المصطفى سلاملا يختلف دارسو السرد في كونه جزءا من الزمن / التاريخ، وشكل من أشكال الحضور في ذاكرة الأشياء والكائنات والكيانات، بمعنى أكثر؛ الحضور في ذاكرة الأمة وترسيخ هويتها أو تجذ يرها في التاريخ. وقد لعب السرد في تاريخ الشعوب دورا مهما في تجذير ذاكرة الأشياء والفضاءات والكائنات وحفظها من آفة المحو والغمر ... كما أنه جزء من عوالم الإمكان أو لنقل إنه آلية من آليات اشتغاله  . ويتأطر السرد ضمن ثلاثة أسئلة كبرى:

- سؤال الفعل

- سؤال السلوك

- سؤال الكينونة أو جدوى الوجود  .

من هذا المنظور، تتأسس قراءتنا  لرواية " المغاربة"  والتي حظيت بقراءات ودراسات مختلفة ومتنوعة . تنطلق هذه الرواية من تبئير حكاية محمد الغافقي قبل أن يصيبه العمى وبعد أن أصبح أعمى من جهة أولى. ومن جهة ثانية تبئير الحكي أو السرد حول فضاء بني ملال. وتتم عملية السرد بالتناوب بين كل من محمد الغافقي وأخيه عبد الهادي العسكري.

الرواية نص يسرد كينونة أو هوية فضاء بني ملال، وهي هوية متجذرة في التاريخ  المغربي المعاصر، وراسخة في جغرافيا المدن المغربية، والسارد هنا يتناوس بين فضاءين: فضاء دار الباشا وما تحمله من دلالات تاريخية وتراثية وسياسية وسلطوية وثقافية ...ثم فضاء المدينة وكيف أخذ في التشكل عمرانيا وسياسيا واجتماعيا.

يسرد هذا النص الفعل الإنساني سواء كان فردا أو جماعة، سلطانا أو رعية، مؤرخا أو فقيها أو سياسيا .، مناضلا أو انتهازيا، معارضا للسلطة أو منخرطا في لعبتها. إنه نص يستنطق فعل السلاطين والباشوات والمسؤولين في هذه الجغرافيا / الفضاء، فعل السياسي والإعلامي، فعل الفقيه والمثقف ... ثم علاقة هذا الفضاء كهامش بالمركز: كيف كانت الخيوط تمتد أو تتقلص بين المركز والهامش في تاريخ السلطة المغربية، طبعا الأمر يتعلق بالخيوط السياسية والاقتصادية والإدارية...بين بني ملال أو إيالة تادلا  بني ملال ومراكش أو الرباط ...لقد كان هذا الفضاء أو الإقليم محطة عبور من ...إلى ...

إلى جانب ذلك، يرصد السارد عبر رؤيته كيف كان نمط العيش في هذا الفضاء: لغة وتقاليد وعلاقات اجتماعية ومنظومة قيم وتمثلات ذهنية . هذا الفضاء بأبعاده الجغرافية والسياسية والتاريخية تؤثر فيه الطبيعة والحرب، رسم حدوده المجاعات والأوبئة، وتعيد تدبير سياسته الحَرْكات والحَرَكات، وتصنع مصيره جهات نافذة اقتصاديا وسياسيا. لقد تم تسريد هذه الموضوعات في الرواية بالموازاة مع دينامية الحدث وامتداداته  عبر مسافات سردية متنوعة.

لقد اتخذت هذه الرواية " المغاربة " عنوانا لها، والمغاربة جمع لمغربي المنسوب إلى المغرب، وهذا ما يجعلها تعني الكل، فهي ليست خاصة، إنها عنوان لهوية مركبة غير بسيطة . " المغاربة " مسمى أو دليل، أي علامة تتسم بالامتداد والتجدر في الماضي والانفتاح والتوسع في الحاضر، تجدر في التربة الدينية الملتبسة بالسياسة ، أو كيف ينبتق السياسي من جبة الديني ؟. التحضر عند المغاربة ملتبس بالبداوة، حيث لم نصل بعد إلى الفصل بين البداوة كنمط عيش في البادية والتحضر كنمط عيش في المدينة . المديني لم يتحرر من الريفي في نمط عيش المغاربة،  وهذا من بين الأسئلة العميقة في الرواية . إن المغاربة خصوصية في كل شيء.

الرواية والتاريخ:

حفلت الرواية في بناء متخيلها بالمادة التاريخية، حيث يلمس القارئ حضورا قويا للتاريخ إلى جانب مكونات أخرى مثل اللغة والأدب والفنون.. وكأنها بذلك متحف وضع فيه الروائي هذه الهوية في كليتها.

يدل التاريخ على توالي أحداث العالم على مر الزمن، أي الوقائع التي جرت أو حدثت في الماضي. والتاريخ ظاهرة  اجتماعية منتسبة إلى الماضي . إنه عند الدارسين: علم الإنسان بالماضي: يدرس صيرورة الأرض والسماء والأنواع كما يدرس الحضارة  .  وتثار حول التاريخ مجموعة من الأسئلة تخص: الحقيقة ؟ الذاتية؟ الموضوعية؟ علاقته بالسلطة؟ ...حيث هناك من يرى بأن التاريخ علم سلطوي، وعي بالسلطة . ويقترن وجودا وتحققا بمقولتين سلطويتين: الانتصار أو الهزيمة. إن التاريخ ينتج ويعاد إنتاجه ضمن مؤسسات السلطة، سواء كانت سياسية أم دينية أم اجتماعية أم علمية .في مجال السلطة السياسية يساوي مؤرخ السلطة بين الانتصار والحقيقة، ويربط الحقيقة بالمنفعة، فمن انتصر كتب تاريخه وهو الحقيقي  . ويتجلى هذا الأمر على مستوى الكتابة والتدوين، فإذا كان التاريخ يحدث مرة واحدة، فهو يكتب أكثر من مرة، وهذا يكشف عن المفارقة بين الحدوث والكتابة أو الرواية، أقصد رواية التاريخ نفسه . وهنا يخضع لتعديلات وتغييرات  تتحكم فيها مصالح وأهواء وتتخذ مصائر وأحوالا.

وإذا كانت الرواية عملا تخييليا جماليا مقترنا وجودا بالحاضر، فهي تعمل على استحضار المادة التاريخية، وهذا الاستحضار يتأسس على مبادئ مثل الحوار أو التفاعل أو التناص . وما يبرر للرواية ذلك هو كونها جنسا أدبيا غير مكتمل، تتفاعل داخله الأصوات والنصوص والخطابات ...غير أن ذلك يمكن تأطيره من خلال بعض المحددات مثل:

- الإرادة الإنسانية: حيث نشاه التاريخ رهينة بالإرادة الإنسانية، كما أن الحقيقة التي يحملها خاضعة لتلك الإرادة . وعندما ينتقل الحدث التاريخي إلى الخطاب الروائي هناك إرادة الروائي أيضا أو مقصديته . لماذا استند الروائي إلى التاريخ؟ وما هي رؤيته لذلك؟ وماذا يضيف المكون التاريخي إلى النسق الروائي جماليا وفنيا؟

- الذاكرة: هي هوية الأفراد والجماعات، ومثلما تتأسس على مكونات ثقافية مختلفة تتشكل أيضا من التاريخ، وبالتالي نتحدث هنا عن تاريخ الذاكرة الإنسانية عامة. وقد ساهمت الرواية عبر تاريخها في بناء وتشكيل أو ترسيخ هذه الذاكرة .

- الحاضر: له تأثير قوي ولافت  في الكتابة الروائية  ومسألة  التشخيص السردي  للقضايا الإنسانية وللتحولات السوسيو اجتماعية، حيث هناك استجابة دوما لأسئلة الحاضر الحارقة. كما أن إعادة النظر في التاريخ أو استحضار ه أو استلهامه  يشكل بدوره جوابا عن أسئلة يفرزها الحاضر . وكما قال سارتر: التاريخ محدد بالاستعادة القصدية للماضي عن طريق الحاضر .

انطلاقا من هذا التصور لكل من التاريخ والرواية كخطابين يتفقان في أمور ويختلفان في أخرى، يمكن لنا أن نطرح السؤال التالي: كيف تم استحضار التاريخ إلى خطاب رواية " المغاربة " ؟

بدءا من العنوان، يستحضر القارئ التاريخ، حيث لا يمكن تمثل " المغاربة " كشعب أو أمة دوت تاريخ . وبالتالي فلا بد من استحضار هذا البعد التاريخي بالقوة والفعل . هكذا يؤسس العنوان كعتبة هذا الأفق عند القارئ في التلقي قبل الولوج إلى عوالم النص ومداراته خلال عملية القراءة .

يؤسس التاريخ حضوره في الرواية من خلال صيغتين أو شكلين: تاريخ عربي عام من خلال استحضار وقائع تاريخية عربية مثل عزل الملك فاروق يوم 26 يونيو 1952. وكيف تخلى عن السلطة والنفوذ والأبهة مرغما . يقول السارد مقارنا بين الباشا والملك فاروق:" ومن هناك كنت أتأمله، كان يشبه الملك فاروق في تلك الصورة الحزينة  التي يودع فيها مصر ليركب باخرة المحروسة تاركا مصر لحكم العسكر .....لكن فاروق، يوم 26 يونيو 1952 وهو يغادر قصر رأس التين، كان يعرف أن كل شيء انتهى، فلا يرى إلا انهياره الداخل "   ثم تاريخ خاص: عزل باشا مدينة بني ملال أو ما يعرف في الكتابات التاريخية   المغربية بإيالة بني ملال، يقول السارد:" لكن ما الذي يحزن الباشا إلى حد أنه يجعله على حافة البكاء؟ وأي ملك خلفه وراءه ؟ ....كيف سيتحمل الحياة في هذه المدينة الصغيرة الصامتة الكئيبة ...؟"

الصورة الأولى لحضور التاريخ في الرواية:  يتأكد حضور المادة التاريخية في المتن السردي للرواية برواية تاريخ أسرة أو عائلة باشا مدينة  بني ملا ل وكأن التأريخ لهذه العائلة تأريخ للمدينة . لقد استدعى الروائي مرجعية تاريخية مهمة لبني ملال من خلال عائلة الباشا بوزكري وابنه عبد السلام وما عرفته تلك الفترة من أحداث وصراعات وحروب وتحولات في السلطة ومناورات بين السلطات المركزية والقبائل أو ما يعرف بالصراع بين المخزن والقبائل . هنا يكشف التشخيص السردي  المستند إلى المادة التاريخية دور القبيلة كمفهوم مركب في صيرورة الأحداث إلى جانب المكون الديني وكيف كان القياد يسوسون الإيالات " الأقاليم " ويعالجون تمرد القبائل ويضمنون تحلفها أو يكسرون شوكة  القوية منها . لقد كان للقائد بوزكري دور فعال في الوساطة بين السلطة المركزية والقواد الثائرين من جهة  ثم القبائل المتمردة والزوايا الدينية المؤثرة . يروي السارد، استنادا إلى المادة التاريخية  دور الوساطة التي كان يقوم بها الباشا للمستعمر: " أجمعت كل الوثائق التاريخية على أنه كان وراء مفاوضات استسلام كل قبائل تادلا، بل كان وراء دخول الاحتلال في 16يوليو 1916 إلى قصبة بني ملال بدون قتال . وفي 21 منه، أقيم استعراض عسكري ووشح القائد بوزكري من لدن ليوطي نفسه بوسام اعترافا له بجهوده في استسلام مواطنيه، وتلطف وسماه في كلمته – تهدئتهم لما فيه خير للجميع – "   . بهذه الصورة البانورامية ستكشف الرواية عن تاريخ هذه المدينة وكيف تشكل في ظل ظروف تاريخية خاصة .

إلى جانب استحضار تاريخ هذه العائلة، تم استدعاء تاريخ تأسيس حزب الاستقلال بالمدينة والذي صادف تعيين عبد السلام خلفا لوالده بوزكري، وكيف كان يتعامل  مع هذا الحزب من خلال سلطة الحماية ثم حدث عزل أو نفي السلطان محمد الخامس، ورد في النص ما يلي: فحين أراد الباشا  الكلاوي وبإيعاز من سلطات الحماية عزل محمد الخامس، وتولية فرد آخر من الأسرة الحاكمة مكانه ...تذكر ما قيل له، لم يتسرع، ولم يبد موقفه بوضوح، ووضع كما فعل والده دوما رجلا هنا ورجلا هناك . فالسياسة ليست علما دقيقا، ولا أحد يعرف من ستؤول له الأمور ....و نجح طيلة الشهور التي اشتدت فيها الأزمة في أن يكون في قائمة الفريقين، وكلما خلا إلى فريق قال لهم: أنا معكم . وحين نفي محمد الخامس بايع بن عرفة ..."   . هذه الوقائع التاريخية شكلت إطارا عاما لمدينة بني ملال باعتبارها الفضاء المركزي والمحوري في الرواية . وكأن الأمر يمثل نموذجا أو مثالا للمدينة المغربية عامة التي تأسست في ظل ظروف متشابهة .

التاريخ مادة ومكون أساسي نستحضره لفهم الحاضر والآن، غير أن هذا الاستحضار لم يكن موضوعيا أو حياديا بل تم من خلال رؤية السارد وبالتالي رؤية الكاتب، يمكن أن نتأمل هذا المقطع السردي: " كنت أرى الباشا وهو يحيي الناس بتثاقل وملل، وأقول لنفسي، ربما ليس للحكايات التي يتداولها الناس عن عائلته من الصحة إلا الأسماء والتواريخ، أما الباقي فتلفيق فيه من الخيال وتصفية الحساب المتأخر أكثر مما فيه من الحقيقة (ص 104)...

الصورة الثانية التي تم استدعاء التاريخ بها إلى عالم  الرواية:  هي اعتماد ما يمكن تسميته بهوية  "المغاربة " وذلك لكون هذه الأخيرة هوية مركبة وليست بسيطة، فقد تشكلت عبر طبقات ثقافية، ساهم في تشكيلها الديني والطبيعي والتاريخي والسياسي والقبلي ...و يدرك القارئ هذه الصورة من خلال ما عنونه الروائي ب: هذيانات مغربية  وقد قسمها إلى ثلاثة أبواب:

- باب المغاربة: في هذا الباب قدم هوية المغاربة من خلال مجموعة من السمات مثل علاقتهم بالسلطة، جاء في الرواية:  "فالمغاربة لا يحرسون الذكرى إلا إذا كانت تتكئ على سلطة قائمة (ص 109) .." وهذا أمر تؤكده الوقائع التاريخية حيث هناك أحداث ومناسبات احتفظ بها المغاربة لاستنادها إلى السلطة، سواء كانت سلطة سياسية أم سلطة دينية . إن ذاكرة المغاربة تاريخها متأسس على ماضيهم، أي أن حاضر المغاربة مبني على الماضي، كيف كانوا ؟ كيف تشكلت هويتهم ؟ سياسيا ودينيا واجتماعيا وطبيعيا ... يضاف إلى ذلك  ذهنية المغاربة ، فقد ورد في الرواية: " لأن المدن التاريخية لهذا البلد، وطيلة قرون كانت بالأساس محطات تجارية في الطريق العابرة للصحراء، ولأن مدنه الشاطئية، كانت هي أيضا، عبارة عن وكالات تجارية، فقد ازدهرت العقلية التجارية وصاغت بأناة أرواح المغاربة الذين صاروا لكل شيء، وبالنسبة لهم ثمن، وأعلوا إلى مقام القول المأثور بأن الشيء الذي لا يباع ولا يشترى حرام . لا تستغرب أن ترى، إذن، كل من في البلد يطلب من الوطن مقابلا، المقاوم والمناضل، والسياسي والمثقف، والرياضي، والفنان، ورجل  الدين...بلد ضاع بين نقائض كثيرة: الإسلام والوثنية، المخزن والسيبة، القبيلة والوطن، الأندلس والصحراء. .. وفي مقطع آخر، يتابع السارد سرده راصفا بعض خصوصيات هذه الهوية المركبة: " تعرض المغرب لقسمة ضيزى  وهو يستقبل الهجرات العربية، فالقبائل الشامية والمتاخمة للشام والعراق حيث تأثير الحضارات  الفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية عبرت توا إلى الأندلس، وكان من نصيب المغرب عرب نجد والحجاز واليمن: الرعاة والمحاربون، فلا غرابة أن يزدهر في الأندلس الشعر والغناء وأناقة اللباس والمأكل ورغد العيش، وأن تزهر هنا الخيام وبعر القطعان والشواء والسيف.."  .

الصورة الثالثة التي تمثل  بها التاريخ في رواية "المغاربة " تم من خلال اكتشاف مقبرة من الجماجم خلال بعض الأعمال (وجود جماجم دون هياكل) مما كان مناسبة لإثارة أسئلة دون أجوبة: لمن هذه الرؤوس ؟ لماذا دفنت هنا ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ هي أقرب إلى الإعدامات الجماعية  التي وقعت في تاريخ المغاربة، جاء على لسان السارد: " وقعت هذه الإعدامات الجماعية فيما عرف بمحنة الاعتراف التي قام عبد المومن بن علي الكومي ثاني ملوك الدولة الموحدية، واقتدى فيها بمحنة التمييز التي أشرف عليها المهدي بن تومرت مؤسس الدولة . وهي تصفية دموية باردة وجماعية للخصوم والمعارضين بدعوى أن إيمانهم ضعيف وإخلاصهم مشكوك فيه . وربما هذه الجماجم المحيطة بنا هي الشواهد المتبقية من جرائم الاستفراد بالحكم والتعصب الديني الأعمى الذي كان يقتل فيه الناس جماعات على ترك الصلاة ....

الصورة الرابعة للتاريخ في الرواية: تاريخ اليسار المغربي، وكيف كانت المدينة فضاء احتضن هذا التيار الفكري الثوري، جاء في النص:  في شهر رمضان سنة 1960، وقع بني ملال حادث أثبت له بأنه كان على حق في كل توقعاته، فقد اندلعت ما صار يعرف في أدبيات اليسار، بانتفاضة القايد البشير بن التهامي، الذي اغتال رفقة القايد حمو الفاخري عميد الشرطة أوقبلي وفرا إلى الجبال المجاورة لبني ملال، وهناك هاجما، رفقة من انضاف إليهما (يردد الباشا أسماء قادة جمهورية تاكلفت الخاطفة واحدا واحدا ...أسسا جمهورية شعبية أوهى من زخة مطر في سمائم أغسطس..

الصورة الخامسة لاستحضار التاريخ في الرواية، تمت من خلال تاريخ تأسيس الفديك (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) في 20 مارس 1963 . من خلال الإشارة إلى رموزها والغاية من ذلك، ثم هناك إشارة إلى أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 (ص 193) .

باب السلاطين: تضمن هذا الباب جزء من المادة التاريخية، وهو ما يشكل الصورة السادسة لحضور التاريخ في الرواية، يتعلق الأمر كيف استقبل المغاربة إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق، وكيف بايعه المغاربة: " حين كان شيوخ أوربا، القبيلة الساذجة، يبايعون إدريس بن عبد الله الأعزل الهارب من الشرق رفقة مولاه راشد، ويقولون: هو سيدنا ونحن العبيد ...و حين بايعوا ابنه وهو طفل في سن إحدى عشر سنة، كانوا يضعون لبنات في تاريخ طويل لاحتقار الذات والعبودية المختارة ...  " . كما ذكر السارد بعض الوقائع التاريخية التي اقترنت ببعض السلاطين مثل: "كانت زينب النفزاوية وهي – بحسب وصف ابن خلدون – من المشهورات بالجمال والرياسة زوجة ليوسف ابن علي بن وطاس شيخ وريكة، ولما تغلب عليه لقوط بن يوسف المغراوي اتخذها زوجة له، ولما قتل أبو بكر بن عمر المرابطي لقوط تزوجها هو أيضا، لكنه اضطر إلى العودة إلى الصحراء فاستخلف وراءه على تراب المغرب وعلى زوجته يوسف ابن تاشفين . وهكذا لا يكتمل امتلاك الأرض إلا بامتلاك المرأة . لذا لا غرابة في أن يبقى الفقهاء، وحتى مجيء الاستعمار يتجادلون: هل فتح المغرب عنوة أم صلحا ؟ أو عنوة وصلحا في الآن نفسه ؟ كأنهم يقيمون وضعية جارية في سوق نخاسة لا وطنا وشعبا وهوية متجذرة . . "  وهناك مثال آخر ذكره السارد، يقول: " إن أرهقت الضرائب أو عسف القواد قبيلة فتمردت وقتلت القائد، وأغارت على القوافل التجارية المارة بالقرب منها أو القبائل المجاورة، كان السلطان يغضب ويعد حملته المدمرة، فيحرق الزرع ويسبي النساء والأطفال والأنعام، ويهدم الدور، ويعود بحصاد وافر من المساجين والرؤوس التي تعلق للعبرة في أبواب وأسوار المدن، هذه العين بالعين، لم تخلف في البلد كما قال غاندي، إلا عميانا . " . إضافة إلى أمثلة انتقاها السارد مصادر تاريخية متداولة ومدونة في المادة التاريخية المغربية مثل: المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي وإتحاف أعلام الناس لعبد الرحمن بن زيدان ومناهل الصفا لعبد العزيز الفشتالي .....

تاريخ المغرب كما ورد في " المغاربة " اقترن بسلاطين كثر، حكموا البلاد ومارسوا السلطة، وغلبت على تجاربهم أو ممارستهم: الاغتيالات والقتل والتمرد والعصيان والخيانات ...و من خلال هذه الأمثلة، استنتج السارد بخصوص التاريخ المغربي أو الكتابة التاريخية أنه يجب أيضا تاريخ الخيانة في هذا البلد   .

باب الأولياء الصالحين: في هذا الباب، ذكر السارد من خلال شذرات بعض وقائع الأولياء الغريبة  العجيبة . حيث لهذه الفئة الاجتماعية حضور قوي في تاريخ المغاربة . كما أن ذهنية المغاربة ومتخيلهم أو لا وعيهم الجماعي تأسست على هذا المكون الديني أو القدسي الذي لم يكن متطابقا مع الحقيقة الدينية، بل هناك انحرافات  أو شطحات  خارج المعيارية الدينية . وهذه الثقافة الدينية كما رسخها الأولياء وتفاعل معها المغاربة  وتأثر بها وجدانهم ونمط تفكيرهم، إلى درجة حيازتها لقداسة عندهم، ويمكن أن نستشهد بمثال  من الرواية:

- حين أدرك الموت أبا يعزى آل نور، ألح في طلب ابنه الفاجر، العاق، الذي ابتعد عنه. وحين جاء به تفل في فمه، وفهم كل من حضر الواقعة بأنه يعهد له بأمور الزاوية الكبيرة والغنية من بعده . كانت التفلة وصية وإرثا . (المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى)

- طمع مولاي رشيد في مال الشيخ علي بن عبد الرحمن الدراوي مؤسس زاوية تمدجوت، وتعدى ذلك بأن عامله على تادلا بأن يأمر الشيخ ببعث أمة فاتنة اسمها مباركة للبلاط أو يستصحبها معه، رد الشيخ على هذا الطلب "لما طلب المال أعطيناه، لكن على مباركة تقوم المعاركة " (دوحة البستان في مناقب الشيخ علي بن عبد الرحمن) ....

على سبيل الختم:

الرواية فن متخيل ينفتح على النص الثقافي في كليته وشموليته، والتاريخ مكون من هذه مكونات ذلك النص، واستحضاره إلى مدارات التخييل الروائي إعادة بناء له من جديد وتأويل معانيه ودلالاته . هذا الاستلهام للمادة التاريخية كما رأينا: أمثلة، شخصيات، عائلات، وقائع وأحداث ...لها دلالاتها ورمزيتها في تعميق الشعور بثراء الذاكرة التاريخية والرغبة في نقدها وغربلتها . اي إعادة الوعي بها ضمن أفق تأسيس وعي جديد بالهوية المغربية . هكذا تأسس الحضور التاريخ المغربي إلى عالم الرواية بسبب أزمة الحاضر وانشغالات الراهن واسئلته المشحونة بالتناقضات والتوترات.

الرواية خطاب منتج للمعرفة وبالتالي ساعدت القارئ على معرفة تاريخ هذا الفضاء وتاريخ هذا الإنسان ومعرفة هويته المركبة ...لقد سعت الرواية إلى مساءلة تاريخ المغاربة المكتوب سواء من حيث الانتقاء لنصوص ومقاطع من مصنفات تاريخية معلومة ومشهورة ومتداولة، أو من حيث الأسلبة التي خضعت لها الخطابات التاريخية في كثير من مقاطع الرواية أو من حيث جعل التاريخ مؤطرا للحكاية وخاضعا لرؤية السارد الذي يؤول ويسأل ويسخر أحيانا  (و هنا صوت آخر للكاتب) . بهذه الصورة، يكون التاريخ الرسمي فاقدا لكثير من الصحة ومقبرا للحقيقة  أو مغيبا لها .

إن استدعاء التاريخ إلى خطاب الرواية هو استدعاء للمساءلة، وإتاحة الفرصة للقارئ المغربي والعربي أن يقرأ التاريخ عبر الرواية . ولتجاوز هالة القداسة التي تطبع هذا التاريخ المكتوب وتحيل إلى مواقع الصمت في كلام المؤرخين .

 

د. المصطفى سلام

 

عبد العزيز كحيلالعلمانية العربية منهج فكري لتغيير الحياة ليست حيادية تجاه الدين إنما هي حرب على الإسلام، إنها غواية في شكل هداية، ترفض الإسلام في منطلقاته وأهدافه وأدواته، وهي التطرف المسكوت عنه.

والعلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة.

بداية القضية أنهم لا يأخذون تصوراتهم عن الله والكون والإنسان والحياة من الفكر الإسلامي ولكن من الثقافة الغربية التي يعدونها هي وحدها الثقافة والعلم والمعرفة، وبما أن الدين في الغرب ظاهرة إنسانية يقوم الناس بتطويعها والتصرف فيها فهم لا يتناولون الإسلام إلا من هذا المنظور أي يقيسونه على المسيحية ويريدون له أن يتطور كما تطورت لينتهي إلى "العلمنة" و "الأنسنة"، لهذا نجدهم ينتقدون المتدينين والفقهاء والخطاب الديني من خارج الجسم المسلم، فهم لا يدخلون المساجد ليسمعوا خطابها ويختلطوا بروادها ويعيشوا أجواء الأخوة الايمانية، ولا يناقشون المتدينين بل يتعالون عليهم، ولا يعترفون بعلم علماء الدين ويصمونهم بالجمود والتعصب بينما يرون في أنفسهم العظمة والكبرياء والهيبة، أي هم مصابون بآفات الصلف والغرور والكبْر، هذا ما يمنعهم ابتداء من أن يكونوا مثل باقي المسلمين، وهذا ما يُسلمهم حتما إلى موقف فكري أقرب إلى الجحود، وإلى موقف سلوكي كله اعتزال للمسلمين وتضايق من الإسلام الذي يعرفه الناس منذ 15 قرنا من الزمن.

يطالبون بتجديد الخطاب الديني بل بقراءة جديدة للإسلام فيها قطيعة مع جميع القراءات من داخل الكيان الإسلامي ليتوافق مع فلسفة الغرب ونظرته إلى الدين والإنسان أي حتى لا يبقى هناك دين أصلا إلا خيط رقيق واهٍ يسكن قلوب العجائز.. يتناولون الإسلام وكأنه موضوع فكري بحت ليس فيه مقدس ولا وحي، هو موضوع يصلح فقط للنقاش وخاصة للنقد اللاذع الذي لا يعترف بثوابت ولا محكمات، إنهم يريدون – كما قال الشيخ البوطي رحمه الله – "الجلوس على مائدة مستديرة يناقشون كلام الله وأحكامه وحلاله وحرامه"...أجل، يناقشون لأنهم بعيدون عن الالتزام به والامتثال لمقتضياته، مشكلتهم أنهم "مسلمون" لكن لا يوجد في أفئدتهم خشوع ولا خشية ولا محبة لله تعالى ولا توقير له ولرسوله وأوامره ونواهيه، لا يسلّمون أن الإسلام ليس عقلا فحسب بل هو عقل وقلب في تلازم حتمي، يرون الإسلام عملا وبناء وعمارة وسعيا من أجل الحياة الدنيا، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك صلاة وعبادة وفرائض ونوافل وواجبات ومحرّمات...وهذا بيت القصيد: العلمانيون يتبرمون من هذا الإسلام الذي فيه تكاليف ومشقات وهم يريدونه كالمسيحية لا تكاليف فيها ولا مشقات، وهذه هي المشكلة: غياب الوازع الديني والإيماني من هذه القلوب "المسلمة"، فهؤلاء رغم إسلامهم ليس لديهم يقين، وهم بعيدون في حياتهم عن الله، لا صلاة لهم ولا ذكر ولا تلاوة...تماما كالمسيحيين، حتى لو كان لديهم يقين عقلي فإنه لا يكفي حتى تتوفر معه حرارة الإيمان كما هو معلوم من قطعيات القرآن والسنة.

وبسبب هذا الفصام النكد يرفضون وصف الإسلام بأنه نظام حياة ويفضلون – في أحسن الأحوال – وصفه بدين الحرية والعدالة والمساواة، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك عقيدة راسخة وعبادة تستوعب العمر ووحي إلهي يذعن له الجميع، وهو نظام متكامل شامل لشؤون الدنيا والآخرة والروح والجسد والفرد والجماعة والأسرة والمجتمع والحرب والسلم.

