جواد بشارةالدعوة لعلم الفلك والكونيات البديل

للعلم خصائص نظرية وتجريبية تميزه عن المناهج الأخرى في العالم ... دون أن يتعارض معها بالضرورة! لكن في الحقيقة، هل الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات علميتان حقًا؟ قضيتهم تستحق التفكير.

ما هي العملية العلمية؟

فيما يتعلق بأصل (أو أصول) العالم، لا يحتكر العلماء التفكير أو الأفكار الجيدة؛ يمكن لأي مجموعة بشرية أو حركة ثقافية أن يكون لها مفاهيمها الخاصة. ولكن ما هو التمييز (الفروق) بين الرأي، والمعتقد، والأسطورة، والخرافة، والعقيدة، والسياق الثقافي، والتفكير الفلسفي، والتفكير العلمي الاستنتاجي؟ ما الذي يجلبه المنهج العلمي عندما يكون موضوع الدراسة هو كوننا، دون إمكانية تغييره؟

مسألة أصل الكون وماهيته:

المحتوى الكوني (النجوم والمجرات ...) لا يزال رائعًا. والسؤال "من أين أتينا؟" يمكن مقاربته علميًا، ولكن أيضًا فنيًا وفلسفيًا وثيولوجيًا ... يختلف النهج العلمي عن المنهج الآخر، خاصة الثيولوجي، لأنه يحاول الإجابة بطريقة قابلة للدحض على السؤال "كيف حدث ذلك؟»، ولكن في أي حال من الأحوال بخصوص سؤال "لماذا حدث هذا؟»، ففيه إشارة إلى البحث المحتمل عن المعنى. وبالتالي، فإن الفصل بين كيف ولماذا واضح، ويبقى الجميع أحرارًا في التذرع بالسبب أثناء سماع الكيفية.

من خلال النهج العلمي، لا نفهم إلا قليل القليل وأفضل الأفضل (مع الهزات أو العدادات أو التسويف) القوانين الأساسية للكون والظواهر الفيزيائية المطروحة؛ نحن لا نتظاهر بالإجابة "هل للحياة معنى؟" أو "هل من الأخلاقي أن تقتل أو تساعد جارك؟". مثل هذه الأسئلة المشروعة، التي لا يعالجها العلم، يمكن التعامل معها بالفلسفة أو الدين. سنرى أنه لا يوجد تناقض بين هذه الأساليب المختلفة من حيث المبدأ.

لفهم الكيفية، يسعى العلم إلى ذلك، أي إلى تطوير النظريات على أساس المبادئ الأساسية والتنبؤ بالظواهر؛ ثم تتم مقارنة التنبؤات النظرية بالقياسات. وعندما يكون هذا جزء فرعي من نظرية أكبر، نستخدم مصطلح نموذج. إذا تم تحليلها في إطار نظرية أو نموذج، فإن القياسات تجعل من الممكن (أو غير الممكن) تأكيدها، أو إنشاء اتفاق بدرجة ثقة قابلة للقياس الكمومي.

لاحظ أنني أستخدم مصطلح "اتفاقية" وليس "تأكيد". في الواقع، من الصعب (إن لم يكن من المستحيل) تأكيد نظرية ما: لسنا متأكدين أبدًا من أن القياسات الجديدة لن تتعارض معها. في بعض الأحيان تتنبأ عدة نماذج بظواهر مماثلة قابلة للقياس؛ سيتم فصلهم فقط من خلال تدابير أكثر حساسية. من ناحية أخرى، يمكننا التحديد الكمومي، والتوافق بين القياسات والنظرية: كلما زادت القياسات المستقلة التي تتوافق مع التوقعات، زاد دعم النظرية وقبولها كنموذج. على العكس من ذلك، فإن قياسًا مؤكدًا وجد نفسه في خلاف صارخ مع التنبؤ النظري يكفي لإبطال النظرية والإطاحة بها.

في الممارسة العملية، فإن الوضع أكثر دقة. درجة الثقة في القياسات، أو الاتفاق مع النموذج، هي موضع نقاش وليس من الممكن دائما الوصول إلى استنتاج. وبالتالي، فإن القياسات الكونية الحديثة تختلف قليلاً - نستخدم المصطلح "التوتر" عندما يكون الخلاف صغيراً ولكن لا يستهان به - مع "النموذج القياسي أو المعياري" لعلم الكونيات. من خلال حساب احتمال انحراف القياسات عن النظرية، نجد 1٪: إنه بعيد الاحتمال، ولكنه ليس مستحيلًا إحصائيًا، بعيدًا عن ذلك. ماذا نستنتج؟ س: النظرية خاطئة عندما تتنبأ بأن القياسات يمكن أن توفر هذه القيم (حتى لو كان الاحتمال منخفضًا)؟ هل تم تأكيد النظرية بقياس التوتر ولكن مع ذلك مقبول؟ في هذه الحالة، سيكون من الضروري على الأرجح إجراء قياسات مستقلة أخرى، لمعرفة ما إذا كان هذا التوتر مستمرًا ويزيد أو ينحسر.

لذلك فإن النظريات قابلة للدحض: البيانات الجديدة (أو البيانات القديمة المفهومة بشكل أفضل أو المعاد تحليلها) تجعلها تتطور. أما التجارب والقياسات فيجب أن تكون قابلة للتكاثر.1 يحدث أن يتم نشر قياسات استثنائية، ولكن لم يتم تأكيدها بشكل مستقل من قبل فرق أخرى 2 بتحليل نفس البيانات أو إجراء قياسات أخرى ...

تدين العملية العلمية الحديثة بالكثير إلى أسلاف القرن السابع عشر، مثل ديكارت وغاليليو. يستدعي الأمر عنصرين أساسيين: الوجود (وجود (وقابلية تفنيد) نظرية تنبؤية قائمة على المبادئ الأساسية وإمكانية تكرار القياسات. تتم إضافة عناصر أخرى إليها، مثل إمكانية تغيير المعلمات والإعدادات التجريبية، لمعرفة كيف تتصرف الظاهرة فيما يتعلق بالتنبؤات. هذا المخطط (الشاعري إلى حد ما) مشوه في الممارسة اليومية. في بعض الأحيان تكون الملاحظة متقدمة على النظرية: لا تتلقى الظواهر تفسيرًا متماسكًا تمامًا، مثل المادة السوداء أو المظلمة أو سائل الطاقة المظلمة. في كثير من الأحيان، تتقدم النظرية على الملاحظات: من خلال هذه، نحاول اكتشاف الإشارات التي تم توقعها بالفعل، أحيانًا لمدة 100 عام، على سبيل المثال موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية، التي، أو الحصول على صورة حقيقية لبيئة الثقب الأسود.

لكن الفيزياء الفلكية (دراسة فيزيائية لقوانين ومحتويات الكون) وعلم الكونيات (دراسة الكون ككل، من وجهة نظر مادية) تشترك مع العلوم الطبيعية في حقيقة أنها كذلك، من المستحيل تغيير المعلمات والاعدادات والبيانات والقيم لمراقبة النتيجة. كيف يمكننا تغيير معلمات المجرة الأولية أو النجم الأولي أو الكواكب الأولية (مثل كتلتها أو تكوينها) لدراسة تكوينها، ثم مقارنتها بما نعرفه (من خلال الملاحظة والنظرية)؟ وبالمثل، في علوم المناخ أو البيئة أو الجيوفيزياء، حيث تكون المقاييس الزمنية أطول بكثير من حياة الإنسان (ولكنها أقصر بكثير من الفترات الفلكية!)، يكاد يكون من المستحيل تغيير الشروط الأولية أو لتغيير المعلمات (إلا في حالة المحاكاة العددية). هل هو حقًا علم، إذا كنا بالكاد نستطيع التجربة؟

الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات: هل هي علوم؟

يمكن تعريف الفيزياء الفلكية على النحو التالي: "العلم الذي يدرس التركيب والتطور والقوانين الفيزيائية الأساسية التي تحكم المقاييس التي تنتقل من النظام الشمسي إلى الكون كله". لذلك فهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم الكونيات (دراسة الكون على نطاق واسع) وعلوم الكواكب والنجوم والمجرات، ويدعو إلى العديد من "الواجهات" مع الرياضيات والفيزياء النظرية والفيزياء دون الذرية (النووية والجسيمات)، الفروع الأخرى للفيزياء (البلازما، السوائل، المواد الصلبة، تفاعل المادة مع الإشعاع ...)، الكيمياء، الجيولوجيا، حتى علم الأحياء وعلوم الكمبيوتر (البيانات الضخمة، التعلم العميق والتفاعل البشري) الآلات والكنولوجيا). ناهيك عن تقنيات القياس، بما في ذلك البحث عن أجهزة الكشف أو إدارة نظم المعلومات، وكذلك العلوم الهندسية، على الأرض وفي الفضاء، وحتى الإدارة!

لقد رأينا أن الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات يشتركان في جوانب معينة من العلوم الطبيعية مع علوم المناخ والجيوفيزياء: فهما يدرسان (أساسًا) الظواهر الطبيعية، التي تتطور على مدى فترات زمنية طويلة فيما يتعلق بحياة الإنسان. ليس من المستغرب أن تكون موضوعات البحث هذه تجري في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا (CNRS)، المجمع في معهد واحد، المعهد الوطني لعلوم الكون (INSU)، مع روابط عديدة مع معاهد أخرى مثل المعهد الوطني للفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات (IN2P3) والمعهد الوطني للفيزياء (INP). غالبًا ما يتم إجراء هذا البحث في شراكة متساوية مع مؤسسات ذات هيكل مماثل، مثل الجامعات أو اللجنة الفرنسية للطاقة الذرية والطاقات البديلة لتطوير المشاريع الفضائية، بدعم من وكالة الفضاء الفرنسية، المركز الوطني لدراسات الفضاء (CNES).

كيفية دراسة الظواهر التي تحدث في نطاق مقاييس طويلة من الزمان والمكان، دون التمكن من تجربة الظروف الأولية أو المعايير المختلفة؟ كيف تتعامل مع كون واحد ومتى لا يمكنك إنشاء نجم بنفسك؟ هل نهج الفيزياء الفلكية علمي؟ الجواب (الإيجابي) لن يفاجئ القارئ، لكن يجب أن يكون له ما يبرره. تتطلب دراسة هذه الظواهر الطويلة والبعيدة - الكون ومكوناته يتطلب - إطارًا نظريًا. لذلك فهي مسألة وجود نظرية متماسكة، أو التي يستدعي وجودها، وإجراء تنبؤات قابلة للاختبار من خلال الملاحظات. هذه الحالة - ضرورية ولكنها ليست كافية - تم التحقق منها جيدًا في الفيزياء الفلكية.

لأننا لا نستطيع إجراء التجارب مباشرة (على سبيل المثال فيما يتعلق بتكوين النجوم)، من الضروري أيضًا استدعاء مبادئ أو افتراضات معينة، كما تفعل العلوم الأخرى. لنبدأ بمبدأ العملانية ergodicité. يمكن ذكره بعدة أشكال. الشيء الذي يثير اهتمامنا هو ما يلي: العملية الــ ergodique تكون إذا كان النظام المادي، الذي يُترك لنفسه لفترة كافية، يستكشف بالكامل "مساحة الطور"، أي مجموعة القيم والمعلمات والاعدادات الممكنة. هذا يعني أنه إذا لم نتمكن من تجربة وتغيير المعايير بأنفسنا، فإن "كل الاحتمالات موجودة في الطبيعة". من الناحية المفاهيمية، نستبدل التجارب المباشرة ... بملاحظة العديد من الإدراكات والانجازات: أخيرًا، الكون هو الذي يختبر لنا بدلا منا! مع الأخذ في الاعتبار المبدأ الكوني، يقول بشكل أساسي أنه لا يوجد شيء مثل مكان متميز في الكون. وهذا يعني أن الظروف (الديناميكية أو غير ذلك) السائدة هناك من الناحية الإحصائية هي نفسها في كل مكان، مع العلم أن قوانين الفيزياء هي نفسها أيضًا في كل مكان. صيغة أخرى: هناك مقياس للحجم (يقدر بعدة مئات من الميغا فرسخ mégaparsecs) يمكننا بعده اعتبار الكون متجانسًا تمامًا. لاحظ أن صحة هذا المبدأ لا تزال تثير الجدل.

بشكل عام، يتكون النهج العلمي من تراكم مجموعة متنوعة من الملاحظات (ربما يكون لكل منها تحيزات أو قيود)، لدراستها بشكل منهجي و"لفهمها"، للإجابة على سؤال أو التحقق من صحة التنبؤ النظري. فيما يلي بعض الأمثلة والأمثلة المضادة. مثال رقم 1: التنبؤ بسعر سوق الأسهم. عندما أناقش السؤال "هل الفيزياء الفلكية علم؟" مع طلابي، قدموا العديد من الحجج الصحيحة: "العلم يصنع تنبؤات"، "نحن نلاحظ ونحلل ونتوقع"، إلخ. أشرح لهم أن هذه الحجج ضرورية ولكنها غير كافية، مع الأخذ في الاعتبار التنبؤ بالأسعار في الأسواق المالية: إنها ليست مسألة علمية، مثله في ذلك مثل علم التنجيم 4 •

المراقبة والتنبؤ لا يكفيان لتشكيل علم. المنجم ومسوق سوق الأسهم أو المعلق الرياضي، بلا شك وبحسن نية، يراقبون بياناتهم المفضلة ويتنبؤون بما يمكنهم أو يريدون. لكن تنبؤاتهم لا تستند إلى أي نظرية مثبتة - التي كان من الممكن أن تظهر صحتها - وتم تزويدها بمعايير كمية دقيقة. لا يتم دعم هذه التنبؤات من قبل أي مجموعة نظرية أو تجريبية من المقاييس التي اجتازت اختبارات موضوعية. (ملاحظة: يوجد بالفعل علم اقتصادي، غير مستثنى من الخلافات، يأخذ في الاعتبار البعد الإنساني والاجتماعي أثناء استدعاء التحليل العقلاني، مقارنة بالمفاهيم النظرية واستخدام النماذج.) قد يكون لدى هؤلاء الممارسين بعض المهنة وعلم النفس والخبرة لتشعر بالأشياء، لكن نهجهم ليس علميًا: ماذا عن العالمية والموضوعية وقابلية التفنيد والتكاثر وخصائص العملية العلمية؟

مثال 2: التنبؤ بالطقس:

النموذج الأولي للنهج العلمي، الذي يتم طرحه في بعض الأحيان للتساؤل (على سبيل المثال، إذا انتهى توقع هطول الأمطار في شمس مشعة، ولكن دعونا نواجه الأمر أن هذا لم يعد يحدث بعد الآن)، فإن توقعات الأرصاد الجوية لها قواعد نظرية وتجريبية صلبة في الفيزياء (خاصة الديناميكا الحرارية)، علم المناخ، الجيوفيزياء، علم المحيطات. مع زيادة قوة أجهزة الكمبيوتر وتوافر بيانات أكثر دقة، يتم تنقيح النماذج بانتظام، وأصبح العلماء على دراية بالاستقرار والشكوك في الحلول والتنبؤات، التي أصبحت الآن موثوقة للغاية على مدار خمسة أيام أو أكثر. يبقى تحدٍ آخر: توصيل هذه المعلومات (وشكوكها) للجمهور!

إذا تركنا الأرصاد الجوية لنقترب من المناخ، الذي يتعلق بالمقاييس الزمنية الطويلة جدًا، أن نموذج مناخ الأرض يستخدم أيضًا لكواكب المريخ والزهرة، والكوكب القزم بلوتو والأقمار تيتان وتريتون. نقوم بتعديل قيم متغيرات عددية مختلفة اعتمادًا على النجم المدروس، لحساب جاذبيته وضغطه وتكوين الغلاف الجوي، إلخ. يسعى الزملاء الآن إلى تطبيق هذا النوع من النماذج على الكواكب العملاقة، وحتى الكواكب الخارجية، أي خارج منظومتنا الشمسية (التي تدور حول نجوم أخرى)! كل هذه الدراسات تشارك في التحسين المستمر للنموذج، وتجد تطبيقاتها على الأرض.

مثال رقم 3: أنظمة الكواكب، قبل عام 1995 وبعده، حتى اكتشاف أول كوكب خارجي حول النجم بيجاسي 51 Pegasi (من مرصد Haute Provencé، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2019)، اعتبر الباحثون نظامنا الشمسي - كواكب غازية عملاقة تقع بعيدًا عن النجم، تكون الكواكب الصخرية أحيانًا قريبة جدًا منه – مثل "نموذجي". وكان الذهول لدى الراصدين: أظهر اكتشاف هذا الكوكب الخارجي أن كوكبًا ضخمًا (مثل كوكب المشتري) يمكن أن يكون قريبًا جدًا من نجمه لدرجة أنه يدور حوله، ما يزيد قليلاً عن 4 أيام! كان لابد من مراجعة النظرية بالكامل، والتي اعتبرت من المستحيل بقاء كوكب عملاق في هذه المنطقة الكونية. تم إجراء هذه المراجعة وحققت بعض النجاح: تم تحديد أكثر من 4000 كوكب خارجي و"مسموح" من الناحية النظرية. من خلال دمج التفاصيل الجديدة والخواص الدقيقة للفيزياء المعروفة بالفعل، وصلنا إلى مفهوم هجرة الكواكب العملاقة. تتشكل دائمًا بعيدًا عن النجم، ولكنها تهاجر تدريجياً إلى مناطق أقرب، دون أن تتبخر. كان من المفهوم أيضًا أن "كوكب المشتري الساخن" (فئة الكواكب الخارجية العملاقة القريبة من نجومها) هي الأكثر سهولة في الاكتشاف: تفضيلات "انحياز الاختيار" الملاحظة (الدراسة الإحصائية سيكون لها تحيز في الاختيار إذا كانت العينة المستخدمة لا تمثل المجموعة المراد دراستها، بسبب اختيار معين). تعمل أدوات وأجهزة جديدة على خفض عتبة الكشف عن الكواكب الخارجية (نكتشف كواكب أخف وزناً)، بهدف الكشف عن "الكواكب الخارجية" (ذات الكتل المشابهة لكوكبنا). استنتاج شخصي: الكون أصلي أكثر مما نتخيل! يجب تذكرها أيضًا في علم الكونيات.

وظيفتي: قاتل النماذج ...

عندما يُسألون عن طبيعة عمل عالم الفيزياء فلكية، الجواب أحيانًا هو: " قاتل النماذج، وخاصة نماذجه هو أسوة بنماذج الآخرين!" أعتقد أن هذا يلخص نشاطه جيدًا، على الرغم من الزاج الهادئ للغاية الذي يتحلى به العالم عادة، بعيدًا عن صورة القتلة و"منظفي مسرح الجريمة" في السينما.

القياسات التي نأخذها حول الخصائص العالمية للمجرات أو الهياكل البعيدة، تهدف إلى الاستجابة لمشكلة علمية من خلال مواجهة التنبؤات، والتي هنا تعني النماذج. لذلك من الطبيعي تطوير هذه النماذج، بحيث تتوافق بشكل أفضل مع البيانات. يتضمن هذا "قتل" نماذج معينة، أو بالأحرى إظهار أنها لا تتناسب مع الملاحظات. ماذا يمكن أن يحدث للنماذج التي عرضها فريقي العلني، لكنني أعتقد أنهم يقاومون أيضًا (أو بشكل سيئ، في هذه الحالة) مثل النماذج الأخرى ... الشيء الرئيسي هو أن مقارنة النماذج، أكثر أو أقل حسماً من أجل بقائهم، وتعزيز معرفتنا.

1 نهج المراقبةla démarche observationnelle   

يتألف من مقارنة التوقعات النظرية والقياسات، التي من المفترض أن تكون عديدة بما يكفي لتغطية مساحة المعلمات والمعايير المعنية بشكل جيد. وهذا يطرح مشكلة في بعض الأحيان: في علم الكونيات، لدينا كون واحد فقط وهذا القيد أساسي بالنسبة لبعض الدراسات. في المقابل، أدى اكتشاف الآلاف من الكواكب الخارجية إلى إصلاح علوم الكواكب، والتي يجب أن تكون قد فسرت تنوع الأنظمة المرصودة.

نهج المحاكاة الرقمية قريب جدا. بدءًا من المبادئ الفيزيائية، وأحيانًا من النماذج المبسطة، يتم إنشاء عمليات المحاكاة، مقارنة بالبيانات المتاحة والتنبؤات النظرية. أحيانًا نجرب في المختبر على أنظمة (سوائل، بلازما ...) لها خصائص الظواهر الفيزيائية الفلكية.

وبالتالي، فإن ثراء هذه الأساليب يأتي من مقارنة القياسات بالتنبؤات، وإمكانياتها ذهابًا وإيابًا. دعونا نلخص الخطوات المثالية.

1) تحديد مشكلة علمية واضحة، نحن نركز على موضوع معين.

2) تحديد الملاحظات التي تتكيف مع هذه المشكلة، نحن نقرر ما هو الأفضل لملاحظته ورصده لتحقيق الأهداف المحددة. غالبًا ما توجد عدة حلول.

3) تطوير إستراتيجية مراقبة لجمع المعلومات المفقودة المحددة في الفقر الثانية نظرًا لأنه قد يكون هناك العديد من الملاحظات ذات الصلة، فمن الممكن وجود استراتيجيات مختلفة.

 4) حملة المراقبة. نقود الحملة على الأرض أو في الفضاء، مع وجود مخاطر محتملة. إذا لاحظنا مجموعة من المجرات، وكان جزء بسيط فقط من الوقت المتوقع صالحًا للاستخدام، فماذا نفعل؟ راقب أهدافًا قليلة، بالحساسية الصحيحة؟ أو جميع الأهداف بحساسية أقل ومخاطرة عدم القدرة على التوصل إلى نتيجة بشأن القضية؟ غالبًا ما يظهر هذا النوع من الأسئلة أثناء الحملة أو بمحاذاتها، عندما تتخذ لجان تخصيص وقت التلسكوب خياراتها (الطلبات أكبر من 3 إلى 20 مرة من الوقت المتاح).

5) معالجة البيانات، ربما بصورة تلقائية أو آلية.

يتم إجراء المعالجة بواسطة متخصصين في الأداة المستخدمة، غالبًا مع سلسلة من برامج الكمبيوتر تسمى "خط انابيب". يتكون من تصحيح البيانات الأولية للتأثيرات في تدهور الإشارة (بسبب الأجهزة)، ومن ثم القيام بمعايرتها. عندئذ تصبح لدينا بيانات خاصة بالاستخدام العلمي.

6) تحليل البيانات للغرض المحدد في النقاط 1 و2، تحليل الإشارة الفلكية هو بلا شك الخطوة الأكثر دقة: هذه الإشارة تشوبها الضوضاء وحساسة لإخراجها. أين الإشارة والضجيج؟ نقاش ضخم! هذا هو التعريف الذي يناسبني بشكل أفضل: في سياق معين، الإشارة هي المعلومات المطلوبة بينما الضوضاء هي أي معلومات أو عملية غير مرغوب فيها.

هنا مثال معبر. مدرس يعطي درسا أمام عشرات الطلاب. اثنان منهم يناقشان أمسيتهما في الليلة السابقة (موقف خيالي بالطبع!): تحكي A قصتها لـ B التي تستمع إليها. لذلك تتلقى B إشارتين: قصة A وصوت المعلم، تصل موجتان صوتيتان متميزتان إلى أذنها. الفيزياء لا تميز الأنف والحنجرة إعادة الإشارة والضوضاء، فقط السياق هو الذي يحدد أيهما أو الآخر. إذا كان B جادًا أو مركّزًا، فسوف يأخذ قصة A للتشويش وصوت المعلم للإشارة المضطربة. ولكن إذا كان في مزاج مرح، فسيعتبر صوت المعلم ضوضاء، وإشارة الاهتمام هي

صوت A. يمكن أن تكون الضوضاء عشوائية (على سبيل المثال: ضوضاء حرارية) أو نظامية أو منظمة (الصوت الذي لا يهم). اعتمادًا على الاهتمام العلمي، يمكن أن تؤدي الحالة المادية إلى العديد من التحليلات. مثال فيزياء فلكية: بيانات من القمر الصناعي بلانك، تحتوي على إشارة من مجرتنا، ولكن أيضًا من المجرات البعيدة والخلفية الكونية. سنقوم بتحليل هذه البيانات بشكل مختلف، اعتمادًا على ما إذا كنا مهتمين بالانبعاث الخلفي للخلفية الكونية أو الانبعاث الأمامي للمجرة وليس للخلفية الكونية.

7) التفسير العلمي: تفسير القياسات مهمة صعبة. تمت مقارنة المعلومات ذات الصلة، المستخرجة خلال الخطوة السادسة، بالنماذج والتدابير الأخرى الموجودة، لاستخلاص استنتاجات حول الاستجواب الأصلي.

8) الاستنتاجات والتغذية الراجعة ومواجهة المشكلة الرياضياتية العلمية: عادة ما يجعل مواجهة التفسير والاستجواب الأولي من الممكن دفع النقاش العلمي إلى الأمام.

"هل تصدق" الانفجار العظيم؟ لا يحتاج الأمر للتصديق!

يسألني الناس أحيانًا عما إذا كنت أؤمن بالانفجار العظيم. السؤال مطروح بشكل سيئ: النهج العلمي لا يعطي سببًا للاعتقاد، لكنه يظهر اتفاقًا أو اختلافًا بين البيانات المكتسبة والنماذج أو التنبؤات. لا عقيدة أو حقيقة خفية في هذا النهج، ولكن النظريات والملاحظات والمشاهدات ونتائج عمليات الرصد والحقائق والمواجهة والتساؤلات والشكوك والنقاشات والتساؤل. كان من الممكن أن يكون السؤال هو: "هل تعتقد أن نموذج الانفجار العظيم هو الأفضل الذي يتناسب مع جميع الملاحظات الحالية؟" يجيب معظم المجتمع العلمي - بمن فيهم أنا - بـ "نعم" على هذا السؤال (بصيغة مبسطة إلى حد ما واختزالية). ستفصل الصفحات التالية هذه الإجابة لتوضيح النجاحات التي لا جدال فيها للنموذج، دون التعتيم على الأسئلة المفتوحة والمشاكل المتبقية.

دعونا نلقي نظرة على حالة "العلم والدين": تسببت علاقتهما في أضرار جسيمة. وسفك الكثير من الحبر (وحتى الدم). لا ينبغي أن يدخل هذان النهجان في المواجهة، لأنهما يعالجان مجالات فكرية مختلفة. من ناحية الدين، إنها مسألة قيم وسلوك معين للحياة والمعنى المعطى للوجود والعالم ولتقدمه. من ناحية العلم، إنها مسألة استجواب منطقي لعالم معقد، على جميع مقاييس الزمان والمكان، مع التنبؤات النظرية التي يمكن دحضها بالتجربة.

منذ ذلك الحين، يمكن للمرء أن يكون عالمًا ومؤمنًا؛ هذه ليست حالتي بالطبع، لكنني أعرف أشخاصًا راضين تمامًا عن أن يكونوا كذلك! ولكن كيف لا نجد بعض الحزينين أو الظلاميين السخيفين أو المخادعين الذين يريدون الحفاظ على الخلط بين العلم والدين، من خلال تتبع شبكة قراءة عقائدية حول الأسئلة العلمية؟ لقد احتقروا وأهانوا الإبداع البشري لعدة قرون ... سواء كان بوزون هيغز، جزيئات الحمض النووي، مصير النحل، تكوين الصخور، الكواكب، المجرات، المادة السوداء، أو التخمينات الرياضية، أو نظرية الألعاب، ما هو الفضل أو أهمية الانعكاس الديني؟ من جانبه، لا يتدخل العلم في الأسئلة المتعلقة بالأخلاق، وطبيعة الخير والشر، والمعنى الذي يجب أن يُعطى للحياة والأفعال البشرية. يمكننا بعد ذلك الانتقال إلى الدين أو الفلسفة أو الأخلاق أو الثقافة أو القانون أو علم النفس 7 •

إن مزيج الأنواع التي تعمل بها الوسائط أحيانًا، بين الأصل الميتافيزيقي للكون وواقعه العلمي، يطمس الاستماع ويغير التمييز بين النهج الموضوعي والتكهنات المضادة، المنطوقة في ثرثرات البارات والتي تتبعها حفنة نادرة ولكنها مشهورة من دجالي وسائل الإعلام الحديثة. دعونا نعرف كيف نميز!

لصالح البحث الأساسي:

"أليست مهمات الفضاء باهظة الثمن؟ هل يجب استخدام هذه الأموال لمواجهة المشاكل الاجتماعية (الفقر والبطالة وما إلى ذلك)؟ "

أود أن أعطي وجهة نظري حول هذه الأسئلة ذات الصلة التي تطرأ كثيرًا من خلال توسيعها لتشمل جميع الأبحاث الأساسية.

تبلغ التكلفة الإجمالية (مع الرواتب) لبعثات بلانك Planck وهيرشل حوالي 1.2 مليار يورو موزعة على17 سنة، وهو مبلغ متواضع مقارنة برقم معين يتعلق بالإنفاق الحكومي (التخفيضات الضريبية أو المعدات العسكرية، على سبيل المثال). ينطبق هذا أيضًا على البنى التحتية الكبيرة مثل CERN. هذه النفقات، التي تؤدي إلى اكتشافات عظيمة وابتكارات صناعية، هي نتيجة اختيار المجتمع حيث يتم أيضًا دعم التعليم للجميع والتميز من خلال البحث، حيث يستلهم المجتمع من أهم الأبحاث. الأساسيات بعيدة المدى، وكذلك البحث والتطوير قصير المدى التطبيقي: تتم المقايضات في سياق عالمي (التعليم، الصحة، الاجتماعية، العسكرية، الاقتصاد، الاستثمار في البنية التحتية، استخدام الضرائب، الدولية، وما إلى ذلك)، دون تعارض عقيمين مع مجالين فرعيين - "العلم" و"الاجتماعي"، أو "العلم" و"المجاعة العالمية". ومن أجل التقدم، يطور البحث الأساسي ويحتاج إلى تقنيات متقدمة؛ يستكشف السبل التي في بعض الأحيان محكوم عليها بالفشل؛ واعدة جدًا أحيانًا (للأسف لا نعرف إلا بعد ذلك). لذلك فهي تولد التنمية الصناعية وتخلق وظائف تتطلب مهارات، والتي لها في حد ذاتها فوائد اقتصادية، بينما تستعد للمستقبل. بالإضافة إلى أنها تنتج المعرفة القادرة على توعية المواطنين والسياسيين بالعديد من الموضوعات ذات الاهتمام المجتمعي.

على مستوى أعمق، ستكون نظرتنا للعالم، ومثلها ستكون حياتنا اليومية، مختلفة تمامًا بدون هذه المعرفة البحثية. يمكننا على وجه الخصوص اقتباس GPS، الذي يستخدم التصحيحات الناتجة عن نظرية النسبية التي تأسست منذ حوالي 100 عام. إن الهوس الإعلامي والشعبي للأحداث العلمية أو التكنولوجية الكبرى يثبت، كما يبدو لي، أن البشرية ما زالت تشكك في العالم ومكانه فيه. العلم يوحد البشر تمامًا مثل الفن والثقافة!

الآن وقد تم توضيح تفاصيل العملية العلمية وحالة الفيزياء الفلكية، فقد حان الوقت للخوض في مجال علم الكونيات الفيزيائي بمزيد من التفصيل. بدءًا من تاريخها، الذي يمتد إلى أكثر من قرن.

 

د. جواد بشارة

 

حيدر جواد السهلانيأوليفييه روا (1949 - ؟) هو عالم سياسة وفيلسوف فرنسي، أهتم بالكتابة عن الإسلام والعولمة والمجتمعات الشرقية ومجتمعات آسيا الوسطى، ويصفه البعض بأنه رحالة يعشق السفر والتعرف على المجتمعات والثقافات الجديدة، وخاصة الثقافة العربية والإسلامية، ويعد روا من أهم المفكرين الأوروبيين الذي تتقاطع خيوط أفكارهم مع الإسلام والمسلمين في العقود الثلاث الأخيرة، وقد بدأ نجمه يسطع في سماء البحث، منذ صدور كتابه الإسلام وعصرية السياسة عام 1985، وقد عمل روا استاذ في معهد الجامعة الاوربية في فلورنسا في ايطاليا، وعمل مديراً للبحث بالمركز الوطني للبحث العلمي ومديراً للدراسات بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، وفي عام 2008 دعي زائراً في جامعة بركلي وبعث كرئيس بعثة تابعة لمنظمة الأمن والتعاون في اوروبا لطاجكستان عام 1993 وعمل مستشاراً لمكتب الأمم المتحدة لأفغانستان عام 1988، حاصل روا على الاستاذية في الفلسفة وعلى شهادة من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، كما أنه حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية. ومن أهم مؤلفاته: الإسلام وعصرية السياسة 1985، تجربة الإسلام السياسي 1992، فشل الإسلام السياسي 2008، الجهل المقدس (زمن دين بلا ثقافة) 2012، جينولوجيا الإسلاموية، الجهاد والموت، أوهام 11 سبتمبر، علاقة الإسلام بالحداثة السياسية في أفغانستان، اسلمة التطرف، الإسلام والعلمانية.

يخالف روا كثير من الباحثين في الإسلام الذين يعتقدون بأن فهم الإسلام السياسي يتطلب البحث في جينولوجيا مفردات وعبارات النصوص الدينية الإسلامية، وأثرها على الإسلام، وبذلك يعتقد روا أن دراسة الإسلام يتطلب قطيعة مع الرؤية التقليدية التي تفرط في تقدير دور النصوص الدينية، ويشدد روا في مراحل مختلفة من كتاباته على احترام ومحبة الإسلام، مؤكداً أن هذا النوع من الإرهاب المسمى (جهادياً) لا يأتي من الإسلام بل يسميه روا (اسلمة الإرهاب)، ويرى أن مرتكبي العمليات الإرهابية بين الشباب الأوروبي المسلم أو المتأثر بالإسلام، كثير منهم لا يتقنون اللغة العربية المكتوبة ولا يتقنون اللغة العربية المتكلمة، وهم من الجيل المهاجر، وعدد كبير منهم عاشوا حياة صاخبة قبل تحولهم إلى ما يسمى الجهاد، فمنهم من ارتكب تجاوزات للقانون قادتهم إلى السجن حيث تأثروا بتعاليم سجناء آخرين ومنهم من ارتكب عمليات سابقة أو قبض عليهم قبل أن يرتكب هذه العمليات. ويرى أن الإسلام وبرغم تأييده للمقاومة في سبيل التحرير من الطغيان والدفاع عن الدين والوطن فإنه لا يشجع الإنسان المسلم على ارتكاب أي عملية تقوده للموت، لأن ذلك يخالف مبدأ القضاء والقدر ومذهب الجبرية، فأمر الحياة والموت في الإسلام بيد الله (جل جلاله) وحده ولا يحق للإنسان المسلم أن يسلبه من الإرادة الإلهية. ويعتقد روا أن الظاهرة المنتشرة بين الشباب اليوم من ارتكاب عمليات ارهابية ضد المدنيين في اوروبا والعالم هي توجه خارج الدين، وهي ظاهرة موجوده حتى عند الشباب الغير مسلم. (ونتفق مع روا في هذا الطرح فالإرهاب لا دين له فكثيرا ما نسمع عن ارتكاب عمليات دموية من قبل شذوذ بعض الشباب ولربما اقرب مثال ما حصل في مسجد النور في نيوزلندا من قبل شاب شاذ لا يمثل دينه ولا حتى عائلته) ويرى روا أن الإسلام في اوروبا يشهد تصاعداً على الرغم من أنهم يشكلون الأقلية، لكن ممارساتهم العلنية تلفت الانتباه، ويعتقد أن التحول داخل الإسلام مستمر.

يتساءل روا هل يمكن رد الدين إلى الثقافة أم إلى العقل، أم أنه متعالي وغير قابل للاختزال، كان ليبنتزا يرى ضرورة وضع نظرية لاهوتية عقلانية مقبولة من الجميع ومائلة من قبل جميع الأديان الكبرى في العالم، ويعتقد روا أنه ثمة ظاهرتان تلعبان دوراً رئيسياً في طفرة الدين اليوم وهما، زوال الصفة الإقليمية وفقدان الهوية  الثقافية، ولا يرتبط زوال الصفة الإقليمية بانتقال الأشخاص فحسب، بقدر ما يرتبط بانتقال الأفكار والمواد الثقافية والإعلام وأنماط الاستهلاك بعامة في فضاء غير إقليمي، ولكن المادة الثقافية تحتاج لكي تنتقل إلى أن تبدو عالمية، غير مرتبطة بثقافة معينة وينبغي فهمها قبل إدراك رسالتها، والحال أن الديني ينتقل خارج المعرفة، فالخلاص لا يتطلب معرفة بل إيماناً. وأن انفصال المعالم الدينية عن المعالم الثقافية ليس نتيجة لإزالة المعالم الإقليمية، فهو يتساوق معها ولكنه يصبح في بيئته، إذ يخضع لسياقات جدلية متغيرة، وهنا يدور الجدل بين اصولية وتوافقية، فالأصولية تضطلع بالقطيعة الثقافية، والتوافقية تعتبر أن تجسد الديني في ثقافة شرط لحضورها في العالم، والاصولي يرى أن معيار الانفصال هو الإيمان فلا تقاسم إلا في الإيمان، أما التوافقي فيرى أن المؤمن يمكن أن يتقاسم ثقافة وقيماً مشتركة مع غير المؤمن. ويعتقد روا أن فقدان الهوية الثقافية يترتب عليها نتائج اساسية، فهي أولاً تحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز فلا يعودان يتقاسمان القيم المشتركة، وأن فقدان الهوية الثقافية هو فقدان البداهة الاجتماعية للدين، ويرى روا أنه على الدين أن يعقل الثقافة بوصفها دنيوية، أو علمانية، أو وثنية:

1 -  دنيوية، هي الثقافة غير المبالية بالديني، إنها مبتذلة وتابعة، لأنها إن لم تكن عامرة بالروح والإيمان فإن استقلالها الذاتي وهم.

2 - علمانية، هي الثقافة غير الدينية ولكنها شرعية إنها ترقى إلى الكرامة وتكسب مشروعية واستقلالاً ذاتياً، لأنها تمت إلى حسن إدارة المجتمع وليس إلى الموت والحساب والآخرة.

3 - وثنية، وهي تعارض الدين ويكون شعارها حرية الإنسان، وهي لا تعارض القيم الدينية فحسب بل تأخذ مكانها أيضاً.

وبذلك يرى روا أن الدين يتجرد من الهوية الثقافية عندما يريد استئصال الوثنية، ويتثاقف عندما يتكيف مع الثقافة المهيمنة، ويندرج في ثقافة عندما يسعى إلى الحلول في صلب ثقافة معينة، وينسحب من ثقافة عندما يخال أنه غائص في ثقافة مهيمنة. والدين يصنع شيئاً من الثقافة فهو يثبت لغات ويطور المكتوب ويلهم فناً دينياً يحتمل أن يتعلمن، ويمكن أن يتماهى مع شعب فيصبح بذلك ديناً شبه عرقي، كما هي الحال مع بعض الكنائس الارثوذكسية، ويمكن للدين إن يحل محل ثقافة، ويمكن أن يكون الدين معلماً للهوية الثقافية. (في الواقع أنه كل دين يحمل ثقافة معينة ولكن ليس كل ثقافة تحمل ديناً معينا، فالعلاقة بين الدين والثقافة علاقة جدلية وتحمل طابع الأثر والتأثير فكثير من الديانات السماوية أثرت في الثقافات وتأثرت بمرور الزمن بالثقافة). ويذهب روا إلى أن الدين يمكن أن ينبثق من الثقافة بطريقتين، من الداخل بواسطة وحي، أو من الخارج عن طريق العمل التبشيري بأشكاله كافة( فتوحات وإرساليات) وليست العلاقة بالثقافة هي نفسها في الحالتين، ففي الأولى يحافظ الدين على علاقة وثيقة بالثقافة وفي الحالة الثانية، فالعلاقة الخارجية غير أن المسائل المطروحة قد لا تكون مختلفة إلى هذا الحد. ويرى روا أنه في بعض الاحيان يقع انسحاب الدين من الثقافة عندما يفضل المعيار الديني على الثقافة ، وبذلك تبدو الثقافة فجأة كوثنية وليس كحقيقة دنيوية أو علمانية، وأن انسحاب الدين من الثقافة يفقد الدين مرساه الثقافي، وتنسى الثقافة مصادرها الدينية وكل معرفة دنيوية بالدين.(1)

أن التحولات الدينية كانت موجودة على الدوام، لكن في ما مضى كانت التحولات الدينية جماعية وتحصل في أغلبها في سياقات سياسية معينة من فتوحات وإرساليات، أما اليوم فالتحولات قائمة على اختيار فردي وفي سياقات بالغة التنوع وهي تتصف بالكثافة وتتساوق مع الاندفاع السريع للتيارات الدينية الجديدة، التي تنتشر إما داخل الأديان مثل انتشار السلفية في الإسلام، وإما على شكل أديان جديدة، غالباً ما تنعت بأنها بدع، ويعتقد روا أن هذه التحولات هي الانفصال بين الديني والثقافي، فالتحول الديني يدل على الانفصال بين الدين والثقافة، لأن المتحول يبحث عن دين وليس عن ثقافة، وأن كلمة التحول يقصد بها التغيير الديني، فالمرء لا يتحول من الدين إلى الثقافة، ولعله يتكيف معها أو يتعلمها. ولهذا السبب يعامل المتحول غالباً معاملة المشتبه في آمره، المتحول خائن في نظر شركائه القدامى في الدين، وحديثه بالدين الجديد مدعاة للريبة في نظر أعوانه الجدد، فالمتحولون غالباً ما يشتبه في أنهم مازالوا منتمين إلى الدين القديم، وبذلك أن المتحول وأن كان شاهداً على عالمية الدين فهو أيضاً الدليل على انفصال الدين عن الثقافة، وبذلك يعتقد روا أنه لم يعد ثمة اتصال تلقائي بين الثقافة والدين، فقد عدت معالم الدين طليقة وعائمة بل سوف تزداد التوترات حدة مع انتشار حالات التحول وتغير الدين في عالم اليوم، إلى أن تحل اللحظة التي يصبح فيها الفصل بين الأديان والثقافات مستقراً في الأذهان، وأن التحولات هي مفتاح لفهم ما يحدث، غير أن نعيمها المحتم سيكون أيضاً الدليل على أن الأديان ستسعى من الآن فصاعداً على هواها في ما يتعدى الثقافات وأن صدام وحوارات الحضارات ذائع الصيت، الذي يفترض وجود علاقة دائمة ومتبادلة بين الثقافات والدين يبقى استنباطاً وحلماً عقيماً. ويعالج روا التحولات الدينية التي تشهدها الأديان في العالم تحت معالم متداخلة، تبدأ بالهوية والعرق والإقليم والتهجين إلى أن تنتهي بمشاكلة دينية عابرة للقوميات، ويتطرق روا إلى فرضيتين، رفض مقولة عودة الدين، وتأكيد التحول داخل الأديان نفسها، ويجهد روا في تحليل التجاذب المحموم بين الثقافي والديني. ويصل روا إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الأديان الأشد قدرة على اختراق الطبقات والقوميات والأعراف هي التي تجذب المتحولين على اختلاف انتماءاتهم، وهؤلاء بدورهم يعملون على إضفاء صيغ جديدة بعد تحولهم إلى مولودين جدد، مما يؤدي إلى خلق نوع من المشاكلة أو النماذج الهجينة التي تفعلها العولمة وثقافة السوق، وفكرة السوق الدينية التي اضحت موجودة حالياً، هي من حولت الأديان إلى بضاعة يأخذ منها المتدين، بدون أن يولي أهمية بسياقات النصوص.(2)   

 

حيدر جواد السهلاني

..................

الهوامش: 

1- ينظر أوليفييه روا: الجهل المقدس (زمن دين بلا ثقافة)، ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، بيروت، 2012، ص17 - 28 - 29 - 30 - 31 - 58 - 59 - 65 - 69 - 187.

2 -  ينظر المصدر نفسه، ص36 - 66 - 67.

 

 

ميثم الجنابيلقد جعل نجيب عازوري من فكرة "يقظة العرب" المضمون الفعلي والمستقبلي للفكرة القومية العربية. فإذا كان الأتراك فيما مضى، كما يقول عازوري، قد "حافظوا على سيطرتهم في العالم العربي من خلال استغلال الخلافات الطائفية والدينية"، فإن الأمر أخذ بالاختلاف نوعيا من خلال بروز "ظاهرة جديدة هي الظاهرة القومية العربية"، التي يقف العرب على أعتاب تكاملها. ووجد في هذه الظاهرة نتيجة طبيعية وحتمية للمعاصرة. وذلك لأنه وجد في الشعور القومي الحديث ظاهرة لا يمكن الوقوف ضدها. وانطلق في توسيع مدى هذه الفكرة من أن ما يحرك الشعوب في العالم المعاصر هو الشعور القومي لا التعصب الديني. وقد كان تركيزه على جوهرية الشعور القومي يرمي إلى تذليل الصراع الديني وأولويته في النفسية والذهنية الاجتماعية السائدة. من هنا قوله، بأن "التعصب الديني ليس سوى طور في المصلحة الشخصية". أما "التعصب القومي فشعور عفوي فطري تقريبا". وبهذا يكون عازوري قد جعل من الشعور القومي المقدمة الملازمة لوجود وارتقاء الأمم.

فإذا كانت المرحلة السابقة لخمول العرب، كما يقول عازوري، لم تكن معزولة عن بقاء الأغلبية ضمن معايير الرؤية الأخلاقية وقيمها، ومن ثم خمولها القومي وانعدام تاريخها السياسي المستقل بعد ذوبانه أو ابتلائه بأوهام "الخلافة الإسلامية" التي لم تكن أكثر من مجرد سيطرة وسطوة قومية تركية، فإن الأمر قد أخذ بالتحول صوب إدراك أهمية وجوهرية الفكرة القومية. من هنا قوله، بأن كل ما هو حول العرب من ترك وروس ويونان وغيرهم يرغبون ويسعون إلى إبقاء العرب على حالة التجزئة. إلا أن هذه الجهود عرضة للفشل. فالعالم العربي (من وادي دجلة والفرات حتى السويس، ومن البحر المتوسط حتى بحر عمان) سوف يدهش العالم بسرعة الثورة القومية فيه وطابعها السلمي، كما يقول عازوري. وهذا بدوره ليس معزولا، أو أنه محكوم ومحدد ببوادر الوعي المتعاظم للعرب "بتجانسهم القومي والتاريخي والعنصري"[1]. بمعنى نمو وتكامل الوعي العربي القومي الذاتي بمعايير الانتماء التاريخي للنفس. ومن ثم سعيهم المترتب على ذلك بإقامة دولة مستقلة لهم. وإذا كان نجيب عازوري قد حدد الإطار الجغرافي السياسي للقومية العربية بحدود منطقة الشام والعراق والجزيرة – من وادي دجلة والفرات حتى السويس، ومن البحر المتوسط حتى بحر عمان، أي المشرق العربي ككل وشبه الجزيرة العربية، فلأن ذلك مرتبط أساسا بحدود الدولة العربية المفترضة، أكثر مما لها علاقة بفكرة القومية العربية العامة والمجردة، تماما كما سيقوم به لاحقا انطون سعادة في نظريته عن القومية العربية وفكرة القومية السورية.

تحددت حدود الفكرة القومية في آراء ومواقف نجيب عازوري بالفكرة السياسية، أكثر مما بالفكرة النظرية للقومية. لهذا نراه لا يدخل الشمال الأفريقي ومصر خاصة في القومية العربية. ومن الممكن تفسير ذلك بالانطباع المحتمل القائم آنذاك بين المصريين أنفسهم والنخب الفكرية والثقافية المصرية التي كانت ترفض الفكرة العربية، بل وتستبعد حتى انتمائها الصميم للعرب والفكرة العربية القومية. مع أن مفارقة الظاهرة الجلية تقوم، بما في ذلك في المجال السياسي، هو أن مصر كانت آنذاك ملجأ أصحاب فكرة النهضة العربية والقومية العربية. إلا أن البعد السياسي نفسه يمكنه أن يكون هو نفسه الفاعل هنا أيضا، بمعنى عدم انعزال ذلك أو تحرره من ثقل الصراع القائم آنذاك بين مصر والسلطنة العثمانية على الزعامة، إضافة إلى الأصول غير العربية للنخبة السياسية الحاكمة في مصر، أو ما دعاه نجيب عازوري نفسه ببقايا المماليك والشراكسة.

غير أن هذه التأويلات المعقولة بواقع المرحلة وطبيعة الصراع فيها بما في ذلك ضعف مستوى تطور الوعي القومي السياسي، تشير بدورها إلى المضمون السياسي الواقعي للفكرة القومية العربية بوصفها فكرة سياسية في آراء وواقف نجيب عازوري. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن تأثره بالتقاليد الفرنسية في الموقف من الدولة والأمة (القومية). ومن الممكن تحقيق هذا الاستنتاج من خلال النظر إلى حقيقة حصر نجيب عازوري القومية العربية بمعايير الجغرافيا السياسية والدولة الموحدة. ليس ذلك فحسب، بل وأنه يضع ضمن شروط وإمكانيات قيام الدولة العربية القومية الجديدة (الإمبراطورية العربية) أن "يمنح عرش الإمبراطورية إلى أمير العائلة الخديوية المصرية" على أن لا يستلزم ذلك أدنى ارتباط بين هذه الدولة العربية الجديدة والدولة المصرية الخديوية، أو كما قال "لا تجمع مصر والإمبراطورية العربية، لأن المصريون ليسوا عربا"[2]. أما النظام السياسي للدولة المفترضة فهو "حكم عربي ملكي دستوري متحرر"[3].

إن تطابق القومية العربية مع فكرة الجغرافيا السياسية ليست إلا المظهر الخارجي للفكرة العربية القومية الجديدة، بوصفها فكرة أولية محتملة. بمعنى أنها أحتوت على العناصر الجوهرية لوعي الذات العربي القومي ولكن بمعايير الفكرة السياسية المكافحة آنذاك من أجل إرساء أسس الدولة الحديثة. فقد كان العراق والشام وبعض الجزيرة وحدة جغرافية جلية وخاضعة للحكم التركي المباشر، على خلاف مصر والشمال الإفريقي عموما. وبالتالي فإن الدولة المتحررة من النير التركي تعني الدولة العربية القومية الجديدة. وضمن هذا السياق فقط يمكن فهم إخراجه نصف العرب (مصر والسودان والمغرب) من فكرة الدولة العربية الحديثة التي دعا إليها. ونعثر على هذه الصيغة المائعة نسبيا والواقعية في الوقت نفسه في تحديده لفكرة الأمة العربية وحدودها، كما وضعها في عبارته:"أنها أمة واحدة هي الأمة العربية التي تتحدث بلغة واحدة، وتمتلك تقاليد تاريخية واحدة، وقدّست الأدب ذاته، وكل فرد يعتز بالإنتماء إليها".

