 قضايا

الاختلاف الديني

سامي عبد العاليبدو أنَّه في مجتمعات تفتقر للآفاق الإنسانية الرحبة تنشأ حاضنةٌ الاقصاء، إذ يجد الأخيرُ مرتّعاً لبث أفكاره وفيروساته. لأن بعض المجتمعات تختار الانتماء إلى الماضي في كل ما تفعل لدرجة إغفال المستقبل. وقد يكون ذلك تاريخاً لا مفر منه، لكن تكرار العملية يجعلها نمطاً عاماً يصعب نقده وإزاحته جانباً. عندئذ يختلط (الإقصاء والمجتمع) تشكيلاً لـ"غطاء ثقافي" يُمرّر أيَّة أعمال عنف. وهذا سر انتشار آراء مشايخ التطرف ودعاته بكافة المجالات من الأسرة حتى الدولة ومؤسساتها. فغدت الآراء والفتاوى والأحاديث العامة بديلاً للمعرفة والفكر المفتوح. وإذا دققنا الأمر، فليست الآراء بمعطى التنوع ووجهات النظر على ما يشير المعنى. إنما هي بدائل أكثر عنفاً لهيمنة الشروح الدينية (التفسيرات والمذاهب والايديولوجيات والفتاوى والتشجيرات) على حياة الإنسان حتى بلغت (مختلف الديانة).

فالشروح  وراء الشروح كونَّت طبقة عازلة من التحريمات أمام أي تغير جديدٍ. ولم يكن وجود المشايخ على هامش الواقع، بل اعتبروا أنفسهم مركزاً لكل حياة سواهم. فهم يقولون خطابهم لا ليلتزموا به بل لأجل أن يسير عليه الآخرون. وليس هذا فقط، إنما ليتكلم في كافة القضايا الحياتية والغيبية، الذاتية والعامة. مما كرَّس توجُهات ثقافية سياسية ودينية متقاربة المعالم داخل المجتمعات العربية. تكمن في جوفها" دجما "حول علاقات الأفراد وتصوراتهم والمواقف من الحياة والعالم.

وعليه فقد أمسى الاختلافُ الديني والتنوع الثقافي أمراً عسيراً مثل الجحيم. لا مكان له...  فالمختلفون عقدياً (حتى مذهبياً- حتى أيديولوجيا) هم في أحسن الأحوال نباتات انبثقت فجأةً في صحراء قاحلة. عليهم أنْ يتلقوا الضربات القاتلة والتمثيل بهم مع ضياع المسؤولية عن ذلك. كأنَّ الحال وجد فجأة بلا أدنى تساؤل حول الأسباب والظواهر والتداعيات، ولنلاحظ أن الدولة لا تتكلم، هي كائن أبهم أصم لا ترى شيئاً من ذلك، وتترك مواطنيها يتزلجون على عبارات مزجاه وسائلة!! وكل ما يحدث من مظاهر تنوع إنما هو من قبيل تسيير الأمور من مرحلة إلى أخرى دون تعايش حقيقي.

ومع أنَّ الاختلاف الديني أمر تلقائي إنسانياً ولا يثير أية غرابة. ليس رجوعاً إلى أصل تقديسي إنما بحكم التعبير البشري عن الوجود والاعتقاد. وثمة فارق بين التناقض والاختلاف من هذا القبيل. فالاختلاف لا ينقل غطاءً عاماً يخفيه كما أُشير إليه. إنه قائم بحد ذاته اعترافاً بحق الإنسان في الايمان بما يشاء وقتما يشاء إلى غاية ما يشاء!! خارج الأطر الحاكمة التي تحدد: من يعتقد، وماذا يعتقد، وكيف يعتقد؟

وحتى فعل التحديد من حق الإنسان إلاَّ يتجاوزه أحدٌ أو يتطفل عليه أو يتنطع به. فالاختلاف الديني يصون حدوده، يعرفها، يقدرها، يوسعها، يضيقها كما يريد. فعندما يعرف انسان (مهما تكن معتقداته) اختلافاً ما، عليه إلاَّ تكون معرفته وفقاً لما يتوهمه (في نفسه). إنما يعتبره موضوعياً بما هو الآخر (بألف ولام التعريف) كما يعد كذلك. فلا يكتسب أي اختلاف ماهيته من الخارج. ولهذا  يعتبر المختلف دينياً كائناً مستقلاً بخلاف أي تنميط. فالتنميط (التصنيف، الفرز، التمذهب) يفترض سلطة الاقصاء والعسف. وتبدو حتى الاشارة إليه لون من التصنيف القائم على استدراج المختلف لتصورات لا تعترف به.

