 قضايا

مُفارقات الديمقراطية (1)

سامي عبد العاللا يعترف التاريخ بـ" لو"، وإلاَّ لما أصبح تاريخاً ضمن أحداث ووقائع. فلو حدثَ غير ما حدث- في جميع العصور- ما كان ليصل إلينا، على الأقل ربما قد وصل بشكلٍّ آخر. وهذا مستحيل... دليل ذلك أنَّ الكلام الآن طيُّ الافتراض بأثر رجعي. ولئن كانت "لو" في الموروث الشعبي الديني تفتح عمل الشيطان، فإنَّها بالفكر السياسي تفتح ممارسة الديمقراطية. " لو" هي نقطة استعمال البدائل وافتراض الأفعال ورسم خريطة المستقبل. الطريف أنَّ الاسلاميين ينعتون الديمقراطية بأنَّها نظام شيطاني (لأنَّها سياسات وإجراءات وقيم ترتبط ببلاد الكفار). فهل تلك مصادفة لغوية أم توجُس مُرعب من الانكشاف إن تولوا مقاليد السلطة؟!

تشكل " لو" مصدر إزعاج لأصحاب الأيديولوجيات إجمالاً، لأن" لو" معناها ترجيح أشياء على أشياء أخرى. وطرح البدائل على قدم المساواة أمام العصف الذهني والعصف الزمني بالمثل. وهذا فحواه أنها أداة تغيير جذري في ممارسة الخطاب، فضلاً عن هاجس المجهول الذي يسكنها. وحتى إذا تم فتح إمكانيتها، فهذا يدفع السياسيين للاحتماء بآليات صارمة لتقليص مساحة المفاجأة، كل سياسة تنبني على انكار "لو" صراحةُ أو ضمناً. ولا توجد مسافةٌ كبيرةٌ بين الصراحة والإضمار، لكون الواقع غير قابل للتفاوض بسهولةٍ ولا سيما أثناء الأحداث والتحولات إزاء ألة الحكم والسلطة.

ولذلك رغم أنَّ الديمقراطية تعنى "حكم الشعب"، سوى أنَّ تاريخها يتراكم بمخالفة هذه القاعدة، بل كثيراً ما جرى التراكم التاريخي لممارسات الأنظمة السياسية بانتهاك تلك القاعدة تحديداً. لينفي معناها كمصطلح ذات حواشٍ فلسفية وقيميةٍ بعضه بعضاً. هنا يوجد سؤالان: ما حقيقة هذا التراكم المناقض لمفهوم الديمقراطية من داخلها؟ وهل يمكن تجاوزه وحل استقطابه؟ هذا الطرح ضروري لفهم مشكلة الديمقراطية وتطورها في أغلب المجتمعات. مشكلة كون الانحراف كامناً في جوهرها وليس أبعد، لأن الاستفهام بالمفارقة paradox يضع منطقاً للتحليل يكشفِ الموضوعات من الداخل، أي عبر أعمال التراكم وترسباته من عصر إلى آخر.

مفارقة المفهوم / الماصدق

بحسب ألف باء المنطق الصوري، هناك مقولتا المفهوم intension والماصدق extension، يشير المفهوم إلى الفكرة أو المعنى وراء القضايا. أمَّا الماصدق فينقل واقع المفهوم، وهو حقائق ينطوي عليها المفهوم ذاته. فحين نقول إنَّ المعنى يشير إلى فكرةٍ - كالحرية مثلاً- خلف مصطلح الديمقراطية، فإن الماصدق يعطيها وقائع لإقرار الحقيقة من عدمها. بهذا الصدد ظل مصطلح الديمقراطية مائعاً بين المفهوم والماصدق. لقد تأرّخت الديمقراطية بالازدواج المفارق والمضاد لدلالتها. واستمر انقسامها منذ الولادة المنطقية والعملية في بلاد اليونان. أي التعريف شيء والممارسات شيء آخر.

