 قضايا

التفاضل العددي وصناعة الآلهة

سامح عسكر لفت انتباهي عنوان كتاب الدكتور خالد منتصر الجديد "هذه أصنامكم وهذه فأسي" قلت أن قصة الكتاب وموضوعه انتهت من عنوانه، فلفظ الفأس يرمز للهدم والحفر إما للزرع أو لكشف الأساسات، وبهذا المدلول قد يقصد الكاتب أنه وجب عليه هدم تلك الأصنام أو الآلهة الشعبية والدينية.. ثم يبدأ بالحفر لكشف جذور وأسباب ودوافع ذلك التصنيم، وينتهي أخيرا بزرع اللبنة الأولى للفكر الحداثي الجديد..

أما الأصنام فهو لفظ بمدلول ديني يعبر عن آلهة بشرية وحيوانية ونباتية كان يعبدها القدماء ولم يفارقها لفظ الصنم إلى الآن بمعاني التحقير والازدراء، فقد استبدله العالم الحديث بلفظ "تماثيل" أو فنون مبدعة أصبح فيها الصنم معبرا عن شئ جيد مخالفا لما كان عليه في الماضي، وبالتالي أصبحت ضرورة استدعاء مدلول القدماء عن التأليه واجبة لمناقشة الإنسان المسلم الحديث المتأثر ضمنيا بأفكار القدماء لدرجة عجزه الكامل عن الخروج والإفلات منها لعوامل متعددة كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والفكر..إلخ.

هنا يُثار السؤال الجوهري عن كيفية صناعة الصنم أو الإله، وبرأيي أن القصة تبدأ بوضع ذلك الكائن أو النوع أو الشخص في (تفاضل عددي) يحصل بعدها على القدسية بوصفه الأفضل دائما، ويعني ذلك أن القدسية الآن عند المسلمين مثلا لله فقط بوصفه الأول دائما، ثم تأتي قدسية الأنبياء وخصوصا النبي محمد ثانيا بوصفهم أفضل المخلوقات..هنا يقع الإنسان في خطأ تقديم هؤلاء في تفاضل عددي، فمعني أن يكون الله رقم واحد والرسول رقم اثنين..يعني تساوي في القيمة واختلاف في الدرجة..وهذا ما لم ينتبه له المسلمون الأوائل فوقعوا في شراك تأليه النبي بتقديس أحاديثه وبالتالي تفضيل وتعظيم رواتها وناقليها، برغم أن النبي هو مجرد بشر رسول لكن وضعه بعد الرب ينزع منه صفات النقص والقصور البشري ليعطيه صفات الكمال الإلهية .

 

بالضبط حين وضع المحدثوه كتاب البخاري بعد القرآن، كان مدخلا خادعا لمساواة القرآن بصحيح البخاري في القيمة لكنه مصحوب باختلاف في الدرجة، ولا ينتبهون كيفية وقع تلك المعتقدات على قلوب الناس..فكلما ذكر القرآن ذكر صحيح البخاري بعده..وهكذا حصل الكتاب على قدسية القرآن مثلما حصل الملك السعودي على قدسية الحرمين الشريفين بإضافة لقب الخادم لإسمه، وما حدث في نموذج خادم الحرمين هذا هو التفاضل العددي المقصود، لأن منظومات اللغة تؤمن إما بتجريد المعاني والسياقات أو شموليتها..فبالتالي عندما يذكر أحدهم أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد القرآن فهو عن شمول مسبق يوهم متحدثيه والمؤمنين به بأهميته، بينما لو تم تجريد السياق وشرحه وتحليله مثلا بالقول أن القرآن هذا كتاب متواتر لفظي منسوب للإله الواحد لا يضاهيه كتاب آخر، في نفس الوقت يعملون على وصف كتاب البخاري أنه اجتهاد بشري في الحديث ما حصل البخاري على تلك القدسية ولتناولنا كتابه كهامش معرفي مهم في تصور تلك الحقبة الزمنية فقط لا غير.

