 قضايا

كيف تم صناعة العدو في حروب الجيل الثالث والرابع (1)

محمود محمد عليلكي تخوض دولة ما حربا ضد دولة لا بد من أن تكون هناك أهداف مشروعة لتلك الحرب؛ حيث ثبت علي مر التاريخ أن الحروب قد ارتبطت بالصراعات بين الأفراد، ثم بين الجماعات، كما تطور وتنامي نطاقها عبر التاريخ في فنونها، وأدواتها، وطرق إدارتها، من جيل إلى جيل، شأنها شأن أي تطور طبيعي يطرأ على مناحي الحياة المختلفة،  فهي قدر محتوم على البشرية منذ قديم الأزل، تكون حيناً واقعاً مفروضاً للدفاع عن الأرض والعرض، أو لتحقيق مطلب، وحق استعصي نيله بالطرق السلمية، وتكون في حين آخر صراعاً بين طائفتين، أو فئتين، أو دولتين، لتحقيق مكاسب معينة سواء، اقتصادية، أو سياسية، أو أيدولوجية، أو لتحقيق أغراضٍ توسعية، يراها كل طرف بمثابة الحاجة الملحة لتأكيد هدف معين  .

وهذا الهدف هو ما يطلق عليه "صناعة العدو"، يقول هنري ميشو Heneri Michaux  بطريقة واضحة وضوح الشمس، إن تحديد الأعداء أو الأصدقاء والتحقق منهم يشكل آلية ضرورية قبل شن الحرب، وعند انتهاء النزاع يحتسب المتنازعون الحصيلة السلبية ذاتها : لقد كانت الحرب أسوأ الحلول لكن الناس خضعوا لها، مرة أخري، ومن المنطقي أن نحاول فهم كيفية إنتاج العجرفة الحربية التي تدفع الناس إلي أن يقتل بعضهم بعضا بطريقة شرعية  .

ذلك أن الحرب هي، قبل كل شئ، ترخيص ممنوع شرعيا لقتل أناس لا نعرفهم أو أحيانا تعرفهم حق المعرفة علي غرار الحروب الأهلية، لكنهم يتحولون فجأة إلي طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها . إن الحرب هي اللحظة " غير الطبيعية"، إذ يمكن معاقبة من يرفض قتل العدو بالموت، لذا يتعين علينا القيام بذلك عن طيب خاطر والاقتناع بما نفعل .

وللكشف عن كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يبُني المتخيل قبل الذهاب إلي الحرب ولتوضيح ذلك يمكن القول بأنه علي مر التاريخ، تكثر أمثال صناعة العدو. فلقد عرفنا " الخطر الأصفر"، أي الاختراع العبقري لغيوم الثاني Guillaume II بغية تبرير مشاركة ألمانيا في تقسيم الصين . وعرفنا " ألبيون الغدارة"، وهو الوصف الذي أطلقته فرنسا العظمي، متهمة إياها بأنها منعتها من الاستعمار بطريقة هادئة. وعرفنا" المؤامرة اليهودية- الماسونية" للبلوتوقراطيين (أي الأثرياء المتنفذين) التي ازدهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين،والتي استخدمت لتبرير المحرقة النازية (الهولوكوست) وتجريد حملات الاعتقال قبل أن تعود إلي الظهور بصورة  مشتتة . لكن هل اختفت تماما هذه الآلية التي أنتجت هذه الأساطير، والتي شرعنت الكثير من الحروب ؟ يشكل خطاب الرئيس جورج بوش في 29 من يناير 2002 حول حال الاتحاد، والذي يشير بشكل أحادي إلي بلدان " محور الشر " الثلاث، مثالاً معاصراً للإنتاج المصطنع للأعداء قدمته أقوي ديمقراطية  في العالم . ولم يكن ممكناً بالنسبة إلي أي دولة من الدول الثلاث المذكورة (إيران والعراق وكوريا الشمالية) أن يُشك في تورطها باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن الرئيس بوش أعلن للشعب الأمريكي، المصدوم نفسيا من الإرهاب، قراره بمحاربة .. انتشار أسلحة الدمار الشامل ! وانقسمت أوربا التي كانت دوماً متحدة ضد العدو السوفيتي إلي معسكرين  متعارضين، فقد كانت" أوربا العجوز" تعد صدام مشكلة، لكنها كانت ترفض اعتبار طاغية بغداد مبرراً للحرب. أما " أوربا الجديدة" فتبعت واشنطن وشاركت في الحملة العسكرية علي "التهديد العراقي" .

وقد أبرزنا في كتابنا "حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" أن الولايات المتحدة بنت فكرة حروب الجيل الثالث علي افتراض، أن العدو سيبدأ الحرب في المسـتقبل القريـب، وبالتـالي ستصبح ملائمة جداً للطرف الذي يباشر بها، بمعنى أوضح، فهي تعبر عن القيام، أو التحول في الرد على هجوم فعلي، إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم معاد محتمـل من قبل خصوم أمريكا .

وهنا برزت فكرة حروب الجيل الثالث كاستراتيجية أمريكية جديدة، بعد أحداث الحـادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وتبنتها الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش الابن، كعقيدة، ونظريـة معتمـدة فـي السياسة الخارجية، بعدما تم نشرها من قبل البيت الأبـيض فـي سـبتمبر 2002 ضـمن وثيقـة " استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحـدة National security strategy of the US، فهي تعبر - مفاهيمياً- عن سياسة أو إطار عمل، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بحق مهاجمة دول تعتبـر طامحة، لأن تشكل تهديداً، أو منافسة محتملين على الصعيد العسكري .