بناء على هذا نتأكد من الفرق الهائل بين التجديد الذي يطالب به المتمسكون بدينهم وبين التبديل الذي هو بضاعة العلمانيين.

يزعم العلمانيون أنهم لا يناقشون الإسلاميين لأن هؤلاء متعصبون يرفضون النقاش والحوار، وهذا بهتان مبين، والمشكلة هي أن العلمانيين دأبوا على فرض قراءاتهم وآرائهم كأنها حقائق مسلّمة لأن المفكرين الغربيين انتهوا إليها، فإذا ردّ عليهم محاوروهم بأن هذه الآراء شيء آخر غير الإسلام الموجود في القرآن والسنة كثُر صراخهم واتهموهم بالتكفير...هذا ما حدث بالضبط مع محمد أركون في ملتقى الفكر الإسلامي بقسنطينة عام 1981- وكنت حاضرا- وشاع أن محمد الغزالي كفّره، والحقيقة انه ردّ عليه بينما أركون يرى أن قراءته لا تقبل الرد.

أسس ومنطلقات العلمانية العربية في نظرتها إلى الدين:

- لا تؤمن بوجود حقائق مطلقة فكل شيء متطوّر، وكل شيء في حياة البشر نسبي وخاصة الدين والأخلاق، ولا بد بالتالي من إعادة النظر في كل شيء وممارسة الشك في كل قضية أيا كانت.

- إسقاط القداسة عن الدين وتدنيس المقدس لأن الدين هو سبب التخلف والفشل.

- إحياء وتعظيم الوثنيات القديمة كالفرعونية والبربرية والآشورية والفينيقية كهوية بدل الانتماء الإسلامي.

- استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط الشرعية وإسقاط موازين الحلال والحرام والاصطفاف مع الغرب وفلسفته ورؤاه وأساليبه وأخذ كل شيء عنه من التقنية إلى الثقافة وإخضاع الدين لمقاييسه لأن الحضارة الغربية تمثل نهاية التاريخ.

- تأليه الإنسان ورفع الوصاية عنه ليحلّ محلّ الله والدعوة إلى تبني الإنسانية كمبدأ وغاية، وفي نفس السياق تأليه العقل والعالم المادي، فبينما في التصور الإسلامي "الله" هو المحور نصبح هنا أمام تأليه الإنساني وأنسنة الإلهي بحيث يغيب المقدس بتأويلات بعيدة وتُنزع القدسية عن الدين والأنبياء وتُنكر المعجزة الإلهية وتُضخم "المعجزات " الإنسانية، أي يحدث انتقال مركز الاهتمام من الله إلى الإنسان ومن السماء إلى الأرض.

- الدعوة إلى القطيعة مع ماضي الأمة ومفاهيمه وتراثه والانفصال عنه تماما.

- تشويه الاسلام لتنفير الناس منه بالافتراء على مضامينه وتاريخه وتضخيم أخطاء المسلمين قديما وحديثا وتحميلها للدين ذاته.

العلمانيون والقرآن:

ليس للعلمانيين في فضائنا الإسلامي تفاعل ديني، فهم في دراساتهم الأكاديمية وكتاباتهم الفكرية والصحفية ومداخلاتهم المختلفة يتمحور موقفهم من القرآن الكريم حول رفع القدسية عنه وحذف عبارات التعظيم وتقرير عدم أفضليته ورفض التسليم بأنه معجز وأن فيه كل شيء، ويتعاملون معه ثقافيا باستبعاد الآليات المعتمدة عند المسلمين وتفضيل تطبيق مقررات العلوم الإنسانية والفلسفة مع إطلاق سلطة العقل دون قيود مع تعميم الشك على كل مستويات القرآن، وهذا ما ينتهي إلى "نصرنة" الإسلام وإحداث قطيعة معرفية بين القرآن وبين القراءات التراثية التأسيسية والتجديدية، وهي قراءات انتقادية لا اعتقادية كما يُفترض في أي مسلم.

- تتلخص علاقتهم بالقران في تسويته بكلام البشر و نزع قدسيته من النفوس، وقصر أحكامه على زمن النزول، واستغناء البشرية عنه لأنها بلغت الرشد العقلي، وتفسيره تفسيرا باطنيا أو تفريغ نصوصه من المعاني، وفي هذا المسعى يجاهرون بإبطال جميع علوم القرآن والاعتماد فقط على المناهج الغربية المستحدثة إلى جانب إنكار السنة النبوية سواء كمصدر للتلقي أو كشارح ومبين للقرآن.

العلمانيون والوحي:

لا يعدّون الوحي مرجعا من مراجع المعرفة لأن المعارف لا تأتي إلا من دراسة الطبيعة والتاريخ ، لذلك ينكرون حجيته ويُلحقونه بالغيب الذي يزدرونه، فلا يؤمنون بالشريعة وثباتها فضلا عن تحكيمها، ويميّعون الفرائض والحرمات، ويستبعدون الأخلاق الإيمانية لصالح ما يسمى الأخلاق الإنسانية والطبيعية، ويرفضون أطروحاته حول الحدود والمرأة وغير المسلمين، وفي كل هذا يتحججون بروح النص ومغزاه ومقصده مستبعدين ظاهره الواضح المجمع عليه، بل يتهكمون من "عبادة النصوص".

بناء على ما سبق فإن العلمانيين "المسلمين" يريدون – في أحسن الأحوال - عقيدة بلا شريعة ودعوة بلا دولة وسلاما بلا جهاد وحقا بلا وعبادة بلا معاملة ودنيا بلا آخرة.

العلمانيون والتجديد:

يطالب العلمانيون بتجديد الإسلام، والمقصود منه هدم ممنهج للدين، هدم عقدي وروحي وسلوكي، هدم ليس فيه نقد علمي ولا أمانة في النقل ولا فهم صحيح ولا حتى حياد في التناول والطرح، بل هو نشر للشكوك حول القطعيات والمسلّمات الدينية، وهذا تقليد واضح لنقد أرنست رينان للمسيحية بأسلوبه الفلسفي والتاريخي.

إن العلمانيين يستخدمون مصطلح التاريخانية لدراسة الدين دراسة نقض وهدم لإبطال عصمة الوحي والتشكيك في ثبوت القرآن وصولا إلى إزاحة العامل الديني من ساحة المجتمع المسلم نهائيا كما يؤكد أركون في جميع دراساته.

ونشير إلى هذا "التجديد" يتولاه أدباء وكتاب وفنانون وإعلاميون وسياسيون، أي كل من هب ودب... فلسنا أمام علماء أو مفكرين بل أمام محاربين الداء لعقيدة الإسلام وشرائعه وتاريخه وحضارته.

والاجتهاد عندهم لا يعني البحث عن الحكم الشرعي ولكن تطويع النصوص الدينية المحكمة للفكر المعاصر والواقع المعاش، واستحضار نصوص الشرع للهروب منها وإعطاء العقل بعدا تشريعيا والتمويه على كل هذا بمقولة "إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية"، ينطبق عليهم قول الإمام الشاطبي: "من نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال عرف أنها لا تنضبط لانها سيالة لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل لزيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها الى الشريعة".

هكذا هو الخطاب العلماني: منهجية انقلابية على الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لانبطاحه التام أمام الواقع الغربي فكرا وحضارة وممارسة فردية وجماعية، فيه التوظيف غير البريء لمسألة المقاصد والمصالح كبديل عن علم أصول الفقه وإعطاء المسألة بعدا بشريا بحتا، أي هو إنكار شمولية الإسلام وثبات الشريعة، وإحلال شريعة العقل محل شريعة الوحي. ويكفي إصرارهم على القطيعة التامة مع التراث المفسر للنص الشرعي والاستخفاف بالفكر التقليدي وحتى بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن، وتبنيهم النسبية التامة للنص الشرعي ودلالاته، نسبية تمتد إلى المعنى والفهم.

الاعتماد فقط على حس المفسر وذوقه أي هدم أصول الدين الثابتة

وهكذا تدور العلمانية بين كفر مكشوف و آخر مقنع.

العلمانيون والحرية:

تحتل الحرية مكان الصدارة في أدبيات العلمانيين ومساحة كبرى في تنظيرهم باعتبارها منتوجا إنسانيا يُثبت ذات الفرد ويحميه من كل الضغوطات، وهم يستلهمون مفاهيمهم حولها من ثورة أوروبا على الدين حيث كانت الكنيسة قد سلبت الناس حرياتهم بما في ذلك الدولة فقامت الثورة الفرنسية بتحرير الناس والدولة من سلطان الكنيسة، وهذا كلام صحيح لكن إسقاطه على الحالة الإسلامية ليس قياسا مع الفارق بل هو قياس فاسد أساسا.

العلمانية والحياة السياسية:

ليس للعلمانية العربية مشكلة مع الاستبداد ولا التخلف ولا الاحتلال إنما مشكلتها معالاسلام لأنه – من جهة – نقيض طروحاتها الفكرية وشهواتها النفسية، ومن جهة أخرى هو موئل الأمة وملاذها، انحازت إليه بقوة ووضوح كلما أتيح لها الاختيار الحرّ ولفظت إيديولوجيا العلمانيين وأحزابهم، ولها دورها في الانحطاط الفكري والسياسي والسقوط الحضاري الذي تعرض له الوطن العربي طيلة عقود.

القوى العلمانية العربية كائنات غير ديمقراطية لهذه الأسباب:

1- لأنها قوى ضعيفة مشتتة مبعثرة، غير قادرة على إقامة قطب سياسي ينافس القطب الإسلامي، بما يسمح بمنافسة جادة وشريفة ومتقاربة من حيث القوة والحجم

2- لأنها قوى لا تقبل بالهزيمة الانتخابية، ولا تسلم للفائز في الانتخابات بأن يحكم، وهي مستعدة للفوضى بديلا عن حكم الإسلاميين، ومستعدة لهذا الغرض للتحالف مع العسكر ومع الأنظمة الاستبدادية المطاح بها كما حدث في مصر وتونس.

3- فقدت الثقة في الشعوب لذلك تستقوي بالقوى الخارجية وتبذل في سبيل إرضائها كل شيء من مصالح الأمة إلى المبادئ والقيم.

لهذه الأسباب أصبحت العلمانية بمثابة الهراوة الفكرية والإعلامية التي تمهد الطريق للقصف الأمني المكثف وحملات البطش والقهر التي تنتهجها الأنظمة مع الشعوب وقوى التحرر والتغيير، كما أصبحت تروّج مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية،

من غرائبهم:

- يؤمنون بحرية الرأي إلا الفتوى الدينية فهم يرفضونها حتى ولو لم تكن ملزمة.

- يؤمنون بحرية الشخص الذكر والأنثى في لباسه إلا حجاب المرأة فهم يتضايقون منه ويضيقون عليه، تماما كما يتضايقون من لحية الرجل المتديّن، بل يمقتون هذا المتديّن حتى ولو كان حليقا ويرتدي اللباس العصري...أجل، هم مع المرأة و حقوق المرأة إذا تعرت و ضد المرأة إذا اختارت الستر

لأن العلماني شهواني لا يهمه من المرأة إلا جسدها فإذا اختارت الستر والعفة وقف ضدها بالتشهير والسخرية وحتى بسن القوانين العنصرية الحقيرة، فإذا اختارت العري والسفور وقف معها بالتبجيل والدعاية الكاذبة وحتى بسنّ القوانين المخالفة لثوابت الأمة وحتى للفطرة السليمة.

- يحترمون جميع الأديان السماوية والأرضية إلا الإسلام، فهم يتبرمون منه ويلصقون به شرور العالم، وقد رأينا مرات مرات بسبب أحداث وقعت هنا وهناك أنهم لا تحركهم الاساءة للدين ولا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل المساس بمثلهم الغربي واليهودي.

- يحملون ثقافة الضرار وينشرون تزييف الوعي من الداخل مستعينين بمفكرين "تنويريين" هم في الغالب شيوعيون ملحدون (هذه ليست تهمة جزافية بل حقيقة تؤكدها الأدلة القاطعة).

- مسلّمات الفكر الحديث قطعية أما مسلّمات النص الديني فليست قطعية، وهذه نتيجة حتمية لتحكيم الآليات الغربية الحديثة لمخالفة الموروث الثقافي في التعامل مع الاسلام

- إنهم ضحايا الاستلاب الكلي إلى حدّ التنكر التام للوضعية الذاتية والذوبان في عالم الغرب وفرنسا بالذات، ويحتضنون اللغة الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم الذين مالوا إلى الانجليزية كَرها واضطرارا، لأن الفرنسية عندهم شكل من أشكال رفض العربية والإسلام ولديهم ولع بالثورة الفرنسية ليس لأنها حررت الشعب من الاستبداد ولكن لأنها أسست الدولة اللادينية واستبعدت الدين لأول مرة في اوروبا.

 

عبد العزيز كحيل

 

مجدي ابراهيميقترنُ التصوف بالمعرفة، ويمضي الصوفي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن في نفسه من لطائف العرفان؛ فالتصوف والمعرفة طريق واحد، ولكن المعرفة الفلسفية عقلية محضة، ولها بالعقل صلة ونسب، غير أنها في التصوف تتخذ شكلاً آخر هو ما سيأتي تفصيله في سياق الحديث.

وقد جرت عادة النظر الفلسفي إلى اعتبار المعرفة ترادف في اللغة اليونانية كلمة (جنوسيس) أي الغنوص، التي معناها العلم بلا واسطة. والغنوصيّة، كما هو معروف، ظهرت في الأديان الفارسية والمجوسيّة، وهى كلمة يونانية الأصل معناها المعرفة غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحيّاً هو التوصل بنوعٍ من الكشف إلى المعارف العليا.

ومن هنا؛ فقد كانت الثيوصوفيّة القبالية (Cobala) أو الكبالا اليهودية (Kabbalah)، تعلن أنها تريد أن تصل إلى الحياة الباطنية للملكوت الإلهي، وأن يعيش فيه خُلّص اليهود. والكبالا هي فرقة يهوديّة كانت تُمارس تعاليمها ذات النزعة الصوفية عند رجال الدين اليهودي للكشف عن المعاني الخفيّة والرمزية في الكتاب المقدس لا سيما أسفاره الخمسة الأولى. ومن أسفارها "سفر الجلال" وهو عبارة عن مجموعة نصوص يهوديّة كتبت معظمها باللغة الآرامية، ومن خلال تعاليم الكبالا انتعشت الحياة الصوفية، وتعتبر الكبالا من أشدّ الفرق الغنوصيّة التي عرفتها تواريخ الأديان، وقد تطوّرت وانقسمت فيما بعد، وكان فيلون اليهودي أكبر مثقف بالثقافة اليونانية من أشدّ المتأثرين بالغنوصية.

وانتقلت الغنوصية إلى العالم المسيحي والإسلامي تباعاً وحاربها المسلمون، وتسرّبت إلى أئمة الصوفية كالسّهروردي، والحلاج، والتستري، ومحيي الدين بن عربي.

وكشفت آراء المستشرقين، والتي يردّدها المؤلفون العرب ممّن يتابعونهم، عن عناصر التشابه بين ما يسميه الصوفية المعرفة بالله ويعتبرونه من أخصّ صفاتهم، وبين ما يُرادف في اللغة اليونانية كلمة جنوسيس (الغنوص)، والتي معناها العلم الحاصل بلا واسطة والناشئ عن الكشف والشهود، وذهبوا إلى أن كثيراً من صوفية الاسلام في القرن الثالث الهجري قد عرّفوها بهذا التعريف، ولكن أوّل من بحث في المعرفة بحثاً نظريّاً هو ذو النون المصري (المتوفى سنة ٢٤٥)؛ إذ رأى أن غاية الحياة الصوفية الوصول إلى مقام "المعرفة" الذي تتجلى فيه الحقائق فيدركها الصوفي ادراكاً ذوقياً لا أثر فيه للعقل ولا للرؤية الفلسفيّة، وذلك لا يكون إلا أهل الله الذين يرون بأعين بصائرهم.

ومعنى هذا، أنّه اذا كانت المعرفة الفلسفية تقوم على العقل المدرك الذي يُلاحظ فيه النفس، فالمعرفة الصوفية لا يُلاحظ فيها حظوظ النفس أبداً، لأنه - كما قال ذو النون المصري - إنّه بمقدار ما يعرف العبد من ربّه يكون إنكاره لنفسه. وليس في أقوال ذي النون ما يمكن الجزم بتعريف المعرفة كونها غنوصاً كما هى في العقائد الفلسفية السابقة.

ولا شك عندي أن بحوث المستشرقين، ومن تابعهم من الكتّاب العرب، قائمة على الشكل البرّاني. والمبالغة في إظهار الشكل أغفلت لديهم كشف المضمون. والاعتماد على التشابه الخارجي السّطحي لم يلغ مطلقاً توجُّهات المضمون الديني الذي ينتسب إليه صوفية الإسلام ويدينون له بالولاء.

مادة العرفان في مجال الفلسفة إذا جاز أن نعتبر المعرفة غنوصاً غير مادته في نطاق التصوف إذا اعتبرنا قضايا الدين منهاج وحي من عند الله. العقل في مجال الفلسفة قد يُفرز الغنوص، ولكن الوحي قد يسلم إلى المعرفة الحقيقة بالله فيما لو كان الوحي وجوداً يسلك صاحبه مسلك اتباع النبوة على التحقيق، وهو عين ما يميز المضامين الدينية بعضها عن البعض الآخر ويفرزها أمام منهاج التسليك، فما يسلكه اليوناني ويعتمد عليه غير ما يسلكه الهندوسي أو اليهودي أو المسيحي ويعتمد عليه، نعم! قد تتشابه الأفكار في المطالب الروحيّة الإنسانية العامة لكنها لاتزال من حيث منهاج العمل والتسليك قريبة من عين المضمون الديني ينتسب إليه السالك ويدين له بكل الولاء. (قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله)، فاتباع منهاج النور هو الفيصل الحاكم في منهاج التسليك.

فلا يكون عرفانٌ في الإسلام بغير اتباع منهاج النور المحمّدي، ولا عبرة لدينا بالأشباه والنظائر التي يعوّل عليها المستشرقون وأذنابهم في الأقطار العربية، لأنها لا قيمة لها ولا عبرة في التحقيق.

المتصوف الحق هو العارف الحق، فالتصوف قوة والتصوف قدرة؛ لكن قوته لا تتأتى لكل إنسان كما لا يتأتى اقتداره لأحد كائناً ما كان ما لم يكن في ذاته أهلاً لهذه القوة مهيئاً لذاك الاقتدار. وفي فترات الجهالة والمرض المعرفي شاع بين الناس أن التصوف ضعف، وأن الصوفية ضعفاء في مواجهة الحياة ليست لهم عزائم يستخدمونها في لجة الحياة الدنيا والأخذ بها بأوفى نصيب !

وهذا بلا شك جهل بطبيعة التصوف، وهو جهل مركب كذلك بأربابه وعارفيه؛ لأن التصوف كله عزيمة وجهاد؛ فلا الكسل ولا العجز ممّا ينسب إلى الصوفية، وهم في الحق أقوياء قُدَراء.

يملك الصوفي زمام نفسه فلا تقوده من ثمَّ النفس، بل يقودها هو إلى ميادين الجهاد الشريف في عالم التَّصَوِّن والعفاف. لم يكن التصوف ضعفاً ولم يكن الصوفية ضعفاء؛ لأن الضعيف لا يكتسب الفضائل العليا ولا يقتدر على الدوام لمشروعية الاكتساب. فما من ضعيف هو ضعيف إذا أراد سلوك الطريق فعمل بهذه الإرادة كسباً شرعياً لفضائل الأخلاق. وبما أن التصوف في حقيقته خُلُق صارت أفضل الفضائل للنفس الزكية هى أن يكون أرباب التصوف وعارفيه أزكى الناس فضلاً وأرفعهم أخلاقاً وأخصَّهُم منزلة وأسماهم قصداً وأجدرهم لموهبة الاقتدار.

ومن الناس من يظن في نفسه كسباً لفضائل الأخلاق، ولاسيما لو كانت أخلاق العارفين، لكن هذه الأخلاق لا تتيسر لأحد إلّا حين يمعن في المعرفة ويتخلق بهمم كبار الصالحين، تلك الهمم التي يجتمع فيها الفضل مع التزكية العالية ومع الجهاد الأبيّ. وإذْ تترقى أخلاق العارفين في طريق الكمال، وإذْ تجتمع هممهم على عطايا الفضل في ذاته لأربابه ومستحقيه، لم يعد قط للضعف طريقٌ إلى قلوبهم، وإنمّا القوة القوية القادرة هى أبدع ما يملكه جهاد العارف في طريق العرفان.

العارف يزيح السِّوَى بإرادته، ويصبر على مصادمة القواطع والأغيار، وهو من بعدُ لا ينسب لإرادته توفيقاً. والعارف يختار ألا يختار؛ لأن اختياره معلق بإرادة الله إنْ في البدء وإنْ في المنتهى.

حقُ العارف أن يكون كاملاً في كل كمال يختاره لنفسه. ومن كماله لنفسه أنْ لا يختار حظاً واحداً من حظوظ النفس، وإنْ كان ولا بد فهو أن يصدر عن هذه النفس كل ما هو مقرون بلطائف العرفان.

وليس من كماله لنفسه أن يختار الكمال الذي هو للنفس؛ فما من كمال كان في المقام الأول للنفس إلا أنقلب على الفور نقيصة ثم معابة يربأ عنها العارفون؛ إذْ يتوخّون الكمال الذي هو من عند الله؛ فاختيار العارف لكماله أن يختار لنفسه ذلك الكمال الأخير، وهو أن يكون على الدوام بين الحركة والسّكون في معيَّة الله، وأن يكون كماله جزءً لا يتجزأ من الكمال الإلهي، وأن يكون الكمال الإلهي أحد مجالي الله فيه.

لم تكن هذه المعيَّة سوى قصداً مقصوداً تتجلى فيه وحدة القصد حقيقة لا مجازاً، يظفر به العارف أيما ظفر في طريق العرفان كيما يتخذ من الوحدة طريقاً علوياً يسير فيه؛ فلا يرى سواه بديلاً ولا يدرك غيره طريقاً كلما كان هو الطريق المنشود في البدء والمنتهى سواء بسواء.

إرادة العارف أن يدرك بدايةً عداوة الأغيار؛ لأنها بمثابة الحُجُب، فلا شيء يحجب أسباب القربة من الله إلا التعلق بالأغيار كيفما كانت. وإنه ما دامت للعارف إرادة حديدية كانت الأغيار بالنسبة إليه مكمن العداوة وأسّ البلاء، لكن إرادته تقف بالمرصاد لكل إرادة تتواطأ مع "الغيرية" وتتعلق بعلائق السّوى وأدران الحجاب.

من أجل ذلك؛ لم تكن الحكمة التي يقصدها العارف حكمة تتهيأ لمدارك المحجوبين؛ لأنّ مدراك المحجوبين لا تسمح بالتواصل مع مصدر الحكمة التي يحفظها العارف ويصدر عنها؛ ولأنها الحكمة التي تنفتح من لطائف الكشف ومنن الشهود والإشراق. هذه الحكمة ليست غنوصاً ولا هي فلسفة نظريّة محاطة بتأملات عقلية صرفة، ولكنها عرفان وجودي بمجالي الخالق سبحانه في ضوء مضمون ديني تشكله العقيدة.

يرى العارف في ظلالها نور الحكمة كله، ونور الوجود من أعلاه إلى أدناه. لا ريب كانت ألطاف العارفين هى هى الصورة الباقية من نفخة الذات الإلهية لكل ما هو موجود في هذا الكون وجوداً على التحقيق بغير أن يكون هنالك ضرب من الوجود في غير نزاع ولا تقدير خفي لا يرى فيه صواب، أعني بغير أن يكون هنالك ضرب من الكذب والبهتان الذي يطمس الرؤية ويضيّق على العارفين منافذ الشهود وفواتح الكمال.

ما من حكمة يطلقها العارف لنفسه إلا ولها من الآفاق العليّة وحدة قصد وآحادية، ليست هى بغير شك من نفسه ولا من اختياراته، تماماً كما أن نفسه ليست بقادرة على ادّعائها، يكفيه من تلك الحكمة أن مقاصده علويّة، ويكفيه من دعواه أن لا دعوى له تقوم من ذاته ولا نفثة لروحه ذاتية. ولذلك؛ كان عرفانه تعريف إلهي، يُستقى من هذا النبع الذي لا يغيض، وتتجلى عليه عطايا الفضل بغير حساب.

العارف مسكونٌ بالحق على الدوام، ومعجون بعجينة التحقيق.

لكن هذا التحقيق الذي ينسحب على العارفين لا دخل لهم فيه؛ إذ العارف في أول مقام ممنوُّ بكل ما يَرد عليه من أحوال : حاله كُلُّهُ حالٌ لا حيلة له فيها، وأخلاقه من الكمال الذي أكتسبه ليست هى بأخلاق تنظيرية؛ لأن أخلاقه من كمال النور المحمدي الذي أنتسب إليه وأراده وعمل بالاكتساب إلى الوصول إليه مع العناية البالغة في تطبيقه؛ فأجاد التّوجُّه وأجاد الاكتساب وأجاد التطبيق.

أمّا التوفيق؛ فلا شأن له به؛ فهو ليس منه في جميع الأحوال، ولكنه من الله الذي جَلَّ عن أن تناله الأحوال.

يسجد العارف لله، فيطوي بسجوده بساط الكون كله ما كان وما يكون؛ فإذا أراد الوصول فلا شئ يحجب عنه الرؤية أو يحجب عنه الوصول بعد إزالة التعلق بالأغيار.

العرفان حكمة سماوية سامية لا دخل لأنظار العقل فيها، وطريق يبتدئ من داخل لا من خارج. ومن إمارات المعرفة في قلوب العارفين أنهم يدركون بالذوق أن المعرفة هى لقاء، وأن اللقاء ممنوع بغير كلاءة ورعاية وتوفيق.

كلُّ العارف كُلُّه لله على الدوام، ولا دوامَ له بغير إدامة المعيّة مع الله على الدوام بغير انقطاع. لم يخطئ العارفون حين انقطعوا، ولم يخطئوا حين عرفوا وادّعوا لأنفسهم حكمة المعرفة؛ فإن هذه الحكمة ليست منهم، ولكنها مُفَاضَة عليهم من الله، من طريق عرفوه، فجنّدوا أنفسهم خدمة له في كافة الأحوال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

كاظم لفتة جبرلعل من غير المتألف علية الخوض في الفوضى في مجتمعنا بسبب برمجة العقول على النظام، الا اننا من خلال هذا المقال نحاول اخراج منطق جديد لفهم عالمنا بشكل أفضل استناداً على المتغيرات الوجودية للأشياء في هذا الكون، ألا ان مفهوم الفوضى اصبح يأخذ مجرى اخر في المجتمعات المتقدمة، من خلال اخضاع الانسان واحتياجاته لغرض التحليل النفسي والفلسفي للفوضى، فمن حيث ظهور المفهوم يرى الكثير انه سياسي مع بدء سيطرة السياسات الخارجية للولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط، الا ان جذرهُ الفلسفي نجده يبدأ مع الفيلسوف اليوناني هيرقليطس () بقوله ان أصل الوجود واستمراره يكمن في الصراع (التغير) فالفوضى صراع بين العناصر، او من خلال الانا الديكارتية في الفلسفة الحديثة وخلق التفكير في الاشياء من خلال بعثرتها و أعادة تنظيمها كما يجب ان تكون ، فهذه الفوضى يمكن ان نسميها الفوضى المنهجية هي الكفيلة في تنظيم الاشياء بعد بعثرتها فهذا هو المنطق الجديد التي اعتمدت علية اوروبا في تطورها العلميز

كما اثبتت الدراسات العلمية مؤخراً أن الاشخاص الاذكياء هم فوضويون ويحبون بعثرة أغراضهم والاشياء، واننا إذ استعرنا فهم أريك فروم في كتابة (فن الوجود) من ان الفوضى تولد الرغبة والحافز في يقظتنا نحو الاشياء فهو يناقشها من خلال الدوافع الذاتية والموضوعية للإنسان، ومن جوانب عده سوى كانت نفسية وعقلية ودينية واجتماعية وباقي مجالات الحياة 0

فنجد التطورات التكنولوجية التي توصل الانسان اليها قائمة على مفهوم خلق الفوضى لنقل عقل الانسان الى مراحل جديدة من التفكير الإنساني عبر عدم الالتزام بالنظام، لأن العمل على الفوضى والتفكر فيها محاولة في الفهم والتنظيم للأشياء، أذ ان هذا التفكير يحتاج فهم لفلسفته، ولا يكون الا من خلال التفلسف حول مجالاته الوجودية فيمكن ان تسميته (بالفوضى الخلاقة).

فبناء الذات يحتاج الى عمل دائم ومع النظام لا عمل يدوم، فالفوضى تحتاج الى عقل للتنظيم والترتيب، اما النظام لا يحتاج الى عقل بل الى عمل مما يجعل العقل نصف نائم بعبارة أريك فروم .

اذ ان تقدم العالم التكنولوجي وفر للإنسان العديد من امكانيات الراحة والتغلب على الطبيعة بسهولة مما جعل التقدم الانساني عكسياً، فكلما اكتُشف علماً جديداً اصبح العقل الانساني اكثر كسلاً واقل وعياً بالوصول الى الحقيقة وابتعاده عنها .

