطور الأمم.

أمّا في الثقافة العربية الإسلامية؛ فنجد "ابن حزم الأندلسي (994م-1064م)" يجعل الحب على رأس القيم الأخلاقية والروحية، وأقوى الروابط التى توصل إلى السلام والألفة والتكامل والتعاون بين البشر.

ونجد كذلك الصوفية الذين أعلوا من قدر الحب، وجعلوه بوابة الكمال ودرة الجمال وسبيلهم للسُكر والفناء في الذات العالية.

ولمّا كان هدفنا من هذه التوطئة هو توضيح بعض الجوانب المعرفية التى استقى منها "حسين المرصفي" خطابه في التربية، فحسبنا ألا نستفيض في الحديث عن المذاهب الفلسفية التى تناولت الحب من كل جوانبه ونكتفى بالمقدمة التى انطلق منها خطاب "المرصفي" الذى جعل الحب الآلية التى لا يمكن إصلاح المجتمع بدونها، ذلك فضلًا عن ربطه بين الحب كقيمة أخلاقية وبين أضداده التى تختلف باختلاف السياقات التى نحدد فيها معنى الحب.

فإذا كان الحب يكمن في وجود الأنا وتبدو الكراهية والبُغض في كل من يهدد هذا الوجود، فإنّ مفكرنا يؤكد على أن حب الأنا يستلزم محبة الآخرين الذين يساعدوه على استكمال وجوده، وإذا كان الحب هو الخير ومن ثم تنطلق العداوة منه إلى الشر؛ فإن مفكرنا يسعى إلى تجنب ذلك الصدام عن طريق الإصلاح والتربية، وإذا كان الحب يدفعنا إلى محاربة الفساد ودفع المنكر، فإن "المرصفي" يرى أن دفع المنكر ينبغي أن يكون بالمعروف، وإذا كان الولاء والانتماء والتعصب يدفعنا إلى مصارعة الأغيار من المتربصين، فإن "المرصفي" يؤكد على أن الحب الحقيقي أرحب وأرحم من أن يسعى إلى المصارعة مع من يستطيع التآلف معهم ومسالمتهم رغم اختلافه مع طبائعهم.

وإذا كان الحب والعنف والعداوة من السنن الكونية، فإن وظيفة الرسل والأنبياء والمصلحين توجيه ذلك العنف وتلك الكراهية إلى كل معوقات الحب بداية من الأنانية المفرطة ونهاية بالعدوان.

فها هو يؤكد في مطلع حديثه عن الدروس الأولى في تربية النشأ إننا في حاجة إلى تعويد أبنائنا على أن المحبة والتعاطف والتسامح والخير والمنفعة العامة وغير ذلك من الفضائل هى الأساس الذى لا غنى لحياة الإنسان وأمن وسلامة الأمة بدونها، ويقول: "سعادة الأمة وراحة الحكومة مرتبطان بالتربية من الصغر .. فإذا كانت هذه الجملة وأمثالها بما لها من المعانى الشرعية يلقنها كبار الأمة ومعلموها لصغارها المتعلمين يمكنونها من نفوسهم ويمزجونها بدمائهم، فلا شك تكون الأمة الناشئة بتلك التربية عارفة معرفة نافعة بمعنى المساعدة العامة التى هى مبدأ كل خير وأصل كل سعادة".

أما الكراهية فيجب اقتلاعها من حياتنا لأنها الطريق الوعر الذى ينتهى بنا إلى عالم الشرور والعنف. ويهدد سلام أمتنا في قوله "الناس بين مزاحمة تقتضى عداوة، ومساعدة تقتضى محبة، وهما الأصل الذى يدور عليه جميع أعمال الإنسان فيجب اعتبارهما وإدامة ملاحظتهما ومحاولة إضعاف الأولى وتقوية الثانية، إذ كانت أصل كل منفعة ذلك وإن كان في وجدان كل أحد وهو به شاعر وإن لم يجد أن يعبر عنه، فلا سبيل إلى جعل جميع الناس يعتبرونه ويهتمون بتعديله، فوجب أفراد طائفة منهم ملاحظة ذلك وتعديله، وضبط كل عند حده".

والجدير بالإشارة أن "حسين المرصفي" العالم الأزهري لم يغفل دور الدين في بناء مشخصات النشأ وأثره في تهذيب الأنفس، وتهيئة الأفئدة للمحبة والتعاطف والمودة والتعاون بين الناس، فراح يوضح أن الدين لم يكن قط دافعًا للعنف أو محرضًا على الكراهية أو سببًا للعداوة بين الناس أو أمر بمقاتلة الأغيار المخالفين في الملة والاعتقاد، كما بين أن الذين يشيعون أن الأديان علة الانقسام بين الأمم يكذبون على الله ويحرفون الكلم عن موضعه، ويقول "إذا عرفت العداوة بين الناس أمر فطرى تقتضيه المزاحمة، والمحبة أمر طارئ تقتضيه المساعدة، فكيف تخدعك الأماني الكاذبة وتلهيك المطامع الفاسدة عن اعتبارهما وإدامة رعايتهما وبناء الأحكام عليهما وتعقل الدين من جهتهما، فإنك حينئذ تفهم معنى الدين فهمًا حقا، يمكن من قلبك محبته ويبعث اجتهادك في تعرف أسرار أحكامه في كل باب من أبوابه وحيث تقررت في نفسك هذه المعانى وتحققت منها، وإن كانت بعبارة إجمالية، فأنت إذًا لا محالة متمكن من تفصيلها وتفريع الفروع على أصولها".

ويمضى مفكرنا في تحليل وتفسير الآيات القرآنية والاستشهاد بالأحاديث النبوية التى ترسخ شريعة الحب في نفوس البشر وتحذرهم من إخطار الأحقاد والمطامع والصراعات التى تدفعهم الشهوات والغرائز الحيوانية إليها، مؤكدًا أن الله قد خلق الإنسان على الأرض ليعمرها ويعيش فيها آمنًا سعيدًا ذكرًا وأنثى، شعوبًا وقبائل يتفاضلون في محبة بعضهم بعض ويتقون الله في كل معاملاتهم ويرغبون عن وسوسة الشيطان الذى أخرج آدم من الجنة، ودأب على إضلال البشر؛ ليثبت أن الإنسان مخلوق شرير لا يستحق نعمة الوجود ولا لطف الله ورعايته، فسرعان ما يصغى إلى غواية نفسه الحيوانية ويلبى نداء مطامعه الشهوانية ويكفر بكل ما جاء به الرسل من هدى وشرائع وأوامر ربانية.

ويقول في ذلك "تلك حال أمة جعلت نفسها في منزلة لو عرضت على البهائم العجم ما اختارتها ولأشتد عدوها في الهرب منها، أفيكون أولئك محسوبين من نوع الإنسان وهم في تلك الأحوال، كلا وقد قرأت في بعض كتب التعليم من كتب أمة تراها ضعيفة وقد ضعف أمر العداوة فيها حتى كاد يزول، وقوى أمر المساعدة فشملتها السعادة وحفها الضعاف الذين ينظرون إلى سعادتها وهم قاصرون عن نوالها".

ولا ريب في أن معالجة "المرصفي" للعديد من الآفات الاجتماعية والنفسية التى تدفع الإنسان للبغض والكراهية والحرب جديرة بالدراسة والتحليل؛ فالواضح أن مفكرنا لم يكن مجرد ناقلًا عن الفلسفات السابقة عليه، بل وظف معارفه الثقافية لخدمة برنامجه التربوي الذى رغب عن أسلوب الوعظ والاستشهاد بالأقوال المرسلة وأراد معالجة الواقع وما فيه من آفات أخلاقية وانحرافات نفسية بنهجٍ أقرب إلى الاستشهاد بالوقائع والأحداث المعاشة؛ ليتيح للمتلقي استنباط المقصود والوصول إلى الغاية، مع الاحتفاظ بالنهج الإسلامي في ترغيب النشأ لتأمل آيات القرآن وأحاديث النبي بمنهج عقلي يدفعهم إلى تطبيق ما فيها من هدى ورشاد بإرادة حرة مدفوعة بالقناعات الشخصية التى تحيل الإلزام إلى التزام وهذا هو النهج التربوي القويم.

(وللحديث بقيّة)

 

د. عصمت نصار

 

 

حسن خليل حسناحاط الغموض والريبة بوباء كورونا المستجد لوجود تكهنات انه سلاح بيولوجي مفتعل.. كما اثار المكان والتوقيت الذي بدأ بأول اصابة بتاريخ محدد (31 ديسمبر 2019) شكوكاً اخرى اذ بدأت مع الساعات الاولى لانطلاقة العام الجديد المفخخ بالموت..!! كما احاطت الشبهات بطريقة الانتقال الشبحي للفايروس بين قارات العالم وتعايشه مع ظروف بيئية ومناخية وحضارية مختلفة، وايضاً من الناحية الاعلامية فان متابعة اخبار الوباء تشوبها شكوك اكبر، فليس غريباً ان يهتم الاعلام المرئي والمسموع والمقروء بإحصائيات يومية عن الوباء الكوني كحدث عالمي مهم لكن المستغرب ان يستمر مسلسل بث الذعر الاعلامي بين صفوف المسنين واصحاب الامراض المزمنة بانهم واقعون في قلب عاصفة الهلاك المحتوم، كما ان هنالك غرابة من نشر كل تحديث للإصابات والوفيات ولكل 24 ساعة وهو ما لا اظن انه جرى في اي حدث عالمي آخر حتى مع الحروب الكونية السابقة، ومما يثير الشكوك اكثر هو اخفاء عدد الاصابات بالكوادر الصحية القريبة من الفايروس، واخفاء ما وصل اليه العمل بتصنيع اللقاح والعلاج الذي لم يشار اليه كثيراً في الوقت الذي تُعطى فيه ارقاماً تفصيلية عن اعداد الضحايا والفئات العمرية المرشحة للموت اكثر دون ذكر الاستثناءات من القاعدة.. ونتساءل هنا لماذا لم تعتبر الحكومات ان تلك الاخبار جزء من حرب الاشاعة التي تهدد امنها القومي..؟؟ ولماذا رافق الوباء كتابات حول احتمالية افتعاله للتخلص من كبار السن واصحاب الامراض المستعصية الذين يكلفون حكوماتهم مبالغ طائلة وفق انظمة الضمان الصحي المعتمد في اغلب البلدان التي تفشت فيها الجائحة.. ولماذا لم تحرك تلك الدول قضايا ضد تلك التسريبات التي تهدد الوضع النفسي لشرائح واسعة في مجتمعاتها..

