 قضايا

الكلمةُ مَعقِلُ الحرية

الكلمةُ أوّلُ كل قضية وآخرها. بكلمة (الفتق) أُفتُتِح خلق الكون (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[1]، وبكلمة(الطي) يُختتم (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .[2]

وبكلمة (لا تقربا)) ابتدأت قصة حياة آدم وحواء في جنتهما الأولى، (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[3] ، وانتهت بكلمة (فأكلا) التي بها شرعت حياتهما على الأرض (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)[4].

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِين)[5] .

بكلمة (كن) ابتدأت قصة خلق الإنسان ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)[6] ، وبكلمة (الموت) تنتهي (ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ)[7].

بين كل هذه الكلمات، وفي الكتب والصحف المقدسة فضاء شاسع من كلمات الله التي لا حدَّ لها ولا مدّ (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[8]

هذه كلمات الله، وبعدها تكوّنت كلمات خلقه من حي، وجماد كل بحسبه.

ويحق لنا التساؤل: هل للجماد من كلمة؟

في مقال سابق أشرنا الى وجود خطاب صامت لدى الجمادات عبر القرآن الكريم حيث قال جل وعلا فيه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)[9] .

وأثبت علم الفيزياء قابلية التحاور والاستجابة عند الجمادات، وكيف يمكن للمكان أن تكون له قابلية جذب أو نبذ لساكنيه عبر بثه أمواجا صوتية غير مسموعة إيجابية أو سلبية حسب نوع الطاقة المُسَلّطة على جدران المكان من قبل الإنسان، وهو ما يفسّر لنا سرّ الجلال المتجسّد في دور العبادة ومراقد القديسين، ففضاؤها قد تشرّب بذكر الله تعالى المتوالي الممتد في تلك الأماكن وعبر الأزمان، وبالنتيجة يحدث تحاورٌ خفي صامت بينها وبين مرتاديها، فيتجلى الهدوء والسكينة والطمأنينة، لذلك تسكن النفوس وتهدأ حينما تلج تلك الأماكن.[10]

أما كلمةُ الإنسان الناطق العاقل والأكرم من باقي مخلوقات الله فقد  كانت أُولاها لآدم وحواء معا؛ فالرأي البشري كان فيه لونان متضادان الإيجابي والسلبي؛ الطاعة والمعصية غير أنه مقبولٌ ومتفقٌ عليه لا اختلاف فيه. آدم وحواء حينما اختارا رأي الطاعة للرب كان رأيهما موحدا؛ فاتفقا على أن يكونا على مسافة من شجرة التفاح؛ فأحيتهما في جنة وارفة وسعادة غامرة، لكن بزلّةٍ حدثت بتأثير من الشيطان اتفقا على نقض العهد مع الرب ورفْض رأي الطاعة الذي استحال الى المعصية؛ فاقتربا من الشجرة وأكلا منها، وكانت علة هبوطهما من الجنة الى الأرض. آدم وحواء اتفقا معا في قبول رأي الطاعة وأيضا في رأي المعصية؛ لكن بمجرد هبوطهما من الجنة وإنجابهما قابيل وهابيل اختلف الرأي البشري وانشطر تبعا له الخطاب الآدمي/الحوائي الى شطرين؛ مُختلَفٌ وغير مُتّفقٌ عليهما؛ الصحيح وغير الصحيح، السوي وغير السوي، الصائب والخاطئ، والطيب والخبيث-حسب تصنيف القرآن الكريم - للخطاب الإنساني حيث قال:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)[11]، والآيات صَنّفت الكلمة الى نوعين الطيبة والخبيثة.

الانشطار في الخطاب البشري تجلى في الآية الكريمة(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[12] .

الكلمة الخبيثة الخاطئة سبقت الكلمة الطيبة الصادقة نطقها قابيل(َلأَقْتُلَنَّكَ)؛ والطيبة ردت جوابا على الخبيثة وبدأها هابيل بقوله( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ).

كلمة قابيل الأولى ( لأقتلنك) منها انبثق سيل من كلمات خبيثة انطوت على ألفاظ ذات المعاني المتباينة والمترادفة ، فكان منها:

الخطأ، الكذب، الكفر، القسوة، الحقد، الحسد، الخبث، الكراهية، الظلم، الباطل، الاستبداد، الاستهتار بالقيم، سوء الخلق، التكبر، العلو، الغرور، الجبن، الخنوع، الفساد، السرقة، الخيانة، الرياء، عبادة الذات وملذاتها، الهشاشة، البخل، الشقاء، الرذيلة، الظلام، العنف، الدكتاتورية، الحرب، القتل...الخ.