من جهة أخرى يخطئ من يبرر الاختلاف الديني، لأنَّه بطبيعته لا يخضع للتبرير. وليس مطلوباً من أصحابه القيام بالتبرير. لو بُرر لكان قمينا بالفشل الإنساني، بتوجيه الانتقاد إلى نفسه. وجود الاختلاف بمثابة السبب الكافي لتبريره. وليس من شأن أية سلطة التحرش به أيا كانت. فلو استند إليها سيكون مجالاً للعنف من باب خلفي. وإذا خضع لها لن يصبح اختلافاً لكنه وصاية. وما لم يُفهم داخل المجتمعات على هذا النحو، فإن الاجتماع مشروع فاشل إجمالاً.

هنا يصبح السؤال (لماذا يستهدف الارهاب أصحاب الديانات الأخرى؟!) كاشفاً. إن لم يكن استفهاماً فضائحياً إلى درجة العار. فالمساس بالمجتمع كمن يمس جسداً أنثوياً  خاصاً تحيطه اللعنات الإنسانية والإلهية. حدث ذلك الاستهداف بصدد المسيحيين مثلاً في العراق وسوريا ومصر وليبيا بشكل هوسي مسعور. كأنَّه لا يوجد سوى المسيحيين في المجتمعات المذكورة للتنكيل بهم. ولا يعني ذلك تحريضاً على سواهم. لكن بسبب أنهم ضحايا دائمين تحت أي انفجار سياسي أو عقائدي. طبعاً كلُ حالة تختلف عن الأخرى، وبنفس الوقت تتشارك عوامل سياسية في إثارة الصراع واستعماله لمصالح خاصة.

إضافة إلى أنَّ ذلك أمرٌ بارز لكون المسيحيين أكبر الكتل الاعتقادية بعد المسلمين. وإزاءهم يحاول الاسلاميون التميُز خوفاً من مخالطتهم. وفي هذا أوصى بعض الشيوخ بحتمية تلك المخالفة في الأعياد والأزياء والكلمات. حتى يبز المسلم غيره من أصحاب الديانة المسيحية. ومن ثم كان المسيحيين أهدافاً قريبة لتفريغ شحنات العنف في اجسادهم ومؤسساتهم العارية. وقد أتاحوا للإسلاميين فرصاً لأجل إعادة تشغيل نصوص القتل والجهاد وقهر الكفار ودفع الجزية والصِغار. كيف ستعمل نصوص تاريخية فقدت سياقها الآن؟!

بينما استطاعت اسرائيل أن تمتص نحوها كراهية العرب لليهود. فهي دولة قد شجعت هجرتهم إليها حيث غطاؤها العسكري والسياسي القوي. وبذلك احالت دون بقاء اليهود في مناطق الفرز الديني عربياً. ومنعت هؤلاء اليهود من العيش وجهاً لوجه أمام الاسلاميين. ودشنت جداراً من الحماية الغربية لكيانها. وبالتالي كان على الاسلاميين لينالوا منهم المرور بمصفاة القوى الدولية وبقوة إسرائيل. وهذا ما لم يحدث. فخطاب الاسلاميين الدموي ينال من الأفراد. بيد أنه إزاء الدول يستعمل خطاب الارهاب عبارات التكفير المطاطة التي تتكسر عند أول حدود. عبارات هكذا: الغرب الكافر، أمريكا الكافرة، أوروبا الماجنة. ويعتبرها كفيلة باصطياد أحد رعاياها فوق اقليمها أو في مناطق الصراع الدولي. وحتى هذا لم يتم بخصوص اسرائيل... لا بالداخل ولا بالخارج.

