 قضايا

مِن مَجَانِيَّةُ التَّعلِيمِ إلى فِتنَةِ الإلحَادِ

بليغ حمدي اسماعيلأفرزت جائحة كورونا التي غزت كافة أرجاء الكرة الأرضية موجات متلاحقة من الأزمات النفسية التي يمكن تمثلها في القلق والاكتئاب وأخيرا الانتحار نتيجة الفشل في مواجهة فيروس كورونا المستجد، وبدون سابق إنذار اكتشفت الدول العربية فقر وترهل بل وتردي الحالة العلمية لدى مئات أساتذة كليات العلوم بجامعاتنا العربية، بل صوب الكثير من الكتاب والنخبة المثقفة أقلامهم صوب هؤلاء الأكاديميين الذين تم توصيفهم بالكاذبين والمضللين لمجتمعاتهم؛ نظراً لأنهم اعتادوا منذ عقود بعيدة الترويج لثقافة امتلاك المعرفة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، بل إن أستاذة كليات العلوم الذين لا ينبغي أن نطلق عليهم لفظة علماء سارعوا باللهاث والجري ومحاولة اللحاق بالتسارع العلمي الحقيقي في الغرب نحو ما عرف بالذكاء الاصطناعي .

وراح هولاء المضللون عربيا بجامعاتنا العربية الكثيرة جدا بغير فعالية يرصدون تطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في كافة مجالات الحياة وهم بذلك قدموا لأنفسهم في المجتمعات العربية على أنهم القادرون على التنبؤ بالمستقبل والتحكم في مواجهة الأزمات، لكن عند أول مواجهة حقيقية في القرن الواحد والعشرين وجدناهم بجوارنا نصارع الهلع والقلق والتوتر، وهذا ما يجعلنا نفكر بجدية في قضية مجانية التعليم، تلك الهبة والمنحة البشرية التي منحتها الحكومات العربية لطلابها حتى تخرجوا في جامعاتهم واستحالوا أساتذة بالكليات العلمية وظنوا كذبا وبهتانا أنهم في مصاف العلماء لكن الحقيقة هم نتاج فطري لتلك المجانية التعليمية التي أفرزت وجودهم الذي يشابه حد الغياب التام.

ولولا  انكشاف قدر ومكانة من يطلق عليهم على سبيل المجاز والخيال والمستحيل أيضا علماء ونحن نواجه فتنة الجائحة الكونية كورونا الفيروس المستجد ولم نعرف إلى أين نذهب سوى اتباع إجراءات الحظر المنزلي ثم التباعد الاجتماعي وملازمة ارتداء الكمامات واستعمال الكحول والمطهرات، لما وجدنا آلاف حالات الاكتئاب والقلق والفزع المرضي لدى الشباب العربي لاسيما وأنهم الأكثر ملاصقة لأساتذة الجامعات بالكليات العلمية والطبية من ناحية، ولأنهم الأكثر تقبلا لفكرة أنه بالعلم يمكن تغيير الواقع، بل بالعلم باستطاعة هؤلاء الشباب أن يستشرف مستقبله البعيد كذلك.

وظل امتقاع الشباب العربي من تضليل أساتذة العلوم الأساسية بالجامعات العربية في قدرة العلم العربي لمواجهة الكوارث والأزمات مما دفع الكثير من الشباب إلى اللجوء صوب الفلسفة علها تصير ملجأ آمنا ومستقرا مريحا لحالات الخوف المستدام وملاذا مريحا أشبه بالشاطئ يجلس عليه الشباب بعيدا عن فزع انتظار الموت المتوقع من كوفيد ـ 19، لكن نزوحه تجاه الفلسفة لم يكن تصنيفا للرفاهية بل الفرصة الأخيرة للهروب من الذعر النفسي الذي سببته الجائحة من ناحية، والتقاعس العلمي العربي من ناحية أخرى، وبنفس القدر من هذا الغياب العلمي العربي كان الغياب الفلسفي الذي ظل يدعم أفكار الشك وانعدام الثقة والتركيز على محفزات التوتر والقلق .

