 قضايا

أعمق من الكلمات

 مجدي ابراهيم(7): قبل التطرّق إلى ما هو أعمق من الكلمات، تجدر الإشارة إلى الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز؛ وذلك لأن ما هو أعمق من الكمات مجازٌ باللغة وتجاوز لها، فماذا يكون الفرق بين ما هو حقيقة وما هو مجاز؟

الفرقُ بين لَفْظيِّ الحقيقة والمجاز: هو أن "الحقيقة" فكرة مجرَّدة، قد تبلغ الغاية في تجرَّدها من المحسوسات، ولكن مادة الكلمة تُستَخْدم للدلالة على ما يُلمس باليد ويقع تحت النظر المحسوس؛ فيقال "انحقَّت" عقدة الحبل أي انشدَّت، وحقَّ بلغ حافة الطريق؛ فالحقيقة "فعيلة" من حق الشيء بمعنى ثبُت، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. وفعيل في الأصل قد يكون بمعنى "الفاعل" وقد يكون بمعنى المفعول؛ فعلى التقدير الأول يكون بمعنى الحقيقة الثابتة، وعلى التقدير الثاني يكون معناها المثبتة. والحقيقة كما يُعرفها عبد القاهر الجرجاني:" كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع (أي في مواضعةٍ) وقوعاً لا تستند إلى غيره"؛ وهو تعريف يصدقُ كما يقول على كل لغة الأمر الذي يدل معه على أن قوانين هذا العلم عقلية عامة؛ فكما أن أرسطو وضع في كتاب "الخطابة" قوانين بلاغية عامة يمكن أن تطبق على العربية وغير العربية؛ كذلك فعل عبد القاهر فأقتنع بما عند أرسطو.

أما المجاز؛ فهو مُفْعَل من الجواز الذي هو التعدِّي، كما يقال جُزتُ هذا الموضع: أي جاوزته وتعديته، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع وهو راجع إلى الأول؛ لأن الذي لا يكون واجباً ولا ممتنعاً يكون متردداً بين الوجود والعدم؛ فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا.

والمجاز من جاز المكان أو جاز به غير معترض، ويُقال هذا جائز عقلاً أي غير ممتنع ولا اعتراض عليه، وهذه كلمة مجازية، أي يمكن أن تنطلق في هذا المعنى، أو أنها تحتمله مع معناها الأصيل. وكلمات: انطلق، وامتنع، واعترض، واحتمل، أمثلة أخرى لاقتران المعنى الأصيل والمعنى المنقول؛ فكلها تستخدم للمحسوسات وغير المحسوسات. ومادام هنالك علاقة منعقدة - كما أشار عبد القاهر الجرجاني - بين الكلمة في أصل معناها وما نقلت إليه كالشجاعة في الأسد؛ فإنها تعدُّ مجازاً.

وللمجاز قرائن مانعة من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون عقلية، وقد تكون حسيّة، وقد تكون عادية، وقد تكون شرعية، فلا تختص قرائن المجاز بنوع من هذه الأنواع دون الأنواع الأخرى، ولابد من وجود العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة. والعلاقة هى اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له، وذلك الاتصال أمّا باعتبار الصورة، كما في المجاز المُرسل، أو باعتبار المعنى كما في الاستعارة، وعلاقاتها المتشابهة وهى الاشتراك في معنى مطلق. وإجادة استعمال المجاز في اللغة هى التي تميز بين النظر الفاسد المعطوب وجلي النظر ودقيقه.

ولهذه المبادئ تفاصيل لا حصر لها في كتب البلاغة واللغة إن في القديم أو في الحديث، وينقل شوقي ضيف عن ابن تيمية في كتاب الإيمان: " أول مَنْ عُرِفَ أنه تكلم بلفظ المجاز هو أبو عبيدة معمر بن المُثني في كتابه (مجاز القرآن)، ولكن لم يَعْن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَي بمجاز الآية ما يُعَبِّر به عن الآية" (البلاغة تطور وتاريخ: ص 29).

                                                                          ***

 وظاهر من تجلية الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز أننا نعوّل على الثاني دون الأول في مسألة تقدير الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ فيما عساه يعرف بما وراء اللغة؛ ليعني فتح اللفظ لدينا أنه لا توجد علاقة ضرورية تربط اللفظ بالضرورة بمعناه (الظاهري) أو دلالته الحسية، لكنما الأمر كله اصطلاح ممَّا يتفق عليه الناس أو يصطلحونه ويتواضعونه. ومن ثمَّ؛ صارت اللغة من حيث الوظائف والأهداف والمرامي، تُعرَّف تعريفاً وظيفياً أو غائياً، كأن يُعرِّفها ابن جنيّ في خصائصه:" أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم".