هذا ما يظن به المتعصبين للحقيقة او التابعين الى عيال الله كما يحلو لهم التسمية متناسين الفرق بين الحقيقة الدنيوية المعتمدة على التغير، والحقيقة المفارقة لنا المتسمة بالثبات،  فبناء العقل الانساني يحتاج الى التفكر في الذات، وما يطرأ عليها من تغيرات خارجية تسطيع الذات استيعابها، ومحاولة تهذيبها وتنقيحها لنخرج بحلة جديدة للمعرفة الموزونة من خلال الفوضى.

فمن ناحية الدين فهو مدعاة للنظام والترتيب القائم على الطقوس التي يؤديها الافراد وان من يخرق هذا النظام فهو كافر، النظام هو الذي جعلنا نصف نائمين بسبب العمل فيه دون التفكر في هذا الطقوس ومدى ارتباطها بالحقيقة الثابتة، او الحقيقة المتغيرة ويعيب على القائمين علية اتخاذ الحقيقة الثابتة (الله) واسطة للوصول الى الحقائق المتغيرة الماديات وليس جعل التفكر في الحقائق الجزئية المتغيرة الفوضوية للوصول الية، وان السبب يقع على القائمين لا في الدين نفسة فالدين دعوة في التفكر في الطبيعة والذات وايجاد فوضى منهجية للوصول الى الحق .

اما من الناحية الاجتماعية فان النظام الاجتماعي العربي القبلي يجعلنا نصف نائمين بسبب تشبثنا بالقانون، والعادات والتقاليد القبلية الوضعية التي دائما ما تكون ثابتة وغير قابلة للتغير، فتكون عائقا امام تقدمنا وتفكيرنا بسبب اعطاءها القدسية التي تجعلنا مقيدين بها، وعدم اكتشاف الاخر فالجماعة القبلية تمثل تقيداً لحرية الافراد وحركتهم الاجتماعية يكون النظام هو الحاكم لهذه العلاقة فالفوضى مطلوبة فما خلقتهُ التكنولوجيا التطورية من فوضى يدعوا للتقارب بين الجماعات الانسانية.

اما النظام في السياسة فيمثل تقيداً بوصفهٌ يحد من حريات الافراد، والجماعات، لذلك تجد الفوضى احدى سياسات الدول العظمى لتحريك الجماعات الانسانية لغرض فرض واقع جديد على الدول المعادية لها خارجياً، وعلى شعبها داخلياً فيكون الاعلام والافراد قوى الفوضى .كما ان الفوضى تكشف لنا زيف الاخرين ومدى اختلافهم معنا .

 

كاظم لفتة جبر

 

مجدي ابراهيمفي إطار الدعائم الأربع الكبرى (اليقين، والصبر، والجهاد، والعدالة) التي أشرنا إليها في المقال السابق، "جدلية العلاقة بين الصبر والإيمان"، وفي إطار تفعيل هذه الجدلية كحركة وجودية تأسس على الإخلاص، وبدونها لن يكون للوجود الإنساني قيمة تحكمه ولا قانون يُستخلص منه نافع لبنى الإنسان؛ إليكم جانبٌ واحدٌ فقط من عِدّة جوانب فيها التردي والنكوص إذا خلى الوجود الإنساني من القيمة التي تحكمه ومن القانون الذي يستخلص منه، وهو جانب الصّلة مع الله.

في الحديث الشريف قوله صلوات الله وسلامه عليه (تعس عبدُ الدّرهم، تعس عبدُ الدينار). ولم يكن الدرهم ولا الدينار يعبدان بركوع ولا بسجود، ولكن إشارته عليه السلام منصرفة إلى مجرّد التفات القلب إليهما. ومجرّد التفات القلب وحده إلى السِّوى يقدح في العبادة لله فيبطلها؛ فلا يصحُّ من القلب ذكر (لا إله إلا الله) إلّا بنفي ما في نفسه وحذف ما في ذاته ممّا سوى الله تعالى، ومن امتلأ قلبه بصور المحسوسات ولاحظ "هذيان العالم"، لو قال ألف ألف مرة (لا إله إلا الله) قلما يشعر قلبه بمعناها أو يتحقق من دلالاتها.

وإذا فرغ القلب من مشاركة السِّوى لو قالها مرة واحدة لوجد من اللذة ما لا يستطيع اللسان وصفه، ولهانت عليه الدنيا كل الدنيا، وتقدّم الموت في سبيل هذه الكلمة على عبوديّة الحياة اليوميّة وهوانها ومزلتها، والعيش فيها نكرة بل حشرة على هامش الوجود.

في سورة يوسف آية مباركة (90) تقول:" إنّه من يتق ويصبر؛ فإنّ اللهَ لا يضيع أجر المحسنين". وفي الآية المباركة عند التأمل أسرارٌ عظيمة: منها أن شرط الأجر من الله تعالى أن يكون ها هنا إحسان: إحسان في التقوى، وإحسان في الصبر. نعم؛ فأنت قد تتقي وتصبر لكن في غير إحسان.

قد تتقي يوماً أو يومين أو أسبوعاً، وقد تصبر على فعل التقوى أياماً بل شهوراً، وقد تحسن في هذه الأيام المعدودة والشهور المحدودة، وقد لا تحسن، فليس من تقوى وليس من صبر !

إذا لم تستطع أن تداوم على "فعل التقوى"، وعلى ألْفة الصبر الدائم ثم على الإحسان في فعل التقوى وفي فعل الصبر، فقلَّ أن يكون لك أجرٌ في غير ضياع. إنّ الأجر الذي لا تخشى منه الضياع مشروط بالإحسان، لكأنه يُرادف العمل الدائب الموصول، ويواكب مسيرة الجهد المستمر في الطاقة النافعة نحو تغيير النفس وتحويلها من أخسّ العادات إلى أطيبها وأرضاها وأجملها في ميادين الإصلاح.

فكل عمل نافع يزكّي فعل التقوى وينميّه ثم يقويّه، وكل عمل نافع ينقل إلى النفس فضائل التقوى، مرهون بالاستمرار في الإحسان ومشروط على أساسه. فلن يُقال لك أنك رجل تقي ما لم تكن التقوى ديدناً لك وعادة، ناهيك عن قول القائلين فيك، ليس هذا هو المهم، إنما المهم أن تأتيك من الله إشارة بتقواك، وأن تدرك علامة ذلك من نفسك فيما يعترض حياتك من مواقف وأحداث.

ولن تعرف هذه الصفة فيك، ولن تدرك رضى الله عنك بها ما لم يكن فعل التقوى طبعاً لك لا تفارقه ولا يُفارقك، فإذا هو كان على هذه الطاقة النافعة من ضوابطها ومقاييسها؛ فها هنا يجوز عليها أجر المحسنين.

على أن فعل التقوى وحده كفيلٌ بموهبة الفضيلة التي هى "موهبة الصابرين"، فكأنما التقوى فعل لا يقدر عليه إلا صابر، وكأنما الصبر في جوهره طريق المتقين، وكلاهما في مراتب الإحسان على ترقي وعلى مزيد من علو الأسرار .... ثم ماذا؟ ثم انظر نفسك وقد عاقرت الآفات، فلا أنت بالذي يتقي ولا أنت بالذي يصبر؛ لأنك لم تحسن فعل التقوى ولم تحسن فعل الصبر، ولم تداوم عليهما بادي ذي بدء، فكيف تنتظر، من بعدٌ، جزاء الصابرين؟

كيف ترجو من الله أن يوقفك عن سوء عاداتك؛ لتفارقها في غير عودة؟ لكن مع هذا ثق: أنّ الذي في معيّة الله لا يُضام من مكروه آذاه، فالله قادر على خلق القوة فيه لمقاومة المكروه. وإذن؛ فلنكره أنفسنا على تطبيق دعائم الإيمان من: يقين، وصدق، وصبر، وجهاد، وإخلاص، وعدالة، وإحسان؛ كيما نكون أهلاً بالمواجهة، جديرين على الحقيقة بصفة المؤمنين.

ومن أقوال الإمام عليّ أيضاً كرم الله وجهه:" إنّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله، وإنّ النفاق ليبدو نكتة سوداء، فإذا انتهك العبد الحرمات نمت وزادت حتى يسودّ القلب كله فيطبع عليه".

وفي إشارة الإمام عليّ رضوان عليه: إنَّ الإيمان ليذكو بالعمل الصالح حتى ليبيض إذا واظب العبد على طريق التزكية، ولكن تلك المواظبة تتطلب سلوكاً أشار إليه ابن عربي في "رسالة الأنوار" فقد ذكرنا فيما سبقت إليه الإشارة أن المانع من تمكن ذكر (لا إله إلا الله) في القلب هو ملاحظة "هذيان العالم" وامتلاء القلب بصور المحسوسات، وهنا يتحتَّم على العارف بالله،ِّ أن يختلى ليُحقق إشباعاً روحياً كيما يخضع حريته لقيود معينة من محض اختياره. هذه الحرية لا يفرضها عليه مجتمع، ولا يمليها عليه قانون المجموع، كائناً مَنْ كان، ثم يروح ليفتش في أعماقه تلبية لنزوعه الروحي وقواه الباطنة، فلا يجد لهما فاعلية إلّا في العزلة يختارها طواعية فيُكْره نفسه على الزهد وما يتبعه من ألوان المعاناة والحرمان.

وليس هذا بالأمر الدائم في حياته، وإنما بالقدر الذي يكفى لكي يشعره هو شخصياً بأنه قد أدى فرضاً واجباً عليه وأشبع رغبة عارمة في باطنه: استفراغ قلبه لله تعالى، ولا يتمُّ له ذلك إلا بالقضاء على "الربانيِّة "، الربانيّة التي تتسلَّط عليه من الناس، ومن المجتمع، ومن نفسه، ومن كل ما هو سوى الله، وهذا ما عبرَّ عنه "ابن عربي" حيث قال:"إذا أردتَ الدخول إلى حضرة الحق ... لا يصحُّ لك ذلك؛ وفي قلبك ربَّانيَّة لغيره". إنما العزلة في الحقيقة: اعتزال الخصال المذمومة؛ فالتأثير فيها لتبديل الصفات لا للتنائي عن الأوطان. ولهذا قيل: من العارف؟ قالوا: كائن بائن، يعني كائن مع الخلق بائن عنهم بالسر.

ولا شرط لزوال الربانيّة غير شرط الخلوة المشروطة بانفراد السّر لله على القصد الدقيق من معناها اللفظي (الاختلاء). ولأبي عثمان المغربي من رجال الرسالة القشيرية قوله: من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خالياً من جميع الأذكار إلا ذكر ربّه، وخالياً من جميع الإرادات إلا إرادة ربِّه، وخالياً من مطالبة النفس من جميع الأسباب؛ فإن لم يكن بهذه الصفة؛ فإن خلوته توقعه في فتنة أو بليّة.

ولتلحظ التقريب الدلالي بين لفظ الخلوة وتحقيقها بالمعنى العرفاني؛ فالخلوة خُلُوّ القلب من سطوات الأغيار: أن يكون خالياً ممّا سوى الله؛ لتجد العُرفاء، بهذه الرفعة القصدية، أقدر الناس توظيفاً لطاقة اللغة الروحية. أي والله لا شك عندي في ذلك.

ليست عزلة العارف بالله المُحَقِق مرضاً أو انطوائية نفسية عقيمة، ولكنها ضربٌ من الرقابة الذاتية على تطبيق ما ينبغي تطبيقه تلقائياً من قواعد وأحكام وفروض، خلال معرفته بأخلاق المراقبة واستلهام الضمير وما ينشط له من تطبيق عملي، يُشبع فيها رغبته الطبيعية الخالصة في أن يتحرَّر ممَّا سوى الله، عسى أن يكون بمثل هذا التحرّر جديراً بصحبة الله والأنس معه في كل حال.

إنَّ العزلة التي يتوخّاها العارف إرضاءً لرغبته ليست قدحاً في نسبته إلى المجتمع، ولا هى ركلاً لاهتماماته الاجتماعية؛ فهو إذا كان يقطع النظر عن الواقع الذي يعيش فيه، وعن الوجود المادي المحدود، فلأنه يمدُّ نظره إلى واقع آخر يتمثَّله، وإلى وجود آخر غير محدود يراه بقلبه؛ فيمعن النظر فيه حتى لكأنه يعيش له ولأجله. إنه يريد أن يتخلَّص من "هذيان العالم". فالمجتمع الذي يلاحظه العازف غارقٌ في ضلالات هذا الوجود المادي المحدود، بكل ظواهره ومظاهره وسقطاته واهتماماته الدنيا، ومن هنا يرفض كل هذه المظاهر والظواهر والضلالات والاهتمامات التي يراها حُجُباً باطلة، يرفض البعد الحسىِّ السطحي ممّا هو ظاهر للناس؛ لأنه يشهد بعداً روحياً أعمق.

والحياة الاجتماعية ليست هى كل الحياة ولكنها بعض الحياة. والمجتمع بكل أنظمته ومؤسساته لا يعنيه من المجموع غير إشباع الجانب الحسي الرخيص، كما لا يعنيه من الفرد غير الانقياد إلى هذا الجانب وحده دون سواه، وإنْ قضى على ذاته النورانية الواعية، وغيّبَ وعيه بها، وطمس حقيقته الباطنة الأصليّة.

ولما كان العالم الإنساني غارقاً في الهَذَيَان، وفي الدعوى والضلالات التي تبعد عن المقصد الأصلي من الحياة، صار الإنسان الذي احتواه هذا العالم، وضمَّه المجتمع، وفرض عليه معتقداته وقيوده واتجاهاته، لا يعلم أنه غارق في حياة وهميِّة إلّا عندما يُفارق هذا المجتمع، وينعزل عنه ويتكشَّف له عالم آخر سواه، وإلّا حين يتخلّص من الهَذَيَان، وهنا تبدو العزلة مشروطة، لأن قصد العارف من الخلوة والابتعاد عن الناس: أن لا يكون في قلبه شريك لله، وليس المقصود مجرَّد الاختفاء والعزلة. وليس المقصود أن ينعزل الصوفي ليغتنم في انعزاله وهماً جديداً يضاف إلى أوهام قديمة متراكمة، ولكن المقصود هو التخلص من آثار الوهم المتسلط دوماً ممّا كان يرى ويحس ويشاهد من آفات ومصائب وزواجر ونواهي.

المقصود هو التخلص من "هذيان العالم"، لا الخلوة لمجرد الخلوة وكفى؛ فكم من مختلٍ بنفسه، ينقل معه العالم إلى خلوته. وكم من إنسان يحيا في المجتمع، لكنه خالي القلب من صور المخلوقات.

فإنّ المراد من العزلة - كما يقول ابن عربي - ترك الناس ومعاشرتهم، وليس المراد من ترك الناس، ترك صورهم؛ وإنما المراد أن لا يكون قلبك، ولا أذنك معهم وعاءً لما يأتون به من فضول الكلام، فلا يصفو القلب من هذيان العالم.

وواضح أن تعويل ابن عربي على سلامة "القلب" من اختراق الأغيار هو أساس ما يُقال هنا عن احتكار النمط الاجتماعي للفرد؛ فحفظ القلب عن الطوارق والخيالات الفاسدة التي يتلقاها فيما لو استسلم لهذيان العالم، هو مناط تفرُّده وتميزه واستقلاله وانتماءه لهُويَّته الحقيقية.

ففرقٌ؛ وفرقٌ كبير؛ بين أن نكون آلات يستخدمها المجتمع الذي يمثّل سلطة ضاغطة على الفرد، وبين أن نكون أصحاب قلوب متفرِّدة لا تجد لها قراراً بين أوطان الجماعات بل قرارها الوحيد هنالك على أرض الحقيقة الأصلية في الوجود الكلي العام الكامل الذي لا يمثل المجتمع إلا قطرة في بحره، وجزءً من كله، وشُعاعة من نوره الباهر العظيم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

المهمة الأساسية للعلوم الاجتماعية هي الوصول إلى الإنسان، وفك شِيفرة مشاعره الغامضة، وتحليل أبعاده النفسية العميقة، ومعرفة مفاتيح شخصيته الظاهرة والباطنة. وطبيعةُ الشخصية الإنسانية قائمة على التَّشَظِّي، لأنَّ الإنسان يتحرَّك في عَالَمه الفكري وبيئته الاجتماعية ومساره الحضاري، في ظِل التحديات المصيرية. كما أنَّه واقع تحت الضغوطات الحياتية، ومُحَاط بالأزمات المعنوية والمادية، وهذا الأمرُ ليس غريبًا، ولا يُشكِّل مُفاجأة، فالحياةُ مَعجونة بالتعب والأخطار، ومعَ هذا فهي جديرة بأن تُعاش بكامل تفاصيلها، والمُتعة كامنة في تجاوز العقبات، وقَدَر السفينة أن تُبحِر في مياه مُضطربة، وتُواجِه الأخطار والعواصف، فهذا جُزء أساسي في حياة البحر والبَحَّارة. ولو انتظرَ كُل رُبَّان هُدوءَ البحر وسُكونه كَي يُبحِر بسفينته، لصارَ عاطلًا عن العمل، ونام في بَيته. ولو انتظرَ كُل طيَّار الطقسَ المُشمِس للإقلاع بطائرته، لَمَا طارت طائرة واحدة في هذا العَالَم . وهذا يعني أن الصُّعوبات هي التي تَمنح الطَّعْمَ للأشياء، كما يَمنح المِلْحُ المَذَاقَ للطعام. ولا شيء يُعادل فرح الطالب الذي يَنجح في امتحان صعب، ويتمكَّن من اجتيازه، لأنَّه عندئذ ستزداد ثقته بنفْسه، ويؤمن بقدراته وإمكانياته، ويَقتنع بأنَّه يَنتمي إلى نُخبة المجتمع التي تمتلك مؤهلات عقلية خاصَّة، وسوفَ يَنظر إلى نفْسه باعتباره مُمَيَّزًا، وقادرًا على صَهر المراحل، والتفوُّق على الذات والآخرين. أمَّا إن كانَ الامتحانُ سهلًا وبسيطًا، فلا تُوجد أيَّة مُتعة في اجتيازه، لأنَّه الجَميع سينجحون فيه بلا تعب. وبالتالي، لا يَشعر الإنسان بتميُّزه، فهو جُزء مِن الكُل، وواحد من الناس، بلا بَصمة مُؤثِّرة ولا مَوهبة مُتفرِّدة . والبطلُ لا يتكرَّس كشخصية كاريزمية جذَّابة، إلا إذا استطاعَ التفوُّق على الخُصوم الأقوياء، وكُلَّما كان الخصمُ قويًّا وشديدًا، كان قاهره وغالبه أقوى وأشد . ولا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديد .

2

التَّشَظِّي في طبيعة الشخصية الإنسانية لا يعني أن الإنسان مُصاب بانفصام في الشخصية، أو أنَّه مريض نفسيًّا، أو يُعاني مِن عُقَد اجتماعية، لأنَّ التَّشَظِّي يعني أن الإنسان في رحلته الحياتية يُقاتل على عِدَّة جبهات، فهو يُقاتل أفكارَه الانهزامية، وإحباطاته اليومية، وشهواته المُتأجِّجة، ونِقاطَ ضَعفه، وصراعاته الداخلية، وأزماته الخارجية، وكأنَّ الإنسانَ قسَّم نَفْسَه إلى أجزاء، ووزَّعها على الجبهات، مِن أجل الانتصار على ذاته، وتَطويعها، حتى يجد السلامَ الداخلي، ويُحقِّق المُصالحةَ مع ذاته والآخرين وعناصرِ الطبيعة . وهذه المُصالحة لا تعني الاستسلام للأمر الواقع، وإنَّما تعني تغيير السَّلبيات في الواقع، وصناعة واقع جديد أكثر إشراقًا . وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كان الإنسانُ قادرًا على الحُلم بغد أفضل، وامتلكَ أدوات الإبداع والتغيير نحو الأحسن. والخِيالُ هو الأساس الفكري لتغيير الواقع، وتَطهيره مِن مواطن القُبح، ونَشر الجَمَال والبَهاء فيه. وكُل الشَّظايا التي تتساقط في داخل الإنسان نتيجة عمله تحت الضغط اليومي روحيًّا وماديًّا، يجب أن يُحوِّلها إلى قاعدة صلبة يبني عليها أحلامَه وطُموحاته، وهذا يعني ضرورة توظيف شظايا الكيان الإنساني كعناصر لبناء الإنسان الجديد، وليس هَدمه وتحطيمه. وهذه الشَّظايا مِثل كلام الأعداء، إمَّا أن يَجرح المشاعر، ويُحطِّم المعنويات، أو يَكون سببًا للإصرار والتَّحَدِّي، ودافعًا نَحْو التفوُّق والعمل الدؤوب .

3

كُل إنسان _ مَهما كانت درجة ذكائه ومكانته الاجتماعية _ يَمتلك شَخْصِيَّتَيْن : الشخصية الظاهرة السطحية، والشخصية الباطنة العميقة . والعلاقة بين الشَّخْصِيَّتَيْن كالعلاقة بين الجُزء الظاهر من جبل الجليد، والجُزء الخفيِّ الذي يُمثِّل الكُتلة الأكبر والثقل الحقيقي . ولا يُمكن للإنسان أن يَجد نَفْسَه في ضجيج الحياة وزِحَام الناس، إلا إذا حقَّق التوازنَ والتكاملَ بين الشَّخْصِيَّتَيْن، لحمايتهما من التعارض والتصادم . وهذه الغايةُ لن تتكرَّس كواقع ملموس إلا إذا غاصَ الإنسانُ في أعماقه السحيقة، وبَحَثَ عن الأشياء التي ماتت فيه، وبقايا الذكريات والصُّوَر المُختبئة في زوايا قلبه، ورواسب الأزمنة والأمكنة المُتجمِّعة في وجدانه، وشظايا أفكاره ومشاعره المُبعثرة في كيانه، وعندما يجد هذه العناصر غير المتجانسة، يجب عليه أن يَصهرها في بَوتقة واحدة، لصناعة سبيكة إنسانية قادرة على مُقاومة الشدائد، كما يجب عليه أن يعمل جاهدًا على إعادة تَدوير مشاعره المكسورة وأحاسيسه المُحطَّمة وآماله المُجْهَضَة، لصناعة حياته مِن جديد، وبناء كيانه الإنساني المتماسك، وتقديم نفْسه كمُنتصِر على الظروف، وليس ضحيةً لها . والعناصرُ المُبعثرة في داخل كيان الإنسان، تُشبِه الأسلحةَ القديمة الصَّدئة، والتعامل معها إنَّما يكون بتنظيفها وصيانتها، وإعادتها إلى الخدمة في حرب الإنسان ضد الأعداء الساكنين فيه، والعائشين معه (الخَوف، الوَهْم، عدم الثِّقة بالنَّفْس) . وكما أن الفِكر لا يُجَابَه إلا بالفِكر، كذلك المشاعر لا تُجَابَه إلا بالمشاعر .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

صائب خليلكان أكثر ما أدهشني في دارون، الأمانة المدهشة في البحث العلمي عن الحقيقة، وهو ما نستطيع ان نتعلم منه الكثير. فلقد كان السؤال إن كانت الكائنات الحية قد نبعت من أصل واحد، سؤالا كبيراً ويفترض افتراضات عليه ان يتحمل وزرها. وقد وضع دارون على نظريته شروطا قاسية يكفي انتفاء أي منها لتعتبر نظريته في التطور غير صحيحة.

فنظرية التطور تقول بان الاحياء تكونت في منطقة واحدة او مناطق قليلة ثم انتشرت وتنوعت مع الزمن. واحد الشروط الصعبة التي يجب على النظرية ان تمر باختبارها، هو أن تتمكن من تفسير وجود حيوانات ونباتات على جزر منعزلة تبعد عن أقرب مكان لتواجد أنواع قريبة منها، مسافة يصعب قطعها في البحر.

في اغلب الحالات لم يكن إيجاد التفسير لوصول النباتات والحيوانات صعباً (كأن تلتصق بعض البذور في أرجل الطيور وغيرها)، لكن حالات أخرى أجبرت دارون على دراسة الجيولوجيا بعمق للبحث عن تفسير للانتقال. ففي بعض الحالات لم يتم إيجاد تفسير مقنع الا بعد اكتشاف ان البحر بين بعض الجزر البعيدة عن اليابسة، كان ضحلا، وهو ما يعطي احتمالا جيدا انه كان هناك اتصال باليابسة سهل انتقال اجداد تلك الحيوانات إلى الجزر. ولم يجد دارون جزراً بعيدة في بحر عميق وفيها حيوانات يصعب انتقالها اليها.

أما بالنسبة للنباتات التي لا يمكن تفسير انتقالها بالطيور، فقد درس دارون التيارات البحرية وحسب كم يوم تحتاج البذور الى الوصول الى تلك الجزيرة من أقرب مكان على اليابسة. ثم صنع احواضا وملأها بمياه البحر، ووضع الحبوب فيها لعدد مساو من الأيام. فإن غرقت الحبوب اعتبر التفسير فاشلا، وان بقيت طافية، اخذ تلك الحبوب وزرعها ليكتشف ان كانت قد احتفظت بقدرتها على النمو بعد تلك الفترة في ماء البحر.

وحسب نظرية التطور فان الكائنات الحية المنقرضة تواجدت في فترات تاريخية محددة، لا قبلها ولا بعدها. ومن ناحية أخرى فأن الطبقات الرسوبية تكونت في فترات زمنية متتابعة ايضاً. فالطبقات الأعلى هي الطبقات الأحدث. لذلك نجد كل طبقة تحتوي على متحجرات الحيوانات والنباتات التي عاشت في تلك الفترة التي سبقت طمر تلك الطبقة. فإن وجدنا بقايا متحجرات لحيوانات أو نباتات في طبقات متباعدة، تعود بعضها لفترات بعيدة عن الفترة التي عاشت فيها تلك الحيوانات، كان ذلك دليلا على فشل النظرية. إلا أن مثل ذلك الاكتشاف لم يتم ابداً، عدا في الحالات التي يمكن بوضوح اثبات ان الطبقات قد انقلبت بفعل هزة أرضية او بركان او ما شابه.

ووفق نظرية التطور فأن أعضاء الحيوانات وأجزاء النباتات قد "تطورت" بشكل "تدريجي" وان هذا التطور حتى في مراحله المتوسطة، كان مفيدا للكائن الحي في صراعه من اجل البقاء، وإلا لما وصل العضو الى المرحلة المفيدة اصلاً. العين مثلا، كانت تعتبر من أصعب الأعضاء تفسيراً في تطورها. فيجب على نظرية التطور لا ان تكتفي بإثبات إمكانية تطورها تدريجيا (أي لا تحتاج الى قفزة تترتب فيها الخلايا بشكل معين وتكسب فجأة خواصاً معينة)، وإنما أيضا ان تكون مفيدة حتى قبل ان تكتمل. فلو كان العضو غير مفيداً في مراحل تطوره الأولى، لما بقي الحيوان الذي ظهر عنده، على قيد الحياة في تلك المراحل.

لكن أصل العين، وهي عبارة عن أجزاء الجلد التي تحسست للضوء، كانت مفيدة للحيوان، وازدادت فائدتها تدريجيا مع زيادة حساسيتها واعطت في كل مراحلها فائدة لذلك الحيوان تزيد من فرصته في البقاء والتكاثر.

مشكلة أخرى على النظرية ان تحلها هي: هل ان عدد السنوات التي وجدت فيها الحياة كافية لمثل هذا التطور؟ في البداية كانت هناك مشكلة تصور ان الأرض خلقت قبل 6000 عام حسب الكتاب المقدس، ولم تكن هذه الفترة تكفي لتطور معظم الأعضاء. لكن النظرية استبدلت بنظرية ان الكون موجود منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، وبالتالي زالت تلك المشكلة.

ثم تبين للعلم ان الأرض قد تكونت قبل حوالي 4,5 مليار سنة، وان الحياة بدأت بحدود 3,5 مليار سنة قبل الآن، فهل تكفي هذه الفترة؟ .لقد حسب بالفعل عدد الأجيال اللازم لتطور العين مثلاً، ووجد ان الفترة كانت أكثر من كافية. ولم يتم اكتشاف أي عضو لا يمكن تفسير وجوده بالتطور التدريجي والمفيد في جميع المراحل. وهكذا افلتت النظرية من كل الصعوبات التي وضعت امامها وكان انتفاء شرط واحد كاف لهدمها من أساسها.

كان دارون هو من يبحث في تفنيد نظريته أكثر مما فعل منافسوه، وبشكل مدهش الأمانة، حتى يشعر المرء أنه كان يبدو أكثر حماساً لتفنيد نظريته مما كان لإثباتها، وتلك صفات العالم الأمين، فتحية له في عيد ميلاده الـ 111 الذي يصادف اليوم، 12 شباط.

 

صائب خليل

 

علاء اللاميحين كانت الآيات القرآنية شعارا لجريدة الشيوعيين "الشرارة"!

مع توسع وتصاعد زخم انتفاضة تشرين العراقية المستمرة، وتزايد دور الشباب والمرأة العراقية فيها بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث والقديم، تصاعدت وبشكل محموم مظاهر العداء للاختلاط والاتهامات بما يسمونها "الإباحية وسوء الأخلاق". وترافق ذلك مع ارتفاع أصوات عديدة محذرة أو شاكية من الكفر والإلحاد والمساس بالمقدسات والدين والرموز الدينية فجأة ودون مقدمات.

