 قضايا

الطائفية المذهبية والعرقية - «مثلث» الانحطاط التاريخي (2)

ميثم الجنابيالعراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل (20)

لقد كانت محاولات «إخراج» الشيعة من صف العرب هو عين إخراج العراق من هويته التاريخية العربية التي تبلورت في أول صيرورة متميزة وعالمية لها زمن الخلافة. فقد تحول العراق في مجرى الصراع السياسي الأول في الخلافة إلى موطن التشيع لحقوق آل البيت النبوي، أي لجوهر العروبة المتسامي. ومن ثم ليس التشيع سوى الصيغة الأخلاقية للعروبة المتسامية ومبدأ الدفاع عن الحق والعدالة المميزين للفكرة الإسلامية الأولى ونموذج شخصنتها التاريخي في الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يتحول العراق إلى «مرتع» التشيع ومدارسه الأولى، كما انه ليس مصادفة أن يكون محل الكراهية الشديدة والانتقام الدائم للأموية، بوصفها النموذج المتميز للاستبداد والغدر والخيانة. وهو موقع ميزه منذ الخلافات الأولى، بدأ بحرب الجمل وانتهاء بمقتل الإمام علي وصعود الأموية إلى السلطة.

ويمكن تتبع الصيغة «النموذجية» لهذه الحالة في الصدامية التي حولت الصراع الطائفي إلى عقيدة باطنية هشمت الوحدة القومية للعرب وخربت المكونات الضرورية للوحدة الوطنية العراقية. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى ما يجري الآن من محاولات الرد على الصدامية بمعاييرها على انه مجرد إعادة إنتاج لها. بعبارة أخرى إن تحميل الصدامية نتائج التخريب الشامل للهوية الوطنية العرقية لا ينفي مسئولية الأحزاب والحركات السياسية الشيعية عما تمارسه من إعادة إنتاج لمضمون الصدامية. والقضية هنا ليس فقط في أنها أكثر من يمارس فعلا ترتيب البيت العراقي على أسس طائفية وجعله أسلوبا «للديمقراطية»، بل ولأنها تمارس ذلك بحمية الأقلية ونفسيتها المريضة. بمعنى السير ضد مضمون الشيعة والتشيع في العراق.

ذلك يعني أننا نقف أمام ظاهرة تشير إلى خراب الحركات والأحزاب الشيعية السياسية. بمعنى افتقادها لبرنامج الرؤية الوطنية (العراقية) والقومية (العربية) ومكونات العقلانية السياسية (الإسلامية الثقافية). وفي هذا يكمن سر بقاءها ضمن حيز النفسية المذهبية والذهنية الطائفية. وهي ظاهرة مركبة، بمعنى إننا نعثر فيها على كل من ردود الفعل التاريخية والاجتماعية، وخصوصية تبلور القيادات الشيعية الدينية منها والسياسية وأيديولوجياتها الحالية على خلفية الانحطاط الشامل للعراق، وأخيرا على صدى المأساة التي تعرض لها العرب الشيعة في مجرى الحكم الدكتاتوري للصدامية. ونعثر على الوجه الخرب لهذه المأساة في طبيعة وشكل التخريب الذي يساهم حاليا في صعود ما يمكن دعوته بالتوتاليتارية الشيعية المبطنة.

