عبد الله الفيفيإن النسويَّة في بعض غلوائها لا تعدو ضربًا خاصًّا من التصوُّف، لها شطحها، وتواجدها، ومشاهداتها، وغيبوباتها عن سنن الله في كونه!  كأنما تأخذ بمراتب فلسفة التصوُّف الأربع في الاتصال بالذات العَلِيَّة: التواجد، فالتجلِّي، فالمكاشفة، فالحلول والاتحاد! وهو اتِّحادٌ بذاتٍ نِسويَّةٍ وهميَّةٍ مفارقةٍ للطبيعة، يختلقها الفِكر الغالي وَحده.  وإذا كان هناك مثلًا من ربطَ أصول بعض التصوُّف الإسلاميِّ بالمجوسيَّة، كالمستشرق (ثولوك)(1)، أو بدياناتٍ هنديَّةٍ براهميَّة، كالمستشرق الآخَر (ماكس هرتون)(2)، فلا غُلُوَّ في رؤية أبعادٍ دُغمائيَّة، غير سويَّة، ولا طبيعيَّة، وراء بعض أفكار النِّسويَّة وشطحها.  فليست النِّسويَّة محض مطالبات بحقوق المرأة، كما قد يبدو الأمر لمتابعٍ بادي الرأي، بل هي تيَّارٌ لا يخلو من شطحٍ كشطح (محيي الدِّين بن عربي)، وتفلسفٍ كتفلسف الشيخ الأكبر، الذي وضع- من طرائفه- كتابًا بعنوان "القول النفيس في تفليس إبليس"، انتهى فيه إلى (ما يشبه) تقديس إبليس وتفليس الشيخ ابن عربي نفسه؛ إذ أظهر الأوَّلَ منتصرًا على الأخَر، قائمَ الحُجَّة في محاججته إيَّاه في مسألة الجَبر والقَدَر، حتى لقد جعل ابنَ الأبالسة أشدَّ منه تصوُّفًا ومن كلِّ المتصوِّفة العارفين، وأقرب من خلق الله جميعًا إلى الله إيمانًا وإجلالًا!  إنها السفسطة، إذن، وشطرنج اللعب بالمفردات اللغويَّة، الذي يعبث بالرؤوس، وتلبيسات الأبالسة في كلِّ اتِّجاه، ومع كلِّ ركبٍ، دِينيٍّ أو دنيوي، ونكرانُ طبائع الطبيعة، ومنطقيَّات العقل، ومفاهيم النقل.  وكذا تفعل النِّسويَّة بنفسها كثيرًا، إذ تُناقِض ما أودع الله في الكون من توازنٍ وتكامل، يكفل لكلِّ عنصرٍ طبيعته وسِماته وخصائصه ووظائفه المختلفة، بحيث لا يطغى على ما سِواه من العناصر. حركةٌ في غُلُوِّها قد تعمل على تحييد العقل، وتنحية منطق الأشياء، في غمرةٍ من دُغمائيَّاتها الإديولوجيَّة، التي لا ترى إلَّا ما تريد. نقدُ مسلَّماتها تَعُدُّه تخلُّفًا، ومراجعة خطابها تراه محض ذُكوريَّة، ومقاربتها من غير الحزبيِّين والحزبيَّات، المؤمنين إيمانًا أعمى بعقائدها والمؤمنات، تصنِّفه كُفرًا مبينًا بمعلوم من النِّسويَّة بالضرورة!

ولا ينفي هذا- كما يقول كاتب المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي- أن النظرة إلى المرأة، في مجتمعنا العربيِّ خاصَّة، ما زالت غير لائقة بإنسان، حتى على مستوى الأنظمة. وهذا أمرٌ معهود، ومستغرب، وقد ناقشنا بعض جوانبه في كثيرٍ من طرحنا، عبر هذه المساقات وغيرها. بَيْدَ أن ذلك شيء، والمغالاة في الاتجاه النقيض، وبحسٍّ متعصِّب، يُفسِد أكثر ممَّا يُصلِح، شيءٌ آخَر. ومن أمثلة النظرة غير السَّويَّة إلى المرأة على مستوى الأنظمة: أن المرأة الراشدة، العاقلة، حاملة الهويَّة الوطنيَّة، بقيت- إلى وقتٍ قريبٍ، وربما ما برحت تطبيقيًّا- ليس من حقِّها الحركة والتصرُّف في كثير من شؤونها دون ورقة إذنٍ من "وليِّ أمرها"- كما يُسمَّى! فهي مرتهنةٌ إلى إحضار تلك الوُريقة، سواء أرادت التعلُّم، أو العمل، أو استخراج جواز سفر، بل حتى للحصول على بطاقة الهويَّة الوطنيَّة، أو التصرُّف في معاملاتٍ ماليَّة، لها، وفي حُرِّ مالها. وكذا منعها أحيانًا من إبرام عقود ماليَّة، من دون وليٍّ (من الذكور طبعًا، وإنْ كانوا صبيانًا سفهاء أو معاتيه، فالمهم أنهم ذكور!)، ومن ممارسة التجارة، بل ربما من مجرَّد فتح حساب في مصرفٍ مالي. وليت شِعري، مَن كان وليُّ أمر (خديجة بنت خويلد) في تجارتها، أو (عائشة بنت أبي بكر) في سياستها؟! وأيُّ تنقُّص من أهليَّة المرأة، ومواطنتها، وإنسانيَّتها، ومن شخصيَّتها القانونيَّة أكبر من هذا؟ وأيُّ أعرافٍ أشدُّ مخالفةٍ لقواعد العقل والنقل من تلك الأعراف؟ وبأيِّ حقٍّ تُربَط المرأة هكذا كالسائمة بإرادة وليِّ أمر؟! وليُّ أمرٍ صفته المعياريَّة الوحيدة أنه (ذَكَر، لا أقل ولا أكثر)، وإنْ كان جاهلًا، أو جاهليًّا! إنه استرقاقٌ مبطَّنٌ للنساء، وإنْ باسم الأنظمة، وأحيانًا باسم الشريعة، التي قد تُكيَّف اعتسافًا أو تُشوَّه اعتباطًا، وَفق مبتغياتٍ لا علاقة لها بصريح الشريعة في كلِّ الأحوال، بل قد تتناقض معها؛ لأنها شريعة الحقِّ البدهيِّ والفطرة السليمة والعدالة المطلقة، لا شريعة الفلسفات والتأويلات، والعادات القَبَليَّة والتقاليد المؤسلَمة، وتحذلق المفتين، هنا وهناك. ثمَّ إن الأصل أن الشريعة متغيِّرة، ومقاصد الشريعة ثابتة.  ذلك ما فقهه (عمر بن الخطاب)، مثلًا، فأدرك أن الشريعة يجب أن تدور مع المقاصد العُليا للإسلام، لا مهيمنة على تلك المقاصد.  حيثما يكون الحقُّ والخير والعدل، فثمَّة شرع الله.  ليس قطْع السارق- على سبيل النموذج- هو في ذاته مقصدًا إسلاميًّا، كي يصحَّ التمسُّك به، هكذا ضربةَ لازب، وفي كلِّ زمان ومكان، ومهما كانت الظروف.  ولذلك فإنه في (عام الرمادة) لم يَعُد مؤدِّيًا مقصده المنشود، بل ربما أصبح مؤدِّيًا إلى ضدِّه، فأبطل عُمَرُ العملَ به، إعلاءً للمقصد التشريعي على حرفيَّة التشريع.  والقول الدارج في مسألتنا مدار النقاش، حول وليِّ أمر المرأة، هو: أنَّ في ذلك حفاظًا على سلامة البيوت والعلاقات. وهو كلامٌ لا معنى له؛ لأن النِّظام العامَّ لا ينبغي أن يتدخَّل في البيوت وفي الأمور الخاصَّة. ما شأن النِّظام العامِّ إنْ كان عدم وفاقٍ على أمرٍ ما قد نشب بين زوجَين، كي يتدخَّل هكذا ابتداءً، من دون أن يكون قد لجأ إليه الزوجان، أو استأمناه لترتيب حقوقهما والتزاماتهما؟! إنْ هو إلَّا فضولٌ عشائريٌّ قديم. ذلك أن ما بين الزوجَين من اقتناعات وتراضيات هو شأنهما وحدهما، يسوِّيان ما شَجَر بينهما فيه بينهما، أو عبر دوائر إصلاحيَّة أو قضائيَّة للفصل فيه. أمَّا النِّظام الإداري، فيجب أن يكون للجميع، وأن تكون اشتراطاته منطقيَّة وحياديَّة وعادلة، لا يفترض أشياء استباقًا، وفي طرفٍ دون طرف، ولا يجعل من نفسه وصيًّا على أحدٍ لمصلحة آخَر. ولتقريب المنطق الغريب في تلك التقاليد المتوارثة، لنتأمَّل مقدار الشؤون التي يمكن أن تكون مجال عدم تراضٍ بين الرجل والمرأة، كمغادرة الزوجة بيتها دون إشعار زوجها، مثلًا. لقد يسبِّب ذلك خصومةً بينهما، وقد يستمسك الزوج بحقِّه الشرعيِّ أو العُرفيِّ أو الذوقيِّ في هذا الشأن. فهل يسوِّغ ذلك للنظام العامِّ أن يجعل شرطيًّا على كلِّ باب؛ لكيلا تخرج المرأة إلَّا بورقة إذنٍ من وليِّ أمرها بالخروج؛ خشية أن يكون تصرُّفها ذاك عن غير قبولٍ منه؟! وعلى هذا فقِسْ خروجها من مدينةٍ أو بلد؛ وهو ما ينطبق على كل شأنٍ أسريٍّ خاص. ولأنَّ الأمر هنا بلا منطقٍ ولا معقوليَّة، فإن الأزواج أو أولياء الأمور أنفسهم- كما يُسمَّون- لا يَقِلُّون انزعاجًا ومعاناة منه؛ إذ عليهم أن يُمضوا الأوراق لنسائهم أو بناتهم، وأن يَظَلُّوا ملاحَقِين لمنحهنَّ تلك التصريحات، من أجل بعض الإجراءات الاعتياديَّة لدَى بعض الدوائر والأجهزة الحكوميَّة! لكأنَّ النِّظام الاجتماعي، إذن، في حالة استنفارٍ قُصوَى لحصار النِّسوة كيلا يأبقن من ربقة الرجال! وما ذلك إلَّا من قبيل التضييق والتحكُّم المعطِّل للحياة والمصالح، فضلًا عن أنه بالضِّدِّ من حقوق النساء، بوصفهنَّ من الداخلات في أُفهوم المواطَنة، وقبل ذلك في أُفهوم الإنسان الذي له حقوق مرعيَّة. وكم مِن الرجال، في المقابل، يسلكون سلوكيَّاتٍ تُدمِّر الأُسَر، بل ربما استغلُّوا ثغرات في نظام- كتلك التي تحكِّمُهم في أشياء كثيرة، مبيحةً لهم من الحُرِّيَّات ما لا تبيحه للنساء- في ممارسة الظُّلم والاستبداد والسطو على الحقوق!

 

الكاتب: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفيفي،

..............................

(1)  وذلك في كتابه: Pantheistica Fsufismsmse Sive Theologia Persica. (انظر: عفيفي، أبو العلا، مقدمة كتاب: نيكلسون، رينولد، (1956)، في التصوُّف الإسلامي وتاريخه، (القاهرة: التأليف والترجمة والنشر)، 3-5).

(2) انظر: عبَّاس، قاسم محمَّد، (2002)، الحلَّاج (الأعمال الكاملة)، (بيروت: رياض الريس)، التمهيد: 19، نقلًا عن:

Philologisahe Naehprufung Von Uberseungseruschen mystischer Texte des Hallage, 26.

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (23)

من بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية أو الحزب السياسي على قدر ما فيهما من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة. وفي الحالة المعنية على ما فيهما من قدرة على تمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة في العراق. لكننا حالما ننظر إلى واقع النخب السياسية في ظروفه الحالية فإننا نقف أمام حالة تبدو فيها البديهة السياسية مطلبا «مثاليا»، أي صعب المنال!! وهي «صعوبة» تكمن أساسا في طبيعة النخبة السياسية الحالية. إذ ليست هذه «الصعوبة» في الواقع سوى الوجه الآخر للنقص الجوهري المميز لتاريخ النخب السياسية فيه. وهو نقص وثيق الارتباط بزمن الانحطاط الشامل في الدولة والمجتمع والثقافة، بوصفه النتاج الملازم لفقدان الشرعية وسيادة الدكتاتورية. إلا أن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه النخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بأن قوى من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط في العراق. وهي نتيجة يمكن وضعها في فكرة تقول، بأنه إذا كانت مآسي الأمم على قدر انحطاطها، فإن نجاحها على قدر ما فيها من نخب رفيعة المستوى ومجتمع حي هو مصدر وجودها ومعين إبداعها الأصيل. وبدون ذلك تصبح المأساة فعلا لا علاقة له بالعقل والضمير والإبداع. فالمآسي تصبح فضيلة فقط عندما تتحول إلى بلاء عظيم لقلوب أعظم، أي عندما تكون لقلوب الأمم كاللهب للذهب. فهو الأمر الذي يجعل منها طاقة لتنقية القلوب والعقول.

ودروس التجربة التاريخية للعراق الحديث تكشف عن أن مصدر مأساته تكمن في عدم تكامله الذاتي. ويستحيل تحقيق هذا التكامل دون تكامل النخب السياسية في رؤية وطنية واجتماعية واقعية وعقلانية. وعدم التكامل المشار إليه أعلاه هو الضعف الذي جعلت من العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين زمنا للتجزئة المغلفة بالوطنية الكاذبة، والقومية الأكثر كذبا، والتدين الأشد غشا. بحيث تحول العراق إلى كتلة متراكمة من التجزئة القومية الضيقة والعرقية والطائفية الآخذة في الصعود حاليا. ويمثل هذا الصعود عين السقوط! وفي أفضل الأحوال لا ينتج غير انحطاط آخر لا جديد فيه ولا معاصرة! كما انه لا يفعل إلا على استثارة النفسية الدموية ونزوعها التخريبي.

إذ لا يمكن للنزعات القومية الضيقة والعرقية والطائفية أن تحصل على إجماع وطني. كما أنها غير قادرة على الخروج من مآزقها الذاتي بوصفها أيديولوجيا المأزق التاريخي. من هنا ليس صعودها سوى الوجه الآخر لسقوطها التاريخي. وهي حالة عادة ما تميز الأبعاد الموضوعية في مرحلة الانتقال الكبرى من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. مما يجعل من صعود القوى الممثلة لهذه النزعات شيئا أقرب ما يكون إلى كبش فداء. أنها كبش بالمعنى السياسي، وفداء بالمعنى التاريخي. وتعكس هذه المفارقة مفارقة العراق المعاصرة. بمعنى خروجه من نفق التجزئة التوتاليتارية المغلّفة بالوحدة، والدخول إليه من جديد باسم «الديمقراطية». بينما تفترض حقيقة الديمقراطية الفعل والعمل بمعايير المصلحة الاجتماعية وقوة الشرعية والقانون، وليس بمعايير ومقاييس الدعاوى الأيديولوجية.

فالقومية الضيقة والعرقية والطائفية هي قوى مجزئة. مما يجعلها بالضرورة ضعيفة من حيث إمكانياتها الوطنية، ومنهكة في ثباتها الاجتماعي، وناقصة في عقلها العراقي. وديمومتها الوحيدة هي المؤقت والتأقلم. إذ لا تصنع هذه الديمومة ثباتا واستقرارا ديناميكيا. مما يحرفها بالضرورة عن فكرة الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. مع ما يترتب عليه من استعداد دائم لاقتراف الرذيلة «السياسية» والتقلب فيها بمعايير ومقاييس العابر والمؤقت. أما النتيجة الحتمية لهذا السلوك فيقوم أيضا في استعداد هذه النخب السياسية للخيانة الاجتماعية والسياسية. مما يشير بدوره إلى أنها لم تتعظ من تاريخ المأساة العراقية، وأنها مازالت تعيش في زمن الانحطاط، دون أن تعي بأن الانحطاط دوامة مخرجها الوحيد: الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم!

إن الزوال من مسرح التاريخ والاندثار من ذاكرة الأمم هي النتيجة المترتبة على من نصفهم بالأموات! لكننا حالما نتعامل مع إشكالية سياسية حيوية وجوهرية بالنسبة لمصير الدولة والأمة، فإن المعايير القيميية تفقد أولويتها. مما يدفع بالضرورة مهمة وجدان الفكرة المنطقية المتعلقة بالأبعاد الوطنية في النخبة السياسية. وتستثير هذه الأبعاد في ظروف العراق الحالية شرعية السؤال المحرج عما إذا كانت النخبة السياسية الحالية في العراق عراقية فعلا أم أنها مجرد كيانات سياسية أو أحزاب فيه. ومن ثم هل يمكننا الحديث عن نخبة عراقية بالمعنى الدقيق للكلمة. وهو سؤال اقرب إلى إشكالية معقدة لكنها قابلة للفهم والحل في حال كشف واقع وآفاق الأبعاد الوطنية في النخبة السياسية الحالية، وعما إذا كانت قادرة فعلا على إخراج العراق من أزمته البنيوية الشاملة، أم أنها قد تكون إحدى القوى الإضافية «الجديدة» الفاعلة في تعميق انحطاطه المادي والمعنوي، ومن ثم تعميق الأزمة ورفعها إلى مصاف «المنظومة الديمقراطية» المقترحة للعراق!

فعندما نتأمل ظروف وحالة العراق بعد سقوط الصدامية، فإن كل ما فيه يبدو مأساة بمعايير السياسة والاقتصاد والثقافة والأخلاق. ومن الممكن الاعتراض الجزئي والنسبي على هذا الحكم انطلاقا من أن كل ما يجري هو الوجه الآخر لزمن الخراب السابق. إذ من غير الدقة تحميل الماضي لحاله جريرة كل ما يجري اليوم، انطلاقا من أن لكل مرحلة مصاعبها ومصائبها، ومن ثم لكل مرحلة رجالها. وبالتالي، لكل مرحلة مهماتها كما أن لكل رجال مسئولياتهم. في حين نقف الآن أمام حالة معبرة عن قدر مزري للنخب السياسية وعجز تاريخي يلازمها عن تنشيط السياسة بالشكل الذي يجعلها قوة اجتماعية واقتصادية وثقافية قادرة على تذليل حالة البؤس الشامل فيه.

بل يمكننا القول، بأن ظروف العراق الحالية بعد سقوط الصدامية تكشف عن إمكانية السير في نفس طريق الابتذال الذي ميز زمنه في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين. ويكشف هذا الزمن عن استمرار حالة الابتذال لفكرة الوطنية والحق والعدالة والنزاهة الاجتماعية وأولية المصالح العامة. بل إننا نرى استفحال متوسع لهذا الانتهاك على خلفية الشعارات والإعلانات والدعاوى التي رافقت تاريخ الأحزاب السياسية التي صعدت إلى سدة الحكم بقوة الغزو الأجنبي والاحتلال. وتمثل هذه النتيجة الوجه الآخر لحالة الانحطاط الشامل، التي جعلت من الاحتلال أسلوبا لبلوغ وتحقيق الديمقراطية!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة من الانحطاط جعلت وما تزال تجعل من المغامرة أسلوب التفكير والممارسة السياسية. ذلك يعني أن النتيجة سوف لن تكون شيئا غير الاستمرار في زمن الخراب والانحطاط. فمن الناحية المجردة، يمكننا القول، بأن إدراك حقيقة التاريخ الكلي للعراق الحديث والنتائج التي أدت إليها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، كان ينبغي لها أن تصنع في وعي النخب السياسية القدر الضروري، أو الحد الأدنى من تأمل ما يمكن أن تؤدي إليه مغامرة الخروج على فكرة الدولة الشرعية والوطنية والنظام الديمقراطي والثقافة الحرة. إلا أننا نقف أمام جهل أو تجاهل لتاريخه الحديث.

فقد صدمت التجربة الصدامية كل ما في العراق بشكل جعلته عرضة للتهشم والاندثار السريع كما لو انه كيانا هشا. مع أن العراق أعرق حتى من كل ما فيه! وتعكس هذه المفارقة مستوى الخراب والانحطاط الملازم لتقاليد الراديكالية الضيقة كما مثلتها الصدامية بصورة نموذجية! وهي نموذجية قادرة في الواقع على تعليم كل عاقل، بأن الخروج عن «الصراط المستقيم» في بناء الدولة لا مخرج له إلا الانزلاق في هاوية الانحطاط والخراب. ويرتقي هذا الحكم إلى ما يمكن دعوته بالبديهة السياسية. غير أن أحداث العراق الحالية ما بعد سقوط الصدامية تبرهن على أن البديهة السياسية ليست مفهومة أو معقولة أو سهله بالطريقة التي تبدو في ميدان الرؤية المنطقية والرياضية. والسرّ غاية في الجلاء! وهو أن تاريخ الانحطاط لا يشبه زمن السلطة! فزمن السلطة عرضة للتغير والتبدل والاندثار السريع، بينما «مآثر» الانحطاط أكثر رسوخا وتغلغلا في بنية الوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية. وتشكل هذه الحالة أساس ومصدر المأساة العراقية الحالية. إذ أننا نقف أمام نخب سياسية هي الوريث غير الشرعي أيضا لزمن الانحطاط! وفي هذا تكمن مفارقة وجودها التاريخي على هرم السلطة.

فمن الناحية المجردة، كان ينبغي لهذه النخب السياسية أن تسلك في ممارستها العملية سلوكا محكوما بمعتقداتها الخاصة وشعاراتها العامة، وكذلك بإدراكها للنتائج التي يمكن أن يؤدي إليها الخروج على منطق الحق والعدالة واحترام حقوق الإنسان، وأخيرا برؤيتها الإستراتيجية للبدائل القادرة على انتشال العراق من أزمته البنيوية الشاملة. لكننا لا نرى في الواقع سوى المكون الأول، أي سلوكها بما يستجيب لمعتقداتها الحزبية الخاصة والجزئية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الحزبية في العراق هي فكرة نفسية وغريزية أكثر مما هي فكرة عقلية ومنطقية، أي أنها محكومة بالوجدان وليس بالعقل، وبالمصلحة الضيقة وليس العامة، من هنا تتضح معالمها المدمرة. بمعنى عجز الحزبية الحالية فيه عن الارتقاء إلى مصاف الرؤية العقلانية العامة (الاجتماعية والوطنية). وكانت هذه النتيجة محكومة من الناحية التاريخية بافتقاد فكرة السياسة لمضمونها الاجتماعي والاقتصادي، من هنا استحكام الرؤية الأيديولوجية في مواقف الأحزاب وأحكامها. مما أعطى لها في ظروف الانعدام التام والشامل للديمقراطية السياسية والمجتمع المدني، طابعا ضيقا جعل منها وعاء لنفسية النخبة المغلقة.

وبما أن النخبة في العراق هي كيان هلامي بسبب افتقادها إلى تاريخ ذاتي متراكم في منظومة من القيم والمفاهيم الراسخة والمتنوعة، من هنا سرعة تجاهلها لما يمكن أن يؤدي إليه سلوك الخروج على منطق الحق والعدالة واحترام حقوق الإنسان. ويكشف هذا التجاهل في الوقت نفسه عن استعدادها الذاتي للتخلي عن فكرة البدائل العقلانية. بمعنى تحويل كل «البرامج والمشاريع الإستراتيجية» إلى حفنة من العبارات التي يمكن التخلي عنها أو المتاجرة بها مع كل عابر سبيل! في حين أن النخبة السياسية الحقيقية هي التي تعمل بمنطق البدائل وليس بقواعد التأقلم الكلبي. وبدون ذلك تصبح قوى بلا قوة، أي مظهرا مضخما وأبهة فارغة. ومن ثم لا حول لها ولا قوة في تمثل حتى مصالحها الخاصة، دع عنك مصالح العراق الجوهرية والدفاع عنها. وهو استنتاج يرتقي إلى مستوى البديهة، بما في ذلك في مجال العلم السياسي. تماما كما أن من بديهيات الأمور في الفكر السياسي أن تكون قدرة النخبة السياسية على قدر ما فيها من استعداد فعلي لتمثل المصالح الجوهرية للمجتمع والدولة والأمة.

وعندما ننظر إلى واقع النخب السياسية الحالية، فإننا نقف أمام حالة تبدو فيها البديهة السياسية مطلبا «مثاليا»، أي صعب المنال!! فاغلب النخب السياسية «المؤثرة» حاليا هي قوى الماضي من جهة، وتعاني من انفصام فعلي في رؤيتها للمصالح الوطنية العليا، من جهة أخرى. بمعنى أن سلوكها محكوم أما بغريزة «البقاء» الأجوف في السلطة أو استعمال الجاه من اجل اكتساب ثروة الضحايا أو رأسمال «النجوم الإعلامية» الأكثر زيفا!! وتستمد هذه النتيجة أغلب أصولها «التاريخية» من زمن الانحطاط، لكن ذلك لا يقلل من مسئولية هذه النخب، كما انه لا يزيل إشكالية القضية نفسها والقائلة، بأن نخبا سياسية من هذا النوع ليست قادرة على تقديم وتحقيق بديل واقعي وعقلاني لتاريخ الخراب والانحطاط. وليس مصادفة أن يكون سلوكها في سنوات ما بعد سقوط الصدامية محكوما بنفسية المؤقت.

مما سبق نستطيع التوصل إلى أن العراق لا يمتلك بعد نخبه السياسية الحقيقية. وان ما فيه هو ليس نخبا بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما هي قوى مؤقتة. من هنا ضعفها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. ولم يكن هذا الضعف معزولا بدوره عن زمن التخريب والتدمير الفعلي الذي لازم صعود واستتباب التقاليد الراديكالية وبالأخص زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. ووجد هذا الخراب انعكاسه النموذجي في كيفية وصول «النخب السياسية» إلى السلطة. فقد كان وصولها للحكم مفاجئة كئيبة للعراق ومفرحة لهم. وهو أمر جعلهم يمثلون ويتمثلون مضمون الفكرة القائلة «كل حزب بما لديهم فرحون». لكنه فرح يمثل عين المأساة التاريخية للعراق المعاصر، كما انه يمثل من الناحية الموضوعية المرحلة التي ينبغي له أن يقطعها من اجل بلورة تقاليد جديدة للنخبة بشكل عام والسياسية منها بالأخص.

إن وصول النخب السياسية الجديدة - القديمة إلى السلطة يعكس أولا وقبل كل شيء تاريخ الخلل الفعلي الهائل الذي صنعه زمن الراديكالية الهمجية. وبالتالي فإن صعودها إلى هرم السلطة يعني من الناحية التاريخية والسياسية موت النخب السياسية العراقية القديمة جميعا، بما في ذلك السائدة منها حاليا. فهي تنتمي من حيث نفسيتها وذهنيتها وعقلها ورؤيتها إلى زمن النخب القديمة. من هنا عجزها عن تحقيق معاصرة للمستقبل. فهي نخب كبيرة المظهر صغيرة الهموم! وفي هذا يكمن شرط اضمحلالها وتلاشيها، كما يشكل في الوقت نفسه مصدر ومقدمة نشوء وتبلور وتكامل النخب الجديدة، أي النخب القادرة على استعادة هويتها المفقودة: الوطنية العراقية!

***

ميثم الجنابي

 

 

حاتم حميد محسنيُطلق على الديمقراطية المباشرة احيانا بـ "الديمقراطية الخالصة" وهي شكل من الديمقراطية تتقرر فيها جميع القوانين والسياسات  بواسطة ألناس انفسهم بدلا من الممثلين المُنتخبين من الشعب. في الديمقراطية المباشرة الحقيقية، جميع القوانين ومشاريع القوانين وقرارات المحاكم يتم التصويت عليها من قبل المواطنين.

الديمقراطية المباشرة هي المضاد للديمقراطية النيابية، والاخيرة هي الأكثر شيوعا والتي بموجبها يقوم الناس بانتخاب ممثليهم الذين بدورهم يضعون القوانين والسياسات. هذه القوانين والسياسات التي يسنّها النواب المنتخبون يجب ان تعكس رغبة اكثرية الناس. ومع ان الولايات المتحدة تمارس الديمقراطية النيابية، لكن هناك فيها شكلان من الديمقراطية المباشرة المحدودة يُمارسان على مستوى الولاية والمستوى المحلي وهما: مبادرات الاقتراع والاستفتاء المُلزم واستدعاء المسؤولين المنتخبين.

مبادرات الاقتراع والاستفتاء يسمحان للمواطنين وعبر طلب رسمي بوضع القوانين وطرق الإنفاق التي في العادة تضعها الهيئات التشريعية المحلية او الهيئات على مستوى الولاية. من خلال مبادرات الاقتراع والاستفتاء يستطيع المواطنون وضع وتعديل وإلغاء القوانين بالاضافة الى تعديل دساتير الولايات والمراسيم المحلية.

أمثلة عن الديمقراطية المباشرة

أحسن مثال عن الديمقراطية المباشرة ذلك الذي مورس في اثينا القديمة. مع ان اثينا استبعدت النساء والعبيد والمهاجرين من التصويت، لكن ديمقراطيتها المباشرة طلبت من جميع المواطنين التصويت على القضايا الكبرى للبلاد. حتى قرارات المحاكم كانت تتقرر بتصويت جميع الناس. وفي المجتمع الحديث تُعتبر سويسرا مثالا بارزا على الديمقراطية المباشرة حيث تمارس شكلا معدلا من الديمقراطية المباشرة في ظلها يصوّت الجمهور العام على أي قانون يُسن من جانب مشرعي الدولة المنتخبين. كذلك، يمكن للمواطنين التصويت على طلب من هيئة التشريع الوطنية للنظر في تعديل الدستور السويسري.

مزايا وعيوب الديمقراطية المباشرة:

من مزايا الديمقراطية المباشرة:

1- شفافية كاملة للحكومة: لاشك، ان لا وجود لأي شكل آخر من الديمقراطية  يضمن درجة اكبر من الشفافية والانفتاح بين الناس وحكومتهم مثلما هو في الديمقراطية المباشرة. النقاشات والمحادثات في القضايا الكبرى تُعقد في العلن. كل النجاحات والانتكاسات التي يُصاب بها المجتمع تُنسب له ويُلام بها الناس بدلا من الحكومة.

