عدنان عويدإن الأيديولوجيا عندما تُستخدم عتلة نهضوية في مجتمع لم يحوز بعد على الظروف الموضوعية والذاتية التي تستطيع استلهامها، أو استهلاكها، أي التفاعل معها، أو تكون هذه الظروف ذاتها هي غير المنتجة لها، ستظل هذه الأيديولوجيا حكماً في حالة طيران أو مفارقة للواقع، أي تظل بعيدة عن متطلبات الواقع أو مطابقة قضاياه، وهنا ستتحول المشاريع الفكرية من خلال حملة مشروعها السياسي وبخاصة عند الأحزاب والتنظيمات السياسية، عند تطبيقها إلى وسيلة تفقد سماتها وخصائصها النهضوية، وتمارس قسراً لتغيير الواقع أو ليّ عنقه، وخاصة إذا كانت الحوامل الاجتماعية لهذا المشروع أو ذاك غير حوامله الحقيقيين المعبرين عن مصالح الجماهير الحقيقية في المرحلة التاريخية المعيوشة، الأمر الذي سيزيد من تعقيد هذا الواقع وتعميق أزمته بدلاً من إفراجها. وهذا ما تجلى بكل وضوح في محاولات التطبيق العملي القسري لهذه الأيديولوجيات على الواقع العربي وفقاً لمبدأ (سرير بروكوست) في بعض التجارب الوحدوية السابقة، أو بعض محاولات التنظيمات الإسلامية الجهادية مؤخراً كداعش والنصرة مثلاً. أي هم عملوا على ليّ عنق الواقع المتجاوز زمنيا في معطياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وحتى الأخلاقية بالنسبة لهذه الأيديولوجيات التي تحملها و تسعى لتطبيقها هذه التنظيمات الإسلامية السياسية الجهادية من جهة. أو تخلف هذا الواقع نفسه في ظروفه المادية والفكرية بالنسبة للأيديولوجيات التي تحملها الأحزاب القومية الاشتراكية، أو الشيوعية ولي عنقه أيضاً - أي الواقع - كي ينسجم مع هذه الأيديولوجيات السابقة في معطياتها النهضوية موضوع البحث، على اعتبارها ممثلة لمصالح الجماهير أو الشعوب بنظر الحوامل الاجتماعية لهذه الأيديولوجيات كم جهة ثانية.

إذن إن التعويل على أي مشروع فكري (أيديولوجي)، متعالي على الواقع - أي لا يشكل وعياً مطابقاً للواقع -  من أجل تجاوز تخلف هذا الواقع وخلق نهضة فيه، هو غير قادر بالضرورة على تفسير هذا الواقع وتحليل أوالية عمله (الميكانزيم)، وبالتالي لن يكون أكثر من محاولة للي عنق الواقع كما أشرنا قبل قليل، وفرض حلول لمشاكله من خارج ظروفه الموضوعية والذاتية. أي محاولة تغييره برؤى فكرية ذات طابع مثالي وحدسي وبراغماتي سطحي بالغالب، يعتقد حملتها أن هذه الرؤى الفوق تاريخية هي وحدها القادرة على تقديم الوصفات الجاهزة لكل زمان ومكان دون أي دون مراعاة لخصوصيات الواقع وطبيعة حركته وتطوره وتبدله، وهذا ما سيساهم بلا شك في تعميق أزمة هذا الواقع والأيديولوجيا المتعاملة معه معاً.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

عبد الرضا حمد جاسماول مرة أشار الراحل الوردي او كتب عن المهنة وعلاقتها بالمهانة في العام 1951 وذلك في محاضرته التي تحولت الى كراسة بعنوان شخصية الفرد العراقي ثم كرر الطرح في عام 1958 في محاضرته التي تحولت الى كراسة ايضاً تحت عنوان الاخلاق / الضائع من الموارد الخلقية /1958 تلك التي شارك بها في ندوة عن الضائع من الاخلاق جرت في الجامعة الامريكية في بيروت ونُشرت كبحث في مجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الامريكية في بيروت السنة11 ج2 حزيران1958 أي بعد سبعة أعوام عن طرحه الأول].

وعاد وتطرق لنفس الموضوع في كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي /1965 ثم ختمها بنفس الصياغات في لمحات تاريخية عام 1977 هذا يعني انه اقتنع بالموضوع واعتمده في طروحاته.

وأجد من الضروري التذكير برأي الراحل الوردي بأبن خلدزم و’’’نظريته’’’ واضع انامكم جزء مما ذكرته في :الراحل علي الوردي في ميزان(4) الوردب وابن خلدون في 16.03,2018 الرابط:

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/b1d/926047

الراحل علي الوردي في ميزان (4): الوردي وابن خلدون في 16.03.2018

حيث ورد التالي: [في ص37من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الصادر عام 1965/ تحت عنوان فرعي: أهمية أبن خلدون كَتَبَ الراحل الدكتور علي الوردي التالي: [أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة. حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خير مرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه. مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة. من هذه الاخطاء أنه عندما درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم. هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة. أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية. وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. ............... الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك "هولاكو وجنكيز خان" قبله] انتهى.

وفي ص38 من كتابه: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الراحل الوردي التالي: [... ولا ننسى ان ابن خلدون كان في سيرته انتهازيا فظيعا يود التقرب من الملوك وقد يقلب في سبيلهم الحق باطل) انتهى.

وقبل التفصيل اسأل هل هناك مجتمع عربي على أيام ابن خلدون حتى درسه وأعجب الوردي؟ بل هل يوجد مجتمع عربي حتى اليوم؟؟؟؟ هناك مجموعة عربية...هناك ناطقين بالعربية في كل العالم تقريباً...هناك امة عربية...لكن ليس هناك مجتمع عربي

..........

المهنة والمهانة ايهما الأصل وايهما الفرع في ضوء رأي الوردي بنظرية ابن خلدون:

هل المهنة من المهانة أم المهانة من المهنة؟ ... 

أولاً: يقول الراحل الدكتور علي الوردي نقلاً عن ابن خلدون الذي ورد رأي الوردي به اعلاه: [لأن صاحب السيف يأبى ان يكون صانعاً أو عالماً وقد كان يسمي ألصنعة ’’ مهنة’’ أي شيئاً ممتهناً ومحتقراً’’] 

 وانا اقول ان ألصنعة سبقت المهنة والعمل سبق المهنة والمهنة سبقت المهانة وعليه فإن كانت هناك علاقة بين الاثنتين فالمهانة من المهنة وليس العكس. حيث صارت المهنة تشمل كل مجالات العمل في الحياة فلا يمكن ان تكون كل مناحي الحياة اليدوية والفكرية مهانة فماذا تقولون لطفاً؟

هل جمعيات ذوي المهن الطبية او ذوي المهن الهندسية او غيرها هي جمعيات إهانة او مُهينة او مُهانة وبالذات عند دراسة الراحل علي الوردي للمجتمع العراقي؟

الان نعود للنص الذي انتزعه الراحل الوردي من كتابات ابن خلدون ونقله لنا والذي تبناه الوردي واعتمده وانتشر وشاع عند أجيال لا أقول قبل جيل الوردي لكن من جيل الوردي والاجيال لتالية له وسيستمر لأجيال قادمة.

مناقشة النص المنقول عن ابن خلدون ...حيث ورد فيه التالي:

1ـ (صاحب السيف). 

السؤال على زمان ابن خلدون وما قبله من هو صاحب السيف؟ هل البدوي العربي فقط؟ ام كل مقاتل وكل سَّلاب نَّهاب من الذين كانوا في محيط ابن خلدون او قرأ عنهم /عليهم أو تعامل معهم ومنهم مِنْ بُناة وحُماة الحضارة التي كانت حيث كان؟ اليس المدافعين عن الحضارة التي غزتها البداوة (صاحب السيف) (السَّلاب النَّهاب) كانوا ايضاً حملة سيوف؟ أم انهم استقبلوا السَّلابة النَّهابة بالورود والزغاريد والصلوات؟

2ـ (يأبى ان يكون صانعاً او عالماً). 

هل كان الموضوع بيد صاحب السيف؟ وكأن مراكز التدريب الصناعي ومعاهد التدريس منتشرة في ازقة ذلك الزمان وفي كل حي من الاحياء تدعوا أصحاب السيوف ان هبوا الى الصنائع والدروس والتدريب وهم يأبون ذلك ويصرون على حمل السيوف ويتلذذون بالسلب والنهب.

السؤال هنا: كم عدد او نسبة من كانت الفرصة سانحة لهم ليكونوا صُناع وعُلماء من أصحاب السيف وآبوا ان يكونوا كذلك؟ وهل كانت الصناعة و(ألعلومية) ملك ايمانهم ورفضوها وامتشقوا السيوف وصاحبوها؟

3ـ (وقد كان يسمي ألصنعة مهنة):  

’’ وقد كان’’ هنا تعود الى صاحب السيف وفي الزمن الماضي غير المحدد لزمان ابن خلدون وهنا أسأل: كم من حملة السيوف واصحابها وصُحبانها من كان يسمي ألصنعة مهنة؟ 

لم يُشِرْ لا ابن خلدون ولا الوردي الى ان العيب في صاحب السيف الذي لا يعرف ان المهنة مهارة ودقة وتفكير وإبداع وصبر وارتقاء وتحتاج لسيف يحميها...ولم يُشيرا الى ان أصحاب المهن والصنائع هم من بنوا الحضارات التي يفتخر بها ابن خلدون وغيره في وقته او في وقت الوردي ويدافع ودافع عنها أصحاب سيوف أيضاً، وجميعهم كانوا ولا زالوا من محبي السلب والنهب والمساهمين فيه حيث ما حصل غزو أو’’ فتح’’ إلا ورافقه السلب والنهب حتى يومنا هذا ومن كل الجماعات والحكومات والشعوب سواء كان موقعها في العالم الأول او الثاني او الثالث. الإنكليز كانوا أصحاب سيف و إحتلوا و سلبوا و نهبوا بعد ان انتصروا على أصحاب السيف المدافعين و الفرنسيس و الاسبانيول و البورتُكَيه والامريكان والهولنديين و البلاجكه و الجابونيين فعلوا ما فعل الانكَليز وحتى يومنا هذا. 

خلاصة قول بن خلدون هذا كما أتصور هي: 

ان هناك عدد من أصحاب السيوف مَنْ أبوا ان يكونوا صُناع وعُلماء وهم أكيد قلة فالصناعات (الصناع) والعلوم (العلماء) غير متاحة/ غير متمكن منها الجميع او لا يجيدها الجميع والمواهب اللازمة لبروزها محدودة بينهم ومِنْ هذه القلة هناك من كان يسمي ألصنعة مهنة وهناك من قِلَتْ هذه القلة من كان يربط بين المهنة والامتهان والحقارة...طبعاً هناك بعض المهن في كل زمان ومكان تلك التي يستعر منها الانسان. 

هكذا أفهم هذا النص الذي نقله لنا الوردي...الرجاء ممن قرأ هذا النص عن غير الوردي أتمنى ان يذكره لنا لتعم الفائدة. فماذا تقولون يرحمكم الله؟

 تقول بعض الروايات ان آدم كان حائكاً أو صانعاً وإن نوح الذي أنقذ الحياة من الطوفان كان نجاراً وان فلان كان راعياً أو مزارعاً وآخر عمل في التجارة وان الراشدين الأربعة كامو أصحاب مهن يدوية وفكرية وكانوا أصحاب سيوف في نفس الوقت.

إذن كيف تحولت خير الاعمال التي قام بها خير الناس الى مهانة؟ 

اعتقد ان هذا قول مشكوك فيه حيث لو كانت المهنة من المهانة او من جذرها فيمكن ان نقول: 

الدين من الدَّين والبَّزازين من البِزازين "القطط" والهَرَمْ من الهَرِمْ. والرَجُلْ من الرِجِلْ والقَدَمْ من القِدَمْ والجَدْ (والد الابوين) من الجِدْ والمَرْكَبْ من المُرَّكَبْ والْسِحِرْ من الْسَحَرْ وعَزَفَ من عَزْف وصاحِبْ من صاحَبَ ونُصْف من نَصِفْ والسِلْمُ من السُلَّمْ وغيرها الكثير.

لا اعتقد ان البدو أطلقوا على العمل اليدوي مهنة "مهانة’’ لأنهم اصلاً لا يعرفون العمل ولم يرد العمل او المهنة في امثالهم واقوالهم واشعارهم بما يناسب انتشارها في حياة اليوم ولا اعتقد ان ’’ مهنة’’ كمفردة وردت في الكتب المقدسة بما يناسبها وبهذا الوضوح فلدا العرب او البدو مفردات أخرى مثل: حِرْفَة...صنعة...عمل...شغل. ثم كيف يكون البدوي صانعاً او بقالاً او معلماً او كاسباً او حائكاً في تلك الصحراء المقطوعة عن العالم وفي تلك الظروف؟ هل هناك ظروف تسمح بذلك او تدفع لذلك او تمكنه من ذلك حتى يمتنع عن تلك المهن؟ 

المعروف ان كل أو أغلب أصحاب الحِرَفْ/المِهَنْ التي تَعَّرَفِ عليها البدو العرب منذ خمسة عشر قرناً لليوم هم من الرق والعبيد والموالي والعيب الذي يطرحه البدو ليس للمهنة انما لأصول هؤلاء الحرفيين الصُناع وأبناء هؤلاء أي أبناء الصًناع. 

ثانياً: في ص 178 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965وتحت عنوان فرعي: (احتقار الحائك): كتب عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب التالي: [اما حائك النسيج فهو وضيع جدا لا يكاد يدانيه أحد في حقارته فأبناء القبائل ’’ الأصيلة’’ لا يزوجونه من بناتهم وهم من جانبهم لا يتزوجوا من بناته وان نشب قتال فليس من المفروض ان يشترك الحائك فيه انه يجلس مع النساء ولا يطلب منه الرجال أية مساهمة في معاركهم مهما كانت ضئيلة] انتهى

ورد في هذا النص التالي:

(اما حائك النسيج فهو وضيع جدا لا يكاد يدانيه أحد في حقارته) ...العجيب هذا رأي عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي... لو نَسَبَ/نُسِبَ هذا القول لغيره او لو قال أنَ البعض يقول، او لو قال عند البعض أو هذا رأي البعض لكان يمكن ان نقول انه قول منقول/اجتهاد... لكن الوردي افتتح به (عنوانه الفرعي: احتقار الحائك) ...لا اعرف رأي الوردي بالصائغ وميزانه وصانع العطار والغش في البضاعة؟ وهو عمل صابع عطار.

ولتفسير او تبرير رايه المنحرف هذا كتب الراحل الوردي في ص 179 من نفس الكتاب وتحت نفس العنون الفرعي التالي: 

[إن احتقار الحائك تراث بدوي قديم وقد كان البدو منذ قديم الزمان إذا أرادوا شتم أحد قالوا له: (حائك ابن حائك). ومنشأ هذا الاحتقار هو ان الحائك يحترف عملاً من اختصاص المرأة في نظر البدو] ... 

لو اكتفى الوردي بهذا القول لقبلناه نوعما ولكنه أبى ان يتوقف فتبعه بالتالي: 

[فهو يعيش بكد يمينه بدلاً من ان يعيش من كد سيفه]. وكأن الحائك هو الوحيد الذي يعيش بكد يمينه... وصاحب السيف السَّلاب النَّهاب كان ولا يزال يعيش بكد يساره او رجليه. 

ولو اكتفى لحد هذا لقبلنا ايضاً لكنه أبى أيضا الا ان يُكمل بالتالي: 

[وقوة ذراعيه]... وكأن الحائك لا يستعمل قوة ذراعيه...

ثم يُكمل فيقول: [ويضربون به المثل فيقولون: (كالحائك عمرة ما قتل فارة)]

 ...والعجيب ان الوردي لا يعلم ولم يفكر بأن أكثر من قتل الفئران هم الحاكة لأنها تقضي على بضاعتهم وصنعتهم.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

قاسم حسين صالحلنبدأ من ثلاث حقائق:

- الأولى: ان انتفاضة تشرين/اكتوبر2019 انطلقت في المحافظات الوسطى والجنوبية ذات الأغلبية الشيعية،

- الثانية: لأن التظاهرات ضد احزاب الاسلام السياسي الشيعي تحديدا، كانت قد بدأت في شباط 2011، وقمعت بامر من حكومة المالكي، وعادت في 2014، وصولا الى  2019، فأنها اوصلت الشخصية الشيعية، بمفهومها الجماهيري، الى حالة العجز المتعلم من توالي خيبات الذي يفضي سيكولوجيا الى الاستسلام.

- والثالثة: ان احزاب الاسلام السياسي الشيعي اسهمت باشاعة السلوك المازوشي  في الشخصية الشيعية، عبر اللطم والنواح وضرب الزنجيل، واشغالهم بالماضي عن التفكير في تغيير بؤس الحاضر.

كان (العجز المتعلم من توالي خيبات وخذلانات) قد تحول الى يقين عند جماهير الشيعة تحديدا من أن الحال لا يمكن تغييره.. والحق مع غالبيتهم، لأن من انتخبوهم تحولوا الى مستبدين وقتله استهانوا بالشعب من يوم ارسلوا أحد (مناضليهم) ليعطي الاوامر من على سطح العمارة المطلة على ساحة التحرير بقمع المتظاهرين في شباط 2011 ، ويوم قامت في (17 و 20 تشرين الثاني 2015) بالاعتداء على المتظاهرين بالضرب والكلام البذيء واعتقال اكثر من 25 منهم ما اساءوا الى احد، والطلب منهم التوقيع على تعهد بعدم المشاركة في التظاهرات، تبعها تعرض اھالي قضاء المدينة في محافظة البصرة في اثناء قيامهم بداية تموز (2018) بتظاھرة سلمية مجازة رسميا، وقيام قوات الامن بالتصدي العنيف للمتظاھرين بإطلاق النار بالرصاص الحي بشكل عشوائي نجم عنه استشهاد الشاب (سعدي يعقوب المنصوري)، وزادوها بشاعة وقبحا وعارا بتظاهرات الفاتح من تشرين اول /اكتوبر2019 في سابقة ما حصلت في تاريخ العراق السياسي، بقتل اكثر من(700) شهيدا واكثر من عشرين الف جريحا، لا ذنب لهم سوى انهم طالبوا بحقهم في وطن اعتبره حكّام الخضراء غنيمة لهم فتقاسموه، ليثبتوا عبر (17) سنة انهم  الأسوأ في تاريخ العراق السياسي والأقبح بتاريخ الفساد في العالم!.

المفـاجأة

خمسة ايام بدأت بالثلاثاء الفاتح من تشرين اول/اكتوبر2019، شهدت تظاهرات هزّت العراق وفاجأت محلليين سياسيين ومثقفين اشاعوا ثقافة التيئيس كانوا على يقين بان الاحباط قد اوصل العراقيين الى حالة العجز التام. وكان بينهم من راهن على انها (هبّة) وتنتهي، لأن الشخصية العراقية، على رأي الراحل علي الوردي، أشبه بنبات (الحلفه) اليابس.. يشتعل بسرعة ويخفت بسرعة.

وفاجأت ايضا علماء النفس والأجتماع بما يدهشهم.. بل أنها خطّات نظرية في علم النفس تقول:اذا اصيب الانسان بالأحباط وحاول وحاول ولم ينجح، فأن تكرار حالات الخذلان والخيبات توصله الى العجز والاستسلام.. فأطاح بها جميعها شباب وأشبال ادهشوا آباءهم والعرب والعالم!.. واسقطوها في الخامس والعشرين بيوم جمعة (استعادة وطن).. متحدين الموت بصدور عارية وملاحم اسطورية، عايشت مشاهد منها.. أحدها انني دعيت لالقاء محاضرة على المتظاهرين في ساحة التحرير بدعوة من قادة (خيمة جواد سليم) فانتهزت الفرصة باستطلاع الصفات التي احيتها انتفاضة تشرين في الشخصية العراقية، فكان اجملها  في الآتي:

" الغيرة، الشجاعة، الاستعداد العالي للتضحية، التكاتف الملحمي، الثقة العالية بالنفس، التكافل،  المروءة، الطيبة، روح التعاون، نصرة المظلوم، اللعب مع الموت والاستهانة به، حب الحياة، الخوّه الحلوه، كرم بلا حدود، اعادة الصورة الحقيقية للعراقيين،  "احبك يا وطني واحب ريحة ترابك" ، استرجاع الهوية العراقية وتجاوز الهويات الفرعية، بلاغة العبارة والاختصار في التعبير( اقالة رئيس الوزراء واستبداله بآخر عبارة عن تبديل راس الباتري.. احنه طلابتنه بالمحرّك- لافته)، التحرر من الاسترقاق الديني، تحطيم صورة المقدس البشري، الحس الوطني الجمعي لجميع الاعمار وحسن المعاشرة، الايثار، التضحية بالروح من اجل الحقوق، النظافة الاخلاقية اذ لم تحصل حالة تحرش كما حصلت بساحات تحرير في عواصم عربية اخرى، قتل الطائفية.. "كان الشباب ينامون ببطانية واحدة ولا يعرف اي منهم من اي مذهب او عرق اودين "، العناد، اصرار  المتظاهر على العودة لساحة التحرير بعد معالجته بالمستشفى، وحدة اهداف بعيدا عن دين مذهب عرق عشيرة، استعداد نفسي لمعاناة من اجل قضية وطن.. والتحرر من عقدة الخوف من السلطة الحاكمة".

وتوثيقا للغيرة العراقية والكرم ودليلا على حب الناس للمتظاهرين ونقمة الشعب على الحكّام الفاسدين، شهدت ساحة التحرير:(تريلة ببسي واخرى ماء شرب، وبالة بطانيات، وامهات يوزعن لفات وخبز العباس، وشيش كص عملاق، وفتيات اتين بالتنور الى ساحة التحرير يخبزن للمتظاهرين، وقزانات تمن باجله برياني وفاصوليا وقيمة وكبه مدعبله وشوربه.. وشاب متظاهر يركع امام فتاة متظاهرة لا يعرفها مقدما لها حلقة خطوبة) في مشاهد تسيل لها دموع تمتزج فيها انفعالات الفرح والألم وحب العراق!.

على ان الأهم انهم اضعفوا سلطة الرمز الديني في اللاوعي الجمعي للشخصية الشيعية،  واسقطوا اعتباريا (قادة) كانوا يعدون انفسهم رموزا للشخصية الشيعية،  وكشفوا نفاق ودجل قيادين شيعة يعتمرون العمامة، وسخّروا من اشخاص كانوا يعدّون انفسهم رموزا نضالية شيعية،  واشاعوا بين جماهير الشيعة  مفهوم دولة المؤسسات المدنية الحديثة التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، واعادوا الأعتبار لشيعة العراق باستذكار رموزها النضالية في ثورة العشرين كما فعل شباب الناصرية في ساحة الحبوبي، وادانوا الطائفية (انتقلت الى رحمة الله) في لافتات بساحات التحرير،  واحيوا الهوية الوطنية المفعمة بحب العراق بشعارها (نريد وطن) مقابل الهويات الفرعية التي اشاعها الطائفيون وراح ضحيتها آلاف الأبرياء في حرب سخيفة كان يقتل فيها العراقي لمجرد أن  اسمه عمر او حيدر او رزكار!

والنتيجة.. هل نبقى نقدّم تضحيات؟!

من عام 2008 كتبنا عبر (المدى) وقلنا في الفضائيات ان قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، وستكون جماهير الشيعة هي المتضررة الأكبر.. وحصل ما كنّا حذرنا منه.

وعدنا في عام (2010) لنثبت ان العقل السياسي  في السلطة مصاب بعلّتين:حول عقلي يرى ما هو ايجابي في جماعته وأنها على حق مطلق، ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويعتبرها على باطل مطلق.. وجمود عقائدي يرى ان عقيدته هي المقدسة بطريقة يسبب خوفه عليها هوسا وسواسيا يضطره الى ان يغلق نوافذ تفكيره ويجبره على خلق الازمات، وقد وظفوها بخباثة في العقل الجمعي للشخصية الشيعية التي تقدس سلطة الرمز الديني. وقلنا بالصريح ان شخصا بهذه الصفات المرضية لا يصلح أن يكون قائدا لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.. وأنه سيتحول بحتمية سيكولوجية الى طاغية مستبد.. لن يسمح حتى للأمام الحسين أن يتقدم نحو الخضراء مطالبا بأصلاح أمة جده!

تنسيقيات تشرين والانتخابات المبكرة

بافتراض ان الانتخابات المبكرة ستجري بموعدها (6 حزيران 2021)، وانها ستعتمد الدوائرالمتعددة، وستكون نزيهة وباشراف الامم المتحده والاتحاد الاوربي، وفي أجواء آمنة.. فان واقع وضعها الحالي لن يضمن لثوار تشرين الفوز الذي ينشدونه، ولن يكون بمستوى التضحيات التي قدموها، لسبب رئيس هو:تعدد قياداتها وتنوع تنسيقياتها، وعدم تقدير حقيقة ان تفرقها يعطي فرصة الفوز لاحزاب تمتلك السلطة والثروة والفضائيات واحترافية التزوير.

وتوحيد التنسيقيات.. ليست مهمة مستحيلة.ففي المحاضرة التي القيناها على متظاهري ساحة التحرير، نصحني القائمون عليها(خيمة جواد سليم) ان لا اتطرق لذلك خشية ان يسمعوني كلاما غير لائق.. غير انني حين دعوتهم باسلوب اعتمدت فيه سيكولوجيا الأقناع، وافقوا وصفقوا.. وها نحن نجدد الدعوة لهم بأن ينعشوا القيم الأصيلة والجميلة التي احيتها انتفاضة تشرين في الشخصية الشيعية بشكل خاص والعراقية بشكل عام.. فبزخمها السيكولوجي وعنفوانها الشبابي.. سيستعيدون (أجمل وطن)!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

1 تشرين اول- اكتوبر/ 2020

 

 

صالح الرزوقبقلم: ريبيكا غولد

ترجمة صالح الرزوق

إن النظر لمسائل تتخطى الأدب، حتى وأنا أقرأ نصوصا أدبية بسياق معانيها السياسية المؤثرة، سمح لي أن ألاحظ كيف أنه بعد 9/11 أصبحت الأنوثة العابرة للحدود الوطنية متورطة بأجندات جيوبوليتيكية هامة، وهكذا ” أرست سياسة مبادئ التضامن” التي تخترق خطوط الأمة والطبقة والعرق والجنوسة ” لتصبح بشكل مطرد إشكالية” (كما قالت دينيز كانديوتي، 2007)*. وقد تتبع بارتا شاتريجي  (1986) حوار السياسة والمقاومة المعادية للكولونيالية وبقايا الكولونيالية المترسبة في الاتجاه الوطني ما بعد الكولونيالي، ووجد أن “رفض الاتجاهات الوطنية لرفع مشكلة المرأة لمرتبة قضية يمكن التفاوض عليها سياسيا مع الدولة الاستعمارية” عبارة عن تمزق أو صدع أساسي في إيديولوجيا حركات التحرير ما بعد الاستعمارية والعابرة للحدود الوطنية. في نفس الوقت نقاد نظرية الدراسات التحويلية الذين نأوا بأنفسهم عن علاقات إنتاج المادة قد ركزوا هدفهم على تنشيط “طاقة التنظير الماركسي” وذلك بتحميل الفكر الأنوثي أعباء الليبراليات ما بعد الكولونيالية (بانيرجي، 2000). أن تأخذ موقعا عند تقاطع هذين المحورين المتعارضين في الشؤون المعاصرة لظرف ما بعد الكولونيالية، إنما تتابع بعض السبل التي تحتلها المألة النسوية على نحو مضطرد في الخطابات الوطنية، حتى لو أنها استمرت على محيط الخطاب السياسي في الفضاء بعد الاستعماري.  

حتى ونحن نقر مع جيمسون أن تسييس التمثيل الذي يفرضه الظرف بعد الكولونيالي على النصوص بعد الكولونيالية، من المفيد أن نؤكد على قصور فرضيته، وذلك ليس فقط لأن الآخر هو من لاحظ وجودها. في هذا التحليل يعجز جيمسون عن رؤية الأثر أو العلامة والتي يخلفها استبعاد الجنوسة من المعادلة، حيث أن: “العالم الثالث + الأدب = المجاز”. واختزاله لأدب العالم الثالث في مجازات بعد كولونيالية إنما يضاعف من فشل تاريخي واسع النطاق عانت منه نظرية الأنوثة الأورو أمريكية ويضيف ذلك إلى عولمة  مراكز الجغرافيا، وهذا لا يساعد على تفهم العمل الهام الذي تم التوصل إليه في تنظير تقاطعات الأنوثة فوق الوطنية (العابرة للحدود) والظرف بعد الكولونيالي في العقود الراهنة ( انظر مثلا: دراسات موهانتي، 1991).

 وبالعودة للأطروحة التي حضرت الدفاع عنها في دمشق في صيف 2010، قبل عدة شهور من بداية الفظاعات الحالية التي بدأت في آذار عام 2011، بحثت عن تعريف لأنوثة الما بعد كولونيالية التي تنظر لما وراء  الغياب الوطني لسياسة الجنوسة وذلك لأضمن أنه لا شيء “سيكسر الوحدة الضرورية للصراع المضاد للاستعمار” (شراد، 2011).  وفي حين أن النظرة المعاكسة تقودنا للقول أن هذه الفكرة ترعرعت قبل الحرب في سوريا، وفكرتي بالتأكيد يقطعها هذا التوقيت، إن فك الاتصال بين الوعي الوطني والوعي الناشئ الذي أعقب ذلك له علاقة بأي مجتمع مزقته الحرب، ولا سيما مجتمعات تشكلت بالميراث الكولونيالي، وضمنا، في حالة سوريا، ميراث الانتداب الفرنسي وبنسبة أقل الولايات المتحدة. ومثل عالمة الاجتماع   منيرة شراد *** أنا مقتنعة أن الأنوثة العابرة للحدود الوطنية الخاصة بالمستقبل ستتخطى النقد المضاد للاستشراق الذي لعب دورا مؤثرا بنقد الأنوثة في عقود سابقة  (2011). وكي نتخطى الاستشراق علينا أولا أن نتخطى التجاهل والتكبر الذي قدم الفرصة لبنية المعرفة الاستشراقية  أن تضغط على تساؤلات النخبة على طول قرون خلت، ولا سيما في المجال الأكاديمي وهو موضوع دراسات إدوارد سعيد.

مثل هذه الصيغة الجديدة للمفهومات تتضمن استعادة معنى الأنوثة على أساس تعدد الأساليب التي واجهها وفكر بها العالم العربي، وكذلك في جغرافيات مستعمرة ومتحررة أيضا من الاستعمار. وبما أنه لا يمكنني مناقشة كل هذه الخيارات الأنوثية التي كانت سائدة في الماضي وستتشكل في المستقبل في هذه المقالة المختصرة، سأقدم سياقا بديلا محددا، وقد مررت به وأنا أبحث عن طريقة لتوسيع إدراكي الجغرافي الشخصي بمخاطر الأشكال الأدبية. في صيف 2010 حضرت دفاعا عن أطروحة ماجستير في جامعة دمشق بعنوان :”قراءة بعد كولونيالية لغادة السمان: دراسة مقارنة بضوء نظرية إدوارد سعيد”.

غادة السمان (مولودة 1942) كاتبة سورية تلقت علومها في لندن وتعيش في باريس منذ ثلاثين عاما، ولها جمهور واسع الانتشار بعدة لغات (الفارسية والإنكليزية والفرنسية وألإيطالية والإسبانية والروسية والبولونية والأمانية واليابانية). ومراسلاتها (المنشورة عام 1992) مع الكاتب الفلسطيني والناشط السياسي غسان كنفاني، والذي كانت لها معه علاقة غرامية في الستينات، هي إضافة هامة للمصنفات الأدبية العربية. بالإضافة للكتابة، كما أن شجرة عائلة السمان جعلت منها شخصية هامة للدولة - الأمة في سوريا، فوالدها كان رئيسا لجامعة دمشق بين 1962 - 1964.

