 قضايا

علي عبد الرازق: إصلاحيًة اسلامية بروح ليبراليًة (1)

علي رسول الربيعيغياب السياسة والموقف من الحداثة

أصدر علي عبد الرزاق (1888-1966)، أبان النقاش الدائر حول الخلافة الاسلامية، كتابه "الإسلام واصول الحكم" ويتضمن ثلاثة محاور أساسية: الخلافة والإسلام، الحكومة والإسلام، الخلافة والحكومة في التاريخ. يعرض فيه موقفا نقديا من مســألة إحياء الخلافة الإسلامية، ويعبر عن ما وصل اليه الوعي السياسي الإصلاحي الإسلامي في المناخ الليبرالي السائد في الأوساط الفكرية أنذاك.

تصدّى عبد الرازق في خطابه، إلى "الحلقة المركزية" في الإصلاح السياسي الدينيّ القائمة على ازالة الخلافة، الفصل بين الدّين، بوصفه تعبيرا عن المبادئ الروحية والقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، وبين الدولة بوصفها منظومة قوانين وقواعد وسلطة لإدارة شؤون المواطنين. فماهيً الحجج الواردة في خطاب عبد الرازق لإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة؟

قدم الإصلاحيون مقاربات عديدة تناولت مصدر الخلل الرئيس في تخلّف العالم الإسلاميّ والعجز عن اللّحاق بركب التقدّم والتطور، لكن لم يصل خطابهم السياسي إلى بناء منظومة فكريّة يُحسم بها وجوب الفصل بين الدين والدولة، ما عدا الكواكبي، إلا أن ذلك الخطاب كان ضروريُ للتمهيد لنظرية عبد الرازق في أنً الاسلام رسالة لا حكم، ودين لا دولة.

جاء خطاب عبد الرازق امتدادا فكريا وتاريخيا لأفكار روّاد الإصلاحيًة الإسلاميًة في القرن التاسع عشر، ابتداء من الطهطاوي الى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حتى عبد الرحمن الكواكبي؛ فكان خطابه تطور طبيعيا في الفكر السياسي العربي بدليل الصدى الايجابي الكبير الذي لقيه لدى" الأحرار الدستوريين الذين كان حزبهم يجمع شتات المثقفين الليبراليين المتفتحين" (المراكشي، (1980) ص 374)

يمكن رد تلك النزعة التحررية في الخطاب الاصلاحي الى أفكار الحداثة السياسية التي دخلت من اوروبا الى البلاد الاسلامية والتي كان من نتيجتها أنْ خففت من هيمنة شموليًة الوعي الديني على المفكرين ذوي النزعات التجديدية الثورية في الاصلاح؛ فتولدت من مثل هذه الظروف مواقف تدعو الى تغيير الهياكل السياسية الاسلامية وتنظر الى النظم السياسية والمجتمع الاسلامي بمنظار متأثر بالطابع الأوربي (عبد اللطيف (2000) 61 – 62) وكان من أهم أفكار الحداثة السياسية الأوربية التي تأثر بها الإصلاحيون، وأن على نحو جزئي، هي فصل الشؤون الدينية عن الشؤون السياسية، وفي هذا السياق اصدار علي عبد الرزاق كتابه "الاسلام وأصول الحكم" عام، 1925 الذي مثل منعرجا حاسما في سياق أستجابة الإصلاحيًة الإسلاميًة لتحديات الحداثة اذ قال "لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا به واستكانوا اليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير اصول الحكم " (عبد الرزاق، (1925)، 102)

وعلى هذا الأساس كان خطاب عبد الرزاق يركز على انتقال الفكر الاصلاحي الحديث في طرح القضايا الفكرية والسياسية من صرامة الانتقاء وشدة الاحتراس في تقبل قيم الحداثة الى المرونة في الأقتباس منها، (القاضي، وصولة1997، 51) فقد عكس خطاب عبد الرزاق ايمانه بامكان التعايش بين الدين الاسلامي والعلمانية (الشريف، (2003)، 254)