هذا الانقسام احتفظ به المصطلح كبذور مترحلّة عبر الممارسات السياسية في تاريخ السلطة. ففي صورتها المنطقية logical form ربطت الديمقراطية كلمتين (وحدتين/ حدين terms) ديموس Demos شعب و كراتس kratos حكم. وهما حدان يفترضان اتساقاً للمفهوم الذى يحملانه. لكنهما خضعا لطريقة التفكير الفلسفي والاجتماعي والسياسي. ذلك فيما يخص الإنسان تبعا لماصدقاته، أي داخل حالات التكوين الاجتماعي والاقتصادي. بكلمات أخرى أمعنت أنظمة الحكم في اطلاقها الكلي فأصبحت سلطة تعصف بالآخرين. وغدت منفصلة عن فاعلها (الشعب) حتى أمست هذه الأنظمة أو تلك موضوعاً في ذاتها. أما صورة الديمقراطية عملياً practical form إذا نظرنا إلى "حكم الشعب"، فإننا من أول وهلة نقول إن الحدين السابقين قابلان للإنجاز.

أي تترتب على مضمونهما أفعال استناداً إلى:

1- أنَّ الحكم السياسي يحمل أبعاد الممارسة. وخاصة أنه يُنسب إلى شعب. ولم تخل الديمقراطية (منذ البدايات الأولى إلى تحولاتها الراهنة) من ممارسات حاكمة، ضابطة، موزعة لحركتها باتساع موضوعها الشعبي.

2- تخرج الممارسة في صورة مؤسسات و"هيئات" تمثل رموزاً للحكم ولحيويته وقدرته على التأثير.

3- انقلب الحكمُ تدريجياً إلى سلطةٍ ما، تصوغ القوانين وعمليات التأسيس. ومن خلال السلطة جاءت الدساتير واللوائح والتنظيمات السياسية.

4- بات الشعب مفعولاً به لا فاعلاً للحكم. وإذا كان مضافًا إليه بعبارة "حكم الشعب"، فيبدو أن المضاف إليه سياسياً لا يفيد علاقة النسبة أو الملكية. حيث ظلت الديمقراطية (تُنتزع) تاريخياً من الحكم السلطوي. ورغم أن الشعب صاحب الحكم حصرياً، إلاَّ أنه يجري به وفي الوقت نفسه يبتعد عنه. ليعيد تبرير الشرعية من خلاله.

لعلنا نكشف هنا بنيةَ هذه العلاقة من قول أرسطو في كتاب الشعر poetics "إن الديمقراطية هي وضعٌ يُمنح خلاله الأحرار والفقراء الذين لهم الأغلبية السلطة في الدولة". قول أرسطو هذا في كتاب غير كتبه السياسية مهم. لأنَّ الفكر (من جهة انتشاره وهيمنته وتحولاته) يمثل أبلغ التمثل خلفياته في المجالات غير التخصصية (كمجالات الشعر والميتافيزيقا والأخلاق...)، ولنلحظ شيئاً مؤداه أن الحكم بالتفكير الأرسطي "يُمنح"، "يُعطى" على أساس "وضع" معين certain condition. ويكون هذا الوضع خارج حدود سيطرة الشعب، مع أن الشعوب هي أضخم كيان فاعل خلال النظام الديمقراطي.

إن المنح والوضع لا ينسبهما أرسطو إلى الشعب. كأنَّ هناك يداً خفية ستمسك "السلطة" وتقوم بتوزيعها على هؤلاء الأحرار والفقراء. لكن تحت أية شروط؟ وفى أية ظروف؟ لم يُجِب أرسطو. وطالما الأمر كذلك، فهناك انحراف في معاني السلطة. لقد ارتهنت بالقوى الفوقية (بالمدلول الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي...) وبالقطع استثمرت القوى الظروف الدينية والميتافيزيقية لصالحها لنيل الغلبة على الارض.

من جهةٍ أخرى، مَنْ هؤلاء الذين سيتلقون السلطة؟ هم الأغلبية، مجموعة من الناس (أحرار+ فقراء)، إذن هم مواطنون أرسطيون قبل أن يكونوا أثينيين. بمعنى تم تقليص الشعب (هذا المضاف إليه في الديمقراطية) إلى أغلبية، أكثرية، فئة معينة دون غيرهم. هنا يعد قانون الهوية identity law of أول ما حطمه أرسطو بنفسه، حين جعل الشعب فئةً بعينها.

لأنه عندما منح أرسطو السلطة على أساس التمايز، فإنَّ ذلك يعارض قانون الهوية. يقول قانون الهوية إنَّ الشيء هو الشيء ذاته ويستحيل ألاَّ يكون غير الشيء، أي أ= أ. لكن أرسطو قرر أنَّ الشعب ليس هو الشعب. إنه طبقة منه، نخبة حاكمة، أقلية تمسك بزمام السلطة لتعود حاكمةً على أقليات أخرى.

