 قضايا

مدخل تاريخي للمعاش العثماني

كان الواقع الاقتصادي الاسلامي وأفكاره’في العهد العثماني ’ طبق نصوص القرآن والسنة غالبا’ التي تضع حدودا للمعاملات والنشاطات العملية في الاقتصاد والتجارة والفلاحة والرعي، لذا نشب خلاف بين التجار والملاك وأصحاب رؤوس الأموال النقدية والعقارية والفلاحية والحيوانية الذين سيطروا بقوة نفوذهم المادي والمعنوي المتمثل في الجاه والسلطة على حركية المجتمع ونمطية الحياة الاقتصادية التي قدم لها الشرع الاسلامي إطارا تتحد فيه أنواع واخلاقيات النشاط الاقتصادي، وبذلك جعلته تحت وطأة تنميط شكلي وظاهري ساهم في تجميد الحضارة الاسلامية ولكنه اتصف بمميزات خاصة.

لهذا نشب صراع حاد بين الفقهاء وشيوخ المذاهب الاسلامية، وكذا رؤساء العشاءر والجماعات المحلية البدوية والحضرية، وكذلك السلطات القائمة المرتكزة على الجزية والزكاة والأوقاف وخزينة المسلمين التي أضاعتها الحروب والتطاحن اليومي داخليا وخارجيا في ظل إقطاعية ساهم فيها العبيد والخدم بشكل خاص لتحصيل الريع الزراعي القديم . فالوضع كان ينذر بصراع ناشىء عن محاولة سيطرة البدو والرحل الذين يملكون قطاعا ضخما من الماشية وأهل القرى والحضر الذين لا يملكون رمق عيشهم وظلم واستبداد الحكام وطغيان الطوائف المذهبية على الجماعات المحلية بدعوة التكافل والتعاون والتنظيم المشترك لمقاومة العدو الداخلي والخارجي على البلاد والاسلام . لهذا لعبت الزوايا في تنظيم الملكية الاقتصادية وتوزيع الناتج دورا مهما، كما لعبت أدوارا هامة في التعليم والمحافظة على القيم الاسلامية، مما شكل نظاما إقطاعيا متميزا بالطبقية . يقول عبد المجيد مزيان في هذا الصدد :

" إن هذه الظاهرة في الغرب الاسلامي كانت في بداية أمرها ظاهرة سياسية بدت إلى الوجود في فترات إنعدام السلطة المركزية القوية ملبية رغبة الشعب في التجنيد والتسلح العقائدي من أجل مقاومة الغزوات الأجنبية وأنواع الحكم اللاشرعي . فإن هذا النوع من الإنقسام الناشىء من تفكك المجتمع الاسلامي بعد العهد العباسي يوحي بالرجوع إلى العصبيات القديمة رغم مظهر العدالة والعمق السياسي التي تتضمنه بفضل النفوذ " كما يرى مزيان أيضا :

إن هذه الاقطاعية الطائفية، كما يرى عبد المجيد مزيان، ساهمت في تحويل الوضع إلى طبقة مجحفة على أكثر السكان، لأن تلك الإقطاعية تمتلك سلطة روحية وهي الدين، وبذلك عاشت تلك الاقطاعية على ظهر الأمة وكاهل الشعب من خلال الهدايا المقدمة والزيارات والجبايات وخدمات السكان المجانية لشيوخ ورؤساء الطوائف الذين يحتاطون لحركة الرفض المعارضة من الأفراد والجماعات الذين يمكن "أن يألفوا تنظيمات سرية أو شبه سرية حيث تجد لها مبررات في فترات المقاومة السياسية"([1])

يقول عبد المجيد مزيان " أن الزاوية الاقطاعية تتبرأ ظاهريا من كل غرض استغلالي وتدعي الانتساب إلى الجماعة وتلجأ إلى التراضي أكثر ما تلجأ إلى العنف وكذلك موقف الفقهاء من هذه الطائفة الذي يتميز بالصمت والانحياز لها وبالتالي نظام الإقطاعية والذي يمكن أن يتلاشى بفضل"حركة دينية جديدة تكون شعبية في البداية وتتحول تدريجيا هي الاخرى إلى إقطاعية متسترة ثم سافرة في أخر تطورها "([2]).

ان رؤساء الطوائف وشيوخ المذاهب وزعماء الاقطاعيات وكبار شيوخ الزوايا كانوا ممثلين للسلطة المركزية الروحية لدى الجماعات المحلية حيث يكونون بدورهم أطرا أساسيا لهذا النظام السري أو القريب من السري حيث تتحول أملاك الاقطاعيات الفلاحية والزراعية والرعوية والعقارية والهدايا إلى أملاك شخصية في أيدي المقدم المرابط يتسلط بها على جماعات أخرى ويعمل على انشاء جماعات سياسية جديدة تحت حكمه بفضل عمال وخدم يقدم لهم أجرتهم تحت غطاء الدين والدعوة الاسلامية ويقول عبد المجيد مزيان "أن هناك أهمية الجانب السياسي لكل حركة دينية في المجتع الاسلامي ويمكن أن نقول أن السياسية كانت محور نشاط كل المذاهب الدينية التي برزت للوجود منذ فجر الاسلام([3])"ان الطرق البدينية واصلت نشاطها حتى أواخر القرن 19 بسبب فشل الحكم المركزي ولجوء الجماهير إليها لأنها الممثل الشرعي للدين الأسلامي والحامية للأرض والنسل مما يؤكد شعبية الحركات الدينية في المجتمع الاسلامي.

