 قضايا

عن الاقتصاد الريعي

منذ بعض الوقت كتب أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة د. عمرو عادلي يقول أن الفساد والمحسوبية التي يقال أنها السبب المباشر وراء الاحتجاجات الأخيرة هي نتيجة أكثر منها سبب، نتيجة لأن كثير من دول المنطقة والعالم الثالث ذات اقتصاد ريعي يعتمد على مورد وحيد مرتبط بالخارج: نفط، مساعدات أو ديون خارجية، تحويلات العمال في الخارج الخ.. ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها أحد عن الاقتصاد الريعي في العالم الثالث، فقد استخدمه الاقتصادي الإيراني حسين مهدوي في مقالة عام 1970 ليشخص حالة الاقتصاد الإيراني وقتها الذي كان تحت هيمنة الشاه كما نعرف وليحاول أن يفسر لماذا لا تثور الجماهير الإيرانية على حاكمها.. حسب مهدوي هذا وآخرون فإن الريع المرتفع الذي تستولي عليه السلطة يسمح لها بناء شبكة من المحاسيب والمرتزقة تتيح لها استقلالية كبيرة عن القاعدة التحتية أو عن المجتمع واستقرارا مؤقتا رغم أنه يبقى عرضة لهزات كبرى بالطبع الخ.. كان آدم سميث قد سبق مهدوي وعادلي إلى القول بأن الريع هو الدخل الذي يحصل عليه الفرد دون أن يزرع أو يحصد، اي الدخل الذي يأتي دون بذل أي جهد أو عمل.. وجاء بعده جورج قرم ليقول أن الاقتصاد الريعي هو اقتصاد يعتمد أو ينحصر في ميادين وقطاعات ذات ربحية عالية "دون أي نشاط إنتاجي أو إبداعي يذكر".. وكالحديث عن أي شيء في هذا العالم، قد يتسبب الكلام عن الاقتصاد الريعي ببعض المشاكل لبعض الناس، في هذه الحالة لنا نحن.. قد يمكن اعتبار بلدان مثل السعودية وقطر والعراق والجزائر ولبنان تعتمد بشكل كبير أو كامل على مورد وحيد ومرتبط بالخارج بأنها دول ريعية أو ذات اقتصاد ريعي.. حتى دولة لم تتأسس بعد كالسلطة الفلسطينية وأخرى تقول أنها ما تزال في طور الثورة كالثورة السورية وكل ما حررته من سوريا، تعتمدان هما أيضا بالكامل على المساعدات الخارجية وفي كثير من الأحوال على ما يشبه التسول.. وقد يقول بعض من يحبون الاصطياد في المياه العكرة أن المساعدات الضخمة التي تحصل عليها مصر والأردن بسبب مواقفها وخدماتها العسكرية والسياسية قد تصنف على أنها موارد ريعية أيضا.. وإذا وضعنا كل هذا إلى جانب تشخيص ابن خلدون لدولنا على أنها دول عصبيات تصعد ثم تزدهر وتسقط أخيرا أمام عصبية أو عصبة منافسة، فقد يذهب نفس محبي الصيد في مياهنا العكرة إلى أن بلادنا ودولنا ليست إلا دولا ريعية تتنافس فيها جماعات مختلفة، أهلية، طائفية، سياسية، شعبية، عشائرية على السيطرة على الدولة التي هي مجرد غنيمة يريد الجميع الاستيلاء عليها وعلى مواردها لبعض الوقت قبل أن تنجح مجموعة أو جماعة أو عصبة أخرى في الاستيلاء عليها وهكذا.. الحقيقة أن كثير منا، مثقفين وناس عاديين، يشعرون بحساسية كبيرة من هذا المصطلح : الاقتصاد الريعي والدولة الريعية، قد يكون الإخوة والرفاق الأردنيون من أكثر هؤلاء الذين يرفضون إلصاق هذا المصطلح ببلادهم، وتجد كذلك مثقفين وصحافيين كويتيين يستنكرون تطبيق هذا التعريف على الكويت ويستخدم كثير منهم الاحتجاجات الأخيرة في العراق ولبنان والجزائر واحتجاجات أصغر في الأردن وغيره كبرهان على كلامهم.. طبعا نعرف جيدا أن كلام مهدوي لم يكن صحيح تماما ففي النهاية ثار الإيرانيون وجاؤوا كما نعرف جميعا بعصبة أخرى حلت مكان الشاه في الاستئثار بعائدات النفط وقمع احتجاجات المهمشين والمتضررين من الشكل الحالي لتوزيع تلك العائدات أو الريع، ما يسمى اليوم بنظام الملالي، ما كان الثورة الإيرانية قبل أربعين عاما.. لكننا خلافا للكثير من المثقفين من غير بني جنسنا وعشيرتنا نملك حلولا لكل شيء، إذا بدت مشكلة ما عويصة وغير قابلة للحل لصالحنا يمكننا بكل بساطة تجاهلها وإنكارها.... هكذا تحول اليسار العربي أو ما تبقى منه أو ما نتج عنه، من شعار : من كل بحسب قدرته ولكل حسب عمله، إلى شعار أكثر انسجاما مع واقعنا العربي : لكل حسب نصيبه "العادل" من الريع العام، نقطة انتهى.. هذا لا يعني أن أحدا ممن يعيشون في دول ريعية ويحصل أو يطالب بالحصول على نصيبه العادل من الريع العام، قد توقف عن شتم العاهرات ومدمني الكحول والمخدرات وكل من يعيش على كيفه أو على طريقة البوهيميين بأنهم طفيليون وقليلو الأدب والأخلاق، بالعكس تماما، هناك فورة أخلاقية عامة، الجميع تقريبا يتحدث عن قيمة العمل والعدالة والأخلاق والقيم والمجتمع كقديسين، كشيوخ، بذقون أو بكرافتات.. يذكرنا هذا بالعهد البريجنيفي عندما كان المهم هو أرقام الإنتاج