 قضايا

الدين والعلمانية.. جدل الثابت والمتغير

سليم جواد الفهدبلا شك أن ثمرة الحوار تفترض التكافؤ في المستوى الفكري فإذا لم تتكافأ العلاقة لا تتحقق الشراكة في انتاج الثمرة. والواضح إن سعدون ضمد (الذي كان يحور السيد كمال الحيدري) ليس بمستوى السيد الحيدري الأمر الذي سهل للسيد التملص من الإقرار بكثير من الحقائق.

ومن هذه الحقائق تهرب السيد الحيدري من تعريف الدين وخلطه بالتدين وبعد هذا الخلط وموافقة سعدون عليه التقط السيد الحيدري الخيط مدركا جهل سعدون بالفرق بين الدين والتدين.

نفتتح القول بتعريف الدين وفرقه عن التدين وما هو السبب الذي جعل السيد الحيدري يتهرب من تعريف الدين؟

الدين كمفهوم: هو مضمون فكري مركب يتخذ شكل تمثلات وتصورات أولية تتمتع في نفس الوقت بدرجة من التجريد والتعميم والتشخيص والتداخل والاختلاط والالتباس تحيل في النهاية الى متخيل ما ورائي. وبتعبير آخر الدين مجموعة من العقائد الثابتة والمفاهيم الهلامية التي تطرح تصورا متعاليا للحياة عبر ربطها بأصول غيبية ميتافيزيقية غير خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان في نص منزل وحيا يحرم نقده وتمنع محاكمته محاكمة عقلية ولا يجوز الخروج منه اطلاقا وهو مطلق الصلاحية في كل زمان ومكان.

التدين: هو مجموعة من الممارسات الطقوسية الاجتماعية التي يبتكرها الفرد أو الجماعة في حراكهم لانزال ذلك الثابت المتعالي وتجسيده في فعل مرئي يمكن رصده وتحسسه فضلا عن تحركه في متغير زماني مكاني مجسد.

واذا كان الدين يطرح المقدس بقيمته الاعتبارية الرمزية المفتوحة بطريقة غامضة وغائمة لكي يظل متوهجا في اطار التأويل فإن التدين يوفر فرصة لاختبار المقدس والخوض فيه سواء من خلال تجسيد أبعاده التجريدية في حركة معلنة أو من خلال اختراع نائب عنه يمكن معايشته أو استحضاره رمزيا في ذلك الوعي البدائي لذلك فان الانسان حين يجد وسائل معرفية كافية لإعادة تجربة المقدس يكتفي بما لديه في معايشته للمقدس فيما يلجأ الانسان الجاهل الذي لا يملك أدوات بديلة تغنيه عن البحث عن طريقة ما لاكتشاف المقدس وتجربته للتطرف في بدائله البدائية لكونه بحاجة ماسة لامتلاك المقدس رمزيا وهو الأمر الذي يفصح لنا كيف يتطرف الإنسان الجاهل في اختراع وسائل متوحشة في طريق تدينه وهو بذلك يلقي نفسه في وحل الأيديولوجيا دون وعي بها و كل أيديولوجيا في حقيقتها (عقيدة) تكتسب قداستها من مشروعيتها الأحادية في نظر الدعاة اليها حتى ليغدو الايمان بها والدعوة اليها واجبا أخلاقيا ومن هوامشها الوجدانية التي تجعل الأتباع ينظرون إليها بوصفها حلا أوحدا نهائيا لا يمكن دحضه فتشتبك في تكوينها عناصر عقلية وعناصر عاطفية وامتزاج العناصر العقلية مع العناصر العاطفية ينتج سلوك الافراد والجماعات التي تنتمي الى هذه الأيديولوجيا.

ولكي يزداد الأمر وضوحا نعرف الإيديولوجيا ونحدد دائرتها من البنى الثلاث حيث تنتج البنية الاجتماعية البنية الفكرية وتنتج البنية الفكرية البنية الإيديولوجية. فما هي الإيديولوجيا؟

الإيديولوجيا: هي نسق ثابت من الأفكار والمفاهيم والتصورات في قضايا الحياة المتنوعة وثباتها هو شرط أدائها لوظيفتها التي تختلف عن وظيفة المعرفة فهي لا تؤدى بمنهجية وإنما بتخطيط من قيادة دينية أو سياسية أو اجتماعية.

هدف الإيديولوجيا: هو تأطير حركة المجتمع أو الجماعة لخدمة مقاصد دينية أو سياسية أو اجتماعية وليس نشر المعرفة ولذلك لا يؤثر في العمل الإيديولوجي كون الفكرة واقعية أو وهمية خيالية وإنما صلاحيتها لتعبئة الجمهور في اتجاه معين يخدم غرض المهيمن الإيديولوجي. وقد أدت الإيديولوجيا الدينية مهام خطيرة في التاريخ فقد أنشأت مجتمعات كبرى على الخرافة لا زالت قائمة حتى الآن وتحتل عقول مليارات البشر.

من هذا نستنتج أن الدين يقع في دائرة الإيديولوجيا لأن هدفه ليس نشر المعرفة فهذه مهمة العلم بل هدفه اخضاع العقل للنقل أي المعرفة للوحي فتكون كل معرفة غير موحى بها موضع تشكيك فاذا تناقضت المعارف العقلية مع الوحي أهمل العقل ومعارفه وقدم الوحي وهذه هي مهمة الدين وهذه هي فلسفة ثباته لكي يستمر وما حد الردة إلا تطبيق عملي على البقاء ضمن اطار الدين ولو بالقوة والرهبة والتخويف.