وعلى كل حال ففي الوقت الذي يتسابق فيه العالم في اتباع سياسة غير أخلاقية في عرض أرقام الإصابات والوفيات والأعمار المرشحة أكثر من غيرها للموت وتبث الرعب الذي يُعجّل الموت النفسي قبل آوانه الجسدي، فهذا يؤشر الى اننا نعيش اجواء حرب اعلامية كبرى تفوق في خطورتها تفشي الوباء، فأثناء الحروب الجميع يُفكر بالنهاية وفراق الاحبة ولا احد يهتم بالرصاص والقنابل حوله، بينما عامل الخطر الاكبر هو الاخبار التي تقتل احياناً قبل الوباء .. والسؤال من منّا شاهد موت الالاف التي يتحدثون عنها؟ بينما الجميع يتابع في كل دقيقة أرقام الإصابة والوفيات، لدرجة ساد الخوف والهلع بفعل الاعلام بالرغم من دعوات الايجابية من بعض الاطباء والتحذير من الاشتغال بالتفكير والخوف يضعف مناعة الانسان كونه يضخ في الجسم مادة الكورتيزون التي تشد الاعصاب وتثير الفوضى الفسيولوجية داخل الجسد.. ولك ان تتخيل انك انسان مُسن وتعيش في ايطاليا البلد الاول في الوفيات التي تصل الى ربع الوفيات في العالم وتتعرض لهذه الارقام المرعبة فمن المؤكد انخفاض مناعتك إلى الحضيض ويكون موتك اسرع حيث الارقام الرهيبة كل ساعة حول عدد الوفيات، وربما لهذا السبب حاولت بعض المنصات الاعلامية مؤخراً بث روح الايجابية عن طريق تشجيع المنشورات الترفيهية لمواجهة الذعر الاعلامي الذي ساد قنوات الاعلام بعد ان ادركت خطورة بث الذعر ونشر أرقام الإصابات، فمثلاً اقدمت فيسبوك على مشاركة بعض الصور الشخصية للمشتركين من أجل رفع الطاقة الإيجابية

لان الاحساس الايجابي مهم لتعزيز مقاومة الجسم لجميع الأمراض.

اما في البلدان الاسلامية فالامر مختلف لاختلاف الثقافات وطبيعة الحياة الاسرية وسيادة المعتقد والاجواء العبادية بشكل اكثر رسوخاً من المجتمعات الغربية لذا يبدو ان الجو المشحون بأخبار الموت اقل ضرراً بالمسلمين فهم الاقل قلقاً، فما يطمئنهم هو السكينة بذكر الله تعالى واحاطة الجميع بالأبناء والإحفاد لترابط النسيج العائلي والتفكير الايجابي في الثقافة الاسلامية بأن مع العسر يسرا، وان الأمور بيد اله رحيم لا ينسى عباده جميعا، والاهم من ذلك ما يسر النفس ويطمئن الروح من مشاهد التكافل الاجتماعي والمساعدات بين ابناء المجتمع والتسابق من بعض الموسرين للتعبير عن التراحم في هذه الظروف المصيرية وهو ما تفتقده المجتمعات الاخرى،ـ كما ان للمؤمنين احتساب لكل داء وألم ومشقة بأن فيه أجر وله نهاية أفضل في جميع الحالات.. هذا هو الأكسير الفريد والدواء الاغلى الذي ربما يحسدنا به الاخرون في هذا الظرف العصي لعبور هذه المحنة، لذا باعتقادي فان المسلمون هم الاكثر امناً نفسياً في زمن وباء كورونا وربما هذا ما سد العجز والتراجع في قدرة المؤسسات الصحية في اغلب بلدانهم، فالتفكير الايجابي والتسليم لأمر الله تعالى واليقين بأن هنالك رب عزيز رحيم وقريب يجيب المضطر ويرحم العباد ويغير الاحوال من العسر الى اليسر بطرفة عين جعلنا في زمن الوباء الافضل معنوياً والاقرب الى معنى قوله تعالى (كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس).

 

د. حسن خليل حسن

 

بليغ حمدي اسماعيللم يفطن المستشرقون ومنهم المستخربون أيضا ما للإسلام الحنيف ومنتوجه الحضاري من قيمة إنسانية وجمالية وجدانية فضلا عن كونه دينا خصبا لم تسبر بعد أغواره حتى أوقاتنا الراهنة رغم آلاف الكتابات عنه وعن تلك النصوص المتشظية في تأويل قرآنه بغير انطفاء . فالإسلام هو دين الفطرة الإنسانية، والمنطق السليم، وهو عقيدة خالدة بمبادئها السامية والإنسانية، وهو دين مثالي في جوانبه المتعددة ؛ الروحية والأخلاقية، وفي آدابه ومعاملاته وأحكامه، وهو دين يكرس نفسه لتكوين شخصية إسلامية متكاملة . ولعل انتشار الإسلام بسرعة البرق في شتى بقاع اليابس كان نتيجة لما يتضمنه من مبادئ مثالية وقيم تتسم بالشمولية والتكامل، لقد انتشر الإسلام لما تمتع به من يسر وتسامح، وإيثار، ولما كفله للمسلم من عدالة ومساواة ورحمة مطلقة .

ولقد انتشر الإسلام الحنيف بمبادئه السامية لا بقوة السيف كما يزعم أعداء الإسلام، لقد انتشر ولا يزال ينتشر في كل أرجاء الأرض بآرائه المنطقية التي تتفق مع العقل، وصلاحية هذه الآراء والمبادئ لكل زمان ومكان، وملاءمتها لطبيعة النفس البشرية .

ويرجع أيضاً سبب هذا الانشار السريع والجميل للإسلام في العالم كله لما اتصف به رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم ) من خلق قويم، ومن إيمان شديد بما يدعو إليه، واجتهاده المستدام في نشر دعوة الحق دونما كلل أو تعب، وبما تمتع به الرسول r من ثبات عظيم وصبر لا نهاية له على ما كان يلاقيه من أذى المشركين.

يَقُول الله تعالي في كتابه العزيز: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ {7}}" (سورة آل عمران) .

والقرآن الكريم ؛ هو النَّص اللُّغوي المعجز ذي البيان والفصَاحة، وربما يبدو الاهتمام بدراسة بعض المظاهر اللغوية بالقرآن الكريم في هذه الأحايين غريباً في هذا العصر الذي نعيشه، أي في ظل مناخ عالمي مادي استطاع أن يقهر ويقمع الجوانب الروحية في حياتنا، بل وعمد إلى منع وقمع أية محاولة لمعالجة القرآن الكريم بالفهم والتأويل تحت دعاوى العلمانية والتيارات والفلسفات الإلحادية المعاصرة، وكذلك معالجة النصوص الدينية لكبار أئمتنا في تاريخنا الإسلامي الرشيق، وقد سعت المادية جاهدة في إجهاض حركة تناول تراثنا الديني لصالح أغراض استعمارية خفية.

ولقد منح الإسلام الإنسان حقوقاً منذ أربعة عشر قرنا قبل أن تنادي المنظمات والهيئات الدولية اليوم بها، فلقد منحه حق حرية العقيدة، وحق التعليم والتعلم، وحق الحياة الكريمة، وحق الأخوة والمساواة، وكما منحه هذه الحقوق وأكثر ألزمه بالعدل والإحسان والصدق والأمانة وحمل المسئولية الاجتماعية، ونهاه عن الظلم والاستبداد والكذب وخيانة الأمانة .

ولعل ثبات مصادر القيم الإسلامية هو الذي ضمن لها قدراً هائلاً من الاستقرار والديمومة والاستمرارية بغير خلل مهما تباينت ظروف المجتمعات وتوافدت مستجدات مدنية جديدة على الأسرة . وثبات المصدر أيضاً حفظ للقيم عالميتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان بحكم أن القرآن الكريم والسنة والنبوية صالحان لكل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة بإذن الله تعالى .

ولقد انفردت القيم الإسلامية بسمات أخرى غير الاستقرار والثبات والديمومة من أنها حفظت استقرار الأسرة ومن ثم المجتمع، من هذه السمات تمتعها بالجانب والطابع الاجتماعي، مثل حب الخير والتعاون والمشاركة ورعاية الصغير والعطف عليه واحترام الكبير وتقديم المشورة وإسداء النصيحة،فمثل هذه القيم وغيرها ضرورة اجتماعية لأي تواجد عمراني بشري بين الأفراد، ومثل هذه القيم نراها غريبة على المجتمعات الغربية التي أعلت من قيمها المادية وأغفلت عن قصد الجوانب الاجتماعية الي تحمل في طياتها ملامح إنسانية محضة.

وما تنفرد به القيم الإسلامية أنها تقدم لأول مرة للفرد عن طريق الأسرة وهي ما تكسبها صفة السلطة الحاكمة لأنها مشتقة من مقاصد الشريعة الإسلامية الثابتة والواضحة ومقدمة عن طريق كيان اجتماعي راسخ يتمتع بسمة الاحترام المطلق .فسرعان ما تتحول هذه القيم من مجرد مبادئ مثالية تقدم من خلال قصة أو موقف مخصص أو استثمار لحادث طارئ على الأسرة إلى إلزام مطلق يسعى المرء بعد ذلك في اتباعه حينما يخرج من كنف الأسرة النواة الأولى إلى مؤسسات المجتمع بصفة عامة لاسيما وأنها مستقاة من سلطة الدين نفسها.

وقد أقر الإسلام مبدأ العدل بين الناس، وهذا من أسرار عظمته، يقول تعالى :  وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة الحجرات : 9 )، أي اعدلوا، ويقول الله تعالى أيضاً في محكم التنزيل :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ   (سورة المائدة : 8 )،  وقال رسول الله r: " اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة " . ولقد أمر المسلمون بمراعاة قواعد العدل حتى مع ألد وأفجر أعدائهم، فلم يبح له تجاوزها في معاملتهم، يقول تعالى : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  (سورة البقرة :190) . وما على أن الإسلام يريد من العدل مؤداه المطلق بقوله تكليفه الآخذين به أن يقوموا بحقه حتى حيال من يمتد سلطانهم عليه من غير المسلمين، وممن ملكت أيمانهم حتى من الحيوانات العجم أيضاً، وهنا يتجلى من سمو التعاليم والقيم الإسلامية مظهر وملمح راق لا تملك الأمم قاطبة له نظيراً حتى وقتنا الراهن.

وفضيلة العدل من صفات الله تعالى لأنه منزه عن الظلم، يقول تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) (سورة النساء ـ 40)، وقال عز وجل : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (سورة الكهف ـ 49) .

فعدل الإسلام وحده هو الذي يتساوى أمامه الغني والفقير، والذليل والشريف والوضيع، ويتعادل أمام قانون الإسلام المالك والمملوك،ويتجلى في عدل الإسلام المثل الأعلى للعدالة حينما تتساوى حقوق وواجبات المسلم والكافر، والعربي والأعجمي، والأبيض والأسود  بل إن الإسلام وحده هو الذي أقر العدل في التعامل مع الحيوانات من باب الرفق بها، قال رسول الله r: " دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" .

والإسلام نادى بإقامة العدالة المطلقة، والمسلم القويم يعتقد تمام الاعتقاد بأن الله تعالى هو العدل، بل أحكم العادلين، يقول تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً  (سورة النساء : 40 )، والإسلام أمر المسلمين بإقرار العدل والعدالة في قوله تعالى :  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  (سورة النساء : 58 ) . وكم أهاب القرآن بنا أن نعدل فيما بيننا، وحتم علينا أن نأخذ بالعدل وقيمه ومبادئه حتى مع أعدائنا، ولعلك تجد في القرآن الكريم ما في العدل من نفع لديننا ولدنيانا .