غير أننا إذا أردنا تفادي الوقوع في معسكر أعداء الشيوعية التقليديين ممن يستخدمون الصرخة التكفيرية التي أطلقها المرجع الشيعي حليف شاه إيران والمعادي للثورة الجمهورية العراقية في 14 تموز 1958 السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد"، أو المكررين لحيثية "عداء الشيوعيين للدين والمتدينين" من أهل النظام الطائفي الرجعي القائم اليوم،  أو الوقوع في المعسكر المقابل الذي يضم الصنميين "الشيوعيين" واللبراليين القشريين والذين يعتبرون أن الشيوعيين أبرياء تماما من أي تجاوزات في هذا المجال، أو القائلين بـ (إن الشيوعية ينبغي أن تكون فعلا عدوا للدين والتدين ولإيمان الناس الموروث)، فينبغي لنا أولا أن نُلِمَّ بحقائق وتفاصيل هذا الموضوع وأن نضعه في سياقه التاريخي الحقيقي وظروفه الواقعية، وأن نأخذ بنظر الاعتبار أن "الشيوعية" ليست دينا جديدا ضد الأديان، ولا هي حركة إلحادية تبشرية ضد ا|لأديان بالدرجة الأولى بل حركة سياسية واجتماعية لها ما لها وعليها ما عليها، وأن أهدافها الثورية الأصلية واضحة وتتمثل بإزالة الطبقات وأنظمة القمع والاضطهاد والتمييز العنصري والطائفي والجنسي من المجتمع، وهذا ما يثير حفيظة القوى الرجعية المحلية الممسكة بالحكم والناهبة لخيرات البلاد وحلفائها الخارجيين الإمبرياليين ويثر ذعرهم ويدفعهم إلى استعمال كل أنواع الأسلحة الخبيثة.

ولعل أفضل مصدر للاطلاع على حقائق هذا الموضوع - في ما يخص علاقة الشيوعيين العراقيين قديما بالدين - هو ثلاثية حنا بطاطو وخاصة الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي- الفصل 24 ص 361) وعنوانه "جدل حول الدين"؛ ومنه نفهم تفاصيل الحرب التي شنتها السلطات الملكية العراقية الرجعية ضد الشيوعية في سنوات التأسيس، والتي شاركت فيها سلطات الاحتلال والهيمنة البريطانية عبر السفير البريطاني السير جون تروبتك. لقد حاول توربتك تحريك وتحريض المرجع الديني الشيعي الراحل محمد حسين كاشف الغطاء ضد ما سماه "العدو المشترك" ممثلا بالشيوعية والشيوعيين في العراق، وقد رفض المرجع كاشف الغطاء هذا التحريض البريطاني فكرة وموضوعا، وقال المرجع حينها كما ينقل بطاطو عن مصادره إن (مسألة العدو المشترك لا يدعمها أي منطق أو برهان)! ونقرأ أيضا حقائق كثيرة عن علاقة الشيوعيين بالدين وبالقرآن تحديدا حيث كان شعار جريدة "الشرارة" الشيوعية في الأربعينات من القرن الماضي، وخلال قيادة مؤسسه يوسف سلمان "فهد"  آية قرآنية هي (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ)  ثم تغير هذا الشعار في عدد تالٍ إلى آية أخرى هي {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} ص 103.

وفي هذا الكتاب نتعرف على جهود الشيوعيين الأوائل للاستفادة من المناسبات الدينية الحسينية، ونشر الفكر الثوري ومعارضة النظام الملكي العميل لبريطانيا عن طريق المواكب والتجمعات العاشورائية. ولكن هذا لا يعني عدم وجود متطرفين رافضين لهذا التوجه الفهدوي ومتجاوزين من ذوي الممارسات والأفعال التجديفية ضد الدين ورموزه من أفراد شيوعيين في مجتمع ذي تقاليد قديمة في الجدل والتمرد والتجديد الفكري تعود إلى العصر العباسي. ففي هذا العصر ازدهرت المدارس الفلسفية والفكرية الكثيرة والمتحررة، وانتشرت المدارس الفكرية والفلسفية ومنها الإلحادية والتشككية واللاأدرية، وكثر مريدو الاعتزال "معتزلة" والزنادقة والربوبيون والتصوف المؤمن والآخر الملحد والدهريون (مازالت هذه الكلمة - دهري - حية في اللهجة العراقية وتطلق على الشخص كثير الجدل والإلحاح والإلحاف فيه).

لذا رفض بعض الشيوعيين - وكانوا قلة كما تؤكد المعطيات التوثيقية - تلك التوجهات التسامحية والاعتدالية مع الدين والمتدينين واعتبروها تقاليد إقطاعية بالية ينبغي رفضها والتخلي عنها، كما عبرت عن ذلك مقالة ظهرت في جريدة " كفاح السجين الثوري" سنة 1954، وأحدثت هذه المقالة ردود أفعال مهمة، وأصبحت القضية موضوعا لنقاش فكري وسياسي واسع بين الشيوعيين وأنصارهم في السجون وخارجها. وأخيرا استقر قرار الشيوعين وقيادتهم على الاستمرار بتبني واعتماد الخط الفكري التصالحي المعتدل مع الدين وعدم التصادم مع المتدينين واستعدائهم والتجاوز على رموزهم وطقوسهم، ومحاولة الاستفادة ثوريا منها. وتم تبني ما يشبه القرار أو التوجه الفكري الرسمي الذي يقوم على (موقفنا معروف تجاه معتقدات الناس ... السياسة الطويلة الأمد للشيوعيين العراقيين، القاضية بتجنب توجيه أية إساءة إلى الدين أو إلى القوى الدينية والامتناع بشكل عام عن الحديث عن هذا الموضوع في العلن مهما كان الثمن /ص364).

هذا في ما يتعلق بتراث الحركة الشيوعية العراقية في طورها الستاليني الذي أعاقها عن التطور، وحبسها في حدود معينة عمليا وفكريا، أما اليوم فلم تعد هناك حركة شيوعية عراقية طبقية جذرية، ووطنية معادية للامبريالية والأنظمة الرجعية منذ عدة عقود، وزادت الأمور سوءا بعد الاحتلال الأميركي حين أصبح  "الحزب الشيوعي" الوريث الاسمي للحركة الشيوعية العراقية حزبا من أحزاب النظام الرجعي الطائفي الذي جاء به الاحتلال، وشارك الحزب بممثلين رسمين في كافة الهيئات التي شكلها الاحتلال في عهد بول بريمر من مجلس الحكم على الحصة الشيعية إلى لجنة كتابة الدستور المكوناتي، مرورا في المشاركة في عدة حكومات قائمة على المحاصصة الطائفية. وحتى الاختلافات التي حدثت بين أشخاص وتيارات داخل الحزب فقد كانت بائسة ولا علاقة لها بجوهر مهمة الحزب الشيوعي الطبقية الثورية، فمثلا: حدث خلاف بين تيار فهمي والحلفي الداعين للتحالف مع التيار الصدري وتيار آخر مثله قيادي آخر هو حسان عاكف الذي كان يدعو الى التحالف مع مدنيين مشبوهين من أمثال المتصهين وزائر "إسرائيل" الدائم مثال الآلوسي أو النائب المنبوذ والمروج للاحتلال الأميركي فائق الشيخ علي، وكأن مشكلة الحزب هي العثور على طرف سياسي يتحالف معه ويكون له ذيلا بعد أن استغنت عنه القيادات الاقطاعية الكردية وأصبح لها "ذيلها الشيوعي الخاص" ممثلا بالحزب "الشيوعي في كردستان" الذي انشطر عن الحزب الأم بقرار داخلي مشبوه وانفصالي الجوهر، ولم تكن مشكلته ومهماته تتعلق بقضايا وطنية وطبقية وبلد يقسم بين أمراء الحرب والمليشيات من زاخو إلى الفاو وتنهب ثرواته وتداس سيادته واستقلاله من قبل اميركا والدول الإقليمة وفي مقدمتها إيران!

وحتى حين بدأت انتفاضة تشرين المستمرة بادرت قيادة الحزب الى اتخاذ موقف معاد لها وأمرت قيادة الحزب أعضاءه بعدم المشاركة فيها ثم ما لبثت أن تراجعت عن موقفها هذا بطريقة فجة ودنما أي اعتذار أو اعتراف بالخطأ حين شاهدت أن أعضاء الحزب في القواعد تمردوا عمليا على توجيهاتها الداخلية وشاركوا في الانتفاضة وقدموا التضحيات الكبيرة كمواطنين عراقيين، وأقول: واليوم يختلط الحابل بالنابل والمدني المشبوه والمدافع عن الاحتلال الأميركي بالشيوعي المخلص المدافع عن الانتفاضة والمشارك بها وهناك الكثير من العناصر التي تحسب على الشيوعية والشيوعيين من هؤلاء الذين لا تعرف لهم فكرا أو هوية سياسية فهم ملحدون من النوع الذي سماه فردريك إنجلز "الإلحاد المراهق" والذين يجدون مهمتهم في الإساءة الى الدين والمتدينين ورموزهم دون تمييز وبلا أي جوهر طبقي تقدمي ، وبهدف التنفيس عن غضبهم على الساسة الإسلاميين الطائفيين من الشيعة أو السنة الذين حرموهم من المشاركة في الحكم ومغانمه. ويشترك مع هؤلاء مرتزقةُ القلم ممن يسمون أنفسهم بالمدنيين واللبراليين ويروجون للجهات التي يعملون فيها ولأجلها من منظمات ومراكز أبحاث ومعاهد صحافة وإعلام دولية مشبوهة التمويل والأهداف.

إن هؤلاء الناس ما هم إلا عناصر وشلل معزولة ولا قيمة لها رغم علو صوتها وضخامة تمويلها والوسائل الإعلامية المكرسة لخدمتها، وهي لا فكر مهما لها إلا بمقدار من تحدثه من ضجيج فارغ وتحت شعارات العداء لما يسمونه "الإسلام السياسي"! إن هذا العداء في الحقيقة عداء سياسي أيديولوجي لا علاقة له بالنضال الطبقي ضد الأنظمة الكومبرادوية واللصقراطية "كلِبتوقراطية Kleptocratique " وشبه الإقطاعية التابعة للغرب في العراق وغيره، والتي لا يختلف جوهرها الطبقي سواء كانت بقيادة زعماء إسلاميين أو علمانيين، وقد تقاسم الإسلاميون والعلمانيون، في الحالة العراقية بعد الاحتلال الأميركي العمالة للاحتلال وتدمير العراق وتقسيمه عمليا على أساس طائفي وقومي، وقام كل من الإسلامي وعلماني بدوره كما ينبغي، ومنذ أول حكومة بقيادة العلماني إياد علاوي وحتى الإسلامي المدعوم إيرانيا ومليشياويا عادل عبد المهدي!

كما أن هذا العداء لما يسمونه "لإسلام السياسي" لا يخلو من عناصر العداء الغربي للإسلام ككل، دينا وحضارة بائدة وشعوبا حية، ومن منطلقات استشراقية غربية معادية للإسلام والمسلمين من حيث جذوره ومنطلقاته، وهو يمتزج عندهم بالترويج لإسرائيل الصهيونية والدفاع عنها والدعوة للتطبيع معها. وهذا العداء لما يسمونه " الإسلام السياسي" المخلوط بما يسمونه " الإرهاب الإسلامي" تروِّج له وسائل الإعلام و"تصنيع الموافقة الديموقراطية" كما يسميها تشومسكي، في الغرب الإمبريالي حصرا، وقد آن الأوان لوضع الحروف على النقاط وإعطاء الجوهر الطبقي وعلاقاتها بالمركز الغربي أولويته في تقييم الأنظمة والحكومات في بلداننا بغض النظر عن قشرتها الأيديولوجية سواء كانت إسلامية أو علمانية ليبرالية.

شخصيا، أعتقد أن الاطلاع على حيثيات هذا الموضوع والعلاقة بين الشيوعيين والدين وخصوصا في العراق مهم جدا، وبدونه لا يمكن الخروج بموقف سليم ومفيد ومنصف. وإنْ كان يحق لي أن أوضح وجهة نظري كمواطن في الموضوع فأعتقد أن الرأي الذي عبر عنه الراحل هادي العلوي في مؤلفاته وخصوصا في كتابة الأهم (مدارات صوفية – تراث الثورة المشاعية في الشرق) هو أفضل ما طرح في هذا المجال، حيث اعتبر الشيوعية أو "المشاعية" كما كان يفضل تسميتها لا علاقة لها بالسياسية، بل هي حركة اجتماعية أولا وأخيرا، تهدف لإزالة الطبقات وإحلال المساواة المشاعية في الخيرات والثروات وتكرّم الإنسان وتكرس حرياته، وبهذا المعنى فهي ليست أيدولوجيا متحزبة أو موقف فلسفي رسمي يفرضه "المكتب السياسي للحزب" بالقوة على الشعب على الطريقة الستالينية.  إن الأيديولوجيا لا أهمية فيها في الحركة المشاعية التي يدعو إليها هادي العلوي بل الأهمية تكون للموقف والانحياز التام إلى القلبية الإنسانية والغالبية الفقيرة المحرومة، وهي الحركة التي ترفض الهيمنة الإرهابية الغربية والظلم الطبقي الذي تمارسه دول الأغنياء اللصوص في الدول التابعة، أما الموقف السياسي من مختلف قضايا العالم المعاصر فهو ملحق وتابع ويمكن للفرد المشاعي أن يتبنى المواقف والأفكار الوطنية والأممية التقدمية المعتادة التي يرتضيها، فالأصل هو الموقف الطبقي الثوري العملي من قضية الملكية الخاصة الاستغلالية، والعمل على إزالة الطبقات الظالمة والمستحوذة على الثروات وإشاعة تلك الثروات بين أصحابها الحقيقيين وتحويل الدولة من سلطة "سلطان" إلى خادم للناس يمكن استغناء عنه بمرور الوقت مع تطور العلم والتكنولوجيا والانتقال إلى عصر الإدارة الذاتية للمجتمعات الإنسانية ضمن ما يمكن تسميته مجتمعات دولة اللادولة المشاعية.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

مجدي ابراهيمإذا لزم أن تكون العودة لمحمد عبده واجبة، فليس ألزم لها ممّا عانته السّاحة الثقافية المصرية الآن من جدال. فقد بلغت قضية تطوير العقل الديني مبلغها حتى اشتعلت معها نار الفتنة من وراء الحوار الذي دار بين الدكتور محمد الخُشت رئيس جامعة القاهرة، والدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر، واتّخذت مساحة فوق مساحتها فيما حدث قبل أيام في مؤتمر تجديد الخطاب الديني بالأزهر الشريف، الأمر الذي يدعو لغبطة الحكماء ولغط الشامتين، فالأوّلون يغبطون لتلاقح الأفكار والآخرون يشمتون لزهوة الانتصار، ولا نصر مع الرأي تزهو به إذا نصرك فيه من لا يفهم ومن لا يُحسن أدب المقال.

باعتقادي أنه بالبداهة كان حواراً راقياً لولا الذين نفخوا فيه السُّم الزعاف، فعوض أن يكون حواراً علميّاً يحتمه جوهر الموضوع المطروح، جعلوه معركة بين جبهتين .. وبما أن الناس غرست فيه الفتنة، فأغلب الذين لم يراعوا أدب الحوار حوّلوه إلى خصومة بفعل الهوى أو بفعل الميل الذي لا يعمل فيه التفكير.

درجةُ الفهم في بلادنا أضعف من أن تستوعب حوارات فكريّة جادة، أو توظفها أُلفةً في ظل الحرية بعيداً عن عبوديّة الانقسام.

ظنوه شجاراً (ويا ليته كان حجاجاً) بين طرفين وهو لا يُقام على شجار بل على اختلاف، مع حسن النوايا، لا تفسده قضية الود.

مصادر شيخ الأزهر - مع أنه أستاذ عقيدة وفلسفة - مختلفة عن مصادر رئيس جامعة القاهرة، فلابد من خلاف، ولو توحدّت المصادر لزالت نقاط الخلاف. هل يُخطئ الإمام ويصيب الخشت أم يحدث العكس ولا حرج معه؟ وإذا أصاب الإمام رفعنا الحرج ونصبنا المحافل وبالغنا في التصفيق والتهليل، واعتبرناها معركة الخاسر فيها ضعيف، أي فكرة أسوأ من هذه الفكرة تدخل العقول المُقيّدة بأغلال التقليد؟!

لقد كانت ردود الإمام الأكبر موفّقة جداً إلى حدٍ كبير، ولكن هل خلت الأخطاء تماماً من كلام شيخ الأزهر مع إجلال كل الفضل له؟

سل شيخ الأزهر نفسه: هل تخطئ يا فضيلة الإمام؟ وهل كلامك كله صواب مطلق؟ فلا شك تكون الإجابة: يا قوم إني بشرٌ مثلكم أصيب وأخطي ولا أملك حقيقة في كلامي مطلقة. ومع إجلال كل الفضل كله لفضيلة الإمام هل خلت من حديثه الهنات؟

بالطبع لا .. قال إننا عقدنا المؤتمرات تلو المؤتمرات لنقول للناس إنّ الإسلام يبرأ من الإرهاب. نعم جميل جداً .. ولكن ألا يوجد في التراث من حمل لواء الإرهاب تحت مظلة الإسلام .. ألا توجد مناطق سوداء في التراث الإسلامي، كما توجد في كل تراث آخر، لو ظلت كما هى لكانت مادة تخلف ظاهرة فضلاً عن كونها مادة خصبة يرتع فيها المسترهبون صباح مساء؟

موقف الأزهر من التراث لا زالت تحكمه عقلية "الشيخ عليش" ألدّ أعداء محمد عبده؛ إذ كان قطباً بارزاً من أقطاب التقليد والجمود في الأزهر الشريف. وكانت له قناعاته المتصلّبة نحو كل جديد: رفضه، ورفض من يدعو إليه ولو بالقوة القتالية.

وكان الشيخ عليش هو العدو اللدود للإمام "محمد عبده" أكبر مصلح مجدّد عرفته البلاد الشرقية، ولا تزال قاعات الدرس في بلادنا تهتدي بأمثال عقلية الشيخ عليش أحد شيوخ المالكية الذين وقفوا بالمرصاد لدعوة الإمام محمد عبده، يرفضون الاجتهاد ويعادون تجديد الخطاب الديني، ولا يرون في الإصلاح إلا الكفر والبغضاء والمعاداة. وقد وصل الأمر - فيما يرويه الإمام محمد عبده نفسه - في عداء الشيخ "عليش" للاجتهاد إلى درجة دفعته أن حمل حربة توجّه بها ليطعن زميله الشيخ السنوسي الذي جرؤ على الاجتهاد، فخرق حرمة الدين واتبع سبيلاً غير سبيل المؤمنين؛ لأنه صنّف كتاباً في أصول الفقه زاد فيه بعض مسائل على الأصول المالكية، ولولا مغادرة الشيخ السنوسي القاهرة إذْ ذاك قبل ملاقاة الشيخ عليش، لوقعت الواقعة واغتيل واحد من المجتهدين على يدي أحد المُكفّرة من دعاة التقليد.

من يصدق فينا هذا العته الفكري؟

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونحن نلف وندور في حلقة مفرغة ونقول: تجديد تجديد، تجديد، ولا نجدّد ولا نُهبّب؛ كمن هو جوعان وأمامه المخبز من قريب، ويظل يكرر اللفظ:  جوعان، جوعان، جوعان ألف الف مرة بغير حركة تنقله من اللفظ إلى العمل الذي يشبع فيه جوفه، والمخبز أمامه على بعد أمتار!

يمكنك أن تذهب الى المخبز، لتتناول خبزك من غير لغط كثير، لكنك تكاسلت واكتفيت بكلام يلوكه لسانك دون حركة سلوكية نافعة لك أو لغيرك، غير أنك آثرت التراجع تمهيداً للموت، ثم رحت تلوم جهود الخبازين. هل من عته فينا أمكن من هذا العته؟!

لم يكن الإمام محمد عبده أكبر مصلح تجديدي عرفته البلاد الشرقية إذ ذاك بالذي يقبل من التراث كل ما فيه؛ لأن هذا القبول نفسه يطعن في فريضة الإصلاح بمقدار يفسد مقومات التجديد كذلك، قال رحمه الله في أخريات حياته حاكياً عن نفسه:" ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري، وأنه على هذا الوجه يعدُّ صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعريف عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.

كل هذا أعدّه أمراً واحداً. وقد خالفتُ في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركّب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم.

أمّا الأمر الثاني، فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كانت في المخاطبات الرسميّة بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد على الكافة، منشأ أو مترجماً من لغات أخرى، أو في المراسلات بين الناس".

هذه المنهجيّة ولا شك هى أساس كل نزعة إصلاحية تجديدية تأخذ بها العقول المفكرة وتضيف عليها، وترفضها العقول البليدة المتحجرة، ولا تقبل منها المساس بما عساه أن يوقظ فيها صحوة العقل وانفتاحه على المعارف الأخرى.

التراث - مُطلق التراث - ملئ بالضعف وملئ بالقوة أيضاً، ولكن مع ذلك لا جدوى من التعبّد به، والنظر إليه نظرة التقديس.

أظهر شيخ الأزهر دفاعه عن مُلاك (الحقيقة المطلقة) وقال إنه لا يوجد معتقد مسلم أو مسيحي أو غيرهما، يعتقد في دين ينتسب إليه إلا إذا أعتقد الحقيقة المطلقة. وهذا صحيح، لكن المسلم أو المسيحي أو غيرهما يعتقد الحقيقة المطلقة نعم وليس منه مانع، وانمّا المانع أن يمتلكها وأن يجاهر بامتلاكها أو يمتلك التعبير عنها. لا أحد من البشر يستطيع أن يدّعي امتلاك التعبير عن الحقيقة المطلقة، نعم هو يعتقدها إيماناً لكنها حين تنزل إلى منطقة التعقل والتعبير وإعمال النظر والتفكير لا تصبح على لسانه حقيقة مطلقة بل يصبح التعبير عنها نسبياً، وإلاّ دنّسنا تقديس الحقيقة المطلقة بألسنة الناطقين، لينقلب المُقدّس إلى مُدنّس مع كل نظر أو تفكير. والإمام الأكبر نفسه هو أعرف العارفين بأن الحقائق المطلقة (الحقائق الإلهيّة) أصلاً لا يُعبّر عنها ولا تدّون في كتب فما بالك بادّعاء احتكارها، أو احتكار التعبير عنها. وبمن؟ بأقوال البشر، وأفكار البشر، وزعامات البشر، وسلطات البشر وسطواتهم على السواء.

العائق الأكبر أمام فهم الحقيقة المطلقة ومعرفتها هم البشر أنفسهم: تقديسهم واضفاء صفات الخالق عليهم من حيث لا يشعر المخلوق، ثم معرفة الحق من ألسنة الرجال لا معرفة الحق اولاً ثم معرفة أهله كما كان الإمام عليّ رضوان الله عليه يقول.

لم أكن أحبُّ للدكتور الخشت أن يستخدم المصطلحات الفلسفية مُجرّدة عن تعريبها أو شرحها، فأغلب الأزاهرة يأنف منها ولا يتقبّلها كاصطلاح (الأبستمولوجيا) (العقل الديالكتيكي) أو حتى نظريّة الأشكال القانونية المتوازيّة أو (إمّا .. أو) أو (مجاوزة التراث) ممّا يحتاج إلى شرحه لعقولهم في سنوات، ليتناسب مع درجة الفهم، وأنت ترى الأنظار ازاءها كانت مدهوشة، والكل فاغر فاه من سماعها كأنما يسمعون أهوال الفزع الأكبر يوم الدين.

نحن نحتاج إلى سنين طويلة قادمة لنقول كما قال أسلافنا البررة إنّ هذا التراث عمل بشري يجوز نقده وفحصه وقبول ما عساه يتناسب مع عصرنا الذي نعيشه، ولكننا نقبله اذا صحّت بعض مواطنه من حيث المنهج لا المذهب، نأخذه من حيث الروح بغير قطيعة معه، التراث ليس مقدّساً؛ لأنه عمل بشري وإلا لو كان مقدّساً لما جاز نقده والاختلاف معه. أمّا أن تكون عقولنا تراثية فهذه هي المصيبة الكبرى، لأن العقل التراثي عقل مغلق لا يقبل مطلقاً مفاتيح التجديد إلا أن تقوم بكسره غير مأسوف عليه.

ينقلنا هذا إلى أمر آخر وهو مسألة تغيير طريقة التفكير. هذه مسألة وإن تكن ليست بجديدة كل الجدّة فهي شائكة وبخاصّة فيما لو قيلت في عقر الدّار، والدار نفسها لا تحتمل النقد المنهجي، ولا تطبقه على الأثاث بل تحتفظ به كما الحلية الثمينة تدّخرها للزمن المأزوم، فقل لي بربّك كيف تطيقه؟ ثم ماذا؟ ثم تعنون المؤتمر بعنوان التجديد وهى توغل في التقليد الذي جاءت آثاره كما سمعت وشهدت، وأقلها رفض الحوار المشروع.

هنالك يكون النظر إلى الأشعري أو الماتريدي ليس نظراً لا لأشخاص بل لأئمةٍ معصومين لا ينطقون عن هوى، فكل ما يُقال عنهم ضرب من التجاوز تحلّ على قائله اللعنة ولا ينتكب طريق البغضاء، مع أن التراث نفسه ملئ بالوقوف عنده مع نظرات النقد والفحص التي تصل إلى حدّ الهجاء، ولم يسلم الأشعري نفسه من اللوم والمؤاخذة والنقد، ولا سلم أحدٌ قبله، ولا سلم غيره، ولا سلم أفضل منه ولن يسلم من يأتي بعده إلى آخر الزمان.

مسألة تغيير طريقة التفكير تصطدم مباشرة بالعقل التراثي، لأنها تكفر بتقديس المذاهب التي يصنعها رجال في أزمنتهم، ولم يكشف عنهم حجاب الغيب ليشهدوا أزمنتنا.

والعقل التراثي نفسه مُقدّس تقدّس معه الأشياء، ومسألة تطويره تمزيقٌ مباشر لشرايين قداسته.

الكارهون للأزهر أشعلوا الفتنة، وجعلوها حواراً قائماً كحوار الطرشان أو حوار العميان سواء، فقال قائلهم: لم يكن الدفاع عن التراث لشيء يتعلق بالدين من حيث هو دين، ولكن لمكانة السلطة التي يمثلها رجل الدين، ويحفظها على نفسه.

هذه لغة خبيثة تشعل الفتنة أيضاً وتُأجج نار الخلاف؛ فما يُقال عن شيخ الأزهر (يا فالح ..!) يُقال مثله في هذه الجزئية عن رئيس جامعة القاهرة. فلم يكن التجديد تجديداً، ولا التطوير تطويراً من أجل الدخول إلى عصر ديني جديد بل من أجل سلطة يمثلها رجل الفكر ويحفظها أو يقصرها على نفسه .. كلا التعبيرين واحد ولا خلاف، وكما تكون السّلطة لرجل الدين تكون أيضاً لرجل الفكر؛ فالسلطة مشتركة لمن يريد أن يركبها ويتسلّط بها على خلق الله.

وبعيداً عن السّلطة والسّلطنة كان جديراً أن تؤخذ المسألة بحصافة كما أخذها الخشت، فتجاوز الوقوف عند النقاط الاستفزازية مثل: ينبغي أن تكون الكلمة مدروسة، "وربما يتأثر بك شبابنا" ما هذا؟ ولم نخشى على الشباب أن يتأثر بما يُقال؟! وكيف تجئ الكلمة غير مدروسة وصاحبها يُهدي كتابه فيها؟

أنا شخصيّاً لا أقبل أن تقال هذه الكلمة لا عن الخشت ولا عن غيره، وبخاصّة وقد قيلت على مرأى ومسمع من شهود فيهم من يفهم ومن لا يفهم، ونربأ بالإمام أن يكون قد قالها بدافع التعالي أو الاستحواذ والسيطرة .. رجل يقرأ ويُدّرس ويكتب ويؤلف في هذه الموضوعات منذ أن وعى على حياة عقلية منتجة، ليُقال له ينبغي أن تكون كلمتك مدروسة، بالإضافة إلى ما يبدو فيها ظاهراً من منطق التعالي التعليمي، كأنما يقولها لتلميذ في مدرسة أوليّة.

وليس في الأمر استطالة، ولكنه بدا استدراجاً لشعور البسطاء الذين يصفقون بعد كل عبارة بما لا يليق بحوار فكري في قاعة علم، وليس في الإمام الطيّب نفسه تعالي بالحقيقة، وهو العالم العامل التقي النقي الورع، ولن نصدّق قول المجنون "نيتشه" فإنّ أكثر القديسين ورعاً وتقوى يخفي وراء ورعه وتقواه حافزاً للسيطرة، كلا ! نيتشه هذا رجل كاذب ملعون يفضح الأقنعة الزائفة، بل كان الأمر يتطلب التوفيق بين الآراء بهدوء يسحب الفرصة أمام المتعالمين من إشعال فتيل الفتنة بين طرفين كلاهما يفهم ما يقول. وهكذا اشتعلت النار من حيث لا يُراد لها اشتعال، وهكذا تكون لغة الحوار في بلادنا جدباءً غير نافعة، نحن بحاجة إلى أن نتعلّم أدب الحوار وقواعد التفكير النقدي، ونجيد أدب الاختلاف، ونفوّت الفرصة على أصحاب الفتن أن يكون لهم نصيب ٌمن قدح الزناد.

ولكن هيهات ثم هيهات.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

"التحرر من الإيديولوجيات، تحول إلى عبودية، لم يدركها الناس، ولم يختاروها، ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها !!!"