2- مسائلة كبيرة للحكومة: التصويت المباشر للناس يتطلب مستوى عالي من المسؤولية من جانب الحكومة. الحكومة لا تستطيع القول انها غير مطّلعة على رغبات الناس او لم تكن واضحة لها. التدخل في العملية التشريعية من جانب انصار الاحزاب السياسية وجماعات المصالح الخاصة يضعف الى حد كبير.

3- تعاون أكبر من جانب المواطنين: نظريا، الناس يُحتمل ان يكونوا سعداء في الإمتثال للقوانين التي يضعونها لأنفسهم. كذلك، الناس الذين يعرفون ان آرائهم ستحدث فرقا سيكونون اكثر تلهفا للمشاركة في عمليات الحكومة.

عيوب الديمقراطية المباشرة

1- قد لا يمكن التوصل الى قرارات: اذا كان كل مواطن امريكي او هندي يصوّت على كل قضية في كل مستوى من مستويات الحكومة، يُحتمل ان لا يمكن الوصول الى اي قرار. في جميع القضايا التي يُنظر بها محليا وعلى المستوى الفيدرالي ومستوى الولاية، سينفق المواطنون كل وقتهم في التصويت.

2- انخفاض مشاركة الجمهور

الديمقراطية المباشرة تخدم مصالح الناس بشكل أفضل عندما يشارك معظم الناس فيها. ومع تزايد الحاجة للوقت المطلوب للمناقشة والتصويت، ستنكمش بسرعة المشاركة في العملية وستتضائل المصلحة العامة بما يقود الى قرارات لاتعكس في الواقع رغبات الأكثرية. وفي النهاية، ستسيطر على الحكومة جماعات صغيرة ذات آراء فردية.

الاضطراب في المواقف

في المجتمعات الكبيرة والمتنوعة مثل الولايات المتحدة، كيف سنضمن ان كل شخص سوف يوافق مبتهجاً او على الأقل بطريقة سلمية على القرارات المتعلقة بالقضايا الكبيرة؟ التاريخ الحديث يبيّن عدم حدوث ذلك.

 

حاتم حميد محسن

 

"في عالمنا العربي فقط... نشهد زيادة عظيمة بعدد الذين يدعمون الاحتجاجات السياسية على المستوى اللفظي... وزيادة اعظم.. بعدد الذين لا يشاركون فيها فعليًا!! لأننا ابطال.. وملائكة بالكلام.. فقط!"

إن سلوك الشعوب وردود أفعالها على تصرفات السلطات لا تتحدد فقط عبر المصالح والتوجهات والقيم والمعايير السياسية والقانونية، وإنما أيضا كفعل ورد فعل لتصرفات ممثلي السلطات الحكومية والتي مضامينها قد لا تكون معتمدة على نوع النظام السياسي والحس السليم والأهداف السياسية للدولة ولا حتى المصالح الشخصية في نظم العلاقات بين السلطات والمجموعات الاجتماعية المختلفة والمجتمع ككل، لدرجة إن العواطف الاجتماعية قد تؤدي دورًا مهمًا في مناحي الثقة في المستقبل والخوف والثقة والحب وعدم الكره، ولهذا نقول إن العلاقات السياسية ذات لون عاطفي فتنوع لوحة المشاعر فيها وتتقاطع درجات تجليها والخوف، مما يجعلها تؤدي دورا هاما فيها. والخوف من السلطة يأتي من الخوف الوجودي، وبما أن الخوف هو سمة القوة والعلاقات السياسية فلذلك يتمثل في الاغتراب عن العديد من الأشياء الحيوية لأنه يكمن في عدم القدرة على التحكم في النفس، والثقة في أن الحياة تخضع لسيطرة قوى وظروف خارجية، وقد تمت ملاحظة الاغتراب عن الحكومات ذاتها والفجوة العميقة بينها وبين المجتمعات مع ملاحظة ممثليها وكأنهم أجانب.

في بنية التنظيم الاجتماعي تدمج العواطف في النظام الفرعي المعياري للقيم وتعمل على تعزيز عملها بشكل حدسي أو هادف، غير إن هذه الآلية للتأثير على سلوك الناس تستخدم من قبل مواضيع العلاقات السياسية كأداة خاصة للتعبير عن القوة لكنها في بعض الحالات قد تكون بمثابة "سيف ذو حدين" إذ لا تعمل فقط لمصلحة السلطات وانما أيضًا كمجموعة اجتماعية معينة تعارض كل من السلطات الرسمية والمعارضين السياسيين الآخرين، ومن هذا يمكننا تعريف المخاوف العامة التي تعمل كنوع من العاطفة على انها طريقة للتكيف مع الوضع أو البيئة الاجتماعية التي تمتلك مستويات متعددة من درجات عدم اليقين وتتجلى بالقلق والرهبة والذعر من الشائعات والمخاوف مما تتسبب في عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، ومن الطبيعي السعي إلى الانسحاب من حالة الخوف أو على الأقل التقليل من خلل وظيفتها وهذه الرغبة تستخدم للتحكم والتعامل مع وعي وسلوك الشعوب وبحسب أنواع المخاوف العامة كالبيئية والطبيعية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية والغير عقلانية وغيرها. وهنا نؤكد انه يمكن للخوف أن يكبح الحركات والاحتجاجات والتظاهرات الاجتماعية السياسية، لكنه لن يمنع الأفعال أو ظواهر الوعي غير الملائمة أو الخطيرة للسلطات ويوجهها نحو الاتجاهات التي تتوافق مع مصالح السلطات عبر تعبئة السكان من خلال تركيز الموارد الفكرية والنفسية والثقافية وغيرها لحل مشاكل السلطة الفعلية، وان المشاكل الاجتماعية والسياسية الفعلية قد لا تكون فقط مشاكل مجتمعية إنما قد تكون مشاكل الحكومات ذاتها كالثقة وولاء الشعب تجاهها إضافة إلى أساسيات الوجود الأيديولوجي، ولذلك فربما يمكن أن يكون الخوف أساسًا للتضامن الداخلي عبر البحث عن العدو الخطير الذي يشكل وجوده تهديدًا لجميع أعضاء المجتمع مما سيشكل أكثر أدوات استخدامًا لحشد الشعوب وتبرير الإخفاقات المتعلقة بعدم الكفاءة الإدارية!! وهو بذات الوقت قد يكون طريقة مثلى لنقل العواطف السلبية والتوترات الاجتماعية من السلطة إلى أشياء اجتماعية أخرى، مما يؤدي الى بروز مظاهر الوظيفة التنظيمية للمخاوف العامة في ظاهرة التضامن بين الأجيال ونعتقد أن الجماعات الاجتماعية التي نجت من الصدمة تنقل الخوف من الظروف التاريخية الصادمة عبر الذاكرة الجماعية والميراث المعرفي يضمن للأجيال الجديدة تكرار الصدمة والخوف مما سيوظف التماسك بين الجماعات الاجتماعية المتعاونة. اذ ومع الخوف تتشكل صورة "القوة المتغطرسة" على أنها الأساس وتصاحب فكرتها الحكمة التقليدية في أن قوة قوية ويُخشى منها عكس الجانب الوظيفي لاستخدام الخوف كطريقة لصنع وتوظيف صورتها، ومن ذلك نلمس أن المفردات المستخدمة من قبل ممثلي السلطات والانظمة السياسية تؤدي وظائف بناء الصور لبناء الخوف فيمتلئ الخطاب بمعسكر الاعتداء والاعداء والمفردات النفسية القاهرة، ولذا فستهدف جميع احتمالات استخدام وتوظيف المخاوف العامة إلى توسيع نفوذ السلطات وتعزيزه والاحتفاظ به مما يمكن من بناء تقنيات استخدام المخاوف العامة باستخدام الموجود منها بالفعل في الوعي الجماعي أو بمساعدة تصميمها!! والشعور بالخوف امر طبيعي تماما للإنسان وهو رفيقه في الحياة اليومية الحديثة، ولذلك فأن السؤال الرئيسي لا يتعلق بكيفية التعامل مع المخاوف الجماعية المختلفة، وإنما بالتحديد لماذا مثل هذا الخوف والتهديدات التي تنشأ وتنتشر في الظروف العصيبة والأوضاع الغريبة؟

لا يفوتنا إن نبين إن السلطات أيضا تتشكل لديها مخاوف وهمية أو خادعة أو عصبية، ولذلك نرى إن المخاوف الخيالية هي مجرد قوة اجتماعية حقيقية مثل ردود الفعل تجاه المخاوف التهديدات الموجودة بالفعل، لكن المخاوف الخيالية لربما هي أقوى لأنها كامنة فتصبح أداة للتلاعب في الوعي العام ومن الصعب إصلاح ووصف عواقبها فهي ليست واضحة ويتم تحديدها من قبل الصور النمطية أو الذاتية، وجراء ذلك يتم بناء المواقف المجهدة بسهولة من خلال الخطب الرسمية ووسائل الإعلام كما في الخوف من الإرهاب والذي نتفق جميعا على إن له أساس حقيقي غير إن الأفكار حول نطاقه الحقيقي وعواقبه لا تبدو كخطر وهجوم حقيقي واضح ومع ذلك فإن الخوف منه هو سبب ملائم للغاية للتلاعب عبره لتقليص الحريات الديمقراطية وتقييد الحقوق الفردية. ومن المهم أيضا ملاحظة أن آلية الترهيب تكمن في صميم الإرهاب نفسه وذلك أيضا "سيف ذو حدين" يستخدمه الضعيف في القتال ضد خصم قوي ويستخدمه القوي في الاستبداد وتحطيم الضعيف، ولذا نقول إن الهدف من الأعمال الإرهابية ليس فقط التدمير الحقيقي للناس أو لغرض الأهداف الإستراتيجية، إنما يتمركز بتشكيل الخوف الكامل منه لأنه لا يمكن لأحد أن يعرف أين ومتى يمكن له أن يظهر. ولذا فأن السلطات لا تستخدم فقط الخوف ولكنها أيضا تبنيه بقوة مستندة على عدم القدرة على التنبؤ بأثاره وإجراءاته وتعتمده في تشكيل وتنفيذ سياسة الترهيب كالخوف من الزمن، وتطوره كمنظم للحياة الاجتماعية باستخدام الأشكال العدوانية وتفعيل التقنيات المتلاعبة ووضع توقعات زائفة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليتنامى عبرها الخوف عبر القفز في مستوياته وايصاله الى الخوف من الموت للعمل عبره لتنظيم سلوك الناس في المجتمعات العلمانية والدينية على حد سواء مما يجعل الوعي المروع متمكن من تشكيل إيديولوجية مسيطرة على الشعوب باعتماد الخوف من الموت في شكل الحرمان من الحياة كوسيلة للرقابة والترهيب!! ولن تكون مفاجأة لاحد إن اوضحنا إنه وفي عالمنا العربي نجد الأستجابة لسياسة الخوف تسجل انقسامًا على طول خط الاعتماد السلطوي كما نجد زيادة ملحوظة في الشعور بعدم الرغبة في فعل أي شيء للتكيف بطريقة ما مع واقع جديد او متغير جديد، وبذات الوقت نجد ارتفاع عدد الذين ايقنوا بأنهم لن يفعلوا أي شيء حتى لو كانت الظروف محبطة والأوقات عصيبة، بينما يفضل آخرين عدم التفكير في الأمر على الإطلاق وتبعا لذلك تجلت الاستجابة للخوف في نمو المزاج والخطب الاحتجاجية بالإضافة إلى المظاهرات الواسعة النطاق، ومع ذلك فإن إستراتيجية الاستجابة، لها أساس عاطفي مختلف وهذا ما تؤكده قوانين التغلب على الخوف من جانب الأشخاص الذين يعانون منه والمعبر عنه في زيادة نشاطهم الصوتي لتوسيع القاعدة الاجتماعية لحركات الاحتجاج والتي تظهر بوضوح فاضح زيادة في عدد الذين يدعمون احتجاجًا اجتماعيًا وسياسيًا على المستوى اللفظي... وزيادة في عدد الذين لا يشاركون فيه فعليًا، مما يعني نتكلم بأعلى الصوت ونحن مرعوبين خوفا !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (22)

إذا كان من الصعب حصر أشكال فساد النخبة السياسية، فإن مضمونها العام يصب في صنع آلية الزمن الضائع وليس تاريخ الدولة ووعي الذات. بمعنى اجترار الزمن وتخريب تجارب الأجيال. وتشير هذه النتيجة أولا وقبل كل شيء إلى عدم إدراك حقيقة الدولة، باعتبارها منظومة المؤسسات الشرعية. وانعدام هذا الإدراك هو السبب الجوهري في انحطاط النخبة السياسية. وفي هذا أيضا يكمن سر بقاء الواقع المتخلف في كافة نواحي الحياة مع التغير المستمر «للقيادات» و«الزعامات» و«الرؤساء». ويدل هذا التغير على أنها ليست نخبا سياسية أصيلة، بل كيانات طارئة وعابرة ومزيفة. مما يشير بدوره إلى ما يمكن دعوته بهامشية النخب وفراغها الروحي والمعنوي والأخلاقي. من هنا تشابه سلوكها بما في ذلك في المظاهر. كما أنه مظهر من مظاهر انحطاطها المعنوي، وذلك لأن حقيقة النخبة هي اختصاص واحتراف وشخصية.

فعندما نحلل مقدمات ونتائج الحصيلة العامة ونرجعها إلى أبسط مكونات النخبة الأصيلة، والمقصود بذلك ظهورها الطبيعي من بين الجماهير وتمثل مصالحها والاقتراب من مشاكلها ووضع كل ذلك في مشاريع تخدم فكرة الدولة ومنظومة الحياة الاجتماعية، فإننا نقف أمام حالة مزرية لعل أكثر ما فيها من إثارة هو ليس فقط انغلاقها واستعادة البنية التقليدية من عشائرية وعائلية وجهوية وعرقية وطائفية وما شابه ذلك، بل وانحصارها في «منطقة خضراء» هي عين «الحصن الصدامي» السابق!! بينما كان ينبغي «للانقلاب الديمقراطي» العاصف والتأييد الجماهيري الحاسم للقضاء على الدكتاتورية الصدامية أن يكون لحاله ستارا فولاذيا للنخبة السياسية الجديدة. ومن ثم كان يفترض تحصنها به للخروج إلى «الشارع العراقي» من اجل مواجهة إشكالاته ومشاكله الفعلية. بينما لا يعني اختباءها في «المنطقة الخضراء» سوى الاستعادة الفجة للصدامية واستمرار تقاليد الخوف الذاتي. وتتضح معالم هذه الحقيقة بهذا الصدد بعد سنوات قليلة عقب سقوط الدكتاتورية. بمعنى تزايد الاختباء الأمني(!) والانغلاق الطائفي والعرقي، والإثراء الفاحش!! أي إننا نقف أمام نفس المسار «التاريخي» للصدامية. والفرق الوحيد هنا هو أن «الانجازات» الصدامية في مجال «الأمن» و«الانغلاق» و«الثراء» قد جرت في غضون عقود مع عمران يناسبه، بينما جرى هنا في غضون سنوات قليلة لكن بدون أي عمران. وإعادة الاعمار الوحيدة هي لنفسية وذهنية الصدامية، أي لتقاليد منحلة. مما يكشف بدوره عن طبيعة النخبة السياسية العراقية السائدة حاليا.

إن خوفها الظاهري هو النتاج الملازم لخوفها الباطني. ولا يعني ذلك بالنسبة للآفاق السياسية في العراق سوى فقدانها للجرأة على منازلة الصعوبات التي يواجهها العراق في كافة نواحي الحياة. وتعبر  هذه الحالة أولا وقبل كل شيء عن أنها ليست نخبة أصيلة بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما أنها تركيبات متنوعة الهشاشة من أزلام سلطة، أي مكونات لا هوية واضحة فيها ولا شخصية. بينما حقيقة النخبة هي هوية وشخصية واضحة المعالم. وفي هذا يكمن سر المراوحة والانحطاط المتزايد في مختلف نواحي الحياة. والأخطر من كل ذلك هو خطورة مصادرة المستقبل لعقود جديدة. بينما تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن رجل الدولة هو المنحدر من النخبة السياسية الرفيعة فقط، أي من يتمتع برؤية إستراتيجية في إرساء أو تطوير أسس الدولة والمجتمع والثقافة والعلم والتكنولوجيا. وهي إستراتيجية ممكنة فقط في ظل وجود نخبة مبدعة في كافة الميادين وثيقة الارتباط بالهموم السياسية الوطنية الكبرى.

إن ضعف أو انعدام النخبة السياسية الأصيلة في ظروف العراق الحالية هو النتاج الملازم لتفريغ فكرة وتاريخ النخبة بشكل عام بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. فقد فسح هذا الانقلاب المجال أمام إمكانية المغامرة وتحويل الراديكالية إلى الأسلوب الأكثر «شرعية» وقبولا من جانب الأحزاب السياسية قاطبة. مما أدى بالنخب السياسية إلى أن تكون أسيرة المزاج الشعبي والحثالة الاجتماعية. وقد أعطى ذلك للهامشية بمختلف مظاهرها وأصولها «حق» المساهمة الفعالة في كل شيء بما في ذلك في اغتصاب السلطة والدولة. أما نتائجها المباشرة فهي الإشراك المباشر للجماهير في العملية السياسية واستثارة نفسية المغامرة في النخبة التي لم تستطع التكامل في غضون أربعة عقود من إرساء الدولة (الملكية). أما النتائج غير المباشرة لكل هذه العملية فهي تفشي ذهنية المؤامرة واشتراكها الفعال في جعل الراديكالية الملاذ الوحيد والمخرج النهائي للخروج من مأزق هي صانعته الكبرى. ومن حصيلة هذين التأثيرين تراكم الانتهاك السياسي لفكرة الشرعية والصراع الشرعي. بحيث جعل النخبة السياسية جزء من وجدان «الشارع» وليس عقلا مدبرا لمنظومة الدولة والمجتمع والثقافة. مما اقفل على النخبة إمكانية التطور بمعايير الرؤية الإصلاحية. لاسيما وأن تاريخ الأمم والدول المتطورة يبرهن على أن الأسلوب الأمثل لضبط النخبة ضمن حدود الديناميكية المبدعة والاستقرار السياسي للدولة يقوم في تحسين شروط الإصلاح الدائم للدولة ومؤسساتها. فهي العملية التي تنقذ النخبة السياسية من الفساد. في حين أدى القطع الراديكالي إلى تخريب الجميع، لأنه جعل من تجاوز التجارب التاريخية وبعثرتها في «مشاريع القادة» مجرد اجترارا للزمن الضائع. وفي هذا يكمن سر الخراب التاريخي للنخبة العراقية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. وهي الحصيلة التي يقف أمامها بعد بلوغه ذروة الانحطاط الكبرى في تاريخه المعاصر، أي الدكتاتورية الصدامية.

إننا نقف أمام واقع يمكن تصويره العام بعبارة تقول، بأن النخبة السياسية الحاكمة في ظروف العراق الحالية تعيد في حالات عديدة إنتاج دكتاتوريات مجزأة وصغيرة. وإلا فكيف يمكن للمرء أن يفهم سلوك أولئك «الديمقراطيين» الذين يحيطون أنفسهم، في ظروف العراق البائسة، بأعداد هائلة من الحرس، والسرقة المفرطة لكل شيء، بحيث يسرق احدهم مليار دولار أمريكي في ظروف العراق البائسة!! أو أن يكون الابتزاز والرشوة أسلوب الحصول على عمل في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن!! أو أن تصبح المتاجرة بكل شيء أمرا مسموحا به أو مقبولا!! باختصار إننا نقف أمام مظاهر عديدة ومتنوعة للفساد الشامل في مؤسسات السلطة بشكل عام والنخبة السياسية بشكل خاص. ولا تعني هذه المظاهر في حال وضعها بمعايير رجل الدولة، مهما كان شكل هذه المظاهر وحجمها، سوى الفساد المريع والانحطاط الشامل.

إننا نقف أمام نخبة تستمر وتستكمل زمن الانحطاط. بمعنى أنها جزء من زمن التوتاليتارية والدكتاتورية. فهي نخبة لا يخامر قلبها الخجل حالما تنظر إلى الحالة المزرية لواقع الأغلبية المطلقة من العراقيين. ويشير هذا الواقع إلى أنها يمكن أن تنظر لكنها لا ترى، لأن الرؤية من القلب لا من العين. الأمر الذي يمنع عليها رؤية الفرق الشاسع والمهين بين ما تتمتع به وما تعانيه «جماهيرها» من حرمان ومآسي. وهو واقع مؤسف ومهين، لكنه يصبح معقولا ومقبولا حالما يتحول رجل السياسة إلى «عنصر» من «أزلام السلطة» وليس إلى شخصية اجتماعية وطنية. وفي هذا يكمن سر الطابع الباهت للنخبة السياسية العراقية الحالية. فهي، كما يقول العراقيون، قوى «احترقت أفلامها» بسرعة!! بمعنى أنها لم تعد في عقل وضمير المجتمع أكثر من أشباح.

إن تحول الأشباح إلى قوة سياسية هو الوجه الأكثر مأساوية في تاريخ النخبة العراقية. ومن ثم لا يعني صعود «أزلام السلطة» سوى الوجه الآخر لتلاشي «رجل الدولة». وهي عملية تجد انعكاسها النموذجي بانحدار النخب صوب المكونات التقليدية والبدائية لما قبل الدولة العصرية مثل الطائفية والعرقية والجهوية والعشائرية وما شابه ذلك، وكذلك في صعود رجل الدين وانحدار رجل العلم. إذ تشير هذه العملية إلى حجم الضعف الهائل للقوى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإلى ضعف أو انعدام نخبة دنيوية (علمانية) عراقية ذات تأثير روحي بالمجتمع. من هنا صعود المرجعية الدينية وليس المرجعية الدنيوية (العلمية).

إن توحد الانحطاط المادي والروحي في النخبة السياسية الحالية، التي أخذت تجمع في آن واحد الانهماك غير المحدود في سرقة الروح والجسد والحاضر والمستقبل من خلال تحويل السلطة إلى مصدر الإثراء (عبر التحكم بالمعاملات وسرقة أموال الدولة والانهماك بعقد العقود الخارجية والداخلية وغيرها) يجعل من غير الممكن توقع نهوض العراق من جديد. كما أن من الصعب توقع إعادة اعمار حقيقي في ظل تخريب فعلي شامل. أما حصيلة هذا الواقع، فإنها تشير إلى أن العراق لم يصنع بعد نخبه السياسية الحقيقة، بقدر ما انه مازال منكفئا في عوالم الإنتاج الخربة لما يمكن دعوته بتقاليد أزلام السلطة. وتدفع هذه التقاليد إشكالية أزلام السلطة ورجال الدولة إلى المقدمة بوصفها الثنائية اللعينة لتعايش التاريخ والزمن في كل شيء فيه. وتشكل هذه الثنائية الصيغة العملية للأصيل والمزيف في النخبة السياسية، التي لا يخلو منها تاريخ أمة من الأمم، بوصفها الصيغة الطبيعية لصراع القديم والجديد، والحي والميت، والفضيلة والرذيلة. غير أن خطورتها الكبرى مقارنة بغيرها من صراع الأضداد تقوم في تأثيرها الحاسم على مجرى التطور التاريخي للدولة والمجتمع، ومن ثم على مصير الأمم. فعلى كيفية انتصار أي منهما يتوقف نهوض الأمم أو سقوطها. وسقوط العراق واستمرار مأساته تقوم أساسا في استمرار سيادة النخبة المزيفة أو أزلام السلطة، ومن ثم ضعف أو تلاشي النخبة الأصيلة ورجال الدولة. وهي حالة سوف تبقى تنخر جسد الدولة وروحها ما لم تنقلب هذه المعادلة.

فإذا كانت النخبة السياسية هي الصيغة العملية للنخب الاجتماعية والفكرية، فإن حقيقة ارتباطهما تظهر في مستوى ارتقاء الأمم وانحطاطها. وليس مصادفة أن تسعى النخبة السياسية الخربة إلى تخريب النخب الفكرية والاجتماعية بمختلف الأساليب والوسائل. طبعا إن هذا الاستنتاج لا يخلو من إشكالية أعمق وهي، لماذا وكيف تسمح النخب الاجتماعية والفكرية للنخبة السياسية الخربة بالصعود والاستيلاء على السلطة؟ ولماذا لم يكن دورها الروحي قادرا على تحصين المجتمع من صعود «أزلام السلطة» إلى سدة الحكم؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة في ظروف الانتقال الصعبة من التوتاليتارية إلى الديمقراطية؟ وهل يمكن تحقيق ذلك في ظل نخبة «ديمقراطية» تتلذذ بجيش من الحراس والخدمة والحشم ومختبئة في «المنطقة الخضراء» القابعة في وسط كومة من القذارة والتصحر المادي والروحي للمجتمع؟

طبعا ليس من مهمة هذا المقال الإجابة على كافة هذه الأسئلة، لاسيما واني سوف أتناول هذه الأسئلة ومختلف جوانبها في مجرى تحليل ودراسة ونقد ما ادعوه بظاهرة الانحطاط الشامل في العراق. واكتفي هنا بتحليل مقدمات ظهور واستفحال ظاهرة أزلام السلطة وضمور فكرة وآلية صنع رجل الدولة.

فمن الممكن تتبع ظاهرة «قبول» فكرة أزلام السلطة كما لو أنها فعلا معقولا وشرعيا، بالارتباط مع تغلغل واتساع نفسية «الشرعية الثورية» والفكرة الراديكالية، اللتين شكلتا في الواقع أسلوب ومبرر انتقال الحثالة الاجتماعية بمختلف أصنافها وأشكالها من مواقعها الهامشية إلى مركز الوجود السياسي. ويمكن تفسير هذه الظاهرة التاريخية بدقة علمية بما في ذلك بمعايير ومفاهيم العلم السياسي، لكنها تحولت بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 إلى جزء من تقاليد خشنة ما زالت تتحكم بنفسية وذهنية العوام والخواص على السواء. بحيث جعلت من العامة خاصة ومن الخاصة عامة. من هنا غياب النخبة بالمعنى الدقيق للكلمة بوصفها القوة الروحية والفكرية لمشاريع البدائل والإبداع المتجدد. تماما بالقدر الذي جعل من هامشية الأمس نخبة سياسية وفكرية! بحيث نرى من لم تتعد حصيلته العلمية مدرسة في أطراف المدن، أو تعليم تقليدي في الجبال، أو وثيقة مزورة من وثائق (شهادات) «الدراسة» أن يكون قائدا سياسيا وزعيما ومفكرا ومنظرا!! أما في الواقع فإن كل هذه الحصيلة لا تساوي بمعايير الحقيقة والدولة شيئا غير الابتذال المادي والمعنوي للسياسة والفكر. ولم يكن بإمكان النخب الاجتماعية والروحية العراقية معارضة هذه النتيجة في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين بسبب تراكمها الأولي الضعيف في المرحلة الملكية وانهيارها شبه التام في المرحلة الجمهورية.

إذ لم تكن المرحلة الجمهورية، أو بصورة أدق مرحلة الجمهوريات الثلاث السابقة (1958، 1963، 1969) سوى طبقات متراكمة لسيطرة الهامشية والأطراف والأقليات. وقد يكون هو التراكم الفعلي الوحيد الذي حصل في العراق! وهو تراكم بلغ ذروته، أو هوة انحطاطه في زمن الدكتاتورية الصدامية. أما النتيجة فإنها جلية أيضا في افتقار العراق لنخب فكرية وروحية مبدعة. وجعل هذا الواقع من «أزلام السلطة» القوة التي تمثل فكرة النخبة وتتماهى معها كما لو أنها حاملة الفكر والتفكير والإبداع، مع أن مهمتها الأساسية تقوم في تجسيد المشاريع والبدائل التي تقدمها النخبة المبدعة من رجال الفكر والعلم والأدب والفن. وفي هذه الحالة تكمن مفارقة العراق الحديث وسر انحطاطه المريع. ووجدت هذه النتيجة انعكاسها في المعارضة السياسية العراقية، التي أخذت معالمها الباطنية تبرز على حقيقتها في مرحلة «الجمهورية الرابعة» (2003)، بوصفها جمهورية النخبة السياسية المستلبة. وأهم ما يميز هذه النخب أسماء مضخمة وهموم صغيرة!!

وقد أدى كل ذلك إلى أن تكون النخبة السياسية الحالية هي الوجه المتحزب للانحطاط، أي الأكثر اغترابا من الوقائع والحقائق والقيم، بما في ذلك تلك التي ترفعها في شعاراتها وتنادي بها وتعتاش عليها!! وإلا فكيف يمكن تصور هذا «الهجوم الديمقراطي» العنيف على اقتسام «الغنيمة الصدامية» التي لم تكن في الواقع سوى ثمرة النهب الوحشي الذي لا مثيل له لثروات العراق ومستقبل أجياله. بعبارة أخرى، لم يكن هذا الولع بالأعداد الهائلة «للحرس» و«الحماية» والركض وراء «قصور الشعب» الصدامية سوى الوجه الآخر لتقاليد سياسة المغامرة والمؤامرة المميزة للحثالة الاجتماعية التي وجدت في «السياسة» و«الأحزاب» مرتعها. وهي إمكانية ملازمة لانحطاط الدولة والمجتمع والثقافة.