فالمفارقة التاريخية للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية تقوم بهذا الصدد في جمعها مكونات يصعب دمجها أو صهرها مثل القومية «العلمانية» المتطرفة والحملات «الإيمانية» المفتعلة. غير أن القمع المنظم للحرية والتخريب الشامل للروح الأخلاقي والتدمير الفظيع للقيم العلمية والعقلانية وابسط قواعد الحس السليم هو الذي جعل من الممكن حشرها في نسيج الوعي الاجتماعي المتحلل. بحيث جعلت كل ما في العراق جزء من زمن عابر لا قيمة له ولا وظيفة غير الاندثار السريع في بعث العبث وحرقه الدائم أمام محراب الزيف والضلال. ولم يكن بإمكان هذه الحالة أن تصنع شيئا غير تقاليد المؤامرة والمغامرة التافهة، أي تلك التي لا تتعدى همومها البقاء «مهما كلف الثمن» والعمل بمقاييسها. وفي هذا الواقع أصبح المستحيل ممكنا! وهو شيء اقرب إلى «المعجزات» الخربة التي لم يعن صعود الحركة الدينية السياسية والقومية العرقية للأقليات في العراق إلى هرم السلطة سوى صيغتها الأولية ومظهرها السياسي! بعبارة أخرى، إن البدائل العملية في مجال الفكر والممارسة السياسية البديلة للصدامية لا تتعدى في الواقع أكثر من كونها توتاليتارية مقلوبة. وإلا فبأي معنى يمكن للحركات الدينية السياسية والطائفية والمذهبية والسلفية والقومية العرقية والعشائرية أن تكون حاملة الفكرة الديمقراطية؟ أو أن تكون «قاطرة الانتقال» إلى الديمقراطية في الوقت الذي لا تتعدى هي نفسها أن تكون نتاجا للبنية التقليدية في مراحل الانحطاط الشامل للعراق؟

ففي هذا الانحطاط الشامل أصبح من الممكن أن تتحجر البنية التقليدية للحركات الشيعية السياسية وأن ترتد إلى الوراء بمقاييس المعاصرة الضرورية بعد سقوط الصدامية. وهو ارتداد أعطت له الانتخابات الأولى للجمعية الوطنية في منتصف عام 2005 من حيث نتائجها السياسية دفعة كبرى إلى الأمام، أي إلى الخلف! فقد عمق هذا الانتصار الساحق للانحطاط الاجتماعي والثقافي إمكانية استفحال العناصر التوتاليتارية في الحركات الشيعية السياسية. وأعطى لها زخم المبادرة الخشنة في إعادة إنتاج الطائفية ولكن من منطلق الفهم المغرور بنتائجها. بمعنى انتهاك المضمون الاجتماعي للانتخابات من خلال تحويل نتائجها إلى جعل الشيعة طائفة سياسية وركوبها بالشكل الذي جعل من أصوات الشيعة رد فعل واحتجاج مباشر على زمن الصدامية. وفي هذا يكمن الخطر المميت للحركات الشيعية السياسية. بمعنى إعادة إنتاجها لصدامية شيعية طائفية.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الطائفية السياسية الشيعية الحالية هي الوجه السياسي المتملق للتوتاليتارية الدينية. الأمر الذي يجعل منها حركة بلا مستقبل. وذلك بسبب تعارضها الجوهري مع حقيقة المصالح الجوهرية للعراق والعرب. وذلك لأن محاولة جعل الشيعة طائفة في العراق يعادل الحكم عليها بمعايير ونفسية الأقلية، مع ما يترتب على ذلك من ممارسات المؤامرة والمغامرة. وهو أمر يتناقض مع فكرة وواقع الأغلبية. وذلك لأن منطق الأغلبية هو العموم، كما أن مصالحها تفترض التفكير والعمل بمعايير العام. بينما الطائفية هي نفسية الأقلية. وفي هذا تكمن الآفاق المسدودة للطائفية السياسية الشيعية وضمان اندثارها السريع. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بالطابع العرضي والطارئ للطائفية السياسية الشيعية واستحالة تجسيد نموذجها التوتاليتاري.