والإشارة هنا إلى أن اللغة اصطلاحية لا توقيفية. وفكرة توقيفية اللغة تبنَّاها أغلب الأشاعرة ومفادُها أن الله قد أوحى إلى الإنسان الأوّل، وأوقفه على أسماء الأشياء كلها، بكل اللغات، مباشرة أو بواسطة، بعد أن علَّمه النطق، والدليل على ذلك قوله تعالى:" وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىَ المَلَائِكَةِ"، وقد نجد نفس الإشارة لدى الصوفية رغم توسّعهم في دلالات المجاز، إذْ قال ابن عطاء فيما يرويه القشيري:" إنّ الله تعالى لما خلق الأحرف جعلها سراً له، فلما خلق آدم عليه السلام بثَّ فيه ذلك السِّر، ولم يبث ذلك السّر في أحد من ملائكته. فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلها الله صوراً لها. وصرح ابن عطا القول: بأن الحروف مخلوقة، وقال سهل بن عبد الله:" إنَّ الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعلٌ في مفعول".

ونحن نلاحظ على نصّ القشيري ملاحظتين إحداهما شكلية والأخرى جوهريّة. أمّا الأولى وهى الملاحظة الشكلية الخارجة عن موضوعنا: وهى أننا نجد محقق الرسالة يكتب في الهامش عند اسم ابن عطاء؛ أنه واصل ابن عطاء المعتزلي، وهو خطأ لا يدل على دُربة ولا خبرة، بل هو أبو العباس بن عطاء (ت 309هـ) أحد الصوفية الكبار الذين صحبوا الجنيد البغدادي، وأبي عبد الله بن خفيف، وأبي القاسم النصر آباذي، وفارس الدينوري والحلاج، ولو رجع المحقق لعبد القادر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق"؛ لعرف أن المقصود هو أبو العباس بن عطاء، وليس واصل بن عطاء المعتزلي.

أمّا الملاحظ الجوهرية في الموضوع؛ فهى أن الله كرم آدم عليه السلام تكريماَ لم تنله الملائكة حينما خلق الحروف فجعلها سّراً له تعالى، لكنه بث ما خلق فيما كرَّم، واختص آدم بهذا التكريم فعلمه الأسماء كلها، فهذا تشريف من قدره وهو كذلك تكريم؛ إذْ لم يبثّ في أحد من ملائكته هذه الأحرف. أما قول سهل بن عبد الله: إن الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعل في مفعول"؛ فهو فيما يَتَبَدَّىَ لنا أن الحروف مخلوقة للفعل، ومن أجل الفعل، أي من أجل الخلافة وتعمير الأرض. فكأنما الإشارة تقول من بعيد إن الله جعل آدم خليفة بمقتضى ما كرَّمه بخلق الحرف؛ لأن خلافة الأرض تقتضي الفعل، والفعل لا يتحقق بغير الحرف، إذْ الحرف تنوير للفعل: فاعلية ذوقية محضة وأداة للمعرفة والتنبه والإدراك والفهم ثم العمل من أجل هذا ووفق هذا.

ومَنْ فَقَدَ أداة الذَّوْق فَقَدَ البصر بالحَرْف، وفقد معه البصيرة على تذوق اللغة.

فالحرف إذن فعل في مفعول، فعل من الله في آدم، وهو محض تكريم. هذا ما توحيه لنا إشارة سهل بن عبد الله التُّسْتّري في عبارته تلك. وعلى النقيض من هذه الفكرة، فكرة توقيفية اللغة تأتي فكرة أن اللغة اصطلاحية كما تبنَّاها ابن جنّي وغيره من علماء اللسان العربي.

يعني فتح اللفظ لدينا مرة ثانية، البلوغ بمجاز اللغة إلى ما بعده: إلى شلل التفكير والتعبير، إلى ما بعده، إلى "العَمَى اللفظي والمعنوي"، في اتحاد التجربةِ بالمَقولةِ، وَالحَالةِ بالخطاب؛ أعني "العَمَى اللغوي"؛ لو صَحَّ هذا التعبير، إلى درجة يحدث فيها صمت مطبق يعجز عنه التفكير فضلاً عن التعبير، إلى ما هو "أعمق من الكلمات".