إذ نعثر عند نجيب عازوري في تحديده لماهية العناصر الجوهرية المكونة والفاعلة في كينونة الأمة العربية هي كل من اللغة والتاريخ والأدب وشعور الانتماء. وإذا كانت هذه العناصر تحتوي على ما يمكن دعوته بالأبعاد الثقافية أو الروحية للفكرة القومية، فإن الجغرافيا (التراب أو الأرض)، بوصفها المقدمة المادية الضرورية لتكامل هذه العناصر في وحدة واحدة ونظام معقول وفعال، كان لابد لها من أن تتحدد ضمن شروط وإمكانيات الدولة المفترضة، بجغرافيا العراق والشام الطبيعية والجزيرة العربية. وليس مصادفة أن يؤدي هذا التكثيف الجغرافي للفكرة القومية العربية الجديدة إلى أن يعتبر ظاهرة "اليقظة العربية" و"جهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة إسرائيل القديمة على نطاق واسع" أهم ظاهرتين في آسيا. وبالقدر ذاته يمكننا القول، بأن إدراكه الحسي والعقلي وحدسه العميق بالخطورة الكامنة في المشروع اليهودي الصهيوني (من الفرات إلى النيل) هو الوجه الآخر للقضاء على القوة الغريبة التي تسعى لمزاحمة أو إفشال أو إعدام مشروع الفكرة العربية في بناء الدولة الجديدة من الفرات إلى النيل. وهو السرّ الذي يفسر رفعه شعار الصراع العربي- اليهودي، إلى مصاف الفكرة الجوهرية بالنسبة للمصير العربي ومستقبل الأمة العربية ودولتها القومية المفترضة. وضمن هذا السياق أيضا يمكن فهم اعتباره مصير هاتين الحركتين محكوم بأن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر أحداهما على الأخرى. وعلى أثر نتائج هذا الصراع بين "هذين الشعبين اللذين يمثلان مبدأين متضاربين يتعلق مصير العالم بالجملة"[4]. ولا يعني ذلك ضمن سياق تأسيس الفكرة القومية وتوجيه "اليقظة العربية" ضمن مسارها السليم، سوى تأسيس الرؤية الواقعية والعقلانية والدقيقة في كيفية مواجهة هذه الخطر التاريخي الكبير.

فقد كان نجيب عازوري يدرك القوة الفعلية الكبيرة لليهودية الصهيونية بوصفها قوة منظمة وفاعلة بمبدأ واحد، وفي الوقت نفسه تعمل وتنشط ضمن الوسط السيئ، الذي يعطي لها بالتالي إمكانية بلوغ الغاية، أو ما دعاه عازوري بالصيد في الماء العكر. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "اليهود الذين لا يعرفون الصيد إلا في الماء العكر، يوجدون إذن في الوسط الأكثر ملائمة من حيث يوجد الشقاق وعدم الانتظام والجهل والبؤس، ومن جهة أخرى يوجد الاتحاد والمركزية والجهود الموجهة بالفكرة الواحدة بناء على تصميم ورسم مسبقا".

ولم يكتف عازوري بتقرير ما هو معروف ومشهور وفعلي عن نفسية وذهنية اليهود واليهودية، بل وحاول تفسيرها بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية، ومن ثم استنتاج المواقف العملية المستندة إلى رؤية واقعية وإستراتيجية بعيدة المدى تنّسق بشكل عقلاني الرؤية الواقعية والمتفائلة أيضا. وانطلق في مواقفه هذه من تقرير الفكرة القائلة، بأن اليهود ليسوا بذي قيمة كبيرة بالنسبة للتاريخ العالمي. وأنه لو "وضعنا القضية الدينية جانبا، ليس اليهود بالنسبة للمؤرخ بأهم من أي قبيلة بدوية كالعمالقة أو المؤابيين مثلا"[5].

ذلك يعني، أنه أدرك الضعف التاريخي والذاتي لليهود واليهودية الصهيونية بوصفها قبيلة لا قيمة لها بمعايير التاريخ العالمي. ووسع مدى هذا الضعف من خلال الكشف عما يمكن دعوته بالخلل التاريخي في الوجود والكينونة اليهودية نفسها، بوصفها النتاج أو الخاتمة الحتمية لما فيهم من فساد معنوي وأخلاقي تعايش معهم مع مرور الزمن بحيث أصبح صفة متماهية وملازمة لوجودهم أينما حلّوا. وكتب بهذا الصدد مفسرا ما دعاه بالأسباب القائمة وراء دمار اليهود هو أنه "لو كان الفساد والتنافر في الداخل أقل، والصدق والحكمة في علاقاتهم مع جيرانهم في الشمال والجنوب أكثر، لأوجدوا مملكة مستقلة حتى الوقت الحاضر، ولمنعوا بزوغ فجر المسيحية نفسها". وإن استعراض تاريخهم منذ البدء ولحد الآن يكشف عن أنهم قوم "لم يتمكنوا من استيعاب الأقوام حولهم، ولا من العيش معها بسلام"[6]. كما لو أنه أراد القول، بأن هذه الحالة المميزة لليهود واليهودية هي صفة جوهرية ملازمة لا يمكن حلها أو قطعها إلا من خلال فك الارتباط الفعلي بتراثها الذاتي. لكنه لم يطالب اليهود بالقيام بذلك لإدراكه عقم هذا الطلب، بل بحث عن حلّ له في خاتمة الصراع المرير بين ظاهرة اليقظة العربية والمشروع اليهودي الصهيوني. وإذا كانت الأولى ذاتية تلقائية ذات أرضية تاريخية قومية طبيعية، فإن الثاني مجرد مشروع خارجي مفتعل وأيديولوجي لا أرضية فيه وله.

إن هذه المقارنة والمفارقة التي يمكن رؤيتها في الحدس الفكري المتغلغل في رؤية ومواقف نجيب عازوري توصلنا إلى إمكانية تركيب الاستنتاج الكامن فيها والقائل، بأن المصير المستقبلي للمشروع اليهودي الصهيوني في نهاية المطاف سوف يكرر حذو النعل بالنعل تجارب الماضي، بمعنى التعرض للدمار والتشرد والخراب[7]. وأن المسار الحتمي صوب هذه النتيجة يكمن أولا وقبل كل شيء في كيفية مواجهة "قوة" اليهود القائمة في الصيد بالماء العكر من خلال تكاتفهم ووحدتهم على الفعل في الوسط الأكثر ملائمة من حيث "يوجد الشقاق وعدم الانتظام والجهل والبؤس". ذلك يعني أن تذليل المشروع اليهودي الصهيوني يستلزم الاتحاد القومي العقلاني في مواجهة القبيلة اليهودية المتوحدة بضيق المصالح وأوهام الطوطمية المتكلسة في العقائد الدينية واللاهوتية.

إن البديل الواقعي والعقلاني والفعال لليقظة العربية في مواجهتها للمشروع اليهودي الصهيوني يفترض تذليل "الشقاق وعدم الانتظام والجهل والبؤس"، أي القضاء على التجزئة الداخلية بمختلف أشكالها ومستوياتها، وصنع النظام في حياة المجتمع والدولة، وإرساء أسس التقدم العلمي والصناعي، والعمل على ازدهار الاقتصاد والحياة الاجتماعية. ذلك يعني أن نجيب عازوري قد أدرك الحلقات الضرورية لليقظة القومية العملية من خلال تذليل التجزئة الدينية والطائفية، بوصفها المقدمة الضرورية لتنظيم المجتمع والدولة وتوسيع مدى ومضمون الشعور القومي عبر إرساء أسس الدولة الحديثة والاقتصاد المتطور والعلم النظري والعملي. من هنا تدقيقه وتحقيقه لفكرة الدولة المدنية الحديثة، باعتبارها الشرط الأول والأخير لنجاح ظاهرة اليقظة العربية الحديثة. من هنا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء سعيه النظري الحثيث ومشروعه العملي السياسي الهادف إلى تذليل ثنائيات الدين والدنيا الخربة ومشتقاتها العديدة.

لقد حاول نجيب عازوري حلّ قضية الديني والدنيوي بمعايير الرؤية السياسية العقلانية للدولة الحديثة وشروط الإنتماء الثقافي الذاتي. من هنا أولوية بناء الدولة المدنية الحديثة التي تضم الشام والعراق والجزيرة. ومحاذاة ذلك بإنشاء دولة روحية مستقلة في الحجاز والمدينة المنورة. حاكمها هو خليفة المسلمين الديني. وبهذا نكون قد حصلنا على حلّ لفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في الإسلام من أجل خير الجميع، كما يقول نجيب عازوري[8].

وقد بنى نجيب عازوري رؤيته العامة هذه على أساس إستنتاج فكري سياسي استنبطه من تأمل تاريخ ومصير الدولة (الخلافة) العربية. فقد وجد "أحد الأسباب الرئيسية لسقوط الإمبراطورية العربية العظيمة هو تركز السلطتين المدنية والروحية والجمع بينهما في يد واحدة". وهي العبرة التاريخية الكبرى التي ينبغي الأخذ بها من أجل إرساء دولة حديثة وعصرية من طراز جديد، ومن ثم قادرة على تذليل المشروع اليهودي والصهيوني أيضا. ووضع ذلك في ما أسماه بمشروع "جامعة الوطن العربي" التي تريد، كما يقول عازوري، مصلحة الإسلام والأمة العربية من خلال:

- فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية،

- إقامة إمبراطورية عربية من الفرات إلى النيل،

- سلطة دستورية، والاعتراف بحرية المذاهب،

- احترام الحكم الذاتي في لبنان واستقلال إمارات اليمن ونجد والعراق،

- منح عرش الإمبراطورية إلى أمير العائلة الخديوية المصرية على أساس عدم الجمع بينها وبين مصر، لأن المصريون ليسوا عربا.

أما الدولة الروحية فتبنى على الأسس التالية:

- أن تكون الخلافة لأمير عربي منحدر من عائلة الرسول،

- وللخليفة دولة سياسية (الحجاز والمدينة المنورة)،

- وسلطته روحية على كافة المسلمين[9].

ولم يقف عند هذا الحد بل وحاول تطويع كل ما يمكنه إثارة الخلاف والشقاق الديني والطائفي بالشكل الذي يجعله رافدا من روافد الشعور القومي العربي. لهذا نراه على سبيل المثال يدعو إلى توحيد المذاهب النصرانية (العربية) من أجل القضية العربية الكبرى. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن من الضروري توحيد المذاهب الكاثوليكية الشرقية الخمسة في دين واحد. كما نراه يطالب بأن تكون اللغة العربية لغة الكنسية الشرقية[10]. ووجد في ذلك أمرا موافقا لطموحات الأمة العربية عبر تلاوة الصلوات بالعربية من أجل إبعاد اليونانيين واللاتينيين والسريان والكلدان وغيرهم. ووضع هذا المطلب والفكرة ضمن سياق أوسع عن إدراك القيمة الثقافية الكونية للغة العربية. فاللغة العربية بالنسبة لنجيب عازوري هي لغة القرآن والإسلام العالمي[11]، وأن النبي عربي، و"لغة السماء عربية"[12]. وقبل كل شيئا آخر كونها العنصر الجوهري للفكرة العربية.

وبهذا يكون نجيب عازوري قد بلغ الذروة الأولية للفكرة القومية الحديثة في مستواها النظري والعملي، بوصفها اجتهادا حرا ومستقبليا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "يجب على الفكر الحر أن يكون حرا فعلا، وأن يكون مفهوما يستمد الحكمة من شعب تقدم في الحضارة هوايته ممارسة التسامح". وليس هذا الفكر الحر المستمد من "شعب تقدم في الحضارة" سوى الصيغة النظرية للمشروع العملي للفكرة القومية العربية الذي سعى نجيب عازوري لتأسيسه. فقد استطاع نجيب عازوري أن يرفع فكرة اليقظة العربية من مستوى الوجدان الأدبي والمعنوي إلى مستوى الفكرة النظرية والمشروع العملي السياسي. ومن ثم وضعهما ضمن سياق التاريخ الحديث ومستقبل التخطيط العقلاني للاحتمالات الفعلية الكامنة في الصيرورة الجديدة للعالم العربي والأمة العربية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص37.

[2] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص219.

[3] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص37.

[4] إننا نقف هنا أمام رؤية سياسية مستقبلية عميقة جدا. بل قد تكون الأدق من بين كل ما كتب آنذاك حول هذا الجانب. فالوقائع التاريخية تكشف عن أن لهذا الصراع أبعادا كونية، وأنه يمثل بالفعل "مبدأين مختلفين" يتعلقان بالمصير الفعلي للفكرة العربية والقومية العربية والدولة العربية. ويتوقف على كيفية حله حل الإشكاليات التاريخية للفكرة القومية العربية. وقد كان عازوري واقعيا ومتفائلا بالقدر نفسه. ولم يكن ذلك معزولا عن إدراكه العميق للأصول الثقافية والقومية والجغرافية للفكرة العربية، بمعنى التطابق والتلازم الجغرافي والقومي الذي يجعل من المشروع اليهودي الصهيوني مشروعا عابرا مهما طال الزمن، شأن كل مشروع من هذا القبيل. وفي أفضل الأحوال ليس مصيره غير مصير الحملات الصليبية الغابرة والعابرة، أي يأتي ليخرج أو يضمحل ويتلاشى في الصيرورة السياسية والثقافية المستقبلية للأمة العربية ودولتها. فهي الخاتمة التي لابد منها، لأنها جزء من جغرافيا الوجود القومي العربي، وجزء من تلقائية التراكم والتكامل القومي العربي.

[5] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص48.

[6] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص47.

[7] يمكن الرجوع بهذا الصدد إلى كتابي (اليهودية الصهيونية وآفاق الصراع العربي – اليهودي)، وبالأخص في الفصل المتعلق بما أسميته بالفصل ما قبل الأخير للصراع العربي اليهودي. والاحتمال الأكبر فيه يسير باتجاهين أما عن طريق إيقاف المد اليهودي الصهيوني، ثم إرجاعه إلى حالة الانحسار، فالتقوقع، ثم التحلل والفساد والضمور الذاتي، فالتلاشي، أو الاندماج الثقافي من خلال كسر تقاليد اليهودية الصهيونية عبر عملية تطهير شاملة والارتقاء بأثرها إلى مصاف الرؤية الإنسانية، أي التحرر من أوهام العقدة اليهودية وعقائدها الدينية العرقية المغلقة.

[8] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص37.

[9] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص219-220.

[10] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص176.

[11] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص196.

[12] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص176

 

 

عدنان عويدقبل الدخول في هذا الموضوع، لا بد أن نقول بأن هناك فرقاً بين إنسان يؤمن بمنهج فكري ويتخذه سبيلاً للنظر في قضايا الواقع تحليلاُ وتركيباً دون اقصاء للمنهاج الأخرى، وبين إنسان لا يميز بين المنهج والنظرية، ويعتقد أن هذا المنهج مذهباً أو نظرية يتحزب لهما سياسياً وفكرياً. وبالتالي يظل اعتقاده سائدا بأن الحقيقة كامنه عنده وحده.

فالأول قد يتكأ في بحوثه ودراساته على مناهج أخرى يغني فيها المنهج الذي اقتنع به واتخذه وسيلة لنظره في قضايا واقعه وسبل تغييره نحو الأفضل.

والثاني تمذهب في منهجه أو رؤيته المبهمة غير القادرة على التمييز بين المنهج والنظرية، واعتبر أن الحقيقة كامنة في رؤيته هذه، (المنهج -  المذهب/ النظرية) وكل خروج عنها هو انحراف أو خروج عن تعاليم النص المقدس.

من هذا المنطلق دعونا نشير إلى مسألة أساس في هذا الاتجاه وهي موضوعة الماركسية كمنهج فكري، وبخاصة أن الماركسية لا تعني الاشتراكية أو الشيوعية. فالاشتراكية والشيوعية ما هما إلا نظامين اقتصاديين سياسيين اجتماعيين وثقافيين، تكون قوى وعلاقات الإنتاج دولة ما أو مجتمع ما قد وصلت إلى مرحلة تاريخية تسمح بطرحمها أو إنتاجهما. أو بتعبير آخر إن كلاً من الاشتراكية والشيوعية نظامان اقتصاديان اجتماعيان وسياسيان وثقافيان لا دخل للماركسية فيهما إلا من خلال الموقف المنهجي (المادي والتاريخي الجدليين) الذي يتخذه حملة هذين المشروعين للنظر في كيفية تطبيق هذين النظامين، وقد يختلفون منهجياً في تحديد ألية العمل ومن هي القوى الاجتماعية المؤهلة لتطبيقهما، فالخلاف الروسي الصيني وحتى الموقف التروتسكي، دليل على وجود هذا الاختلاف المنهجي.

من هنا علينا أن نصحح بعض المقولات أو المفاهيم التي أصبحت دارجة، وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل : المذهب الماركسي" و "غياب الصفة العلمية للماركسية"، وأن الماركسية " أصبحت إطاراً أيديولوجياً تقليدياً"، وغيرها من المفاهيم التي برأيي، هي بحاجة ماسة إلى التوضيح.

فردنا أو تعليقنا على ادعاء مذهبية الماركسية نقول: إن الماركسية لم تكن مذهباً في يوم من الأيام، لا من حيث تسميتها من قبل من طرحها من جهة، ولا من حيث طبيعة قوانينها ومقولاتها من جهة ثانية. فالماركسية كانت ولم تزل منهجاً في التفكير، لها قوانينها ومقولاتها ممثلة في ( المادية الجدلية والمادية التاريخية وقوانين الاقتصاد السياسي)، فنعتها بالمذهب أو النظرية، هو لصق صفة الجمود بها، وهذه ليست من صفات الماركسية التي من آولى قوانينها الحركة والتطور والتبدل.

أما لجهة القول:

بغياب الصفة العلمية عنها، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف غابت الصفة العلمية عنها وهي لم تزل كمنهج تتمسك بكل مقولاتها وقوانينها التي قامت عليها؟، وهي القوانين والمقولات ذاتها التي منحتها الصفة العلمية. كالحركة، والتبدل، ونفي النفي، وحدة وصراع الأضداد، والعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والجزء والكل والداخل والخارج، والتحولات الكمية تؤدي إلى تحولات كيفية، وقوى الإنتاج وعلاقاته هي من يحدد البناء الفكري بكل أنساقة، والتناقص بين المالك والمنتج سيؤدي بالضرورة إلى الصراع، وهو جوهر التحولات التاريخية، أو قابلة التاريخ.. الخ.

أو لجهة نعتها بالأيديولوجيا التقليدية، أي الأيديولوجيا التي وصلت إلى مرحلة الجمود، وفقدت قدرتها على مجاراة قضايا العصر، وبخاصة بعد انتهاء المنظومة الاشتراكية، فهذا النعت أيضاً غير وارد لسببين : الأول: إن الآيديولوجيا في سياقها العام عندما تقوم في جوهرها على الحركة والتطور والتبدل، ليست سبّة من حيث بنائها ووظيفتها، والثاني: كيف تكون الماركسية كمنهج علمي في التفكير، أيديولوجيا تقليدية، وهي من تقوم آلية عملها على الحركة والتطور والتبدل للظواهر؟!.

هذه مسائل إشكالية وخلافية في الآن ذاته، ساهم في نشرها وتعميمها كما اعتقد من شعروا بخطورة المنهج الماركسي على مصالحهم، وبخاصة الطبقات الاستغلالية والقوى المستبدة، ويأتي على رأسها الطبقة الرأسمالي التي صرفت ترليونات الدولارات من أجل تشويهها ومحاربة من تبناها فكرياً وعملياً تحت شعارات كاذبة، مثل الزندقة والكفر والإلحاد والإباحية والاستبداد، لا لشيء، إلا لكونها منهجاً علمياً في التفكير يوصل إلى الحقيقة في نسبيتها، وكشف أعداء الحقيقة والتنوير والعدل والمساواة بين الناس، في الوقت الذي ساد في الغرب وأمريكا نظريات ومذاهب فكرية ومناهج وممارسات عملية على كافة المستويات حملت بذاتها كل هذه النعوت السيئة التي أرادوا تحميلها للماركسية ومعتنقيها، ومع ذلك لم تحارب، بل فتحت قاعات العلم لها في الجامعات الأوربية والأمريكية. ومن هذه النظرية الوجودية والعبثية ونظريات العنف، وما بعد الحداثة .. وغيرها.

مسألة التشظي الماركسي:

أما مسألة التشظي الماركسي التي تمثلت في تعدد المدارس الماركسية، فهذه مسألة ترتبط بطبيعة الفكر الماركسي ذاته من جهة، وهو الفكر الذي يؤمن بخصوصيات الواقع وتاريخيته وتعدد تجاربه، وهذه المسألة بالذات أشار إليها منظروا الفكر الماركسي بدقة، ومنهم لينين على سبيل المثال عند مخاطبته القادة السياسيين في دول العالم الثالث، ممن تبنت بلادهم الطريق الاشتراكي في التنمية آنذاك قائلاً: ( يخطئون هؤلاء الذين يقولون إن ذلك اللون الرمادي صالح لكل زمان ومكان). أي يخطئون الذين يقولون أن تطبيق المنهج الماركسي في رؤيته لتطبيق الاشتراكية في أوربا يمكن أن يطبق في روسيا أو دول العالم الثالث المتخلف.

أما التجربة الماركسية (منهجياً) التي تبنتها أحزاب الطبقة العاملة في الغرب، فهي تجربة براغماتية بحت شجعت الطبقة الرأسمالية على قيامها رغبة منها في السيطرة على طموحات وإرادة الطبقة العاملة في الغرب، وهذا ما تم بالفعل، فكل الأحزاب التي تدعي الاشتراكية التي تبنت المنهج الماركسي أسلوباً في التطبيق، ومارست السلطة تحت يافطة "حزب العمال" هي لا تختلف في توجهاتها وحواملها الاجتماعية - وبخاصة قياداتها -  من حيث العمل لمصلحة النظام الرأسمالي، بدءاً بحزب العمال الفرنسي، مروراً بالحزب العمالي البريطاني، وصولاً إلى الاشتراكية الدولية ممثلة بكل أحزابها على مستوى الساحة الدولية.

أما الحديث عن نهاية الماركسية وخمود شعلتها، وما هي مقاربتنا لبداية جديدة، فهذا يدفعنا للتساؤل من جديد، هل من المعقول أن تخمد أو تنطفئ شعلة كل ما هو علمي وعقلاني في هذه الحياة؟، وهل استمر في تاريخ البشرية غير من يحمل هذه الصفات العقلانية والعلمية؟، ثم أين هم من وقفوا ضد كوبورنيك، وهارفي، وسقراط، وأبن رشد، وغيرهم ممن يمثلون نسبية الحقيقة وحمل مشعل العلم والعقلانية؟! .

أعتقد أن أزمة الماركسية هي أزمة معرفة بها أولاً، ثم أزمة حوامل اجتماعية لم تصل بعد إلى مرحلة وعي الذات ثانياً، وأخيراً أزمة من لم يستطع بعد أن يفهم أن الماركسية ليست الشيوعية، فالدعوة إلى العدالة والحرية والمساواة، طرحت قبل الماركسية بمئات السنيين، وستظل تطرح في التاريخ الإنساني من قبل من يؤمن بالعدالة الاجتماعية، ماركسياً كان أم غير ماركسي. القضية هنا قضية فكر عقلاني تنويري يدافع عن الإنسان ومصالحه، وعن الآلية التي تتحرك فيها هذا الشعوب نحو تحقيق العدالة، واخيراً كشف من هم وراء كل هذا الظلم الذي يصيب الناس وكيف يقوم، ومن هي القوى الاجتماعية الكامنة وراءه.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

 

رحيم الساعديوليام سي شيتيك

ترجمة: د. رحيم محمد شياع الساعدي

أكثر من أي مفكر مسلم آخر، خصص ابن عربي تعاليمه لتوضيح وجود الحكمة الإلهية في كل شيء، وضرورة ان يطبق الإنسان تلك الحكمة، إن الحجج التي يقدمها هي في آن واحد ميتافيزيقية وكتابية وكونية ونفسية وعلمية وأخلاقية، فهو يتناول كل بُعد من أبعاد الوجود البشري والكوني ويتحدث باستمرار عن الخير المتأصل في كل الخليقة وعن واجب الإنسان في احترام حقوق  جميع المخلوقات - وليس فقط حقوق الله وحقوق إخواننا في الكائنات.

و إذا كان هناك موضوع كتابي واحد في كتاباته، بعد التوحيد فهو بالتأكيد القول النبوي: "أعطوا لكل ذي حق حقه ويقرأ هذا بالتزامن مع الإصرار القرآني على أن الله خلق الكون وكل ما  بداخله بالحق، أي عن طريق ومن خلال الحق الحقيقي. ويفهم هذا بأن ابن عربي يعني أن كل شيء في الكون صحيح وحقيقي.

ومع ذلك، لا يُمنح البشر بالضرورة البصيرة للتعرف على حقيقة وصواب كل الأشياء ولتحقيق هذا التعرف  يحتاج البشر إلى الإرشاد النبوي، ليعيشوا حياة صحيحة ومناسبة وبعبارة أخرى، فإن الحكمة الإلهية التي خلقت الإنسان فرضت عليهم واجب (إعطاء كل ما له حق) . 

إن أحد الجوانب العديدة لمشروع ابن عربي لتوضيح الحقوق والحقائق في كل شيء هو علم الكونيات (الوجود)، أي شرح طبيعة الكون، بتنوع وتنوع أنواعه،ولا ينبغي للمرء، بالطبع، أن يخلط بين المفهوم التقليدي لعلم الوجود أو ما يُعرف بعلم الكونيات في العصر الحديث اليوم، فعندما يتحدث العلماء عن علم الكونيات، فإنهم يقصدون علم الكونيات الفيزيائي - أي بنية الكون كما تُدرك بواسطة الأدوات التكنولوجية والنظريات الرياضية للفيزياء الحديثة. 

يمكن للفيزياء التعامل فقط مع ما يسمى تقليديا بالمجال "المرئي" أو "المادي"، والعالم المرئي هو سطح الكون والكون بالمعنى الإسلامي، ليس مجرد مظهر مادي، فإن كلمة عالم تشير إلى (كل شيء ما عدا الله) ويترتب على ذلك أن "علم الكونيات" بالمعنى الصحيح للكلمة يجب أن يشرح ليس فقط (طبيعة العالم المرئي ( ، ولكن أيضًا (طبيعة العوالم غير المرئية ( الغائبة( والتي هي أكثر اتساعًا مما يمكننا إدراكه من خلال الحواس، حتى لو كانت مدعومة بأحدث الأجهزة) .

ان أشهر مخطط (وجودي) لابن عربي هو مخطط ( نفس الرحمن)، وفيه يشرح الإشارات القرآنية إلى كلام الله ويخبرنا القرآن في عدة آيات أن الله أوجد الأشياء ببساطة بقوله (كن)، وأن كلام الله في الواقع لانهائي ولو كانت كل المحيطات حبرًا، وكانت كل الأشجار أقلامًا، لما نفد كلام الله .

ويشرح ابن عربي كلام الله من خلال تشبيه كلماتنا التي لا تنضب، على النحو الاحتمالي فنحن نخرج الكلمات من وعينا، تمامًا كما يخرج الله كلامه من معرفته اللامحدودة ونلفظ الكلمات في أنفاسنا كما يلفظ الله الكلمات في أنفاسه الرحيمة،و تختفي كلماتنا بالسرعة التي ننطق بها، تمامًا كما تزول كلمات الله وكل شيء هالك إلا وجهه  كما يقول القرآن .

 ويصر ابن عربي على أن هذه القاعدة تنطبق على كل لحظة وكل شيء موجود ويترتب على ذلك أن كل لحظة من الوجود، هي خلق جديد، وتعبير جديد عن وجود الشيء وفي حالة فشل هذا التعبير الجديد، ستختفي كلمات الله - الكون – هكذا ببساطة، لأنه لا يمكن لأي شيء أن يوجد بدون الدعم الإلهي المستمر.

ويخصص ابن عربي 198 سورة من الفتوحات المكية وهو أحد الفصول الأطول في الكتاب إلى نفس الرحمن ويأخذ الأبجدية العربية على أنها تمثل ثمانية وعشرين حرفًا إلهيًا أصليًا، من أجل خلق الكون، بكل مستوياته المرئية وغير المرئية، ويؤلف الله الكلمات والجمل والكتب التي تستخدم تلك الحروف الثمانية والعشرين، والخطوط العريضة لهذا المخطط الكوني .

وكتب تيتوس بوركهارت كتابًا صغيرًا منذ سنوات عديدة  يشير الى ان كل حرف من الأحرف الثمانية والعشرين يتوافق مع عدة أشياء، بما في ذلك أحد الأسماء الإلهية وفئة واحدة من المخلوقات.  وتمثل بعض الحروف كائنات تظهر على قوس الوجود التنازلي، بالحركة من العوالم غير المرئية إلى عالم الاستقبال شبه المرئي الذي يولد فيه الكون المرئي.  وتمثل الحروف الأخرى كائنات تظهر على قوس الوجود التصاعدي، التي تبدأ في الظهور ثم تعود إلى العوالم غير المرئية للروح والوعي والتي نشأت منها. 

وفي هذا القوس العائد، يمثل الحرف السابع والعشرون البشر، وأشار الحرف الثامن والعشرون محطات ومراحل الكمال التي حققها أولئك البشر الذين يدخلون في حضرة الله  اما  الحرف السادس والعشرون فيمثل الجن، والحرف الخامس والعشرون الملائكة، حيث أن هؤلاء مخلوقات موجودة في العوالم غير المرئية للقوس النازل وتشير الحروف من 23 إلى 25 الى الكائنات المرئية، أي المعادن والنباتات والحيوانات.

لاحظ أن علم الكون الحديث يتعامل بشكل حصري تقريبًا مع الحرف الثالث والعشرين من الأبجدية، بينما تتعامل الحروف السبعة والعشرون الأخرى خارج نطاق اختصاصها.

أريد اليوم أن أنظر إلى الحرف الكوني الخامس والعشرين في محاولة لتلخيص فهم ابن عربي لدور الحيوانات في الخلق.  بعبارة أخرى، ما هو الوضع الصحيح والصادق لعالم الحيوان؟ كيف يمكننا كبشر أن نعطي الحيوانات حقوقها؟ .

ولابن عربي الكثير ليقوله في هذا الموضوع، لذا لا يمكنني إلا أن أبدي بعض التعليقات السريعة. أنا أبدا من الفصل 198 في الرسالة الخامسة والعشرين، ومن الفصلين 357 و372، وكلاهما يشير في عنوانيهما بأنهما سيتناولان طبيعة البهائم، (الحيوانات)

* * *

ان كلمة حيوان في اللغة العربية هي الكائن الحي، وبالنظر إلى أن كل من الحروف الثمانية والعشرين تحكمه تسمية إلهية واحدة محددة، فيمكن للمرء أن يخمن أن الاسم الإلهي المتعلق بالحيوانات ستكون الحي، وعلى ما هو على قيد الحياة، أو ربما المحي، او وهب الحياة.

 ويخبرنا ابن عربي مرارًا وتكرارًا أن كل شيء في الكون حي في الواقع، لكن حياة معظم الأشياء مخفية عن أعيننا،  هذا لأن الحياة تفترضها كل صفة إلهية فالمعرفة والقوة والرغبة والرحمة والعدالة وما إلى ذلك ليس لها معنى إلا إذا كانت الصفات لشيء حي،  بعبارة أخرى، يجب أن يكون الله حيًا ليعرف ويرغب ويتصرف ويترتب على ذلك أن الحياة تتخلل كل الصفات الإلهية. ومن ثم، تسود الحياة أيضًا جميع المخلوقات، لأن المخلوقات هي ببساطة آثار وخصائص الأسماء الإلهية.

كتب ابن عربي:اسم الحي هو اسم أساسي للواقع  الموجد له! لذلك لا شيء يمكن أن يخرج منه سوى الكائنات الحية،  لهذا، فإن كل الكون حي، لأن عدم وجود الحياة، أو وجود شيء ما في الكون غير حي، سيكون لا سند إلهي له، وكل شيء موجد يجب أن يكون له داعم، لذا  فإن ما تعتبره جمادًا هو في الواقع حي (الفتوحات، المجلد 3، ص 324، السطر 20)

و طريقة ابن عربي في النظر إلى الكون، هي ان كل الأشياء هي كلمات حية مفصلية في أنفاس الرحمن. وهذا يعني أن الحياة والرحمة الإلهية هما في الواقع الشيء نفسه عندما قال الله تعالى في القرآن: (إن رحمتي (وسعت)كل شيء) فهذا يعني عند ابن عربي أنه "يرحم الكون في الحياة، فالحياة فلك الرحمة التي تشمل كل شيء. (الفتحات 2: 107. 25).

في مكان آخر يشرح أن كل شيء في العوالم المرئية الثلاثة  أي ( المعادن والنباتات والحيوانات ) يخضع لسيطرة الملائكة المسماة "النفوس". بواسطة أرواحهم، وكل المخلوقات تنال الحياة من الله .

ويشير الناس إلى الأشياء على أنها "حيوانات"، أي حياوات، "كائنات حية"، فقط عندما يدركون العلامات المميزة للحياة،و يقول ابن عربي بأنهم كلهم يتمتعون بالحياة، لذلك يتكلمون بمديح خالقهم الذي يعلمهم الأشياء من خلال حالتهم الفطرية (الفطرة). فلا يبقى شيء رطب أو جاف، حار أو بارد، جماد، نبات، أو حيوان، الا ويمجد او يسبح لله بلسان خاص(الفتحات 2: 678. 14).

وتمجيد الله عموما موضوع متكرر في كتابات ابن عربي، فهو يأخذ الإشارات القرآنية المتكررة للأشياء بكل معنى الكلمة،على عكس الفلاسفة واللاهوتيين والعلماء المسلمين، فهو لا يبذل أي محاولة لتأويل هذه الآيات - أي "التفسير" باللجوء إلى مفاهيم الاستعارة أو الرمزية ويشير هذا إلى أحد انتقاداته المستمرة للأشخاص الذين يتبعون فهمهم "العقلاني" للأشياء . ففي الفصلين اللذين يتحدثان عن الوحوش البهيمية، خصص ابن عربي جزءًا كبيرًا من النقاش لإظهار أن التفسيرات العقلانية والمنطقية للآيات القرآنية حول كلام الجماد كانت مضللة.

وتأتي حجته الأساسية ضد التفسيرات المنطقية من اتجاهين أولاً، من استنتاج أن الأشياء لا تتحدث، وثانيًا: ابن عربي وأقرانه الذين يسميهم بعامةً (العارفين  أو  أهل الكشف) في الواقع يسمعون ويفهمون كلام كل شيء، ويعرفوا من خلال التجربة المباشرة أن كل شيء على قيد الحياة . وهم لا يأخذون كلام الله على أساس الإيمان، بل الكشف .

* * *

في كلا الفصلين عن الوحوش البهيمية، يشرح ابن عربي سبب تسميتها بهذا الاسم، البهائم ، التي تعرفها القواميس العربية بأنها رباعية أو حيوان ويقدم ابن عربي فكرة أننا يمكن أن نفهم معنى المصطلح إذا تذكرنا أنه مشتق من نفس جذر (المبهم) مما يعني مشكوك فيه وغامض وغير واضح .

و على سبيل المثال، في الفصل 378 يكتب،كل شيء مخلوق له خطاب معين علمه إياه الله، يسمعه أولئك الذين فتح الله سماعهم لإدراكه وكل الحركات والحرف اليدوية التي تتجلى في الحيوانات ولا تتجلى إلا من صاحب العقل والتفكير والحوارات، تدل على أن لدى الحيوانات معرفة بهذا في أنفسها (الفتحات 3: 488. 4).

يشرح ابن عربي أن الحيوانات تقوم بالعديد من الأعمال الماهرة وتبني أشياء رائعة بطريقة توحي بضرورة أن تكون ذكية وعقلانية، ومع ذلك، لا يمكن ملاحظة وجود نوع من القوة العقلانية بداخلها، لذلك تتملكهم الحيرة من كيفية قيام الحيوانات بمثل هذه الأشياء. هذا الحيرة، بالطبع، لم يضعفها العلم الحديث، الذي لا يزال يكافح لشرح المهارات المتنوعة للحيوانات. فكتب ابن عربي:

قد يكون هذا هو سبب تسميتهم "بالوحوش البهيمية"، أي بسبب "غموض" القضية، والغموض الذي طغى على بعض الناس هو قلة كشفهم عن هذا الأمر، فيعرفون المخلوقات فقط بقدر ما يشهدونه منها .

مع استمرار هذا النقاش، لجأ ابن عربي إلى بعض الآيات القرآنية ليبين أن الإيمان في صف أولئك الذين يشهدون الطبيعة الحقيقية للأشياء من خلال الكشف.

وكما هو الحال دائمًا مع كتابات ابن عربي، سرعان ما يشرح لماذا يجب أن نهتم بحقيقة أن كل الأشياء معرفتها من الله وأن كل الأشياء تعبر عن معرفتها من خلال الكلام.

ويقول ابن عربي: لا يوجد شيء، سواء كان قائمًا بذاته أم لا، لا يمجد ربه في التسبيح، وهذه الصفة تخص فقط ما يوصف بأنه حي.

باختصار، يؤكد ابن عربي أن الوحوش البهيمية تمتلك معرفة وفهمًا عاليين من الله، ويخلص إلى أن أي شخص يعتبر نفسه أذكى من الوحوش هو جاهل بموقفه. ويشدد على أن هذا الجهل هو سمة من سمات المناهج الفلسفية واللاهوتية في التعلم الإسلامي - ناهيك عن التخصصات العلمية الحديثة.

دعني أنتقل إلى موضوع ثانٍ يتناوله ابن عربي بشكل عام عندما يتحدث عن الحيوانات وهو  يرتبط بالاسم الإلهي المحدد الذي يمارس نفوذه على الحرف الخامس والعشرين من روح الرحمن . هذا الاسم هو المذل ، والذي يتناقض عادة مع المعز، ويفترض الناس بطبيعة الحال أن التعظيم أفضل بكثير من التحقير، لكن ابن عربي يريد أن يُظهر أن الحيوانات، التي يحكمها اسم بسيط، لها مكانة أعلى بكثير عند الله من معظم البشر. هذا على وجه التحديد لأن الحيوانات تقبل انحلالها بسرور، بينما يميل البشر إلى نسيان أنهم لا شيء امام  الله.  يريدون دائمًا أن يكونوا شيئًا، لذا فهم يسعون إلى التمجيد من خلال الادعاء ويقعون في حالة من الغفلة ويتمردون على ما منحهه الله لهم.

ومن ثم، فإن أعظم البشر في نظر الله هم في الواقع أكثر الناس حياءً أمامه، لهذا السبب، وفي قراءة ابن عربي ان أسمى البشر جميعًا هو الإنسان الكامل، هو أيضًا "العبد الكامل"، أي أكثر المخلوقات خضوعا لله .

في تفسيره لطبيعة الخضوع يتجه ابن عربي إلى المفهوم القرآني للتسخير، (الخضوع ) يشير ابن عربي الى ان  الله تعالى يقول (أذلناهم فركب بعضهم وبعضهم يأكل) ويقول أيضًا(أخضع له كل ما في السموات وكل ما في الأرض، كل شيء منه)، ويواصل ابن عربي هذا النقاش بالإشارة إلى أن الخضوع ذو وجهين، بمعنى آخر، عندما يتعرض لك شيء ما، فإنك تخضع له ويقارن هذا مع مثال الملك ورعاياه  وتقول الآية القرآنية التي استشهدنا بها للتو أن الله رفع البعض على الآخرين "بالدرجة" التي أعطاهم إياها.  اما في حالة الملك، فأعطاه الله درجة الملكية، وهذه الدرجة تسمح له بالحكم على الآخرين ويُخضع الملك مواطنيه على وجه التحديد بسبب الدرجة، وبالتالي فإن المواطنين يتعرضون للإهانة أمام الملك ويجب عليهم فعل ما يأمر به ويرى ابن عربي انه تتطلب درجة المواطنين والرعايا إخضاع الملك لأنفسهم، لأنه يجب أن يحرسهم ويدافع عنهم، ويقاتل أعدائهم، ويحكم في الخلافات بينهم، ويطلب حقوقهم (الفتوحات 2:465.22)

ثم يشير ابن عربي إلى أن الخضوع ينطبق أيضًا على العلاقة بين الله والإنسان، على الرغم من أن الإنسان يُذل أمام الله، إلا أن الله يُذل أمامه أيضًا. هذه نسخة من مناقشة ابن عربي الشهيرة للعلاقة المتبادلة بين  الرب وتابعه المربوب .

يقول الله: "هو الله في السموات وفي الأرض(6- 3)و يقول: "خضع له ما في السموات وما في الأرض جميعًا" [45- 13) وايضا ( فقال لقمان لابنه: "يا بني، إن كان وزن حبة خردل واحدة، ولو كانت في صخرة أو في السماء أو في الأرض، فإن الله سيخرجها". [31:16]، لأن الله في الأرض، وهو في السماء، وهو في الصخر، وهو معنا أينما كنا، فالخالق لا ينفصل أبدًا عن المخلوق.

ثم يشرح ابن عربي أنه لما قال الله تعالى في القرآن "خلقت الجن والإنس ليعبدوني فقط" [51- 56) فذلك يعني أنه خلقهم ليحتقروا أمامه، في الوقت نفسه، يصف الله كيف يحرس كل الأشياء ويحفظها، أي الحفاظ على وجوده.

ويشرح ابن عربي، في استمراره بحجته، أن الله يحقر الإنسان بوضعه في نفوسهم صفات الفقر والعوز والحاجة. كما يقول القرآن: "أيها الناس أنتم فقراء الى الله والله هو الغني الحميد" (35- 15).  واذا كان شيء محتاجا إلى شيء آخر سيمتلئ الكون بالحاجة المتبادلة، والتي هي في الواقع حاجة كل شيء لله، الذي تظهر صفاته في الأشياء المطلوبة ويترتب على ذلك أن الحاجة تربط كل الوجود معًا بالرفاه والصلاح فالكون كله يعتمد على الحاجة،  لذلك، يختم ابن عربي، ربما بلمسة من المبالغة بالقول،لا يوجد اسم آخر يمنح الكون رفاهية عامة مثل اسم الخضوع، ولا يوجد شيء في الحضور الإلهي له خاصية مثل هذا الاسم.

و الدرس الذي نحتاج أن نتعلمه من التحقير المتبادل لكل الأشياء هو أن نفهم من نحن في الاقتصاد الكوني فيجب ألا نبالغ في تقدير قيمتنا ولا ينبغي أن نعتبر أنفسنا متعالين، لأننا في الحقيقة ضعفاء أمام القدرة الإلهية وابن عربي يشرح ذلك في أحد أبواب الوحوش البهيمية .

اعلم أن الله قد أخضع الإنسان وحقره من الوحوش البهيمية، فلا يجب أن تغفل عن حقيقة تعرضك لها، أنت ملزم برفاهيتها بسقايتها وإطعامها وتنظيف أماكنها وملامسة الروث والنفايات وحمايتها من الحرارة والبرودة التي تؤذيها وما شابه ذلك لأن الحق قد أخضعك لها ووضع الحاجة لها في روحك.

إذن، ليس لك تفوق عليها بالخضوع، لأن الله جعلك أكثر احتياجًا من الحيوانات. ألا ترى كيف غضب رسول الله عندما سئل عن الناقة الضالة؟ قال: ما هي لك؟ لديها قدميها وبطنها. سوف تجد الماء وتأكل من الشجر حتى يجدها سيدها (صحيح مسلم) .

لذلك لم يجعل الله الحيوانات محتاجة إليك، بل وضع فيك الحاجة إليها، كل الوحوش البهيمية التي لديها وسائل الهروب منك ستفعل ذلك، وذلك فقط لأنها ليست بحاجة إليك، وقد أُعطيت المعرفة الفطرية بأنك ستؤذيها. 

وحقيقة أنك تبحث عنها وأنك تبذل جهدًا في اقتناء الأشياء منها سيظهر أنك محتاج لها.

بالله عيك، عندما يكون للوحوش الغبية استقلالية أكثر منك، كيف يخطر ببالك أنك متفوق عليها؟اذن  كلام من قال: "ما من إنسان سيهلك إذا عرف قيمته" صحيح جدا)(الفتحات 3: 490. 10)

 

.......................

1-  ويليام سي. تشيتيك: مواليد 1943 فيلسوف وكاتب ومترجم ومفسر للنصوص الإسلامية الفلسفية والصوفية الكلاسيكية. ومن المعروف ان  عمله كان حول جلال الدين الرومي وابن عربي، وكتب  على نطاق واسع  عن مدرسة ابن عربي، الفلسفة الإسلامية، وعلم الكونيات الإسلامي . اكمل درجة الدكتوراه في اللغة الفارسية الأدب في جامعة طهران تحت إشراف سيد حسين نصر في عام 1974. درس الدين المقارن في طهران الجامعة التقنية وغادرت إيران قبل الثورة . يشغل تشيتيك حاليًا منصب أستاذ متميز في قسم الدراسات الأمريكية الآسيوية والآسيوية بجامعة ستوني بروك .

2-  تيتوس بوركهارت المعروف أيضًا باسم إبراهيم عز الدين ( 1908- 1984) أكاديمي وكاتب  سويسري . ولد بوركهارت، وهو ألماني سويسري، في فلورنسا بإيطاليا وتوفي في لوزان، سويسرا، كرس حياته كلها لدراسة وعرض الجوانب المختلفة لتقاليد الحكمة .كان بوركهارت عضوًا في " المدرسة التقليدية " لمؤلفي القرن العشرين وكان مساهمًا متكررًا في مجلة دراسات في الأديان المقارنة مع أعضاء بارزين آخرين في المدرسة. 

3-  ظهر هذا المقال لأول مرة في مجلة جمعية محي الدين بن عربي، المجلد 46، 2009.

4-  مايرد من نصوص خاص بصاحب المقال .

(المترجم).

 

تاريخ المجتمع ليس كَومة تناقضات عبثية وصراعات غير منطقية، وإنما هو كيان قائم بذاته، مبني على الطموحات الإنسانية، والمصالح المصيرية، والعلاقات الاجتماعية، والبُنى الفكرية ذات الطبيعة الرمزية . وهذا التشابك الحتمي بين القيم المعنوية والحقائق المادية، يُضفي الشرعيةَ على منظومة الأحلام الفردية، ويُكرِّس الأساسَ الفلسفي لتطبيقها على أرض الواقع . ولا يُمكن إيجاد تفسير عقلاني دقيق لمسار التاريخ الاجتماعي فرديًّا وجماعيًّا إلا بتحليل التفاصيل الرمزية المختبئة وراء تفاصيل الأحداث، فالحَدَثُ الاجتماعي الواقعي هو الجُزء الظاهر من جبل الجليد، وحقيقةُ جبل الجليد مخفية تحت الماء . والحركة الظاهرية للإنسان على الأرض تُشبه الكلمات الواضحة في السُّطور، لكنَّ الجوهر الحقيقي كامن في المناطق البيضاء بين السُّطور . وفي أحيان كثيرة، يكون الكلامُ الباطني بين السُّطور أشد خطورةً وتأثيرًا مِن الكلام الظاهري في السُّطور .

2

مُحتويات القلب تَظهر في فَلَتَات اللسان، ولا تَظهَر في الكلام المَعسول والشِّعارات المُنمَّقة . والمشاعرُ الصادقة تظهر في نَظَرَات العُيُون، ولا تَظهر في حركات الشِّفاه . والشخصُ المُخيف هو الصامت لا المُتكلِّم. والخطورةُ الحقيقية لا تُوجَد في الكلام الذي يُقَال، وإنما تُوجَد في الكلام الذي لَم يُقَلْ . وهذه الفكرة المركزية هي التي تدفع الكثيرين إلى البحث في التاريخ الذي لَم يُكتَب، مُعتبرين أن التاريخ يَكتبه المنتصرون وأصحاب السُّلطة والمصالح . وهنا يَبْرُز سؤالان في غاية الأهمية، مَن سيكتب تاريخَ المسحوقين والمنبوذين والمُهمَّشين والمهزومين؟، وكيف نَسمع كلامَ مَن لا يَقْدِر على الكلام، ولا صَوت له ؟ . إنَّ الحل السِّحري لهذه المُعْضِلة الموجودة في كل المجتمعات الإنسانية، هو تكريس المِعيار الرمزي في تفاصيل الأحداث التاريخية، أي : تحويل الكلام والأحداث إلى بُنى رمزية من أجل فحصها وتدقيقها، والوقوف على الدوافع والنوايا والعلاقات الجوهرية الكامنة في النَّفْس البشرية . وهذا يستلزم بالضرورة دراسة الشخصيات ومعرفة نقاط قُوَّتها ونقاط ضَعْفها، من أجل التمييز بين المواقف التي يكون فيها افتراض حُسن النِّية فِعلًا ذكيًّا، والمواقف التي يكون فيها افتراض حُسن النِّية فِعلًا غَبِيًّا . وإذا تكرَّسَت الرُّموز كسُلطة حاكمة على تفاصيل الأحداث التاريخية، وصارت المُسلَّمات خاضعة لأدوات الفحص والتَّدقيق وَفق ضوابط المنهج العِلمي، اكتشفَ المجتمعُ صَوْتَ مَن لا صَوت له، ووصلَ إلى أحلام الطبقات المسحوقة في قاع المجتمع . وهذه هي الخطوة الأُولى لتطهير الأنساق الاجتماعية من شُعور الضَّحايا، فالمجتمع السليمُ لا يُبنَى على علاقة الضحايا بالجلادين، وإنما يُبنَى على علاقة الإنسان بأخيه الإنسان( النِّد للنِّد) وفق الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.

3

العلاقاتُ في المجتمع الإنساني هي رموز اجتماعية محمولة على اللغة (وسيلة الحوار والتخاطب) . ومِن أجل كشف طبيعة هذه العلاقات التي تتَّصف بالتعقيد والتشابك والتشعُّب، وإظهار جوهرها العميق، والوصول إلى منبعها الأصلي، ينبغي تكوين لُغة رمزية كاشفة لأبعاد الكلمات ودلالاتها النَّفْسية والاجتماعية . والكلمةُ لا يَنبع تأثيرها من ذاتها، وإنما يَنبع من دَلالتها، والسِّياق الذي تُوجَد فيه . لذلك كان النظرُ إلى ما وراء الأحداث أهم مِن الأحداث ذاتها، لأنَّ الأحداث تتغيَّر باختلاف الزمان والمكان وطبيعة الناس، لكن الفلسفة الجوهرية للأحداث لا تتغيَّر، لأنها قِيمة مُطْلَقَة لا نِسبية، والقيمةُ المُطْلَقَة عابرة للتَّجنيس، وغَير مَحصورة في الأُطُر الزمكانية (الزمانية - المكانية) .

