 قضايا

فِقْهُ الآخَرِ مِن الاسْتِبْعَادِ إلى المُوَاطَنَةِ

بليغ حمدي اسماعيلوأنت تطالع كتاب ابن المقفع (كليلة ودمنة) ذائع الصيت عليك أن تقف تمام التأمل والتأويل لما رصده في باب مرزويه من أن الدين ينتشر إما بالوراثة أو الإكراه، أو باتخاذه وسيلة للعيش وتحصيل المنفعة والمنزلة في الدنيا، ويؤكد ابن المقفع أن كل ما سبق قد تحقق أمامه بالتجربة، بل يشير إلى أن التجربة أكدت أن أصحاب الأديان والملل والنحل يتكلمون بالهوى لا بالعدل، وهذا ما يأباه العقل .. عند هذه السطور انتهى النقل .

وعند انتهاء النقل بالحتمية يبدأ العقل في الإعمال وترجيح الاستدلال وهو الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة الإشارة بأن التنمر بالآخر ليس وليد العصر الراهن، وأن اللفظة التي تم اعتمادها في كافة الأوساط الثقافية اليوم لم تكن بالجديدة بل إن لها جذورا واصولا راسخة في التراث الثقافي العربي

إما، أو .. إنها جدلية قائمة بين المرتكز الثابت، والمغاير المتحول الثابت بالظنية أنه مختلف في الطرح والتوجه، ولا أظن أن القارئ بصدد قراءة موسوعة في المصطلحات الفلسفية الغارقة في الظن والتأويل. لكننا سنركز على جدلية (إما، أو) وهي ما تطالعنا به معظم المؤتمرات التربوية التي تتمخض عن توصيات لا محل لها من الإعراب، لا لأنها ـ التوصيات ـ مجرد افتراضات وتوقعات وآمال يرجى تحقيقها، بل لأن الواقع ليس بالضرورة أجمل. وما أكثر المؤتمرات الكونية التي تعقد تحت مسمى " التعليم والمواطنة" والذي يشارك في فعالياته نخبة من التربويين، والحزبيين، وبعض العاملين بالحقل التعليمي الذين يحملون عبء التدريس والتعليم على عاتقهم دون كلل.

وكالعادة في مثل هذه التجمعات المكرورة والباهتة بل والأكثر بلادة تدور  معظم المناقشات حول جدوى تدريس التربية الدينية بمراحل التعليم العام، وضرورة تدريس الأديان في المقررات الدراسية، وتدريس التاريخ القبطي بصفة خاصة وتضمينه المناهج التعليمية. ولنا بعض الملاحظات عن تلك المناقشات والتوصيات التي لا تخرج عن قاعة انعقاد المؤتمرات غير الفاعلة .

إن ثورة بعض رجال التعليم والثقافة المستدامة والموسمية بعض الأحايين ضد تدريس التربية الدينية الإسلامية بصفة خاصة، ومطالبة البعض منهم بإلغاء تدريسها، وهو المحو الأول من نظرية (إما .. أو) ربما لم يروا بنظرة ثاقبة أن المناهج ـ نفسها ـ غير مؤهلة لتكوين متعلم ذي وعي ونضج كاف وتام بالآخر، بل سأذهب بعيداً، إلى أنها لا تعطي صورة شافية عن التعاليم الإسلامية العميقة، ولا يطمح المنهج المكتوب من الأساس إلى تكوين عقلية متطرفة، ولي دراسة أكاديمية منشورة في هذا المجال وهو تدريس التربية الدينية الإسلامية بالمرحلة الثانوية ودورها في تنمية الاتجاهات الدينية. فما يدرسه الطالب أشبه بظاهرة " إخوان الصفا" أي نتف من كل علم بلا إشباع ولا روية.

فيدرس الطالب مثلاً بعض النصوص القرآنية، وقليلاً من الأحاديث النبوية التي ربما تتكرر في أكثر من صف دراسي، ودراسة بعض الشخصيات الإسلامية، وبعض القضايا المعاصرة مثل التدخين، وتنظيم الأسرة، والحرابة (الفساد في الأرض). والقضية الأخيرة هي التي تكون محل ثورة أو جدال، وليست المناهج نفسها، فقضية الحرابة أو الفساد في الأرض ربما يعالجها معلم غير كفء في مادته، أو في تناول مثل هذه الموضوعات الجدلية، أو على غير علم بسياق الموضوع ذاته، فيفسره حسب هواه، فقد يعيث هو نفسه في الأرض فساداً، ويكسب نظرة ممقوتة نحو الآخر بصفة عامة، دون تحليل أو تفسير.