يشير مفهوم "الأيديولوجية" كالفكرة والشعارات والمفهوم والتدريس إلى انظمة من وجهات النظر حول الواقع وطرق تطويره وفهمه والتحول من وجهة نظر الأفكار والأهداف والقيم والمثل العليا والمعايير التي اعتمدتها مختلف الجهات الفاعلة في الحياة الاجتماعية والثقافية الفردية والجماعية بما في ذلك المجموعات الإثنية والطبقية والمجتمع والدولة والحضارة ككل، كما يُشار إلى مفهوم "الأيديولوجية" تقليديًا بمجموعة أو انظمة من وجهات النظر والأفكار والأساطير والشعارات السياسية ووثائق سياسة الأحزاب والمفاهيم الفلسفية التي تعبر عن المواقف تجاه واقع معين ووجهات نظر ومصالح وأهداف الناس والطبقات، وعبر المواضيع السياسية فأن الأيديولوجية تأتي عن طريقة معينة من المعرفة وتكون أكثر دقة من واقع البناء الغريب وتكون موجهه نحو تحقيق المثل الأعلى وتجسيدًا لعدد من الأفكار المتعلقة بأفضل أشكال الوجود الاجتماعي، وهي موجودة دائمًا في المعرفة العلمية وليس فقط في العلوم الاجتماعية وإنما حتى أيضًا في العلوم الطبيعية والطبية والهندسية والقوانين التي اكتشفتها وبدا الأمر موضوعيًا تمامًا ومختلطًا حول الأفكار الإيديولوجية والتاريخية والثقافية والأهم من ذلك كله فأن الكثير من المفكرين يرون أن الإيديولوجية هي ظاهرة العصر الجديد كنظام مصطنع للمواقف والقيم والمثل وطرق التحليل التاريخي والأهداف الاجتماعية الموضوعة، وكانت قد نشأت جميع الإيديولوجيات المعروفة تقريبًا في العصر الجديد في ذروة العقلانية وترجع إلى الاعتقاد في إمكانية بناء "جنة أرضية" بمساعدة مشاريع عقلانية لتكون المثل الأعلى لكل نشاط بشري حيث أدت المثل العليا في تاريخ الدول دائمًا دورًا حاسمًا وساعدت في بناء نظام رمزي وبنائي ومعياري في المجتمع من خلال تعريف غائي لترتيب الأهداف والوسائل الأعلى للمثل وطرق تحقيقها، ولذلك فإن فكرة الدولة أو مفهومها يتبين أنه لا ينفصل عن الأساس المنطقي لهدف وجودها ومعناها في التاريخ الإنساني ومصير الفرد مع تعريف تأكيد إن الدولة المثالية والكمال والنموذج المثالي والقيمة والغرض يشكلون أساس فكرة الدولة، ومثل هذا الفهم للدولة ور كطبيعتها المعرفية يؤدي حتماً إلى تهمة المثالية أي الاعتراف غير المبرر للهيمنة الدلالية والبدائية للمبدأ الروحي على المادة، ومع ذلك وبالنسبة إلى التفكير العقلاني فإن المثل الأعلى هو جوهر الإنشاءات المنطقية والقيمة حتى في قلب الفكرة المادية البحتة عن "مجتمع المستهلك" أو "دولة الرفاهية" تكمن صورة مستقبل الخير المشترك والتي سيتم فيها تلبية جميع الاحتياجات الأساسية للإنسان وجميع الحقوق الطبيعية، فلذلك لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عن عناصر الإيديولوجية لا الحديثة ولا حتى التقليدية.

من المستحيل بناء تسلسل هرمي من القيم القانونية والسياسة القانونية للدول من دون وجود ايديولوجية معينة، وأي قاعدة قانونية هي أمر يهدف إلى حماية قيمة معينة لنظام القواعد القانونية أو نظام التشريع، وبالتالي فإن أيديولوجية الدولة موجودة حتمًا في نظام القواعد القانونية التي تصدرها والتي يمكن اعتبارها وسيلة لتنفيذ الأحكام الدستورية وتحقيق الأهداف وتحقيق القيم المنصوص عليها في القواعد الدستورية، ومن أجل ضمان الأمن القومي بشكل فعال فمن الضروري أن يكون لدى الدول قيم أساسية لا تشمل الفرد وأمنها فحسب بل تشمل أيضًا الأسرة والعرق والشعب والأمة، وفي حالة وجود تضارب في المصالح بين المصالح الفردية والمصالح الوطنية فقد يتأثر الأمن القومي، فلذا ولضمانه يجب أن تكون إحدى القيم الأساسية لمجتمعاتنا بتبني موقفًا واضحًا لسلطة الدول فيما يتعلق بالمثل والقيم الروحية والأخلاقية والقيم الأساسية للغاية ويمكنك تسمية هذه القيمة كما يحلو لك كالفكرة الوطنية أو الدولة المثالية أو مبدأ الدولة الأساسي، فببساطة الأيديولوجية هي قمر صناعي في المجتمع يفكر فيه ويعكس الناس. وان تساؤلنا في لماذا تحتاج الدول والمجتمعات إلى الوحدة الاجتماعية؟ نجد الإجابة في العصر الحديث عبر "نهاية الإيديولوجية" وبذلك يتحول التحرر من الإيديولوجية إلى عبودية لا يدركها الناس ولم يختاروها ولكنهم وجدوا أنفسهم فيها، فتتمثل الأيديولوجية الحديثة لـ "مجتمع المستهلك" في شكل جديد من الأيديولوجية الليبرالية أو البرجوازية تحتاجها الدول والمجتمعات لكنه لا توجد أخلاقيات بدون أيديولوجية ولا توجد أيضا اخلاقيات حقيقية في الايديولوجيات، غير إننا لن ننسى انه يمكن للشعب ومن ثم نظام الدولة المثالية أن يكون بمثابة مؤشر للأخلاق العامة معتمدا كليا على العادات السائدة في المجتمع. وفي ظل أيديولوجية الدولة يجب فهم مجموعة من القيم والقواعد التي تضفي الشرعية على تنظيم السلطة العليا في بلد معين وإن جوهرها هو المثل الاجتماعي الذي يعتمد عليه تبرير إنفاق الطاقة وكذلك الدافع لسلوك المواطنين في بناء نموذج مثالي للدول والبنية الاجتماعية وضمان الأمن القومي وتحقيق قوى اجتماعية وسياسية معينة، فعبر ذلك ينشأ المجتمع من الناس على أساس القيم والمثل العليا المشتركة وأهداف الحياة المميتة وبالتالي فإن جوهر الدولة ينطوي على حماية ثقافة الشعب المكون للدولة بناء على يقين من التواصل الوطني والثقافة الشعبية، وان كل دولة وكل أمة وكل ثقافة تختلف عن بعضها البعض عبر ترتيب مختلف للقيم لذلك يتم تحقيق أنجح تفاهم متبادل بين الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس الثقافة والى ذات الأمة واحدة، وإن أهم لحظة في مسألة أيديولوجية الدولة هي النظر في حقيقة أن كل مؤسسة سياسية وقانونية وكل دولة هي نتاج التطور الثقافي لشعب ما وأمة ما، تتشكل كل دولة ضمن ثقافة معينة، يكون حاملها هو الشعب المكون للدولة ولا يمكن أن يكون هناك شخص مجرد وخارج إطار التقاليد الثقافية والتاريخية، وإن أيديولوجية الدولة على المستوى الوطني ضرورية لتوحيد الناس على أساس القيم الروحية العليا المعقدة من الأفكار حول ما يجب أن يكون في تطور الدولة حول أهدافها، ومن دون الإيديولوجية فمن المستحيل ضمان الأمن القومي وإدارة الدولة بفعالية ولكل أمة لها فكرتها الخاصة عن الدولة الذي يتم تحديد التسلسل الهرمي لقيمها عبر تاريخ وتقاليد وثقافة الشعب المكون لها، لذلك ومن أجل تطوير نظام أية دولة فمن الضروري السعي لتطوير التقاليد والثقافة الأيديولوجية وجعلها متاحة للإدراك مجتمعيا وتحويلها من نظريات وافكار إلى منهج قابل للتطبيق والتنفيذ الواقعي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عامر عبدزيد الوائلي"النهر للمنبع لا يعود النهر في غربته يكتسح السدود" عبد الوهاب البياتي

مقدمة:

إننا حينما نعالج "التصورات الجماعية " بعدها منظومات علامات، يمكننا أن نأمل بالخروج من المخيال الذي كان وراءها والذي يحتاج إلى نقد حداثي من أجل التخلص من تلك التفاصيل التي هيمنت على الفكر الوسيط، والتي مازالت حاضرة في الفكر المعاصر تخضع حاضرنا لها على الرغم من أنها تاريخيا زالت الظروف التي كانت وراءها؛ فبقائها يحول الثقافة إلى ثقافة غير منتجة بل تسهم في تخلفنا، وارتهاننا الى الماضي وخطاباته الشمولية .وتحليل تلك الموروثات يسهم في فهم الحالة النفسية على المستوى الفردي، والجماعي مما يجعل كثيرا من السلوكيات مثل (أن تطير العصابي الوسواسي، وإيمانه بالخرافة، واعتقاده بأفكاره التي تدور حول الحب، والكراهية في آن معا). (1) الذي يؤثر في سلوكنا بإزاء المحيط وبالاتي ثمة حاجة راهنة الى النقد، والتحليل النفسي (كلما زاد انفتاح المجتمع، زاد اهتمامه في أن يعكس ذلك في البداية وصفياً ثم نقدياً، على نفسه، وحاضرة فضلاً عن ماضيه ).(2)، فهي الحاجة أصبحت مهمة في مقاربة الموروث مقاربة نقدية تجعلنا كائنات تتحرر من هيمنة الأسطورة ونؤمن بقدراتها العقلية على الإنتاج، والتخليق بعيدا عن هيمنة الخطاب الأسطوري الذي اصطنع آليات إعجازية في التغيير غيبية كما تجلت في الموروث الديني، والشعبي (إما عصا موسى فهي جامعة لكل شيء، وهي حصيلة لعدة تصورات أسطورية متفاوتة: فهي عصا آدم الأصلية، وهي تفعل كل شيء (نمطها الآخر:خاتم سليمان)، وتصير كل شيء. (3)؛ لكن هذا لا يعني أن الأسطورة هي من سمات الماضي، فحسب بل هي راهنة أيضا (أي مجتمع ينحو باستمرار إلى أسطرة أشيائه اليومية، بمعنى أنه يحولها إلى كلام، وكلامه، والاستخدام الفردي لمنظومة اللسان – كما يقول دوسوسير –وكلام المجتمع هو ذلك الاستخدام مبهرج، منمق، اي انه كلام مزيف . ولكي يتسنى لنا فضحه لابد من فضح كلامه ).(4)

فضلا عن هذا فإن للأسطورة عمقا آخر هو " الرمز"، فالتحليل يقودنا إلى كشف المدلول الذي يشير له "الرمز" إذ (علة العموم، تبقى مشكلة الرمز معلقة؛ لأنه ما من قضية نظرية أثارت الفكر الإنساني، وأسالت مدار المفكرين مثلما أثارتها مشكلة تفسير الرمز، علما بأن عددا محدودا من الرموز، اصطلحت بعض المجموعات الإنسانية على تفسير مدلولات، وفي كل مرة يطرح فيها موضوع الأسطورة، سرعان ما يبتعد التفكير بنا إلى الماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به ؛ لأن الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه، وفي حاضره، وفي مستقبله ).(5)

من ينزعون إلى المعرفة المجردة بنظرتهم الشمولية للطبيعة، فهم معنى الوجود من بدء بروز أول مقدس على ظاهرة الوجود، وعلى مختلف تعاليم، و أخلاقيات، وشرائع الديانات التي تستمد رؤاها من جوهر واحد متمثل بإله واحد وحده الإله، لاتصافه بالوحدانية .(6) فالله يمثل المركز الذي تفيض عنه المعارف، والشرائع وعنه يظهر الحق، والانسان في تمثلاته الثقافية الدينية سواء في الدين أم في التصوف أم في السيرة الشعبية هي تشكل الرأسمال الثقافي الذي يحاول الدكتور علي زيعور أن يتخذ منه مرجعا في قراءة العقل، وارتهاناته، ومكاسبه وهزائمه، فإن الدكتور علي زيعور يريدك دائما باحثاً عما يبحث هو نفسه عنه ، فهو يتجرء على اللغة لقد خرق قوانينها المعيارية، وكون لغته الخاصة به .وهي لغة تظهر عمق درايته بالتراث والمعاصرة، وعلوم النفس، وتحليل الخطاب معا .

إذ يأتي هذا الفصل في كتابنا عن المفكر اللبناني دكتور علي زيعور الذي حمل عنوان " قطاع البطولة، والنرجسية في الذات العربية " والذي وضع له عنوان فرعي: (المستعلي والأكبري في التراث والتحليل النفسي)، بحث مميز ويتعامل مع التراث بنظرة حداثية (فالحداثة وفقا بذلك زمن تاريخي أكثر من كونها وعيا جديدا، و إن كان هذا الوعي الجديد قد تمظهر في حقبة تاريخية محددة مما جعلها لصيقة بعدد من المحددات بدءاً من العقلانية، والتنوير، وانتهاء إلى فكرة التقدم، فهي تتجلى إذا في مجموعة من القيم التي تعبر عن روح الزمن وفعل العصر) .(7) فهو يقرأ الموروث بكل بعده القدسي الذي تمركز حول المقدس، وقد عد كل شيء تجليا له، بروح تنتمي إلى الحداثة وبعدها الانسي القائم على حضور الإنسان الذي يشكل اليوم حضورا فعالا في مشهدية الحداثة، وما بعدها ابتداء باللغة التي هي خير من يعبر عن مشاعره إذ (يقول شتراوس: إن الرمز اللغوي إذا كان اعتباطيا مسبقا فانه لا يظل كذلك مؤخرا).(8)، وهذا ما نجده في حفريات علي زيعور في اللاوعي العربي عن مفهوم البطل فهو يمنح اللغة دورا مهما في تحديد تمثلات العربي ونظرته الى ذاته أوالى مجتمعه إذ (قسمات الشخصية في التحليل النفسي للأدب الشعبي لم تكن سوى مرحلة أولية للوصول إلى عملية الترميز التي تعاهد عليها التحليل النفسي، ويقترب من المنهجية التي اعتنقها يونك في علم النفس التحليلي، والتي اعتبر بها البطل احد المكونات الرئيسية للاشعور الجمعي ).(9)، وفي هذا الكتاب موضوع البحث والتحليل نجد أنه تطرق إلى موضوع مركزي هو البطولة أو البطل في المخيال العربي في الدين، والأسطورة، والأدب الشعبي والتصوف ، إذ جاء في مفهوم (علم البطولة )، تناول فيه:

أولا علم البطولة أو قطاع الأكبرية، والبطولة في القيم وشبكة المعايير .الى جانب دراسة كل من (البطل من حيث البنى والوظائف)، اذ تطرق إلى البطل، والجماعة، والثاني: البطل و العالم الثاني، و البطل العربي، والإسلامي في الصورة، والبزوقة، والتوريقة .

أما المفهوم الثاني (الرئيس العصابي باتجاه البطل والمستعلي)، فقد تطرق فيه إلى ثلاثة أبعاد: في أولها الرئيس الكرامتي ونمط العلائق الذوباتية؛ وثانيها الرئيس العظامي والنكوص إلى الأواليات الطفولية في التكيف، و التكييف .أما المفهوم الثالث، و الأخير فقد جاء بعنوان اللاوعي والبنية اللغوية المؤسسة .

في بحثنا هذا سوف ندرس: جزء من تلك المواضيع التي درسها في الجزء المتقدم من كتابه المواضيع، التي وجدناه في عرضها وتحليلها في المبحثين الأول مناهج البطولة والثاني من هذا الفصل من كتابنا عن المفكر العربي الكبير علي زيعور وتطرقنا في الثاني: الى البطل من حيث البنى والوظائف.

 

  ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

استاذ الفلسفة الوسيطة في جامعة الكوفة

...............................

(1) عامر عبد زيد الوائلي، العقلانية الغربية ورهانات الدين، مؤسسة الصادق الثقافية، ط1، بابل، 2019م، ص146.

(2) إسرائيل شاحاك، تاريخ اليهود وديانتهم ...، دار كنعان، ط1، دمشق، 2012م، ص60.

(3) خليل احمد خليل، مضمون الأسطورة في الفكر العربي، ص65.

(4) رولان بارت، أسطوريات، ترجمة قاسم المقداد، دار نينوى، ط1، دمشق، 2012م، ص6 من مقدمة المترجم

(5) قاسم المقداد، هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، دار سؤال، ط1، دمشق، 1984م، ص52.

(6) منير الحافظ، التماثل "جمالي وحدة الإله والوجود في معايير العقل الباطني "، النايا للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2014م، ص6.

(7) رضوان جودت زيادة، صدى الحداثة مابعد الحداثة فى زمنها القادم، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، 2003م، ص33.

(8) صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط3، بغداد، 1987م، ص140

(9) عبد الرسل عداي، سمات البطولة و الجنوسة فى قصص الف ليلة وليلة، الشؤون الثقافية العامة ط1، بغداد 2009م، ص49.

 

عدنان عويدفي المفهوم: الدين في سياقه العام شكل من أشكال الوعي البشري، تكون تاريخيا من خلال علاقة الإنسان مع الطبيعة أولا، ثم مع المجتمع ثانيا، بعد أن أخذ هذا المجتمع يتشكل بعيداً عن القطيع، أي الغريزة، ليتجلى كمجتمع أسرة وعشيرة وقبيلة ودولة...إلخ، أصبح له علاقات متنوعة كثيراً ما تخللها الاستغلال والقهر والظلم والاستلاب والتشيئ.

قد ابتدأ  هذا الدين عند الإنسان البدائي كوعي أسطوري او خرافي حاول هذا الإنسان من خلاله تفسير آلية عمل القوانين التي تتحكم بحركة الطبيعة والمجتمع، نتيجة لجهله بطبيعة تلك القوانين، وخاصة الاجتماعية منها التي أوجدها هو بذاته بعد تطور قوى وعلاقات الانتاج وممارسته نشاطاته الإنتاجية بشقيها المادي والروحي، حيث راح هو ذاته يضيع في عالم منتجاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وما ولدته من علاقات، حتى أصبحت هذه العلاقات بالنسبة له قدراً محتوماً وكأنها منتج من عالم آخر، أو قوى أخرى خارج عالمه المعيوش، الأمر الذي لم يعد لوعيه ولا لإرادته الدور الفاعل في تجاوزها بسهولة، وخاصة بعد أن ساهم الدين نفسه عبر الكثير من مشايخه (علمائه) في تغييب الوعي العقلاني وتحطيم الإرادة الإنسانية القادرة على تجاوز هذا الوعي الأسطوري، معتبرين أن كل ما يصيب الإنسان في حياته هو أمر مقدر له من قبل قوى خارج نطاق عالمه أو محيطه.

نقول: إذا كان الدين قد ابتدأ وعياً مشوهاً، سادت فيه  الأسطورة والخرافة في تفسير القوانين المتحكمة في عالم الطبيعة والمجتمع، إلا أن الفكر الديني عبر سيرورته وصيرورته التاريخيتين، وصولاً إلى المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها الديانات التوحيدية، بدأ هذا الفكر الديني يتأنسن إلى حد ما، وخاصة بعد أن أخذ يرتكز على قوة أو إرادة واحدة تعتبر سبب التحكم في هذا العالم وهي (الله) المسؤول عن حياة البشر ومصيرهم. وعلى الرغم من أن الأسطورة لم تغب أيضا مع هذه الديانات التوحيدية بل ظلت قائمة في تفسيرها للكثير من الظواهر الطبيعية والاجتماعية عند من لم يستطيع من المغسرين استيعاب التطور العلمي حتى اليوم، كما جاء في تفسير مسألة خلق الطبيعة والمجتمع (سفر التكوين)، التي لم تزل سائدة في الوعي الديني البسيط حتى اليوم. إلا أن  تطور العلم استطاع تاريخيا وبالضرورة فيما بعد أن يحطم الكثير من مقومات ذاك النسق الأسطوري في تفكير الإنسان إلى حد كبير ويُثبت شيئاً فشيئاً أن هناك قوانين موضوعية مستقلة بذاتها عن وعي الإنسان وإرادته هي من ساهمت في تشكل الطبيعة وظواهرها، وهي ذاتها من يتحكم في آلية عمل هذه الظواهر. أما بالنسبة للمجتمع وعلاقاته فإن تطور علم الاجتماع والكثير من العلوم الإنسانية ومناهج البحث العلمي بينت كيف تشكلت القوانين التي راحت تهيمن على حركة المجتمع وتطوره، وكيف تحققت حالات الضياع والتشيئ والاستلاب التي تصيب الإنسان بفعل نشاطه الروحي والمادي. حيث تبين (أن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم). ومع ذلك فقد ظل هناك دور فاعل للدين في حياة الإنسان لم يستطع تجاوزه حتى اليوم، وأن هناك مقاصد إنسانية للدين ذاته لا بد من الأخذ بها وتوظيفها لمصلحة الإنسان.

أمام هذه المعطيات التي جئنا عليها نستطيع القول بأن الدين رغم تطور العلوم بكل اتجاهاتها، لم يزل بفرض نفسه ومكانته في عالم الإنسان المتمدن، وأن الكثير من حياة الإنسان لم تزل تخضع للدين، وأن الإنسان لم يزل يفكر ويمارس نشاطه الحياتي بمرجعيات دينية، وهذا ما يدفعنا للوقوف هنا عند الوظيفة الاجتماعية والقيمية للدين في سلبها وإيجابها وتأثيرها على حياة الفرد والمجتمع معاً.

الوظائف الايجابية للدين:

لاشك فيه أن وظيفة الدين الايجابية في سياقها العام تقوم بربط الفرد بمحيطه الاجتماعي، أو بالجماعة التي ينتمي إليها دينياً كعقيدة، وتفريعات هذا العقيدة طائفياً ومذهبياً، وهو هنا  - أي الدين – (يقدم العون المعنوي عند ضياع الفرد، والأمل عند الخيبة،)، والرضى عند النجاح، فهو بمثابة آليات عمل معنوية ورقابية تعمل على ضبط وتعديل جملة التوازنات الممكنة بين الفرد وذاته، وبين الفرد والمجموعة التي ينتمي إليها. فالدين يحترم الملكية الخاصة ويقدر جهد الإنسان الايجابي في هذا الاتجاه، مثلما يساهم الدين في ضبط العلاقات الزوجية وما يتفرع عنها من مسائل أسرية، والدين عندما يتحكم في وعي الفرد المتدين يعمل كشرطي داخلي في رقابة وضبط أعمال الفرد وغرائزه وجملة حالاته النفسية والأخلاقية وغير ذلك، وبالتالي فإن عملية الضبط والمراقبة هذه تحدد وظيفة الفرد والجماعة اجتماعياً وإنسانياً بشكل عام، بحيث توصل الفرد أحياناً إلى درجة الإثار تجاه الآخرين على المصلحة الفردية، (أصبحت نادرة اليوم)، وذلك لما يحققه هذا الدين للفرد من شعور عال بالانتماء تدعم معنوياته إلى درجة التضحية بالنفس تجاه العقيدة وتجاه الجماعة التي ينتمي إليها دينياً، وهذا الموقف التضامني نجده أيضاً عند الكثير من الطوائف والفرق الدينية في موقف الجماعة من الفرد من حيث الوقوف إلى جانب كل فرد يحتاج المساعدة والعون من قبل جماعة طائفته او فرقته الدينية.

ما أريد التأكيد عليه هنا، إن هذه المواقف الايجابية في التوجه الديني، غالباً ما تنحرف عن مساراتها الصحيحة وتصبح عقبة أمام تطور المجتمع، وهذا ما سوف أشير إليه في الوظائف السلبية للدين.

الوظائف السلبية للدين:

أولاً: ظل الدين تاريخياً نقطة ارتكاز للقوى المستبدة والمستغلة، حيث وجدت هذه القوى من يقوم بتفسير هذا الدين وتأويله لمصلحة القوى الحاكمة والمستبدة في التاريخ. وبالتالي فقد شكل الدين هنا وظيفة أيديولوجية تشتغل على إعادة صياغة وعي الفرد والجماعة على قبول الظلم والقهر والجوع والاستبداد والتشيئ والاستلاب والضياع، واعتبار هذه القضايا وما يتعلق بها أمراً مقدراً على الإنسان من خارج واقعه وعليه القبول به والرضوخ له. فعلى مستوى الدين الإسلامي مثلاً نجد هذا التوجه وضحاً عبر تاريخ الدولة أو الخلافة الإسلامية، فهذا ابن حنبل شيخ التيار السلفي الذي عانى من ظلم الخليفة المأمون العباسي كونه خالفه الرأي في مسألة كلامية تتعلق بخلق القرآن، يؤكد لنا ضرورة الخضوع للسلطان المستبد باسم الدين حيث يقول مناشدا عموم المسلمين بضرورة عدم التمرد على الحاكم : (من غلبهم بالسيف حتى صار عليهم خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين). (1). وهذا الشيخ الباقلاني يقول في هذا الاتجاه بشكل واضح وجلي بما يؤكد هذا الموقف السلبي من توظيف الدين لمصلحة الحاكم: (لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته في شئ ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه.) (2).

أما (نظام الملك) الوزير السلجوقي المشهور الذي ظل وزيراً لمدة ثلاثين سنة، فقد استطاع أن يبني المشروع الصوفي الطرقي ورسم طريقه السياسي والروحي لخدمة السلطان عندما قام بصرف أموال كثيرة على هؤلاء المتصوفة وتنظيم حركتهم في القرن الخامس للهجرة حيث عاتبه السلطان على صرفه لهذه الأموال دون طائل، فرد عليه بقوله: (لقد اقمت لك جيشاً يسمى جيش الليل، إذا نامت جيوشك ليلاً قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفاً بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم وأطلقوا ألسنتهم ومدوا أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك ...). (3) .

ثانياً: القرآن حمال أوجه كما يقول الرسول محمد: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجه الحسن). فهذا التعدد في الوجوه الذي أشار إليه النص القرآني نفسه أيضاً في الآية السابعة من سورة آل عمرن، بين كيف يتعامل مع الآيات المتشابهات من في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهذا التعامل البراغماتي مع النص الديني الذي ساهمت السياسية بدور كبير فيه كما أشرنا أعلاه، كانت له نتائج سلبية على خلق فرق ومذاهب وطرق دينة بين المسلمين  بعد وفاة الرسول، راحت تتصارع فيما بينها ولم يزل هذا الصراع قائماً حتى الآن، حيث ساهم هذا الصراع في تفتيت المسلمين وزرع الخلافات بينهم حتى وصلت إلى حد التصفيات الجسدية، وإلى خلق حروب أهلية اعتبرت الطائفية والمذهبية عنواناً لها.

ثالثاً: الفهم الخاطئ لمفهوم العلم والموقف منه عند الكثير من رجال الدين السلفيين المتشددين، الذي اقتصروا العلم على العلوم الدينية فقط، معتبرين أن ما عداها وخاصة العلوم الإنسانية الوضعية التي تدخل فيها علوم الفلسفة والمنطق والقانون، هي علوم منافية للدين ومن يتعامل بها هو خارج عن العقيدة الإسلامي وداخل لا محال في مضمار الزندقة والكفر والالحاد. فهذا الموقف من هذه العلوم الوضعية ساهم كثيراً في سيادة الفكر الغيبي الامتثالي من جهة، والحؤول دون النظر معرفيا وعقلانياً إلى قضايا الواقع الاجتماعي ومحاولة تفسير قضاياه بناء على مقتضيات العصر وحاجاته. من هنا ظل الكثير من رجال الدين ينظرون إلى الحاضر بعيون الماضي مُوقفين باب الاجتهاد وتبديع كل من يحاول أن يعيد حتى تفسير النص الديني خارج رؤى التفسير والتأويل القروسطي. هذا مع ضرورة الاشارة هنا إلى تلك المواقف السلفية الرافضة لكل حياة فكرية وعملية قبل وبعد ظهور الإسلام.. فالإسلام عندهم جب ما قبله وما بعده. وهم هنا يوقفون حركة الزمن عند تاريخ محدد من حياة هذه الأمة وهي القرون الهجرية الثلاث الاولى .

أمام هذا الموقف السلبي من العلم الوضعي، ظل الجهل والتخلف فكراً وممارسة حاضراً في زمننا المعاصر، بل ظهرت في أيامنا هذه قوى إسلامية راحت تعمل على بناء الدولة أو الخلافة الإسلامية وفقاً لهذه الرؤية القروسطية، ممارسة كل أشكال العنف ضد من يحاول الخروج عن رؤية وسلوكيات أهلنا من السلف، كما هو الحال عند دولة داعش الإسلامية، التي بموقفها هذا من العلم وتطور الحياة أدى إلى وقوف العالم كله ضدها، وهذا أمر طبيعي كوّنه منطق التاريخ الذي يقر بأن التقدم حالة طبيعية لا يمكن لأحد أن يوقف عجلته.