وتكمن النواة الأساسية لحروب الجيل الثالث ضمن وثيقة استراتيجية الأمن القومي، في الجمع بين تهديدين بالغي الخطورة من منظور أمريكي، وهما الدول المارقة والإرهابيين من جهـة، وإمكانيـة حصولهم على أسلحة الدمار الشامل من جهة أخرى  ؛ يقول فرانسيس فوكوياما:" إن أحداث 11 سبتمبر، قد غيرت إدراك الولايات المتحدة للتهديد المتغير،لأن الهجمات جمعت معاً تهديدين أكثر خطورة فـي حزمة واحدة، وهما الراديكالية - التطرف، والتكنولوجيا - أسلحة الدمار الشـامل، حيث رفعت القضيتان لأول مرة الاحتمال الوشيك لتهديد نووي مباشـر لا يمكـن  ردعه" .

إن أسلوب حروب الجيل الثالث يمنع العدو من فعل التهديد، فالولايات المتحدة تريد القضاء على العدو قبل أن يهددها، وهى تري أيضاً في أسلوب حروب الجيل الثالث، هو الذي يعيد استراتيجية الردع، فمثلاً كان الرد الأمريكي ضعيفاً على تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا، من خلال قصف صاروخي لمواقع في السودان وأفغانستان، وهذا الرد لم يخلق الردع للأعداء، لذا وجدت الولايات المتحدة أن أفضل وسيلة، هي البدء بالهجوم من أجل إعطاء فرصة للعدو أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، فوجدت في النظام السياسي في أفغانستان والعراق أفضل فرصة لحروب الجيل الثالث القائمة على الحرب الوقائية، فهي رأت في أن هذا النظام يأوي الإرهاب، ويسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي مثل هذه الحالة سيكون اللجوء للقوة، هو الأفضل من أجل منعه من تهديدها وردع الآخرين .

ولخوض هذا النوع الجديد من الحرب ضد الإرهاب داخل الولايات المتحدة وخارجها، حدّد الرئيس "بوش" استراتيجية الحرب الاستباقية، والتي تُعرف في بعض الدوائر باسم "عقيدة بوش"، حيث مضى قائلاً: "إذا ما انتظرنا حتى تستكمل التهديدات استعدادها، فمعنى ذلك نكون قد انتظرنا لأكثر من اللازم، ويتطلب أمننا أن يتحلى جميع الأمريكيين ببعد النظر والعزيمة، وأن نكون مستعدين للقيام بعمل استباقي، وتعلن تفاصيل الحرب الاستباقية الموضحة في استراتيجية الأمن القومي، إن الولايات المتحدة لن تتردد في العمل بمفردها إذا لزم الأمر، لممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بشن حرب استباقية ضد الإرهابيين، ومنعهم من إلحاق أضرار بشعبنا وبلدنا"، وإذ تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على ما كفله القانون الدولي من حق الدول في العمل ضد "خطر من هجمات وشيكة"، فإنها تقترح إعادة النظر في تفسير كلمة "وشيكة"، بسبب الطبيعة الثورية للعدو الإرهابي، وتمضي الوثيقة قائلة: "ينبغي أن نكيِّف مفهوم التهديد الوشيك مع مقدرات وأهداف أعداء اليوم؛ فكلما كان التهديد أكبر، كلما ازدادت مخاطر السلبية، وأصبح من الضروري اتخاذ عمل بالاعتماد على توقعاتنا لحماية أنفسنا، وحتى لو اكتنف الغموض زمان ومكان هجوم العدو، فإن الولايات المتحدة سوف تقوم بأعمال استباقية عند الضرورة. وحتى لا يشكِّل العدو تهديداً وشيكاً، فإن الولايات المتحدة سوف تشن الضربة الأولى ضد الإرهابيين، ومن يأويهم بعلم منه، أو يقدّم لهم المساعدة" .

وتحت شعار "مبدأ بوش" شنت الولايات المتحدة حروب الجيل الثالث، وهي الحروب الوقائية والاستباقية، ويعنى مبدأ بوش الأيديولوجيا أو العقيدة السياسية التي وضعها للعمل بها في مجال السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إبان فترة رئاسته الأولى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه أيضاً استراتيجية "الحروب الاستباقية" التي تمثل بذاتها العمود الفقري استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ككل التي وضعت عام 2002؛ أي بعد عام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تم الاستناد إلى هذا المبدأ في الحروب الأمريكية على الإرهاب والدول المارقة تحديداً ضد كل من أفغانستان والعراق .

ولذلك اخترعت الولايات المتحدة فكرة حروب الجيل الثالث، أو الحرب على الإرهاب، فأخذ شكل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، بمعاونة حلفائها، والتي بدأتها بالحرب علي أفغانستان، واحتلال العراق في مارس2003م، والتي انتهت بتدمير العراق .

وبعد عشر سنوات من التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، استشعرت الإدارة الأمريكية أنها تورطت في هذه الحرب، حيث كشفت الدراسة التي نشرتها جامعة براون الأمريكية بأن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 م أسفرت عن ما لا يقل عن 225 ألف قتيل وبلغ تكلفتها المادية 3700  مليار دولار على  الأقل ؛ وبحسب بيانات الدراسة فإن الإحصاءات تشمل الحرب على أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى الغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية على أفغانستان. وتبين الدراسة أن قتلى الجيش الأمريكي في هذه الحروب بلغ ستة آلاف قتيل فيما بلغ عدد قتلى حلفاء أمريكا 1200 قتيل، و10000 جندي عراقي، و 8800 جندي أفغاني، و 3500 جندي باكستاني، و2300 من موظفي الشركات الأمنية الخاصة "المرتزقة" .

وهنا قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عقب الهزيمة في العراق، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وقد بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة الأمريكية  يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة الأمريكية- تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جدًا. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict  قد عفى عليه الزمن؛ وهنا أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية .

وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4609 المصادف: 2019-04-19 03:46:40