والعدالة في الإسلام تعد مرادفاً للمساواة، ولعل من أسمى مبادئ تلك المساواة التي قد اشترعها للناس جميعاً، فالكل في الإسلام سواء، لا فرق بين أبيض أو أسود، ولا غني ولا فقير، بل إن الإسلام أقر قاعدة مفادها أن أفضل الناس أقربهم إلى التقوى، يقول تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً  (سورة النساء :123، 124)، وقوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير  (سورة الحجرات : 13) .

ويؤكد الرسول r هذه المساواة المطلقة بين الناس جميعاً في قوله : " الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " . والرسول r كان أعدل الناس وأشجعهم في إقامة العدالة وتحقيقها، ولقد اعترف بلك أعداؤه قبل أصحابه وأتباعه، وكيف لا وكان لقبه قبل البعثة الصادق الأمين، وعنه قال الربيع بن خيثم : " كان يتحاكم إلى رسول الله r في الجاهلية قبل الإسلام" . وعن الحسن : كان رسول الله r  لا يأخذ أحداً بقرف (أي بذنب) أحد، ولا يصدق أحداً على أحد، أي لا يسمع وشاية الواشين" .

وقد أمر الله ـ تعالى ـ رسوله r أن يلتزم العدل في كل أقواله وأعماله، يقول تعالى :   فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  (سورة الشورى : 15)، بل إن الله تعالى قد أمر رسوله بالتزام العدل في الأحكام حتى مع غير المسلمين، فقد قال تعالى:  سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة المائدة : 42) .

وكما أمر الله تعالى رسوله الحبيب محمداًr، بالعدل أمر الناس جميعاً بذلك، لأن كل خطاب للرسول r هو خطاب لأمته إلا في الخصوصيات المروطة بصفة النبوة، فلقد أمرنا الله ـ تبارك وتعالى ـ بالعدل في القول،يقول تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  (سورة الأنعام : 152)، وأمرنا بالعدل في كتابة الديون بقوله تعالى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً   (سورة البقرة :282) .

وأمرنا الله ـ عز وجل ـ أيضا بالتزام العدل عند الإصلاح بين الناس، يقول تعالى :  وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ     (سورة الحجرات : 9) .

والقرآن الكريم حينما يحثنا ويأمرنا بالتزام العدل واتباعه في القول والفعل والسلوك وكافة مظاهر الحياة، فهو بدوره أيضاً يأمرنا باجتناب الظلم الذي هو أحط الرذائل، والظلم كما يقول الراغب الأصفهاني : " وضع الشئ في غير موضعه المختص به، إما بزيادة أو نقصان، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير" . والمتدبر في آي الذكر الحكيم يدرك تحريم الظلم وعاقبته الشديدة، يقول تعالى : فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ    (سورة الأنعام ـ 45)، ويقول تعالى :  وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً   (سورة الكهف ـ 59) .

ولقد حرص النبي r على الترغيب في العدل والترهيب من الظلم، ولقد أمر أتباعه بتحري العدل ونهاهم عن الظلم، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن جابر (رضي الله عنه) أن رسول الله r قال : " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم" 0(صحيح مسلم ).

وعن أبي أمامه (رضي الله عنه) أن رسول الله r قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة" (رواه مسلم) .ونختتم حديثنا عن العدل في الإسلام بوصية الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) للأشتر النخعي الذي ولاه على مصر بقوله : " أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى على رعيتك، فإنك إن لم تفعل تكن ظالماً، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه، ومن خاصمه الله أبطل حجته، وليس شئ أدعى إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة من الظلم فإن الله تعالى يسمع دعوة المظلومين، وهو للظالمين بالمرصاد" .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

علي المؤمنالمرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي (5)

يعتمد تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على عدد من المعايير، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم وليس في العراق أو إيران وحسب. أما الأعلمیة والعدالة و الشهرة والتصدي للشأن العام والبعد النهضوي في شخصية المرجع؛ فهي معايير نسبية لايمكن الإجماع عليها في ظل وجود موازين فرعية مختلَف عليها. ووفق هذه المعايير تكون بعض المرجعيات عليا و أخرى صف أول أو صف ثاني. وهي مصطلحات عرفية تدبيرية.

یمکن القول أن المدرستين الأبرز اللتين تتقاسمان مساحة النفوذ الدیني والتقلید منذ حوالي أربعة عقود وحتى الآن، هما مدرسة المرجعين الكبيرين السيد روح الله الموسوي الخمینی والسيد أبي القاسم الموسوي الخویی. وهما الزعیمان اللذان اقتسما المرجعیة العلیا للشیعة حتی وفاة الإمام الخمیني في العام 1989، ولا یزالان یقتسمانها في تلامیذهما و امتداداتهما.

تعود جذور مدرسة السيد الخوئي الى مدرسة زعیم الطائفة السید أبي الحسن الموسوي الإصفهاني في النجف، والتي أنجبت جميع مرجعيات النجف العليا بعد رحيله، كالسيد محسن الحكيم والسيد محمود الشاهرودي والسيد الخوئي, بينما ينتمي الإمام الخميني الى مدرسة الشیخ عبد الکریم الحائري مؤسس الحوزة العلمیة المعاصرة فی قم، والتي أنجبت مرجعيات قم العليا بعد رحيله، كالسيد محمد رضا الگلپايگاني والسيد كاظم الشريعتمداري والإمام الخميني. وبالتالي؛ فإن أغلب المرجعيات العليا ومراجع الصفین الأول والثانی هم تلامیذ الزعیمین الخوئي والخميني، و ینتمیان الی مدرستیهما، وفي مقدمتهما: السيد علي الحسيني السيستاني والسيد علي الحسيني الخامنئي، اللذان یتقاسمان الزعامة الدینیة للطائفة الشیعیة فی العالم ( الحديث هنا عن الزعامة الدينية وليس القيادة ):

1-  السيد علي الحسیني السيستاني: المرجع الديني الأعلى على مستوى العراق وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني من مدينة مشهد، وتعود أصوله الى أسرة مهاجرة من العراق، ويقيم في النجف الأشرف منذ أكثر من (60) سنة، و هو وريث مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف، وقد تفرّد بالمرجعية النجفية العليا في اواخر عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد رحيل مراجع النجف الكبار: السيد الخوئي والسيد عبد الأعلى السبزواري والشيخ علي الغروي والشيخ مرتضى البروجردي والسيد محمد الصدر والسيد حسین بحر العلوم.

2- السيد علي الحسیني الخامنئي: المرجع الديني الأعلى على مستوى ايران وكثير من المسلمين الشيعة في مختلف دول العالم، وهو إيراني مقيم في طهران منذ حوالي (40) سنة، وتعود جذوره الى أسرة عراقية هاجرت الى مدينة خامنه الإيرانية، وهو وريث مدرسة الإمام الخمینی وحوزة قم. وقد برزت مرجعيته في عقد التسعينات من القرن الماضي، ولا سيما بعد رحيل مراجع قم الكبار: السيد محمد رضا الگلپايگاني والشيخ محمد علي الأراكي والشيخ فاضل اللنكراني والشيخ جواد التبريزي والشيخ محمد تقي بهجت.

ويمكن القول أن 80 بالمائة من شيعة العراق وإيران وبلدان الخليج ولبنان وسوريا والهند وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وروسيا وبلدان شرق آسيا ونيجيريا ومصر وباقي بلدان أفريقيا وأوربا والأمريكتين، يقلدون السيد السيستاني والسيد الخامنئي. أما الـ 20 بالمائة الباقين من الشيعة المقلدين؛ فإنهم يرجعون بالتقليد الى المراجع الآخرين، سواء مراجع الصف الأول أو الثاني. ولعل أغلب المسلمين والمتشیعین الجدد، ولا سيما في شرق آسيا و أفريقيا وأوربا، يرجعون بالتقليد أيضاً الى السید علي الخامنئي والسید علي السیستاني، وهما المرجعان الأنشط تبليغياً خارج المساحات التقليدية للشيعة.

بيد أن هناك من الشیعة من لایزال ـ بناءً علی فتوی أحد المراجع الأحیاء ـ باقیاً علی تقلید المراجع الراحلين، كالإمام الخمیني والإمام الخوئي والسید محمد الصدر والسید محمد رضا الگلپايگاني والسید محمد حسین فضل الله والشیخ محمد تقی بهجت و السید محمد باقر الصدر ( وهو أقدم مرجع ديني لایزال هناك من یقلده ).

و قد ذكرنا بأن تصنيف المرجعيات الدينية الشيعية على أنها مرجعية عليا أو مرجعية صف أول أو صف ثاني، يعتمد على عدد من المعايير الواقعية، أبرزها: ما استقر عليه الرأي الحوزوي العام الذي تصنعه جماعات أهل الخبرة والضغط، وحجم المرجعیة ومساحة نفوذها الدیني وتأثيرها ونسبة مقلديها في العالم، وليس في العراق أو إيران وحسب. وبالتالي؛ فإن تصنيف مرجعيات الصف الأول أو الثاني؛ لا علاقة له بالمُثل والإشتراطات ذات المداليل الواسعة جداً، والنسبية في تطبيقاتها، والتي يستحيل إحرازها؛ كالأعلمية، ولا هي مقولة فقهية أو علمية، ولا رتبة وظيفية؛ بل هي مقولة إجرائية واقعية عرفية، تدل على المراجع الذين لهم نفوذ ديني ومقلدين يلي نفوذ المرجعين الأعليين وعدد مقلديهم.

يبلغ عدد مراجع الصف الأول في قم والنجف حالياً ثمانية مراجع، هم:

1-  السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السيد محسن الحكيم وحوزة النجف.

2- الشيخ محمد إسحق الفياض، أفغانستاني يقيم في النجف، وهو امتداد مدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

3- الشيخ بشير النجفي، باكستاني يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

4- الشيخ حسين الوحيد الخراساني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

5- الشيخ ناصرمكارم الشيرازي، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

6- السيد كاظم الحسیني الحائري، عراقي من أصل إيراني يقيم في قم، وهو إمتداد مدرسة السید الشهيد محمد باقر الصدر وحوزة النجف.

7- السيد موسى الشبيري الزنجاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

8- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة السيد حسين البروجردي وحوزة قم.

أما مراجع الصف الثاني في النجف وقم في الحال الحاضر؛ فإن نفوذهم الديني وعدد مقلديهم يلي مراجع الصف الأول، وأبرزهم:

1- السيد محمد صادق الحسيني الروحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

2- الشيخ حسين النوري الهمداني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

3- السيد صادق الحسیني الشيرازي، عراقي من أصل ايراني، يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة شقيقه السید محمد الشیرازي وحوزة کربلاء.

4- الشيخ جعفر السبحاني، إيراني يقيم في قم، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخمیني وحوزة قم.

5- السيد علاء الدين الموسوي الغريفي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة الإمام الخوئي وحوزة النجف.

6- الشيخ محمد اليعقوبي، عراقي يقيم في النجف، يمثل امتداداً لمدرسة السید الشهيد محمد الصدر وحوزة النجف.

إن البحث في هذه الأسماء وأحجامها المرجعية؛ أساسيٌ عند الحديث عن مرحلة ما بعد السيستاني والخامنئي؛ لأن المرجعين الأعليين القادمين في النجف وقم سيكونان من بين هذه الأسماء الأربعة عشر حصراً.