4

الإنسانُ يَستطيع أن يُغيِّر قميصه متى أراد، لكنَّه لا يَستطيع أن يُغيِّر جِلْدَه حتى لَوْ أراد . وهذه الفكرة البسيطة هي الأساس المنطقي الحاكم على جميع العلاقات الاجتماعية . وكُل علاقة اجتماعية هي منظومة رمزية قائمة على ثنائية (التَّوليد / التَّحويل): تَوليد الأنساق الفكرية، وتَحويلها إلى واقع ملموس . وهذه الثنائية الديناميكية في المجتمع هي التي تَمنح الإنسانَ القُدرةَ الذهنية على التمييز بين الحَدَث وفلسفة الحَدَث . وهذا التَّمييز ضروري، لأنَّه يَنتج عنه ثلاث قضايا في غاية الأهمية: أ _ التَّمييز بين النِّسبي والمُطْلَق في التاريخِ واللغة. ب _ التَّمييز بين التاريخ كإطار للضَّحايا والجلادين، والتاريخ كإطار للإنجازات الحضارية . ج _ التَّمييز بين اللغة كمنظومة حوار تراكمية، واللغة كمنظومة رمزية تفسيرية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

جواد بشارةكيف ولماذا وأين ومتى... أربع مفردات يستند عليها بنيان العلم والفلسفة والدين والفكر الإنساني برمته. لنركز في هذه المداخلة على مفهوم " الله"، كيف ولدت فكرة" الله؟ ولماذا لابد من وجود " الله"؟ وأين يتواجد هذا " الله" وأين ظهرت فكرة الله وعلى يد من؟ ومتى ظهر الله الواحد الأحد الخالق الكلي القدرة؟ هل هناك من يمكنه الإجابة على هذه الأسئلة الوجودية الجوهرية؟ كلا.. كل الإجابات نسبية على مر التاريخ. احتكرت الأديان التوحيدية الإبراهيمية، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، معرفة حقيقة هذا " الله" وفرضت نفسها ممثلة عنه على الأرض والناطقة باسمه والمنفذة " لإرادته" والمطبقة " لشرائعه" وإخضاع البشرية برمتها لسلطة المؤسسات الدينية باسم " الله".

قال الفيلسوف سبينوزا:" في الواقع إن الإيمان بالمعنى التقليدي للكلمة ضروري فقط للعامة، وأما النخبة المثقفة أو الفلسفية فلها طريق آخر يرضيها ويكفيها هو: طريق الغبطة الفلسفية. بمعنى آخر فإن الدين يكفي للعامة، والفلسفة خصصت للنخبة، ولا ينبغي الخلط بينهما. فالنخبة المفكرة يكفيها العقل كهادٍ ودليل، وليست بحاجة إلى كتب مقدسة أو وحي خارق للعادة أو معجزات... إنها قادرة عن طريق العقل على التوصل إلى الحقيقة من جهة وإلى اتباع الفضيلة والاستقامة في سلوكها اليومي من جهة أخرى.

فالعقل هو الذي يمكن أن يوصل المرء إلى حقيقة الله الرمزية أو المجازية وليس الله الأديان، أو يثبت له عقلياً إن الله غير موجود أو فرضية زائدة لا حاجة إليها. وقد ورد في مناظرة مفترضة بين مؤمن وملحد هذا الحوار:

 - الملحد: في البداية أسألك هل الله وجود أم فكرة ؟

= المؤمن: الله وجود أزلي أبدى خالق السماوات والأرض، أما الزعم بأنه فكرة فهو قول الملحدين .

- الملحد: إذن أنت تعتبر الإله وجود فدعك من قصة الأزلي الأبدي الخالق فسنتطرق لها لاحقاً، فسؤالي عن كونه وجود وموجود ومن هنا أسألك ما ماهية وكينونة وذات الإله هذا طالما تزعم أنه موجود .

= المؤمن: نحن لا نعرف ماهية وكينونة وذات الإله وليس لنا أن نسأل في هذه الأمور .

- الملحد: فكيف تؤمن بوجود الإله وكيف تقدمه للذين لا يعلمونه وللذين ينفون وجوده .

= المؤمن: لدي حججنا المنطقية عن وجود الإله وأتصور أننا في ساحة المنطق والفلسفة.

- الملحد: مؤكد أننا سنتطرق لحججك ولكن ألف باء منطق أن تعرف ماهية ما تتكلم عنه، فمثلا هل الإله مادة أم لا مادة ؟

= المؤمن: الإله وجود غير مادي بالطبع.

- الملحد: من أين عرفت أنه وجود غير مادي وماهو تعريف وماهية اللامادة.

= المؤمن: عرفت أنه غير مادة من فكر المؤمنين الأوائل ومنطقهم، فالإله إذا كان وجود مادي فيمكن إدراكه علاوة على أنه سيكون وحدة وجودية مادية كأي وحدة وجودية وكجزء من الكون.

- الملحد: إذن معرفتك إستنتاجية وليست وجودية تجريبية، وما الضير من رؤيته وإدراكه، كما أن منطقك هذا دائري فأنت تضع فرضياتك أولا ومنها تستنتج فلا تملك القدرة على تعريف الإله وماهيته وكينونته، فهل هو مادي الوجود أم غير مادي أم روح، وحتى كلمة الروح لا تستطيع تعريف ماهيتها.

نحن الاسبينوزيون، لا نؤمن، ولكننا نبرهن أن:

▪ الله هو الطبيعة، الله هو الطبيعة الطابعة أي النظام الشامل للأشياء، والطبيعة هي الطبيعة المطبوعة.

▪ إله الأديان بالنسبة لنا إله شخصي، أي أنه مجرد إسقاط بشري، فالمتدينين من العامة يتصورون الله شخصا مفارقا لهذا العالم يجلس ويراقبنا في ذهابنا وايابنا، في نومنا وفي يقظتنا، في كل شيء، انه إله يهتم بالتفاهات.

▪ "إلهنا" كاسبينوزين ليست له أي غاية، فهو يتصرف بضرورة طبيعته وحدها، فهو العلة الحرة للأشياء جميعا، والضرورة ضمن طبيعته، فهو لا يتصرف وفق هواه كما هو الحال بالنسبة لإله الأديان.

▪ "إلهنا" ليس له أي انفعالات سلبية فهو لا يشعر بأي انفعالات الفرح والحزن، وعليه فإنه لا يغضب ولا يكره ولا يحبنا ...

▪ نحن الاسبينوزين نحب الله ولا نسعى أن يبادلنا نفس الحب، فيقول سبينوزا:

"من كان يحب الله لا يمكنه أن يسعى إلى أن يبادله الله نفس الحب".

كما أن الهنا لا يمكن أن يكرهه أحد، فيقول سبينوزا:

"لا أحد يمكنه أن يكره الله"

▪ نحن الاسبينوزين؛ مقتنعين أن المعجزات والسحر ... مجرد خرافات؛ الجن والملائكة ... مجرد كائنات خرافية؛ أما الدعاء والصلاة فهي ليست سوى طقوس مملة لا تنفع ولا تضر في شئ؛ والجنة والنار غير موجدين ومجرد وعد ووعيد لا يصلحان إلا مع العامة فجزاء الفضيلة هنا وجزاء الرذيلة أيضا هنا.

▪ نحن الاسبينوزيون، نعتبر الحرية مجرد وهم وجهل بالأسباب، والسبيل الوحيد نحو الحرية هو الوعي بالضرورة والبحث عن الأسباب وفهمها.

هذا ملخص لفلسفة سبينوزا، لكنكم نسيتم أنه وفقا لفكره فإن الله لا يريد من البشر أي شيء، وكأنه إضافة إلى انعدام الانفعالات والهوى لديه، فهو لا ينتظر شيئا من البشر، وهذا يقود إلى سؤال مهم: حسب سبينوزا لماذا خلقنا؟ هل هي عشوائيات كمثل وجود الحياة في كوكب وانعدامها (مبدئيا) في تريلوينات الكواكب الأخرى والمجرات؟ والجواب أن هذا الإله – إذا كان موجوداً – لم يخلق شيء ولم يخلقه أحد.

إذن، من هو " الله"، ما هو "الله"؟ مشكلة الإجابة على هذا السؤال هي أن لكلمة "الله" معاني مختلفة للغاية.

بداية تجدر الإشارة إلى أن مفردة " الله" هي التسمية الإسلامية لإله التوراة يهوه والرب المسيحي أب يسوع، والمفترض أن يكون هو نفسه الإله الواحد الأوحد الذي يعبده أتباع الديانات الإبراهيمية التوحيدية الثلاثة، بيد أن كل دين يقدم صفات مختلفة عن الدين الآخر لهذا الإله القابع في الفضاء ويدير ويتحكم بالكون برمته. ولقد برز في الإسلام علم الإلهيات والذي يسميه البعض علم الكلام ليبحث في صفات الله ويرد على الخصوم والملاحدة والدهريين خاصة بعد اتساع رقعة الاسلام ودخول حضارات أخرى مختلفة تحت سلطة الإسلام ما أدى إلى تعدد صور التجليات الإلهية واختلاف التعاريف ونشوب الجدال والسجال اللاهوت والناسوت، والمادة والروح، ولقد عرفت الدهرية بنكرانها لوجود الله لأنها ذات نزعة مادية محضة تنكر الاعتقاد بوجود الله وتنكر عملية خلق العالم بقدرة إلهية وإن هناك عناية إلهية تشرف على الكون ولا يعترفون بما جاءت به الأديان التوحيدية الإبراهيمية كالتشريعات الدينية والعقاب والثواب ويوم القيام والجنة والنار وقالوا بقدم الدهر أي إن الزمن أزلي وأبدي لا بداية له ولا نهاية، ولقد سبقهم الملاحدة الإغريق الذين كانوا ينفون وجود إله واحد وكانوا وثنيين.

ماذا نعني بالله؟ نقول عن طيب خاطر أن "هناك شيء فوقنا"، نوع من "القوة" الغامضة. راسخة وتتمتع بالصرامة ن وإن هذه القوة أو الكينونة، يمكن أن تتدخل في حياتنا. والله هو هذه القوة أو الكينونة الغامضة اللامتناهية القدرة. نجد هذه الطريقة للشعور بالله في روحانية العصر الجديد. أدرك أنه يعبر من نواح كثيرة عما نؤمن به بشكل عفوي. لكن من الواضح إن هذا الإله الذي نؤمن به بشكل عفوي لا علاقة له بإله الكتاب المقدس. إنه ليس إلهًا شخصيًا، ليس لديه شعور ولا إرادة ولا مشروع. لا علاقة له بالثالوث الأقدس المسيحي. ليس لديه إمكانية إقامة الموتى أو حمل وتخصيب العذارى. وليس من الواضح حتى ما إذا كان قاضيًا أم نعمة ورحمة وخلاص. في الأساس هناك طريقتان مختلفتان تمامًا في داخلنا لإدراك ذلك والتعبير عنه.

لك أن تدرك الله على نحو شخصي بطريقتين. إحداهما عفوية، غامضة، ويتم التعبير عنها بالانطباعات. يثير الله سر القوى الطبيعية، التي نقف إزاءها مبهورين وخائفين إلى جانب غموض عدم استجاباتنا لـ "لماذا؟" وأيضًا اللغز من العنصر الذي يحدد مسار الأشياء. والأخرى مذكورة في التعليم المسيحي الذي تلقاه عدد كبير من أتباع الكنائس المسيحية المختلفة. إذن فالله المسيحي هو الذي يخلصنا بنعمة حبه والذي أرسل لنا ابنه ليخبرنا بذلك وينقذنا من الخطيئة الكبرى بتضحيته كما يردد اللاهوتيون المسيحيون. ما قد يصدم أكثر من واحد هو هذه السذاجة. وفي رأيي، ما يربكنا هو مفهومنا العفوي عن الله، أي الخيار الأول، وهو قريب جدًا من روحانية الأديان القديمة. يبدو لي بالفعل أننا لم نقم بذلك على نحو واع. لو افترضنا تقبلنا للطريقة التي يقدم بها اللاهوت المسيحي الله إلينا، ولا سيما فكرة الإله الشخصي، أي الذي لديه صفات الشخص، الإنسان، وعلى وجه الخصوص القدرة على الإرادة، والحب والتوبيخ والغيرة والغضب... إن حقيقة أن تنسب إلى الله وجودًا شخصيًا ومشروعًا وإرادة وربما حبًا بالإنسان، وغيرها من الصفات البشرية، جاءت متأخرة جدًا، قبل خمسة وعشرين أو ثمانية وعشرين قرنًا فقط. يجب الاعتراف بذلك، هذه الفكرة عن إله فريد و"شخصي" هو أمر مثير للدهشة.

دعونا نضيف هذا. إن نشأة الإيمان بالله، حتى بالنسبة للبشر اليوم، ليس أمراً فكريًا. إنها ليست قضية نفسية أو سيكولوجية أيضًا ولا إيكولوجية بيئية فحسب، بل ضرورة معنوية للتوازن: الله ليس أولاً وقبل كل شيء هو الحل لحاجتنا إلى أن نكون محبوبين. كما قلنا، فإن جذور الإيمان بالله تكمن في الروحانية *. إنها تنطلق من شكل من المفاجأة والخوف والترهيب أمام القوى التي تزعج العالم الكوني وتحرك البشر وتؤدي إلى أحداث غير متوقعة. إنه ناتج عن شكل من أشكال الدهشة والصدمة أيضًا.

ولهذا السبب، حتى بالنسبة لنا، فإن الطريقة الأكثر عفوية لتعريف الله هي تعريفه كقوة، ليس بالضرورة طاقة أو مادة. بالنسبة لـعقيدة ألــ "إيمان المركبة"، فإن الله هو القوة التي تتدخل في العالم لتمنح يد العون عند الضرورة.

شخصيات ووجوه الله المختلفة:

لذلك تم تصور الله لأول مرة من خلال النزعة الأرواحية أو الإحيائية animisme، ومن ثم من خلال اليهودية القديمة، كقوة تعمل في الظواهر الطبيعية إلى حد ما في هذا العالم *. الله هو القدير، أي القوة التي تعمل في كل ما يحيا، وتعمل ولها في حد ذاتها شكل من أشكال القوة. وهذه هي القدرة الإلهية التي تم تفكيرها وصياغتها من قبل الميتافيزيقيا (وخاصة اللاهوت السكولائي). لقد تم تصوره على أنه القوة والسبب الأول لكل ما هو موجود وكل ما يحدث في العالم. بطريقة ما، أي إن الميتافيزيقيا تنحدر من الروحانية.

بالنسبة للميتافيزيقا، الله هو سبب كل الأسباب. إنه السبب الأول لكل ما هو موجود، للعالم المرئي وعالم القوى غير المرئية (التي حلت محل "الأرواح" القديمة). "إنه خالق الكون من العدم. إنه هو الذي يجب أن يكون مصدر كل الكائنات، فهو العقل الذي يمكّننا من التفكير، والنور الذي يمكّننا من الرؤية، والمحبة التي تمكّننا من الحب. كل ما هو موجود يشارك فيه، تمامًا كما الماء جزء من المصدر والنبع، بتعبير أهل الإيمان المسيحي.

وهذا الإله يُعرَّف بأنه "ما لا يمكن التفكير فيه بما هو أعظم" (سينيكا، القديس أنسيلم)، مما يعني أن الإنسان لا يمكنه حتى التفكير فيه على هذا النحو. إنه أبعد من كل ما يمكن التفكير فيه. فكل ما تعرفه فهو مخالف لذلك. هذه هي الطريقة التي ننتقل بها من إله الميتافيزيقيا المادي إلى إله التصوف. إن إله التصوف "فوق الكل" (القديس غريغوريوس النزينزي). كما أنه لا يتحدث بدقة عن إله "شخصي". هذا الإله لا يسكن عالمنا، لا يحكمه، لا يخلقه. لا يمكننا قول أي شيء عنه. بالتأمل أو بالنشوة، وبالاتحاد والحلول، نفتح أنفسنا له دون أن نعرفه أو نتعرف عليه.

هو أيضا وراء الزمن. إنه خلود الزمن. إنه "الشامل" (راجع كارل ياسبرز). هناك نعمة تشمل، مثل قوس قزح ضخم، مجموعة الأوقات والأزمان والأماكن.

التجربة الصوفية هي شكل من أشكال الانفتاح على ما وراء كل شيء. إنه تأمل الصمت الأبدي، في الليل المظلم، في الفراغ اللامتناهي لما وراء العالم هذا. والسر الذي يفقد نفسه بالله. فالله يبعثر نفسه في مخلوقاته كما يقول المتصوفة المسلمون.

ولادة شخصية الله:

لنقم بعودة إلى إله الروحانية، ونرى فيه قوة الله الغيبية. لذلك كان له أصل أول: إله الميتافيزيقيا والتصوف. ولكن كان له أيضًا أصل ثاني: إله النواهي والوصايا والتشريعات والشرائع. وهو الذي، على عكس إله الميتافيزيقيا والتصوف، سيصبح إلهًا شخصيًا.

في الواقع، قوة قدرة الله تتجلى، منذ البداية، من خلال المحظورات، والمحرمات: عدم قتل كذا وكذا حيوان، عدم أكل لحم الخنزير عند اليهود والمسلمين، وعدم شرب الماء من هذا المصدر، وعدم شرب الخمر، وعدم نطق اسم الله عبثًا على سبيل المثال لا الحصر، فهي لا تعد ولا تحصى.. تعتبر هذه المحظورات اليوم بمثابة خرافات. في الواقع، تعبر تلك الممنوعات والمحرمات عن شكل من أشكال الخوف أمام ما يمسك بالمانا (القوة، الروح). وهكذا، لأنهم حاملون لقوة غامضة، فإن بعض الحيوانات، ومصادر معينة، وبعض الكلمات تصبح من المحرمات. إنها ممنوعة ومقدسة. نفس الشيء الذي يغلف ويتغاضى عن أن تتكشف الهيئة الجسمانية، وبنفس الطريقة التي تغلف وتتدلى في كشف الطريقة وللأسباب نفسها، فإن الملك من المحرمات، والأجنبي أيضًا (ومن هنا جاء حكم الضيافة)، والمرأة أيضًا (ومن ثم ارتداء ريشة).

هذا الخوف من المانا MANA وهذه القوة للممنوع موجودة في الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، منذ صفحاته الأولى. من أولى تجليات إله الكتاب المقدس تحريم أكل ثمر شجرة المعرفة. ما هو محظور هو ما هو مقدس، ما يحمل في حد ذاته قوة معينة هي على وجه التحديد قوة الله. في الواقع، التحريم هو حظر الاستيلاء على سلطة الآلهة.

في وقت لاحق، يصبح الحظر أمرًا لا مفر منه، منة، وصفة طبية، قانون. لكن هذه الوصفات ليست متطلبات أخلاقية. بدلاً من ذلك، يأمرون بطقوس وشعائر وتضحيات تستند دائمًا إلى نوع من الخوف من قوة الله وعدم القدرة على التنبؤ بها.

لذلك نخاف الله ونتقيه. إنه الغموض الغامض الارتعاش واللفافة **، *** الناموس. لذلك يجب أن نحاول أن نكون على علاقة جيدة معه لأنه قد يكون أحيانًا تهديدًا، وأحيانًا منقذًا. وهكذا نشأت فكرة "العهد" معه. هذه الفكرة هي جوهر العهدين القديم والجديد. لكنها توجد أيضًا في أماكن أخرى وفي أديان أخرى، في روما القديمة على سبيل المثال. اتفق الناس والآلهة معًا على مراقبة السلوك الحازم. قدم الناس تضحيات واتبعوا القوانين. من جانبهم، ضمنت الآلهة خصوبة الحقول والنصر في المعارك ... وبالتالي، اعتبرنا أن الله يمكن أن يغير موقفه اعتمادًا على الطريقة التي نتصرف بها. لقد أصبح "شخصًا" يمكننا أن نصلي له. وها قد ولد الله الشخصي.

لذلك فإن فكرة التحالف هذه هي التي قادت إلى أن ينتقلوا من قوة الله الروحانية والميتافيزيقا والتصوف إلى إله شخصي، لديه إرادة وحرية ولديه القدرة على التدخل، بأشكال متنوعة ومختلفة، في سياق التاريخ.

إله الكتاب المقدس:

هل كان " الله" حراً في خلق العالم؟ يشرح علماء الأنثروبولوجيا الآخرون ظهور الإله الشخصي (أي، إله لديه إرادة وشكل من أشكال الحرية) بشكل مختلف. بالنسبة لهم، الإيمان بإله شخصي هو نتيجة لظهور النبوة. في الديانة الوثنية، لم يكن هناك أنبياء، ولم يكن هناك سوى كهنة مكلفين بتقديم التضحيات إلى القوى الإلهية. لكن النبي يتحدث باسم الله الذي له مطالب ويمكن أن تتغير مطالبه. يتحدث عن إله شخصي. إله الكتاب المقدس هو إله شخصي، وقد يقول البعض أنه مجسم * كما تقول فرقة المشبهة في الإسلام. لديه إرادة خاصة به، ويختبر مشاعر مثل الغضب أو الحب. لديه خطط وتفضيلات. اختار إله العهد القديم الوقوف إلى جانب شعب إسرائيل الصغير. إن الله الذي يكرز به لنا يسوع في الأناجيل لديه ميل خاص للصغار والفقراء والخطاة. إنه إله أخلاقي أكثر من كونه ميتافيزيقيًا وعالميًا حقًا. وإله القديس بولس هو أولاً من يحيي ضحية، يسوع المسيح، لأنه بريء.

لا أود أن أنغمس في هذه المعمعة الماروائية والتعبير عما أشعر به حقاً. أحيانًا تبدو الطريقة التي يقدم بها الكتاب المقدس الله لنا أكثر خرافية ولا يمكن تصديقها، وأكثر لا عقلانية وأكثر إيمانًا بالخرافات من الروحانية. ومع ذلك فأنا أحاول أن أفهم أيضًا إله الكتاب المقدس القديم التوراة وإله يسوع المسيح والإنجيل أو العهد الجديد وإله محمد، هذا الإله الذي هو من أجل الصغار والخطاة. لكن إله الكتاب المقدس هذا ليس مثل إله المصادر والخصوبة والشفاء.

في الواقع، أنا مقتنع بأنه حتى أكثر المسيحيين اقتناعًا غالبًا ما يكون لديهم مفهومان متنافسان ومتناقضان عن الله، أحدهما يتوافق مع صورتهم التلقائية عن الله (صورة الأرواحية أو التصوف) والآخر يعبر عن نفسه في تصنيفات الرسالة الكتابية المنقحة والمصححة من خلال التبشير بالتعليم المسيحي اليوم. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الانقسام يزعجهم.

نحتفظ من الكتاب المقدس بالعبارات التي تقول "العقيدة البطيئة " أفضل مع مفهومنا التلقائي عن الله. هذا هو السبب في أن المزامير عزيزة على قلوبنا بشكل خاص. تصبح أغنيتهم ​​شكلاً من أشكال الموسيقى، والتصوف والشاعرية للتعبير عن تحالف السماء مع الأرض، والخلود مع التاريخ، والنور الذي يأتي من بينهم مع ظلمة جادة الطريق. فهذا الجزء من البشر يشعر بأن الله هو الوعد الذي سيزيل المعاناة عنهم.

من الكتاب المقدس، نتذكر بشكل خاص أن هناك شيء أو شخص فوقنا يشفق على بؤس حياتنا وجبن قلوبنا. وهذا غالبا ما يكون كافيا بالنسبة لنا. نحن نعيد تفسير ما يقوله لنا الكتاب المقدس لنجعله نوعًا من الاستجابة التي تعكس حدسنا الروحاني أو المؤمن بوحدة الوجود أو بالوجود الروحاني. في الواقع، نحن نعتبر أقوال الكتاب المقدس والوعظ المسيحي أدوات وكلمات وصور ورموز، هي التي تسمح لنا بالتعبير عن عطشنا لله، وفكرتنا عن الله كقوة تتدخل بطريقة خفية في العالم.

إله المدن وإله الحقول والأرياف:

في الواقع، حتى بالنسبة لنا اليوم، فإن الله هو أولاً وقبل كل شيء "إله الحقول". دائمًا ما يتعلق الأمر بجمال السماء والنجوم التي تجعلنا نحلم، بالكوارث التي تخيفنا، بالمحاصيل التي تذهلنا وأيضًا بطاولات الدوران التي تبدو ساحرة بعض الشيء بالنسبة لنا. إنه إله وحدة الوجود والروحانية والإحيائية. لكن معظمنا أصبح من سكان المدن: فقدنا الإحساس بالصلات الاختيارية التي تتعامل مع العالم الطبيعي والخارق. بسبب عبودية القطران أو القير والعمل والوحدة، وصلنا إلى كرب العبث والقلق العبثي ومسألة المعنى. وهذا هو السبب في أن سؤال الخلاص، الذي كان أولاً وقبل كل شيء يتعلق بالشفاء والطعام، أصبح بالنسبة لسكان المدن أملاً في أننا لسنا وحدنا وأننا محبوبون حتى عندما نكون غير سعداء، نعيش المعاناة، نعاني أو مذنبون. لقد أصبح الله وجه النعمة والمغفرة والمحبة والتبرير ومعنى الحياة.

في الواقع هذا التحول في صورة الله بدأت في وقت مبكر جدا. وهي التي تستطيع شرح الانتقال من الروحانية أو الإحيائية إلى الإيمان الأحادي أو التوحيد (حتى لو ظلت الروحانية الإحيائية دائمًا أساسية). بدأ هذا التطور بمجرد توقف الناس عن كونهم مزارعين وصيادين ليصبحوا بناة أبراج. يقول كل من الكتاب المقدس وبابل البابلية ومصر ذلك كل بطريقته الخاصة. صار الله ربًا يحمي أتباعه ويطلب طاعتهم.

وكان إله المدن موحدا أو توحيدياً لذلك فهو غيور. وقد أمر على الفور رفض الآلهة الميدانية من خلال اعتبارهم أصنامًا. لكن آلهة الحقول تبقى حية فينا. نبقى إلى حد ما، دون أن نعترف بذلك لأنفسنا، أنصار الأرواحية أو الإحيائية l’animisme.

القدرة المطلقة لغياب الله:

بعد هذه المحاولة لشرح ميلاد الله اليوم، أعود إلى السؤال الأساسي: ما هو الله في خاتمة الأمر؟

في الواقع، يبدو لي أن اعتبار الله كقوة أسهل من اعتباره وجودًا. فمشكلة معرفة كيفية "وجود" الله معقدة للغاية. من ناحية أخرى، من الممكن تمامًا النظر إلى الله كقوة غامضة تطاردها وتستحوذ عليها. كل البشر، بطريقة أو بأخرى، يكافحون مع "الله" سواء كانوا يعتبرونه موجودًا أم لا.

يمكننا مقارنة العلاقة بين البشر والله مع معركة يعقوب مع الملاك (سفر التكوين 32،23-32). يبقى هذا الملاك غير معروف أو مجهولاً ليعقوب. لم يكشف عن اسمه. ربما يمكننا القول إنه غير موجود. لكن مهما يكن. فهو يطاردك ويهاجمك.

بنفس الطريقة التي يحارب بها يعقوب ملاكًا لا يعرف اسمه والذي هو مجرد شكل من أشكال الظلام الذي يختفي بمجرد أن يضاء المكان، فإننا نكافح مع "الظل القدير لـ الله "في نوع من القتال اليدوي الذي يتسم بالعاطفة والمواجهة.

أود أن أضيف كلمة شخصية أكثر حول كيف أرى قدرة الله المطلقة. أصررنا على أن هذه القوة المطلقة كانت ذات حضور مهووس وموسوس. لكن هذا الوجود القوي لــ الله، هو أيضًا ناجم عن غيابه.

نحن لا نلعب على الكلمات. الغياب (المختفي أو المتوفى، على سبيل المثال) يمكن أن يحدث في منزل بالنسبة لأقاربه لكنه يمثل، حضورًا شديدًا، وحتى قوة بسبب غيابه ذاته.

وبالمثل، إن غياب الله في هذا العالم هو الذي يعطيه حضورًا تامًا. الغياب بالمعنى الاشتقاقي étymologique هو "أن تكون على مسافة". عندما أقول إن الله غائب، أعني أنه يهرب مني دائمًا، وأنه يلاحقني بغيابه، وأنني أطارده بالادعاء بوجوده. في الواقع، إنها تجربة أيوب. وعلاوة على ذلك نستنتج، إن لقب العلي القدير يُعطي على وجه الخصوص في سفر أيوب لــ الله تعالى، وأن أيوب ينسبه إلى الله على وجه الخصوص عندما يصارع غيابه ويدعي تدخله الخلاصي.

تعودنا على تقديم الله على أنه من يأتي إلينا ويلتقي بنا ويباركنا. لكن يمكننا أيضًا أن نقول إنه هو الذي يهرب منا عندما نمد أيدينا إليه. ندعو الله مثل المصاب بالربو الذي يدعو ويطالب بالأكسجين. يشعر بأنه قوة لديها القدرة على إنقاذنا. ولأن المريض على وجه التحديد يفتقر إلى الأكسجين، فإنه يعتبر أن للأكسجين فضيلة قوية بالنسبة له. ولأننا نخنق بدون الله، ندعوه هو القدير. لو لم ينقصنا الله لما دعوناه بــ القدير. لو كان الله حاضرًا في كل مكان لما كنا ندعوه القدير le Tout-Puissant.

الله كلي القدرة من خلال النقص الذي يخلقه فينا *. قد تكون قدرة الله المطلقة هي الفراغ الذي يخلق دعوة للهواء. يمتلك الفراغ بالفعل قدرة مطلقة غير عادية. سيكون الله واحد لكنه "الفراغ" الذي يسبب فينا "نداءً" كما لو أننا نفتقد للهواء. دعوة الله هي بمثابة المطالبة ببحر الأنفاس. الكتاب المقدس صحيح في مقارنة الله بالنفس، كما أنه من الصواب مقارنته بالنور. الله هو النفس والنور الذي ينقصنا. وهذا هو سر قوته المطلقة. إنه أمر حيوي بالنسبة لنا. هو الحياة بالنسبة لنا كما يقول الثيولوجيون المتدينون.

ولأنه هو بالنسبة لنا الحياة والنور والنفس الذي ينقصنا، ندعوه خلاصنا ونعمتنا وقيامتنا. هكذا نصوغ كل الصفات التي نرغب بها لنصف بها الله ولقد منحنا له حقيقة أننا نفتقده وأنه الغائب.

الإيمان، من أجل الاعتراف بالله، يقوم على غياب الله. الله مؤسس بغيابه ذاته. يصبح كلمة، دينونة، حكم، نعمة Grace، خلاص، بغيابه ذاته. ليظل الله بلا شك قوة أكبر من قوة المليك الضعيف roitelet الله كلي الوجود.

* قد يكون أن كلمة "God" تأتي من الكلمة اللاتينية dies التي تعني "day" أو بشكل أكثر تحديدًا من الجذر الهندو-أوروبي dei الذي يعني "التألق

* حتى اليوم، فإن المضيف الإفخارستي "من المحرمات" (لا يمكن استهلاكه إلا في ظل ظروف معينة)، ونص الكتاب المقدس نفسه "من المحرمات" (ليس لدينا الحق في إعادته سبب).

** سر كلِّ الآخر هو الذي يخيف الإنسان ويجذبه بنوع من الافتتان.

*** يأتي Numineux من numen، وهو مصطلح يفضله

رودوف أوتو (عالم اللاهوت والفيلسوف الألماني، 1869-1937) في عمله Le Sacré. يشير numen إلى مظهر من مظاهر المقدس ينتج عنه مزيج من الذهول والخوف والافتتان

* نحن نعرف العبارة الشهيرة لفولتير: "نتظاهر بأن الله خلق الإنسان على صورته. أعاده الإنسان له تلك الصورة.

* وهكذا، عندما اختفى الجنرال ديغول لمدة 24 ساعة، في نهاية مايو 1968 (علمنا بعد ذلك أنه ذهب إلى بادن بادن لمقابلة الجنرال ماسو)، منحه غيابه نوعًا من القدرة المطلقة، وأعطى سلطة كبيرة للخطاب الذي ألقاه عند عودته. استعاد قوته من خلال غيابه.

* في مصر القديمة كان ذلك أثناء الجفاف رسس، عندما لم يسقي النيل الأرض، كان ذلك

ودعا وادعى بأنه الله سبحانه وتعالى

* كذلك عندما يقول الملاك عن المسيح القائم: "إنه ليس هنا، إنه يسبقك إلى الجليل"، يكتسب المسيح قوة، وهي قوة قيامته، بحقيقة أن القبر فارغ.

هل الله من اختراع البشر؟

هل هذه فكرة تم إنتاجها من خلال نشاط دماغنا بنفس الطريقة التي نتجت عن نشاط دماغ الآخرين، فكرة العدالة على سبيل المثال، أو فكرة المطلق، أو الحقيقة، أو المساواة ...؟ من الواضح أن العدل والمساواة من اختراعات ضميرنا وأن قول ذلك لا يدعو بأي حال من الأحوال إلى التشكيك في المثالية والشرط الذي يشكلانه. على العكس من ذلك، يمكننا أن نعتبر أن شرف الإنسان مقارنة بالحيوانات هو القدرة على ابتكار أفكار ومُثُل لها سلطة عليه. لماذا لا نقول نفس الشيء عن الله ونعتبره أكثر اختراعات أو ابتكارات البشر ذكاءً وفضيلة، والذي يشهد على الرغبة في فهم العالم، وحب العدالة والتوسل للمطلق؟ الله هو إسقاط لذواتنا.

ومع ذلك، فإن القول بأن الله هو فكرة واختراع تمامًا مثل فكرة الخير والحقيقة والعدالة يصدمنا. لماذا ا؟ لأنه، سيقال لنا، لا يمكننا أن نعامل الله بالمثل! فهو، على عكس الخير، الحقيقة والعدالة، هو موجود وقائم بذاته ومستقل بمعزل عن البشر. سيقال لنا أن الله كان موجوداً قبل وجود البشر، بل وحتى قبل خلق العالم.

يمكن للمرء أن يجيب على ذلك، في العديد من الأديان، لا يقال أي شيء من هذا القبيل. الآلهة موجودة فقط طالما يتم تكريمهم والاعتراف بهم من قبل البشر. ولكن، على أي حال، لنتفق مبدئياً، أن الأمر مختلف مع شيء أسمه " الله". يبدو أن القول إن الله من اختراع البشر هو أكثر تجديفاً وتدميراً. لأن فكرة الله أكثر هشاشة، خاصة اليوم، من فكرة العدل، على سبيل المثال.

في الواقع، حتى لو كان الدين ظاهرة قديمة جدًا وعالمية بلا شك، فإن مفهوم أو فكرة " الله" تبدو لنا عشوائية وغير مستقرة، فالله هنا كائن غامض ومشوش ومشكوك فيه لأنه عشوائي كما يبدو لنا وفي الواقع، لا علاقة لإله الشعراء وإله الفلاسفة بإله المسيحيين. آلهة الرومان واليونانيين جوبيتر، فينوس ...) ليس لها علاقة بإله شهود يهوه. لا علاقة لإله جورج بوش وبن لادن بإله كيركيغارد أو باسكال.

من المؤكد، إن هذا التنوع الشديد في المفاهيم يطرح مشكلة أو يؤدي إلى نشوء إشكالية. إذا كنا نمثل الله بهذه الطريقة المتنوعة، أليس ذلك ببساطة لأننا، كل على طريقته الخاصة، نخترع إلهنا لأنفسنا؟

هل من الواضح أن الحديث عن الله يكشف دائمًا عن أهم اهتماماتنا، وتطلعاتنا البشرية، وخلق الإنسان، فهل الله المختلق إن هو إلا إسقاط للذات البشرية وبالتالي ابتكار بشري؟ دعونا نضيف أيضًا، مع مرور القرون، الإله الذي نقدمه لأنفسنا يكون الاعتقاد به والإيمان به أصبح أكثر وأكثر تعقيدًا وربما أكثر فأكثر على نحو لا يصدق. يجب أن ندرك أن إله العقيدة المسيحية يبدو مقلقًا للغاية. لدى المرء انطباع بأن تعريفات الله (الله غير محدود، أبدي، صيرورة أخرى تمامًا، فوق كل شيء؛ ومع ذلك فهو خالق العالم، سيد التاريخ، قاضي البشر، المنقذ. محيي الأموات، حامي إسرائيل ...) هي بنى عقائدية وفكرية، مجردة للغاية أو على العكس من ذلك إنسانية أو بشرية للغاية، وعلى أي حال، غالبًا ما تكون متناقضة. أما ما جعلنا نلصق بهذا الله من أقوال وأفعال، فغالباً ما يكون هذا فوق الإدراك! لذلك، يمكننا أن نسأل على نحو مشروع: هل الله اختراع أو ابتكار بشري؟ لكن دعونا نلاحظ أن فكرة الاختراع أكثر تعقيدًا مما يعتقده المرء. في كثير من الأحيان نميل إلى التفكير من منظور "إما هذا أو ذاك". نحن نفكر على هذا النحو: إما أن يكون الله اختراعًا، وفي هذه الحالة لا وجود له. أو أنه موجود، وفي هذه الحالة ليس اختراعًا. ولكن الأمور ليست بهذه البساطة. في الواقع، كما قد يبدو مفاجئًا، فإن ما "نخترعه" او نختلقه يمكن أن يكون له وجود وينتج عنه تأثيرات حقيقية تمامًا.

لنأخذ مثالاً، مثال الأحلام. لن يجادل أحد في أن الأحلام هي اختراعات لأذهاننا، ومع ذلك فإن لها شكلًا من أشكال الوجود. يمكننا تسجيل هذا الوجود على الأجهزة التقنية المتصلة بالدماغ. بالإضافة إلى ذلك، تنتج الأحلام تأثيرات في الواقع. من لديه حلم جنسي يمكن أن يكون لديه تلوث ليلي حقيقي. ولنكن واضحين، ليس الإيمان بالأحلام هو الذي ينتج التلوث. إنه مضمون الحلم نفسه. هذا ما "اخترعه" الحلم الذي يعمل بشكل فعال في العالم الحقيقي.

يمكننا أن نأخذ مثالاً آخر: مثال الهلوسة. شخص ما يعتقد أنه يسمع رنين الأجراس. سنقول إنه مجرد وهم. ومع ذلك فإن لهذا الوهم حقيقة عصبية. أي شخص يتخيل أن الأجراس تدق في الواقع يسمع رنين الأجراس والأقطاب الكهربائية الموضوعة على دماغه تؤكد ذلك علميًا. وهكذا، فإن الفرق غامض ومن الصعب للغاية تحديد الفرق بين الذاتية (بمعنى آخر، الوهم، الاختراع) والوجود الموضوعي. بالنسبة لدماغنا، فإن تصور الاختراع مطابق لإدراك كائن حقيقي.

هل نستطيع إثبات وجود الله؟:

لكن دعونا نتعامل مع السؤال وجهاً لوجه. هل "الله، اختلاق أو اختراع؟» ومنذ البداية وحتى نهاية المطاف، دعونا نضع الأمر في علاقته بإله اللاهوت المسيحي الأكثر رسمية، وهو إله القديس توما الأكويني، على سبيل المثال.

الله هو السبب الأول لكل ما هو موجود، أي العالم المرئي والقوى غير المرئية. وعلى هذا النحو يُصوَّر أيضًا على أنه خالق الكون. والمهم بشكل خاص لسؤالنا هو أن اللاهوتيين السكولائيين scolastiques أو التعليميين المتمسكين بالتعاليم التقليدية، يعرّفون هذا الإله على أنه كائن نشط له وجود خاص به. يقولون إن الله موجود بشكل مستقل عن الإنسان وكان موجودًا قبل ظهور الإنسان وحتى قبل ظهور العالم ويتواجد خارجه. لذلك، يتم تعريفه بوضوح على أنه ليس من اختراع البشر.

هذا هو السبب، فيما يتعلق بهذا التعريف، يأخذ السؤال "هل الله اختراع؟" أهميته الحاسمة. هل يمكن اعتبار حقيقة الاعتراف بالوجود الصحيح المستقل عن الإنسان في الله واعتباره ككائن نشط بحد ذاته اختراعًا؟ هل يمكن تعريف الله بأنه ليس اختراعًا؟ في مواجهة هذا السؤال، أراد اللاهوتيون دائمًا إثبات أن الأمر لم يكن كذلك، وقد فعلوا ذلك بمحاولة تقديم دليل على الوجود الموضوعي لله ونشاطه.

لذلك سنرى كيف ادعى اللاهوتيون إثبات وجود الله وإثبات أنه ليس اختراعًا. وحجتهم المنطقية- إنه ليس من السهل دائمًا فهم أسبابهم. لنقدم أولاً دليل القديس أنسيلم Anselme (1033-1109). هذا بلا شك هو الأقل إقناعًا. يعرّف القديس أنسيلم، في كتابه الدعوى أو التبشير، الله بأنه "لا يمكن التفكير فيه بما هو أعظم". ولإثبات وجود هذا الإله، يستخدم القديس أنسيلم حجة (برهان) تستحق قيمتها. وهو يتألف من القول: إذا لم يكن لله كما عرَّفته وجودًا، يمكنني التفكير في شيء أعظم منه ويكون إلهًا له وجود من جانبه. وهكذا، فإن الله كما عرّفته (أي أنه لا يمكن التفكير في شيء أعظم) لن يكون بعد الآن ممكناً بحيث لا أستطيع التفكير في أي شيء أعظم. في الختام، فإن التعريف الذي قدمته عن الله يعني أن له وجودًا خاصًا به.

يمكن للمرء أن يقول مع القديس توما الأكويني أن هذا الدليل يتكون من القول بأن "معنى كلمة الله هو ذاته وجود الله" أو أن الدليل على وجود الله هو في الطريقة التي يتم تعريفه بها. ولهذا السبب اعتبر القديس توما والعديد من الآخرين حجة القديس أنسيلم غير حاسمة.

إن عرض ديكارت (1596-1650) أبسط وأكثر إقناعًا بلا شك. إنه يتبع مسارًا أنثروبولوجيًا، مما يعني أنه يثبت الله من خصائص الإنسان. أما بالنسبة لإثبات القديس أنسيلم، فإن فكرة اللانهاية هي التي تكمن وراءه 3 • قال ديكارت: "لن أمتلك فكرة الجوهر اللامتناهي، أنا كائن محدود، إذا لم يتم وضعها في داخلي بواسطة مادة لا نهائية حقًا. 4 "أفلاطون، الذي ترجمه غوته، قالها أيضًا وربما أكثر بساطة:" إذا لم تكن العين ذات طبيعة شمسية، لم تستطع رؤية الشمس. إذا كانت قوة الله لا تحيا فينا، فكيف سيسحرنا الله؟ "

هذا دليل بالآثار. تم إثبات السبب من خلال التأثيرات. يجب أن يكون لكل نتيجة سبب من نفس النظام، ولهذا السبب لا يمكن أن يكون لحقيقة أن الإنسان لديه إحساس باللامتناهي سببه في الإنسان نفسه لأنه محدود. يمكن أن يكون سببها فقط في الله الذي هو اللامتناهي. إذن الله موجود، وهو الذي يعطي الإنسان معنى اللامتناهي وإحساس الله نفسه.

هل يثبت عمل الكون وجود الله؟:

في مجال الدلائل على وجود الله، هناك أطروحة القديس توما الأكويني (1225-1274) الأكثر شهرة.

يدعي القديس توما الأكويني أن بوسعه أنه يثبت وجود الله، وهو يفعل ذلك بخمسة "طرق". هو أيضًا يستخدم طريق إثبات وجود كسبب من آثاره. ولكن على عكس ديكارت، فهو يستخدم البراهين الكونية ويثبت الله من خلال خصائص العالم. دعونا نقتبس فقط الأول والخامس من هذه البراهين. هذه هي الأكثر سهولة الوصول إليها وربما الأكثر إقناعًا.

البرهان الأول. يجب أن يكون لكل نتيجة سبب ولكل علة معلول. وهكذا يمكن أن يصبح الخشب البارد ساخناً بفضل حرارة النار. لكن من أين تأتي حرارة النار هذه؟ يجب أن يكون لها سبب في حد ذاتها. وبما أننا لا نستطيع الاستمرار في هذا الانحدار اللامتناهي للأسباب وأسباب الأسباب، فيجب علينا أن نعترف بأن هناك المحرك الرئيسي والأول وهو الله. يعود أصل هذه الحجة إلى أرسطو الذي يستمد من وجود الحركة الحاجة إلى "التطرف الذي هو حركي دون أن يكون متحركًا، ليكون أبديًا وجوهرًا وفعلًا خالصًا" (الفيزياء، VIII). وسيتبنى ليبنيز، بطريقته الخاصة، هذا الدليل أيضًا.

يمكننا ترجمة هذه الأدلة إلى لغة أكثر علمية وحديثة. عندما يتكشف الكون بمرور الزمن، يمكن للمرء أن يرى شكلاً من أشكال تدهور الطاقة يسمى الانتروبيا entropie. وهكذا تبرد النجوم تدريجيًا بمرور الوقت. علاوة على ذلك، فإن هذا التدهور هو سبب التطور *. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من أين تأتي الطاقة التي كانت موجودة في البداية والتي هي، منذ بداية الزمن، تتحلل وتنتج التطور؟ يجب أن يكون هناك سبب رئيسي لاستنباط هذه الكمية الهائلة من الطاقة الأصلية. هذا هو السبب الجذري الذي نسميه "الله".

دعونا نعطي صورة. يمكن مقارنة الكون مع مرجل الحساء الذي يغلي، منذ بداية الزمن، ويبرد تدريجياً. لكن السؤال هو: لماذا كان هذا الحساء ساخنًا في الأصل؟ من وضع عود ثقاب تحت المرجل لتسخين الحساء؟ والجواب الذي نقدمه هو "الله". الله هو سبب ومصدر الطاقة الأولية التي تتدهور تدريجياً بمرور الوقت. إنه السبب الأول الذي ينتج أسبابًا لا نهائية دون أن يتحلل هو نفسه بانبعاث هذه الأسباب. هو السبب في نفسه دعونا نصل إلى الدليل الخامس للقديس توما الأكويني. يتم تنفيذه ليس وفقًا لفكرة السبب، بل وفقًا لفكرة النهاية أو الغايةfinalité. الكائنات (وعلى الأخص الكائنات الحية،) تعمل وتتحول، على الرغم من أنها محرومة من المعرفة، بحيث تميل دائمًا إلى "الأفضل". وبالنسبة للقديس توما الأكويني، يمكن أن يكون الأمر كذلك فقط لأنهم موجهون من قبل كائن ذكي، مثل سهم رامي السهام. إذا تكيفت النباتات والحيوانات والبشر أيضًا مع ظروفهم الطبيعية وحولوا أنفسهم بطريقة تتكيف مع الظروف الجديدة التي يعيشون فيها، فذلك لأن الوكيل والإرادة يوجهان هذه التكيفات وهذه التحولات.

وهكذا يغير لون الحرباء لتندمج مع بيئتها وتحمي نفسها من الحيوانات المفترسة. وبالمثل، عندما تصبح البيئة ملوثة، تتغير خصائص الحيوانات التي تعيش في تلك البيئة حتى تتمكن من مقاومة هذا التلوث. وبالنسبة للقديس توما، يمكن أن تكون يد الله وحدها هي التي تحدث هذا التكيف.

، سيتناول فولتير هذه الحجة بطريقته الخاصة. يكتب عن الطريقة التي يعمل بها العالم قائلاً: "الكون يحرجني ولا يسعني إلا التفكير fهذه الساعة hgموجودة وليس بها صانع ساعات 6 •)) يعيد روسو أيضًا هذه الحجة في Emile إميل (إعلان إيمان نائب سافويارد): يقول إن انسجام العالم لا يمكن أن يكون نتيجة آلية عمياء من الضروري وضع الذكاء بالاعتبار كمصدر، لــ "إرادة قوية وحكيمة" الذكاء موجود في أصل تلك الآلية.

اليوم، غالبًا ما نأخذ هذا الدليل الخامس بالطريقة التالية. نلاحظ أولاً أن توسع الكون سمح بظهور كوكب واحد على الأقل يمكن أن تولد عليه الحياة، وهذا أقل ما يثير الدهشة. ويلاحظ أيضًا أن عملية تطور الحياة قد سمحت بظهور الإنسان ككائن حي يتمتع بالوعي، وهو أمر أكثر إثارة للدهشة. ونستنتج أن مثل هذا التعاقب للمعجزات، (وجود كوكب تكون فيه الحياة ممكنة، وظهور الحياة نفسها، وأخيراً ولادة الإنسان) لا يمكن أن يكون نتيجة مجرد صدفة لأن حدوث وتسلسل كل من هذه الظواهر الثلاث كان في الواقع غير محتمل تمامًا. نستنتج أنه إذا حدثت مثل هذه السلسلة غير المحتملة من الظواهر، فذلك لأن يد الله كانت تعمل وإرادته تتدخل. وهكذا فإن ظهور الحياة والإنسان سيثبت وجود الله. سيكون الله هو من يختار "الحركات الفائزة" كما تظهر، وعلاوة على ذلك، يجعلها تزدهر.

هل الدليل على وجود الله مقنع؟

ألا تبدو هذه البراهين على وجود الله مقنعة جدًا؟ ومع ذلك، يجب التأكيد على ثلاث نقاط. في براهين الله التي قدمها القديس توما الأكويني، يُقدَّم الله كتفسير لما لا يمكن تفسيره على نحو آخر في أعمال العالم. لكن يمكننا القول إن هذا التفسير قد قدم تفسير الله الذي لا يمكن تفسيره. وشرح ما لا يمكن تفسيره بطريقة لا يمكن تفسيرها وهو لا يعد بأي حال من الأحوال تفسيرًا.

فيما يتعلق ببراهين القديس توما الأكويني، يقدم كانط 7 ملاحظات مماثلة. يمكننا بالتأكيد، كما يقول، أن نأتي، بعد التفكير المنطقي، إلى فكرة "السبب الأول" و " المسبب الأول" في شرح وجود العالم وعمله، ولكن من غير المشروع استنتاج ذلك بأن هناك كائن من هذا النوع يعتبر هو السبب الأول وفق قديس توما، كما يقول كانط، إن القديس توما يمر مما "يمكن تفسيره ذلك فقط من قبل الله أي إن الله موجود وإن ذلك دليل "لوجود الله". إنه ينتقل بلا داع من المفهوم الضروري عقلانيًا لـ "السبب الأول" إلى الادعاء بأنه يثبت وجود الله. لمنح الوجود في ذاته لمفهوم يصل إليه المرء من خلال نهج منطقي وفكري، فهو اختراع. يضيف كانط نقطة أخرى بغية "تفكيك" ودحض براهين القديس توما .8 • يوضح القديس توما ضرورة وجود الله باعتباره السبب الأول باسم منطق يقول إن "كل تأثير يفترض سببًا يفترض بحد ذاته سببًا، إلخ. «، يمكن لمثل هذا المنطق أن يعرف الله بأنه السبب لكل ما حدث ويحث في العالم. ولكن في هذه الحالة، وباسم نفس المنطق، يجب أن نسأل أيضًا ما الذي تسبب بوجود الله. والقول بأن الله سببه هو حيلة غير منطقية مقارنة بالمنطق الذي أدى إليه. إن حقيقة كونك مجبرًا على الوصول إلى هذه اللا منطقية تظهر أن "الله" لا يمكن إثباته وتعريفه حتى النهاية وفقًا لقوانين المنطق. المنطق الذي ندعي باسمه تعريف الله وإثباته ينتهي به الأمر إلى إعلان التنازل في نفس اللحظة التي يحدد فيها الإله الذي يدعي إثباته. سنصل دائماً إلى التساؤل الجدلي من خلق الله إذاً؟

لنعد إلى الدليل الخامس للقديس توما الأكويني وعلى وجه الخصوص إلى ترجمته وما يسمى اليوم بالحجة الأنثروبية *: سيكون ظهور الحياة وظهور الإنسان تعاقب الأحداث غير المحتملة للغاية والتي كان من الممكن أن تحدث فقط لأنها كانت بقيادة يد الله الخفية. سيثبت ظهور الإنسان وجود الله.