ومِن (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) انبثق منها سيل من كلمات ذات المعاني المتباينة والمترادفة فكان منها:

الصواب، الصدق، الإيمان، المحبة، الرقة، السلم، العدل، الحق، الالتزام بالقيم، سمو الخلق، التواضع، الصلاح، الأمانة، ترشيد عبادة الذات، النقاء، الكرم، الجود، السخاء، الفضيلة، الشجاعة، الصلابة، التعاون، السعادة، الديمقراطية، عدم إراقة الدم..الخ.

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة محوطتان بكلمتي (نعم، ولا) المعبّرتين عن القبول أو الرفض...كلمتان خفيفتان بالنطق صعبتان بالانتقاء، وكل منهما مسؤولية ثقيلة حين الاختيار لأي منهما في مجال الصواب والخطأ.

بواكير الوجود الإنساني شرعت بكلمة

حياة الإنسان تقبع تحت سردق فيه يدور صراع بين كلمات الصواب والخطأ،  والإيجاب والسلب، والكلمات السوية وغير السوية.

وجود الإنسان هو تاريخه بماضيه وحاضره ومستقبله؛ وكله رهنُ سيلٍ فياضٍ من كلمات الصواب والخطأ؛ فكلمة الصواب تؤوب به نحو الاستقامة، وهدوء النفس، والسكينة، وبناء المستقبل، وتشييد الحضارات؛ وكلمة الخطأ تؤوب به نحو القلق، والألم، والأسى، والفساد، والدمار، والحروب، والقتل، والشقاء، وتدمير الحضارات والأوطان، كما شاهدنا ونشاهد في الماضي والحاضر، وما يحمله المستقبل، وكل ذلك مرهون بمشكلة الاختيار بين كلمتي (نعم، ولا) لكل هذا المنجم الكبير لكلمات الإيجاب والسلب.

وعجبٌ للكلمة ووقع وعمق أثرها على المصير البشري.

عن أهمية الكلمة يمكن تسليط الضوء على إحدى زوايا حياتنا.

المنزلُ زَمكانُنا الأول الذي تلقينا فيه مبادئ وأسس التربية والتهذيب القائمة كلها على بث الكلمة الطيبة والصائبة؛ لتؤوب بنا نحو سبل الخير والجمال والفضيلة في زوايا وخفايا حياتنا، حيث كنا في حقبة الطفولة والصبا...مرحلة اللانضج والتيه والضبابية بالبصيرة، وقد حمل مربونا مسؤولية تحكيم القيم الايجابية المتمثلة بالخير والجمال والفضيلة واجبة القبول، وإقصاء القيم السلبية المتمثلة بقيم الشر والقبح والرذيلة واجبة الرفض، واختصروها بكلمة (نعم) لكل ما هو إيجابي وأبيض ويضيء بنوره دروب الحياة، و(لا) لكل ما هو سلبي وأسود ومشين ويظلم بعتمته الحياة.

فكلمة (لا)؛ التي تسبق أي فعل نروم القيام به، ولا نعلم بماهيته، سيئا كان أم حسنا، لكن بمجرد سماعها عن مربينا ينتابنا الخوف أولا، ونفهم أنه فعل غير سوي، ولا نرتكبه ثانية، وإن ارتكبناه فضولا، أو عنادا، أو تطفلا فقد يصيبنا أثره السيء، أو نُعاقَب عليه.

مربونا في المنزل والمدرسة حملوا براءة وعفوية ونقاوة زمانهم الذي كان لا يخلو من الشرور ولكن الخير كان موجودا.

حين سمعنا (النعم واللا) عن مربينا حملناها أمانة في أعناقنا الى شاطئ آخر عبر مسيرة حياة حبلى بكم هائل من مسؤوليات بإيجابياتها وسلبياتها، واستأنفنا مسيرة الآباء في تنشئة الأبناء وفق كلمة(نعم) لكل أبيض وخير وصلاح، وكلمة(لا) لكل أسود وشر وفساد، واصطدمنا بواقع فيه من الأسواء الشيء الكثير، وكنا نجهل مواجهتها؛ كونها من المحرمات التي لا يجوز ارتكابها عند مربينا الذين تشكّل وعيهم الاجتماعي على الكلمة الصائبة (نعم) للفضيلة، و(لا) للرذيلة. وحين نضوج قوانا العقلية والنفسية بعد تقدمنا في العمر وما أملته علينا تجارب الحياة، وبلوغ بصيرتنا أرقى درجة من الوعي أفضت بنا الى إبصار الحياة ناصعة بجزئياتها بنظرة نقدية تحليلية، وصارت ال(نعم، واللا) المقوم الأساس في تصحيح بعض من مسارات حياتنا الشخصية الحاضرة والمستقبلية؛ فأخذت بنا الى انتقاء الخيارات الصحيحة، وتشخيص الأخطاء، وحذفها. نحن سادة أفكارنا لتقبل الصالح والصحيح في مسيرة حياتنا ب(نعم)، ووضع صمام أمان من(لا) لصد الطالح عنها اذا توفّرنا على كل موجبات النشأة والتربية الصحيحة المتينة.