وظلت المؤسسات الأكاديمية العربية تقدم الفلسفة العربية الأكثر محاكاة وتقليدًا للغرب التي هيمنت على العقل الراكد تكرس لفكرة الانطلاق من الذات والعودة إليها مرة أخرى، متناسية بفعل التغريب والنقل السلبي والتلقي غير المتجدد البعد الاجتماعي أو التزامنية التي تقتضي بالتسارع، فالتجأت إلى التصارع من حيث المذهب أو الحادثة أو البحث في مضامين ومفهومات تبدو ثابتة مثل السلطة والخلافة والإمامة . ومسألة الذات تلك هي بالأساس مسألة مسيحية تطلبت منذ ظهورها إلى مجهود خرافي مزمن من فلاسفة الواقع المسيحي . وحينما انتقلت فلسفة الذات من المسيحية إلى الفلسفة العربية التي توصف دوما بأنها إسلامية لإضفاء طابع الشرعية عليها، نظر ناقلوها إلى الإيمان باعتباره مشكلة وليس رحمة أو نعمة أو هدية من الله عز وجل .

ولقد رأى " كيرككورد " أنه من الضروري رفض كل برهان عقلي على الإيمان، فالإيمان ـ كما يزعم وأتباعه ـ هو الذاتية، والذاتية هي الحقيقة، ولذلك ظلت الفلسفة العربية التي نقلت نصوصا خارج سياقها تسيطر على العقل الذي بات يكره التجديد ويمقت الاجتهاد رغم أنه يتغزل بكلمة التنوير .

ولهذه الأسباب ظل التنافي المعرفي العربي للفلسفة هو المعادل الموضوعي للهوية العربية الغائبة في ظل مصالح ومخاوف واهتمامات المواطن العربي البسيط الذي يعيش في بيئة متغيرة تتسم أيضا بالتسارع والتصارع. وحالات الغياب للفلسفة العربية بشكل واقعي في حياة المواطن العربي وكونها سجينة في الجامعات والمعاهد وعقول المتخصصين فقط جعلها ـ الفلسفة العربية ـ ظاهرة سياقية وليست اجتماعية، أي الركون مجددا إلى الذاتوية، ولاشك أن فساد تلك الفلسفة يرتكز إلى الانتماء إلى عقيدة فكرية من تأسيس رافد أجنبي لا ينتمي إلى البيئة العربية الأصيلة . فلا غرابة في أن الفلسفة العربية عبر عصورها مارست كافة أشكال السقوط .

فوجدنا الفلسفة بأصحابها وناقليها بالجامعات العربية ومعاهدنا الأكاديمية مرهونة بمسألة تراكم الهويات في ظل غياب وقلة وعي بالبحث أو إيجاد صيغة عربية تميزها، وهذه الفلسفة باستثناء المعتزلة لم تعرف يوما ما كما أشار " جورج طرابيشي " لاهوت نفي الآخر ؛ لأنها باختصار فلسفة ناقلة لغيرها بامتياز دونما تأويل أو إعمال للعقل، وخصوصا أن هذه الفلسفة التي هيمنت لقرون على العقل العربي  التزمت بمنطوق الشرع والحرص على تلقي النص الديني الإلهي أو النصوص الدينية البشرية بغير تأويل أو تحليل من زوايا مختلفة، على الأجدر قولا الأخذ بظاهر النص دون الاقتراب من بنيته المضمرة .

ولاشك أن الفلسفة العربية السائدة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية  العربية تعاني الاعتلال والمرض من حيث الدخول في معارك جدلية ليست حجاجية بالقطع، لأنها مخاطبة خادعة لا ترتقي بالإقناع أو المحاججة، وهذا الاعتلال هو الذي دفع بالفلاسفة المعاصرين يميلون إلى الثرثرة وعدم النزاهة واستعمال سياسات فلسفية من مثل الإلغاء والصهر والإلحاق، وكم هو محزن حقا أن أمة مثل العرب امتلكت رصيدا خصبا من أفكار المعتزلة دون الحكم على الفكرة أو أصحابها بالكفر أو بالمروق من الدين وحتى اليوم من نجد من أساتذة الفلسفة بالجامعات العربية من ينادي ويصرخ بأن الفلسفة مذهب رغم أنها في قرار اليقين منهج، لكن في الوطن العربي استحالت الفلسفة مذهبا .

والأخطر والأدهش أن معظم المناهج الفلسفية العربية باتت أقرب إلى تكريس ثقافة الشك والارتباك لدى الدارس العربي بدلا من تقديم دعائم ثابتة لطروحات فلسفية تناصر العقيدة الإسلامية وتحفز على التفكير في مواطن انفرادها بدلا من الهجوم على الدين نفسه.