المسجلة على الورق التي ترفع للقيادة، عندما كان العمال الروس يتصنعون أنهم يعملون بينما كانت دولتهم العتيدة تتصنع أنها تدفع لهم، في مثل ذلك الوقت حكم النظام البريجنيفي على الشاعر جوزيف برودسكي عام 1964 بالسجن خمس سنوات بتهمة التسكع والتطفل وعدم القيام بعمل مفيد اجتماعيا.. في الحقيقة إذا استثنينا صهر ماركس بول لافارغ، القرنسي من أصل كوبي والذي أنهى حياته منتحرا مع زوجته لاورا ماركس خوفا من الشيخوخة الأمر الذي أثار عاصفة من الاستهجان بين تلامذة ماركس ومريديه، وبعض الماركسيين الإيطاليين وغيرهم الأقرب إلى ما يسمى بالماركسية التحررية، فإن الماركسيين لم يدعوا إلى الامتناع عن العمل، بالعكس تماما.. رغم انتقاده للعمل في ظل الرأسمالية فإن ماركس عرف الإنسان حسب أسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة.. لسنا إلا منتجين، حتى غير المنتجين هم بالتأكيد ممن يعيشون على القيمة الزائدة المنتزعة ممن يعملون.. ليس الإنسان إلا جزءا من ماكينة الإنتاج أو علاقات الإنتاج.. مع ذلك يبدو من الصعب الحكم ما إذا كان من الممكن اعتبار استبدال اليسار العربي والعالم ثالثي شعاره القديم "من كل بحسب قدرته ولكل حسب عمله" بشعارخ الجديد "لكل حسب نصيبه العادل من الريع العام" على أنه تطور جديد في فكر وممارسة هذا اليسار أم لا، عندما حكم ماركسيون روسيا والصين وألبانيا عاشوا حياة الأباطرة والرأسماليين الذين اعتادوا على وصفهم بالطفيليين الذين يعيشون على عمل الطبقات الأدنى.. لكن ستالين ولينين وبريجنيف لم يكونوا وحيدين في محاربة المتسكعين والمتشردين والعاهرات ومدمني الكحول، كل من يوصفون بذوي السلوك المعادي للمجتمع.. النازيون أيضا اعتقدوا أنه يجب التخلص من كل من يشكل عبئا على الآخرين الذين يعملون بجد كالمصابين بالصرع والمرضى النفسيين ومدمني الكحول، كل من يرفض العمل لصالح المجتمع وكل من لا يستطيع أن يعمل.. حمل سجناء معسكرات الاعتقال والموت الجماعي النازية من ذوي السلوك المضاد للمجتمع أي رافضي العمل إشارة سوداء.. أما العاهرات فقد استخدمن للترفيه عن الجنود، ما عدا ذلك كان مصيرهن كمصير بقية أعداء المجتمع ورافضي العمل لصالحه.. اعتقد النازيون أيضا أن الشعوب التي لا تملك وطنا يجب إبادتها هي الأخرى كاليهود والغجر.. الفارق الأهم في حالة العاهرات ومدمني الكحول والمخدرات ومن يعيش أو يفضل حياة التشرد والتسكع على حياة العمل عمن يعيش على حصة تكبر أو تصغر من الريع العام، هو أن العاهرات والمدمنين والمتسكعين يوجدون ووجدوا على الدوام بغض النظر عن وجود اقتصاد ريعي أو لا، وأنه رغم أن الغالبية في الدول الريعية لا تعمل شيئا بالفعل لكن تلك الغالبية تشعر بأنها تملك الحق في محاكمة الآخرين أخلاقيا وحرمانهم من نصيبهم العادل في الريع العام لأنهم مدمنون أو متسكعون أو عاهرات وترفض بغضب أية مقارنة بينها وبين العاهرات والمدمنين والمتسكعين وأنه رغم كل الثورات وفي كل الثورات لا يحسب حساب هؤلاء في أي توزيع جديد للريع العام أو للدخل يهدف كما يقول أصحابه إلى توزيع أكثر عدالة.. وأن هذا التوزيع سينتهي عاجلا أم آجلا بتوقف الحكام الجدد عن العمل، هذا إن كانوا يعملون أصلا، وإلى حصولهم على الجزء الأكبر من الريع العام، بانتظار الثورة القادمة.. كما قال جورج أورويل، كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من بعضها الآخر

 

مازن كم الماز

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

أشدُّ ما يعجبني في كاتب هذا المقال هو إصراره

اللامتناهي على أن لا يقولَ شيئاً ذا قيمة.

مع التحيّة

ياسر أسعد الحموي
This comment was minimized by the moderator on the site

افضل الطرق لحل اية مشكلة هو تجاهلها .. شكرا علي التحية

رد علي التعليق
This comment was minimized by the moderator on the site

فعلا لا تختلف الكائنات الريعية مهما اختلاف اوكارها الاجتماعية و قدراتها الفكرية ،حيث لا يختلف فساد القاضي عن فساد العاهرة و لا فساد الحاكم المرتشي عن فساد الظالم الراشي ، و الساكت عن الحق شيطان اخرص ،و كلما زادت الثقافة الريعية ،زادت ملاهات الشعوب في ما بينها ،كلما اطمئن السلطان و حاشيته و مربعه و اتباعه عن مصالحهم الوسخة ،تفعيلا للمثل العربي القائل، مصائب قوم عند قوم فوائد، حيث مصائب الشعوب مع الثقافة الريعية عند الحكام المتسلطين فوائد,,,

الحسن لشهاب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4846 المصادف: 2019-12-12 11:36:13