رابعاً: الدين عقيدة، والعقيدة إذا ما جُمدت تحولت إلى أيديولوجيا، والأيديولوجيا في نهاية المطاف موقف من الحياة بكل مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، يعمل الإنسان وفقاً لها على تفسير وصياغة وإعادة إنتاج ما يحتاجه من هذه الحياة واعتبارها – أي العقيدة - مرجعيته لأساس في الانتماء، وهنا تكمن خطورة الأيديولوجيا الدينية إذا ما اعتبرها حملتها المرجع الوحيد لانتماء الفرد والمجتمع، وهذا ما تبنته تيارات وأحزاب الإسلام السياسي، وبالتالي فأي انتماء آخر للوطن أو للقومية هو انتماء خارج عن المرجعية الأساسية للإسلام الذي يعتبر أن وطن المسلم هو الأرض التي ينتشر فيها الإسلام، وأن مرجعيته العقيديّة  أو الفكرية هي العقيدة الإسلامية فقط وكل من ينتمي لغير ذلك هو كافر ضد الإسلام ويجب محاربته.

خامساً: الدين بعمومه دعوة للتوحيد من جهة، ودعوة لبناء حياة الإنسان وفقاً لقيم أخلاقية رسمها الدين نفسه بناءً على المرحلة التاريخية التي ظهر فيها. بيد أن المشكلة الخطيرة في هذا السياق لدى المسلمين ودعاته على سبيل المثال هو تركيزهم الدائم على هذه القيم الأخلاقية الماضوية وضرورة التمسك بها لأنها هي وحدها من يجنب الإنسان الوقوع في الرذيلة والفساد، وبالتالي خسران الدنيا والآخرة. فـ (مشروع فضيلة) الذي يبشر به دعاة الإسلام والمؤسسات الدينية الرسمية دائماً متجاهلين بأن الأخلاق نسبية وهي تخضع بالضرورة للتطور والتبدل ساهم إلى حد كبير في إيقاف عجلة التاريخ وكبح تقدم الشعوب المنتمية لهذه العقيدة.

إن لكل مرحلة تاريخية قيمها الأخلاقية، إن كان على مستوى العلاقات الاقتصادية  أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، وكل من يحاول تجاهل هذا القيم في حالة تطورها وتبدلها ونسبيتها، هو يقف ضد حركة التاريخ وستكون نهايته الضياع والدمار. وهذا حال الكثير من دولنا ومجتمعاتنا العربية التي لم تزل متمسكة بمشروع فضيلة الإسلامي الذي تريد تطبيقه قوى الإسلام السياسي في العالم الإسلامي، وما جرى من مهازل التاريخ في ما سمي ثورات الربيع العربي التي تبين أن الإسلامي السياسي ومشروع فضيلته كان وراء الكثير مما جرى في سورية والعراق ولبنان وليبيا وتونس ومصر من مآسي، إضافة للمآسي التي تركتها لنا الأنظمة التي تدعي العلمانية، هذا مع إيماننا بأن التغيير في الأحوال السياسية بالنسبة لمفهوم الدولة في هذا الدول أو المجتمعات، يتطلب إعادة النظر فيه وفقا لروح العصر الذي يؤمن بالتعددية وتداول السلطة والمواطنة واحترام الرأي والرأي الآخر والموقف الايجابي من المرأة ونسبية الأخلاق. وغير ذلك من قضايا تعيد للإنسان مرجعيته الإنسانية بعد أن استلبتها منه قوى سياسية مستبدة لمدة مئات السنين تحت مسميات عديدة متخذة من الدين أحد الوسائل الأساسية من أجل تجهيل الشعب وتغريبه عن واقعه الحقيقي، وخاصة في مسألة الترويج لفكرة روجها منذ العصور الوسطى رجال الفكر السلفي وهي منع القيام ضد الحاكم واستبداده تحت ذريعة الابتعاد عن الفتنة كما بينا في مواقف سابق عند ابن حنبل وغيره.

ملاك القول: يظل الدين بشكل عام والدين الإسلامي منه بشكل خاص، محكوماً بآياته أو نصوصه المحكمات (البينات) التي لا تسمح لمن في قلوبهم زيغ أن يفسروه ويؤولوه على هواهم ومصالحهم. فالدين الإسلامي دين حددت طبيعته ومقاصده الآيات البينات (المحكمات)، بأنه دين يقر بوحدانية الله، ويعترف بكل الأنبياء والرسل ولا يفرق بين أحدهم منهم، وهو دين يدعو إلى العدالة والمحبة والمساوة واحترام الرأي الآخر، كما يقر بدور العقل وإرادة الإنسان كوسيلتين اساسيتين من الوسائل التي عليه استخدامها بعقلانية وبما يؤكد خلافته على هذه الأرض، كما يقر الإسلام أن الزمن يتطور ويتبدل وعلينا مراعاة خصوصيات زماننا ومكاننا وما تفرضه هذه الخصوصية من اعتراف بانتماءات الإنسان الوطنية والقومية وضرورة الحفاظ عليها والدفاع عنها عند تعرضها لخطر داخلي أو خارجي، وهذا أحد أوجه الجهاد المقدس .

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

............................

(1) - أبو يعلي محمد الحسن الفراء- الحكام السلطانية – دار الكتب العلمية – بيروت 1983- ص20.

(2) - جواد ياسين- السلطة في الإسلام- المركز الثقافي العربي- بيروت 1998- ص86 -

(3) - الجابري-  تكوين العقل العربي – مركز الوحدة للدراسات- بيروت- ص 280

 

 

اكرم جلاللقد أولَت الفلسفة السياسية وعلوم النفس والاجتماع العبوديّة الطوعية اهتماماً كبيراً، لأنَّها ارتبطت بمنهج الذلّة الاختياريّة وسلوكيّاتها.

كتب إتيان دو لا بويسيه (1530 - 1563)، مؤسّس الفلسفة السياسية الحديثة في فرنسا، مقالاً نشره في العام 1552 أو 1553، ويتحدّث فيه عن أسباب نشوء العبودية الطوعية وانتشارها بين طبقات الشعب، ويُعتبر من أشهر مقالاته. وقد تحوّل بعد ذلك إلى كتاب يحمل العنوان نفسه "مقال في العبودية الطوعية".

يقول في بعض صفحات الكتاب:

"ينتشر الداء السياسيّ في ظلِّ حكمِ طاغيةٍ ما انتشاراً ضمن طبقات متعاقبة، فيتقرّب إلى المستبدّ خمسة من الطامعين أو ستة، ليصيروا متواطئين مع مطالبه تواطئاً مباشراً، لكن هؤلاء الستة ما يلبثون أن يصيبوا بالعدوى ستمائة من الأشخاص السلسي القيادة أو ذوي المنافع الكبرى، ليعود هؤلاء فيصيبوا ستة آلاف من المتزلّفين الطامعين... وهكذا حتى تصيب العدوى غيرهم من الطامعين الأذلاء... إنَّ العيون التي يترصَّد بها السيد أتباعه، إنما هي التي يتولّون منحه إياها، والأيدي التي تنهال عليهم بالضرب لا يأخذها إلا من بين صفوفه... لا سلطة لسيّدهم عليهم إلا بهم. لذا يغدون بكلّ يسر شركاء اللصّ الّذي يسرقهم والمجرم الَّذي يقتلهم. لم تُستعبد الشعوب إلا لأنَّها استسلمت للفساد وقبلت بالاستغباء".

وفي السّياق ذاته، يقول المفكّر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) في كتابه "شروط النهضة":

"الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذلّ الاستعمار، والتي تمكّن له في أرضها. وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتَّسع لذلّ مستعمر، وتخلَّصت من تلك الروح التي تؤهّلها للاستعمار. ولا يذهب كابوسه عن الشعب - كما يتصور بعضهم - بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي يصبح معه الفرد شيئاً فشيئاً قادراً على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديراً بأن تُحترم كرامتُه. وحينئذ يرتفع عنه طابع "القابلية للاستعمار"، وبالتالي لن يقبل حكومة استعماريَّة تنهب ماله وتمتص دمه، فكأنّه بتغيير نفسه قد غيّر وضع حاكميه تلقائياً إلى الوضع الذي يرتضيه".

من هنا، ندرك أنّ الأمم الناهضة هي تلك الّتي تتوهّج حضاراتها، وتتجلّى عظمتها من خلال الثبات على طريق الحريّة ورفض العبودية بكلّ أصنافها، وتقاوم الجهل والتخلّف من أجل تهيئة الطريق نحو مستقبل يَنعَم فيه الجميع بالتقدّم والازدهار.

أمّا الأمم المُستعبدة، فلا نجاة لها إلّا من خلال التسلّح بالوعي والمعرفة، والإيغال في غياهب الواقع الاجتماعي، وتحليل علاقاته السببية بجميع أبعاده ومسمّياته، وأهمها دراسة سلوكيات الأفراد ضمن فترات زمنية متباعدة (الأنثروبولوجيا)، والبدء باستقراء الواقع الحقيقي للأمة عبر مراحلها التاريخية. وهذا الأمر لن يكون متاحاً إلّا من خلال دراسات علميّة مُعمّقة لمنهجية النُظُم الاستبداديّة والطاغوتيّة التي توالت على صدر الأمة منذ عقود وطبيعتها.

لذا، إنّ أيّ محاولة للسَّير نحو الانعتاق والخلاص لن يُكتب لها النجاح ما لم يكُن المنهج مبنياً على قاعدة الفهم والإدراك والإحاطة بالأسباب التي أدّت إلى نشوء النظم الطاغوتية، وكيفية مساهمة أفراد المجتمع أنفسهم في قيامها، من خلال الارتماس في مستنقعات الجهل والأميّة ورفض التحرر الفكري، فيما يكمن طريق الخلاص في تنوير العقول والتسلّح بالوعي المفاهيمي.

إنَّ العلم هو طريق النجاة، وأهل العلم أحرار، وإن قَيَّدَتهم السلاسل، وأهل الجهل عبيد، وإن اتّسعت بهم المنازل، فالنّاس عبيد بقدر جهلهم بذواتهم وما أنعم الله تعالى عليهم من قوة الفكر وجمال البصيرة، والتي إن أحسنوا استخدامها، فسيدركون أنّ الله تعالى إنّما وَهَبَها إكراماً لهم ليكونوا أحراراً، لا ليركنوا إلى العبودية.

لقد أولَت الفلسفة السياسية وعلوم النفس والاجتماع العبوديّة الطوعية اهتماماً كبيراً، لأنَّها ارتبطت بمنهج الذلّة الاختياريّة أو الطوعية وسلوكيّاتها، والتي أمْلَتها انحرافات الوعي المفاهيمي، وغياب الإدراك الحسّي، والضياع الأخلاقي، والسلوكيّات السقيمة.

والذات الإنسانيّة متباينة في طبيعة علاقتها بالنظام السلطوي، فَمِنْها ما يعيش الحريّة، وينعم بقوّة الوعي، وينظر إلى الحياة بِعَينٍ مُبصرة، وهيَ النّفس التي لا تتوقف عن السُموّ وترفض الذلّ والهوان، لكننا في المقابل، نرى النّفس الذليلة التي يهمّها علفها، مثل حيوانات مُدَجّنة تُصبح وتُمسي على هدف واحد ومطلب لا يتغيّر، وهو البقاء.

إنّ من المحزن أنْ ترى أمّة تحمل إرث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفيها أناس يعشقون العبوديّة؛ أمّة تحمل أعظم منهج سماويّ في الحريّة والتحرر، ولكنها ترزح راغبةً تحت سلطة الطاغوت بعد أن افتتنها بسحره، فغضّت النظر عن معاجز الله }نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}.

والإنسان حين ينسى نفسه، فإنّه يعيش الوهم ويراه حقيقة، فتجده قد تمسّك بالخيال الذي تعطّف به عليه الطاغوت، فرضخ صاغراً طائعاً متلهّفاً لأفكاره ومنهجه.

إذاً، إنَّ العبودية الطّوعية هي سلوك اختياري وممارسة ينتهجها الفرد من تلقاء نفسه ليكون عبداً للطاغوت، بغض النّظر إن كان هذا الطاغوت مستعمراً أو حاكماً سياسياً أو تنظيماً حزبيّاً، أو حتى مسؤولاً في دوائر الدولة، فالعبد عندما يتّخذ غير الله رباً، فهو بذلك يخرج مفهوم العبادة والتعبّد عن معناه الحقيقي الَّذي أراده الباري جلَّ وعلا، فالعبادة إنّما هي لله وحده. وحين تكون لغير الله تصبح عند ذلك شركاً.

والطاغوت، بحكم طبيعته، لا يملك القُدرة على فَرض انتصاراته وإملاء إرادته على جمهوره بالقوة ما لم يُعينوه ويمنحوه حريّتهم، بإرادتهم وبكامل إدراكهم، فالحريّة عندما تُسلب سيضيع بعدها الفكر والتفكير، ليبدأ بعدها الزّحف نحو الإله الجديد بعقول فارغة، فيملأها الطاغوت بأفكار ومفاهيم شتى بما شاء، وكيفما شاء، ومتى شاء، لتكون تلك الأفكار المشوّهة منهجاً مقدّساً، تُخصّص له الدروس، وتكرّس له العقول، وتُفدى من أجله الأرواح، فالزعيم والقائد الأوحد هو السند والوتد، وهو الرّبّ الذي يُعبد.

لقد نشأت حلقات العبودية مُنذ أن قبلَها طواعية نَفَر من المقرّبين، فبدأ الطاغية بممارسة التسلّط والإرهاب على هذا الصّف من العبيد. ولأن الأخير توّاق إلى التسيّد والظهور، ويحمل فكر الطاغية ومنهجه، ويسعى إلى نشر أفكاره، فإنّه سيبدأ ببناء صفٍّ ثانٍ للعبيد. وهكذا تتزاحم الصفوف، والكلّ يتسابق من أجل نقل فضائل الزعيم الرؤوف، مستخدماً جميع الطرق والوسائل، والويل لمن يتجرأ على النقد أو المساس، فالقائد هو الأساس!

وعند البحث عن تفسيرات وتأويلات للأسباب التي تدفع الإنسان الحرّ إلى أن يشتري العبودية بمحض إرادته، فإنَّنا سنقف عند الكثير منها. ولعلّ أهمها ما طرحه ابن خلدون في الفصل الثالث والعشرين في المقدمة، إذ يقول: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، إلى أن يقول: "وتأمّل في هذا سر قولهم "العامة على دين الملك"، فإنه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم".

هذا هو ما يفسّر التوجّه السلوكي إلى العبودية. هو حالة من الدونيّة والنقص، وسلوك أخلاقي غير متّزن، ثم إنّ الطّمع والرغبة في الرئاسة والتسيّد على أوجاع المقهورين هما أيضاً من الأسباب التي تدفع الإنسان الحرّ إلى أن ينسلخ عن حريّته، ويخلع عنه رداء الكرامة التي منَّ الله تعالى بها عليه، ليلبس رداء المتعبّد لغير الله، لعلّه بذلك يبلغ بعضاً من حطام الدنيا، مع علم هذا المتعبّد بأنَّ الطريق الذي اختاره سيبقيه عبداً، وأنّه لن يَنعم بالحرية أبداً، وإن ملك ما تمنّى.

لذلك، إنَّ الخروج من مستنقع العبوديّة يتطلّب وقفة حقيقيّة مع الذات الإنسانيّة، من أجل مسح جميع العوالق والموروثات التي تراكمت عبر السنين، والخروج من قولبة الذلّ والانبطاح وحالة النقص المتوارثة، والبدء بإطلاق العنان للعقل والوعي.

كما أن الارتباط المطلق بالله تعالى هو الطّريق الأوحد نحو فجر الخلاص، فالإنسان، بطبيعته، مجبول على الحريّة، وحقّه في ذلك مُقدّس فَرَضَته الشرائع السّماويّة، والعبودية منشأها وجودي طوعي، وهي بطبيعتها تتناقض مع الفطرة الإنسانية.

والشعوب، وإن ارتضت العبوديّة ردحاً من الزمان، فلا بدّ من أن يأتي الوقت الذي تستفيق فيه، لتخرج من ذلّ عبوديّة الطغاة إلى كرامة عبادة الله وحده. وفي ذلك تكون الحريّة قد اكتملت، وتكون الأغلال قد كُسّرت، وعادت للإنسان إنسانيته التي أرادها الله تعالى له.

 

د. أكرم جلال

 

اسماء محمد مصطفىربما بات الحديث عن الاخلاق او القيم العليا والذوق العام  في نظر البعض او الكثيرين في بلدنا، العراق، حديثا شاذاً وقديماً ليس له مكان له اليوم مع تردي الاخلاق والذوق العام، نذكر في طفولتنا  كان أهالينا يعلموننا ويربوننا على القيم السامية وتعزز المدرسة مايربينا أهالينا عليه ، أما اليوم وبسبب الظروف العامة المعروفة لدينا وبسبب غياب سلطة القانون وهيبته، تمادى كثيرون في التجاوز على الكثير من القيم وإزاحتها بسلوكيات طارئة وأفكار ظلامية فوضوية، حتى بات يُنظر الى المتمسك بالاخلاقيات العالية على أنه إنسان غير واقعي بل هو خارج السرب، وأصبح النظر الى الاخلاقيات على أنها مثاليات، والمثالية ينظر اليها على أنها  خيال او أقرب الى الخيال،  بينما الاخلاق ليست خيالا، لأنها واقع فعلا، مترسخ في البعض ممن حافظ على قيمه العليا بالرغم من الفوضى واللامبالاة والإغراءات حوله، وهذا يجعل المتمسك بقيمه إنسانا فريدا عن الآخرين ، يشعر بالغربة عن محيطه .

أهمية الاخلاق

إنّ الاخلاق السامية مهمة بشكل استثنائي الآن لغرض إعادة بناء البلد والحياة، لأنَ بناء الإنسان قيميا وثقافيا يسبق بناء الجدران، ولأنَ بناء الاوطان يبدأ ببناء الإنسان اولاً .

وتحتاج القيم العليا كي تنمو او تعود او تستعاد الى : التربية والتعليم وتشجيع البيئة لها، ولكن التشوه أصاب هذه المجالات، الامر الذي جعل موضوعة تنشيط القيم صعبة، هنا، ومع شيوع الفوضى ومرور البلد بظروف صعبة واستثنائية تبرز الحاجة أكثر الى الإعلام المسؤول  بجميع أشكاله (المقروء والمسموع والمرئي) كي يقوم بدوره في تعزيز  القيم بعد إعادتها الى السطح وتذكير الناس بها،  لكن ثمة معوقات تعترض هذه المهمة ، في مقدمتها التقاطع بين مضامين الرسالة الإعلامية الهادفة ومصالح بعض الناس ممن يرون أن قيماً كالصدق والأمانة والنزاهة  والالتزام بالقوانين لاتصب في مصلحتهم ولاتنفعهم على العكس من المخالفة التي تسهل لهم أمورهم وسط الفوضى العامة .

الامر الآخر إن وجود سلطات فاسدة ومسؤولين فاسدين يسبب الإحباط للمواطن الذي يقول لماذا التزم بالاخلاق بينما السلطة لاتلتزم وعدم التزامها يؤدي الى ثرائها بينما انا أبقى فقيرا .  هنا، ليس كل الناس بالقابليات نفسها، هناك من لايتخلى عن قيمه وذوقه مهما كان الثمن وهناك من يركض مع القطيع .  الحقيقة، هناك شيء مهم لايتوقف عنده المخالفون، وهو احترام الذات وهو شعور  تصنعه أمور كثيرة من بينها التمسك بالقيم العليا والذوق .

المهنية الإعلامية مطلوبة

نعود الى دور الإعلام الذي تقسم وظائفه الى (إعلامية، ترفيهية، ثقافية)، ربما الصحافة المقروءة تهتم أكثر من المسموعة والمرئية بموضوعة القيم، هناك مقالات وموضوعات كثيرة تتناول الاخلاق والذوق، لكن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية تأتي بدرجة أقل في الإهتمام مع أن المرئية أكثر تأثيرا من المقروءة لأنها تدخل الى كل بيت وتبث برامجها في صور اولقطات وهذه تبقى في الذاكرة أكثر من الكلمة، ولكن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية غالبا ماتكون مشغولة ببرامج الترفيه وأخبار السياسة ومشاكل الناس، بعيدا عن موضوع التوعية، تحتاج هذه الوسائل الى نهضة او دفعة لتهتم بالاخلاق والذوق، ـ فحولنا الكثير من الضجيج اللااخلاقي (سلوكيات رديئة مثلا) والبصري (التجاوزات والتشوهات التي أصابت الشوارع والأمكنة العامة مثلا) والسمعي (الألفاظ السيئة مثلا) ـ وفي حال نهوض وسائل الإعلام يشترط في برامجها وتمثيلياتها أن لاتكون شعاراتية مباشرة تسبب الملل للمستمع والمشاهد بل يفترض بها أن تعتمد الأساليب الجاذبة المقنعة وهذا يتطلب  طاقات ذات خبرة ومطلعة على ماتقوم به وسائل إعلام عالمية .

من المعروف إن الاعلام البناء القائم على أسس متينة يمكن أن يغير من إتجاهات الجمهور ـ وإن كان هذا الامر ليس سهلا ـ ولكن يجب أن يتمتع بالحرفية حتى لايتخبط ويؤدي الى نتائج عكسية، لاسيما أنّ السوء يعمّ ويقاوم الجودة لأنه أسهل على الكثيرين، على سبيل المثال، قد تُبث رسالة إعلامية على أنها إيجابية لتعزيز القيم ولكنها ـ أي الرسالة ـ  تتضمن سواء عن قصد أم عن عمد رسالة أخرى تحرض ضد قيمة اخلاقية، او قد تقدم الرسالة بشكل كوميدي فج يسيء أكثر مما ينفع .

يمكن للإعلام القيام بحملات مستمرة ترتكز على نقاط أساسية مهمة ، ولن يكون التأثير سريعا او واسعا بالضرورة، لأنّ المسألة تتطلب صبرا وأعواما وظروفا أفضل ، فالحملات الاخلاقية لن تؤثر في الجميع بل ستحرك نوازع الخير لدى من يمتلكها في باطنه من الذين خالفوا القواعد الاخلاقية الجميلة اما سهوا او جهلا او تناغما مع الجماعة الغارقة في الفساد او اللامبالاة مثلا .

نقاط مهمة لحملات إعلامية

نقول، ترتكز الحملات الإعلامية التي يمكن أن تقودها صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات على النقاط والإجراءات الآتية :

ـ الاستعانة بالشخصيات المشهورة والناجحة التي يحبها الناس لبث الرسائل المطلوبة، ولكن يشترط في تلك الشخصيات أن تكون بعيدة عن أية شبهة، فليس من المعقول أن نأتي بشخصية مشهورة لكنها مرتشية مثلا لتتحدث عن الأمانة والصدق مثلا !

ـ يمكن استثمار الأطفال لأنهم الفئة الموثوق من صدقها ونقائها، في تمثيل او بث الرسائل على شكل مشاهد تمثيلية او أغانٍ . الأغاني تلقى رواجا أكثر بين الجمهور. (هل تتذكرون أغنية .. لو كلنا نلتزم بالنظام .. ماكان صار ازدحام) ؟

ـ  استخدام اللافتات والشاشات الإعلانية في الشوارع  لتعزيز القيم العليا بأن يبث من خلالها رسائل بأسلوب بسيط محبب جاذب .

ـ عرض مشاهد عن شباب، مثلا، يقومون بممارسات إيجابية تصب في احترام الذوق العام،  كقيامهم بحملة شعبية لتنظيف الشوارع .

ـ عرض مشهد : مواطن يرمي قمامته في الشارع ثم يتخيل أن بيته صار شارعا ورمى الناس فيه القمامة، هذا التخيل يفضي به الى الشعور بالندم فيسارع الى جمع قمامته والتوجه الى المكان المخصص لرمي النفايات.

عرض مشهد ترمي فيه الأم علبة العصير او بقايا الحلوى الخاصة بطفلها من نافذة السيارة الى الشارع أمام ناظري الطفل،  ثم يظهر الطفل في البيت وهو يقود سيارته اللعبة ويرمي الأزبال في الغرفة او حديقة البيت مثلا، تنهره الأم وتقول له لاترمِ الأوساخ هنا، فيستغرب ويقول أنا أفعل مثلك ياماما، أرمي الأزبال في شارعي . تشعر الأم بالندم لأنها سلكت سلوكا مشينا وتقرر الكف عن رمي النفايات في الشارع .

ـ عرض مشاهد حول مساعدة الناس لبعضهم البعض، وحول الاعتذار شجاعة، ومراعاة الآخرين في كل تصرف،  والأمانة الخ .

ـ شكرا، من فضلك، لطفا .. هذه مفردات تدل على الذوق تحتاج الى تنشيطها عبر وسائل الإعلام، مقابل محاربة مفردات أخرى طفت الى السطح بكل خاص عبر شبكات التواصل الاجتماعي .

ـ الاستعانة بفن الرسم اما في صفحة من صفحات جريدة او مجلة ورقية او الكترونية او برنامج تلفزيوني او مهرجان او أية فعالية ثقافية او تربوية، كالمعارض التي تركز على موضوعة القيم . وهنا أود الحديث عن تجربتنا قليلا في شبكة الحياة لوحة رسم لدعم التفكير الايجابي والطاقات والمواهب .. شبكة إعلامية الكترونية تطوعية، تهتم بربط الإبداع بالاخلاق من خلال معارضها وورشها التدريبية الموجهة الى الطفل والشاب . الطفل كالعجينة يمكن أن نصنع منها مانريد ولهذا وجدنا أن استجابة الأطفال لمضامين الورش كبيرة، نتواصل مع الأطفال وأولياء امورهم أيضا حتى يكون هناك تناغم في تحقيق الأهداف المرجوة .

ـ البحث عن حكايات الناس الذين لديهم مواقف اخلاقية واضحة يمكن أن تُضرَب أنموذجا عبر تجاربها الواقعية، مهما كانت قليلة ، لأن من المآخذ على الإعلام عموما تركيزه على السلبيات أكثر من الايجابيات، وكأنّ البلد خالٍ من الخير والطيبين تماما، فضلا عن تداول فيديوات تظهر الإنسان الغربي إنسانا محسنا ومقارنته بشخص عراقي سيء ـ وبلغة التعميم التي تعد من مشاكل التعبير لدى كثيرين ممن يجهلون الأسلوب السليم لوصف حالة او حالات من غير تعميم  ـ، في الوقت الذي يمكن مقارنته أيضا بشخص عراقي محسن او الأخذ بنظر الاعتبار أن كثيرين يقومون بأعمال خير صمتا بعيدا عن الإعلام .

ـ إعداد برامج ونشر كتابات تتضمن حكايات جاذبة عن القيم الجميلة موجهة الى الصغار عبر قصص مخصصة لفئتهم العمرية، وكذلك  أخرى موجهة للكبار .

ـ إعداد برامج مسابقات حول قضايا الاخلاق كي يتحفز الجمهور ويبحث وخلال بحثه سيطلع على  كنوز القيم،  على سبيل  المثال مسابقة تتضمن طرح سؤال يتعلق بحكاية قديمة تتجلى فيها الاخلاق، او مسابقة  في الرسم او كتابة قصة او إنشاء  عن القيم العليا، بدلا عن المسابقات التافهة التي يشغل بها بعض وسائل الإعلام الجمهور .

ـ تحتاج وسائل الإعلام الى إعلاميين يتمتعون بالخبرة والكفاءة والوعي المهني والاخلاقي حتى يتخلص المشاهد من البرامج السطحية التي تسخر من الناس وتشجع على السخرية وقلة الذوق  كبرامج تنفذ في الأمكنة العامة والمولات يستضاف فيها الناس وتطرح عليهم أسئلة تافهة عن موضوعات غير ذات قيمة او تحريضية وتتسبب بتجاوزات على الضيوف او الاستهزاء بهم، فإذا كانت البرامج فاقدة للذوق فكيف لها أن تسهم بتعزيز الذوق؟

على سبيل المثال قرأنا رد فعل لشاب يشجع اللقاءات التلفزيونية التي تجعل من الزوجة مادة للسخرية .. يقول .. نريد المزيد حتى نضحك على عقولكن ! وآخر يستهزئ بالزوج ويتلفظ بألفاظ غير لائقة بحقه ..  ونقول لولا هذه البرامج الفجة لماقال هذا الشاب ماقاله . برامج كاميرا خفية ساذجة وغير مدروسة، تتطفل على الخصوصيات وتشجع على انعدام الاحترام، وهي بذلك تتجاوز على الذوق .

ـ الانتباه الى نقطة مهمة وهي من الذي يكتب عن الاخلاقيات والقيم والذوق ؟ من يقدم برنامجا عن ذلك ؟

إن من يشترك في الحملات والبرامج عليه أن يكون مهنيا ولايمكن أن يكون كذلك مالم يتمتع بأخلاق صحفية قبل كل شيء .

مثال : لايقتنع الجمهور بصحفي او مقدم برامج يتداول الأخبار الكاذبة والمفبركة او يتلفظ بالألفاظ السوقية ويتجاوز بشكل فج على الرأي الآخر  في الإعلام او وسائل التواصل الاجتماعي ، لأنه ليس محط ثقة، ووجوده يضعف الرسالة النهضوية الاخلاقية .

ـ إشراك صفحات  لاسيما مشهورة في شبكات التواصل الاجتماعي في المهمة النهضوية  من خلال بث الرسائل الإعلامية من خلالها، ذلك أنها تمتلك جماهير واسعة وبالإمكان التأثير فيها .

ـ التركيز على أهمية تطبيق القانون بلا خطوط حمر واستثناءات،  سلطة القانون وجدت لمن لم تنفع التربية في جعله مواطنا صالحا، سلطة القانون تطبق على الجميع من أعلى الهرم الى اسفله . وهذا يتطلب خطة إعلامية كبيرة وجهودا جبارة .