لذا فإن معرفة الفلسفات الإلحادية وطبيعتها ليست معرفة مجدية في حقيقة الأمر، كما أن تعرف آراء المهووسين من غلاة العقل والنقل أيضاً ليس بهدية، إنما جاءت فرصة الاطلاع على الملامح الرئيسة لأولئك الموتورين مرتكزاً قوياً لزيادة الإيمان بوحدانية الله، وكم أن الإسلام دين سماوي جميل ورقيق وإنساني إلى آخر درجات الإنسانية، ومن أصدق من الله قيلاً حينما يقول في كتابه العزيز ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين  .

وجدير بالمسلم القوي أن يدرك مطاعن ومظان أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً وخراباً ؛ لا من سبيل التسلية والترويح عن النفس، فالإسلام أمامه تحديات بالغة الحدة والقسوة، لكن من سبيل إعداد العدة واتخاذ الأسباب والطرائق لمواجهة الفتن والخطوب التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي.

والمتعة الحقيقية التي قد يجدها المرء وهو بصدد قراءة المذاهب والفلسفات الإلحادية القديمة والمعاصرة تأتي من أن الإنسان يدخل اختباراً حقيقياً يمتحن فيه صحة إيمانه واعتقاده لعدة أسباب وعوامل ؛ أهمها أن يصبح على وعي وإدراك كامل بعقيدته الإسلامية الصحيحة، والمنة والنعمة التي من الله بها عليه من عقل وتدبر وروية وتعقل، كما أنه يجرب أسلحته الإيمانية التصديقية التي لا مجال للشك فيها كالنبوات والإلهيات والغيبيات وغيرها من القضايا الإسلامية الراسخة في مواجهة تبدو شرسة بعض الشئ من تلك التيارات الغريبة الشاذة.

كما أن تلك الفرصة في الاطلاع والكتابة عن التيارات الإلحادية تمثل فرصة مستدامة ومستمرة للاستعانة بالله الواحد الأحد، وبالتضرع الدائم لوجهه الكريم كي يحفظ العبد وعقله وبصيرته، وكم نحن بحاجة ضرورية  إلى الاستعانة والتقرب غير المنقطع إلى بارئنا وخالقنا.

ولقد شرعنا في هذه السطور إلى التوضيح والتبسيط لدحض أفكار الفلسفات الإلحادية، وأبرز مبادئها الرئيسة، وبيان كيفية الرد على تلك المزاعم أعني التيارات والفلسفات الإلحاديةفي نفس الوقت الذي تنبغي فيه الإشارة إلى قدرة العقل البشري الذي أكرمه الله تعالى بمهارات وقدرات في تفنيد المظان التكفيرية التي ابتدعها أولئك المشككين والمتشككين بالإضافة  إلى النور القرآني الذي منحنا الله إياه ووهبنا نعمة القرآن علنا نستحقها ونقدرها حق التقدير .

وإذا استقرأنا طبيعة الفلسفات الإلحادية المعاصرة لاكتشفنا أنها في مضمونها عبارة عن تيارات فلسفية ترتكز على مجموعة من المبادئ الدينية ذات الطبيعة الذهنية المحضة تتخللها أفكار وثنية شرقية وغربية. وتتناول هذه الفلسفات ـ في العادة ـ قضايا غيبية كمصير الإنسان بعد الموت، أو قضايا ذهنية حياتية كوجود الإنسان وماهية هذا الوجود، والأدوار الحياتية للإنسان كدور الخير والشر والتسامح، بالإضافة إلى الطبائع البشرية غير الثابتة كالقلق والتوتر والخوف من المجهول وهكذا.

وأغلب اليقين لا الظن في هذه الفلسفات التي انتشرت بقوة وسطوة في أوروبا منذ بزوغ نظرية النشوء والارتقاء والتي كان من بين ضحاياها ملايين الشباب في الدول الغربية اهتمت جل اهتمامها بالروحانيات، لكن للأسف الشديد لم ينتبهوا إلى عظمة الإسلام وطبيعة القرآن الكريم بوجه خاص في معالجة الجانب الروحي للإنسان، ولأنهم أرادوا بأنفسهم سوءاً طفقوا يجربون كل شئ على سبيل القلق الوجودي فكانت النتيجة انتحار الملايين وانتشار البغي والفساد وشيوع الزنا لاسيما زنا المحارم، انتهاء بالشرك والعياذ بالله.