هكذا كان تدمير قانون الهوية منطقياً أول بذور التنظيم الديمقراطي سياسياً. كأن هدم المنطق أول شروط السياسة، ظلت فكرة السلطة تتلاعب بالمنطق حتى اللحظة. وعندئذ بدا واضحاً تعارض المنطق والسياسة في التفاصيل. ورغم أن أرسطو أراد بالمنطق في كتابه "الأورجانون" Organon أن يكون آلة للتفكير، لكن أثبتت التقاليد اليونانية تغليب منطق المنح (منح السلطة) والمنع على منطق الحق. وهنا تكمن المشكلة - كما يرى ريموند وليامز R.Williams- لتسقط الديمقراطية في مفارقة الصراع السياسي والاجتماعي طوال تاريخها.

في محاورة "الجمهورية" يعبر أفلاطون على لسان سقراط: تنشأ الديمقراطية عقب أن يدحر الفقراءُ خصومهم. يقتلون وينفون البعض، على أن يمنحوا المتبقين قدراً مساوياً من الحرية والسلطة. لكن واقعياً لم تكن الديمقراطية ممارسة سياسية إلاَّ على أنقاض المساواة. ولم تحقق إلاَّ إقصاء الآخرين كما نشأت. فهناك نظام الرق، والأرقاء يقومون بتكريس الأقلية. لأن وجودهم دون المشاركة في الحياة العامة يرفع طبقة أرستقراطية فوق الطبقات الأدنى. كما أن الإنسان يخضع للفرز والتمايز. إذ كانت هناك مكانة هامشية للغرباء (البرابرة) داخل المجتمع الأثيني، في مقابل مواطنين يتمتعون بحقوق مجانية بالولادة والنشأة.

اللافت هو تأكيد أفلاطون وأرسطو أن هذه اللامساواة وتلك الطبقية شرطان ضروريان لقيام الديمقراطية. مثلما كان عالم المثل الأفلاطوني (هذا التخيل الموهوم) شرطاً لوجود الواقع والتاريخ والإنسان. أي لابد من سلب الواقع حتى يمكننا إيجاده. وهذا يؤدى بنا إلى المفارقة التالية التي ظلت متواترة.

مفارقة الاسم/ المسمى

يرتبط الاسم كما يقول رسل Russell بمدلوله، بمعناه، ذلك بقدر ما يحمل من أبعاد الزمان والمكان. ويغدو اسماً افتراضياً إذا أشار إلى معرفة ممكنة أو اصطلاحية. من ثم يحدد الاسم مجاليه الفعلي والافتراضي. ويكتسب دلالة بهذا التحديد. غير أن الديمقراطية بها أكثر من الارتباط بينها وبين اسمها، لدرجة أنَّ معناها كـ "حكم الشعب" تحول تاريخياً إلى شيء آخر تحت شعار... "باسم الشعب".

هكذا على غرار ما ورد في بعض الأدبيات الخطابية العربية... "باسم الله وباسم الشعب". فأمست تشير إلى الأفعال والتنظيمات جرياً مع الشعار السابق بخلاف القيم التي ترسخها. أي باسم الديمقراطية in the Name of Democracy يمارس الشعب السلطة في الأنظمة السياسية. وبذات الاسم - وهنا المفارقة- يُقهِر الطغاةُ ودجالو السياسة الشعب نفسه. تحول الاسم بمردوده الميتافيزيقي إلى دجل، قتل للاختلاف. وليس أقرب لأي ديكتاتور سوى القول باسم الله وباسم الشعب. ويظل يلوك فيها كعلك (لُبان) لا ينتهي. وهو يعلم أنه يخادع عقول البسطاء ويشعل حماس الوعود الفاشلة الواحدة تلو الأخرى.

لقد أصبح ذلك الاسم ُيُمتلك وُيؤجّر وُيخلع على الأفراد أو المؤسسات. ويكتسب مشروعية فيما ليس مشروعاً له. لا أقصد أن أحدد وضعاً كهذا بالتصنيف الحدي: ديمقراطية حقيقية وأخرى زائفة. لكن الأمر أعقد بكثير. ذلك أن اسم الديمقراطية يتحول إلى آلية تحمل كل الازدواجيات والتناقضات التي يعبر عنها الوضع السابق. ولهذا الاسم تكوين مركب يتسنى توضيحه بالطريقة التالية: ينطوي أي مفهوم على مستويات كثيرة. وبصدد مفهوم الديمقراطية يحتمل التحليل الاسمي الإشارة إلى التعدد في بنيته.

