 قضايا

أسئلة في تاريخية الدين ومآلية التدين عند أدونيس

مصطفى غلمانبغض النظر عمن تكون مآلية الدين والمقدس؟ وما شكلهما الجديد بعد أن صارت فكرة اعتبارهما مجرد حدث تاريخي، يتم تدميره ودفنه بعد أن أدى دورا وانتهى!

هل تتخلى البشرية عن معتقداتها الروحية وتعود لحياة الخرافة والمحاصصة في تجريب الماهيات الربوبية والبحث عن الذات الخالقة أو تحويل الوجود إلى صرعات، تشكلات الصدمة واللاخلق؟!

الأسئلة الكبرى التي تعاركت بين أدغال وأحراش الفلاسفة والمفكرين قرونا مقرنة، لازالت تثير عند بعض المتأخرين سحابات في غرق منون.

لقد قرأت اليوم بقليل من الدهشة والذهول جزءا طريفا من فعال الزهايمر لأدونيس وهو يفسر حتمية إبادة الدين وضرورة استيعاب خروجه من التاريخ بعد تهشمت أدواره المقيتة تحت وقع الحروب والدماء والاستبداد وظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟ ! كأن الدين في مرجعيته التاريخية لا يجسد غير ما ادعاه أدونيس وقام بتأويله طبقا للاحتياجات البشرية وصنيعتها التدميرية القاتلة.

هل لسلطة الدين أن تغرس الأحقاد والصراعات بين البشرية وتحيل النصانية الأخلاقية والقيمية للتنصل من رافعات القدوة والمعرفة والتربية على التسامح والمساواة والحرية والتكافل الاجتماعي.

الجماعات المتطرفة دينية كانت أو فكرية أو عرقية لا تمثل قيم الدين أو شريعة ما . العقل المخزي الناطق بالسلخ والذبح والحرق والتنكيل والتطهير العرقي لا يستوعب مستوى المكاشفة بين الخلق والتخلق، الوجود القيمي للإنسان ومناشدته قوة العقل ومنطق الحياة.

فلماذا يصر أدونيس على أن ينفي عن الدين قوة التحليق والاستسلام للمبدع المنشود في كل صفات الكون ، من السجر والحجر والكائنات وأطانيب البحر والتراب والماء والهواء ؟!

هل الدين صنيعة بشرية ؟

إذا كانت كذلك، فلماذا انتهت إلى ما هي عليه الآن، من الجهل بنواصيها وصالاتها ؟

لماذا تلبست الفرق والنحل والهوامل اللقيطة بالخلافات والقشور ولم تستسغ النظارة العلية للأخلاق والآداب المبثوثة في الخرائد والألواح والصحف المقدسة؟ أليس الانصراف الى ما دونها تبخيس واغترار وجحود؟!

لا أتردد في القول إن أدونيس يوجه سلوك التدين إلى الدين، ويركب على الدين بالتدين، ويستعدي الصلة القربى بينهما. وهو تحول لا أدري كيف يوجهه بحصافة لا تقل خبثا ومكرا عمن يريد عقلا بلا منطق أو منطقا بدون عقل!

النص الديني تابت موثق والتدين متنوع متغير والاختلاف بين المتون الدينية من خلال ما تحويه من أفكار واختيارات ومناطق جذب وجدل وتراكم وتزاحم ودفع وتدافع يصاحبه ويقاربه اختلاف فيما تبثه من حماسة أو مخاطبة ‏لعاطفة المؤمنين بها.

فلا تقل لي من فضلك إن الإنسانية تعيش بلا دين او اعتقاد، مرتاحة البال مطمئنة الأحوال. إذ الدين وضع إلاهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل. وإن جنح الناس به الى ما لا يصح صلاحا وفلاحا.

كما أن تحقق المدنية لا يستقيم دون ضمير أخلاقي، وسمو ذلك تتقاطع فيه المغارم والسبل القويمة والإيمان بالله . وهو أعظم درجات الحياة وأبلغها في اعتبار النفس وأمنها وائتمانه.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4582 المصادف: 2019-03-23 01:22:14