 قضايا

نيتشه.. وغربة المثقف

اوس عبد الجباراجل! اني اعلم من أنا، ومن أين نشأت

أنا كاللهيب النهم، احترق، وآكل نفسي

نور، كل ما امسكه

رماد، كل ما أتركه

أجل ! إني لهيب حقا

فريدريك نيتشه

عندما تُفتح للمثقف افاق المعرفة على مصراعيها يصبح الجهل نعمة عظيمة للانسان ، لان المعرفة وافاقها هي سبب شقاء ابدي لكل مثقف بلغ تلك الدرجة العالية فتنقلب حياته الى جحيم وماساة واغتراب ويصبح سجين لتلك الافكار ويبدا بالنظر الى الجهل على انه السعادة والطمئنينة بينما يصبح الوعي بين مجتمع جاهل لعنة تلاحق صاحبها.

هكذا كان هو الحال مع نيتشه الفيلسوف الألماني عندما عاش حياة الاغتراب والعزلة القاتلة وهو وسط مجتمعه فعاش بائسا حزينا غريبا مريضا طول فترة حياته الشاقه

فقد تجلى ذلك من خلال رسائله مع شقيقته اليزابيث فيقول فيها:

أين هؤلاء الأصدقاء القدامى الذين كُنت أشعُر معهم فى السنوات الماضية أننا متقاربين كُلياً؟ والأن يبدو لي أننى كُنت أنتمي الى عالم مُختلف، عما هو الأن. ويبدو لي أننا أصبحنا لا نتكلم نفس اللغة ! أشعُر أنني اصبحت غريباً ومنبوذاً، أتنقل بينهم هُنا وهُناك ولا أجد أي من كلماتهم أو أهتماماتهم يثير شغفي. أصبحتُ صامتاً لأن لا أحد منهم يستطيع فهم حديثي. أنه لأمر رهيب أن تلتزم الصمت بينما لديك الكثير لتقوله.

 

هل خُلقت لحياة العُزلة أو لحياة لا أستطيع فيها التحدث مع أحد ؟ عدم المقدرة على تبادل أفكاري مع الأخرين، أسوء وأفظع أنواع العزلة لي على الإطلاق. الإختلاف عن الاخرين هو أقسى وأفظع من أي قناع حديدي يُمكن للفرد أن يُعزل بداخله .

اشهر مؤلفاته كانت "هكذا تكلم زرادشت" تحدث فيه عن الانسان الاعلى والقيم والرجل الخارق ونقد المرأة وتأثر بنظرية الانتخاب الطبيعي لداروين فقال:

"ولأن الانتخاب الطبيعي قائمٌ أساساً على القوة و"البقاء للأصلح"، فلن يبقى إلا أقوى الأفكار وأقوى البشر" .

ومن هنا نتبين سبب تمسكه بأخلاق القوة وإرادة القوة التي بنى عليها نظرياته الأخلاقية.

ان طريق الفكر والوعي هو طريق الشقاء بلا ادنى شك وهو طريق الاغتراب والعزلة عن المجتمع .. فكل المفكرين والمثقفين لاحقتهم هذه اللعنة واصبحوا حُسادا للجهل ومن ينعم به .

للوعي والثقافة ضريبة عظيمة لايدركها الا من يعيشها .

هل فعلا ان الوعي والادراك هو سر الشقاء والتعاسة العزلة كما يذهب نيتشه؟

ام ان الجهل امر مريح لايرهق صاحبه كما قيل؟

 

د. اوس عبد الجبار

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الدكتور اوس عبد الجبار الفاضل
لقد فتحتم جرحا أليما في جسد الوجود العربي يبكي لأجله الوعي دما حسرة على عباد ما عادوا سوى عبيدا.
كل التحية لمداد يطل من بين الآلام

عبد العزيز قريش
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5006 المصادف: 2020-05-20 03:41:59