يمكننا تحدي هذه الحجة بنفس الطريقة التالية. إذا اعتبرنا أن ظهور الإنسان يشكل معجزة، فذلك لأننا أنفسنا كائنات حية وبشر. هذا لأننا "في صلب النتيجة، بل نحن النتيجة ذاتها الذين نعتبر هذه النتيجة معجزة بعبارة أخرى هذه ليست معجزة في حد ذاتها بالمرة، أي هي ليست معجزة بأي حال من الأحوال.

دعنا نقدم بعض الأمثلة لشرح ما نعنيه ب "أن نكون في النتيجة". عندما صرخ المرتل في المزمور (مزمور 91، 7) لمرايا لأنه بينما قتل عدة آلاف من الناس بجانبه، ظل على قيد الحياة، لقد فعل ذلك لأنه بقي على قيد الحياة. الآخرون الذين قُتلوا لا يفعلون! ولأنه في حد ذاته نتيجة فرصة غير محتملة، فهو يعتبرها معجزة. مثال آخر. إذا كان في. من مجموعات البطاقات المرقمة من 1 إلى 9، أقتل 6، 8، 4، 2، أبكي معجزة لأنني ولدت في 6 أغسطس 1942 (6-8-42). النتيجة 6، 8، 4،2 يبدو لي صدفة غير محتملة للغاية، ولهذا السبب أعتبرها معجزة. لكن جاك الذي ولد في 28 يناير الخامس: أي؛ 1970، بالتأكيد لن. وإذا كنت قد بلغت 5، 9، 8، 4 (أو أيًا كانت المجموعة التي كانت)، فلن يكون الأمر بعيد الاحتمال أكثر أو أقل من 6، 8، 4، 2. في الواقع، يحدث ذلك بالصدفة، خروج أي مجموعة من الأرقام، وإما أنه بعيد الاحتمال للغاية، لكننا نصرخ فقط بحدوث معجزة عندما نكون "في النتيجة". يجب لذلك من الضروري التمييز بوضوح بين مفهوم «بعيد الاحتمال للغاية" و "معجزة". إن فكرة عدم الاحتمالية الشديدة هي فكرة موضوعية وعلمية بينما فكرة المعجزة ليست كذلك. أي شيء بعيد الاحتمال ليس بمعجزة. يجب أن نهتم بالنتيجة حتى نقول إن هناك معجزة.

يمكننا بالتأكيد أن نندهش، من أنه، منذ بداية أول ظهور للحياة على كوكبنا، كان من الممكن أن تؤدي عملية التطور إلى ظهور الإنسان. هذا بالتأكيد غير محتمل للغاية. لكن نفس العملية أدت إلى ظهور البعوض والكراب ووحيد القرن أيضًا، وهذا له طابع بعيد الاحتمال أيضًا. وقد يكون أيضًا قد أدى إلى ظهور نوع كان يمكن أن يكون في نفس الوقت أكثر ذكاءً من الإنسان، وأسرع في الجري منه، وقادرًا على سماع الموجات فوق الصوتية، وربما أيضًا، لماذا لا، أقل قسوة قليلاً وأقل وحشية وحربية أو عدوانية.

بعبارة أخرى، يمكن بالفعل اعتبار ظهور الإنسان بعيد الاحتمال، لكننا نعتبره معجزة فقط لأننا بشر. على مدى آلاف السنين، أنتج التطور مئات الآلاف من الأنواع، والتي كان لكل منها شيئًا فريدًا وغريبًا و "معجزة" (فكر في الطيور المهاجرة التي يمكن أن تجد طريقها إلى الوراء على مدى آلاف كيلومترات). باعتراف الجميع، كان من غير المحتمل للغاية أن يكون التطور قد أنتج الإنسان. ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فهو ينطلق فقط من قوانين الصدفة. فلو لم يظهر الإنسان أو اختفى لما كان هناك ليعتبر ظهوره ووجوده معجزة.

لذلك من المشكوك فيه تمامًا أنه يمكن للمرء أن يعتبر ظهور الإنسان دليلاً على وجود الله.

لننتقل إلى نقد ثالث أدلة القديس توما. لا تثبت هذه البراهين شيئًا لأنها تجادل بالإشارة إلى منطق العقل البشري وخاصة بالإشارة إلى فكرة السبب (يعتبر الله سبب وجود الكون والحياة والإنسان). يفترضون مسبقًا أنه يمكن فهم الله وتحديده وإثباته في النهاية، وأنه يمكن القيام بذلك باستخدام منطق أذهاننا الذي يفسر من حيث الأسباب والآثار. لذلك يفترضون مسبقًا أنه "يمكن معرفة الله على وجه اليقين من خلال ضوء العقل البشري 9". لكن لا شيء أقل يقينًا. إذا كان الله هو الله، فهو مستقل عن منطق أذهاننا. وبالتالي، لا يمكن إثباته من قبل الإنسان ومن خلال منطق استنتاجاته. هذا ما يقوله اللاهوتي البروتستانتي كارل بارث 10 (1886-1968). ويقول إن الادعاء بمعرفة الله، بل والأكثر من ذلك إدعاء إثبات وجوده، هو إثبات وجود إله على صورة ذكاء الإنسان. هو جعله ما يسميه الكتاب المقدس صنمًا، أي أن يقول إلهًا على صورة الإنسان وطريقة تفكيره. الآن ليس لدى الله أي شيء مشترك مع الإنسان. ولهذا السبب، بالنسبة لكارل بإرث، فإن الله في حد ذاته بعيد عن متناول الإنسان وبراهينه.

يجب أن نؤكد بالفعل على مفارقة غريبة: إذا ادعينا أننا قادرون على إثبات الله، فبعيدًا عن إثبات أنه ليس اختراعًا، نجعل منه اختراعًا أو اختلاقاً من قبل ذكائنا ومنطقنا. الإله الذي يمكننا إثباته هو إله وفقًا لمنطقنا. وإذا كان الله موجودًا، فهو بالتأكيد مستقل عن منطقنا ولا يمكن إثباته بمنطقنا. باختصار، إذا ادعينا إثبات أن الله ليس اختراعًا، فمن المؤكد أن هذا الإله التوحيدي الثيولوجي اختراع.

وبالتالي، فإن ما نتساءل عنه هو مبدأ النهج الذي يحاول إثبات وجود الله. إن الله الذي يدعي المرء إثباته يصبح، بحكم الواقع، اختراعًا من خلال حقيقة أن المرء يحاول إثبات ذلك.

من الممكن تعريف الله من خلال فهمنا. من ناحية أخرى، فإن الرغبة في إثبات وجوده بمنطق هذا الفهم ليست كذلك. يمكن أن يتم تعريف الله وفقًا لمنطق أذهاننا. لكن لا يمكن إثبات وجود هذا الإله بأي حال من الأحوال، ولا سيما من خلال إثبات يتبع منطق فهمنا.

بعد قولي هذا، لا شيء يستثني أو يمنع أنه قد يكون هناك إله هو السبب الأول لكل ما هو موجود، وهو خالق العالم والذي قاد تطور العالم حتى يظهر الإنسان. وبشكل أعم، لا شيء يستبعد احتمال وجود إله يتوافق مع ما نفكر فيه ونؤمن به حول هذا الموضوع، بيد أنه لا شيء يثبت عكس ذلك. ولكن، وبالمقابل، لا شيء يمكن أن يثبت ذلك إلا في حالة اكتشاف دلائل علمية قاطعة على عدم وجوده. ولا شيء يمكن أن يثبت أنه ليس من اختراع عقول الرجال.

هل إله المعتقدات الدينية مختلق؟

لقد فكرنا في السؤال حتى الآن "هل الله اختراع أو اختلاق بشري؟" بناء على التعاريف التي أعطيت لــ الله، ولا سيما من الميتافيزيقا ولاهوت القديس توما الأكويني. نود الآن أن نسأل أنفسنا عن نفس السؤال، ولكن هذه المرة عن تمثلات الله التي لدينا. وسنفعل ذلك باستخدام أسلوب نفسي أكثر.

دعونا نلاحظ أولاً وقبل كل شيء أن إله المؤمنين (وأيضًا اللاهوتيون الذين يصورون هذه المعتقدات) يتخذ أشكالًا مختلفة (يمكننا أيضًا أن نقول تمثيلات) والتي لا تتوافق دائمًا مع بعضها البعض. أكثر هذه المعتقدات شيوعًا هي إيمان الله الذي يجعل الكون يعمل (وربما خلقه). ولكن بجانب هذا الإله، هناك أيضًا الإله المعين الذي يُدعى عندما تسوء الأمور. إنه الله المخلص، الله الحامي، و الله المنقذ، وهو إله الرجاء. إنه أقل انتشارًا قليلاً من الأول ولكنه مع ذلك يتلقى العديد من الالتماسات. وأخيراً هناك إله الأخلاق. غالبًا ما يتخذ شخصية القاضي الذي يصف ويدين.

هذه الشخصيات الثلاثة لله مختلفة تمامًا حتى لو لم يكن المؤمنون دائمًا يفهمونها بوضوح. يقول ألبرت شفايتزر Albert Schweitzer ذلك بوضوح: "الإله الذي يكشف عن نفسه في داخلي يختلف عن الذي أميزه في الكون. يبدو لي في الكون كقوة غامضة وينكشف في داخلي كإرادة أخلاقية. في الكون، هو قوة غير شخصية، في داخلي يكشف عن نفسه كشخصية ... لدي شعور بأنهم في النهاية واحد، لكنني لا أفهم كيف 11 • "

لذلك، يمكننا أن نرى، لدينا تمثيلات عديدة ومتباينة عن الله. مشاعر مختلفة جدا. يمكن اعتبار هذا الأمر مزعجًا. لكنها تمثيلات يمكن أن تضعنا أيضًا على طريق سؤال، بالتأكيد محارب للأيقونات، ولكنه مع ذلك رائع: "ما هي الاحتياجات التي تلبيها طريقتنا في تمثيل الله؟" "أو بعبارة أكثر صراحة" ما هي الاحتياجات التي تلبيها طريقتنا في اختراع الله أو على الأقل تمثيلاتنا لله؟ ". نحن هنا نتعامل مع السجل المزعج، وبالتالي الاستخفاف بسيكولوجية الدين، لعلم نفس الدين. بل لابد من الاعتراف به إذا كان مؤمنًا ما يتصور الله بعدة طرق (ويؤكده لاهوت الثالوث من خلال تقديم الله وفقًا لثلاثة أقانيم مختلفة)، إذا كانت هناك صور مختلفة عن الله، فربما يكون ذلك بسبب حقيقة الله، لأنها ربما في الواقع، نفسها، متعددة الأوجه، لكنها أيضًا، على الأرجح كذلك، لأن للإنسان وظائف مختلفة * (يمكن للمرء أن يقول "مرافق" مختلفة). وظائف الله هذه، ومن ثم الطرق التي نفهمه بها، تلبي احتياجات مختلفة، وبالتالي يمكن "اختراعها" من خلال تلك الحاجات.

هل يمكن أن نفسر الله من خلال علم النفس؟

هل الله اختراع لبعض احتياجاتنا النفسية؟ للتفكير في هذا السؤال، سنأخذ كلًا من صور الله الثلاثة التي حددناها: الإله الكوني صانع الساعات العظيم، والملاذ الأعلى لله، والله الواعي الأخلاقي.

إن إدراك الحاجة التي يتم الوفاء بها من خلال الإيمان بالله الكوني أمر بسيط للغاية. إنه يستجيب للحاجة إلى شرح وفهم ما يبدو لنا غير قابل للتفسير وغير مفهوم. الوظيفة الأساسية للإيمان بالله، سواء بالنسبة للإنسان البدائي أو للإنسان اليوم، هي تقديم تفسير للعجب عن كيفية عمل العالم. أن يكون تفسيرا لما لا يمكن تفسيره. لذلك ينبع الإيمان بالله الخالق وصانع الساعات العظيم من حاجتنا لإيجاد تفسيرات.

سوف نتناول مسألة نشأة الإيمان باللجوء إلى الله (فادي الله ومخلصه) من مسار مختلف تمامًا: وهو استكشاف أهم رغبة لدى الإنسان. قد لا تكون هذه الرغبة رغبة في القدرة المطلقة، بل رغبة في علاج شعوره بالعجز. الإنسان في الأساس عاجز وبالأساس هو في حالة نقص. في الواقع، نحن نشعر باستمرار أننا في حالة من عدم التوازن وهذا هو السبب في أننا ندعو إلى المساعدة والرجوع من خارج أنفسنا. وبسبب هذا العمل اللامتناهي من الرغبة والافتقار والإحباط، أصبحنا نعتبر الله الملاذ الأعلى والأسمى. يوضح فرويد أننا نتوق إلى أب يتمتع بالقوة والقدرة، أفضل من أبينا الحقيقي، ينجدنا بكل قوة ويمكننا أن يلجأ إليه عندما نشعر بالضعف والرفض. إنه شعورنا بعدم الاستقرار واضطراب أفعالنا التي تنتج الندم، والشعور بهشاشتنا التي تثير فينا اللجوء الى فعل الصلاة الموجهة للعلي القدير وهذا هو معنى الصلاة في اللاتينية precaria بريكاريا في العصور الوسطى أي الضعف والهشاشة. يصرح الأنا الداخلي للمرء «يجب ألا تفعل هذا أو ذاك". وما يهم لغرضنا هو أن الذات العليا يمكن أن تشعر بها الذات كمثال خارجي عنها. وهكذا يسمع المرضى النفسيين، في هذيانهم، أصواتًا تبدأ بأفعالهم وتدينهم في النهاية. إنه صوت الأنا العليا "يتكلم" ويصدر "الصوت الكبير". ويمكن سماع صوت الضمير هذا مثل صوت الله، حتى عند الأشخاص العاديين. من جانبها، لا تدعي الأنا المثالية المحظورات بل المطالب. يختار من القيم الخلقية والأخلاقية التي يطلبها لي أولئك الذين يمكن أن يشكلوا المثل الأعلى الذي اقتبس فينا الصلاة الموجهة الى الله تعالى.

نأتي إلى الوظيفة الثالثة لله في الدين: أن يكون صوت الضمير الأخلاقي. وهنا، مما لا شك فيه أن نقطة فرويد هي التي تجعل من الممكن تحديد نشأة ووظيفة هذا الشكل الثالث من الله.

كما نعلم، بالنسبة لفرويد، الجهاز النفسي هو ينقسم إلى ثلاث حالات: الهوية والأنا والأنا العليا. وبعد ذلك سيميز فرويد الأنا العليا عن الأنا المثالية.

الأنا العليا تعلن المحظورات التي تمنع أفعالنا وتولد تأنيب الضمير وتملي أوامر من قبيل افعل هذا ولا تفعل ذاك أو هذا". والمثل الأعلى للأنا أيضًا، تمامًا مثل الأنا العليا، يمكن فهمه وسماعه على أنه كلمة قادمة من مكان آخر وتتحدث إلى الموضوع. وهكذا فإننا نعرض على الله وظيفة الأنا العليا ووظيفة الأنا المثالية. عندئذ يكون لدى الله وظيفة كونه ركيزة الأنا العليا والمثل الأعلى للأنا عندما يتم تلقي هاتين الحالتين وتصحيحهما من قبل الذات على أنها خارجية عنه. لذا، باختصار، الله العظيم هو الساعاتي الكوني تتمثل وظيفته بإعطائنا شرحًا لكيفية عمل العالم، ويجب أن يقدم لنا الله "المنقذ" المساعدة في حالة الخطر، ووعي الله أخلاقيًا فيما يتعلق بتحديد المحظورات والعواطف التي نعطيها لأنفسنا.

أي نوع من الخلاص بالنسبة لــ لله؟:

بعد هذه الملاحظات، قد يكون من المغري أن نستنتج أن الله الذي نؤمن به ليس أكثر من الاسم الذي أُطلق على اختراع ناتج عن احتياجاتنا النفسية وعملياتنا العقلية. لذلك قد يبدو من المرغوب به هو التخلص منه نهائيًا. ومع ذلك، ربما يكون هذا الاستنتاج متسرعًا بعض الشيء. فالنظر إلى الله بكل بساطة على إنه اختراع احتياجاتنا النفسية، بلا شك، مقيد إلى حد ما. يمكن أن يكون لها شريان حياة أو منصة إنقاذ من لله؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين يمكنك أن تجد منصة الخلاص هذه؟ سنفعل أولا بعض الملاحظات قبل محاولة الاقتراح.

يختبر بعض المؤمنين الله (في شكل إيمان أو إحساس بالغموض أو إحساس بالقدسية). هل يمكن اعتبار اختبار الله شكلاً من أشكال إثبات وجود الله؟ بداهة، لماذا لا؟ تجربة، تبدو على الأقل غير ذات صلة بالعديد من الاستدلالات الخادعة أو أكثر.

ولكن ما هو اختبار الله؟ لنكن واضحين، "تجربة" الله ليست بالضرورة اختراعًا لشكل من أشكال الاستجابة للاحتياجات. إنه شكل من أشكال المشاعر والحالة التي تثير فينا مشاعر تتعلق بالله اللامتناهي والآخرة وكذلك السر واللغز الغامض. المواقف التي تثير، بشكل أو بآخر، "تجربة" الله، ليست هي نفسها تلك التي تثير اللجوء وربما اختراعًا لإله يلبي الاحتياجات الثلاثة (الفهم، المساعدة، عمل الواجب) الذي حددناه سابقًا. المواقف التي تستشهد بـ "خبرة" الله هي: إدراك الموت وزوال الحياة، جمال الطبيعة، سماء المحيط الهائج، الوحدة، الموسيقى ... بينما التي تبعث الحاجة إلى الله هي: الكرب، اليأس، الخوف 13 •

ولكن هل اختبار الله دليل على أن الله ليس اختراع؟ للأسف، هذا غير مؤكد. في الواقع، قد تكون خبرة الله، ولا سيما التجربة الصوفية، ناتجة عن وجود مادة السيروتونين sérotonine في دماغنا، والتي ستكون قريبة من تلك الموجودة في العقاقير المخدرة (LSD، على سبيل المثال.). من شأن ارتفاع مستوى السيروتونين في الدماغ أن يزيد من درجة التدين. لذلك يمكن أن تثير التجربة الدينية عملية عصبية. وعلى الرغم من أنه لا يمكن للمرء أن يختصر أو يختزل خبرة الله إلى هذا، فإن الحقيقة تظل هي تجربة لا تشكل دليلاً على وجود الله.

دعونا ندلي بملاحظة أخرى: من الصعب أكثر فأكثر إثبات أن الله ليس انعكاسًا لأن المرء ينتقل من إله الروحانية إلى السبب الأول إله الميتافيزيقيا ثم إلى إله المعتقدات. إله المتدينين اليوم. في الواقع، يبدو أن الإيمان بأرواح الروحانية يمكن فهمه بسهولة. من ناحية أخرى، فإن الاعتقاد بأن الله هو إله ثالوثي، وفي نفس الوقت خالق الكون، ومخلص البشرية ومُلهم الضمير الأخلاقي يبدو أكثر إشكالية. وماذا لو اضطررنا أيضًا إلى تبرير أن لهذا الإله ابنًا، وأنه أقامنا من بين الأموات!

في حوالي ثلاثين قرنًا، انتقلنا من ديانة طبيعية إلى حد ما إلى معتقدات أكثر إثارة للقلق بشكل لا نهائي وأقل يقينًا. دعنا نقول ذلك بصراحة، سيكون من المرغوب فيه أن نحلم بنهاية لمفهوم أكثر تواضعًا وأقل دوغمائية، ولنقل، بمفهوم أبسط، عن الله.

دعونا نضيف نقطة أخرى. السؤال: هل الله اختراع؟ يطرح اليوم بطريقة جائرة كان لا مفر منها في الماضي؟ ليس من المؤكد أن الأمر كذلك. اليوم، السؤال الذي يهمنا هو بالأحرى "ما المعنى الذي يمكن أن يعطيه الله للحياة؟" ". ولمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، ليس من الضروري بأي حال من الأحوال افتراض أن الله له وجود في ذاته، مستقل عن البشر. اليوم، يبدو لي، أننا مستعدون لقبول رؤية فكرة الله بوضوح كإنتاج لأذهاننا إذا اعتبر هذا "الاختراع" ضروريًا ومفيدًا لتفسير الحقيقة. وهو أمر منطقي بالنسبة لنا.

من خلال أخذ هذه الملاحظة الأخيرة في الاعتبار، سنحاول الآن تحديد طريقة لتصور الله تعطيه معنى اليوم والتي يمكن أن تكون ذات مصداقية حتى بالنسبة للملحدين athées واللاأدريين agnostiques.

الله والنعمة المجانية من أجل لا شيء:

لذلك نود أن نسأل السؤال: ما المعنى الذي يمكن أن يكون لكلمة "الله" اليوم؟ ماذا نريد أن نعترف عندما نشير إلى كلمة الله في اعترافنا بالإيمان؟

سنقوم برد شخصي. ما نريد الاعتراف به هو "لا يمكن تفسيره" كشيء ــ فهو"لا شيء".

عوضًا عن تصور الله كما فعل القديس توما الأكويني، كمبدأ في شرح وجود العالم والحياة (بجعل الله السبب الأول الذي يفسر سبب وجود العالم والحياة)، أريد، على العكس من ذلك، أن أتخيله على أنه المبدأ الأساسي لحقيقة أن العالم والحياة هما بدون تفسير وبدون سبب. إن القول بأن العالم قد أعطانا الله هو الاعتراف بأنه قد أُعطي لنا ما لا يمكن تفسيره، أي مجانًا، لذلك يمكننا القول إن العالم موجود بالنعمة، وحتى بنعمة الله. إن القول بأنه موجود هناك بنعمة الله هو طريقة للقول إنه موجود بفضل نعمة التعسفي، الذي لا يمكن تفسيره، وغير المحتمل، وبالصدفة. إنه موجود بشكل من أشكال النعمة المجانية، أي بدون سبب وبدون مبرر وبدون ضرورة. أن نقول أن العالم والحياة هناك "بالنعمة" يعني أنهم موجودون هناك بطريقة سخيفة، بدون سبب ولأجل لاشيء*.

يمكننا أن نفهم لماذا بدوننا لا يوجد مبرر لفكرة الله. ويمكننا أن نضيف: بالنعمة. لا يجب أن يُنظر إلى الله على أنه تفسير لما لا يمكن تفسيره، بل يجب أن يُنظر إليه على أنه مبدأ ما لا يمكن تفسيره، والمكافأة وللأجل.

دعونا نشرح! كل شيء موجود دون أن نعرف السبب. السؤال "لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟" لا يزال السؤال بدون إجابة. العالم موجود، ولا يوجد بدون سبب أو مبرر. إنه موجود هناك دون أن نعرف السبب. إنه هناك "من أجل لا شيء" و "لأنه لا شيء". إنه موجود من خلال شكل لا يمكن تفسيره، من خلال شكل من أشكال التعسف (يمكن للمرء أن يقول "إنه كذلك لأنه كذلك") وحتى بشكل من أشكال العبث.

يمكننا أن نفهم السبب، دون أن نعرف ما هو التبرير والتفسير لنشوئه من هذا الوضع. "بالنعمة" تعني إذن "لا شيء"، أي "بدون أي تفسير لذلك، بدون أن يكون لها معنى، سبب للوجود *". علاوة على ذلك، بالمعنى الثاني، بالنعمة ولا تعني شيئًا "دون أن يطلب أي شيء في المقابل". هبة العالم والحياة من صنعنا عمل حر ونكران الذات.

وهكذا فإن الاعتراف بالإيمان يتألف من إعادة قراءة معطيات ** العالم والحياة كمعطى * من ناحية، ومن ناحية أخرى الفرصة والمتعذر تفسيره على أنه نعمة وهبة.

لذا فإن اعترافنا بالإيمان هو طريق لقول ما يمكن أن يدركه الإلحاد الأكثر تطرفاً بسهولة. إنها طريقة للقول بأن "هناك العالم" وأن وجود هذا العالم لا يمكن تفسيره، بلا سبب ولا شيء. العالم موجود هناك من خلال شكل سخيف لا يمكن تفسيره من المكافآت. هو هناك بالنعمة النقية. التبرير الوحيد له هو أن هناك كون موجود، بالنعمة الخالصة، أي بدون سبب.

وهكذا نجد لاهوت التبرير بفضل نعمة القديس بولس ولوثر. العالم ليس له مبرر في حد ذاته **. تبريره الوحيد هو أنه موجود وأن هذا الوجود قد أُعطي له. وهي تعطى له مقابل لا شيء وبالنعمة. لنأخذ مثالاً: التبرير الوحيد للشجرة التي توجد بلا شيء والتي لا فائدة منها هو حقيقة أنها موجودة وأن الوجود قد أُعطي لها، بدون مقابل، بالنعمة. النقية المحضة ***. وبالمثل، فقط والتبرير الوحيد لحقيقة أننا نعيش هو حقيقة أننا نعيش، وأن الحياة تُمنح لنا، وأنها تُعطى لنا مجاناً بلا مقابل وبالنعمة الخالصة.

وهكذا فإن شرعية فكرة الله والنعمة لا تنشأ من إثبات الوجود الأنطولوجي لله، ولا من تجربة، ولا من استجابة قد يعطيها هذا الله لاحتياجات النظام النفسية، ولكن فقط من اعتراف بمعنى اللامعقول ونعمة اللامعقول. إنه يشرح فقط حقيقة أن الحياة تُعطى لنا من أجل لا شيء وبالنعمة. لكن هذا يكفي.

الله والشيطان ومعضلة الشر:

خلق الله ادم واعترض ابليس عليه ثم أغواه ابليس ليأكل من الشجرة المحرمة، فجعل بذلك الخير والشر متصارعين الى يوم يبعثون فما هو السر في هذه المفارقة المقلقة؟

خصوصا بعد ان تساءل ابليس بما يسمى بالشبهات السبعة وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة: إنجيل لوقا ومرقص ويوحنا ومتى ومذكورة في التوراة اليهودي أو العهد القديم متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه.

قال كما نقل عنه: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة

قالت الملائكة: ما هي؟ وكم هي؟

قال إبليس: سبع

الأول منها: أنه – أي الله – إذا كان قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر وسيصدر عني ويحصل مني فلم خلقني أولا؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟

والثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف بعد ألا ينتفع بطاعة؟ ولا يتضرر بمعصية؟

والثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد ألا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد لآدم فلم لعنني وأخرجني من الجنة؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لم أرتكب قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟

والخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا فلم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم وبقي خالدا فيها؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بهم وأليق بالحكمة

والسابع: سلمت هذا كله: خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وإذا لم أطع لعنني وطردني وإذا أردت دخول الجنة مكنني وطرقني وإذا عملت عملي أخرجني ثم سلطني على بني آدم فلم إذا استمهلته أمهلني فقلت: (أنظرني إلى يوم يبعثون) (قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما بقي شر ما في العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟

قال: فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة

قال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة عليهم السلام قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت على بلماذا فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون

ويبدو ان الخير والشر الذي اجراه الله على ايدي الناس لسبب يعلمه هو.

ملخص المحاورة إن إبليس وقع بين سندان الإرادة الإلهية ومطرقة المشيئة الإلهية. فالله أراد منه أي يفعل شيئاً وشاء له ألا يفعل ذلك الشيء أي الأمر الإلهي بالسجود والنهي الإلهي بعدم الشرك وعدم السجود إلا لله. فخلق إبليس كان ضرورة إلهية .

حاول بعض متصوفة الاسلام ان يجيبوا عن هذا السؤال فقالوا ما معناه ان الشئ لا يمكن معرفته الا من خلال نقيضة فالنور لا يدرك الا بالظلام والصحة لا تعرف الا بالمرض والوجود لا يعرف الا بالعدم والانسان لا يستطيع ان يدرك الله الذي هو الحق الا إذا عورض بالباطل.

ومشكلة الشر تفسر عند المتصوفة على هذا الاساس فالشر في نظرهم ضروري لوجود الخير كما ان النور لا يفهم الا إذا وراءه الظلام.

وقد ذهب ابن خلدون الى ما يقارب الرأي الصوفي في مسألة الشر فهو يقول (قد لا يتم وجود الخير الكثير الا بوجود شر يسير من اجل المواد فلا يفوت الخير بذلك على ما ينطوي عليه الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم.)

والواقع ان هذا الرأي الصوفي - الخلدوني يشبه الى حد بعيد نظرية هيجل المعروفة علما انهم سبقوا هيجل بهذا التفصيل ولقد لخص هيجل هذا المنطق بقوله

(ان كل شئ يحتوي نقضيه في صميم تكوينه وانه لا يمكن ان يوجد الا حيث يوجد نقيضة معه)

 

إله الإيمان:

أدرك أن هذا التأمل في "هل الله اختراع؟" قد يكون محيرا. ماذا يغدو الإيمان البسيط بهذا؟

بالنسبة لي، لا يأتي الإيمان في نهاية تقييم عقلاني إلى حد ما للأسباب الجيدة والسيئة للاعتقاد. إنه اختيار متحيز لصالح طريقة لرؤية العالم والحياة ووجودي ووجود الآخرين. علاوة على ذلك، هو نفسه في مجال الخيارات السياسية التي غالبًا ما تكون بطابعها عاطفية، قريب جدًا من الخيارات الدينية.

وهكذا، فإن الإيمان هو أولاً وقبل كل شيء معنى يعني القدرة على التحدي المتجسد في الوعظ بيسوع المسيح. هذا التبشير يبشر بطريقة النظر إلى البشر على أنهم خطاة مغفور لهم، والعالم كهدية والحياة نعمة. من إعلان حقوق الإنسان1789. أؤمن بما تقوله وقررت أن أعترف بحقيقتها.

أوافق على أن هذه هي طريقة رؤية العالم. وأنا ألتزم بها بدون سبب معقول، بقرار من حيث المبدأ وبداهة. بالنسبة لي، الإيمان ليس عقيدة بل موقف مسبق متحيز حقيقة الاعتراف بالله تأتي من قرار شخصي.

إنه أمر يتعلق بالإرادة أكثر منه شعور. علاوة على ذلك، يقول القديس توما ذلك بنفسه لأنه يعرّف فعل الإيمان على النحو التالي: "فعل ذكاء يحدده طرف واحد تحت تأثير الإرادة". أما بالنسبة لباسكال، فقد اعتبر الإيمان رهانًا، أي التزامًا دائمًا، فعل إرادة يختار من خلاله الإنسان طريقًا، طريقه.

للخروج من مأزق عملية الخلق والسبب أو العلة الأولى ومعضلة تعريف ماهية الله وصفاته، والابتعاد عن المعارك والسجالات الكلامية بين الثيولوجيين والعلماء. جاءت نظرية تعدد الأكوان، وافتراضها وجود كون كلي مطلق عاقل وحي وفي حالة تطور مستمر إلى مالانهاية، هو مجموع العدد اللانهائي من الأكوان مثل كوننا المرئي، المكونة له، بما فيها نحن وباقي مكونات كوننا المرئي، والذي لا يشكل سوى مجرد جسيم أولي في نسيج الكون الكلي المطلق، على غرار الجسيمات الأولية كالكواركات والأوتار، في كوننا المرئي. حيث يمكننا اعتبار هذه الكينونة المنطلقة الكلية الحية العاقلة بمثابة الله، وبالتالي، لا وجود لجنة ونار ولا عقاب وثواب ولا يوم قيامة ويوم حساب، وكل الأطروحات والخرافات الدينية والثيولوجية هراء ومختلقة من قبل البشر. وهو كون لا بداية له ولانهاية، فهو موجد منذ الأزل وإلى الأبد، لم يخلقه أحد ولم يخلق هو أحد، وكل ما هو موجود في الوجود هو جزء منه ومن مكوناته فهو الوجود الوحيد الموجود في وحدة تامة.

 

د. جواد بشارة

........................

* يتحدث القديس توما الأكويني عن "طرق" ولكنه يستخدمها أيضا نفسها كلمة "دليل".

* "الانتروبيا"، من الكون اليوناني، سبب التطور

* "أنثروبي" يأتي من أنثروبوس، إنسان.

* هذه النقطة كافية في حد ذاتها لتفسير الميرا الزائفة الرئيسية في علم التنجيم والعلوم الإلهية الأخرى. نحكم على صحة ما تم توقعه من النتيجة.

* يعتبر اللاهوت الكاثوليكي أن للإنسان إمكانية معرفة الله (وربما إثباته) لأنه يشترك في شيء مع الله: الوجود. لكن كارل بارث يعتبر أنه لا يوجد تشابه بين الإنسان والله.

** ولكن لكي يكون منطقياً مع نفسه، كان على كارل بارث أيضًا أن ينتقد، بنفس الطريقة، حقيقة أننا يمكن أن نعتبر أن الله يحب البشر والعدالة، وأراد التحالف مع إسرائيل..

* قد تكون كلمة "وظيفة" مفاجئة. نتحدث عن "وظيفة" الله (يمكن للمرء أيضًا أن يقول دور الله) قليلاً حيث يمكن للمرء أن يتحدث عن وظيفة الأساطير أو الطقوس أو الرموز.

* أظهر علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس الدينيون أن الإيمان لا يمكن إلا أن يتشبث بما هو غير منطقي وغير مفهوم وغير قابل للتفسير وفقط بما لا يمكن تأكيده وإثباته. ومن خلال أخذ هذا الدرس في الاعتبار، يمكننا تعريف الله على أنه مبدأ ما لا يمكن تفسيره والذي يظل غير قابل للتفسير.

* لا يخبرنا الكتاب المقدس لماذا خلق الله العالم أو لماذا خلق الإنسان. يمكننا القول أن الخُلق العالم والإنسان "لمجد الله"،

وهي طريقة ترنيمة لقول "لا شيء".

** وجود العالم ووجود الحياة "عطايا" ولدت "، أي الحقائق التي لا يمكن التشكيك فيها.

* الصفقة تميز عمل إعطاء وتداول البطاقات، وكذلك البطاقات التي تم منحها للاعب. نقول "صفقة جيدة في متناول اليد".

** يمكن للمرء أن يقول أيضًا: العالم في حد ذاته عبثي.

*** كذلك حياتنا ليس لها أي مبرر

حتى في. لا يمكنها الحصول على أي منها. لا يمكننا التبرع

التبرير الوحيد لحقيقة أننا نعيش هو حقيقة أننا نعيش، وأن الحياة تُمنح لنا، وأنها تُعطى لنا بلا مقابل وبالنعمة.

وهكذا فإن شرعية فكرة الله والنعمة لا تنشأ من إثبات الوجود الأنطولوجي لله، ولا من تجربة، ولا من استجابة قد يعطيها هذا الله لاحتياجات النظام. نفسية، ولكن فقط من اعتراف بمعنى اللامعقول ونعمة اللامعقول. إنه يشرح فقط حقيقة أن الحياة تُعطى لنا من أجل لا شيء وبالنعمة. لكن هذا يكفي.

* الصفقة تميز عمل إعطاء وتداول البطاقات، وكذلك البطاقات التي تم منحها للاعب. نقول "صفقة جيدة في متناول اليد".

** يمكن للمرء أن يقول أيضًا: العالم في حد ذاته عبثي.

*** كذلك حياتنا ليس لها أي مبرر

حتى في حالة لا يمكنها الحصول على أي منها. لا يمكننا التبرع

بأنفسنا (من خلال أعمالنا أو أفعالنا أومن خلال التجارب التي يمكننا الحصول عليها) معنى لوجودنا. ولا يتعين علينا محاولة القيام بذلك. نحن علينا أن نعمل في هذا العالم "من أجل محبة الله"، وهي طريقة لقول "بدون مقابل" مجانًا.

 

يقدم لنا إبن خلدون في عمله المتكامل، المقدمة، نظريات متعددة الاتجاهات والمواقع. حيث تمثل المقدمة كثافة انتروبولوجية أغناها المؤلف بالقوانين الشاملة والجزئية لتوصيف الحال المعاش والأحوال المرتقبة حسب قانون المشاهد والملاحظة وقياس الغائب بالشاهد. ورغم أن الوضع الحالي لا يشبه الزمن الخلدوني، كما ان تطبيقه الجزئي علي المنطقة الاسلامية عامة واقليم المغرب، ولكن حسب الزمان ذلك، يمثل امتثالا لحالات تتكرر بالمنطق الخلدوني المفعم بالتجارب والابحاث المتواصلة.إذن النظرية الخلدونية عمل مشهور عالميا، لم يؤكده علماء العرب والاسلام بل استشهد بها حتى علماء الغرب منذ مترجمي المقدمة حتى دارسيه.من البارون دي سلان حتى يف لاكوست وجاك بارك وغيرهم. فالمؤدي لنظري للخلدونية، تمكن التآلف حتى مع تطور المجتمعات الغربية في القرون الوسطى، حيث كانت القبائل الجرمانية والسلافية والافرنجية تهاجم مواقع المدن لتغير السلطة وتقيم دولا جديدة.

لقد كانت الفكرة العامة التي قادت ابن خلدون إلى تأصيل قوانينه، هي فكرة بناء الحضارة، وأركان تأسيسها ومراحل نموها، التي هي ثلاث تبدأ بالبناء ثم الازدهار ثم السقوط، ولكن ماذا يقف وراء ذلك؟

حسب ابن خلدون إن الإنسان مدني اجتماعي بطبعه، وهو دائما في حالة بحث عن التطور والكسب المضاف.و هو يعيش في حالة تقليدية مع العائلة والقبلية التي نما فيها وكبر.والحياة القبلية تنتج روح نفسية واجتماعية تحكمها عاطفة متأججة لحماية الإرث والنسل والمعاني الاجتماعية والثقافية لتلك القبلية.وهي بذلك رابطة العصبية التي تعايش روح الفرد والمجتمع بكافة تمثلاته.فهي رابطة اجتماعية وثقافية ودموية.وهي تعبر عن تماسك متنامي لأفراد تلك القبيلة وحماية رموزها وقوانينها وأملاكها وبالتالي يقوم أفرادها بالنزوع إلى القوة ضد الأجنبي والدخيل وبالتالي المقاومة والحرب على كل من يتجرأ للطعن في كرامة وشرف الجماعة المتعايشة في ظل قواعد وتراتيب للحياة المتعارف عليها وهذا يسهله زعيم أو رئيس القبيلة يمثل الموجه والمرشد والحكم في كل الامور الاجتماعية والسياسية وهذا ليس معناه ان يكون فقيها وإماما في كل الحالات، بل تفرضه الرأسمال الثقافي، والجاه والزعامة البطولية لبعض الأشخاص.

هنا تنطرح علينا مسألة مواجهة الغير من طرف القبيلة في صفة مقاومة لغزو خارجي.تؤججها الحمية القبلية والزعامة الفردية لبعض الأشخاص.لذلك يخضع الأفراد لأوامر الزعيم من خلال مشورة جماعية للكبار وأهل الحل والعقد.وقد يكون ذلك الفعل مجرد مقاومة للتوقيف والطرد والإبعاد، وقد تكون نهاية الأهداف وهي القضاء على سلطة المعتدي وقوته، وربما يكون المعتدي يمثل جهاز دولة، فتصبح المقاومة حربا ضروسا لتأسيس دولة أخرى، من خلال الوعي السياسي والثقافي الذي تملكه القبيلة في نظم الحياة.هنا تندرج الأطروحة الخلدونية، في أن البداوة أصل العمران، وتقوم الدولة بعد هجوم البدو على الحضارة الفاشلة، لكي يؤسسوا دولة لاحقة تبدأ بقوة حربية متماسكة.

خاتمة

رغم المجادلات حول نظرياته من طرف الجابري وطه حسين والوردي وحسن حنفي وغيرهم، إلا إن الوصف الجديد والإنجاز العلمي الدي تعمق في الديناميكا الإجتكاعية قد وضع مبددات الطمس الخرافي والهتر التعقلي المتكدس عبر الأزمنة المفقودة، لدا تم إكتشاف تلك الكثافة الأنتروبولوجية في مباحثه، حول السلوك والبناء والعلم والتسيير اليومي للحياة، لكن يجب فهم مقولاته ونظرياته حتى لا نسقط في التعسفية الفكرية والإستنباطية ونربط عقولنا خارج الزمن لأن التطو الحداثي جعل العالم قرية واحدة.وفتح مجالات الفعل والعمل وبناء الحظارات بعيدا عن التعكلف الحلزوني والتقوقع البيولوجي والفيزيائي لأن الإنسان عالمي بطبعه.

 

أ.عتيق العربي - الجزائر       

 

 

اكرم جلالإنّ أخلَقَة العمل السياسي وإيجاد منظومة من القيم الأخلاقية، تكون حاكمة للفكر والمنهج والسلوك السياسي، كانَت ولا زالت تُمثّل تَحَدّياً يُلاحِقُ عُلماء الدين والاجتهاد وأساطين الفكر والفلسفة، حيث أولت المدارس الفلسفيّة عبر الأزمنة اهتماماً بالغاً بمفهوم الأخلاق واجتهدت بتقديم أُطرٍ أساسية ووضع مُحددات أصولية يَتِمّ مِن خلالها تقديم تعريف للأخلاق، يكون بمثابة مِعيار وميزان يحدد طبيعة العلاقة بين الأفراد والمجتمعات.

ولأنّ الفلسفة، كما يَحلو للبعض وَصفها، أنّها " تساؤل وتفكير وتفكير وتساؤل "، فإنّ السُؤال الذي مازال يُحلّق فوق رؤوسنا، يبحث عن جواب في ثنايا المنهج الفكري والأبستومولوجيّ، ويلاحق الحقيقة أينما كانت، ويسعى لفتح باب للولوج نحو فَهمٍ أوسعٍ لِمَفهوم الأخلاق في عالم السياسة هو:

ما هي حدود الواجب الأخلاقي في العمل السياسي؟ وهل المصلحة السياسية تستدعي وجود أخلاقيات مطلقة ودون حدود؟ أم أن الأخلاق في علم السياسة نسبيّة، تَخضع لمعايير الزمان والمكان وطبيعة التحدّي ونوع القرار؟ وهل هي كما يصفها السفسطائي ثراسيماخوس من أنّها "مجموعة قرارات وقيود، يفرضها أصحاب السلطة والقوة على شعوبهم البائسة؟".

واجَه سقراط مُعضلة وتحدياً في إقناع ثراسيماخوس السفسطائي أثناء حواره "في الجمهورية"، حيث كان الأخير قد أعلَنَ وبغضبٍ شديد أنَّ "القوّة هي الحق وأنّ العدالة هي مصلحة الأقوى"، ويعني بذلك أنّ التمسّك بالأخلاق هي من الأمور الفادحة والتي سيجني الفرد والمجتمع ويلاتها، فالشّخص السارق والمُرتشي يَجني أكثر مِنَ الشخص المُتمسّك بالأخلاق، والذي يُطبّق القانون ويدفع الضرائب تراه يعاني الفقر، بينما الفاسد والسارق يكسب الأموال الطائلة من خلال الإحتيال والإحتكار التجاري ويتهرّب عن كلّ التزامٍ ماليّ وليضرب بذلك الأخلاق عرض الحائط. وفي نفس السياق نرى ثراسيماخوس يسخر من السياسي النزيه، ويتّهمه بالخسارة حينما يُظهر الحقائق كما هي دون تلفيق أو تزوير، في حين ترى الفوز للمزورين الذين لا يعيرون للحقيقة ولا الأخلاق أيّ وَزْن.

أراد أفلاطون، وعلى لسان سقراط، في نهاية الفصل الثاني مِنَ الجمهورية، أنْ يُوضّح أنّ الأخلاق إنّما هي فعل الخير لذاته أولاً ولعواقبه ثانياً، ثُمّ يُكمل حديثه بسرد قصّة الخاتم السحري الذي عثر عليه گيگس الراعي، وكيف أنَّ نفسه طوّعت له قتل الملك والزواج بالملكة، وَلِيُتوّج في اليوم التالي ملكاً على مملكة ليديا. وهذا ما أثاره كولكون، رفيق سقراط، لأولئك الذين يرفعون راية الأخلاق، هَلْ سيرفضون خاتم گيگس، وهل سيترددون في الإقدام على القتل من أجل المُلك؟

لَقَد حُوصِرَت جَبهَة سقراط من كلّ الجهات، فهذا الفيلسوف الألماني فردريك نيتشة يقول: "حقاً أنني أسخر كثيراً من الضعفاء الذين يفكرون أنفسهم صالحين، لأنهم ليس لديهم مخالب لينبشوها"، وقول الفيلسوف شتيرنر "حفنة من القوة خير من كيس من الحق؟"، كلها تدعونا لتكرار سماع حوار السفسطائي كاليكلس مع سقراط وهو يستنكر الأخلاق ويعتبرها بدعة من اختراع الضعفاء؛ ثم لا ننسى مثالية روسو وقوله: " فأيّ حق يزول بزوال القوّة؟ ".

هذا وميكافيللي يرددها بأعلى صوته في كتابه "الأمير"، أنْ يا أيّها الأمير لا يجب عليك أن تكون مؤمناً خلوقاً رحيماً أو حتى إنسانياً في صفاتك وأفعالك، بل يجب عليك الحذر كلّ الحذر، وأن تحرص على جَمع هذه الصفات وتزيد عليها حينما تظهر أمام رعيّتك.

أمام جميع هذه الآراء والتحدّيات يبقى سقراط مُطمئناً ثابتاً راسخاً مؤكداً أنّ الجميع إنّما يسعى خَلْفَ "اليودايمونيا"، تلك المفردة اليونانية والتي تعني السعادة والرخاء والإزدهار، لكنّهم غافلون عنِ القِيَمِ والمُثل العُليا الصفات الخَيِّرة المُرتبطة بالعقل والروح والتي هيَ الأساس في بلوغ اليودايمونيا، لذلك نراه قد وجّه نَقدَه اللّاذع إلى الإثينيين نتيجة وَلَعِهِم بالغنى والشرف وإهمالهم للقيم الروحية.

لقد شخّص سقراط عِلّة السقوط الخُلُقي وأوعَزَه إلى الجّهل بطبيعة النّفس البشرية والتي أساسها عدم فهم طبيعة المدينة، أو بمعنى آخر، يقول إنَّ إنشاء المدينة الفاضلة لابُدّ وأن يبدأ مِنْ فَهمٍ للنّفس الفاضلة، وهذا سَبَب تَمَسّكه بالأخلاق والفضيلة.

وبموضوعية أكثر، يشير أفلاطون أنّ سقراط قَد حدّد الطبقات التي بها تقام المدينة الفاضلة؛ فالأولى هُمُ الحكّام الحُكَماء، مِمّن تَشَرّبوا الفلسفة وارتَووا مِنْ عَذْبِ زُلالها وتسلّقوا مدارج الفكر، والثانية طبقة الجُند أولئك الذين عليهم أنْ يَتَسلّحوا بالحدّ الأدنى من الوعي الفلسفي لكي يتمكّنوا مِنْ أنْ يُمَيّزوا بين الصديق والعدو، وأما الطبقة الثالثة فهم الطبقة الكادحة من أفراد المجتمع وهؤلاء عليهم الإلتزام بقوانين الطبقة الحاكمة من أجل تثبيت الأمن وكبح جماح الشهوات النفسية والغريزية.

والأخلاقُ، كما رآها سقراط، هِيَ المعيار في نشوء المدينة الفاضلة والتي أساسها هو الإنسان الفاضل، والذي يمتلك طبقات كطبقات المدينة الثلاثة، عقلٌ وروح وشهوة، فالحِكمَة والأخلاق حينما تسود العقل سيبلغ مرتبة الفضيلة وحينما يمتلىء العقلُ بالشهوةِ سيفسد وسيخرج من الإنسانية الفاضلة إلى الغريزية الحيوانية.

وأخيراً ومِنً أجل أنْ تَكتمل الصورة لابُدّ من الإشارة إلى أنَّ الأخلاق والكمال والفضيلة جميعاً أساسها الوعي المعرفي، وأنَّ الإنسان حينما يبلغ مراتبَ مَعرفة الحقّ فإنّه سيسير في طريقه وينتهج منهجه، وأمّا أولئك الذين سَلَكوا طريق الضّلال والباطل فإنّ شَهَوات أرواحهم قد أعمَت أبصارهم وبصائرهم عن معرفة الحق فتاهوا في ظلمة الجّهل.

والمدينةُ حينما يَسود الجُّهال طبقاتها الثلاث تَيَقَّنْ أنَّها تَسير نَحو الهاوية، وحينما يَخلوا الحاكِمُ والمَحكوم والحامي مِنَ الحِكمَة فاعلَمْ أنَّ الفَضيلة قَدْ ضاعَتْ وَحَلّت مَكانها النَقِمَة.

 

د. أكرم جلال

 

محمد كريم ابراهيمهناك فهم خاطئ ومتوهم وغامض وناقص لمفهوم الحضارة في علوم الإنسانية والاجتماعية والآثار. كلمة الحضارة التي نرددها دائماً بين حين وآخر كمرادفة ربما لكلمة المدينة والمجتمعات المتقدمة في حياتنا العادية، فإننا يجب علينا تعريفها تعريفاً دقيقاً شاملاً في العلوم الأنثروبولوجيا (علم دراسة الإنسان) والتاريخ، وعندما يأتي الأمر لدراسة مجتمعات البشرية التي أما وصلت أو عجزت عن الوصول إلى تلك المبتغى. يساعدنا مفهوم الحضارة على تقييم الدول والمجتمعات مع معايير علمية لمعرفة مدى تطورها من قاع القواعد حتى أعلى المراتب.

مصطلح الحضارة في علم الأنثروبولوجيا يمكن أن يُشبه بمصطلح الإنسان في علم الأحياء. إلا أن الحضارة تتكلم عن المجتمعات بدلاً من الإنسان، ونواة الحضارة هي العائلة بينما نواة الإنسان مكون من الخلية. لذلك لتعريف الحضارة وتحديد خصائصها أهمية كبيرة جداً (كأهمية تعريف خلية في الأحياء) في علوم الاجتماعية التي تدرس المجتمعات والحضارات العريقة القديمة والمعقدة الحديثة.

على الرغم من أن تعريف الحضارة في تلك العلوم خاطئة وناقصة، إلا أننا هنا نقوم فقط بنقد خصائص الحضارة التي وضعها علماء الأنثروبلوجيا والتي أثبتت نظرياً أو عملياً عدم إنسجامها مع الأدلة القديمة والحديثة. قام المؤرخون بتحديد عدة مزايا للحضارة من أجل تمييزها عن المجتمع البشري عادي. نبدأ من مزية الأكثر ضعفاً وعرضةً للتهميش نحو المزايا التي تبدو وكأنها توصف الحضارة ولكنها في الأساس تقصر في شمل جميع الحضارات تحتها.