ليست المهمة سهلة، بل ستواجه سخرية ومقاومة من آخرين ، لاسيما أن الفساد ينخر في معظم مرافق العمل والحياة ، ولكن سنقول للساخرين والمقاومين .. هل لديكم خطة اخرى ؟ وما العمل ؟ وكيف نواصل الحياة وسط  كل هذه الفوضى ؟ أليس من المهم ان نحاول ونحاول  بدلا عن ان نترك سرطان الفساد يستمر ويستشري اكثر ؟

متطلبات الحملات الإعلامية

تتطلب الحملات الإعلامية التي يمكن أن تقودها صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات تنسيقا مع جهات معينة لتنفيذ  برامجها كوزارات الثقافة والتربية والتعليم العالي والصحة وأمانة بغداد والدوائر البلدية في المحافظات ومؤسسات أخرى كي تقوم بدورها أيضا في دعم هذه الحملات والبرامج الهادفة .

الامر يتطلب دولة، خطة حكومية، ولكن نعود ونقول .. مع وجود ملفات فساد، لا ثقة في الجهات الحكومية العليا، وعليه، يتطلب أن يقوم الإعلام وحده بالمهمة الشاقة وهذا يتطلب شجاعة ونية حقيقية وطاقات ترغب فعلاً بالتغيير .. يتطلب نضالاً ولو على مستوى أفراد يعملون على استقطاب آخرين  ومعهم منظمات مجتمع مدني فاعلة وليست شكلية، وهكذا يكبر المشروع ويتسع، لعلّهم ينجحون في إعادة بناء النفوس يوما ما على طريق النهوض بالبلد . 

 

أسماء محمد مصطفى

 

جواد بشارةيتمحور تقدير العلماء لعمر الكون المرئي حول الرقم 13.8 مليار سنة أو ما يقارب الــ 14 مليار سنة وهو عمر أول شعاع ضوئي وصلنا منذ نشأة الكون بعد الانفجار العظيم، أي بعد مرور 380000 سنة على ولادته، وقد يكون أقدم من ذلك بكثير. واليوم، ونحن في نهاية الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، نتساءل، أما آن الأوان لإعادة النظر، وإعادة تأهيل دعامتي الفيزياء المعاصرة، ألا وهما نسبية آينشتاين والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم؟ فالنسبية صحيحة وصالحة رغم مضي أكثر من قرن على صياغتها لكنها تقف عاجزة عن العمل والتطبيق في النطاق ما دون الذري أو الكمومي أو الكوانتي، وميكانيك الكموم صحيح وصالح لكنه يتوقف عن العمل عند تطبيقه على النطاق الكوسمولوجي الكوني، والعلماء يبحثون منذ عقود طويلة عن الجاذبية الكمومية أو الثقالة الكوانتية بلا طائل. وأمام الجميع تحديات عصية لأنه ما يعرف عن الكون المرئي لا يتجاوز نسبة الــ 5% وما هو مجهول يقارب الــ 95% وهناك الألغاز الدائمة التي تتطلب الحلول و تتعلق بالثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وبالثقوب البيضاء المعاكسة لها، وبالثقوب الدودية وهل هي حقاً تأخذنا إلى عوالم أو أكوان أخرى، وهناك المادة السوداء أو المظلمة وكشف طبيعتها وماهيتها، ونفس الشيء بخصوص الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء ومعرفة أصلها وتكوينها وماهيتها، وهل الكون محدود أم لانهائي، وماذا وراء الأفق الكوني لكوننا المرئي، و أخيراً وليس آخراً، هناك ما يعرف بلغز ما قبل الانفجار العظيم البغ بانغ وماذا كان يوجد قبل حدوثه. وبدون توحيد هاتين الدعامتين الأساسيتين لا يمكن للفيزياء أن تتقدم.

هناك فريقي بحث من علماء الفيزياء في المملكة المتحدة يحاولان بث حياة جديد لفكرة تجربة   قد تقود في نهاية المطاف إلى توحيد مجالي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي la mécanique quantique والنسبية العامة la relativité générale، المجال الأول هو فرع الفيزياء الذي يقوم بدراسة ووصف الظواهر الجوهرية التي تحدث في الأنظمة الفيزيائية وبشكل خاص على المستوى الذري أو النطاق ما دون الذري، وبموجبها تتحقق نمذجة الجسيمات الأولية والمبنية على مبدأ الاحتمالية، والتي لا توجد لها قيم ثابتة طالما لم نقم بعمل قياسات وحسابات لها. ليس لأن الفيزياء الكمومية أو الكوانتية فضفاضة، فبعد أكثر من قرن من التجارب جعلت منها أحد النظريات العلمية الأكثر صلادة ورسوخاً. والمجال الثاني هو نظرية النسبية العامة التي تصف الثقالة أو الجاذبية التي تحدث تأثيراً على نسيج ممتد ومتصل ومتسق أو متجانس يعرف باسم الزمكان l’espace-temps، وهي كذلك النظرية الأكثر صلاحية وصحة من كل النظريات التي ظهرت في مجال علم الفيزياء لغاية الآن والتي بفضلها يمكننا توقع حركة الأجسام على المستوى أو النطاق الكوني وبدقة بالغة. لكنهما رغم نجاحهما المدوي في وصف الكون المرئي بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، إلا أنهما لا يعملان معاً، خاصة عندما تدخل الجاذبية أو الثقالة، وهي إحدى القوى الجوهرية الأربعة للكون، في موضع الدراسة في النطاق الذري وما دون الذري نظراً للضعف الكبير للتفاعلات الثقالية مقارنة بتفاعلات القوى الجوهرية الأخرى للطبيعة كالكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة أو القوية، والقوة النووية الضعيفة.

في سنة 1957 ابتكر العالم الفيزيائي الأمريكي الشهير ريشارد فينمان Richard Feynman نموذج تجريبي حيث تخيل كتلة صغيرة موجودة فعلياً في مكان معلوم ومحدد في حالة وجود قياس أو حساب بشأنها، لكنها لا توجد على نحو مغاير في أي مكان آخر معلوم أو محدد، أو توجد في حالة تراكب superposé، وعند وضعها في مجال أو حقل ثقالي ينبغي أن ترتبط الكتلة بالسمات أو الخصائص الكمومية أو الكوانتية للثقالة عن طريق ما صار يعرف بالتشابك الكمومي أو الكوانتي intrication . ومن أجل أن نرى فيما إذا كان المجال أو الحقل المذكور قد كمم quantifié في الطبيعة، اقترح ريشارد فينمان البحث عن علامات تداخل بين الموضعين الممكنين، قبل حساب الموضع الحقيقي. فلو تفاعل الموضعان الممكنان قبل انفصالهما عن المجال أو الحقل، عندها سيكون للثقالة طبيعة كمومية أو كوانتية يمكن دراستها. هذه هي الفكرة التجريبية الأساسية التي اقترحها ريشارد فينمان كأساس. ولكن، وحسب أبحاث الفريقين المذكورين أعلاه، فإن أحد الجسيمات الأولية في حالة تراكب يمكن أن يتفاعل مع نفسه، حتى داخل مجال أو حقل ثقالي كلاسيكي متواصل، ما لا يدع مجالاً للشك. ففريقي بحث جامعة أكسفورد أظهرا أن أي زوج من الأنظمة الكمومية أو الكوانتية يمكن أن يتداخلا في نظام ثالث، ولكن فقط في حالة أكممة quantifié هذا النظام الثالث، وهذا يترك المجال للافتراض أن من الممكن لزوج من الكتل، كل واحد في حالة تراكب، يتزاوجان على نحو منفصل بتداخلهما في صيغة كمومية أو كوانتية لمجال أو حقل ثقالي، وإذا لم تكن الثقالة كمومية أو كوانتية، عندها لن يكون هناك تشابك كمومي أو كوانتي.

ربما حان الوقت للعثور على نظريات جديدة للزمكان:

لم يدحض أحد لحد الآن نظرية النسبية العامة لآينشتاين لكنها تعرف حدودها. وهناك محاولات لتجاوزها أو تطويرها من قبل نظرية الأوتار الفائقة le théorie des supercordes ونظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية la théorie de la gravité quantique à boucle

المتنافستان. فالنسبية العامة لم تتمكن من وصف ما يحدث داخل الثقب الأسود ولا وصف جزء من مليار المليار من الثانية الأولى للكون قبل زمن بلانك. والميكانيك الكمومي أو الكوانتي لم يتمكن من وصف الثقالة على المستوى أو النطاق الفائق، إلا أنه يفترض أن انتقال الطاقة يتم على شكل حزم من الكموم وعلى نحو غير متصل discontinue عكس ما تدعيه النسبية العامة التي تقول أنه يتم على نحو متصل continu وبالتالي لا بد من إيجاد نظرية جديدة في الجاذبية أو الثقالة الكمومية gravité quantique .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

قاسم حسين صالحتناولنا في الحلقة الأولى مفهمومي (الرمز) و(اللاوعي الجمعي) وختمناها بتساؤل ما اذا كانت هذه الصفات السيكولوجية وتأثيراتها في السلطة والحراك الجماهيري السياسي تنطبق على السيد مقتدى الصدر في تحليل سيكولوجي لشخصيته ملتزمين بمنهجية اختصاصنا في علم نفس الشخصية وخبرتنا في تحليل شخصيات عالمية (باراك أوباما وترامب اللذين توقعنا، بخلاف المحللين السياسيين، فوزهما..وقد نشر غوغل تحليلنا لشخصية ترمب مصحوبة بصورة شخصية لنا تتوسط اربع صور لترمب..فضلا عن شخصيتي السيدين حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، ومؤشرات سيكولوجية اولية عن شخصية السيد محمد توفيق علاوي.

نقول هذا لأن بين من يعنيهم الأمر قد يعتبرون تحليلنا العلمي هذا (حجي جرايد).

تـقديـم

يرث مقتدى (1974) عن عائلته اعتبارين : ديني كونه من ابرز العوائل الدينية الشيعية في العراق، ورسمي يرثه من جده محمد حسن الصدر الذي كان رئيسا للوزراء عام 1948 وعضوا ورئيسا لمجلس الأعيان زمن النظام الملكي.

هذان الأعتباران يمنحانه هالتين : دينية على صعيد طائفة الشيعة، وسياسية على صعيد الدوله. ومقتدى هو نجل السيد محمد محمد صادق الصدر أبرز رجال الدين الشيعة المعارضين للرئيس الأسبق صدام حسين الذي قتله، ومنها يرث هالة الجهاد التي جسّدها عمليا في الانتفاضة الشعبانية (1999)، وقيادته المقاومة ضد القوات الأمريكية في (2003) التي وضعته على رأس المطلوبين..وصولا الى تأسيسه (سرايا السلام)عام 2014.

وفي الجانب الديني التحق الشاب مقتدى بالحوزة العلمية في النجف عام( 1988 ) وحصل على درجة (حجّة السلام)، ويدرس حاليا في قم للحصول على درجة المجتهد التي تخوله أن يكون مرجعا دينيا وهو ما يزال في السادسة والأربعين من عمره في مسعى لأن يكون خليفة للسيد علي السيستاني.

ان رجلا بهذه المواصفات التي ينفرد بها عن كل السياسيين الذين تولوا الحكم بعد( 2003) قادته سيكولوجيا الى ما نصطلح على تسميه بـ(تضخّم الأنا)..فلنتوقف عنده، ولكن بعد ان نتعرف على آراء عينة من العراقيين.

استطلاع راي

مع أن عينة المستجيبين ليست ممثلة للمجتمع الا انها تقدّم مؤشرات سيكولوجية عن شخصية السيد مقتدى الصدر، حيث توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الألكتروني بهذا الطلب:

(استطلاع لدراسة علمية : حدد، بموضوعية بعيده عن تحيز مع او ضد، اخطر صفتين سلبيتين، وافضل صفتين ايجابيتين في شخصية السيد مقتدى الصدر.)

شملت عينة الاستطلاع (367) مستجيبا بينهم اكاديميون ومثقفون ومن كلا الجنسين، وفيما ياتي أهم النتائج:

الصفات الايجابية:

وتحدد اهمها في الآتي:

- انتسابه لعائلة كريمة

- قدم نفسه قائدا لطبقة الفقراء والمهمشين

- قائد اكثر الحركات الشيعية نفوذا وشعبية في البلاد

- طيب القلب ولكن من السهل ( توظيفه نحو الشر)

- شجاع وذكي

- احدث توازنا مقابل الاحزاب الشيعية الاخرى، وهو اطهر من قادتها

- قائد بالفطرة، ولديه كارزما القيادة

- له حنكة سياسية، ويمتلك قابلية تحريك الشارع بسهولة ما يجعله عنصرا فعالا في اي معادلة تطرح على الساحة العراقية سياسيا واجتماعيا

- يحظى بمقبولية اغلب دول المنطقة، ما يجعله عنصرا مؤثرا في الخارطة السياسية

- واضح، لا يعمل بنظام الغرف المظلمة، صريح في كلامه ولديه قدرة تلقائية لكسب مشاعر الناس.

- يتمتع بخاصية عجيبة هي التنقل بين كل الاحزاب والكتل وفرض سلطته.

- ملتزم دينيا (متناقض سياسيا)

الصفات السلبية:

وتحدد أهمها في الآتي:

- متناقض، متذبذب، متعدد الأهواء وكثير التقلبات.

- قراراته سريعه، ولا يركن الى قرار.

- يعيش حالة جنون العظمة.

- ايمانه بسلالة رجال الدين وقدسيتهم جعلته قائدا، الا انه لا يمتلك سمات القائد الرشيد

- فقر فكري، غير منفتح، محدود الأفق، ليست لديه خبرة سياسية، ولا تتوفر فيه شروط القيادة، ولا يعرف ماذا يريد

- شخصية مأزومة، راديكالي ديني متطرف

- وصولي نفعي

- صار في الاحداث الاخيرة بالوجه مرايه وبالكفا سلايه

- تابع لكبار، وانتماؤه ومرجعيته الى ايران

- استعماله منهج العنف ولا يهتم لقتل البسطاء

- تناقضه جعله يخسر مشاعر كثيرين من بينهم اصحابه

- ادرك العراقيون انه اذا استمر في تغريداته فانهم سيكونون من رواد وادي السلام

- لا توجد لديه رؤيا مستقبلية واضحة المعالم وليست لديه استراتيجية

- شخصيته مثل الساعة الصينية التي دوخت انشتاين، فارغه وعطلانه ومن تريد تصلحها ما تعرف من وين تبدي.

مقتدى..وعقدة تضخّم الأنا.

قدمت لنا نتائج الأستطلاع مؤشرات عن مقتدى الصدر، ومع اختلافها وتناقضها الحاد فأننا نخرج بنتيجة نتفق عليها جميعا هي انه (شخصية جدلية.. وبتطرّف). فلندخل عالم هذه الشخصية.

لدينا مفهومان متشابهان في علم النفس والطب النفسي هما " تضخّم الأنا " و " قوة ألانا " ينبغي التفريق بينهما، اذ تعذ الثانية حالة صحية نابعة من الثقة بالنفس والتقدير الموضوعي الواقعي لقدرات وقابليات صاحبها، والمعبّرة عن الاعتزاز الإيجابي بالنفس واحترام الذات، فيما يعدّ " تضخّم الأنا " حالة عصابية " مرضيه " لها أسباب متعددة أهمها تراكم الشعور بالاضطهاد والحيف.

وتفيد الدراسات بأن شخصية " الأنا المتضخم " تجمع صفات في " توليفة " من ثلاث شخصيات مختلفة هي: النرجسية والتسلطية والاحتوائية. فهي تأخذ من الشخصية النرجسية حاجتها القسرية إلى الإعجاب..أي إنها تريد من الآخرين أن يعجبوا بها بالصورة التي هي تريدها، وأن لا يتوقفوا عن المديح والإطراء، ويسعى صاحبها الى ان يكون بطلا بعيون جماعته من خلال التظاهر بامتلاكه قدرات فريدة.

ويأخذ صاحب " الأنا المتضخّم" من الشخصية التسلطية، انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها ومزاجها الصارم (قليلا ما يجامل ويبتسم)، وتصنيفها الناس بثنائيات في مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء، أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي، وتصرفها بالتعالي نحو من يعتبرهم اندادا، فيما تأخذ من الشخصية الاحتوائية السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية، اوبطرح نفسه كما لو كان الأنسكلوبيدي العارف بكل شيء.

ان الكثير من هذه المواصفات بنوعيها تنطبق على شخصية السيد مقتدى الصدر، وتؤكد لنا بان (الأنا) لديه متضخّم لخمسة عوامل اساسية :

- الهالات الثلاث التي حددناها في اعلاه.

- الجماهير الشعبية التي منحته (القدسية) لدرجة ان عددا منهم يقّبلون سيارته حين يسير في الشارع للتبرك به.

- اقتحامه المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في (20 ايار / مايس 2016 ) برغم تصدي قوات الأمن وأطلاقها الرصاص الحي ووصول انصاره الى مكتب رئيس الوزراء، وهروب معظم قيادات احزاب الاسلام السياسي، ورفعه شعار (شلع قلع) الذي عزف به على اوتار ملايين الفقراء الذين اذلتهم وافقرتهم حكومات بهويات شيعية..ونجاحه في ايصالهم الى منحه صفة (القائد).. وتوليد اليقين لديهم بأنه (المنقذ المخلّص).

- فرض سلطته على سلطات الدولة والأيحاء للناس بأنه هو الأقوى.

- اشتراك الحزب الشيوعي معه في كتلة سائرون، ما يعني ان القوى التقدمية في العراق التي تختلف معه ايديولجيا وعقائديا..تطلب ودّه ايضا.

ختاما:

ان ظاهرة السيد مقتدى الصدر نلخصها، سيكولوجيا، بأنه (يختزل الوطن والناس في شخصه)..فكل شيء، جماعة، حالة، موقف..تعزز (اناه المتضخم) فانه يحتويها ويتبناها ويجعلها تتباهى به، وكل من يخدش (أناه) فانه يزدريه، يحقّره، يذلّه..فأن تمادى استخدم معه القوة المصحوبة بالعنف. ولأن المعيار لدى هذه الشخصية هو (الأنا) فان صاحبها يكون (زئبقيا)..يتحول بسهولة من الضد الى ضده النوعي..في المواقف السياسية والجماهيرية بشكل خاص.

ومع ذلك فان السيد مقتدى الصدر اكتسب (سلطة الرمز الديني في اللاوعي الجمعي العراقي- الجماهير الشعبية الشيعية تحديدا) بالمفهوم الذي تناولناه في الحلقة الأولى من هذه الدراسة، ولسبب آخر علمي هو غياب قوة وطنية او تقدمية او قومية تنافسه، فوجدت هذه الجماهير المسحوقة في شخصيته انه وطني محب للعراق، وأنه (المخلّص) لأنه (منهم وبيهم)..على صعيد الجماهير الشيعية المسحوقة، وصعيد سلطة أحزاب الأسلام السياسي الشيعي التي خذلتهم وخدعتهم واستفردت بالسلطة والثروة، وأنه قد يفاجأ العراقيين يوما باقتحام الخضراء ثانية ليصبح بطل التغيير والثورة.

اخيرا .

ان هذه الدراسة يعوزها اهم شرط علمي، هو تطبيق اختبارات في علم نفس الشخصية، واجراء مقابلة بحوار مفتوح واسئلة مغلقة على السيد مقتدى الصدر، وانا حاضر لمقابلته (علميا) ان ضمن لي سلامتي من انصاره. 

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

6 شباط 2020

*

 

 

يوسف القرشييعد الإنسان الكائن الأعظم الذي قذف به إلى معترك هذا الوجود وأعظم مشكل أيضا، لأنه وجد نفسه داخل ازدواجية/ ثنائية أنطولوجية تعبر عن كينونته، حيث ينقسم وجوده إلى جسد أو حيوانية كجانب أول منه، لكن في الجانب الآخر هناك روح أو حرية. ولا سبيل لتفسير الحب وفهم أبعاده لو اقتصرنا على إرجاعه إلى الجانب الأول «الجسد» كحاجة جنسية، غير أن الواقع سنجد الحب يتجاوب/ يتمازج/ يتماهى مع السمو السيكولوجي للموجود البشري، من حيث أن هذا الموجود سواء باتصاله بالأرض/ الإنسان أو بالسماء/ الله هو في حاجة ديناميكية مستمرة إلى أن يحب وأن يحب وأن يربط جميع الجسور الموصلة إلى الحياة بواسطة الكراهية أو الحب في غالب الأحايين. ورغم ما تفعله يقظة الغرائز الجنسية كونها تساعد على خلق الجو النفسي الملائم لميلاد الحب، فإن المعنى الحيوي للحب يتجلى في التحرر من العزلة النفسية، لذلك فالحب إذن هو الوعاء الذي يسمح لشخصين بأن يكونا من هما ذاك الجسد الواحد بروحين أو جسدين بروح واحدة.

والحب هنا نداء يحاول الانسلاخ عن الذات لكي ينشد الآخر مما يجعل من الذات المحبة هي الأنت/ الآخر إلا أنها غيرها، كون الحب بعيد كل البعد أن يكون تعبيرا عن النرجسية المتعالية أو التمركز الذاتي لفتح حوار جواني مع الذات، لأن كلما اتسعت دائرة حب الذات، فإنها لن تستطيع أن تستوعب حب الغير، وكما أن المرء لا يتعلم كيف يريد فإنه لا يتعلم أيضا كيف يحب، بيد أنه يجب أن يتجه دائما نحو الآخر/ الأنت ويعبر باستمرار عن وجود حبل متين بينه وبين الذات التي هي في نهاية المطاف صورة الآخر نفسها، وهو بذلك ينتقل من عالم الانشغال بالذات إلى عالم التثنية، حيث تكون المحبة والمساواة والاعتراف والتقدير والاختلاف أساس العلاقة، وبهذا المعنى لا يعني الحب أننا نحب الآخر لأننا بحاحة إليه، بل الأنا/ النحن في حاجة إليه لأننا نحبه، وهذا هو نشيد كل أناشيد الحب.

إن حب الآخر أعظم صورة من صورة حب الذات، وحبه لا يكون كما تريده الذات، بل كما هو مغاير لها ومختلف عنها، وهذا استنادا إلى الحب نفسه، كونه يفرض الثنائية باعتبارها قواما/ أساسا لإمكان بدايته وقيامه، ففي الحب إذن علاقة بين حدين لا يتمايز الواحد منهما عن الآخر إلا لكي يساند أحدهما الآخر أو كما قال الفرنسي المعاصر لويس لافل: « أنا حين أحب فإنني أتصور الآخر باعتباره مختلفا عني، ومن ثم فإنني أريده من حيث هو ذات أخرى، لا من حيث هو ذات أمتلكها أو ذات موجودة بالقياس إلي»1، لذلك ليس الحب الحقيقي هو ذاك الذي ينشد نفسه لدى الآخر، بل هو ذاك الذي يريد أن ينسي نفسه في الآخر وينبثق من داخله بلون جديد، وفي نفس الوقت يكون رائد الذات البحث عن الخير الأعظم/ حب الآخر، بحيث تكون سعادته هي الهدف الذي تعمل من أجله الذات، وتكون سعادة الذات هي النتيجة التي تترتب على تحقيق هذا الهدف، ولو أننا أخذنا بتعريف ليبنتس: « الحب هو أن تسعد بسعادة الآخر » لكان في وسعنا القول إن الحب هو القدرة على الاهتمام بالآخر والعمل على تحقيق سعادته والشعور بأن سعادتنا من سعادته، كون سعادة الذات هي أعظم هدية بإمكاننا أن نهديها للآخر، وهذا هو السبب في أن الحب كعاطفة/ كقيمة/ كجوهرة نادرة قلما تجود بها قلوب البشر.

وإذا ما تأملنا في كوننا ننجذب لهذا الشخص دون ذاك سنجد أن الحب في حقيقته عاطفة سابقة على عملية اختيارنا لموضوع الحب، كون عندنا صورة نمطية سابقة عن كيف نرغب/نريد هذه التركيبة البشرية التي ستلعب دور البطولة في مهزلة حبنا، ولو فكرنا في الدافع الذي من أجله وقع اختيارنا على هذه المرأة أو تلك لأدركنا أن الجمال في ذاته ليس هو الدافع الذي يوقد في قلوبنا شرارة الحب، وإنما تلك الدهشة التي أثارها في حياتنا مسبقا وحب الاستطلاع الماكث في أذهاننا، لذلك فالسعادة التي تقترن بالحب لا تكون في صميم الواقع، بل في خيالنا لا غير، وبهذا المعنى سوف يصبح كل من الحبيب والمحبوب قوالب نمطية يعيدون الصيغ التي ابتكرها الحب من قبلهم ويلعبون أدوار البطولة في الحياة العاطفية، على اعتبار أن الخيال هو كل شيء في الحب.

هذا ليس من باب السلبية والسوداوية نقوله، بل من أجل ذلك السر الذي تنطوي عليه كل تربية حقيقية هو أن نتصور الإنسان أفضل مما هو عليه في الواقع، فإن الرهان الذي ينطوي عليه الحب الصحيح هو أن نتخيل الشخص على نحو ما تؤهله إمكانياته لأن يكون هو هو وينفرد بشخصيته بكل استقلالية، فالمحبين لا يحبان ما عليه كل منهما في صميم الوقع، بل هما يحبان ما يرجو كل منهما أن يصيره بدعمه من الطرف الآخر و عن طريقه، على اعتبار الحب فعل ديناميكي تنتقل عن طريقه من القيم الدنيا إلى القيم العليا، فنرى في موضوع حبنا أسمى ما هو ميسر له من إمكانيات وقدرات، وهو بذلك حرية/حركة إيجابية ندرك عن طريقها في صميم القيمة الحالية لموضوع حبنا، تلك القيم العليا الجمالية التي تكمن فيه، فالحب إذن هو القادر على فتح عيوننا الروحية أكثر فأكثر على ما للموضوع المحبوب من قيم ومثل عليا، بحيث أن المحب الحقيقي ليصبح أكثر الناس مقدرة على رؤية القيم العليا التي تكمن في باطن موضوعه، بعكس ما يتوهم أولئك الذين يزعمون أن الحب أعمى، فالحب مصباح يرينا ما لا تفطن إليه أعين الغرباء رؤيته.

الحب الأسمى يكون من أجل الحب نفسه، أي أن الإنسان في حقيقة الأمر يحب لمجرد الحب دون أن يكون هناك دافع للحب إلا هو عينه، وهذا النموذج المثال للحب قليل جدا ولا تستوعبه العقول العادية، وهو وحده القادر على تحرير الحبيب والمحبوب معا بإخراجهما من دائرة الحب العابر/ المؤقت المرتبط بمصالح سواء كانت ايجابية أو سلبية، ليدخلهما عظمة سر الحب التي هي دائرة الأبدية/ الخلود/ اللانهاية، وعندما نحاول تعليل الحب بغير نفسه نكون أمام اعلان بداية موت الحب، لكن عندما يكون علة نفسه، فنعني بذلك أننا لا نحب صفات الآخر، بل نحن نحب الآخر نفسه. ولعل هذا ما قصده مونتني حينما قال: « لو أنهم ألحوا علي قائلين: ولكن لم تحبه؟»، لما وجدت ردا على هذا السؤال سوى أن أجيبهم بقولي: «إنني أحبه لأنني أنا من أنا، ولأنه هو من هو »، وإذا ما تأملنا في قول مونتني سنجده يعني أن الحب يتجه نحو الكينونة ولا نحو الملك، وكل من يحب شخصا لجماله أو جاهه أو مكانته، فإنه لم يعرف بعد معنى الحب، لأن هذه كلها ليست سوى صفات، فهي ليست بالشخص نفسه موضوع حبنا، لذلك فهو يحب الصفات لا الشخص، أم الحب الحقيقي فإنه لا يحب الآخر لصفاته أو لمميزاته، بل يحبه لذاته فوق كل شيء وأكثر من كل شيء، فكل إنسان يفضل أن يكون الحب تلقائيا/ عفويا/ لامشروطا. إذن الحب حقيقة مطلقة ليست مقيدة بأي شرط/ قيد ولا تعرف التعليل/ التبرير، فالآخر لا نحبه لأنه هذا أو ذاك، بل لأنه الآخر وفقط، فهو ليس علة الحب، بل إن الحب هو في حد ذاته كتجربة حية يعرفنا بأسرار هذا التلاقي الأنطولوجي مع الآخر.