ويستأنف أبناؤنا من بعدنا منهاجهم التربوي على كلمتي (نعم، ولا)، وهكذا تمضي الحياة بالأجيال على امتدادها بهاتين الكلمتين (نعم) لبناء الحياة على أساس إيجابي وسليم وصحيح؛ و(لا) لهدم الحياة وبث السلبي في زواياها؛ لإشاعة الخطأ، والخطر، وبث الرعب والشر فيها.

الجيل الجديد جيل واعٍ وذكي...جيل ألكتروني ...جيل المعلومة السريعة، وعليه التسابق مع سرعة الزمن التي تكاد تبتلع كل شيء، ولا تدع مجالا للتأمل في حيثيات الأمور كالذي تمتع به جيل المربين، وعليه أن يستدرك الأخطاء ويصححها، ويدقق في قراراته وخياراته ب(النعم، واللا) من بين البدائل الموجودة ولا يتسرع.

الجيل الجديد وأبناؤهم يحيون في زمن العولمة وهو يتقاطع وزماننا، فلا وجود لقيم ومثل خاصة، والقيم ممسوخة والشرور والمخاطر تسود العالم. والعالم اليوم يتطلب من المربين بث القوة في نفوس الناشئة لمواجهة الخطأ والشر، لكن هل كل نفوس الناشئة تنطوي على تقبّل التوجيه والتربية القائمة على القوة والصلابة ومواجهة المخاطر؟، وهم جيل تربى على المعلومة الحاضرة الخاطفة بنقرة إصبع ليكون العالم بخيره، وشره، وتحدياته، ومخاطره، وصعوباته بين أناملهم الغضة التي بها ينتصرون، وبها ينهزمون؛ وهم جيل ذوو ذكاء متلون ..ذكاء عنكبوتي، رويزمي[13]، متسلق، ومتسلّط، وقادر على إدراك الزمان ولا تحد خطابه (النعم، واللا)، وربما ل(النعم) مرادفات كثيرة لديه، ول(اللا) مرادفات متلونة أيضا، وقد يرفضون ال(نعم) ب(اللا) وقد يقبلون (اللا) ب(نعم)، وقد تشتبك لديهم الإثنتان.

مسؤولية انتقاء الكلمة

معركة الكلمة اليوم من أعظم وأخطر المعارك. نحن أمام مسؤولية كبرى هي انتقاء الكلمة؛ وينبغي التفكير فيها، وتحليلها، وتأويل معانيها، والتحلي بالشجاعة قبل نطقها، أو تدوينها؛ فهي تبني وتهدم، وتصلح وتفسد، وتسعد وتشقي، وبها يسود الظلم، وتُشن الحروب التي تُدمّر، وتحرق، وتفقر الشعوب، وبها يسود العدل والسلام والمحبة. قوة الكلمة أقوى بكثير من الرصاصة، فالرصاصة الواحدة تقتل في لحظتها شخصا واحدا، لكن الكلمة تقتل أشخاصا، وربما أسرا، ومجتمعات، وتهدم بلدانا، ويمكث صدى الكلمة موجبا أو سالبا على المدى البعيد.