أولاً – يتواجد في جميع الحضارات فنٌ من نوع ما: واضع هذه المزية هو شخص قصير البصر وطويل اللسان. حيث رأى مجتمعه الحالي الذي لا يكاد يخلو من الفنون البشرية من الرسم والرقص والعمران، ثم قرأ التاريخ بما يكفي ليفهم أن الحضارات السابقة المدونة كانت لديها نوع من الفن كالمنحوتات الإغريقية والأشعار العربية والروايات البابلية، حتى وصل به عقله إلى وضع الفن كمعيار أساسي لأي حضارة بشرية وجدت على الأرض. ونرد على هذا الشخص بالقول إن أسس الحضارة لا يقتضي عليها تواجد الفن فيها وعند أهلها. يمكنك إزالة جميع الفنون البشرية من بداية التاريخ حتى اليوم فلن ترى أي تأثير على تركيبة الحضارة وتقدمها وتوسعها. وجدت الفنون لكي يريح العقول المختلة الذين يتألمون في الحياة دون القدرة على تغيير حالهم الواقعي فيلجأون إلى الخيال وتحوير الحقيقة. وربما قامت تلك الفنون بالتلاعب في بعض ردات الفعل البشرية على مر التاريخ مثل قيام القبيلة بالغزو أو بأخذ الإنتقام من قبيلة أخرى بسبب الشعر الذي حفز عواطفهم، أو بناء الشخص القارئ للقصص حياته على نحو تلك القصة، أو سد المعماري طريق الناس بسبب عمرانه التي تزين المدينة. إلا أنها جميعاً – من النحت والرسم حتى الرقص والعمران – لم تضف أي قيمة حقيقة مادية أو لم تأتي بتغيير مفيد للفرد ناهيك عن الحضارة.

ثانياً – جميع الحضارات لديها نوع من الكتابة: هذه الخاصية للحضارة أصبحت قديمة وغير معترفة بالأصل بعد اكتشاف حضارة الإنكا في أمريكا الجنوبية التي لم تلجأ إلى الكتابة إطلاقاً. لكن لا تزال الأغلبية تظن بأن بدون الكتابة اليوم، تصبح الحضارة بلا قيمة ومعنى ولا ذات عمر مديد ولا يمكنها حتى إيصال المعلومات الهامة إلى الجيل القادم. أرد عليهم بالقول إن الكتابة أصبحت منتهية الصلاحية في عصرنا التكنولوجي التي تبدو في سطحها على إنها أضافت على قيمة الكتابة ولكنها في الحقيقة تتجه نحو الأعتماد على الصوت والصورة بدلاً من الكتابة لنقل الأفكار والتجارب والأحداث. بالإضافة إلى ذلك، إن الكتابة لم تظهر من طبيعة الإنسان الوراثية، فلا يمكن لأحد أن يجيد الكتابة كما يجيد المشي عند النمو، بهذا يمكننا المجادلة نظرياً بالقول إنها لن تظهر في جميع الحضارات التي وجدت غرضاً آخر لإيصال وحفظ الأفكار. إذاً، الحضارة لا تشترط عليها إطلاقاً تواجد الكتابة كعنصر أساسي في نقل معلوماتها زمانياً إلى الجيل اللاحق ومكانياً إلى الأشخاص البعيدين.

ليس من ضروري للحضارة أن تكتب معلوماتها في شيء من البيئة لغرض تفادي مشكلة النسيان أو عدم تحمل عقل الإنسان لخزن معلومات هائلة. يمكن للحضارة أن يخصص بعض الناس للحفظ ويجعل كل واحد منهم يحفظ ما تيسر من المعلومات ومن ثم الآخر ومن ثم الآخر. فبذلك يكون الحضارة قد حفظ معلوماته في عقول أهله من دون اللجوء إلى الكتابة. ولكن الكتابة هو شيء أيسر لأعضاء الحضارة ويقدر أن تجنب كثير من الطاقة والتعب المصروفة لغرض خزن المعلومات.

ثالثاً – كل الحضارات لديها دين معين: ربما تطورت تلك الفكرة قبل القرن العشرين التي برزت فيها ومن بعدها حضارات علمانية لا تنتمي لأي دين بالرغم من كون أغلبية أفرادها في دين معين. والحضارات الأخرى القديمة لم تكن لديها أي شيء تقدسها، ولكن لا يمكننا علمياً الحكم عليهم بمجتمع غير متحضر، لأنهم تواجدوا ازدهروا وتطوروا. الأديان باستطاعتها أن تساعد في خلق أهداف للحضارة وحوافز لأهلها وبنايات في أرضها إلا أنها لا تعد ركيزة من ركائز الحضارة.

رابعاً – تتمتع الحضارات بنظام سياسي: ليس كل الحضارات لديها أنظمة سياسية تفرض عليها قوانين وتشريعات ينظمها ويشكل مجتمعها، ولا هي ضرورية في إدارة يوميات الأفراد فيها. هناك بعض من أساتذة علوم السياسة يؤمنون بأن المجتمع لا يُنظم إلا بوجود قائد أو قيادة مركزية تقودها نحو الأمام وتمنع رجوعها نحو الوراء. أقول لهم إن تفكيركم لا عيب فيه ولكن هذا لا يجعلنا نأخذ السياسة كنظام أساسي يتوجب تواجدها في جميع الحضارات. كذلك بعض العلماء والمؤرخين المتحزبين والمتعاطفين مع جهات سياسية معينة يأخذون وجود نظام السياسي في الحضارات كشيء ممنوح معترف لا بد منه. وذلك لأنهم يخافون من المتطرفين اليساريين الذين يؤمنون بنظرية اللاسلطوية ويريدون تشييعها. نقول إن الحق أجدر أن يقال إن النظام السياسي والقيادة والطبقة السياسية بأكملها يمكن أن تلغى من أي حضارة مع بقاء تركيبة الحضارة وأسسها ثابتة وممتدة. ليست هناك ضرورة في وجود وعيٌ يرشد المجتمع نحو طريق ما، وينظم ديناميتها، ويتحكم بردات فعلها. بعد اعترافنا بعدم ضرورة وجود نظام السياسي في خصائص الحضارة، يجدر بنا القول إن وجودها يضفي أفضلية للحضارة ويسرع من نموها ويصقل تركيبتها.

خامساً – مجتمعات الحضارة تكون طبقية: قليل من الأشخاص يظنون بأن طبقات الاجتماعية بأنواعها من طبقة الأغنياء وطبقة الحاكمة وطبقة الفقراء وطبقة العمال وغيرها من طبقات هي من اختراع البشر ليست ضرورية لوجود الحضارة بنفسها. ويقال نفس الكلام على تقسيم العمل، فهو من صنع الإنسان لترتيب مجتمعه ومنح كل فرد فيه لوناً وظيفياً واحداً. يمكن لأي إنسان القيام بأي عمل آخر أو التدخل في أي مجال يحبه ويرغب فيه وكذلك ترك ما قيده عليه دراسته ليختص في مجال وظيفي ضيق؛ التصلب الوظيفي هو حالة مخترعة وهمية ليس مخلوقاً من جوهر طبيعة الإنسان. يستطيع العالم الواضع لهذه الخاصية مجادلة إذا ما كان ظهور الطبقات الأجتماعية المعقدة شيءٌ حتمي في مسار تطور الحضارات، لكنه لا يستطيع أن يفرض تلك الخاصية على الحضارات بأكملها. تصور بداية الحضارة في ذهنك، يمكنك بالفعل رؤية الإنسان البدائي يقوم بعدة مهام مختلفة في يومه، فتارة يعمل في الفلاحة، وتارة أخرى في تربية الحيوانات، وتارة في الصيد، وتارة في الحماية والدفاع عن النفس. الإنسان البدائي اليوم يمكن أن يعتبر إماماً وطبيباً وفيلسوفاً وجندياً وتاجراً وفلاحاً وفناناً ومهندساً، على العكس الإنسان المعاصر الذي يتخذ وظيفة واحدة طيلة حياته ويتمسك بها ويخاف من الخروج منها نحو المجالات الأخرى لأنه يظن بعدم انتمائه إلى تلك العلوم أو الفنون. فالعالم يخاف من أن يصبح فناناً والفنان يخاف من أن يصبح عالماً. تلك القيود المتوهمة هدم حياة العديدين من الأشخاص الموهوبين في عدة مجالات حياتية.

يجب الإعتراف في الأخير إن هؤلاء العلماء قد أجادوا بعضاً من القواعد التي وضعوها لتعريف الحضارة. مثلاً قولهم بأن الحضارة يجب أن تتمتع بأعداد وكثافة سكان عالية، فلا يمكن لشخص أو شخصين أو حتى عائلة من تكوين حضارة مخصصة لهم. وكذلك بقولهم إن كل حضارة لديها نوع من العمران والآثار التي صنعتها مجتمعاتها بالتلاعب في مواد البيئة، وهذه البنايات قد تكون ملاجئ أو مخازن أو مكان عمل.

أقول في الخاتمة إن عدم تعريف الحضارة تعريفاً دقيقاً وشاملاً هو المسبب الرئيسي في تضمين تلك الخصائص التي تنطبق على بعض من الحضارات أو أغلبيتها لكنها تعجز عن وصف الحضارة بمفهوم كامل وعلمي. لو بدأنا من البداية اختزلنا جميع تلك الخصائص المذكورة من الحضارة البشرية، لما رأينا أي نقص في بنيتها وتقدمها وأفعال مجتمعاتها.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

عبد الجبار الرفاعيالاستبدادُ بنيةٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ وثقافيةٌ ودينيةٌ واقتصاديةٌ وسياسيةٌ عميقةٌ، تظهر آثارُها النفسية والسلوكية على كلِّ إنسانٍ في المجتمع. الاستبدادُ كالسرطان الذي يتفشى في الجسم البشري، فلو انتشرت خليةٌ منه تفتك بكلِّ ما تصل إليه. سلطةُ الاستبدادِ نسيجٌ اجتماعي معقدٌ، تعملُ كلُّ مؤسساتِ الدولة على توليدها، ويوظِّف المستبدُّ بخبث أفرادَ المجتمع لحياكة سلطته، كلٌّ حسب مهنته ومهارته وطاقته.

الاستبدادُ بنيةٌ تحتيةٌ صلبةٌ متكلّسة، نراها ماثلةً في العائلة، والمدرسة، والمجتمع، والدين، والثقافة، والاقتصاد، والإدارة، ومختلف مؤسسات الدولة. الاستبدادُ عدوُّ الفردية، لا يعرفُ الاستبدادُ معنىً للحقِّ في الاختلاف، ولا يعرفُ معنىً للحقِّ في الخطأ، ولا يعرفُ معنىً للحقِّ في الاعتراف بالخطأ، ولا يعرفُ معنىً للاعتذار عن الخطأ، ولا يعرفُ معنىً للغفران.

لا تنشدُ التربيةُ والتعليمُ في الاستبدادِ تعليمَ التفكير، والحقَّ في الاختلاف، والحقَّ في الخطأ، والحقَّ في الاعتذار عن الخطأ، بل تنشدُ تكريسَ الطاعةِ والإذعانِ والرضوخِ والعبوديةِ الطوعية، عبر تنميطِ الشخصية، وإنتاجِ نسخ بشرية متماثلة، تفتقد ملامحَها الخاصة، فيتوالد الاستبدادُ بوصفه نتيجةً طبيعيةً لكلِّ ذلك.

المجتمعُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الثقافةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، الاقتصادُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الأخلاقُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، السياسةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، الحزبُ في الاستبدادِ استبداديٌ، الجماعةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، العائلةُ في الاستبدادِ استبداديةٌ.

ويشدد مونتسكيو على أن: "الدينَ في الاستبدادية هو بحد ذاته استبداديٌ، إنه خوفٌ مضافٌ إلى الخوف"1 . وهكذا يكون التديّنُ في الاستبدادِ استبداديٌ، إذ ترتسم صورةُ الله لدى الناسِ بصورةٍ تشتقّها المخيلةُ من صورةِ المستبدّ، فترسمها بألوانٍ مخيفة تثير الاكتئابَ وتهدّد بالأهوال، تحاكي تجّبرَّ المستبدّ وطغيانَه في الأرض. تشيعُ في فضاءِ الاستبدادِ حياةٌ دينيةٌ مسجونةٌ بمعتقداتٍ ومفاهيمَ مغلقة، تتغلغل في الوعي واللاوعي الفردي والجمعي، وثقافةٌ دينيةٌ لا تعرف معانيَ الحرياتِ والحقوق. الإنسانُ الذي يعيش في نظامٍ مستبدّ يعيش قلِقًا خائفًا مذعورًا، وبدلًا من أن يكونَ الدينُ في حياته مُلهِمًا لطمأنينة القلب وسكينة الروح، ومصدرًا لإيقاظِ الضميِر الأخلاقي، يتحول الدينُ إلى مصدرٍ للتخويف والاكتئاب والقهر والإذعان والتركيع.

الأخلاقُ في الاستبدادِ استبداديةٌ، إنها أخلاقٌ يتوارى فيها الضميرُ الأخلاقي، بعد أن يخضعَ سلوكُ الإنسان لإكراهٍ يفرض عليه مواقفَ وسلوكًا مضادّا يحجب ما يخفيه من قناعات.  يشيع في الاستبدادِ النفاقُ السلوكي، الظاهرُ في شخصية الإنسان يُكذِّب الباطن، والباطنُ في الشخصية يُكذِّب الظاهر. الاستبدادُ من أخبث خطايا السلطة، لأنه يفسد كلَّ شيء يستحوذ عليه، وهو بطبيعته لا يبقي شيئًا في حياة الفرد والمجتمع من دون أن يستحوذَ عليه.

السياسةُ في الاستبدادِ إلغاءٌ للسياسة. السياسةُ فعلٌ مجتمعي، والاستبدادُ يختزل المجتمعَ كلَّه بفردٍ واحد، يحتكرُ كلَّ شئ بيده. يحوكُ المستبدُّ نسيجًا متشابكًا متشعّبًا وعرًا مركبًا معقدًا للسلطة، يبدأ فيها كلُّ شئ منه وينتهي كلُّ شئ فيه، بل يختزل المستبدُّ المجتمعَ كلَّه بشخصه، بنحوٍ يفضي فيه نحرُ المستبدُّ إلى نحرِ المجتمع.

يتحول الماضي في الاستبداد إلى ماضي المستبدّ، الحاضرُ حاضرُ المستبدّ، المستقبُل مستقبلُ المستبدّ، الأيامُ أيامُ المستبدّ، الفرحُ فرحُ المستبدّ، الحزنُ حزنُ المستبدّ، الثقافةُ ثقافةُ المستبدّ، الآدابُ آدابُ المستبدّ، الفنونُ فنونُ المستبدّ. في الاستبداد يغدو الزمنُ تكراريًا، الحاضرُ فيه يستأنفُ أسوأَ ما في الماضي، المستقبلُ فيه يستأنفُ أسوأَ ما في الحاضر. يبدأ كلُّ شئ من حيث انتهى، ينتهي كلُّ شئ من حيث بدأ، البداياتُ تكرّر النهاياتِ، النهاياتُ تكرّر البداياتِ. كلُّ شيء يتكرّر فتتوقف حركةُ التطور، لأن قوانينَ التطور ينفيها الزمانُ التكراري. التكرارُ يبدّد الشغفَ في الحياة، وتندثر معه قدرةُ الكائن البشري على الخلق والإبداع. في الاستبدادِ يكون كلُّ شئ كفيلم يكرّر نفسَه آلافَ المرات، يتعطّل الزمانُ الشخصي، ويمسي الإنسانُ كائنًا محنطًا.

يتكلم المستبدُّ كثيرًا بالسياسة والدولة والقانون والوطنية، ويشغل الناسَ بالشعارات الثورية، لكنه عمليًا يعبثُ بالحياة السياسية فيهشّمها، ويبدّد مورادَ الوطن بحروبٍ عبثية، ويفكّك الأسسَ المركزية للدولة.

السياسيةُ في الاستبداد مهنةُ من لا مهنةَ له. أما العلماءُ والخبراءُ المختصون في الدولةِ، والنظم السياسية، والإدارة، والاقتصاد، والنظام المالي، ومختلفِ العلوم والمعارف الحديثة، فلا حضورَ لهم في بناءِ الدولة وإدارتها، وإن حضروا لا يمتلكون سلطةَ اتخاذِ قرار، ويظلّ دورُهم هامشيًا، يستخدمهم المستبدُّ ديكورًا لسلطته حيثما يشاء.

المستبدُّ يستثمرُ التراثَ والهوياتِ العرقية والمعتقداتِ الدينية وكلَّ ما يرسّخ تسلَّطه بدهاء، فيثير فزعَ الطوائف ويستعدي بعضَها ضدَّ البعض في الوطن الواحد، بإذكاءِ الضغائن والأحقادِ الراقدةِ في الذاكرة العتيقة، وتفجيرِها بصخبٍ دعائي يثير غرائزَ الثأر والانتقام، ويزجّ الطوائفَ والإثنياتِ في نزاعاتٍ لا تنتهي، يجيّش فيها الكلَّ في مواجهة الكلِّ.

قوةُ الدولة في عالَم اليوم تعكسها قدرتُها على: استيعابِ المتخصصين في مختلف العلوم والمعارف الحديثة واستثمارِ خبراتهم في التنمية الشاملة. كما تعكسها قدرتُها على: تدبيرِ الاختلاف، وإدارةِ التعدّد، وحمايةِ التنوع، وحسمِ النزاعات بشكلٍ سلمي.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..................

1- لوي ألتوسير.مصدر سابق. ص 76.

 

 

ميثم الجنابيإن الفكرة الكبيرة لا تظهر بين ليلة وضحاها، رغم أن عنفوانها أشبه ما يكون بتيار الحدس المعرفي. وفي هذا يكمن سرّ جبروتها المثير والمحير. وذلك لأنها تحتوي بقدر واحد على قوة الإثارة والاندهاش. وليس هذا في الواقع سوى الوجه الملطف لخشونة المعاناة المختبئة وراء تحول الزمن إلى تاريخ، وتراكم القيم في منظومات عملية، وتبدّل القواعد الخربة بنحو القلوب العامرة، وانتظام الأفكار المتنوعة والمتضاربة في فكرة، أي كل ما يتوافق في عرف اللغة والواقع مع الاستفاقة والنهضة. فكلاهما حلقات لعملية واحدة. وليس مصادفة أن تتحول الصيحة التي أطلقها إبراهيم اليازجي للمرة الأولى في قصيدته البائية الشهيرة (أيها العرب!) (1878)، والعنوان الذي وضعه نجيب عازوري لكتابه (يقظة الأمة العربية) (1905) في الوعي الذاتي العربي إلى بداية الوجدان القومي ونهاية تكامله النظري الأولي في فكرة سياسية واضحة المعالم والغاية.

غير أن لكل بداية ونهاية وسط يحتمل ويحمل في جوفه ما انتهت إليه قصيدة اليازجي في حدسها الشعري العميق عندما قال، بأن "من يعش ير والأيام مقبلة، يلوح للمرء في أحداثها العجب". وما بين العيش أو الوجود الحالي وما يلوح في الأفق، كانت تتراكم كمية ونوعية الفكرة العربية الناهضة، أي الوجه الآخر أو التكملة النظرية والعملية لفكرة النهضة الأدبية والإصلاحية.

فقد أحتوت فكرة النهضة الأدبية العربية والإصلاح الإسلامي والسياسي في العالم العربي على مقدمات ومكونات الفكرة العربية (القومية). فقد كانت هذه الأخيرة الصيغة الأكثر احترافا ووعيا وتجسيدا وتخصيصا لوحدة النهضة والإصلاح. وذلك لأن فكرة النهضة والإصلاح كانت تتمحور من حيث همومها، وتستند من حيث مادتها، وترمي من حيث غاياتها، إلى كيان عربي غير واضح الهوية، لكنه كان يسري فيها بوصفه كينونة ما وراء الحس والعقل والحدس. ومأثرة التيار القومي العربي الصاعد كانت تقوم في تحويل هذه الكينونة إلى كيان سياسي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن التراكم الخفي لفكرة التجمع والتجميع والترابط والتوحيد الذي نعثر عليه في ظهور ونمو الجمعيات والروابط والعصب والمنظمات والأحزاب، أي التراكم الذي يعكس من حيث تنوع الأسماء وكميتها نوعية التحول الخفي في وعي الفكرة العربية القومية. فقد ظهرت (الجمعية السورية) التي أسسها بطرس البستاني وناصيف اليازجي عام (1847)، و(الجمعية السورية) التي أسسها سليم البستاني ومنيف خوري في بيروت عام (1868)، والجمعية العربية السورية عام (1875)، و(جمعية حقوق الملة العربية) التي سعت إلى توحيد العرب بغض النظر عن الإنتماء الديني عام (1881)، و(جامعة الوطن العربي) التي أسسها نجيب عازوري عام (1904)، و(جمعية الوطن العربي) التي أسسها خير الله خير الله عام (1905).

وسبقت هذا الاتجاه العملي السياسي محاولات عديدة وتراكم فكري ومواقف سياسية أخذت بالتمحور حول فكرة العرب، والعروبة، والعربية، والعالم العربي، والوطن العربي، والأقطار العربية، وتراث العرب، ودين العرب، وأمة العرب، والقومية العربية، والعنصر العربي، والعنصرية العربية، والجنسية العربية، وما شابه ذلك، أي كل الأجزاء الآخذة في الترابط والتكامل في ما يمكن دعوته بالفكرة العربية الناهضة. وإذا كانت قصيدة اليازجي (1878) تمثل الصيغة الأولية الأكثر وضوحا وبروزا فلكونها كانت أقرب إلى النشيد الأدبي الأكبر لصيرورة وعي الذات القومي بوصفه هوية سياسية. فقد كانت قصيدة اليازجي الصيغة الأكثر غلوا للوجدان القومي، والأكثر صدقا من حيث اللهجة والمهجة والوجدان. بل وكانت أيضا الصيغة الأكثر مباشرة في النقد الذاتي. فالهجوم العنيف فيها كان موجها أساسا صوب العرب ومن أجلهم في الوقت نفسه. فقد احتوت القصيدة على (48) بيتا شعريا، (35) منها مخصصة للعرب، توزعت بين (17) بيت قاسية اللهجة في نقدها للخمول والذل والاستكانة والمهانة والعبودية العربية في ظل السيطرة التركية. بينما تدعو البقية الباقية (14) العرب للاستفاقة، أي إلى اليقظة والنهوض والتحدي، بينما تتضمن (4) أبيات التذكير بعظمة الماضي التي ينبغي أن تقف أمام أنظار العرب المعاصرين باعتباره مصيرهم المحتوم. أما الأبيات الشعرية القاسية في موقفها من الأتراك فهي (12) بيتا، ليست من حيث الجوهر سوى الوجه الآخر والمكمل لنقد الذات. أما البيت الأخير (من يعش ير والأيام مقبلة، يلوح للمرء في أحداثها العجب)، فإنه تكثيف لمضمون هذا النشيد القومي العربي الأول والأكبر آنذاك. ففيه نعثر بصورة واضحة وجلية على مستوى الحس والعقل والحدس لحالة جمع وتجميع وتكثيف الهموم العربية الكبرى (الهوية والحرية والاستقلال) في همّ عربي واحد يجمع هموم الأنا (العربية). وليس مصادفة أن يظهر بعد ذلك سيل المقالات التي تحتوي على صدى فكرة الاستفاقة، أي النهضة والإصلاح وأشباهها من خلال تركيزها على واقع العالم العربي وماضيه، وبروز كلمات "نحن" و"العرب" و"الأمة العربية" و"القوم العربي" وما شابه ذلك. ومع أن أغلب هذه الكلمات لم تكن واضحة الهوية في بداية الأمر، إلا أنها كانت تحتوي على مستوى الحس والوجدان معنى الشعور القومي، ومن ثم بداية الأفكار الكبرى للفكرة القومية، أي صيغتها العقلية وتأسيسها النظري اللاحق.

إن ظهور الأفكار الكبرى هو الوجه الآخر أو الصيغة المنطقية لمعاناة كبرى وتاريخ أكبر ومستقبل يتسم بقدر واحد من الجلاء والغموض، أي الأكثر إثارة للاجتهاد، ومن ثم لاختلاف الرؤية والمناهج. وحالما تبلغ هذه الأفكار مستواها النظري، بوصفها الصيغة المنطقية لإدراك صيرورة التاريخ الواقعي للفكرة نفسها، عندها تأخذ في التراكم والتجسّد على قدر ما فيها من تجانس ووضوح، وعلى قدر ما فيها من استجابة للواقع وإمكانياته الفعلية، إضافة إلى أثر المصادفات المثيرة للزمن والأحداث.

فالانعطافات التاريخية الكبرى للوعي الاجتماعي والسياسي، التي أنتجت في مجرى معاناته المتنوعة فكرة النهضة والإصلاح في الدولة العثمانية، كانت تحتوي في أعماقها على تراكم الفكرة العربية ذاتها. وذلك لأن النهضة كانت تحتوي في أعماقها على ضرورة الرجوع إلى الماضي، بينما كان توجهها صوب المستقبل يحتوي على إنهاض للعقل والضمير والوجدان. وكلاهما كانا يؤديان إلى فكرة النهضة على أنها استرجاع لتاريخ سالف أو تطوير له. والشيء نفسه ينطبق على الإصلاح. وذلك لأنه كان يحتوي على مهمة وطاقة تحريك البنية المتخلفة والراكدة. مما كان يلازمه بالضرورة إثارة الأسئلة المتعلقة بالأسباب والنتائج، أي الاحتكام إلى فكرة السببية والعمل بموجبها. وكان هذا يتضمن أيضا على فكرة الاعتماد على النفس وقواها الذاتية. وكلاهما كانا يضعان رجل العلم والمعرفة والثقافة العامة والخاصة والتاريخ واللغة والأدب والسياسة أمام الحالة الخربة للدولة العثمانية، أي أمام الحالة المزرية التي انحطّ إليها العرب والتاريخ العربي.

ومن تداخل هذين التيارين برزت ملامح النقد والمواجهة والتحدي والصراع واختلاف الرؤى. وليس مصادفة أن نعثر على كل هذه الملامح في دهاليز العوالم الخفية للنهضة الأدبية، بوصفها نهضة الروح اللغوي والمعنوي (الأدبي) العربي. فإنهاض اللغة العربية والأدب العربي يعني إنهاض الضمير والوعي التاريخي العربي وما يلازمهما من استعادة أدبية نقية وصافية وتهذيب للقيم القومية المباشرة. ومع كل تهذيب وتشذيب لهما، تتوقد وتنبري شدة النقد الذاتي وشدة النقد العربي. بينما كانت الفكرة الإصلاحية تقف أمام مهمة تجاوز وتذليل عقبات الانحطاط والتخلف من أجل مستقبل يوازي في صداه عظمة الماضي وفي مداه انجازات الحداثة العالمية (الأوربية آنذاك). وهذا بدوه يستحيل التحقيق دون نهضة من طراز جديد تتجاوز نهضة الروح الأدبي إلى نهضة الروح السياسي. وقد حصل هذا التجاوز على تعبيره الأول في كلمة اليقظة، بوصفها استفاقة ونهوضا من سبات الخمول السياسي القومي، كما هو جلي في كتاب نجيب عازوري (يقظة الأمة العربية) المطبوع عام 1905[1].

ولم يعن هذا من الناحية التاريخية الملموسة والنظرية المجردة سوى تنظيم الرؤية السياسية بالشكل الذي يجعلها مقدمة التاريخ السياسي المستقل، أي تأسيس فكرة دولة عربية لأمة عربية تصلح ما تعرضت له في مجرى السيطرة التركية العثمانية من ضمور شبه تام لكيانها السياسي القومي وكينونتها الثقافية التاريخية. فإذا كانت اليقظة هي الوجه الآخر للنهضة، فإن الفرق أو الخلاف بينهما يقوم في تحوّر فكرة اليقظة إلى الفكرة العربية بوصفها فكرة قومية. وقد كان ذلك تحوّلا نوعيا في توجيه مسار فكرة النهضة، بمعنى نقلها من ميدان الصراع بين الجديد والقديم في الأدب (العربي) إلى ميدان الصراع من أجل الفكرة القومية. من هنا تحوّل الفكرة الأدبية إلى فكرة سياسية، كما هو جلي في فكرة نجيب عازوري عن مهمة وضرورة اليقظة السياسية القومية للأمة العربية، واستكمالها اللاحق في (المؤتمر العربي)، بوصفه الصيغة المنظمة للفكرة القومية السياسية.

وليس مصادفة أن تكون الرؤية السياسية هي السائدة في تفكير ومواقف نجيب عازوري. فهو ينطلق في رؤيته لواقع العالم العربي وآفاق تطور من وجهة نظر سياسية بحتة. لهذا نراه يطرح جانبا الرؤية الدينية أيا كان شكلها ومحتواها. من هنا قوله، بأن المسيحية عادة ما تفّسر العهد القديم من وجهة نظر أخلاقية رفيعة. بينما يبقي اليهود على صيغته الظاهرية المباشرة، بحيث يجعل من هذا الكتاب "خطيرا لا أخلاقيا يشكل إدانة رهيبة لهم"[2]. ومع انه لا يتطرق إلى الإسلام بهذا الصدد، بل نراه يقيمه بصورة ايجابية في كل المواضع التي تطرق إليه فيها، إلا أن مضمون الفكرة وتأسيسها واستنتاجاته النظرية والعملية كانت محكومة برؤية سياسية صرف. وقد أشار إلى ذلك بوضوح، عندما كتب يقول، بأن القضية الكبرى التي يواجهها العالم العربي الآن وفي المستقبل تقوم في كيفية تذليل الخطر اليهودي الصهيوني. من هنا نراه يتناول النظر إلى اليقظة العربية والخطر اليهودي العالمي، كما يقول، من "وجهة سياسية محض"[3]. وبغض النظر عن حدسه التاريخي الهائل لطبيعة الصراع المقبل قبل اتخاذه هيئة المستوى "الدولي" و"الحقوقي" وما شابه ذلك، إلا أن وضعه وتناوله لهذه القضية منذ البدء بمعايير الرؤية السياسية وليس الدينية، يشير إلى القيمة المنهجية الهائلة والعلمية الدقيقة لرؤية نجيب عازوري السياسية. بل ويمكننا القول، بأن دقة وعمق هذه الرؤية تقوم في توحيدها للرؤية الواقعية والمستقبلية على مستوى الحس والعقل والحدس. ويبدو ذلك بجلاء تام حالما تناول هذه القضية من خلال وضعها ضمن سياق فكرة اليقظة العربية بوصفها نهوضا قوميا.

وقد حدد ذلك بدوره موقفه من مقدمات الخلل التاريخي في الصيرورة العربية أو بصورة أدق انقطاعها التاريخي بفعل السيطرة التركية. وهنا أيضا نقف أمام تأسيس منطقي وتاريخي وميداني للرؤية السياسية القومية. بمعنى تحررها من رواسب الرؤية النمطية العادية في الموقف من الأتراك، والمشاكل المترتبة على النهوض القومي وحساسيته المفرطة من "السيطرة الأجنبية" أيا كان مستواها وحجمها وشكلها وأسلوبها. بعبارة أخرى، إنه تناول أثر السيطرة التركية في العالم العربي عبر موشور الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية الفعلية باعتبارها كلا واحدا، إضافة إلى رؤية الاحتمالات الكامنة فيها بالنسبة للمستقبل القومي.

إذ ليست المشكلة العربية والحالة التي انحدرت إليها سوى النتيجة المترتبة على وحدة وتفاعل النظام السياسي للدولة التركية العثمانية وإفرازها الخاص في مجال الأخلاق والثقافة. لهذا نراه يتكلم عن نظام حكم تركي لا علاقة له بالإسلام وبالخلافة الإسلامية وما شابه ذلك. بمعنى انه يسقط عنه صفة الدين والتدين والإسلام وتقاليده السياسية الحكومية، لكي يتعامل معه على حقيقته بوصفه حكما استبداديا قوميا(تركيا). وإذا كان هذه الحكم لا يخلو من ثقل المرحلة السياسية الخشنة والمتخلفة والبدائية التي انحدرت إليها "الدولة العلية"، إلا أنها تمتلك تقاليدها الخاصة. فالحكومة التركية، بالنسبة له "هي جماعة من قطاع الطرق يقودهم مجرم"[4]. وإذا كانت هذه الصفة تلازم التاريخ السياسي للدولة التركية (العثمانية)، فإنها تحولت في مجرى الزمن إلى ما اسماه نجيب عازوري بعصابة لصوص بلغت ذروتها في شخصية السلطان عبد الحميد[5]، مع ما لازمها بالضرورة من انعدام الأمن والسلامة والعدالة. وبالتالي غرس مختلف نماذج ومستويات الرذيلة السياسية والاجتماعية والأخلاقية. لهذا نراه يقول، بأن كل الأمم التي خضعت للسيطرة التركية تتميز بالفقر والإرهاق وخور العزيمة. وإن هذه السيطرة أدت إلى زرع تقاليد الجبن والخيانة، وكذلك تقاليد التعصب. إذ لا تعصب في الإسلام. وأنه بقدر ما يخضع شعب للأتراك بقدر ما يشتد فقره وتقحل أرضه. وبالعكس من ذلك بقدر ما يستقل شعب يغني ويزدهر. وضرب بذلك مثالا على حالة مصر التي كان مردود إنتاجها السنوي لا قيمة له ولا ذكر في ظل التحكم التركي، بينما "تفوق فوائد الخزانة المصرية عوائد الإمبراطورية العثمانية". من هنا موقفه المتشدد في معارضته لمناقشة بعض المصريين فكرة رجوع الخليفة التركي بالضد من السيطرة الانجليزية. إذ نراه يجد في ذلك ما اسماه "ببقايا الخبل الناتجة من سيطرة المماليك والشراكسة". وقد أدى كل ذلك إلى تراكم ما اسماه نجيب عازوري بالموقف السلبي من الأتراك. وذلك لأن السيطرة التركية لم تغرس شيئا غير تقاليد "البربرية في التعامل مع المخالفين" و"غياب الرأفة والرحمة". من هنا "كره كل الشعوب للأتراك".

وعندما حاول تطبيق ذلك على حالة العالم العربي وما أدت إليه السيطرة التركية بهذا الصدد، فإنه كتب يقول، بأن من يريد معرفة الأثر الأخلاقي السيئ للسيطرة التركية فلينظر إلى أثرها على شعب كبير ذكي كالعرب مقارنة بوجودهم في ظل الحكم الأموي والعباسي والآن. فقد كان العرب في قمة الحضارة العالمية. وإنهم أكثر من دفع آنذاك العلوم والآداب والفلسفة إلى الأمام وقدموا أسماء لامعة، ولكنهم لم يكتبوا شيئا منذ خضوعهم للأتراك. الأمر الذي جعله يجد في كل زمن السيطرة التركية فعلا مخالفا لمنطق التاريخ وقوانينه. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "استمرار شعوب كبيرة (ويقصد به العرب) بالخضوع لوصاية من برابرة لا ماض لها ولا تقاليد يعتبر ضد قوانين التاريخ"[6]. ليس ذلك فحسب، بل إن مفارقة الظاهرة تقوم في أن استمرار وقوة السلطنة العثمانية متوقفة على العرب، الذين لا محل لهم في إدارتها وفعلها وسياستها. من هنا تنبؤه الدقيق المبني على أساس رؤية سياسية واجتماعية وتاريخية موثقة، تقول، بأن استمرار الدولة العثمانية متوقف على موقف العرب منها. بعبارة أخرى، انه توصل إلى أن السيطرة التركية قائمة بالعرب، وإنه "حالما يخرج العرب من السلطنة العثمانية تنهار السلطنة. لأن العرب هم ركيزة السيطرة التركية في آسيا وأوربا"[7].

إن حصيلة هذه الرؤية التاريخية الثقافية والسياسية قد دفعت نجيب عازوري صوب توسيع مدى الرؤية القومية من خلال البحث عن الصلة المفقودة بين تاريخ الأسلاف والمستقبل، عبر إرساء أسس الدولة القومية (العربية). فقد كان الاستنتاج الأكبر، الذي توصل إليه نجيب عازوري يقوم في تقريره للحقيقة القائلة، بأنه لولا السيطرة التركية لكانت الأمة العربية في قمة الحضارة العالمية. وذلك لأن "الأتراك لم يكتفوا بعدم العطاء، بل ومنعوا الآخرين من العطاء"[8]، وبالتالي لولاهم لكن العرب في قمة الحضارة العالمية. وفيما لو جرى وضع هذا الاحتمال النظري ضمن معايير الرؤية المستقبلية، فإنه يعني ضرورة استعادة العرب لتاريخهم السياسي والحضاري المستقل، مع ما يترتب عليه من استنتاج خاص بضرورة بناء الدولة القومية المستقلة. وبدون ذلك يتبقى حالة العالم العربي تتأرجح بين مستنقع التخلف والانحطاط، وفي أفضل الأحوال تبقى حالته قلقة ومرتبطة بدورانها في أفلاك القوى الخارجية.

إن الاستنتاج النظري الذي يمكن التوصل إليه من وراء العبارة السياسية المباشرة لنجيب عازوري بهذا الصدد تقوم في أن الاحتمال المعقول بفعل طاقة الثقافة الكامنة للعالم العربي وتاريخه السياسي المبتور، هو السبب القائم وراء حالته القلقة في السياسة الأوربية آنذاك. لهذا نراه يتوصل إلى استنتاج مفاده أن العالم العربي هو رديف ومكافئ لمضمون الفعلي والواقعي لما يسمى بالمسألة الشرقية. فقد توصل عازوري إلى أن عقدة المسالة الشرقية تقوم في العالم العربي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "البلاد العربية تشكل العقدة الحقيقية في لغز المسالة الشرقية"[9].

إن تحول العالم العربي إلى بؤرة المسألة الشرقية، يعني تحوله إلى مضمون وجود أو انعدام الدولة العثمانية. فالمسألة الشرقية التي ارتبطت بحالة وآفاق "الرجل المريض" وممتلكاته، كانت تعادل من حيث مضمونها الفعلي حالة وكيفية وجود وآفاق العالم العربي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن القضية العربية هي جوهر المشكلة، ومن ثم ينبغي أن تتمتع باستقلاليتها في السياسة العالمية بوصفها فعالا مستقلا. واتسمت آراءه بهذا الصدد بأبعاد مستقبلية عميقة، رغم أنها كانت محكومة بالحالة التابعة للعالم العربي في فلك الدولة العثمانية الآيلة للسقوط. من هنا نراه يؤسس لرؤيته المستقبلية عن علاقة العالم العربي بالدول الأكثر شراسة في صراعها مع الدولة العثمانية آنذاك من أجل اقتسام "غنيمتها" الكبرى، بمعايير الرؤية السياسية والثقافية المستقلة.

فهو يحدد ثلاثة محاور لثلاث قوى فاعلة آنذاك في سياستها تجاه العرب، بما في ذلك من وجهة النظر المستقبلية وهي كل من القوة الروسية والبريطانية والفرنسية. ومن خلال ذلك حاول رسم ملامح الرؤية السياسية تجاهها. فقد نظر إلى روسيا باعتبارها الدولة التي تسعى للتدخل في العالم العربي من خلال الكنسية الأرثودوكسية. من هنا دعوته إلى مواجهة ومحاربة السياسة الروسية، وذلك لأنه وجد فيها نموذجا وأسلوبا لإعادة تكريس النمط التركي. فقد كان نموذج الحكم والدولة الروسية بالنسبة له تعني تفشي الأوتوقراطية المطلقة وغياب الحرية، وغلبة نظام التعصب الطائفي. لهذا نراه يجد في التغلغل أو المساعي الروسية للسيطرة في العالم العربي أشد خطورة من السيطرة التركية، وذلك لأنها أقوى. فهي إلى جانب شبهها بالسياسة التركية، تنشر الجهل والتعصب. وفي معرض مقارنته إياها بالسياسة الإنجليزية، فإنه وضعها على طرف نقيض شأن خطوط سكك الحديد. إذ اعتبر السياسة الروسية تيارا رجعيا وبربريا ومتعصبا وأنانيا، بينا السياسة الانجليزية عادلة وإنسانية ومتحررة ونبيلة. ومن هذا المنطق يمكن فهم تقييمه للسياسة البريطانية تجاه العربي، عندما اعتبرها نموذجا لسياسة العدل والإحسان والحكمة والحرية. ومن ثم وجد فيها نموذجا مضادا للسياسة الروسية. أما موقفه من السياسة الفرنسية فمبني على أساس فهمه لدورها التاريخي الحديث في مجال بناء النظام السياسي المدني وفكرة الحرية. فقد نظر إلى فرنسا باعتبارها مهد الحرية ومركز الحضارة الحديثة. من هنا موقفه الداعم لما اسماه بالإقرار بفضلها بهذا الصدد. بحيث جعله ذلك يقول أيضا، بأن فرنسا أكثر من غيرها، وربما لوحدها تتمتع بحق "حب الشرقيين" إياها. وأعتقد، بأنه ليس هناك من قوة تستطيع استمالة عاطفة العرب إلى جانبها غير فرنسا، بعد تجزئة الإمبراطورية العثمانية.

إننا نقف هنا أمام تقييم سياسي ثقافي مستقبلي مبني على فكرة الاستقلال، أي أنه نظر إلى سياسة الدول الكبرى والاحتمال القائم في تحلل الدولة العثمانية وخروج العالم العربي منها نظرته إلى النموذج وليس إلى بديل للاستعاضة لحالته في ظل الهيمنة التركية العثمانية. بعبارة أخرى، أنه نظر إلى هذا الاحتمال بوصفه طريقا للتحرر الفعلي وإعادة بناء الدولة العربية الحديثة استنادا إلى فكرة قومية متجانسة. فهو الطريق الوحيد الواقعي والفعلي لبلوغ الشعرات الكبرى عن العدالة والمساواة والإخاء. ونعثر على هذه الفكرة الدقيقة والعميقة في عبارته القائلة، بأنه "لا يمكن تحقيق الإخوة بين الدول، والمساواة الاجتماعية بين الناس إلا عندما تصبح كل الشعوب على مستوى واحد من التمدن والحضارة. وإلا فإن أي عمل مخالف لذلك سيهدم عمل السابقين".

احتوت الفكرة السابقة بوصفها استنتاجا سياسيا تاريخيا ومستقبليا على مهمة تأسيس الفكرة العربية القومية الحديثة. وربط هذا التأسيس بالإمكانية الكامنة في العالم العربي بوصفه لب المسألة الشرقية آنذاك. من هنا فكرته عما أسماه ببروز أهم ظاهرتين في آسيا المعاصرة، التي أعتبر أحدها هي ظاهرة "يقظة العرب".

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

......................

[1] وضعه بالفرنسية. وترجمه احمد أبو ملحم

[2] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت(ب.ت)، ص42.

[3] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص42.

[4] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص61.

[5] لقد اعتبر نجيب عازوري السلطان عبد الحميد طاغية من طراز خاص، قد يكون بحد ذاته النموذج أو الزبدة التي تكونت في مجرى تقاليد الاستبداد. بحيث نراه يجد فيه شخصية جمعت في ذاتها كل الطغاة في التاريخ زائد ميكيافليي! وليس مصادفة، فيما لو أخذنا تقاليد المرحلة وتصويرها، أن تجد فيه شخصية مريضة وغريبة، انطلاقا من انه نشأ وحيدا منعزلا ومتربيا بتقاليد السلاطين العثمانيين المشبعة بقواعد الكذب والحسد والغل ومختلف أصناف الرذيلة من جهة، وأن أصوله الفعلية تعود إلى سبيكة أرمنية يهودية.

[6] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص199.

[7] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص200.

[8] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص201.

[9] نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية، ص41.

 

من مطالعتنا لكتب الأثر تلفتنا مقولة للخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز "من يزرع خيرا يوشك أن يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يوشك أن يحصد ندامة”(1). من خلالها تستحضرنا الظروف التي تمر بها البلدان التي زرعت وحصدت وأوجدت لنفسها مكانا في عالم مليء بالصراع والمنافسة،  ومنها سنغافورة وتركيا انموذجا لمقالنا هذا.

تعلمنا مقولة من يزرع يحصد، تزرع ورد تحصد ورد، تزرع قمح تحصد قمح، فهذا يعني الجزاء من جنس العمل، وهذا القول يسير على البشر كسائر الاجناس فما تزرعوه يا كبار اليوم في اطفالكم من علم وفكر تحصدوه غداً بلا شك تنمية وازدهار.

اردت من هذه المقالة ان اتطرق الى موضوع التنمية البشرية، فالكلام عن التنمية البشرية كثير في عالمنا العربي من حيث عقد وتخصيص جلسات ومؤتمرات وحلقات نقاش...الخ، دون ان تلمس تغيير على الارض. حتى في تلك الدول التي تستبشر منها خيراً من تغيير الا سرعان ما تظهر للعيان انها مجرد فقاعات تتلاشى سريعا في الهواء مقارنة مع دول اخرى نشاهد النمو والتطور فيها على ارض الواقع.

التنمية البشرية مقترنة بالتعليم فهو الركيزة الاساسية للنهوض  بأي أمة... دعونا ننظر الى سنغافورة كيف أصبحت في مصاف الدول التي رسمت لنفسها طريقاً وسط عالم متطور وسريع، فبالرغم من صغر حجم هذه الدولة، فقد استطاعت أن تبني صرحاً حضارياً يستحق النظر إليه بعين المتأمل للاستفادة من تلك التجربة الحضارية الفريدة من نوعها. سنغافورة لم تأتي بمعجزة ولم تمتلك عصا موسى يوماً، فقط اهتمت بالتعليم لأنها امنت بدوره البارز في التنمية البشرية، والأخذ بيدها لتحقيق نجاحا ملحوظاً في جميع المجالات، بما يضمن تربعها على سلم الحضارة والتقدم.

حسناً.. لنذهب الى تركيا، فحسب مؤشرات النمو الاقتصادي العالمي تصدر الاقتصاد التركي المؤشر الاقتصادي في الربع الأول من عام 2020. هذا النمو جاء نتيجة عمل وتنمية مستمرة ولا تظن انهم وصلوا الى نهاية الطريق، بل العمل ما زال قائم ومستمر حسب خطة التنمية المستدامة بالتركيز على العنصر البشري.. وايمانهم بأن التنمية والتغيير تبدأ ببناء جيل بعقيدة سليمة تحب التغيير والعمل، رامياً عن كتفيه افكار الاجيال السابقة من تخلف وحقد وكراهية.

خلاصة القول.. ان تنمية الموارد البشرية عملية مهمة لبناء المجتمعات وجعلها قادرة على مواجهة الأزمات، فالاعتماد على الموارد الذاتية لعامل أساسي للنهوض بالمجتمعات والتغلب على المعوقات التي قد تقف حجر عثرة في سبيل تقدمها، ويكفينا من ذلك النماذج التي تناولتها في هذا المقالة لدول استطاعت كتابة قصة نجاحها بالاعتماد على قدراتها الذاتية.

فهم زرعوا فحصدوا ونالوا نتاج أعمالهم.. فهل فعلا نحن نزرع حتى نحصد.. ام هي ايام نتداولها فيما بيننا  دون تغيير؟؟

 

د. أنس محمود بشايرة

كلية الزهراء – سلطنة عمان

.............................

1- فرائد اللآل في مجمع الأمثال، ص 416.

 

 

جواد بشارةإعدادا وترجمة د. جواد بشارة

univers cyclique

هل الكون موجود دائما؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يرتد مرة أخرى في دورة Big Bang لا تنتهي أبدًا؟ أم أنها بدأت بمفردها؟ تم تطوير العديد من النظريات بمرور الوقت للإجابة على هذه الأسئلة، لكن الأطر الفيزيائية والرياضياتية لهذه النماذج لم تكن قادرة على الإطلاق على إظهار وجود السلوك الدوري للكون أو غير ذلك. بداية ونهاية فريدة.

لكن في الآونة الأخيرة، استدعى فريق من المنظرين تنبؤات نظرية الأوتار لحل بعض الألغاز الأساسية للكون المبكر. يمكن أن تعطينا النتيجة الدفعة النظرية اللازمة لبناء الكون من الصفر، وبالتالي دعم فرضية الكون المتكرر تعاقبياً أو دورياً.

نحن نعلم أننا نعيش في عالم يتوسع، حيث تبتعد المجرات والنجوم عنا بسرعة متزايدة. لدينا أيضًا ملاحظات عن الكون المبكر، عندما كان عمره 380 ألف عام فقط. في هذه الصور، نرى أنماطًا مثيرة للاهتمام - بقع صغيرة ومناطق تكشف عن وجود اختلافات طفيفة في درجة الحرارة والضغط في هذا الكون الشاب.

إن ملاحظة تقلبات الكثافة (تباين الخواص) داخل الخلفية الكونية المنتشرة، على وجه الخصوص بفضل مهمة بلانك، جعلت من الممكن تأكيد وجود فروق في الضغط ودرجة الحرارة في الكون المبكر.

fluctuations densite cmb inflation

نحن قادرون على شرح كل هذه الملاحظات بما يسمى بعلم الكونيات ونموذج الانفجار العظيم Big Bang، بالإضافة إلى فكرة إضافية تُعرف باسم التضخم (وهي عملية نعتقد أنها حدثت عندما كان عمر الكون أقل من ثانية). في هذه العملية، نما الكون بشكل أكبر بكثير، محوّلًا تقلبات الكموم إلى تقلبات في الكثافة. وزادت هذه التقلبات في نهاية المطاف.

نموذج للكون ekpyrotic: لا يعيد إنتاج سلوك الكون البدائي

أعاقت الاختلافات في الضغط والكثافة ودرجة الحرارة خلال السنوات الأولى للكون العديد من النظريات الكوسمولوجية – الكونية البديلة، بما في ذلك واحدة من أكثر الأفكار شيوعًا لتجاوز الانفجار العظيم المعروف باسم الكون ekpyrotic. تأتي كلمة ekpyrotic من الكلمة اليونانية "Conflagration»، والتي تشير إلى فكرة فلسفية قديمة عن كون متكرر باستمرار.

من هذا المنظور، نحن حاليًا في مرحلة "الانفجارالعظيم"، والتي سوف تتباطأ (بطريقة ما) وتتوقف وتعكس وتعود إلى درجات حرارة وضغوط عالية بشكل لا يصدق. ثم ينتعش الكون ويعيد إطلاقه في مرحلة جديدة من الانفجار العظيم.

تكمن مشكلة هذا النموذج في أنه لا يعيد إنتاج التقلبات في الكثافة والضغط ودرجة الحرارة التي لاحظناها في بدايات الكون. كون هذا النموذج هو كون موحد تمامًا. وهذا لا يعني فقط أن النظريات لا تتطابق مع الملاحظات من الكون المبكر. هذا يعني أن هذه الكونيات لا تؤدي إلى كون مليء بالمجرات أو النجوم أو حتى الكواكب.

فيما يعتقد البعض الآخر من العلماء أن الكون المرئي هل نشأ الكون من اصطدام غشاء S-Branes لإنقاذ نموذج الكون - ekpyrotique ekpyrotic.

هذا هو السبب في أن المنظرين حاولوا صياغة نموذج للكون ekpyrotique يتوافق مع ملاحظات الكون المبكر. وللقيام بذلك، قاموا باستدعاء عنصر معين: أغشية إس. مصطلح "غشاء" يأتي من نظرية الأوتار ويتوافق مع سلسلة متعددة الأبعاد (ن> 1). يشير S إلى حقيقة أن هذه الأغشية S لا يمكن أن توجد إلا في لحظات محددة في الزمكان، في ظل ظروف محددة.