ونقطة الانطلاق في هذا: الإيغال في المجاز، بل قلب اللغة من طريق المجاز: قلب القالب وتحوِّل العبارة من المدرك المألوف إلى ما ليس فيه ألفْة. ولا غرابة، فكل مجاز ليس إلاّ تجاوزاً؛ بمعنى أن اللغة فيه تجوِّز نفسها؛ لأن الواقع الذي تفصح عنه يجوِّز نفسه عَبْرها ومن خلالها؛ فيتجاوز المرء المعاني القريبة المرئية إلى ما بعدها؛ ليصلنا المجاز بالبعد الآخر للأشياء، أعني بعدها اللامرئي، ومن ثمَّ كمنت شعرية المجاز في لا مرجعيته، على اعتبار أنه ابتكار وتجديد يتولد من طاقة داخلية باطنة؛ كـأنه بداية دائمة؛ ولا ماضي له. وهو، بوصفه طاقة تجديد لتوليد الأسئلة، يُجدِّد الإنسان في الوقت نفسه، فيما يجدِّد الفكر واللغة والعلاقة بالأشياء؛ إنما المجاز حركة نفيّ للموجود الراهن بحثاً عن وجود آخر.

هنا يَخْلِقُ المجاز عالماً من التجربة، يتجاوز اللغة كما يتجاوز الظاهر، ويهدم اللغة كما يهدم الظاهر، ويحيا من أجل الحياة في الباطن الكوني حين "يُموِّت" الظاهر الاجتماعي بمختلف مستوياته وعلاقاته، ولا غرابة كذلك، فإنّ أحد مظاهر انحطاط اللغة في العالم الحديث عَزْلها عن تجربة السامع والقارئ والكاتب ثم هيمنة لغة الظاهر عليها بالأعراف والمصطلحات.

إنّما للفظة العربية شاعريتها الموصولة بسليقة اللغة الشاعرة. وسليقة اللغة الشاعرة مسكونة بالمجاز، هى التي تجعل السامع العربي يسمع التمثيل المشهور في قول القائل: "رأيتٌ أسداً في الحِمَام !" (والحِمَامُ: قضاء الموت وقدره، والحُمامُ الرجل القوى الذي يَحمي الآخر)؛ فلا تتمثل لـه غير صورة البطل الشجاع كما يكون الإنسان المتصف بالبطولة والشجاعة.

ولا نزاعَ في أن سهولة استخلاص المجاز الشعري من "الألفاظ المحسوسة" لهى السليقة الشاعرة التي يُحَارُ لها أبناء اللغات المحرومة من هذه المزيَّة، فيختلط الأمر على نقادهم؛ فيما يقول الأستاذ "العقاد"؛ ويحارون كيف يوفقون بين الصور التي تنقلها إليهم الألفاظ المسموعة وتبقى في أذهانهم وأخيلتهم لاصقة بأجسامها المنظورة أو الملموسة بلا فكاك من قيود المُعْجَمَات. وبهذه السليقة الشاعرة تتصل المفردات اللغوية بأشكالها المحسوسة أو تنفصل عنها ولا تبقى لها في النهاية غير معانيها المجازية؛ لأنها مفردات في لغة شاعرة يعمل فيها الخيال والذَّوْق كما تعمل فيها الأبصار والأسماع.

وحين يستمع العربي إلى التشبيه لا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلاّ ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه. فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة، وكل رسوم قد تتنقل عنده إلى حروف تتألف منها كلمات. ومن أجل ذلك؛ سُميت اللغة العربية بلغة المجاز؛ لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى ما فوقها إلى حيث المعاني المجرَّدة.

ومن أجل ذلك أيضاً؛ لم يكن من المقبول أولاً، على كل ما تقدَّم، أن يظل الناظر في اللغة عند حدود الظاهر فقط دون أن يفتح من اللفظ ما من شأنه أن يَتَّسع لورود تلك المعاني؛ ليتجاوز اللفظ إلى ما ورائه، وليعْبُر من خلاله حدود المرئي المحدود إلى ما لم يرْ بالحواس ويلمس باليد ويقع تحت طائلة النظر المحسوس.

ولم يكن من المقبول ثانياً أن نقيِّد الألفاظ، فيما تشير إليه، بواقعها الحسيِّ وكفى، بغير أن يكون وراؤها طاقة مشحونة بالمعنى والدلالة، وإلاَّ صارت لغو كلام وفضول بطالة. لكنما اللفظ المفتوح عندنا يتخطى الواقع ويتجاوزه ويعلو عليه ليَنْفتح بدوره على اللَّاواقعي، وعلى اللانهائي في داخل الإنسان بُغية اكتشاف ما في طاقاته من تَعلقُّات بحقائق الباطن الكونيِّ.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:45:22