إن التوتاليتارية الشيعية هي الصيغة الطارئة لحالة الانحطاط التي يمر بها العراق بشكل عام والتشيع السياسي بشكل خاص. بمعنى أنها تشير إلى الخلل التاريخي والجوهري في طبيعة التكون الاجتماعي والثقافي للقيادات الشيعية (الدينية منها والسياسية)، وأسلوب انتقالها إلى ميدان الصراع السياسي. وما لم يجر تذليل هذا الخلل من خلال نقل الحركة الشيعية السياسية العراقية إلى مصاف الرؤية الاجتماعية والوطنية (العراقية) والعربية، فإنه سوف يؤدي بالضرورة إلى اندثارها السريع. إذ لا مصير للتوتاليتارية الدينية في ظروف العراق وآفاق تطوره المستقبلي سوى السير صوب الانعزال والتقوقع، أو الانهماك اللامعقول في تصنيع طائفية سياسية. وكلاهما لا علاقة جوهرية له بالعراق والعرب والتشيع العراقي. بمعنى إنهما لا يفعلان إلا على إنتاج شكل «جديد» للهمجية، بوصفها الاستمرار الأكثر خشونة لحالة الانحطاط‍‍.‍

فالانحطاط هو ليس نفسية وذهنية وواقع، بل وقابلية، أي استعداد على قبول مختلف أصناف الرذيلة وتقديمها بالشكل الذي يلاءم «ذوق الجمهور». وهو ذوق منحط بالضرورة. وهو السبب الذي يفسر سرّ العدوى السريعة للطائفية الآخذة في التغلغل إلى دهاليز الرؤية السياسية في العراق، بما في ذلك دهاليز الحركات القومية الكردية. وهو واقع يمكن تفسيره بمعايير الانحطاط العام الذي غرست التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية جذوره الطائفية على هيئة «منظومة» تخترق كل مكونات الوجود المادي والمعنوي للعراق، بحيث حولت الدولة إلى سلطة، والسلطة إلى أجهزة قمعية، وأجهزة القمع والقهر إلى أسلوب لوجود «المؤسسات» التي لا تتعدى وظائفها أكثر من إعادة إنتاج الإرهاب الشامل. ولم يكن بإمكان هذه الحالة الدوام والاستمرار دون آلية ترافقها على مستوى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. وشكلت الطائفية نموذجها الأكثر «حنكة»، أي الأكثر تجسيدا لنفسية المؤامرة والمغامرة، التي أدت بدورها إلى صنع مستنقع الرخويات الهائل في العراق. وتتراكم هذه الرخويات الآن وتنمو بنماذج مختلفة لعل أكثرها خطورة وتدميرا هو الطائفية السياسية. وإذا كان سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية يفترض من الناحية المنطقية، أن تأخذ القوى والأحزاب السياسية العراقية، على خلفية «نضالها التاريخي»، زمام المبادرة بالشكل الذي يجفف مصادر المستنفع الطائفي للماضي، فإننا نلاحظ العكس. بمعنى إننا نلاحظ تحولها من حالة المؤامرة الخفية والمغامرة الشرسة إلى «منظومة ديمقراطية» تجسدت بمبدأ وممارسة المحاصصة. وهي ظاهرة يمكن تبريرها جزئيا إلا انه لا يمكن الإقرار بها كمبدأ للدولة والحركة السياسية الداعية إلى فكرة الدولة الشرعية والحقوق المدنية.

إلا أن الواقع يكشف عن الانهماك الفعال في «ترتيب البيت العراقي» على أسس المحاصصة «الديمقراطية»، أي المحاصصة المبنية من حيث الجوهر على طائفية سياسية مغلفة سوف تنكشف مضامينها الفعلية مع مرور الزمن. وهي ظاهرة شكلت الحركة القومية الكردية احد مفتعليها ومؤيديها والداعمين لها. فقد كان الهاجس القومي الكردي بعد «الرجوع إلى العراق» تجزئته الفعلية على أسس عرقية من اجل الحصول على أكبر قدر ممكن من الثروة، أي أن الهاجس فيه كان وما يزال نفسية الغنيمة. وهو المضمون الخفي والعلني لفكرة الفيدرالية والحقوق القومية والمحاصصة السياسية والإدارية والمالية والتمثيل الداخلي والخارجي، باختصار في كل شيء. أي ليس الاشتراك في إدارة شئون الدولة على أسس المشاركة الاجتماعية والسياسية، بل على العكس، قلب الإدارة إلى «قيادة» مبنية على أسس «حقوق المحاصصة» الإقطاعية. وهو الخطأ الذي ساهم فيه بحمية بالغة إلى جانب الحركة القومية الكردية زعماء الحركات الشيعية السياسية والدينية وغذته بصورة غير مباشرة الطائفية السياسية السنية. وهو «المثلث» المكعب للخراب في العراق المعاصر الذي شكل «انتخاب» الطالباني رئيسا للجمهورية الرابعة احد مظاهره التعيسة.