D3 brane cordes ouvertes

الأوتار الأساسية لنظرية الأوتار هي 1-branes. D- أغشية هي الأشياء التي ترتبط بها الحبال (مستطيل أسود في الصورة). من ناحية أخرى، فإن الأغشية S هي أغشية محددة جدًا لا يمكن أن توجد إلا في ظل ظروف مكانية وزمانية محددة.

في هذا السيناريو الجديد ekpyrotique، بينما كان الكون في أصغر تكوين ممكن وأكثره كثافة، ظهر غشاء S، مما أدى إلى إعادة توسع الكون المليء بالمادة والإشعاع (الانفجار العظيم) ومع اختلافات طفيفة في درجة الحرارة والضغط المقابلة لتلك الملاحظة.

بينما تقدم هذه الفرضية حلاً أنيقًا لتكوين الكون وتطوره، إلا أنها تظل تخمينية للغاية. أولاً، لأن نظرية الأوتار الفائقة لم تكن موضوع أي تأكيد تجريبي بعد، وثانيًا لأن فرضية البرانات - الأغشية S-brane هي نفسها مشكوك فيها في وسط الفيزياء النظرية وعلم الكونيات خاصة عند اللجوء لاستخدام نظرية الأوتار.

المصادر: arXiv

يوجد عالم من المادة المضادة بعد الانفجار العظيم، وفقًا لنموذج جديد

univers antimatiere bigbang

على الرغم من أن النموذج الكوسمولوجي القياسي أو المعياري يفسر العديد من الظواهر الكونية التي لوحظت في الكون، لكنه لا يزال يحتوي على فجوات معينة، مثل طبيعة المادة والطاقة السوداء أو المظلمة، والتي تجعل بعض علماء الكونيات يبحثون عن بدائل. يقترح أحد هذه البدائل، الذي طوره الفيزيائي الشهير نيل توروك، أن كوننا يمتلك نفسًا بديلًا للمادة المضادة يتجاوز الانفجار العظيم.

يمكن أن يكون كوننا انعكاسًا لكون مادة مضادة تمتد إلى ما بعد الانفجار العظيم. هذا ما يقترح نموذجًا كونيًا جديدًا - طوره علماء الفيزياء من معهد Perimeter تحت إشراف Neil Turok - يفترض وجود "كون مضاد" والذي، إلى جانب كوننا، يحافظ على قاعدة أساسية للفيزياء. يسمى تناظر CPT. لا يزال النموذج بحاجة إلى التعميق والعمل عليه، لكنه، وفقًا لمؤلفيه، يشرح بشكل طبيعي وجود المادة السوداء أو المظلمة.

يؤكد النموذج الكوني القياسي أو المعياري أن الكون ظهر منذ حوالي 13.8 مليار سنة بعد الانفجار العظيم، ليبرد بعد ذلك وينتج عنه الجسيمات والنوى الذرية والذرات والنجوم والكواكب والمجرات وما إلى ذلك. ومع ذلك، وفقًا لتوروك، اعتمادًا على معلمات مخصصة، فإن هذا النموذج يشبه بشكل متزايد وصف بطليموس للنظام الشمسي.

ويقول إن أحد هذه المعلمات هو الفترة القصيرة من التوسع العنيف والسريع المعروف باسم التضخم الكوني، والذي قد يفسر التوحيد والتجانس الواسع النطاق للكون (التجانس والتناحي). "هناك ميل إلى تفسير أي ظاهرة جديدة من خلال اختراع جسيم جديد أو مجال جديد؛ يشرح توروك "أعتقد أن هذا قد يكون خطأ".

وبدلاً من ذلك، شرع توروك وزميله لاثام بويل في تطوير نموذج للكون قادر على شرح جميع الظواهر التي يمكن ملاحظتها بناءً على الجسيمات والحقول المعروفة فقط. تساءلوا عما إذا كانت هناك طريقة طبيعية لتوسيع الكون إلى ما بعد الانفجار العظيم. يقول توروك: "وجدنا أنه كان هناك".

نموذج كوني يحترم تناظر CPT

univers cpt bigbang

لقد اعتبروا أن الكون ككل يطيع تناظر CPT. يتطلب هذا المبدأ الأساسي أن تظل جميع العمليات الفيزيائية كما هي إذا انعكس الزمن، وعكس الفضاء، واستبدلت الجسيمات بجسيمات مضادة. يتذكر توروك أن هذا ليس هو الحال بالنسبة للكون من حولنا، حيث يمر الزمن مع توسع الفضاء، وحيث توجد مادة أكثر من المادة المضادة.

في نموذج الكون المتماثل CPT، يتدفق الزمن في الاتجاه المعاكس للانفجار العظيم داخل الكون المضاد.

سيكون الهيكل الذي يحترم التناظر زوجًا من كون مقابل كون. سوف يمتد الكون المضاد عبر الانفجار العظيم، وستهيمن عليه المادة المضادة، وستنعكس خصائصه المكانية عن خصائص كوننا - وهو وضع مشابه لتكوين أزواج الإلكترون والبوزيترون في الفراغ، حسب توروك.

يقر Turok، الذي تعاون أيضًا مع Kieran Finn من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة، بأن النموذج لا يزال بحاجة إلى الكثير من العمل ومن المرجح أن يواجه الكثير من الانتقادات. بالفعل خلال مرحلة مراجعة الأقران عندما تم تقديم المقالة إلى Physical Review Letters، تم إخبار المؤلفين أنه لكي يكون صحيحًا، يجب أن يشرح نموذجهم تقلبات درجة حرارة الخلفية الكونية المنتشرة. لا يزال العمل جاريًا وفقًا لتوروك.

يجب أن تكون ملاحظة تقلبات الكثافة (تباين الخواص) داخل الخلفية الكونية المنتشرة، ولا سيما بفضل مهمة بلانك، قابلة للتفسير من خلال نموذج CPT الجديد. يُعتقد أن هذه التقلبات ناتجة عن الطبيعة الكمومية للزمكان بالقرب من الانفجار العظيم.

fluctuations densite cmb inflation

يوضح الأخير أن التقلبات ترجع إلى الطبيعة الكمومية للزمكان بالقرب من تفرد الانفجار العظيم. في حين أن المستقبل البعيد لكوننا والماضي البعيد للكون المضاد من شأنه أن يوفر نقاطًا ثابتة (كلاسيكية)، فإن جميع التبادلات الكمومي المحتملة ستكون موجوددةفي المركز.

قام هو وزملاؤه بحساب حالات كل تكوين ممكن لزوج CPT، ومن بينها، أي واحد من المرجح أن يكون موجودًا. قال: "اتضح أن الكون الأكثر احتمالا هو الذي يشبه كوننا". يضيف توروك أن عدم اليقين الكمومي يعني أن الكون والكون المضاد ليسا صورتين متطابقتين لبعضهما البعض، مما يتجنب القضايا الحساسة مثل الإرادة الحرة.

الظهور الطبيعي للمادة السوداء أو المظلمة في النموذج الكوني CPT

يقول توروك إن النموذج الجديد مرشح طبيعي للمادة السوداء أو المظلمة. هذا المرشح عبارة عن جسيم ضخم للغاية ومراوغ يسمى نيوترينو "عقيم"، والذي يعتقد أنه يفسر الكتلة المحدودة (الصغيرة جدًا) للنيوترينوات اليسارية الأكثر شيوعًا. بحسب الفيزيائي في، يمكن استخدام تناظر CPT لتحديد وفرة النيوترينوات الصحيحة في كوننا. مع الأخذ في الاعتبار كثافة المادة السوداء أو المظلمة المرصودة، يشير إلى أن هذا يعطي كتلة للنيوترينو الصحيح تبلغ حوالي 5 × 108 غيغا إلكترون فولت - حوالي 500 مليون ضعف كتلة البروتون.

ويصف هذه الكتلة بأنها تشبه "بشكل لا يصدق" تلك المشتقة من إشارتين راديو شاذتين تم اكتشافهما بواسطة هوائي أنتاركتيكا النبضي العابر (ANITA). تجربة منطاد الهواء الساخن، التي تحلق فوق القارة القطبية الجنوبية، تراقب تدفق الأشعة الكونية عبر الغلاف الجوي. ومع ذلك، في مناسبتين يبدو أن ANITA قد اكتشفت جسيمات بكتل تتراوح بين 2 و10 × 108 GeV.

كشفت تجربة Antarctic Impulse Transient Antenna (ANITA) عن جسيمين عاليي الطاقة لهما توقيع مذهل، والذي يمكن أن يكشف عن أثر النيوترينو المعقم.

نظرًا لأن النيوترينوات العادية ستتفاعل بشكل شبه مؤكد قبل الذهاب إلى هذا الحد، فقد اقترح توماس ويلر من جامعة فاندربيلت وزملاؤه مؤخرًا أن الجناة كانوا في الواقع يتحللون النيوترينوات المستقيمة.

ومع ذلك، يشير Turok إلى مشكلة: يتطلب نموذج CPT المتماثل أن تكون هذه النيوترينوات مستقرة تمامًا. لكنه يظل متفائلا بحذر. "من الممكن أن تتسبب في تحلل هذه الجسيمات مع تقدم عمر الكون، لكن هذا يتطلب تعديلًا بسيطًا لنموذجنا. لذلك ما زلنا مفتونين، لكنني بالتأكيد لن أقول إننا مقتنعون في هذه المرحلة ".

المصادر: خطابات المراجعة المادية

المادة السوداء أو المظلمة: هل تختبئ البوزونات السوداء المظلمة في التفاعل بين النيوترونات والإلكترونات؟

signature bosons noirs interactions neutrons électrons

على الرغم من أن هذا هو افتراض الغالبية للنموذج الكوني القياسي أو المعياري، إلا أن طبيعة المادة السوداء أو المظلمة لا تزال غير معروفة تمامًا. في السنوات الأخيرة، تم اقتراح العديد من المرشحين ومن بينهم Black Bosons البوزونات السوداء. يقال أن هذه البوزونات خارج النموذج القياسي أو المعياري مسؤولة عن وجود المادة السوداء أو المظلمة والتي قد تظهر في التفاعل بين الإلكترونات والنيوترونات. في الآونة الأخيرة، تم إجراء تجربتين للكشف عن توقيع محتمل لهذه البوزونات الافتراضية. بينما لم يلاحظ أحدهما شيئًا غير عادي، حصل الآخر على نتائج غريبة. وإحدى الفرضيات المطروحة لتفسيرها هي وجود البوزونات السوداء.

على عكس البوزونات الكلاسيكية، مثل الفوتونات والغلونات، فإن تبادل أو تفاعل البوزونات السوداء لن يؤثر على بيئتها المباشرة. إذا كانت موجودة بالفعل، فقد تكون طاقتها الجماعية مسؤولة عن المادة السوداء المظلمة. بحثت الدراستان - إحداهما من قبل باحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، والأخرى بواسطة جامعة آرهوس في الدنمارك - عن الاختلافات الدقيقة في موضع الإلكترون في أحد النظائر المشعة عندما انتقلت بين مستويات الطاقة الذرية.

تجربتان بنتائج متناقضة:

يمكن أن يكون التذبذب علامة على وجود بوزونات سوداء. هذا البوزون، من الناحية النظرية، قد يأتي من تفاعل بين الإلكترون والكواركات التي تشكل النيوترونات في نواة الذرة. استخدم الفريق بقيادة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عددًا قليلاً من نظائر الإيتربيوم في تجربتهم، بينما كان الكالسيوم هو العنصر المفضل للمجموعة التي تقودها جامعة آرهوس.

manifestation boson noir interaction électron neutron atome

رسم بياني يوضح خصائص القوة الذرية الجديدة بين الإلكترون (e-) والنيوترون (n) بوساطة التبادل الافتراضي لبوزون جديد افتراضي ϕ. ينتج عن الاقتران جهد شبيه بـ Yukawa يغير مستويات الطاقة الذرية ويمكن فحصه بواسطة التحليل الطيفي للتحول النظيري.

قامت كلتا التجربتين بدمج بياناتهما على نوع من الرسم البياني الخاص بقياس فئات الحركات في النظائر. بينما أعطت التجربة المعتمدة على الكالسيوم النتيجة المتوقعة، كان الرسم البياني لليتربيوم غير عادي، مع وجود انحراف ذي دلالة إحصائية في خطية الرسم البياني.

ومع ذلك، هذا لا يشكل دليلا في حد ذاته. من ناحية أخرى، إذا كان بإمكان البوزون تفسير هذه الأرقام، فيمكن أيضًا للعملية أن تراجع بالطريقة التي يقومون بها بالحسابات، وهو نوع من التصحيح يسمى تحول المجال التربيعي. يحتاج السبب الدقيق الذي يجعل إحدى التجارب قد وجدت شيئًا غريبًا بينما لم تجد الأخرى شيئًا على الإطلاق، يحتاج أيضًا إلى تفسير.

المادة السوداء أو المظلمة: البحث عن الجسيمات خارج النموذج القياسي:

في حين أن إضافة بوزونات جديدة خارج النموذج القياسي ليس محظورًا حقًا، إلا أنها تتطلب بعض التعديل. على أي حال، لا يزال البحث عن مرشحين يشكلون المادة السوداء أو المظلمة نشطًا. في بداية العام، تم الحديث عن تجربة XENON1T في مواجهة عدد الإلكترونات المتراجعة الكشف، التوقيع المحتمل لوجود الأكسيونات.

في عام 2016، تم رصد نوع من المادة السوداء أو المظلمة المرشحة يسمى بوزون مادالا بين البيانات التي تم جمعها بواسطة مصادم الهادرونات الكبير في بحثه عن جسيم هيغز. يمكن اعتبار هذا الجسيم نوعًا من النسخة المظلمة من بوزون هيغز. ومع ذلك، فقد خفف سيرن من إثارة الفيزيائيين، متذكرًا أنه لا شيء في البيانات يشير إلى وجود مثل هذا البوزون. لذلك سيتعين علينا الانتظار لفترة أطول قليلاً لكشف سر المادة السوداء أو المظلمة.

المصادر: خطابات المراجعة المادية (1، 2)

يمكن أن يشير الشذوذ في طيف الأشعة الكونية بشكل غير مباشر إلى وجود المادة السوداء أو المظلمة

إلى اليسار: محاكاة لتوزيع المادة السوداء أو المظلمة في الكون بعد حوالي 3 مليارات سنة من الانفجار العظيم. إلى اليمين: عناقيد من المادة السوداء أو المظلمة (حمراء)، تزيد كتلتها عن 300 مليون ضعف كتلة الشمس (باللون الأصفر). | كونسورتيوم برج العذراء

يعد اكتشاف المادة السوداء أو المظلمة، التي تشكل حوالي 27 ٪ من إجمالي كثافة الطاقة في الكون، نشأت أحد التحديات الأساسية للفيزياء الفلكية الحديثة يتعلق بماهية هذه المادة وطبيعتها.

بينما يستمر البحث، فإن البيانات الجديدة التي حصل عليها الكاشف المداري الصيني DAMPE ونشرت في 29 نوفمبر في مجلة Nature (1)، كانت تهز المجتمع العلمي لبضعة أيام. في الواقع، يمكن أن يكون اكتشاف شذوذ في تدفق الأشعة الكونية المرصود إشارة غير مباشرة على وجود المادة السوداء أو المظلمة.

DAMPE ودراسة الأشعة الكونية عالية الطاقة :

مستكشف الجسيمات DArk Matter Particle Explorer (DAMPE)، الذي تم إطلاقه في 17 ديسمبر 2015 على ارتفاع 500 كيلومتر، هو كاشف للجسيمات عالي الطاقة للغاية مُحسَّن لدراسة الأشعة الكونية المكونة من الإلكترونات والبوزيترونات (CREs)، وكذلك من دراسة أشعة غاما. وبشكل أكثر تحديدًا، يتم معايرة DAMPE لطاقات تصل إلى 10 إلكترون فولت.

كاشف DAMPE المداري، الذي يدرس تدفقات الأشعة الكونية عالية الطاقة للإلكترونات والبوزيترونات.

دراسة الـ CREs لها فائدة مزدوجة. أولاً، يوفر فهمًا أفضل لظواهر المجرات عالية الطاقة مثل المستعرات العظمى (2). ثانيًا، يمكن أن يسمح بملاحظة ظاهرة المادة السوداء أو المظلمة، مثل فناء أو تحلل جسيمات هذه المادة السوداء المظلمة.

بالإضافة إلى ذلك، يقوم الكاشف أيضًا بقياس اتجاه السقوط وكذلك شحنة الجسيمات، ويميز بشكل فعال البروتونات (التي تتداخل مع الكشف) عن الإلكترونات والبوزيترونات. نظرًا لأن هذا التمييز ضروري لدراسة الأشعة الكونية، فإن DAMPE قادر على رفض أكثر من 99.99٪ من البروتونات مع الاحتفاظ بـ 90٪ من الإلكترونات / البوزيترونات.

قام الفريق الدولي المسؤول عن DAMPE بتحليل البيانات التي تم جمعها من 27 ديسمبر 2015 إلى 8 يونيو 2017 أو خلال 530 يومًا من الكشف. خلال هذه الفترة، سجل DAMPE أكثر من 2.8 مليار تدفق للأشعة الكونية، منها ما يقرب من 1.5 مليار من الإلكترونات والبوزيترونات فوق 25 GeV.

شذوذ في طيف الطاقة للأشعة الكونية:

يتم إنشاء طيف طاقة الأشعة الكونية من خلال تخطيط الرسم البياني الذي يمثل عدد الجسيمات في التدفق كدالة لطاقتها. تفقد تدفقات الأشعة الكونية طاقتها تدريجياً أثناء انتشارها. وبالتالي فإن الشكل المتوقع لطيف الطاقة في مثل هذه الحالة هو منحنى متناقص.

ومع ذلك، فإن الطيف الذي أنشأه الفيزيائيون من بيانات DAMPE كشف عن اختلافات كبيرة. على وجه التحديد، يُظهر الطيف بوضوح "كسر" حول 0.9 تيرا إلكترون فولت (900 جيجا إلكترون فولت). هذا "الفاصل الطيفي" ليس جديدًا حقًا.

تم إنشاء طيف الطاقة للـ CREs من نتائج تعاون HESS في عام 2009. يظهر انقطاع في الطيف (دائرة حمراء) حوالي 600 GeV، مما يشير إلى وجود فائض من الإلكترونات والبوزيترونات. ومع ذلك، تم إلقاء اللوم على هذا الشذوذ على أخطاء القياس.

في الواقع، في عامي 2008 و 2009، قام تعاون HESS (النظام المجسم عالي الطاقة)، المكون من شبكة من تلسكوبات تصوير Cherenkov الموجودة في ناميبيا، بتحليل النتائج التي تم الحصول عليها من دراسة الأشعة الكونية عالية الطاقة وكان بالفعل قادرًا على إنشاء طيف طاقة غير طبيعي، يظهر انقطاعًا (3). ومع ذلك، في ذلك الوقت، تم تفسير هذا الفاصل من خلال عدم اليقين في قياسات الأجهزة.

تؤكد النتائج الأخيرة للتعاون DAMPE النتائج السابقة لـ HESS. في الواقع، على الرغم من الضرورة مع الأخذ في الاعتبار الشكوك الإحصائية بشأن التدفقات، فإن أدوات DAMPE تجعل من الممكن تقليل الأخير بشكل كبير والتأكيد بشكل لا لبس فيه على الوجود الفعلي لكسر في طيف الطاقة لـ CREs.

هذا الكسر حول 0.9 TeV n ليس هذا هو الشذوذ الوحيد الذي يسبب الاضطراب في المجتمع العلمي. يُظهر الطيف أيضًا نقطة معزولة عند 1.4 تيرا إلكترون فولت (1400 غيغا إلكترون فولت) مع عدم يقين قياس منخفض جدًا. بينما في مستوى الطاقة هذا يجب أن يستمر عدد الإلكترونات والبوزيترونات في الانخفاض، تظهر هذه النقطة بدلاً من ذلك عددًا كبيرًا بشكل غير طبيعي.

طيف الطاقة من CREs الذي أنشأته تعاون DAMPE. يظهر الرسم البياني بوضوح فاصلًا حول 1 تيرا إلكترون فولت (دائرة سوداء) وخاصة وجود فائض من الإلكترونات والبوزيترونات عند ~ 1.4 تيرا إلكترون فولت (السهم الأسود) مما يمثل عدم يقين منخفض. يمكن أن تشير هذه الحالات الشاذة إلى وجود المادة المظلمة.

هل هو توقيع غير مباشر على وجود المادة المظلمة؟

matiere noire illustration

وفقًا لعلماء الفيزياء في تعاون DAMPE، فإن هذا التوزيع غير الطبيعي لطيف الطاقة للـ CREs وهذه النقطة عند 1.4 TeV يمكن أن تكون علامة غير مباشرة على فناء أو تحلل جسيمات المادة السوداء أو المظلمة. فرضية مدعومة بدراسات مختلفة منشورة على arXiv والتي أعقبت مباشرة نشر نتائج DAMPE.

في دراسة نُشرت في 30 نوفمبر 2017 (4)، أظهر الفيزيائيان X. Liu و Z. Liu أن وجود فائض من الإلكترونات / البوزيترونات حول 1.4 TeV قد يشير إلى تفكك جسيمات المادة السوداء المظلمة من داخل هالة محلية من المادة السوداء أو المظلمة، بالقرب من النظام الشمسي.

في دراسة أخرى نشرت في نفس الوقت (5)، أظهر فريق أسترالي من الفيزيائيين أن الفائض الموجود عند 1.4 تيرا إلكترون فولت يتفق جيدًا مع بعض نماذج المادة السوداء المظلمة التي تتضمن تحلل جسيمات المادة السوداء المظلمة تحت تفاعل البوزونات السوداء.

أخيرًا، تُظهر دراسة ثالثة، نُشرت أيضًا في 30 نوفمبر 2017 (6) أن الشذوذ الطيفي قد تم تفسيره بشكل صحيح من خلال نموذج المادة السوداء المظلمة ديراك، والذي يقدم آلية تحلل المادة السوداء المظلمة تحت تأثير البوزون. أسود Z '. في هذا النموذج، يتم إنتاج زوج إلكترون-بوزيترون نتيجة لتحلل زوج من جسيمات المادة السوداء المظلمة بعد التفاعل χ ̄χ → Z ′ → e e. يحدث هذا الانحلال عند مستويات طاقة متوافقة مع 1.4 TeV المكتشفة.

detecteur orbital dampe

ومع ذلك، كما يذكرنا تشانغ جين (المتحدث باسم تعاون DAMPE)، على الرغم من أن الشذوذ الطيفي الملاحظ يتوافق تمامًا مع فرضية المادة السوداء المظلمة، فإن النتائج لا تسمح لنا بأي شكل من الأشكال بالقرار أو التأكيد أو الرفض لهذا افتراض. قد يكون التوزيع غير الطبيعي للطيف ناتجًا أيضًا عن أحداث فيزيائية فلكية فائقة الطاقة، مثل المستعرات الأعظم أو قذف النجوم النابضة.

هذا هو السبب في أن العمر التشغيلي لـ DAMPE، الذي كان من المخطط في البداية أن يستمر لثلاث سنوات فقط، قد تم تمديده لعدة سنوات أخرى. ستجعل التحسينات التي سيتم إجراؤها عليه في المستقبل من الممكن تقليل حالات عدم اليقين في القياس، مع دفع حساسية الاكتشاف إلى ما بعد 10 تيرا بايت.

ستكون البيانات التي تم جمعها بهذه الطريقة حاسمة لأنها ستسمح بتقييد القيم الطيفية للجسيمات الدقيقة بشكل أكثر دقة، بهدف التمكن أخيرًا من تحديد المصدر الحقيقي لهذه الحالات الشاذة: المستعرات الأعظمية أو النجوم النابضة أو المادة السوداء المظلمة.

spectre en energie cres collaboration hess 2009

spectre energie cres collaboration dampe

المصادر: Nature (1)، Arxiv.org (2، 3، 4، 5، 6)

حدود مُحسَّنة قائمة على التحول النظائري على البوزونات خارج النموذج القياسي من خلال قياسات الفاصل الزمني 2D3 / 2−2D5 / 2 في Ca +

سيريل سولارو، وستيفن ماير، وكارين فيشر، وجوليان سي.برنجوت، وإلينا فوكس، ومايكل دروسن

فيز. القس ليت. 125، 123003 - تم النشر في 15 سبتمبر 2020

انظر الملخص: تلميحات من البوزونات المظلمة

نقوم بإجراء تحليل طيفي عالي الدقة للفاصل الزمني ثلاثي الأبعاد 2D3 / 2−3d 2D5 / 2 في جميع النظائر المستقرة حتى لـ ACa + (A = 40 و 42 و 44 و 46 و 48) بدقة 20 هرتز باستخدام التردد المباشر- مشط مطياف رامان. بدمج هذه البيانات مع قياسات إزاحة النظائر للانتقال 4s 2S1 / 2↔3d 2D5 / 2، نجري تحليل مخطط King بحساسية غير مسبوقة للاقتران بين الإلكترونات والنيوترونات بواسطة البوزونات خارج النموذج القياسي. علاوة على ذلك، فإننا نقدر حساسية هذه البوزونات من التحليل الطيفي المكافئ في Ba + و Yb +. أخيرًا، ينتج عن البيانات تحولات نظيرية للانتقال 4s 2S1 / 2↔3d 2D3 / 2 بمعدل 10 أجزاء لكل مليار من خلال الجمع مع البيانات الحديثة لـ Knollmann و Patel و Doret [Phys. القس أ 100، 022514 (2019)].

- تم الاستلام 1 مايو 2020

- مقبولة 20 أغسطس 2020

DOI: https: //doi.org/10.1103/PhysRevLett.125.123003

© 2020 الجمعية الفيزيائية الأمريكية

عناوين موضوعات الفيزياء (PhySH)

1- مجالات البحث

التحولات الإلكترونية امتدادات قطاع هيغز امتدادات قطاع المقاييس التفاعلات طويلة المدى

1- النظم الفيزيائية

الأيونات المحاصرة

1- التقنيات

مطيافية ليزر الفيمتو ثانية

الجزيئات والحقول الذرية والجزيئية والبصرية

تلميحات من البوزونات المظلمة

تم النشر في 15 سبتمبر 2020

تظهر إشارة متوقعة لنوع من المادة المظلمة في أطياف نظائر الإيتربيوم.

شاهد المزيد في الفيزياء

المؤلفون والانتماءات

Cyrille Solaro1 و * و Steffen Meyer1 و و Karin Fisher1 و Julian C. Berengut2 و ‡ و Elina Fuchs3 و 4 و § و Michael Drewsen1 و

- 1 قسم الفيزياء والفلك، جامعة آرهوس، DK-8000 آرهوس سي، الدنمارك

- 2 مدرسة الفيزياء، جامعة نيو ساوث ويلز، سيدني، نيو ساوث ويلز 2052، أستراليا

- قسم 3 Theory، Fermilab، باتافيا، إلينوي 60510، الولايات المتحدة الأمريكية

- 4 قسم الفيزياء، جامعة شيكاغو، شيكاغو، إلينوي 60637، الولايات المتحدة الأمريكية

- *solaro@phys.au.dk

- †steffen.meyer@phys.au.dk

- ‡julian.berengut@unsw.edu.au

- §elinafuchs@uchicago.edu

- drewsen@phys.au.dk

دليل على التحول النظيري غير الخطي في Yb + البحث عن بوزون جديد

إيان كونتس، وجونسوك هور، وديانا بي إل.أودي كريك، وهونغجي جيون، وكالفن ليونغ، وجوليان سي بيرنغوت، وآمي جيديس، وأكيو كاواساكي، وونهو جي، وفلادان فوليتيتش

فيز. القس ليت. 125، 123002 - تم النشر في 15 سبتمبر 2020

انظر الملخص: تلميحات من البوزونات المظلمة

نقيس التحولات النظيرية لخمسة نظائر Yb + بدون دوران نووي على تحولات ضيقة رباعية الأضلاع 2S1 / 2 → 2D3 / 2، 2S1 / 2 → 2D5 / 2 بدقة 300 هرتز. يُظهر مخطط King المقابل انحرافًا بمقدار 3 × 10 عن الخطية عند مستوى عدم اليقين 3σ. يمكن لمثل هذا اللاخطي أن يشير إلى فيزياء تتجاوز النموذج القياسي (SM) في شكل حاملة قوة بوزونية جديدة، أو تنشأ من تأثيرات نووية عالية المستوى داخل SM. نحدد تحول المجال التربيعي كمساهم نووي محتمل في اللاخطية على المقياس المرصود، ونوضح كيف يمكن استخدام النمط اللاخطي في المستقبل، قياسات أكثر دقة لفصل إشارة البوزون الجديدة عن التأثيرات النووية.

- تم الاستلام في 23 أبريل 2020

- تم القبول في 27 يوليو 2020

DOI: https: //doi.org/10.1103/PhysRevLett.125.123002

© 2020 الجمعية الفيزيائية الأمريكية

عناوين موضوعات الفيزياء (PhySH)

1-مجالات البحث

التركيب الإلكتروني للذرات والجزيئات، التحولات الإلكترونية، امتدادات قطاع هيغز، امتدادات قطاع القياس، القوى النووية

1-النظم الفيزيائية

الأيونات المحاصرة

1-التقنيات

تفاعل التكوين الطيفي

الفيزياء الذرية والجزيئية والنووية والجسيمات والحقول

تلميحات من البوزونات المظلمة

تم النشر في 15 سبتمبر 2020

تظهر إشارة متوقعة لنوع من المادة المظلمة في أطياف نظائر الإيتربيوم.

شاهد المزيد في الفيزياء

المؤلفون والانتماءات

إيان كونتس 1، *، Joonseok Hur1، *، Diana P. L. Aude Craik1، Honggi Jeon2، Calvin Leung1، Julian C. Berengut3، Amy Geddes3، Akio Kawasaki4، Wonho Jhe2، و Vladan Vuletić1، †

- 1 قسم الفيزياء ومختبر أبحاث الإلكترونيات، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كامبريدج، ماساتشوستس 02139، الولايات المتحدة الأمريكية

- 2 قسم الفيزياء والفلك، جامعة سيول الوطنية، سيول 151-747، كوريا

- 3School of Physics، University of New South Wales، Sydney، New South Wales 2052، Australia

- 4 واط. مختبر دبليو هانسن للفيزياء التجريبية وقسم الفيزياء، جامعة ستانفورد، ستانفورد، كاليفورنيا 94305، الولايات المتحدة الأمريكية

-       *أنا. ساهم C. و J.H بالتساوي في هذا العمل.

- †vuletic@mit.edu

حدود مُحسَّنة قائمة على التحول النظائري على البوزونات خارج النموذج القياسي من خلال قياسات الفاصل الزمني 2D3 / 2−2D5 / 2 في Ca +

سير إيل سولارو، وستيفن ماير، وكارين فيشر، وجوليان سي.برنجوت، وإيلينا فوكس، ومايكل دروسن

فيز. القس ليت. 125، 123003 - تم النشر في 15 سبتمبر 2020

انظر الملخص: تلميحات من البوزونات المظلمة

نقوم بإجراء تحليل طيفي عالي الدقة للفاصل الزمني ثلاثي الأبعاد 2D3 / 2−3d 2D5 / 2 في جميع النظائر المستقرة حتى لـ ACa + (A = 40 و 42 و 44 و 46 و 48) بدقة 20 هرتز باستخدام التردد المباشر- مشط مطياف رامان. بدمج هذه البيانات مع قياسات إزاحة النظائر للانتقال 4s 2S1 / 2↔3d 2D5 / 2، نجري تحليل مخطط King بحساسية غير مسبوقة للاقتران بين الإلكترونات والنيوترونات بواسطة البوزونات خارج النموذج القياسي. علاوة على ذلك، فإننا نقدر حساسية هذه البوزونات من التحليل الطيفي المكافئ في Ba + و Yb +. أخيرًا، ينتج عن البيانات تحولات نظيرية للانتقال 4s 2S1 / 2↔3d 2D3 / 2 بمعدل 10 أجزاء لكل مليار من خلال الجمع مع البيانات الحديثة لـ Knollmann و Patel و Doret [Phys. القس أ 100، 022514 (2019)].

- تم الاستلام 1 مايو 2020

- مقبولة 20 أغسطس 2020

DOI: https: //doi.org/10.1103/PhysRevLett.125.123003

© 2020 الجمعية الفيزيائية الأمريكية

عناوين موضوعات الفيزياء (PhySH)

1-مجالات البحث

التحولات الإلكترونية امتدادات قطاع هيغز امتدادات قطاع المقاييس التفاعلات طويلة المدى

1-النظم الفيزيائية

الأيونات المحاصرة

1-التقنيات

مطيافية ليزر الفيمتو ثانية

الجزيئات والحقول الذرية والجزيئية والبصرية

تلميحات من البوزونات المظلمة

تم النشر في 15 سبتمبر 2020

تظهر إشارة متوقعة لنوع من المادة المظلمة في أطياف نظائر الإيتربيوم.

شاهد المزيد في الفيزياء

المؤلفون والانتماءات

Cyrille Solaro1 و * و Steffen Meyer1 و و Karin Fisher1 و Julian C. Berengut2 و ‡ و Elina Fuchs3 و 4 و § و Michael Drewsen1 و

- 1 قسم الفيزياء والفلك، جامعة آرهوس، DK-8000 آرهوس سي، الدنمارك

- 2 مدرسة الفيزياء، جامعة نيو ساوث ويلز، سيدني، نيو ساوث ويلز 2052، أستراليا

- قسم 3 Theory، Fermilab، باتافيا، إلينوي 60510، الولايات المتحدة الأمريكية

- 4 قسم الفيزياء، جامعة شيكاغو، شيكاغو، إلينوي 60637، الولايات المتحدة الأمريكية

- *solaro@phys.au.dk

- †steffen.meyer@phys.au.dk

- ‡julian.berengut@unsw.edu.au

- §elinafuchs@uchicago.edu

- drewsen@phys.au.dk

Figure

Figure

Figure

Received 1 May 2020

Accepted 20 August 2020

Key ImageFigure

Figure

Received 23 April 2020

Accepted 27 July 2020

 

كثيراً مانَقْرَأُ مقالاتٍ لكُتابٍ ومثقفينَ يُرَدِدُونَ مقولةَ؛ (حقُ الخطأ)؛ فَهَلْ الخَطَأ حَقٌّ من حقوقِ الانسانِ كَحَقِهِ في التعليم والتعبيروالملكيةِ والامنِ واحترامِ انسانيَّتِهِ؟

الخَطَأ : هو ارتكابُ ذنبٍ من غير تَعَمُّدٍ . والقتلُ الخَطَأ ماليس للانسانِ فيه تَعَمُّدٌ؛ الخطأ لايؤاخذُ عليه الانسانُ ويترتبُ عليهِ عفوٌ؛ لانَّهُ غيرُ مقصودٍ؛ ولم يَصدُرْ من صاحِبِهِ عن عمدٍ وسبقِ اصرارٍ؛ ولكنَّهُ ليسَ حقاً من حقوقِ الانسانِ .

التَّرويجُ لمقولةِ (حقُ الخَطَأ)؛ هو اغراءٌ للانسان باجتراحِ الاخطاءِ . صحيحٌ ان الانسانَ الفردَ يتعلمُ من اخطائهِ؛ والمجتمعات تتعلمُ من اخطائِها في تطويرِ نفسها من خلال تجربةِ الخَطأ والصواب؛ ولكن كلُّ ذلكَ لايجعلُ من الخَطَأ حقاً للانسانِ المخطئ؛ الانسانُ المخطئ مطالَبٌ ان لايعاودَ خطأَهُ ولايكرره .

الخطأ احياناً يكونُ نتيجةً لضعف الانسان امامَ مُغرياتِ الحياةِ؛ الاسلامُ يعترفُ بهذا الضعف الانساني؛ ويفتحُ أمامَ الانسان بابَ التوبة؛ لان التائبَ من الذنبِ كمن لاذنبَ لهُ واحياناً يكون ناتجاً عن اهمالٍ، والحكومات تعاقب الموظفين المهملينَ في واجباتهم واعمالهم؛ وربما يفصلوا من وظائفهم بسببِ هذا الاهمال الذي سبب خطأً غيرَ متعمدٍ.

في القتلِ الخطأ غير المتعمد رتب الاسلام كفارة على من يقتل خطأً والزمه بدفع ديّةٍ حتى لاتتكرر الاخطاء . يقولُ اللهُ تعالى:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا). النساء: الاية:92 .

نعم يمكننا أنْ نُدخِلَ الخَطَأَ في مقولة الحُرِّيَّةِ؛ في كونِ الانسانِ حراً في أن يُخطئَ أويصيب؛ وأن يعصي أو يطيع؛ ويؤمن أو يكفر؛ ولكنهُ يتحملُ المسؤوليةَ كاملةً عن اختياراتِهِ واخطائهِ ومعاصيه؛ ولاندخلهُ في مقولةِ الحق. يقول الله تعالى :

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ). الكهف: الاية:29.

وان كانت هذه الصيغة في الايةِ الكريمة استخدمت اسلوبَ التهديد كما يقول البلاغيون؛ ولكن الانسان حرٌ في اختيارهِ للكفرِ والايمانِ ويتحملُ مسؤوليةَ اختيارهِ كاملةً .

 

زعيم الخيرالله

 

احمد الزاهر الكحل(ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة نموذجا)

يحاول البحث الوقوف على تطور الحكاية ودور الترجمة في انتشارها، انطلاقا من تطور وشيوع حكايات " ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" ، حيث ساهمت الترجمة في ذيوعها الحثيث مما ساهم في تلاقح الثقافات وتقاربها ونشر القيم والمواعظ بين أطفال العالم باختلاف أعراقهم وطبقاتهم، إذ أصبحت شخصياتهم شعبية ومألوفة. وعلى المستوى الأدبي كان لترجمة "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" مصدر إلهام للعديد من الكتاب الغربيين الذين قلدوا تلك الحكايات باحثين في تراث بلدانهم عن حكاياتهم الشعبية مثل "شارل بيرو"Charles Perrault/ الذي كتب أول كتاب لحكايات الأطفال في العالم وبعده "الأخوان غريم"les frères GRIMM/ ، أما "لافونتين"De la Fontaine/ فقد اقتبس العديد من فابولاته من "كليلة ودمنة".

مقدمة:

منذ القدم كانت القصة تحكى من أجل المتعة والتسلية فاحتلت المقام الأول في احتفالات القبيلة، لذا ليس غريبا أن يهتم الأولون كثيرا بخاصية الحكي،  لما لها من دور في تسلية الآخرين والترويح عنهم. فالحكاية تحافظ على لغة وعادات الشعوب و تعلمهم احترام الضوابط الأخلاقية التي تنظم الأفراد في نطاق زمني محدد، وقد تواترت هذه الحكايات جيلا بعد آخر. أما شخصيات تلك الحكايات فكانت و لا تزال تحمل فكر تلك الشعوب ومشاعرها الجماعية وخوفها من ظواهر غريبة تحدث في الطبيعة ، لذا فقد حدثت تعديلات كثيرة في تلك القصص مع مرور الوقت لتلائم تفكير وخصوصيات كل مجتمع، ولقد ساهمت ترجمتها إلى مختلف اللغات في تكييفها مع بيئة المجتمع صاحب اللغة المنقول إليها ، سنتطرق في هذه المقالة إلى محورين اثنين: تطور الحكاية ومساهمة الترجمة في انتشارها.

1- تطور الحكاية :

تعتبر الحكاية من أقدم الأنماط السردية ، فهي قديمة قدم الإنسان ويعود ظهورها إلى أزمنة غابرة ولا يعرف متى كتبت أول حكاية لكن هناك إجماع على أن أصل الحكايات الأولى تعود إلى الشعوب الشرقية، ومن هناك انتشرت إلى باقي أرجاء المعمور من فم إلى آخر،  ومن دولة إلى أخرى،  ويلمس الطابع الشرقي للحكاية من خلال شخوصها، أسمائهم، لباسهم، منازلهم، بيئتهم، عقلياتهم وتصرفاتهم، وقد وجدت أقدم الحكايات العربية مكتوبة في لفائف البردي منذ أزيد من 3000 سنة (1) وهي حكايات مصرية معروفة باسم "حكايات السحرة".

لقد شهد الشرق ميلاد أشهر مجموعة حكايات في العالم وهي "ألف ليلة وليلة" وقد عرّفت العالم على سحر الشرق، من خلال المغامرات الشيقة لأبطالها ، وتعدد ثقافاته وتنوعها فقد شارك في كتابة "ألف ليلة وليلة" العرب والفرس واليهود والمصريون بأسلوب شعبي ولجأوا أحيانا إلى الدارجة مثل حكاية "علاء الدين واالمصباح السحري " الذي كتب باللهجة السورية (2).

وتقدم "ألف ليلة وليلة" حياة الرجل الشرقي ومكر نساء الحريم بطريقة شاعرية وبكثير من الخيال وهي موجهة إلى فئة الكبار، إلا أنها أُدْخــلت عليها تعديلات لتتكيف مع الأطفال. وقد نهل العديد من مؤلفي قصص الأطفال الغربيين من "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" مثل "هانس اندرسون"  Hans Andersen / و "لافونتين"De la Fontaine / وأصبحت بعض القصص وأبطالها ذائعة الصيت في أوروبا مثل "علي بابا" و "السند باد" و "علاء الدين" و"الحصان الطائر..."، و في أوروبا عرفت حكايات الأطفال زخما كبيرا في القرن 17 فقد بدأ كتاب الأطفال في فرنسا، انجلترا، الدنمارك، إلخ في كتابة حكايات موجهة للأطفال وكان إصدار كتاب "‫حكايات أمي الأوزة" (Les Contes de ma mère l’Oye) ل"شارل بيرو"/ Charles Perraultسنة 1697بفرنسا بمثابة الشرارة التي انتقلت إلى مختلف الدول الأوروبية، وقد دفعت العديد من الأدباء الى البحث عن حكايات في تراث بلدانهم وتطبيقها لنسج حكايات الأطفال. وقد ضمت مجموعة "حكايات أمي الأوزة " حكايات لا تزال شعبية جدا بين أطفال زماننا هدا مثل:"السندرلا"، "الجمال النائم"، "اللحية الزرقاء"، "ذات الرداء الأحمر"…

وفي إنجلترا صدرت سنة 1865 مجموعة"أليس في بلاد العجائب"الموجهة للأطفال لكاتبها " لويس كرول" Lewis/ Carrol  وفي ألمانيا أصدر "الأخوان غريم" Jacob & Wilhalm GRIMM / ما بين سنة 1814-1812 أشهر مجموعة قصصية للأطفال » :حكايات الأطفال والبيو ت «  في جزئين وضمت أكثر من 200حكاية مستمدة من التراث الألماني بعد أن عدلا محتوياتها لتناسب الأطفال ولعل أشهرها حكاية " بياض الثلج"، "الساحرة الشريرة"، "الأميرة النائمة"، "بياض الثلج والوردة الحمراء"، "الثعبان الأبيض"، "ماء الحياة، إلخ. وتجدر الإشارة إلى أن "الأخوين غريم" قاما بتعديل عدة حكايات تعود ل"شارل بيرو"  و أعادا نشرها مثل: "السندرلا"، "الجمال النائم"، "صاحبة الرداء الأحمر" ...

2- دور الترجمة في انتشار الحكاية:

تعتبر "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"من أمهات كتب الحكايات في العالم وقد تأثر ت بها مجتمعات عدة وساهمت الترجمة لحد كبير في انتشار حكاياتها ومد جسور التعارف بين مختلف الثقافات وجعلت أفرادها تتماهى مع شخصياتها أحيانا وتتعاطف معها أو تختلف أحيانا أخرى.

فكتاب "كليلة ودمنة"الذي ألفه الفيلسوف الهندي "بيدبا" للملك "دبشليم" تحت اسم"بينج تنترا" أي ا لفصول الخمسة، يحتوي على قصص عديدة أبطالها حيوانات لكنها تنوب عن شخصيات بشرية تعالج قضايا عدة وتلامس المكر والخداع الذي يتعرض له الإنسان بصفة عامة، وتقدم مواعظ لعل المرء يستفيد منها ومواقف قصد تجنبها . الترجمة الأولى للكتاب تمت إلى اللغة الفارسية بواسطة الطبيب الفارسي بارزويه بتكليف من كسرى بلاد فارس بين سنة 531م و570م(3). الترجمة الثانية ل"كليلة ودمنة" تمت من الفارسية إلى اللغة العربية وقام بها عبدالله بن المقفع الفارسي الأصل بعد اطلاعه على النسخة الفارسية، وعدل بعض الحكايات وأضاف أخرى حوالي سنة 750م خلال العصر العباسي(4) . عرف الكتاب المترجم إقبالا منقطع النظير في العالم العربي وأصبحت شخصياته شعبية بين الصغار والكبار . يذكر أن النسختين الهندية والفارسية قد فقدتا ولم تبق إلا النسخة العربية.(5) وحوالي سنة 1261 ظهرت النسخة الأسبانية (6) من كتاب "كليلة و دمنة" وقد شكلت النواة الأساس للعديد من الإصدارات والنسخ المعدلة أو المقلدة للكتاب الأم، ومن بين أبرز من استولى على خرافات كليلة ودمنة وأدخل عليها تعديلات نجد الفرنسي (1621-1695 De la Fontaine) الذي ساهم في نشر الفابولات وأنسنة الحيوانات التي تشكل شخصياتها الرئيسية، ولم يهدف "لافونتين" في خرافاته إلى الإمتاع و المؤانسة فقط،  بل هدف كذلك إلى التعليم من أجل استخلاص العبر. ولولا الترجمة التي قام بها "جيلبير كولمين" Gilbert Goulmin/ ل"كليلة ودمنة" سنة 1644لما تسنى للافونتين اقتباس أزيد من عشرين حكاية ونشرها على أوسع نطاق (7).

وكان لتعريب خرافات "لافونتين" من طرف "محمد عثمان جلال" في أواخر القرن 19 دور كبير في تأثر "أحمد شوقي" بأسلوبه كما جاء على لسانه في مقدمة ديوانه "الشوقيات" سنة 1898م والذي نظم فيه أبياتا تحكي قصصا على لسان الحيوان.

وهكذا ساهمت الترجمة في نقل الحكايات من شعب إلى آخر ومن ثقافة إلى آخرى و أثرت كذلك في العديد من الكتاب مثل "شارل بيرو" و"لافوننتين" و"أحمد شوقي" وجعلتهم يستلهمون العديد من الحكايات وينعشون قدراتهم الإبداعية. ف"كليلة ودمنة" الهندية الأصل غزت بلاد الفرس والعرب وبعدها الغرب بفضل الترجمة.

أما ترجمة "ألف ليلة وليلة" إلى اللغة الفرنسية التي قام بها المستشرق الفرنسي/ Antoine Galan "أنطوان غلان" في السنوات الأولى للقرن الثامن عشر(8) فقد أثرت في أوروبا برمتها بعد ما نقلت إلى كل لغاتها نقلا عن الفرنسية لدرجة أن  كاتب الأطفال الشهير" هانس أندرسن"Hans Andersen / نهل مما كان يقصه عليه أبوه من القصص الشعبية الدنمركية ومما قرأ من ألف ليلة وليلة (9) وبفضل هذه الترجمة أضحت حكايات"ألف ليلة وليلة" جزءا من ثقافة الأطفال في أوروبا ومن هنا أمدت أدب الأطفال بمصادر وحي جديدة وأصبحت حكايات "علي بابا" و" السندباد" و"الحصان الطائر" رموزا لأدب الأطفال العالمي .

ولم تساهم الترجمة لوحدها في انتشار الحكايات، بل كان لصلات العرب وغيرهم بباقي الثقافات الدور الكبير في تبادل هذه الحكايات سواء من خلال احتكاكهم بالفرس أو عن طريق الأندلس بعد دخولهم إليه مابين 711م و1492م ووفود الغربيين إليهم طيلة الحروب الصليبية مابين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، إضافة إلى التبادل الثقافي والتجاري. لقد ساهم هذا التثاقف في مرور العديد من الحكايات من هنا ومن هناك لدرجة أن الحكاية نفسها تمر إلى بلد معين وترجع إلى الآخر باسم جديد، كما هو حال الحكاية مصرية الأصل "البحار الغريق"التي انتقلت إلى اليونان وظهرت في الأوديسة باسم "يوليسيس" أو "عوليس" ثم عادت إلى العالم العربي باسم "السندباد" (10).

خلاصة:

إن الحكايات هي نتاج مختلف شعوب الحضارات القديمة وكل شعب برع في نوع معين من الحكايات؛ فالهنود والفرس والعرب نسجوا حكايات الجن والخوارق والهنود برعوا في حكايات الحيوان والخرافات أما الإغريق فقد عرفوا بصياغة الأساطير والملاحم (11).

ولقد شكلت حكايات "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" منذ ظهورها أهم وأغنى مصادر أدب الطفل وقد أمتعت وأفادت العديد أطفال العرب جيلا بعد جيل، وبعد ترجمتهما إلى العديد من اللغات، أغنت وجدان أطفال العالم وأصبحت شخصياتها معروفة ومألوفة بين الجميع.

لقد ساهمت ترجمة "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" في إثراء الأدب العالمي وقد اتجه بعض الأدباء

إلى تقليد الكتاب الأم تقليدا مباشرا مثل "غازوط"Gazotte/ الذي نشر كتاب "تكملة لألف ليلة وليلة" /

(12) (Suite de 1001 nuits)و" لافوننتين" الذي اقتبس من "كليلة ودمنة" نحو عشرين حكاية أضافها إلى فابولاته التي نظمها على لسان الحيوان(13).

 

أحمد الزاهر لكحل، مختبر لسانيات، تواصل وترجمة - طنجة

..........................

لائحة المراجع:

(1)- دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، ‏مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الرابعة، القاهرة، 1988، ص  27.

https://ciudadseva.com/texto/el-origen-de-los-(2) cuentos/

(3)- نفس المصدر

(4)- دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، مرجع سابق، ص168

https://www.wdl.org/en/item/8933/ « Kalila and (5) Dimna », World Digital Library, Retreved.

https://ciudadseva.com/texto/el-origen-de-los-(6) cuentos/

(7)- دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، مرجع سابق، ص169 ـ171

(8)- د. سهير القلماوي، ألف ليلة وليلة، دار المعارف بمصر، القاهرة، ص 7

(9) - دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، مرجع سابق، ص 139

(10)- د. أحمد يوسف، القصة المصرية في الأدب المصري القديم، جريدة الأهرام، عدد 9 غشت 1969 (عن علي الحديدي، مرجع سابق، ص 32(

دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، مرجع سابق، ص31 (11)

د. سهير القلماوي، مرجع سابق، ص56  (12)

دكتور علي الحديدي، في أدب الأطفال، مرجع سابق، ص171 (13)

 

 

 

جواد بشارةنصيحة وتحذير من حضارة غريبة ودودة *

ترجمة وإعداد د. جواد بشارة


كما وردني على بريدي الخاص باللغتين الانجليزية والفرنسية وارتأيت أن من واجبي ترجمتها بأمانة وحيادية دون أي تدخل أو تحليل أو تعليق سوى أنه يقولون أنهم بشر مثلنا ومستواها التطوري لا يختلف عنا كثيراً فهم يسبقونا ببضعة مئات ألوف من السنين وليس ملايين ومئات وآلاف الملايين الي يعتبروننا كائنات بدائية لا تستحق العناء والاتصال  نصلح لحديقة الحيوانات كما ننظر نحن للقردة والحيوانات الأخرى في حدائق الحيوان عندنا أو يراقبوننا كحقل تجارب ومن باب الفضول العلمي بينما يقول هؤلاء أنهم مثلنا ومرو بنفس مراحل تطورنا العلمي والبيولوجي والتكنولوجي وهم ينذرونا بما يحيق بنا من مخاطر وأخطار مدمرة قد تبيد نوعنا البشري وبقية الأنواع الحية على كوكبنا إن لم نبادر ونعالج الوضع بأسرع وقت ممكن. ولقد أرسلوا تحذيرهم ونصيحتهم لنا نحن البشر عن طريق الدكتور ديفيد هوكس.