 

د. علي المؤمن

 

محمد الورداشيمنذ مدة تقارب السنتين وأنا منهمكٌ دوما في البحثِ عما يسمى "هموم المثقفين"؛ إذ كنت على يقين أن المفكرين والمثقفين يحملون هموما كبرى داخل عقولهم وأنفسهم، وهي المحركُ الأساسُ الذي يدفعهم إلى الكتابة عن هذه الهموم، عبر ترجمتها إلى إرث فكري يهدف إلى النهوض بالمجتمع، والحياة الاجتماعية، والثقافية الفكرية، والسياسية، والاقتصادية التي يعيشها المثقف باعتباره مشاركا ومنخرطا فيها من قريب أو بعيد. كما أني كنت متيقنا أن قراءتي لكتب بعض المفكرين والمثقفين، تجعلني دوما أحس نكهةَ حزنٍ خفيفةً تختلج لها نفسي، ومن ثم، خلصت إلى أن في سطور المفكرين والمثقفين حزنا وخيبةَ أملٍ كبيرين، عزّ عليهم، أي المثقفين، الإفصاحُ والإعرابُ عنهما.

وبعد، سأتطرق إلى الدافع وراء كتابة الأسطرِ أعلاه؛ وهو أني، وإلى جانب تساؤلي المعلل عن هموم المثقفين التي يمكن لك أن تعود لكتاب قيِّم بهذا العنوان للدكتور المصري زكي نجيب محمود، أتساءل عن الوسائل والآلياتِ المعتمدتين من قبلِ الدولِ للدفع بالشعوب المضطهدَةِ إلى العزوف، والزهدِ الكليِّ عن مشاكلها الحقيقية؟

للإجابة عن هذا السؤال القديم/الجديد، والذي قدْ سبق لباحثين ومثقفين كُثُرٍ طرحُهُ، ومحاولةُ الإجابةِ عنه، كان لزاما علي محاولةُ قراءةِ المعطياتِ والمؤشراتِ المتعلقةِ بالحياةِ اليوميةِ للمجتمعِ الذي أعيشُ فيه عامةً، وللأشخاصِ القريبين مني على وجه الخصوص.

أعتقدُ أن ثمةَ وسائلَ كثيرةً اُعتُمدتْ كسلاحٍ بغيةَ تدجينِ وترويض الشعوب حتى تغدو كالخاتم في إصبعِ مضطهدِيها. وهذه الوسائل متنوعة ومختلفة بناء على الفترة التاريخية المستعملة فيها، كما أن لها مفعولا مختلفا أيضا.

يعد التطهيرُ الفكريُّ، والذي لا ينفصل عن التصفية الجسدية في فترات تاريخية ماضية، وفي التاريخ المعاصر، سلاحا فعالا في يد الدول الحاكمة، حيث إنه ينصبُّ على الفئة المثقفة التي تحاول التفكير من خارج الأدلوجةِ الرسميةِ المعتمدةِ من قبل الدولة؛ بمعنى أن الفئة التي تخرج عن الأدلوجة تحليلا ونقدا، وتعديلا وتحويرا، تشكلُ خطرا كبيرا، وعوض تصفيتها جسديا، فإنها ستمارسُ عليها، أي على الفئة المنشقة، تطهيرا فكريا حتى تغدو خاضعة لرقابة جماعية- ذاتية في كل وقت وحين. وأقترح عليك أيها القارئُ اللبيبُ أن تعود إلى رواية 1984، للكاتب الإنجليزي جورج أورويل (واسمه الحقيقي هو إريك آرثر بلير: 1903-1950) طبعا إن كنت لم تقرأْها بعدُ، لتعرف نوعَ الإنسانِ الذي استشرف أورويل أن المجتمع الرأسمالي الغربي، في القرن العشرين، يريد إنتاجه وإعادةَ إنتاجه. وهذا طبعا بعيدا عن الرؤية الديستوبية؛ لأن نبوءته قد تحققت فعلا وإن عبر مراحلَ متباينةٍ. كما أني أدعوك إلى العودة إلى روايته، التي نراها واقعية، المعنونة ب" الطريق إلى رصيف ويغان"، في سياق نقده للرأسمالية والآلة، حتى تعرفَ ما قصده ب"العقل في القارورة" الذي اخترته عنوانا لهذا المقال؛ أي أن المثقف مطلوب منه أن يأخذ إجازة عن التفكير إلى الأبد في ما يعيشه داخل الحياة الاجتماعية وما يرتبط بها من سياسة واقتصاد.

ومن بين الوسائل المعتمدة، إلى جانب تجريد المثقف من سلاحه، أي من استخدام عقله، ودوره في توعية وتثقيف الشعب أو العقل الجمعي، أو الرأي العام، لترويض الشعوب نجد وسائلَ الإعلامِ سواء أكان إعلاما مكتوبا مقروءا أم مسموعا مرئيا. وفي هذا السياق، سأعود مرة أخرى إلى استحضار جورج أورويل من خلال كتابه "لماذا أكتبُ (وهو مجموعة من المقالات التي كتبها أورويل بين الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم) لأقفَ عند مقالٍ لهُ بعنوان "الشعر والميكروفون" حيثُ انتقد بعضَ وسائلِ الإعلام التي باتت رسميةً ومسيرة من قبل البيروقراطية، وبالتالي، فإن ما تنشره وتبثه، وأورويل كان يتحدث عن المذياع آنذاك، له القدرةُ الفعالةُ على بلورةِ وتشكيلِ الوعي المنمط للرأي العام. كان أورويل قد تساءل عن السبب الذي جعلَ الرأيَ العامَّ الإنجليزيَّ ينفر من الشعر (بدعوى غموضه، وريائه الفكري...إلخ)، فتوصل إلى أن الجهاتِ المسؤولةَ ليست لها الرغبةُ في توجيه الرأي العام إلى فنِّ الشعر، ولأسباب أخرى عرضها بتفصيل لا يتسع المقامُ لذكرها.

وهكذا، نجد في المجتمعات العربية، أن وسائل الإعلام قدْ وَأَدَتْ كلَّ قريحةٍ فكريةٍ، أو رغبة في النقد والتساؤل، وإنما دأبت لسنوات طويلة على تقديم الوجبات السامة للعقل الجمعي (والذي من خصائص حامليه أن السواد الأعظمَ منهم لا يتوفر على مناعة واعية وعقلانية وعلمية) الذي يتجرعها دون أن يتساءل عن مصدرها، والغاية من ورائها. فلما كانت سياسةُ وسائلِ الإعلام والتواصل هشةً وتافهةً، كان من الطبيعي أن تبلورَ وعيا تافها خرافيا، وعقلا جمعيا ميالا إلى الضربِ صفحا عن همومه ومشاكله. لقد كنت، في أحيان كثيرة، أتساءل دوما: لمَ لا تحركُ الشعوبُ المضطهدَةُ ساكنا أمام المخططات والسياسات التدميرية التخريبية والسامة التي تُمارَسُ عليها؟ فكنت أجد عزاءً لنفسي في قولي "إن رغبةَ الشعوبِ فاترةٌ الآن، ولكنْ ستثورُ يوما" أو "إنه الصمتُ الذي يسبق العاصفة". بيد أني غدوت أكثر تطرفا لما ذهبت إلى أن السبب هو مسكناتٌ ومهدئاتٌ يتجرعها الطفلُ في الحليبِ المصنَّعِ، والمواد المعلبة منذ أنْ فتحَ عينيه.

إضافة إلى ما سبق، يمكن القولُ إن للمدرسة دورا كبيرا في ترويض الأجيال الناشئة (طبعا لا ننس جهودَ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في هذا الصدد) من خلال المراقبة والمعاقبة (وهذا عنوان لكتاب ميشيل فوكو) التي تُمارَسُ على المتعلم في المدرسة، والسجين في السجن، والمجنون في المارستانات؛ إنها كلَّها تمثل نوعا من الرقابة الخارجية التي تغدو مع العادة والتكرار رقابةً ذاتيةً، ترافقُ المرءَ طوال مراحل نشأته وحياته. ومرة أخرى، وتأكيدا للرقابة والمراقبة، أستحضر عبارة "إن الأخ الأكبرَ يراقبك" من رواية 1984.

وفي الختام، أود القولَ إن للمثقفين قسطا مهما من تزييف وعي الشعوب المضطهدَة؛ لأنهم باتوا يمارسون نوعا من اللامبالاة واللامسؤولية في ظل هذه الفترات التاريخية الأخيرة المزرية؛ إنهم يمارسون ضربا خبيثا من التقية، أو ما أسماه أورويل، في سياق نقده ل ميللر، ب "يونس في بطن الحوت"، أي الفرار من هموم ومشاكل المجتمع، وعدم المشاركة والخوض في معاركه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثقافية. كما أن القسط الأعظم يقع على كاهل المدرسين والمعلمين؛ لأنهم مسؤولون عن المنتوجِ الذي يخرجونه للمجتمع. أما العبءُ الأكبرُ، فإنه كان وما يزال وصمةً في تاريخِ الحكام المضطهدِين، والمستبدين الذين يجهدون أنفسَهم للحفاظ على الدول الشمولية الاستبدادية، من خلال تقديمها في ثوب الدولة الديموقراطية. وربما ما تزال الدول تسعى إلى استعباد شعوبها من خلال التجهيل والتفقيرِ، والتشديد على الرقابةِ الفكرية، أو ما سماهُ أورويل بجريمة الفكر.

 

محمد الورداشي

 

 

عبد العزيز قريشتعليم التفكير الإبداعي موجة عالمية تعليمية:

الموجة الحالية في العالم التربوي هي برامج تعليم أنماط التفكير من خلال دورات تكوينية، التي تكسب المتعلم المهارات والكفايات المؤهلة له للفعل بإيجابية وفعالية؛ حيث حول المختصون في مختلف العلوم المتعلقة بالتربية والتعليم نتاجات الحقول المعرفية إلى مهارات وكفايات مبنية على مداخل نظرية تبني شخصية المتعلم، وفي مدد زمنية قصيرة! ولم تعد البرامج التعليمية المطولة والمفتوحة على مدد زمنية طويلة مرغوبة لديهم. فقد صاروا إلى نماذج تعليمية وتكوينية تمد المتعلم بأساسيات المجال المستهدف ضمن أغلفة زمنية محدودة وقصيرة.

ومن بين برامج تعليم أنماط التفكير، نجد برامج تعليم مختلف مهارات التفكير وفق أنواعه، ومنها مثالا لا حصرا: برامج العمليات المعرفية، وبرامج العمليات الميتامعرفية، وبرامج التعلم بالاكتشاف، وبرامج التفكير المنهجي، وبرامج التفكير المنطقي، والتفكير النقدي، والتفكير الإبداعي أو الابتكاري أو الخلاق.