أن هذا التوجه الذي اختطه عبد الرزاق في الفكر الاسلامي ينزع عن التراث الديني قداسته، فلا يرى خوفا في التعامل النقدي مع مؤسساته ونصوصه، بل انه يرى ضرورة تطوير هياكله حسب ما يمليه العصر بمتطلباته وتحدياته الراهنة؛ ويدعم هذا التوجه في ما يكمله من جهة أخرى متمثلا في استلهام المنجزات الحضارية الأوروبية التي لا تمثل " إخلالا بالضرورات الخمس المعلومة من الدين حسب التعبير الفقهي، والتي هي: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعائلة، انطلاقا من أن الشريعة في أساسها هيً من أجل الحكم الصالح ومصالح الناس (الفرجاني، 2003، 186)

تمكن خطاب عبد الرزاق، رغم نقائصه المنهجية، من التخلص من العوائق الفكرية التي كانت تسـور رؤية الكثير من الإصلاحيين قبله، وهي الخوف على قداسة الاسلام من ان تمسها يد التطور بسوء فتدنسها، والخوف من الأوربي الذي قد يكون في الأخذ من منتجاته الحضارية المادية والفكرية خاصة إدخال لمنتج "كافر" الى ارض "الايمان"، واقرار بتفوقه على المسلمين، رغم أن تفوق تلمس هذه الأنا آثاره في كل مظهر من مظاهر الحياة !

لقد كان يمكن لهذا الخطاب المتحرر من تلك العوائق ان يعطي نتائج مهمة في الفكر السياسي والاجتماعي والديني الحديث في العالم الإسلامي في طريقة أستقبال الحداثة لو تهيأت له الشروط التاريخية . فهو خطاب قد تجاوز مجرد الاعجاب باوروبا الى اعتبار العلاقة بينها وبين الاسلام علاقة تطابق واندماج، حتى أنه قد اعتبر بعض "القيم التي يدعو اليها القرآن مطابقة لقيم الثورة الفرنسية"! (القاضي، وصولة،1997، ص26)

لقد جاء كتاب "الاسلام واصول الحكم" عام 1925،" لا ليعطي شهادة وفاة لميت لفظ انفاسه، مع انتصار علمانية مصطفى كمال اتاتورك و"فض" الخلافة، وانما ليعلن حكم الاعدام على نظام لازالت تتردد انفاسه" (شكري، 1978، ص234)؛ وأن يثبت لا نظام خلافة في الاسلام، استنادا الى دراسة فقهية معمقة للنص القرآني والاحاديث النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، وعلى اية حال، فان "الزوبعة التي اثارها (هذا الكتاب) لم تكن مفتعلة البتة اذ هي عنوان التحول الحاسم الذي شهدته قطاعات لم ينفك تزايد عددها وتأثيرها من المفكرين العرب المحدثين الذين ضاقوا ذرعا بقيود الماضي وتجرؤوا على تقديم قراءات للتاريخ والواقع الاسلاميين لا تنسجم مع رؤى رجال الدين المتخرجين من المعاهد التقليدية والمجترين للحلول التي ارتضاها القدماء " (الشرفي (1991)،313 -314)

ومن هنا لانتفق مع رأي جدعان في قوله "ان ما يؤخذ على علي عبد الرازق... يمكن ان يرتد الى امرين: الاول رفض مبدا الخلافة استجابة لبواعث سياسية صريحة او مبطنة.. والثاني ممارسته لفضيلة "الشجاعة" في المنطقة الاقل خطرا تجنبا لسوء العاقبة ... فبدلا من ان يتصدى لخصمه الحقيقي (الملك فؤاد) ويقول له ان شروط الامامة او الخلافة غير متوافرة فيه اطلاقا، تصدى للاوساط الدينية وزعم ان فكرة الامامة باطلة اصلا، فاصابت الرمية الاسلام نفسه لا السلطان " (جدعان، ص 349). بعبارة أخرى، أنً الجهد الذي بذله عبد الرازق من أجل أثبات ان لا نظام خلافة في الاسلام يعود الى دوافع سياسية وليست فكرية صادرة عن قناعات عقلية، وانه كان يرغب في توجيه سهام النقد الى سلطان مصر، فاذا به يصيب الاسلام وليس السلطان.