نبذة مختصرة:

للبقاء كنوع على هذا الكوكب، لمنع احتمال أن تصبح الأرض كوكبًا ميتًا على الرغم من الاحتباس الحراري الهارب، فنحن بحاجة إلى الثورة الرقمية الشمسية الثانية. كانت أول ثورة شمسية رقمية هي بداية تطور الحياة المعقدة نفسها. كان من الممكن فقط أن تتطور الحياة إلى ما بعد المستوى البدائي للغاية للبكتيريا والعتيقة عندما طورت مصدرًا للطاقة الشمسية يمكن ربطه بنظام رقمي رباعي قائم (qDS)، أي الشفرة الجينية le code génétique. كان هذا الأخير ضروريًا للتحكم في إطلاق هذه الطاقة وتمرير التكيف مع التغيرات البيئية إلى الجيل التالي. بمجرد أن طورت البكتيريا الزرقاء عملية التمثيل الضوئي لالتقاط الطاقة الشمسية، مع ما يصاحب ذلك من إنشاء غلاف جوي غني بالأكسجين، صار بإمكان عملية التطور أن "تنطلق". ثم قدم الأكسجين الناتج عن عملية التمثيل الضوئي مصدرًا غنيًا فوريًا للطاقة اللازمة للتنفس. لكي يستمر تطور الحياة على الكوكب، يجب أن نستبدل الطاقة الأحفورية بالطاقة الشمسية المتجددة إلى حد كبير - عودة إلى أصولنا التطورية كما كانت. ستمكن تقنيات الأنظمة الرقمية الثنائية (bDS) من تكامل المصادر المتقطعة المختلفة للطاقة الشمسية، وتخزينها، على الأرجح، على شكل هيدروجين، ثم التحكم في إطلاقها. وبالتالي، ستسمح تقنية BDS أيضًا بتطوير وتكامل نظام اجتماعي اقتصادي جديد مدفوع بمصدر الطاقة الجديد هذا، وخلق إمكانية التنوير الثقافي العالمي.

الكلمات المفتاحية: ثنائي binaire، التنوع البيولوجي، المحيط الحيوي، رأس المال، المناخ، الاستهلاك، التفكير النقدي، الرقمي، الرقمي إلى التناظري، الأرض، التعايش الداخلي، التنوير، الإنصاف، البيئة، الطاقة، التوازن، التطور، النخب، الأحافير، الجينات، الجينوم، الإنسان العاقل، العسكري، النووي، البناء الضوئي، الفيزياء، الرباعي quaternaire، الكموم quantique، الأديان، الثورة، الشمسية، الاجتماعية والاقتصادية، الأنواع، الأطياف، الاستقرار، النظم.

* كما أُبلغ هذا النص على ديفيد هوكس David Hookes..

التطور: الاتجاهات والجوانب والأنماط التطورية:

المقدمة

تحياتنا لسكان كوكب الأرض، نحن بشر مثلكم لكننا أقدم منكم بكثير وأكثر تطوراً من الناحية العلمية والتكنولوجية! لقد كنا نراقب كوكبك من وقت لآخر على مدى عدة قرون، أحيانًا بسرور من خلال التسلية، وأحيانًا بجدية، ولكن في الغالب، بقلق كبير، ومؤخرًا، مع زيادة اليأس، خاصة في بضع مئات من السنين الماضية من حاضركم. في ظل - نظام اقتصادي – اجتماعي متنوع ومتناقض. بعد حروب القرن العشرين الأخيرة، بما في ذلك "الحربين العالميتين"، كما تسمونها، والعديد من الحروب الصغيرة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، يبدو أنكم لا تزالون عازمين على تدمير الذات. وفقًا لتقديراتنا، تسببت هذه الحروب الصغيرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مقتل حوالي 20 مليون شخص من شعوبكم. لا ندرج في هذا التقدير الملايين من الأشخاص الذين ماتوا مبكرًا جدًا بسبب عدم كفاية الرعاية الصحية أو بسب سوء توزيع الغذاء والمياه. ويبدو أن السبب الأخير يعود جزئياً إلى قيام الدول الغنية بفرض الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة على البلدان الفقيرة.

نظرًا للحالة المتقدمة نسبيًا لتطوركم العلمي والتقني، فإننا مندهشون لأنكم لم تتوصلوا بعد إلى كيفية مشاركة موارد كوكبكم بطريقة عادلة تقريبًا لجميع سكانه، بما في ذلك أنواع الكائنات الحية الأخرى الموجودة غير الإنسان العاقل Homo sapiens espèce. لقد أطلقنا على هذه الحالة المرغوبة على كوكبنا الأصلي، حالة التوازن البيئي العادل (EEES)، والتي يمكن بموجبها لعملية التطور الاجتماعي أن تتقدم أكثر. يجب أن نعلمكم أننا قد لاحظنا وراقبنا كواكب أخرى في مجرتكم الخاصة، وكانت قد فشلت في معرفة كيفية تحقيق هذه الحالة المرغوبة والأساسية من التوازن البيئي العادل EEES: ولقد أصبحت الآن كواكب ميتة. في الواقع، في بعض الحالات، حاولنا تحذيرهم لكنهم تجاهلوا تحذيرنا.

ونحن الآن نحذركم!

سنذكر الآن ما نعتبره من العوامل الحاسمة التي تساهم في نقص الوعي الواضح بمخاطر مساركم الحالي:

عصر الاستهلاك المفرط. يبدو، وقد لاحظنا هذا في العديد من الكواكب الأخرى، أنه عندما يصل النظام الاجتماعي والاقتصادي الرأسمالي إلى مستوى من الاستهلاك المفرط، ينحصر السكان في دورة استهلاك عمل يصعب للغاية الهروب منها. لقد لاحظنا أنكم طورتم أنظمة دعاية وإعلان متطورة شجعت الناس على الانغماس في الاستهلاك المبالغ فيه والانغماس في الأنانية وفي أنفسهم، وخلق رغبات كاذبة من خلال فهم الدوافع العاطفية الخفية، تحت سطح وعيهم. استمد هذا الفهم من أعمال وأبحاث أحد المفكرين الرئيسيين عندكم، وهو الدكتور سيغموند فرويد Dr Sigmund Freud (2005)، وتم تنفيذه وتطبيقه في الولايات المتحدة من قبل ابن أخيه، إدوارد بيرنايز Edward Bernays (2005).

قمع التفكير النقدي القائم على العلم. وقد اقترنت حالة الاستهلاك المفرط هذه أيضًا بقدرة الفئات الاجتماعية المهيمنة (النخبة) على قمع التفكير النقدي القائم على العلم لدى السكان.

هذا مجمل ما شخصناه، واتضح أن الأفضل لهؤلاء النخب، منع التفكير النقدي والاحتجاجي من الظهور. وبالطبع، فقد سُمح بمثل هذا التفكير النقدي، بل وشجع عليه، بين قطاع ضيق نسبيًا، وهو النخبة العلمية والتقنية. مثل هذا التفكير ضروري حتى يتمكنوا من إنتاج منتجات مبتكرة للسوق الاستهلاكية وللجيش، وكذلك حل المشكلات العملية. استخدمت هذه النخب مجموعة من الأساليب لتحقيق الهدف المتمثل في تهدئة عامة السكان وتخديرهم: إنشاء أنظمة تعليمية ذات نوعية رديئة بشكل عام وباهظة التكلفة بشكل متزايد جنبًا إلى جنب مع الدعاية المستمرة من قبل الشركات الإعلامية الخاصة والمملوكة للدولة لصالح الوضع الراهن. على سبيل المثال، لا شيء يوضح هذا النقص في التفكير النقدي القائم على العلم في أقسام معينة من السكان، أكثر من حقيقة أنه لا تزال هناك فكرة غير علمية منتشرة على نطاق واسع مفادها أن نطاق ترددات الضوء المنعكس من جلد الشخص له علاقة به كإنسان.

صناعة النظارات. كما أشار أحد أكثر المفكرين إبداعًا لديكم، السيد غي ديبورد Guy Debord (1977)، هناك تركيز متزايد في ثقافتكم الشعبية على إنشاء مشاهد وعروض من أنواع مختلفة، على سبيل المثال، في الرياضة وغيرها من أشكال الترفيه. وهذا يساعد على صرف انتباه قطاعات كبيرة من السكان عن المشاكل الحقيقية التي تواجههم في حياتهم اليومية. ومن ثم تسعى هذه الثقافة للعمل ضد تطور التفكير النقدي والوعي الكوكبي. إذا كان بإمكان المرء أن يتعاطف بشكل غير مباشر مع فريق من اللاعبين الرياضيين أو مجموعة موسيقية شهيرة أو نجم سينمائي فردي، فقد يكون من الصعب التماهي مع حل المشكلات الحقيقية التي تواجه جنسكم البشري.

بالإضافة إلى ذلك هناك دور الأديان الأصولية الخطير. نلاحظ أنكم ما زلتم تقاتلون ضد مجموعات دينية أصولية مختلفة يبدو أنها ترفض النهج العلمي العقلاني لفهم أصولكم الخاصة وعلاقتكم ببقية الطبيعة. على سبيل المثال، نلاحظ أن تلك المجموعة، المسماة Christian Evangelicals - les chrétiens évangéliques المسيحيون الإنجيليون، والتي تشكل جزءًا مهمًا، حوالي 25 ٪، من السكان في أكثر الدول تقدمًا اقتصاديًا وعلميًا، الولايات المتحدة الأمريكية، تعتقد في الواقع أن كوكب الأرض الخاص بكم عمره 6000 فقط سنة وفق ماورد في نصوص الكتب المقدسة عندهم، ويرضون نظرية التطور التي صاغها عالمكم الكبير تشارلز داروين. بالطبع، إذا كان هذا هو الحال، فسيكون من الضروري إغلاق جميع أقسام البيولوجيا والجيولوجيا في جامعاتكم، حيث يصرون على ذلك، نود أن نؤكد لكم أن كوكب الأرض يبلغ من العمر حوالي 4.5 مليار سنة. ومن المضحك أن إغلاق مثل هذه الأقسام سيواجه مقاومة من قبل شركات الوقود الأحفوري، التي تعتمد على مثل هذا العلم للعثور على رواسب جديدة من مصادر الطاقة الأحفورية. وهذا أمر مثير للسخرية حقًا لأن بعض الملاك الأفراد لشركات الوقود الأحفوري، على سبيل المثال، الإخوة كوش les frères Koch، يساعدون في تمويل هذه المجموعات الأساسية المتخلفة المعادية للعلم. بالطبع، قد يكون تمويل اللاعقلانية بحد ذاته عقلانيًا، من وجهة نظر المصلحة الشخصية.

جوانب من خلفيتنا الخاصة. يبلغ عمر حضارتنا عدة مئات الألوف من السنين أزيد وأقدم من حضارتكم، وكما قد تكون خمنت، فقد تمكنا من الانتقال إلى حالة التوازن البيئي العادل (EEES) باحترام لبقية الأنظمة الحية على كوكبنا الأصلي. لقد سافرنا منذ فترة طويلة إلى كواكب أخرى في العديد من المجرات باستخدام إتقاننا لنظرية وممارسة فيزياء تحديد المكان والزمان la physique de la délocalisation spatio-temporelle. استند هذا الإتقان إلى فهمنا المتقدم لنظام معلومات الجاذبية الكمومية الثلاثية الأبعاد système d'information holographique. يتضمن الأخير فهم كيفية نشوء فيزياء الكموم والمادة نفسها من البنية الدقيقة للزمكان  la structure fine de l'espace-temps. تخلق هذه العملية المادة في الكون عن طريق الإسقاط المجسم بطريقة هولوغرافية de manière holographique  للمعلومات المخزنة في الحقول الكمومية عند حدودها، لإنشاء جسيمات، "It-from-Bit" كما وصف الأستاذ جون ويلر John Wheeler  هذا الاحتمال ببراعة (Wheeler 1998). ليس من الممكن شرح هذه القوانين بعمق في مرحلة تطوركم العلمي الحالية، على الرغم من أن بعض الفيزيائيين الأكثر تقدمًا قد التقطوا لمحة عن مثل هذه الفيزياء. كما اتخذنا مسارًا تطوريًا اجتماعيًا socio-évolutive عالميًا تقريبًا من أجل تطوير نظام اقتصادي قائم على رأس المال، والذي أشار إليه، بصفته أحد مفكريكم الرئيسيين، الدكتور ماركس Dr Marx، والذي شدد على إطلاق قوى أو تقنيات إنتاجية قوية جدًا. هذه المرحلة، إذن، كانت ضرورية في تطوركم من المجتمعات القبلية إلى الإقطاعية الثابتة. في حين، انتقلنا نحن إلى نظام EEES الاجتماعي والاقتصادي لما بعد الرأسمالية بعد المرحلة الأولى من التصنيع، وبالتالي، قبل أن نصل إلى مرحلة "الاستهلاك المفرط" في نظام رأس المال. نحن ندرك أنكم ارتكبتم خطأ كارثيًا بمحاولة تجاوز الرأسمالية في إحدى المجتمعات الأرضية، مثل روسيا، التي لم تطور بعد نظامًا اجتماعيًا اقتصاديًا رأسماليًا بحد ذاته، وكان إقطاعيًا إلى حد كبير، أو في بعض الأماكن، حتى قبل الإقطاعي. تم اتخاذ هذه الخطوة ضد النصيحة الصريحة لمفكركم الأكثر تقدمًا في مجال الاقتصاد الاجتماعي، وهو الدكتور ماركس، بينما يدعون للمفارقة أنهم تلاميذه وأتباعه ومطبقي نظريته. لست بحاجة لتذكيركم بالمعاناة الإنسانية الهائلة التي سببها هذا الخطأ الكارثي.

لا يزال هناك أمل إذا تم اتخاذ إجراءات عاجلة. هناك بعض الأمثلة على حضارات الكواكب التي تمكنت من الوصول إلى نظام التوازن الاجتماعي – الاقتصادي العادل EEES ما بعد الرأسمالي، حتى بعد أن دخلت مرحلة الاستهلاك المفرط consommation excessive. لذلك ليس بالضرورة أن تفقدوا كل شيء إذا تصرفتم بشكل عاجل.

الإجراء الأول الذي يجب اتخاذه: التحول من التقنيات العسكرية إلى التقنيات من أجل التنمية المستدامة. تتمثل إحدى طرق التصرف العاجل المطلوب في تخيل أنكم في موقف عسكري توشكون أن تعرضون لهجوم من قبل عدو قوي. سوف تتذكر أن هذا حدث قبل بداية الحرب العالمية الثانية عندما كان يجب تحويل الإنتاج الصناعي بسرعة إلى المعدات العسكرية في بعض البلدان غير المستعدة. ولكن، في هذه الحالة، فإن عدوكم هو "الطاقة"، هو تغير المناخ changement climatique  الذي يسببه الإنسان والذي يحدث بشكل رئيسي وليس فقط عن طريق حرق الوقود الأحفوري واعتماد أساليب الزراعة الصناعية المكثفة. عليكم الآن معالجة ذلك فأنتم بحاجة إلى القيام بالعكس، للتبديل الآن من الإنتاج العسكري المفرط الحالي إلى تقنيات مكافحة تغير المناخ وكذلك من أجل التنمية المستدامة بشكل عام. سنشرح قريبًا كيف حققنا هذا النظام البيئي الاجتماعي – الاقتصادي العادلEEES، وبالتالي تمكنا من التطور بشكل أكبر ككوكب -

قد تكونوا على دراية بأن العمليات التطورية تحدث في حالة توازن عام ولكن ديناميكي وتنتقل فقط إلى حالة توازن جديدة في نهاية عملية التطور والتنمية التطورية - `` توازن دقيق équilibre ponctuel '' كما وصفه عندكم البروفيسور ستيفن غولد Stephen Gould (2007). نعتقد أنكم قد تكون على وشك إجراء هذا التحول من النظام الاجتماعي والاقتصادي غير المستقر لرأس المال. عادة ما ترتبط مثل هذه التحولات، عبر تاريخ الكون، بظهور نظام معلومات جديد، كما سنناقش لاحقًا.

ملخص التهديدات التي تتعرض لها حضارتكم البشرية. يبدو لنا أنكم، في الوقت الحالي، بصدد إنشاء كوكب ميت على الرغم من أن لديك المعرفة العلمية والخبرة التقنية لمنع ذلك. كما أشار بعض المفكرين البارزين، على سبيل المثال، البروفيسور تشومسكي Chomsky (2018)، منذ فترة، هناك تهديدان رئيسيان لاستمرار وجودكم كحضارة حية ومتطورة، كما نراها.

تهديد الحرب النووية. أولاً، فأنتم تواصلون، بتكلفة باهظة، تجديد أسلحة الدمار الشامل لديكم، أي الأسلحة النووية، التي يوجد العديد منها في حالة تأهب قصوى. في الواقع، وفقًا لسجلات المراقبة الخاصة بنا، كان هناك حوالي عشرين حادثًا تقريباً، تم فيها تجنب حرب نووية واسعة النطاق بصعوبة (فيليبس Phillips s.d.). هذه الحقيقة وحدها كان يجب أن تقودكم إلى الاستنتاج الواضح بأن الأسلحة النووية تشكل نظامًا عسكريًا خطيرًا وغير مستقر للغاية ويجب أن تخضع لحظر عالمي بأسرع ما يمكن. إن الحجة السخيفة، بصراحة، بأنها ساعدتكم في "الحفاظ على السلام" تتناقض بوضوح مع هؤلاء العشرين مليون قتيل المذكورين أعلاه، وبالتالي يجب رفضها على الفور. يجب أن نعلمكم أنه في ملاحظاتنا عبر مجرتكم لم نلاحظ بعد حضارة كوكبية نجت من عصر الأسلحة النووية التي لم تلغ مثل هذه الأسلحة في غضون مائة عام من اختراعها وقبل ذلك بوقت طويل. اتخذت بعض حضارات الكواكب، مثل حضاراتنا، قرارًا مبكرًا بعدم البدء في تطويرها رغم أننا قادرون على ذلك وبكل بساطة. على هذا الأساس يجب أن تبدأوا على الفور بإلغاء الأسلحة النووية من مستودعات أسلحة جيوشكم. وهذا يمكن أن يوفر الموارد للتعامل مع مشكلتكم الرئيسية الثانية.

التهديد لاستقرار المحيط الحيوي la stabilité de la biosphère. كما ذكرنا سابقًا، فإن السبب الرئيسي الثاني لانقراضكم الوشيك هو تعاملكم مع المحيط الحيوي la biosphère وبيئته وتعاطيكم معه - إنه جنون بصراحة. أنتم مستمرون في خلق الظروف التي ستؤدي إلى الاحتباس الحراري الجامح داخل النظام المناخي للغلاف الحيوي، وبالتالي الموت الحراري للكوكب. هذا الأخير سوف يسبب القضاء على معظم الأنواع الحية على الكوكب. في الواقع، نحسب، ويتفق العديد من علماؤك معنا، أنكم في المرحلة الافتتاحية للانقراض الجماعي السادس الذي قد يتجاوز، في تأثيره المدمر، أسوأ انقراض جماعي سابق لكم على الأرض، انقراض العصر البرمي - الترياسي l'extinction du Permien-Trias، حوالي 206 Mya، التي مات فيها ما يصل إلى 96٪ من جميع الأنواع.

كارثة مناخية وشيكة. إن إدمانكم على حرق الوقود الأحفوري هو الذي يدفع بكارثة المناخ الوشيكة كما أوضح جيمس هانسن James Hansen (2009) بوضوح. هذا جنون مثل موقفكم من الأسلحة النووية. نحن نعلم، بالطبع، أن أصل وتطور نظام رأس المال الاقتصادي والاجتماعي الحالي لديكم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاكتشاف والاستخدام اللاحق للوقود الأحفوري والفحم والنفط والغاز الطبيعي، على الأقل في مرحلته الصناعية. لقد مررنا أيضًا بهذه المرحلة من التطور. لذلك نحن نفهم أنه لا يزال هناك قدر كبير من الأرباح يمكن جنيها من هذا المصدر الطبيعي ولكن المحدود. هناك أيضًا قدر كبير من رأس المال الثابت المستثمر في صناعة طاقة الوقود الأحفوري والصناعات المرتبطة بها مثل أشكال صعبة من النقل والبنية التحتية، مثل الطرق والسكك الحديدية والنقل الجوي.

دور وسائل الإعلام الرئيسية الخاصة بكم (MSM). نلاحظ أيضًا أن شركات الوقود الأحفوري هذه مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشركات التي تتحكم في وسائطكم الرئيسية ووسائل الإعلام والاتصال الكبرى (HSH). خذ على سبيل المثال مجلس إدارة صحيفة نيويورك تايمز. ويضم ممثلين عن شركات مثل:

 Merck, Morgan Guaranty Trust, Charter Oil, American Express, Bethlehem Steel, IBM, Scott Paper, Sun Oil, First Boston Corporation, Ford Motor Company et Manville Corporation. Company Manville Corporation.

من المعروف أن أحد مالكي الأسواق HSH، السيد روبرت مردوخ Rupert Murdoch، كان يؤيد بشدة حرب العراق الكارثية الأخيرة بسبب رغبته بالوصول إلى النفط العراقي الذي سينتج. وهو أيضًا مستثمر في شركة Genie Energy التي تحاول سرقة النفط الموجود أسفل مرتفعات الجولان التابع لسوريا. يجب أن تدرك أن الإمبراطورية الإعلامية للسيد مردوخ نمت بسرعة بعد أن وافق على استخدامها للترويج لأجندة وكالة التجسس الرائدة على كوكبكم، وهي وكالة المخابرات المركزية.

يجب أن تدركوا أيضًا أن القائمين على HSH قد كذبوا بشكل منهجي على القراء والمستمعين والمراقبين حول مخاطر استمرار حرق الوقود الأحفوري. من المفترض أن هذا يرجع إلى أنهم لا يفكرون إلا في الأرباح قصيرة الأجل بدلاً من مستقبل أبنائهم وأحفادهم. نوصي بشدة بكتاب اثنين من كتابكم السياسيين البارزين، البروفيسور نعوم تشومسكي والدكتور هيرمان، بعنوان "موافقة التصنيع" Manufacturing consent (تشومسكي وهيرمان 1994) والذي يقدم وصفًا واضحًا لكيفية تأثير وسائل الإعلام بقوة على اختياراتكم السياسية .

تسمم البيوسفير أو المحيط الحيوي L'empoisonnement de la biosphère. هناك العديد من الجوانب الأخرى للمعالجة الكارثية للمحيط الحيوي، بما في ذلك تسمم المياه والأرض ونظام الغذاء بسبب استخدامكم لأساليب الزراعة الصناعية méthodes agricoles industrielles. يعتبر إدخال الكائنات المعدلة وراثيًا OGM في السلسلة الغذائية أمرًا خطيرًا بشكل خاص كما اكتشفنا. تؤدي هذه الأساليب إلى خسارة هائلة في التنوع البيولوجي. طرق الزراعة الصناعية هي أيضا مساهم رئيسي، بقدر 20-30 ٪، في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. تتخذ جميع الكواكب التي بقيت على قيد الحياة خطوة للعودة إلى نظام غذائي نباتي إلى حد كبير واعتماد أساليب الزراعة البيئية واستخدام الطاقة الشمسية لزيادة إنتاجية المزارع الصغيرة. وجدنا أنه من الممكن إنتاج ما يكفي من الغذاء بأساليب الزراعة الإيكولوجية إذا كان حوالي 10-15٪ من سكانكم يشاركون بشكل أساسي في الزراعة. مع تقدم تكنولوجيا الطاقة الشمسية، تم تقليل عامل الوقت اللازم للتواجد "في الميدان" حيث تم تقليله كثيرًا. تعني تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة أن الوجود الريفي أو شبه الريفي لم يعزل الناس عن المشاركة في التنوع الثقافي المتاح في المدن.

في مرحلة حرجة، وجدنا أنه كان من الضروري مواجهة ما تسميه "Big Pharma»، أي كارتل عدد قليل جدًا من شركات الأدوية الكبيرة جدًا التي استفادت من الآثار الصحية السلبية للزراعة الصناعية وحرق الوقود الأحفوري. لقد أدركنا أيضًا أن شركات النفط الكبرى وشركات الأدوية الكبرى والشركات الزراعية الكبرى كان لها، في الواقع، تحالفًا غير مقدس وغير شريف وكان لا بد من حلها بالقوة بمجرد أن يدرك السكان القائمون على العلم والذين يفكرون بشكل نقدي هذه الحالة من الأزمات. قامت Big Oil بتزويد Big Agribusiness بمخزون من الأعلاف لمبيدات الأعشاب ومبيدات الآفات وما إلى ذلك. أدت السموم التي تم إدخالها إلى النظام الغذائي إلى زيادة الطلب على الأدوية من شركة Big Pharma والتي تم حسابها ليس لإنتاج علاجات كاملة، ولكن لتخفيف الآثار الصحية السيئة بسبب نظام الغذاء المسموم. كانوا حريصين على عدم تقليل عدد العملاء من خلال التعامل معهم بالفعل. بالطبع، هناك العديد من العواقب غير الصحية لحرق الوقود الأحفوري، والتي تعد كثيرة جدًا بحيث لا يمكن ذكرها هنا.

الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية. تمثلت الخطوة الرئيسية في تطورنا الاجتماعي والاقتصادي في التحول السريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية بجميع أشكالها، ولكن بشكل خاص الشكل الشمسي الكهروضوئي (انظر الشكل 1)

. كما أخبركم علماؤكم بالفعل أن هناك ما لا يقل عن 10000 مرة من الطاقة الشمسية التي تسقط على كوكبكم كل عام أكثر مما تحتاجونه لكل استهلاككم للطاقة في السنة. نلاحظ أن أحدث تقنيات الطاقة الكهروضوئية لديكم يمكنها تحويل ضوء الشمس بكفاءة 40-45٪ باستخدام تقنية آبار الكم (بارنهام 2014) la technologie des puits quantiques (Barnham 2014).. ومع ذلك، لا تزال بحاجة إلى تطوير وسائل لإنتاج هذه الخلايا الضوئية، وهي مشكلة مباشرة نسبيًا مقارنة، على سبيل المثال، بالتقاط الطاقة من العمليات النووية الحرارية التي تم إنشاؤها على كوكبكم، بدلاً من تلك التي تمد الشمس نفسها بالطاقة، أي ما يسمى `` قوة الاندماج النووي '' fusion Puissance''. نحن ندرك أن تكاليف تركيب واط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية الآن أقل من تكاليف الوقود الأحفوري (انظر الشكل 2).

نلاحظ أن هذا الانخفاض الهائل في السعر يعني أنه حتى الولايات في أمريكا التي تعد مراكز لصناعة الوقود الأحفوري، مثل تكساس وأوكلاهوما، تتحول الآن إلى الطاقة الشمسية (انظر الشكل 3).

أهمية تقنيات الأنظمة الرقمية الثنائية (BDS). كانت أحد المكونات الرئيسية لانتقالنا إلى عصر EEES هو تطوير تقنية الأنظمة الرقمية الثنائية bina- ry Digital Systems (bDS)، والتي تسمى أحيانًا من قبلكم، بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (TIC). ونقصد أيضًا التكنولوجيا الرقمية للتحكم في أنظمة الإنتاج وتقنية الاستشعار الرقمية لمراقبة هذه الأنظمة وتأثيراتها على البيئة. لهذا السبب، نحن نفضل المفهوم الأكثر شمولاً لتقنية "الأنظمة الرقمية الثنائية" (bDS)، والتي تشمل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كفرع واحد. لقد طورنا هذه التكنولوجيا، كما فعلتم، ولكن قبل عقود قليلة من تطويرنا للطاقة الشمسية الكهروضوئية. كما في حالتكم، تم تطويرها في البداية في سياق عسكري (انظر الأشكال 4 أ، ب).

تم اختراع أول جهاز كمبيوتر رقمي إلكتروني ordinateur numérique électronique,، Colossus، لمحاكاة شفرة لورنز Lorenz التي استخدمتها القيادة النازية العليا خلال الحرب العالمية الثانية، وكان ذا أهمية عسكرية كبيرة، على سبيل المثال، الكشف عن الخطط الألمانية لمعركة كورسك Koursk. لكننا سرعان ما أدركنا أهميته الثورية لنظامنا الاجتماعي والاقتصادي على كوكبنا. كما هو الحال مع تجربتكم، تطورت التكنولوجيا بسرعة على مدى عقود قليلة بعد اختراع الإلكترونيات المدمجة l'électronique intégrée بحيث يمكن وضع المعالجات الرقمية les processeurs numériques التي تكون أقوى بملايين المرات في سرعة معالجة المعلومات في المعالجات الأولى على دائرة متكاملة تناسب راحة اليد بشكل مريح من ناحية (انظر الشكل 5).

كانت إمكانية استخدام هذه التقنية لدمج مختلف مصادر الطاقة الشمسية على أساس كوكبي فكرة أساسية. لكننا أدركنا أيضًا أنه يمكن أن يحدث تحولًا جذريًا في السيطرة على جميع جوانب الإنتاج تقريبًا في وقت قصير نسبيًا، مما يلغي العمل غير الضروري وبالتالي يزيد من وقت الأنشطة الثقافية (انظر الشكل 6).

الشكل 1. تكنولوجيا الطاقة الشمسية الكهروضوئية للثورة الشمسية الرقمية الثانية

المصدر:

 URL: https://www.powerelectronictips.com/solar-cells-power-part-1-basic- operation.

الشكل 2. انخفاض سعر الخلايا الكهروضوئية الشمسية

المصدر:

 URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Solar_cell

التين. 3. محطة للطاقة الشمسية في أوكلاهوما

المصدر:

 URL: https://www.solarreviews.com/news/solar-sooner-than-later-sunpower- oge-to-development-10mw-solar-plant-in-oklahoma-071917 /الشكل 4 أ. Colossus، أول كمبيوتر رقمي ثنائي إلكتروني، يمكنه محاكاة آلة الشفرات النازية لورنز، وبالتالي فك تشفير رسائلها المصدر:

 URL: http://www.colossus-

computer.com/colossus1.htmlالشكل 4 ب. آلة شفرات لورنز

المصدر:

 URL: https://www.alamy.com/stock-photo/lorenz-cipher.html

الشكل 5. خمسة أجيال من أجهزة الكمبيوتر في 50 عامًا

المصادر:

 URL: http://www.old-computers.com/history/detail.asp؟n=61&t=9؛ https: // en.wikipedia.org/wiki/Minicomputer؛ https://en.wikipedia.org/wiki/Microcomputer_re- volution

الشكل 6. وحدة تحكم صناعية ثنائية الأنظمة الرقمية (bDS)

المصدر:

URL: https://commons.wikimedia.org/wiki/File:HitachiJ100A.jpg

التنوير القائم على نظام الـ BDS: لقد أدركنا أيضًا أن BDS لم تكن مجرد ثورة في التحكم في الطاقة وإطلاقها في الإنتاج والعمليات الأخرى، بل كانت أيضًا ثورة في الاتصالات التي عززت بشكل كبير التبادلات الثقافية على أساس كوكبي. في الواقع، أدى إلى ما أسميناه التنويرالكوكبي. سوف تتذكرون أنه كان لديكم عصر التنوير في القرن الثامن عشر، لكن ذلك كان محدودًا، إلى حد كبير، ومحتكر من قبل نخبة صغيرة نسبيًا ممن يعرفون القراءة والكتابة. استند هذا التنوير إلى الطباعة، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للمرحلة الأولى من نظام رأس المال. لكن وصول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات القوية للغاية القائمة على خدمات تطوير الأعمال (BDS) يعني أنه كان هناك تطور سريع للتفكير النقدي القائم على العلم المذكور أعلاه بين الجماهير العريضة من شعبنا على كوكبنا. على سبيل المثال، كان من الممكن استخدام BDS لإنشاء معدات تعليمية لجعل الوصول إلى الأفكار العلمية الأساسية أكثر سهولة. يتم إعطاء أحد الأمثلة في الأشكال 7 أ، ب، ج، د الذي يوضح عمل الفيزياء - متعة - تم تطويره بواسطة أحد معلميكم (هوكس 1997)، والذي يختبر بشكل صحيح ما تسميه قوانين نيوتن للميكانيكا. لا تزال مدارسكم تستخدم تجربة عربة واحدة وهي في الواقع ليست اختبارًا لقوانين نيوتن. كانت هذه الخطوة الأخيرة من التطور الواسع للتفكير النقدي حاسمة في توعية الغالبية العظمى من سكاننا بمخاطر الاحتباس الحراري والحاجة إلى استبدال الطاقة الأحفورية بالطاقة الشمسية. ربما تكون قد خمنت أن هذا الوعي المتزايد بما كان يحدث لنظام الكواكب ككل أدى إلى زيادة كبيرة في الوعي السياسي. في الواقع، كانت هناك حركة عالمية لاستبدال النظام الرأسمالي القائم على الوقود الأحفوري بنظام EEES ما بعد الرأسمالي. تبع ذلك بعد محادثة عالمية واسعة بدأت من خلال تغييرات في نظام التعليم في العديد من البلدان. مكنت هذه الزيادة الكبيرة في التفكير النقدي من رؤية العديد من التطورات التقنية والعلمية الأخرى على أنها ضرورية وممكنة. ومن الأمثلة على ذلك أساليب الزراعة الإيكولوجية الزراعية لصغار المزارعين المدفوعة بالطاقة الشمسية والتي أدت إلى الانهيار السريع للزراعة الصناعية، أي الأعمال التجارية الزراعية.

الشكل 7 أ. محطة عمل Physics-is-Fun

المصدر: هوكس 1997.

الشكل 7 ب. الأجهزة الرقميةلمحطة عمل Physics-is-Fun

المصدر: هوكس 1997.

الشكل 7 ج. الموضع، والسرعة، والتسارع، والوقت الناتج من محطة العمل لتصادم مرن مكون من مركبتين

المصدر: هوكس 1997.

الشكل 7 د. اختبار قوانين نيوتن بشكل صحيح باستخدام محطة عمل Physics-is-fun

المصدر: هوكس 1997.

الثورة الشمسية الرقمية الثانية (SDR2):

في أرشيف البيانات الرقمية لتاريخنا، يُعرف دمج الطاقة الشمسية مع تقنيات الأنظمة الرقمية الثنائية باسم "الثورة الرقمية الشمسية الثانية". في الواقع، كان الاعتراف بأننا ندخل العصر الثاني للتطور الرقمي الشمسي أمرًا بالغ الأهمية لقدرتنا على الاستمرار في تنفيذ هذه الثورة. لقد أدركنا أنها كانت، إلى حد ما، النتيجة طويلة المدى للثورة الأولى للطاقة الشمسية الرقمية، أي بداية التطور السريع نسبيًا للحياة المعقدة نفسها. لفهم أهمية SDR2، يجب أن تراها في سياق الثورة الرقمية الشمسية الأولى SDR1، أي أصل وتطور الحياة المعقدة.

الثورة الرقمية الشمسية الأولى (SDR1) - أصل الحياة المعقدة. هذا الإدراك بأن وجودنا كنوع كان في حد ذاته نتيجة لثورة رقمية شمسية، أقنع الغالبية العظمى أن SDR2 كان الاتجاه الصحيح الذي يجب اتخاذه. لقد أدركنا أن تطور الحياة المعقدة نفسها يتطلب مكونين: تطوير مبكر للشفرة الوراثية الجزيئية الرقمية code génétique moléculaire numérique (انظر الشكل 8)

وإمدادات الطاقة المتاحة عالميًا لدفع التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة. كان مصدر الطاقة هذا، بالطبع، هو ضوء الشمس. حدث تطور الجهاز الجزيئي المعقد الذي حقق هذا الاستيلاء على الطاقة وخزنها على هيئة كربوهيدرات في الخلايا البكتيرية بدائيات النواة البدائية procaryotes primitives، والتي تسمى بكتيريا السيانوبكتيريا cyanobactéries (انظر الشكل 9)

Diagrams for a typical Cyanobacterium cell

أي تطور التمثيل الضوئي (انظر الشكل 10). تم دمج هذه البكتيريا في نهاية المطاف في الخلايا النباتية لتشكيل عضيات البلاستيدات الخضراء chloroplastes organites (انظر الشكل 9)، من خلال عملية تسمى التعايش الداخلي endosymbiose التي طرحها أحد العلماء البارزين لين ماغوليس، Lyn Magulis (1998) وقبل خمسين عامًا، بواسطة بوريس كوزو بوليانسكي Boris Kozo-Polyansky (2010). يخزن التمثيل الضوئي الطاقة على شكل كربوهيدرات ويطلق الأكسجين أيضًا، والذي لعب لاحقًا دورًا مهمًا في التنفس في الخلايا الحيوانية، بالإضافة إلى تكوين خامات أكسيد الحديد المهمة لعمر الحديد لديكم، وكذلك الثورة الصناعية اللاحقة.

الشكل 8 أ. التركيب الجزيئي للحلزون المزدوج للحمض النووي لنظام الترميز الجيني qDS

المصدر:

 URL: https://www.nature.com/scitable/topicpage/discovery-of-dna-structure-and- function-watson-397.

الشكل 8 ب. دور DNA و messenger-RNA و transfer-RNA في تخليق البروتين للنظام الرقمي الرباعي (qDS) للشفرة الوراثية الجزيئية

المصدر:

 URL: https://www.gettyimages.ae/detail/news-photo/how-dna-directs-protein- synthesis-genetics-news-photo / 641457228

تطور الكود الرقمي الرباعي للحياة Le code numérique quaternaire قبل التقاط الطاقة الشمسية. وبالمثل، ظهرت الأنظمة الرقمية الثنائية قبل تصنيع الشكل السائد المستقبلي لالتقاط الطاقة الشمسية، أي الخلايا الكهروضوئية الشمسية (PV) بكفاءة مقبولة. وتجدر الإشارة إلى أن تقنية BDS الحديثة الخاصة بكم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتكنولوجيا الطاقة الشمسية الكهروضوئية، أي كلاهما من الأجهزة الإلكترونية شبه الموصلة.

لا يمكن للحياة أن تتطور عبر الكوكب إلا عندما يكون لديها وصول إلى مصدر طاقة وفير وموزع في كل مكان. قبل الثورة الرقمية الأولى للطاقة الشمسية، تم تحديد مصادر الطاقة المستخدمة لتشغيل أشكال الحياة الأولى، في البداية، في فتحات قلوية دافئة في قاع المحيط، حيث بدأت الحياة بالفعل.

أدى هذا الأخير إلى ظهور تدرجات بروتونية gradients de protons مشتقة من الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون والتي وفرت هذه الطاقة، حيث تعمل معادن الحديد والكبريت كمحفزات catalyseurs. يتفاعل الزبرجد الزيتوني L'olivine الموجود في وشاح الأرض مع الماء لإنتاج غاز الهيدروجين المذاب في سائل قلوي fluide alcalin دافئ يحتوي على هيدروكسيدات المغنيسيوم عندما يصل هذا المزيج الدافئ إلى مياه المحيط الباردة يتفاعل مع الأملاح ويتسرب إلى فتحات في قاع البحر. تشكل المادة المترسبة متاهة من المسام الدقيقة المترابطة، مع وجود جدران رقيقة تفصل بين هذه المسام. ثم يقوم الرحلان الحراري. La thermophorèse بتركيز المواد العضوية الصغيرة الناتجة عن تفريغ التصريفات في التاريخ المبكر لكوكبكم في المسام. سمحت الجدران الرقيقة بوجود اختلاف في الأس الهيدروجيني بين القلوية الداخلية والخارجية الحمضية بسبب ثاني أكسيد الكربون المذاب. أدى هذا إلى إنشاء تدرج بروتون، إلى جانب الخصائص التحفيزية لـ Fe-S min-

مخططات لخلية نموذجية من البكتيريا الزرقاء

الشكل 9. البكتيريا الزرقاء والبلاستيدات الخضراء لالتقاط الطاقة الشمسية في الثورة الشمسية الرقمية الأولى

المصادر:

 URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Cyanobacteria ؛ https://biologywise.com/chlo- وظيفة هيكل- roplast

توفر العناصر الموجودة في جدران المسام الطاقة اللازمة لتخليق البوليمرات العضوية الأكثر تعقيدًا مثل الحمض النووي الريبي وسلائف البروتينات والدهون والجزيئات الأخرى الضرورية لظهور أشكال الحياة الخلوية.

CO2 + 2H2O + فوتونات → [CH2O] + O2 + H2O

ثاني أكسيد الكربون + ماء + طاقة ضوئية ← كربوهيدرات + أكسجين + ماء

الشكل 10. الكيمياء المعقدة لعملية التمثيل الضوئي

المصدر:

 URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Photosynthesis

لاحظنا أوجه التشابه بين الثورتين الأولى والثانية للطاقة الشمسية الرقمية: أهمية التأثيرات الكمومية في كل من عملية التمثيل الضوئي والمسارات التفاعلية للاختزال في جهاز التنفس في الميتوكوندريا mitochondries، وفي العمليات الفيزيائية لإلكترونيات الحالة الصلبة التي أصبحت الدعامة الأساسية من bDS- BDS ؛ دور الكود الرقمي في التحكم في إطلاق الطاقة والتحكم في عمليات الإنتاج لكل من الثورات الشمسية الرقمية ؛ الاختلافات الناتجة عن الطفرات في الشفرة الجينية والانتخاب الطبيعي، عن طريق التكيف مع التغيرات في البيئة، لتطور النظم الحية كان لها موازيات في تطور البرامج للعمليات التي تسيطر عليها BDS وكذلك في تطبيقها في مجال الاتصالات. على سبيل المثال، تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي d'algorithmes d'IA  التكيفية مع التغذية الراجعة rétroaction ؛ ما يسمى بالبرامج "الجينية" التي تتعلم تطوير استراتيجيات التحكم الصحيحة عن طريق التجربة والخطأ ؛ التوازي الوثيق بين المحولات الإلكترونية من الرقمية إلى التناظرية في bDS (يشار إليها باسم DACs) وعمل الريبوسوم ribosome في الخلايا (انظر الأشكال 11 أ، ب).

The Ribosome

Fig. 11a. The quaternary Digital-to-Analogue Converter (qDAC): for the first Solar-Digital Revolution

Source: URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Ribosome

Fig. 11b. A binary Digital-to-Analogue Converter (bDAC) for the sec- ond Solar-Digital Revolution

تحول البيانات الرقمية السابقة إلى إشارات تناظرية متغيرة باستمرار، وتحول الأخيرة أيضًا البيانات الرقمية الرباعية، في شكل  ARN -RNA المرسال، إلى بروتينات تماثلية يمكن أن يكون لها شكل ووظيفة متغيرين باستمرار.

يجب أيضًا ملاحظة أن الكود الجيني لـ qDS هو رمز عالمي لجميع أنواع الكائنات الحية، بما في ذلك الفيروسات. وبالمثل، فإن الكود الرقمي الثنائي شائع في جميع تطبيقات bDS، بغض النظر عن النظام المادي المستخدم لتنفيذ منطقه المنطقي booléenne وتخزين بياناته.

المحاكاة - ميزة فريدة من نوعها لـ BDS. تتمثل إحدى ميزات تقنية bDS التي لم يتم نسخها من التكنولوجيا الجزيئية qDS في قدرتها على اختبار النماذج عبر المحاكاة، أي عملية تجريد الميزة الأساسية لنظام أو عملية وإنشاء نموذج رياضي داخل الكمبيوتر. تمثل هذه العملية، إلى حد ما، اندماج qDS في شكل نوع ذكي، Homo sapiens في حالتكم، مع BDS. في الواقع، تعد BDS نفسها أيضًا إنشاء طويل الأجل لـ qDS (ذكاء النظام الحي). تعمل ميزة المحاكاة هذه لأنظمة BDS على تعزيز وتسريع عملية البحث النظري والبحت والتطبيقي. ولذلك فإن هذه السعة لها ردود فعل إيجابية تحسن تصميم وأداء أنظمة bDS نفسها، على سبيل المثال، في تحسين أداء المكونات الفرعية لـ bDS مثل الترانزستورات. يسمح في البحث العلمي والهندسة بتصميم واختبار الهياكل والعمليات التي يجب أن تتم بمرفق أكبر بكثير (انظر الشكل 4 لمحاكاة آلة تشفير لورنز بواسطة الكمبيوتر الأول).

نمذجة النظام الاجتماعي - الاقتصادي. كان أحد الجوانب المهمة في SDR2 هو أنه سمح لنا برؤية كيف يمكن نمذجة النظم الاجتماعية والاقتصادية، أي كتدفقات المعلومات والطاقة والمادة المقترنة المماثلة لتلك الخاصة بأنظمة الحياة الطبيعية التي تم إنشاؤها بموجب SDR1. تطورت الاقتصادات الاجتماعية للأنظمة الطبيعية لتصبح أنظمة مستقرة حتى وصول الأنواع الذكية الأولى حقًا، أي أنتم، الإنسان العاقل. لقد تطور نوعكم البشري، كما فعلنا، الاقتصاديات الاجتماعية لرأس المال التي تهدد الآن جميع الأنظمة الطبيعية على كوكبكم، وكذلك طورت نفسها.

الريبوسوم

الشكل 11 أ. المحول الرباعي الرقمي إلى التناظري (qDAC): لأول ثورة شمسية رقمية

المصدر:

 URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Ribosome

الشكل 11 ب. محول ثنائي من رقمي إلى تناظري (bDAC) لثورة الطاقة الشمسية الرقمية الثانية

المصدر:

 URL: https://en.wikipedia.org/wiki/Digital-to-analog_converter

ميزة SDR2 للنظام الاقتصادي لما بعد رأس المال. سيعني SDR2 أيضًا استبدال الكثير من العمالة البشرية بأنظمة آلية وذكية

وهكذا يتلاشى نظام قيمة رأس المال الكلاسيكي القائم على العمل البشري. سيعزز SDR2 أيضًا جاذبية النمط التعاوني للإنتاج، مما يجعل هذا الخيار العلمي المنطقي. إن الحفاظ على نظام استغلالي تنافسي سيثبط ويقيد إمكانات SDR2 ولذا يجب أن يمر عبر التاريخ أو كما أشار دكتور ماركس عندكم أن "العلاقات الاجتماعية لرأس المال تعمل كقيود على القوى المنتجة التي أنشأها نظام رأس المال" (ماركس 1848). نحن ندرك أنه يوجد بالفعل على كوكبك عدد أكبر من الأشخاص العاملين في المؤسسات التعاونية أكثر من الموظفين المباشرين من قبل الشركات الكبيرة العابرة للقارات.

تعايش SDR1 مع SDR2. لقد أدركنا أنه من المهم تحديد موقع SDR2 في هذا السياق التاريخي. وهذا يعني أنه يمكن للمرء أن يدرك أن نظام رأس المال أوجد التكنولوجيا، غالبًا داخل مؤسسات الدولة، والتي تعيد إنتاج أنظمة مماثلة، على مستوى أعلى، جعلت من الممكن ظهور الحياة المعقدة نفسها. ولكن، والأهم من ذلك، أنه يسمح بإمكانية التوليف أو نظام symbioss       من SDR1 مع SDR2. إن استخدام الطاقة الشمسية بدلاً من الوقود الأحفوري سيسمح باستمرار الحياة، أي منع تسمم الكوكب وموته الحراري في نهاية المطاف. سيعني SDR2 أيضًا أن التحكم الدقيق في الإنتاج باستخدام خدمات تطوير الأعمال يعني أنه يمكن رصد الأخطار التي يتعرض لها المحيط الحيوي من عمليات الإنتاج والسلوك البشري الآخر وبالتالي القضاء عليها.

تنشئة الإنتاج والتغلب على الاغتراب. كما لاحظنا أن SDR2 ضمنيًا الحاجة إلى التنشئة الاجتماعية لنظام الإنتاج: فالخصائص الموزعة للطاقة الشمسية و bDS تشير إلى إمكانية التحكم الاجتماعي في الإنتاج على أساس كوكبي. لقد أدركنا أيضًا، كما أشار د. ماركس الخاص بكم قبل 150 عامًا، أنه يسمح بالتغلب على أشكال مختلفة من الاغتراب الناتج عن نظام رأس المال. على سبيل المثال، هناك اغتراب المنتجين عن منتجات عملهم، بحيث يمكن لكل شخص منتج الآن أن يفهم بوعي كيف يرتبط نشاطه بالنظام الكلي للإنتاج الكوكبي. كما أنه يساعد في التغلب على اغتراب المنتج عن بقية الطبيعة. سيصبح فهم علاقتنا بالطبيعة وكيف تؤثر أنشطتنا على بقية المحيط الحيوي عالميًا أيضًا. أخيرًا، يساعد في التغلب على عزلة كل فرد من جنسكم عن بعضه البعض - يمكنك فهم الاعتماد المتبادل بينكم، أي الطابع الاجتماعي لكيانكم، من خلال المشاركة المستمرة للمعرفة والخبرة التي يمكن تحقيقها بعد SDR2.

تعني تقنية الأنظمة الرقمية الثنائية أيضًا أنه يمكن دمج نشاط المنتجين معًا، أي أن التخطيط المحلي الإقليمي والوطني والدولي للإنتاج يمكن أن يحدث. سيسمح هذا بتحقيق القوة الكاملة للتكنولوجيا، واستخدام موارد الكواكب بكفاءة واعتدال، لتجنب الهدر وتمكين إعادة التدوير القصوى للمصادر النادرة.

تعني تقنية systèmes numériques binaires BDS أيضًا تقليل عدد الساعات اللازمة للعمل وزيادة وقت الفراغ. وسيسمح بالتالي بتعزيز التغيير الثقافي، والوصول إلى أعلى مستويات الثقافة، من أي مكان على كوكبنا، وكذلك الحال في كوكبكم، حتى في أماكن العمل. لذا فإن التكنولوجيا التي تقلل ساعات العمل تتيح لنا أيضًا تعزيز مشاركتنا الثقافية والتمتع بها. BDS ليست مجرد ثورة في السيطرة على عمليات الإنتاج ولكنها أيضًا ثورة في التواصل البشري. سيكون الأخير ضروريًا لتنفيذ SDR2 وتشغيله، وهذا يعني أن SDR2 سيكون ثورة ذاتية التسريع كما حدث مع الثورة الأولى للنظام الشمسي الرقمي (SDR1). كانت الوفرة الهائلة للحياة وتنوعها ممكنًا بمجرد اقتران الطاقة الشمسية بنظام معلومات رباعي رقمي - الشفرة الجينية. لقد أظهر أحد علماؤك بالفعل أن الكود الجيني الأمثل قد تطور باعتباره الرمز الذي يؤدي إلى أكبر معدل لتغيير الهيكل، ومن ثم فهو الأكثر مرونة في التكيف مع التغير البيئي وبالتالي يتم اختياره عن طريق التطور. بمجرد التقاط الطاقة الشمسية من خلال تطور عملية التمثيل الضوئي، يمكن أن تتطور الحياة بسرعة مع زيادة محتوى الأكسجين في الغلاف الجوي.