ـ بيداغوجيا الإبداع والدرس المدرسي:

الدرس المدرسي هو بيداغوجيا بامتياز في البعد التطبيقي، ويرتبط بالإبداع من حيث كونه أداء منهجيا يتطلب الابتكار والخلق في كل مراحل الدرس المدرسي، ومنه كانت للإبداع بيداغوجيا تعلم المتعلم كيفية التفكير الإبداعي انطلاقا من طبيعته التي تعني: (الأنشطة والعمليات المنظمة التي يقوم بها المتعلم لأجل ابتكار أفكار أو اكتشاف أشياء تتميز بإحالتها وتفردها، [حيث] يقوم العمل الإبداعي داخل القسم على إعداد وتنظيم وضعيات ديداكتيكية تتميز بالخصائص المحددة للنشاط الإبداعي وهي: 1 ـ وضع التلاميذ في وضعية تمكنهم من إدراك مشكل والشعور بالحاجة إلى الإبداع والابتكار. 2 ـ تمكين التلميذ من تقديم أكبر قدر من الأفكار. فالفعل الإبداعي يتميز بسيولته الفكرية أي إنتاج قدر كبير من الأفكار أو سيولة لفظية أي إنتاج قدر كبير من الألفاظ والتسميات. 3 ـ مرونة النشاط حيث يتمكن المتعلم من الانتقال من مجال إلى آخر والتكيف مع معطيات جديدة. 4 ـ أصالة الإنتاج الذي يصدره المتعلم مثل الأجوبة غير المألوفة والأفكار الجديدة والخاصة. 5 ـ إعادة بناء الأشياء والأفكار في شكل جديد.

تتميز بيداغوجيا الإبداع بمجموعة من الخطوات والأنشطة يمكن أن يسلكها المدرس، وهي: 1 ـ جعل التلاميذ يواجهون مشكلا بدفعهم إلى الابتكار . 2 ـ إنتاج أفكار متنوعة ومتعددة حول الموضوع. 3 ـ تجريب وفحص الأفكار المنتجة. 4 ـ تقويم المنتوجات والاختيار الأفضل منها. وتستند هذه الخطوات حسب نموذج جيلفورد إلى ثلاثة أنماط من التفكير: أ ـ التفكير المغامر أو المتشعب وفيه تنتج أفكار وآراء متعددة ومتنوعة. ب ـ التفكير التقويمي الذي يمكن من الفحص والاختبار والتجريب. جـ ـ التفكير أو المتجمع الذي يتجه فيه التلاميذ إلى الاتفاق حول معطى واحد. وتتطلب هذه العمليات من المدرس مجموعة من المواقف مثل احترام أسئلة التلاميذ وأفكارهم الأصيلة وإبراز قيمتها وفسح الفرصة للعمل الحر وتجنب إصدار الأحكام)[1] . ومنه فالدرس المدرسي هو تفكير إبداعي من ألف إلى يائه.

ـ أهمية التفكير الإبداعي:

الإبداع عماد الحياة في عصرنا هذا، لأنه المعتمد في معالجة مشاكلنا وإيجاد الحلول المبتكرة لها فضلا عن الاختراعات والإبداعات في جميع المجالات الحياتية والعلمية للأفراد والمجتمعات الإنسانية. فهو مرتكز التقدم والتطور الإنساني والحضاري والعلمي. وتعليمه ضروري في وقتنا الحاضر في مؤسساتنا التعليمية، ومنذ التعليم الأولي. فهو تفكير يمكن المتعلم من: تعلم أفضل؛ وتحسين صحته العقلية؛ وإطلاق طاقات وإمكانات الخلق والإبداع لديه؛ وبناء الذات السوية؛ والاستقلالية الذاتية؛ والتفكير الحر والثقة في الذات؛ والتحرر من عقدة الفشل؛ والرؤية المختلفة للأشياء؛ والتحدي، والمثابرة والصبر فضلا عن قابلية التكيف والمرونة والفضول العلمي وثراء الخيال؛ والإيمان بأن لكل مشكلة أو قضية حلا؛ والقبول بالخطأ مصدرا للتطور والتحسين والتجديد؛ والحل يكمن في المشكلة؛ وتطوير العلوم والمجالات المعرفية عن دراية ومشاركة إبداعية. كما يكسب المتعلم (الحرص على الجديد من الأفكار والآراء والمفاهيم والتجارب والوسائل. والبحث عن البدائل لكل أمر والاستعداد لممارسة الجديد منها. والاستعداد لبذل بعض الوقت والجهد للبحث عن الأفكار والبدائل الجديدة، ومحاولة تطوير الأفكار الجديدة أو الغريبة، الاستعداد لتحمل المخاطر واستكشاف الجديد. والثقة بالنفس والتخلص من الروح الانهزامية. والاستقلالية في الرأي والموقف. وتنمية روح المبادرة والمبادأة في التعامل مع القضايا والأمور كلها) .[2]

ـ تعريف التفكير الإبداعي:

لا يوجد تعريف شامل جامع مانع بقدر ما توجد تعاريف متقاطعة فيما بينها، تتفق حول بعض السمات اللغوية والاصطلاحية للتعريف، ومنها:

ـ (التفكير الإبداعي نشاط عقلي مركب وهادف توجهه رغبة قوية في البحث عن حلول أو التوصل إلى نواتج أصيلة لم تكن معروفة سابقا) .[3]

ـ (عرف جيلفورد التفكير الابتكاري بأنه: التفكير في نسق مفتوح يتميز الإنتاج فيه بخاصية فريدة وهي تنوع الإجابات المنتجة التي لا تحددها المعلومات المعطاة. ويعرفه روجرز بأنه: ظهور لإنتاج جديد نابع من التفاعل بين الفرد وما يكتسبه من خبرات. ويعرفه علي الخطيب بأنه: إنتاج شيء ما على أن يكون هذا الشيء جديدا في صياغته، وإن كانت عناصره موجودة من قبل) .[4]

ـ (النظر للمألوف بطريقة أو من زاوية غير مألوفة ثم تطوير هذا النظر ليتحول إلى فكرة ثم إلى تصميم ثم إلى إبداع قابل للتطبيق والاستعمال)[5].

ـ سمات التفكير الإبداعي:

يتسم التفكير الإبداعي بعدة سمات، منها :

1 ـ الأصالة: وتعني التميز في التفكير والندرة والقدرة على النفاذ إلى ما وراء المباشر والمألوف من الأفكار، وتعني الخبرة والتفرد، وهي العامل المشترك بين معظم التعريفات التي تركز على النواتج الإبداعية كمحل للحكم على مستوى الإبداع.

2 ـ الطلاقة: وهي القدرة على إنتاج أفكار عديدة لفظية وأدائية لمشكلة نهايتها حرة ومفتوحة، ويمكن تلخيص الطلاقة في الأنواع التالية :

أ- طلاقة الألفاظ: وتعني سرعة تفكير الفرد في إعطاء الكلمات وتوليدها في نسق جيد.

ب- طلاقة التداعي: وهو إنتاج أكبر عدد ممكن من الكلمات ذات الدلالة الواحدة.

ج- طلاقة الأفكار: وهي استدعاء عدد كبير من الأفكار في زمن محدد.

د- طلاقة الأشكال: وتعني تقديم بعض الإضافات إلى أشكال معينة لتكوين رسوم حقيقية.

3 ـ المرونة: وهي تغيير الحالة الذهنية لدى الفرد بتغير الموقف وتعني القدرة على توليد الأفكار المتنوعة التي ليست من نوع الأفكار المتوقعة عادة، وتوجيه أو تحويل مسار التفكير مع تغير المثير أو متطلبات الموقف، وللمرونة مظهران هما:

أ- المرونة التلقائية: وهو إعطاء عدد من الأفكار المتنوعة التي ترتبط بموقف محدد.

ب- المرونة التكيفية: وتعني التوصل إلى حل مشكلة، أو موقف في ضوء التغذية الراجعة التي تأتي من ذلك الموقف.

4 ـ الحساسية للمشكلات: وهي قدرة الفرد على رؤية المشكلات في الأشياء والعادات، أو النظم، ورؤية جوانب النقص والعيب فيها. ويقصد بها الوعي بوجود مشكلات أو حاجات أو عناصر ضعف في البيئة أو الموقف.

5 ـ التفاصيل: وهي عبارة عن مساحة الخبرة، والوصول إلى أفكار جديدة من خبرات سابقة لدى المتعلم وهي القدرة على إضافة تفاصيل جديدة ومتنوعة لفكرة أوحل المشكلة)[6].

ـ مراحل التفكير الإبداعي:

تتنوع مراحل عملية الإبداع حسب الباحثين فيها. ونختار منها أربعا هي:

(المرحلة الأولى / الاعداد: وهو أن هناك نوع من الإعداد حيث أن القائم على حل المشكلة "العالم أو الفنان" يكتسب معرفة عن المجال، ثم يبدأ في جمع البيانات والبحث عن حل للمشكلة.

المرحلة الثانية / الاختمار: تحدث فترة من الاختمار حيث أن القائم على الحل يضع المشكلة جانباً ويقوم بعمل شيء ما آخر، وكأنما اتخذ لنفسه فترة إجازة وفى هذه المرحلة يتحرر العقل من كثير من الشوائب والأفكار التي لا صلة لها بالمشكلة، وهي تتضمن هضماً عقلياً شعورياً ولا شعورياً وامتصاصاً لكل المعلومات والخبرات المكتسبة.

المرحلة الثالثة / الاشراق : وهي الحل "أو جزء حاسم منه" حيث يحدث فيها إشراق مفاجئ تشبه الفكرة الموجودة في أفلام الكرتون التي تظهر على شكل مصباح ينير فوق رأس الفرد.

المرحلة الأخيرة / التحقق : حيث يتم فيها تصحيح للإشراق، وفي هذه المرحلة يتعين على المتعلم المبدع أن يختبر الفكرة المبدعة ويعيد النظر فيها ليرى هل هي فكرة مكتملة ومفيدة أو تتطلب شيئاً من التهذيب والصقل. وبعبارة أخرى مرحلة التحقق هي مرحلة التجريب "الاختبار التجريبي" للفكرة الجديدة "المبدعة ")[7].

ـ أسس التدريب على التفكير الإبداعي:

ويقوم التدريب على التفكير الإبداعي على أسس منهجية وبيداغوجية وعملية منها: " احترام خيال المتعلم وما يصدر عنه من أفكار وتصورات ورؤى، واحترام منظومة الأسئلة التي يطرحها المتعلم مهما كانت هذه الأسئلة من بساطة أو غرابة أو صوابية وموضوعية، وتقدير أفكارهم وإبداء قيمتها وإظهار الاهتمام بها مهما كانت، والسماح للمتعلمين بالقيام ببعض الاستجابات دون تخويف أو تهديد، والربط المحكم للتقويم ربطا بالأسباب والنتائج " .

كما أنه في بداية تدريب المتعلم على مهارات التفكير الإبداعي في المستويات الدنيا من التعليم الابتدائي وكذلك التعليم الأولي نوظف الأسس التالية: " إثارة الخيال عند المتعلم من خلال أسئلة موجهة، واعتماد موضوع أساس قابل للإضافات الإبداعية عبر أسئلة محددة، وتهيئة البيئة الطبيعية للإبداع، وتدريب المتعلم على مهارات وتقنيات الإبداع عبر حصص متفرقة تستغرق كل واحدة مهارة معينة مع توضيح متطلباتها الفكرية والأدائية واللغوية والتقنية ، واعتماد مجالات إبداعية مناسبة لميولات وحاجيات المتعلم، والانتقال من الموضوع البسيط إلى الموضوع المعقد والمركب ".