انه من باب التجني تعليل نزعته العلمانيه بالاسباب السياسية الظرفية أو الشخصية المتعلقة بموقف من شخص بعينه، واغفال عامل التاثر بافكار الحداثة الأوربية، التي تلقاها من اوكسفورد بعد دراسته الازهرية، واطلاعه عن كثب على القوانين المدنية الأوربية، ومعاينتة المباشرة لانظمة الحكم الدستورية والديمقراطية هناك، ومن ثم مقارنتها بنظام الحكم الفردي المستبد في العالم الإسلامي الذي يدعي ان سلطته مستمدة من الشرع او من الله. فالمساله ابعد بكثير من كونها خلافا شخصيا مع ملك مصر في ذلك الوقت. انها مسالة نظرة جديدة الى الدين والسياسة لاترى في الدين ما يمنع المسلمين من الأستفادة من الحداثة في الإجتماع والسياسة، سماها مجيد خدوري " علمنة الاسلام" (خدوري، 1972، ص222)؛ أنها نظرة حديثة تناول فيها عبد الرازق العلاقة بين الدين والسياسة باسلوب جديد، ليس من باب البحث في المصلحة السياسية الظرفيًة للعرب، بل من باب الإستيعاب للعلمانية لا مجرد اقتباس المفهوم في صورته اللفظية ولكن من خلال " تطوير النص الخلدوني الذي يميز بين الخلافة والملك وبين الوازع الديني والعصبية، والى تأويله، منتهيا الى القول بغياب وجوب الخلافة في الاسلام، وبأنً ما يقال له "خلافة" هو سلطان زمني يتبدل ويتغير ويزول،ويقوم على القهر والغلبة " (كوثراني، 1996، 27)

أن الهدف الشامل والنهائي لخطاب عبد الرازق "الإسلام واصول الحكم" هو فصل الدين عن الدولة، أيً نزع الرداء "الثيوقراطي" للحكم وتبني القوانين الوضعيًة في الحياة السياسية؛ وبهذا خطا خطاب عبد الرازق خطوة أبعد بكثير من البحث عن "نصوص" دينية تحرم الكهنوت والديكتاتورية، وهي ايضا ابعد أيضا من "التوفيق" بين نصوص الشريعة وقوانين العصر الحديث .(شكري، 1978، 240)

فقد راى عبد الرازق أن مثل هذا البحث يتطلب معرفة باصول السياسة وانظمة الحكم الحديثة، لأن" حظ العلوم السياسية، في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين، كان بالنسبة لغيرها من العلوم الاخرى اسوأ حظ وان وجودها بينهم كان اضعف وجود، فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما، ولا نعرف لهم بحثا في شيء من انظمة الحكم ولا اصول السياسة(عبد الرزاق، 1978، 67). وقد كان حريا بهم، من وجهة نظره، ان يهتموا بالعلوم السياسية، مثلما اهتموا بالفلسفة والعلوم اليونانية والسريانية والهندية، وان يتناولوا بالبحث انواع الحكومات ومصدر السلطة، وتحليل مذاهب الحكم ومصادره، بغية نقد الخلافة وما تقوم علية، او بغية الرد على المعارضين، أو رغبة في تطوير نظام الحكم والافادة من دراسة المباديء السياسية، وانواع الحكومات عند اليونان. وقد رأى عبد الرازق، كان المسلمون اولى من غيرهم بالقيام بهذه الافعال" فما لهم قد وقفوا حيارى امام ذلك العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين ؟ ما لهم اهملوا النظر في كتاب الجمهورية الافلاطون وكتاب السياسة لارسطو، وهم الذين بلغ من اعجابهم بارسطو ان لقبوه (المعلم الاول)؟ وما لهم رضوا ان يتركوا المسلمين في جهل مطبق بمبادئ السياسة وانواع الحكومات عند اليونان... ورضوا ان يمزجوا لهم علوم دينهم بما في فلسفة اليونان من خير وشر، وايمان وكفر ؟ "(عبد الرزاق، 1978، 69).