 ولكن جزئيا بسبب مضمون كتاباتها الملتهبة أسست السمان دار نشر خاصة بها في عام 1977، لتكون مطمئنة أنها ستكتب وتنشر ما تشاء. وبتعبير الكاتبة الفلسطينية سلمى الجيوسي: لقد قدمت السمان، مع نوال السعداوي، أكثر من أي كاتبة عربية معاصرة الدافع ” لتحرير الشخصية النسائية في الضمير الشعبي على صعيد  العاطفة والجنس والمجتمع” (2008). وقد اعتبر طلاب الجامعة الفلسطينية السمان، مع سواها من كاتبات عربيات من أجيال سابقة مثل مي زيادة (1886 - 1941) ونازك الملائكة (1923 - 2010)، واحدة من الكاتبات المفضلات (صليبا وقطان، 2000). ولكن هذه الأسماء غائبة عن البانثيون الدولي لألأدب بعد الكولونيالي وليس لها وجود ملموس خارج العالم العربي بالمقارنة مع  الأسماء الأنغلوفونية واسعة الانتشار (مثل السعداوي وأهداف سويف). وهذه إشارة على الفرق في تداول الكاتبات العربيات داخل وخارج العالم العربي. ومع أن السمان لم تستفد من منفاها الباريسي طوال عدة عقود، يمكن القول إنها تنتمي “لكفئة الكاتبات العربيات المعروفات جيدا” إلا أنها تبقى “نسبيا مجهولة خارج العالم العربفوني” (بتعبير مور، 2008).  

 الجنس برأي الناقد اللبناني وفيق غريزي**** “موضوع أساسي” في أدبيات غادة السمان، وهو يهاجم “جذورالشر التي تخنق، ليومنا هذا، علاقة المذكر بالمؤنث في العالم العرب إسلامي” (2009). وربما بسبب مقاربتها الأصيلة للعلاقات الجنسية، تفرض السمان تأثيرا هاما على جمهور القارئات العربيات في كل أرجاء العالم العربي. وبالنظر لتأثيرها على المستوى المحلي والقومي يبدو غياب تحليل نقدي فعال لنتاجها الإبداعي طوال فترة هامة من تاريخ الأدب العربي الحديث مسألة محيرة وغريبة. وما يحير أكثر ندرة الدراسات التي تناولت فلسفة السمان في الجنوسة والعلاقات بين الجنسين، ولا سيما من ناحية  نظرية وبعد كولونيالية. ومن بين كتابات السمان السردية وغير السردية، تجد عملا واحدا يعالج بجرأة الصدام بين الأنوثة والاتجاه الوطني بعد الكولونيالي. وهو مقالة “دستورنا - نحن النساء المتحررات”(1961). وقد كتبت هذا النص للرد على مقالة مضادة للأنوثة كتبها القاضي الدمشقي الشيخ علي الطنطاوي (1901 - 1999).  وفي بيانها المختصر، والذي لم تضمه لأعمالها الكاملة، تبرر الأنوثة بمصطلحات إسلامية، وتنظر للإسلام بمصطلحات أنوثية، وهذا قبل فترة طويلة من انتشار حركة الأنوثة الإسلامية في التسعينات. وتضرب مثلا بعائشة، “أم المؤمنين”، امرأة النبي محمد المفضلة، والتي طبقت شهرتها الآفاق بسبب شجاعتها العسكرية في معركة الجمل (656 ميلادية)، وبها أسدلت الستار على أول حرب أهلية بين المسلمين،. تقول السمان إن الوعي الأنوثي موجود في فكرة الإيمان عند المسلم والعكس بالعكس. ومع أنها كانت ترد على بلاغة الطنطاوي وربما هذا هو الدافع وراء اختيار خطاب ديني، وضعت السمان بوضوح نصب عينيها تقاليد الفلسفة الإسلامية وطبقتها على رؤيتها للأنوثة العابرة للحدود الوطنية. ومع أنها كانت تناقش الفكر الإسلامي المضاد للأنوثة بنفس مقدار مناقشتها للأنوثة المضادة للفكر الإسلامي المحافظ، أصرت السمان على أن “الإسلام أوجدنا من أعماق الصحراء التي كنا مدفونين فيها مثل المارقين” (كما قالت، 1990). وكتابات السمان عن الأنثى، وهي دراسة في السبل المتعددة التي سهل بها الإسلام الحركة التاريخية لتحرير المرأة، تغتني بدروس وعبر من الماضي الإسلامي. وفيها تقول بما معناه: “لقد حرم الإسلام علينا أن نكون دمى لتزيين الطاولات أو أن نتحول لتسلية بيد إله النفط، أو فراشات تحوم حول مصابيح فاخرة ملونة” (1990). وبذكر النفط، وهو أهم أداة اقتصادية سخرها العرب في السياسة المعاصرة، والتعامل معه على أنه جزء من حياتنا اليومية، تفتح السمان المجال للمساواة بين الناقد البعد كولونيالي والأنوثة التقليدية. ولكن مقاربة زهرة لإبداع السمان بنوعيته النارية لم يكن هو الشيء الوحيد الذي خيم في الدفاع عن الأطروحة في جامعة دمشق. والأدهى من ذلك محاولة زهرة أن تضع  السمان، وهي كاتبة أنوثية سورية، جزئيا في المشروع الوطني بعد الكولونيالي.  وسواء عن عمد أو بالصدفة مثل هذا المشروع رفض بقوة الحكمة التقليدية المشتركة بين دوائر نخبة المثقفين الموزعة على الجنسين، ومفادها أنه في سوريا  “لا وجود لشيء اسمه أدب المرأة”( كوك، 2005). ولقد ناقشت الأطروحة حوارا مفترضا بين كتابات السمان وأفكار إدوارد سعيد - ولا سيما التي وسعها في كتابه الثقافة والإمبريالية (1993) - فقد وضعت سعيد بمواجهة مفتوحة مع المشروع الوطني بعد الكولونيالي ونشوء الناقد الذي كانت تحاول أن تتبناه. وفي المنح التي تقدمها أوروبا وشمال أمريكا، كانت أطروحة سعيد عن الاستشراق مجالا للمشاحنات الدامية في عدة مجالات، ومنها الدراسات الأنوثية، رغم أن التأكيد المبالغ به على التمثيلات الأوروبية لا يحظى الآن إلا بعدد قليل من الأنصار فيما يخص تشكيل الصيغ المعرفية بعد الكولونيالية. بالمقابل، في العالم العربي، كان تأثير سعيد أقل مباشرة وأكثر غموضا. وبالنسبة لاستشراق سعيد واستقباله (أو انتشاره) فقد كان هو مركز أطروحة زهرة، ومن المفيد تمييز أفكار سعيد عن أفكار سواه من أقرانه قبل العودة لهذه الأطروحة. لقد دخل الاستشراق إلى العالم العربي بعد ثلاث سنوات من نشر الكتاب باللغة الإنكليزية وبترجمة للناقد السوري المعروف كمال أبو ديب. وسمعة أبي ديب في الدوائر الأكاديمية البريطانية تعود لجهده في ترجمة  المنظر الأدبي القروسطي عبد القاهر الجرجاني (توفي 1078) قبل سنتين من ظهور ترجمة الاستشراق (انظر سعيد 1981 وأبو ديب 1979). وعلى صعيد الحياة الثقافية في سوريا ولبنان، وثق فرنجية الاستقبال المحايد لعمل سعيد، والذي تراوح بين “التحمس لأطروحته وحتى الشك بها” (2011).  وقد لاحظت وجود موقف غامض مماثل حيال سعيد في بعض قطاعات المؤسسة الأكاديمية السورية. ولكن أيضا لاحظت موقفا آخر، وهو ما لم يوثقه فرنجية، في قراءة صادق العظم للاستشراق (وهو مولود عام 1934) وأيضا في أطروحة مهدي عامل (1936 - 1987).

 

.....................

هوامش:

*  Deniz Kandiyoti مولودة في إسطنوبل. وهي باحثة في مجال سياسات الشرق الأوسط. وتعمل بالتدريس في باريس.

**Partha Chatterjee عالم سياسة وإنتروبولوجيا هندي. يعمل بالتدريس في جامعة كالكوتا. 

*** منيرة شراد. عالمة اجتماع فرنسية من أصول تونسية. مواليد 1942.

 **** وفيق غريزي. مؤلف شوبنهور وفلسفة التشاؤم. 

ريبكا غولد Rebecca Gould : أستاذة الحضارة الإسلامية والأدب المقارن في جامعة برمنغهام، بريطانيا. من أهم أعمالها “كتاب ومتمردون: أدب الثورات في القوقاز”.

 

 

داود السلمانإذا كانت الوجودية تعتبر الانسان كقيمة عليا ومن ثم تتخذ من هذه القيمة معايير اعتبارية، تحاول من خلالها، رفع شأن الانسان، وجعله في قمة الهرم الذي يُبنى عليه كل شيء إنساني يليق به ككيان فاعل في الوجود، بل الصحيح هو الاهم من غيره قطعًا. بمعنى آخر أن يكون الانسان هو هدف الحياة، وبالتالي لا قيمة للحياة بدون الانسان.

واذا كان هذا صحيحًا، وهو مما لا شك فيه، فإن دوستويفسكي، أفاض، من خلال جُل اعماله الادبية، على الوجود كونه اعطى قيمة حقيقية للإنسان، بل ورفع من شأنه، وجعل من سير احداث رواياته، سيرًا يغوص في طبيعة الانسان وذاتيته وشرح مكنونه، بل وحتى حاول أن يدخل في نفسية الانسان، من الداخل، ليراه كيف يفكر.

الامر الذي جعل فرويد أن يقرّر ويعترف بأنه تعلم التحليل النفسي من اعمال هذا الاديب الكبير، دوستويفسكي، حيث وُجد، ومن خلال تلك الاعمال الروائية العظيمة، يحلل نفسية ابطال اعماله كأنه يعيش في داخل أنفسهم، وفي ضميرهم، وكيف أنهم يفكرون ويعملون. حيث لم يسبق لأديب قبل دوستويفسكي فعل مثل هذا.

لهذا نجد الكثير من الفلاسفة والادباء المحدثين يتأثرون به، تأثيرًا واضحًا، مثل فرويد كما ذكرنا، والفيلسوف الاماني نيتشة، وظهر ذلك من خلال كتاب نيتشة الشهير (هكذا تكلم زرادشت) فالسرد الذي قام به هو قريب جدًا مما كتبه دوستويفسكي- من ناحية الفنية- في روايته (مذكرات من عالم سفلي) والتي اعتمدناها في هذا المبحث على وجه الخصوص، وهي بترجمة زغلول فهمي، وكان قد ترجمها غيره آخرون، ومنهم سامي الدروبي.

ومن خلال ما طرحناه، نرى كما يرى الكثير من ذوي الاختصاص بأن دوستويفسكي يُعد من مؤسسي الوجودية، أن لم يكن هو الاول على الاطلاق، ثم هناك توافق بينه وبين الفيلسوف الدنماركي سورين كيركجارد على انهما الاثنين قد أوجدا الفلسفة الوجودية أو هما رسما معًا ملامح الوجودية، على إن التاريخ لم يذكر لنا أنهما قد التقيا في مكان أو في محفل ابدًا، وبعضهم أوضح بأن افكارهما كانت متوافقة.

وبقيت مسألة أخرى، هي أن البعض لا يقرّ بأن دوستويفسكي كان وجوديًا، واعتبر أن من يقول بهذا فهو على خطأ، و"خطأ فادح"، إلا وهو الكاتب ابراهيم الزيني، في كتابه (تاريخ الفلسفة- من قبل سقراط الى ما بعد الحداثة) في فصل له حول الوجودية.

وفي هذه المناسبة تقول الكاتبة والناقدة الروسية آ. م. لاتينينا في كتاب (دوستويفسكي- دراسة في أدبه وأفكاره): "تشير مجموعة كبيرة من الابحاث والدراسات الى أن دوافع إبداع دوستويفسكي تتغلغل بصورة واسعة، الى أن الادب المرتبط بالممارسة النفية للنزعة الوجودية.  وعلاوة على ذلك، ثمة رأي واسع الانتشار، يقول بأن افكار الكاتب الروسي العظيم كان لها اثرها الكبير على الفلسفة الوجودية ذاتها.

وهكذا ينشأ موضوع "دوستويفسكي والوجودية" وهو موضوع لا يشك في اهميته كل من يطلع على كل الكتب والابحاث والدراسات الادبية الغربية الحديثة، المكرسة لدوستويفسكي وأدبه وأفكاره".

وحيث أن الوجودية تنقسم الى فئتين: الاولى مؤمنة والثانية ملحدة، فدوتسويفسكي هو يعُد من الفئة الاولى، أي هو مؤمن بوجود خالق لهذا الكون ومدبّر.

وهو القائل على لسان أحد ابطال رواياته: "لو لم يكن الله موجوداً لغدا كل شيءٍ مباحاً، حتى الجريمة".

الانسان:

والانسان، كما عبّر عنه الكسيس كاريل، هو كائن مجهول. بينما عرّفه دوستويفسكي بأنه "مخلوق جحود ذو ساقين".

لكن هايدجر يعرفه بأنه "المخلوق الذي يكون في العالم الذي يحدده الموت، ويجربه القلق، بينما يعرّفه سارتر بأنه الكائن الذي لا يعرف الراحة أبداً، ويحيا بمعارضة ذاته، وترى الوجودية أن الإنسان شخص قلق، وممزق ولديه شعور عميق بالمسؤولية، وأن الشخص الذي يكذب غير مرتاح الضمير".

وهذا القلق الذي ينتاب الانسان دومًا، يأتي لعدم معرفته بمستقبله، وبما سيجري عليه في خفايا الايام، واين سيئول مصيره بعد الموت. وهي التساؤلات المشروعة التي شغلت فكره منذ آماد بعيدة، وحتى اليوم.

الانسان هو الكائن المفكر الوحيد من بين جميع المخلوقات الاخرى، وهذا التفكير جعله عرضة ابدية للقلق، بمعنى إنه لم يستقر على حال من الاحوال. لذلك فهو قلق، وهذا ما اطلق عليه بالقلق الوجودي.

واحيانًا يكون منقبضًا على نفسه، وهذا الانقباض، كما يرى دوستويفسكي يدفع بالإنسان الى اقصى حالات الهستيريا.

ففي حديثه عن الانسان، يقول دوستويفسكي:    "أما الانسان فهو مخلوق طائش متناقض وربما شابه لاعب الشطرنج الذي يهوى اللعبة في حد ذاتها لا نتيجتها. ومن يدري (فليس ثمة قول مؤكد) وربما كان هدف الجنس البشري الوحيد في الوجود ينحصر في ذلك السعي المتواصل لتحقيقه، أو بعبارة أخرى ينحصر في الحياة نفسها لا في الهدف الذي يجب تحقيقه وهو ما يجب التعبير عنه دائمًا بأنه قانون حتمي كاثنين مضاعفة تساوي أربعة ومثل هذه الحتمية.. ليست هي الحياة ولكنها بداية الموت".

ومن هذا المنطلق، تطرأ على الانسان قضايا كثيرة، وربما ينحرف عن جادة الطريق، ويضل عن الصواب، بل يؤكد دوستويفسكي عن انحراف الانسان، وهو وامر طبيعي.

ومن هذا المنطلق يرى دوستويفسكي، عندما يعلل ذلك فيقول:

"ولكن قد يكون سبب انحرافه فجأة لأن الانسان الواقعي العملي مهما كانت حماقته يخطر على باله أحيانا أن الطريق يؤدي في الاغلب الى غاية ما وأن هذه الغاية أقل شأنًا من عملية بنائه، وأهم ما في الموضوع هو انقاذ (الطفل الطيب) من احتقار الهندسة حتى لا يستسلم للبطالة القاتلة التي نعلم جميعًا أنها أس الرذائل كلها".

الالم:

يعتبر دوستويفسكي إن الالم فيه متعة، نرزح تحتها ولربما لا ندركها، وخصوصًا ألم الضرس، لذلك حينما نتأوه من جراء ذلك. يقول:" فالمتألم إنما هو يعبّر عن متعة التأوهات. فلو إنه لم يشعر معها بمتعة لما تأوه.. فهذه التأوهات إنما تعبّر أولاً عن خلو ألمكم  من الهدف، وفي هذا ما فيه من مهانة لإدراككم، كما تعبّر عن نظام الطبيعة المشروع بأسره، ذلك الذي تبصقون عليه بالطبع بازدراء، ولكنكم تعانون منه على الرغم من هذا، بينما لا تشعر الطبيعة بشيء من الألم".

فيرى دوستويفسكي إنه لا يوجد عدو حقيقي تقاومونه، بل كل ذلك ادراكات، وعليه فإنكم تلجؤون للدواء المُسكّن، وإنما تعبّرون عن عبوديتكم لإسنانكم.

واذا لم يجد الدواء نفعًا واستمر الألم، فأنكم ستسخطون وتحتجون على الالم، خصوصًا اذا لم يتوقف ذلك الألم. يقول: "فإذا مضيتم في سخطكم واحتجاجكم فليس أمامك إلا أن تضربوا أنفسكم ضربًا مبرحًا، أو أن تضربوا الحائط بقبضاتكم بكل ما أوتيتم من قوة ارضاء لأنفسكم، وليس في وسعكم مطلقًا أن تفعلوا أكثر من ذلك".

وهذه التأوهات التي يبديها المصاب بألم الضرس، كما يرى دوستويفسكي، هي متعة له، إلا أنها مصدر قلق وازعاج حتى لأقرب الناس اليه(زوجته وابناءه) فيتمنون من اعماقهم أن يكف عن ذلك، لأن متعته هذه أصبحت مصدر قلق لهم لا يمكن يقاوموها.

ويختم حديثه عن الالم بأن يقول: "أن الانسان لن يتخلى عن الألم الحقيقي أي عن التخريب والفوضى. فالألم هو المنشأ الوحيد للوعي والادراك..".

يعني بذلك، إن الانسان، ومن خلال ما يعنيه من الم، وغيره من معاناة أخرى، فأنه من خلال ذلك سوف يعي ويدري ما سيجري له وما ستؤول اليه من قضايا أخرى، وسيعيها عن ادراك.

كما إنه اعتبر العذاب مصدر للإدراك إذ يقول: "إن العذاب هو المصدر الوحيد للإدراك، رغم أنني قلتُ في البدايةِ إن الإدراك هو أسوأُ ما يتميز به الإنسان".

فالألم الذي يشعر به الانسان المتألم لا يمكان أن يدركه سواه، لأنّ الالم لا يألم الا صاحبه (لا يؤلم الجرح إلا من به ألم). وهو عين ما يراه دوستويفسكي بقوله:

"إنّ من الصعب على شخص آخر غيري أن يعرف عمقُ الألمِ الذي أعانيه، وذلك لسبب بسيط هو أنه ليس أنا بالآخر".

فالآخر ليس أنا، وأنا لست الآخر، ألمي اشعر به وحدي، وألم غيري لا اشعر به، بقدر ما يشعر به هو، وهذا منطق العقل.

العقل:

إما العقل فيعتبره دوستويفسكي "شيء ممتاز" فلا يطلب من أحد أن يجادل فيه، أي أن يطالب بماهية العقل، كأنه يريد القول أن العقل مفروغ من الحديث حوله. ثم يستدرك فيقول:" ولكن العقل لا يعدو أن يكون عقلا ولا يرضي إلا الجانب العقلي من الطبيعة، في حين أن الارادة هي مظهر الحياة كلها.. الحياة البشرية بما في ذلك العقل وجميع النوازع الاخرى. واذا كانت حياتنا مصدرها الارادة، هذا غالبا ما تكون غير ذات قيمة، فإنها مع ذلك حياة وليست مجرد استخراج بذور".

ثم يسئل دوستويفسكي عن العقل مستدركًا ما قال فيه آنفًا: "فماذا يعُرف العقل"؟. فيجيب: "إنه لا يعرف إلا ما نجح في تعلمه – وهناك بضعة اشياء قد لا يتعلمها مطلقا. قد تؤلمنا هذه الحقيقة ولكن لابد أن يصرح بها- حين تعمل الطبيعة البشرية كمجموع بكل ما فيها من قدرات من وعي أو عن وعي أو غير وعي وهي تحيا وتعيش ولو كانت مخطئة".

الاخلاق:

كما يقول ابن مسكويه: "الخلق: حال للنفس، داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويَّة، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمُّ ويحزن من أيسر شيء يناله. ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر، ثم يستمر أولًا فأولًا، حتى يصير ملكة وخلقًا".

يجزم دوستويفسكي بأن جهل الانسان هو الذي يدعه أن يرتكب الحماقات ومن الاشياء التي من العقل والمنطق أن لا يرتكبها؛ وقضايا أخرى يعدها بأنها "قذرة" يقوم بها من دون تروي ولا شعور بمغبة ما سيحصل. وكل ذلك بفضل الجهل الذي هو مسيطر عليه، ولا ينفك منه إلا بفضيلة العلم والمعرفة، كي يتيقن بأن تلك الافعال هي غير صحيحة وأن مرتكبها غير سليم العقل، أو انسان لا يرعوي.

لذلك يتسائل:" من ذا الذي كان أول من صرح بأن الانسان لا يرتكب أعمالا قذرة إلا لجهله بمصلحته الخاصة، وإنه إذا كان مستنيرًا ومتيقظًا لمصلحته الحقيقية الطبيعية لتوقف في الحال عن ارتكاب الاعمال القذرة، ولأصبح في التوِّ خيّرًا ونبيلا، لأنه لاستنارته ولإدراكه مصلحته الحقيقية سيرى أن في الخير وحده نفعه الذاتي. وكلنا نعلم أنه ما من رجل يستطيع أن يعمل عن وعي ضد مصالحه الخاصة، وبالتالي فإنه من الضرورة سيأخذ في عمل الخير".

إذن عمل الخير يحتاج الى عقل ناضج ووعي يدرك المسؤولية الواقعة على عاتقه على اعتباره إنه انسان مختلف جدًا عن لقية المخلوقات الاخرى، من التي غير مزودة بالعقل والذي من خلاله يدرك جميع افعاله شريرة كانت أم خيرة. وبالتالي يتصرّف بحسب هذه المستويات، محكمًا فيها ارادة العقل.

ويرفض دوستويفسكي شيء اسمه الرغبات، ويرى إن هذا ليس له وجود. ويعلل السبب بـ "أنه اذا ما نشب بين أحدى الرغبات وبين العقل فحينئذ سنحكم العقل لا الرغبة، إذ أنه من المحال ونحن نحتفظ بعقولنا أن نكون غير عقلاء أمام رغباتنا فنعمل عن وعي ضد العقل ونرغب في ايذاء أنفسنا، ولما كان من الممكن حساب كل اختيار وتعقل.. في يوم ما جدول خاص بها بحيث يمكن حقًا أن يكون اختيارنا متفقًا مع هذا الجدول".

ولكون الانسان فيه كثير من العيوب، لكن يبقى شر عيوبه قاطبة، هو انحرافه (عن وعي وعن غير وعي- وبكل معنى الانحراف)، كما يعتقد دوستويفسكي، وانحرافه هذا منذ زمن الطوفان الى عهد شلزويج وهو شلتين، كما يقول دوستويفسكي بالحرف الواحد.

وفوق هذا وذاك، فالزمن دائمًا ما يجود علينا، وسط كل هذا الركام والتعاسة التي يحظى بها الانسان عمومًا، هناك ضوء ينير انفاق الحياة المكتظة بتلك المكدرات التي تكدر صفو الحياة، مما تجعلها نكد لا مبرر له. "لا يفتأ يظهر في الحياة أخلاقيون حكماء ومحبون للإنسانية ممن يجعلون هدفهم طيلة حياتهم أن يعيشوا متمسكين بالأخلاق والعقل ما استطاعوا، ليكونوا نورًا يهتدي به جيرانهم.. لا لشيء إلا ليثبتوا لهم أنه من الممكن يعيش الانسان متمسكًا بالأخلاق والعقل في هذا العالم. مع ذلك فنحن نعلم عاجلا أو آجلا أن هؤلاء بعينهم كانوا يخادعون أنفسهم، وأنهم كانوا يمارسون لعبة غريبة، شائنة في أغلب الاحيان".

وهذه مشكلة أخرى ينوهنا اليها دوستويفسكي، وربما قد عالجها علماء الاخلاق، معالجة جذرية ومن ثم اعطوا الاسباب الكامنة وراء ذلك، وقد نشير الى ذلك في بحوث أخرى بهذا الخصوص، فليس ثمة متسع من الوقت في هذا المكان لإعطاء المزيد من الايضاح.

فلسفة الجمال:

ولفلسفة الجمال لها مأخذ من دوستويفسكي نجدها متناثرة هنا وهنا من اقوال دلت على اهتمامه، وذلك على لسان ابطال رواياته.

فمنها قوله في جمال الحياة: " نحن لا نفهم أن الحياة هي الجنة، لأننا لا نملك إلا أن نفهم ذلك، وسوف تتحقق في كل مرة بجمالها، سنحتضن بعضنا البعض ونبكي".

كذلك قوله في الجمال بشكل عام: "إن الجمال شيء رهيب وفظيع في نفس الوقت! إنه أمر فظيع لمن لم يتأقلم معه، لأن الله لا يميزنا إلا بالألغاز".

الله:

كما ذكرنا في مقدمة حديثنا هذا، هو إن دوستويفسكي كان وجودي مؤمن، أي إنه يقر بوجود الله على إن الكون لابد له من مهندس مدبّر، بضرورة عقلية، وهذا المهندس المدبّر هو الله، بحسب دوستويفسكي، ولولا هذا المهندس لأصبح كل شيء مباح حتى الجريمة، على حد تعبيره.

ولا يزيد على ذلك، في هذا الخصوص، وهو القائل: "لا يمكن للإنسان أن يتعلم فلسفة جديدة وطريقاً جديداً في هذه الحياة دون أن يدفع الثمن".

وجميع الفلاسفة والعلماء والمفكرين فعلا قد دفعوا الثمن، وكان الثمن غاليًا، وغاليًا جدًا، وهو انفسهم التي اعز مما يمتلكون. وهو نفسه قد دفع ثمنًا لفكره ولآرائه، لا يقل شأنًا عما دفع الآخرون ما دفعوا في سبيل حريتهم الفكرية.

فق اعتُقلَ دوستويفسكي هو والأعضاء الآخرين في الدائرة. وأمضى دوستويفسكي  ثمانية أشهر في السجن إلى أن أُطلِقَ سراحُ السجناء اخيرا دون سابق إنذار إلى ساحة سيمونوفسكي. وأُصدِرَ حكمٌ بالإعدام رميًا بالرصاص، وعُرضتْ آخر طقوسٍ، وجُلِبَ ثلاثة سجناء لإطلاق النار عليهم أولًا، ولكن في اللحظة الأخيرة من هذا الإعدام، خُفضتْ الأسلحة، ووصل رسولٌ بمعلومات مفادُها أنَّ القيصر قد تعمَّد العفو عنهم. وفي الواقع كان الإعدام الزائف جزءًا من العقوبة. وواحد من السجناء بعد هذا الحدث أصبح مجنونًا. أمّا الآخر فقد أصبح مؤلفَ أشهر رواية في العالم "الجريمة والعقاب".

الروائي الفيلسوف:

فيودور دوستويفيسكي 1821-1881م هو الأخ الثاني من بين سبعة أبناء لطبيبٍ جراحٍ سريعِ الانفعال، مستبدّ، يتعاقر الخمر باستمرار، وقد سكنت العائلة في حيّ فقير، قريبًا من دار الأيتام، وبالقرب من مستشفى مجانين كان يقصدها فيودور للاستماع إلى قصص نزلائها، حيث ترك المكانان أثرًا كبيرًا في شخصيّة دوستويفسكي، فضلا عن  تعرضه لنوبات صرع بدأت حين كان في التاسعة من عمره لتصيبه بعد ذلك في فترات متفرقة من حياته.

وما لبث أن بدأ اهتمامه بالأدب في مرحلة مبكرة من حياته حيث كان شغوفا بقراءة القصص الخيالية للكتاب الروس والأجانب أمثال تشارلز ديكينز وفيكتور هوغو، وعند بلوغه الخامسة عشر من عمره توفيت والدته في الوقت نفسه الذي قرر فيه ترك الدراسة والالتحاق بمعهد الهندسة العسكرية ليتخرج بعد ذلك ويعمل مهندسًا ويحيا حياة مترفة نتيجة عمله بترجمة الكتب كدخل إضافي له.

أصل الشر

يعتقد دوستويفسكي بأن الشر مغروس في داخل الانسان، ويجسد الانسان ذلك الشر حينما تقتضي حاجته للشر.

ويقول الكاتب حسني حسن: ثيمتان رئيستان في مشروع دوستويفسكي الأدبي. ثيمتان تتكرران باستمرار، وبلا هوادة، في كل ما خطه الكاتب، سواء رواياته أو قصصه القصيرة أو خطاباته في المناسبات الأدبية والوطنية أو حتى في رسائله الشخصية ويومياته الخاصة.. في الثيمة الثانية أولاً.. خلاصة القول في هذا الشأن إن دوستويفسكي لا يمكنه أن يرى الإنسان إلا واقعاً في حمأة الشر، فالشر حتمي في الوجود، وهو قدر البشرية القابض، والحكم الإلهي فيها والذي لا نقض له ولا إبرام. لكن، ما أصل الشر؟ ومن أين يأتي بالضبط؟. تتساوى كل الجرائم كونها، في الجوهر، شرٌ واحد، من جريمة قتل الأب الشهواني المهرج في الكارامازوف بداعي الانتقام أو السلب، إلى جريمة قتل أنستاسيا فيليبوفنا في الأبله بداعي الشغف أو الحب، لجريمة قتل المرابية العجوز بمطرقة راسكلينكوف بداعي البحث عن العظمة عبر سحق الحشرات البشرية التافهة التي تعترض سبيل النابوليون المسخ، إلى جريمة قتل شاتوف في الشياطين بداعي الثورة الأكذوبة، إلى جريمة انتهاك البراءة وتدنيس الطفولة بواسطة سفيدرجالوف في الجريمة والعقاب وستافروجين في الشياطين بداعي تحقيق العظمة الاستثنائية المترفعة على الأخلاق البرجوازية الشائعة والرخيصة، إلى وإلى …. وبلا حصر.

 

داود السلمان

 

احمد بابانا العلويتوطئة: إن الغاية من دراسة أحوال الاجتماع ومجالاته البحث عن أسباب ضعفه، والتطلع إلى بواعث إصلاحه وتقدمه..

 وما نرومه من عرض مناط الثقافة، الوقوف عندما تحدثه في معارف الناس وأخلاقهم، وما ينتحلونه من مذاهب.. فكل شيء يهون إذا هانت أو اختلت موازين الإنسانية من الفكر والخلق والعقيدة والذوق.. فينعكس ذلك كله  على الأحكام، فتنقلب من النقيض إلى النقيض، فيوضع الكذب موضع الصدق والخداع والمكر والدهاء موضع النزاهة والاستقامة والأخلاص للمبدأ...

 وأفدح مصاب تصاب به المجتمعات من جراء تفشي ثقافة الاستبداد، أن تصاب في صميم موازينها.

ومن نتائج اختلال الموازين بلاء الزيغ الذي يزيف الحقائق ويغلب المنفعة على الفضيلة ويجعل من العصبية مصدر كل خديعة من نوازع النفوس والأهواء المريضة وكل شعور يعترف بأن الرذيلة نقيض الفضيلة التي يمتاز بها ذوو الفضائل البينة...

ولعل السبب الذي تنتهي إليه جميع الأسباب في تفسير وتعليل اختلال الموازين واضطراب أحوال الاجتماع يرجع إلى طبائع الاستبداد التي يشاهد أثرها في أحوال الأمم والأفراد..

 وقد بحث " الكواكبي" في كتابه " طبائع " الاستبداد" جملة العوارض الاجتماعية التي تصاحب الاستبداد في أحوال الدين والعلم، والمجد والثروة والأخلاق والتربية والتقدم... ومهد لذلك بتعريف الاستبداد...

 وذكر بأن من معاني الإستبداد وظواهره، غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة.. وتحكم النفس على العقول.. فالاستبداد إذن اعتساف وتسلط وتحكم وغياب المساواة والحس المشترك ...

 والتسلط أو التحكم صفة الحكومة المستبدة التي تتصرف بدون رقيب وبلا خشية حساب ولا عقاب .. والمستبد عدو الحق والحرية...

 ومن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجهل على العلم، واستبداد الهوى على العقل ..

 والاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني فقد استبدلت سلطة الكهانة الدينية بسلطة زمنية دنيوية مطلقة..

وعن تشكل بناء الاستبداد الديني  والسياسي، تمخضت كل النظم المستبدة عبر التاريخ البشري ، فظواهر وطبائع الاستبداد تندرج ضمن تحقق معقولية التاريخ على صعيد المعرفة والعمل..

