 قضايا

بؤس العالم وسَطْوَةُ المال والأعمال

الحسين اخدوشأشرف عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو» (Pierre Bourdieu) على الكتاب الضخم –حوالي 947 صفحة- «بؤس العالم» (La Misère du monde) بمعية كتاب آخرين، وذلك  لتحليل ظاهرة العصر بامتياز: الفقر والتفاوتات الاجتماعية وغيرها. غير أنّ هذه الظاهرة ما فتئت تتسع وتتفاقم رغم كلّ الجهود المبذولة من طرف الحكومات وجمعيات المجتمع المدني. 

والواقع أنّ الليبرالية الجديدة التي رفع لواءها عالم المال والاعمال هي ما جعل سلطة المال فوق كلّ اعتبار، وبذلك سيّدت الربح وأطلقت سطوة الأعمال والبنوك. في تقديسها لنمو الأسواق المالية، جعلت الرأسمالية المالية عملية صنع القرار في يد عالم المال والأعمال على نحو كامل، مكرَّسة للرّبح الخاص للمؤسّسات المالية على حساب المجتمعات المعاصرة.

لقد تحولت الاوليغارشيات المالية العالمية إلى الامر الناهي في هذا العالم المعولم، بينما بقيت الحكومات المحلية مقيّدة بالديون غير قادرة فعلا على التحكّم في جموح وسطوة رجال الاعمال وكبريات الشركات العالمية.

منبها إلى أن الطفرة الإنتاجية الصناعية المترتبة عن التقدم العلمي الاقتصادي، أبرز المفكّر «داني- روبير ديفور» (Dany Rober Dufour) أنّ عولمة قيم السوق أثّر سلبيا غلى العالم والبيئة، من حيث كون السوق مجرّد دعوة جامحة لاستثارة الغرائز واستغلال الموارد الطبيعية المحدودة أصلا، حتى أنّ الكوكب الأرضي لم يعد يتحمل كلّ هذا التسيّد المادي الاستهلاكي المفرط، نظرا لمحدودية موارده الطبيعية.

هكذا، ظهر للناس جلّيا أنّ إحراز مستوى التنمية الأعلى في الشمال (أميركا، كندا، أوروبا) بالنسبة لسكان الجنوب (إفريقيا، آسيا، وأميركا الجنوبية) أصبح يتطلب أضعاف مضاعفة الموارد الطبيعية الحالية، وهذا من شأنه أن يلحق ضررا  فادحا بالأنظمة البيئية كلّها.

يسائل هذا الوضع الجديد مقولة النمو الدائم مشكّكا في خلفياتها الأيديولوجية، جاعلا الزيادة في الإنتاج والاستهلاك تصطدم بمحدودية موارد الطبيعة. وتبيّن الوقائع الآن وجود تعارض بين متطلبات اقتصاد السوق الحالي (القائم على النمو الدائم) ومحدودية الموارد الطبيعية، والتغاضي عن هذه الحقيقة والاستمرار على النهج الاستهلاكي القائم حاليا، قد عجل بالصدامات الاقتصادية وكرّس التفاوتات وخرّب الانظمة الطبيعية للماء والزراعة. إلخ.

غير أنّ الانتقال من نمط الإنتاج السائد حاليا إلى نمط اقتصاد بديل، يحتاج إلى استبدال البارديغم الليبرالي كلّه (النموذج الراهن الموروث عن الحداثة الأنوارية) إلى بارديغم جديد للحياة والاجتماع البشري، يكون قادرا على تجاوز نزعة الاستغلال القائمة على فكرة السيطرة على الطبيعة. ويلزم من هذا التحوّل ضرورة تخطي المنظورات الكلاسيكية والمعاصرة معا للعقلانية والتحديث والتقدم، واستبدال نزعة المنفعة الآنية التي تنظر إلى الطبيعة كموضوع للسيطرة فقط. لقد ثبت الان بأن منطق الإنتاج المادي الحالي لا يمكنه أن يطول مادام يصطدم بمحدودية الموارد وانتشار الفقر والتفاوتات بين الأغنياء والفقراء.

إن تبرير منافع النمو يجب أن يأخذ بالاعتبار استدامة الطبيعة وتحقيق العدالة المناخية ومراعاة حقوق الشعوب الضعيفة في مواردها المحدودة. ولأجل ذلك يتعين على العالم تغيير السلوك والفكر معا، إذ التغيير المطلوب اليوم جذري وعميق، وكما يقول «ميشيل سير» (Serres Michel) يجب التحكم في التحكم الذي أفضى إلى ما نراه الان. غير أنّه لا يمكن تعزيز مكانة الطبيعة من جديد مالم تقوّض الايديولوجية الليبرالية الجديدة المنفلتة، سواء في ثوبها الاقتصادي، أو في شكلها السياسي الذي تغذّيه النزعة النفعية – المصلحية المادية.