هذا التوضيح هو ما منع السيد كمال الحيدري من تعريف الدين وخلطه بالتدين لكي لا تتضح حقيقة الدين وأهم خصائصه وهي (احتكار الحق) فكل دين يحتكر الحق لنفسه ويرى باقي الأديان باطلة وكل متدين يرى نفسه صاحب الدين الحق والآخرون أهل الباطل ويكذب كل صاحب دين عندما يدعي أنه يحترم باقي الأديان فالسيد كمال الحيدري نفسه -باعتباره رجل دين- يرى الهندوسي كافر واليهودي مغضوب عليه والمسيحي ضال. وهذه أحكام ثابتة لا ينالها التغير والتغيير فالحرام حرام الى يوم القيامة والحلال حلال الى يوم القيامة وهذا هو معنى الثبات فالدين ثابت من ثوابت الإيديولوجيا والتدين فرعه يتبادلان الفعل والتأثير.

أما العلمانية فالواضح من الحوار أن الفهم السطحي هو سيد الموقف فلا السيد الحيدري ولا سعدون وقفا على جوهر العلمانية ولم ينظر-من كلا الطرفين- للعلمانية من منظور كونها في المقام الأول موقفا من الإنسان والقيم والدين ولا من منظور كونها موقفا معرفيا أي موقفا من طبيعة المعرفة العقلية ومن طبيعة علاقتها بالمعرفة الدينية والحوار لم يتجاوز فهم العلمانية من خلال الأغراض التي قامت الحركات العلمانية في الغرب لتحقيقها هنا أصبحت القضية الجوهرية التي تثيرها العلمانية من هذا المنظور قضية تحديد وضبط العلاقة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية بين الدولة والكنيسة إن القضية أعمق من هذا بكثير إنها قضية تتعلق بما هو الموقف الصحيح من طبيعة الدين وطبيعة الإنسان وكيف يجب أن نفهم العلاقة على المستوى المعرفي إن الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية ينبغي أن يقوم على فصل من نوع أعمق أي على فصل معرفي بين الدين والدنيا حيث يكون جوهر العلمانية هو تقديم العقل على النقل في كل ما يتعلق بشؤون الإنسان الاجتماعية السياسية تاركا للإنسان شؤونه العبادية بشكلها الفردي ولهذا تقف العلمانية كصيغة سياسية موقف الحياد من جميع الأديان فالدولة مؤسسة معلمنة بالضرورة أي إن الدولة لا تصوم ولا تصلي ولا تحج وهي مشترك سياسي لجميع أفراد المجتمع حتى لا يتغلب دين على دين ولا مذهب على مذهب.

أما الاشتقاق اللغوي فالعلمانية يجب أن تنطق (بفتح العين) لا(بكسر العين) فهي مشتقة من (عالم) وليس من (علم).

يقول جورج طرابيشي: "التنقيب عن أصل هذا المصطلح أتاح لنا أن نربطه باللاهوت المسيحي المكتوب بالعربية وهذا منذ القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي على الأقل. ففي كتاب بعنوان (مصباح العقل) وضعه الأسقف واللاهوتي القبطي (ساويروس بن المقفع) المولود سنة (915م) والشاغل منصب كاتب في الدولة الأخشيدية في العهد الفاطمي وفي معرض الكلام عن الخلاف بين الطوائف المسيحية حول زواج الكاهن قال: "التزويج مختلف عندنا لأن للكهنة شروطا ذكرها الكتاب وهي: أن لا يتزوجوا بأرملة ولا مطلقة ولا زانية وليس للكاهن أن يتزوج بعد امرأته الأولى بغيرها هذا بإجماع النصارى والكاهن الذي وصفته هو الأسقف والقس والشماس إلا أنهم أيضا مختلفون في أمر آخر لأن الشماس يمكنه أن يتزوج بعد شماسيته ولا يمكن للأسقف والقس أن يتزوجا بعد الأسقفية والقسيسية وقد رأى المتقدمون بعد ذلك رأيا في الأساقفة أما المصريون فرأوا أن يكون الأسقف بالإسكندرية خاصة بتولا لم يتزوج في حال (علمانيته)". وليس لنا على هذا النص الحاسم الأهمية من منظور التحديد التاريخي لدخول كلمة العلمانية في الحقل التداولي للغة العربية سوى تعليقين:

أولا: إن استعمال بن المقفع القبطي لكلمة (علمانية) في نص يعود الى القرن الرابع الهجري لمرة واحدة يتيمة وبدون أن تكون به حاجة الى شرحها إنما يدل على أنه ليس أول من استعملها وعلى أنها كانت رائجة بالتالي في الحقل التداولي لرجال الكنيسة.

ثانيا: نظرا الى إن السياق الذي وردت فيه كلمة (علمانية) في النص هو التمييز في الأسقف بين طوره الدنيوي وطوره الكنسي إذ يشترط فيه البتولية (عدم الزواج) في حال علمانيته فلا مجال للشك بأن (عين) العلمانية ينبغي أن تعجم بالفتحة لا بالكسرة لأنها لا تحيل الى (العلم) بل الى (العالم) أي الدنيا وهذا هو أصلا معنى الجذر اليوناني(Laikos) واللاتيني (Laicus) الذي اشتقت منه كلمة (علمانية بالفرنسية Laicite) فاللايكوس هو من ينتمي الى الشعب أي الى العامة ومن ثم الى الأميين وليس الى طبقة رجال الكهنوت الذي كانوا يحتكرون العلم في حينه."1"

 

سليم جواد الفهد

......................

1- جورج طرابيشي، هرطقات، ج1، ص217.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5155 المصادف: 2020-10-16 11:45:54