أولاً: تحديد حقوقي. أي حكم باسم الشعب. وهو تحديد تحمله اللغة، ويجرى به الهيكل السياسي، يتجلى أكثر ما يتجلى في القوانين واللوائح والتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تلك التي تعبر عن اعتبار "حكم الشعب" موضوعاً للتفكير المقنن والمؤطَّر.

ثانياً: فضاء ثقافي. وهو الذي يظهر بظهور القيم أو الخلفيات والتقاليد التي تأتى بها الديمقراطية. بالتأكيد ليست الديمقراطية غاية في ذاتها وإلاَّ لأمست شكليات فارغة من المضمون. هي مهمة لأنها تدل على معطيات إنسانية وحياتية معينة. والأبرز أن تلك الخاصية تمثل قيداً وانتهاكاً للديمقراطية. فهنا يمكن أن يتسع محيط الادعاء والتفلُّت من الحقوق والواجبات. وقد يحمل الفعل (حكم) دلالات الفهم الخاص للثقافة والأخلاقيات، في حالة سيولة وتأويل، ويمثل باباً لدخول التشويه عليها.

ثالثاً: خيال سياسي. وهو الجانب الذي يمثل تخطيطاً محتملاً لإمكانية التغيير في الأنظمة السياسية والقوانين والأشخاص. فالديمقراطية – طبقاً لقاعدة الشعب- تفترض التغييرات بحسب مجرى الأداء والإنجاز. لكن هذا الخيال قد يتجمد. كما في الأنظمة الديكتاتورية، حينما تزعم لنفسها حكماً ديمقراطياً. وهى تسلك عكسه مع سبق الإصرار والترصد، كحال دول الشرق الأوسط.

أما العمل الأخطر بصدد الخيال أن تتولى بعض الأنظمة السياسية " تصنيع الخيال السياسي" لتسويقه في المشهد العالمي بين الدول. حيث يؤدى الإيهام دوراً مؤثراً، فباسم الديمقراطية، يقال على سبيل المثال حرية اقتصادية أو شفافية تبادل المعلومات أو حرية الاختلاف كما في الدول ذات الإطار الرأسمالي المتوحش، بينما هي "حريات مسخ" بمقاييس الديمقراطية. ويمكن أن نطلق علي هذه الأنظمة "الديمقراطيات الزئبقية" القابلة للتلون تبعاً للقوى والسلطة المهيمنة.

من هنا نأخذ أطراف الديمقراطية حين تخضع لوضعية الاسم بالتخطيط التالي:

- مرجعيات (ثقافة / تاريخ / قيم/ أديان/ مذاهب).

- تنظيمات: حكام (رؤساء/ رؤساء وزراء- برلمانات)... محكومون (شعوب).

- آليات (هياكل / أبنية/ مؤسسات).

إنَّ حركة النظم السياسية ُيعاد خلالها - باسم الديمقراطية - إنتاج المرجعيات. ذلك مع وجود الهياكل والتنظيمات، سواء أكانت انتخابات أم برلمانات أم مناصب إدارية أم قوانين. تبقى فكرة باسم الديمقراطية بمثابة " الشاحن " الذي يدفع أو يبرر الممارسة في المجتمعات سلباً وإيجاباً. وإذا كانت فكرة باسم الديمقراطية هي المبرر القوى للانخراط فيها، فإنِّها تعطينا فرصة لمعرفة: كيف تتعايش الديمقراطية مع المجتمعات التقليدية وغير التقليدية؟ وبأي منطق تظهر القيم هنا أو هناك بحسب الممارسات السياسية؟ وهل ثمة علاقة بين الثقافة والسياسة؟ وأي تنظيم يمكن أنْ يصلح لمجتمع دون غيره؟

وحتى على الصعيد السلبي: لماذا تنقلب الديمقراطية على ذاتها وباسمها؟ وما الأسباب البنائية التي ترسخ فرضية باسم الديمقراطية حتى باتت الشعارات الرسمية مع وضد في نفس الوقت؟ ما هي أشكال انتهاك الديمقراطية بتلك الفرضية تحت مزاعم شتى؟ وهل يرجع ذلك إلى أخطاء في الجوانب النظرية أم العملية؟ وكيف ترتهن تلك الجوانب بالمرجعيات؟

يمكن أنْ نضرب مثالاً على كيفية ظهور خلفيات "باسم الديمقراطية"، وهو مشكلة "حق التدخل في شؤون الدول" الذي أقرته الإدارة الأمريكية سابقاً تحت مسميات ديمقراطية. فمن الذي أعطى "بوش الابن" آنذاك حقاً كونياً كي يتحدث عن الأوضاع السياسية للدول الأخرى؟ وهل ذلك يمثل بعداً متسقاً مع طروحات الديمقراطية أم لا؟ وقد سارت الفكرة عبر رؤساء أمريكا باراك أوباما ودونالد ترامب.