كما يرى عبد المجيد مزيان أنه خلافا لحضارة الاقطاع الأوربي الذي كان يخفي العلاقات بين النبلاء والفلاحين "فإن العقيدة الدينية تكون منبها سياسيا عند الجماهير بقدر ما تكون محذرا يغطي طبيعة العلاقات عند الاقطاعيين([4])" يعكس لنا نموذج المجتمع الاسلامي دور الزوايا والطرقية والرباطات والحركات المرابطة في الجهاد والدعوة الاسلامية والمحافظة على الثقافة واللغة العربية وتجنيد الجماهير عسكريا في فترة ما بين القرن الحادي عشر حتى بداية القرن العشرين رغم المظهر الثقافي لهذه الطرق والرباط والقلاع التي تحولت إلى شعبية نضالية وتنتهي بسياسة مبنية على عصبية الأسر المسيرة كما يقول عبد المجيد مزيان ابتداءا من القرن الخامس عشر ولكن الاستعمار عرف خطرها فقام باحتوائها فأصبحت مركز للخرافات والبدع والقابلية للاستعمار.

يقول عبد المجيد مزيان:"نجد في اقطاعية الدولة لدى المسلمين عددا كبيرا من الطوائف والنشاطات المزيفة يمكن ان نسميها طفيليات لأنها تتعلق جميعا بالتقرب إلى رجال الدولة والارتزاق منهم او تقول بواسطتهم على حساب الأمة " ([5])الشيىء الذي يقدم صورة شاملة وعاكسة للاستلاب والاغتراب بين الطبقة الحاكمة والطبقات الشعبية التي يتهيأ لها سوى الارتزاق من الاقطاع الملكي او القصور والنشاطات الحرفية الصناعية او الابداع الثقافي والفكري مثل الشعر الفلسفة الفقه والكتابة والتدوين وفن الزخرفة والذين لا يحصلون على أجور كاملة على أعمالهم سوى بعض المتملقين والمداحين للسلطة.

ان أهم أشكال العمل القديمة التي عرفها المجتمع الإسلامي تحدث عنها ابن خلدون في "المعاش" ويصف لنا ان هناك معاش طبيعي وأخر لا طبيعي فالمعاش اللاطبيعي هو الملك أو الانتساب إلى وظائف الدولة أو الامارة وبالتالي الحصول على الامتيازات المالية والعقارية وحتى رقيق الأرض وهناك من يعيش في طبقة طفيلية مثل الشيوخ وأصحاب النفوذ السياسي لأنهم لا يقدمون أي خدمة .

يقول عبد المجيد مزيان:"ان مبدأ الشورى والمساواة والروح الدستورية التي جمعت المسلمين الأولين حول النبي لم تتجسد في قانون سياسي مكتوب ولا في مؤسسات ثابتة " ([6]) .فالوثيقة الأولى التي تشهد على دستور الأمة الاسلامية هي وثيقة حملها علي بن أبي طالب وقتل وهي في يده، حيث كان يمثل علي بن أبي طالب وأبو بكر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر الغفاري اليسار الاسلامي ([7]) كما يرى حسين مروة وغيره من الباحثين . إن العلاقات التي أوجدها الاسلام ودعا إليها من خلال النصوص القرآنية والسنة النبوية ومن خلال أعمال الصحابة سلوكاتهم وأخلاقهم هي التي ميزت الاسلام عن غيره من النصوص الدينية وبالتالي كونت علاقات متجذرة بين الأفراد والجماعات وبالتالي نتجت عنها روح سياسية جماعية وتكتلات إيديولوجية ومذهبية ووحدات إجتماعية مترابطة لأن العقيدة كما يقول عبد المجيد مزيان " تثير حماسا عاطفيا في الترابط بين المؤمنين بها، وهذا ليس شأن الأديان وحدها والمعروف أن مثل هذا الحماس العاطفي يمتاز بالغموض، إذ لم تأت أنظمة ومعاملات إجتماعية لإعطائه محتوى وحيوية متعلقة بالنشاط الاقتصادي والمجتمعي والسياسي " .