فهي ممارسات تشير إلى أن خلاف النخبة السياسية التي كانت تحمل للامس القريب اسم «المعارضة السياسية» مع الحكم الدكتاتوري، كان خلافا معه حول كيفية اقتسام الغنيمة، أي انه لم يكن خلافا سياسيا اجتماعيا. وفي هذا يكمن سر صعود نفسية وذهنية «أزلام السلطة» فيها وليس رجال الدولة. فممارساتها السرية والعلنية، طموحها ومساعيها ليست إلا صور باهتة للصدامية، لأنها لم تبن حتى قصرا، بل اكتفت بصراع حامي الوطيس من اجل حشر نفسها في «قصور الطاغية». وهي ممارسة تعكس في الكثير من جوانبها الرمزية والعملية نفسية وذهنية الهامشية بالمعنى التاريخي والثقافي والسياسي أيضا. وهو استنتاج يرتقي إلى مستوى البديهة رغم قسوته الظاهرية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

إن الأفكار الاجتماعية مِلكية عامة، وليست مشروعًا شخصيًّا احتكاريًّا . وهذه الأفكار تُمثِّل حصيلةً معرفية نابعة من العقل الجمعي وتجاربِ الأمم والشعوب على مدار التاريخ. والأفكارُ تيارات ذهنية وإفرازات وجدانية عابرة للأزمنة والأمكنة، ولا يُمكن تجنيسها والسيطرة على عملية تفجُّرها وانطلاقها، لأن الأفكار تسبح في داخل الإنسان، وتتناثر في الذهن البشري كالشظايا، وتنطلق في كل الاتجاهات، لذلك كان من المُستحيل حصر إبداعات العقل البشري في أنساق التاريخ وطبيعة الجُغرافيا. والسؤالُ الذي يَطرح نَفْسَه في هذا السياق: ما فائدةُ الأفكار إذا كُنَّا عاجزين عَن السيطرة عَلَيها؟. إن الأفكار تطير في الذهن كما تطير العصافيرُ في الفضاء . والحلُّ الوحيد للسيطرة على العصافير هو الإمساك بها، وإدخالها إلى القفص. وهذا المبدأ يجب تطبيقه في عَالَم الأفكار القائم على الخيالاتِ الهُلامية، والتَّصَوُّراتِ الذهنية، والشظايا العقلية المُتناثرة . ينبغي إدخال الأفكار إلى حُدود الحياة العملية، وإخراج البُنى العقلية مِن الذهنية غير المحسوسة إلى الواقع المحسوس، مِمَّا يؤدِّي بالضرورة إلى صناعة تطبيقات حقيقية فعَّالة ذات تماس مباشر مع حياة الفرد وطبيعة المجتمع . وصُورةُ الإنسان مهما كانت جميلةً في المِرْآة، تظل مُجرَّد صورة محصورة في إطار ضيِّق، والعِبرةُ كامنة في الأصل، والتَّعويل إنما يكون على الشكل الحقيقي للإنسان على أرض الواقع، خارج نفوذ المرايا والإضاءة والمُؤثِّرات البصرية وزوايا الرؤية . والأمرُ ينطبق على عوالم الإنسان الذهنية، والأفكار مهما كانت جميلة، تظل مُجرَّد إفرازات ذهنية هُلامية سابحة في فضاء العقل، والعِبرة كامنة في تجسيدها على هيئة كيانات واقعية ومشاريع محسوسة .

2

يُمثِّل مبدأ نقل الأفكار الخيالية إلى أرض الواقع مشروعًا لخلاص الفرد من مأزقه الحياتي، ونجاةِ المجتمع من أزمته الوجودية . ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، لأن هناك عوائق معنوية ومادية في طريق تحويل الأفكار إلى واقع مُعاش.ومن أبرز هذه العوائق أن يَشعر الفردُ بالغُربة عن نَفْسه، والاغترابِ عن مُجتمعه، معَ أنه عائش في قلب مُحيطه وبيئته، وهذه الثنائية الصادمة (الغُربة / الاغتراب) تَجعل الإنسانَ يَنكمش على ذاته، وينسحب من الحياة العامة، ويَتَقَوْقَع على أحلامه الشخصية، بحثًا عن مصلحة شخصية وخَلاص فردي، مِمَّا يُشكِّل تهديدًا على وَحدة المجتمع وتجانسه وتماسكه، لأن فلسفة الخلاص الفردي تعني أن الفرد يُريد القفزَ مِن السفينة، للبحث عن النجاة الشخصية، وترك السفينة ومَن فِيها لمُواجَهة مصيرهم . وهذه الفلسفةُ خطرة وغير مضمونة النتائج، لأن الفرد إذا قفز من السفينة في عُرض البحر، لن يتمكَّن من السباحة إلى شاطئ الأمان، بسبب بُعد المسافة، وتلاطم الأمواج، وطاقته المحدودة على السباحة . والشاطئُ إذا كان بعيدًا، فليس مِن الذكاء أن يثق الإنسانُ بقدرته على السباحة، ولا يوجد عاقل يُعرِّض نَفْسَه لامتحان صعب، مهما كان واثقًا مِن قُدرته العقلية وقُوَّته البدنية، لأنه ببساطة قد يَسقط في الامتحان . وكما يُقال في المثل الشعبي: (المَيَّة تُكذِّب الغطَّاس). وأفضل علاج لأزمة الإنسان الوجودية، هو أن يبقى مع مُجتمعه في السفينة، ويُحاول الجميعُ إصلاحَها بشتَّى الوسائل، وتحصين الجبهة الداخلية عن طريق منع وصول الماء إلى داخل السفينة . والسفينةُ لا تَغرِق مِن مياه البحر العظيمة، ولكنها تَغرِق إذا تَسَلَّلَت المياهُ إلى داخلها . والتعاونُ الجماعي لتحصين السفينة يُحقِّق مَصالح الكُل، ويَضمن النَّجَاةَ للجميع، فيختفي الصراع بين الفائز والخاسر، لأن الجميع سيكونون فائزين. ومهما كانت السفينةُ قديمة ومُهترئة، فإن قضاء العُمر في إصلاحها أفضل مِن أن يُصبح الإنسانُ طعامًا للأسماك، ويذهب إلى النسيان في أعماق البحر . وإن الوقت الذي يأخذه الإنسانُ لتبرير أخطائه، أو نَدْب حَظِّه، أو التباكي على حياته، أو جَلْد ذاته ومجتمعه، أو شَرْعنة تعاسته، يَكفي لإصلاح أخطائه، والمُساهمة في علاج أزمات المجتمع، والتَّقَدُّم إلى الأمام، وَفْق الإمكانيات المُتَوَفِّرة والظروف المُتاحة. وإذا وَجد الإنسانُ الطريقَ مَسدودًا، فعليه أن يَبحث عن طريق آخَر، ولا يُضيِّع وقته في البكاء على الأطلال . والحياةُ رحلة بحث طويلة حتى اكتشاف الطريق الصحيح. والمُحاولة بحد ذاتها إنجاز.

3

على الإنسان أن يبدأ مسيرةَ الإصلاح والتطوير بما يَملك مِن إمكانيات وقُدرات، حتى لو كانت ضئيلة وبسيطة . وكما أن رَجل الأعمال الناجح يبدأ مشروعه التجاري بما يَملِك مِن مال، ولا يَنتظر حتى يُصبح مليونيرًا ليتحرَّك، كذلك المُصلِح الاجتماعي يبدأ مشروعه الاجتماعي بما لَدَيه من أفكار وتصوُّرات، ولا يَنتظر أن يُصبح فَيلسوفًا، أو يُصبح المجتمعُ مثاليًا وخاليًا مِن العُيوب . ووظيفةُ الطبيب علاج المرضى لا علاج الأصِحَّاء، ومُحاربة المرض، وليس مُحاربة المريض . وهذا المبدأ الإنساني هو أساس العلوم الاجتماعية.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (21)

إن إشكالية النخبة السياسية هي أولا وقبل كل شيء إشكالية السلطة والمجتمع، ومن ثم فهي إشكالية التقاليد السياسية بشكل عام والثقافة السياسية بشكل خاص. وفوق كل ذلك أنها إشكالية قائمة بحد ذاتها. وليس اعتباطا أن تظهر الفكرة القائلة بالقانون الحديدي للنخبة، أي الفكرة القائلة، بأن الجوهري في التاريخ السياسي أو الأكثر ثباتا هو بقاء النخبة بوصفها الصيغة المجردة لعلاقة الخواص بالعوام، والسلطة بالمجتمع، بغض النظر عن تغير الأشخاص والأحزاب والقوى السياسية والحزبية. وهي فكرة لها أسسها الفعلية في تاريخ الدولة كما هي وتواريخ الأمم في تنوع معاناتها من اجل تأسيس الصيغة المعقولة والأكثر إنسانية لتنظيم شئونها الذاتية.

غير أن فكرة «القانون الحديدي» لا تعبر في الواقع إلا عن الصيغة الشكلية الملازمة لبقاء النخبة ضمن نفسية وتقاليد الانعزال الفئوي، أي نفسية الاستحواذ والتملك الضيقة. وهي ظاهرة تعبر عن ضعف العلاقات الاجتماعية وانحطاط الثقافة السياسية. بمعنى ضعف الصيغة النظرية والعملية لتنظيم العلاقة الضرورية بين السياسة والاجتماع، أو اندراج الأبعاد الاجتماعية في الرؤية والممارسة الاجتماعية، باعتبارها وسيلة وغاية السياسة الحقيقية، أي السياسة بوصفها علما. ذلك يعني، أن بقاء النخبة السياسية يندرج ضمن إطار الضرورة السياسية للدولة ومؤسساتها وتركيبتها ووظيفتها الإدارية. إلا أن بقاء الهوة العميقة بينها وبين المجتمع هو دليل على بقاء الهوة الفاصلة بين السياسة والاجتماع، بين السياسي والمجتمع، بين السياسة والمكر العملي، أي بين السياسة بوصفها علما وبينها بوصفها دجلا.

فالحياة السياسية للأمم لا تخلو من مستويات معينة من تداخل هذه المكونات والحالات، وذلك لاستحالة بلوغ الصيغة النموذجية المطلقة في هذا الميدان. وذلك لأنها جزء من صيرورة تاريخية وصراع اجتماعي هو سر ومغزى التقدم والارتقاء، ومن ثم الحياة كما هي بوصفها ولادة وموت مستمرين. الأمر الذي يجعل من قضية النخبة السياسية، من حيث الجوهر، قضية اجتماعية وسياسية. بمعنى أنها تمتلك على الدوام طابعا ملموسا، بوصفها الصيغة العملية لإشكالية السلطة والمجتمع، وإشكالية التقاليد السياسية بشكل عام والثقافة السياسية بشكل خاص.

وعندما نطبق هذه الفكرة العامة على تاريخ العراق الحديث، فإننا نقف أمام واقع يقول، بأن تشكل الدولة العراقية الحديثة لم يكن نتاجا لتطوره الذاتي. فقد أنهكت السيطرة التركية العثمانية كل ما فيه مستكملة بذلك تاريخ الانحطاط الطويل الذي استتبع سقوط بغداد والخلافة العباسية منذ القرن الثالث عشر. كما انه لم يمر بمرحلة «عصر النهضة» العربية، أو على الأقل أنها لم تتكامل في مشاريع سياسية وحركات فكرية واضحة المعالم وتيارات اجتماعية قادرة على وضع الأسس المادية والروحية للنخب بشكل عام والسياسية منها بشكل خاص. وليس مصادفة أن تكون «القيادة التاريخية» الحديثة من خارجه. بمعنى «دعوة» أو «استيراد» أو «تعيين» نخبا عليه من غير قواه الاجتماعية المباشرة، كما تجسدت بصورة نموذجية بعد «ثورة العشرين» في بداية القرن العشرين وتشكل النظام الملكي. وهي عملية لا تشبه في شيء صيغتها التاريخية الأولى في مرحلة الخلافة. فقد استطاع العراق آنذاك أن يتحول إلى قطب الصراع التاريخي للصيرورة العربية الإسلامية ومن ثم إلى مركز وبؤرة تشكلها السياسي والفكري والروحي. الأمر الذي يفسر ظهور هذا الكم الهائل، بل كل الكم الهائل من المدارس والتيارات الفكرية والسياسية، ومن ثم نخبه (الخواص) في مختلف الميادين.

لقد كان تشكل الدولة الحديثة في العراق سابقا على نشوء المدارس الفكرية والتيارات السياسية والحركات الاجتماعية. من هنا الضعف التاريخي للنخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص. كما انه السبب الذي حدد مجرى تاريخه المعاصر، بما في ذلك صعود الهامشية الاجتماعية والسياسية والثقافية إلى هرم السلطة. وهي هامشية متنوعة المظاهر والأشكال إلا أنها تشترك في كونها ممثلة للأطراف والأقليات. وهي ظاهرة يمكن تلمسها بما في ذلك الآن في كمية ونوعية القيادات أو النخبة السياسية المؤثرة في تاريخه السياسي الماضي والحاضر. إذ أننا نعثر عليها في الحركات والأحزاب السياسية القومية والشيوعية والإسلامية، أي في التيارات السياسية الكبرى التي أثرت وما تزال تؤثر في مجرى حياته السياسية. إننا نعثر عليها في سيادة الأطراف والهامشية العربية في الحركات القومية العربية، وتضخم دور النخب العرقية في الحركات القومية الكردية إضافة إلى حجمها الاصطناعي المضخم في كافة ميادين الحياة مرات عديدة أكثر من حجمها الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن الحركة الشيوعية العراقية التي ترأست الأقليات القومية والدينية اغلب تاريخها السياسي، في حين نلمس الآن بوضوح اثر «التربية الفارسية» في قيادات الحركات والأحزاب الإسلامية (الشيعية).

إن غياب الأغلبية العربية هي النتيجة الطبيعية الملازمة لضعف نخبها السياسة القومية السليمة. وفي هذا يكمن سر الخلل التاريخي للنخبة السياسية العراقية المعاصرة. كما أننا نعثر فيه على سبب إشكالية السلطة والمجتمع. بمعنى ضعف الأبعاد الاجتماعية والوطنية في الحركات والأحزاب السياسية التي هشمت براعم تراكمها التاريخي في العهد الملكي من خلال صعود الراديكالية السياسية. وذلك لأن غياب الأغلبية العراقية كان وما يزال يعمل على تغذية نفسية وذهنية الأقلية، ومن ثم تشويه مضمون التقاليد السياسية بشكل عام والثقافة السياسية بشكل خاص. إذ لا يمكن للتقاليد السياسية السليمة والثقافة السياسية العقلانية أن تتراكم في ظل سيطرة الهامشية والأطراف الراديكالية، التي عادة ما تلازم وجود وذهنية الأقلية. وذلك لما فيها من نفسية «الهجوم» وشبه انعدام لعقلية البناء. ولا تستطيع هذه الحالة أن تؤسس لمستقبل واضح المعالم. أنها لا تفكر بمعايير ومقاييس المستقبل. من هنا فقدانها للمعاصرة. وهو الأمر الذي يفقدها الحاضر، ومن ثم يفقدها المستقبل. بينما هوية العراق الممكنة هي هوية المستقبل. وذلك لان طبيعة وحجم الدمار الهائل للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية يقوم في تخريبهما أسس المستقبل. ونعثر على صدى هذه النتيجة في فقدان المستقبل عند النخب السياسية العراقية الحالية. مما جعل من اغلبها تعاني من ضياع سياسي وأخلاقي واجتماعي ووطني.

إذ نعثر على حالة ضياعها السياسي في مظاهر قوتها المفرطة ضمن أروقة السلطة وضعفها المفرط خارجها. ونعثر على ضياعها الأخلاقي في كون أغلب همومها الكبرى والصغرى محصورة بالوظيفة لأنها عموما بلا كفاءة. ونعثر على ضياعها الاجتماعي في رخويتها. فهي هشة بذاتها ومغتربة في كينونتها عن المجتمع ومشاكله وإشكالاته الفعلية. ونعثر على ضياعها الوطني في خلوها من حقيقة الشعور الوطني الفعلي، بمعنى فقدانها للرؤية الإستراتيجية فيما يتعلق بإخراج العراق من أزمته البنيوية الشاملة ومحنته التاريخية الجديدة. وهو ضياع يمكن فهم طبيعته عندما نضع صفاته ومظاهره المشار إليها أعلاه على خلفية المضمون الحقيقي للنخبة السياسية ووظيفتها الفعلية. ويمكن حصر هذا المضمون في الفكرة القائلة، بأن حقيقة النخبة السياسية ووظيفتها الجوهرية تقوم في صياغة وتحقيق رؤية إستراتيجية تجاه الإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والمجتمع والأمة. أما حصيلة هذا الضياع المركب فهو ضياعها الفعلي من حيث كونها نخبة.

وهو ضياع يتمظهر بصور وصيغ ومستويات يصعب حصرها لعل قدرتها على الاستجداء والبذخ هي الصورة الأكثر استثارة في معالمها عن هوة الانحطاط. فمن المعلوم، أن طلب المساعدة بحد ذاته ليس رذيلة، لكنه ليس فضيلة أيضا. وطلب المساعدة، شأن كل فعل مرتبط بقيم أخلاقية يصعب الحكم عليه بصورة قاطعة. بمعنى انه محكوم بنوعيتها وشروطها وغاياتها. فمساعدة المريض ومن في حكمه فضيلة، على عكس مساعدة القتلة واللصوص ومن في حكمهم، فهي رذيلة بحد ذاتها. إلا أننا حالما ننتقل إلى ميدان الحياة السياسية بشكل عام وميدان الدولة بشكل خاص، فإن القضية تختلف. حينذاك لا يمكن النظر إلى قضية المساعدة على أنها قضية فردية. إذ ليست المساعدة في ميدان السياسة العامة والدولة جزء من الفضائل الأخلاقية المجردة، بل تصبح في حكم الأخلاق السياسية وما يترتب عليه بالضرورة من تأثير على صنع أو ترسيخ نوع من القيم والقواعد العملية الفاعلة في المجتمع والثقافة العامة والمستقبل. وعندما نضع هذا الحكم على عمل النخبة السياسية العراقية الحاكمة بعد سقوط الصدامية، فإننا نرى في مجرى وجودها لحد الآن «عملا حثيثا» للحصول على مساعدات خارجية، أي على نفسية الاستجداء، عوضا عن العمل الفعلي من اجل مساعدة العراق نفسه للنهوض والانطلاق استنادا إلى قواه الخاصة. وعوضا عن ذلك نقف أمام كمية هائلة من «المؤتمرات» و«الاجتماعات» و«الدعوات» و«الانجازات» التي تبدو زهيدة للغاية مقارنة بالكمية المنهوبة منه في مجرى وجوده ما بعد الاحتلال!! إذ تولد هذه الممارسة انطباع يشير إلى انه مجرد عمل دعائي من اجل الحصول على أكبر قدر ممكن من المساعدات المادية (المالية) من اجل تحسين شروط الحياة وتفعيل مؤسسات الدولة الجديدة. وقد نعثر في هذا الإلحاح و«الاستجداء» على قدر من «التضحية» الشخصية من اجل المصلحة العامة للعراق الذي تعرض إلى تدمير وتخريب قلما تعرض لهما بلد في العالم على مدار القرن العشرين. لاسيما وأنه تدمير وتخريب ساهمت به مختلف الأطراف الداخلية (العراقية والبعثية الصدامية بشكل خاص) والعربية (وبالأخص الكويت) والإقليمية (وبالأخص الكيان الصهيوني) والدولية (وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية). غير أن جذر الخراب وسببه الرئيس والأساسي يكمن دون شك في طبيعة النظام السياسي العراقي. أما الأطراف العربية والإقليمية والدولية فهي مكونات إضافية بفعل الصراع التخريبي الذي مارسته الدكتاتورية الصدامية. وهي مكونات تحولت في مراحل معينة من تاريخ العراق إلى عوامل داخلية ساهمت بشكل هائل في محاصرته وتهشيم كامل بنيته الداخلية. وبهذا المعنى تصبح المطالبة بالمساعدة جزء من معترك السياسية الدولية للعراق من اجل استرجاع عافيته المنهارة.

غير أن تتبع مجرى مرحلة ما بعد سقوط الصدامية يكشف عن أن مضمون الدعوة للمساعدة هو جزء من نفسية القوى المؤقتة وليس عنصرا سياسيا في رؤية إستراتيجية عن البدائل الواقعية والعقلانية. بعبارة أخرى، إننا نستطيع الحكم على أن المضمون الفعلي للدعوات المتكررة عن مساعدة العراق ماديا هو التعبير غير المباشر عن نفسية وذهنية المؤقتين الجدد فيه. بمعنى أن أبعادها الحقيقية تقوم في الدعوة غير المباشرة للحصول على مساعدات من اجل تمديد نخبة المؤقتين الجدد والسرقة.

فالتجارب التاريخية للأمم جميعا تبرهن على أن تحويل «طلب المساعدة» إلى جزء من دبلوماسية الدولة الخارجية هي المقدمة الأولية لانحلال بنية الدولة وحصانة نخبها السياسية. ولا يمكن لهذه العملية أن تصنع في نهاية المطاف غير نخب سياسية رثة بالمعنى التاريخي وتافهة بالمعنى الأخلاقي. وذلك لأنها تؤدي بالضرورة إلى ثلاث نتائج متداخلة وهي أولا تخريب الشخصية الاجتماعية والروح الوطنية للأفراد والأحزاب والنخب، ثانيا: قتل روح الإبداع والاستعداد للتضحية والإخلاص في العمل، ثالثا: تصنيع للرذيلة السياسية والسرقة والابتذال الدائم لقيم الحرية والعمل والدولة الشرعية. وحصيلة تداخل هذه النتائج هي إنتاج وإعادة إنتاج قوى سياسية واجتماعية فاسدة مثالها الأعلى هو «المؤقت». ويمكن رؤية ذلك بوضوح في استفحال ظواهر السرقة والابتزاز والفساد الإداري وانعدام الشعور الوطني والاجتماعي. إننا نرى رجالا وأحزابا تتحارب و«تتخصص» في سرقة أموال المجتمع والدولة. بل يمكننا الجزم بأنه ليس هناك من حزب سياسي ونخب «قائدة» في ظروف العراق الحالية لم تسهم بهذا القدر أو ذاك من خوض "معارك" النهب النهم للثروة الوطنية. كما نراه على سبيل المثال في الدعوة «للحصول على مساعدات مادية للعراق» بوصفه غطاء سياسيا. وذلك لأن العمل من اجل «الحصول على المساعدات المادية» هو بحد ذاته دليل على تغلب النفسية الكسيحة وذهنية الاستجداء، مما يجعل من النخب العاملة في هذا المجال قوة سياسية مستعدة على فعل كل الرذائل الممكنة. بينما العراق بحاجة إلى نخب سياسية اجتماعية تتمتع برؤية إستراتيجية قادرة على تطويره الذاتي من خلال بناء اقتصاد وطني متطور، وقادرة على وضع أسس السياسة الاجتماعية التي تكفل للمواطن حقوقه المادية الأساسية. وبالتالي قادرة على تحرير العراق من كل وصاية أجنبية.

إن العراق بحاجة إلى نخب وقوى سياسية تعمل من اجل مساعدة نفسه بنفسه من خلال انتزاع حقوقه وديونه المحلية والإقليمية والعالمية. ويستحيل تنفيذ هذه المهمة وتحقيقها دون العمل من اجل إعادة بناء هويته الوطنية وروحه الوطني. ففي هذه العملية فقط يمكن إرساء الأسس الاجتماعية والأخلاقية لاحترام النفس. فهي المقدمة الضرورية للتحرر الفعلي بما في ذلك من النخب السياسية المؤقتة ونفسية المؤقتين وتقاليد الاستجداء القذرة. فالعراق غني بثرواته المادية. وهو ليس بحاجة لأية مساعدة باستثناء مساعدة نفسه على رؤية الآفاق الحقيقة لتطوره الذاتي، أي لإنتاج قواه الوطنية الفعلية من اجل وضع حد للمهانة التاريخية التي تعرض لها والتي مازال يرزح تحت وطئتها بفعل نفسية وذهنية الاستجداء المادي والمعنوي للنخب السياسية. وهي الحالة التي تضع أمام الفكر السياسي مهمة النقد الفلسفي للنخب السياسية العراقية الحالية من اجل كشف محدوديتها التاريخية.

فالتجارب التاريخية للشعوب عموما تبرهن على أن ما تدعوه لغة الأدب بالمصير التاريخي للأمم يرتهن زمن الانقلابات الحادة والتحولات العاصفة بالنخبة السياسية. ولهذا الارتهان أسسه الموضوعية في طبيعة الترابط بين الدولة والسلطة من جهة، وبين الإرادة السياسية ونوعية الفكرة المتحكمة بها من جهة أخرى. ومفارقة هذه العلاقة، التي ترتقي من حيث المبدأ إلى مصاف البديهة النظرية والعملية، تقوم في أن صعود النخب السياسية الحاكمة فيه الآن إلى السلطة لم يكن نتاجا لصراع سياسي وطني (داخلي). كما أن رؤيتها السياسية ليست محكومة بفكرة الدولة. مما جعل من فكرة الدولة والسلطة إشكالية عصية في إرادتها وفكرتها. من هنا تناقض السلطة والدولة في ممارساتها العملية في مجرى «استلامها» للحكم، بحيث تحولت الدولة إلى كائن هش هو اقرب ما يكون إلى بنية مزيفة منها إلى مؤسسة لها مقوماتها الذاتية. وهو واقع ليس معزولا عن التأثير المباشر وغير المباشر للتحطيم الحاصل في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين لأسس الدولة وبنيتها الخاصة وفكرة المؤسسات. غير أن ذلك يبقى جزء من نقد التاريخ السياسي للعراق ونوعية الانحراف عن فكرة الدولة الشرعية، ومن ثم أثره المحتمل على تشويه النخبة السياسية بما في ذلك المعارضة.

غير أن معنى المعارضة السياسية وفكرة النخبة تقوم في نوعية مواجهتها العقلانية وبدائلها الواقعية لتلافي الخلل لا إعادة إنتاجه. حينذاك لا يمكن إدراجها ضمن «المعارضة» ولا «النخبة»، وذلك لأنها لم تعد أكثر من استمرار للسلطة السابقة وكمية جديدة لها. وهي فكرة لها قيمتها العملية الضرورية في حال وضعها ضمن مسار الاختبار السياسي للنخبة والبدائل. لاسيما وأن استقراء تاريخ الخراب العراقي و«منظومة» الانحطاط الشامل فيه تبرهن على أن احد أسبابها الجوهرية يقوم في فساد النخبة السياسية.(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

زهير الخويلدي"السؤال الفلسفي هو ذخيرة المعنى وتقوى الفكر"

إذا تساءل المرء عن الأهداف المرجوة من الفلسفة، فمن الواضح أنه سيصطدم بالعديد من المشاكل وربما تحجب مشاكل المنفعة والجدوى مشاكل التعريف والتحديد ومشكلة النشأة والميلاد ومشكلة تاريخ المعارك والمصير والحضور في الواقع الاجتماعي والعلاقة التي تقيمها مع العلوم والمنزلة التي تحتلها في الثقافة. لكن أين بدأ تاريخ الفلسفة بالضبط؟ ومن أين بدأت تاريخها؟ وكيف بدأ الفلاسفة في التأريخ لأنفسهم؟ وماهي شروطها التوليدية؟ وهل يمكن أن تعاود الظهور بشكل آخر؟ وما الدور الذي يمكن أن تقوم به؟ متى يتم الاستئناف؟ وما الجديد عن الفلاسفة؟ وكيف يمكن تصور العلاقة بين المجتمع والكلام الفلسفي؟ ماهي الوظيفة الاجتماعية للفلسفة ؟ وهل يمكن أن تلعب دورا في سياسة الحقيقة والتصرف في السلطة؟

إن وظائف الفلسفة عديدة وتنقسم بين النظري والعملي ويتراوح النظري بين التحديد والتوضيح والتحليل ويتراوح العملي بين الالتزام والتطبيق والتغيير ويمكن تصور علاقة جدلية ورؤية تكاملية بين الطرفين.

ان الصراع المعلن بين الفلسفة والسياسة قضية مفتعلة ومشكل وهمي يريد صرف الفلاسفة عن الاهتمام بالقضايا الحقيقية ونقد الواقع الاجتماعي والغرض منه هو الإبقاء على الفلسفة في عالمها المجرد والمثالي.

إن التفكير في الذات بواسطة الذات هو أول مدخل يساعد المرء على طرح الأسئلة. لذلك دعونا نمارس وضع علامات استفهام في نهاية جملنا، لنترك التأملات مفتوحة دائمًا ونسمح لها بالارتداد على نفسها.

ما الذي يميز السؤال الفلسفي عن غيره؟ وكيف يمكن الاعتماد على الحروف في بلورة الأسئلة الشرعية؟

يجب استيفاء ثلاثة شروط لمسألة لكي يتم اعتبارها مسألة فلسفية: (1) شكل الاستفهام يجعل من الممكن عدة إجابات موثوقة. (2) التساؤل عن السبب على مستوى العمومية والعالمية التي تهم كل إنسان. (3) يتم التعبير عنها بأفكار مجردة للغة. بهذا المعنى يمكن تجميع جميع الأسئلة ضمن خمس فئات مختلفة، وهي: السؤال (1) من الوجود، (2) المكان، (3) الوقت، (4) الترتيب و(5) السبب. (1) من؟ أي ؟ ماذا؟ أي واحد؟ ما هذا؟ هل ؟ (ما هذا؟) مسألة الوجود أو الهوية أو الموضوع أو الكائن. (2) أين؟ (أين هذا؟) مسألة المكان، الفضاء. (3) متى؟ (متى يكون هذا؟) سؤال الوقت. (4) كيف؟ (كيف هذا ؟) مسألة النظام، الإجراء، التنظيم، الترتيب. هذا السؤال هو مزيج من أين؟ ومتى؟، ويعبر هذا الاستجواب عن قلق يجمع بين الجمال والأخلاق والتاريخ.(5) لماذا؟ (ماذا يفعل؟) مسألة السبب والمعنى والأصل.

