 قضايا

الدولة الباهتة .. إشكالية تبديد القوى والإضعاف الممنهج

رائد عبيسلا يمكن تعريف "الدولة الباهتة" دون أن ندرك نقيضتها، والحكم بالنقائض أصبح سمة مقارنة الأجيال على حكمهم وتفضيل ما به على غيره وإن كان هذا الحكم يفصل عنه آلاف السنين، تجده يتمناه أو يحلم به أو يدفع به نحو المستقبل، فيحلم بدولة موعودة يتحقق له بها مراده ويستغل به طموحه بحكم يتفق مع نفسه. والبحث عن اتفاق ربما يسبب نفاق، وهذا ما نسمعه في المجتمع العراقي والذي يتفقون به مع بقيه المجتمعات العربية أو الإسلامية، مثل قولهم بأننا نرغب بدولة كالتي حكمها الرسول أو يحلمون بحكم عمر أو علي أو أي خليفه تعجبهم سيرة حكمه، وهناك ايضا من يحلم بحكم من استخدم القوة والسلطة والقتل، مثل أمنية جماعة بحكم معاوية أو يزيد أو الحجاج أو صدام أو أي حاكم قاسي بحكمه لرعيته إذ يجدوا بهذه القسوة هيبة للدولة او عزة المحكومين، لأنهم يعيشوا في دولة تحميهم من غزو الأعداء وتحقق لهم الاستقرار كما يتصورون.

فبين هذا وذاك اختلف مفهوم الدولة ورغبة الحكم وطريقة النظام إذ لو اتيح الاختيار عبر تجربة ديمقراطية اختيرت للناس حتى يحددوا نظام الحكم الذي يشبه نفوسهم لاختلفت نسب الاختيار تبعا لقناعته بطبيعة الحكم.

كيف نشخص الدولة الباهتة؟

حتى نستطيع بعدها أن نعرفها على وفق ذلك التشخيص، أو على مدلول كلمة باهتة، يرد معنى بهت باهت بثلاثة معان الاول بمعنى الحيرة والتكذيب والبهتان، والثاني بمعنى فاقد زهوه ولمعانه وسطوعه وجماله، والمعنى الثالث بمعنى الدهشة ،دهش فلان أي تعجب وتفاجئ وسكت باهتاً.

بين المعنى الاول والثاني والثالث مشتركات تحققت في فعل الدولة ومعناها ونظامها وحكوماتها وسياستها اتجاه شعبها المتأمل دولة تحقق استقراره باستقرارها!

فالدولة العراقية اليوم بحكومتنا هذه تحمل معنى بهتانها وتكذيبها على شعبها وهي حكومة محيرة ومدهشه من الغباء الإداري الذي تمارسه، وهي كذلك تدهش العقول وتبهت النفوس وتحير الناس بإجراءاتها الغريبة تجاه متطلبات حياة المواطن!!

وبهذا التوصيف يمكن أن نعرف "الدولة الباهتة" : على انها الدولة الفاقدة لرونق وجودها وزهو حضورها وسطوع قوتها بين الدول، والفاقدة لمقومات ستراتيجيتها الصادقة إزاء متطلبات تنميتها ونهضتها واعمار بلدها والمدهشة للعقول الواعية، بغباء تفكيرها وتخطيطها وانعدام جديتها وفسادها.

ما علاقة المجتمع بإنتاج الدولة الباهتة وقيامها ؟

قلنا في ما تقدم أن المجتمعات عندما تتاح لها حرية الاختيار بواسطة نظام انتخابي حر سوف تختار النظام الذي يشبهها الى حد ما ، وبهت الدولة وقوتها تأتي من جدية المجتمع في إقامة دولة أو لا ، فإذا كان الطموح موجود برغبة وجود دولة قوية سوف يختار لها رجال أقوياء لديهم رغبة وقوة في حكم الدولة وتقويتها وعدم التنازل عن مقومات قوتها استنادا إلى رغبة مجتمعها الذي تم اختيارهم له على هذا الأساس، بمعنى معيار حكم الأشخاص يمنحه المجتمع لمن يمتلكه ،ولا يجب أن يُحكم المجتمع بمؤهلات عائلية أو قبلية أو حزبية يقدمها الاشخاص للمجتمع بغير قناعة المجتمع لها وهذا ما يحصل في العراق! بواسطة هذا الزيف من المؤهلات الموهومة عند من يرون في أنفسهم هوس الزعامة تنشأ الدولة الباهتة وتتضح معالمها وكيانها.

فبهتان الدولة يأتي من بهتان من تسلط عليها، وبهتان المجتمع الراغب بذلك، فالرغبة بهذه الحالة هي رغبة غير محترمة وما تنتجه الآليات المزيفة في العملية الاختيارية التي تسمى ديمقراطية أو انتخابية يجب أن تعالج وتوجه البوصلة صوب عناصر القوة في المجتمع وليس عناصر بهتانها وضعفها، وهذا ما تعمل عليه الشخوص الفاسدة التي تحكم الدولة بدفع الجمهور إلى التفكير وممارسة الانفصالية عبر فكرة الأقاليم والاستقلال مثلما كان قد حصل في كردستان وفشل واليوم تتحرك البصرة بنفس الاتجاه، فضلا عن غيرها من المحافظات التي تتجه صوب الاقلمة، وهذا سبب ودليل بهتان الدولة وضعف رونقها وكسر شوكتها حتى أمام جمهورها وضياع هيبتها امام البلدان المجاورة والإقليمية والعالمية.

فسياسة بهت الدولة، مازالت سياسة قائمة عند الطبقة السياسية في العراق من خلال برامج معدة من قبل اجنداتها ، كأحزاب عازمة على نخر عظم العراق وأهله، أو بمساعدة دول مجاورة تسعى إلى اضعاف دور العراق كدولة تملك مقومات قوة بمساعدة اذرعها في الداخل. وكذلك حال الدول الكبرى كأمريكا وروسيا ودول أوربية أخرى تعمل على استغلال بهت وضعف رجال الحكم في العراق التي صنعت منهم واجهات حكم في العراق.

واذا استمر حكم الطبقة المعارضة في السابق للعراق سوف ينتهي به إلى توصيف شبه الدولة ومن ثم ضياعها وتبديدها بين أطماع الدول الذين يعملون كعملاء لها، لذلك نطمح إلى إزالة هذه الطبقة الفاسدة بطبقة رجال حكم لديهم حس وطني عالٍ يحققون للعراق وضع طبيعي ينعم بالاستقرار وخيره.

 

دكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4604 المصادف: 2019-04-14 02:00:30