أهمية دراسة الظواهر الاجتماعية الكشف عن قوانين الاجتماع

إن الذي يهم من دراسة ظواهرالمجتمعات الكشف عن قوانين الاجتماع، والنظر إلى المعوقات المادية والذهنية التي تعوق دون حدوث تغيير عميق في البنيات والنظم وسائر أحوال الاجتماع البشري وطبائعهوتحليل مبادئ ظهورها  وأسباب حدوثها، فأحوال الأمم ونحلها، لاتدوم على وتيرة واحدة، ولا تستقر على منهاج واحد...  بل تخضع لقانون الدوارت والأفكار المتصارعة حول أنظمة الحكم وأساليبه... لأن العمل السياسي والمعرفة يرتبطان بالثقافة.. بمعنى أن كل معرفة تدخل في مفهوم التجربة، فإذا ما نظمت طبقا لقواعد منهجية  أخذت صفة العلم الذي يدرس الوقائع الاجتماعية..

يصبح مفهوم الثقافة أكثر تحديدا باعتبار الأفكار تعكس حقيقة مشكلات الاجتماع... ومن الطبيعي أن تخضع للتشريح والتحليل لمعرفة بنائها وعناصر تركيبها، ويمكن أن نفرق في الثقافة بين ما هو " مادي" الأشياء والأدوات ..) وما هو إجتماعي (العقائد والتقاليد والأفكار..) .

 وقد يبدأ التغيير في المجال المادي ثم يمتد تأثيره إلى المجال الاجتماعي.. مما يعني وجود علاقة جدلية بين عالم الأشياء وعالم الأفكار.. فالثقافة إذن مرآة لحياة المجتمع وترجمة للنشاط الاجتماعي المرتبط في الواقع ببعض الشروط النفسية والاجتماعية التي بدونها تفقد الفكرة تأثيرها وقيمتها  الثقافية.. وقدرتها على الإبداع..

 يرى " مالك بن نبي" بأن هناك علاقة عضوية تربط " عالم الأفكار بعالم الأشياء" بدونها  لن تكون لدى الفرد القدرة على استنطاق  الأفكار .. فيمر عليها دون أن يتعمقها...

القيمة الثقافية للأفكار والأشياء

 إن القيمة الثقافية للأفكار والأشياء تقوم على طبيعة العلاقة بالفرد، فالصلة تجسد العلاقة المتبادلة التي تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع..

 ويذهب مالك بن نبي إلى أن كل مجتمع مهما كان مستواه من التطور، له عالمه الثقافي المعقد.. وفي نشاطه المتناغم تشابك بين ثلاثة عوالم (الأشياء والأشخاص والأفكار...) ويظل هنالك دائما  رجحان لأحد هذه العوالم الثلاثة ، وبهذا الرجحان الذي يظهر في سلوك المجتمع وفكره، يتميز كل مجتمع عن سواه من المجتمعات...

فالإفتقار إلى الأفكار يجعل المجتمع فاقدا للفاعلية وعاجزا عن مواجهة قضاياه، وطرح مشاكله التي تظهر في المجال السياسي أو الاقتصادي..

أما إذا سيطرت الأشياء المادية على  العقل والوعي أصبح الإنسان مجرد  شيء في عالم الأشياء الخامدة يمكن اختزاله في البعد المادي او الأداتي الآلي الأصم وموطن الخطورة في هذه الحالة يتجلى في تعطيل  الطاقة الحيوية داخل المجتمع...

قوة الأفكار الدافعة

 ولكي تعود للأفكار والأشياء القدرة على التغيير فلابد من وجود قوة دافعة تكيف الطاقة الحيوية التي تقدم الحوافز لمساندة المجتمعات البشرية إلى التحول من البداوة إلى عالم الثقافة والحضارة ..

والجدير بالملاحظة، أن التحولات الكبرى في التاريخ الإنساني مرتبطة بالأفكار الدافعة،.. التي تتناول كل شأن من شؤون الأمم، وتصحيح مقاييس كل شكل من أشكال التنظيم للحياة..

للأفكار دور وظيفي في بناء الحضارة وهي العوامل المعنوية والمادية لتطور المجتمع، والقدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة،.. وذلك نتيجة لإسقاط الأفكار على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي...

 إن الأفكار الدافعة هي التي تتيح للمجتمع الإندماج في عالم الحضارة..

 وكل حضارة تنطوي على عناصر تاريخية واجتماعية، ولها رموزها الخاصة وفلسفتها.. التي تعبر عن نوازعها وطاقاتها .. وهناك ارتباط وثيق بين الحضارة والثقافية الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع وتتشكل فيه كل جزئياته وغاياته التي رسمها في التاريخ..

نستشف من هذا أن الحضارة ببعدها الثقافي الجامع للقيم الروحية والعقدية الإيمانية.. نتج عنها تبلور الشروط الأخلاقية والمادية الثقافية والفكرية .. ذلك أن الفكر لا ينفصل  عن بيئته الحضارية والتاريخية... بحيث يمكن رصد تقلباته وتطور حركته  ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطور  ويصف هذه الحركة..

 ويرى الفيلسوف " أو جيست كونت" ( 1798-1857) بأن  اعتلال الفكر  مؤشر ودليل  على ما يصيب الأمم والحضارات من فساد واضطراب وتمزق واندحار.. وسبب اضطراب المجتمعات الإنسانية يرجع إلى فساد الأخلاق، وأن فساد الأخلاق يعود إلى فساد التفكير واضطراب طرق الفهم نتيجة التناقض في فهمالأشياء، وذلك باعتماد منهجين في فهم الظواهر الطبيعية :

- المنهج الوضعي أو الطريقة الوضعية التي تبحث عن القوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية...

- الطريقة الدينية الميتافيزيقية  .. التي تصرف النظر عن الأسباب والقوانين التي تخضع لها الظواهر..

- ونتيجة للازدواجية في المقاربة والفهم جنبا إلى جنب في أذهان الناس ، فقد أدى في نظر " كونت" إلى حدوث اضطراب  كبير في التفكير الإنساني وأطلق على هذه الحالة " الفوضى العقلية" التي أدت إلى فساد في الاخلاق والسلوك لأن ما يعتور الفكر من اضطراب، ينعكس على الأخلاق  والسلوك في مختلف فروع الحياة الاجتماعية، لأن الحياة قائمة على دعائم من الاخلاق والمثل فبفسادها وإنهيارها تفسد جميع فروع هذه الحياة ، وتتقوض أركانها..، فلا سبيل إذن إلى إصلاح اجتماعي  إلا بإصلاح الفكر الإنساني.. لأن الفكر هو أساس الجهاز الاجتماعي (le mecanisme social repose sur la pensée)  ولما كانت أسباب فساده ترجع إلى اضطراب في فهم الأشياء نتيجة لوجود طريقتين متناقضتين، فلا سبيل للخروج  من هذه الوضعية إلا بالقضاء على الاضطراب الفكري..

-  إما بالتوفيق بين الطريقتين للتفكير في الفهم، بحيث لا يحدث أي اضطراب في أذهان الناس وتفكيرهم..

- وإما بإقصاء طريقة من الطريقتين " الوضعية أوالدينية الميتافيزيقية).

وقد اختار إمام المدرسة الوضعية الطريقة الوضعية باعتبارها الحل الذي يؤدي إلى الانسجام في التفكير الإنساني لأن فهم الأشياء على الطريقة الوضعية هو عبارة عن فهم القوانين التي تخضع لها.. وذلك طبقا لمنهج عقلي يقوم على فرض الفروض ويبين مدى صحتها بأدلة تتمشى مع منطق الواقع والاستدلال بأحداث التاريخ على ميول الإنسان وأفكاره.. 

 لقد ربط أوجست كونت بين نظريته الوضعية وبين فكره التطور من خلال قانون الأطوار الثلاثة.. بغرض الكشف عن القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ البشري.. إلا أن ابن خلدون له نظرة مختلفة ذكرها في المقدمة، حيث يرى أن للنفس قوة مدركة ، وأن قوى الإدراك مترتبة ومرتقية إلى  القوة العليا منها وهي المفكرة..

 القوى الحسية الظاهرة ترتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة.. وملموسة، وغيرها في حالة واحدة.

 يؤدي الحس المشترك  إلى الخيال وهو قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجية.. إما بتوهم المعاني أو بإبداع المدركات كلها متخيلة وغير متخيلة  ثم ترتقي إلى قوة الفكر وهي قوة الرؤية  والتوجه نحو التعقل..

  عن طريق المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني..، يدرك الإنسان العالم الاجتماعي المحيط به وجميع المعطيات الاجتماعية التي يستطيع التوصل إليها.. عن طريق   عملية التفكير..

 ويقرر ابن خلدون أن إدراك النفس على نوعين: إدراك بالظاهر وهو بالحواس وإدراك بالباطن وهو بالفكر الذي وراء الحس وذلك بقوى جعلت في بطون الدماغ تنتزع بها صور المحسوسات .. والجولان بالذهن فيها..

وغاية الفكر عند ابن خلدون تصور الوجود والتعرف على أسبابه وعلله الظاهرة والباطنة..

فحركة العقل بين المعلوم والمجهول في الفكر والنظر.. وتنشأ العلوم والصنائع بالغوص في أعماق الذهن بحثا عن كنه الأشياء على  ما يكون  خبيئا  من حقائق العلم.. ومتصلا بصلة الوجود والحياة.

العامل الثقافي بوصفه بعدا وعنصرا تغييريا..

الثقافة هي المجال الذي تنبع منه الخصائص التطوريةللمجتمعات الإنسانيةـ ويحدد الأولويات في الفكر والسياسة والدين.. وإن إدراك أهمية العامل الثقافي في مجمل عملية التنمية والتطور الحضاري سوف يمنح المتغير الثقافي دوره في تطوير تاريخ المجتمعات البشرية...

 فالثقافة الخلاقة وحدها تقدم معاني الإبداع في كل مجالات الفكر والعمل، والعامل الثقافي بوصفه عاملا تكوينيا لعملية التغيير الاجتماعي في إطاره تتحقق عملية التطور. وقد أكدت الدراسات   المقارنة لعملية تطور المجتمعات في مختلف إطاراتها الحضارية والثقافية عبر التاريخ.. التفاعل الجدلي بين الخصوصية الثقافية ونموذج المعرفة الذي يحقق التقدم.. ومعنى  هذا أن النموذج الذي تم اختياره هو نتيجة لعلاقات سياسية وثقافية متبادلة عبر التاريخ.. فنقل المعرفة جزء من العملية التكوينية للشخصية الثقافية في سعيها للتحرر والانبعاث.. في مرحلة تغير العالم وإرهاصات تشكل عالم جديد..

إن التنمية الحضارية والثقافية للمجتمع تتحقق نتيجة التراكم الفعال لطاقات المجتمع في مجالات  الفكر والعمل.. فمفتاح إدراك الفعالية الثقافية يتمثل في الأخذ بالنمط المثالي (idéal type) أي الروح المثالية الذي يمكن انطلاقا منه  تكوين وعي ثقافي وتاريخي...

إن الشمولية في المعرفة يقودنا إلى الحرية في تمثل المعرفة وفي التفكير بها، واستغلالها كوسيلة لقيادة الفكر إلى عالم أفضل.. فالوعي الثقافي يحرر المجتمع من الجمود والخضوع لنوع   قاصر من الأفكار في مجال الثقافة والحياة..

 وأهمية التحرر أوالوعي الثقافي أنه يجعل المثقف يسمو فوق الأحداث والوقائع ليصنع واقعا جديدا..

 فرسالة الثقافة توعية المجتمع وتحرير العقول من كل العوامل التي تكبلها..

 والفرق بين الثقافة الإيجابية، والثقافة السلبية هو الإدراك الواعي لقيمة الشخصية الإنسانية.. فتاريخ الفكر هو تاريخ العقل الإنساني وما اعترضه من ضروب التطور وألوان الرقي حتى انتهى إلى ما انتهى إليه على يد طائفة من قادة الفكر لهم أثر في تكوين الحياة الفكرية عامة.. وفي تصوير النظم الاجتماعية والدينية والسياسية..

و قد جعلوا من الحياة الفكرية والعقلية مصدرا للرقي والتطورـ، انتجوا أفكارا مهدت للثورات التي ستخرج العالم من العصور المظلمة إلى عصور النور، فأعادوا الاعتبار إلى الفرد والمجتمع .. ونشروا الحريات العامة التي أسهمت في ظهور شخصية إنسانية قوامها   كرامة الإنسان وحرية العقل كما أنهم أخرجوا الثقافة من التجريد إلى عالم الإيجابية باعتبارها سلطة معرفية لها فعالية قادرة على تحويل الأفكار إلى حقيقة واقعية..

الثقافة انعكاس للحياة الاجتماعية والمثقف يستمد عناصر ثقافته من المجتمع الذي يعيش فيه.. وفعالية الأفكار رهن بشروط نفسية واجتماعية مكونة لثقافة واعية وإيجابية.. والثقافة الواعية تدفع إلى إحداث تغيير عميق في الأسلوب وطريقة التفكير. وبالتالي أحدث تغييرا في جميع العلاقات السائدة في المحيط الاجتماعي.

شبكة العلاقات وفاعلية الأفكار في النهوض الحضاري

 إن التغييرات في الحياة الاجتماعية حسب "مالك بن نبي" لا تعزى ابتداء إلى العامل المادي أو الاقتصادي، وإنما تعزى إلى "العلاقات" التي تحول الشروط السابقة للظاهرة الاقتصادية حين توحد عناصرها في خلق حياة إنسانية منظمة من أجل الاضطلاع بالوظائف الاجتماعية في نطاق العمل الذي يصنع التاريخ..

 إلا أن الأفكار وحدها لن تكون فاعلة ما لم تخضع لشبكة علاقات تنظم المجتمع وتحدد أهدافه وغاياته، وكلما كانت شبكة العلاقات أوثق كان العمل فعالا ومؤثرا.

 نستنتج من ذلك أن الحد المثالي للتطور الاجتماعي يخضع للتجانس والترابط الضروري بين الأفكار وشبكة العلاقات الاجتماعية بغرض تحقيق الإنسجام والتوافق وبتحقيق التقدم في أعظم أشكاله..

وكل مرحلة من مراحل التطور تتميز بغلبة عامل محدد يؤثر في تكون الثقافة.. ولا مشاحة أن الأخلاق مصلحة اجتماعية ودليل على قوة العلاقات الاجتماعية، فإذا أصيبت بأسباب التحلل أو اختلت وتمزق نسجها، وامتد التحلل إلى الأفكار والأشياء فسوف تتعطل القدرة الإبداعية على إيجاد الحلول للمشكلات الواقعية، بل سينصب الاهتمام على المشكلات الخيالية أو الوهمية.. مما يعتبر علامة على أن حالة المجتمع آلت إلى الأفول وأصبح عاجزا عن القيام بوظيفته بصورة فعالة، فكل ثقافة إنما هي وسيلة فعالة لتعليم الإنسان كيف يعيش، وكيف يكون شبكة علاقات تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ..

 وأن يكون الإنسان سيد نفسه، يتصرف بما يليق بالكرامة الإنسانية، فيعمل ما يريد، وليس قصاراه أن  يساق  إلى ما يراد.. ويهتدي بحاسة الجمال لأنها دليل على صحة التكوين وخلو النفس من الخلل والتشويه.. فينقاد لما يجول في الذهن من أن المعرفة الإنسانية علاقة بين الأفكار والأشياء.

إن الغاية من الثقافة أن نصل إلى عالم الغد عاملين مؤثرين لا تابعين متأثرين. وعلينا أن نسبقه بالتفكير والتدبير..

 فقيمة المفكر تكمن في قدرته على استيعاب علوم عصره وفي قوة بصيرته في معرفة حقائقه.. ووسيلته امتلاك مناهج للتفكير ورؤية نقدية تحليلية، يستطيع من خلالها أن يفهم الواقع الاجتماعي..

 أما الغاية من البناء الحضاري، فهو معرفة القوانين التي تحكم الاضطراد الحضاري  وتحقق شروط الإقلاع والنهوض.. ولا يمكن أن يتم ذلك في غياب المقومات العقدية والفكرية التي صاغت وبلورت التجربة الإنسانية.

ومن نافل القول أن حقيقة الفكرة متجذرة في عمق الشخصية الإنسانية..  منها نشأت الثقافة وولدت الحضارة وتبلورت الفاعلية الاجتماعية في التاريخ.

 

أحمد بابانا العلوي

 

 

صلاح حزاميعرّف علم الاقتصاد بانه العلم الذي يسعى لتحقيق افضل توزيع للموارد المحدودة بين الحاجات غير المحدودة.

ولتحقيق هذه الامثلية في التوزيع لابد من وجود معايير موضوعية للوصول الى ذلك الهدف.

على مستوى الافراد، هنالك مايعرف بمنحنيات السواء التي توضح كيف يتصرف الفرد (الرشيد) لتوزيع موارده المحدودة بين حاجاته غير المحدودة لتحقيق اعلى اشباع ممكن.

على مستوى المشروع ، هنالك دراسات الجدوى التي يتم اعدادها قبل الشروع بتنفيذ المشروع للوقوف على جدواه وقدرته على تحقيق الاهداف التي أقيم من أجلها.

دراسات الجدوى المتطورة فيها أبعاد متعددة هي الجدوى الاقتصادية والجدوى المالية والجدوى الفنية ومؤخرا دخل البعد البيئي في دراسات الجدوى لبيان الآثار البيئية للمشروع حيث اصبح التلوث مكلفاً وقد يتحمل المشروع تكاليف عالية لازالة او تعويض آثاره البيئية الضارة.

خطورة دراسات الجدوى وضرورة إعدادها بشكل سليم و موضوعي تأتي من حقيقة:

أن المشروع السليم يعني خطة تنموية سليمة (أو اقتصاد سليم) والمشروع العليل يعني خطة عليلة او (اقتصاد عليل).

أداء الخطة او أداء الاقتصاد (في حالة كون الاقتصاد لايعتمد اسلوب التخطيط)، هو حصيلة تجميعية لمجمل أداء المشاريع التي يتشكل منها الاقتصاد الوطني.. فاذا حققت المشاريع الفائض المطلوب ووفرت فرص العمل واستجابت لحاجات السوق بكفاءة ، كان معنى ذلك ان الاقتصاد يسير بشكل سليم ومطمئن والعكس صحيح.

في نيتي كتابة ورقة عن موضوع دراسات الجدوى ربما تكون في اكثر من حلقة ، ولكني الآن اردت التعريف بفكرة دراسات الجدوى لتوظيفها لغرض آخر.

يقال ان حياة الفرد هي مشروع life project  وبهذا المعنى يكون المجتمع (وليس الاقتصاد الوطني) هو حصيلة لمجموع خصائص المشاريع الفردية لاعضاء ذلك المجتمع .

مجتمع معظم (او كل)  اعضاءه منتجين وأكفاء ويحترمون القانون ويتصرفون بشكل حضاري ويتمتعون بالنزاهة والابتعاد عن الفساد ويتحملون المسؤولية الوطنية ، سيكون حتماً (وبالمنطق الرياضي) مجتمعاً يتصف بكل هذه الصفات الحميدة التي تضمن الازدهار.

تعبير مجتمع مثل تعبير اقتصاد وطني ، انه عبارة تجريدية لان هذين الكيانين لاتجدهما في مكان معين ولاتستطيع ان تلتقي بهما الّا من خلال مكوناتهما الصغيرة اولَبِنات البناء والتي هي الوحدات الاقتصادية بالنسبة للاقتصاد (والتي تعني الافراد والمنشآت)، والافراد بالنسبة للمجتمع.

المشروع الاقتصادي يمر بمراحل عند اقامته:

- مرحلة التأسيس والتي يكون فيها المشروع في مرحلة البناء ولاينتج اي عائد وإنما يتم الانفاق عليه لكي يكتمل ويبدأ العمل وتقديم ثماره اذا كان ناجحاً ومؤسساً على أسس صحيحة.

- مرحلة التشغيل التجريبي والتي تعطي مؤشرات اولية عن جدارة المشروع وقدرته على مواجهة ظروف السوق (بعض الصناعات في الدول التي فيها دعم للمشاريع الوطنية يطلقون على المشروع في هذه المرحلة تسمية : infant industry  او الصناعة الرضيعة او القاصرة)

للدلالة على حاجته للرعاية في مراحل نشأته الاولى.

- مرحلة التشغيل الطبيعي والتي يبدأ فيها المشروع بأداء وظيفته.

- المشروع له عمر افتراضي منذ بدء الانتاج ولحين انتهاء عمره الافتراضي .

الآن سوف نجري مقارنة بين حياة المشروع وحياة الفرد :

-الفرد كالمشروع له عمر منتج يبدأ منذ سن العمل (في اكثر دول العالم يكون بعمر 15 سنة)

وينتهي بعمر التقاعد الذي يتراوح بين 60-65 في معظم دول العالم .

-الجدوى المالية للمشروع يتم التعبير عنها بالفرق بين الايرادات والنفقات معبراً عنها بالنقود.

والجدوى المالية لحياة الفرد يعبر عنها بما يستطيع ان يحصل عليه من دخل يتفق مع كفاءته ومهارته يضمن له حياة لائقة ويستطيع ان يدفع الضرائب وربما الاعتناء بمن انفق عليه وساعده في بناء نفسه.

الفرد الفاشل قليل المهارة لايمكن له ان يحقق دخلاً عالياً ولايستطيع ان يعوض عائلته او المجتمع الذي أنفق عليه واستثمر فيه.. اي انه استثمار غير ذي جدوى وفاشل.

الجدوى الاقتصادية كما هو معروف تتجاوز العائد المالي ولاتكتفي به بل تذهب الى اسهامات الفرد في عموم الحياة الاقتصادية في محيطه تماماً مثل المشروع.

فالفرد قد يكون مستثمراً مبادراً يساعد الغير في ايجاد وظائف وتوفير منتجات او تطوير العلوم والثقافة وينشر السلوك العقلاني في محيطه.

دراسة الجدوى الفنية للفرد مثله مثل المشروع ومع انها جاءت هنا في النهاية ،الا انها عادة تأتي في مقدمة دراسة الجدوى للمشروع بسبب كون الاعتبارات الفنية الصرفة احياناً تجعل اقامة المشروع غير ممكنة وربما مستحيلة، وبالتالي لاداعي للاستمرار في دراسة المشروع طالما كانت اقامته غير ممكنة.

المشروع قد لايمكن اقامته بسبب ظروف المناخ او نوعية التربة او حاجته لموقع جغرافي خاص او استحالة توفير مستلزماته الخ ...اما الفرد فأنه قد يثبت انه فاشل فنياً عندما يتضح انه غير قادر على الانسجام مع قيم المجتمع وغير قابل للتطور وغير قابل للمشاركة المنتجة ويرفض مهارات العصر ويرفض التدريب والتعليم والقراءة وبلا هوية على كل صعيد ..

ولكن المشكلة ان عدم الجدوى الفنية في المشروع يتم اكتشافها قبل بدء المشروع ، اما بالنسبة للفرد فهذا غير ممكن ويكتشف عادة في وقت متأخر ، والانسان كائن لايمكن ألغاء وجوده..

وهنا يصبح عبئاً على مؤسسات الاصلاح وقد يكون عنصراً مخرباً او مجرماً يحاول العيش على جهود الآخرين.

انه يشبه المشاريع الحكومية الفاشلة التي تشكل عبئاً على الموازنة من خلال الدعم الذي يقدم لها لابقاءها تعمل بشكل مصطنع ، بدل ان تقدم ارباحاً وضرائب للموازنة ..

بعض الاشخاص (الفاشلين فنياً) يكونون عبئاً على عوائلهم حتى بعد بلوغ سن متقدمة واحيانا يكونون عبئاً على المجتمع.

كذلك فأن الفرد الفاشل سيكون عبئاً على البيئة لانه لايقدم سوى التلوث واستهلاك الموارد النادرة .

التقيت باشخاص فاشلين على كل الاصعدة كان طموحهم العظيم ان يهاجروا الى بلدان اجنبية فيها ضمان اجتماعي لكي يتظاهروا بالمرض والعجز زوراً وبهتاناً كي يتمتعوا بحياة مريحة على حساب الآخرين.

التربية الاساسية وزرع القيم الكبيرة في نفوس الافراد منذ الطفولة تعتبر العامل الحاسم لتجنب وجود افراد فاشلين باعداد كبيرة في المجتمع ..

وهذه ليست مسؤولية المدرسة فقط بل الاسرة والاعلام ومؤسسات الدين في البلدان التي يلعب الفكر الديني فيها دوراً مهماً.

 

د. صلاح حزام

 

محمد عبد الكريم يوسفتعاني الكثير من البلدان أوقات الأزمات الخانقة والفوضى من ضعف واضح في المرونة الاقتصادية فتتأجج الأزمات ويفقد الاقتصاد مرونته المعتادة نتيجة ضعف السيولة والتمويل وضعف الايرادات وازدياد منسوب الاقتصاد الموازي على حساب الاقتصاد الحقيقي الذي يمر عبر القنوات الرسمية .

تعريف المرونة:

المرونة  مقياس لحساسية المتغيرات تجاه التغيير في متغير آخر، ووفي الحالات الأكثر شيوعًا تكون هذه الحساسية هي التغير في السعر نتيجة للتغيرات في العوامل الأخرى.  في دنيا المال والأعمال والاقتصاد، تشير المرونة إلى الدرجة التي يغير بها الأفراد أو المستهلكون أو المنتجون طلبهم تجاه سلعة معينة  أو تجاه الكمية المعروضة استجابة لتغيرات السعر أو الدخل أو الندرة في مادة معينة . ويتم استخدام هذه الاستجابة في الغالب لتقييم التغيير في طلب المستهلك نتيجة للتغيير في سعر السلعة أو الخدمة .

مفاتيح رئيسية:

المرونة هي مقياس اقتصادي لمدى حساسية عامل اقتصادي لآخر مثل التغيرات في السعر إلى العرض أو الطلب، أو التغيرات في الطلب نتيجة التغيرات في الدخل.

إذا كان الطلب على سلعة أو خدمة ثابتًا نسبيًا حتى عندما يتغير السعر، يُقال إن الطلب غير مرن، ومعامل مرونته أقل من 1 %.

وتشمل الأمثلة على السلع المرنة الملابس أو الأجهزة الإلكترونية، في حين أن السلع غير المرنة هي عناصر مثل الطعام والأدوية.

كيف تعمل المرونة؟

عندما تكون قيمة المرونة أكبر أقل من 1 %  فهذا يشير إلى أن الطلب على السلعة أو الخدمة يتأثر بالسعر . وتشير القيمة الأقل من 1 % إلى أن الطلب غير حساس للسعر أو غير مرن.  يعني  مفهوم "غير المرن" إلى أنه عندما يرتفع السعر، تظل عادات الشراء لدى المستهلكين كما هي تقريبًا، وعندما ينخفض السعر، تظل عادات الشراء لدى المستهلكين أيضًا دون تغيير، وإذا كانت المرونة صفرية تُعرف بأنها غير مرنة تمامًا.  وإذا كانت المرونة = 0، يُقال إن السلعة غير مرنة "تمامًا"، مما يعني أن الطلب عليها سيبقى دون تغيير بأي سعر وسيقوم المستهلك بشراء السلعة مهما كان سعرها نتيجة حاجته الماسة لها مثل الأدوية  والطعام.  ربما لا توجد أمثلة من العالم الحقيقي للسلع غير المرنة تمامًا. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن المنتجين والموردين سيكونون قادرين على تحصيل ما يرونه مناسبا وسيظل المستهلكون بحاجة لشراء المنتج بغض النظر عن السعر.  الشيء الوحيد الذي يقترب من السلعة "غير مرنة"  تمامًا هو الهواء والماء، والذي لا يتحكم فيه أحد.  وقد يفسر ذلك التنبؤات المستقبلية عن حروب المياه التي ستحل محل حروب الطاقة الحالية .

المرونة مفهوم اقتصادي يستخدم لقياس التغير في الكمية الإجمالية المطلوبة لسلعة أو خدمة فيما يتعلق بتحركات الأسعار لتلك السلعة أو الخدمة صعودا أو هبوطا. يعتبر المنتج مرنًا إذا تغير الطلب على الكمية للمنتج بشكل كبير عندما يرتفع سعره أو ينخفض، ويعتبر المنتج غير مرن إذا تغير الطلب على الكمية للمنتج قليلاً جدًا عندما يتقلب سعره.

على سبيل المثال، الأنسولين منتج غير مرن للغاية  بالنسبة لمرضى السكر الذين يحتاجون إلى الأنسولين، والطلب كبير عليه لدرجة أن ارتفاع الأسعار يكون له تأثير ضئيل جدًا على الكمية المطلوبة.  ولا يؤثر انخفاض الأسعار أيضًا على الكمية المطلوبة ؛ لأن معظم من يحتاجون إلى الأنسولين لا يلتفتون للسعر ويقومون بالفعل بالشراء، وهذا ينطبق على أدوية القلب والحساسية والربو إذ يجد المستهلك نفسه مضطرا للشراء مهما حدث من متغيرات في السعر لأن توافر السلعة بالنسبة له مسألة حياة أو موت .

على الجانب الآخر من المعادلة هناك منتجات مرنة للغاية مثل  الكرات النطاطة وقراءة القصص والروايات والفواكه إذ أنها مرنة للغاية لأنها ليست سلعة ضرورية تشكل مسألة حياة أو موت، بل يقرر المستهلكون فقط إجراء عملية شراء إذا كان السعر منخفضًا . لذلك، إذا زاد سعر الكرات النطاطة أو القصص أو الروايات، فإن الكمية المطلوبة تنخفض بشكل كبير وإذا انخفض السعر تزداد الكمية المطلوبة.

أنواع المرونة الاقتصادية:

مرونة الطلب هي المقياس الاقتصادي لحساسية الطلب بالنسبة للتغيير في متغير آخر.  تعتمد الكمية المطلوبة من سلعة أو خدمة على عوامل متعددة، مثل السعر والدخل والتفضيل.  وعندما يكون هناك تغيير في هذه المتغيرات، فإنه يتسبب في تغيير الكمية المطلوبة من السلعة أو الخدمة. على سبيل المثال، عندما يكون هناك علاقة بين التغير في الكمية المطلوبة وسعر السلعة أو الخدمة، والمرونة أو كما هو معروف اقتصاديا باسم المرونة السعرية للطلب . هناك نوعان أساسيان لمرونة الطلب هما مرونة الدخل للطلب ومرونة الطلب المتقاطعة.     

تشير مرونة الطلب على الدخل إلى حساسية الكمية المطلوبة لسلعة معينة للتغير مقارنة  بالدخل الحقيقي للمستهلكين الذين يشترون هذه السلعة، مع الحفاظ على ثبات جميع الأشياء الأخرى . أما معادلة حساب مرونة الطلب على الدخل فهي النسبة المئوية للتغير في الكمية المطلوبة مقسومة على النسبة المئوية للتغير في الدخل.   وعند دراسة مرونة الطلب على الدخل، يمكن معرفة ما إذا كانت سلعة معينة تمثل ضرورة أو رفاهية.    

و مرونة الطلب هو مفهوم اقتصادي يدرس تدابير الاستجابة في الكمية المطلوبة من سلعة واحدة عندما كان سعر معين لإجراء تغييرات سلعة أخرى . يُطلق عليها أيضًا مرونة الطلب السعرية المتقاطعة، ويتم حساب هذا القياس بأخذ النسبة المئوية للتغير في الكمية المطلوبة من سلعة واحدة وتقسيمها على النسبة المئوية للتغير في سعر السلعة الأخرى. 

يقيس سعر مرونة العرض  الاستجابة لتوريد سلعة أو خدمة ما بعد تغيير سعري.  ووفقًا للنظرية الاقتصادية الأساسية، سيزداد عرض السلعة عندما يرتفع سعرها.  على العكس من ذلك، سينخفض المعروض من السلعة عندما ينخفض سعرها.