فنحن نعرف أنَّه مع احداث الربيع العربي الدامية لم يطلق الاسلاميون رصاصة واحدة على اسرائيل. بل صرح بعض قادتها أن الدواعش والقاعدة يقدمان خدمات جليلة للدولة اليهودية أكثر مما يقدم سواهم. وأخذوا يتباهون بكون دولتهم تقدم نموذجاً في التسامح يفوق برك الدماء حولها سواء بسوريا أو العراق. واعتبر قادة اسرائيل أنهم (مجتمع) مضطهد وسط الركام البشري المتناثر حولهم على مساحة الدول العربية. وظلوا يتصايحون -مع زيارات رؤساء العرب إلى قبلتهم الأمريكية المقدسة– بضرورة الالتفات نحو حالتهم الساكنة والوديعة. ومن قبل كان الإسرائيليون أيضاً يعتبرون أنفسهم مثالاً في الديمقراطية بخلاف كل العرب. وكلما ألقيت عليهم قنبلة ولو علبة فارغة كانوا يسوقوّنها كإبادة للدولة العبرية ولحقوق شعب الرب وأنَّ الأخطار تحيق بهم من كل جانب.

وللدقة ظلت تلك الاستراتيجية ناجعة تماماً في تحويل الأنظار عن الاحتلال والقتل اليومي للفلسطينيين وزحف الاستيطان. وبهذا بدا التخلص من فائض الدماء المجاور شيئاً مقصوداً في حالة اسرائيل.

فلربما استطاعت اسرائيل- فعلاً- اختراق التنظيمات الإرهابية لتعيد استعمالهم من الداخل. كما أن الارهابيين مصابون بـ"عمى جهادي" واضح (الأقربون أولى بالتفجير) على أساس أن قتل المرتدين والكفار المحليين أهم من كفار الخارج. وقد كرست الولايات المتحدة هذا الجهاد على أساس أن النفايات البشرية والأيديولوجية القذرة يجب أن تحرق في مكانها. فلتكن مناطق الجهاد الذي يأكل نفسه هي البيئات المحلية للإسلاميين. منها تصح أن تتسع كمقابر ومحارق كبرى. ومنها تأمين الدولة الصهيونية. وكذلك استثمار جغرافي لاستعمال الجهاديين في خلخلة البلاد واشغالها بمشاكلها المحلية.

في أكثره، يرجع قتل المسيحيين واليهود العرب إلى موروثات دينية تضرب أية اختلاف عقائدي في الصميم. وتحجب الواقع بفتاوى التكفير التي أضحت جزءاً من المسلمات الشائعة كما أشرنا. ونحن ندرك أن النصوص والأحاديث الفقهية لدى المسلمين ليست مجرد لغة. فهي كائنات تتحرك بين الناس إلحاحاً عليها في الخطابة الدينية والعلاقات الاجتماعية والتعليم والكتابات العامة. إنَّها ترصع المباني والصحائف وتهيمن على تداول الخطابات. وهي بحكم توجهها المنحاز إلى هيكل عقيدي اسلامي تفرز الناس في التعاملات اليومية. لدرجة أنَّ الآثار التي يتركها سماع النصوص المقدسة كفيل بمعرفة أية ديانة يعتنق المستمع.

فكلما رأى ارهابيٌ مسيحياً سرعان ما يرفع عواءه. ويتمتم بكلمات استعاذة من الشيطان الرجيم ولا يقترب منه بحال بل يظل يذكر الله والشهادة. وفي أحسن الأحوال يأخذ بحك (هرش) جلده أينما تقع أنامله. وإذا صافحه اعتباطاً وخجلاً، لظلت آثار السلام تأكل كف راحته إلى أن يغسلها بماء النار. ولو أفلت المسيحي من هذه الاجراءات، كانت حياته وحركاته وسكناته مضغة في أفواه متابعيه. يبقى دوما تحت المراقبة على مدار الساعة: كيف يتصرف؟ لماذا يبتسم؟ هل يذهب إلى الكنيسة أم لا؟ ألاَ يكون منافقاً في كلامه؟ هل نعطيه أماناً بأية مسألة؟ هل هو أمين أصلاً؟!

إزاء هذا الوضع اللا إنساني (واللا ديني)، نحن نحتاج نقداً يومياً لممارسات المجتمعات العربية. لحظةٌ بلحظةٍ... وسلوكٌ بسلوكٍ... وإشارةٌ بإشارة... وإيماءة بإيماءة إزاء الآخر. فكل ذلك يخفي تجاه قضايا الاختلاف الديني والمذهبي أبعاداً غائية. لعلنا نفهم حركة الناس وخشونة تصوراتهم عن الأديان وعبرها.