مزايا نهج "الثورة الشمسية الرقمية الأولى والثانية". هناك عدد من مزايا اتباع نهج "ثورتين للطاقة الشمسية الرقمية" لفهم وضعكم الحالي. على سبيل المثال، فإنه يربط الحاجة إلى تجاوز نظام رأس المال القائم على الوقود الأحفوري الحالي، إلى تطوير نظام إنتاج اجتماعي واقتصادي أكثر ملاءمة، أي نظام إنتاج اجتماعي قائم على الــ DTS2. إنه يشرح بوضوح الأساس العلمي للحاجة إلى إنهاء نظام رأس المال القائم على الوقود الأحفوري. كما يربط ذلك بالعمليات التطورية الاجتماعية المطلوبة لإنتاج نظام كوكبي جديد مستقر للإنتاج يعمل بشكل متناغم مع نتائج SDR1، أي المجال الحيوي.

توليف qDS و bDS. يجب أن تفكر في SDR2 لإنتاج توليفة لكل من bDS و qDS. كما يعلم علماؤكم، فإن اكتشاف الشفرة الجينية وفك تشفير الجينوم البشري لم يكن ممكنا لولا الاستخدام المكثف لأجهزة الكمبيوتر، أي تقنية bDS. إن استخدام البيانات من الدراسات الجينومية لتحسين الرعاية الصحية ولرصد وإعادة الاقتران بالضرر الذي لحق بالنظم البيئية من قبل الرأسمالية الأحفورية يتم تعزيزه إلى حد كبير من خلال المقاطعة. يوضح الشكل 12

Fig. 12. bDS meets qDS – The Sanger Centre computer cluster to store and analyse 1,000 human genomes for medical re- search. The data centre has 22,000 processor cores, pro- cessing 2 million tasks, programs, and jobs each week to support the research programs and sequencing pipelines. It can store 30 petabytes of data

مجموعات الكمبيوتر القوية جدًا التي قمتم بإنشائها لإنجاز هذه المهام لتحليل البيانات الطبية بناءً على أكثر من 1000 جينوم بشري. تتمتع كلتا الــ SDR، في جوهرهما، بثورة معلومات تؤدي إلى إنشاء تقنية يمكنها التقاط الطاقة الشمسية والتحكم في إطلاقها لتشغيل نظام الإنتاج. في SDR1، تم إنشاء الآلية الجزيئية لالتقاط هذه الطاقة، أي التمثيل الضوئي المبكر عن طريق التكيفات التطورية من خلال طفرات في الشفرة الرقمية الرباعية. أنتجت qDS أيضًا الآلية الجزيئية la machinerie moléculaire (تجميعات البروتينات) للإفراج المتحكم فيه عن هذا الالتقاط للطاقة.

الشكل 12. يلتقي bDS مع qDS - مجموعة أجهزة الكمبيوتر في مركز Sanger لتخزين وتحليل 1000 جينوم بشري للبحث الطبي. يحتوي مركز البيانات على 22000 نواة معالج، وتعالج مليوني مهمة وبرنامج ووظيفة كل أسبوع لدعم برامج البحث وخطوط أنابيب التسلسل. يمكنه تخزين 30 بيتابايت من البيانات

المصدر:

 URL: https://www.sanger.ac.uk/science/computational-and-information-techno- logy.

تحذير نهائي. لقد قدمنا ​​وصفًا لكيفية انتقالنا إلى EEES الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بنا على كوكبنا الأصلي. ومع ذلك، يجب أن تدركوا أن هذا لم يكن محددًا مسبقًا - فالعديد من الكواكب ذات الحضارات لم تقم بهذا الانتقال. تطلبت إجراءات حازمة من قبل جنسنا البشري. يتم استخدام التكنولوجيا التي لديها إمكانات كبيرة لتحرير الأنواع الخاصة بكم في النظام الاجتماعي والاقتصادي الحالي الخاص بكم لتقييد التنمية الثقافية الخاصة بكم وحتى تدمير مستقبلكم في كوكبكم. سيتعين عليكم الكفاح ضد إساءة الاستخدام الحالية أو إساءة استخدام تقنيات technologies bDS  التي أنشأتموها، وبعضها مدرج أدناه:

1 - يستخدم فرع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات TIC de bDS في خدمات تطوير الأعمال التجارية في الوقت الحاضر، بالتوازي مع وسائل الإعلام الأخرى، لنشر مفهوم الاستهلاك المتزايد باستمرار، دون أي اعتبار للحد المحدود للموارد، مع تجاهل شبه تام لتراكم السموم في المنطقة. المياه والغلاف الجوي والسلسلة الغذائية وزعزعة استقرار النظام المناخي.

2. تُستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات TIC لتشجيع الأنشطة الثقافية الطائشة مثل ثقافة ألعاب الكمبيوتر التي غالبًا ما تتضمن الترويج للحرب والعنف على أنه "طبيعي" أو حتى ممتع.

3. انخفاض التفاعل البشري بسبب الاحتلال المسبق للـ "الشاشات" pré-occupation des «écrans هو جانب سلبي آخر لهذه الثقافة الشعبية القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

4. إن زيادة أتمتة التصنيع والعمل المكتبي من خلال تطبيق خدمات تنمية الأعمال التجارية يعني زيادة طبيعة العمل غير المستقرة.

5. تُستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات TIC لتعزيز انتشار الخوف والجنون والجهل والغباء. على سبيل المثال، فإن ظهور بعض السياسيين الشعبويين حديثًا بشخصيات منحطة للغاية يوضح هذه النقطة تمامًا.

6. وقوع الــ BDS في أيدي النخب العسكرية تعني أيضًا تسهيل الحرب. منذ مرحلة مبكرة، تم تمويل تطوير تقنية BDS من قبل المجمع الصناعي العسكري من أجل تطوير آلات قتل أكثر دقة وفعالية. التطبيقات المدنية الأخرى اتبعت فقط في وقت لاحق. حتى الإنترنت الخاص بكم ترجع أصوله إلى مشروع عسكري.

7. تُستخدم تقنية BDS أيضًا لإنشاء أنشطة مالية مضاربة بدرجة عالية تقوض نظام الإنتاج لديكم، أي، من بين أمور أخرى، إنشاء "رأس مال وهمي"، كما أسماه الدكتور ماركس.

لقد أدركنا أنه من أجل بقاء الحياة على الكوكب، يجب أن تأتي الثورة الرقمية الشمسية الثانية لمساعدة الثورة الأولى - منتجات أول SDR، الوقود الأحفوري، إذا استمر كمصدر للطاقة، سوف يتسبب في انهيار المحيط الحيوي. بعبارة أخرى، ستدمر المنتجات المتحجرة للثورة الأولى، الوقود الأحفوري، منتجاتها الحية اللاحقة. سيسعى نمط الإنتاج الرأسمالي دائمًا إلى تعظيم الربح الذي يحدده باستخدام الوقود الأحفوري لدفع نظام الإنتاج. يجب أن ينتهي هذا وأن يتم بناء نظام آخر للإنتاج اللاحق لرأس المال بسرعة على أساس المشاركة: تقاسم الطاقة؛ تقاسم المعرفة؛ تقاسم منتجات العمل؛ تقاسم موارد الكوكب مع الأنواع الأخرى بعبارة أخرى: حالة توازن بيئي عادل (EEES).

بالطبع، ما زلتم كنوع منتج للثورة الأولى للطاقة الشمسية الرقمية، وما زالت كل قوتكم تقريبًا مستمدة من هذا المصدر. سوف يتطلب الأمر تطورًا اجتماعيًا سريعًا للتغلب على نيتكم الواضحة الحالية لتدمير مأواكم الكوكبي. لذا فإن الغرض من هذه الرسالة الموجهة إليكم هو المساعدة في توفير إطار علمي للاتجاه الذي يجب أن تسلكوه من أجل إنقاذ كوكبكم من آثار التدمير الذاتي لنظامكم الاجتماعي والاقتصادي الحالي. فقط إذا تمكنتم من فهم الخطوة التالية على طريق التطور الاجتماعي الخاص بكم، أي من خلال رؤية كيفية ارتباطها بالعهود الرئيسية الأخرى، يمكنكم الحصول على حالة الطواريء، وحتى الشجاعة لمقاومة القوى الاجتماعية المتسببة الموت والدمار. ينشأ هذا الوضع من رغبة الطبقات الاجتماعية المسيطرة في حماية خصوصياتها بدلاً من دخول عالم المشاركة الذي هو مستقبلكم الوحيد كنوع. جزء ضئيل من Homo sapiens الذي يستفيد من الإجمالي الحالي-

يجب أن يُطلب من النظام غير المنصف أن يتخلى عن ثروته المفرطة وخصوصياته والانضمام إلى الغالبية العظمى من جنسكم لخلق عالم تشاركي ومنصف.

من الممكن أن تكون الدولة المتكافئة، والبيئية، والتوازن لكوكبكم!

المراجع

بارنهام ك. 2014. الإجابة الحارقة: دليل المستخدم للثورة الشمسية. Lon- don: Weidenfeld & Nicholson.

بيرنايز إي 2005. دعاية. نيويورك: آي جي للنشر.

تشومسكي ن. 2018. URL: https://www.youtube.com/watch؟v=0yc-30_Dnx4. Chomsky N. و Herman E. S. 1994. الموافقة على التصنيع. لندن: خمر. ديبورد جي 1977. جمعية المواصفاتتاكل. لندن: أسود وأحمر.

فرويد س. 2005. اللاوعي. كلاسيكيات البطريق.

غولد س ج. 2007. اتزان متقطع. مطبعة جامعة هارفارد.

Hallam A.، and Wignall P. B. 1997. الانقراض الجماعي وعواقبه. مطبعة جامعة أكسفورد.

هانسن ج. 2009. عواصف أحفادي. لندن: دار بلومزبري للنشر.

خطاف د 1997. تعليم العلوم والتكنولوجيا الجديدة والتنمية: محطة عمل ممتعة في الفيزياء للتعلم عن بعد. URL: http://pcwww.liv.ac.uk/~dhookes/ SciDEV1.pdf.

كوزو بوليانسكي ب. 2010. التكافل: مبدأ جديد للتطور. مطبعة جامعة هارفارد.

ماجوليس ل. 1998. الكوكب التكافلي: نظرة جديدة على التطور. كتب أساسية.

ماركس ك. 1998 [1848]. بيان الحزب الشيوعي. مطبعة جامعة أكسفورد.

فيليبس أ. 20 من المحتمل أن يكون ذلك قد بدأ حرب نووية عرضية. نار نووي نار. URL: http://nuclearfiles.org/menu/key-issues/nuclear-wea pons / issues / Accidents / 20-mishaps-might-reason-russian-war.htm.

Wheeler J. 1998. Geons، الثقوب السوداء والرغوة الكمومية: حياة في الفيزياء. نيويورك: دبليو دبليو. نورتون وشركاه.

Barnham K. 2014. The Burning Answer: A User's Guide to the Solar Revolution. Londres: Weidenfeld & Nicholson.

Bernays E. 2005. Propagande. New York: Édition Ig.

Chomsky N. 2018. URL: https://www.youtube.com/watch?v=0yc-30_Dnx4. Chomsky N. et Herman E. S. 1994. Manufacturing Consent. Londres: Vintage. Debord G. 1977. La société du Spec

tacle. Londres: noir et rouge.

Freud S. 2005. L'inconscient. Classiques de pingouin.

Gould S. J. 2007. Équilibre ponctué. Presse universitaire de Harvard.

Hallam A. et Wignall P. B. 1997. Extinctions de masse et leurs conséquences. Presse d'université d'Oxford.

Hansen J. 2009. Tempêtes de mes petits-enfants. Londres: Bloomsbury Publishing.

Crochets D.1997. Enseignement des sciences, nouvelles technologies et développement: un poste de travail physique amusant pour l'apprentissage à distance. URL: http://pcwww.liv.ac.uk/~dhookes/ SciDEV1.pdf.

Kozo-Polyansky B. 2010. Symbiogenèse: un nouveau principe d'évolution. Presse universitaire de Harvard.

Magulis L. 1998. Planète symbiotique: un nouveau regard sur l'évolution. Livres de base.

Marx K. 1998 [1848]. Le Manifeste du Parti communiste. Presse d'université d'Oxford.

Phillips A. F. n.d. 20 mésaventures qui auraient pu déclencher une guerre nucléaire accidentelle. Échappées nucléaires nar- row. URL: http://nuclearfiles.org/menu/key-issues/nuclear-wea pons / issues / accidents / 20-mésaventures-peut-être-causé-une-guerre-nucléaire.htm.

Wheeler J. 1998. Geons, trous noirs et mousse quantique: une vie en physique. New York: W.W. Norton & Company.

Barnham K. 2014. The Burning Answer: A User's Guide to the Solar Revolution. Lon- don: Weidenfeld & Nicholson.

Bernays E. 2005. Propaganda. New York: Ig Publishing.

Chomsky N. 2018. URL: https://www.youtube.com/watch?v=0yc-30_Dnx4. Chomsky N., and Herman E. S. 1994. Manufacturing Consent. London: Vintage. Debord G. 1977. The Society of the Spectacle. London: Black and Red.

Freud S. 2005. The Unconscious. Penguin Classics.

Gould S. J. 2007. Punctuated Equilibrium. Harvard University Press.

Hallam A., and Wignall P. B. 1997. Mass Extinctions and Their Aftermath. Oxford University Press.

Hansen J. 2009. Storms of My Grandchildren. London: Bloomsbury Publishing.

Hookes D.1997. Science Education, New Technology, and Development: A Physics-is- fun Workstation for Distance Learning. URL: http://pcwww.liv.ac.uk/~dhookes/ SciDEV1.pdf.

Kozo-Polyansky B. 2010. Symbiogenesis: A New Principle of Evolution. Harvard Uni- versity Press.

Magulis L. 1998. Symbiotic Planet: A New Look at Evolution. Basic Books.

Marx K. 1998 [1848]. The Manifesto of the Communist Party. Oxford University Press.

Phillips A. F. n.d. 20 Mishaps that Might Have Started Accidental Nuclear War. Nar- row Nuclear Escapes. URL: http://nuclearfiles.org/menu/key-issues/nuclear-wea pons/issues/accidents/20-mishaps-maybe-caused-nuclear-war.htm.

Wheeler J. 1998. Geons, Black Holes and Quantum Foam: A Life in Physics. New York: W.W. Norton & Company.

 

عبده حقيالديموقراطية الإلكترونية مفهوم يقصد به استعمال تكنولوجيات المعلومات والاتصال وأبرزها الإنترنت في تحسين العمل الديموقراطي في بلد ما. المفهوم لا يزال على المستوى التنظيري وتطبيقه مرتبط بانتشار استعمال تكنولوجيات المعلومات والاتصال.

لقد استعملت مصطلحات عدة في وصف الممارسات الديموقراطية غير المباشرة وغير التقليدية. فظهر (مصطلح سايبر ديموقراطية (بالإنجليزية Cyberdemocracy ‏

وفي منتصف تسعينيات القرن العشرين ظهر مصطلح "الديموقراطية الإلكترونية" بالإنجليزية: E-democracy‏ الذي واكب انتشار الإنترنت بين عامة الشعب . ويستعمل آخرون مصطلح الديموقراطية الافتراضية غير أن هذا المصطلح قد تم تجاهله في 1981، استعمل السياسي الأمريكي تيد بيكر مصطلح تيلي ديموقراطية لتعبير عن استعمال أدوات جديدة للاتصال في العملية الديموقراطية.

وهناك الديموقراطية الإلكترونية المباشرة وهي النمط الديموقراطي الذي تستعمل فيه شبكة الإنترنت وتقنيات اتصال أخرى لتجاوز بطء وبيروقراطية الاستفتاءات. يعتقد الكثير من مناضلي الديمقراطية الإلكترونية المباشرة أنها ستحسن أيضا من مسار اتخاذ القرار. كما في كل الديمقراطيات المباشرة، يكون للمواطنين الحق في التصويت على كل مشروع قانون واقتراح قوانين واختيار الممثلين أو عزلهم.

لم يعرف العالم تطبيقا عمليا للديمقراطية الإلكترونية بصورة تامة رغم وجود عدة تجارب ومبادرات. كان روس بروت (Ross Perot) المترشح الحر خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1992 و1996، من المؤيدين الكبار للبلديات الإلكترونية.

هناك عدة محاولات هي في مخاض الولادة في أستراليا عبر مشروع Metagovernment. ( بالإنجليزية  Senator On-Line‏ (سيناتور على الخط) وهو حزب سياسي أسترالي شارك في الانتخابات الفيديرالية الأسترالية لسنة 2007، اقترح هذا الحزب نظام سايبر ديمقراطية الذي يسمح للأستراليين بمشاركة السيناتور في اتخاذ القرارات بخصوص مشاريع القوانين.

في الديمقراطية المباشرة، للمواطنين حق اختيار الممثل الذي سينتخب باسمهم مع الاحتفاظ بحقهم في الانتخاب إذا قرروا ذلك.. يمكن أن يكون الانتخاب أو اختيار الممثلين بطريقة إلكترونية.

تعتبر شبكة الإنترنت حاضنة واعدة بالنسبة للديمقراطية الإلكترونية بالإضافة إلى وسائل الاتصال المتنقلة. وتتميز شبكة الإنترنت عن وسائل الإعلام التقليدية بقدرتها على المخاطبة الفردية والجماعية للأشخاص. وتضمن قوة الحساب الهائلة للحواسيب الحديثة إضافة إلى خوارزميات التشفير سرية الاقتراع للمواطنين. كما تسمح الإنترنت للأشخاص مناقشة الأمور فيما بينهم بصورة أفقية ومفتوحة للجميع الشيء الذي لا تسمح به وسائل الإعلام التقليدية. وشكلت الإنترنت في العقد الأخير وسيلة هامة في مخاطبة السياسيين للجماهير ونشر أفكارهم والاستماع إليهم خاصة في الحملات الانتخابية.

التحسينات التي يسعى إليها المؤيدون لهذه الديمقراطية الإلكترونية، تمس ترقية وتسهيل مشاركة المواطنين في مسار اتخاذ القرارات والحياة السياسية. تشمل التحسينات أيضا تكييف عملية الاقتراع للسماح بالمشاركة عن بعد أو بالوكالة عن طريق وسائل اتصال إلكترونية. كما تهدف لشفافية أكبر للعملية الديمقراطية.

إن عدم وجود الرغبة والإرادة اللازمة من القيادات السياسية تجاه اعتماد حكومة إلكترونية يعد من أبرز المشاكل السياسية التي تواجهها تطبيقات الحكومة الإلكترونية بالأخص في البلدان النامية.

كما تعتبر الثقافة السياسية السائدة في بلد ما مؤشرا حاسما وعنصرا حرجا. فلثقافة علاقة مباشرة بالاهتمام بتوجهات إقامة مشاريع الحكومة الإلكترونية حيث غالبا ما تنعكس توجهات القادة السياسيين والمسؤولين الحكوميين على المبادرات الحكومية والمشاريع المستقبلية. والمثال العالمي الأبرز على دور القادة في قيادة وإنجاح المبادرات الحكومية هو رؤية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون حول إعادة اختراع الحكومة التي طورت بموجبها البوابة الإلكترونية الأمريكية لتصبح من أرقى البوابات الوطنية الإلكترونية الموحدة في العالم.

يمكن استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات لكل من الأغراض الديمقراطية وغير الديمقراطية (إذ يمكن للتقنيات الرقمية أن تسهل كلًا من السلطة القمعية أو المشاركة الديمقراطية). يعتبر التصور الذي قدمه الكاتب جورج أورويل في روايته 1984 من الأمثلة النموذجية للاستخدام غير الديمقراطي للتكنولوجيا.

يُذكر أن الاعتراضات على الديمقراطية المباشرة قد تنطبق أيضًا على الديمقراطية الإلكترونية، مثل إمكانية الحكم المباشر لإحداث استقطاب في الآراء، بالإضافة إلى الاتجاهات الشعبوية والديماغوجية.

في الدول المعرضة لحجب شامل أو جزئي شبكة الإنترنت، لا يمكن استغلال الديمقراطية الإلكترونية بشكلها الأقصى. كثيرًا ما تميل الحكومات إلى تطبيق إجراءات قمعية واسعة على الإنترنت خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة. على سبيل المثال في احتجاجات الشرق الأوسط عام 2011، حيث حدثت حالات متعددة من حجب الإنترنت من قبل الحكومة في كل من ليبيا ومصر والبحرين وسوريا وإيران واليمن دعيت باسم ’قمع الشبكة العربي’ وهي جميعها دول طبق قادتها الحجب الكامل للإنترنت ردًا على المظاهرات الواسعة المطالبة بالديمقراطية في هذه الدول. هدفت إجراءات الحجب والعزل جميعها أساسًا إلى منع تسرب مقاطع الفيديو المشتملة على تصوير للقمع الحكومي ضد المحتجين.

اعتقد الكثير من مستخدمي الإنترنت أن الديمقراطية على الإنترنت في الولايات المتحدة تعرضت للهجوم من خلال قانون وقف القرصنة على الإنترنت الصادر عن مجلس النواب الأمريكي. ذكر كاتب في موقع هافينغتون بوست أن الطريقة الأمثل لتشجيع الديمقراطية (ومن ضمنها الإبقاء على حرية التعبير) هي من خلال التغلب على قانون وقف القرصنة على الإنترنت. يجدر بالملاحظة أن تطبيق هذا القانون توقف إلى أجل غير مسمى بعد أن ظهرت عدة اعتراضات، ومن ضمنها بعض المواقع الشهيرة مثل ويكيبيديا الذي توقف عن العمل لمدة يوم كامل في الثامن عشر من يناير عام 2012. في الهند، حدث وضع مشابه كذلك في نهاية عام 2011، عندما اقترح وزير الاتصالات وعلوم تقانة المعلومات الهندي كابيل سيبال أن المحتوى العدائي قابل ’للكشف المبكر’ قبل السماح بنشره على الإنترنت دون أي قواعد لتقويمه. لكن التقارير الإخبارية الحديثة تذكر أن سيبال قال إنه لن يكون هناك وجود لأي قيود على استخدام الإنترنت.

 

عبده حقي

 

محمد الربيعي ترتبط التحديات الرئيسية التي يواجها العراق في التعليم العالي بعضها مع البعض وتتشابك، لكونها تؤثر على، وتتأثر بكل مجالات العمل الجامعي. فمن الواضح انه لابد للمواءمة مع سوق العمل الضعيف والمتغاير في احتياجاته أن يتم إعادة هيكلة البرامج الدراسية ومحتوياتها، وإعادة النظر في عملية ضمان الجودة من خلال تغيير طرق التدريس المعتمدة على التلقين والحفظ، وتنمية المهارات الملموسة وغير الملموسة، ويمكن للاستقلالية والمسائلة والشفافية ان تؤثر على معظم مجالات العمل الجامعي. وتشترك في كونها تمثل التحديات الأكبر التي تواجه التعليم العالي والجامعات العراقية.

لقد أصبح تحقيق الجودة بما يتناسب وحاجة السوق مهمة صعبة للجامعات، فمن دون توفر تدريسيين على مستوى عال من التدريب والمعرفة، وتوفير مرافق جامعية ملائمة، وبيئة جامعية محفزة للتعلم والتعليم، وسياسات تنموية تتناول الاحتياجات القطاعية بالتفصيل واحتياجات القطاع العام والخاص لن تتمكن الجامعات من تأدية واجباتها بصورة كاملة. وينبغي أيضا أن تهدف البرامج التدريبية للتدريسيين إلى تعزيز الصلة بين الممارسة النظرية والمشاركة في المعارف والخبرات بين أعضاء هيئة التدريس المتمرسين والمستجدين. ويساعد التقييم الفعال لتدريب التدريسيين ودعمهم، وخاصة من حيث نتائج الطلبة، على تحسين جودة التعليم والتعلم في الجامعات.

متطلبات سوق العمل

بتركيز شديد، يحتاج التعليم العالي في العراق الى استراتيجية تعتمد على تلبية حاجة السوق بالرغم من ضعفه، وليس لمجرد تلبية الرغبات الاجتماعية والسياسية. وتعتبر هذه المواءمة مع سوق العمل من اهم العوامل لمجابهة البطالة وتحقيق اهداف الجامعة. ويعود الضعف إلى سببين: أولهما انخفاض الكفاءة النوعية للجامعات كتـدني التأهيل المعرفي والتخصصي، وضـعف القـدرات الابتكاريـة والتطبيقية والتحليلية، وثانيهما هو أعـداد المخرجات الهائلة في تخصصات لا يحتاجها المجتمع ولا سوق العمل مـع وجـود طلـب كبير فـي تخصصات أخرى، وكذلك الزيادة الهائلة في مخرجات الدراسات العليا التي لا يوجد لمعظمها سوق عمل ولا حاجة مجتمعية ولا أهمية معرفية او بحثية او ابتكارية.

أهمية المهارات

تعد المهارات من العوامل الرئيسية لتحديد درجة مشاركة القوى العاملة وإنتاجية العمل. من المعروف أنه نظراً لتأثير التقنيات الحديثة - والتي غالباً ما تكون مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات - والتغييرات في تنظيم العمل، فإن الوظائف التي تنطوي على مهام روتينية والتي يسهل أتممتها تختفي بسرعة، بينما يتضمن خلق فرص عمل جديدة مهاماً تتطلب مهارات غير روتينية (على سبيل المثال، مهارات تحليلية، وإبداعية، واتصالية)، والتي لا يزال البشر أفضل فيها من الآلات. يحتاج خريجونا الى اكتساب مهارات جديدة من خلال المقررات نفسها وليس من خارجها، أي الى المهارات التي يبحث عنها المسؤول الإداري، او مدير المستشفى، او مدير المشروع، او صاحب العمل من تفكير نقدي وبرمجة حاسوب، وحل المشكلات، وقيادة وتنظيم ومرونة وتوثيق وتواصل واخلاق مهنية. 

لا يزال التعليم في العراق غالباً ما يتميز بالتعلم عن ظهر القلب، والتكرار (أي التلقين والحفظ)، بدلاً من تدريس المنطق والتحليل والتركيز على مهارات حل المشكلات، وقضايا العالم الحقيقي. ينطبق هذا بالتأكيد على التعليم الابتدائي والثانوي، وبالتأكيد على التعليم العالي. وبالتالي، أصبح عدم توفر المهارات عائقا شديدا أمام النمو والتطور وقد برزت هذه المشكلة بصورة جلية في كل مجالات الاختصاص والعمل حتى السياسي منها. 

والسؤال المطروح علينا اليوم هو كيف يمكن لنظام التعليم العالي أن يستجيب لهذه التحديات ويلعب دوراً أقوى في إعداد الشباب لسوق العمل حتى ولو كان هذا السوق ضعيفا وليس له دور مهم في الوقت الحاضر؟

يمكن أن يكون التعليم العالي محركاً قوياً لبناء مجتمع أفضل، من أجل رفع مستوى الإنتاجية والنمو. يساهم من خلال إنتاج المعرفة والمهارات والكفاءات العالية، ومن خلال البحوث الأساسية والتطبيقية ولكن أيضاً من خلال ما يسمى بـ "المهمة الثالثة" وهي خدمة المجتمع. وهنا لكي يكون فعالا يجب على التعليم العالي أن يعمل كنظام مترابط من الجهات الفاعلة حيث تتفاعل المؤسسات مع بعضها البعض، وأصحاب العمل، والوزارات، والشركات، والمؤسسات البحثية وأجهزة التخطيط. كما انه إذا لم تخلق الدولة وظائف جديدة عبر الاستثمار في الصناعة والزراعة والصحة والسياحة والبناء والتعليم، وتستمر في سياسة استيراد كل حاجة صغيرة وكبيرة من دول الجوار فلن يكون للجامعات حاجة الى تدريب مهارات جديدة وإذا لم تنجح هذه الروابط، فمن الصعب على الجامعات أن ترقى إلى مستوى إمكاناتها.

لذلك على الجامعات أن تعد وتعيد تدريب المهنيين لعالم اختفى فيه الطلب على كثير من الاختصاصات والمهارات بشكل منهجي، حيث حل الاستيراد محل الإنتاج المحلي. لكن الطلب على الاختصاصات الطبية، والقوى العاملة الوسطية وموظفي الخدمات لا يزال في ازدياد. وهكذا، إلى جانب التعليم الأولي ووظيفة التدريب على مستوى التعليم العالي، يمكن للجامعات، بل ينبغي لها بالفعل، أن تلعب دوراً مهماً فيما يتعلق بتدريب المهارات وبالتعلم مدى الحياة.

ربط الجامعات بسوق العمل

هناك مجال آخر مهم لربط الجامعات بسوق العمل. يجب أن تستند المناهج الدراسية إلى نتائج (مخارج) التعلم العامة والمهنية أو الفنية - التي يتم تطويرها بشكل مشترك من قبل قطاع التعليم العالي، وأصحاب العمل وأصحاب المصلحة الرئيسيين الآخرين- والمؤسسات اللازمة لدعم الطلاب من خلال المواضع العملية والتدريب الداخلي والتوجيه المهني ومعلومات سوق العمل، ولا يكتفي بان تكون المناهج الدراسية معتمدة تماما على ما هو موجود في الكتب المقررة والجامعات الخارجية. ومن هذا المنطلق يجب ان تكون عملية وضع المناهج ومخارج التعلم مرنة ومتغيرة وعلى الوزارة ان تسحب يدها من مهمة السيطرة على المناهج والامتحانات وارجاعها الى الأقسام والتدريسيين وكما هي عليه في معظم نظم التعليم العالي العالمية.

أود أيضًا أن أذكر ببرامج التجسير في سياق قابلية التوظيف، أي البرامج التي تساعد الطلاب للحصول على بداية أفضل في الجامعة من خلال بناء جسر بين مستوى إعدادهم المدرسي والخبرة الجامعية. يمكن أن تساهم هذه البرامج بشكل كبير في نجاح المتعلم وكذلك في مستقبله الوظيفي. ومن الأمثلة على ذلك برنامج التجسير في إطار مشروع البنك الدولي للتعليم الثانوي في رومانيا، وكذلك برامج التجسير في الجامعات الغربية لبعض الطلبة من الدول النامية.

بشكل عام، يجب أن تكون هناك أنظمة مناسبة للحوكمة والإدارة والتمويل وضمان الجودة من أجل تمكين الجامعات من الوفاء بمهامها المتعلقة بمتطلبات المجتمع وسوق العمل.

الاختصاصات التقليدية

احدى الاختلالات التي يعاني منها نظام التعليم العالي العراقي هو كثرة الاختصاصات التي لا يحتاجها البلد او لا يحتاج الى هذا العدد الهائل من حاملي شهاداتها، وبالرغم من دعواتنا العديدة الى ترشيد التعليم العالي بوضع حد لمهزلة كثرة الاختصاصات التقليدية، وتفاقم البطالة والبطالة المقنعة بين صفوف حملة الشهادات في هذه الاختصاصات، لا زلنا نرى إصرارا على استمرارية وجود اختصاصات اكل عليها الدهر وشرب، وليس لها فائدة تذكر، وتلك التي لم يعد يهتم بها الا القلة القليلة من الجامعات.

انتبهت الى هذه المشكلة جامعات الدول المتقدمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فبدأت ببناء وتطوير برامجها استنادا الى حاجة السوق ودرجة الطلب، وتبعتها في بدايات هذا القرن جامعات عدد من الدول كالهند والصين مما أصبح بناء برنامج جديد او تحجيم او الغاء او دمج برامج أخرى من الأمور الاعتيادية في هذه الجامعات بعد ان كانت البرنامج التقليدية تعتبر سابقا من المقدسات التي لا يمكن لاحد من المساس بها.

من الأمثلة على دمج الجامعات الاوربية دمج جامعتي فكسيو وكلمار في السويد، وجامعة أوسلو والكلية الجامعة اكرشاس في النرويج، ودمج المعهد التربوي والكلية الجامعة لندن في بريطانيا، ودمج جامعة فستوك والاكاديمية المالية في بولندا، ودمج جامعات ستراسبورغ الأولى والثانية والثالثة في جامعة واحدة في فرنسا، ودمج ست جامعات في إيطاليا، ودمج ست مؤسسات للتعليم العالي والبحث العلمي لتكوين الجامعة التكنولوجية الدنماركية، بالإضافة الى دمج عدة جامعات ومعاهد وكليات جامعة في عدد آخر من الدول الاوربية.

في عام 2009، أعلنت جامعة ولاية أريزونا عن إعادة تنظيمها الأكاديمي وشملت أكثر من اثني عشر من مدارسها وكلياتها ومعاهدها. وفي الوقت نفسه، قامت جامعة نورث إيسترن بإعادة هيكلة رئيسية ثالثة في خلال عشرة سنوات حيث قسمت الإدارة كلية الآداب والعلوم إلى ثلاث كليات أصغر وأعادت تصميم كلية العدالة الجنائية كمدرسة داخل كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية التي شكلت حديثا. وبررت التغييرات بأنها أحدثت لمساعدة "تحول الجامعة الى مؤسسة انتقائية أكثر اكاديمية وذات اهمية بحثية عالية". وفي عام 2010 خفضت جامعة أيوا الشمالية عدد التقسيمات الإدارية من أربعة إلى ثلاثة، مما أدى إلى الغاء منصب نائب الرئيس، وتقليم عدد من الكليات من خلال دمج كلية العلوم الطبيعية وكلية العلوم الإنسانية والفنون الجميلة. ونقل عن رئيس الجامعة قوله ان اعادة الهيكلة تهدف الى تعزيز العروض الاكاديمية وتقليل التكاليف الادارية لتلبية احتياجات الطلبة على أفضل وجه. وبالمثل، كانت استجابة جامعة شرق واشنطن لتخفيضات الميزانية هي إعادة تنظيم وحداتها الأكاديمية، بما في ذلك خفض عدد الكليات من ستة إلى أربع، وإعادة تشكيل عدة أقسام أكاديمية.

ومؤخرا فاجأتنا ماليزيا بمواجهتها لهذه المشكلة بأجراء لوزارة التعليم العالي بألغاء 38 برنامجاً أكاديمياً في 19 جامعة معلنة انها لم تعد ذات صلة بمتطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية، ولأنها لم تعد توفر فرص عمل للخريجين بناءً على طلب الصناعات الحالية. وجاء هذا الاجراء تماشيا مع جهود الحكومة لضمان قدرة خريجي المؤسسات العامة على إيجاد وظائف مناسبة لمجال الدراسة ولتجنب البطالة.

وتضمنت الإجراءات الماليزية عددا من التخصصات لبرنامج البكالوريوس في الرياضيات والكيمياء وعلم النفس الرياضي وريادة الأعمال والتجارة والعلوم الإسلامية والاعلام، بالإضافة الى برامج هندسية كانت الى زمن طويل تعتبر مهمة مما أدى الى اشباع السوق بالخريجين منها الهندسة الميكانيكية والإنتاج الصناعي وهندسة التصنيع وهندسة الاتصالات الكهربائية وهندسة الاتصالات الإلكترونية. وبناء على ذلك تم الايعاز الى جميع الجامعات في البلاد بضرورة إعادة تصميم برامجها الأكاديمية وفقًا للتطورات الصناعية ذات الصلة. وعلى جانب اخر فقد تم الاحتفاظ بتخصصات مثل التاريخ والأدب وتعليم الملايو لأنهم وجدوا ان هذه التخصصات مازالت صالحة لبناء الأمة والمجتمع.

وبالرغم من هذه الظواهر، لم تُوَلّد في العراق عمليات او تجارب جدية وواسعة لإعادة هيكلة مؤسسات التعليم العالي بحيث يمكن ان تسهم في استخلاص الدروس بشأن ما هو واضح من القضايا المشتركة والعالمية. فعلى سبيل المثال لم تقدم أي جامعة على إعادة النظر في هيكلتها الإدارية والأكاديمية ولم تسعى أية جامعة الى دمج الكليات والاقسام المتناظرة ولم يجرؤ أي نظام تعليمي على دمج الجامعات الصغيرة وتلك التي تقع في نفس المجال الجغرافي.

التعليم المهني والتقني

التعليم التقني والمهني يجب ان يأخذ الصدارة في الاهتمام بأنواع التعليم وأولوية على التعليم الأكاديمي العلمي والأدبي، وهذا يتطلب تغيير تقاليد التعليم العالي وهذا يعني احداث تغير جذري في نظرتنا الى اهميته وجدواه والى اعادة صياغة اولوياته. بما ان سوق العمل يحتاج الى الاختصاصات المهنية والتقنية لذلك فانه يتوجب على التعليم العالي تلبية احتياجات هذا النوع من التعليم وتوفير الفرص التدريبية لسد الفجوة الناشئة عن تراكم عجز الايدي العاملة لتلبية الطلب من قبل مختلف النشاطات الاقتصادية الوطنية. من المهم ان يتم تحديد الاحتياجات المستقبلية من التخصصات الفنية والتقنية وفقا للمعلومات المتوفرة بالعمالة المدربة، ووضع خطة استراتيجية متكاملة تتضح من خلالها الرؤى المستقبلية من التخصصات الضرورية بدلا من الاسراع في مشاريع غير مدروسة.

وهنا لابد من التذكير بتقرير صدر عن المؤتمر الدولي الثالث للتعليم والتدريب التقني والمهني المنعقد في شنغهاي عام 2012 تحديدا للمجالات الرئيسية للسياسات المتعلقة بالتعليم والتدريب التقني والمهني نرى ضرورة تبنيها ودفعها قدماً من قبل العراق بحيث يتسنى تحقيق التقدّم المرجو والضروري لكي نتمكن من مجابهة الأوضاع الراهنة وتحديات المستقبل، ويمكن ايجاز هذه المجالات بالعناوين الرئيسة التالية التي لا بد أن يتم تفصيل بنودها بالرجوع إلى ما يعترض العراق من تحديات تخص كلاً منها كالاتي:

1- تبني أنماط جديدة تكفل الحكم الجيد

2- الاستجابة للطلب على التدريب المهني والتقني

3- السعي لتحقيق الأهداف الاجتماعية للتدريب المهني والتقني

4- تعزيز أساليب التعليم والتدريب التقني والمهني من خلال سياسات شاملة

5- تمكين المتعلمين

6- تحديث أساليب التعليم والتدريب التقني والمهني

7- نشر التعلم من خلال العمل

8- استثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم والتدريب التقني والمهني

9- توفير التمويل الكافي للنهوض بنوعية التعليم والتدريب التقني والمهني

هذا، ويجب ان يأخذ التعليم التقني والمهني الصدارة في درجة الاهتمام بأنواع التعليم وأن تكون له الأولوية على التعليم الأكاديمي، وهذا يتطلب تغيير تقاليد التعليم، بالإضافة إلى تغيير النظرة الدونية للحِرَفِ والمهارات التقنية باعتبارها تكتسب بالخبرة والتدريب وليس بالدراسة الاكاديمية. لابد من القضاء على ثقافة "العيب" المهني المنتشرة في مجتمعاتنا، والتي تحول دون دخول الكثير من الطلبة الى المدارس والمعاهد والكليات التقنية.

في النهاية، نرى أن هناك ثمة حاجة إلى إصلاح نظام التعليم الجامعي بما يتضمن من مراجعة المناهج والبرامج بناء على احتياجات سوق العمل، كما وهناك حاجة إلى توسيع التعليم المهني والتقني، والى تعزيز قدرات ومهارات الخريجين، والتأكيد على أهمية تطبيق معايير الجودة والتميز وعلى تعزيز مهارات التفكير النقدي التي تساعد على فهم أفضل لتجارب وآراء الآخرين، وتعزز من القدرات على العمل مع مختلف الناس وفي مختلف الظروف.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

 

صلاح حزامقبل ايام طرح احد الاصدقاء الاعزاء قضية التعليم في العراق في منشور له. وقد اثار الموضوع عدد من النقاشات بين عدد من المتابعين المحترمين.

لاحظت من خلال متابعة النقاش ان بعض المعلقين تناولوا التراجع في مستوى التعليم باعتباره أحد من مساويء النظام السياسي والبعض يعتقد انها مؤامرة مقصودة لادامة تخلف البلد الخ......

يعتبر التعليم والبحث العلمي واحدا من أشد النشاطات التي تتأثر سلبا او ايجاباً بالبيئة المحيطة بذلك النشاط . والمقصود بالبيئة هنا، البيئة بمعناها العام وبكافة ابعادها.

انها ترتبط بالفلسفة السائدة التي تحكم البلد وكيف ترى مستقبل ذلك البلد، انها ترتبط برسوخ وثبات المؤسسات واستقلاليتها ووضوح منهجياتها.

التعليم لايمكن ان يكون نشاطاً تحكمه الشعارات السياسية التي تتبدل كل يوم وتصدر عن اشخاص جهلة حتى لو كانوا وطنيين مخلصين . انه يحتاج الى ادراك واضح بان التعليم سبب تطور كل جوانب الحياة الاخرى.

انها ليست أجراءات وقرارات حكومية فقط، بل هي، ايضاً، بيئة محيطة بالطالب تشجعه وترغمه على الدراسة الجادة وعلى التعلم الحقيقي.

اساليب التدريس والمناهج وادوات التعليم وآليات الانتقاء والاختيار كلها

ضرورية وحاسمة في اهميتها..

ولكن هل ان المؤسسة السياسية تدرك حقاً اهمية التعليم؟

واذا كانت تدرك، هل تستخدم الاساليب الصحيحة من اجل ايجاد عملية تعليمية وعلمية سليمة؟

وماذا لو كانت تعتقد ان المجتمع المتعلم جيداً يشكل خطراً محتملاً عليها ؟

الغوص في تفاصيل كل نشاط تعليمي وماله وما عليه (كما فعل بعض الاخوان) يستهلك الوقت ويسبب تشتتاً في الجهد والوقت ويبدد النقاش.

لذلك ارى ان من الافضل الذهاب الى السبب الاساسي وراء مايحصل في التعليم وفي غيره.

وهو باختصار، أن البيئة العراقية ومنذ تاسيس الدولة العراقية في بداية العشرينيات، هي بيئة عقيمة وغير قادرة على توفير مستلزمات التطور !!!

لماذا لم يشهد العراق تنمية سياسية ؟ وهل يعقل ان يدار البلد على مدى قرن من الزمن بعقلية الانقلاب العسكري ؟ الا تتفقون معي ان البلد يشهد باستمرار نكوصاً سياسياً وارتداداً الى الوراء على صعيد البناء السياسي؟

يتحدث الناس عن تجربة ديمقراطية وليدة كانت تتطور بهدوء في العهد الملكي الى أن جاء العسكر وقاموا باغتيالها في عام 1958. وتلا ذلك حوالي الستين عاماً من الفوضى وانعدام الهوية السياسية... في العام ١٩٥٨ كان قد مضى اكثر من خمسة وثلاثين عاما على قيام الدولة والوضع السياسي كان بدائياً مما جعل من السهل على الضباط المغامرين الاطاحة بالبلد وليس بالنظام السياسي فقط .

قد يستغرب البعض من هذا الاستغراق في الجانب السياسي وغياب التنمية السياسية مع ان الموضوع هو عن التعليم والبحث العلمي .

في الواقع ذلك يعود الى قناعتي بان واقعاً سياسيا متقلباً وغير مستقر لايمكن ان ينتج نظاماً تعليميا رصيناً.

عندما يدار البلد بعقلية العصابة فهذا يعني انه بلا هوية او فلسفة للحكم ..

التعليم يحتاج الى فلسفة سياسية والى نخبة حاكمة تدرك وتؤمن بأهمية التعليم المتطور.

من في تاريخنا المعاصر من نخبة الحكم يفهم خطورة التعليم ويؤمن به ؟

في بريطانيا وعلى سبيل المثال، قام توني بلير بالتركيز على موضوع (الحراك الاجتماعي)

Social mobility والذي كان يراد به تسهيل الانتقال العمودي بين الطبقات الاجتماعية، اي ان الفرد المنتمي الى الطبقات الدنيا يستطيع الانتقال الى طبقة عليا.

( يمكن العثور على هذه المساهمات الفكرية بالرجوع الى كتاب :Blair revolution revisited).

وقرر بلير ان التعليم وحده هو الوسيلة التي يستطيع هؤلاء الصعود بواسطتها الى طبقة اعلى وبما ان بلير هو زعيم حزب العمال،الذي هو حزب اشتراكي، تَقرر توفير وسائل الدعم للطلاب المؤهلين من الطبقات الدنيا الفقيرة لتمكينهم من الحصول على تعليم جيد يستطيعون من خلاله احتلال وظائف عليا.

وهذا طبعاً تطبيق حرفي لفلسفة افلاطون فيى التربية عندما قال : ان الناس معادن وكل معدن يحتل وظيفة تنسجم مع نفاسة المعدن أو خسته. ولكنه أضاف بأن المعادن الخسيسة يمكن ان تنتج معادن نفيسة والعكس صحيح...مما يعني ان افلاطون كان يؤمن بالحراك الاجتماعي وضد التقسيم الطبقي الابدي.

هذا نموذج لكيفية فهم وظيفة التعليم من وجهة نظر التطور الاجتماعي واشاعة العدالة.

الرئيس الامريكي ريغان عندما علم بتقدم السوفيت وبعض الدول الاوربية واليابان على الامريكان في بعض الميادين العلمية، قرر القيام بمايشبه الثورة لتطوير التعليم ومناهجه في الولايات المتحدة . وانا عندما اقول الرئيس ريغان فإنما أعني المؤسسة الامريكية وليس شخص الرئيس فقط. وهذا طبعا يعكس ادراك المؤسسة السياسية لاهمية التعليم على صعيد التنافس الاستراتيجي.

هذه أمثلة على اهمية التعليم من وجهة نظر مؤسسات الحكم وفلسفة النظام السياسي، اما من وجهة النظر الفردية التي تُعتبر هي الفيصل في تطوير التعليم،فان قناعة الفرد باهمية التطور العلمي لابد منها لإحداث التقدم المنشود. واقناع الفرد لايعني الوعظ ومناشدة الحمّية الوطنية، بل جعل الفرد يخضع لقوانين محيطة به توصله الى تلك القناعة.

ذلك يستند على فرضية اساسية تستخدم في الاقتصاد الجزئي في موضوع سلوك المستهلك، وهي ان : الفرد رشيد ( rational)

عندما يكتشف الفرد ان القوانين التي تحيطه تتمحور حول البقاء للأصلح وانه لامجال للوساطة او الاحتيال، يتوصل ببساطة الى ان الحصول على شهادة خالية من المحتوى لن ينفعه في شيء وانه يبدد امواله ووقته على شهادة لاقيمة لها، سوف يُقبِل على التعلّم ولن يرفض المعرفة الحقيقية التي يعرضها الاساتذة ولن يتذمر لانه يعرف ان ذلك في مصلحته.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، لو قدم الشخص كل شهادات العالم وقدم سيرة ذاتية عظيمة فان ذلك لن ينفع مالم يثبت بالتجربة انه قادر على القيام بالعمل بالكفاءة المطلوبة.

٨٠٪؜ من الانفاق على البحث العلمي في الدول المتقدمة تقدمه الشركات الكبرى، وهي لاتقوم بذلك لانها تعشق العلم وتبحث عن الحقيقة المطلقة، وإنما تبحث عن حلول لمشاكل او لتطوير منتجات ترى انها مطلوبة .. الانفاق على مشاريع البحث العلمي وهو قد يصل الى مئات الملايين من الدولارات يخضع الى دراسة جدوى لبيان النتائج المترتبة على ذلك. ولهذا الغرض فهم يوظفون خيرة الباحثين وبمكافآت ضخمة.

ذلك يخلق سوقاً ضخمة للعلم والبحث العلمي بعد ان صار المنتَج العلمي بضاعة قد تدر المليارات..

هذه الشركات لاتوظف الفاشلين واصحاب الشهادات المزيفة او محدودي الكفاءة ..

انها المنافسة مرة ثانية تقف وراء التطور العلمي..

التوظيف في الدولة على الطريقة الريعية من قبل حكومات تسعى لإسكات الناس ونيل رضاهم، جعل الاجتهاد عملاً غيرُ مجدٍ ... بعد ان اصبح المجتهد والفاشل يحصلان على نفس الفرص والمزايا.

آلان غريسبان رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الامريكي السابق قال ذات مرة : التهديد بشبح البطالة ضروري للانضباط وزيادة الانتاجية ( طبعاً أثار كلامه احتجاجات النقابات وغيرها).

لكنه كان يتحدث عن المنافسة وتطبيق قاعدة البقاء للاصلح..

الفرد الياباني ينتهي من عمله في الخامسة مساءً ..لكنه لايعود الى البيت بل يتناول طعامه في الخارج ويذهب الى معاهد التدريب المسائية .

ينتهي من التدريب في التاسعة مساءً ويعود الى البيت..

الدافع هو الخوف من فقدان الوظيفة نتيجة تخلف وتقادم مهاراته ومعارفه..

في الدول المتقدمة لايذهب جميع الطلاب الى الجامعات ..

نسبة عالية يفضلون التدريب المهني لانه يرسلهم بسرعة الى سوق العمل..

او لأن نظام التعليم لايقبلهم لانهم لم يحققوا درجات عالية وفشلوا في بعض الاختبارات..

النخبوية مقابل الشعبوية أمر ضروري للنهوض بالواقع العلمي، توفير فرص التعليم العالي لايمكن ان يكون مكافآة تمنح لمن لايستحق وليس مؤهلاً.. ذلك سيكون هدرا للموارد وتفريطاً بمبدأ العدالة.

وقد شهد العراق في فترات مختلفة، منح درجات لابناء القادة الحزبيين وأبناء الشهداء وغيرهم، وذلك لتمكينهم من دخول كليات الطب وغيرها من الكليات التي تتطلب معدلات عالية كنوع من المكافآة والتعويض.. وقد سمعت من اساتذة في الكليات الطبية شكاوى من تردي مستوى هؤلاء الطلاب وعدم قدرتهم على الإيفاء بمتطلبات الدراسة الصعبة . بل ان بعض هؤلاء الطلاب شعر انه عاجز وطلب الانتقال الى كليات أخرى.

المهزلة التعليمية الكبرى هي ان بعض هؤلاء المشمولين بالتكريم تجاوز معدلهم ١٠٠٪؜ ووصل الى ١٥٠٪؜ !!! وهذا عير معقول تماماً.. ولكن لم يكترث أحد من المسؤولين بذلك..

يتخرج الطلاب بقدرات بائسة ويخرجوا للتظاهر في اليوم التالي مطالبين الحكومة بالتعيين، ويتم تعيينهم اذا كان الوضع المالي يساعد على ذلك.

اعادة النظر بطبيعة دور الدولة في العراق في جميع جوانب الحياة،وحسب ظروفه الحالية والتاريخية وتكوينه الخاص ومرحلة النمو التي هو فيها، أمر مهم لغرض إحداث تنمية حقيقية. 

 

 د. صلاح حزام