العوامل التي تؤثر على مرونة الطلب:

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر على مرونة الطلب لسعر السلعة هي:

توافر البدائل:

كلما زادت البدائل الجيدة، كان الطلب أكثر مرونة . على سبيل المثال، إذا ارتفع سعر فنجان من القهوة بمقدار مئة ليرة سورية ، فقد يستبدل المستهلكون مشروب الكافيين الصباحي بكوب من الشاي القوي.  وهذا يعني أن القهوة سلعة مرنة لأن الزيادة في السعر ستؤدي إلى انخفاض كبير في الطلب حيث يبدأ المستهلكون في شراء المزيد من الشاي بدلاً من القهوة.  ومع ذلك، إذا ارتفع سعر الكافيين نفسه، فربما نشهد تغيرًا طفيفًا في استهلاك القهوة أو الشاي لأنه قد يكون هناك القليل من البدائل الجيدة للكافيين . ومعظم الناس، في هذه الحالة، قد لا يتخلون عن طيب خاطر عن كوب الكافيين الصباحي مهما كان السعر.  لذلك نقول إن الكافيين منتج غير مرن.  في حين أن منتجًا معينًا يدخل في صناعة ما يمكن أن يكون مرنًا بسبب توفر البدائل، فإن الصناعة بأكملها تميل إلى أن تكون غير مرنة.  وعادةً ما تكون السلع الفريدة مثل الماس غير مرنة لأنها تحتوي على بدائل قليلة إن وجدت.  

الضرورة:

كما رأينا أعلاه، إذا كان هناك حاجة إلى شيء ما للبقاء على قيد الحياة  أو الراحة، يستمر الناس في دفع أسعار أعلى مقابل ذلك. على سبيل المثال، وإذا كان الناس بحاجة للوصول الى العمل ولا يتوفر النقل العام وتضاعف سعر الوقود مرتين أو ثلاث مرات، يظل الناس بحاجة إلى ملء خزاناتهم.

الوقت:

العامل الثالث المؤثر في مرونة الطلب هو الوقت.  فإذا ارتفع سعر السجائر إلى دولارين لكل علبة، فمن المرجح أن يستمر المدخن الذي لديه عدد قليل جدًا من البدائل المتاحة في شراء سجائره اليومية.  وهذا يعني أن التبغ غير مرن لأن التغير في السعر لن يكون له تأثير كبير على الكمية المطلوبة.  ومع ذلك، إذا وجد هذا المدخن أنه لا يمكنه تحمل إنفاق دولارين إضافيين في اليوم، ويبدأ في التخلص من هذه العادة خلال فترة من الزمن، فإن مرونة سعر السجائر لهذا المستهلك تصبح مرنة على المدى الطويل. 

أهمية مرونة السعر في الأعمال:

إن فهم ما إذا كانت سلعة أو خدمة العمل مرنة أم لا هو جزء لا يتجزأ من نجاح العمل.  تتنافس الشركات ذات المرونة العالية في نهاية المطاف مع الشركات الأخرى على السعر ويطلب منها أن يكون لديها حجم كبير من معاملات البيع لتظل قادرة على الوفاء بها .  من ناحية أخرى، تمتلك الشركات غير المرنة سلعًا وخدمات ضرورية وتتمتع برفاهية تحديد أسعار أعلى كما يحدث في بعد الدول عند احتكار سلعة معينة لصالح شخص معين .

تؤثر مرونة السلعة أو الخدمة بخلاف الأسعار بشكل مباشر على معدلات الاحتفاظ بالعملاء للشركة.  وغالبًا ما تسعى الشركات إلى بيع السلع أو الخدمات التي تتطلب طلبًا غير مرن  ؛ ويعني ذلك أن العملاء سيظلون مخلصين وسيواصلون شراء السلعة أو الخدمة حتى في مواجهة زيادة الأسعار.

خلاصة:

تؤثر مرونة السلعة أو عدم مرونتها على توافرها في الأسواق أيام الأزمات والفوضى والحروب  وكل ما يخشاه الخبراء هو اختفاء السلع غير المرونة الأصلية من الأسواق وذهابها ضحية لارتفاع الأسعار حيث يميل الناس في قاعدتهم الشعبية إلى امتلاك السلع الرخيصة التي هي أصلا مرتفعة الثمن قياسا بعمرها التشغيلي  ويحضرني هنا ما قاله أحدهم يوما : " لست غنيا بما يكفي لأشتري الرخيص."

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

علي اسعد وطفة(كيف يكون الأطفال في غاية الذكاء والرجال في غاية الغباء؟ لابد أن السبب هو التعليم).. ألكسندر دوما

يمتلك الطفل منذ لحظة ميلاده قوى داخلية هائلة نجهل حدودها، وأبعادها. لقد بدأت هذه الحقيقة تتكشف في ضوء الدراسات الجارية في ميدان البيولوجيا وعلم النفس، وبدأت تفرض نفسها اليوم في مستوى الوعي العلمي للمفكرين والمربين .

وتحت تأثير الذهول الذي أحدثته اكتشافات هذا العصر الهائلة في عالم المادة، بدأ الناس يدركون جيدا ما يتوجب عليهم تجاه أبنائهم وأطفالهم. وإذا كانت الإنسانية تحقق خطوات هائلة في مجاهل المادة وفي تسجيل الاكتشافات الأسطورية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للتقدم العلمي أن يتجاوز ما يعاند انطلاقته نحو الحياة والمستقبل، وهل يمكن لهذا التقدم أن يناهض عن وجودنا أذى وبلاء هذه المادية المبتذلة التي نعيش فيها اليوم؟

وفي خضم هذه التموجات الهائلة من الاكتشافات العلمية بدأت مسؤولية التربية تواجه تحديات مصيرية. والسؤال الجوهري هنا هو: هل يمكن لنا حقا أن نمارس مسؤولياتنا التربوية المطلوبة إذا كنا نجهل ماهية الطفولة وطبيعة الأطفال؟ ألا يترتب علينا في النهاية أن نتحرر من هذه الفكرة الغبية والمقبولة، والتي تصور الطفل على أنه مجرد كائن وظيفته تناول الطعام، وأن الأم يمكنها بالنتيجة أن تعهد به إلى أي كائن للعناية به. ألم يحن الوقت أيضا لأن يقلع المربون عن الإعلان بأن الاهتمام بالطفل يجب أن يبدأ في سن معينة: في العاشرة أو الخامسة عشر على سبيل المثال.

فالجنس البشري يريد الاستمرار بعيدا عن الموت وطلبا للحياة الآمنة، ويسعى إلى تحقيق النماء والتطور. ومع ذلك كله فإن المجتمعات المعاصرة التي اكتشفت الطفل تأخذه بأحضان الألم وتسبب له الأذى، لقد تقدمت مناهج التربية لكنها تطبق اليوم بصورة خطرة على وجود الطفل وحياته، وفي هذا الصدد يرى بعض الأيديولوجيين أن التقدم المادي يؤدي في بعض الحالات إلى إلحاق الأذى الجسدي والأخلاقي في بنية الأطفال، وهذا يعني أنه إذا كنا نشعر بعظمة الطفولة فإننا لم ندركها جيدا حتى اللحظة! فكيف يمكن لنا أن ندرك طبيعة الطفولة؟

يجب علينا في البداية أن نحدث تغيرات جوهرية في أفكارنا وأن نسقط مشاعر تفوق الراشد؛ فالعالم يتجه في تطوره نحو آفاق روحية بصورة واسعة، ومع ذلك فإن الراشدين يعيشون الشيخوخة والمرض، وهم في الوقت نفسه يحتقرون الأطفال. ألا يجب على الراشدين اليوم أن يمنحوا الأطفال حنانهم ومشاعرهم وحبهم؟

نحن ندرك بشكل أفضل اليوم وعلى الرغم من الإخفاقات والتراجعات القائمة، أن الحياة انتهت إلى ظهور الإنسان، وأن الإنسان ذاته يجد تطورا في خصائصه وإمكانياته الروحية الرائعة، وهناك عدد هائل من الإمكانيات الروحية التي ما تزال بين ثنايا وطيات المجهول. ومن أجل دفع الإنسان إلى آفاق جديدة من التقدم تعمل الحياة على وضع الإنسان بصورة دائمة في بحث لا ينقطع عن السعادة، فالبحث عن السعادة يؤدي إلى تفجير الطاقات الروحية الكامنة عند الإنسان.

فالإنسان الذي يجب أن يقطف ثمار هذا الكون أصبح اليوم أداة ووسيلة. لقد أفسد الطبيعة بسيطرته عليها، واستمر في الانفلات من سيطرة المادة، ووجد نفسه أكثر قدرة على تطوير ذكائه وطاقاته الروحية. لقد أصبحت المعارف من كل نوع تحت تصرفه، ويعود ذلك إلى فضل الكتب والصحف والراديو والأنترنيت، واستطاع بفضل هذا التقدم التكنولوجي أن يحصل على مزيد من وقت الفراغ، والحصول على فرص مذهلة للنمو والتطور والازدهار .

 وهناك أمل كبير اليوم أن تستطيع الإنسانية بفضل التقدم التقني، وبفضل إدارة أفضل أن تحقق توازنا كبيرا يعم بالخير على جميع أفراد المجتمع الإنساني بدون استثناء، وأن يتم القضاء على البؤس والفقر، ولكن هل تستطيع الإنسانية حقا أن تحقق هذه الأمنية في حياة يسودها الأمن والرضاء والعدالة والسلام؟

يجب علينا أن نعترف بأننا نجهل أنفسنا كثيرا، وأننا لا نعرف عن حقيقتنا الوجودية إلا قليلا، وأنه لمن المؤكد أنه يوجد في داخلنا غنى علينا معرفة الكثير عنه. وفي هذا الصدد يمكن القول أنه بعد هذا التقدم الرائع والهائل الذي حققته الإنسانية في مستوى الحياة المادية، يجب علينا أن نحقق تقدما مماثلا في مجال اكتشاف العالم الداخلي للإنسان .

 وإذا كان هذا العالم الخارجي لم يكتشف بعد فذلك لأننا لا نملك الوسائل الحقيقية لعملية الكشف عن هذا العالم السحري، فالإنسان يمتلك طاقات هائلة تمكنه من أن ينتصر على الشر والجهل والألم، وذلك بصورة متقدمة على غرار ما هو عليه اليوم.

 إن عدم تطور المعارف الخاصة بالعالم الداخلي للطفل، أمر ناجم عن توجيه أسلافنا لطاقاتهم تحت إلحاح الحاجة وضرورتها من أجل معرفة العالم المادي والسيطرة عليه، وذلك في إطار شروط حياة صعبة وشاقة، ومع ذلك يمكن القول بأن اكتشاف عالمنا الداخلي لا يمكنه أبدا أن يحدث فجأة ،وإذا كانت هذه القوى والكنوز الداخلية ما زالت مجهولة فإنها مع ذلك ما زالت موجودة، ولم تتعرض للفناء، فنحن نورث هذه القوى المجهولة إلى أطفالنا، ويبقى واجبنا في أن نساعد هؤلاء الأطفال أنفسهم على اكتشاف بعض مجاهل هذه القوى .

 وهنا تبرز الإشكالية الحرجة للحياة التربوية، فالمعلم هنا يجد نفسه إزاء مهمة لم يتعلم هو نفسه عنها شيئا، إذ كيف يترتب عليه أن يوقظ في نفوس الأطفال معرفة هذه القوى التي يجهلها هو نفسه تمام الجهل، والمسألة هنا ليست مسألة انتقالية أو زمنية، وإذا انطلقنا من فكرة أنه يجب على الإنسانية أن تطور نفسها، فإنه يترتب علينا أن نؤمن بأن الأطفال يتجاوزون آباءهم، وبالنتيجة فإنه يجب على هؤلاء الأطفال أن لا يأخذهم العجب بتفوقهم .

ولنعترف أنه يتوجب علينا أن نأخذ بأطراف التواضع، وأن نكون حذرين من أنفسنا بعض الشيء، فأطفالنا بالنسبة لنا هم كائنات مجهولة فيما يتعلق ببنيتهم وطاقاتهم الكامنة، والطفل لا يمكنه أن يتفوق علينا كما نرغب إذا لم نستطع أن نكتشف فيه هذه القوى الداخلية وننميها، وهي القوى التي نجهلها في أنفسنا، ومن أجل ذلك يتوجب علينا أن نبني في هذا الكائن المجهول عادة إيجابية في التعرف والكشف عن كل ما هو مجهول، وتتمثل هذه العادة بوصفها الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يبعث في النفس الإنسانية حب الاستطلاع والاكتشاف، وتأخذ هذه العادة أسلوب الملاحظة الموضوعية التي تخلو من الأحكام المسبقة وتبتعد عن الغطرسة والخيلاء. ومع ذلك كله يمكن القول وبدون تحفظ، وبعيدا عن خطر المجازفة: إن موقف الراشدين من الصغار يأخذ اتجاها يعاكس عملية بناء روح الابتكار والكشف.

 ومن غير تعدد التبريرات المختلفة لموقفنا، فأنه يترتب علينا أن نذكر بأن هدف التربية هو تحقيق التكيف الأفضل الممكن بين الطفل والواقع الاجتماعي، وليس أبدا تحقيق النمو الشخصي له، وأن الهدف الأخير يمثل في أفضل أحواله المركز الثاني، وبالتالي يمكن الملاحظة أن هذا الهدف كان نتاج له فرص مختلفة باختلاف الأزمنة، والمجتمعات الإنسانية .

لقد تنوعت المناهج التربوية وتعددت وترافقت بتطور المبادئ التربوية الواقعية، وذلك على الرغم من عظمة بعض المنظرين المفكرين التربويين ،وعلى الرغم أيضا من كبار المنظرين المجددين في مجال التربية، فالانطلاق من أقصى الشدة إلى أقصى التساهل، ومن التشويق إلى ممارسة الإكراه، هي أساليب تجد حظوتها عند أغلب المربين، وذلك مع إهمال النتائج التي يمكن أن تترتب على مثل هذه الممارسات التربوية التي تعد من أخطر الممارسات التي يمارسها الراشد، وهو الإنسان الذي وصل إلى الحدود القصوى لنموه، واستطاع أن ينتصر على جهله. فالراشد من حيث المبدأ يستطيع أن يجانب الخطأ في ممارساته وسلوكه، لأنه يمتلك على المعرفة والسلطة، وهو في الوقت نفسه يعلم الأطفال وهو غالبا ما يكون بعيدا عن الواقع الذي يريد أن يفرضه على الطفل.

والجميع يتفق اليوم بأنه لا يوجد شخص إلا ويملك القدرة على إصدار الأحكام القيمة على الآخرين، وذلك بدلا من أن يحكم على نفسه بصورة موضوعية، أما الطفل وعلى خلاف ذلك يترتب عليه تحت تأثير الحاجة إلى احترام الآخرين ولا سيما الآباء والمعلمين، أن يكون أعمى وأصم، وأن يمتلك طبعا شريرا، وأن يبرهن على افتقاره إلى القدرة على إصدار الأحكام الموضوعية، وذلك من أجل أن يوافق على أن يتعلم بأن الأسود يمكن أن يكون أبيضا، وأن الأبيض يمكن أن يكون أسودا، وأن الحق باطل والباطل حق، وأن الراشد هو الإنسان الكامل .

 هذا التشويه الذي ينال من قدرة الطفل على إصدار الأحكام الموضوعية أمر يدعو حقا إلى الأسف. ونحن الراشدين محمولون على الاعتقاد بأننا كائنات كاملة، وبالتالي فإن حيازة السلطة وممارستها تعزز لدينا مثل هذا الاعتقاد، ومع ذلك فإن نتائج هذه المغالطة خطرة إلى حد كبير بالنسبة لنا كما هو الحال بالنسبة للطفل، فمن يعتقد بأنه كامل يمتنع بالتحديد عن تحقيق أي تقدم أو تطور .

ولقد أعلن روبرت اوبنهاير منذ سنوات أن هؤلاء الأطفال الذين يلعبون في الشارع قادرون على حل المسائل الفيزيائية الأكثر تعقيدا وذلك لأنهم يملكون نموذجا رفيعا للإدراك فقده الراشدون منذ من طويل. وأن هذه القدرة الإدراكية عند الطفل والتي تتيح لهم القدرة على المشاركة في أعلى مستويات البحث، تبدأ بالظهور فقط دون أن توظف فعليا. وقد اعترف أدموند بيكون على سبيل المثال، وهو رئيس لجنة التموين في فيلادلفيا علنا بأنه قد طلب مساعدة أطفال المدارس الابتدائية في إيجاد الحلول لمسائل التموين الكبرى التي واجهته، حيث كلف يعض الباحثين بتدريس الأطفال المخططات الموضوعية من أجل المدينة وطلب إليهم مناقشة هذه المخططات فيما بينهم ومع آبائهم وجيرانهم ،ومن أجل ذلك وضعهم في صورة الجوانب الفيزيائية الجغرافية للمدينة. وفي النهاية عاد الأطفال وهم يحملون بعض الحلول المتميزة حول جملة المسائل المطروحة .

لقد بدأ الاعتراف اليوم بأن الأطفال يمتلكون قدرات خفية هائلة ويجسدون قدرة نامية يجب أن تحظى بالعناية وأن تخضع لمبدأ الاستثمار. وبطريقة أخرى يمكن القول، وذلك على المستوى التربوي أن نظام التخصص والتصنيف الدقيق ليس له غاية واقعيا إذا كانت الحياة في المجتمع المعاصر تتميز بتطور وغزارة التدفق الثقافي، ولا سيما أهمية المعلومات التي يقدمها التكاملية التي يقدمها الراديو والتليفزيون والسينما والحاسوب والأنترنيت ونظام الشبكات. والإصرار على أهمية التعليم المدرسي بوضعه الحالي يعد بمثابة فكرة ساذجة وغريبة تسعى إلى توظيف المدرسة كأداة لحرمان نصف أو ثلاثة أرباع أبناء المجتمع من الثقافة العليا.

ولا يوجد ما يمنع الأطفال الصغار من أن يكونوا تجريبيين مندفعين ومتحمسين أو مكتشفين ورواد في مجال العلم والمعرفة، وتلك هي توجيهات المجتمع المعني والعالم الذي يتجاوز واقع الأشكال العتيقة والميكانيكية إلى صور جديدة من التفاعل الإلكتروني عن التراكم البسيط للمعطيات إلى مستوى التجريبية البنيوية .

تجدر الإشارة إلى جملة من الصعوبات التي تواجه الحياة الاجتماعية المعاصرة برمتها، وتتبدى إحدى كبريات هذه الصعوبات في أهمية تثوير التعليم الابتدائي وما قبل الجامعي ليواكب القدرة الهائلة للتعليم العالي وليعبر عن احتياجاته، وبعبارة أخرى، سيتوجب علينا أن نبرمج تعليمنا ونوجهه نحو تفجير الطاقات الإبداعية والاكتشاف المعرفة كتحصيل عفوي في إطار شروط المعلوماتية الجديدة التي تأخذ طابعا إلكترونيا.

أما الوعي الجيد لطبيعة المتعلم فقوامه: أن المتعلم ليس كائنا متلقيا وحسب، إنه مبدع منذ البداية، لو تفحصنا تصوراته للعالم وتعبيراته عن الانفعال لوجدناها –على بساطتها- تعبيرات وتصويرات مبدعة، إن هذه الأصالة الفطرية هي مفتاح النمو السوي للأطفال وهي-لكي تفصح عن ذاتها إفصاحا كاملا –تقتضينا معاونة الطفل على الاقتراب التلقائي من العالم والدخول في علاقة حميمة مع البشر والطبيعة، علاقة تربط الطفل إلى العالم دون أن تمحو هويته الثقافية أو تشتتها، إن هذه هي مسؤولية الكبار نحو الطفل، وهؤلاء الكبار آباءً كانوا أو معلمين. والمعلمون إن لم يؤتوا الحكمة والمعرفة والإرادة فإنهم سيصبحون-بوعي منهم أو من غير وعي أداة لتخريب النمو السوي في الطفل وذلك بأفانين غامضة.

 

علي أسعد وطفة

.........................

المراجع:

-1 Piere Tap: La socialisation de l’enfance à l’adolescence , P.U.F, Paris ,1991.

-2 Berger P., Luckmann T.,: la construction sociale de la réalité , Méridiens , Paris, 1986.

-3 Laterasse C.: Les origines de l’affectivité chez l’enfant dans la théorie Wallonnienne , Hom-mage à H.Wallon , Toulouse , P.U.M, Paris .1987.

-4 Berry J., W.: Acculturation et adaptation , psychologique , In la recherche interculturelle , Paris, L.Harmattan , Paris ,1989.

-5 Camilleri C.: La culture et l’identité culturelle: Champs rationnel et devenir , in Chocs de cul-ture , Harmattan , Paris, 1989.

 

قاسم المحبشيمن نحن؟ وماذا سنكون؟ وكيف نعيش؟

منذ أن وصلتني دعوة ومحاور المؤتمر الحادي والثلاثون للجمعية الفلسفية المصرية المزعم تنظيمه في (٥-٧) ديسمبر ٢٠٢٠م بجامعة القاهرة تحت عنوان بالغ الدلالة والتعبير (فلسفة المستقبل)، وأنا أفكر فيماذا يمكنني الكتابة؟ هل في فلسفة المستقبل أم في مستقبل الفلسفة؟ وعن أي مستقبل يمكن الحديث اليوم لاسيما بعد أزمة فيروس كورونا كوفيد-١٩. التي جعلت العالم كله يترنح؟ إذ لم يشهد تاريخ الإنسان العام حالة مماثلة لحالتنا الراهنة. بدأ الأمر وكأن التاريخ يترنح والأرض تميد بأهلها، والقيم تهتز والحضارة تضطرب، والفوضى الشاملة تجتاح كل شيء، وبإزاء هذا المشهد القيامي المجنون تحيرت افضل العقول، وفقد العقل الإنساني بصيرته وقدرته النيرة في رؤية الأحداث وما ورائها، ومن ثم تفسيرها وتحليلها والكشف عن ثيماتها العميقة المتخفية في سبيل فهمها وعقلنتها وإدراك معناها. وسط هذا السديم الحالك من الاضطراب العظيم والعمى الشامل، آخذ العلماء والمفكرون والمؤرخون يبحثون عن تفسير معقول لما يعتمل في لواقع ويدور في عالم جن جنونه وأصاب الناس جميعاً بالدهشة والذهول. فهذا المؤرخ الإنجليزي المشهور " جفري باراكلاف" من جامعة اكسفورد يكتب تحت تأثير الإحساس العميق بالأزمة: " إننا مهاجمون بإحساس من عدم الثقة بسبب شعورنا بأننا نقف على عتبة عصر جديد لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل أمين لسلوك دروبه، وان أحد نتائج هذا الموقف الجديد هو أن التاريخ ذاته يفقد، إن لم يكن قد فقد سلطته التقليدية ولم يعد بمقدوره تزويدنا بخبرات سابقة في مواجهة المشكلات الجديدة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ آدم حتى اليوم ويمكن لنا تتبع حيرة الفكر المعاصر إزاء ما شهده العالم ولا يزال يشهده من اضطراب شامل في ذلك السيل المتدفق من المحاولات التنظيرية التي ترغب في توصيف ونمذجة وعقلنه المشهد التاريخي الراهن في أطر مفهومية مجردة وكلية، إذ أخذ الفلاسفة والمفكرون منذ عدة أشهر يتسابقون ويتنافسون لصياغة وإبداع ونحت المفهومة المعبرة  أو الصورة الفكرية التي يمكن لها أن تعبر عن العالم المعاش، وتمنح الحقبة الجديدة اسمها ومعناها فضلا عن استشراف مستقبلها. وأعتقد أن مناقشة سؤال المستقبل الآن تختلف عما كان قبل الفيروس وهذا ربما يحتاج إلى جهود مضاعفة للتأمل والرؤية في الحاضر المضطرب والمستقبل الذي لم تتضح معالمه بعد. وهل تستطيع بومة ميرفا أن تطلق جناحيها للريح قبل أن يكتمل النهار؟ ومن الذي كان يخطر بباله أن المساجد والكنائس والمعابد والمدارس والجامعات سوف تغلق أبوابها في عز النهار  وفي معظم البلدان؟ ومن الذي كان يتخيل أن أمريكا بكل قوتها وجبروتها ترتعد فرائصها من فيروس كورونا؟ ومن الذي كان يتخيل أن ينتشر وباء فيروسي من أقصى شرق الكرة الأرضية إلى أقصى غربها في بضعة أيام؟ ألسنا بإزاء ظاهرة عالمية جديدة وصادمة للعقل والروح معًا؟

من المؤكد أن الماضي لم يعد يسعفنا بتدبير الحاضر واستشراف المسقبل فكل الطرق التقليدية في التفكير والعلاقات والأفعال والمناهج والاساليب والمفاهيم صارت الآن في مهب الريح بلا فائدة ولا جدوى بعد تغير كل شيء في عالمنا. أنها الثورة الرابعة كما وصفها المفكر الأيطالي الجنسية لوتشيانو فلوريدي أستاذ فلسفة وأخلاقيات المعلومات في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ورئيس مجلة الفلسفة والتكنولوجيا. أستهل مقدمته لكتاب الثورة الرابعة؛ كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني. الذي قال في مستهل الكتاب ما يلي: " نحن بحاجة الى فلسفة جديدة للمعلوماتية.. فلسفة تمكننا من فهم واستيعاب التحولات العميقة والواسعة النطاق التي أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة المعلوماتية ذاتها.. نحن في حاجة الى الفلسفة لنترقب ونوجه الأثر الأخلاقي لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات علينا وعلى بيئتنا. نحن بحاجة الى الفلسفة لبناء الإطار الفكري المناسب الذي يمكن أن يساعدنا على إدراك الدلالات والمعاني العقلية لمأزقنا الجديد، وباختصار، نحن في حاجة الى فلسفة المعلومات بوصفها فلسفة تخص عصرنا، من أجل عصرنا" ومع كل تحول جذري في شروط الاجتماع الإنساني تعاول ربيبة الدهشة وأم العلوم  طرح السؤال من نحن؟ وماذا سنكون؟ وكيف نعيش؟ وأنا قررت الكتابة في لعلاقة الجدلية بين فلسفة التقدم واستشراف المستقبل.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

عصمت نصارلمّا كان علم الجدل هو ذلك المنهج الذي يُقابل بين الأدلة لانتخاب أفضل الآراء المناسبة لرؤية المجادل من جهة، وأقرب الضروب التي تستطيع إقناع المخالف في المسألة أو الأمر محل النقاش من جهة أخرى - وهذا النهج معروف بالمحاجاة - أما جانبه السلبي فيتمثل في إتيان أحد المجادلين بأدلة لفظية أو وقائع خافية على الخصم ويخلطها المجادل بواقعات وبمعارف غير واضحة وذلك بقصد إقناع المناظر برأيه بغض النظر عن صحة أو سلامة أو صدق المقدمات التي بنيت عليها النتائج.

وعليه؛ فقد بات لزاماً على طلاب الحقيقة من الفلاسفة والمصلحين تحديد المبادئ والقيم المُلزمة للمناظرين وتبيان أن الجانب السلبي من الجدل غير منتج وفاسد في ذاته ومناقض لمقصده.

لذا نجد أفلاطون (عاش 427 ق.م - 347 ق.م) يعرف الجدل (Dialectic) بأنه فن الحوار، وأن المجادل الحق هو الذي يلتزم بمنهج المحاججة والإقناع دون أدنى مغالطة أو خداع لإفحام الخصم أو إرغامه على التسليم بصحة رأي المناظر، فالغرضُ من الجدل هو الانتقال من تصور إلى آخر أو من مفهوم إلى غيره للوصول إلى أعم التصورات وأعلى المبادئ المتفق عليها.

وكيف لا (والتهكم والتوليد والحوار الناقد) وهو سبيل أستاذه سقراط (470 ق.م – 399 ق.م) ودربة للتعلم وهداية الذهن بالوصول الى الحقيقة دون تلقين أو تقليد أو إجبار أو مراوغة أو التسليم برأي سلطة الجمهور أو ما هو سائد في الرأي العام أو يرد إلى تحزب جنسي أو تعصب مِلِّي أو ميل نفسي ومن ثم فلا يجوز للمجادل إغفال قدرة خصمه على الفهم والإدراك والمتابعة، وعليه يجب على المناظر الفيلسوف العاشق للحقيقة أن لا يسلك أي شكل من أشكال المراوغة والتلاعب بالألفاظ, فالحقائق لا تدرك إلا بضبط المعاني وتحديد الدلالات.

ومن ثمَّ يحذر على المساجل الاستعانة بالغامض وغير المألوف والمشوش من المفاهيم والتصورات والآراء والمصطلحات، كما يجب عليه أيضاً تجنب الخلط بين الأجناس والأنواع، والعام والخاص، والمطلق والنسبي، في الأمثلة التي يوردها.

ويؤكد أفلاطون أن للجدل نهجين، أولهما يرتقي من الاعتقاد بالظن إلى المعقول والحقيقي واليقين، وثانيهما ينتقل من المبادئ المسلم بها والمقطوع بصحتها إلى البرهان ثم المعقول ثم المُبرر والجائز المحتمل.

وقد اتخذ المحاورون المحدثون هذا النهج في مثاقفتهم فميزوا بين الكلي والجزئي، والعام والخاص، والمحسوس والمعقول، والتجريد والتجريب، في حججهم، وقد حاول المتثاقفون الجمع بين الخطابة والجدل والمنطق في صياغة نقودهم وردودهم ساعين من خلال تلك الصياغات توضيح الغامض والملغز من الألفاظ، والكشف عن أصول الأفكار، والتمييز بين المذاهب والاتجاهات، وإثبات تهافت الأفكار الزائفة، وفضح الأخبار الكاذبة، ومناقشة المعتقدات الفاسدة.

وقد أعلى المناطقة من شأن الحوارات القائمة على الاستدلال العلمي الرياضي أو التجريبي على المناظرات التي تتخذ من الجدل نهجاً لها.

ويعدُّ كانط (1724-1804م) المثاقفات الجدلية إحدى آليات الكشف عن اضطراب الأنساق وتناقض الأفكار وكذب الأخبار وغير المعقول من التصورات.

أمّا هيجل (1770-1831 م) فبيّن أن للجدل ميزة لا توجد في المنطق؛ فالأحكام المنطقية تتسم بالصرامة في الحكم وتقابل التصورات وتعريف المفاهيم في الحدود والقضايا المنطقية، أمّا الجدل ففي استطاعته الجمع بين المتناقضين في سياق واحد، ويشكل في الوقت نفسه نتيجة يمكن مناقشتها أو حكم يمكن الاستدلال أو الاستنباط أو الاستقراء والبرهنة عليه.

فالنبيل يمكن وصفه بأنه سيد وعبد في وقت واحد، فالسيد سيد بنبله وماله ومكانته، وإذا ما تدنى إلى شهواته وأصرف في البذخ وتعلق بالسافل من الخصال والشهوات من الفعال أصبح عبداً رغم حَسَبَه ومكانته.

والعكس صحيح؛ فالعبد العفيف الذي يتزين بالحياء والصدق والشجاعة والأمانة يمكن وصفه بالنبل رغم مكانته الوضيعة وفقره وفقدانه للحرية.

أمّا المفكرون المعاصرون فقد انقسموا الى قسمين أولهما اتخذ من الجدل آلية لإثبات الأحكام الكلية واليقين المطلق والرؤية الأحادية والقيود المذهبية والتعصب في الرأي والعنف في المناقشات وراحوا يروجون لهذه المصطلحات (لا تجادل لا تناقش) (هذا قول واحد) (هذه حجه لا ترد لأن قائلها ....) أمّا الفريق الثانى فراح يذيع تلك الشعارات (الممكن، والجائز، والمستبعد) وذلك انطلاقاً من قناعتهم الذاتية غير المبرَّرة بحجة رفض كل السلطات المقيدة لحكم الأنا وتصوراته (يبدو لي، يتراءى لي، أعتقد وأظن، أمر يحتاج إلى مراجعة، يحق لي الشك في, هذا ما أشعر به).

وإذا انتقلنا إلى الثقافة العربية فإننا سوف نجد معظم المعاجم لا تفرّق بين معنى الجدل والتناظر والمناقشة والمحاججة .

فمن حيث المعنى الوظيفي؛ فالتناظر على سبيل المثال هو تكرار أو نقاش بين شخصين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق القانع بصحته؛ فهو يختلف عن المراء وهو ضرب من ضروب الجدل الفاسد؛ فالمماري هو المجادل الذي يرمي إلى تزييف القول والاعتراض على صاحبه والتصغير من شأنه وإثبات تهافت رأيه.

بينما الجدل الممدوح هو الذي يسعى مقصده إلى إظهار حقيقة أو إثبات واقعة أو إزالة لبس أو غموض أو خداع وهو فرض عين على العلماء الذين ينتصرون دوماً إلى الحيدة والموضوعية والعقلانية والمسلمات التي يستحيل الشك فيها. وقد يكون فرض كفاية على الذين يراعون آدابه وشروطه ولاسيما في ميدان الدعوة.