صحيح هم غارقون في تغليب الاقصاء وتأجيج الكراهية. لكن التربة (الأرضية) مشبعة بالاثنين لدرجة الاحتقان والتشفي في قتل المخالفين دينياً. كانت تتقاذف مشاهد الدماء في الكنائس المصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي كأنها آتية من كوكب القرود. وتبدو الحياة تلقائية في الشوارع الجانبية لمواقع التفجير. وكانت برامج التليفزيون تعج بمظاهر الرقص والتسلية والغناء كأنَّ شيئاً لم يكن. ثم ينكفئ الناس على همومهم اليومية خارج سياق التغيير. لعل أكبر الكوارث في حياة العرب المعاصرين هو تنازلهم عن تغيير الأوضاع القائمة. ماذا سأفعل؟ .. هذا هو السؤال الذي يردده كلُّ راءٍ للصور لا عقاً الحسرات.

لا مبرر للصمت الثقافي تجاه جرائم الارهابيين في الماضي والمستقبل لأنهم لن ينتهوا. حتى وإن سمعنا اعتراضاً طائشاً من هنا أو تنديداً مقصوداً من هناك، فكلام السياسيين ممل لدرجة اللعنة. والمثقفون يعوزهم نظرة أرحب للمجتمعات وآليات التاريخ في تشكيل الوعي. كما أنهم مازالوا يتسلقون الأسوار ليلاً، أسوار الدين، اسوار السياسة، أسوار المجتمع لينتهكوا الزرع والحرث والنسل. ثم المرور كالجعارين بجوار الجدران(المشي بجوار الحيط). فإلى الآن لم تُطَّعم ثقافتنا بمفردات جديدة ولا بأفكار مختلفة لاستزراع التسامح والتعايش.

أولاً: الكراهية.

مرت إشارة إلي فراغ الاسلاميين من الجانب الدنيوي (التعايش والتنوع والاعتراف). وبهذا تعتبر تلك المساحة لصيقة بالأيديولوجيا حين تخْلي الرؤى إلاَّ من سواها. فليس أكثر من الالتصاق العضوي والفكري للعقول والأجساد داخل الجماعات الاسلامية. حيث يتصورون أنهم يستعيدون تجربة السلف (كياناً وفكراً وحياة)، هذا الجيل الأول الأكثر صفاء بحسب اعتقادهم. راقبنا تلك الحشود تحت رايات الجهاد طوال التظاهرات الدينية الربيعية التي مرت. لا فوارق.. فقط هناك القرين بجوار القرين!!

هذا الالتحام تتم تقويته بالكراهية تجاه الأغيار. لقد شاع بين هؤلاء القول الشهير: ليس منا (المسلمين) من لم يحب في الله ويكره في الله. والقطبان (الحب× الكراهية) يحكمان طرائق التفكير وأساليب الحياة والعلاقات من الأدنى إلى الأعلى. فهما علاقة عمودية وليست أفقية فحسب. قيل إن أعلى درجات الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإنَّ المسلم يؤجر في الحالين. لأنَّه يحب ما يرضي ربه ويكره ما يكره ربه. لكن ما هو المحبوب وما هو المكروه اجتماعياً؟ هنا تتدخل الأيديولوجيا الدينية لتحديد المختلف. ويجري هذا بالإجابة التي يفترض كونها من الله أيضاً.

ثانياً: التنوع

في أجواء مشبعة بالكراهية لامجال للتنوع. وبخاصة أنَّ تاريخ الاسلام السياسي لم يكن تاريخاً فردياً، بل يحتوى على جماعات وتنظيمات أشبه ما تكون بأحجار الدمينو. التاريخ الاسلامي لم يعترف بالتنوع إلاَّ ضمن خانات أخرى من التصنيف الاجتماعي أو الديني. ولذلك لا يقوم أي شخص متمتعاً بكامل الفردية (الفهم والوعي) بعنف ديني. لأنَّه يستطيع الشعور بفردية الآخرين كذلك. دوماً الانخراط في جماعات هو ما يؤجج غرائز القطيع ليجر وراءه نبذ الديانات المخالفة. وهذا ينهض على نفي أي تنوع من الأساس. لأنَّه يؤدي إلى تشويه الآخر. فإذا كانت الجماعة متكتلة (دينياً وأيديولوجياً ومذهبياً)، فلا ترى سواها إلاَّ في إطار كتلة بالمثل.