كان الحكم العثماني مواصلا للقيم الاسلامية ومواجها للقوة البحرية الأوروبية الغازيةعلى شواطئ البحر المتوسط .فقد كان نظاما امبراطوريا كلفه استينفاذ القوة وتبعثر الجهود وتشتت المصالح .مما جعله لايتوسع جغرافيا كثيرا في المنطقة المغاربية مع ملاحظة الظروف المحلية في تونس وليبيا والجزائر وحدوث ثورات مناوئة له في تلك البلاد.التي توسعت عبر الفضاء الجغرافي الواسع وحكمها الانكشارية والشيوخ وممثلي البايات في كل االمقاطعات ومناطقها افي الجزائر العثمانية .

لذا قسم العثمانيون الجزائرالئ ثلاث بايلك 1-التيطري في المديةوالشرق في قسنطينة والغرب في معسكرثم وهران ودار السلطان في العاصمة }وكان يسموا مناطق التابعة للبايلك سناجق كالولاية ثم النواح ثم الاحياء او الحارات كما القايدات أوالأوطان وأما الضواحي فكانت تسمى الفحص وهي غالبا بساتين .

1- البايلك هي مساحات كبرىيتحكم فيه الباياو وترجع مداحيلها للخزينة العامة

2- ملك وهي ملكيات للاشخاص او العائلات ولها الحق الكامل للتصرف فيها

3-عرشية هي ملكيات غيرمجزأة يتصرف فيها الزعماء وكبار العشائر

4 – مخزن هي اقطاع عقاري واسع اعطاه الباي للشيوخ والموظفين مقابل الا لزام

5- حبوس واوقاف يتصرف فيها وكلاء مكلفين’مردودها للمساجدوالمدارس

6- املاك اخرى-موات—مهملة –منزوعة محولة —وسبل الخيرات

وقد كانت الضرائب والغرامات هي الرابط السياسي والاجتماعي بين العثمانية والشعب .لذا كانت مناطق الجبال والصحراء معفية من ذلك وكانت شبه مستقلة . .أما النقود المستعملة في الجزائر العثمانية هناك نقود التبادل وهي المعروفة عاديا ممثلة في قطع نقدية معدنية كان منها الزياني والدينار الحفصي في المرحلة الاولى ثم ظهرت السلطاني العثماني والسكينية التركية كما استعملت الريال والريل بوجو والدرهم والبياستر الاسباني وكان هناك نقود الحساب التي مؤداها تقدير الاثمان وتقييم السلع مرة وللدفع المالي التبادلي مرة اخرى، و منها الصايمة والموزونة ريال دراهم صغار عموما، كما وجدت نقود احرى مثل الخروبة والدورو الفرنسي والمحبوبة وغيرها

بذلك كانت مصادر الخزينة العثمانية في الجزائر، هي الرمز والدليل للترابط السياسي الجزائري العثماني، فقوتها وضعفها مقياسين لذلك. والتي كان منها القرصنة البحرية والرسوم واالإتاوات المفروضة على الدول الاجنبية والسفن في البحر المتوسط - ضرائب على التجار الاجانب والشركات الاجنبية والسواح والمقيمين منهم -هدايا وعطايا مفروضة على القناصل وبعد الاخلال بالمعاهدات المعلنة سابقا معهم -ضرائب على السكان المحليين-منها ضرائب على الارض وعلى الاملاك –فارس- والنشاطات-يبع الاسرى او تحصيل اثمان تحريرهم -غرامات متنوعة –منها غرامة اللزمة على غير القادرين على الجندية -غرامات على القرى للانكشارية بعد حروجهم للمحلات-غرامات الجمرك على التجار المتنقلين من بايلك الى اخر -غرامات على الحرفيين -غرامات على الافراد والعائلات احيانا -منها على السيبا بعد دخولهم البايلك-غرامات على المطامير والمخازن على الفلاحين -معونات على المواطنين وحتى السيبا احيانا --الجزية على اليهود-المكوس على استعمال المكان –وكانت تعطى تفويضا لموظفين مكلفين -تعميم غرامة اللزمة على كل السكان -الزكاة-و العشور حكور -العوايد والضيفة ايام الاحتفالات والاعياد وحين دخول الباي المدينة او حين تنصيبه تقدم الدنوش وهي عطايا متنوعة واليباشي وهي غرامة على السيبا بعد دخولهم البايلك.

ومن ذلك سوف نكتشف التغيرات والتأثرات لهذا النظام على المجتمع الجزائري وفعاليته ونشاطاته ووطبق اكتسابه للوعي والادراك وشحنات الانفعال .وذلك ما سوف يتم تواصله حين ثورة الحاج باي ثم الأمير والمقراني، بما يشبه تلك المواصفات .

 

أ. عتيق العربي  

............................

[1] عبد المجيد مزيان الفكر الاقتصادي عمد ابن خلدون، م ة ك، الجزائر 1981 ص 195

[2] -ن م س، ص 195

([3] ن م س، ن صفحة

[4] ن م س ن صفحة

[5] - ع .مزيان ـ، ن م س ص172-173

[6] - م س، ص 195

[7] -حسين مؤنس الحضارة الاسلامية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5156 المصادف: 2020-10-17 02:24:30