 قضايا

كورونا والهوية الافتراضية

مهاد: في زمن كورونا وقعت الواقعة وساد النحيب. والتفت الساق بالساق فأين المساق؟ وقد تحددت المواجهة في كثير من الربوع باعتبارها جزءا من التسوية والحل للحيلولة دون السقوط في مثبط الشلل. أو في ديمومة قد تعيق نمط الحياة.

في تدوينات ما بعد حدث كورونا تأويل لا متناهي يسود تفاصيلها. في تفسيرها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وقد كان البحث في انعكاسات الوباء شبحا مخيفا قاد الأقلام إلى بحث مضني. بيد أن ثمة بعض المناحي الغائرة قلما تم الالتفات إلى وقع الجائحة عليها. أقصد أسئلة جديدة تلوح في الأفق حول طبيعة الهوية التي يتحدد من خلالها وعبرها الفرد في مرحلة التعليم عن بعد. وفي مرحلة الارتكاسة الباثولوجية التي عرفها النشاط الثقافي على أصعدة مختلفة.

- السوشال ميديا والوسائط متنفسا ثقافيا

في زمن كورونا حتمت الأقدار خوض تجربة التفاعلية. وخلق قنوات يجري عبرها الصوت ويتسلل من خلالها النقد. لمحاربة الإطباق وكسر الصمت. مستغلين بذلك المتاح والأمكن في أكوان التكنولوجيا غير أنها بالقدر الذي استطاعت أن تزيل ضيم الانتكاسة فقد ولدت إشكالات مرحلية يجب التنبؤ فيما بعد كورونا إلى جسامة هذا الركوب على مرحلة العطب في آليات الإنتاج الأكاديمية ومسارات الفعل الثقافي الحقة.

قد تفيد التفاعلية مرحليا لكنها قد تهدد حقا وقد تنشأ عنها فئوية... وقد نتساءل في مراحل لاحقة عن هويتها الأكاديمية ووجودها العلمي.

السوشيال ميديا بما حملت من تجارب آنية في ظرف يسعى فيه الكل إلى تحقيق النسبي. يجب أن تخلق مسافة جمالية وتؤكد وجودها كبيئة بحث بديلة. لا أن ترسخ أقدامها في مصاف الريادة.

البانوراما التي تلوح في الأفق هي الهوية الافتراضية والوجود السبرنطيقي بديلان للهوية الثقافية والوجود الأكاديمي. لكن ضمنية المعطى يقود إلى التساؤل حول شروط الانتخاب والأهلية. هل أصبح بامتلاكنا تحديد هويتنا افتراضيا وبشكل طوعي؟

- الهوية الافتراضية. ممكنات وحدود

إذا أصبح الوجود السبرنطيقي حاجة ماسة لتحقيق الذات. فهو بداية معادلة شاقة ومغامرة محفوفة. تتهدد الدينامية الفيزياىية من جهة وبالتالي تضعف الوجود المادي.  ومن جهة أخرى يعبرها مشط السلطة. وترد بالتالي إمكانية ضعفها بموجب القوة.

تم قبول الفكرة واحتضانها ونوقشت الأطاريح والرسائل. كما اعدت الندوات وأقيمت المؤتمرات، بله عن عمليات التعليم والتعلم. وطبعا الكل كان خلف شاشاتنا الصغيرة.

لقد أوتيت التجارب نفعا وكانت لها مزايا كثيرة. وقد عمت الفائدة وعوملت المرحلة بما لميكرو-تكنولوجيا من إيجابيات وفوائد.  بيد أن السؤال حول جدوى الاقتداء بالنموذج وجعله يطفو كآلية تسري في وجودنا لتصل إلى المطلق.

الفرد بما هو كائن متحول حتى هويته المترحلة تتوقد تحت صفيح ساخن وتشهد تقلبات. وكان للأزمة في هذا التقلب دور طلائعي. الأزمات كما تحدث تغيرات في الوجود فهي تعمل في الشخصية وتخفق المسافة وتؤثر في التمثل والتطلعات.

نقاشات الهوية الافتراضية في زمنية الوباء  تبقى عالقة على مستوى من التجريد ما لم يتم فحصها تحث مجهر يحدد مشكلات الفئوية التي نتجت عنها. ومشكلات الأدوات والميكانيزمات التي لم تعمم. وحتى يقودنا بالتالي تحول الأزمة إلى انفتاح جديد لا مشروط يسع للجميع ويكون مرآة تصرف هموم القيود وضغط العجز. لمزيد من العطاء في شوط زمني ماكر  يمتد في شأنه جدل صاعد ونازل.

١ - اشتباكات القدرة المعلوماتية والجودة العلمية

لدينا شريحة ضليعة في التقنية المعلوماتية لكنها لا تكف عن حشر ذاتها في غير تخصصها. ولدينا شريحة متخصصة لكنها لا تتعامل مع التقنية. وبالتالي حصول هوية افتراضية يحدد وجود الأشخاص الاستثنائي قد لا يخلو من مفارقات.

٢ - الاستسهال وفظ الجوهر

نواة الأشياء قلادة ثمينة مذهبة لا تساوي ثمن. وقد لوحظ في زمنية العمى هذه استسهال واضح في التعاطي مع المعلومة ومع البحث الآكاديمي. وقد لا يخلو هذا الفظ من سياسات الزبونية التي تموضع ذوات كثيرة في غير سياقاتها البحثية. لربما كانت الظرفية فرصة سانحة للظهور. لن تتاح في الواقع الفيزيقي ولن يضمنها الوجود البحثي الواقعي.

٣ - تراجع النخبة والصمت المريب

يعزى تراجع النخبة المثقفة إلى عطب ما في مقومات التفاعل الشبكي. أو إلى اعتباره تسللا من من نوافذ ضيقة. لكنه يظل تراجعا غير مبرر يضمن مساحة أكبر ولفا أكثر لفئة سيقت نحو البروز.  كما أن الصمت يبعث بالتشظي. وقد كانت الحاجة إلى أن يرسخ المثقف الفاعل لا الشبكي أقدامه ويرسو في ميناء هذا التشكل الهوياتي..

- آفاق وتطلعات

يجب مهما كان الوضع. مراعاة هذا الفضاء الشبكي الهجين. هذا الفضاء الثالث بلغة هومي بابا. والسعي الي خلق وجود شبكي متخصص يتحدث فيه ومن خلاله ذوي الاختصاص في كل حقل على حدة. وإلا فالأزمة ستتولد عنها أزمات. نحن نتعايش في المرحلة مع أزمة هوية افتراضية يجب أن ترسى دعائمها وفق المداخل العلمية المتعاقد حولها. وإلا فحصيلة التواجد خلف الشاشات قد تنتج عنها أوهام زائفة واعتقادات جزافية تجاه المواضيع. صحيح أن مستقبلنا التكنولوجي يفرض ذاته منذ الآن لكن تظل الحاجة إلى تنظيم الهيكلة الافتراضية في شقها الأكاديمي أمر لا محيد عنه لتأمين المعلومة على الأقل والاعتراف بالصوت الحق في زمن الوفرة واللا متناهي.

 

محمد ايت احمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5077 المصادف: 2020-07-30 02:06:21