لعل أهم وظيفة للفلسفة عبر تاريخها الطويل هي طرح الأسئلة الكبري والبحث عن أجوبة ممكنة لها مثل:

- هل الإنسان حر؟ - كيف تتأسس الذاكرة على عدم نسيان النسيان؟ - هل السعادة واجبة على الإنسان ولازمة في الحياة؟ - هل الوعي مجرد عضو؟ - هل الأنا في حاجة للغير والنحن في حاجة للآخرين؟ - هل يمكن للمرء أن يفكر في الكلمات بالصور ويفكر في الصور بالكلمات؟

- هل الفن مخيب للآمال؟ كيف يقلب العمل حياة الناس رأسا على عقب؟ هل يعيش المرء بدون الله؟

- هل ما زال التاريخ له معنى؟ ألا يجب أن ندافع عن العلم؟ هل يمكن للمادة أن تفكر؟ لماذا كل هذا الشر؟ هل نحن بحاجة إلى الحقيقة؟ السلطة: ماذا لو أحببنا أن نسيطر؟ هل مجتمع الأفراد ممكن؟

- ما العدالة التي نريدها ؟ هل الأخلاق طبيعية؟ هل التقنيات تهدد الإنسان؟ كيف يكون المرء سعيدا؟ هل يمكننا تعلم التفكير مثلما نتعلم أي شيء آخر؟ عند تكوين الكون، ما هي آلية الانفجار الكبير؟ هل الفيلسوف موجود من الناحية التاريخية في كل حقبة؟ وماهي الأمارة التي تدل عليه؟ و ماذا يقصد بالقول: الإنسان ليس سوى قصبة، انه ضعف في قلب الطبيعة ؛ لكنه قصبة تفكر؟ أليست ملفات برمجة الكمبيوتر تهديد للحريات؟ كيف نخزن النفايات دون إحداث ضرر بسلامة البيئة؟

- ما الوجود؟ وهل للحياة معنى؟ ومن ماذا تكون العالم ؟ هل يمكن أن تخبرنا حواسنا بما يدور حوله العالم حقًا ؟ من نكون ؟هل نحن أحرار؟ هل هناك طريقة للعيش بشكل صحيح؟ كيف نعيش معا ؟

- ما علاقة الزمان بالمكان؟ ماهو جوهر العالم؟ كيف نجد المعرفة الحقيقية؟ من أين تأتي الأفكار؟ هل نؤمن بالقدر؟ هل جميع تحركاتنا تحكمها القوانين؟ ما هو الخير أو الشر؟ هل يمكننا رؤية العالم من وجهة نظرنا فقط؟ ماهي القيم الأخلاقية التي يجب تبنيها؟ من أنت أيها الإنسان ؟ هل نحن جميعا من إنتاج الخيال؟ هل الإنسان مجرد آلة راغبة؟ كيف يحافظ الناس على وجودهم؟

لكن ألا تختزل مجموع هذه الاستفهامات والتساؤلات في عدد من القضايا الفلسفية الأساسية؟

يمكن تقليص مجال الفلسفة بالنسبة إلى كانط في كتاب المنطق إلى الأسئلة التالية:

 1- ماذا يمكنني أن أعرف؟، 2. ماذا علي أن أفعل؟، 3. ماذا يمكن أن آمل؟ ، 4. ما الإنسان؟

عن السؤال الأول تجيب على الميتافيزيقا، عن السؤال الثاني تجيب الأخلاق، والدين يتكفل بالإجابة عن السؤال الثالث، والأنثربولوجيا من حيث هي معرفة تعتني بالشأن الإنساني تتدبر السؤال الرابع. لكن في النهاية، ألا يمكننا حصر كل شيء في الأنثربولوجيا، لأن الأسئلة الثلاثة الأولى تتعلق بالسؤال الأخير1[1].

السؤال الأول يشير إلى نظرية المعرفة. يمكن فهمه على أنه البحث عن حقيقة مطلقة، أو طريقة للتفكير الجيد أو كممارسة منهجية للشك الفلسفي الذي يمتحن قدرات العقل على المعرفة ويرسم حدوده الشرعية.

يمكن استشكال السؤال الأول على النحو التالي: لماذا نريد أن نعرف؟وهل يمكنني معرفة ذاتي؟ والى مدى أقدر على معرفة غيري؟ وكيف يمكنني معرفة الواقع الخارجي؟ وهل يمكننا معرفة جواهر الأشياء؟ وهل يمكننا الوصول إلى الحقيقة؟ هل تقول الكلمات ماهيات الأشياء؟ هل يمكن التعرف على الحقيقة بالبداهة، أم بالتثبت بالتجربة، أم بإعطاء أهمية إلى التأويل؟ هل يعد الجسم عائقا أمام المعرفة؟ وهل ينقطع العلم عن الرأي المشترك؟ وهل الرأي جاهل تماما، أو درجة من المعرفة المحتملة؟ هل أفكارنا متأصلة قبليا في ذهننا، أم أنها تأتي من التجربة عن طريق حواسنا؟ هل الزمان والمكان في ذواتنا أم في الطبيعة ؟

السؤال الثاني يشير إلى المعنى الذي يعطيه المرء لحياته: ويتراوح بين تدبير المرء لسعادته، أو الانهماك في إتمام الأشياء الممتعة، أو الرغبة في فعل الخير وترك الشر، وتهتم به وتجيب عليه الأخلاق والسياسة، فهل كل فعل هو مسألة رغبة، أم قلب أم عقل؟ وهل يجب أن يطلب المرء المتعة أو الفضيلة ؟ وهل يجب أن نحارب الترف بالتزهد أم نطلبه وننهمك فيه ؟ وهل يجب على المرء التحكم في خياله أو يعمل على تطويره وتوظيفه واستثماره ؟ وهل العاطفة خطيرة أم هي خيار مبجل في الحياة ؟ وهل يجب علينا التغلب على رغباتنا، أو تغيير نظام العالم ؟ وهل يبحث المرء عن وسيلة مناسبة أم يهتم بالغاية فحسب؟ وهل الأنا مسؤولا عن الآخر، أم أنه عدوه ؟ وهل حريته مصدر مسؤولية أو ذنب؟ وهل القانون طبيعي أم تقليدي ؟ وهل القوانين ضرورية للحياة الاجتماعية؟ وهل السياسة هي علم الصالح العام وتخدم الأخلاق، أم هي فن النجاح ؟ وكيف وجدت حقوق الإنسان والمواطن؟ هل هي ذات مصدر متعال أم هي مشترك ديمقراطي؟ وما هو الصحيح والخاطئ فيها؟ وهل الديمقراطية هي أفضل نظام سياسي في الكون؟ وهل وجدت الدولة أساسها في الله أم في القوة أم في إرادة الشعب؟ وما المكان الذي يجب أن تترك فيه الدولة للحرية الفردية؟ وكيف يتم صنع السلام بين الدول؟ وهل يجب أن نثور ضد قوة جائرة ونقاوم الظلم بالعصيان المدني ؟

السؤال الثالث يثير مسألة الخلاص. إنه يقود البعض إلى التشكيك في وجود الخلاص الأبدي، والبعض الآخر يصحو على أمل حياة أفضل. في الواقع، يثير هذا السؤال مجموعة من الأسئلة الفرعية التالية : ماذا يمكن أن أنتظر؟ وماهو الرجاء الذي يمكن أن يتوقعه المرء؟ وهل الشمس تشرق غدا أم لا جديد تحت الشمس؟ والى أي مدى يوجد عالم آخر؟ وهل الله موجود؟ كيف يمكن إثبات وجوده؟ وهل لدينا روح؟ ما علاقتها بالجسم؟ وهل هي خالدة؟ ولماذا يفنى الإنسان؟ وهل يجب ألا نخاف من الفناء ؟ وهل قوة المعتقد، أم ضعف العقل؟ وهل الفناء يحرر النفس من سجن الجسد؟ وهل العقل يجعل الإيمان يختفي أم أنه يوجده؟

 وأخيراً، طرح كانط في نهاية حياته، السؤال الأصعب:"ما الإنسان؟ الذي يمكن أن يضم الأسئلة السابقة. ربما الغرض من طرح هذا السؤال الرابع ودمج الأسئلة الأخرى هو الدعوة للتفكير في أحوال الإنسان وتنفرد الأنثربولوجيا بطرحها لسؤال: ما الإنسان؟ وتقسمه إلى الأسئلة الفرعية الآتية: من أنا ؟ وهل لدي روح، أم أن فكري ينبع من المادة والحياة ؟ وهل الأنا في الأساس وعي، أم لدي وعي ولاوعي؟ و ما هو فكري؟ هل يمكننا التفكير بدون كلمات؟ وهل يجب أن نعارض عقولنا وجسدنا ؟ وهل يمكننا التحكم في رغباتنا ؟ وهل جوهر الإنسان هو الرغبة أم العمل؟ وهل احتياجاتنا طبيعية، أكثر نفسية منها بيولوجية، اجتماعية ؟ وهل الإنسان حيوان اجتماعي؟ وهل طفولتنا هي زمن الخطأ، أم البراءة، أم الانحراف؟ وهل التاريخ البشري له معنى؟ وهل أنا حر أو مصمم نفسيا، اجتماعيا واقتصاديا؟ وهل يخلق الإنسان من علاقات اجتماعية أو هو خالق تقاريره وواضع مشاريعه؟ وهل ينفر الإنسان من ذاته عن طريق التقنية؟

هذه الأسئلة الأربعة ستكون بمثابة دليل لاستكشاف معاني 2500 عام من الفلسفة. كل سؤال عبارة عن بوابة تؤدي إلى عدة إجابات محتملة. يتم توضيح كل إجابة بواسطة مؤلف مرجعي أو نظرية أو مدرسة فكرية شائعة. لذلك سوف نستمع إلى الخطابات الفلسفية المختلفة بنزاهة، دون تحيز، ولكن بدون روح خادعة. لن نتردد في دفعهم في عملية التنقيب الخاصة بهم، وإبراز نقاط الضعف والغياب لديهم، وإثارة إعجابهم. لأنه لا شيء يجب أن يكون أكثر غرابة في الروح الفلسفية من الروح العقائدية ولا شيء أكثر أهمية من النقد. وبالتالي سيكون الجميع قادرين على جعل طريقتهم الخاصة تقر بمتابعة طريقتهم الفريدة. لقد تحولت الفلسفة النقدية إلى عملية تفكيكية للميتافيزيقيات والمركزيات والمدن الظالمة والجاهلة وانتقلت إلى تبني مسلكية إيتيقية تواصلية تعتني بالتدابير إجرائية وتأسيسية للحياة الجيدة ضمن العوالم المشتركة.

والحق أن أعظم درس تقدمه الفلسفة هو الأخلاق، فإن لم تكن فيلسوفا خلوقا فأي درس من الفلسفة تعلمت.

ليست فلسفة اليوم بالأمر الذي يمكن للمرء أن ينظر إليه من بعيد، من خلال الكتب أو المحاضرات إنها حاضرة بقوة، بكل معاني الكلمة، تهم الشأن الإنساني، وتشمله في جميع أبعاده وتتساءل عنه. كما أن الأفق الذي تطوره أمامنا هو أقل مشهدية وأكثر إلزامية وأبعد من السراب وأقرب من الواقع الاجتماعي. لكن ألا تستمد الفلسفة مهامها من تفكرها في الوضع البشري وتعقلها للعالم واستشكالها أحوال الوجود؟ والى أي مدى يجوز القول " ليس مثل الفلسفة شيئاً يجعل من هذا الواقع الضيق عالماً بلا حدود"؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصدر:

1.Kant Emmanuel, la logique, édition Vrin, Paris, 1966, p25.

 

 

 

عدنان عويدمع مجيئ الإسلام، جاءت العقيدة، فتكوّن لدى العرب شعور برسالة هم حملتها. لقد أراد الإسلام أن يحل وحدة العبادة بدل الروابط القبلية الضيقة.. أي أراد أن يجعل العقيدة بديلاً عن العصبية، وإحلال الشريعة بدل العرف والعادة. لقد أوجد الإسلام فكرة (الأمة) القائمة على أساس العقيدة، فتشكلت ملامح أو إرهاصات أولية جديدة لوعي الذات عند العرب، بأنهم أمة (خيرة) ذات رسالة إنسانية تدعو إلى الخير والمحبة والعدل بين الناس. وبأن لهم منزلة خاصة بسبب حملهم لهذه الرسالة وللغتهم العربية لغة القرآن، ولغة أهل الجنة كما يقول الرسول.

بالإسلام توحدت القبائل العربية شكلاً، بينما ظلت عقلية الداحس والغبراء جوهراً، وبالإسلام انطلقوا إلى الخارج، وشكلوا امبراطورية واسعة من قوميات عدة، إلا أنها – أي الامبراطورية - استطاعت أن تعيد تشكيل الاطار الجغرافي والبشري إلى حد ما للعرب من جديد بعد تلك الهجرات القديمة (السامية) شمال وغرب الجزيرة العربية.

مع مجيئ الأمويين إلى السلطة، وتحول الخلافة إلى ملك عضوض، بدأ عامل العقيدة الذي حاول تشكيل أمة جديدة يأخذ بالانحلال هنا، وعاد الصراع من جديد بين القبائل العربية وخاصة بين البيت القُرشي ذاته من جهة وبين القيسية واليمانية من جهة ثانية. وعل الرغم من قيام حركة التعريب في هذا العصر، إلا أنها لم تستطع أن تشكل وعياً قومياً آنذاك، أو لم تكن تهدف أساساً إلى تحقيق هذا الهدف، وذلك لأن الدافع لقيامها لم يكن يهدف إلى بلورة الشعور القومي بشكل قائم على معرفة بأهمية هذا الشعور ودوره في نهضة العرب، وإنما كانت الأسباب العميقة وراء هذا الدافع تعود بنظري إلى اتساع رقعة الدولة بسبب الفتوحات، وإخضاع شعوب وأثنيات أخرى عديدة تحت راية الخلافة الأموية لم يكن ولاؤها – أي الأقليات - اصلاً للدولة أو الخلافة الأموية أولاً، ثم مع زيادة غنائم هذه الدولة، وازدياد أسرارها وعلاقاتها السياسية كان لا بد لها من الغاء دور النخب من الكتبة والموظفين غير العرب الذي كانوا يشغلون مهمة تسيير أمور الدواوين وإحلال نخب عربية موالية للخلافة الأموية ثانياً. فالحرص إذاً على الدولة وسلامة أمنها من الموظفين والمنسقين لعمل دواوينها من غير العرب كان برأينا أحد الدوافع الرئيسة لحركة التعريب في عهد الأمويين.

مع مجيئ العباسيين إلى السلطة، وبدء اختراق آلية عمل الدولة من قبل الأعاجم كالفرس والترك الديلم .. الخ في فترة ضعف الخلافة، أخذت المكانة السياسية للعرب تتراجع شيئاً فشيئاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ومع صول الخليفة العباسي "الواثق" إلى سدة الخلافة عام (232هـ) سيطر "الترك" على هذه الخلافة وقام الخليفة "المتوكل" بوضع التاج على رأس القائد التركي (إشناس) الأمر الذي أدي إلى بدء عهد جديد من غياب سلطة الخليفة العباسي الذي تحول إلى ببغاء في قفص، امتد حتى عام (447) هـ )، وهو ما جعل السيوطي عندما وضع الخليفة المتوكل على رأس إشناس يقول: (وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانا. فإن الترك إنما كثروا في عهد أبيه).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

منى زيتونمن أوائل المبادئ التي تعلمناها في مادة الإحصاء النفسي والتربوي في الجامعة تصنيف المتغيرات؛ فهناك متغيرات منفصلة كالنوع إما ذكر أو أنثى، أو الالتحاق بنوعية من المدارس (أ)، مقابل نوعية (ب) أو (ج)، وهناك المتغيرات النفسية المتصلة، ولكل متغير منها قطبان، يمثلان نهايتيه العظمى والصغرى، ودرجاتنا تتوزع على تدريج بينهما.

وفي مقالي "لماذا يقولون إن الحب أعمى؟!" تحدثت عن أن المزايا والعيوب إن دققنا فيها سنجدها تعني أن لكل صفة ما يناقضها، أو لنقل إن العيوب ما هي إلا درجة متطرفة من إحدى الصفات التي تعد ميزة، وكل صفة إيجابية في البشر قد تتحول إلى سلبية فيهم إن تم الإفراط فيها.

ويمكن القول أيضًا إن أغلب صفات البشر هي صفات متصلة على تدريج، وليست صفات منفصلة، وهناك حدان للصفة ونقيضها؛ فالخير والشر ليسا صفتين منفصلتين بل هما حدا تدريج، لا يصل أي فرد منا إلى أي حد منهما، فلسنا خير مطلق ولا شر مطلق، ليس أي منا ملاكًا أو شيطانًا، ودرجة الخير في داخل كل منا تحدد موقعنا على التدريج المتصل بين القطبين. لكن، كثيرين من البشر نلمس من سلوكهم أنهم يكادون لا يدركون هذا الأمر على بساطته!

الانفصام الدفاعي "الكل/ اللا شيء"!

في مقال سابق عن التعصب تحدثت عما أسميته الهوس بالتفرع الثنائي، فمما لاحظته من خلال دراستي للمتعصبين أن أهم سماتهم أنهم يصرون على التصنيف الحدي القطبي للبشر فإما أنك معنا فأنت ملاك ولا يصدر عنك شر أو خطأ، أو أنك ضدنا فأنت شيطان! بتعبير آخر ومن وجهة النظر الإحصائية فما يميزهم هو إصرارهم على تحويل بعض المتغيرات المتصلة إلى متغيرات منفصلة!

وهذه الطريقة الحدية في التفكير هي نوع من الدفاعات النفسية التي تنتشر بين المتعصبين وتُعرف عنهم، تُسمى بالانفصام. وهي من أكثر أساليب التفكير بدائية، ولا تنتشر بين المتعلمين تعليمًا راقيًا ومرتفعي القدرات العقلية، بل ينتشر الانفصام في أوساط العوام وسطحيي التفكير، فإن صدر عمن حظي بقدر رفيع من التعليم فهو على الأغلب منافق أو مُطبِّل كما هو اللفظ بالعامية، ولكن حديثنا الآن ليس عن فئة المطبلين المصفقين، بل عن مفصومي التفكير.

والمصاب بالفصام الفكري يستحيل على عقله أن يتقبل وجود صفات إيجابية وأخرى سلبية في الوقت ذاته، وأن يقف موقفًا متوسطًا في تقييمه للفرد بين المميزات والعيوب؛ فالتمثيل العقلي والنفسي للخطأ والصواب لديه حدي وغير قابل لدمج الصفات، فكل البشر وكل الأنظمة وكل ما في الحياة إما أبيض أو أسود، إما جيد أو سيء، بلا توسط.

النظرة التألهية المصاحبة للاستقطاب

والتفرع الثنائي والذي يمكن أن نسميه أيضًا بالاستقطاب الذي يستلزم الإصرار على إصدار حكم عام يكون في أحد الطرفين، هو شكل من أشكال التأله، بل هو أسوأ، فحتى الله سبحانه وتعالى عندما سيحاسبنا يوم القيامة لإصدار حكم عام على كل منا يفضي بنا إما إلى الجنة وإما إلى النار ستتم المحاسبة على كل صغيرة وكبيرة صدرت عن كل فرد منا، والله يعلم ما تخفي الأعين وما تُكن الصدور، ولا يغيب عن علمه فعل أو نية أو قصد، فهذا الحكم العام بالجنة أو النار عندما يصدره الله لا يعني أن من دخل الجنة لم تكن له ذنوب، أو أن من حُشر إلى النار لم يفعل حسنة في حياته.

لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة سوى الله! لو امتلكتها لصرت إلهًا! ارحموا أنفسكم، فكلنا مقاربون. والعاقل من البشر يضع في اعتباره محدودية علمه، فيُقيم كل موقف يصدر عن غيره من البشر على حدة –مع التحفظ أحيانًا لمحاولة إحسان الظن- دون الحرص على تكوين موقف شامل عام.

بينما هذا التأليه لطائفة والتنزيه المطلق لها عن الخطأ، في مقابل الشيطنة لطائفة أو طوائف أخرى، ورفض كل ما يصدر عنهم وإن كان خيرًا، ليس من الإسلام في شيء، فالحكمة ضالة المؤمن، وجميع هؤلاء المتعصبون يتحفظون حديث أبي هريرة مع إبليس، وكيف علّمه كلمات صالحات، أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي هريرة: صدقك وهو كذوب! فلم يقل له: إنه إبليس ولا نقبل منه صرفًا ولا عدلًا!

والمتعصب في زماننا لا يختلف عن متعصبي الجاهلية ولا عن أتباع مسيلمة الكذاب حين قالوا: والله إنا لنعلم أن محمدًا صادق وأن مسيلمة لكذاب، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر! فتعصبوا له حتى كبّهم معه على وجوههم في النار.

وأين هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مدح حلف الفضول حتى بعد أن صار خاتم النبيين، فلم يقلل منه أو يقارنه –مقارنة لا محل لها- برسالته الخاتمة مثلما فعل أحد سفهاء عصرنا في نقاش قرأته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.

عنزة وإن طارت!

يُحكى أن رجلين كانا يقفان بجوار جبل، ومن بعيد شاهدا حيوانًا، أحدهما قال: إنه عنزة، والآخر قال: بل هو غراب! وأخذ كل من الرجلين يدلل على صحة رأيه في نقاش طويل عريض، فهذا يدلل بحجم الحيوان، والآخر يقول: بل لا أرى له ظلًا سوى لقدمين، وبينما هما يتجادلان إذا بالحيوان يطير معلنًا أنه غراب، فأحس من دافع عن نظرية الغراب بالزهو منتظرًا من الآخر أن يُقر له بأنه كان مصيبًا، ولكن الآخر فاجأه بإصراره على رأيه، فقال: عنزة وإن طارت! فصارت مثلًا لمن لا يخضع لحكم المنطق، ويستمر في السفسطة والنقاش العقيم حتى بعد حضور الدليل المادي الذي لا مجال للجدال فيه!

وأسوأ ما في الاستقطاب والإصرار على الحكم العام أنه يجبر المتعصب على الدفاع عن آراء وأفكار خاطئة لأنها تصدر عن أفراد في حزبه، أو دينه، أو قبيلته، ومن ينتمي إليهم، لدرجة قد تحمله على الدخول في مغالطات منطقية وتحويل مجرى الحديث وعدم الاعتراف بضعف الحُجة، بمنطق "عنزة وإن طارت" ليكون لسان حال من يناقشه "نقول ثور يقولوا: احلبوه"!

وفي الشأن السياسي –ولنأخذ مصر مثالًا- سنجد جماعات الناصريين، والساداتيين، وأبناء مبارك، وأنصار السيسي، والإخوان، والسلفيين، أو من يسمون أنفسهم ألتراس كذا أو كذا، وكل جماعة منهم يتعصب أفرادها لمن ينسبون أنفسهم له، فينسبون إليه كل مزية وينفون عنه كل عيب! وغالبًا فإن لأنصار كل جماعة جماعة مقابلة يرمونها بالنقائص ويكيلون لها الاتهامات، مهما بدا أن اتهاماتهم أحيانًا لا علاقة لها بالمنطق! يتجلى هذا في أوضح حالاته لدى أنصار السيسي، فكل من ينقده هو بالضرورة منتمٍ لجماعة الإخوان!

وليس هذا وليد التراجع الحضاري الذي شهدته مصر بعد ثورة 1952 كما يحلو لمتعصبي الفترة الملكية أن يلوكوا، فحتى في الفترة الملكية عندما كانت شعبية حزب الوفد جارفة شاعت مقولة على ألسنة العامة بأن لو رشح الوفد حمارًا لانتخبناه! فكأنه رد على كل من يشكك في أهلية المرشح، فهو حمار ونعلم أنه حمار، لكننا سننتخبه لأنه مرشح حزبنا!

دائمًا أقول: عندما تقرأ في اتجاه واحد: فأنت تُحَدِّدُ لعقلك وِجْهَتَه ابتداءً، ثم تَدَّعِي أنه هو مَن قادك إليها! وربما ليست القراءة وحدها سبب المحنة -وقد قل القرّاء في عصرنا على كل حال- فحتى فيما يخص الاستماع والمشاهدة سنجد أن سبب البلاء هو متابعة اتجاه واحد فقط؛ فالإخوان يشاهدون قنوات الإخوان والسيساوية يشاهدون قنوات التطبيل، وكل يعتني بأن يثبت لنفسه أنه على الحق، وقل من يبحث عنه.

التعصب الديني وضياع الإنصاف!

أما بالنسبة للشأن الديني فمع الأسف الشديد فإن نسبة كبيرة ممن يعتنقون الإسلام هم أبعد ما يكونون عن فهم روح وجوهر الإسلام، وأدمغتهم معبأة بحثالات فكرية عما ينبغي أن يكون عليه المسلم.

وكثير من هؤلاء مصابون بشيزوفرينيا فكرية، نلمسها عندما تتعاكس الأفكار بشكل صارخ مع الأفعال، كما قد نراها عند الفشل في بناء هيكل فكري متوازن لبناته غير متعارضة، وأشهر الأمثلة على ذلك تلك المتعلقة بقصة القبطي مع ابن عمرو بن العاص، الذي شكاه للخليفة عمر بن الخطاب، فأحضره عمر أمامه طالبًا منه أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، قائلًا: اضرب ابن الأكرمين، فهذه القصة وأمثالها تبقى مجرد قصص يتداولونها عن العدل مع أهل الذمة، ثم نراهم يظلمون أهل الذمة! لأن لديهم أفكارًا أخرى تصور لهم أن الجور عليهم والتشدد معهم علامة التدين!

والأمر يعدو كثيرًا ضياع الإنصاف مع أهل الديانات الأخرى، فالعصبية تأكل كثيرين ممن يسمون أنفسهم مسلمين وتقطعوا أمرهم بينهم، والحمد لله أن لسنا منهم في شيء. كن متعصبًا رافعًا للواء المذهبية تكن في نظر طائفتك مسلمًا حقًا! حاول التقريب ترفضك طائفتك ولن ترضى عنك الطائفة الأخرى! فلا مكان للمعتدلين بيننا!

في كل مرة أدخل في جدال مع أحدهم عن أن أغلب طوائف الشيعة معتدلين، والفروق بيننا وبينهم ﻻ تعدو الاختلاف الذي يمكن أن يوجد بين مذهبين سنيين، قد يؤدي هذا إلى إلغاء الصداقة مع من كنت أحاوره، ﻷفاجأ بعدها مباشرة -وأحيانًا قبل إنهاء حواري مع المتطرف السني- بمتطرف آخر شيعي يسب السُنة من عند آخرهم!

لقد أصبحت على يقين أن الطائفية تقتل نسبة لا بأس بها من المسلمين لدرجة أن سيدنا محمد لو بُعث وانحاز صراحة إلى طائفة ما في شأن وقرر أنهم هم الذين على الحق سيبقى أكثر أفراد الطوائف الأخرى على ما قرره علماؤهم وفقهاؤهم. لم يعد أغلبهم يبحثون عن الحق، بل يظنون أنهم يمتلكون الحق المطلق، وأمسى انتسابهم إلى دين محمد اسميًا، ليسوا منه في شيء وليس منهم في شيء، دينهم دين فقهائهم.

وهذا الشكل من التنطع الديني وافتراض تعارض ما لا تعارض فيه أو ما لا قيمة له قديم؛ حتى أنه عندما بدأت النهضة الإسلامية وشاعت حركة الترجمة تضرر متنطعون منغلقو الفكر واعتبروا أن حربًا قد قامت على الدين، رغم أن هذه كانت أذخر فترات تأصيل الدين والفقه وجمع الحديث!

وأثق أن نجاة هذه الأمة في محاربة فكر الكراهية بينهم أولًا، ثم بينهم وبين الديانات والثقافات الأخرى؛ فالله لم يخلقكم لتتناحروا.

ونصيحتي لكل عاقل ألا تناقش أو تجادل أحدًا من المتعصبين، فكلهم يفتقدون الحكمة عند النقاش، يفتقدون الاستعداد لقول كلمة الحق وإصدار الحكم العادل بسبب موقفهم العام ممن يناقشون قوله أو فعله؛ فهم إما معه أو عليه! والفرق بين قطيعين متناقرين من هؤلاء هو فقط في الاتجاه، والنقاشات بين المنتمين لهم تظهر أن كلا الصنفين أمخاخهم كالفرق بين قالبي الحذاء، فهذا اليمين وذاك اليسار!

تفهم وجهة نظر الآخر لا تعني تبني وجهة نظره

ختامًا ينبغي التنبيه على نقطة هامة، وهي أنه ربما يسهم التفهم في إيجاد أعذار للآخر، لكن كل منا يحيا وفقًا لقناعاته وليس وفقًا لهوى الآخرين، وتقبل الخلاف تحديدًا هو ما استشعرت من كثير من النقاشات أن العرب يفهمونه خطأ؛ فعندما يبدي أحدهم وجهة نظر معينة في مسألة فتتفهمها يعتقد بعضهم أنك قد حولت رأيك واقتنعت بالرأي الذي عرضه الطرف الآخر!

والشيء نفسه يُقال في الخلافات الشخصية؛ قد يُخطئ أحدهم في حقك، ويمكن أن تفهم كيف رأى الموقف من جانبه فتعذره ولو قليلًا، لكن هذا لا يكفي لتغيير قناعاتي والاعتقاد أني على خطأ!

تفهم الآخر لا يساوي تبني وجهة نظره، هذا ما أردت قوله، وهذا ما ينبغي للمتطرفين تفهمه لينفك عنهم تطرفهم.

نقطة أخرى ينبغي لفت النظر إليها؛ وهي أن الحكماء يحاكمون الإنسان باعتبار ما هو كائن، والسفهاء يصرون على محاكمته باعتبار ما قد كان، إن كان ما قد كان مسيئًا أو يجعله أقل قدرًا ومنزلة! متناسين أنه بقدر قدرتك على صنع التغيير تكون عظمتك.

 

د. منى زيتون

 

حاتم حميد محسنالقاعدة الديمقراطية تقول ان السلطة تعود للشعب. طبقا لهذه القاعدة لا عائلة ولا شخص معين فوق القانون، بل ان القواعد تنطبق على كل المواطنين. ان أغلبية السكان يجب ان يتوصلوا الى اتفاق على ضرورة ايجاد حكومة فاعلة وعاملة. الخاصية البارزة للديمقراطيات حول العالم هي وجود الأحزاب السياسية. التعريف الدقيق للحزب لم يحض باتفاق الجميع لأن البعض اعتبر الأحزاب "مجموعة من الناس المتّحدين يشتركون في مسعى لتعزيز المصلحة الوطنية طبقا لمبدأ معين يتفق جميع افراد المجموعة عليه" (بورك، 1770)، بينما آخرون عرّفوا الحزب كمجموعة منظمة بهدف السيطرة على الحكومة تحت اسم الجماعة عبر الفوز بالانتخابات العامة (Schlesinger 1991).