تقدّم بعض التيارات النقدية المعاصرة يعض الحجج في رفض هذه الأيديولوجية الشمولية التي توجتها العولمة الامريكية سواء بالنسبة للسياسة أو الاقتصاد، وتقيم هذه الحجج على أطروحة جديدة تزعم بأن الفكر الحديث في شكله العقلانی الموروث عن الأنوار الغربية عبارة عن أداة شرسة للتحكم في الطبيعة، ولكي يعري هذا التوجه النقدي الجديد تحكمية العقلانية الحديثة (اقتصاديا وسياسيا وعلميا).

يقدم أنصار البيئة والتعدّدية القيمية عيوب النموذج الأنواري الحديث من خلال الاعتبارات الآتية:

- النموذج الأنواري للاقتصاد والسياسة يهمه التحكم في الطبيعة قصد استغلالها؛ لكنه بهذا الفهم، قد أصبح مقادا بتصورات فكرية وأيديولوجية تعتبر مبادئ الطبيعة خارج نطاق سائر الثقافات الإنسانية. لذلك، لا يمكن تفسير نظام الطبيعة الفريد إلا من خلال علم ذي صحة كونية، ومن ثم مشروعية الدراسة الموضوعية للطبية والتعامل معها على أنها موضوع قابل للاستغلال إلى ما لانهاية.

- لا تسمح أيديولوجيا الأنوار الحديثة بتفسير العلوم وفلسفاتها على ضوء الثقافة الاجتماعية التي أنتجتها، إذ تزعم أنها موضوعية وكونية، وتريد أن تتعالى على المنفعة والمصلحة والثقافة التي أنتجتها، في حين تبقى في عمقها وليدة الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها.

- تعد نزعة الأنوار الحديثة مسؤولة عن ترسيخ دعائم نظرة تحكمية للطبيعة والبيئة، ومن ثم، لا تحمل في نموذجيتها شروط إمكان فهم الطبيعة خارج دائرة الموضوعية، ومن ثم فهي محكومة بهاجس التحكم فيها واعتبار الإنسان سيدها ومستغلها.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، تقيم التيارات النقدية الجديدة الأدلة على محدودية نظرة العقلانية الكلاسيكية للطبيعة، لذلك كان هدف النموذج الاقتصادي والسياسي القائم على هذه النظرة الضيقة السعي إلى استغلال الثروات الطبيعية للربح، ومراكمة رأس المال، والثروة المالية، وقد أوقع ذلك فكر الأنوار الحديث في قصور منهجي خطير عماده اعتبار الطبيعة مصدر تلبية كل الرغبات وبشكل غير محدود.

وقد سبق في سياق الفكر المعاصر أن نبهت المفكرة «هانة ارندت» (Hannah Arendt) إلى خطورة النزوع التحكمي للتقنية التحديثية باعتبارها سيرورة منفلتة، حيث رأت في ماهية التقنية في صيغتها الحديثة وسيلة لإرغام الطبيعة على التطويع الدائم للسيطرة البشرية. ونفس الحدّة النقدية، نبهت المفكرة الأميركية المعاصرة «ساندرا هاردينغ» (Sandra Harding) إلى ضرورة تهذيب فلسفات التنوير الحديثة كي تتخذ وجهات فكرية مفيدة في إرشاد إنتاج المعرفة النافعة وبلورة السياسات الديموقراطية الحقة.

يلزم تغيير العادات والافكار لأنّ التركيز على تحقيق الأرباح ومراكمتها فقط، أصبح لا يتماشى والأمل في البقاء على قيد الحياة. وهكذا، ستكون الإنسانية أمام امتحان عسير بحيث سيلزمها أن تختار: الاستمرار في هذا المشهد البئيس والتوجّه رأسا إلى الكارثة البيئية والصحية، أو تعديل المنظور والسلوك ناحية مسار جديد تلجم فيه الحكومات الشركات وتحدّ من سطوة رجال الأعمال وكذا جوقتكم التكنوقراطية الغبيّة والأنانية.

 

الحسين أخدوش  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4965 المصادف: 2020-04-09 04:24:12