وما أشبه تلك الفلسفات بمرض السرطان الذي يدخل جسد الإنسان في خلسة غير مرئية أو مسموعة، وسرعان من تتحول الخلايا السرطانية إلى وحش كاسر فاتك يدمر الإنسان نفسه، والتشبيه هنا يتقابل في مبدأ السرية والتخدير الكاذب، فمعظم المبشرين للفلسفات الإلحادية أوهموا الشباب التائه لاسيما بعد وقائع الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا بالكامل من وجهيها الحضاري النفسي والمادي المحسوس، وأوقعوهم في شرك الهدوء النفسي والبحث عن سبب لوجودهم، وهدف يأملون إليه، ناهيك عن المزاعم التي فرضوها على أولئك الشباب قسراً وقهراً حول إعادة التوازن النفسي لهم إزاء الآثار الناجمة عن الحرب .

ولاشك أن أولئك الشباب لم يجدوا في تعاليمهم الدينية غير الإسلامية ملاذاً وملجأ ومأوى، مما دفهم إلى الهرولة نحو هذه التيارات الهدامة التي أججت النار في نفوسهم المحمومة بدلاً من تطفئها وتهدئ من روعها. وكأنهم لم يقرأوا قول الله تبارك وتعالى  وكذلك أوحينا إليك من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  .

وكما تعددت مسميات هذه الفلسفات الإلحادية مثل الهندوسية والجينية والبوذية والطاوية والشنتوية، أو وثنيات الشامانية والدرودية والهونا والويكا، أو فلسفات حديثة مثل الوجودية والبنيوية والتفكيكية والواقعية القذرة ( كما في ترجمتها الإنجليزية ) وغيرها من الفلسفات العجيبة، تنوعت وتباينت مظاهر معتنقيها مما دلل على هوسهم وتشتتهم الفكري والعقلي. فوجدنا أنصار ومريدي تلك الفلسفات ممن يطيلون شعرهم كالنساء، بالإضافة إلى ملابسهم الغريبة والتي تعبر عن حالات القلق والتوتر والتمرد التي يعيشونها .

وليتهم في ذلك الوقت استعانوا بالذكر الحكيم وهو يعبر عن حالات إنسانية راقية ترتقي وتعلو بفضل الله ورحمته، يقول تعالى  فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ، ومثل قوله تعالى الذي يفيد أن كل شئ بيده وحده لا شريك له  إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير   . وهذه الآية الكريمة من شأنها أن تجعل الإنسان المؤمن قرير العين هادئاً مطمئناً لقدرة الله.

وجاءت الفلسفات الإلحادية المعاصرة بفكرة موحدة وهي القدرة المطلقة للوجود الإنساني، وأن الإنسان بقدرته فاعل وقادر، واستندوا في ذلك على عشرات الأساطير اليونانية الوثنية التي تدعم قدرة هذا الوجود كأساطير بروميثيوس وأدونيس وغيرهما من القصص الأسطورية التي خدرت عقول الشباب الأوروبي وجاهد المستشرقون والتبشيريون في نقلها إلى الواقع العربي الإسلامي، وهوى كثير من الشباب العربي المسلم في بئر هذه الظنون والمزاعم الكاذبة من باب الولع بالتقليد.

وعندنا في القرآن الكريم عشرات بل ومئات الآيات القرآنية التي تشير إلى القدرة الإلهية التعجيزية مثل قوله تبارك وتعالى  ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ، ومثل قوله تعالى:  فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فماله من قوة ولا ناصر . والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل ، وقوله تعالى  يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث  .

وإذا أردنا أن نتعرف قليلاً عن أفكار ومبادئ الفلسفات الإلحادية المعاصرة،فإن الملمح الرئيس لها هو التوفيق بين الأديان السماوية ولكن بصورة مشوشة مشوهة، وكان هدف أصحابها في البدايات المبتورة هو استخلاص بعض المعارف والمبادئ من الديانات الكتابية لاسيما اليهودية والنصرانية، ودارت نظرياتهم في صيغتها الأولية نحو عقيدة الخلاص والتطهير.

واستندت أفكارهم على نثار الفلاسفة القدماء، أمثال ديكارت الذي حاول أن يقيم علاقة بين العقل والمادة، لكنه لم يعبأ بإقامة علاقة بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ وبين العالم ؛ لأنه كما أشار المفكر الإسلامي عباس محمود العقاد أن قدرة الله في غنى عن هذه العلاقة، وكذلك جورج بركلي الذي لم ير أهمية في الكون سوى العقل  لاسيما العقل الباطن . ومنهم من ارتكز على فلسفات أخرى مثل مذهب اسبنوزا الذي اعتقد أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد، ومذهب الأخير متعدد الولوج في قضايا ذهنية مملة تدور في فلك الجوهر والماهية والامتداد ومصطلحات أخرى لا تفيد.