ولكن من حيث الجوهر يتألف الحزب السياسي من جماعة من المواطنين يتنافسون في الانتخابات ليشكلوا حكومة يمثلون فيها عامة المواطنين. حزب المحافظين في المملكة المتحدة او الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة مثالان مألوفان. في معظم الحالات، تتألف الاحزاب السياسية من المواطنين العاديين وان اي شخص يمكنه تشكيل حزب طبقا للقيم التي يرمز لها ويريد تمثيلها. وبالنتيجة، هذه الاحزاب يجب ان تعالج اهتمامات جموع السكان طبقا للمبادئ الديمقراطية.ولكن هل يمكن ان توجد الديمقراطية بدون هذه الاحزاب السياسية؟ الديمقراطية في الاساس سلطة للناس، ولذلك ألا يمكن للديمقراطية البقاء بدون هذه الاحزاب طالما بقي الناس يتمتعون بتلك السلطة؟

الاحزاب السياسية مسؤولة عن التنسيق ضمن الحكومة وضمن المجتمع بالاضافة للتنسيق بين الحكومة والمجتمع. انها تتنافس في الانتخابات مع احزاب اخرى لتنال السيطرة على الحكومة، لذا فهي يمكن ان تكون الحزب الذي يمثل البلاد .في الديمقراطية النيابية هذا ربما يبدو العمل الافضل، ولكن في الديمقراطية المباشرة لا حاجة لهذا ابداً. في الديمقراطية المباشرة كل شخص له حق التصويت على القوانين التي يفضل اقرارها. لا ضرورة هناك للتصويت على خطة لسن قوانين للبلاد، لأن الناس يتولّون ذلك الدور بانفسهم. مثال بارز ونادر على هذا الشكل من الحكومة هو سويسرا. هنا المواطنون يشاركون في أهم مظهر للتصويت. اثينا القديمة كانت ايضا مثال على هذا النظام. في حالات كهذه، يوجد هناك سلفا تنسيق بين الحكومة والمجتمع، لأن المجتمع يصوّت والحكومة تنفذ هذه القوانين. الحزب السياسي له القليل او لا هدف له طالما يستطيع الناس مباشرة انتخاب المرشحين الذين يرغبون بقيادتهم ومن ثم يتخذون مجتمعين قرارات مع مسؤولي الحكومة المنتخبين. هذا ايضا يسمح بمزيد من الحرية في عملية الانتخابات ذاتها طالما كل فرد يستطيع التنافس باستقلالية دون انتساب لحزب. عندما يوجد الحزب السياسي، فان الناس في هذا الحزب هم الذين يقومون بمعظم القرارات، بينما باقي السكان فقط يختارون الحزب الذي يريدون ان يقودهم. هذا ايضا له خطر دائم في ان يصبح الحزب قوي جدا وسلطوي بما يهدد في النهاية الديمقراطية.

ومن جهة اخرى، معظم الدول تتبع النوع الثاني من الديمقراطية . الديمقراطية النيابية، مثل الولايات المتحدة . في هذا النظام يصوت المواطنون على ممثليهم لتمرير القوانين بدلا منهم. هنا ايضا يصوت الناس ويُسمع صوتهم لكن العمل يتم بواسطة هؤلاء الرسميين بدلا من الناس انفسهم. مع وجود الاحزاب السياسية، يجب على الناس ان يجدوا حزبا يشترك بنفس المبادئ التي لديهم و يعمل نحو مستقبل تقدمي للبلاد. طوال التاريخ، كانت هذه الاحزاب هامة في مساعدة الدول في التحول من الملكية الى الديمقراطية، لأن كل حزب له مبادئه الخاصة التي يفرضها عندما يأتي الى الحكومة الى جانب الاستماع لمطالب الشعب. ولذلك، فان الاحزاب التي تؤمن بقيم مضادة للملكية ساعدت بلدانها للخروج من ذلك النظام. حتى عندما لايصوت الناس مباشرة على كل القوانين والتعليمات، هم يصوتون للحزب الذي يبدو افضل انسجاما واكثر تمثيلا. بهذا المعنى، تُعتبر الاحزاب السياسية هامة عندما يكون هناك تنوع فيها يستطيع الناس الاختيار من بينها، والحزب الذي يقع عليه الاختيار يقوم بعد ذلك بتمرير وتنفيذ القوانين. هذا بالذات يكون مفيدا في الدول الكبيرة كالهند والولايات المتحدة لأنه اذا كان كل مواطن يصوت على كل قانون فسنحتاج لوقت طويل ويصبح من الصعب الوصول الى قرارات. ايضا ليس كل فرد متعلم وواعي بما يكفي، ولهذا فان الوثوق بالحزب السياسي للقيام بهذه المهمة  يبدو أسهل. أعضاء الحزب السياسي ملتزمون بالطريقة التي تتبعها الحكومة ويعتنون بالمؤسسات ويخصصون كل ساعات الدوام لهذه المهمة.

بالنظر الى كلا جانبي القضية، لا جواب هناك محدد ما اذا كان يتوجب التخلص من الاحزاب السياسية. ذلك يختلف من دولة الى اخرى. ولكن نظريا يبدو فعلا ان الديمقراطية يمكنها البقاء بدون احزاب. الاحزاب السياسية فقط تضيف للديمقراطية وربما تجعلها اسهل للمواطنين، لكن ذلك لا يعني غياب الديمقراطية في حالة غياب ممثلي هؤلاء الاحزاب الممثلة للناس . الديمقراطية كما ذكرنا هي في الاساس سلطة الشعب، وفي اي دولة طالما السلطة للاصوات وعمل القرارات يبقى في ايدي الناس، فانها ديمقراطية. الناس يستطيعون تمثيل الناس بدلا من الحزب. في التطبيق، هناك اهمية كبيرة لهذه الاحزاب السياسية لأنها تساعد في ازدهار الديمقراطية من خلال الادوار التي تقوم بها تلك الاحزاب، ولكن ايضا بدون هذه الاحزاب يمكن للديمقراطية ان توجد  بحكم التعريف. 

 

حاتم حميد محسن

 

بدأت تظهر بعد العولمة مصطلحات كثيرة عل أبرزها جِدَّة وحيوية هو مصطلح "القوة الناعمة"، رغم قدم طرح الفكرة، إلا أن مفاعيلها وآثارها العملية بدأت تظهر خلال العقد الأخير على الواقع السياسي والثقافي والهَوِيّاتي في منطقة الشرق الأوسط. هذه الفاعلية بعثت المصطلح مجددا من ذاكرة التاريخ، لتطرح تساؤلات حول ماهية هذه القوة وآليات تداولها وانتشارها، ومن يقبع خلفها ويحركها، وللإجابة على هذه التساؤلات وغيرها حول موضوع "القوة الناعمة"، هناك ضربان من الأجوبة:

١- أجوبة عقلانية تعتمد على الدراسة المنهجية التي تحفر عميقا في المفهوم ومصدره وصداه، تنطلق بدون مسبقات حكمية ولا قبليات يقينية، بل بموضوعية يبحث من خلالها على إجابات تقربه من الواقع ليبني على الشيء مقتضاه، تتناول هذه الأجوبة عدة أبعاد: تاريخية، اقتصادية، مجتمعية، سياسية، إيديولوجية، دينية، جيوبوليتكية عدة، وعسكرية بكل تأكيد.

٢- أجوبة لا عقلانية يقترحها "المؤامراتيون" من كل صنف وضرب، وهذا الجواب يعفي نفسه من كل جهد بحثي علمي عميق، فيوفر لما يتبناه انطباعا بأنه يفهم مجريات الأحداث ببساطة، ومن تكلفة تذكر.

أهمية الأجوبة العقلانية تكمن في كونها تعطل الهدف من الترويج المؤامراتي للحدث في كشفها لملابسات الواقع، فوظيفة المؤامرات غالبا أنها: "تخلط وتؤلف بين تغييب الأمو العيانيّة الواقعية، وصرف الأنظار أو حرفها، وبين تكوين أعداء، وخلق أكباش محرقة، وبين الحث على الحقد العرقي والديني"1 ..

ولكن هل هذا يعني عدم وجود مؤامرات عبر التاريخ؟

نظرية المؤامرة: "هي موقف تفسيري يتخذه الرأي العام تجاه حدث أو سلسلة أحداث طارئة تتسم بالعناصر الدرامية من جدة: صراع، خروج عن المألوف، وضخامة. وينطلق هذا الموقف من النزعة في الوعي البشري الفردي والجمعي إلى كمال النقص في المعلومات المتوفرة لكي تصير متكاملة بصرف النظر عن منطقية هذا التكامل، وكذلك لإزالة التنافر المعرفي في المتناقضات لتصير منسجمة ومنطقية.

فما خلا الخطط العسكرية والسياسية، وخطط حملات العلاقات العامة، وأعمال التجسس والاستطلاع، فإن العلاقة بين نظرية المؤامرة وبين سلسلة من الأحداث تقوم على خلل معرفي يضع النتائج قبل الأسباب، فالمؤامرة عنصر لاحق ومصاحب للحدث ينتج عنه ويحاول أخذ موقف منه، وقد يستخدم في اختزاله وتبسيطه، وتحويل معناه، أو إضافة مزيد من المعاني عليه من قبل الوعي الجمعي الشعبي حينا، أو من قبل السلطة نفسها حينا آخر. ما قد يؤدي إلي تسطيح الحدث وتقديمه بشكل ترميزي مبسط أكثر مما هو عليه في الواقع، ما يتسبب بخلل في تقدير الموقف، وتشتت في القرارات الصحيحة اللازمة للتعامل مع الاضطراب الناجم المفاجئ."2

يضع قاموس إكسفورد للغة الإنجليزية تعريفا لنظرية المؤامرة وهي: اتفاق بين فردين أو أكثر للقيام بعمل إجرامي أو غير قانوني مستهجن"، ويعرفها بيجدن " خطة سرية من جانب مجموعة ما من أجل التأثير جزئيا في الأحداث بعمل خفي".

إن كثيرا من الدلائل بل والوثائق التي يتم الإفراج عنها بعد مرور وقت من الزمن على الحدث التاريخي الذي يخصها، تثبت وجود مؤامرات تم حياكتها في جنح الظلام التاريخي، خاصة في الحروب، والصراعات السياسية بين الدول الكبرى حول النفوذ، وفي التسابق الاقتصادي، فالمؤامرة كما خلص إليه الاقتصادي فريدريك لوردون: "إنها تتطلب تلافي منزلقين اثنين، متناظرين متوازيين، وكلاهما مزيف:

١- الاعتراف بأنه قد يكون هناك دسائس متواطأ عليها ومموهة ومنسّقة ـ يمكن تسميتها مؤامرات.

٢- رفض تحويل المؤامرة إلى موضوعة تفسيرية وحيدة للوقائع الاجتماعية كافة، فضلا عن أنها الأقل إثارة للاهتمام من بين كل الموضوعات المتاحة، والأقل مواءمة وملاءمة، وينبغي ألا يكون التوجه إليها، من جهة النظر المنهاجية، إلا في المرتبة الأخيرة.. هذا على الرغم من أنه قد يكون لها موضعها أحيانا".3

فنحن لا نستطيع بناء المنظومة التفسيرية للحدث من الناحية المنهجية على التفسير المؤامراتي فقط كطريقة للتعاطي مع الحدث والواقع، وفي ذات الوقت لا يمكننا إقصاء هذه النظرية كليا عن المنظومة التفسيرية في ذات الوقت، والأكثر منهجيا هو وضعها ضمن قائمة احتمالات تفسير الحدث و فهم الواقع، إلا أن موقعها في قائمة تفسير الأحداث منهجيا تكون بعد تفنيد كل الاحتمالات وجمع كل المعطيات والمعلومات، ووضعها كاحتمال يعززه نوعية المعطيات والمعلومات المتوفرة، والتعاطي معها كمعطى احتمالي وليس يقيني، كون عادة المؤامرات تكون خفية، سرية، لا يمكن لصاحبها ترك دليل حاسم عليها، تاركا إياها لرياح التأويليات اللحظية، رغم أن كثير من المؤامرات التاريخية تم الإفراج عن وثائقها كما أسلفنا، بعد مرور وقت طويل من الزمن لتثبت وقوعها. لكن إثباتها جاء متأخرا زمانيا عن وقت حدوثها، بالتالي هنا لا ننفي وقوعها، ولكن ننفي عدم وجود ما يدلل عليها منهجيا في وقت وقوعها الزمني، لعدم وجود دليل ملموس حسي قطعي عليها، ومع وجود معلومات حول احتمالها، أي أن زمن وقوع الحدث لا يمكن التدليل قطعيا على وقوعها مع توفر المعلومات حولها، لكن يمكن أخذها في الحسبان كاحتمال ضمن الاحتمالات المنهجية في قراءة الواقع، ووضعها كآخر احتمال، حتى يدفع ذلك الباحث لبذل جهد مضاعف في البحث العلمي الموضوعي في قراءته للحدث وفق أقرب صورة للواقع.

وهذا لا ينفي أن هناك من يستفيد من الترويج لنظرية المؤامرة، خاصة السلطات وكثير من الجهات التي تستفيد من تشتيت جهود الباحثين، وتبسيط عقول الناس، وتوجيه العقل نحو تحيزات تبعده عن قراءة الواقع وتفسيره بطريقة منهجية لاتخاذ الفعل المناسب اتجاهه.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، يسهل توظيف هذه النظرية في تشتيت أذهان الناس عن القضية الرئيسية، وتعطيل قدرات الباحثين في تشخيص الواقع، وبالتالي ضياع بوصلة الحدث والهدف والاتجاه. ولكن هذا لا يعني كما أسلفنا عدم وجود مؤامرات واقعية، لكن يعني عدم الاتكاء عليها في تفسير الواقع وتشخيصه واتخاذ الموقف السليم منه.

المكر في القرآن الكريم:

وقد ورد في القرآن الكريم لفظة "المكر" التي تعني في اللغة التدبير والتخطيط والحيلة، وفي عدة آيات هي:

سورة الأنعام آية ١٢٣،١٢٤، سورة الأنفال آية ٣٠، سورة يوسف آية ١٠٢، سورة النحل آية ١٢٧، سورة النمل آية ٧٠، سورة فاطر آية ١٠.

وكل هذه الآيات تتفق على التالي في موضوع المكر:

١- هي الحيلة والخداع واللف والدوران، والعمل بخفاء، والدسيسة.

٢- المكر استخدم في مواجهة الأنبياء أي مواجهة الحق، ومحاولة حجب الحقيقة عن الناس.

٣- اللجوء إلى المكر كان من قبل أصحاب المصالح والنفوذ، الذين وجدوا أن رسالة الأنبياء سيسبب ضررا لنفوذهم ومصالحهم، بالتالي أجمعوا أمرهم على نصب المكائد والمكر ضدهم لإفشال مشاريعهم الإصلاحية التي تعمد إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.

٤- أن هناك مكر مضاد من الله، يفشل مكرهم ويجعل عواقبه الوخيمة ترد على الماكرين، وأن الله يحث أصحاب راية الحق على أن يتفكروا ويتنبهوا ولا يغفلوا عن أعدائهم.

٥- المكر له بعدان: بعد شيطاني غايته الصد عن الحق، ومنع الإصلاح وإقامة العدالة الاجتماعية، وبعد رباني هدفه مواجهة الفاسدين وإفشال مخططاتهم، وتحقيق الإصلاح وإزالة الحجب عن عقول الناس لفهم الحق وتحقيق العدالة، وردع مكر الطغاة فيحيق المكر السيء بأهله وبمن قام به.

فالمكر وسيلة تم اللجوء إليها تاريخيا ووضحت قرآنيا، لكن القرآن قدم معالجات منهجية ابتعدت عن الركون للتفسير المؤامراتي الصرف، وفعّلت عقل الإنسان في التنبه الدائم والاستعداد المستديم، في ردع المكر والماكرين، من خلال فهم الواقع ودراسته وتشخيصه ومن ثم مواجهة ملابساته بمنهجية تفشل أي محاولات تمنع تحقيق العدالة والإصلاح، مواجهة واقعية تؤسس لمنهجية عمل تطابق معطيات الواقع وملابساته الزمانية والمكانية، وتبتعد عن الركون للتفسيرات السطحية التي لا تتناسب ودعوة القرآن للإعداد المكين وفق الاستطاعة في مواجهة أعداء الله.

 

كتب: إيمان شمس الدين

...............................

هوامش

1- من يحكم العالم/ حول لون رائج "المؤامراتية"/ دومينيك فيدال/ ص ٣٧/ مؤسسة الفكر العربي.

 2- مقال: تأملات في مفهوم "نظرية المؤامرة؛ / بشار عباس

3-  Frederic Loroon, conspirationnnisme: la paille et la pouter, Les blogs du Diplo, 24 aout 2012 (disponible sur <http//bloge.mondiplo.net>).

 

 

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (20)

لقد كانت محاولات «إخراج» الشيعة من صف العرب هو عين إخراج العراق من هويته التاريخية العربية التي تبلورت في أول صيرورة متميزة وعالمية لها زمن الخلافة. فقد تحول العراق في مجرى الصراع السياسي الأول في الخلافة إلى موطن التشيع لحقوق آل البيت النبوي، أي لجوهر العروبة المتسامي. ومن ثم ليس التشيع سوى الصيغة الأخلاقية للعروبة المتسامية ومبدأ الدفاع عن الحق والعدالة المميزين للفكرة الإسلامية الأولى ونموذج شخصنتها التاريخي في الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يتحول العراق إلى «مرتع» التشيع ومدارسه الأولى، كما انه ليس مصادفة أن يكون محل الكراهية الشديدة والانتقام الدائم للأموية، بوصفها النموذج المتميز للاستبداد والغدر والخيانة. وهو موقع ميزه منذ الخلافات الأولى، بدأ بحرب الجمل وانتهاء بمقتل الإمام علي وصعود الأموية إلى السلطة.

ويمكن تتبع الصيغة «النموذجية» لهذه الحالة في الصدامية التي حولت الصراع الطائفي إلى عقيدة باطنية هشمت الوحدة القومية للعرب وخربت المكونات الضرورية للوحدة الوطنية العراقية. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى ما يجري الآن من محاولات الرد على الصدامية بمعاييرها على انه مجرد إعادة إنتاج لها. بعبارة أخرى إن تحميل الصدامية نتائج التخريب الشامل للهوية الوطنية العرقية لا ينفي مسئولية الأحزاب والحركات السياسية الشيعية عما تمارسه من إعادة إنتاج لمضمون الصدامية. والقضية هنا ليس فقط في أنها أكثر من يمارس فعلا ترتيب البيت العراقي على أسس طائفية وجعله أسلوبا «للديمقراطية»، بل ولأنها تمارس ذلك بحمية الأقلية ونفسيتها المريضة. بمعنى السير ضد مضمون الشيعة والتشيع في العراق.

ذلك يعني أننا نقف أمام ظاهرة تشير إلى خراب الحركات والأحزاب الشيعية السياسية. بمعنى افتقادها لبرنامج الرؤية الوطنية (العراقية) والقومية (العربية) ومكونات العقلانية السياسية (الإسلامية الثقافية). وفي هذا يكمن سر بقاءها ضمن حيز النفسية المذهبية والذهنية الطائفية. وهي ظاهرة مركبة، بمعنى إننا نعثر فيها على كل من ردود الفعل التاريخية والاجتماعية، وخصوصية تبلور القيادات الشيعية الدينية منها والسياسية وأيديولوجياتها الحالية على خلفية الانحطاط الشامل للعراق، وأخيرا على صدى المأساة التي تعرض لها العرب الشيعة في مجرى الحكم الدكتاتوري للصدامية. ونعثر على الوجه الخرب لهذه المأساة في طبيعة وشكل التخريب الذي يساهم حاليا في صعود ما يمكن دعوته بالتوتاليتارية الشيعية المبطنة.

فالمفارقة التاريخية للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية تقوم بهذا الصدد في جمعها مكونات يصعب دمجها أو صهرها مثل القومية «العلمانية» المتطرفة والحملات «الإيمانية» المفتعلة. غير أن القمع المنظم للحرية والتخريب الشامل للروح الأخلاقي والتدمير الفظيع للقيم العلمية والعقلانية وابسط قواعد الحس السليم هو الذي جعل من الممكن حشرها في نسيج الوعي الاجتماعي المتحلل. بحيث جعلت كل ما في العراق جزء من زمن عابر لا قيمة له ولا وظيفة غير الاندثار السريع في بعث العبث وحرقه الدائم أمام محراب الزيف والضلال. ولم يكن بإمكان هذه الحالة أن تصنع شيئا غير تقاليد المؤامرة والمغامرة التافهة، أي تلك التي لا تتعدى همومها البقاء «مهما كلف الثمن» والعمل بمقاييسها. وفي هذا الواقع أصبح المستحيل ممكنا! وهو شيء اقرب إلى «المعجزات» الخربة التي لم يعن صعود الحركة الدينية السياسية والقومية العرقية للأقليات في العراق إلى هرم السلطة سوى صيغتها الأولية ومظهرها السياسي! بعبارة أخرى، إن البدائل العملية في مجال الفكر والممارسة السياسية البديلة للصدامية لا تتعدى في الواقع أكثر من كونها توتاليتارية مقلوبة. وإلا فبأي معنى يمكن للحركات الدينية السياسية والطائفية والمذهبية والسلفية والقومية العرقية والعشائرية أن تكون حاملة الفكرة الديمقراطية؟ أو أن تكون «قاطرة الانتقال» إلى الديمقراطية في الوقت الذي لا تتعدى هي نفسها أن تكون نتاجا للبنية التقليدية في مراحل الانحطاط الشامل للعراق؟

ففي هذا الانحطاط الشامل أصبح من الممكن أن تتحجر البنية التقليدية للحركات الشيعية السياسية وأن ترتد إلى الوراء بمقاييس المعاصرة الضرورية بعد سقوط الصدامية. وهو ارتداد أعطت له الانتخابات الأولى للجمعية الوطنية في منتصف عام 2005 من حيث نتائجها السياسية دفعة كبرى إلى الأمام، أي إلى الخلف! فقد عمق هذا الانتصار الساحق للانحطاط الاجتماعي والثقافي إمكانية استفحال العناصر التوتاليتارية في الحركات الشيعية السياسية. وأعطى لها زخم المبادرة الخشنة في إعادة إنتاج الطائفية ولكن من منطلق الفهم المغرور بنتائجها. بمعنى انتهاك المضمون الاجتماعي للانتخابات من خلال تحويل نتائجها إلى جعل الشيعة طائفة سياسية وركوبها بالشكل الذي جعل من أصوات الشيعة رد فعل واحتجاج مباشر على زمن الصدامية. وفي هذا يكمن الخطر المميت للحركات الشيعية السياسية. بمعنى إعادة إنتاجها لصدامية شيعية طائفية.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الطائفية السياسية الشيعية الحالية هي الوجه السياسي المتملق للتوتاليتارية الدينية. الأمر الذي يجعل منها حركة بلا مستقبل. وذلك بسبب تعارضها الجوهري مع حقيقة المصالح الجوهرية للعراق والعرب. وذلك لأن محاولة جعل الشيعة طائفة في العراق يعادل الحكم عليها بمعايير ونفسية الأقلية، مع ما يترتب على ذلك من ممارسات المؤامرة والمغامرة. وهو أمر يتناقض مع فكرة وواقع الأغلبية. وذلك لأن منطق الأغلبية هو العموم، كما أن مصالحها تفترض التفكير والعمل بمعايير العام. بينما الطائفية هي نفسية الأقلية. وفي هذا تكمن الآفاق المسدودة للطائفية السياسية الشيعية وضمان اندثارها السريع. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بالطابع العرضي والطارئ للطائفية السياسية الشيعية واستحالة تجسيد نموذجها التوتاليتاري.

إن التوتاليتارية الشيعية هي الصيغة الطارئة لحالة الانحطاط التي يمر بها العراق بشكل عام والتشيع السياسي بشكل خاص. بمعنى أنها تشير إلى الخلل التاريخي والجوهري في طبيعة التكون الاجتماعي والثقافي للقيادات الشيعية (الدينية منها والسياسية)، وأسلوب انتقالها إلى ميدان الصراع السياسي. وما لم يجر تذليل هذا الخلل من خلال نقل الحركة الشيعية السياسية العراقية إلى مصاف الرؤية الاجتماعية والوطنية (العراقية) والعربية، فإنه سوف يؤدي بالضرورة إلى اندثارها السريع. إذ لا مصير للتوتاليتارية الدينية في ظروف العراق وآفاق تطوره المستقبلي سوى السير صوب الانعزال والتقوقع، أو الانهماك اللامعقول في تصنيع طائفية سياسية. وكلاهما لا علاقة جوهرية له بالعراق والعرب والتشيع العراقي. بمعنى إنهما لا يفعلان إلا على إنتاج شكل «جديد» للهمجية، بوصفها الاستمرار الأكثر خشونة لحالة الانحطاط‍‍.‍

فالانحطاط هو ليس نفسية وذهنية وواقع، بل وقابلية، أي استعداد على قبول مختلف أصناف الرذيلة وتقديمها بالشكل الذي يلاءم «ذوق الجمهور». وهو ذوق منحط بالضرورة. وهو السبب الذي يفسر سرّ العدوى السريعة للطائفية الآخذة في التغلغل إلى دهاليز الرؤية السياسية في العراق، بما في ذلك دهاليز الحركات القومية الكردية. وهو واقع يمكن تفسيره بمعايير الانحطاط العام الذي غرست التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية جذوره الطائفية على هيئة «منظومة» تخترق كل مكونات الوجود المادي والمعنوي للعراق، بحيث حولت الدولة إلى سلطة، والسلطة إلى أجهزة قمعية، وأجهزة القمع والقهر إلى أسلوب لوجود «المؤسسات» التي لا تتعدى وظائفها أكثر من إعادة إنتاج الإرهاب الشامل. ولم يكن بإمكان هذه الحالة الدوام والاستمرار دون آلية ترافقها على مستوى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. وشكلت الطائفية نموذجها الأكثر «حنكة»، أي الأكثر تجسيدا لنفسية المؤامرة والمغامرة، التي أدت بدورها إلى صنع مستنقع الرخويات الهائل في العراق. وتتراكم هذه الرخويات الآن وتنمو بنماذج مختلفة لعل أكثرها خطورة وتدميرا هو الطائفية السياسية. وإذا كان سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية يفترض من الناحية المنطقية، أن تأخذ القوى والأحزاب السياسية العراقية، على خلفية «نضالها التاريخي»، زمام المبادرة بالشكل الذي يجفف مصادر المستنفع الطائفي للماضي، فإننا نلاحظ العكس. بمعنى إننا نلاحظ تحولها من حالة المؤامرة الخفية والمغامرة الشرسة إلى «منظومة ديمقراطية» تجسدت بمبدأ وممارسة المحاصصة. وهي ظاهرة يمكن تبريرها جزئيا إلا انه لا يمكن الإقرار بها كمبدأ للدولة والحركة السياسية الداعية إلى فكرة الدولة الشرعية والحقوق المدنية.

إلا أن الواقع يكشف عن الانهماك الفعال في «ترتيب البيت العراقي» على أسس المحاصصة «الديمقراطية»، أي المحاصصة المبنية من حيث الجوهر على طائفية سياسية مغلفة سوف تنكشف مضامينها الفعلية مع مرور الزمن. وهي ظاهرة شكلت الحركة القومية الكردية احد مفتعليها ومؤيديها والداعمين لها. فقد كان الهاجس القومي الكردي بعد «الرجوع إلى العراق» تجزئته الفعلية على أسس عرقية من اجل الحصول على أكبر قدر ممكن من الثروة، أي أن الهاجس فيه كان وما يزال نفسية الغنيمة. وهو المضمون الخفي والعلني لفكرة الفيدرالية والحقوق القومية والمحاصصة السياسية والإدارية والمالية والتمثيل الداخلي والخارجي، باختصار في كل شيء. أي ليس الاشتراك في إدارة شئون الدولة على أسس المشاركة الاجتماعية والسياسية، بل على العكس، قلب الإدارة إلى «قيادة» مبنية على أسس «حقوق المحاصصة» الإقطاعية. وهو الخطأ الذي ساهم فيه بحمية بالغة إلى جانب الحركة القومية الكردية زعماء الحركات الشيعية السياسية والدينية وغذته بصورة غير مباشرة الطائفية السياسية السنية. وهو «المثلث» المكعب للخراب في العراق المعاصر الذي شكل «انتخاب» الطالباني رئيسا للجمهورية الرابعة احد مظاهره التعيسة.

فقد كان «انتخاب» الطالباني تكريسا للطائفية السياسية. وهو حكم لا علاقة له بأصول الطالباني الكردية، على العكس من ذلك. إذ أن منطق الديمقراطية والشرعية يفترض الكفاءة والانتماء الصادق والمصداقية الاجتماعية والإجماع الوطني المحكوم بتأييد الشعب ورغبته في انتخاب من تراه مناسبا لتمثيل وحدتها الوطنية. وترتبط هذه الحالة ارتباطا وثيقا بمستوى التطور الاجتماعي والسياسي. وإذا كان تحقيقها في ظروف العراق الحالية قضية غاية في التعقيد، فإن المهمة السياسية الكبرى لا تقوم في القبول بحالة التخلف والانحطاط، بقدر ما تفترض مواجهتها كما هي بمعايير البدائل العقلانية، أي المستقبلية. بينما كان «انتخاب» الطالباني يشكل من حيث مضمونه السياسي والاجتماعي خروجا على منطق الرؤية الديمقراطية وفكرة الرمز الوطني الجامع والأغلبية الاجتماعية والسياسية. ويمكن تفسير هذا الخروج باعتباره الثمرة المرة للطائفية السياسية.

وتستمد هذه الطائفية مقوماتها من الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية في العراق وبقائها ضمن معايير العرقية ونفسيتها. من هنا استعدادها للتلون بكافة الألوان بما في ذلك الطائفية الدينية منها والسياسية. الأمر الذي يجعل منها حركة تخريبية هائلة، بفعل تركبها من مكونات يصعب تراكمها في ظل التطور الطبيعي للحركة القومية. بعبارة أخرى، إن احتواء الحركة القومية الكردية على استعداد لقبول القومية والعرقية والماركسية والطائفية والعلمانية والتدين، والتعاون مع مختلف الأطراف والقوى ومناهضتها، والتحول المفاجئ في الأقوال والمواقف والرؤية، ما هو إلا التعبير السياسي عن ضعفها البنيوي التاريخي والاجتماعي. من هنا خطورتها بوصفها حاملة لجرثومة الطائفية السياسية المركبة في العراق. ومن ثم استعدادها على تنشيط القوة التخريبية للطائفية السياسية. وبهذا المعنى أتكلم عن الخطأ التاريخي «لانتخاب» الطالباني رئيسا للعراق. «فانتخابه» لم يكن وليس بإمكانه أن يكون عاملا للتوحيد والوحدة كما يبدو للوهلة الأولى، بل على العكس من ذلك!