فقد كان «انتخاب» الطالباني تكريسا للطائفية السياسية. وهو حكم لا علاقة له بأصول الطالباني الكردية، على العكس من ذلك. إذ أن منطق الديمقراطية والشرعية يفترض الكفاءة والانتماء الصادق والمصداقية الاجتماعية والإجماع الوطني المحكوم بتأييد الشعب ورغبته في انتخاب من تراه مناسبا لتمثيل وحدتها الوطنية. وترتبط هذه الحالة ارتباطا وثيقا بمستوى التطور الاجتماعي والسياسي. وإذا كان تحقيقها في ظروف العراق الحالية قضية غاية في التعقيد، فإن المهمة السياسية الكبرى لا تقوم في القبول بحالة التخلف والانحطاط، بقدر ما تفترض مواجهتها كما هي بمعايير البدائل العقلانية، أي المستقبلية. بينما كان «انتخاب» الطالباني يشكل من حيث مضمونه السياسي والاجتماعي خروجا على منطق الرؤية الديمقراطية وفكرة الرمز الوطني الجامع والأغلبية الاجتماعية والسياسية. ويمكن تفسير هذا الخروج باعتباره الثمرة المرة للطائفية السياسية.

وتستمد هذه الطائفية مقوماتها من الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية في العراق وبقائها ضمن معايير العرقية ونفسيتها. من هنا استعدادها للتلون بكافة الألوان بما في ذلك الطائفية الدينية منها والسياسية. الأمر الذي يجعل منها حركة تخريبية هائلة، بفعل تركبها من مكونات يصعب تراكمها في ظل التطور الطبيعي للحركة القومية. بعبارة أخرى، إن احتواء الحركة القومية الكردية على استعداد لقبول القومية والعرقية والماركسية والطائفية والعلمانية والتدين، والتعاون مع مختلف الأطراف والقوى ومناهضتها، والتحول المفاجئ في الأقوال والمواقف والرؤية، ما هو إلا التعبير السياسي عن ضعفها البنيوي التاريخي والاجتماعي. من هنا خطورتها بوصفها حاملة لجرثومة الطائفية السياسية المركبة في العراق. ومن ثم استعدادها على تنشيط القوة التخريبية للطائفية السياسية. وبهذا المعنى أتكلم عن الخطأ التاريخي «لانتخاب» الطالباني رئيسا للعراق. «فانتخابه» لم يكن وليس بإمكانه أن يكون عاملا للتوحيد والوحدة كما يبدو للوهلة الأولى، بل على العكس من ذلك!