فقضية معلم التربية الدينية قضية شائكة ونوعية، ولا بد من إعادة النظر في إعداده وتكوينه، بل مراقبة أدائه الصفي مراقبة شديدة، لأنه المعول الرئيسي في تحريك دفة نظرية " إما .. أو " . ومما لاشك فيه أن هؤلاء المعلمين لا تقوم وزارة التربية والتعليم بإعادة تأهيلهم أثناء الخدمة، وإعطائهم دورات توعية مكثفة، بل ربما تتركهم عرضة لمحترفي الإثارة والتطرف، ومن العجب أن ترى معلماً للتربية الدينية ليس في الأصل معلماً للغة العربية، في ظل نظام العقود المميزة والمطورة والركاب والصحافة..

وإنني ما زلت أتذكر معلم الدين بالمرحلة الثانوية، وكيف كان يخرج عن الموضوع الذي ندرسه، ويتطرق في استنفار إلى قضايا من شأنها قد تخلق نوعاً من التعصب، والنتيجة طبيعية، أن أنسى الدرس ومحتواه وينطبع بذهني كل كلماته، وإشاراته، وقسمات وجهه، لولا أننا كنا من الجيل الذي وهبه الله نعمة القراءة والتحري والبحث عن المعرفة.

أما القائمون على المنهج ذاته فقضية تستحق الرصد والتحليل، وإعادة النظر في الأسماء الموضوعة على أغلفة الكتب المدرسية، بل يجب الكشف عن سيرهم الذاتية، فمن حقي كولي أمر لتلميذ أن أعرف من الذي يضخ المعرفة لابني، ومن الذي يضع هذا، ويحذف هذا، ويضيف هذا، ويفسر هذا حسب منطقه الشخصي، لكن المؤلف والقائمين على تأليف الكتب الدراسية يتعاملون معنا بمنطق " هكذا تورد الإبل" .

أما البعد الآخر لنظرية "إما .. أو " هو بدلاً من إلغاء مادة التربية الدينية الإسلامية بمدارسنا أمامنا أكثر من خيار، وليس فقط ما أشارت إليه مؤتمرات " التعليم والمواطنة" . فهناك مثلاً قصص خالدة يحفظها التاريخ لأقباط ساهموا في نهضة الحضارة الإسلامية جنباً بجنب مع إخوانهم المسلمين على السواء، نحفظ أسماءهم، ونجتر ذكرياتهم وأعمالهم الإنسانية والعلمية فقط في الندوات الرسمية والأمسيات التي تجمعنا والأقباط بصورة غير رسمية، لكن داخل صفحات كتب التربية الإسلامية فانتظر، وتوقف، وأشعل ضوءً أحمر إذعاناً في الرفض، فيظن الطالب أن الأقباط كانوا يعيشون في الأمازون، أو فوق جبال الهملايا، وكل الذي يذكره الطالب كيف كان الإسلام متسامحاً مع هؤلاء، ولكن ألم يكن للأقباط منذ فجر الحضارة الإسلامية ونهضتها الفكرية دور بارز، أم إنهم كانوا يقضون عطلة نهاية العام بأحد شواطئ النرويج.

لا بد وأن يعي المنهج الدراسي هذا، وأن يتضمنه، ويحث عليه، وإلا فكل شعارات المواطنة والمطالبة الدائمة والمزمنة والعاجلة بقبول الآخر ستذهب جفاء، ولن يمكث في أذهان التلاميذ سوى أن هؤلاء لا وطن لهم معنا، وعليهم أن يذهبوا بعيداً باتجاه البحر في أقرب قارب. 

وما أجمل أن نحرص على تدريس الآيات القرآنية بالمرحلة الثانوية التي تحض على التعاون والمحبة والتسامح وقبول الآخر، وهو أمر واضح وجلي في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى)، وقوله: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)، وقوله: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى).

ولعل معلم التربية الإسلامية بمدارسنا يدرك بلاغة اللفظ القرآني " أقربهم مودة" وكيف تحمل الآية من مشاعر ومعاني القرب والمودة والتودد والمحبة.