إن الوحدة الوطنية والوفاق الوطني والجامعة الوطنية ليست لعبة الوفاق السياسية ولا حتى المساومة السياسية بأفضل أشكالها، بل النتاج الموضوعي والضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية في عملية بناء الهوية الوطنية. وبالتالي فهي النتيجة المتراكمة في ما يمكنه أن يكون أيضا نوعا من«الإجبار» الشرعي للجميع على ممارستها والوقوف أمام نتائجها وتقبلها كما هي من اجل إعادة النظر فيها واستخلاص الدروس والعبرة منها. في حين لم يكن «انتخاب» الطالباني سوى لعبة خائبة لقوى مقهورة لم تعرف قيمة المواجهة العلنية للحرية ومستلزماتها واستحقاقاتها. من هنا كان «انتخاب» الطالباني فعلا يناقض فكرة الحرية والشرعية والإجماع الوطني بمعناه الاجتماعي والسياسي وليس بمعناه الحزبي الضيق. وضمن هذه المعايير يمكن اعتبار «انتخابه» لرئاسة الدولة فعلا تخريبا أيضا بالنسبة للوحدة القومية الكردية بمعناها الاجتماعي ومضمونها الوطني (العراقي). وذلك لما فيها من إثارة لتسوسها الداخلي مع ما يترتب عليه من إثارة للجهوية والعائلية والقبلية والعرقية فيها. وسوف تكشف هذه الإثارة مع مرور الزمن هشاشة الحركات القومية الكردية من جهة والثمن الباهظ الذي قد يدفعه الشعب الكردي نفسه جراء الانجرار وراء قوى لا تمثل في الواقع سوى تقاليد الإقطاعية والأغوات والدكتاتورية الصغيرة من جهة أخرى، أي انه سوف يكشف عن طبيعة النوعية الرديئة لمسحوق الحركات القومية الكردية التي لونت به وجهها لسنوات طويلة. وهي مساحيق انطلت بسرعة بالغة. مما يعطي لنا إمكانية الحكم بهذا الصدد على أن الحركات القومية الكردية بشقيها الطالبانية والبرازانية هي حركات مستعدة لقبول أردأ أصناف الانحطاط، بما في ذلك الانحطاط الطائفي. ومن ثم يمكنها، وهو ما جري بالفعل، أن تكون إحدى القوى الأكثر تنشيطا للنعرات الطائفية السياسية. ويمكن ملاحظة هذا التحول على مثال ظهور وتزاوج وتمازج عبارات ومفاهيم وممارسات مثل «إننا حركة قومية تحررية» و«إننا حركة كردستانية» و«إننا حركات كردية عراقية» و«إننا سنة أيضا»! «لكننا نتحالف مع الشيعة»!

بعبارة أخرى، إن التحالف لم يجر مع حركة قومية عربية (وهو أمر مفهوم) ولم يجر مع السنّة العرب (وهو أمر مفهوم أيضا) ولم يجر مع قوى وطنية عراقية (وهو أمر معقول!). إلا أن اللامعقول فيه هو تفعيله السياسي ورفعه إلى مصاف «الرؤية الوطنية العراقية» مع قوى شيعية سياسية على حساب الآخرين وبالضد منهم! كل ذلك يشير أولا وقبل كل شيء إلى ما أسميته بالضعف البنيوي للحركات القومية الكردية واستعدادها للتلون بأي لون بما في ذلك بالطائفية الدينية منها والسياسية. وهي حالة كشف عنها الطالباني في أول إجابة له على سؤال استفزازي من جانب بعض ممثلي الطائفية العربية في الأردن عن سبب عدم إشراك العرب السنّة في الحكومة، حينذاك اخذ يعدد لهم الوزراء السنّة (فلان وفلان وفلان) ولم ينس أن يضيف بأن الأكراد سنة أيضا! وتعكس هذه الإجابة طبيعة الخلطة الغريبة في الرؤية والمواقف والانجرار وراء معالم الانحطاط من جهة، واعتبارها حالة طبيعية وجيدة، من جهة أخرى. ففي هذا التحول في المواقف نعثر على تحول الطائفية السياسية إلى جزء من ممارسة السلطة الجديدة في العراق وقواعد فعلها ونوعية «ديمقراطيتها». بينما لا يعني «الإشراك» بصيغته المذكورة أعلاه سوى الاستعادة الموسعة للصدامية. وهي عملية متفسخة بالضرورة، رغم إننا نستطيع فهم الكثير من حوافزها الداخلية بسبب طبيعة ونوعية التحولات العاصفة التي مست العراق بأثر الغزو الأمريكي. إلا أن ذلك لا ينفي ولا يزيل السؤال الخاص بهذا الصدد والمتعلق بما إذا كان هذا التحول من «القومية العلمانية» إلى الإقرار بشرعية الطائفية والدفاع عنها تحولا عارضا ومحكوما بطبيعة المرحلة الانتقالية أم انه نتاج ملازم للحركات القومية الكردية الحالية؟

إن تحليل تاريخ الطائفية الدفينة في سلوك ومفاهيم وأيديولوجية الحركات القومية الكردية الحالية يشير إلى أن هذا التحول هو فعل اقرب إلى صفة التلازم. وذلك لأننا نعثر على قوى سياسية علمانية لم تنخرط في لعبة الطائفية، كما هو الحال بالنسبة للشيوعيين مع أنهم يمثلون من الناحية العملية نفسية وذهنية الأقليات القومية والدينية. والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى الديمقراطية والوطنية العراقية الآخذة في التبلور رغم ضعفها الملموس على خلفية الانحطاط الشامل الحالية. ذلك يعني أن التلازم الداخلي بين الحركات القومية الكردية الحالية والاستعداد الذاتي لقبول الفكرة الطائفية ينبع أولا وقبل كل شيء من الضعف البنيوي المميز لهذه الحركات، وهو ضعف تاريخي جعلها ويجعلها أكثر ميلا لنفسية وذهنية التجزئة. فهو الوسط الذي تشعر فيه بنفسها على أنها «عنصر مكونا» و«طرفا فاعلا» و«قومية متميزة» و«قوة لا يستهان بها»، أي كل المكونات التي تجعل من لعبة المحاصصة والتجزئة المفتعلة للعراق جزء من الرؤية «الإستراتيجية» للحصول على «الحقوق والمكاسب». وتتضح ملامح هذه الفكرة أيضا في سلوك قيادات الحركة الطالبانية والبارازانية في الآونة الأخيرة قبيل الانتخابات الثانية للجمعية الوطنية في نهاية عام 2005. فقد طالب الطالباني الأكراد بضرورة المشاركة الفعالة في الانتخابات من اجل أن يكون لهم ممثلين في مراكز القرار في بغداد. وهي فكرة سليمة من الناحية الشكلية. غير أن تأسيسها الأيديولوجي كان عرقيا طائفيا، عندما شدد على أن عدم الاشتراك يعني نجاح من يحاول أن يحشرهم فيما اسماه بالأمة العربية!! لاسيما وإنها القوى التي تريد أن تأخذ باليد اليسرى ما أعطته باليد اليمنى!! وهي مقارنة مبتذلة. والقضية ليست فقط في أن الأمة العربية لم تسحب ولن تسحب وليست بحاجة إلى أن تسحب قومية الطالباني نفسه، وهو الذي درس وتربى في بغداد! بل في قولته إياها وهو في موقع رئاسة الجمهورية العراقية!! إننا نعثر في عبارات وفكرة الطالباني على صيغة نموذجية على طبيعة وحجم الخراب الفعلي للطائفية العرقية المتغلغلة في أعمق أعماق الحركات القومية الكردية الحالية. ولا يمكن لهذا الخراب أن ينتج في نهاية المطاف غير ممارسات خاطئة ومضرة، وفي أفضل الأحوال لا يفعل إلا على تفعيل أوهام مدمرة. وسوف تظل هكذا ما لم تحسم الحركات القومية الكردية بصورة متكاملة إشكالية القومي والوطني (الكردي والعراقي) والديني والدنيوي. ولا يمكن حسمها بصورة متجانسة وايجابية دون تذليل الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية. وإلا فإن ممارساتها سوف لن تؤدي إلا إلى توسيع الأبعاد الهمجية في مثلث أربيل – السليمانية - دهوك مع ما فيه من هشاشة وضعف وتجزئة لا يحلها إلا عراق مؤسس على مثلث الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.

***   ***   ***

ميثم الجنابي

 

محمد الدعميللمرء أن يؤشر عددا من الظواهر والملاحظات التاريخية لمناقشة موضوع “الغزو الثقافي” الذي استغرق أذكى العقول العربية والمسلمة طويلا من أجل الاستنارة وتوعية الشبيبة والنشء خاصة.

عملية “الغزو” بمعناها المتداول والعام، يعني لفظ “غزو” تطلقها مجموعة بشرية ضد مجموعة بشرية أخرى دون مبرر قانوني أو عرف شرعي، بقصد إذلال المجموعة الثانية وفرض السيطرة عليها أو انتزاع ممتلكاتها. هذا هو المعنى الشائع للفظ “غزو”. وحيث يتفق أبسط الأفراد على هذا الفهم، فإنهم غالبا ما يرتدون إلى ما كان يجري بين قبائل العرب قبل ظهور الإسلام عبر الصحاري العربية وربوعها الخالية. شكل الغزو حقبة ذاك آلية اجتماعية متعارفا عليها وفاعلة نظرا لغياب سلطة القانون المركزية والأجهزة أو المؤسسات البوليسية المتخصصة بالحفاظ على النظام، ومنع اعتداء القوي على الضعيف. لهذه الأسباب، يجد المرء أن الإنسان العربي القديم اعتاد أن يلجأ إلى العسكريتارية، كي يكون على أهبة الاستعداد لمثل هذه النائبات الطارئة، من أجل حماية أهله وأمواله وقطعانه. لذا، لا يترك عرب الصحراء، أدوات القتال عن أجسادهم قط، إذ إنها تلتصق بأجسادهم مذ أن يشبّوا حتى يشيبوا بل وتكون ضجيعتهم في قبورهم. وغالبا ما ينام العربي ملتفا بغطائه واضعا أخف أنواع أسلحته تحت وسادته. وقد اخترقت هذه التقاليد البدوية القديمة الذهن العربي (واعيا أو لا واعيا) عبر العصور بدرجة (حتى ظهور الدولة العربية الحديثة)، ذلك أن الكثير من سكان المدن العربية الحديثة لا ينامون إلا وقد وضعوا سكينا صغيرة أو خنجرا حادا تحت وسائدهم، برغم استقرار الوضع الاجتماعي واستتباب الأمن والاطمئنان الذي أضفته المؤسسات الحكومية المتطورة على الحياة المدنية عامة، وقد سألت المغفور له بإذن الله والدي مرة ـ بسذاجة الطفولة ـ عن معنى وضع تلك السكين الصغيرة تحت مخدته، فأجاب بأنها توحي بالتفاؤل، وعلامة تدعو للأحلام الوردية!

لقد تجاوز هذا النوع من الاستعداد النفسي للميدان لدى العرب الزمن واخترق حواجز الوعي عبر سلسلة طويلة من الأجيال المتداخلة والمتعاقبة وكأنه رسالة الأسلاف المشفرة، درجة أن حال الحذر غدت ظاهرة مزعجة للغاية لدى الغزاة الجدد الذين يمثلون امبراطوريات وثقافات أجنبية شتى. لقد رصد الغربيون هذه الظاهرة في الشخصية العربية، على سبيل مقارنة العرب بضحايا غزواتهم في جنوب المحيط الهادي وإفريقيا السوداء وأميركا اللاتينية. إذ تبين أن العربي مفرط في الحذر، يغار على ممتلكاته ويخشى على تقاليده وتراثه وأنماط تفكيره بدرجة لا تُسهّل للغربيين اختراقها بيُسر، نظرا لأن تواصل الوعي بالغزو والغزاة هي حال ليست أثرية مندرسة في خبايا اللاوعي العربي بقدر ما هي حال وراثية مستمرة متواصلة وفاعلة، قد تكون غائبة لدى الشعوب الأخرى.

إن المشكلة الغربية الثقافية معنا لا تتلخص في أن العرب دائما ما يميلون إلى الحيطة، بقدر تعلق الأمر بالمقتنيات المادية باهظة الثمن فقط، بل إن هذه الحيطة تشمل خشيتهم على إرثهم الثقافي وحبهم له وولعهم به وحرصهم على المحافظة عليه وتجنيبه كل ما يخرشه أو يشوهه. وهم لذلك قوم متمسكون بإفراط بالماضي والتشبث بخيوطه الممتدة نحو قرون سحيقة إلى الوراء زمنيا. تسبب هذه الحال الكثير من الإحراج للمخطط الغربي: فبينما يُبدي الإنسان الإفريقي أو الأميركي اللاتيني، على سبيل المثال، تسامحا واستعدادا سريعا على تقبل الجديد والطارئ من “معطيات المدنية الغربية الحديثة” بكل إفرازاتها الثقافية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية بلا مقاومة، يعكس العقل العربي مقاومة عنيدة لكل هذه المستحدثات الوافدة برغم بهرجتها وتأطيرها بمنظومات دعائية ومنطقية مغرية. العرب متمسكون بجِمالهم وبخيولهم الأصيلة برغم اقتنائهم أفخر السيارات الحديثة وتنقلهم اليومي من مطار إلى آخر عبر عواصم العالم. إنها ظاهرة محيرة بالنسبة “للآخر” الغربي الذي يراقبنا بدقة وصبر وأناة. المشكلة، في نظرهم، هي أن العربي هو بدرجة من المقاومة لمعطيات التقنيات والتأنق الغربي، إنه منع اكتساح المنتجات الغربية لأغنى أسواق العالم. بل إنه، فرض على “كريستيان ديور” و”بيير كاردان” التوافق مع متطلباته الذوقية الضاربة بإعماق صحرائه من ناحية، والمتجذرة في تراثه العتيق من الناحية الثانية. لهذا يرفض العربي الأسمر أن يتخلى، ليس فقط عن موروثه وتواريخه وسيره القديمة فحسب، بل كذلك انه يرفض كذلك أن يبارح لباسه القومي الصحراوي الذي ابتكره ثم طوره عبر العصور لمواجهة العواصف الرملية والسموم الجافة التي فرضت عليه أن يلجأ إلى بيت من الشَّعر لسكناه، وآخر، من الغزول، لسكنى رأسه، بنفس المواصفات والتشكيل، برغم انتقاله إلى أحدث البنايات، بل وإلى ناطحات السحاب! ولكن على الرغم مما يبدو على السطح من ظواهر غير مقبولة، تعكس التمسك بصيغ أثرية لا مسوّغ لها اليوم، فإنها تشكل، في نظر العقل الغربي، تشبثا لا مسوغ له، تشبثا لا يرقى هو إلى محاكاته ولا ترقى بدائله إلى أن تحل محله. هذه ظاهرة تجعله ينزعج من الإنسان العربي، وربما تجعله يحسده في دخيلته، فينعته بنعوت عدائية قاسية تعبيرا عن نوع من الضغينة.

أما الغزو الثقافي بمعناه الذي نناقشه في هذا السياق، فيتجلى هنا، فهو يتجلى في محاولة الثقافة الغازية فك الارتباط بين الثقافة المعرّضة للغزو من ناحية، والأفراد الذين يحتضنونها، من الناحية الثانية. ولكن فك هذا الارتباط لا يتحقق بالبساطة التي تتبادر إلى الأذهان، ذلك أن فك ارتباط الجمهور بثقافته المتوارثة ذات الطابع المحلي والنكهة القومية والروحية ينبغي أن ترافقه عملية لا تقل تعقيدا عن عملية الدعوة إلى نسيان الأفراد قصص حياتهم وسيرتهم: فيتوجب على الثقافة الغازية (الغربية في هذه الحال) أن تضطلع بتوقيت الدعوة إلى انتزاع الثقافة المحلية مع عرض بديل ثقافي مبهرج وواعد بآفاق الجديد الشجاع.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

هذا المقال تكمله لمقالات سابقة كتبتها قبل عدة سنوات تستعرض الفكر الفذ المغيب للمفكر الشهيد محمد هادي السُبيتي دون الدخول في قراءته وتحليله لان ذلك سابق لأوانه.

ورأيت أن من الأولى في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها بلدنا العراق مع وجود هذا الحراك الشعبي الكبير أن يكون التركيز على الموضوعات الخاصة بالوعي والثقافة السياسية وكذلك بالتخلف السياسي وما يرتبط بذلك.

ما هي الثقافة السياسية:

يرى الشهيد السُبيتي أن (الثقافة السياسية هي المعرفة السياسية المؤثرة في السلوك السياسي والتي تكون منطلقة ومتأثرة بوجهة نظر سياسية عامة.

وجهة النظر السياسية العامة تختلف بصورة عامة عند السياسي المسلم أو السياسي الشيوعي أو السياسي الرأسمالي إزاء الحدث الواحد وخاصة حينما يختلط الهدف السياسي بالعمل السياسي فيعطي كل واحد منهم تفسيراً معيناً للحدث.

مثلاً: الانكماش الذي يجده الشيوعي الروسي بين الشعب الأذربيجاني المسلم يفسره السياسي الشيوعي تفسيراً يختلف عن تفسير السياسي المسلم.

والتمييز العنصري في أمريكا يفسره السياسي الأمريكي تفسيراً يختلف عن تفسير السياسي المسلم.

والثقافة السياسية التي تلزمنا تشمل أسس الحياة السياسية في بلادنا الإسلامية وأسس الحياة في الدول الكبرى ذات التأثير في مجريات السياسة في العالم، كما تشمل الأحداث السياسية في بلادنا وفي العالم)[ثقافة الدعوة الإسلامية، نشر وتقديم حسين جلوب الساعدي، ج1، ط2017م، ص345 وما بعدها،].

ظاهرة انتشار الأمية السياسية:

يذهب الشهيد السُبيتي أن ( انتشار الأمية السياسية بين الناس وبين السياسيين وبين قيادات الأحزاب ظاهرة من ابرز الظواهر في الحياة السياسية في العالم الإسلامي لدى العارفين. فالمعرفة السياسية ليست الحذلقة في الكلام ولا المعرفة السطحية لما يحدث ولا حفظ الأخبار السياسية ونقلها ولا تدبيج المقالات والأبحاث السياسية التي تكون غالباً صدى لما يكتب الغرب. وإنما هي المعرفة الأصيلة المعتمدة على أصول وأسس واضحة والتي تربط الأحداث بعضها بالبعض الآخر.

وكمثال على ذلك: تأميم شركة نفط العراق الذي يبدو كما أظهرته السلطة  وكأنه عمل بطولي ضد الشركات النفطية الاحتكارية الإنكليزية والأمريكية. [المثال قديم ويقصد بها سلطة حزب البعث المقبور]

إن التقييم السياسي لهذا العمل يحتاج إلى معرفة واقع الاستثمار النفطي في العراق ومعرفة ملكية أسهم الشركات النفطية العاملة فيه، وربط علاقة استخراج النفط في شمال العراق باستخراجه في الجنوب، ومعرفة واقع الآبار النفطية الشمالية والجنوبية، ومعرفة المتغيرات التي طرأت على العلاقات النفطية في العالم، ثم كيف استقرت العلاقة النفطية في العراق)[المصدر السابق ص346].

الفرد المسلم والفهم السياسي:

يُعرف الشهيد السُبيتي الفهم السياسي على أنه (إدراك ما يحدث في العالم.. والفهم السياسي يعتمد على عنصرين: المعلومات السياسية والمنطق السياسي)[المصدر السابق، ص486]

ويقرر الشهيد السبيتي ان على ([الفرد] المسلم [ان] يهتم بأمور المسلمين وهذا الاهتمام يستدعي الاهتمام بالمؤثرات العالمية على مجريات السياسة في بلادنا، ولذلك فان من البديهيات الأولية أن يتثقف الـ[الفرد المسلم] بالثقافة السياسية.. و[بـ]أسس الثقافة السياسية وبما يطلع عليه من أبحاث سياسية أصيلة كتاريخ السيطرة السياسية والمؤثرات التي أهلكت ملوكاً واستخلفت آخرين، والقوى المؤثرة في سياسة العالم اليوم، وموقع بلادنا منها.. وما يتصل بذلك من الأمور التي يجدر بالداعية أن يعرفها ويعيشها كسياسي قيادي يهتم بتغيير أمته إلى واقع أفضل. [وكذلك] الصحف والمجلات السياسية والكتب والمذكرات للسياسيين والمحترفين ووكالات الأنباء المختلفة كلها مصادر جيدة لمعرفة الأحداث وتوسيع المعلومات.

أما ربط المعلومات والأحداث السياسية بالمجرى الحقيقي للسياسة العالمية فيقتضي عدم الخلط بينها وبين وجهة النظر حيث إنها عادة متأثرة بوجهة نظر المصدر الذي تصدر منه. فهناك أحداث ليس من مصلحة الدول الكبرى والدويلات السائرة في فلكها إعلانها ولذلك تقوم بالتعتيم المطبق عليها. وهناك أحداث لا يمكن التعتيم عليها من جميع الجهات حيث يكون من مصلحة جهة من الجهات إعلانها فتقوم الجهة الأخرى بإعلانها وصياغتها صياغة مملؤة بالتشويه والدس. ولذا فقد تُعلن الحادثة الواحدة بشكل براق وجذاب من جهة من الجهات وبشكل مصغر ومشوه من جهة أخرى وبشكل باهت من جهة ثالثة وهكذا... والسياسي المتعمق هو الذي يميز بين خبر وآخر. وعلى سبيل المثال يمكن الاطلاع على وجهة نظر بريطانيا في الأحداث بمطالعة جريدة التايمز والاستماع إلى محطة الإذاعة البريطانية وتصريحات وزير الخارجية والحكومة البريطانية ومراقبة أخبار وكالة رويتر. 

ويمكن الاطلاع على وجهة النظر الفرنسية من تصريحات السياسيين الفرنسيين ومطالعة جريدة لوموند الباريسية ووكالة الأنباء الفرنسية. وعلى وجهة النظر السوفياتية من تصريحات مسؤولي الحزب الشيوعي السوفياتي وآراء جريدة البرافدا وأخبار وكالة تاس. وعلى وجهة النظر الأمريكية من تصريحات المسؤولين وبالخصوص الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية ومطالعة جريدة واشنطن بوست ولنيويورك تايمز ووكالة الاسوشياتد برس. مع مجريات الأحداث السياسية لدى كل واحدة من هذه الدول الكبرى.

والذي يريد معرفة الحقيقة عليه أن يطلع على وجهات نظر مختلفة ويعرضها على ما يملك من خلفيات لتلك الأمور ويعرضها على الأسس السياسية العالمية ثم يربط ويستنتج فيكون استنتاجه مؤكداً أو ظنياً أو احتمالياً)[المصدر السابق ص346 وما بعدها].

الارتباط الوثيق بين الثقافة والعمل السياسي:

يعتقد الشهيد السُبيتي: ([أن]ٍ الثقافة السياسية غير المرتبطة بعمل سياسي ترف فكري بل سفه في بلاد خالية من العمل السياسي الهادف. والعمل السياسي بدون ثقافة سياسية تخبط وارتجال ضرره أكثر من نفعه والسياسي المثقف خط عمله واضح وأهدافه القريبة واضحة وأهدافه البعيدة محددة.

والثقافة السياسية تنمو وتتسع وتتعمق بتجارب العاملين ومن خلال المعاناة والسير في خط العمل السياسي، أي العيش السياسي بمعناه الواسع. ولا يمكن أن ننتظر فكراً سياسياً صائباً صادراً من مفكر لا يمارس العمل السياسي ولا يسير في خط الممارسة.

إن العمل السياسي والثقافة السياسية أمران متلازمان في العمل الذي يستهدف خدمة المجتمع لتغييره أو إصلاحه كلياً أو جزئياً)[المصدر السابق ص348 وما بعدها).

ويخلص الشهيد السُبيتي أخيراً إلى أن (الوعي السياسي لخطط الاستعمار وأفكاره وأعماله، يختلف في شعوب امتنا من قُطر لآخر، ولهذا نرى الاستعمار يرضى من الحكام والمفكرين الأقل ذوباناً بأقل مما يرضى من الحكام والمفكرين الذائبين فيه كلياً، ونراه يرضى من الأقطار ذات الوعي السياسي الأكثر في تمشية مصالحه بنصيب اقل من البلاد ذات الوعي السياسي الضئيل)[المصدر السابق،ج1 ص356].

 

أزهر السهر

 

 

قاسم حسين صالحها نحن نلتقي ثامنة في احتفالية يوم المثقف العراقي في سنته الثامنة بمدينة اربيل.. اربائيلو مدينة الالهة الاربعه التي يمتد عمر الثقافة فيها خمسة الاف سنة قبل الميلاد،  وعلى قاعة احبتنا المندائيين.

بدءا، لنصحح فكرتين:الأولى، ااننا حين نقول مثقفا فان الذهن ينصرف الى انه اديب،  شاعر،  فنان، او اعلامي.. وهذا ليس صحيحا، فالطبيب مثقف ورجل الدين مثقف وكل من يعمل في مجالات المعرفة، من العلوم التكنلوجية الى العلوم الانسانية.. هم مثقفون.

والثانية،  يرى كثيرون ان الثقافة نوع من الترف، مع انها هي التي تحدد اهدافنا وتتحكم بسلوكنا.فاختلاف سلوك احدنا عن الآخر يعود الى الثقافة، بل انها هي السبب في ان تجد جماعة تنشر المحبة والسلام وأخرى دعاة حروب.وفي العراق كانت الثقافة أحد أهم أسباب العنف، آخرها وأعنفها ما جرى بين عامي (2006-2008) الذي اصطلح على تسميته حربا طائفية او اهلية فيما المفهوم العلمي انها كانت حرب معتقدات.. والمعتقدات أفكار.. والأفكار ثقافة. ولأننا نختلف في ثقافتنا، ولأنها تكون السبب فيما ذكرنا،  فلهذا ضمنت الأمم المتحدة في اعلانها الخاص بحقوق الانسان الصادر عام (1984) الحق لكل شخص في ان يسهم بحرية في الحياة الثقافية ويستفيد من العلوم ويستمتع بالفنون، ويحترم ثقافة الآخر.

تلك مقدمة الهدف منها ان نحمل فهما مشتركا بخصوص الثقافة.. لننتقل الى ما هو اهم.. حال المثقف في العراق ونحن نحتفي به ونحتفل بيومه.

ايها الاحبة

منذ العام 2003 واجه المثقفون العراقيون ثقافة دينية طائفية عشائرية مدججة بالسلاح والمال فتوزعوا بين من غادر الوطن، ومن انساق وراء مغريات السلطة، وبين من وجد ان ثقافة المّلا والعرّاف والدجل والجهل قد شاعت واعتبرت المثقف الحقيقي كافرا او زنديقا  فاعتكف،  وبين قلّة ظلت ماسكة بالقلم بشجاعة محارب.

وكنت تابعت حال الثقافة والمثقفين فوجدت ان اغلبها تشيع الاحباط، ففي استطلاع اجريناه في العام 2017 وصف المثقفون العراقيين بأنهم: (شعب سلبي  رافض لكل فعل باتجاه خلاصه، تغيير الحال بالعراق.. حلم ابليس بالجنة،  ماذا تسمي شعبا يعيد انتخاب من افرغ ميزانية الدولة وصرفها على اسرته واقربائه، واشترى الفلل في عواصم الدنيا وترك شعبه جائعا؟، واذا تقول لمثقفين هرولوا الى من فشل في ادارة الحكم وباع ثلث العراق ليجمّلوا صورته فيعود حاكما من جديد؟)

وفي العام 2018عاش العراقيون اهم حدث هو الانتخابات فاجرينا استطلاعا ايضا شمل مثقفين  توزعوا على ثلاثة اصناف:الاول يائس تماما بقولهم:(التاريخ القريب والبعيد يؤكد.. نفس الطاس ونفس الحمام)، وان (الشعب مغيب وعيه، مخدّر، مسّير، مغفّل، جاهل).والثاني قال ان قانون الانتخابات (فصلته الاحزاب الدينية على مقاساتها)، وأن القوائم الجديدة والمرشحين النزيهين عليها أن (تمسح ايدها بالحايط)، والثالث كان على يقين بان نسبة التغيير سوف لا تتعدى الـ( 1%)

وحصل ما فاجأ المثقفين بما لا يخطر على بال اذكاهم،  يوم شهد العراق في الفاتح من تشرين الأول/اكتوبر 2019 تظاهرات لخمسة ايام هزّت محافظات الوسط والجنوب، تبعتها في الخامس والعشرين تظاهرات اضخم اظطرت الحكومة الى استخدام العنف المفرط بما فيه الرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل.. تصاعدت في جمعتي الفاتح من تشرين الثاني /نوفمبر والثامن منه الى حرب جسور وشوارع في بغداد، .. ووصلت في خميس الدم (أمس 28 تشرين ثاني2019) الى استشهاد(32) شابا في الناصرية فقط.. في مشاهد وكأن الذي يجري هو حرب ضد غزاة وليس تظاهرات قام بها شباب دفعهم الفقر والحرمان والشعور بالاغتراب وعدم وجود معنى من حياة استلبتها منهم احزاب استفردت بالسلطة والثروة لستة عشر عاما، فانفجروا كما البركان رافعين شعار (نازل آخذ حقي) و(نريد وطن).

ولقد عايشت تظاهرات ساحة التحرير خمس ليال، والتقيت بمثقفين، لحضراتكم شهادتين عن دور المثقف في عملية التغيير:

(المؤسف والمستغرب في ثورة تشرين العظيمة غياب المثقف العراقي في ساحات الاحتجاج باستثناءالقليل منهم فيما المفروض ان يكونوا في طليعة الصفوف من اجل رفع معنويات وعزيمة الشباب الشجعان ، الا انهم مع الاسف فضلوا الجلوس في المقاهي لشرب القهوة والكبشينو وتبادل النكات وكتابة الرسائل الغرامية.. ويضيف: اكتشفنا في ثورة تشرين ان ابو التكتك اكثر نبلا وشجاعة وشهرة منهم.الناشط صبري العقيلي).

ويقول الكاتب والصحافي توفيق التميمي:

(انا بعمري الذي تجاوز خمسة عقود من القهر والكبت والاحباط احضر لهذه التظاهرات بشكل يومي ليس بصفة مشارك بل بصفة تلميذ في مدرسة هؤلاء الشباب الثوار اتعلم معهم كيف يواجهون الرصاص ليصنعوا املا لليائسين امثالي).

وقال ثالث ساخرا من خيمة جواد سليم: (آني ما كاتلني غير هالدستور.. الغوه وخلصونه منه.. والأحسن نستورد دستور من سويسرا ونخلص.. وأضاف:وعيونك دكتور ما راح يصير اي حل).