إن الوحدة الوطنية والوفاق الوطني والجامعة الوطنية ليست لعبة الوفاق السياسية ولا حتى المساومة السياسية بأفضل أشكالها، بل النتاج الموضوعي والضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية في عملية بناء الهوية الوطنية. وبالتالي فهي النتيجة المتراكمة في ما يمكنه أن يكون أيضا نوعا من«الإجبار» الشرعي للجميع على ممارستها والوقوف أمام نتائجها وتقبلها كما هي من اجل إعادة النظر فيها واستخلاص الدروس والعبرة منها. في حين لم يكن «انتخاب» الطالباني سوى لعبة خائبة لقوى مقهورة لم تعرف قيمة المواجهة العلنية للحرية ومستلزماتها واستحقاقاتها. من هنا كان «انتخاب» الطالباني فعلا يناقض فكرة الحرية والشرعية والإجماع الوطني بمعناه الاجتماعي والسياسي وليس بمعناه الحزبي الضيق. وضمن هذه المعايير يمكن اعتبار «انتخابه» لرئاسة الدولة فعلا تخريبا أيضا بالنسبة للوحدة القومية الكردية بمعناها الاجتماعي ومضمونها الوطني (العراقي). وذلك لما فيها من إثارة لتسوسها الداخلي مع ما يترتب عليه من إثارة للجهوية والعائلية والقبلية والعرقية فيها. وسوف تكشف هذه الإثارة مع مرور الزمن هشاشة الحركات القومية الكردية من جهة والثمن الباهظ الذي قد يدفعه الشعب الكردي نفسه جراء الانجرار وراء قوى لا تمثل في الواقع سوى تقاليد الإقطاعية والأغوات والدكتاتورية الصغيرة من جهة أخرى، أي انه سوف يكشف عن طبيعة النوعية الرديئة لمسحوق الحركات القومية الكردية التي لونت به وجهها لسنوات طويلة. وهي مساحيق انطلت بسرعة بالغة. مما يعطي لنا إمكانية الحكم بهذا الصدد على أن الحركات القومية الكردية بشقيها الطالبانية والبرازانية هي حركات مستعدة لقبول أردأ أصناف الانحطاط، بما في ذلك الانحطاط الطائفي. ومن ثم يمكنها، وهو ما جري بالفعل، أن تكون إحدى القوى الأكثر تنشيطا للنعرات الطائفية السياسية. ويمكن ملاحظة هذا التحول على مثال ظهور وتزاوج وتمازج عبارات ومفاهيم وممارسات مثل «إننا حركة قومية تحررية» و«إننا حركة كردستانية» و«إننا حركات كردية عراقية» و«إننا سنة أيضا»! «لكننا نتحالف مع الشيعة»!

بعبارة أخرى، إن التحالف لم يجر مع حركة قومية عربية (وهو أمر مفهوم) ولم يجر مع السنّة العرب (وهو أمر مفهوم أيضا) ولم يجر مع قوى وطنية عراقية (وهو أمر معقول!). إلا أن اللامعقول فيه هو تفعيله السياسي ورفعه إلى مصاف «الرؤية الوطنية العراقية» مع قوى شيعية سياسية على حساب الآخرين وبالضد منهم! كل ذلك يشير أولا وقبل كل شيء إلى ما أسميته بالضعف البنيوي للحركات القومية الكردية واستعدادها للتلون بأي لون بما في ذلك بالطائفية الدينية منها والسياسية. وهي حالة كشف عنها الطالباني في أول إجابة له على سؤال استفزازي من جانب بعض ممثلي الطائفية العربية في الأردن عن سبب عدم إشراك العرب السنّة في الحكومة، حينذاك اخذ يعدد لهم الوزراء السنّة (فلان وفلان وفلان) ولم ينس أن يضيف بأن الأكراد سنة أيضا! وتعكس هذه الإجابة طبيعة الخلطة الغريبة في الرؤية والمواقف والانجرار وراء معالم الانحطاط من جهة، واعتبارها حالة طبيعية وجيدة، من جهة أخرى. ففي هذا التحول في المواقف نعثر على تحول الطائفية السياسية إلى جزء من ممارسة السلطة الجديدة في العراق وقواعد فعلها ونوعية «ديمقراطيتها». بينما لا يعني «الإشراك» بصيغته المذكورة أعلاه سوى الاستعادة الموسعة للصدامية. وهي عملية متفسخة بالضرورة، رغم إننا نستطيع فهم الكثير من حوافزها الداخلية بسبب طبيعة ونوعية التحولات العاصفة التي مست العراق بأثر الغزو الأمريكي. إلا أن ذلك لا ينفي ولا يزيل السؤال الخاص بهذا الصدد والمتعلق بما إذا كان هذا التحول من «القومية العلمانية» إلى الإقرار بشرعية الطائفية والدفاع عنها تحولا عارضا ومحكوما بطبيعة المرحلة الانتقالية أم انه نتاج ملازم للحركات القومية الكردية الحالية؟