إن السمة الأساسية التي ينفرد بها الحب هو أنه يقبل الآخر كوحدة/ كمركب/ ككل متجانس دون تفتيت عناصر ومقومات شخصيته، كونه لا يسعى إلى غربلة مميزات المحبوب لكي يأخذ بعضها ويطرح البعض الآخر أو يتخير فيما يريده وما لا يريده، وإنما يجب أن يقع اختيار شخصية محبوبه بأكملها ويقبل كل ما تنطوي عليه من مزايا وعيوب. وعلى حين أن هناك هواة في الحب يعرفون كيف يصنفون طبائع النساء وكأنها بضائع، وكيف يأخذون من هذه بطرف ومن تلك بطرف آخر، نجد جماعة المحبين هم على العكس تماما من جماعة الهواة، باعتبار الحب عندهم ليس عملية اختيار/ انتقاء لبعض الصفات أو الطباع في كل واحد، بل هو انتخاب إجمالي لهذا الكل باعتباره شخصا حيا هو غاية في ذاته. إذن المحب يتقبل شخصية محبوبه بأكملها ويريد موضوع حبه على ما هو عليه وبما يتسم به من صفات سواء سلبية أو ايجابية، لا على نحو ما نريده أن يكون، وكل حب يشترط شروطا سرعان ما يفقد طابعه الحيوي بوصفه حبا، ليتحول إلى شيء آخر غير الحب، أما الحب الحقيقي يراهن على هذا القول: «لتصبح ما أنت كائنه» لدرجة أن تصبح العيوب مصدر سحر الحبيب، فشأن الحب دائما أن يبتلع/ يهضم عيوب المحبوب، ليحولها إلى محاسن ومزايا، وينتقل من التركيز على نعرات التباعد إلى وسائط للتقارب والتقابل، إنني أحب تعني « إنني لأهوى الأرض التي يدوسها بقدميه والهواء الذي يتنسمه، وكل ما تلمسه يداه، وكل ما تنطق به شفتاه، أجل إنني أهوى كل نظراته وكل حركاته، وأنا أحبه بأكمله حبا جما، حبا كاملا غير منقوص»2. غير كافي أن يحب الحبيب محبوبه كله، وإنما يجب أن يحبه لوحده دون سواه، وبمعنى آخر لا يحبه بالإضافة إلى جانب موجود آخر قادر على أن يشكل موضوع الحب، والمحبوب هنا يصبح بمثابة آخر يطرد جميع الآخرين، فيصبح بالنسبة إلى المحب مركز للعالم كله وما دونه هوامش، فالحب لا يقبل المشاركة/ التعدد/ التنوع، فهو لا يعرف سوى بطل حبه الأوحد الذي هو بالنسبة إليه كل شيء.

سيبقى الحب في آخر المطاف هو الحل الأمثل لمشكلة الوجود الإنساني أو للإشكالات التي تقلق الإنسان وتدفعه للبحث عن جواب لها في دواليب الحياة، فلا تغرق في الحياة بحثا عن أنثى، وإنما اغرق في الأنثى بحثا عن الحياة على حد تعبير حسين البرغوثي، ومعنى ذلك أن موضوع الحب هو الحياة بالنسبة للحبيب، كما أن الحب هو الترياق المضاد للعزلة النفسية باعتبار الآخر كيانا يحمينا منها وبه ومعه يتم تشكيل حياة بكل الألوان على تلك الأرض التي لم تطأها قدم، اثنان يذهبان إلى هناك.. إلى النرڤانا كسعادة قصوى تتجاوز كل معاني الألم، حيث تكون حالة بديلة للوعي. بالحب نحيا ونحيا لنحب وبه نحيي الموت نحول الموتى إلى أحياء، لأن الذي يحب شخصا فكأنما يقول له إنك لا يمكن مطلقا أن تموت بالنسبة إلي، أي أن الكائن المحبوب لا يمكن أن يكون غائبا حتى وإن مات حقا، فهو حاضر دائما وأبدا بالنسبة إلى تلك الذات المحبة التي ارتبطت به، فجو المحبة هو الجو الروحي الأوحد الذي تتنفس به الذوات الإنسانية، والقادر على تعليمنا القيم الأنطولوجية التي تنسج خيوط هذا التلاقي البشري المذهل الذي اسمه «حب.»

 

  بقلم: يوسف القرشي

......................

البيبليوغرافيا :

1 - Louis La velle, "De l'acte", paris, aubier, 1949.

2 - E. Bronté : " Les Hauts De Hurle. Vert", trad. franç.

 

اكرم جلاليقول روبرت بروكتور - المؤرخ العلمي بجامعة ستانفورد -: "نحن نعيش في عالم من الجهل المتطرف، والغريب أن أي نوع من الحقيقة يمر عبر الضجيج، على الرغم من أن المعرفة متاحة، فهذا لا يعني أنه تم الوصول إليها، على الرغم من أن معظم الأشياء تبدو تافهة.".

أصبَحَت دول العالَم المُتقدّم تَعيش نَهضة علميّة غير مَسبوقة، وأصبحت الدراسات والتخصصات العلميّة مُتعددة، مُتنوّعة، والجامعات والمعاهد العلميّة تتبارى في تقديم مختلف البرامج، وتتسابق مراكز البحوث والدراسات في نشر مشاريع متقدّمة، والكثير منها متاح لمن أراد القراءة والأطّلاع؛ لكنّنا في المقابل وأمام كلّ هذا الوَهَج العلميّ نرى حالة من الجّهل قد خيّمت فوق ربوع بلداننا وضربت أطنابها بين ظهرانينا، في زمن أصبح الأثير فيه مفتوحاً وناقلاً للعلوم والمعارف وأنّ العالم قد تَحوّل إلى قرية صغيرة!

هذا التباين بين المشهدين يدعو الى التوقف والتأمل قليلاً، ويدفع إلى جولة في البّحث والمُطالعة، فسيكتشف أنّ الدول التي امتلكت العلم والمعرفة قد بَلَغَت حَدّ القدرة على إدارة الفّهم الأنساني والتّحكم به عن بُعد، وأنّ العقل البشري إنّما هو صندوق للعلم والمعرفة، فإذا ما أُدخِلت مَعلومات وَحُذِفَت أخرى واستمرّت هذه العمليّة لفترة معينة، فإنّ هذه العقول ستكون تحت السيطرة. تَخَصّص علميّ نادر يَجري توظيفه لصناعة وَنَشر الجّهل بطُرُق عِلْميَّة عالية الدقّة، إنّه "عِلْمُ الجَّهل" Agnotology))، وهذه الكلمة مشتقة من "agnosis" وهي كلمة يونانيّة وتعني الجّهل، وكلمة "ontology" أي ما يعرف بعلم الوجود.

والجّهل بطبيعته على نوعين، الأول: الجّهل الذاتي، وهو ما يَنتِجُه الأنسان بنفسه، وأمّا الثاني، والذي هو مَدار بحثنا، فهو الجهّل الصناعي، أو عِلمُ صناعة الجّهل، أو ما يّطلق عليه بـ"عِلْمُ الجَّهل"، حيث يتمّ نشره بأحدث الطرق والوسائل العلميّة، وليكون بضاعة مُصَنّعة، ونتاج لبرامج وبحوث ودراسات علميّة، تُحوَّل الى سلعة، وتُعرض وتُسوّق في متاجر السياسة، ليكون المُستَهلِك قطاع واسع من المجتمع لا يفقهون خطورة البضاعة ولا حجم الكارثة التي ستحل بهم.

لقد بَدَأت فكرة "عِلْمُ الجَّهل" تظهر الى العيان عام 1922 بعد أن نَشَرَت إحدى شركات تصنيع السكائر مذكّرة تقول فيها: "الشك هو وسيلتنا الفضلى لمواجهة الحقائق التي تسكن عقول الجمهور. وهو أيضاً وسيلة لإثارة البلبلة". فبدأ المؤرخ في جامعة ستانفورد روبرت بروكتر بدراسة مكثّفة عن سبب نشر البلبة والتشويش وتقدّم بالسؤالين التاليين: كيف ولماذا "لا نَعْرف ما لا نعْرف"؟، فتوصّل إلى أنّ هذه الأمور إنّما هي مُفتَعلة من أجل خلط الأوراق على المُستَهلك وإشغاله عن البحث والتقصّي عن أخطار التدخين، وبذلك فإنّ هذه الشركات كانت ومازالت تجني المليارات من الدولارات كأرباح لمنتجاتها. هذا البحث الأستقصائي الذي قام به بروكتر قاد إلى أنْ يُقدّم ولأول مرة اختراع  كلمةAgnotology .

وقال بروكتور: "كنت أعكف على استكشاف كيفية نشر الشركات الكبيرة والقوية للجهل من أجل بيع منتجاتها. الجهل قوة كبيرة، ويتعلق ذلك المصطلح الجديد بإشاعة الجهل عن سبق الإصرار. وبدراسة ذلك، اكتشفت أسرار عالم العلوم السرية، وبت على قناعة بأنه يتوجب على المؤرخين إعطاء هذا الأمر اهتماماً أكبر".

ويُؤكد بروكتر أنّ أفضل وسيلة لنشر الجّهل هي بخلقِ مَناخ يتمّ فيه التّشجيع والحثّ على النقاش أو حتى الصراع شَريطَة أنْ يكون متكافئاً ومتوازناً بين فكرتين أو جبهتين، وأنْ لا يُسمح لأحدهما بالتفوّق والغَلَبة على الآخر، بل الأبقاء على حالة التكافؤ بين وجهتي النّظر، والذي نتيجته في الغالب هي غياب النتيجة، وهذا هو المطلوب.

فالجهل إذن هو قوّة، من حيث أنّك لا تستطيع التعامل معه إلّا من خلال علم ومن خلال  معاينة المعلومات المعرفية ومن ثم التحكّم بها وتوجيهها سلباً أو أيجاباً. فالجّهل وإنْ كان نتاجاً طبيعياً لحالة التردّي في المنظومة التعليمة والأنحطاط الذي تشهده الجامعات العربيّة، لكنّه في المقابل يمثّل نتاجا لعميّة فعليّة أُسست وفق منهج علمي.

وهذا المنهج بدأ يَتَعمّق أكثر ويتّسع ليتمّ استخدامه من قِبَلِ الأوساط السياسية والأقتصادية والأكاديميّة وحتى الأعلاميّة، وأصبح البعض يُعرّفه بـ"إدارة الإدراك"، وهو أسلوب يَتَّبع التضليل والخداع من خلال نشر بعض الحقائق وأخفاء البعض الآخر باستخدام تقنيّات وفنون ومهارات عالية الدقة بغية خلق حالة من التشويش والإرباك لدى المُتلقّي. عِلمٌ لابدّ لِمَن أرادَ تطبيقه أنْ يكون مُلمّاً ومحيطاً بعلوم أخرى كعلم الأنسان (Anthropology) وعلم التفس (Psychology) وعلم الأجتماع (Sociology) والسياسة ( Political Science ) والأقتصاد (Economics).

فَعِلمُ الجَّهل أو صناعة الجّهل أو إدارة الأدراك كلها مُسمّيات لعلمٍ تقنيّ يقوم بإنتاج معلومات مزيّفة ونشرها على أنّها حقائق، وَمَحو حقائق ثابتة معتبراً أنّها مزيّفة، ويُعتبر من أهمّ الأدوات التي يستخدمها الحاكم المُستبد والسلطات المهيمنة من أجل تطبيق مبدأ التجهيل وإدارة الأفهام الأنسانية كمنهج لتدجين العوام من الناس وتحويلهم الى جيل خانع؛ مَنهجٌ لا تقرأ من خلاله إلا الأنحطاط ورَدَاءةَ الخُلُق؛ اسلوب لبثّ حالة الرّعب وزعزعة الأستقرار وإثارة الشكوك وإدخال الفرد في مَتاهات ومطبّات، تُمنَع عنه الحلول ويُترك وحيداً يعيش التّخبّط والحيرة، ولتكون قراراته بعد ذلك انفعاليّة غير مدروسة تعكس حجم الضغوط النفسية وغياب المعلومة الصحيحة.

وحينما نَقفُ أمامَ نُظُم إستبداديّة تُسمي نفسها سياسية، لا بدّ لنا نُعيد سُؤالي بروكتر: كيف ولماذا "لا نَعْرف ما لا نعْرف"؟ حينها سنَعرف سبب عدم معرفتنا وجهلنا وانحدارنا، سنعرف كيف أننا لم نَعرف، وسنعرف بيقين أنّ ما كانوا يُصوّرونه لنا على أنّه عِلمٌ وتَعليم إنّما هو جَهل وَتَجهيل، وإنّ أكثر المُصنّعين لبضاعة الجّهل هم ممّن باعوا وطنيّته فتمّ أختيارهم وتأهيلهم بعناية وعلميّة فائقتين، وهم على أنواع، فمنهم من يُقدّم الأستشارات السياسية والأقتصادية والأعلاميّة، مُتّكئين على قاعدة إكذب ثم إكذب ثم إكذب ومحصنين ومؤهَّلين بـ"عِلمُ الجَّل"، ليبدؤا بنشر التّجهيل وبثّ الأشاعات وزرع حالة اليأس حتى يبدأ بتصديقها المُستهلك، بل ويقاتل في الدفاع عنها.

وحينما أقِفُ أمام الحالة المُفزِعَة والأنحطاط والتّردي الذي أصاب مؤسسات التعليم عموماً والجامعات على وَجه الخصوص وحالة الإسفاف والأنحدار وفقدان البوصلة والركون والرضا بالجّهل والتخلّف، فإني أقف أمام أحَدَ أعمدة الجّهل المُصَنّع، تّجهيل أُعدّ بعناية، وشارك في إنتاجه وتمريره أُناس قَفَزوا الى مجال التّعليم ومواقع اتخاذ القرارات المصيريّة في غَفلَة من الزّمن؛ حوّلوا المناخ التعليمي والجودة في البّحث العلميّ وطرق التّدريس إلى مناخ أدهم حالك، أرض جرداء لاتنمو فيها بساتين العلم والفكر والمعرفة.

لقد كان الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 – 1962) يرى أن نمو العلم إنّما هو نموّ متعرج، لا يسير في خط مستقيم، بل يَحدث التقدم فيه من خلال نزاع دائم مع الخطأ، فالحقيقة العلميّة خطأ تمّ تصحيحه، فليس ثمّة قيمة كبيرة لتلك الحقيقة الّتي تظهر منذ البداية واضحة ساطعة متميزة عن كل ما عداها، بل إنّ الخطأ كامن في قلب الحقيقة. لذلك فإنّه بات لزاماً على الأحرار الوقوف بشجاعة أمام كل الطبقات المُنتفعة والتي يزعجها مَحو الجّهل وعودة العلم والمعرفة؛ علينا أن نقف متدرعين بضياء الفكر صفاً واحداً أمام رياح الجهل والظلام، وإلّا ستتحوّل مجتماعتنا الى مَفاقس لتوليد المفاهيم المُنحَرفة والنظريّات السّقيمة ويتوقّف الوعي المفاهيمي عن العمل فيتوقّف بعدها الأنتاج الفكريّ وَيَنمَحي الأبداع وَيَحلّ مَحلّه النزاع، لنبدأ بعدها مسيرة الضياع.

 

د. أكرم جلال

 

 

محمد الدعمينرتجع إلى الماضي في حالات عدة ومن أهمها الحالات المشحونة بالدروس والعبر، زيادة على الحالات الجديدة في تواريخ الشعوب (“الجديدة” في سياقي هذا يأتي بمعنى: غير المجربة من ذي قبل). لذا أفدت من دراستي للأدب والتاريخ والفكر البريطاني كثيرا، خصوصا على عصر الثورة الصناعية (عبر القرن التاسع عشر)، إذ واجهت أذكى العقول المسؤولة حقبة ذاك معطيات اجتماعية وسلوكية لم يسبق لبريطانيا أن عهدتها. وقد كان أهمها ما يلي: (1) ظهور وتبلور الطبقة البروليتارية العاملة العامة؛ (2) ظهور المدينة الصناعية بمسالكها العصية كظاهرة لم يسبق للبلاد أن عهدت مثيلا لها؛ (3) تبلور آثار المكننة وغزو الماكينة على حياة الجمهور؛ (4) إفراز طبقة مفكرة مرهفة الحس وعالية المسؤولية من نوع جديد، يختلف تماما عما سبق من نخب مثقفين.

والحق، فإن الفقرة (4) أعلاه كانت الأكثر أهمية وحساسية، نظرا للمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق هذه العقول في سياق التعامل مع المستجدات الفكرية والاجتماعية البنيوية عامة: ففي لحظة تاريخية مثل هذه، يتوجه الجمهور نحو الأذهان المثقفة الوقادة بحثا عن الإجابات الذكية الناجعة لما يواجه المجتمعات والحكومات على حد سواء. والحق، فإن النخبة الفكرية البريطانية قد تصدت للتعقيدات الجديدة بدرجة عالية من إرادة التغيير، درجة يتوجب علينا في دول الشرق الأوسط أن نحسدهم عليها الآن: فقد ظهرت عقول عبقرية فلسفية المنحى من عيار “توماس كارلايل” Carlyle و”جون ستيوارت مل” Mill و”ماثيو آرنولد” Arnold من بين سواها من الأذهان الوقادة التي لم تحاول حل ألغاز العصر الجديد (أي عصر الماكينة) للإجابة على أسئلته ومستجداته، ولكنها (كخطوة أولى) حاولت هذه العبقريات “وصف” أهم التعقيدات والمستجدات على سبيل تشخيصها أسبابها وجذورها، كما تشخص الأمراض من قبل الطبيب: فبدون التشخيص الدقيق لا يمكن مباشرة الفكر الاجتماعي ثم معالجته. وإذا كان المفكرون الاشتراكيون من أمثال كارل ماركس Marx وفردريك أنجلز Angels قد تعاملوا مع معضلة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء مع تبلور الطبقة البروليتارية على سبيل طرح نظرية الاشتراكية، حاول آرنولد حل خانق بريطانيا الجذر (كما أراه) عبر أوروبا بكاملها باعتماد طريق أخرى، وهي إصلاح وتطوير نظم التربية والتعليم، على سبيل التأسيس لثقافة مستنيرة جديدة قادرة على استيعاب “النقلة التاريخية” وإيجاد الحلول الموائمة لمعضلاتها، ناهيك عما تقدم به كارلايل للعالم بأسره عبر “نظرية البطل” Theory of the Hero، إذ ارتجع هذا المفكر الفذ إلى الماضي ليلاحظ بأن خوانق التاريخ التي تمر بها الأمم عامة عبر دورات التاريخ إنما تتطلب “البطل” المنقذ والراشد القادر على السمو بنفسه وبرؤيته فوق تعامي الجمهور وغموض وتخبط الحاضر كي يعاين الحاضر على نحو دقيق يوفر له أسباب انتشال الأمة من حال اللايقين والخوف من المستقبل بمعالجة فريدة لمعضلة “البحث عن مركز سلطة قوي”، وهي المعضلة التي أرقت جميع المفكرين أعلاه، من بين آخرين، في سبيل أن يستحضر شخصية الرسول الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) واحدا من أعظم الأبطال في التاريخ بضمن شريط البطولة التاريخية الذي، كما يرى كارلايل، وجه وشكل جوهر حركة التاريخ عبر جميع الأمم، مؤكدا على حقيقة خطيرة، مفادها بأن البطل لا يتمكن من ليّ المشاكل المستعصية بدون جمهور بطولي يستجيب له ولرؤيته. وهنا تكتمل “المعادلة المنتجة” التي تصنع التاريخ.

 

أ. د. محمد الدعمي

 

 

منى زيتونناقشت أثر تفشي الفقر في المجتمع في مقالات سابقة مثل "شح الموارد وأثره في تغير السلوكيات" و"التواء المنحنى الجرسي وهلاك الأمم". وهذا المقال هو مزيد من التأملات في أحوال ومشكلات المجتمع التي تنشأ من تباين المستوى الاقتصادي لأفراده، وتجاور ذوي الثراء وذوي الفاقة.

العزل الطبقي؛ لماذا يرتاح الأغنياء في أحياء خاصة بهم؟!

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135].

كلما قرأت هذه الآية الكريمة استوقفني قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، فكأنه تعالى يلفتنا إلى أنه ليس الغني فقط من يمكن أن يجد من يحيد عن الحق لأجله، بل قد يوجد بيننا من يتعاطف مع الفقير حتى وإن كان الحق عليه! رغم أننا مأمورون بمخالفة الهوى وإتباع الحق وأن ندور معه حيثما دار. ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26].

ذلك أن الأغنياء صنفان، فمنهم أبناء الأصول ومنهم محدثو النعمة ناهبو المال العام، وكذلك الفقراء صنفان فمنهم أصحاب الأصل الطيب رغم ضيق ذات اليد ومنهم طبقة قليلة الأصل يملؤها حقد طبقي على الأغنياء، ولا يُستثنى من ذلك أصحاب الأيادي البيضاء عليهم؛ لذا فالمشكلات التي تنشأ بين شخصين من طبقتين اجتماعيتين مختلفتين قد يختلف الطرف صاحب الحق فيها.

ومنذ حوالي عقدين من الزمان انتشرت فكرة إنشاء أحياء الأغنياء الجديدة في مصر كالتجمع الخامس ومدينتي والرحاب كبديل لأحياء الأغنياء المعروفة في القرن الماضي؛ وذلك بعدما اتسعت رقعة أحياء الأغنياء القديمة في العاصمة والمحافظات، فزال الفاصل بينها وبين أحياء شعبية أو عشوائية كانت تجاورها، فالتغت خصوصيتها وسابق عزلها عنها، فسعى الأغنياء إلى عزل طبقي جديد متطرف في أقاصي القاهرة والمدن.

وانتشرت إعلانات هذه الأحياء الجديدة في الوقت ذاته الذي كان يتم الترويج لحملات تبرع للمرضى والمحتاجين، وصار كثيرون من أبناء الطبقة المتوسطة يتندرون على من يتبرعون للفقراء ولا يريدون أن يجاوروهم! فهل الأمر حقًا يستحق التندر؟!

إن تجمع الأغنياء في أحياء منفصلة في المدن -تتغير كل بضعة عقود وربما قرون- ليس وليد المجتمع المصري، بل هو نمط وتقسيم معماري معروف عبر العالم، والمحافظة عليه لا يكون فقط لأجل الاستثمار العقاري ولا للمباهاة الطبقية، بل لأن الأغنياء يكونون أكثر راحة في تلك الأحياء بمعزل عن الفقراء. حتى أولئك الذين لا تقتلهم المغالاة ولديهم حس إنساني عالٍ ويساهمون في الجمعيات الخيرية ويجمعون التبرعات لأجل المحتاجين لا يشذون عن هذه القاعدة، لوجود نوعيات من المشاكل الاجتماعية تنشأ عند تجاور فئتين من الأفراد بينهما بون اجتماعي واسع.

وغني عن الذكر أن المجتمع الواحد يتكون من ثقافات فرعية مختلفة؛ والأغنياء بصورة عامة -وعلى العكس من الطبقات الشعبية- أكثر انعزالًا وأقل اختلاطًا وانشغالًا بأحوال الجيران، لا ينشغلون بقيل وقال، وفلان دخل وفلان خرج، وهذا سافر وهذا عاد من السفر، وهذه تمت خطبتها، وتلك لا. ورغم أن المستوى الثقافي يسهم في الانتماء إلى ثقافة فرعية ما لكن يبقى للمستوى الاجتماعي الاقتصادي تأثيره، فما يراه الأغنياء يصح من منظورهم قد يختلف الحكم عليه تمامًا من منظور من ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية الشعبية.

حُكي لي قريبًا عن أزمة حدثت في حي من أحياء القاهرة الراقية القديمة؛ حيث احتاجت إحدى الشقق لإصلاح أمر طارئ يتعلق بالسباكة والصرف، ولما كان رب الأسرة مديرًا كبيرًا في أحد البنوك، وليس من السهل أن يأخذ إجازة طارئة وقتما يشاء، والأبناء يلزمهم الذهاب إلى مدارسهم، فقد اتفق رب الأسرة مع عمال على أن يقوموا بإتمام مهمتهم في إصلاح السباكة في وجود زوجته، ولم تستغرق عملية الإصلاح تلك سوى سويعات من نهار أحد الأيام، وكان باب الشقة مفتوحًا أثناء اشتغال العمال. وما حدث يعد في عُرف أي فرد ينتمي لطبقة راقية في المجتمع أمرًا عاديًا، لكن بالنسبة لزوجة صاحب كُشك بالمنطقة لم يكن عاديًا على الإطلاق؛ إذ أخذت تتحدث مع كل من يشتري منها -وعلى مدار أسبوع- عن كيف تسمح السيدة فلانة لنفسها بأن تبقى وحدها في الشقة مع العمال أثناء عملهم؟ ولماذا لم تطلب من إحدى جاراتها أو منها هي أن تبقى معها طيلة اليوم؟! واستمر ذلك اللت حتى وصل إلى أسماع زوج السيدة، وكاد أن يتأذى صاحب الكشك من ورائه وينقطع رزقه من المنطقة، لولا أن تأسف واعتذر نيابة عن زوجته طويلة اللسان.

والمشكلة الفائتة من الواضح أنها لم تنشأ عن حقد طبقي، ولكن من اختلاف مفاهيمي واضح، ومحاولة السيدة الشعبية إلزام من ليسوا من طبقتها الاجتماعية بمفاهيمها.

لكن مشكلة أخرى كرمي القمامة أمام منازل وفلل الأغنياء تعد أحد أشهر الأساليب المصرية لتنفيس الحقد الطبقي! ذات مرة أثناء قيام عامل النظافة بحمل كيس قمامة مُلقى بجوار منزلي وقع من الكيس إيصال سداد كهرباء، وتعجبت لبعد المسافة بين منزلي ومنزل السيدة صاحبة الكيس، وهو ما يظهره عنوان منزلها المكتوب على إيصال الكهرباء، وكأنها قد حملته كل هذه المسافة لتلقيه أمام منزلي، أو بعثت من يلقيه من أبنائها، رغم وجود صناديق جمع للقمامة أقرب إلى منزلها! ورغم أن هذه المعاملة ليست خاصة بمنزلي، فكذلك يفعلون مع باقي البيوت والفِلل بالمنطقة! فأنا أقر وأعترف أن تجاور منطقتي السكنية مع منطقة أخرى تقطنها طبقة اجتماعية أقل في المستوى الاجتماعي جعلني أكره المنطقة برُمتها.

وهذه الأمور الدالة بوضوح على أحقاد طبقية ليست مستجدة في المجتمع المصري على كل حال؛ سيدة كريمة حدثتني مرة عن أيام تأميم المصانع والشركات في بداية الستينات من القرن الماضي، وكيف فوجئوا بشماتة من كانوا يحسنون إليهم، وأخرى قالت لي: أحد الفلاحين الذين كانوا يعملون لدينا ظل يركب حماره رائحًا غاديًا أمام منزلنا الريفي، حاملًا بيديه الجريدة التي جاء بها قرار ما سُمي بالإصلاح الزراعي، مُشرِّعًا إياها. وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر: إن أنت أكرمت اللئيم تمردَا، وأمثال هؤلاء من قليلي الأصل قد يدفعون بعض الأغنياء الطيبين إلى إخراج زكاة أموالهم لمن لا يكادون يعرفونهم أبدًا من الفقراء أو إلى مؤسسات وجهات متخصصة لأن نفوسهم لا تطيب بإخراجها إلى من يزيدهم الكرم معهم لؤمًا!

فلسفة الزكاة

يقودنا الحديث عن العزل الطبقي بين الأغنياء والفقراء إلى حديث آخر متعلق بالمال؛ عن الزكاة وإخراج الصدقات، فربما لو أخرج كل من وجبت عليه الزكاة حصته لاختفى كثير من الحنق الذي نلمسه من الفقراء في المجتمع والناتج عن ضيق معيشتهم.

وفلسفة الزكاة هي جزء من فلسفة الكون، فكل ما في الكون طبيعته التبدل والتغير، ولا باقي إلا الله، ومحاولة البخلاء الإمساك على المال لأجل جمع الثروة –وهو الحال نقيض الزكاة- مناقض للتغير الذي من المفترض أن يطرأ على المال، فإمساكه الزائد يجعله يعاكس الطاقة الكونية؛ فيقل ولا يزيد! على العكس من ضخه في الكون ما يجعله يدور ويعود إلى صاحبه مرة أخرى، ولعلني لست بحاجة للتذكير بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال عبدٍ من صدقة".

ومن يبخل بجزء من ماله على الفقراء يفعل ذلك في العادة إما لبخله أو لكثرة إنفاقه وشهوته الزائدة تجاه متاع الدنيا، فكأنه يبقيه لأنه يريده كله لنفسه، إما كــــمالٍ مخزون أو لامتلاك كل ما يريد، وما أكثر ما يريد! بينما الإنسان هو روح وعقل وقلب وجسد مادي، والاعتناء بالحاجات المادية فقط هو تغذية للجانب المادي منا كبشر، ما يفقد الإنسان توازنه الداخلي ويزيد معاناته ولا يسعده، ولن يجد إنسان سعادته إلا عندما يغذي روحه وعقله وعواطفه أيضًا، وليس كما يفهم من له هذا الفكر بأن السعادة أن تمتلك ثم تمتلك ثم تعاود فتمتلك، وأن يكون لديك من المال ما يجعلك تنفق وتبذخ ثم تنفق وتنفق، ولا تجد داعيًا للتوقف!

والزكاة هي الطريقة الربانية لضبط ميزان العدالة الاجتماعية فلا يعيش بعض الأفراد في حال ترف زائد بينما تعيش فئة أخرى في فقر مدقع، وتحقيق هذا التوازن وعدم التفاوت الشنيع بين كفتي الميزان كفيل بألا يطيح الميزان! أي بقاء المجتمع وعدم انهياره، كما أنه يحقق السعادة لكلا الطرفين، لأنه لا الوفرة المادية في الإنفاق على النفس ولا القلة يمكن أن تحققا السعادة لإنسان.

ما لا يفهمه كثيرون أن الوفرة الزائدة والفائضة عن الحد تفقد الإنسان متعته وبهجته، وكما قالوا فإن "للعبير اختناق". الوفرة تناسب حياة الإنسان في الجنان وليس على الأرض، وإصرار بعض الناس على تحقيقها لأنفسهم على الأرض لا يسعدهم، وإضافة لذلك يقتطع من الموارد التي كان من المفترض أن يعيش عليها غيرهم من البشر، فلا هم سعدوا ولا أسعدوا غيرهم!

 

د. منى زيتون