ـ معوقات التفكير الإبداعي:

للتفكير الإبداعي معوقات وعقبات عدة تقف أمامه، توجب على الأستاذ أن يعرفها ويتعرف عليها عمليا أثناء التدريس حتى يدفع بالمتعلم إلى تجاوزها، ويخلق عنده الثقة بالنفس لأن المعوقات الشخصية لها دور كبير في كبح التفكير الإبداعي. ومن المعوقات وكوابح التفكير الإبداعي التي تقف أمام المتعلم، وهو يتعاطى مع المشكلات والوضعيات من منطلق إيجاد الحلول والتدخلات الإبداعية نجد:

(صنف الباحثان اساكسن وترفنجرIsaksen&Treffinger عقبات التفكير الإبداعي في مجموعتين رئيسيين نوجزهما في ما يلي:

أولا: العقبات الشخصية:

أ ـ ضعف الثقة بالنفس: الثقة بالنفس عامل مهم في التفكير الإبداعي، لأن ضعف الثقة بالنفس يقود إلى الخوف من الإخفاق وتجنب المخاطرة والمواقف غير المأمونة عواقبها.

ب ـ الميل للمجاراة Conformity: إن النزعة للامتثال إلى المعايير السائدة تعيق استخدام جميع المدخلات الحسية، وتحد من احتمالات التخيل والتوقع، وبالتالي تضع حدودا للتفكير الإبداعي.

جـ ـ الحماس المفرط: تؤدي الرغبة القوية في النجاح والحماس الزائد لتحقيق الإنجازات إلى استعجال النتائج قبل نضوج الحالة، وربما القفز إلى مرحلة متأخرة في العملية الإبداعية دون استنفاذ المتطلبات المسبقة التي قد تحتاج إلى وقت طويل.

د ـ التشبع Saturation: يعني التشبع الوصول إلى حالة من الاستغراب الزائد الذي قد يؤدي إلى أنقاص الوعي بحيثيات الوضع الراهن وعدم دقة المشاهدات. والتشبع حالة مضادة للاحتضان Incubation أو الاختزان المرحلي للفكرة أو المشكلة.

هـ ـ التفكير النمطي: يقصد بالتفكير النمطي ذلك النوع من التفكير المقيد بالعادةHabit-BoundThinking. وقد عده الباحثان اساكسن وترفنجر من أبرز عقبات التفكير الإبداعي. ولتوضيح أثر هذه العقبة أورد ديبونو مثالا رمزيا يتلخص في أن كلبا اعتاد أن يسلك طريقا طويلا للحصول على عظمة يضعها صاحبه في نفس الموقع خلف السياج. ولما كانت أول محاولة ناجحة للوصول إلى العظمة قد تحققت بعد سلوك هذا الطريق الطويل، فقد ظل الكلب متمسكا بها وأصبحت عادة يقوم بها بصورة آلية. ولو أمكن توجيه الكلب لهذه العقبة لأصبح بمقدوره أن يتخلى عن عادته ويكتشف الطريق الأقصر لبلوغ هدفه ...)[8].

وعلى الأستاذ في هذه المنطقة أن يعلم المتعلم كيف يتجاوز المعوقات التي تعترض التفكير الإبداعي، وأن يشجعه، ويخلق لديه الثقة بالنفس، ويحفزه على التفكير الإبداعي بتقديم الجوائز المادية والمعنوية، وبالشكر وبالدرجات الإيجابية، وبمجموع الألفاظ المشجعة كأن يقول له: " إنه حل لم يسبقك أحد إليه " أنت عبقري اقترح حلا جديدا ... وعليه أن يقدم لهم النماذج التي تجاوزت تلك المعوقات وقدمت حلولا عملية إبداعية لمشكلات صعبة، ونجحت في ذلك.

ـ كيفية توظيف التفكير الإبداعي في الدرس المدرسي:

أ ـ التفكير الإبداعي الموجه أولا في بداية تعليم مهاراته:

بما أن الدرس المدرسي الابتدائي المغربي لا يحتوي مهارات التفكير الإبداعي إلا لماما ودون قصد؛ يمكن للممارس البيداغوجي أن يعلم متعلميه مهارات هذا التفكير انطلاقا من بعض الدروس التي تشكل في طبيعتها مشتلا له، من قبيل التربية التشكيلية والعلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية واللغة العربية، التي يمكن تضمينها مشاكل وإشكاليات ووضعيات مشكلة تتطلب التفكير الإبداعي في إيجاد حلول لها. ولنأخذ الآن الدرس التشكيلي، ونستقي منه تيمة الأشكال الهندسية، وبالضبط المثلث:

1434  تربية 1

ونطرح السؤال التالي:

ـ نريد تحويل المثلث إلى رسومات متنوعة تعبر عن أشياء أو كائنات؛ فما الإضافات التي يمكن أن تضيفها من أجل ذلك؟

فهذا السؤال سيقود المتعلم إلى التفكير الإبداعي بطريقة شمولية من حيث نوع الإضافات الهندسية والشكلية التي يدخلها على المثلث لإنتاج رسم آخر يعبر عن شيء ما أو إنسان أو حيوان أو نبات ... ومنه يعد هذا السؤال الجوهري مدخلا لقيادة المتعلم إلى إضافة أجزاء معينة للمثلث من أجل إبداعات متنوعة عبر أسئلة فرعية ضمن ما يسمى مهارات التفكير الإبداعي الموجه. ولنضرب لذلك أمثلة من قبيل:

ـ نريد تحويل المثلث إلى براد شاي؛ فما الأجزاء الرئيسية التي يتكون منها البراد؟

الأجزاء هي: ـ رأس البراد أي غطاء فم البراد؛

ـ مقبض أو يد البراد؛

ـ بطن البراد أو وعاؤه؛

ـ عنق البراد أو أنبوبه الذي يفرغ منه الشاي؛

ـ قاعدة البراد.

ـ هل يمكن أن نرسم كل جزء على حدة؟ إذن؛ ارسمها وأحسن رسمها.

والآن ارسم البراد مستخدما مهاراتك التشكيلية، ومستعينا بالرسم التالي[9] الذي سيساعدك في الرسم والذي يجيب عن الأسئلة المطروحة.  

1434  تربية 2

كما يمكن أن نضرب أمثلة كثيرة، منها هذا المثال:

ـ هل يمكن أن تحول المثلث إلى بنت/ فتاة؟

ـ ما الإضافات التي يمكن إضافتها حتى يصبح المثلث جسم بنت؟

ـ الرأس والعنق؛

ـ اليدين؛

ـ الرجلين؛

ـ بعض الزينة.

ـ انجز الرسم مستعينا بالرسم التالي:

1434  تربية 3

وبعد هذا التوجيه في إطار التفكير الإبداعي الموجه، نفتح للمتعلم باب التفكير الإبداعي بناء على إثارة خياله وتحفيزه على التفكير الإبداعي؛ فنطلب منه الآن أن ينجز رسومات مبنية على إضافات مختلفة للمثلث. ولنا العديد من ذلك، حيث يمكن أن يتحول المثلث إلى: منزل ـ قبعة ـ بوق ـ قمع ـ دراجة ـ خيمة ... وإننا؛ إذا أردنا أن نؤلف كتابا للتفكير الإبداعي من خلال المثلث كأرضية للانطلاق، فسوف نفعل ذلك بكل سهولة.

ب ـ التفكير الإبداعي الحر:

ويتم عبر تقديم مشكلة أو مسألة أو وضعية ومطالبة المتعلم حلها أو مقاربتها من خلال أطروحة منهجية أو موضوعية أو أداتية مبتكرة وجديدة لم تعهد في حلها أو مقاربتها. ومثالا لذلك نقدم الوضعية التالية:

لدينا صباغة مائية ألوانها الأساسية هي: الأصفر والأزرق والأحمر، ونريد رسم لوحات للطبيعة؛ ابتكر مشاهد متضمنا فيها ألوانا تعبر عن معطى الطبيعة.

ففي هذه الوضعية يجب على المتعلم أن يعرف الألوان غير الأساسية أي الثانوية والوسطية أو المشتقة، ودرجة اللون فضلا عن معطى الطبيعة المتنوع بيئيا وجغرافيا وموضوعيا ... وهذا سيشكل مساحة كبيرة للتفكير الإبداعي عنده.

هذا؛ ويشكل الإنشاء أو الرياضيات أو العلوم ... أي مجموع الحقول المعرفية مجالا للتفكير الإبداعي نتيجة القضايا التي يطرحها. ويمكن الاستفادة من ذلك.

ـ خاتمة:

وددت أن أضع بين يدي الأستاذ/ة ـ خاصة ـ طريقة توظيف التفكير الإبداعي في درسه المدرسي مهما كان موضوعه ومجاله المعرفي، لينقل درسه من تعليم المعارف والمعلومات والشحن الذهني إلى تعليم أنماط التفكير بما فيه التفكير الإبداعي. وودت منه أن يحاول توظيفه عمليا في الممارسة الصفية حتى يناقش ويدرس هذا المقترح من باب العلم والميدان والتجربة لا من باب التنظير.

 

عبد العزيز قريش

باحث في علوم التربية

....................

المراجع

ـ ذ. عبداللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994، ط1.

ـ ذ. إيهاب كمال، فكر أكثر تنجح أكثر، الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2012، ط1.

ـ د. نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009،عدد 370،ج2.

ـ د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011.

ـ د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير ومفاهيم وتطبيقات، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3.

ـ د. طارق السويدان ونجيب الرفاعي، الإبداع والتفكير الابتكاري، شركة الإبداع الخليجي، الكويت، 1994.

ـ ذ. امال كاظم مهدي، التفكير الإبداعي، مركز تطوير التدريس والتدريب الجامعي، جامعة الكوفة، جمهورية العراق، 1436ه / 2015 م، وورد.

هوامش

[1] ذ. عبد اللطيف الفاربي وآخرون، معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9 ـ 10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 1994،ط1،ص.: 257.

[2] ذ. إيهاب كمال، فكر أكثر تنجح أكثر، الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2012، ط1، ص.:139.

[3] د. فتحي عبد الرحمن جروان، تعليم التفكير ومفاهيم وتطبيقات، دار الفكر ناشرون وموزعون، عمان، الأردن، 1428/2007، ط3، صص.: 76ـ 77.

[4] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مصر العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2011، ط1، ص.: 67.

[5] د. طارق السويدان ونجيب الرفاعي، الإبداع والتفكير الابتكاري، شركة الإبداع الخليجي، الكويت، 1994، ص: 80.

[6] ذ. امال كاظم مهدي، التفكير الإبداعي، مركز تطوير التدريس والتدريب الجامعي، جامعة الكوفة، جمهورية العراق، 1436ه / 2015 م، وورد، ص:7.

[7] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق، صص.:71 ـ 72.

[8] د. سليمان عبد الواحد، سيكولوجية التفكير لدى المتعثرين دراسيا، مرجع سابق،، صص. : 79 ـ 80.