إن تحليل تاريخ الطائفية الدفينة في سلوك ومفاهيم وأيديولوجية الحركات القومية الكردية الحالية يشير إلى أن هذا التحول هو فعل اقرب إلى صفة التلازم. وذلك لأننا نعثر على قوى سياسية علمانية لم تنخرط في لعبة الطائفية، كما هو الحال بالنسبة للشيوعيين مع أنهم يمثلون من الناحية العملية نفسية وذهنية الأقليات القومية والدينية. والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى الديمقراطية والوطنية العراقية الآخذة في التبلور رغم ضعفها الملموس على خلفية الانحطاط الشامل الحالية. ذلك يعني أن التلازم الداخلي بين الحركات القومية الكردية الحالية والاستعداد الذاتي لقبول الفكرة الطائفية ينبع أولا وقبل كل شيء من الضعف البنيوي المميز لهذه الحركات، وهو ضعف تاريخي جعلها ويجعلها أكثر ميلا لنفسية وذهنية التجزئة. فهو الوسط الذي تشعر فيه بنفسها على أنها «عنصر مكونا» و«طرفا فاعلا» و«قومية متميزة» و«قوة لا يستهان بها»، أي كل المكونات التي تجعل من لعبة المحاصصة والتجزئة المفتعلة للعراق جزء من الرؤية «الإستراتيجية» للحصول على «الحقوق والمكاسب». وتتضح ملامح هذه الفكرة أيضا في سلوك قيادات الحركة الطالبانية والبارازانية في الآونة الأخيرة قبيل الانتخابات الثانية للجمعية الوطنية في نهاية عام 2005. فقد طالب الطالباني الأكراد بضرورة المشاركة الفعالة في الانتخابات من اجل أن يكون لهم ممثلين في مراكز القرار في بغداد. وهي فكرة سليمة من الناحية الشكلية. غير أن تأسيسها الأيديولوجي كان عرقيا طائفيا، عندما شدد على أن عدم الاشتراك يعني نجاح من يحاول أن يحشرهم فيما اسماه بالأمة العربية!! لاسيما وإنها القوى التي تريد أن تأخذ باليد اليسرى ما أعطته باليد اليمنى!! وهي مقارنة مبتذلة. والقضية ليست فقط في أن الأمة العربية لم تسحب ولن تسحب وليست بحاجة إلى أن تسحب قومية الطالباني نفسه، وهو الذي درس وتربى في بغداد! بل في قولته إياها وهو في موقع رئاسة الجمهورية العراقية!! إننا نعثر في عبارات وفكرة الطالباني على صيغة نموذجية على طبيعة وحجم الخراب الفعلي للطائفية العرقية المتغلغلة في أعمق أعماق الحركات القومية الكردية الحالية. ولا يمكن لهذا الخراب أن ينتج في نهاية المطاف غير ممارسات خاطئة ومضرة، وفي أفضل الأحوال لا يفعل إلا على تفعيل أوهام مدمرة. وسوف تظل هكذا ما لم تحسم الحركات القومية الكردية بصورة متكاملة إشكالية القومي والوطني (الكردي والعراقي) والديني والدنيوي. ولا يمكن حسمها بصورة متجانسة وايجابية دون تذليل الضعف البنيوي للحركة القومية الكردية. وإلا فإن ممارساتها سوف لن تؤدي إلا إلى توسيع الأبعاد الهمجية في مثلث أربيل – السليمانية - دهوك مع ما فيه من هشاشة وضعف وتجزئة لا يحلها إلا عراق مؤسس على مثلث الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.

***   ***   ***

ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4838 المصادف: 2019-12-04 01:04:28