ومن العجيب أن يدحض تلك الفلسفات التي ولدت وترعرت في أوروبا وسط غياب تام للحضور الديني اليهودي والمسيحي المفكر ماكس موللر، حيث أقر بأن البصيرة هبة عريقة في الإنسان، وأن هوس الإنسان بالنزوع إلى تلك التيارات الإلحادية هو محنة حقيقية للعقل البشري. وأكد على أن الإنسان يحتاج إلى التدين بصفة مستدامة.

والملمح الأبرز في تلك الفلسفات الإلحادية المعاصرة أنها لم تهتم بتهذيب وتدعيم السلوك والخلق الإنساني، وهو ما امتاز به الإسلام في الرقي والاعتناء بالخلق والسلوك والطبيعة الإنسانية بوجه عام. وبدلاً من أن تتيح الفلسفات الإلحادية التي انتشرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حرية التفكير ومرونة العقل جعلت الإنسان الأوروبي مكبلاً بالأغلال، حيث تركته فريسة سانحة القنص للقلق والتوتر والهوس الذي أدى به إلى الانتحار الجماعي .

والإسلام في ذلك عالج هذا الأمر معالجة حكيمة، حينما اهتم بالجانب التعبدي والجانب الأخلاقي للمرء، فاستطاع بالجانب التعبدي أن يصل بأطواره إلى حد الاكتمال من صلاة وزكاة وحج وصيام وغيرها من الشعائر التعبدية التي تسهم إسهاماً كبيراً في الارتقاء بالجانب الأخلاقي.

الإسلام والتعددية الدينية:

لم يكن الإسلام الحنيف يوماًَ ضد حرية الاعتقاد، بل كان داعياً إلى حرية المرء في اختيار عقيدته، ومن هنا تبرز سماحة الإسلام وعبقريته في آن واحد، وجاء ذلك بوضوح شديد في النص القرآني، حيث يقول الله تعالى  لا إكراه في الدين  ، والإسلام بذلك يقر حقيقة عظيمة للإنسانية وهي عدم إرغام المرء على ترك دينه ودخول دين جديد. ويؤكد النص القرآني ذلك مثل قوله تبارك وتعالى  فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  .

والدين الإسلامي كان الدين السماوي الحنيف الذي أقر بمبدأ التعددية الدينية، بل واعترف بها أيضاً. ومن منطلق هذا اعترف الرسول  باليهود ككيان واقعي بالمدينة المنورة، وإعطاء الفاروق عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الأمان والحرية الدينية للمسيحيين من سكان مدينة القدس العربية، وما فعله عمرو بن العاص بالأقباط حينما فتح مصر . بخلاف ما فعله الأسبان بأهل الأندلس المسلمين من قتل وصلب وحرق وتدمير.

وتؤكد كافة الكتابات التاريخية الإسلامية أن الإسلام كفل حرية النقاش الديني معتمداً في ذلك على مبادئ أصيلة مثل الحوار الجيد الخصب، واحترام الآخر، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى  ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  . وكم من مرة أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الجادة  للحوار بين أهل الأديان مثل قوله تعالى  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  .

وبالرغم من هذه السماحة والدعة التي منحها الإسلام للمختلفين معه عقدياً، تجرأ البعض من أهل الكتاب وغيرهم ممن تجردوا من نعمة العبودية لله بالهجوم على الإسلام والمسلمين، والطعن في العقيدة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام السمحة.

ويبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية .

وتمثلت هذه التيارات في حركات منحرفة ضالة مثلت الوجه القبيح للإلحاد والغلو الفكري والعقائدي، ومن المؤسف انتشار بعضها بالبلدان العربية والإسلامية انتشار النار بالهشيم وسط حيرة مستدامة من الشباب العربي المسلم الذي ترك نفسه صيداً سهلاً لمفاسد الإنترنت والفيس بوك المتغيرات الوافدة من الغرب والشرق والشمال والجنوب . وأعني بتلك الحركات والتيارات المنحرفة البابية والبهائية والقاديانية.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م ).

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5127 المصادف: 2020-09-18 07:39:46