هذا التفاضل العددي سبب أًصيل في صناعة وخلق الآلهة، مثلما قالوا على الشعراوي مثلا أنه إمام الدعاه والمفسر رقم 1 تخيل هذا التفاضل بوضع الشيخ على رأس هرم الدين والسلطة المعرفية بالكامل ثم يسألوا كيف أصبح الشعراوي معصوما في مصر لا يقبل من منتقديه صرفا ولا عدلا ، حتى لو صدق معارضيه ونقاده يظل الشعراوي هو نمبر ون كما يزعم أحد الفنانين المشهورين مؤخرا ويحرص على إضافة هذا اللقب لإسمه كي يتم تقديسه بنفس الدرجة مما ينعكس بالتالي على أرباحه في الأفلام والمسلسلات.

ولأن التفاضل العددي مجرد سبب أو وسيلة في صنع الإله فيلزمه أسباب أخرى تحمي هذا التفاضل، فمهما كانت أحكام العقل هي مجرد آراء قد لا تكون لها قيمة دون سيف..فينشأ بالتالي جهاز حماية وضمانة لذلك التفاضل، فيحرص الصنم الحريص على تصنيمه وكذلك يحرص العامة والمنتفعين من التصنيم أن يكون ذلك الجهاز دينيا واجتماعيا معا، بمعنى أن القدسية المطلوبة للصنم يلزمها دعاية دينية تؤمن بأهمية ذلك الكائن وتقدمه للمجتمع عن طريق التفاضل العددي ليصبح هذا الكائن نمبر ون في مجالة، ورأيي أن تصنيم الشيخ الشعراوي والبخاري وغيرهم حدث بنفس الطريقة، مجرد نشاط ديني من مجموعة ما وضعت هؤلاء فوق قمة الهرم العددي من ناحية ممكن الوجود ثم وضعه ثانيا بعد واجب الوجود، فيكتسب القارئ والعامي صورا ذهنية عنه بالأفضلية المطلقة..

هنا يعمل العقل المطلق بنشاط مكثف فيرفض أي مقارنة بين هذا الصنم وغيره، مثلا لو أردت نقد الشعراوي فيلزمك أن تحصل على تفاضلا عدديا أعظم منه ،ومن الفئة التي وضعت الشعراوي فوق قمة الهرم العددي سابقا لأنهم الذين شكلوا جهاز حماية للشيخ بالتالي فلن يقبلوك كرمز مقدس لتزيح صنمهم المفضل، ويمكن ملاحظة آثار ذلك حين توجه نقدا للشيخ فيردون عليك بكلمة "من أنت" "هو الأفضل" "وهذا أعلم شيخ"..وهكذا، حتى أن هذا المنطق طال شيوخ السلفية كذلك فتراهم يصفون الشيخ الحويني بأنه "أعلم أهل الأرض" وكذلك الشيخ العريفي ومحمد حسان وغيرهم، فيتشكل بناء على هذا التصنيم جهاز حماية ينشط في بداياته كمنتفع فيعمل على يرث ذلك أتباعه كعقيدة..

وبتلك الطريقة نشأت المذاهب الدينية قديما وحديثا، مجرد شيخ أو فقيه يخرج ناقدا للقديم فيتصدى له جهاز حماية ذلك الصنم القديم في صورة دفاعهم عن أنفسهم ومصالحهم ثم يورثوا ذلك التصنيم لأحفادهم والمؤمنين بهم ليتحول ذلك الانتفاع إلى عقيدة، لذا فعندما يفشل ذلك الفقيه في نقده تجده مضطرا للبحث عن جهاز حماية له كي ينافس على الأقل ، فنراه بالأخير يتقرب إلى السلطة والأعيان لاحتكار خصومه ألوان الحماية الأخرى في المجتمع والدين، فإذا آمن به الحاكم ونصره يخضع المجتمع فورا ليبدأ بتفكيك جهاز الحماية للمذهب القديم ليصنع جهاز حماية جديد مجتمعي وديني..

