 قضايا

عِلْمُ البَيَانَاتِ ومَنْظُومَةُ التَّعْلِيمِ العَرَبِيَّةِ

بليغ حمدي اسماعيلتأتي السطور الأولى من هذا المقال كجرس تنبيه عن أهمية وخطورة بل وضرورة الأخذ بعلم البيانات Data-Science، هذا العلم الذي يمكن توصيفه بأنه بترول هذا العصر أو بالأحرى بترول القرن الواحد والعشرين لمن أراد الترقي والارتقاء والريادة، وهذا العلم شديدة الحداثة والمعاصرة كما أشارت إليه مجلة  Harvard Business يستخدم الأساليب العلمية والعمليات والخوارزميات والأنظمة وإحداثيات التقنية الرقمية بغرض استخراج المعرفة ومن ثم إنتاجها والتحكم فيها بعد ذلك، وهو ما يدفعنا فضولنا إلى حث القارئ العربي على الامتهار في امتلاك أدوات هذا العلم الذي استحال أكثر ضرورة وحتمية في وقتنا العربي الراهن، هذا الوقت الذي نواجه فيه الجائحة الكونية المعروفة بكورونا وسط اجتهاد علمي عربي بطئ نسبيا من باب التفاؤل، وإن كنت عند رأيي القديم بأن كليات العلوم العربية الضاربة في الانتشار من المحيط إلى الخليج العربي وقفت عاجزة بأدواتها وفقر بعض منتسبيها العلمي في ثمة أمور مهمة، منها تنوير المجتمع بالجائحة وكأنهم تعلموا من أجل أنفسهم لا من أجل مجتمعاتهم الأشد احتياجا .

وعلم البيانات الذي أراه يبدو غائبا عن علمائنا اليوم بعض الشئ إن لم يكن كله، نقره بصورة يومية في بيانات تصدرها وزارات الصحة بكافة الدول العربية وأيضا منظمة الصحة العالمية، كما تذكر منصة  Hotmart الرقمية عملية منظمة دقيقة تبدأ بخطوات ممنهجة مثل طرح التساؤلات وجمع البيانات ومعالجتها تنظيما ثم تحليلها وتطوير النماذج والخوارزميات ومعاينتها وأخيرا اتخاذ القرار المناسب بشأن مواجهة جائحة كورونا، وكل ما يردده أساتذة وخبراء وعظماء العلوم في الوطن العربي بجامعاتها ومعاهدها العلمية هو ما تتناقله جامعات أوروبا والولايات المتحدة الأميركية بشأن أن إنتاج اللقاح الحتمي سيظهر على مسرح المواجهة المباشرة خلال عامين ونصف العام وهي أخبار يتناقلها غير المتخصصين أيضا بل يرددها رجل الشارع العادي الذي فشل في إجهاض الأمل مع أفواه العلماء العرب المعاصرين.

فضلا عن فقر الأدوات البحثية التي تعين العلماء الحقيقيين المخلصين لبلادهم العربية، الأمر الذي جعلهم دوما في قفص الاتهام بأنهم الأكثر عجزا في مواجهة الجائحة، وكم أتمنى ولا أزال رهن الأمنيات أن تتضافر الجهود العلمية العربية وأن تستثمر الدعوة التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للعلماء العرب بضرورة المشاركة الفاعلة في إنتاج لقاح لعلاج فيروس كورونا، ورغم قناعتي الشخصية بالنداء الوطني المخلص إلا أنني على يقين بأن الكثير من المنتسبين للكليات العلمية لم يقروا بهذه الدعوة بل لم يفطنوا أنهم بمحاولاتهم العلمية تلك لإيجاد لقاح هو شأن عظيم يضع العرب في مكانتهم العلمية الضاربة في القدم والعراقة.

وبالعودة إلى علم البيانات الذي بدأنا به الحديث كونه بوابة حقيقية لاستشراف المستقبل وإشعال شهوة الأسئلة والفرضيات البحثية، وهي السمة التي ينبغي أن يتحلى بها العقل العربي المعاصر، ولا شك أن أساتذة الفيروسات والأوبئة وعلوم الحشرات و الحيوانات لاسيما الناقلة للفيروسات لو استفاقوا قليلا لعلم البيانات الأكثر ضرورة من حيث توظيف هذه البيانات والمعلومات من أجل إنتاج أفكار قابلة للتطبيق والتنفيذ في مواجهة جائحة كورونا بدلا من ارتداء الكمامات واتخاذ الإجراءات الاحترازية من تعقيم وتطهير أولي فطري قد يتناسب مع العصور الوسطى، وهذا ما أريده من العلم والعلماء استنهاض العقل وإعماله لأقصى درجاته الممكنة، بل والمستحيلة أيضا.