[9] أتقدم بالشكر الجزيل للفنان التشكيلي والكاتب الكبير محمد كريش الذي خطط هذا الرسم، وترجم الأسئلة إلى رسم البراد.

 

 

شوقي مسلمانيالعلاقات القائمة على الخوف لا تقوم سوى على ثنائية الطاعة والعصيان. والطاعة: الولاء، التسليم، الخضوع، إلخ. والعصيان: العقوق، النشوز، الخروج، إلخ. ويقول سعيد ناشيز مضيفاً: أمّا علاقات الاحترام فهي قائمة على الاعتراف المتبادل والمتكافئ بين ذوات مستقلة.  الاحترام مثل الحبّ، إن لم يكن متبادلاً ومتكافئاً فإنّه سرعان ما يفقد معناه. الخائف من الله أو من الطبيعة أو من السلطة لا يمكنه أن يكون مواطناً بأي معنى من المعاني ولا بأي حال من الأحوال، بل يصبح مجرّد رعيّة تنقاد مع القطيع انقياداً غريزيّاً. المواطنة تقتضي أوّلاً وقبل كلّ شيء وجود ذوات حرّة، واعية، مستقلّة، تحكم نفسها بنفسها، وتمتلك حدّاً أدنى من المسؤولية، والصدق، والالتزام. أمّا ثقافة الخوف فإنّها تنتج في الحساب الأخير كائناً منافقاً يصدق عليه الحديث النبوي: "إذا أؤتمن خان، إذا حدّث كذب، إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

2 ـ

 الوسيلة الأكثر نجاعة، يقول شادي علاء الدين، لمحاربة تنظيم مثل "داعش"، مثالاً لاحصراً، تكمن في السخرية، وفي نوع خاصّ من السخرية، يلاحق كلّ فعل من أفعال هذا التنظيم، يلصق به قراءة ساخرة، تسلخ عن جسده ذلك الهول الذي يريد التحكّم بنا من خلاله، تحويل الهول إلى حالة كاريكاتورية فاقدة للسلطة واجب علينا، كان كتاب "إسم الوردة" ـ رواية "لأمبرتو إيكو" الذي يتحدّث عن السخرية والضحك ـ ممنوعاً منعاً باتّاً، وصل الأمر إلى حدّ تسميمه. صار الموت مصير كلّ من يطّلع عليه، الكاهن الذي قام بهذا الفعل برّر الأمر قائلاً أنّ الإيمان من وجهة نظره قائم على الفزع، وأنّ السخرية تضرب الإيمان، لأنّها تضرب الفزع، المؤسّس له بالصميم. هذا ما يحاول "داعش" صبّه على حياتنا كي يحوّلنا إلى كائنات فزع. السخرية هي السلاح الأمضى، لأنّها، إضافة إلى كونها تقضي على هالة الفزع التي يبثّها، تحمل في روحها وجوهرها طاقة فرح وعقلنة لا يستطيع هذا التنظيم ـ المتجهّم ـ العيش في ظلالها.

3 ـ

قبل نحو 1400 سنة، وفي الفسطاط ـ القاهرة، عاصمة مصر اليوم، يقول محمّد نزّال، ألقى عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج القبضَ على إبن الخليفة الأوّل محمّد بن أبي بكر، وكلاهما ابن العاص وابن حديج مِن ولاة الخليفة معاوية بن أبي سفيان. قُتل ابن أبي بكر. التاريخ مليء بتفاصيل قتله. وضعاه في جوف حمار ميّت وأحرقوهما معاً. ما مِن مؤرّخ تقريباً أو محدّث إلا وذكر هذه القصّة، ومِنهم الطبري وابن كثير والطبراني وابن سعد ـ في طبقاته الشهيرة ـ  والنووي وابن حيّان والبلاذري.

4 ـ

كلّما انحازت الثقافة إلى الجديد ضدّ القديم، كلّما انحازت الثقافةُ إلى التغيير ضدّ الثابت، إلى النار ضدّ الرماد، إلى الحياة والحلم، أضُطهدت وأضُطهد المثقّفون، أحبّاء الحريّة والآفاق الرحبة. إنها البداهة، كما يقول مهدي عامل، في ضرورة أن يكون المثقّف ثائراً، أو لا يكون، وفي ضرورة أن تكون الثقافة للفرح الكونيّ ضدّ كلّ ظلاميّة أو لا تكون. 

5 ـ

"الأزهر"، يقول محمّد نزّال، لا يزال، ونحن في القرن الحادي والعشرين للميلاد، يُدرّس مُقرّر "الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع" ـ المُقرّر الذي يُعطى للصف الثالث السنوي، ومتنه في الفقه الشافعي، يَرِد فيه حرفيّاً أنّ: "للجائع المُضطر قتل مرتدّ وأكله ولو كان صغيراً أو امرأة، وله قتل الزاني وتارك الصلاة، وإن لم يأذن الإمام في القتل. كلّ هذا الإثم ويسألونك عن "داعش"؟.

6 ـ

جيل اليوم، جيل الشباب تحديداً، الذي باتت "تدلّس" عليه المؤسسة الدينيّة، يقول محمّد نزّال، تخفي عنه الحقائق التاريخيّة، ولعجزها عن مواجهته في تبرئة نفسها مِن "الداعشيّة" وتراثها، هذا الجيل لا تعنيه جدالات عقيمة مِن قبيل نفي التجسيم أو إثباته، أو مبحث القضاء والقدر، بل تعنيه وترهقه وتخجله أمام نفسه أولاً وأمام العالم ثانياً قضايا مثل الذبح بإسم الإسلام، الصلب والحرق وقطع الأيدي والأرجل مِن خِلاف، الحرق للأحياء والأموات، الرجم حتى الموت، وبتر الأيدي والرمي من شاهق،  أخيراً وليس آخراً القتل على "الردّة". كلّ هذا كان قبل "داعش". أليست هذه الأحكام مُقرّة عند جميع المذاهب؟. أي مذهب اليوم لا يُقرّ حدّ الردّة؟. إنّه عند الجميع، عند السُنّة والشيعة، وهذا ما يصرخ مِنه جيل اليوم. إلى متى ستُعتمد سياسة التلطي خلف الأصبع؟. ما مِن أصبع بعد اليوم مهما اتسع يمكنه مواراة "سوءة التراث" الذي انكشف وانفجر في وجه الجميع.

7 ـ

ويقول الأستاذ جميل عبدالله في كلمته حول الدولة وصراع المذاهب: لم يبرهن التاريخ السياسي الإسلامي فقط إنما برهنت جميع التجارب التاريخية للمجتمعات الإنسانية التي تبنّت الدولة فيها ديناً معيناً أنّه في اللحظة التي يتّفق فيها تحوّل السلطة الروحية للأديان الى سلطة دنيوية أو زمنية تصبح تلك الأديان نفسها الضحية الأولى لذلك التحوّل، وذلك بسبب التعارض بين دعوة الأديان لعامّة الناس الى تطبيق مثُل روحيّة عليا في دنياهم لتحقيق هدف سماوي، أي لتأمين الولوج الى جنّة الله في السماء، وبين متطلّبات حكم سياسي دنيوي تحكمه مصالح طبقيّة وفئويّة تسعى الى تأمين سيطرتها على البلاد والعباد لبناء جنّة صفوتها على هذه الأرض، ومن خلال التجارب المسيحيّة والإسلاميّة بما يخصّ تبنّي الدولة لدين ما أو تحوّل الدين من خلال تطوّر عضوي الى سلطة دنيوية ـ في حالة الإسلام ـ  ففي كلتا الحالتين أفضى فرض دين الدولة على رعاياها الى إستبداد ديني أدّى بدوره الى إستبداد سياسي، إذ إنّ إقامة السلطة السياسيّة على قاعدة دينية تجعل الحاكم حاكماً بإرادة الله وظلّه في الأرض، لا يُعصى له أمر ولا يُخالف له رأي، وفي هذه الحالة تحتجِز السياسةُ الدينَ وتوظّفه لشرعنة سلطات الحاكم.

8 ـ

ويرى سبينوزا، كما يقول حسّونة المصباحي، إن الكثير من الناس يستخدمون الدين ذريعة ليفعلوا ما يشاؤون، وفضلا عن ذلك فالإنقسام الى ملل لا ينشأ عن رغبة صادقة في معرفة الحقيقة، لأن هذه الرغبة تؤدي إلى الطيبة والتسامح، بل تنشأ عن رغبة أو شهوة عارمة للحكم.

9 ـ

بالأمس كان صدّام حسين عند بعض المفتين بطل القادسية، يقول حسن أسعد، وحتى أنّ بعض الشعراء في الكويت ألبسه ثوب النبوّة. وبعد مضي فترة وجيزة قالوا أنّه كافر بعثي. ويوجد اليوم من يقول عن ملك السعودية، ومن داخل المذهب الوهّابي، أنّه خادم الحرمين. يوجد اليوم أيضاً من أفتى بقتله. وهناك من "العراعير" من لا يعرف ألف باء القراءة أصبح بين ليلة وضحاها رمزاً من رموز الحركة الداعشية. هناك مِن ساسة لبنان من ألبس نفسه ثوب القداسة والرسالة، ويردّد قائلاً أنّ "الذي لا يريد أن يتكلّم معي هو مثل إجري". تركيّا ترى أنّ داعش أمر شرعي. وهناك في السعودية من يرى الشيء ذاته لجبهة النصرة. هناك من يقول كذا هو حال التاريخ، كلّ واحد يؤرّخ حسب ما يراه مناسباً له،  والحقيقة هي عند الذين يقرأون ويتدبّرون من دون تعصّب أو تحيّز. 

10 ـ

في قدّاس الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانيّة بيروت كان البابا، كما يقول جان عزيز، طيلة الوقت ينظر صوب البعيد، إلى الخلف النائي ببحر البشر، كان يقلّب عينيه على موج المصلّين صفحاتِ إنجيله، كانوا يأتون من البعيد مشياً أياماً ليسمعوا المعلّم، كان يتطلّع صوب الأفق بحثاً عن نازفة من كرامتها، من حرّيتها أو إنسانيتها، في تلك الأرض المطمورة على حقوق الناس. لم ينظر أبداً إلى الصفوف الأماميّة، هؤلاء وصلوا في سياراتهم الفاخرة إلى خطوات من المذبح، لم تغبّر طريقٌ نعالَهم، لم يرطّب جباههم تعب كما في كلّ حياتهم.

11 ـ

إنّها المصالح، هي الأصل في عالم شهوة السلطة وعبادة المال والغرائز الحيوانيّة، لا دين ولا مذهب ولا من يركعون ولا من يسجدون ولا من يبكون أو يتباكون!.

12 ـ

وأخيراً قيل أنّ "الرأسمالي جاهز لارتكاب الكذب من أجل ربح بقيمة عشرة بالمئة، وجاهز لأن يخون شرفه من أجل ربح بقيمة عشرين بالمئة،  وجاهز أن ينتهك كلّ الشرائع من أجل ربح بقيمة ثلاثين في المئة، ومستعدّ من أجل الربح أن يبيعك حتى الحبل الذي قد تشنقه به".