أمّا الجدل المذموم فمقصده الباطل والكذب والخداع والغش والتطاول على المناظر مستعيناً في ذلك بالمعارف الفاسدة والأخبار الكاذبة وتأييد العصبة الجاهلة من الجمهور الذين يرفعون من قدره فتتحقق له الرئاسة الزائفة. وهو بطبيعة الحال منهي عنه شرعاً، "وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ" (الكهف 56). ويجمع العلماء أن الجدل بضربيه محظور على العوام وذلك لأن مآله الشقاق والفُرقة والنزاع؛ الأمر الذي يُفسّر كراهية الفقهاء للجدل وصدّ الناس عنه ولاسيما في أمور العقيدة، وقد ذهب الإمام الغزالي (1058-1111 م) إلى ضرورة إلجام العوام عن علم الكلام ومن أقواله في ذلك: "انكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات وزعموا أن غرضهم الذّب عن دين الله والدفاع عن السنة وقمع المبتدعة".

ويؤكد ابن حزم (994-1064م) أن إشغال العوام بالجدل أشر من الحرب والكفر لأنه لا يصيب المتجادلين فحسب بل يتسلل إلى عقل الأمة بأثرها، ويفتح آتون الريبة وباب التطرف أمام الدهماء والمغرضين.

كما حذر الإمام محمد عبده (1849-1905م) من الخلط بين الخلافات السياسية والمجادلات العقدية والعصبيات المذهبية والمعارك الأدبية والمثاقفات الفلسفية.

وقد استفاد محمد فريد وجدي من تلك المفاهيم بل واستوعبها جيداً وكان من أفضل مطبقيها في العصر الحديث فلم يعرف عنه أو من شاركه في تحرير الصحف التي أنشأها أو رأس تحريرها أنه جادل من أجل تزييف الرأي العام أو إثارة الشقاق بين الأحزاب أو الفصل في قضية تبعاً لمزاجه وهواه أو القدح في خصومه أو مناصرة أربابه.

ويبدو ذلك بوضوح في المثاقفات والمساجلات التي شارك فيها قادة الرأي في النصف الأول من القرن العشرين حول قضايا الفكر المطروحة آنذاك نذكر منها: قضية تحرير المرأة والحكم على دعوة قاسم أمين، وقضية الإلحاد وإعلان إسماعيل أدهم إلحاده، والكهنوت في الإسلام وما آثاره خالد محمد خالد حول السلطة الدينية، ومدى مشروعية تطبيق المنهج الديكارتي على الكتب المقدسة، وقضية الشعر الجاهلي عند طه حسين.

وسوف نبيّن مدى حرص وجدي على الاستخدام الأمثل للمنهج الجدلي في مساجلاته ومناظراته.

وجدي وحرية المرأة:

لم يشارك محمد فريد وجدى في التساجل الذى دار بين المثقفين العرب في مطلع القرن العشرين حول كتابي قاسم أمين (المرأة الجديدة وتحرير المرأة) إلا ببضع مقالات على صفحات اللواء والمؤيد، ولم يهاجم فيها قاسم أمين كغيره بل كان يناقش دعاة محاكاة المرأة الشرقية للمرأة الغربية في سلوكها ومساواتها بالرجل فبيّن متسائلاً: (هل المرأة مساوية للرجل في سائر الحيثيات؟ وأنه إذا كانت المرأة مساوية للرجل من الجهتين الجسمية والعقلية، فلماذا خضعت كل هذه الألوف المؤلفة من الأعوام لسلطان الرجل وجبروته؟".

ويجيب على نفسه قائلاً بأن المرأة لو ساوت الرجل لحدثنا التاريخ بأخبار التدافع بين الجنسين، شأن كل عالمين متساويين في القوة في هذا الوجود، ولكن المرأة الأوربية لم تنل حريتها إلا بسعي الرجل نفسه، وأقل نظرة لحالة المرأة الطبيعية من حيث الأنوثة وعوارضها تكفي لأن نحكم بتفوق الرجل قوة ونشاطاً.

وأشار وجدي إلى أن وظيفة المرأة الرئيسية المتعلقة بالحمل والتربية لصغارها وتدبير البيت تجبرها أن تنفق أكثر وقتها فيما يتعلق بغريزتها بعيداً عن مصادر الغذاء العقلي، وحتى التي تنفق وقتها في العلم تقصر في وظيفتها الطبيعية (..

كما أنه لم يدل بدلوه في الاستبيان الذى أجرته مجلتي المقتطف والهلال في مطلع العشرينات من القرن العشرين حول المرأة الشرقية والمرأة الغربية، وذلك لأنه كان مدركاً للأبعاد السياسية والاجتماعية والأخلاقية والدينية وما فيها من مغالطات قد أثرت بدورها على آراء المتثاقفين حيال هذه القضية، واكتفى بكتابة بضع مقالات في صورة ردِّ على أحد قراءه يسأل عن موقفه (أي موقف محمد فريد وجدى) من تلك القضية, وفى مطلع الأربعينات راح يناقش كتابات الغربيين عن حال المرأة الشرقية على صفحات مجلة الأزهر فبيّن أن معظم الكتابات الأوربية قد وصفت المرأة المسلمة بكل الصفات التي تخرجها من طور الإنسانية الحرة وتلقي بها في حظائر الحيوانية التي تسمى بالحرملك ذلك المكان الذى لا هم فيه للمرأة المسلمة إلا الاهتمام بالمأكول والمشروب وإمتاع الرجل ورعاية الأطفال. ويؤكد وجدى أن المنصف من هذه الكتابات الجائرة يرى أن حجاب المرأة المسلمة قد عزلها تماماً عن نبض المجتمع وما فيه من قضايا ومشكلات ومعارف وثقافات وأن تمسكها بهذا الحجاب قد سلب إرادتها استجابة للعادات والتقاليد الرجعية على نحو جعلها غير قادره على التفكير أو الاختيار أو التحرر من السلطات الاجتماعية والعقدية القائمة من حولها فباتت مستسلمة للحَرَمْلِك، الأمر الذى أدى إلى ضعفها صحيّاً وروحياً ونفسياً.

كما أوضح وجدى أن مثل هذه الكتابات المغلوطة هي التي دفعت بعض الصحفيين والكتاب الغربيين إلى الإفراط في ذم المجتمع الإسلامي واتهامه بالسطو على حقوق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

والذى يهمُنا في هذا السياق أن وجدى قد وضع ردَّه في صورة جدلية حوارية بين أنصار تحرير المرأة بالمنحى الغربي وموقف الإسلام من تلك الدعوى أي (الاختلاط بين الجنسين, تعليم المرأة, عملها, رسالتها) وأوضح أن هناك فارق بين التنظير والتطبيق؛ وأن لكل ثقافة مشخصاتها وثوابتها التي لا ينبغي التنازل عنها أو تبديدها حتى لا يصاب المجتمع بالفوضى والانحلال، وأضاف أن التغيير التدريجي أفضل من الانتقال الفجائي ولاسيما في ميدان الاجتماع والتربية والأخلاق؛ فإن للعادات والتقاليد في رأيه، سلطة لا ينبغي على المجددين والمحدثين تجاهلها حتى لا تسقط خطابتهم وتفسد مقاصدهم.

فقد ذهب "وجدى" الى أن هناك فارق بين النظر والعمل, والتصورات العقلية والتطبيقات والتجارب الواقعية. واذا ما سألنا المجددين والمحدثين عن أحلامهم ومقاصدهم وغاياتهم من دعواتهم قبل استجابة الجمهور لها وبعدها أي عقب تفعيلها والعمل بمقتضاها فسوف نجد معظم هؤلاء يأسفون على الحال الذى آلت إليه نتائج دعواتهم في الواقع المعيش، فالقليل من أحلامهم فحسب هو الذى يأتي بثماره عند العمل بها.

فإنّ نجاح خطابات المجددين ومشروعات المصلحين سوف تظل رهينة تفهم العقل الجمعي لها ووعيه بمقاصدها، ومن أقواله في ذلك (فإذا عُني باحث بأن يستطلع آراء زعماء المذاهب المختلفة فيما انتهت إليه الحال في هذا العهد كثمره لجهادهم, لما صادف واحد منهم راضياً بما آلت إليه الأمور ..... أن تؤول الحال بالناس إلى نكران جميع الأوضاع والعادات, والخروج إلى باحة الفوضى الخُلقية, كما هو حاصل اليوم .... والذين كانوا يدعون لتحرير المرأة والمطالبة باستقلالها كانوا لا يرمون إلى أن يقضوا عليها بأن تعيش على هامش الجماعة كما هي اليوم ... لقد طمت هذه الأحوال وتفاقمت شرورها وهى آخذه في الازدياد).

ويحدثنا "وجدى" عن حق تعليم المرأة فيؤكد أن النقل والعقل لا يحرمان المرأة من حق هو أصيل لها وخلقها الله عليه. ويقول : (إنّ الإسلام لم يضع للنشاط العقلي للمرأة حداً فأباح لها أن تتوسع في العلوم ما أمكنتها الفرص من ذلك وما ساعدها عليه استعدادها, ولم يمنعها من أن تبث علمها في الناس ولم يحظر على الرجال الأخذ عنها)؛ فالمسلمون في الصدر الأول لم يروا باساً من أن تتلقي المرأة العلوم العالية. وجوَّز بعضهم أن تلي القضاء وأن تفتى المسلمين.

أمّا موقف وجدى من قضية عمل المرأة؛ فكان مخالفاً لمَا ذهب إليه معظم الداعمين لحرية المرأة فيقول : (إنّ الفطرة تأبى أن ترى المرأة التي اختصها الخالق بمهمّة تكثير النوع الإنساني وتربيته، فهي تتكلف فوق ما تعانيه من المَشاق ومشاطرة الرجال أعمالهم المرهقة وأن تهجر دارها ساعات طويلة وأن تترك أولادها يهيمون على وجوههم في الشوارع والأزقة وهم في أشد الحاجة إلى حمايتها ورعايتها).

وقد استشهد وجدي في ذلك برأي أوجست كونت (1798-1857م) الذى ذهب إلى أنه ينبغي أن تكون حياة المرأة "بيتية" في المقام الأول، وأن لا تكلف بأعمال الرجال؛ لأن ذلك يقطعها عن وظيفتها الطبيعية ويفسد مواهبها الفطريّة، ومن يقول غير ذلك من الكتَّاب الإباحيين الذين يبيحون عمل المرأة ومساواتها بالرجل يُعرضون المجتمع إلى الانهيار والتفكيك الأسرى مُدّعين أن مشاركتها في الحياه العملية يُساهم في تطوير المجتمع وتمدنه غير عابئين بالمخاطر التي يمكن أن تتعرّض إليها من الاختلاط غير الواعي في مجتمعا تقوده الشهوات وتجذبه الرذائل.

وعلى الرغم من احترام أوجست كونت لدور المرأة في المجتمع إلا أنه يرى أن وظيفتها الأولى يجب أن تنصب على بناء الأسرة، فهي عمودها الفقري والرابط الذي يربط بين أفراد الأسرة والأخلاق والمجتمع ذلك فضلاً عن قناعة أوجست كونت بأن قدرات المرأة الذهنية لا تكافئ قدرات الرجل وأن قدرتها العاطفية والتربوية لا يصلح لها سواها، فوجودها في البيت لتربية النشء أفضل لها وللمجتمع أيضاً، وقد لاقت هذه النظرية هجوماً كبيراً من قبل دعاة تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في أوروبا دون قيد.

*   *   *

لم يتأثر وجدي بآراء أوجست كونت الاجتماعية في موقفه المحافظ من دعوة مساواة المرأة بالرجل بل يرجع رفضه لتلك الدعوى لمشاهدته وقراءته لما آلت إليه هذه العدوى في الثقافتين الغربية والشرقية، وانعكاس ذلك على المجتمع المصري ولاسيما في الطبقتين الأرستقراطية والبرجوازية في ثلاثينات القرن العشرين، ويقول وجدى في ذلك (أثرت هذه الكتابات في أوروبا والشرق بسبب أن الناس ميالون إلى قراءة الاقاصيص والكتابات السطحية التي توافق غرائزهم الشهوانية؛ فتكوَّن رأيٌ عام على أصالة هذه النظرية؛ فاندفع الناس في تحقيقها اندفاعاً جنونياً, فهجر النساء الدور وأقبلوا على الأعمال الخارجية. وكان من أثر هذا الاختلاط ذيوع عادات لا تتفق مع الحياة الصالحة. وكانت شرَّاً مستطيراً على الزواج المشروع؛ فكثر الأخدان والخدينات، وطمَّت العلاقات الخائنة بين الجنسين، وشاعت العزوبة بين الشبان, وأصبح التبرج المخالف للذوق السليم عادة مألوفة, واستهتر الناس في ذلك حتى أصبحوا يرون أن بروز النساء نصف عاريات من ضروب الأناقة, ووجه من وجوه الظرف, حتى صار ممَّا يروقهم أن تصور لهم الجرائد اليومية التي يقرؤونها صور الخليعات المتهتكات فيصرفوا في التأمل فيها وقتاً ثميناً, ويدعوها لأبنائهم وبناتهم غير خاشين أن ذلك يؤثر في آدابهم تأثيراً شنيعا).

ويستفيض "وجدي" في تصوير ثقافة الخلاعة والمجون في عصره، فيضيف أن المنتديات والمسارح والمنتزهات قد أضحت ميداناً للخلاعة والعري والتهتك على نحو باتت فيه السّفالة من العوائد وبات فيه الحياء والعفة من الجمود والرجعية.

وحسبي أن أشير إلى أن هذه الآراء التي صرَّح بها وجدي قد دفعت المؤرخين إلى الزج به في معيّة المفكرين المحافظين وتجاهلوا عقلانيته وواقعيته في التحاور والتساجل، تلك التي تشهد بصحتها الوقائع ونأسف على حدوثها ونجتهد في معالجتها اليوم.

فالاختلاط غير المسئول والتقليد الطائش للثقافات المغايرة والتهكم على الأخلاق التليدة والقيم العريقة قد دفعت الجنسين إلى مانحن فيه من انحطاط خُلقي وتسيّب اجتماعي.

ويمضى وجدى في تساجله مع دعاة تحرير المرأة في الشرق وتبرجها مثل الأوربيات, وأولئك الرافضين للعادات والتقاليد والحجاب المادي والمعنوي، يقول بلسان الإباحيين الذين وضعوا المحافظين في قفص الاتهام، مستشهداً بقولهم (أنتم تريدون أن تسجنوا المرأة, وأن تذلوها, وأن تستغلوا مواهبها, وأن تسلبوها استقلالها, وأن تجرّدوها من كل عمل تكسب به قوتها، وتحتل به مكانها تحت الشمس).

ويرد على ذلك بأنها كلمات جوفاء استخدمها هؤلاء الثائرون على نظام الطبيعة في استدراك النساء إلى الحياة الإباحية, ولايزالون يستعملونها لستر خطيئتهم الفادحة ... إنّ الناس يشهدون اليوم تدهوراً خُلقياً, وانحطاطاً أدبياً, لم يرى تاريخ البشر له مثيلاً, فإذا كانت حياة النوع البشرى لا تقوم الا بانغماسه في هذه المقاذر, فهوّن بها من حياة تموت معها جميع الغرائز الإنسانية الكريمة ... فأمّا ما يشنعون عليه من سجن المرأة واذلالها, وسلبها استقلالها, فتلك صيحات يقصد بها التهويل, وطمس معالم الحقائق) ومع ذلك فيبيح وجدي عمل النساء في أضيق الحدود شريطة أن توفر لهن الدولة أعمالاً تحفظ كرامتهن وتصون عفتهن وذلك عند الضرورة لاحتياجهن أو عدم وجود من يعولهن ويحميهن من شرِّ السؤال والفقر الذى يدفعهن إلى ارتكاب مالا يليق بحيائهن وحماية شرفهن ويقول (ولسنا ننكر أن المجتمع مهما بلغ في المحافظة على النظام الطبيعي حيال النساء فسيوجد منهن من يعوزها القوت, ولكن عدد المعوزات يكون قليلاً يمكن الحكومة الرشيدة من تدبير أعمال لهن تليق بكرامتهن).

 ونخلص من ذلك إلى أن محمد فريد وجدى قد التزم بقواعد المنهج الجدلي من حيث العرض والمعالجة للقضية التي تصدّى لها أعني حرية المرأة فقد قام بعرض رؤية المخالف بدقة وأمانة دون أدنى تحريف أو ازدراء له، وقد استند على الحجج العلميّة في دفعه لمبررات المخالفين فإشارته إلى تباين الثقافات واختلاف الثوابت والمتغيرات من عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى أضحى من الأدلة التي لا يمكن الشك فيها ولا يعاب على من يحتج بها ضد دعاة منكريها أو متجاهليها.

وتبدو موضوعية وجدي في عزوفه عن نقد دعاة التغريب وتقليل المرأة الشرقيّة للمرأة الغربية نقداً شخصياً أو اعتقادياً أو من منظور الدّين وحده، بل احتكم إلى مسلمة أخرى مفادها أن مقاصد المنظّرين والمتفلسفين لا يتحقق جميعها عند التطبيق ولاسيما في الأمور الخاصَّة بالدين والتربية والأخلاق والاجتماع، وقد استفاض في شرح هذا الدليل مستشهداً بأحلام الفلاسفة وخطابات المُصلحين التي أخفقت في تحقيق مقاصدها.

كما يمكنا أن نلاحظ التماسه العذر لقاسم أمين في دعوته لتحرير المرأة المصرية تلك الدعوى التي وصفت من قبل بعض المتشددين بأنها دعوة للتبرج والسِّفور والخلاعة وأنها تدعو للتهكم على تعاليم الإسلام. وقد ذهب إلى أنه ظلم نفسه عندما أراد أن تحاكى المرأة المصرية مثلتها الأوربيات في بعض مظاهر التحضر والمدنية مع إدراكه بأنها غير مستعدة إلى ذلك ولم تعد العدّة لممارسة تلك الحرية كما أنه ظلم نفسه أيضاً في التصريح في تلك الدعوى في كتابي لا يستطيع العقل الجمعي في مصر والشرق قبولهما؛ الأمر الذى مكّن خصوم قاسم أمين من التشكيك في دينه وولاءته واتهامه بمسايرة دعاة الحداثة من الأتراك والإنجليز والحقيقة أن الرجل بريء من هذا الإفك، وذلك لأن مقصده لا يختلف كثيراً عمّا دعا إليه رفاعة الطهطاوي والشيخ حمزة فتح الله (1849-1918م)، ويقول في ذلك (أن الدعوة إلى تحرير المرأة في مصر كانت فرعاً من تلك الدعوى نفسها في أوروبا, وقد أصابها هنا ما أصابها هناك, أي أنها أدّت إلى شرِّ محض, واندفعت في تيار لا يرجى الخير ممّن يندفع فيه, ولو كان المرحوم قاسم أمين بك حيّاً ورأى ما نحن نراه اليوم, لبرئ إلى الله منه, ولأهاب بالناس إلى الرعوى عما هم ماضون فيه.

 وللحديث بقيّة في محاورة أخرى

 

بقلم : د. عصمت نصَّار

 

 

اياد الزهيرياذا كان للخرافه ما يبررها في الماضي السحيق بسبب بدائية الأنسان العلميه والمعرفيه، حيث ليس بيده ما يعينه على تفسير الكثير من الظواهر الكونيه، التي وقع أمامها عاجزاً عن فهم كنهها، ولكن بعد التطور الهائل في المجال العلمي، وما وصلت اليه الأنسانيه من المعارف العلميه التي فكت ألغاز الكثير من الظواهر والتي بددت الكثير من الخرافات والأوهام التي أعتقد بها البشر لفتره طويله جدأ، فبات اليوم من غير اللائق الأيمان بالخرافه والتعلق بالأوهام، فالخرافه تمثل عجز فكري، والوهم يمثل عجز نفسي . من الملاحظ أن الأنسان المصاب بالوهم يكون أقرب للتصديق بالخرافه، لأن الخرافه هي في كثير من طبيعتها عباره عن وهم، فالأثنين يعبرون عن شيء غير واقعي، وليس له وجود خارجي، ولكن الوهم أقرب للحاله المرضيه، وهو عباره عن أضطراب ذهني، يقوم على أعتقاد خاطيء، مبني على أساس غير واقعي، حيث يتلبس الواهم بفكره فتدخله في نفق مظلم، يعيش خلاله في حاله من الهوس والأضطراب، يسبح في حاله من الخيال، مما يدفعه الى كثير من المتاهات والتي يتبعها العديد من السقطات، فترى الواهم، أنسان خائف مرتعب، شكاك، مصدق بشكل كبير للأشاعه،بل ويبحث عن الأشاعه أملاً بالحصول على خبر يطمئن عليه هلعه المزمن، فالأشاعه لا تقوم على أسس واقعيه كما هي الخرافه، لذلك فالواهمون والخرافيون يشكلون أفضل وسط للأشاعه.

أن الخرافه والأسطوره والوهم أمور مرت بها كل شعوب الأرض، ولكن هناك من الشعوب ما أستطاعت أن تنتقل منها الى أطوار أخرى تتسم بالعلم والمعرفه، وهذا تم بواسطة نهضه علميه ومعرفيه كبيره، فعاشت مرحله من النهضه والتنوير، وغادرت الخرافه والأسطوره الى غير رجعه، وأخذت هذه الشعوب فرصتها من التقدم والرقي في حين بقيت مجتمعات ولازالت تعيش مرحلة الخرافه والوهم معاً، وخاصه شعوبنا العربيه .

أن أهمية تناول هذا الموضوع يأتي من خلال ما تركته هذه الأعتقادات الخاطئه م آثار مدمره على مستوى الفرد والمجتمع والبلدان، فلطالما تلبس الكثير من الأشخاص في هذا اللون من الأعتقادات وحولتهم الى كائنات مشوهه، مريضه، قلقه، غير منسجمه مع المجتمع، بل متخاصمه معه، بسبب مما تحمله من أوهام وأعتقادات خاطئه عن الأخر، والأخطر عندما يكون هذا الشخص في موقع عام خطير كرئيس دوله أو رئيس حزب أو طائفه، حيث رأينا كيف عملت خرافة الجنس الراقي عند هتلر الى عقيده جعلته يشعل حرب عالميه على أساسها راحت ضحية هذا الوهم ملايين البشر، وتدمرت بلدان بكاملها، والأمر نفسه مع موسليني، وصدام حسين وقع كذلك بهذا الوهم وتخيل أنه القائد الأوحد لهذه الأمه، وتوهم بخرافة الخصوصيه الفريده التي تتمتع بها الأمه العربيه، وما دخله من حروب، وما مارس من قسوه، كانت تحت هذا المبرر الوهمي والخرافي، هذا الأمر نفسه ينطبق على أديان آمنت بخرافة أنهم شعب الله المختار، وما الشعوب الأخرى الا عباره عن خدم خلقهم الله لأجل خدمتهم، وهذه الخرافه هي السبب الرئيس لأضطهاد الشعب الفلسطيني من قِبل اليهود الصهاينه، وطرده عن أرضه بحجة أن اليهود شعب الله المختار،وأيمانهم بأوهام مملكة داوود التي تمتد من النيل الى الفرات، حتى أن كل ما تعانيه منطقتنا العربيه من أضطرابات وحروب، وما شهدته من مأساة كان ولا يزال السبب هو سعي أسرائيل الى تحقيق هذه الأوهام بقيام هذه المملكه الخرافيه . كما من الملاحظ هناك أنظمه وتنظيمات تستخدم الخرافه لأغراض تعبويه، فمثلأ الرئيس التركي أردوغان يمتلك وهم أسترجاع الأمبراطوريه العثمانيه، والعوده الى عهد السلطنه العثمانيه التي أمتدت الى مناطق واسعه في آسيا وأفريقيا وأوربا، وقد دفعه هذا الوهم الى تشجيع ودعم حركات متطرفه أرهابيه ذات صبغه طائفيه بالقيام بحروب طائفيه بسوريا والعراق، كما هناك تنظيمات، مثل الأخوان المسلمين والقاعده وداعش تحلم ببناء دوله الخلافه، هذا الحلم الذي حملته هذه التنظيمات هو بفعل وهم أن دولة الخلافه هي النموذج المثالي للحكم، وأن الذين شيدوها أناس مقدسين، لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، فقد سمحوا لأنفسهم بتقطيع الرقاب، وأزهاق الأنفس، وتدمير البلدان من أجل الوصول الى دولة الخرافه الداعشيه، في حين أن قيام الدوله وأختيار نوع النظام السياسي ليس من أركان الدين، وأنما هو نموذح حكم أجتهد في أقامته مجموعه من المسلمين وأنطلاقاً من أجتهادهم، ووفق ما أجادت به أفكارهم، وما سمحت به ثقافة ذلك العصر، وهو شكل متغير وليس ثابت فللزمن بصماته وللتطور آثاره في شكل النظام السياسي .

نحن لو دققنا لرأينا أن ما أَكتب في التاريخ كان له الأثر الكبير في بروز ظاهرة (حمى التاريخ)، هذه الحمى التي كان السبب في نشؤو ها و ما وضع من أوهام وخرافات كثيره كانت بسبب الصراع السياسي بين المتخاصمين، ولا ننسى ما وضعه أصحاب الأجنده الخبيثه، فأصبح تاريخنا مصدر من مصادر الصراع الدامي، وذلك في خلق عقليه تخاصميه في المجتمع الواحد، كما أن خلق رغبه لثقافه أرتجاعيه، بأن يعيش المجتمع التاريخ، ولم يستنطقه، ويأخذ العبر منه، وبما أن تاريخنا فيه الكثير من التزوير والتزيف، وهناك رغبه عارمه بتقديسه، وتقديس شخصياته التي بعضها شخصيات وهميه، لذى تحول التاريخ عندنا الى كابوس أفسد علينا حاضرنا، وسيضيع علينا مستقبلنا، فلو أخذنا على سبيل المثال الشخصيه الوهميه عبد الله بن سبأ، المبتدعه من المدعو سيف بن عمر، وهو شخص متهم بالوضع والكذب . هذا الوضاع قد أنتج هذه الشخصيه الوهميه من أجل التأسيس لفكره يشق بها عصا المسلمين، وهي فكره غايه بالذكاء، حتى ان تداعياتها لا زالت لهذا اليوم، ومن أهدافها هو أن تكفر طائفه مسلمه طائفه أخرى تحت دعوى أن هذا الرجل (عبد الله بن سبأ) رجل يهودي يناصر علي (ع) وهو من ألب على عثمان بن عفان وسبب هدر دمه، وهو من دعى الى بطلان خلافة الخلفاء الثلاثه، وأن علي ع هو أحق بها من غيره، وكأن رسول الله لم يكشف عن أمكانيات علي (ع )وأسبقيته وكفاءته . فكانت صناعة هذه الشخصيه التاريخيه أحد المفخخات التي وضعت في طريق المسلمين، وهي التي أدامت فرقتهم، وسعرت نار البغضاء والحقد بين صفوفهم، وكل ذلك كان بسبب عدم أستقراءهم وتمحيصهم للتاريخ، فوقعوا في حبائل الوضاعين وأصحاب الأستراتيجيات والأجنده المشبوه، كما هناك أمر في غاية الخطوره الا وهو التقديس المبالغ فيه الى بعض الشخصيات، وتحويلها بسبب التقادم التاريخي الى قديسين، فعلى سبيل المثال لا يمكن بأي حال من الأحوال التأشير أو أبداء الملاحظه على أي شخصيه أكتسبت صفة الصحبه لرسول الله ص، في حين بالحقيقه هناك الكثير من الملاحظات والشكوك على الكثير منهم، فعلى سبيل المثال لا الحصر أن هناك ملاحظات على سياسة أبو بكر الصديق أيام خلافته في حروب الرده وما سالت من دماء على يد قائده العسكري خالد ابن الوليد الذي قتل مالك بن نويره وأستباح شرف زوجته، كما أن سياسة عثمان بن عفان التي أتسمت بالفساد المالي والأداري وما صاحبها من ردود فعل لعامة المسلمين والتي سببت في قتله، بالأضافه لما فعله معاويه وما فعله من شق عصا المسلمين وتمرده على الخليفه الشرغي علي بن أبي طالب ع، وما أحدثه من أنحراف في تحويل النظام الشوروي الى نظام حكم ملكي وراثي . أن تاريخنا فيه الكثير من التجاوزات التي وصلت لحد الأجرام والسفه، وتحولت أحداثه بفعل نظرية التمجيد الى أحداث مقدسه وشخصياته الى قديسين، مهما كانوا موغلين بدماء الناس من أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي، وخالد بن الوليد، وزياد بن أبيه وأبو عباس السفاح وغيرهم من سفاحي الدماء، تحولوا بفعل القداسه المزيفه الى قديسين وأبطال تاريخيين، حتى تحولوا الى قدوه حسنه للأجيال القادمه مما ساهمت هذه النظره في تأسيس منظمات أرهابيه على قاعدة تقديسهم من أمثال منظمة القاعده الأرهابيه وداعش والنصره، وبوكو حرام وغيرها من المنظمات الأرهابيه . أن التاريخ لعب دوراً سلبياً بل قاتلاً في مسيرة شعوبنا العربيه، وهو أحد أهم أسباب تراجعها الحضاري، وأحد أسباب تكلسها الفكري، لذى بات من الضروري مراجعة هذا التاريخ، والعمل على أعادة كتابته، والقيام بنهضه علميه لمراجعته، وغربلته مما لصق به من أوهام، وأخضاعه لعمليه نقديه تتسم بالشجاعه لنخرج بتاريخ نستعين به في بناء حاضر مزدهر ونرسم مستقبل زاهر لأجيالنا المقبله، وأن نفكك هذه الذاكره التاريخيه المحمله بالمتفجرات الخطيره، لكي نرفع ما زرعته الأجنده الخبيثه من عبوات ناسفه في طريق مستقبل أجيالنا، وهذا يعتبر أكبر عمل يمكن أن يقوم به من يهمه أمن وسلامة المنطقه عامه وبلدنا خاصه، وكما تقول الدكتوره غريشن آدمز استاذة التاريخ في جامعة تكساس (من أجل بناء مستقبل جديد، نحتاج الى بناء ماضي جديد).

 

أياد الزهيري

.............................