فهذا العقل الذي اجتهد في الجمع والتصنيف والتبويب وصياغة هوامش لمتون النصوص القديمة استفاق وهو يدجج حضارته الأصيلة على شهوة الأسئلة التي قادته بالضرورة إلى إنتاج ثقافة اجتاحت الغرب الأوروبي، ونجحت في استغلال المرونة اللغوية واحتباك ألفاظ العربية الفصيحة في تطويع العلوم التطبيقية، وهو بذلك ـ العقل العربي ـ استطاع أن يجمع لحظتين غير متماثلتين في آن واحد، الإشراق الإنساني المتمثل في فنون اللغة والتفسير والفقه والفلسفة، والتثوير العلمي في مجالات الرياضيات والفلك والطبيعة، وهي خصوصية عجيبة انفردت بها الثقافة العربية ولا تزال تتفاخر بهذه اللحظة الاستثنائية في تاريخها رغم قرون طويلة من التصارع السياسي والتناحر المذهبي .

ولعل من أجمل اللقطات التي سجلتها ذاكرتي من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المخرجة المتألقة الرائعة ساندرا نشأت خلال الفيلم التسجيلي شعب ورئيس هو حديث السيد الرئيس عن التعليم المصري ومشروع إصلاحه الذي سيمتد أربعة عشر عاما، ولاشك أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي لا ولن يتم أبدا إلا عبر بوابة التعليم ليس كما هو الآن حسب وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، بل التعليم الذي يعني التنوير والتثوير والتجديد، وأعتقد أن مصر العظيمة تستحق نوعا استثنائيا راقيا ولائقا للتعليم يليق بقدرها وتاريخها التنويري الضارب في القدم .

التَّرْبِيَةُ العَرَبِيَّةُ الرَّاهِنَةُ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل . وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير .

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية ؟ . والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا .

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا . وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

تلك مقدمة تدفع القارئ إلى تعكير صفو سعادته، وربما إيقاظه على حقيقة صادمة بأن أبناءه الذين يذهبون كل صباح إلى مؤسسته التربوية لا تفي بمسئولياتها، ولا تكترث بأنها تقدم أكبر خدمة إنسانية لأبنائه وهي أن يستحيل عضوا فاعلا في مجتمعه ومن بعد وطنه العربي الكبير.

ويسألونك عن التطوير التربوي، وسيخرج عليك رجال يدغدغون أسماعك بأحاديث تشبه حواديت وحكايات جدتي عن ملامح تطوير التربية، والدور التنموي للمدرسة والواقع يشير إلى أننا بالفعل لا نقدم تربية ممكنة التحقيق، فالمؤسسة التعليمية صارت مشغولة بفعل السياسات التعليمية والقوانين المنظمة لها بالتحصيل والترويج لثقافة الاختبارات والدرجة النهائية ولا تهرول إلى صيحات تنمية القدرات أو تعديل الاتجاهات وتنمية المواهب وتعزيز الإمكانات المتاحة لتلاميذنا، فكل هذه الأمور ورقية تزين أرفف وجدران مؤسساتنا التعليمية وخير دليل حرص بعض المحافظين على تتبع مراكز الدروس الخصوصية لأن المدرسة بالفعل صارت ورقة امتحان ودرجة نهائية ومرحلة لاحقة ينتقل إليها الطالب .

ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل.

وماذا أيضا ؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر .

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية، أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

الطَّالِبُ .. من دَورِ التَّعَلُّمِ إلى مَصِيرِ الضَّحِيَّةِ:

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته، فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة، لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

وَاقِعُ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ:

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

مَلامِحٌ مِن خُطَّة عِلاجِ الأزْمَةِ:

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو : ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع ؟

ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة .

وربما وأنا أستعرض ملامح نهاية التربية، استقر بي الحال على ربط المشهد الانتخابي لبرلمان النواب بمصر مؤخرا وحال التربية القائمة، فكثير من المحللين عبر الفضائيات تناول ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة في التصويت، وظهر رجل يدلل على المستوى الثقافي للناخب، وراح آخر يبرهن على أن العزوف مفاده قصور برنامج المرشح، وهكذا تعددت الأسباب والحجج والدوافع التي أدت إلى ظاهرة العزوف .