ويمكن القول أن هذا حدث في عصر المتوكل العباسي الذي ثار على أجهزة حماية المعتزلة دينيا واجتماعيا ليفرض مذهب جديد بجهاز أمن جديد هو "أهل الحديث" أو جماعة الحنابلة الأوائل، فلم تمر عدة عقود حتى حصل ابن حنبل وكل رموز حقبة المتوكل الذين خدمهم الحاكم بحماية خاصة حتى تم تقديسهم لظهور جيل جديد رأى تلك القدسية المصطنعة على أنها حقيقية فعمل على الترويج لها حتى ترسخت على مر القرون..

الأصح في هذا السياق أن يؤمن الإنسان بالتكامل لا التفاضل..وبرغم أنهما قاعدتان في الرياضيات ولهما صلة بالأعداد لكن التكامل كمبدأ فكري رياضي يؤمن أن كل عملية حسابية يلزمها أجزاء وأرقام في سطح معقد لا يمكن حساب حجمه بالطريقة الطبيعية كالمنحنيات مثلا، من هنا يظهر التكامل ليحسب سطح هذه المنحنيات غير معلومة المساحة في الظاهر، وكأن التكامل جاء ليحل معضلات الفكر أو التحديات التي يلاقيها الإنسان في الطبيعة، وبالتالي يمكن استنتاج أن الرياضيات تثبت صعوبة الاستنتاج في ظل تحديات غير طبيعية، قس ذلك على الفكر البشري الذي عن طريق جهله بهذا الثابت الرياضي والمعرفي اعتقد أنه يمكنه التفكير بطريقة سليمة في الأزمات والحروب.

وبما أن تراث المسلمين كتب في ظل صراعات وحروب أهلية كثيرة فانتشر فيها منطق التفاضل العددي، هذا أفضل خليفة..هذا رقم 1 في الحديث، هذا رقم 1 في الفقه وشاع في تلك الحقبة الزمنية ذلك المنطق كوصف الإمام الليث بن سعد مثلا بأنه أفقه من مالك، وأن الفقهاء عيال على أبي حنيفة..وهكذا، كان المقصود تقديم هذه الشخصية كصنم في تفاضل عددي يرفعه لقمة الهرم المعرفي بشكل مطلق مما أدى لتقديس تلك الشخصيات في عصر مبكر جدا، بينما لو أدرك المسلمون معنى التكامل وأهملوا التفاضل لوصلوا لجوهر مشكلات هؤلاء الأئمة والفقهاء والخلفاء ولتم اعتبارهم مجرد بشر عاديين فعلا لا قولا.

نعود ونقول أن هذه المشكلات لم تكن تحدث لولا غياب العقل والتفكير المنطقي، فكل عصر يغيب فيه التفكير العقلاني يصبح عرضة للخرافة والظلم والجهل المركب بشكل مفزع فتنحط الأمم فورا وتكثر في أزمانهم الحروب والأزمات على أتفه الأشياء، مما يعني أن ظاهرة التفاضل العددي هذه التي هي عارض من عوارض صناعة الآلهة هي مجرد نتيجة لغياب العقل بالأساس.. وفي تقديري أن هذا التفاضل بما ينتجه من تفكير لاعقلاني هو عن أثر سياسي من جراء تدخل السلطة وانحيازها للجهل واحتقارها للعلم، فما من سلطة آمنت بالعلم وأخذت بأسبابه وحرصت على نشر والتشجيع عليه إلا وسادت تعاليم العقل والعلم في مجتمع النخبة..ولصار العوام غير ممانعين لما يحدث بل يستجيبوا لتلك النخبة بوصفها الأقدر على توجيه وتحريك الشارع..

 

سامح عسكر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4847 المصادف: 2019-12-13 11:57:54