 قضايا

سمات المجتمع الاستهلاكي (4)

عدنان عويدمهام ووظائف أيديولوجيا الاستهلاك:

لكي يحقق ملوك المال الأهداف النهائية لمشروع مجتمعهم الاستهلاكي كان لابدّ لهم من تسخير كل وسائل الفكر المتاحة أيضاً، لابدّ لهم من أيديولوجيا تعمل على إعادة هيكلة كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية بما يتناسب وروحية هذا المجتمع. لذلك راح مفكرو ومنظرو المجتمع الاستهلاكي، يضعون كل امكاناتهم من أجل تطبيع الفرد على روح المجتمع الاستهلاكي واظهار الاستهلاك بأنّه المحرك الأساسي للاقتصاد. هذا وقد راحت آراؤهم تتسلل إلى مجتمعات دول العالم النامي عموماً، لتعمل على اقناع أصحاب الفرار فيها أن يحذوا الحذو الأوربي في تنمية المجتمع الاستهلاكي عندهم، إذا أرادوا أن يحققوا التطور ومجاراة الأُمم المتقدمة.

أمّا أبرز الوسائل المحققة لهذا المجتمع بالنسبة إلى دول العالم النامي، فتقوم على الاستيراد، أي، على هذه الشعوب أن توسع أسواقها الداخلية وتفتحها أمام منتجات وأموال الرأسمال الاحتكاري، موهيمن الإنسان هنا، بأن حاجاته الاستهلاكية ومطالبه الجسمانية هي التي تدفع المنتجين إلى التصنيع وليس الربح.

في نهاية بحثنا نقول: يجب على النمو أن يحقق الهدف الإنساني الأرقا، هذا الهدف الذي يضع في اعتباره صيرورة الإنسان وحاجاته الأساسية التي تؤكد انسانيته، متجاوزاً كل المفاهيم الرأسمالية المعاصرة في النمو، متجاوزاً كل قيم الاستهلاك الهادف إلى الربح فقط، هذا الاستهلاك المفصول عن عضويته الاجتماعية وصلاته بالإبداع الإنساني.

يجب على النمو المعقلن، أن ينظر إلى الإنسان، كغاية لهذه الحياة ومنطلقا لها، وما الاستهلاك بالنسبة له إلا حاجة لصيرورته الإنسانية كما قلنا من قبل، لا اعتبار الإنسان نفسه حاجة لصيرورة الاستهلاك.

إنّ أهداف النمو المعقلن هذه تتطلب الآن جهوداً متعددة الاتجاهات والأطراف، وقضية المجتمع الاستهلاكي لم تعد قضية خاصة بالدول الرأسمالية فحسب، بل دخلت الآن مجال العولمة، بسبب الدور المدمر الذي تنتهجه الشركات الاحتكارية عبر العالم. ومشكلة التصدي لنهج هذه الشركات الساعية إلى نشر النمو الاستهلاكي، لم تعد مرتبطة بالحكومات وحدها بل هي مرتبطة الآن وبشكل أكثر من السابق وخاصة بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وسيطرة العلاقات الاحتكارية العالمية، بكل القوى الوطنية والتقدمية ممثلة بأحزابها ومنظماتها، وعبر كل الوسائل المادية والفكرية المتاحة لها.

إنّ مشكلة التصدي لنمط المجتمع الاستهلاكي هي تصدٍّ عملي للقوى الامبريالية المعاصرة، وهي بالضرورة مهمة إنسانية تهدف إلى حماية الإنسان والعمل على مساعدته للخروج من شباك القهر والظلم والاستلاب، وادخاله ثانية عالم الإنسانية المبدعة، عالم الحرية والعدالة والمساواة.

 

عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5022 المصادف: 2020-06-05 04:02:58