ولكن الحل صنعته ثقافة جيل من شباب قدموا المئات من الشهداء والآف المصابين، وخطّأت حتى نظريات في علم النفس تقول:اذا اصيب الانسان بالأحباط وحاول وحاول ولم ينجح، فأن تكرار حالات الخذلان والخيبات توصله الى العجز والاستسلام.. واسقطوها في الخامس والعشرين بيوم جمعة (استعادة وطن).. متحدين الموت بصدور عارية وملاحم اسطورية، و ثورة (تكتك!) لم يشهدها تاريخ العراق السياسي صار اصحابها ايقونة لثقافة انسانية جديدة يصنعها شباب مستلبون مسحوقون ضد ثقافة رصاص حي يستهدفهم وقنابل تحرق عرباتهم بأمر السلطة.. لتعيد هذه المشاهد احياء ثقافة الغيرة والهوية الوطنية والقيم الأصيلة والجميلة في الشخصية العراقية.

وما يجري الآن هو صراع ثقافات ايضا.. بين عقل سياسي مأزوم، منغلق ، مسكون بالماضي يعتبر تحشيد الشباب بمسيرات لطم ونواح.. انجازا يتباهون به!، وبين عقل شبابي منفتح، متطلع الى المستقبل بثقافة تنهي ثقافة محاصصة وتشيع ثقافة دولة تمنح الانسان الفرصة لأن يحقق ذاته ويبني وطنا.

والحل يصنعه ايضا المثقفون من المفكرين وحكماء القوم. ومن هنا.. وبأسمكم وبأسم المثقفين في العراق ندعو كل الأطراف الى حقن دماء العراقيين، ونجدد الدعوة الى ان نكون وسطاء بين السلطة واصحاب القرار وبين المتظاهرين،  منطلقين من حقيقة ان ما بعد واحد تشرين/ اكتوبر 2019 لن يكون امتدادا لست عشرة سنة من حكم احزاب استفردت بالسلطة والثروة وافقرت الناس وأحالت الوطن خرابا.. فلدينا مثقفون تبنوا قضية الجماهير وشاركوا في اول تظاهرات الاحتجاج ضد الفساد بساحة التحريرفي  25شباط 2011 ، الى انتفاضة 20 تموز 2018،  بينهم من وضع كفنه على راحتي يديه وما تخلى عن قضية شعبه، ومن استشهد في ساحات التحرير، ومن جرى اختطافه،  ومن اغتيل.

ان المثقف الحقيقي ليس ذلك الذي يشيع الأحباط  والناس في محنة، ولا الذي ينصب مآتم رثاء النفس وجلد الذات بتغريداته وأشعاره في طقوس عزاء ادمن عليها نفسيا، بل هو اشبه بالنبي.. يظهر حين تتردى الأخلاق ويشتد ظلم الناس مبشرا بالخلاص عن يقين، ولدينا من هؤلاء الانبياء  جمع كبير يتمتع بالجرأة والشجاعة.

تحية لكل مثقف يعمل بفكره على توظيف الحاضر من اجل مستقبل افضل واجمل لوطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية.

تحية اجلال واكبار لشهداء العراق وشهداء انتفاضة تشرين.

تحية اعتزاز وتثمين لمن عمل وما يزال يعمل بحجم وزارة مع انه لا يمتلك مثقال ذرة من امكاناتها، مؤسس المؤتمر.. الصورة البهية للمثقف العراقي الاديب الميساني محمد رشيد.

شكرا لحضوركم الكريم.. شكرا للآعلاميين ولهم نقول اننا ندين اي اجراء يستهدف غلق مكاتب الفضائيات العراقية وعلى السلطات احترام حرية التعبير عن الراي والاعلام  التي نص عليها الدستور في المادة( 28) بوصفه القانون الاعلى والاسمى في العراق.

دمتم ودامت الثقافة بخير في وطن الحضارات وأرقى الثقافات واول من نشر ثقافة الحب والسلام.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

.................................

- كلمة افتتاح مؤتمر المثقف العراقي الثامن (29 تشرين الثاني 2019).

 

جواد غلوممن المؤكد ان أولى الخطوات السليمة الراكزة لبناء جيل جديد في مراحل التعليم المبكّر هو ان يتساوى كل الطلبة في تعليمهم الأساسي دون اية اعتبارات أو امتيازات بين طالب وآخر مهما كان نوعها؛ فترى ابن العامل البسيط يجاور ابن الوزير وابن مهندس النظافة " الذي نسميه نحن "زبّالا وكنّاسا" تحقيراً له مع شديد الأسف ونلحظهم يجلسون في مقعد مشترك وبِـمنضدة واحدة مع ابن الأكاديمي الجامعي او الطبيب او السياسي العريق طالما صرنا سواء في دولة المواطنة والمدنية التي ترفض الاعتبارات الدينية والعرقية من ناحية اللون والجنس وتجعل الناس سواسية مثل أسنان المشط كما تقول مأثوراتنا النبوية .

ففي الأنظمة المتقدمة الراقية ؛ يُلحق هؤلاء الطلبة كلهم بمختلف أعراقهم ومنبتهم ومحتدهم الأصلي الذي جاءوا منه  ويتعلمون في مدارس ذات نظام واحد في نهجها ومناهجها فلا توجد مدارس خاصة للنخبة في التعليم الأساسي المبكّـر الذي يتراوح أمده الأربع سنوات في معظم دول العالم المتمدن  .

بعد ذلك يتم تقسيم الطلبة وفقا لنسبة ذكائهم بدءا من مجتهدين جدا (متوقدو الذهن) ثم الأقل اجتهادا (الأذكياء) ثم المتوسطي النباهة وأخيراً الضعفاء .

وتبعا لهذا الفرز يتم إرسال متوقدي الذهن والأذكياء إلى مرحلة التعليم الثانوي .

متوسطو النباهة يودعون في المدارس المهنية (صناعة وزراعة وتجارة كهرباء وتعليم حرفي ... الخ)

اما الضعفاء الواهنون دراسياً فيتم انضمامهم الى مدارس خاصة لزيادة وعيهم ورفع مستوى قدراتهم العقلية، فلا احد من الطلبة مهما كان مستواه يمكنه ان يتسرب من الدراسة ؛ اذ يعتبر ترك التعليم من المحرّمات الكبرى، لكن يحق للطالب الذي أبدى نشاطا ملموسا في حقل تعليمي ما ؛ يمكنه أن ينتقل الى حقلٍ معرفي او مهنيّ آخر لزيادة مهارته وتحسين مستواه، اما من أبدى تراخيا وضعفا سيتم نقله الى مستوى أقل مما كان عليه ولو كان مجتهدا في السابق، فالأهم الأهمّ الاّ ينقطع الطالب عن المدرسة ولا يتسرب منها إطلاقا ؛ اذ ان أمد الدراسة الإلزامي يكون تسع سنوات بعد انتهاء التعليم الابتدائي البالغ أربع سنوات غير قابلة للنقص مهما كانت الظروف من اجل وضع قاعدة تعليمية ومهنية ترسخ في ذهنه وتكون مرتكزا لحياته المقبلة .

وفي حالة غياب الطالب خلال هذه السنوات التسع الإلزامية تقوم الجهات التعليمية بالاستفسار عن سبب الانقطاع وتُسائل وليّ أمره حتى لو كانت فترة الانقطاع يوما او ساعات معدودة، والويل الويل للطالب الذي يترك الدراسة عامدا خلال الفترة الإلزامية حيث يتمّ جلبه وإحضاره من قبل الشرطة واستدعاء علماء النفس والاجتماع لمعالجة سبب التسرب الدراسي فإن كان السبب من جرّاء الأسرة فيتمّ وضع الحلول اللازمة ومعالجة الأمر وإعادة الطالب الى مقاعد الدراسة وهذا ما لمسناه طيلة فترة تواجدنا هناك سنوات الاغتراب حينما زججنا أولادنا في مدارس التعليم الأساسي .

وان تعذر الحل وتزمّـتَـت الأسرة في ترك ابنها سائباً دون ان تعبأ به سواء واصل دراسته ام  لا أو كونها هي السبب في نزوع الطالب للإفلات من المدرسة فيؤخذ الطالب من أبويه عنوةً وتطويعه على مواصلة المواظبة على التعلّم من قبل الدولة وتهيئة الظروف المناسبة له كي يواصل تعليمه ويبقى رهين الدولة في أقسام داخلية توفّر له الأجواء المناسبة لتأهيله مستقبلا لو تعذّر عليه ان يعيش ضمن أسرته المربكة وغير المستقرّة، وهنا كان لزاما على الدولة ان توفّر له الطعام الصحي والاستقرار النفسي والاجتماعي مع بقية أقرانه الطلبة وتهيئة فرص الترفيه وممارسة الرياضة، وهي حقٌ من حقوقه ليكون إنسانا سويا مؤهلا للدخول الى الجامعات المنتشرة في كل الأرجاء حتى في المدن الصغيرة وبكافة التخصصات المتاحة  .

وحالما يتخرج الطالب يزجّ في العمل الميداني التطبيقي فترى الطبيب الذي أكمل مراحل تعليمه يعمل في دور المُسنين والمُقعدين إضافة الى عمله في مشافي الأمراض العقلية والنفسية ليرى بأمّ عينه مدى احتياج العاجز والمقعد وفاقد العقل والمصاب بلوثة نفسية الى الرعاية والاهتمام ليهذب أخلاقه أكثر ويتقن الحنوّ والرحمة على مرضاه ولا يأنف من تنظيف القيوح والأدران والفضلات التي تخرج من جسد المريض والشيخ الواهن بيديهِ دون ان يشمئزّ أو يتذمّر ويستمر بهذا العمل الميداني والتنظيف بنفسه دون مساعدة احد من كوادر التمريض والمنظفين لمدة ثلاثة شهور على الاقلّ .

وكذا الحال بالمهندس المتخرج توّا حيث يقحم نفسه مع العمّال في حمل الأنقاض وعزلها او رفعها  وتسوية الأرض أو ايّ شأن ميداني يتطلب ان يشمّر عن ساعديه ليقوم مقام العامل غير الماهر .

ففي العالم المتمدن يقترن العلم بالعمل اليدوي وتتحدّ النظرية مع التطبيق وهذا هو الأسلوب السليم في خلق جيل واعٍ معطاء ليشيّد ما بدأه الأولون ويكمل بناء وطن معمور وناهض بناءً فوقيا وتحتيا، فالإنسان هو مُرتِّبٌ للحاضر وواضعٌ لبنة المستقبل ولا تمايز بين فرد وآخر في العِرق او اللون الاّ فيما يقدّم ويبتكر من عطاء وإبداع وصنع جديد ومفيد وكلهم متساوون في الحقوق والواجبات وأمام القانون فلا مدارس خاصة تختلف عن الحكومية في مراحل التعليم الأساسي الإلزامية البالغة تسع سنوات زائدا سنوات الابتدائية الأربع وهذا ما لمسناه عيانا طوال مكوثنا ورحلتنا القسرية عن بلادنا في سنيّ التسعينات التي قضيناها هناك وتعلّم أولادنا في مدارسهم .

ليس عيبا ان نستهدي بتجارب الشعوب الحيّة المتقدمة وخاصة عندما يتعلّق الأمر بتعليم وتأهيل أولادنا وقد آن الأوان ان نطلب العلم من العالم الناهض المتمدن كما طلبها رسولنا الكريم من الصين قبلاً، وخاصة اننا نتألم الان حينما نرى تدنّي نسبة النجاح عندنا في مرحلتي التعليم الابتدائي والمتوسط بشكل مخجل حقاً أملاً في إعداد جيل مقبل راقٍ بتعليمه نأمل فيه خيرا لبناء أوطان مزدهرة ومواطنة صالحة ذات شأن  مستقبلاً كما كانت قبلا ناهضة نسبياً قبل بضعة عقود  .

 

جواد غلوم

 

عبد الحسين صالح الطائيأفرز الحراك الجماهيري الذي اندلع في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، متغيرات هائلة في الساحة السياسية العراقية، اتخذ المتظاهرون العلم العراقي رمزاً مميزاً للهوية الوطنية العراقية، وغدا كل من (التك تك والمطعم التركي)، أيقونتان لهما المكانة السامية في قلوب كل المتضامنين مع الشباب العراقي المنتفض. صور وأحداث متنوعة في أغلب ساحات الوطن، ولا سيما ساحة التحرير في قلب بغداد، جسدت ملحمة كبيرة في تاريخ العراق الحديث، أبطالها شباب، ذو إرادة وعزيمة قوية وخيال مبدع، لم تتلوث أفكارهم بأديولوجيا معينة سوى حب الوطن، جسدوا روح المواطنة والهوية الوطنية الجمعية بأجمل معالمها.

أصبح العلم العراقي سلاح المتظاهرين ومصدر قوتهم في ساحات التظاهر، ورغم سلمية التظاهر، تعرضت الراية الرمزية التي يحتمي بها المتظاهرين إلى الإغتيال، من أطراف معادية للوطن، أُطلق عليها (الطرف الثالث)، سواء كانت من أتباع السلطة أو من يعمل بأجندات معادية للوطنية العراقية، هذا الطرف مارس أعمالاً بعيدة عن كل القيم الإنسانية من خطف وقتل وتغييب وغيرها من الأفعال المشينة، هذه الأمور أكدت بأنه عندما يغيب الوطن تتوارى الوطنية كقيمة سامية، فلا مواطنة بدون الوطن، لأن المواطنة تعني الشعور بالانتماء والولاء للوطن، وحسب دائرة المعارف البريطانية:  هي علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق - متبادلة - في تلك الدولة. فقد أوضحت الباحثة د. منى حسين عبيد بأن الهوية الوطنية منظومة مركبة معقدة ليس بالسهولة أن يتم تجاهل معطيات التشابك فيها، فهي تحتوي بصورة طبيعية على مقومات وممارسات الولاء والانتماء، وفي الواقع، قد تبتعد الهوية عن مجتمع ما وفي ظروف زمنية محـددة، ولكنهـا سرعان ما تعاود لبناء نفسها، فالمجتمعات المأزومة تعاني خللا تركيبيـا في بنائها يقودها في بعض الأحيان إلى التفكك والتشرذم تحـت عنـاوين وهويات فرعية لا تقوى على الصمود والاستمرار لوحدها لأسباب عديدة.

العراق بعد 2003 ، تعرض لنكسات كثيرة، أبرزها الاحتلال والتدمير المبرمج للبنية التحتية، ولمؤسساته الإدارية والقانونية وغيرها، وقد إعتاد العالم على أنباء قتل العراقيين بأعداد كبيرة على أيدى قوى التطرف والإجرام أو على أيدي القوات الأمريكية. وفي ظل تعقد المشهد السياسي، واستلام قوى الإسلام السياسي السلطة، غابت الهوية الوطنيـة، وبرزت الهويات الفرعية، وقد ساهمت القوى السياسـية بكل أطيافها في هذا الشرخ الكبير، وفي أشاعة ثقافة الفساد المالي والإداري، وعمقت الفوارق الطبقية، وتدهورت قطاعات الدولة الأساسية وضعفت الخدمات بشكل كبير، ونتيجة السياسات الخاطئة، وعدم وضوح الرؤية الداعية إلى تقويم المسار الصحيح، أعطت المبرر الموضوعي لهذا الحراك الجماهيري بأن يتصاعد وتلتف حوله مختلف الفئات الإجتماعية.

وحسب رأي الباحث د. محمد السعيد إدريس بأن المواطنة لا تبنى إلا في بيئة سياسية ديمقراطية قانونية، تتجاوز كل أشكال الإستفراد بالسلطة والقرار والإستهتار بقدرات المواطنين وإمكاناتهم العقلية والعملية. والمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقائق التركيبة الثقافية والإجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزيفاً للواقع، وإنما تتعامل مع الواقع من منطلق حقائقه الثابته، وتعمل على فتح المجال للحرية والإنفتاح والتعددية في الفضاء الوطني. والثقافة الوطنية تتشكل من الثوابت التي تعبر عن حالة التنوع والتعدد الموجود في الوطن، فليست ثقافة فئة أو مجموعة هي ثقافة الوطن بكل تنوعاته وأطيافه.

ان بناء دولة عصرية يتطلب، كخطوة أولى، تجاوز الإشكالات الفرعية، والشعور بالإنتماء إلى وطنهم العراق، ولا يتم ذلك إلا من خلال إشاعة الديمقراطية وإعطاء الشعب دوره في المشاركة السياسية التي تمثل كل مكونات المجتمع العراقي، لأن المواطنة مقترنة بحق المشاركة. وأن تتبنى المؤسسة السياسية بسلطاتها الثلاث معالجة الفقر وتجاوز الفوارق الطبقية بإشاعة مبدأ العدالة الاجتماعية. ولابد أن يكون دور الدولة توفير المناخ القانوني والإجتماعي وبناء الإطر والمؤسسات القادرة على احتضان كل الأطياف التي تمثل الوطن، والتركيز على مبدأ المواطنة كمحور أساس لتمكين المواطن من العيش داخل وطنه بحكم عضويته في إطار المكون البشري للدولة.

دوافع الحراك الجماهيري الحالي طبقية بإمتياز، والشباب المنتفض قد تمرس على أساليب نضالية عالية إكتسبها من آفاق التقنيات الحديثة، ومن قنوات التواصل الإجتماعي والإنفتاح على العالم بكل آفاقه. واستمرار التظاهرات والإعتصامات بمشاركة قطاعات واسعة من طلاب الجامعات ونقابات العمال وتضامن شرائح مجتمعية كثيرة من العراقيين، داخلياً وخارجياً، شكلت عوامل ضغط مؤثرة على الحكومة بتقديم المزيد من التنازلات.

إستقالة رئيس الوزراء وحكومته، رغم تأخرها تُعد بادرة جيدة، ولكنها غير كافية ولا تلبي طموحات الحراك الجماهيري، الذي قدم العديد من الضحايا، بل هي أحد المطالب المعلن عنها، مما يتطلب الإستجابة السريعة لإحترام الإرادة الشعبية، والإسراع في تلبية المطالب الأخرى، ولا سيما إنجاز التشريعات الإنتخابية، ومحاسبة الفاسدين وإسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاكمة من إرتكب الجرائم بحق أبناء شعبنا، وتعويض أهالي الشهداء، وإطلاق سراح المعتقلين، وملاحقة المندسين والكشف عن هويتهم ومعاقبتهم، وغيرها من المطالب التي تنسجم وتطلعات الشباب المنتفض.

تشير أكثر التجارب التاريخية لأي حراك جماهيري، بأن الإنتصار الحقيقي يكون للجماهير المنتفضة، ونعتقد بأن المرحلة القادمة ستكون أكثر تأزماً، لأنها تهدف إلى الإطاحة بنظام المحاصصة البغيض، وسحب الشرعية من القوى المهيمنة، التي ستمارس سياسة التسويف والمماطلة والخداع والمناورة في سبيل البقاء في السلطة، خوفاً من المحاسبة. ومسألة إختيار رئيس وزراء جديد لمرحلة انتقالية تمهد لإنتخابات نزيه مبكرة،  ستصطدم بمعوقات كثيرة، لأن المعادلة الآن قد اختلفت، الشباب المنتفض هو من سيرشح الشخص المؤهل وفقاً للمعايير الوطنية والكفاءة، يكون مخولاً من الشعب مصدر السلطات، وقادراً على صياغة وصيانة القرار الوطني العراقي، وقادراً على إختيار حكومة مهنية نزيه من العناصر الوطنية البعيدة عن المحاصصة.

ومن أجل رفع هواجس الخوف والخشية وعدم الثقة التي تراكمت خلال الفترة الزمنية المنصرمة، يتطلب الأمر إشاعة الحوار، والتعرف على الآخر داخل الوطن، فضلا عن فتح جميع الآفاق في التوافق والاختلاف في حدود روح المواطنة الحقة، أي ان تتعدد الرؤى، بحيث لا تتعدى سقف مصلحة الوطن والمحافظة عليه، من خلال التأكيد على أسس الشراكة ونبذ مفاهيم حكم الأقلية والأغلبية، وإنهاء التمييز بكل صوره، وتصحيح المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال إقامة نظام سياسي يؤمن بالتعددية، ويحفظ الحقوق والحريات العامة لكل أفراد الشعب من دون تمييز، ويضمن مساهمة الجميع في صنع القرار العراقي، وعدم التفريط بالطاقات الشابه التي أنعشت الروح الوطنية واعادة الأمل في قلوب محبي الوطن.

إن تعزيز ثقافة التسامح وترسيخ روح المحبة بين المواطنين، ورفع مصلحة الوطن فوق الانتماءات الفرعية، لا يكون إلا بتعزيز الحوار الوطني لبناء قواعد ثقة متبادلة بين أطياف المجتمع العراقي في المجالات كافة، وأن يكون الخطاب الوطني الرافض لكل أشكال العنف والإقصاء والتهميش هو الأساس في أي تعامل لترسيخ روح المواطنة. وأخيراً، لابد من الإشارة إلى دور القوى الضاغطة في مسار الأحداث المستقبلية للعراق، نعتقد بأنه في حالة غياب أو ضعف الدولة سيكون للعشائر العراقية دوراً مميزاً في الدفاع عن أبناءهم المنتفضين، وفي حسم الكثير من  الأمور الخلافية التي تتعلق بنهج السلطة، والتعاون مع الأجهزة الأمنية في الحفاظ على الأمن والممتلكات العامة.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 

 

ابراهيم أبراشنظرية أو أزعومة القائد الأوحد، المُلهم، الكاريزمي، الجدار الأخير، وحامي حمى الوطن الخ، أخذت بالأفول عبر العالم مع انهيار الأنظمة الكليانية والاستبدادية كما تتراجع في عالمنا العربي مع الثورات الشعبية، وآخر التطبيقات الملموسة لهذه النظرية تمثلت في حكم الرئيس بوتفليقة في الجزائر والبشير في السودان .

تعتبر هذه النظرية من النظريات السياسية المفسِرة لوجود السلطة ومصدرها فبالإضافة لها توجد :نظرية القوة، النظرية الدينية، نظرية العقد الاجتماعي، النظرية الماركسية، والنظرية الديمقراطية، ومع تطور الأنظمة والحياة السياسية كانت هذه النظريات تتداخل مع بعضها البعض .

 كان المفكر السسيولوجي والاقتصادي الامريكي ماكس فيبر أول من كتب عن هذه النظرية معرِفا القائد الكاريزمي بأنه من يتوفر على قدرات فوق عادية وفوق طبيعية أو يعتقد الشعب أنه كذلك وله قدرة كبيرة على التواصل مباشرة مع الجماهير وكسب ولائها، ويلعب الاتباع وبطانة الزعيم أو النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية دورا في ترويج هذه الصورة عن القائد، وغالبا ما تنتشر هذه النظرية في المجتمعات والثقافات التقليدية كالعالم العربي ودول الجنوب، ولكن حتى دول متحضرة وديمقراطية اليوم عايشت تطبيقات لهذه النظرية في بعض مراجلها التاريخية .

في التطبيق العملي لهذه النظرية تجري عملية ربط مصير الشعب بشخص الزعيم والقائد الوحيد والأوحد القادر على حل كل مشاكل الشعب ومواجهة التهديدات الخارجية، دون الأخذ بعين الاعتبار تقلب الأحوال أو اعتبارات التقدم بالعمر أو المرض أو قدراته الحقيقية، كما أنها تُهين الشعب وتقلل من إمكاناته وقدراته، أيضا تعتبر الشعب مجرد جموع جاهلة أو ضعيفة لا تعرف مصالحها، فالشعب مجرد أداة تُسخر لخدمة الزعيم وتنفيذ أفكاره التي لا يأتيها الباطل، وفي حالة وجود مؤسسات منتخَبة أو معيَنة كمجلس تشريعي مثلا فوجودها يكون شكليا لأنه لا توجد سلطة فوق سلطة الزعيم .

 حتى عندما يزج الزعيم الشعب والدولة في حروب وصراعات تؤدي لضحايا ودمار للبلاد، فالفضل يعود للزعيم في حالة الانتصار وليس للشعب الذي عليه أن يخرج في مظاهرات ومسيرات تمجد الزعيم وتشكره على انتصاراته، أما في حالة الهزائم والنكسات فالخطأ ليس خطأ الزعيم بل تقصير من الشعب أو نتيجة تآمر خارجي !!.

   تستمر الطبقة السياسية الحاكمة متمسكة بشخص الزعيم وتنظِّر له، ليس لأنه بالفعل شخصية كاريزمية يتوفر على قدرات خارقة أو له من القدرة ما يمكنه من الإحاطة بالأمور وتوجيها لخدمة الوطن وهو ما لا يتوفر لأي مواطن أو مسئول آخر، بل لأن الطبقة السياسية تستغل في البداية رمزية الزعيم وتاريخه النضالي وحضوره الدولي حتى تستمر في مواقعها المريحة والحكم باسمه وتحت رايته وتغطي على فسادها بالزعم أنها تنفذ تعليمات الرئيس القائد الملهم، ويصبح الأمر مريحا أكثر للطبقة السياسية مع تقدم الرئيس بالسن حيث توظف عدم قدرته على متابعة كل الملفات لتهيمن على مجمل الحياة السياسية وتقوم بتصفية خصومها ومنافسيها من الوطنيين الصادقين وخصوصا من كان منهم مقربا للرئيس .

أحياناً يحدث توافق ما بين الزعيم والطبقة السياسية، إما لأن الزعيم في بداية عهده يكون بالفعل محبوبا من الشعب وقادرا على الانجاز الوطني ويكون الشعب منبهرا بالشعارات الكبيرة التي يرددها كما أن احترامهم وتقديرهم له يمنعهم من التفكير بغيره، أو خوفا منه عندما يكون حازما وغالبية القيادات الكاريزمية كانت قوية ومستبدة ، أو لأن شكلاً من التواطؤ والتوافق تم بين هذا الزعيم والطبقة السياسية لتقاسم مغانم السلطة بحيث تواصل الطبقة السياسية تمجيد الزعيم وتوفير ظروف مناسبة لحكمه والسكوت عن تجاوزاته من خلال تحكمها بالأجهزة الأمنية والماكينة الإعلامية والمصادر المالية في السلطة، في مقابل صمت الزعيم عن فساد هذه الطبقة، صمت العاجز والمغلوب على أمره أو صمت الفاسد والمتواطئ .

تستمر هذه العلاقة إلى أن تسوء الأمور في البلاد اقتصاديا واجتماعيا ويتزايد الفقر والفوضى الأمنية وافتضاح فساد الطبقة السياسية، فينفذ صبر الشعب وهو يرى تزايد الفجوة بين الشعارات المرفوعة وواقع حال البلاد والعباد فينفجر وتحدث الثورة أو تلوح نُذرها، آنذاك فإن هذه الطبقة السياسية تنقلب على الزعيم بسرعة وتشتغل ماكينتها الإعلامية لتشويه صورة الزعيم الملهم والتاريخي ليتحول لاستبدادي ودكتاتوري، وتعمل على تبرئة نفسها بالزعم أنها مجرد منفذة للتعليمات وتُحَمِل الزعيم كل المسؤولية وتتركه لمصيره الأسود ليكون كبش فداء وضحية هذه الطبقة السياسية .

في حالات التحرر الوطني يمكن تًقبل فكرة القيادة الكاريزمية ما دام الزعيم يقود حركة تحرر وطني، ولكن عندما تُنجز حركة التحرر الوطني أهدافها وتنال البلاد الاستقلال، أو تتحول حركة التحرر إلى سلطة وحكومة في ظل الاحتلال كما هو الأمر في فلسطين، فإن الأمر يحتاج لإعمال مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث :التنفيذية والتشريعية والقضائية أيضا يحتاج للفصل بين الرئاسات وإعادة توزيع المناصب القيادية وآلية الوصول لها .

 

إبراهيم أبراش

 

إن معرفة أهمية العلم والمعرفة، والعمل على وعي المجتمعات لنهضتها، يطرح تساؤلا هو: على من تقع مسؤولية النهوض بوعي الناس؟

وبما أن المسألة متعلقة بالوعي فإنها تلقائيا تصرف الذهن إلى المثقف من حيث الماهية والوظيفة، وعلاقاته سواء مع السلطة السياسية أو المؤسسة الدينية أو الجمهور.

وهذا لا يعني حصرها بالمثقف، لكنه يعني أن المثقف محورها، لدوره الوسيط بين الجمهور والسلطة السياسية والمؤسسة الدينية، فعملية الوعي ليست أحادية المصدر والمنهج، لأن عقل الإنسان قابل للتوسع والتشعب معرفيا وعلميا، والإنسان قابل للتكيف والتطور، هذا فضلا عن التعقيدات الحياتية التي تتزايد كلما مضينا قدما في الحياة، والتي تتطلب بشكل دائم فتوحات معرفية وعلمية، وتطوير المناهج والأدوات، بل تتطلب تثاقفا بين المؤسسات الدينية والنخبة المثقفة في الشرق مع مثيلاتها في الغرب، بعيدا عن الصراعات السياسية بين الدول.

فطالما كانت الصراعات السياسية يدور قطب رحاها بين دول عظمى ولكن هذا لم يمنع المثقفين والنخب في تلك الدول المتعادية أن تستفيد من ما تقدمه بعضها في المجال العلمي والمعرفي، فالاستفادة العلمية والمعرفية هي سبق يستفيد منه حتى السياسيون في معاركهم، ولأن مصالح الناس متعلقة بشكل رئيس على وعيها وإدراكها لحقوقها وواقعها، وقدرتها على تشخيص الأصلح، لذلك الموضوع يتطلب تظافر جهود المخلصين، وخاصة من طبقة النخبة المثقفة، التي حملت على عاتقها التصدي والعمل الرسالي والإنساني، ومواجهة كل التحديات لأجل الصالح العام، والارتقاء بوعي الناس.

وفي ظل وجود أنظمة مستبدة وسلطوية أو شبه سلطوية، يصبح لزاما التعاون بين النخبة المثقفة والمؤسسة الدينية ومؤسسات المجتمع الأهلي، لمواجهة محاولات استعباد الناس وسلبهم حقوقهم و ثرواتهم، ومقدراتهم، وسرقتها وبيعها بالرخيص للقوى الكبرى، فيختل ميزان العدالة، ويصبح هناك سيد وعبد، وهو خلاف إرادة الله تعالى في تحرير الناس من كل العبوديات سواه، وتحقيق العدالة في الأرض.

"لقد أدركها التنويريين  الفرنسيين الكبار، لقد حلّوا لغز التناقض الحضاري والتاريخي بين الحداثة والتنوير من جهة والهوية والانتماء من جهة ثانية. فالاقتداء الحضاري والفكري والعلمي بأمّة متقدّمة أو حضارة متقدّمة لا يلغي أبداً العداء السياسي لها والالتزام الوطني والقومي ضدها، وهذا هو بالضبط الموقف الذي اتخذه التنويريين الفرنسيون إزاء التفوق الحضاري الإنكليزي.