4م. محمد الشمري، علاء شيك och 2 andra

 

قاسم محمد الياسريالنفس متمكنه في الانسان أكثر من العقل وهي وعاء الرغبات والشهوات ونحن بني البشر حبيسو رغباتنا كلما زادت رغباتنا زادت مشاكلنا ..والحياة تحاصرنا فلو تفحصنا رغباتنا وركزنا فقط على المهم منها وحررنا عقولنا من رغبات النفس المستحيلة نتيجة عوامل خارجيه لا يمكننا السيطره عليها وسط شعورنا بالاختناق والمحاصره ففي سياق سعينا لتحقيق رغباتنا ينتابنا الشعور بالألم الشديد والإحباط بإيعاز من العقل الذي يمنعنا من الوصول والحصول على تلك الرغبات ونتيجة الصراع مع العقل يبقى الاصرار في رغبتنا وسط تكيف اجتماعي وثقافي يستغل احتياجاتنا الحيوانيه الطبيعيه الاساسيه للغذاء والملبس والجنس والمأوى والسلامه فنشوهها ونحرفها بأشكال مظلمه وبإفراط من الجشع والحسد والخوف من المجهول الذي يشكل أساس لمعظم معاناتنا ..ففي النفس البشريه مكبوتات.. وفطرية العقل وشهوة النفس هما شجرتان متضادتان مختلفتان ومتباعدتان في الانسان وعلى هذا الاساس تأسست الإحتياجات والبواعث والميول الغريزيه والشهوانية فيهما فالانسان الذي يحكم عقله له رغبات وميول غريزيه وشهوانيه بين مشتركات هاتين الشجرتين وهي مشتركات بين الانسان والحيوان تحت سيطرة الشهوه التي ثبت وجودها عند الحيوان وعند الانسان الذي يسيطر عليه العقل الذي يتمييز بمميزات الانسان وهنا فلابد من سيطرة العقل على الشهوه ..فالرغبات عند الانسان وجميع بني البشر تؤثر في حياتهم وأهم هذه الرغبات هي رغبة السعاده الابديه التي لها علاقه وثيقه بإرضاء البشر لرغباتهم ففقدان الانسان لرغبة من رغباته التكامليه يؤدي الى ظهور إختلالات واضطرابات نفسيه إرتكاسيه وافتقاديه للرغبات تؤدي الى ظهور وبروز آثار بدنيه وأمراض مثال ذالك نقص الحديد في الجسم الذي يؤدي الى فقر الدم ونقص اليود الذي يؤدي الى تورم الدرقيه علما بان نقص اي فيتامين يؤدي الى حصول حالات واضطرابات خاصه في جسم الانسان وعلى هذا الاساس ان حصل نقص في واحده من الرغبات قد يؤدي الى ظهور اضطرابات أواختلالات نفسيه إرتكاسيه لذا يسعى الانسان الى إشباع رغباته لتلافي هذه الاضطرابات أوالاختلالات ففي هذا العالم نحن بني البشر مكيفون للاعتقاد ان الاشياء التي نسعى لها ونرغب بها ستجعلنا سعداء لكننا نادرا ما نحصل على السعاده على المدى الطويل فهذا الوهم المصنع الذي تصنعه رغباتنا يقتله الملل أحيانا ونحن نعيش كل يوم في دورة السعي وراء رغباتنا للاشياء والكسب والرضا الوجيز ومن ثم العوده لنفس الدوامة مع المزيد من المعانات وقد نكون قادرين على الرؤيه الصائبه من خلال رغباتنا والى ما ورائها وبمعنى آخر قد نكون قادرين على معرفة كيف تشكل رغباتنا المقام الاول في ذواتنا وهذا يعني أننا بشر ..إذا الأمر ليس مرتبطا بنبذ جميع الرغبات وإنما بالسعي وراء تلك الرغبات التي تستحق فلو قلنا فرضا أن الحريه وراحة البال هي المسعى الاول بغض النضر عن وضعنا الذي نحن فيه ما يعني أنه كلما قلت رغباتنا صار تحقيق الحريه أكثر سهوله وهكذا نجد أنفسنا اننا حبيسوا دوامة رغباتنا.. فعند شعورنا بالحصار والإختناق بإفراط في تفكيرنا وفي أي وضع من رغباتنا الغير مرغوب فيها يزيد من صعوبة تحملنا ويخلق لنا المزيد من المشاكل والصراعات بين النفس والعقل وهذا لا يعني أننا يجب أن لا نفكر في الطرق العمليه لخروج النفس من هذه المواقف والافكار ولا نعذب أنفسنا بأفكار لا تخدم غرض الخروج ومغادرة الحصارلأن 90% من الأفكار التي تدخل عقولنا خلال اليوم الواحد لا تخدم الغرض أو الرغبه التي نطمح لها .. وهكذا هو حال الأشخاص الأذكياء في خصائصهم الشخصيه المشتركه أنهم مفرطون في تفكيرهم حيال كل شيئ في عالم اليوم العالم الحديث لسوء الحظ ..فلكي نخرج من جحيمنا أحياء علينا أن نعيش ببساطة الأحمق.. وغلينا اليوم أن نروض عقولنا وأن نعرف كيف نستخدمها ولا نجري وراء رغباتنا الفطريه وشهوات أنفسنا أي أن لا نكون أغبياء تماما ولا نفكر حتى في اللا شيئ الذي ليس أمامنا وهذا هو التحدي الحقيقي فيجب علينا إنقاذ أنفسنا من أنفسنا ..وأن نكون بسطاء لا أن نكون أغنياء عن فعل السلوك السوي وبمعنى آخر علينا أن نكون جاهزين لمواجهة الحياة والحصول على رغباتنا التي تتوافق مع العقل لنيل الحريه والسعاده الأبديه وفق مبدأ توجيه العقل للتركيز على الحلول لا على جحيم المشاكل والتصادم بين الرغبات والشهوات النفسيه التي تتعارض مع منطق العقل وبهذا يمكننا أن نتحرر من حصار الحياة ونحقق رغباتنا المنطقيه ..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

قاسم حسين صالحيستهدف هذا النص والذي يليه معرفة ما افسده النظامان الدكتاتوري والديمقراطي في الشخصية العراقية، والتنبيه الى ان الامور في السياسة والمجتمع لن تستقيم ما لم تكن اولى مهماتنا اصلاح ما افسده النظامان في الشخصية العراقية، فضلا عن ان فيهما شهادات لاحداث تهم المؤرخين المعنيين بتاريخ العراق الحديث، وتوثيق للأجيال علّهم يلتقطون العبرة منها.

الشخصية العراقية زمن النظام الدكتاتوري

كنت قضيت ربع قرن في تدريس مادة (الشخصية) فوجدت ان النظريات التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف (يعني الشجاع يبقى شجاع طول عمره) لا تنطبق عليها، وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية، العراقية والعربية،  تجاهلت تأثير السياسة (السلطة) في الشخصية، وأن متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية يقدّم اضافة معرفية عراقية لعلم نفس الشخصية (العربي والعالمي) نصوغها بما يشبه النظرية هي:

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان للنظام السياسي الدور الرئيس في هذا التغيير).

سنقارن هنا سلوك الشخصية العراقية عبر نصف قرن في الزمن الممتد بين نظامين: الدكتاتوري (35سنة) والديمقراطي (17سنة).. لنثبت صحة ما حصل، آخذين بالاعتبار أن ما نشخّصه فيها لا يستوفي صيغة التعميم ولا يشمل كل المواقف، انما الغالبية من العراقيين والشائع المؤثر من المواقف.. فضلا عن انه ليس من الصحيح علميا وعمليا القول بوجود شخصية عراقية واحدة تمثل المجتمع العراقي لتنوع مكوناته التي ينفرد بها في المنطقة.

في متابعتنا لنظام صدا حسين (23 سنة) وجدنا انه احدث اربعة انواع بارزة من الشخصية العراقية، هي: السادية، الماسوشية، المقهورة، والمتمردة او(الثورية).

كانت السادية قد تجسدت بأقبح وأفضع اشكالها في شخصية صدام، بل انه كان سيكوباثيا باستخدامه العنف القاسي مع الخصوم من فيهم رفاق دربه. والحق، ان صدام حسين ما كان أول حاكم سادي في العراق، فالسلطة فيه مارست عبر أكثر من ألف سنة مختلف الأساليب التي تجعل الناس ينظرون إلى " الخضوع " بوصفه حقا لها وواجبا عليهم، ويتقبلون آلامهم ولا يشكونها حتى لأنفسهم، ليتحقق من خلالها (معادل نفسي) طرفاه "السادية " و"المازوشية " يمنح السلطة الشعور بالاطمئنان على ديمومتها.

ولقد بدأ تدجين العراقيين على السلوك المازوشي في سبعينيات القرن الماضي، آخذا شكل الترغيب والترهيب للانتماء إلى حزب البعث،  ثم الإجبار على الالتحاق بالجيش الشعبي.

وعسكرة الناس الذي يعد من أعلى الممارسات في (معادل) السادي – المازوشي بين السلطة ورعاياها، والمبالغة في أساليب إذلال الناس وتحقيرهم، أقساها.. أخذ ثمن الطلقات من أهل المعدوم الذي تم بها قتله،  وعدم السماح بإقامة مجالس العزاء للذين تعدمهم السلطة،  والإعدام في الساحات العامة للهاربين من الجيش.. فضلا عن انه خلق حالة من الخوف والرعب الجمعي والرقابة الأمنية المؤسسية والحزبية،  وأوصل الفرد العراقي إلى أقصى حالات اليأس المتمثلة بتوليد يقين لديه بأن تقرير مصيره بيد السلطة وحدها التي لم تستطع أن تطيح بها ثلاثة حروب كبيرة وحصار شامل لثلاثة عشر عاما. حتى " البطاقة التموينية " كان لها دور سيكولوجي في إشاعة المزاج المازوشي بتوليد وتقوية الشعور لدى المواطن بأن الدولة هي التي تطعمه وهي خيمته التي يستظل بها،  وأن عليه أن يخضع لها حتى لو كانت ظالمة.

بل ان "الحملة الإيمانية " أيضا كان لها هدف مازوشي هو توجيه المواطن نحو التذرع بالصبر على ما أصابه من محن وفواجع،  والشكوى لله وكبت شعور التذمّر من السلطة التي هي سبب محنه وفواجعه. والمفارقة انه نجم عن المبالغة في ممارسة السادية من قبل السلطة،  مبالغة في ممارسة المازوشية بين الناس،  وكبت ملأ الحوصلة،  وحقد يغلي من الداخل ينتظر لحظة الانفجار ليشفي غليله في انتقام بشع.. وقد حصل!.. من قبل الشخصية المتمردة (الثورية) التي اوجدها ذلك النظام بين أفراد الأسر المنكوبة بضحاياها بشكل خاص.فلقد شهدت بأم عيني كيف وضعوا اطارات السيارت حول رقاب بعثيين وأحرقوهم وهم احياء يوم عاد الجيش مهزوما بحرب الكويت.

ولقد انتج النظام الدكتاتوري اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني مصطفى حجازي يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والمبالغة في تعظيم السيد اتقاء لشرّه او طمعا في رضاه.ويضيف حجازي ان ما ينجم عن هذه العلاقة هو تغذية نرجسية السيد لمزيد من تضخيم اناه وجعل الانسان المقهور تابعا له واداة في خدمته.. اذ لا اعتراف الا بأنا السيد ، لا حياة الا له ، لا حق الا حقه.. وينتهي الامر بالانسان المقهور الى الاستكانة والاستسلام والتبخيس اوالحط من قيمته كانسان يعاني كل انواع الحرمان.. لكنه ما ان يجد السيد قد ضعفت سطوته او فقد هيبته او اطيح به ، فان ما كان مكبوتا بداخله ينفجركالبركان.. فيدفعه انفعاله الى الانتقام من كل ما يحسبه انه للسلطان.

وكان ان نجم عن ذلك انتهاك الملكيتين العامة والشخصية.فبعد هزيمة جيش النظام بغزو الكويت (1991)، وسقوط السلطة في اغلب المحافظات العراقية، وجهّت ضربة جديدة للمنظومة القيمية في المجتمع استهدفت الملكية العامة المتمثلة بمؤسسات الدولة، تبعها حصار نجم عنه انتهاك قيمة احترام الملكية الشخصية،  اذ شاع في تسعينيات القرن الماضي حالات السرقة بشكل عام، وسرقة السيارات المصحوبة بالقتل. وكنت اجريت وقتها دراستين، التقيت في الأولى بعدد من مرتكبي جرائم السرقة بسجن ابو غريب، وتحاورت معهم في جلسة (ديوان) عن الاسباب التي تدعوهم للسرقة، فاجابوا انها العوز والفقر وعدم وجود مصدرعيش لهم ولعوائلهم.وحين سألتهم: ماذا لو اطلق سراحكم الآن؟ أجاب خمسة منهم انهم سيسرقون اول سيارة يرونها في الشارع!. اما الدراسة الثانية فقد اجريت على عصابة من ستة اشخاص قامت اواسط التسعينيات بسرقة سيارات (سوبر ياباني تحديدا) وقتل اصحابها.وكان زعيمها في الثامنة والعشرين قتل ستة اشخاص واخذ سياراتهم. وحين سالته: لو انهم البسوك البدلة الحمراء واقتادوك فجرا الى الاعدام فعلى ماذا ستندم؟ ، اجابني: اندم لأنني لم اقتل اكثر!.

ان الضربة الموجعة التي استهدفت قيمة احترام الملكيتين العامة والشخصية بسنوات الحصار.. تبعتها ضربة اوجع على نفس الهدف في 9/4/2003.. ومابعده شكلّتا احد اهم اسباب الفساد المالي الذي نقل العراق الى مواقع الصداره بين الدول الفاسدة.

وباستثناء الشخصية العراقية السليمة التي ظلت متماسكة في منظومتها القيمية، فان معظم الشخصيات التي استلمت السلطة(سلّمت لها من المحتل- المحرر) هي من الشخصيات التي تعاني الشعور بالقهر والظلم والحيف والجور.. وجدت الفرصة لتنطلق منها الشرور.. ضد المستبد واجهزته القمعية واتباعه اولا.. ثم ضد الأخوة الذين حولّهم صراعهم على السلطة والثروة الى اعداء.وكان ان حدثت تحولات كبيرة في الشخصية العراقية بالزمن الديمقراطي تثبت صحة نظريتنا ان سلوك الشخصية ليس ثابتا ومستقرا عبر الزمن والمواقف وان نوع النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير.

*

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

صالح الفهديكثيرون أُصيبوا بجنون الشهرة لأغراضٍ شتَّى، على رأسها كسبُ المال، والتمتُّع به، والمفاخرة بثروته، وهؤلاء أصنافٌ عديدةٌ لا يُستثنى منهم بعض رجال الدِّين، شاركوا غيرهم في شراء متابعين وهميين ليعظموا في أعين متابعيهم الحقيقين، ولتكون لهم الحظوة الأكبر في المجتمع، والسطوة في الظهور الاعلامي، والهيبة في الحظور الاجتماعي..!

الذين يمتلكون الفضيلة، والنوايا الحميدة لتقديم الأعمال الصالحة للمجتمع لا يسعون إلى الشهرة، فإن اشتهروا فذلك لأن أعمالهم نطقت، أو لأن حسَّادهم نطقوا كما يقول الشاعر أبوتمام:

وإذا أراد الله نشرُ فضيلةٍ .. طويتْ، أتاحَ لها لسانَ حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت.. ما كان يُعرفُ طيبُ عرف العودِ

أمَّا من يدَّعون أنهم يريدون الإصلاحَ، وفعل الخير بينما هم في حقيقتهم يقصدون الشهرة ومآربها الزائفة فهؤلاء يصدقُ فيهم قول الإمبراطور نابليون بونابرت:"من لا يمارس الفضيلة إلا لاكتساب الشهرة كان أقرب إلى الرذيلة"، وفي سياقهم يأتي أولئك الذين يفعلون من أجل عين الشهرةِ ما لم يأتِ به الأوائل، لأنهم أدركوا قاعدة "خالف تُعرف" وليتهم خالفوا ليبدعوا، وينفعوا الإنسان بعملٍ مبتكر، مستحدث، يغيِّر سلوكاً، أو يُصلحُ معضلةً، أو ينتجُ ما يحسِّنُ من معيشةِ البشر، بيد أنهم خالفوا لتسوء أعمالهم، وتخسفَ أخلاقهم، وتنتكس قيمهم، فلا قيمة لأنفسهم في أنفسهم، ولا قدرَ لسمعتهم في مجتمعهم، ولا وزن لكرامتهم في وطنهم إذا كان ذلك يكسبهم شهرةً عظيمةً دون أن يكترثوا لصنفِ هذه الشهرةِ وطبيعتها، إنَّما الإثارةُ في حدِّ ذاتها هي ما يبهجهم، ويفرح أنفسهم، وسيَّان بالنسبةِ لهم إن تحدث الناس عليهم بخير أو بشر، فذلك ما سيزيد من شهرتهم، ويرفع من منزلتهم، وهم يعلمون أنهم على سوءهم فإنهم أينما توجهوا يتزاحم الناس عليهم ابتغاء التقاطةِ ذكرى معهم يتفاخرُ بها الناس المهووسون بكل من هو أهبل مشهور، أو أخبل شائعٌ إسمه، وهم يعرفون أن الناس ستنسى بعد حينٍ فضائحهم، وسخافاتهم، ورذائلهم، وهم على كل ما قيل فيهم من مساويء محتفظون بمكانتهم بين شرائح في المجتمعات تذمُّ تصرُّفها، ولكنها مستمرةٌ في متابعتها، وهذا ما يسهم ضياع المفاهيم الأصيلة للمجتمع، يقول جون فيشر:" مجتمعاتنا يتم تخريبها بإصرار الدعاية على هذه المعادلة: الشباب يساوي الشهرة، والشهرة تساوي النجاح، والنجاح يساوي السعادة".

من قصص الشهرة العمياءِ ما فعله شاب وزوجته من المهووسين بالشهرة في إخافة ابنتهم حين تنكرت الأم بمكياجٍ مخيفٍ، فظهر وجهها مرعباً، أفزعت به ابنتها، فاختلط في المشهد صراخ الطفلة بضحكات الشاب الذي كان يصوِّرُ والأم التي كانت ترعب ابنتها، وسرعان ما تحركت الجهات المختصة بحماية حقوق الطفل لتقلي القبض على الزوجين، ثم يُفرج عنهم بتعهدات معيَّنة.

وفي هذا السياق السخيف نفسه، يظهر أحد المهووسين بالشهرة ممن اشتهروا بتدبير المقالب بينه وزوجته وهو يدبِّر مقلباً ليسقي زوجته كوباً من الماء القذرِ جلبه من الصرف الصحي، يقدمه على أنه شاي، ولم يكن يعنيه تقزز المتابعين من المنظر، ولا تعنيه الكرامة الإنسانية، بقدر ما يعنيه أنه يفعل أمراً خارقاً ينالُ به شهرة، ولكن المشهد ينتهي به في أروقة مؤسسات قانونية..!

واستذكرُ هنا قصة الشاب الذي تفتق ذهنه عن فكرةٍ رهيبة لم يسبقه إليها أحد من قبل بعد أن نفدت الأفكار من ذهنه، فطلب من صديقته أن تطلق النار على كتابٍ يضمُّه في صدره، فإذا بالرصاصة تخترق الكتاب لتنفذ إلى صدره، فترديه جثةً هامدة، وتنتهي قصة الشهرة..!

ولا يزالُ هؤلاءِ يبتدعون كل يومٍ قصَّة لم يسبقهم إليها أحد، فلا أبقوا شيئاً من فواحش إلا فعلوها، ولا حيلاً إلا نفذوها، ولا مقالبَ إلا دبروها، وهدفهم الأول والأخير أن ينالوا شهرةً يرفعوا بها عدد متابعيهم، فيجنوا من ورائهم الأموال، ويسدوا النقص النفسي الذي يعانونه في أنفسهم.

وأمرُ الشهرة الفارغة ليس حديثاً فقد روى الإمام ابن الجوزي (510 هـ _ 597 هـ) قصة وقعت أثناء الحج في زمانه، إذ بينما الحُجَّاج يطوفون بالكعبة، ويغرفون الماءَ مِن بِئر زَمْزَم، قام أعرابي فحسر عن ثوبه، ثم بال في البئر والناس ينظرون، فما كان من الحجاج إلا أن انهالوا عليه بالضرب حتى كاد يموت، وخلَّصه الحرس منهم، وجاؤوا به إلى والي مكة، فقال له: قبَّحك الله، لِمَ فعلتَ هذا؟. قال الأعرابي: حتى يعرفني الناس، يقولون: هذا فُلان الذي بال في بئر زمزم ! .

لا يزالُ هؤلاءِ التافهون يملؤون منصات التواصل الاجتماعي بالأفعال الشاذة، والسلوكات المنحرفة ليحصدوا مزيداً من شهرة خاوية، وسمعة جوفاء، فلا تعنيهم أخلاقٌ ولا سمعةٌ ولا قيم، فإن لم تردعهم القوانين التي تحمي هويات الشعوب، وخصوصياتها الأخلاقية فإن تماديهم لن يتوقف عند حدٍّ معين، فالسباق بينهم على أشدِّه؛ من يشطحُ أكثر يشتهرُ أكثر، وكل ذلك على حساب أخلاقياتنا التي توارثناها أباً عن جد، وعلى حساب القيم المثلى لمجتمعاتنا.

 

د. صالح الفهدي

 

 

 

الكلمةُ أوّلُ كل قضية وآخرها. بكلمة (الفتق) أُفتُتِح خلق الكون (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[1]، وبكلمة(الطي) يُختتم (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .[2]

وبكلمة (لا تقربا)) ابتدأت قصة حياة آدم وحواء في جنتهما الأولى، (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[3] ، وانتهت بكلمة (فأكلا) التي بها شرعت حياتهما على الأرض (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)[4].

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِين)[5] .

بكلمة (كن) ابتدأت قصة خلق الإنسان ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)[6] ، وبكلمة (الموت) تنتهي (ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ)[7].

بين كل هذه الكلمات، وفي الكتب والصحف المقدسة فضاء شاسع من كلمات الله التي لا حدَّ لها ولا مدّ (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[8]

هذه كلمات الله، وبعدها تكوّنت كلمات خلقه من حي، وجماد كل بحسبه.

ويحق لنا التساؤل: هل للجماد من كلمة؟

في مقال سابق أشرنا الى وجود خطاب صامت لدى الجمادات عبر القرآن الكريم حيث قال جل وعلا فيه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)[9] .

وأثبت علم الفيزياء قابلية التحاور والاستجابة عند الجمادات، وكيف يمكن للمكان أن تكون له قابلية جذب أو نبذ لساكنيه عبر بثه أمواجا صوتية غير مسموعة إيجابية أو سلبية حسب نوع الطاقة المُسَلّطة على جدران المكان من قبل الإنسان، وهو ما يفسّر لنا سرّ الجلال المتجسّد في دور العبادة ومراقد القديسين، ففضاؤها قد تشرّب بذكر الله تعالى المتوالي الممتد في تلك الأماكن وعبر الأزمان، وبالنتيجة يحدث تحاورٌ خفي صامت بينها وبين مرتاديها، فيتجلى الهدوء والسكينة والطمأنينة، لذلك تسكن النفوس وتهدأ حينما تلج تلك الأماكن.[10]

أما كلمةُ الإنسان الناطق العاقل والأكرم من باقي مخلوقات الله فقد  كانت أُولاها لآدم وحواء معا؛ فالرأي البشري كان فيه لونان متضادان الإيجابي والسلبي؛ الطاعة والمعصية غير أنه مقبولٌ ومتفقٌ عليه لا اختلاف فيه. آدم وحواء حينما اختارا رأي الطاعة للرب كان رأيهما موحدا؛ فاتفقا على أن يكونا على مسافة من شجرة التفاح؛ فأحيتهما في جنة وارفة وسعادة غامرة، لكن بزلّةٍ حدثت بتأثير من الشيطان اتفقا على نقض العهد مع الرب ورفْض رأي الطاعة الذي استحال الى المعصية؛ فاقتربا من الشجرة وأكلا منها، وكانت علة هبوطهما من الجنة الى الأرض. آدم وحواء اتفقا معا في قبول رأي الطاعة وأيضا في رأي المعصية؛ لكن بمجرد هبوطهما من الجنة وإنجابهما قابيل وهابيل اختلف الرأي البشري وانشطر تبعا له الخطاب الآدمي/الحوائي الى شطرين؛ مُختلَفٌ وغير مُتّفقٌ عليهما؛ الصحيح وغير الصحيح، السوي وغير السوي، الصائب والخاطئ، والطيب والخبيث-حسب تصنيف القرآن الكريم - للخطاب الإنساني حيث قال:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)[11]، والآيات صَنّفت الكلمة الى نوعين الطيبة والخبيثة.

الانشطار في الخطاب البشري تجلى في الآية الكريمة(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[12] .

الكلمة الخبيثة الخاطئة سبقت الكلمة الطيبة الصادقة نطقها قابيل(َلأَقْتُلَنَّكَ)؛ والطيبة ردت جوابا على الخبيثة وبدأها هابيل بقوله( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ).

كلمة قابيل الأولى ( لأقتلنك) منها انبثق سيل من كلمات خبيثة انطوت على ألفاظ ذات المعاني المتباينة والمترادفة ، فكان منها:

الخطأ، الكذب، الكفر، القسوة، الحقد، الحسد، الخبث، الكراهية، الظلم، الباطل، الاستبداد، الاستهتار بالقيم، سوء الخلق، التكبر، العلو، الغرور، الجبن، الخنوع، الفساد، السرقة، الخيانة، الرياء، عبادة الذات وملذاتها، الهشاشة، البخل، الشقاء، الرذيلة، الظلام، العنف، الدكتاتورية، الحرب، القتل...الخ.

ومِن (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) انبثق منها سيل من كلمات ذات المعاني المتباينة والمترادفة فكان منها:

الصواب، الصدق، الإيمان، المحبة، الرقة، السلم، العدل، الحق، الالتزام بالقيم، سمو الخلق، التواضع، الصلاح، الأمانة، ترشيد عبادة الذات، النقاء، الكرم، الجود، السخاء، الفضيلة، الشجاعة، الصلابة، التعاون، السعادة، الديمقراطية، عدم إراقة الدم..الخ.

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة محوطتان بكلمتي (نعم، ولا) المعبّرتين عن القبول أو الرفض...كلمتان خفيفتان بالنطق صعبتان بالانتقاء، وكل منهما مسؤولية ثقيلة حين الاختيار لأي منهما في مجال الصواب والخطأ.

بواكير الوجود الإنساني شرعت بكلمة

حياة الإنسان تقبع تحت سردق فيه يدور صراع بين كلمات الصواب والخطأ،  والإيجاب والسلب، والكلمات السوية وغير السوية.

وجود الإنسان هو تاريخه بماضيه وحاضره ومستقبله؛ وكله رهنُ سيلٍ فياضٍ من كلمات الصواب والخطأ؛ فكلمة الصواب تؤوب به نحو الاستقامة، وهدوء النفس، والسكينة، وبناء المستقبل، وتشييد الحضارات؛ وكلمة الخطأ تؤوب به نحو القلق، والألم، والأسى، والفساد، والدمار، والحروب، والقتل، والشقاء، وتدمير الحضارات والأوطان، كما شاهدنا ونشاهد في الماضي والحاضر، وما يحمله المستقبل، وكل ذلك مرهون بمشكلة الاختيار بين كلمتي (نعم، ولا) لكل هذا المنجم الكبير لكلمات الإيجاب والسلب.

وعجبٌ للكلمة ووقع وعمق أثرها على المصير البشري.

عن أهمية الكلمة يمكن تسليط الضوء على إحدى زوايا حياتنا.

المنزلُ زَمكانُنا الأول الذي تلقينا فيه مبادئ وأسس التربية والتهذيب القائمة كلها على بث الكلمة الطيبة والصائبة؛ لتؤوب بنا نحو سبل الخير والجمال والفضيلة في زوايا وخفايا حياتنا، حيث كنا في حقبة الطفولة والصبا...مرحلة اللانضج والتيه والضبابية بالبصيرة، وقد حمل مربونا مسؤولية تحكيم القيم الايجابية المتمثلة بالخير والجمال والفضيلة واجبة القبول، وإقصاء القيم السلبية المتمثلة بقيم الشر والقبح والرذيلة واجبة الرفض، واختصروها بكلمة (نعم) لكل ما هو إيجابي وأبيض ويضيء بنوره دروب الحياة، و(لا) لكل ما هو سلبي وأسود ومشين ويظلم بعتمته الحياة.

فكلمة (لا)؛ التي تسبق أي فعل نروم القيام به، ولا نعلم بماهيته، سيئا كان أم حسنا، لكن بمجرد سماعها عن مربينا ينتابنا الخوف أولا، ونفهم أنه فعل غير سوي، ولا نرتكبه ثانية، وإن ارتكبناه فضولا، أو عنادا، أو تطفلا فقد يصيبنا أثره السيء، أو نُعاقَب عليه.

مربونا في المنزل والمدرسة حملوا براءة وعفوية ونقاوة زمانهم الذي كان لا يخلو من الشرور ولكن الخير كان موجودا.

حين سمعنا (النعم واللا) عن مربينا حملناها أمانة في أعناقنا الى شاطئ آخر عبر مسيرة حياة حبلى بكم هائل من مسؤوليات بإيجابياتها وسلبياتها، واستأنفنا مسيرة الآباء في تنشئة الأبناء وفق كلمة(نعم) لكل أبيض وخير وصلاح، وكلمة(لا) لكل أسود وشر وفساد، واصطدمنا بواقع فيه من الأسواء الشيء الكثير، وكنا نجهل مواجهتها؛ كونها من المحرمات التي لا يجوز ارتكابها عند مربينا الذين تشكّل وعيهم الاجتماعي على الكلمة الصائبة (نعم) للفضيلة، و(لا) للرذيلة. وحين نضوج قوانا العقلية والنفسية بعد تقدمنا في العمر وما أملته علينا تجارب الحياة، وبلوغ بصيرتنا أرقى درجة من الوعي أفضت بنا الى إبصار الحياة ناصعة بجزئياتها بنظرة نقدية تحليلية، وصارت ال(نعم، واللا) المقوم الأساس في تصحيح بعض من مسارات حياتنا الشخصية الحاضرة والمستقبلية؛ فأخذت بنا الى انتقاء الخيارات الصحيحة، وتشخيص الأخطاء، وحذفها. نحن سادة أفكارنا لتقبل الصالح والصحيح في مسيرة حياتنا ب(نعم)، ووضع صمام أمان من(لا) لصد الطالح عنها اذا توفّرنا على كل موجبات النشأة والتربية الصحيحة المتينة.

ويستأنف أبناؤنا من بعدنا منهاجهم التربوي على كلمتي (نعم، ولا)، وهكذا تمضي الحياة بالأجيال على امتدادها بهاتين الكلمتين (نعم) لبناء الحياة على أساس إيجابي وسليم وصحيح؛ و(لا) لهدم الحياة وبث السلبي في زواياها؛ لإشاعة الخطأ، والخطر، وبث الرعب والشر فيها.

الجيل الجديد جيل واعٍ وذكي...جيل ألكتروني ...جيل المعلومة السريعة، وعليه التسابق مع سرعة الزمن التي تكاد تبتلع كل شيء، ولا تدع مجالا للتأمل في حيثيات الأمور كالذي تمتع به جيل المربين، وعليه أن يستدرك الأخطاء ويصححها، ويدقق في قراراته وخياراته ب(النعم، واللا) من بين البدائل الموجودة ولا يتسرع.

الجيل الجديد وأبناؤهم يحيون في زمن العولمة وهو يتقاطع وزماننا، فلا وجود لقيم ومثل خاصة، والقيم ممسوخة والشرور والمخاطر تسود العالم. والعالم اليوم يتطلب من المربين بث القوة في نفوس الناشئة لمواجهة الخطأ والشر، لكن هل كل نفوس الناشئة تنطوي على تقبّل التوجيه والتربية القائمة على القوة والصلابة ومواجهة المخاطر؟، وهم جيل تربى على المعلومة الحاضرة الخاطفة بنقرة إصبع ليكون العالم بخيره، وشره، وتحدياته، ومخاطره، وصعوباته بين أناملهم الغضة التي بها ينتصرون، وبها ينهزمون؛ وهم جيل ذوو ذكاء متلون ..ذكاء عنكبوتي، رويزمي[13]، متسلق، ومتسلّط، وقادر على إدراك الزمان ولا تحد خطابه (النعم، واللا)، وربما ل(النعم) مرادفات كثيرة لديه، ول(اللا) مرادفات متلونة أيضا، وقد يرفضون ال(نعم) ب(اللا) وقد يقبلون (اللا) ب(نعم)، وقد تشتبك لديهم الإثنتان.

مسؤولية انتقاء الكلمة

معركة الكلمة اليوم من أعظم وأخطر المعارك. نحن أمام مسؤولية كبرى هي انتقاء الكلمة؛ وينبغي التفكير فيها، وتحليلها، وتأويل معانيها، والتحلي بالشجاعة قبل نطقها، أو تدوينها؛ فهي تبني وتهدم، وتصلح وتفسد، وتسعد وتشقي، وبها يسود الظلم، وتُشن الحروب التي تُدمّر، وتحرق، وتفقر الشعوب، وبها يسود العدل والسلام والمحبة. قوة الكلمة أقوى بكثير من الرصاصة، فالرصاصة الواحدة تقتل في لحظتها شخصا واحدا، لكن الكلمة تقتل أشخاصا، وربما أسرا، ومجتمعات، وتهدم بلدانا، ويمكث صدى الكلمة موجبا أو سالبا على المدى البعيد.