الكلمة الطيبة -كما عبّر عنها القرآن الكريم- أو الصائبة فيها قداسة ومسؤولية، وهي قوة وفعل وليست شعارا، وانتقاؤها يتبع طبيعة المتفوّه وما يحمله من خلفية تربوية، وأخلاقية، واجتماعية، وثقافية، وقيمية، والمشاعر الإيجابية، والمواقف، والآراء المُتَبناة، والمصالح الخاصة والعامة، وقوة النفس؛ وكلها تشحذ هممه صوب انتقاء الكلمة الصحيحة باستقلالية الرأي، والتحرر من مفاهيم الآخر كيفما كان، ومن التملّق، والتبعية، ويقظة الضمير؛ وانتقاؤها بإناقة ولباقة اللغة والتفنن في اختيار الألفاظ؛ لأن في اختيارها وقعا مريحا على النفس، والكلمة الطيبة تحقق استقرارا وهدوءا للنفس ومحيطها (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) .[14]

والكلمة الخبيثة أو الخاطئة فيها دَناسة ومسؤولية، وأيضا تتبع طبيعة المنتقي وما يحمله من خلفية قيم، وأخلاق، وسلوكيات، وأحاسيس، ومواقف، ومشاعر سلبية، ومصالحه الخاصة والعامة، وقوة النفس، أو ضعفها في الاختيار، وتداعيات الكلمة الخاطئة على النفس هي بث القلق، والتوتر، والخوف، والخطر وبالطبع تكون لغة المنتقي فيها عنف رمزي وقسوة في انتخاب الألفاظ  التي لها وقع سيء على النفس (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[15].

الدكتور عبد الله الرعود استشاري العلاج النفسي يقول:"إذا ظهرت الكلمة الطيبة ينتج عنها انفعال طيب وسعادة ورضا، وعقب الانفعال يقوم الجسم والدماغ بإفراز مواد كيماوية وهرمونات ايجابية وتزيد من نسبة السعادة والاستقرار، وإذا كانت الكلمة خبيثة يحصل العكس لأنها تحدث تأثيرا سلبيا على كيمياء الدماغ وتبدأ الهرمونات والغدد بفرز مواد مؤلمة تزيد التوتر لذلك الكلمة لها تأثير ونتاج"[16].

علماء الرياضيات حينما وضعوا نظرياتهم، لم يكن المقصود تداولها فقط في مجالات الدراسة والتطبيق الرياضي البحت، إنما كان لها مغزى آخر؛ وهو أن يسعى الفرد المتلقي لفهم نفسه والتفكير العميق فيها عبر الصمت، والتحليل، وتأويل الأفكار، وتدويرها في حياته الخاصة، وبلوغ نتيجة بصدق وجزمية الفكرة، وتأسيس رأي شخصي خاص على أساسها، ثم يصدّر رأيه ونظريته الصائبة الى المجتمع. علم الرياضيات يعلّم التفكير المنطقي الصحيح، ولا يدع مجالا لترديد نظريات وآراء الآخر من دون النظر والتأمل فيها، وينفق الفرد في ترديدها كما هائلا من الكلام السطحي عديم الفائدة، لذلك نرى علماء الرياضيات صامتين، ومقتصدي الكلام، وهم قاصدون، وكأن منطق عقولهم يقول: إصمت، فكّر، حلّل، أوِّل، ثم آمن إيمانا عميقا بالفكرة، وأقم عليها أفكارا ونظريات جديدة، ثم انطق بعدها، ولا تكن كالببغاء تردد ما يقوله الآخرون دون تفكير.

و-حسب رأيي الشخصي- فإن من ينطوِ على عقلية رياضية تحليلية ذكية أولا، وعقل بصير مثقف عميق واعٍ بالنفس وبالواقع المعاش ثانيا، ويتمتّعْ برصانة ومتانة التربية ثالثا، وملاءمة الظروف المحيطة به رابعا؛ يستطع انتقاء الكلمة الصحيحة السوية المناسبة، ويتبنَّ حرية الرأي؛ والحرية المقصودة في أي ميدان ما أو حقل ما من الحياة الحرية الايجابية لا السلبية، وأعني بالسلبية المنفلتة التي تفضي الى عواقب وخيمة على النفس والمجتمع. وأكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة بالآية الكريمة (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا).[17]

والنتيجة فإن مصيرنا رهن ببراعة تدوير (النعم واللا) بين كلمات الصواب والخطأ، والشجاعة في حرية الاختيار لأيهما؛ فبهما نؤمن، ونحيا، ونرحم، ونسعد، ونصلح، ونفرح، ونستقر، ونبني، ونكفر، ونتألم، ونشقى، ونتعذب، ونجوع، ونعرى، ونحزن، ونقسو، ونهدم، ونَقتل، ونُقتل، و.... ؛ فاختيار الكلمة إما ينير أو يظلم، ويُسعد أو يُشقي، ويشحن الطاقة الإيجابية، أوالسلبية بكل الألوان.

"الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعان"

الحرية ليست موضوع بحثنا إنما الكلمة المُنتقاة لتحصينها، فالحرية لا تُحصّن الكلمة بل العكس؛ لأن قد تكون الكلمة سابقا مرهونة لأحد ما، أو عقل جمعي ما؛ وهنا لا وجود للحرية ما لم تكن الكلمة حرة غير مقيّدة، وحينما تكون الكلمة ضعيفة فإن الحرية تكون ضعيفة غير محصّنة تبعا لها. من كان ذا رأي قوي صائب فإن رأيه سيحمي حرية التعبير عنه، وكلما كان الرأي قويا كانت الحرية قوية تبعا له، والرأي الصائب القطعي هو الذي يحمي الحرية أولا ثم يليه التطبيق ثانيا. من رامَ الحرية انتقى الكلمات التي تحميها. الحرية فيها مجازفة وتهور بالتحديات والمخاطر ما لم يكن خطابها قويا، ومتينا، سيما لو انطلقت من عقل ناطق بصير. الحرية يُحصّنها سور حديدي من كلمات صلبة لا تقبل الهشاشة والهزال والضعف، ولا تنطلق الاّ من نفس تحررت من عبادة الذات، ولعل سرّ مكوث الحرية في رؤوس المصلحين هو متانة خطابها، فالبنيان المتين لا تهوي به الأعاصير والعواصف العاتية مهما اشتدت.

في هذا الحوار الشيّق، أنموذج ساطع لانتقاء الكلمة بتكثيف المعاني، وتتصارع كلمات الصواب والخطأ، وينساب من بين الحروف معين منهمر لمعانٍ متلونة للكلمة فاضَ على لسان ناطق بالحق؛ الإمام الحسين(ع) ردّا على لسان ناطق بالباطل؛ الوليد بن عتبة والي المدينة المنورة:

الوليد: نحن لا نطلب إلاّ كلمة.. فلتقل بايعت... واذهب بسلام لجموع الفقراء... فلتقلها وانصرف يا ابن رسول الله حقناً للدماء.. فلتقلها ما أيسرها، إن هى إلاّ كلمة.

الحسين(ع)(منتفضًا): كَبُرت كلمة؟!، وهل البيعة إلاّ كلمة؟، ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة.

الوليد (بغلظة): فقل الكلمة واذهب عنا.

الحسين: أتعرف ما معنى الكلمة؟، مفتاح الجنة فى كلمة، ودخول النارعلى كلمة، وقضاء الله هو كلمة.

الكلمة لو تعرف حُرمة، زاد مذخور، الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي.. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور، ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة. أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم..الكلمة زلزلت الظالم..الكلمة حصن الحرية..إن الكلمة مسؤولية..إن الرجل هو الكلمة..شرف الرجل هو الكلمة، شرف الله هو الكلمة.

الوليد: وإذن.

الحسين: لا رد لديّ لمن لا يعرف ما معنى الكلمة.

الوليد : قد بايع كل الناس يزيدا إلاّ أنت.. فبايعه.

الحسين : ولو وضعوا بيدي الشمس.. !

ابن مروان: فلتقتله.. اقتله بقول الله تعالى..ابحث عن آية. أقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع.

الحسين : أتقتلني يا ابن الزرقاء بقولة جدي فيمن نافق؟ أتُزيّفُ في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق؟ أتقتلني يا شرَّ الخَلق؟ أتؤوّل في كلمات الله؛ لتجعلها سوط َعذابٍ تشرعه فوق امرئ صدق؟![18]

السلام على الحسين حينما نطق بحرية الكلمة فارتدّ عليه الصدى: نعم لكلمة الحرية.

 

بقلم: إنتزال الجبوري

.................................

[1]  الأنبياء-30.

[2]  الأنبياء-104.

[3] البقرة-35.

[4] طه- 121.

[5] البقرة-36.

[6] آل عمران- 59.

[7]  المؤمنون-15.

[8] لقمان-27.

[9]  النور-41.

[10] انظر: إنتزال الجبوري. (العطاء سر الخلود: الى أتونابيشتم الباحث عن سحر الخلود). صحيفة المثقف في عددها 4696(7/2019).

[11] ابراهيم-24-26.

[12] المائدة-27-28.

[13]  نسبة الى الرويزم أي النبات البرعمي.

[14] ابراهيم-27.

[15] البقرة-59.

[16]  صحيفة الرأي(15/10/2019).

[17] الإسراء-15.

[18]  عبد الرحمن الشرقاوي. الحسين ثائرا (مسرحية). القاهرة: دار الشروق، ص30-32.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5138 المصادف: 2020-09-29 04:25:30