إنه ذلك الحل الجدلي الاستثنائي لعلاقة الحداثة والهوية، الجمع الجدلي الذي على إثره «كان النور...» فترتبت واحدة من أعظم الثورات في التاريخ الأوروبي الحديث الثورة الفرنسية. إن كل الأمم التي تمكّنت من عبور منصة الحضارة والدخول في ركب العصر الحديث لا بد لها أولاً من أن تكون قد حلت هذه الجدلية مقدَّماً. والفكر العربي المعاصر لا يزال واقفاً حائراً أمامها إلى اليوم. فعلى المستوى الفكري العربي العام نصطدم اليوم بالتيارين الكبيرين المقتسمين للساحة الفكرية والسياسية. التيار الأول هو التيار المتبنّي لقيم الحداثة الغربية من الليبراليين والعلمانيين الذين يجدون في انتمائهم إلى الغرب انتماءً كاملاً تامّاً لا يقتصر على الفكر وحسب، بل يمتد إلى التأييد السياسي الذي سيترجم في أغلب حالاته إلى الخيانة الوطنية، والولاء للمشاريع الاستعمارية والخضوع والرضوخ للمطامع الإمبريالية في عالمنا العربي والعمالة لها. إنهم أصحاب نظرية " الصفر الاستعماري" ورواد المنظمات والجمعيات والمراكز الأميركية والأوروبية والليبراليون والحقوقيون... إلخ الذين يجدون أن كل ما يأتي من الغرب حضاري وتقدمي. خطط البنك الدولي والقواعد الأجنبية والتدخلات والإملاءات وخروقات السيادات الوطنية، بل حتى الغزو المسلّح، تقع عندهم ضمن إطار الدور الحضاري والتمديني المبارك للغرب. وتماشياً مع المنطق الضحل هذا، يكون الموقف الاستهزائي واللامبالي لانتمائنا الحضاري التاريخي العربي والإسلامي الذي عندهم يجب تنسيقه كله بوصفه إرثاً رثّاً لا يستحق أكثر من نظرة ازدراء، فتكون الخلاصة في وصفة تغريبية لا تمتّ إلى الحداثة بصلة، فاشلة وتتضمن ضياعاً مؤكداً شاملاً على المستوى الوطني والاجتماعي والثقافي قد كنا وما زلنا نختبره على أكثر من صعيد في واقعنا العربي المعاصر. التيار الثاني الكبير الذي يحتل الجزء الآخر من ساحة الفكر العربي الحديث لا يختلف عن التيار السابق في حقيقة "رميه للطفل مع الأقماط الوسخة"... فبحجّة معاداة الاستعمار ونزعته التوسعية والاحتلالية وميوله الإمبريالية والإمبراطورية، يعادى كل ما هو قادم من الغرب) وصولاً في بعض الحالات المتطرفة إلى رفض حتى منتجاته التقنية) جملة وتفصيلاً. ليس معاداة سياسية فقط، بل حضارية وفكرية عبر التفافة متطرّفة ومتقوقعة نحو الذات والهوية ثم الانغلاق والتمترس فيها لتغدو فخاً وسداً يعوق أي نوع من أنواع التقدم والتحرر.

إنها تيارات الأصولية السياسية وأحزاب الإسلام السياسي بمختلف تلويناتها وأحزابها وتشعباتها. أي فكر نقدي وأي تحرّر يغدو خيانة، وكلّ ما يجب أن يكون قد كان وانتهى، وما علينا نحن أبناء هذا العصر اليوم إلا الاستمرار في المضي على نهج السلف الصالح ومكافحة البدع وهجاء الغرب مع متابعة حملات ردح مدح الذات والإعجاب بها. وليغدُ التراث والماضي والإرث مصدر الحكمة والصلاح والعلم الوحيد ولا حاجة إلى مزيد. إنه توجه نعي الأمة بأنها قد بلغت كفافها وانتهينا. ومع ذخيرة وعتاد فكري على هذه الدرجة من الضعف والضحالة لا تكون وسائل هذا التيار في مواجهة الغرب في نزعاته الاستعمارية إلا ضعيفة عاجزة ومشوّهة تعجز، كما هو واضح، في مواجهة أي من المشاريع العسكرية والغربية في أي ساحة من الساحات عربية، لنكون قد خسرنا الحداثة والهوية في آن واحد.

تقف مسألة الحداثة والهوية اليوم في العالم العربي على مفترق طرق، والحلّ يعني أولاً التمييز بين الموقف السياسي والموقف الفكري، حيث يكون الأول ملتزماً، أما الثاني، فيكون منفتحاً نحو آفاق تتجاوز الحدود والهويات."[2]

فكلمة مثقف عرفها الدكتور علي شريعتي[3]: "تعني بعيد النظر أو مستنير، وتعني ذلك الذي لا يتصف بالتقيد والتوقف ولا يفكر بجمود عقائدي، بل يفكر بوضوح وسعة أفق، ويميز عصره والأرض التي يقف عليها، وموقع البلد الذي ينتمي إليه والمشاكل التي تطرح في مجتمعه ويستطيع تحليلها وتقديم الحلول لها".ومن يدرك عصره وزمانه ويتفهم ما يجري حوله من أحداث وله إطلالة على السنن التاريخية، وقدرة على تشخيص وتمييز المشاكل الحقيقية التي تؤثر في مصير المجتمع من المشاكل الوهمية التي تدخل المجتمع في مزيد من الحيرة والجهل، ويكون فاعلا في الميدان، يمتلك رؤية  منصفة وموضوعية وواضحة ثقافيا وعلميا ودينيا، هو من المثقفين.

٣- وظيفة المثقف:

أنظونيو غرامشي (١٨٩١ـ ١٩٣٧م). وهو المناضل والصحافي الذي سجنه موسيليني عامي ١٩٢٦ و ١٩٣، كتب في دفاتر السجن: أن بإمكان المرء القول "إن كل الناس مثقفون، ولكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا دور ووظيفة المثقف في المجتمع"[4]

ويلعب المثقف دورا محوريا في حركة النهضة والتنمية الثقافية والاجتماعية على المستوى الفكري في المجتمع، ويمكن أن نلخص أهم أدوار للمثقف[5] بالتالي:

١- التنمية الثقافية والعلمية والفكرية، ولا يكون ذلك بعيدا عن قابلية المجتمع وإشكالياته العالقة، بل تكون التنمية والنهضة خارجة في هيكليتها العامة ومحتواها وأدواتها من حاجة المجتمع، بمعنى أن الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى ليس ممنوعا، بل يجب أن يكون وفق أسس أهمها دراسة الفارق الاجتماعي الثقافي والمعرفي، ودراسة فارق الإشكاليات الموجودة من مجتمع إلى آخر، فلا يمكن للمثقف أن يقوم بطرح إشكالية اطلع عليها في مجتمعات أخرى، وطرحها في مجتمعه وهي لا تشكل إشكالية حقيقية في هذا المجتمع، أو أنها تقع ضمن سياقات الأسبقيات المعرفية لمجتمعات دون مجتمعات، فلا يكترث لها المجتمع، بل على المثقف أن يفهم محيطه ويدرك أهم إشكالياته المعرفية والثقافية، ويضع لها حلولا تتناسب وقابلية المجتمع الثقافية والمعرفية، دون أن يكرس ما يرغب به الجمهور، بل أن يبلور رؤيته النهضوية من واقعه الاجتماعي لينهض به.

٢- يلعب المثقف دورا هاما في عملية التغيير والاصلاح في المجتمع، وهو ما يعني انخراطه في واقع المجتمع، فهو" ليس ثمرة البناء الفوقي والفرعي الذي تبلور نتيجة لحتمية النظام الاقتصادي والبناء التحتي للإنتاج، بل المثقف عامل ومسبب يحمل على عاتقه رسالة متغيرة، بناءة وهادية في التاريخ.[6]

حيث تكون حركته في التغيير لا تقتصر على الزمن الذي يحيا به، بل تكون لديه نظرة آنية في أفق النظرة الاستراتيجية التاريخية الملهمة للأجيال.

٣- لا يقتصر عمل المثقف على البناء التحتي والفوقي الثقافي والفكري، بل يحمل هم الفقراء في مجتمعه فالفقر معيق غالبا للمعرفة، بل هو أحد أهم معوقات العلم، ويملك لهم رؤى تكافلية تنهض بهم اقتصاديا وفكريا، فهو المعنى بالتغيير في كافة أشكاله بما فيه التغيير الاقتصادي.

٤- المساهمة الفاعلة في حل المشاكل في كافة أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع تحمل ما يلزم ذلك من محاذير وتضحيات على المستوى الشخصي، خاصة ما سيقدمه من تضحيات شخصية قد تؤثر على وضعه النفسي والصحي والاقتصادي.

٥- مراقبة السلطة وتنوير المجتمع بخفايا سياسات السلطة، فهو لا يمارس دور المعارض مطلقا، ولا الموالي مطلقا، بل هو بمثابة المراقب الذي يكشف التقصير للمجتمع، وفي ذات الوقت يدعم مسيرة التنمية في حال بدأتها السلطة، ويشجع المجتمع على الانخراط بها. هذا إضافة لدوره في نقد أداء السلطة وتطويره، دون الانخراط في شبكة مصالح خاصة معها.

٦- التفاعل مع مؤسسات المجتمع الأهلي، والإسهام في تفعيل دورها في المجتمع، والمشاركة الفعالة في تطوير رؤاها، وتفعيل وجودها خاصة في مجال التنمية الثقافية والفكرية في المجتمع.

٧- التفاعل مع المؤسسات الدينية، ويكون ذلك بالإسهام في رسم الصورة الواقعية للمجتمع للمؤسسة، والإسهام في تطوير القراءة الدينية للنص، ورفد النص بإشكاليات الواقع، من خلال تفاعله مع الفقيه، ورفده بآخر الدراسات العلمية الحديثة خاصة في العلوم الإنسانية وفروعها، والتي تسهم في تطوير قراءة النص الديني.

٨- المراقبة الذاتية وتطوير الذات القائم على أساس العودة للذات، والخروج من كل محاولات الاغتراب عنها، ومحاولات الاستلاب لهويتها، وفهمه العميق لجوهر المعارك الثقافية والفكرية على مستوى الهوية، حتى لا يكون جسرا لسلب الهوية، ولا أداة في تكريس التطرف تحت شعار الحفاظ على الهوية، بل دوره امتلاك القدرة في الحفاظ على الأصالة من جهة، وعلى مسيرة التطور والمواكبة من جهة أخرى. فلا يفقد هويته بحجة التنمية الثقافية، ولا يكرس الجهل بحجة المحافظة على الهوية، والتي فيها ثوابت ومتغيرات تخضع في متغيراتها للزمان والمكان، دون المساس بثوابتها.

هذا ملخص لأهم الأدوار التي يقوم بها المثقف، وهنا نحن لسنا بصدد عمل فردي للمثقف في هذا العصر المتشابك والمتعشب والمتكثّر معرفيا، بل ضمن هذه الأدوار الكبيرة والمهمة والنوعية، يكون العمل هنا مؤسساتي، بمعنى أن يسير العمل الثقافي والمعرفي ضمن عمل مؤسساتي، يقوم في عمله على شبكة من المثقفين من كافة التوجهات، التي تعمل على استقراء الساحات المعرفية، والتصدي للإشكاليات الداخلية والخارجية ضمن خطة عمل مؤسساتي وليس فردى. أي هو دمج لدور المثقف مع فكرة مؤسسات المجتمع الأهلي، لأن الدور الموكل للمثقف في راهننا لا يمكن أن يقوم به منفردا، بل يتطلب جهودا جماعية ضمن عمل مؤسساتي منظم.

ولعل نظرة عابرة إلى مجتمعاتنا يجعلنا نقف لنتساءل: ما هو الدور الذي يقوم المثقف به؟ وما هي علاقته بالناس وهمومهم؟

لست في صدد الحكم والإطلاق وإنما بصدد الإنصاف من النفس، فما لدينا اليوم يمكن تقسيمه إلى عدة أقسام:

١- مثقف هيئة (صوري)، يمارس هنا الشخص دور صوري للثقافة، متلبسا بها بصورة وهيئة مثقف، وقد اتخذ من الثقافة الصورية وسيلة لتحقيق نفوذه الاجتماعي وهيمنته على عقول الناس، أو لتحصيل نفوذ في السلطة أو نيل ثقة جهات نافذة، وهذا لا يعني أنه مارس الفعل الثقافي، بل هو بالأصل ادعى الثقافة واستخدمها لتحقيق مصالحه[7].

٢- مثقف السلطة، ورغم ثقافته فعليا، إلا آنه سلوكيا بات مرتبطا بالسلطة فتخلى عن وظيفته النقدية والمتصلة بفعل الوعي، وارتباطه بالسلطة يمنعه من النقد والتقويم والتصويب، ويجعل منه مجرد تابعا منفذا للأوامر، في مقابل تحصيله لمنافع ذاتية تختلف باختلاف رتبة ارتباطه بالسلطة،  وقدرته على تحقيق ما يريد مه، حتى لو خالفت قناعاته الثقافية والفكرية. فهو مدفوع الأجر[8].

"إن موضوع المثقف بدأ مع قضية الضابط الفرنسي اليهودي "الفريد دريفوس" المتهم بقضية تجسس لصالح ألمانيا (1894)، هذه القضية كانت بمثابة عود الثقاب الذي أشعل نار الكراهية الفرنسية ضد اليهود الفرنسيين، فحكمت المحكمة العسكرية بتجريده من رتبته العسكرية ونفيه، ثم شدد عليه الحكم بالسجن عشر سنوات إضافية لثبوت التهمة عليه. إلا أن بعض المثقفين الفرنسيين قادوا حملة تشكيك بالتهم المسوقة ضده، منهم المفكر الفرنسي أميل زولا الذي كتب مقالته الشهيرة "إني أتهم"، والذي أدى بدوره إلى ظهور بيان حمل توقيع "المثقفين" في فرنسا على وثيقة تطالب بإعادة محاكمة "دريفوس"، وذلك بعد ظهور أدلة تشير إلى براءته ومحاولة الحكومة اليمينية طمس الأدلة الجديدة على براءته، وأن القضية ملفقة للإساءة إلى يهود فرنسا. وتحت ضغط تلك الحملة أعيدت محاكمة "دريفوس" (1906)، وحكمت المحكمة المدنية ببراءته، وأعيد له اعتباره.

لا أريد هنا أن أبرئ "دريفوس"، خصوصاً عندما نجد أن رئيس قسم التاريخ في الجيش الفرنسي يصدر قبل بضعة سنوات تقريراً يشكك فيه بحكم البراءة وصحة حكم الإدانة، ثم يتحرك اللوبي الصهيوني الفرنسي ضده، الأمر الذي أدى إلى عزل رئيس قسم التاريخ في الجيش من منصبه، لمجرد نشره لتقرير يعبر عن وجهة نظر في قضية تاريخية. لا أريد هنا أن أبرئ "دريفوس"، وإنما أريد التركيز على التداعيات التاريخية في أوروبا لموقف مثقفين دافعوا عن قضية اعتقدوا أن السلطة تحاول فيها طمس الحقيقة.

رسمت تلك القضية صفات معينة للمثقف ترتكز على شرطين: أولهما إصراره على كشف الحقيقة، وثانيهما أن يكون شجاعاً وأن يكون مستعداً للنقد إلى أبعد مدى، وأن يحدد ويحلل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ مجتمع أكثر إنسانية... هذا هو الوجه الأول الناصع من عملة المثقف.

الوجه الثاني القبيح لعملة المثقف، نجدها في قصة فرناندو كاردوسو، التي تقف على نقيض القصة السابقة. كاردوسو هو مثقف برازيلي مشهور وعالم اجتماع يساري، اختير مفكر العام بسبب كتاباته الجريئة عن الفقر وظهور الطبقات الاجتماعية نتيجة لطغيان الرأسمالية، وحظي كاردوسو بشعبية لانتصاره لمآسي الفقر وتدني مستويات الضمان الاجتماعي. خلال تلك الفترة، وصلت ديون البرازيل إلى مستوى غير مسبوق، بسبب ضغط الدائنين على الحكومة لاعادة الهيكلة، وتنفيذ سياسات مالية تضمن عائد مالي يسدد على الأقل فوائد الديون، ويسمح بسياسة اقتصادية تقشفية  لصالح الدائن الأمريكي. كان لابد من منفذ للسياسات المتشددة والموجهة ضد الإنسان الفقير. وحدث أن اختير كادوسو وزيراً للمالية، لشيوع حالة الرضى عنه وسط الشارع البرازيلي. وشعر الدائنون بتخوف من تاريخه النضالي ضد الرأسمالية المتطرفة، لكن سرعان ما اطمأنت عندما قال في اجتماع مع كبار المصرفيين والصناعيين: "انسوا كل ما كتبته.

هاتان القصاين بالغتا الدلالة، وضعت علاقة المثقف بالسلطة تحت السؤال، وأصبح هذا السؤال موضع اهتمام مفكري العالم، لأنها لفتت الانتباه إلى ظاهرة جديدة. القصة الأولى رسمت وجهاً مشرقاً للمثقف الملتزم الذي يقف مع الحق في وجه السلطة السياسية، وإن أدى موقفه إلى تقديم تضحيات جسيمة، كالنفي والسجن والتصفية الجسدية، فضلاً عن التهميش الاجتماعي والتصفية المعنوية. والثانية رسمت وجهاً بشعاً للمثقف الذي يتحدث عن المبادئ، ويرفع شعارات الدفاع عن المظلومين، ويصعد على أكتاف الجماهير، ثم يخون الأمانة ويضع يده بيد السلطة، بمجرد أن يوجه إليه عرضاً سخياً، يحقق مصالحه الضيقة على حساب المستضعفين، الذي كان ينادي يوماً بحقوقهم"[9].

وخطورة هذا النوع من المثقفين ـ كما أسلفنا ـ تكمن في ما يمتلكه من سلطة علمية تمكنه من أسر عقول الناس في ظلها، وسوق وعيهم إلى ما تريده السلطة، خاصة مع ضحالة المستوى المعرفي لأغلب الجماهير، ومع ميل الجمهور العربي والإسلامي للترميز السريع، بل لتقديس الرمز وتصديق كل ما يصدر منه، وهي عقلية تم بناءها تاريخيا ، وتضافرت في بناءها الأنظمة المستبدة، من خلال نُظُم التعليم المتبعة في المدارس، وهيمنة الجانب الديني واستغلال هذه الهيمنة وتجييرها لصالح تغييب وعي الجمهور، وتخدير قدرتهم على النقد والمراقبة.

٣. مثقف نرجسي[10]، وهو الذي يمتلك رصيدا معرفيا وعلميا عميقا، لكنه يعيش في برج عاجي، فيجعل من معارفه وعلومه سببا للتعالي المعرفي على من حوله، وتسفيه كل رأي، فهو كمن يرى أنه يسيل منه السيل ولا يرقى إليه الطير في ثقافته، فيعيش في صندوق الذات يطوف حولها، دون أن تؤثر معارفه وثقافته في تغييره هو أولا، بالتالي لن يكون قادرا على تغيير من حوله ولا تغيير واقعه.

٤. المثقف المنكفئ[11]، وهو الذي يمتلك معارف وثقافة غزيرة، لكنه يصطدم بالواقع، ويعيش في مثالية مفرطة لا توجد إلا في الكتب، ونتيجة صدمته بالواقع والفارق بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، انكفأ على ذاته واكتفى بالمشاهدة والتشخيص من بعيد.يتفاعل مع واقعه لكن لا من خلال الاحتكاك بالجمهور، بل من خلال ما يكتبه من آراء.

٥. مثقف ميداني أو مثقف مشتبك[12]، وهو المثقف الذي يمتلك رصيد معرفي وثقافي وازن، واستطاع أن يوائم بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، محاولا إصلاح مواطن الخلل، ومتصديا لميدان المجتمع، لكنه لا يرضخ لأي ابتزاز شعبوي أو نخبوي أو سلطوي، فهدفه إصلاح الواقع، والنهوض بوعي الجماهيردون الرضوخ لإرادتها.

"إنّ مهمّةَ المثقّف الثوريّ هي أن يكون في قلب المواجهة، وأن يعيشَ متمرِّدًا على الواقع وشروطِه، من أجل تجاوزه، لا من أجل قبوله أو التكيّف معه؛ ومهما ضاقت السبلُ بكَ، واشتدّ الحصار، فسيظلّ في وسعك أن تصنع ثقافةَ الاشتباك كطريقة عيشٍ وسلوكٍ وحياة، ولو بدا الانتصارُ الآن أقربَ إلى المستحيل.

الوعي الثوريّ لا يأتي دفعةً واحدة، بل أساسُه العملُ والتجربةُ المعيشة، ومرجعيّتُه حقائقُ الواقع الماديّ، فإنّ تعميقَه وترسيخَه يقتضيان امتلاكَ أدوات البحث والمعرفة والمنهج العلميّ"[13]

فالمثقف يلازمه مفهوم النهضة المسبوقة بالمعرفة، كون الثقافة ميدانها المعارف والعلوم والفنون، وهذه كلها أدوات رصينة في مشروع النهضة، بل تشكل القاعدة التأسيسية لها.

ولكن هناك انقلابا للصورة في أغلب الساحات العربية والإسلامية وخاصة الخليجية منها، حيث دخل المثقف من بوابة المجتمع إلى السلطة وعالم السياسة،  فاستخدم المجتمع لأجل الوصول لما يحقق له المكاسب السياسية والمواقع المتقدمة في السلطة[14]، بدل أن يكون هو صمام أمان لوعي الناس والمشخص لحقيقة همومهم، والناهض بوعيهم والموجه لأولوياتهم، من أولويات بسيطة وبعيدة عن واقع وأسباب معاناتهم، إلى أولويات ناهضة وحقيقية تصب في صالح نهضتهم ورقي الوطن.

وتحول المثقف في هذه الحالة إلى متثاقف، ليصبح عبارة عن كم من المعلومات السياسية والعلمية الغير نافعة، ولكنها تشكل سلطة له يستضعف بها عقول الناس البسطاء[15]، إذ أن المثقف الحقيقي هو من يحمل شعاع المعرفة وينير به عقول الناس، لينعكس على سلوكياتهم ووعيهم، بدل أن يصبح وعاء معلوماتي لا انعكاس له ولا نفع له في الحياة العامة والتغيير والاصلاح.

ولا ندعي خلو المجتمع من المثقفين الحقيقيين، إلا أنهم لا يشكلون قوة قادرة على تغيير الوعي[16]  والنهوض به وذلك للأسباب التالية:

١- غياب المشروع الهادف، بمعنى عدم وضوح الصورة وعدم القدرة على التشخيص السليم نتيجة مستوى الوعي المحيط في بيئته، وموقعيته في تلك البيئة، مما يؤثر على مقدرته في تشخيص الأولويات، وتقديم الأصول على الفروع في مشروع الوعي والمعرفة، بالتالي تشتت الطاقات في مشاريع فرعية لا تحدث تغييرا كما يجب.

٢- الافتقار للدعم المادي والمعنوي[17]، رغم امتلاك مشاريع ناهضة ومحورية وهادفة.

٣- وجود دعم مادي ومعنوي، ولكن غياب المنهجية السليمة لتحقيق النهضة[18]، وهدر الدعم المادي وفق تشخيصات للأولويات خاطئة، نتيجة التشخيص وفق رؤية مذهبية أو طائفية أو قبلية، أو رضوخ للجهة الداعمة وأولوياتهـا لا أولويات المجتمع ومتطلباته الحضارية.

٤- التهميش لفئة المثقفين الميدانيين[19]، لتضارب حراكهم مع مصالح القوى النافذة، أو بسبب الصراعات الشخصانية على الساحة، التي ينخرط فيها الأشخاص في سباق وهمي مع الآخر، لحصد مواقع متقدمة، وأسبقية موقعية في المجتمع، رغم عدم كفاءته ومكنته، أو بسبب قدرة هذا المثقف الميداني على تشخيص مكامن الخلل في عمل المتصدين، ونقدها ورصدها والإفصاح عنها، أو نتيجة الصراعاتا لحزبية والتيارية التي تجد هذا النوع من المثقفين يقف عقبة كؤود في سبيل تحقيق أجنداتها التي تتطلب وعيا موجها للجمهور.

ففي حفلة الحراكات الجماهيرية التي تكتسح كثير من البلدان العربية اليوم (عام ٢٠١٩)، اختلفت أنماط الحراكات وطرق تعبيرها عن سخطها على الفساد وعدم تحقيق العدالة من قبل السلطات الحاكمة، بل اختلفت أيضا هذه الحراكات في طبيعة موقع المثقف في كل منها، فبينما كانت هناك حراكات يشكل المثقف طليعتها وجوهرها، بالتالي انعكس ذلك على آليات الحراك ومظاهر تعبيراته الحيوية في ساحات التظاهر، واختلفت طرق تحقيقه لما يريد، وجدنا حراكات أخرى تخلف فيها المثقف عن أداء دوره، واكتفى بالمتابعة والمشاهدة، إما لانفلات عقال الضبط الأمني، وتصدر المشهد الجماهير الغاضبة و وتسلق عليها المخربين والمتصيدين، والمترصدين والعملاء، وهنا لا يكون موقف المثقف موقف المتفرج والمراقب، بل عليه أن يشمر عن سواعد ثقافته وعقله، وينزل لعقول الجمهور في عملية كي للوعي إيجابية، يوجه من خلالها المطالب، ويكشف من خلالها المخربين حتى لو تطلب ذلك تقديم نفسه على درب الشهادة، أو أن الجماهير بلغت مبلغا من الجهل والتخلف ـ رغم أحقية غضبها على الفساد والظلم ـ إلا أن تعبيرها عن الغضب كان عشوائيا وفوضويا فتح الساحات على العنف وافتقاد الأمن، مما لا يسمح لصوت العقل بتصدر المشهد، ويصبح من الحكمة السعي لضبط الشارع أمنيا دون عنف، حتى لا تعم الفوضى وتهدر الدماء، أكثر من التصدي لعملية الوعي، لأن الانفعال والغضب الجماهيري، وتساقط أحجار الدومينو تباعا، وارتفاع صوت الغضب والنقمة على صوت العقل والحكمة، لا يسمح أبدا للمثقف بل لا يتيح له الفرصة في قيادة حركة الجماهير وتوجيهها، فتكون هنا وظيفته تتجه نحو التهدئة وتخفيف الهيجان العاطفي وامتصاص الغضب، والاستيعاب، ومن ثم بعد ذلك يرتب مساره تدريجيا نحو ضخ جرعة من الوعي لتنشيط الذاكرة الجماهيرية، وإعادة الحياة للعقل مجددا، وهو ما يتطلب حنكة وحكمة وصبر استراتيجي ومهارة عملية في التعاطي مع الجماهير الغاضبة.

وهناك جماهير عبرت عن مطالبها بطريقة إلى حد بعيد حضارية واختلطت صفوفها بين المثقفين والجمهور والأكادميين والفنانين والرسامين، والمهنيين، والنقابيين، وتنوعت حراكاتها باتجاهات عدة، إلا أن الخطر هنا يكمن في تآمر الطبقة السياسية، واندساسها بين الجماهير بصبغات ثقافية، وهيئات مثقفة ركبت موجهة الحراك إما لتحرفه عن مساره المطلبي، أو لتتكسب وتركب موجهته رغم أنها شريكة أساسية في حركة الفساد والظلم.

والمطلوب ليس أن يعمل المثقف وفق مسطرة معايير واحدة من حيث الوظيفة، بل أن تكون مسطرة المبادئ والقيم و الأخلاق واحدة، ولكن تكون الوظيفة تتمظهر وفق تشخيص الواقع ومتطلباته ، ومعطياته الميدانية والسياسية والاجتماعية، حتى لا يقع المثقف فريسة الشعبوية من جهة، أو العمالة من جهة أخرى، أو النخبوية البعيدة عن الواقع من جهة ثالثة، فيصمت في موضع الكلام، أو ينأى بنفسه بحجة عدم التلوث أو عدم الإنصات.

 

إيمان شمس الدين

........................

[1] من كتاب المثقف وجدلية القهر والاستبداد/ إيمان شمس الدين/ دار الانتشار العربي/ ط١ / ٢٠٢٠

[2] جدلية الحداثة والهوية في المشهد العربي اليوم / يزن زريق / يوم الثلاثاء 2019/2/26 ـ /العدد 3697

/ https://al-akhbar.com/Opinion/266772

[3] في مصدر سابق ص ٢٩ من هذا الكتاب

[4] صور المثقف/ ردوارد سعيد/ محاضرات ريث سنة ١٩٩٣/ نقله إلى العربية غسان غصن/ راجعته منى أنيس/ ص ٢١

[5] تنويه: هنا حينما أعرض وظيفة المثقف لا أعني تمثيل المثقف كفرد يمثل المنقذ للأمة، بل هي وظيفة تخص كل مثقف، ومع التحديات الراهنة لم تعدالوظيفة فردية بل قد تكون مؤسساتية، بمعنى مؤسسة تضم مجموعة من النخب المثقفة تقوم بهذه الأدوار مجتمعة.

[6] الأعمال الكاملة/ دكتور علي شريعتي/مج ٥/ ص ١٦٣

[7] مثقف مستبد

[8] مثقف مستبد

[9] المثقف ودوره/ الشيخ د. مرتضى فرج/محاضرة ألقيت في ديوانية الأكاديميين في الكويت/ يوم الأحد الموافق 27/3/2005

[10] مثقف مستبد

[11] مثقف مقهور

[12] مصطلح آطلقه الشهيد الفلسطيني المثقف باسل الأعرج والذي اغتالته يد العدو الصهيوني وهو في ساحات الانتفاضة الفلسطينية في ٦/آذار ـ مارس /٢٠١٧ وكان آيقونة هذا المصطلح حيث جسدت حياته مصداق لمصطلح المثقف المشتبك.

[13] باسل الأعرج المثقف الثوري في زمن الاشتباك / خالد بركات

http://al-adab.com/article/باسل-الأعرج-المثقّف-الثوريّ-في-زمن-الاشتباك-ملفّ

[14] مثقف مستبد

[15] مثقف مستبد

[16] مثقف مستبد

[17]  مثقف مقهور

[18] مثقف مقهور قهر ذاتي، أي هو من مارس القهر على نفسه ببذل جهد أكبر للتخطيط

[19] مثقف مقهور