ووختاماً، ما أجدر أن نخصص بكتب التاريخ لا سيما بالمرحلة الثانوية وحدة دراسية بكل صف تتناول الوجود القبطي في مصر الحديثة والمعاصرة، والإشارة إلى حياتهم في الحضارة الإسلامية ودورهم في نهضتها، وأدوارهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وكفانا هلعاً من اجترار نظرية المؤامرة التي عششت واختمرت في أذهاننا نحن فقط، إنها لجدلية أظن أنها ستظل قائمةً، لكني ما زلت أطمح في مناهضة نظرية " إما، أو " حتى نؤسس جميعاً نظرية جديدة نسميها " معاً " ...

وفي نفس الصدد أعني المواطن والوطن والمواطنة، لعل أكثر العبارات المثيرة لأي قارئ هي عبارة " الأكثر مبيعاً"، ولاشك أن مثل هذه العبارات تتصدر بصورة غير طبيعية بعض عناوين الكتب العربية ؛لأننا بالضرورة أمة غير قارئة، وربما نستعد على عجل في الدخول إلى محطة الرقاد الثقافي الأخير قبل إقامة سرادق عزاء لثقافتنا. ولكن الأخطر والأدهش أن تتحول مثل هذه العبارات إلى هوس مستمر بعقول أصحاب دور النشر، مما يدفع المؤلفون إلى تشويه بعض الحقائق والثوابت، أو زعزعة أي استقرار كائن. وأنا شخصياً أحمل بذاكرتي بعض التجارب في اقتناء الكتب التي تحمل عبارة الأكثر مبيعاً، وما هي إلا غلاف جديد ومثير، وآراء وأفكار سرعان ما ينتهي صداها ربما قبل الفراغ من قراءتها، وصارت عبارة الأكثر مبيعاً جواز سفر سريع لجيب وعقل القارئ. بل إن دور النشر مؤخراً أصبحت تضع عبارات مثل الكتاب الذي ينتظره الجميع، أو أخيراً وبعد طول انتظار الكتاب القنبلة، وتحث بعض الفضائيات الموجهة للترويج لمثل هذه الكتب.

وإذا نظرنا إلى القضايا التي تعالجها الكتب التي تحمل عبارة "الأكثر مبيعاً" وجدناها تدور في فلك واحد، وهو الاضطهاد والتمييز الديني، وتشويه الآخر، ونبذ فكرة التعايش، والاستباحة، أي اغتصاب حق الآخر بدون سند أو فتوى مرجعية تدعمه.

والظاهرة على السواء، لا تختص بدين معين، أو طائفة بعينها، فنجد مثلاً بعض المراكز الثقافية تصدراً كتباً ومطويات تحمل عبارة الأكثر مبيعاً، تتناول الآخر بصورة مهينة، وتتحدث عن اضطهاد الآخر له، وهذه المراكز تبارت في السباق إلى دفع إصداراتها للرئيس الأمريكي باراك أوباما توضح له اضطهاد المسلم للقبطي، واضطهاد القبطي للمسلم، حتى فاجأنا هو بحديثه عن ضرورة التعايش، وتغيير الصورة النمطية السلبية للآخر، لأنه قادم من بلد يعمل، ويفكر، ويسعى لتحقيق هويته، أما في ظل ثقافة الأكثر مبيعاً فنحن نعمل جاهدين لتدعيم عبارة : كيف أقوضك لأبقى منفرداً وحدي بالعزف؟ .

وبالرجوع إلى مضمون هذه  الكتب التي تحمل عبارات تثير رغبة القارئ في اقتنائها نجد أنها تكاد تنحصر في التشويه والتضليل، وتثبيت مثل هذه الصور النمطية السلبية للآخر، الذي لابد وأن أحيا معه، وأتعايش بجواره، وأبني وأعمر وأدرس بكنفه راضياً مطمئناً. فنجد كتباً تتحدث عن محاكم التفتيش، وكيف كانت وصمة عار في جبين النصرانية، وكتباً أخرى تبين كيف حرق المسلمون عند فتحهم مصر مكتبة الإسكندرية، وأن الغنيمة كانت هدفهم عند الفتوحات، وكيف أن الغرب أحرق كل كتب العلماء المسلمين وأبادوها حرقاً، وكتب أخرى تصور المسيحية أكثر وحشية وعدوانية.