الكلمة الطيبة -كما عبّر عنها القرآن الكريم- أو الصائبة فيها قداسة ومسؤولية، وهي قوة وفعل وليست شعارا، وانتقاؤها يتبع طبيعة المتفوّه وما يحمله من خلفية تربوية، وأخلاقية، واجتماعية، وثقافية، وقيمية، والمشاعر الإيجابية، والمواقف، والآراء المُتَبناة، والمصالح الخاصة والعامة، وقوة النفس؛ وكلها تشحذ هممه صوب انتقاء الكلمة الصحيحة باستقلالية الرأي، والتحرر من مفاهيم الآخر كيفما كان، ومن التملّق، والتبعية، ويقظة الضمير؛ وانتقاؤها بإناقة ولباقة اللغة والتفنن في اختيار الألفاظ؛ لأن في اختيارها وقعا مريحا على النفس، والكلمة الطيبة تحقق استقرارا وهدوءا للنفس ومحيطها (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) .[14]

والكلمة الخبيثة أو الخاطئة فيها دَناسة ومسؤولية، وأيضا تتبع طبيعة المنتقي وما يحمله من خلفية قيم، وأخلاق، وسلوكيات، وأحاسيس، ومواقف، ومشاعر سلبية، ومصالحه الخاصة والعامة، وقوة النفس، أو ضعفها في الاختيار، وتداعيات الكلمة الخاطئة على النفس هي بث القلق، والتوتر، والخوف، والخطر وبالطبع تكون لغة المنتقي فيها عنف رمزي وقسوة في انتخاب الألفاظ  التي لها وقع سيء على النفس (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[15].

الدكتور عبد الله الرعود استشاري العلاج النفسي يقول:"إذا ظهرت الكلمة الطيبة ينتج عنها انفعال طيب وسعادة ورضا، وعقب الانفعال يقوم الجسم والدماغ بإفراز مواد كيماوية وهرمونات ايجابية وتزيد من نسبة السعادة والاستقرار، وإذا كانت الكلمة خبيثة يحصل العكس لأنها تحدث تأثيرا سلبيا على كيمياء الدماغ وتبدأ الهرمونات والغدد بفرز مواد مؤلمة تزيد التوتر لذلك الكلمة لها تأثير ونتاج"[16].

علماء الرياضيات حينما وضعوا نظرياتهم، لم يكن المقصود تداولها فقط في مجالات الدراسة والتطبيق الرياضي البحت، إنما كان لها مغزى آخر؛ وهو أن يسعى الفرد المتلقي لفهم نفسه والتفكير العميق فيها عبر الصمت، والتحليل، وتأويل الأفكار، وتدويرها في حياته الخاصة، وبلوغ نتيجة بصدق وجزمية الفكرة، وتأسيس رأي شخصي خاص على أساسها، ثم يصدّر رأيه ونظريته الصائبة الى المجتمع. علم الرياضيات يعلّم التفكير المنطقي الصحيح، ولا يدع مجالا لترديد نظريات وآراء الآخر من دون النظر والتأمل فيها، وينفق الفرد في ترديدها كما هائلا من الكلام السطحي عديم الفائدة، لذلك نرى علماء الرياضيات صامتين، ومقتصدي الكلام، وهم قاصدون، وكأن منطق عقولهم يقول: إصمت، فكّر، حلّل، أوِّل، ثم آمن إيمانا عميقا بالفكرة، وأقم عليها أفكارا ونظريات جديدة، ثم انطق بعدها، ولا تكن كالببغاء تردد ما يقوله الآخرون دون تفكير.

و-حسب رأيي الشخصي- فإن من ينطوِ على عقلية رياضية تحليلية ذكية أولا، وعقل بصير مثقف عميق واعٍ بالنفس وبالواقع المعاش ثانيا، ويتمتّعْ برصانة ومتانة التربية ثالثا، وملاءمة الظروف المحيطة به رابعا؛ يستطع انتقاء الكلمة الصحيحة السوية المناسبة، ويتبنَّ حرية الرأي؛ والحرية المقصودة في أي ميدان ما أو حقل ما من الحياة الحرية الايجابية لا السلبية، وأعني بالسلبية المنفلتة التي تفضي الى عواقب وخيمة على النفس والمجتمع. وأكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة بالآية الكريمة (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا).[17]

والنتيجة فإن مصيرنا رهن ببراعة تدوير (النعم واللا) بين كلمات الصواب والخطأ، والشجاعة في حرية الاختيار لأيهما؛ فبهما نؤمن، ونحيا، ونرحم، ونسعد، ونصلح، ونفرح، ونستقر، ونبني، ونكفر، ونتألم، ونشقى، ونتعذب، ونجوع، ونعرى، ونحزن، ونقسو، ونهدم، ونَقتل، ونُقتل، و.... ؛ فاختيار الكلمة إما ينير أو يظلم، ويُسعد أو يُشقي، ويشحن الطاقة الإيجابية، أوالسلبية بكل الألوان.

"الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعان"

الحرية ليست موضوع بحثنا إنما الكلمة المُنتقاة لتحصينها، فالحرية لا تُحصّن الكلمة بل العكس؛ لأن قد تكون الكلمة سابقا مرهونة لأحد ما، أو عقل جمعي ما؛ وهنا لا وجود للحرية ما لم تكن الكلمة حرة غير مقيّدة، وحينما تكون الكلمة ضعيفة فإن الحرية تكون ضعيفة غير محصّنة تبعا لها. من كان ذا رأي قوي صائب فإن رأيه سيحمي حرية التعبير عنه، وكلما كان الرأي قويا كانت الحرية قوية تبعا له، والرأي الصائب القطعي هو الذي يحمي الحرية أولا ثم يليه التطبيق ثانيا. من رامَ الحرية انتقى الكلمات التي تحميها. الحرية فيها مجازفة وتهور بالتحديات والمخاطر ما لم يكن خطابها قويا، ومتينا، سيما لو انطلقت من عقل ناطق بصير. الحرية يُحصّنها سور حديدي من كلمات صلبة لا تقبل الهشاشة والهزال والضعف، ولا تنطلق الاّ من نفس تحررت من عبادة الذات، ولعل سرّ مكوث الحرية في رؤوس المصلحين هو متانة خطابها، فالبنيان المتين لا تهوي به الأعاصير والعواصف العاتية مهما اشتدت.

في هذا الحوار الشيّق، أنموذج ساطع لانتقاء الكلمة بتكثيف المعاني، وتتصارع كلمات الصواب والخطأ، وينساب من بين الحروف معين منهمر لمعانٍ متلونة للكلمة فاضَ على لسان ناطق بالحق؛ الإمام الحسين(ع) ردّا على لسان ناطق بالباطل؛ الوليد بن عتبة والي المدينة المنورة:

الوليد: نحن لا نطلب إلاّ كلمة.. فلتقل بايعت... واذهب بسلام لجموع الفقراء... فلتقلها وانصرف يا ابن رسول الله حقناً للدماء.. فلتقلها ما أيسرها، إن هى إلاّ كلمة.

الحسين(ع)(منتفضًا): كَبُرت كلمة؟!، وهل البيعة إلاّ كلمة؟، ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة.

الوليد (بغلظة): فقل الكلمة واذهب عنا.

الحسين: أتعرف ما معنى الكلمة؟، مفتاح الجنة فى كلمة، ودخول النارعلى كلمة، وقضاء الله هو كلمة.

الكلمة لو تعرف حُرمة، زاد مذخور، الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي.. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور، ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة. أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم..الكلمة زلزلت الظالم..الكلمة حصن الحرية..إن الكلمة مسؤولية..إن الرجل هو الكلمة..شرف الرجل هو الكلمة، شرف الله هو الكلمة.

الوليد: وإذن.

الحسين: لا رد لديّ لمن لا يعرف ما معنى الكلمة.

الوليد : قد بايع كل الناس يزيدا إلاّ أنت.. فبايعه.

الحسين : ولو وضعوا بيدي الشمس.. !

ابن مروان: فلتقتله.. اقتله بقول الله تعالى..ابحث عن آية. أقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع.

الحسين : أتقتلني يا ابن الزرقاء بقولة جدي فيمن نافق؟ أتُزيّفُ في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق؟ أتقتلني يا شرَّ الخَلق؟ أتؤوّل في كلمات الله؛ لتجعلها سوط َعذابٍ تشرعه فوق امرئ صدق؟![18]

السلام على الحسين حينما نطق بحرية الكلمة فارتدّ عليه الصدى: نعم لكلمة الحرية.

 

بقلم: إنتزال الجبوري

.................................

[1]  الأنبياء-30.

[2]  الأنبياء-104.

[3] البقرة-35.

[4] طه- 121.

[5] البقرة-36.

[6] آل عمران- 59.

[7]  المؤمنون-15.

[8] لقمان-27.

[9]  النور-41.

[10] انظر: إنتزال الجبوري. (العطاء سر الخلود: الى أتونابيشتم الباحث عن سحر الخلود). صحيفة المثقف في عددها 4696(7/2019).

[11] ابراهيم-24-26.

[12] المائدة-27-28.

[13]  نسبة الى الرويزم أي النبات البرعمي.

[14] ابراهيم-27.

[15] البقرة-59.

[16]  صحيفة الرأي(15/10/2019).

[17] الإسراء-15.

[18]  عبد الرحمن الشرقاوي. الحسين ثائرا (مسرحية). القاهرة: دار الشروق، ص30-32.

 

صلاح حزامتعتبر ظاهرة خلط المفاهيم واساءة استخدامها، شائعة ويمكن ملاحظتها عند الاستماع الى احاديث بعض السياسيين والاشخاص العاديين او قراءة بعض الكتابات المنشورة.

تعرّف الحرية (freedom) بكونها: ان يكون الفرد متحرراً من مجموعة من القيود .

اما الليبرالية (liberal) او (liberalism)، فهي تعرّف بكونها: ان يكون الفرد حراً للقيام بعدد من الاعمال او التصرفات.

بمعنى آخر، فأن الليبرالية هي الحرية المقيّدة بالقانون الذي يرسم حدود الحرية للفرد ويحفظ حريات الآخرين ايضاً. حيث أن التمادي غير المقيّد بممارسة الحرية، سوف يؤدي الى التجاوز على حريات وحقوق الآخرين حتماً.

معنى ذلك ان حدود حرية الفرد تختلف من دولة الى أخرى وبموجب احكام الدستور الخاص بكل دولة.

اما الديمقراطية، فهي نظام يقوم بموجبه كل السكان الذين يحق لهم قانونياً المشاركة، باختيار من يحكم الدولة (البرلمان او الرئيس الخ ..)، ويكون ذلك عادة عن طريق الانتخابات ...

اي انها آلية لتداول السلطة يكون فيها رأي الشعب هو من يقرر من يأتي الى الحكم وطبقاً لما يحدده الدستور من حيث شروط الترشيح والانتخاب.

هنالك معنىً فنياً لمفردة ديمقراطية وهو الذي اشرنا اليه فيما تقدم، وهنالك معنىً ثقافياً شائعاً أقل دقة ويستخدم بمعنى حرية الفرد او العدالة الاجتماعية ...

في حين ان حرية الفرد يرسمها القانون الذي يشرعه الممثلون الذين تم انتخابهم ديمقراطياً لكي يعكسوا ارادة الشعب في تشريعاتهم..

وبما ان القاعدة العملية التي تجعل النظام الديمقراطي فعّالاً وقابلاً للعمل هي: قاعدة سيادة رأي الاكثرية، فأن التشريعات ومساحة الحريات قد لاتنال رضى الجميع وقد يستمر جزء من المجتمع بالشعور بالسخط.

مما تقدم يمكن الاستنتاج، ان المفهوم الفعّال باستمرار والذي يدير جوانب الحياة المختلفة بشكل يومي ومستمر هو الليبرالية. لذلك هي تستحق لمحة توضيحية ختامية:

الليبرالية لها قراءات مختلفة بين البلدان والحركات الفكرية المختلفة وحسب طبيعة فهم كل منهم لها، ولكن الجميع يتفق على الايمان بما يلي:

- الاسواق الحرة وحرية التجارة

- حكومة محدودة من حيث الحجم والادوار

- ضمان الحقوق الفردية

- تبني الراسمالية والديمقراطية

- العلمانية

- المساواة بين الجنسين

- المساواة العرقية

- العالمية (العالمية internationalism لاتعني العولمة globalization لان العولمة تهدف الى جعل العالم بمثابة كيان واحد وإضعاف الدولة الوطنية، بينما العالمية تعني انفتاح الدول على بعضها وتعاونها وتفاهمها مع بقاء استقلالها وسيادتها)

- حرية الكلام

- حرية الصحافة

- حرية الديانة

ختاماً، وبالعودة الى المشهد السياسي العراقي، نقول ماهو مستوى الوضوح في ليبرالية العراق، والذي يجب ان يكون ليبرالياً وفق صيغة تداول السلطة الحالية؟

وهل ان جميع الاحزاب السياسية توافق عليها وتؤمن بها ؟

هل هنالك حوار ثقافي سياسي لبيان الشكل الملائم للعراق من الليبرالية؟

اسمع احياناً بعض السياسيين ينطقون بهذه المفردة وفي غير محلها الصحيح، مع ان الاكثرية لايتطرقون اليها ابداً ..

الموقف الواضح من اللليبرالية سوف ينعكس على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد.

 

د. صلاح حزام

 

في مشروع محمد عابد الجابري

بسقوط الأطروحة القومية، في السبعينيات، على أثر هزيمة الكيانات العربية في حرب 1967، وسرقة انتصار 1973، تشكل إرهاص جديد في الساحة العربية يهدف إلى البحث عن مخرج للازمة الحضارية، بين اليسار الماركسي، والاتجاه الإسلامي. وبعد أن سقطت مقولات إن الدين هو المعوق في إنحاء العالم جميعا، وان القومية والوحدة بين أفكار العرب هي البديل عن الكيان الإسلامي الموحد.

أتجه الخطاب العلماني إلى قبول الأصول النقلية الإسلاميّة، بوصفها أساسًا للثقافة المعاصرة في العالم العربي، ولكن الفكر البشري المؤسس على تلك الأصول وهو ما يطلق عليه بثقافة النص، هو نتاج القرون الهجرية الثلاثة الأولى، فلا بد من إعادة النظر بذلك النتاج كله.(1) فقدمت كتابات في هذا الاتجاه، ومنها مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري.

يعدّ الجابري مفكرًا منهجيًا صدرت عنه نماذج متقدمة في أكثر القضايا سخونة في الواقع العربي المعاصر، وهي علاقة الدولة بالدين، وثغرات التقدم الحضاري في الواقع العربي.

لماذا تأخرنا (نحن العرب، نحن المسلمين، نحن الشرق ) وتقدم غيرنا (أوربا المسيحية.. الغرب..)؟ سؤال مركزي شغل تفكير جميع مفكري النهضة العربية، منذ السيد جمال الدين الأفغاني(ت1314هـ) ومحمد عبده (ت1323هـ). وحتى زماننا الراهن. هل يكفي أن نعلق كل شيء على شماعة الاستعمار والتأمر الخارجي؟ أم أن هناك عيب في منهجية تفكيرنا فأصبحنا نستأنس التخلف ونجفل من الحضارة والتقدم؟! سؤال أجاب عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه الموسوم بـ: " نقد العقل العربي" .

كان محمد عابد الجابري من أوائل المفكرين العرب الذين قدموا نقدًا منهجيًا للتراث، فقد كان مقتنعًا أن في ماضينا الداء وكذلك فيه الدواء. فأمضى سنين عمره يبحث عن المعوقات التي أعاقت النهضة العربية وحرمتها من الالتحاق بركب الحضارة الإنسانية، حتى بات العقل العربي عاجزا عن التفكير والإبداع، متمسكا بالاجترار والتكرار. (2) فاستقال وخرج من التاريخ.(3)

لقد أمن الجابري في مشروعه القائم على ضرورة الهدم والبناء في التراث العربي. ان مشروع الجابري توزع على مجموعة من المؤلفات كان أبرزها الآتي:

1-(تكوين العقل العربي) صدر عام1984م.

2- (بنية العقل العربي) صدر 1986م.

3- (العقل السياسي العربي) صدر 1990م.

4- (العقل الأخلاقي العربي) صدر عام 2001م.

وتفصيل حديثنا في هذه المقالة نجعله في مبحثين:

المبحث الأول: السؤال النهضوي والأزمة في بنية الثقافة العربية.

ينبغي لنا أن نوضح ماذا أراد الجابري من عبارة العقل العربي وبنيته؟ وماذا أراد أن يجيبنا من كل هذا الكتاب؟ بعبارة أوضح: ما هو السؤال الأهم الذي من أجله كتب الجابري (بنية العقل العربي)؟ أو ما علاقة هذه البنية المعرفية بالتخلف ومعوقات الانطلاق الحضاري؟ وكيف أجاب عنه؟ وكيف برهن على الإجابة؟ في قناعتي هذه أبرز التساؤلات، لأننا من دونها لن نفهم ماذا أراد وكيف عالج.

في البداية لا بد من معرفة المقصود من العقل العربي وبنيته. يرى الجابري أن عبارة (العقل العربي) مثلها مثل عبارة (الفكر اليوناني)، (والفكر الهندي)، (والفكر الفرنسي) تعني في الاستعمال مضمون الفكر ومحتواه، أي جملة الآراء والأفكار التي يعبر بواسطتها هذا الشعب أو ذاك عن مشاكله واهتماماته، عن مثله الأخلاقية ومعتقداته المذهبية وطموحاته السياسية والاجتماعية، وأيضا عن رؤيته للإنسان والعالم. ولا يخرج عن هذا المعنى العام الا العلم. فالعلم كلي لا وطن له.

إذا فعبارة (العقل العربي) تتسع لكل ما ينتجه العرب من أفكار أو ما يستهلكونه منها، في عملية التعبير عن أحوالهم وطموحاتهم.(4)

ومعروف أن هذه المبادئ والمفاهيم والآليات إنما يكتسبها الإنسان نتيجة احتكاكه بمحيطه الطبيعي والاجتماعي والثقافي. ومن هنا تبرز أهمية خصوصية هذا المحيط في تشكيل خصوصية العقل(الفكر). وهكذا (فالعقل العربي) مثلا هو عربي، ليس لأنه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضا لأنه نتيجة طريقة وأسلوب في التفكير ساهمت في تشكيله جملة معطيات على رأسها الواقع العربي بكل مظاهر الخصوصية فيه.

أما النظام المعرفي عند الجابري فهو: "جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات تعطي للمعرفة في فترة تاريخية مّا بنيتها اللاشعورية."(5)

ويرى ان هذه المفاهيم والآليات الذهنية التي تدخل في تكوين العقل، عبارة عن عناصر متداخلة ومتشابكة بصورة تجعل منها بنية (أي منظومة من العلاقات الثابتة في إطار بعض التحولات) أي ان الجابري يعتقد ان العقل العربي ملتزم بثوابت معينة وان عمله لا يخترقها، وهي الحدود التي تنتهي عندها التحولات والتغيرات.

لقد اختار محمد عابد الجابري ربط (العقل العربي) بالثقافة التي ينتمي إليها، والثقافة التي أنتجته ويعمل على إعادة إنتاجها. ومعنى ذلك أنه نظر إلى العقل بوصفه عقلا مكوّنا أي فاعلية منتجة للثقافة، وعقلا مكونا، أي مجموع القواعد والمبادئ الفكرية المؤسسة لتلك الفاعلية. والتي تشكل في الوقت ذاته القاعدة (الابتسيمولوجية) لتلك الثقافة، أو نظامها المعرفي.

وقد أدت متابعة الجابري وتحليله إلى رصد ثلاثة نظم معرفية متمايزة ومتصادمة في الثقافة العربية، وذلك منذ بداية تشكيلها، كثقافة عالمة، مع عصر التدوين والترجمة في بداية القرن الثاني الهجري.(6)

وهذه النظم المعرفية الثلاثة تقدم كل منها رؤية خاصة للعالم وتوظف مفاهيم معينة وآليات في إنتاج المعرفة الخاصة بها. ولتوضيحها بالمجمل أضعها في العناوين الآتية (7: 

أولًا: النظام المعرفي (البياني) الذي تحمله اللغة العربية.

يؤسس هذا النظام وحده المجال التداولي والحقل المعرفي للفكر العربي على عهد الرسول والخلفاء الراشدين والدولة الأموية. لقد تقنن هذا النظام البياني برؤية ومفاهيم ومنهجية، من خلال نشأة العلوم العربية الإسلامية الخالصة، والمقصود النحو واللغة والفقه والكلام والبلاغة، فأصبح يكرس رؤية للعالم قائمة على الانفصال واللاسببية، ومنهجا في إنتاج المعرفة قومها قياس الشاهد على الغائب. أو الفرع على الأصل.

ثانيًا: النظام المعرفي البرهاني.

وهو النظام الذي دخل الثقافة العربية الإسلامية مع الترجمة، ولاسيما في عصر المأمون العباسي. ويتعلق الأمر أساسا في هذا النظام الذي يؤسس العلوم والفلسفة اليونانية كما صاغ قضاياها أرسطو. ومعلوم أن هذا النظام البرهاني يقوم على رؤية للعالم مبنية على الترابط السببي ويكرس منهجا في إنتاج المعرفة يقوم على الانتقال من مقدمات يضعها العقل إلى نتائج تلزم عنها منطقيا.

ثالثًا: النظام المعرفي العرفاني (الغنوصي).

وقد انتقل إلى الدائرة العربية من الموروث الثقافي السابق على الإسلام، وذلك منذ أوائل العصر العباسي حين أخذ يحتل مواقع أساسية في الثقافة العربية:ويقصد به الفكر الشيعي والفلسفة الإسماعيلية خاصة، إضافة إلى التصوف وكل التيارات الاشراقية والعلوم السرية من التنجيم والسحر والطلاسم وغيرها.

ومعلوم أن هذا النظام المعرفي يكرس رؤية خاصة للعالم قوامها المشاركة والاتصال والتعاطف ويعتمد منهجا في إنتاج المعرفة يقوم على العرفان أي الاتصال الروحاني المباشر بالموضوع والاندماج معه في وحدة كلية.(8)

يرى الجابري أن هذه النظم المعرفية الثلاثة (البيان، والبرهان، والعرفان) تعايشت في إطار من التداخل والتصادم داخل الثقافة العربية الإسلامية ابتداءً من عصر التدوين. وقد كرسها الصراع السياسي على امتداد التاريخ الإسلامي بين الشيعة بمختلف فرقها التي كانت تعتمد النظام العرفاني أساسا لأيديولوجيتها السياسية والدينية، وبين أهل السنة من معتزلة وأشاعرة وغيرهم والذين اعتمدوا النظام البياني أساسا لرؤاهم الفكرية والسياسية، مع الاستنجاد من حين لآخر بعناصر من النظام البرهاني، الأمر الذي فعلته الشيعة أيضا من جانبها حيث عمل فلاسفتها، خاصة الاسماعيلين منهم والفلاسفة الاشراقيين على تأسيس العرفان على البرهان، تماما كما عمد المتكلمون الاشاعرة المتأخرون إلى تأسيس البيان على البرهان باصطناعهم المنطق الأرسطي أسلوبا في العرض والتقرير، فكانت النتيجة عمليات التوفيق المعروفة بين العقل والنقل، بين الفلسفة والدين، تلك العمليات التي تبدو في ظاهرها كمحاولات لإيجاد ثقافة موحدة وتشييد تصورات للكون والإنسان متقاربة.

غير أن ما كان يتم في عمليات التوفيق تلك هو تكريس مقولات ومفاهيم وتصورات متناقضة متنافرة داخل ساحة ثقافية واحدة.

وقد انتهى الصراع – بحسب الجابري دوما- بين النظم المعرفية الثلاثة المذكورة بانتصار العرفان، لا كنظام معرفي مؤسس لايدولوجيا سياسية أو دينية معينة، بل كبديل لكل نظام معرفي آخر ولكل ايدولوجيا  تريد تبرير سياسة ما أو تكريس واقع سياسي معين.

انه التصوف الذي اكتسح الساحة، والساحة السنية خاصة، فنقل خطاب اللاعقل ليس فقط إلى مملكة البيان والبرهان، مملكة النقل ومملكة العقل، بل أيضا إلى مملكة العامة من الناس، مملكة التقليد والتسليم، مملكة الجمهور الواسع الامي، فكانت الرُبُط الصوفية ونظام المشايخ والطرق وأهل التنجيم هي الإطار الاجتماعي الثقافي والسياسي التي يسير فيها ويتدفق من خلالها اللامعقول بلباسه الديني الذي حول العامة من الناس إلى قوة مادية تقف بالمرصاد لكل نهضة عقلية أو حركة إصلاحية. ذلك هو عصر الانحطاط الذي سجل استقالة العقل العربي، البياني منه والبرهاني.(9)

المبحث الثاني: الهيكل البياني عند محمد عابد الجابري.

بعد أن أوضحنا التساؤل المركزي في مشروعه، وبيان المراد من النظام البياني بالجملة سأضع أمامكم نظرة الجابري إلى أهمية هذه العلوم وأثرها في تشكل العقل العربي، ومشكلة التقدم فيها. مقتصرة في ذلك على البعد اللغوي من مشروعه.

في هذا العمل يشتغل على البرهنة بشكل مفصل على ما أشار إليه في (تكوين العقل العربي) مفصلًا ومفككًا البيان في المنظومة الثقافية. وقد جاءت على ستة فصول تعقبهن خاتمة، تناول فيهن اللغة العربية والفقه وعلم الكلام وأثر هذه العلوم من الناحية المنهجية في صياغة الذهن العربي.

لقد فرض العنوان (بنية العقل العربي) على المؤلف أن لا يباشر الكتابة والتحليل بدون تقديم مدخل يكون بمثابة رؤية مختصرة للمتلقي، وقد كان ذلك منطقيا ما دام الجابري قد انتقل من (تكوين) العقل إلى (البنية). لذلك يوضح الهدف من هذا المدخل بقوله :" يهدف هذا المدخل إلى بناء تصور عام أولي وعام للنظام المعرفي البياني."(10)

وتعتبر هذه الإجابة بداية للإجابة عن السؤال الذي عَنْون به مدخله، وهو (البيان) مع التركيز المنهجي في هذه الإجابة على التفصيلية على نصوص البيانيين أنفسهم للوصول إلى الكيفية التي انتقل بها البيان كنظام معرفي من حالة اللاوعي إلى حالة الوعي، الشيء الذي سيمكننا – والحديث هنا للجابري نفسه من رصد أهم السلطات المرجعية التي تقود التفكير في الحقل البياني العربيّ.(11)

في ما يخص اللغة العربية وسلطتها، فانه يبرر إعطاء الأولوية للغة في دراسة مكونات العقل العربي، لأمور، كان قد أشار إليها في (تكوين العقل العربي) لا بأس بذكرها هنا، وهي ان العربي يحب لغته إلى حد التقديس، وهو يعتبر السلطة التي لها عليه تعبيرا ليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضا. ذلك لان العربي هو الوحيد الذي يستطيع الاستجابة لهذه اللغة والارتفاع إلى مستوى التعبير البياني الرفيع الذي تتميز به. أما الباقي فهم أعاجم. (والأعجم: الذي لا يفصح ولا يبين كلامه). ومن هنا فكلما كان العربي أقدر على التعامل مع اللغة العربية، تعبيرا واستجابة، كان أكثر امتلاكا لما به الإنسان هو إنسان: فالعربي ( حيوان فصيح )، فبالفصاحة وليس (بمجرد العقل) تتحدد ماهيته.(12)

ويعطي للغة العربية الأولوية في دراسة مكونات العقل العربي من زاوية أخرى، وهي: ان أهم ما ساهم به العرب في الحضارة الإسلامية التي ورثت الحضارات السابقة لها هو اللغة والدين. فان الدين بقي عربيًا، ولا يمكن أن يستغنى عن لغة العرب لان القرآن هو ( كتاب عربي مبين)، حتى قال علماء الأصول: " العربية جزء ماهيته."(13)

وقبل عرض النصوص في معرفة البيان لا يغفل الجابري فحص المعنى في معاجم اللغة العربية، ما دامت القضية اللغوية تكتسي موقعا مركزيا في أطروحته، أما النصوص البيانية التي يستقي منها المؤلف فترجع إلى الشافعي والجاحظ وابن وهب، وهذه القراءة المتسلسلة للنصوص البيانية تصل إلى بالمؤلف إلى استنباط القضية التي يريد بسطها في الفصل الأول، وأولها تحمل عنوان : " اللفظ والمعنى" وفي تحليل هذا العنصر/الزوج ينطلق الكاتب من النحو بدءا بسيبويه والمُبرد، وهذا التأسيس للمباحث اللغوية هو الذي مد – بحسب الجابري- المباحث الفقهية والأصولية بالزاد المعرفي الذي قامت عليه، وهو ما يستدل عليه بما ذكره أبو إسحاق الشاطبي من أنَّ الجرمي الفقيه، قال : " أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه (في مسائل الفقه)(14) ويخضع اللفظ/ والمعنى عند الأصوليين لدى الكاتب إلى تقسيمات يعمل على عرضها، ولا يخصص الجابري لهذه القضية فصلا واحدا بل يضيف إليه فصلا آخر. ففي الفصل الثاني يطرح عنوان :" نظام الخطاب ونظام العقل" وقد اتخذت قاعدة الطرح في هذا الفصل صورة بلاغية، لان الذين خاضوا في هذه المسألة بعمق كانوا أساسا من المتكلمين البلاغيين."(15)

ومصادر المؤلف في هذا العرض التفصيلي تقوم على عبد القاهر الجرجاني في نظرية(النظم) مع نقد بعض الآراء الاستشراقية التي تعرضت للبيان العربي، وبعد الجرجاني يقف المؤلف مع السكاكي إلى أن يصل إلى طرح خلاصته من معالجة قضية (اللفظ والمعنى) وقد توزعت هذه الخلاصات تباعا حسب المجالات التي تم عرضها بدءا من مجال النحو، فمجال الفقه، وعلم الكلام، ثم مجال البلاغة.

وفي الفصلين الثالث والرابع نجد عنوانا عريضا موحد بينهما وهو (الأصل والفرع) مع عنوانين جانبين: الأول هو( الخبر والإجماع) وسلط السلف، والثاني هو :"القياس البياني وإشكالية التعليل"

في القسم الأول من الفصل الثالث، يبدأ الجابري بتقديم يبين فيه ظهور ثنائية الأصل والفرع لدى النحاة ثم عند الفقهاء، ليرتشف منه المراد من طرف القضية والمعبر عنه بقوله: " .. وما يهمنا من هذا التقديم هو أن عملية التفكير في هذا العقل البياني محكومة دوما ب (أصل) ولا يقبل ممارسته أي نشاط إلا انطلاقا من أصل معطى .. كما يقوم التفكير البياني أساسا على قياس فرع على أصل."(16  لينتقل بعدها إلى ملامسة قضية الخبر والإجماع اعتمادا على الغزالي، وصولا إلى تقرير نتيجة في الموضوع مفادها إن : " الإجماع أصل من أصول (التشريع) في النحو واللغة، .. والإجماع كما يقول الغزالي: (أعظم أصول الدين) كيف لا يكون كذلك وهو الذي يُحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة."(17)

أما في القسم الثاني من الفصل الرابع، من داخل الأصل والفرع، فيبدأ الكاتب بالتمهيد لمرقع (القياس) المركزي في التفكير البياني، ثم يفصل القول والتحليل في عرض أنواع القياس ومعانيه والاختلافات بين تلك الأنواع عند الفقهاء خاصة، وبهدها ينتقل إلى القياس عند النحاة، ليصل إلى ملامسة القياس عند علماء الكلام، وصولا إلى خلاصة لهذا الفصل مفادها: " يتضح مما تقدم أن التعليل في الفقه مثل التعليم في علم الكلام، مثل التعليل في النحو، إنما يقوم على الجواز، لا على الوجوب، وبالتالي فوظيفته لا تتعدى المقاربة."(18)

وفي الفصل الخامس يطرح محمد عابد الجابري ثنائية مفاهيمية أخرى كعنوان عام، وهي ثنائية الجوهر والعرض، ليستل منها عنوانا جانبيا، وهو: " المكان والزمان ومشكلة السببية" في البدء يحدد مفاهيم العنوان بناءً على أقوال المتكلمين، متوقفا عن المكان والزمان ثم يتحدث عن مفهوم السببية عند الاشاعرة والمعتزلة إلى أن يصل إلى خلاصة يقول فيها: " واضح مما تقدم ان موقف المعتزلة من السببية لا يختلف في جوهرة عن موقف الاشاعرة، فالسببية عندهم، جميعا ليست علاقة ضرورية بين الحوادث، وإنما هي علاقة اقتران بينهما.."(19)

وفي الجانب الثاني من عنوان:" الجوهر والعرض" والذي خصص له الفصل السادس يعود الجابري إلى ما قام به في الجزء الأول من مشروعه، أي تحديد المعنى المعجمي للعقل في كتب ومعاجم اللغة العربية مرورًا بالمعنى في القرآن الكريم، ليجمع بعدها النتائج وينتقل بعدها إلى الوقوف بتفصيل عند مفهوم العقل عند رواد المعتزلة.(20) ثم يعرج بعد ذلك على هذا المفهوم عند الاشاعرة. وتنبني قراءات المفهوم عند هذه الفرق لدى الجابري بناء على روادها الذين يذكر منهم القاضي عبد الجبار، وأبو بكر بن العربي، والباقلاني، مع إرفاق هذا العرض بتسجيل ملاحظاته لإفادة المتلقي بها.(21)

وتكمن أهمية هذه الملاحظات والاستخلاصات والوقفات في أن الجابري لا يحشد النصوص والآراء التراثية للعرض أو الصَّف، وبذلك ينتهي عمله، بل إن العمل يبتدئ قبل إيراد النصوص والاستدلالات التراثية ويستمر بعدها بنفس أطول إلى أن يصل إلى الخاتمة التي تحمل هي الأخرى عنوانا مفاده:" البيان أصوله وفصوله". وحينما يفصل خلاصته حول الرؤية البيانية لا يدعها مطلقة وإنما يقيدها بالصفة العالمة، معتبرا أن ما يحكمها هما مبدأ الانفصال ومبدأ التجويز، معتبرا أن المبدأين اسْتُدعيا للوقوف ضد اللاعقل ومنتجاته.(22)

وما أن يعود إلى ترسيخ السلطة المرجعية الأولى التي تحكم التفكير البياني العربي، وهي سلطة اللغة العربية – والتي طالما ركزها في فصول سالفة وبتلوينات متعددة- حتى يعمل لدعم هذه السلطة عبر فحص بيئة الأعرابي الجغرافية والاجتماعية الرَّملية، وبنية القبيلة،23) ليعود إلى الترسيخ السابق في قوله: ".. من هنا كانت الرؤية البيانية للمكان والزمان، الرؤية التي تحملها اللغة العربية معها رؤية تقوم على الانفصال وليس على الاتصال.."(24)

إلى أن ينتهي في نهاية الخاتمة بالتوطئة للقسم الثاني والموضوع الذي سيعالجه :" إنه العرفان" الذي سيطرح نفسه كبديل للبيان.