إن خلفيات "باسم الديمقراطية" في الحالة الأمريكية تقفز بالمقدمة باسم أشياء أخرى:

أ- باسم اليمين الصهيو- مسيحي المتطرف. حيث اجتاح بعض الثقافة الأمريكية السياسية لتمهيد الأرض لنبوءات الكتاب المقدس، التي تحدد أنه لتطهير الأرض من الفاسدين والمارقين على يد المسيح المخلص والمرتقب نزوله، لابد من تدعيم مملكة صهيون (إسرائيل) كشرط لهذا النزول. والتماهي هنا لا تخطئه العين بين المهمة النبوئية ومهمة أمريكا بالنسبة لشرور العالم. كما أن نجاح الأثنين يربط بعضمها البعض كمقدمة ونتيجة (نجاح أمريكا ونجاح مملكة صهيون).

ب - باسم "الآب والابن والروح القدس" أعطى بوش نفسه حقاً مجانياً واعطى رؤساء أمريكا لاحقاً وسابقاً، لإحلال الديمقراطية (السلام) على الأرض. وهى مهمة تبشيرية جديدة للجيش الأمريكي ذات طابع حربي. وليس مصادفة أنْ ترد على لسان بوش مصطلحات "جيش الرب" عندما كان يصف القوات اأمريكا المنتشرة في أنحاء العالم، و"حملة صليبية" لمحاربة المتشددين الإسلاميين. وليس غريباً أن يجعل من تنظيم القاعدة "شيطاناً" كأنه ينشر فاعلية "لو" عبر التاريخ المعاصر في صيغة: ماذا لو تخيلنا العالم بدون أمريكا، ثم لا يترك مجالاً إلاً ليلاحقه في كل مكان!!

ج - باسم صور استعمارية قديمة راقب بوش الابن آنذاك البرامج  السياسية المحلية للدول. تلك البرامج المتعلقة بالتعليم والصحة والبنية الأساسية. فضلاً عن الهيكلية السياسية للأحزاب والانتخابات وتداول السلطة وديموجرافيا الأقليات. لا ليعطي دعماً للدول الموضوعة تحت المراقبة (وإن زعم ذلك باسم الديمقراطية كذلك) إنما ليخلق وليواصل الصراع بين " توم وجيري " Tom and Jerry، وليجعل لكل توم (قط) على المسرح الدولي، مسرح الرسوم المتحركة الجيو سياسي، جيري (فأراً) يقلق استقراره وينغص حياته. حيث تمثل أمريكا دور "الكلب"... هذا الضخم الجثة-كما في رسوم الاطفال المتحركة الشهيرة- الذي يلاحق القط Tom دفاعاً عن جيري أو وقوعاً في ألاعيبه. لأن جيرياً Jerry صنيعته ويرى فيه نفسه ببقاع العالم المترامية، ويسدى إليه الخدمات تلو الخدمات، فكيف لا يقف بجانبه؟! ولم لا يتضامن معه؟!

وذلك مع الاعتراف بأنَّ معظم الدول النامية لا تستند إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية، وتحتاج حقاً إلى إصلاحات جذرية، ومع أهمية النظام الديمقراطي الأمريكي وقدراته على تجديد نفسه وما أنجزه من تقدم علمي وإنساني وحضاري، لكن يستحيل فرض الديمقراطية بالطريقة العسكرية عولمياً أو محلياً. ولاسيما أن الديمقراطية ُتتأسس على متغيرات التربية والثقافة والدين وتصورات العالم... وهذه تختلف من مجتمع لآخر. تتطلب عملية تاريخية يكون الشعب فيها بنَّاءً وممارساً لنواتج الأفعال السياسية ومُطوراً لها عبر حياته المفتوحة، شريطة ألاّ تسرق الأنظمة الحاكمة الفرص المواتية للحرية والتطور.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5049 المصادف: 2020-07-02 02:58:30