ويا عجباً على ثقافة تحمل مضموناً كهذا، يورث امتقاعاً، واحتقاناً، وكراهية، بل إن قارئ مثل هذه الكتب سيجد نفسه مضطراً ليحارب الآخر ويعاديه، بدعوى أن حربه واجب ديني مقدس، حتى أن الداعية الإسلامي محمد الغزالي أشار قبل سنوات بعيدة إلى هذا وذكر إلى أن مثل هذه القضايا الفكرية والعاطفية جديرة بأن تودع في المتاحف، لا أن تدفع إلى دنيا الناس، وأن شعار الإنسان وحده أصبح داعياً للريبة البالغة. وأذكرهم جميعاً بما جاء في القرآن الكريم مثل قوله تعالى (وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، وقوله (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).

وقد نجد هذا الاحتقان المتبادل ليس فقط بين الأديان، بل بين طوائفها أيضاً، وما أكثر الكتب التي تتناول العلاقات المعادية بين السنة والشيعة، أو بين الكاثوليك والبروتستانت،الأغرب أن كل الأديان السماوية التي ظهرت على وجه الأرض تأمر بالرحمة والشفقة مع الآخر، بل ومع الحيوان أيضاً، ونحن لازلنا في هوس التنديد بالآخر، وتشويهه، ونرفض مجرد فكرة الاختلاف.

وإذا كنا نحاول جاهدين أن نسعى لتحقيق المواطنة وتفعيلها، فعلينا أن نفطن بأن المواطنة نظام يعترف بالتناقض والاختلاف في المصالح الاجتماعية، ويعمل على ضبط وتنظيم هذا التناقض، وأن المواطنة في جوهرها تحالف وتضامن بين أناس أحرار، أي بين أناس متساوين في القيمة والدور والمكانة، إن فكرة المواطنة تعني الإيمان بأنه من الممكن المراهنة على الحرية كمطلب ورصيد معنوي لتغيير قواعد العمل والتواصل الجمعي، والمراهنة على الفرد كمركز استثمار.

والملفت حقاً للانتباه، بل والاحترام كيف كانت الثقافة أيام الوليد بن رشد، والإمام أبو حامد الغزالي، تبادل ثقافي، وعطاء فكري متصل مع الآخر دون تنديد أو تشويه، بل إنك لن ترى أي احتقان باطني أو ظاهري نحو الآخر، بل إنك لتجد تفاعلاً حقيقياً عندما تقرأ كيف كانت حالة الوجد الثقافي قائمة،ولنذكر مثلاً أن الصوفي الفرنسي بليز باسكال أورد بيتين من الشعر لأبي حامد الغزالي في كتابه "الأفكار" في سياق حيث الأول عن زعم الدهريين بانعدام النفس بموت صاحبها، بل ونجد في العصر الحديث إشارات بعينها توضح كيف كان العالم أكثر تسامحاً ومتحرياً للتفاعل الثقافي دون تشويه، فند الشيخ محمد الغزالي يوضح ما جاء في كتاب أليكسس كاريل  " الإنسان ذلك المجهول" الحائز على جائزة نوبل، فيقول عنه من أعظم الجهود البشرية، يعرض هذا دون الدخول في مهاترات أو نقد جارح، من شأنه تعميق الهوة بيننا وبين الآخر.

 إن الدرب ولا ريب وعر، والثقافة هي رهاننا الأخير، فوجب علينا أن ننبه العقول إلى التحري في انتقاء الكتب، وقراءتها بموضوعية شديدة دون تحيز أو تعصب أو تحيز، إذا كنا حقاً نريد البناء، وليعكس كل منا للآخر سماحته، وحرصه على التواصل الجمعي، لأننا إذا سكتنا عن هذا فسنترك لدعاة التشويه والتضليل فرصة سانحة للانقضاض على مقوماتنا الحضارية وهي الوحدة الوطنية، وإذا أشرنا إلى ضرورة التفاعل الحقيقي بين مسلمي وأقباط هذه الأمة، فلربما يتهمنا البعض بالعمالة أو تقاضي أية أموال للحديث عن هذا، وهذا لا يعنينا، بل ولا يغرينا، ما دام الله وحده مطلع على ما في الصدور، وإننا لفاعلون.

ومن الأمور المثيرة لأي كاتب أو قارئ الآونة الحالية موضوع الحوار بين الأديان، وكيفية إيجاد سبل للتعايش بين أبناء الوطن الواحد .والأغرب والأدهش والأكثر عجباً أننا لا نزهق من الحديث عن سماحة الإسلام في الدعوة إلى التعايش بين الأديان، وهذه حقيقة لا أستطيع إنكارها،والقرآن الكريم أسهب في عرض ذلك وأكد عليه في أكثر من موضع، مثل قوله تعالى : (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).