لكن العزوف ليس مقره ومستودعه سياسيا هذه المرة، إنما الممارسات التربوية داخل أسوار المؤسسة التعليمية هي التي أدت إلى تلك الظاهرة، وعلاج هذا لا يكون فقط بممارسة الطلاب لأنشطة مدرسية محددة ومكرورة وأصبحت بائدة في بعض الأحيان، لكن عن طريق تجديد الحراك المدرسي إما بأنشطة يقترحها الطلاب أنفسهم تعكس مطامحهم وآمالهم ودوافعهم للتعلم، ووجود ديموقراطية تعليمة تفرز لنا جيلا استثنائيا قادرا ليس فقط على مواجهة التيارات والأفكار الوافدة، بل في بناء الأوطان العزيزة التي تستحق بذل الجهد والمجهود .

تَجْدِيْدُ الخِطَابِ التَّعْلِيْمِيِّ .. تَغْرِيْدٌ خَارِج السِّرْبِ:

الذين هرولوا من التربويين العرب وراء التقرير الأمريكي ذائع الصيت والانتشار (أمة في خطر) والذي أعد بشأن النهوض بالتعليم الأمريكي عن طريق الاهتمام والتسارع المعرفي بمادتي الرياضيات والعلوم لم يستفيقوا بعد على وضع أخطر يحتاج إلى مزيد من الهرولة بل هوس الاهتمام أيضا لا مجرد نقل الحذر وترقب الخوف الذي يحذو بسياساتنا التعليمية فحسب . ولاشك أن الأخبار المتعلقة بالشأن المدرسي في مصر على وجه الاختصاص تتصدر مشهد المتابعة، ورغم أن هناك حالة غير مستدامة لتتبع أخبار ترشح الراقصة سما المصري وقبول طعن أحمد عز الرجل الحديدي في انتخابات مصر إلا أن أخبار المؤسسة التعليمية تظل دوما في مقدمة اهتمام المصريين بغير إطلالة على أن كثيرا من المصريين لم يعودوا يهتمون بالعلم وأهله .

وفي الوقت الذي نتبارى ونتراهن وأخشى أن أقول نتناحر في قنص فرصة تجديد الخطاب الديني كان علينا بصدق ووطنية أن نتبارى لصالح الوطن في تجديد خطابنا التعليمي الذي يستحق الشفقة عليه، وأذكر مجددا بغير كلل أو ملل لم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة . الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الخديثة الخديوي إسماعيل باشا أن نظامه التعليمي الرائع سواء على مستوى العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة أن تؤدي بنا إلى حال تعليمي متردٍ وأكثر ترهلا.

وهذا الخطاب التعليمي ليس مجرد وثيقة ورقية مثل وثيقة الانضباط المدرسي التي قرأتها مرتين وقبلت بنودها بشرط توافر تحقيق واجبات وزارة التربية والتعليم وصدقها في التنفيذ، والخطاب أيضا ليس مجرد بنود تنظيرية تفيد بأنه يجب على المعلم أن يفعل كذا ويقابل بكذا أو أن على الطالب الالتزام بقواعد معينة لأن المحك في الالتزام بتلك الشرائط التنظيرية هو ما تابعناه بخوف وخشية من أخبار أرجو أن يكون الوزير بغير غفلة عنها وإلا فحقا تعليمنا في خطر . وآخر الأخبار الموحشة التي أفزعت واقعنا التعليمي هو تعرض طالبة بمدرسة الخصوص للاغتصاب الوحشي على يد مجهول داخل المدرسة وتنظيم الطلاب وقفة احتجاجية من أجل المطالبة بأخذ حق زميلتهم وأخبار أخرى متناثرة يفيد بأن الوطن لن ينهض إلا بتعليم مستنير وخطاب تربوي بعيد عن النفاق والتقليد والمبالغة والأخذ بأسباب الحضارة دون امتلاك مقوماتها.

التَّعلِيمُ مِن التَّلقِينِ إلى اسْتِثْمَارِ العُقُولِ:

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم .

وربما تتجسد مشكلة النظام التعليمي في الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها .

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن . والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات  قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية .

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي .

والشرط الثاني للمدرسة العربية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط . لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

- أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5041 المصادف: 2020-06-24 12:38:44