والأيديولوجيا الدينية تعمل على استبعاد التنوع وإلاَّ لما انتجت أحادية الرؤية والفعل. بل يعتبر الاسلاميون التنوع النفسي والفكري نوعاً من وسوسة الشيطان. والدعاء ليس بعيداً: "اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على إيمانك". والقصد ليس ايماناً خالصاً لأنه لا يوجد هذا الإيمان طالما كان في جوف إنسان. فالإيمان يزيد وينقص ويتأرجح محتاجاً إلى مجاهدة واخلاصاً في العبادة. إنما المقصود هو طريق الخير الذي عرفوه خلال التنظيم الجماعي الذي ينخرطون فيه.

التنوع بالنسبة للديانات ليس ترفاً. لأن المعتقد غير قابل للمناقشة على صعيد الإيمان. وبخاصة في الثقافات الشرقية التي تفتش عنه في كل وقت. بعض ثقافات الشرق غدت عنواناً على سيادة الرأي الواحد والسلطة الواحدة والحقيقة الواحدة والاعتقاد الواحد والشعور الواحد. فيأتي الدين بمثابة الغلاف الكلي الذي يضم هذه الأغلفة السابقة. إنه يعلن عن نفسه عبر نواة خارج التاريخ. وأكاد أجزم أنَّ الاسلاميين لا يتصورون- مجرد التصور- أنَّ هناك أناساً سواهم لهم مواقف ومعتقدات مختلفة.

التنوع الانساني يتبلور في شأن ثانٍ هو الآخر. كيف لمن لا يرى سواه ولو قابله يومياً أنَّ يعتبره تنوعاً؟ إنَّ قضية التنوع –إلى حد التناقض- بمثابة الثراء الإنساني. لأنَّ انساناً بدون تنوع (المغاير) ليس إلاَّ صورة للموت. وهذا أحد أسباب خطوة التفجير نتيجة حزام ناسف أو قنبلة. لأن التخلص من المتنوع المغاير لا يتم إلاّ بالأنا المماثل إلى درجة الجنون. وطالما يختفي التواصل المتنوع، فلا بديل سوى القتل.

ثالثاً: الحقيقة

ينعدم الاختلاف الديني حيث تكون الحقيقة محتكرة سلفاً. وطبعاً توحد الأيديولوجيا الدينية بين الحقيقة والأشخاص. فالآراء المتغيرة لا مجال لها. إن أخطر ما يرسخه الاسلاميون هو أن الحقيقة تمثل جسداً حياً. تنطق بنطق صاحبها وتأفل كلما أفل وجوده. ولهذا كان أبرز ما يميز الجماعات الاسلامية هو التقديس الروحي والعضوي للمشايخ. اللحى في هذا الإطار جزء من العملية. ناهيك عن الفتاوى والترميز إلى أهمية المشايخ لسريان تعاليم الدين وصحتها.

لا توجد  هناك "حقيقة" كما قد يتصور البعض لدى الأيديولوجيا الدينية. فالحقائق مطلقة ولم يعد ممكنا إدراكها كموضوع انساني. وهي كم من الاسقاطات التي تجر بعضها البعض كأنها عربات قطار سائر قديماً ومازال بطريق الحرير الشهير. كما أن الحقيقة لن تكون في مكان آخر، إنها تعود فقط إلى الأيديولوجيا ذاتها. لأن اليقين مرشوق فيها سلفاً كسهم مقدس سقط من السماء لا يفارقها. والحقيقة ليست مختلفة في تلك الذهنية، بل هي ماثلة في دماغ مطلق يتحرك به المجموع. فضلاً عن كونها توجد على مستوى أسطوري غير قابل للنقد.  وهكذا إنما يكون التصديق بها نتيجة عوامل أخري، يشترك فيه الواقع والخيال، الوهم والفعل، الغائب والحاضر، المقدس والمدنس.

رابعاً: التسييس

يحتاج الاختلاف الديني حياة مفتوحة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. لأن التسييس أمر يجر ويلات الإحتراب الأيديولوجي. حياة مفتوحة شريطة أن يكون دوماً سياق الاختلاف غير ديني. أي أنه يفقد المرجعية التي يستند إليها في خصوصيته المطلقة. فلا يصح الاعتقاد بناء على مرجعية (مذهبية أو نصية) هو ينتمي إليها من قبل. مثل الاسلام السياسي الذي لا يري غير عقائد المسلمين هي الأصح بينما ما سواها يذهب إلى الجحيم. والمسألة أن تغليب المرجعية لا يزاحم المعتقدات الأخرى، بل يهدم المجتمعات من حيث المبدأ.

