 قضايا

رحلة البحث عن الخلاص الجماعي

إن الأفكار الاجتماعية مِلكية عامة، وليست مشروعًا شخصيًّا احتكاريًّا . وهذه الأفكار تُمثِّل حصيلةً معرفية نابعة من العقل الجمعي وتجاربِ الأمم والشعوب على مدار التاريخ. والأفكارُ تيارات ذهنية وإفرازات وجدانية عابرة للأزمنة والأمكنة، ولا يُمكن تجنيسها والسيطرة على عملية تفجُّرها وانطلاقها، لأن الأفكار تسبح في داخل الإنسان، وتتناثر في الذهن البشري كالشظايا، وتنطلق في كل الاتجاهات، لذلك كان من المُستحيل حصر إبداعات العقل البشري في أنساق التاريخ وطبيعة الجُغرافيا. والسؤالُ الذي يَطرح نَفْسَه في هذا السياق: ما فائدةُ الأفكار إذا كُنَّا عاجزين عَن السيطرة عَلَيها؟. إن الأفكار تطير في الذهن كما تطير العصافيرُ في الفضاء . والحلُّ الوحيد للسيطرة على العصافير هو الإمساك بها، وإدخالها إلى القفص. وهذا المبدأ يجب تطبيقه في عَالَم الأفكار القائم على الخيالاتِ الهُلامية، والتَّصَوُّراتِ الذهنية، والشظايا العقلية المُتناثرة . ينبغي إدخال الأفكار إلى حُدود الحياة العملية، وإخراج البُنى العقلية مِن الذهنية غير المحسوسة إلى الواقع المحسوس، مِمَّا يؤدِّي بالضرورة إلى صناعة تطبيقات حقيقية فعَّالة ذات تماس مباشر مع حياة الفرد وطبيعة المجتمع . وصُورةُ الإنسان مهما كانت جميلةً في المِرْآة، تظل مُجرَّد صورة محصورة في إطار ضيِّق، والعِبرةُ كامنة في الأصل، والتَّعويل إنما يكون على الشكل الحقيقي للإنسان على أرض الواقع، خارج نفوذ المرايا والإضاءة والمُؤثِّرات البصرية وزوايا الرؤية . والأمرُ ينطبق على عوالم الإنسان الذهنية، والأفكار مهما كانت جميلة، تظل مُجرَّد إفرازات ذهنية هُلامية سابحة في فضاء العقل، والعِبرة كامنة في تجسيدها على هيئة كيانات واقعية ومشاريع محسوسة .

2

يُمثِّل مبدأ نقل الأفكار الخيالية إلى أرض الواقع مشروعًا لخلاص الفرد من مأزقه الحياتي، ونجاةِ المجتمع من أزمته الوجودية . ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، لأن هناك عوائق معنوية ومادية في طريق تحويل الأفكار إلى واقع مُعاش.ومن أبرز هذه العوائق أن يَشعر الفردُ بالغُربة عن نَفْسه، والاغترابِ عن مُجتمعه، معَ أنه عائش في قلب مُحيطه وبيئته، وهذه الثنائية الصادمة (الغُربة / الاغتراب) تَجعل الإنسانَ يَنكمش على ذاته، وينسحب من الحياة العامة، ويَتَقَوْقَع على أحلامه الشخصية، بحثًا عن مصلحة شخصية وخَلاص فردي، مِمَّا يُشكِّل تهديدًا على وَحدة المجتمع وتجانسه وتماسكه، لأن فلسفة الخلاص الفردي تعني أن الفرد يُريد القفزَ مِن السفينة، للبحث عن النجاة الشخصية، وترك السفينة ومَن فِيها لمُواجَهة مصيرهم . وهذه الفلسفةُ خطرة وغير مضمونة النتائج، لأن الفرد إذا قفز من السفينة في عُرض البحر، لن يتمكَّن من السباحة إلى شاطئ الأمان، بسبب بُعد المسافة، وتلاطم الأمواج، وطاقته المحدودة على السباحة . والشاطئُ إذا كان بعيدًا، فليس مِن الذكاء أن يثق الإنسانُ بقدرته على السباحة، ولا يوجد عاقل يُعرِّض نَفْسَه لامتحان صعب، مهما كان واثقًا مِن قُدرته العقلية وقُوَّته البدنية، لأنه ببساطة قد يَسقط في الامتحان . وكما يُقال في المثل الشعبي: (المَيَّة تُكذِّب الغطَّاس). وأفضل علاج لأزمة الإنسان الوجودية، هو أن يبقى مع مُجتمعه في السفينة، ويُحاول الجميعُ إصلاحَها بشتَّى الوسائل، وتحصين الجبهة الداخلية عن طريق منع وصول الماء إلى داخل السفينة . والسفينةُ لا تَغرِق مِن مياه البحر العظيمة، ولكنها تَغرِق إذا تَسَلَّلَت المياهُ إلى داخلها . والتعاونُ الجماعي لتحصين السفينة يُحقِّق مَصالح الكُل، ويَضمن النَّجَاةَ للجميع، فيختفي الصراع بين الفائز والخاسر، لأن الجميع سيكونون فائزين. ومهما كانت السفينةُ قديمة ومُهترئة، فإن قضاء العُمر في إصلاحها أفضل مِن أن يُصبح الإنسانُ طعامًا للأسماك، ويذهب إلى النسيان في أعماق البحر . وإن الوقت الذي يأخذه الإنسانُ لتبرير أخطائه، أو نَدْب حَظِّه، أو التباكي على حياته، أو جَلْد ذاته ومجتمعه، أو شَرْعنة تعاسته، يَكفي لإصلاح أخطائه، والمُساهمة في علاج أزمات المجتمع، والتَّقَدُّم إلى الأمام، وَفْق الإمكانيات المُتَوَفِّرة والظروف المُتاحة. وإذا وَجد الإنسانُ الطريقَ مَسدودًا، فعليه أن يَبحث عن طريق آخَر، ولا يُضيِّع وقته في البكاء على الأطلال . والحياةُ رحلة بحث طويلة حتى اكتشاف الطريق الصحيح. والمُحاولة بحد ذاتها إنجاز.

3

على الإنسان أن يبدأ مسيرةَ الإصلاح والتطوير بما يَملك مِن إمكانيات وقُدرات، حتى لو كانت ضئيلة وبسيطة . وكما أن رَجل الأعمال الناجح يبدأ مشروعه التجاري بما يَملِك مِن مال، ولا يَنتظر حتى يُصبح مليونيرًا ليتحرَّك، كذلك المُصلِح الاجتماعي يبدأ مشروعه الاجتماعي بما لَدَيه من أفكار وتصوُّرات، ولا يَنتظر أن يُصبح فَيلسوفًا، أو يُصبح المجتمعُ مثاليًا وخاليًا مِن العُيوب . ووظيفةُ الطبيب علاج المرضى لا علاج الأصِحَّاء، ومُحاربة المرض، وليس مُحاربة المريض . وهذا المبدأ الإنساني هو أساس العلوم الاجتماعية.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4841 المصادف: 2019-12-07 00:44:25