وعندنا في الإسلام الحنيف شرط أساسي لدخول الفرد الإسلام، وهو الإيمان بسائر الرسل والكتب والأديان السماوية، وهو ما لاتجده في أديان أخرى، كبعض الفرق المسيحية التي لا تعترف بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، أما نحن فشريطة دخولنا الإسلام تمام وكمال الإيمان بالرسل جميعاً دون تمييز أو عصبية، وبكافة الكتب السماوية التي أرسلها الله تعالى لأهل الأرض، يقول الله تعالى في ذلك : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) .

فالإسلام دين يقبل الآخر ويتسع للتعايش مع المعتقدات والأديان الأخرى، وربما لن يجد الإنسان بصفته الإنسانية العامة ديناً رحباً مثل الإسلام، وتتمثل رحابة الإسلام في قبول الأديان غير السماوية، بالإضافة إلى قبوله وتسليمه للتعددية والاختلاف، يقول الله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد) .

ورغم ذلك لا يزال الغرب يتساءل ـ لوحده منفرداً بالعزف ـ لماذا يكرهنا العرب؟ . والعرب تاريخياً لا يفطنون الكراهية، والدليل على ذلك سماحة أبنائه وقبولهم التعايش مع كل مستعمر ومحتل، ودعك من قضية فلسطين التي يصر البعض على تأكيد وحشية العرب والمسلمين هناك، لأن موضوع فلسطين شائك جداً، ولك أن تتخيل رجلاً يصوب فوهة بندقيته نحو رأسك ورأس زوجك وأولادك، هل ستتركه يقتلكم جميعاً وتسرح أنت بنظرك في ألوان قوس قزح؟ .

ومن المضحك جداً أن يختزل الغرب مليار مسلم في مجموعة من الإرهابيين تقتل هنا، وتدمر وتفجر هناك، ومن المنطق نفسه لنا أن نتهم الغرب كله في قتل آلاف الأبرياء من المسلمين في البوسنة . الأغرب أن كثيراً من المحللين والمفسرين ـ وآسفاً ـ وبعض الشيوخ الأفاضل انبروا في عرض وثيقة أوباما في تغيير الصورة النمطية للإسلام، والأولى أن تسعى المؤسسة الدينية في هذا، وأن ترسخ المراكز الإسلامية المنتشرة في أوروبا لسماحة ورحابة الإسلام في قبول الآخر والتعايش معه في أمن وسلام.

لماذا لا يستثمر رجال المؤسسة الدينية ميراث الخير في قلوب الناس، والغرب بصفة رئيسية، فيوضحون أن الإسلام منهج حياة كامل، وقد أشرت إلى هذا في مقالي منذ خمس سنوات تقريبا بعنوان " ما لا يعرفه أوباما عن الإسلام" من خصائص وسمات يتمتع به الإسلام وحده عن بقية الأديان السماوية. وإذا كان الغرب لا يرى سوى كراهية العرب والمسلمين لهم، ولا يرى في الإسلام إلا الوحشية والعنف والتطرف والقهر والاستبداد والتمييز، وهل سننتظر رجلاً آخر يؤذن في مسجدنا، ألا نجيد رفع الأذان كما نجود الغناء والموسيقى والعزف والرقص، أم أن ثقافتنا الإسلامية وما أفرزته من ثقافة الحوار والتعايش سلبت منا كما سلب كل ما أنتجناه من حضارة.

وهل من المعقول أن ننتظر من الآخر أن يدعونا للحوار وإلى تعرف الآخر وثقافته ولغته وحضارته، ونحن دون تعصب أو تحزب أول من دعا إلى ذلك، ومن العجب أن يعلن الغرب ضرورة حوار الحضارات والأديان، وأن الإسلام دعا ولا يزال يدعو إلى حوار يستمد الاعتدال من روح الإسلام وتعاليمه التي تدعو إلى الوسطية مثل قوله تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، والذي يفطن معنى الوسط يفطن أنه يعني الاعتدال والمثالية وعدم التعصب، بحيث يكون حواراً بالكلمة الراقية والمنهج السوي.

 

الدكتور  بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5075 المصادف: 2020-07-28 02:07:28