 قضايا

الكمال الأخلاقي ومدارج الخلود (4)

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

حينما يبدأ الحديث عن مفهوم الخلود الأنساني كما قدمته الشريعة الإسلامية فإن لنا وقفة مليئة بالفخر والأعتزاز نبدأها بحقيقة ثابتة وهي أنّ الأديان السماويّة بأجمعها إنّما شُرّعت من أجل تنقية النفوس وتطهيرها من كل دَرَن، وتخليص العقول من عبادة الطاغوت لكي تُحلّق نحو خالق الكون مؤمنة بعظمته وتدبيره، مُعترفة بوحدانيّته، شاكرة لأنعُمه مسلّمة بقضاءه سالكة صراطة.

الخلود في الشريعة الأسلامية منشأه إعادة الأعتبار لأنسانية الأنسان من خلال دعوته لفهم وتحليل الحقائق وإدراكها بعمق، وحثّه على استنهاض قواه الفكريّة واستخدام الثروة المعرفية الكامنة في أعماق ذاته والأبتعاد عن الجمود المُتحجّر والأنزلاق نحو حضيض الشهوات الحيوانية وهوى النفس الميتة، وأنّ التسامي هو المنفذ الوحيد  ليحلّق من خلاله خارج التناقض الحاصل بين محدوديّة الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني.

إنّ الطريق الذي رسمه الأسلام لنيل الخلود الأنساني أساسه التقدم الروحي، الذي يعتمد هو الآخر على توثيق العلاقة بينه وبين إدراك الحقائق المحيطة به في عالم الوجود، وأنّ أساس هذه العلاقة هي الفكر والمعرفة المُوجِدَة والمُعمِّقة للأرتباط بالذّات الإلهية.

من هنا لابُدّ لنا أولاً ومن أجل فَهمٍ مُعمّق لحقيقة الخُلود أنْ ندرك ماهيّة النفس الإنسانية ونوع الأرتباط بين العقل والجسد أو الروح والبدن، فنقول انّ قضية الخلود الأنساني هي قضية ميتافيزيقية لكنها في صميم المُعتقد الديني، وأنّ الفكر المفاهيمي والمَعرفة المُوجدة لعالم الخُلود الأنساني لا يمكن أنْ تتحقق إلّا بإدراك القِيَم الأخلاقية النابعة من منظومة الدين الأسلامي الذي أخرج الميول الأنسانية نحو الخلود من المنظور الميتافيزيقي الى حقيقة ادراكه من خلال عَقلَنة الأخلاق الأنسانية في عالم الوجود الدنيوي مع إرادةٍ وتصميم في استخدام الطاقات الكامنة في الذّات  من أجل بلوغ أعلى مراتب الكمال الأخلاقي مُستنداً على الوعي المفاهيمي، مع إرادة وتصميم في المضي والمواصلة.

إنّ الأنسجام التام بين إدراك الكمال الأخلاقي مع تمام الأرادة والتصميم في الاستمرار والمضي هي من أعلى مراتب الكمال الأنساني، وهو ذات الانسان الذي وصفه الله تعالى بخليفة الله في الأرض، وهو الطريق الأمثل للخلود الأنساني، ذلك الخلود الذي لا يَبلغه إلاّ القلائل. وكلما كانت مدارج الكمال أسمى كلما كان السير نحو معالم الخلود الأخروي أعمق.

لقد رَسَمت الشريعة الأسلامية مسارها وقدّمت الخلود بطريقة وضعت من خلالها البعد المادي والمعنوي للأنسان، وحثّته على المسار الأمثل تحقيقاً لنيل الخلود والأبدية، فكانت قِيَم التضحية والعطاء والفداء من أهم صفات الكمال الأخلاقي ومصداقاً للقاعدة الفكريّة والفلسفيّة المُوصلة لنيل الخلود الأنساني.

ولأنّ الخُلود السماوي ليس كالخلود الأرضي، فكراً ومضموناً ونتيجة، فالخلود السماوي أو الأُخروي يشترك في إحرازه الجسد والروح معا، فهو يَستعين بالجسد لنيل الخُلود الأبدي، وأمّا الخلود الأرضي فهو مادي هدفه الأول إبقاء ذكراه خالدة عبر التأريخ، لذلك نرى قِيَم التضحية والعَطاء غائبة في هذا النوع. ولأنّ الخلود هو مشروع إلهي لذلك نرى له تجليات وانعكاسات مادية أيضاً، فهو وإن كان سماوياً لكنه لا يلغي الخلود الدنوي، بل إنّ انعكاسه الدنيويّ يُمثّل نبراساً وعلماً يرسم للبشرية طريق الخلود بمعايير ربانيّة سماويّة.

ولأن القوانين والشرائع الدينية هي المُلهم الأكبر والطريق الأقصر لأدراك الكمال الأخلاقي، لذلك فلا قيمة للخلود الأنساني بعيدا عن البناء الأخلاقي والذي ينطلق من بُعدٍ رسالي ومدرسة إلهية تُربّى الأنسان وتُعمّق فيه الاستعداد للمواصلة بإصرار وثبات.

انّ العطاء الذي مَنبعُه الكمال الأخلاقي هو عطاء حيّ، بل وباعث للحياة، فهو عطاء مُتجدّد، تراه منسجماً مع البعد الكينوني والفلسفي لحقيقة الزمان، سواء كان الزمان داخل الذات الأنسانية او خارجها، يسير بحركة أرسطوية دائرية أو انشتانية لامتناهية باتجاه واحد.

العطاء هو الجوهر الأرسطويّ النّابع من الكمال الأخلاقي يُحمَل على الزمان الأرسطويّ ذو النّقلات المتعددة.

وهو الوقائع المبنيّة على الذرية المنطقيّة للفيلسوف رُسُل، ولأنّها تبعث على الحياة فهي تنتقل عِبر الأزمنة وفقاً للجزئيّة المنطقية.

وأياً كانت الرؤى والنظريات الفلسفية،  فالحقيقة الثابتة أنّ هذا العطاء قد اخترق غطاء الزمان لأنّه عطاء حي، ينبع بالحياة، متجدد، مستمر، سرمدي،  ماض نحو اللامتناهي، فكلّما حلّ بزمان او مكان بعث فيهما الحياة، وتجدد لينطلق مرة اخرى في سفر دائم لا ينقطع،  إنه سفر الخلود، سماوياً كان أم دنيويا.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4874 المصادف: 2020-01-09 00:36:35