 

شوقي مسلماني

 

ماهر حميدتوطئة: تمثل النظرية النقدية النسوية منذ نشأتها في مطلع ق19ع، إلى يومنا هذا جزءاً لا يتجزأ من علم الاجتماع الأدبي، وهذه مسألة يجب التوقف عندها للكشف عن مبادئها الأولى، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي للمرأة، ولا سيما بعد أن أصبحت في ق20، نظرية في مجال النقد النسوي للإيديولوجيا الذكورية المبني على أسس ماركسية، ثم أخذ علم الاجتماع بالاهتمام بها والعمل على تفكيك بنائها، وتحليل التجارب النسوية الخاصة بها، كونها هي البداية الحديثة والطريق المجتمعي الأسلم لتحقيق الإنجاز والخلاص بالنسبة للنساء عبر التحرر من السطلة الذكورية وتجازها(1)، والعمل على تحقيق نوع من الاستقرار الذاتي من خلال الإيديولوجيا النسوية المضادة للإيديولوجيا الذكورية ونقد سلطتها والتحرر من قيودها الاجتماعية.

النظرية النقدية النسوية:

تُعد النظريات الكلاسيكية الأساس النظري الذي تنطلق منه كل المحاولات الجديدة لتأسيس نظريات مغايرة، بعد أن تستمد منها أسسها الأولى أو ما يمكن أن نسميه (أنظمتها المعرفية) التي تمثل مبادئها الرئيسة فيما بعد .

ولهذا كانت كل المحاولات النظرية / التنظيرية للنظريات الكلاسيكية في ق19ع، تركز على تحديد إمكانية التقدم في اتجاه التنظير الإنساني، ومن هنا أصبحت النظريات النسوية منشغلة بالمشروع السياسي لتوضيح كيفية فهم الظروف الاجتماعية التي تعيشها المرأة، من أجل اتاحة الفرصة لإعادة بناء عالمهن الخاص والتقدم المحتمل في طريق الحرية والتحرر(2).

فالنظريات أي كان نوعها سواء كانت اجتماعية أم نقدية لا يمكن لها أن تأتي من فراغ، مثلها مثل الأدب، إلا إذا كانت هناك رؤى وتصورات سابقة تؤسس لها، فما أريد قوله هنا والتأكيد عليه هو أن النظرية النقدية النسوية قد استمدت مفاهيمها الأساسية من النظرية النقدية الماركسية التي كانت ولا زالت تدعو إلى العدالة الاجتماعية عبر تطبيق الأنظمة الاقتصادية العادلة وتحقيق نوع من التوازن بين البينة الفوقية والبنية التحتية، الأمر الذي يضمن لجميع الأفراد حق العيش بحرية ورفاهية، فالماركسية بدعوتها إلى العدالة والحرية والمساواة بين طبقات المجتمع وعدم التمييز العنصري والجنسي، فهي قد قدمت بهذا وغيره الوسيلة النظرية للمرأة لكي تأخذ مكانها الحقيقي في الحياة الاجتماعية.

وهنا ظهرت النظرية النقدية النسوية الماركسية التي ترى أن تبعية المرأة قائم على خدمة احتياجات الرأسمالية، حيث أن العلاقات الاقتصادية والسمات الفكرية لنمط الإنتاج الرأسمالي التي يجب أن تبحث في أبنية عدم التمييز السيئة بين الجنسين، وتعوق حياة المرأة المتعارضة مع الرجال، وحل مشكلة اضطهاد المرأة، فأن هذه القضايا وحلها يقع على عاتق تحطيم الرأسمالية، فضلاً عن أن الحرية النسوية يمكن أن ترى من خلال التحيز الجنسي(3)، وهذا هو أحد أهم الأسباب وراء حيوية النظرية الماركسية وديمومتها الفاعلة عبر العصور منذ نشأتها إلى يومنا هذا، على الرغم من النظريات التي جاءت بعدها إلا أنها لا تزال محافظة على مركزيتها النقدية في الدراسات الأدبية والنقدية على حد سواء.

ولهذا تعد النظرية النقدية النسوية نظرية للتحرر من الأفكار القمعية المقيدة للمرأة، ولكنها تؤكد على أن التقسيم الطبقي – وليس العلاقات بين الجنسين – هي أصل القمع الذي تتعرض له المرأة(4).

مثال ذلك هو مشاركة المرأة  في العمل بعد أن غاب العمال أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل المشاركة في الحرب، بعد أن كان هناك تحيزاً جنسياً في العهود السابقة ضد عمل المرأة، وشك في قدراتها البدينة في القيام بالأعمال الموكلة إليها، وفجأة  ظهرت الحاجة الملحة إلى عمل المرأة في الصناعات الثقيلة، ولكن في حالة السلم تم استبعادها عن هذا العمل، وقدمت حينئذ الإيديولوجيا الذكورية مبرراتها بعدم مناسبة هذه الأعمال وقدرات المرأة الجسدية والنفسية وحتى العقلية، وهنا يظهر دور الإيديولوجيا الذكورية في قمع المرأة واضطهادها إنسانياً قبل اضطهادها اقتصادياً ومن ثم استغلالها جنسياً من أجل إشباع الشهوة الجنسية الذكورية.

ولذك كانت الحركة النسوية وما أنبثق منها من نظرية قائمة على مبادئ ذات رؤية واضحة وأهداف محددة تسعى من خلالها إلى "تغيير المواقف قبل تغيير الظروف القائمة . فحاولت معظم كاتبات هذه الفترة تغيير النظرة تجاه المرأة"(5)، فكان هدفهن الاعتراف العام بالحركة النسوية كحركة عالمية، ومحاولة إيجاد الشعور عبر خلق الإحساس بتاريخ المرأة الأنثوي، بل ومحاولة امتلاك هذا التاريخ وتحديده(6).

بعد هذا أصبحت المرأة تشكل عاملاً مهماً، بل ومن أعظم العوامل المؤثرة في بناء المجتمعات الإنسانية(7)، بعد أن دخلت عالم التكنلوجيا وأخذت مكانها الحقيقي إلى جانب الرجل، والسيطرة على مراكز القوة الاقتصادية لتعلن عن وجودها الإنساني أولاً، ولتثبت قدرتها على مواكبة الرجل ومسايرته في الحياة الاجتماعية ثانياً، والسعي إلى تحقيق رغباتها المكبوتة وتطلعاتها المدنية لإشباع رغباتها ثالثاً، ولا سيما الجنسية منها.

ولهذا نجد في الثقافة الأمريكية، ولاسيما في الطبقة الوسطى الصاعدة، بدأ يُنظر إلى المرأة على أنها مثال الكمال إذا استطاعت التوفيق بين العمل والأسرة، الأمر الذي يعني امتلاكها القدرة التي تجعلها أن تكون جذابة في المكتب وعند طاولة الإفطار على حد سواء، وأنها لن تكون متعبة لتحضير العشاء، والقيام بواجباتها المنزلية والاهتمام بأولادها وإسعاد زوجها جنسياً(8)، فهي بهذا تتمكن من مواكبة الرجل ومنافسته من أجل السيطرة على مراكز القوة الاقتصادية في المجتمع، وبذلك تثبت وجودها، وتحقق تطلعاتها النسوية تدريجياً على الرغم من الإيديولوجيا الذكورية وسطوتها الاجتماعية.

فالنسوية تعمل من أجل تغيير الاعتقاد الذي أشاعته الذكورية بأن الرجال متفوقون على النساء لتبرير استحواذ الذكور على مراكز القوة الاقتصادية والسياسية والمحافظة عليها، أي المحافظة على إضعاف النساء بحرمانهن من التمركز الثقافي والسيطرة في مراكز القوة الاقتصادية المسيطر عليها ذكورياً. فالمكانة المتدنية اجتماعياً التي وضعت فيها المرأة قد تكونت ثقافياً وليس بيولوجياً، ومثاله الادعاء الذكوري الذي يفترض بأن النساء يعانين من الهستيريا أكثر من الرجال، هو افتراض ذكوري وليس حقيقة(9) علمية مكتشفة من قبل الدراسات الطبية أو النفسية التي يمكن لها أن تشخصها بدقة عالية يمكن الاطمئنان إليها.

فالإيديولوجيا الذكورية لها دورها الفعَّال  في قمع تطلعات المرأة الراغبة بالانعتاق والتحرر من القيود الذكورية التي تجعل من المرأة مجرد شيء لإشباع الرغبات الجنسية الذكورية، ولهذا ينظر إليها دائماً من قبل الرجل على أنها الآخر، رافضاً في الوقت نفسه الاعتراف بعجزه عن قيادة الجنس البشري وحده، دون مساندة المرأة ومساعدتها له(10)، معتقداً بأن وجود المرأة مرهون فقط برغباته الجنسية وإشباعها.

بعد هذه النظرة الذكورية المؤدلجة للمرأة التي لم تضعها في مكانها الاجتماعي الصحيح، الأمر الذي حتم على إيجاد منهج نقدي لدراسة واقع المرأة، فلم يكن غير النقد النسوي الذي تبلورت مفاهيمه الأساسية عبر الرؤى النظرية للنسوية فأصبح منهجاً لدراسة "النصوص والتحليل الثقافي بصفة عامة"(11)، فضلاً عن أنه يهتم وبشكل كبير بالمسائل الحيوية المرتبطة بالجنوسة، وبالكيفيات التي تشكلت بها صورة المرأة، وبطبيعة والاستغلال الجنسي لجسدها، إلى جانب تركيزه على أدوار المرأة في الحياة اليومية، وعلى وعيها من حيث ارتباطه بحياتها، وعلى سيطرة الرجل في أماكن العمل، وعلى علاقاتها الجنسية وغيرها(12).

بعد هذا أصبح واضحاً هدف النظرية النقدية النسوية، وما هو الدور الذي يؤديه منهج النقد النسوي في دراسة واقع المرأة الاجتماعي وكل ما ينتج عنه من ظواهر محللاً إياها ومقدماً الحلول المناسبة لها، لكي تستطيع من خلالها المرأة مواجهة السطلة الذكورية وقيودها الإيديولوجية التي تحد من حريتها، وإلغاء وجودها الإنساني، ولاسيما بعد مصادرة دورها في الحياة الاجتماعية، والإبقاء عليها خارج مراكز السيطرة والقوة الاقتصادية؛ لغرض إشباع الرغبة الجنسية.

 

الباحث ماهر حميد

جامعة البصرة – كلية الآداب

......................

الهوامش:

1-  ظ: النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية، فيليب جونز، ت: ياسر الخواجة:.

2-  ظ: م . ن: والصحيفة نفسها.

3- ظ: النظريات الاجتماعية والممارسة البحثية:.

4-  ظ: م . ن، والصحيفة نفسها.

5-  النسوية وما بعد النسوية، سارة جامبل ، ت: أحمد الشامي:.

6- ظ: م . ن:.

7- ظ: المرأة في عصر الديمقراطية، إسماعيل مظهر:.

8-  ظ:  النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ، لويس تايسون، ت: أنس عبد الرزاق:.

9-  ظ: النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ:.

10- ظ:  النظريات النقدية المعاصرة – الدليل الميسر للقارئ:، و ظ: مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية، حفناوي بعلي:.

11-  مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية:.

12- ظ: م . ن، والصحيفة نفسها.