لم ير عبد الرازق سببا لاهمال علوم السياسة الا الضغط الذي مارسه الخلفاء- الملوك على حرية العلم واستبدادهم بمعاهد التعليم، منعا لانتشار " علم السياسة [الذي] هو من اخطر العلوم على الملك، بما يكشف من انواع الحكم وخصائصه وانظمته ... لذلك كان حتما على الملوك ان يعادوه وان يسدوا سبيله على الناس " (عبد الرزاق، 1978، 76-7)، لانه حين يعرف الناس مبادئ السياسة واصول قيام الدول، وانواع الحكومات، فان ذلك يدفعهم الى المطالبه بالغاء منصب الخلافة، أو على الاقل النظر الى الخليفة كانه ملك يمارس القوة والقهر للحفاظ على سلطته، فلا يعود قادرا على اضفاء صفة القداسة على نوع الحكم الذي يمارسه بأسم الدين، على اساس أنه خليفة النبي لايجوز لاحد مخالفة رأيه او امره. من اجل الحفاظ على مٌـلكه كان الخليفة – الملك يلجأ الى القمع، فـ " الغيرة على الملك تحمل الملك على ان يصون عرشه من كل شيء يزلزل اركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته، لذلك كان طبيعيا ان يستحيل الملك وحشا سفاحا... وعدوا لدودا لكل بحث ولو كان علميا يتخيل انه قد يمس قواعد ملكه " (عبد الرازق، 1978، 67) وحُـرًمَ على علماءِ الدين المسلمين الخوض في العلوم السياسية إبان ازدهار العلوم والفنون في الحضارة الاسلامية، مع أن الظروف كانت تستدعي ذلك لكثرة الحركات المعارضة للخلفاء منذ بداية الاسلام. ويعلل عبد الرازق اسباب ذلك بِكُـره الخلفاء لعلم السياسة واعتباره أخطر العلوم على سلطتهم، ولذلك سدوا سبيله أمام الناس. (عبد الرزاق، 1925، 28 -29)

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

الشرفي، عبد المجيد (1991): الاسلام والحداثة، تونس، الدار التونسية للنشر

الشريف، ماهر (2003): (من غروب الإصلاح الديني الى تجديد الفكر الإسلامي) في: الشريف، ماهر، والكواكبي، سلام: تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية، دمشق، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط .

الفرجاني، محمد شريف، (2003): الشريعة بين القراءة السلفية – التقليدية ومحاولات التجديد في: الشريف، ماهر،والكواكبي، سلام (تحرير): تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية، دمشق، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط .

القاضي، محمد، وصولة وعبد الله 1997: الفكر الاصلاحي في القرن 13هـ / 19م ومطلع القرن 14هـ/ 20 م، ط1، تونس، المركز القومي البيداغوجي.

المراكشي، محمد صالح (1980) (من سمات الفكر السياسي الثوري في كتاب علي عبد الرازق " الإسلام واصول الحكم")، مجلة الكراسات التونسية، المجلد 28، العددان 11و 12 .

جدعان، فهمي (1998): اسس التقدم عند مفكري الاسلام،عمان، دار الشروق.

خدوري، مجيد (1972): الاتجاهات السياسية في العالم العربي، بيروت، الدار المتحدة للنشر .

شكري، غالي (1978): النهضة والسقوط في الفكر العصري الحديث، بيروت، دار الطليعة.

عبد الرزاق، علي ( 1925): الاسلام واصول الحكم، البحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، القاهرة، مطبعة مصر 

عبد الرازق، علي ( 1978): الاسلام واصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الاسلام، نقل وتعليق ممدوح حقي، بيروت، دار مكتبة الحياة.

عبد اللطيف، محمد الصادق، (2000): جذور الفكر الإصلاحي بين حركة الشيخ محمد رشيد رضا والنخبة الإصلاحيًة في تونس " مجلة رحاب المعرفة، العدد 14 / نيسان (أفريل) .

كوثراني، وجيه (1996): الدولة والخلافة في الخطاب العربي. دراسة ونصوص، بيروت، دارالطليعة .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4581 المصادف: 2019-03-22 01:06:03