الأهم هو: كيف يكون ثمة مجالٌ عام يقبل هذا التنوع بشكل ثري وحر؟ للأسف جائت الدولة في المجتمعات العربية جهازاً مشوهاً. لأنها تهادن التيارات المتشددة الغالبة وتماثل طريقة عملها حيث تمارس عنفاً وإقصاء للمختلفين معها في السياسات والآراء. ولأن تلك التيارات تتداخل مع معتقدات اجتماعية أتاحت لها حركة أوسع في باطن المؤسسات والمرافق الحيوية. فالسلفية – مثلاً- ليست جماعة إنما تقاليد دينية تحرِّض على استئصال المختلفين عقائدياً. ومن حين لأخر تطلق فتاوى "التكفير الناعم" فيأتي القتل ترجمة دموية لا يُخطئ الهدف.

إنَّ الاختلاف الديني أمر جوهري في الحياة، وهو الأساس بالنسبة للمعتقدات. وقد بنيت الديانات على هذا وإلاَّ لما كانت ثمة ضرورة لتنوعها ونزولها على فترات متباينة، لم يلغِ إحداها الأخرى، لأن ذلك سيكون إلغاء لما يخص الأفراد ويتيح لهم التأمل والتفكير الحر. وعندما يهب الإرهابيون لإلغاء الديانات السابقة، فهم يلغون ما يعتقدون ويلغون سنن التاريخ والاجتماع البشري.

 

سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دكتور سامي عبد العال ،، احسنت فقد حللت بقوة علمية رصينة وشخصت مواطن الخلل في الفكر الديني بقوة اكبر ، من غير وصفة علاج او طريقة ما للخلاص من هذا المناخ الكريه السائد نسبيا في بلداننا العربية ، والغريب انه بعيد عن مواطن انتاجها التي اخذت اليوم منهج الانفتاح الذي لا يليق بالاعراب !! .

حسن عزيز
This comment was minimized by the moderator on the site

تقديري لكم استاذ حسن عزيز وشكراً على مروركم الكريم
طبعاً لا يمكن تقديم وصفة شافية للتخلص من هذا المناخ الكريه على حد قولكم
لكن الأمل في أن يعرف العرب( الأجيال وراء الأجيال): ألف باء الأشياء، بمنطقها وتنوعها واختلافاتها ومنها الإختلاف الديني
وألاّ يحاولوا اغتصاب التنوع تحت عناوين الهيمنة على الديانات الأخرى.
على سبيل المثال: يردد الاسلاميون القول بأن الاسلام يجُب ما كان قبله، فاتخذوه ذريعة للقضاء على الديانات الأخرى.
وهذا غير صحيح بالمرة لأن يجب معناها يزل، يلغي، يستأصل... وليس هذا المقصود ولن يكون( لأنه سيقضي على الإنسان نفسه)
ولذلك ينبغي عمل الآتي :
- الاعتراف بالأخر اعترافاً جذرياً بكامل وجوده وحقوقه واعتقاده( لا تمييز ولا إقصاء ).
- بناء أسس اجتماعية ثقافية جديدة تقوم على التنوع وقبول الآخر( المجتمع المدني).
- توسيع قواعد المشاركة في الحياة العامه مع إزالة التصنيفات الدينية والعرقية والجندرية( الوظائف والمناصب والمسؤوليات واحدة).
- بناء دولة ومجتمع وثقافة المواطنة، فنحن جميعاً واحد أمام القانون وداخل السياسة سواء بسواءٍ بحرفية الكلمة.
- ترسيخ فكرة الانفتاح والتعددية من خلال التربية والتعليم والتثقف السياسي.
- يجب ألاَّ تتلون المؤسسات، فهي لا علاقة لها بالدين من الأصل.
- وفوق هذا تجذير وتعميق مفاهيم الحرية في الفكر والممارسة أي العمل على بناء إنسانيتنا طوال الوقت.

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5086 المصادف: 2020-08-08 01:31:33