 

الباحثة: سُميّة إبراهيم الجنابيَّ

.......................................

(1) د. عبد الأمير زاهد، قراءات في الفكر الإسلامي المعاصر، الناشر: المنتدى الوطني لأبحاث الفكر والثقافة، النجف، الطبعة الأولى-2008م، 37.

(2) عنون أكثر من فصل من كتبه بالاستقالة، فتارة بعنون الاستقالة، وتارة أخرى العقل المستقيل، وتارة ثالثة باستقالة العقل.

(3) ينظر:  محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت، الطبعة السابعة، 20.

(4) محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، 51.

(5) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، الطبعة العاشرة-2009م، 37.

(6) ينظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي،60-62. وقد عقد لبيان ذلك فصلًا كاملًا اسماه (عصر التدوين-الإطار المرجعي للفكر العربي).

(7) ينظر: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، الطبعة التاسعة، 2009م، 13-14.

(8) ينظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، 195. عالج ذلك في فصل (العقل المستقيل).

(9) محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، 60.

(10) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، الناشر: المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء، الطبعة السابعة، 2000م، 9.

(11) ينظر: المصدر نفسه، 10.

(12) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، 75.

(13) ينظر: الشيخ محمد الخضري، أصول الفقه، الناشر: مطبعة الاستقامة – القاهرة، 1938م، 204.

(14) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، 39.

(15) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي- بيروت، الطبعة الأولى-2010م، 83-84.

(16) محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، 10.

(17) المصدر نفسه، 120.

(18) المصدر نفسه، 165.

(19) المصدر نفسه، 194.

(20) ينظر: المصدر نفسه، 201.

(21) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، 85-86.

(22) بنية العقل العربي، 227.

(23) د. حسين الادريسي، محمد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي، 87.

(24) بنية العقل العربي، 229.

 

 

جواد بشارةالدعوة لعلم الفلك والكونيات البديل

 تاريخ موجز لعلم الكوسمولوجيا:

"منذ زمن بعيد، في مجرة بعيدة، بعيدة جداً..." مثل ما يمكن للمرء أن يقرأه في بداية كل فيلم من سلسلة أفلام حرب النجوم، يهتم علم الكونيات بتطور الكون ككل.

خلال قرن من الزمان، تغيرت الدراسة الفيزيائية للكون بشكل لا يصدق. لقد بدأته نسبية أينشتاين، وهو يرتكز الآن على ثلاث ركائز صلبة: توسع الكون، والتخليق النووي البدائي، والإشعاع الأحفوري الكوني المنتشر. لكن الملاحظات والمشاهدات الرصدية، التي أصبحت فائقة الدقة، تعطيه وقتًا عصيبًا لتوضيح ألغاز مثل: المادة السوداء أو المظلمة، الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء، تكوين الهياكل، بدايات الكون الخ... لفهم النموذج الكوني السائد اليوم، دعونا أولاً نلقي نظرة على المراحل الرئيسية التي أدت إلى نشأته، ثم تطوره. سنلخص بعد ذلك محتواه وما يسمح بقوله عن تاريخ الكون، بمجرد مواجهة الملاحظات.

النسبية والتوسع والمادة السوداء المظلمة:

الأساس النظري الأول لعلم الكونيات الفيزيائي العلم المعاصر هو نظرية النسبية العامة، الذي يوفر إطارًا لوصف الكون والتنبؤ بتفاعلات الجاذبية للمادة والطاقة الموجودة في الكون. هذه القفزة المفاهيمية، التي اكتملت في نهاية عام 1915، قام بها بالطبع ألبرت أينشتاين.

منذ نهاية عشرينيات القرن الماضي، اعتقد علماء الفلك أن الكون يتوسع، بعد الملاحظة والمشاهدة والرصد- التي قام بها إدوين هابل على وجه الخصوص - للمجرات البعيدة، والتي تبتعد عنا جميعًا بشكل أسرع كلما زادت المسافة بيننا وبينها. خلال نفس السنوات، يبحث المرء عن حلول نظرية تحدد الحركة (يتحدث المرء عن الديناميات) لكون متوسع في إطار النسبية العامة. لا تزال الحلول التي وجدها ألكسندر فريدمان وجورج لوميتر بشكل مستقل بين عامي 1922 و1931 مستخدمة حتى اليوم. هذا الإطار النظري، مقترنًا بملاحظات انحسار المجرات (التي "تتتبع" توسع الكون)، تشكل الأساس الأول لعلم الكونيات الفيزيائي الحديث.

في منتصف الثلاثينيات، اكتشف فريتز زويكي تناقضاً بين سرعة المجرات التي تدور في مجموعة من المجرات والكتلة التي تم الحصول عليها عن طريق إضافة تلك المجرات المركزية. إنها الأولى (في سلسلة طويلة جدًا) التي تسلط الضوء على تأثير "الكتلة المفقودة" في الكون. هذه الملاحظة الهاربة من الكتلة، والتي يمكن رؤية آثارها الديناميكية في جميع المجرات والعناقيد (على وجه الخصوص في الكون البعيد، المأهولة بأشياء لا تزال "حديثة")، تسمى اليوم "المادة السوداء أو المظلمة". كما شكلت الثلاثينيات بداية علم الفلك الراديوي، بعد اكتشاف كارل جانسكي (في سنة 1932موجات الراديو المنبعثة من مجرتنا درب التبانة.

ركود المجرات:

في السنوات من 1910 إلى 1930، قام المراقبون (بمن فيهم إدوين هابل) بقياس مسافات المجرات وسرعاتها بالنسبة إلى الأرض. في ذلك الوقت، كانت "السدم" (المسماة بالمجرات وغيرها من الأشكال الضبابية) غير مفهومة جيدًا. يحتدم الجدل حول: هل هم في مجرتنا أم لا؟ وفقًا لعلماء الفلك، لا يمتد الكون المرئي بالضرورة إلى ما وراء درب التبانة. أدت الإجراءات المذكورة إلى ثلاث نتائج مهمة، مع تداعيات قوية.

أولاً: إن المجرات تقع على مسافات فلكية حقًا، أبعد من مجرة درب التبانة. من خلال قياس سطوع نجوم معينة ومقارنتها مع رشقات من النجوم القياسية، يحسب علماء الفلك مسافات عدة سدم. الحكم: تقع على بعد حوالي عشرة ميغا فرسخ، وهي مسافة أكبر بكثير من حجم مجرة درب التبانة (بضع عشرات من الكيلوبارسك). ثانيًا: تظهر سرعات المجرات أنها تبتعد عنا تقريبًا بشكل منهجي. يتم الحصول على السرعات الشعاعية (في اتجاه خط البصر) عن طريق التحليل الطيفي: يتم تحديد الخطوط الذرية المميزة (مثل خطوط الهيدروجين) ومقارنة أطوالها الموجية بتلك المقاسة في المختبر. إذا تم إزاحة الخطوط التي لوحظت في المجرة إلى "زرقاء" (أطوال موجية أصغر / ترددات أعلى) من طيف المختبر "عند السكون"، فإن المجرة تقترب منا. إذا تم "إزاحة الخطوط باللون الأحمر" (أطوال موجية أطول / ترددات أقل)، تتحرك المجرة بعيدًا عنا. يجعل "تأثير دوبلر-فيزو" (الموجود أيضًا للصوت) من الممكن قياس سرعات المجرات، لأن التحول الدقيق للخطوط يوفر سرعة الإزاحة الشعاعية. ثالثًا: هناك علاقة بسيطة بين مسافة المجرة وسرعتها البعيدة. كلما ابتعدت المجرة، زادت سرعة هروبها! أظهر هابل (في عام 1929) ثم هابل وميلتون هيوماسون (في عام 1931) ذلك لمجرات قريبة إلى حد ما (وفقًا للمعايير الحالية).

هذه النتائج الرئيسية الثلاث، لخصها التعبير المتداول في الوسط الفيزيائي «ركود المجرات"، والذي يلقي بالعديد من الباحثين في هاوية الحيرة. هذا مفهوم، فالمفهوم السائد هو (تقريبًا) كون ثابتًا مليئًا بالسدم، والذي يجعل المرء يتساءل عما إذا كانت قريبة أم لا. ومن هنا السؤال: هل تأثير الركود هذا واضح فقط، أم أنه خاصية عالمية للكون المتوسع؟

ترتبط بعض الشخصيات والذهنيات المتقدة بالنماذج النظرية التي تم تطويرها في أعقاب النسبية العامة لأينشتاين. من خلال البحث عن حلول لمعادلات آينشتاين وألكسندر فريدمان (في عام 1922) وجورج لوميتر (في1931) أدركت أن الحل "الثابت" ليس بالضرورة مناسبًا، وأن هناك حلولًا حيث يتمدد الكون. لذلك تم إنشاء صلة بين الملاحظات والنماذج ... ولكن هل هذا المنطق مقبول، وملائم، وصحيح، وقوي؟ لطمأنة القارئ (أو عدم طمأنته): في الوقت الحالي، نسأل أنفسنا باستمرار أسئلة من هذا النوع!

التركيب النووي وإشعاع الكون Nucléosynthèse et rayonnement de l’univers:

في السياق المظلم للحرب العالمية الثانية، شهدت الأربعينيات ظهور الفيزياء النووية (تلك الخاصة بنواة الذرة) وظهور بعض التقنيات، بما في ذلك مستقبلات الراديو. تجعل الفيزياء النووية من الممكن فهم التركيب المعقد جدًا للنواة الذرية في الكون (يُطلق عليه "أطروحة النيوكليوسينتيز أو التركيب النووي nucléosynthèse")، في ظل قوة دفع أعمال رالف ألفر وهانس بيث وجورج غامو والتحسينات التي تم إجراؤها في الخمسينيات من القرن الماضي. فريد هويل، هيرمان بوندي، والزوجان مارغريت وجيفري بوربيدج، وكذلك ويليام فاولر.

يمكننا التمييز بين التركيب النووي البدائي الذي حدث خلال الدقائق الثلاث الأولى من الكون، والذي خلق بعض العناصر الذرية الخفيفة (كل الهيدروجين والهيليوم، وبعض الليثيوم)، وتكوين النواة النجمية الذي يحدث باستمرار في النجوم، والذي يصنع العناصر الذرية الأثقل. بصرف النظر عن الهيدروجين والهيليوم، يمكننا أن نقول بطريقة شعرية - كما يذكرنا هيوبرت ريفز - أننا كلنا "غبار نجمي": كل الذرات التي يتكون منها (الكربون والأكسجين والنيتروجين ...) تأتي من التخليق النووي النجمي (باستثناء الهيدروجين والهيليوم) أي أننا أبناء  النجوم.

هذا التفسير لأصل المادة الذرية، الذي يميز بين العمليات البدائية والنجمية، كان له دور بالغ الأهمية في علم الكونيات وفي تاريخ مفاهيمنا عن الكون. لعقود من الزمان، كان يعتبر العمود الثاني لعلم الكونيات الفيزيائي المعاصر. إنه يوضح الروابط المتكررة بين علم الكونيات (دراسة اللامتناهي في الكبر) والفيزياء دون الذرية (دراسة اللامتناهي في الصغر).

في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، روج غامو لـ"نموذج الانفجار العظيم الساخن" Big Bang chaud، الذي مر فيه الكون بمرحلة من الكثافة والحرارة الفرديتين singulières، قبل أن يبرد بسبب التوسع. تتنبأ الفيزياء بتكوين كمية كبيرة من الضوء، مثلما يحدث عندما ينبعث الضوء من غاز مسخن - على سبيل المثال، لهب شمعة، أو سطح الشمس.

هذا النموذج يحدد كمية التبريد ويجعل من الممكن حساب معدلات إنتاج الجسيمات المختلفة بنجاح مع نسب العناصر الذرية الخفيفة. كما يتنبأ بأن الضوء والمادة بقيا لفترة طويلة "في حالة توازن": أي البلازما- وهي عبارة عن وسط حيث تدور الجسيمات المشحونة كهربائيًا وتتفاعل بحرية مع الضوء- و"مقترن" عبر العمليات الكهرومغناطيسية.  تتنبأ الفيزياء أنه في حالة التوازن هذه التي تتطور مع درجة الحرارة، يكون للضوء خصائص ما يسمى بإشعاع "الجسم الأسود"rayonnement de corps noire. يتنبأ غاموGamow بأن الضوء الذي نشأ أثناء الانفجار العظيم الساخن لا بد أنه لم يختف بعد ذلك كلياً: فالتوسع يقوم "بتخفيفه diluée"، دون تغيير خصائصه المحددة (إذا تم امتصاص الضوء، فسوف يعيد انبعاثه). لذلك يجب على الإشعاع الضعيف والبارد أن يغمر الكون دائمًا، ويشهد على شبابه الدافئ والكثيف. عندما يدور هذا الضوء في كل مكان، يجب ألا تكون خلفية السماء (لذلك في الليل) مظلمة كما نظن! لذلك فالليل ليس مظلماً! سنرى أن هذا التوقع كان صحيحًا. يشكل هذا "الإشعاع الأحفوري rayonnement fossile» الركن الثالث لعلم الكونيات الحديث.

تصبح الملاحظات والنماذج أكثر وضوحا:

اتخذ علم الكونيات منعطفًا كبيرًا في عام 1964، عندما اكتشف أرنو بينزياس وروبرت ويلسون بالصدفة هذا الإشعاع الأحفوري في مجال موجات الراديو (مما جعلهما مشهورين وحازا على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1978.

إن إحدى أقوى التكهنات أو التنبؤات لنموذج البغ بانغ الانفجار العظيم الساخن قد تم تأكيده بالمراقبة والمشاهدة والرصد. منذ نهاية الستينيات، كان اكتشاف المجرات البعيدة بشكل متزايد منيرًا ومثيرًا، ولكنه أيضًا مصدر ألغاز. رأى علماء الكونيات في البداية المجرات على أنها "التتبع السلبي" traceurs passifs، وهي أنواع من جسيمات الاختبار تجعل من الممكن معرفة هندسة الكون (أو عمره) من خلال الإحصائيات التي أجريت على عدد كبير من الأجسام والأجرام الفضائية. لكنهم اكتشفوا بعد ذلك أن هذه المجرات تتطور مع العصر الكوني: خصائصها المضيئة (الكثافة واللون والتشكل) ومحتواها (كتل النجوم والغاز) ليست ثابتة بأي حال من الأحوال! قد يبدو الأمر واضحًا الآن، لكن الأوقات المتضمنة في العمليات المعنية (مليارات السنين) أشارت في البداية إلى أن هذه الخصائص المتغيرة ببطء شديد كانت ثابتة.

ظهرت مشاكل أخرى، مثل تقدير عمر الكون باستخدام ثابت هابل. هذا، الذي يُعرَّف على أنه معدل توسع الكون، يصعب قياسه بشكل خاص، بسبب "الحركات المناسبة" للمجرات، بغض النظر عن التوسع العام. في عام 1995، كان علماء الفيزياء الفلكية والأساتذة الناشطون في مجال البحث - يقولون إن هذا الثابت الشهير لم يكن معروفًا إلا في عامل2 تقريباً. وقدرت قيمته بين 50 و100  km / s / Mpc/ ... هل هي مجرد إشارة بسيطة؟ ليس حقًا، لأنه وفقًا للنموذج الكوني القياسي، يقيس ثابت هابل عمر الكون بشكل غير مباشر. نتج عن بعض قيمه عمر يقارب 10 مليارات سنة، أي أقل من عمر أقدم النجوم المعروفة! لذلك كانت المشكلة حادة: نموذج ذو ثلاث ركائز رئيسية تم التحقق من صحتها، ولكنه غير قادر على التوفيق بين عمر الكون ومكوناته، هو في أحسن الأحوال مهتز، وفي أسوأ الأحوال غير مناسب.

دعنا نعود إلى التسلسل الزمني. في سنوات السبعينيات كانت تشهد تراكم بيانات الجودة عن المجرات والأجسام الفيزيائية الفلكية الأخرى. كما شهدت أيضاً إطلاق الأفكار أو برامج التلسكوبات الطموحة - على الأرض وفي الفضاء – حيث النتائج المدهشة لم تشهد أو تواجه أي توقف. ظهرت فكرة جديدة عن اللحظات الأولى للكون في الثمانينيات: سيناريو التضخم الكوني inflation cosmique، والذي سيسود بعد ذلك. إنه يستدعي تمددًا هائلاً جداً وفي فترة قصيرة جداً من الزمن ولكنه غير متناسب للكون، بعد حوالي 10-35 ثانية من الانفجار العظيم. تجعل الفكرة من الممكن حل العديد من الألغاز، مثل تجانس الكون على نطاق واسع جدًا أو خصائصه الهندسية. يقدر العلماء قدرة هذا النموذج على عمل تنبؤات قابلة للقياس، والتي قد تؤكدها الملاحظات المستقبلية أو تنكرها. وفي نفس الوقت، كانت القياسات على المجرات وحشود أو أكداس المجرات، أصبحت أكثر دقة، مما يثخن لغز المادة المظلمة. من خلال رصد أطوال موجية جديدة من الفضاء، نكتشف أنواعًا جديدة من الأجسام، مثل مجرات الأشعة تحت الحمراء التي تشع ما يصل إلى 99٪ من ضوءها خارج الطيف المرئي. ضاعف كتالوج IRAS (تقريبًا) عدد المجرات المعروفة بمقدار الضعف! لم يكن مفهوم بغ داتا سنترBig Data Center -قاعدة البيانات الكبرى – معروفاً بعد، لكن علماء الفيزياء الفلكية كانوا يبحرون بالفعل في حدود الإمكانيات التقنية لمعالجة البيانات وإدارتها.

التقدم المبهر في التسعينيات:

في عام 1989، كان إطلاق القمر الصناعي الأمريكي COBE، المزود بثلاثة أدوات استثنائية (والذي نتج عنه جائزتي نوبل)، بداية فترة رائعة. في غضون بضع دقائق، تقيس أداة FIRAS طيف الخلفية الكونية على نطاق من الأطوال الموجية التي لم يسبق تغطيتها من قبل، بدقة أكبر بمئات المرات من القياسات السابقة. ترسم أداة DMR الخلفية الكونية لبضع سنوات وتكتشف تقلباتها الأولى (الضعيفة جدًا)، والتي أنهت في عام 1992 الجدل حول الحاجة إلى "المادة السوداء أو المظلمة غير الباريونية". تراقب أداة DIRBE الأشعة تحت الحمراء المنتشرة الأخرى. بفضل FIRAS وDIRBE، اكتشف فريق فرنسي في عام 1996 - بشكل غير متوقع، قبل تأكيد أمريكي في عام 1998- إشعاع الخلفية للمجرات أو "الخلفية

الإشعاعية تحت الحمراء خارج المجرة ". كان لهذه القياسات والاكتشافات لها تأثير مدوي، مثل رصد الإشعاع الأحفوري في عام 1964.

تم اختيار مهمتين فضائيتين أخريين تستهدفا الخلفية المنطقية الكونية في عام 1996: WMAP (NASA) وكالة ناسا الأمريكية للفضاء وبلانكPlanck  من وكالة الفضاء الأوربية(ESA). أتيحت لي الفرصة لحضور عروض البعثة في وكالة الفضاء الأوروبية، والتي خرج منها بلانك منتصرًا (كان اسمه آنذاك "COBRAS-Samba"). قال أحد الزملاء خلال الاجتماعات التحضيرية: "دعونا لا ننسى أن شباب الغد الباحثين هم من سيحللون أيضًا بيانات بلانك على نحو أطق وتفصيلي، من الواضح أنها تنبؤات مؤكدة منذ أن تطورت التقنيات بشكل كبير بين COBE وWMAP وPlanck، وتغيرت تمامًا. من ناحية أخرى، لا تزال بعض الأساليب المنهجية المستخدمة، وكذلك موضوع الدراسة، أي الخلفية الكونية وتقلباتها الصغيرة، شائعة.

مرصد الفضاء الأوروبي بالأشعة تحت الحمراء IS0 تم إطلاقه في عام 1995. تم تبريده بالهيليوم السائل للحفاظ على الحساسية الممتازة لأجهزة الكشف وتجنب الإشعاع الحراري الطفيلي، أكمل مهمته في عام 1998، في وقت متأخر جدًا عما كان متوقعًا. جعل ISO من الممكن فهم أفضل لمجرات الأشعة تحت الحمراء التي لاحظها IRAS.

عام 1998 هو أيضًا عام الاكتشاف الكبير، الذي حققه فريقان مستقلان يقيسان مسافات المستعرات الأعظم خارج المجرة (انفجارات النجوم الساطعة بشكل لا يصدق، والتي يمكن اكتشافها في المجرات الأخرى). من خلال مقارنة السطوع المرصود للمستعرات الفائقة البعيدة للغاية وسطوعها المرئي والمرصود، اعتمادًا على المسافة (تم تقييمها باستخدام الانزياح الأحمر أو الانزياح نحو الأحمر)، وجد الباحثون فرقًا. حل واحد فقط: تغيير جذري وهي أيضًا قيمة "الثابت الكوني" (يُشار إليه بالرمز A، وهو أحد معايير النموذج الكوني الساري)، والذي اعتبره العلماء صفرًا حتى ذلك الحين.

كانت هذه النتيجة مدهشة: قيمة غير صفرية للثابت الكوني تعني وجود مكون " ذو ضغط سلبي" يسمى "الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة l’énergie noir ou sombre" أو "الداكنة" (الطاقة المظلمة بالإنجليزية dark energy ) مما يسرع من توسع الكون! لذلك فهي تنمو بشكل أسرع وأسرع. يبقى النموذج الكوني متسقًا ومتوافقًا مع البيانات، على حساب سؤالين رئيسيين: ما هي المادة السوداء المظلمة وماهي الطاقة السوداء المظلمة؟ منذ هذا الاكتشاف العظيم، الذي أدى إلى ظهور ثلاث جوائز نوبل في عام 2011، تساءلنا عن أصل هذه الطاقة. وشهدت نهاية العقد أيضًا تحليق التجارب على متن بالونات الستراتوسفير، والتي تطورت على ارتفاع 40 كم. تسمح لك هذه البالونات برصد سماء نقية كما لو كنت في الفضاء لعدة ساعات. يتم استخدامها أيضًا للتحقق من صحة مفهوم أداتي قبل مهمة فضائية.

اكتشافي لعلم الكونيات:

يعود لقائي مع علم الكونيات إلى عامي الأول في دراسة الفيزياء. بعد عام من الفصول التحضيرية (حيث بالكاد ازدهرت)، التحقت بالجامعة كطالب حر خارج الطر الأكاديمية التقليدية المتبعة، حيث شاركت دورات وخيارات تتعلق بالفيزياء المعاصرة، على اتصال بالبحث الذي يتم إجراؤه وأولئك الذين يقومون به. ومن بينها دورة استثنائية في الفيزياء الفلكية، والتي تم فيها فقط تقطير بعض المفاهيم الأساسية للفيزياء، والتي تم فحصها بعد ذلك من عدة زوايا في إطار الفيزياء الفلكية. على سبيل المثال، تأثيرات الجاذبية، من المد والجزر (على الأرض، أو التي تفسر حلقات زحل) إلى ديناميكيات الكون المتوسع (في تقريب كلاسيكي).

اليوم، وبعد اقترابي من العقد السابع في العمر أحاول أيضًا إعطاء القراء العرب رؤية عالمية ومعاصرة مرتبطة بالفيزياء الفلكية أو تقنيات الفضاء، بدون ننسى الحديث عن آخر التطورات في الفيزياء. إذا اقتربت من فكرة تغيير الإطار المرجعي (ليس معقدًا جدًا في حد ذاته، ولكن يصعب فهمه لأنه ليس بديهيًا)، أذكر أيضًا الإطار المرجعي المرتبط بالخلفية الكونية، والذي لم يسمع عنه القراء العرب سوى القليل.

إذا كان الأمر يتعلق بتوضيح قوانين الحفظ (الطاقة، الزخم الزاوي) وقوانين كبلر (مشكلة الجسمين)، فيجب اللجوء إلى أمثلة خارجة عن كواكب النظام الشمسي، كخيار حركة الكواكب الخارجية حول نجومها، لقاء سويوز مع محطة الفضاء الدولية، مشاهد من أفلام الجاذبية بين النجوم، حركة ثقبين أسودين حول مركزهما الباري (ضمن الحد الكلاسيكي، ولكن فيما يتعلق بالكشف الأخير عن موجات الجاذبية)، عناقيد المجرات (مع الحجج التي أدت إلى فكرة المادة المظلمة)فالأمر يتطلب أن نكون على اتصال بالباحثين، الذين يدفعون حدود المعرفة إلى الأمام على أساس يومي. هذا الاتصال المباشر، من أجل تدريب فكري تعددي وإنساني ومرضي وعالي الجودة، يجمع بين التميز والانفتاح على الجميع (بالإضافة إلى كونه صلبًا واحترافيًا)، يبدو لي أنه فرصة ومصلحة مدنية.

بداية رائعة لهذا القرن الواحد والعشرين:

تم إطلاق مهمة NASA من WMAP في عام 2001، وهي تمثل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: لمدة 9 سنوات، تقيس بدقة شديدة تقلبات الخلفية الكونية وتحقق نتائج مبهرة. آخر إطلاق لناسا القمر الصناعي - تلسكوب سبيتزر Spitzer الفضائي، المراقب الذي يغطي المجرات البعيدة في الأشعة تحت الحمراء في 2003 لا يزال يعمل حتى يومنا هذا.

سنوات 2010 وما بعدها، شهدت النجاحات العظيمة لبعثات بلانك Planck وهيرشل Herschel التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، بمساهمة فرنسية قوية للغاية. يعد Herschel أكبر تلسكوب فضائي تم إطلاقه على الإطلاق (حقيقة غير معروفة): يبلغ قطره 3.50 rn، وهو يتجاوز تلسكوب Hubble Spatial (تلسكوب هابل الفضائي باللغة الإنجليزية، 2.40 rn). مثل إيسو ISO وسبيتزر Spitzer، فهو يستهدف المجرات بشكل أساسي، مما يجعله مكملاً لـ Planck. التجارب التي ترصد الخلفية الكونية من الأرض لا ينبغي تجاوزها: تلسكوب القطب الجنوبي (SPT)، يعطي تلسكوب Atacama Cosmology (ACT) أو BICEP2 نتائج جيدة، لا سيما بفضل الدقة الزاويّة البطيئة الممتازة. إن التطورات المخطط لها لتجارب المراقبة الأرضية هذه، ولا سيما مع كاميرات أكثر حساسية وأكبر قدرة على الرصد، ومجهزة بترددات أكثر وقادرة على قياس الاستقطاب، تعد واعدة للغاية.

تجارب أخرى تميز الساحة العلمية في العشرين سنة الماضية: دعونا نقتبس من مقياس التداخل ALMA (صحراء أتاكاما، تشيلي) وشقيقه الصغير NOEMA (فرنسا) للرصد في موجات الراديو، أو الأقمار الصناعية Chandra (NASA) وXMM (ESA)، التي تم إطلاقها في 1999، للأشعة السينية، ومؤخراً القمر الصناعي germano-Russe eROSITA، الذي تم إطلاقه في عام 2019. تم التخطيط للعديد من البعثات لعقد عشرينات وثلاثينات القرن الواحد والعشرين-2030- 2020-، بما في ذلك أقليديس Euclid الأوروبي وJames Webb Space Telescope (JWST)، لتحل محل هابل. على الأرض، سيحدث تلسكوب المسح الشامل الكبير (LSST) ثورة في علم البيانات والفيزياء الفلكية لأنه سيرصد بألوان متعددة السماء المرئية بأكملها، من تشيلي، كل أسبوع تقريبًا. تكملة مثالية لإقليدس!

تحديات وتساؤلات اليوم:

يمكن تلخيص تاريخ الكون الذي طوره العلماء (علماء الفيزياء الفلكية، وعلماء الكونيات، وعلماء الفيزياء، والمراقبون، والمجربون، والمنظرون) في "نموذج الانفجار الكبير الساخن القياسي"، والذي يظل ثابتًا بشكل ملحوظ على الرغم من الاختلافات والعيوب. ويفي بجميع اختبارات المراقبة وقد تم إثراؤه بمرور الوقت، مع تغذية بيانات أكثر دقة وانعكاسات أكثر تعقيدًا، في محاولة للاستجابة لتحديين رئيسيين.

يتعلق الأول بالتجانس الكبير جدًا لـ الكون "الشاب"، الذي تمت ملاحظته عند 0.0027٪ من عمره الحالي، أو ما يقرب من 370.000 سنة بعد الانفجار العظيم ولو قورن ذلك بعمر الإنسان المتوسط فإن 60 عامًا، هذه الفترة تقابل 14 ساعة بعد ولادته، إنه وقت انبعاث الشعاع الكوني الأحفوري. يكون تجانس الكون كله، في درجة الحرارة والكثافة، أفضل من 0.001٪ (نتحدث عن "تباين نسبي" 10-5). الأمر الذي يبدو غامضًا: لم يكن هناك وقت للإشارة لكي تنتقل بين مناطق بعيدة جدًا عن بعضها البعض (لا توجد "علاقة سببية")، فلماذا سيكون لها نفس الخصائص؟ كيف تشرح الكمال في التماثل والتجانس و"سيء التزامن " في درجة الحرارة؟ على العكس من ذلك، ما هو أصل عدم التجانس الضعيف؟

لقد أدت التطورات النظرية إلى رفع الحجاب إلى حد ما عن تلك الألغاز. يتفق العلماء الآن على أن تجانس الكون مرتبط بلحظاته الأولى بل وربما بما قبل البغ بانغ. وفقًا لسيناريو التضخم الكوني، بعد حوالي 10-35 ثانية من الانفجار العظيم، سيطرت طاقة الفراغ الكمومي على الكون. هذا له تأثير طارد مذهل، والذي تسبب في تمدد بمعدل أسي، وضرب حجم الكون بعامل حوالي 1060 ... في النموذج القياسي البسيط، من "التقلبات الكمومية" لـ طاقة الفراغ، نتج عن التضخم اضطرابات مادية (أو germes"جراثيم") تم تضخيمها؛ ربما تكونت المجرات منها.

التحدي الثاني يتعلق - على العكس من ذلك - بالجانب الكبير من عدم تجانس الكون الحالي، المنظم في مجموعات من المجرات والسدم المجرية وعناقيد المجرات، ثم في النجوم، الغاز والغبار على وجه الخصوص، بالإضافة إلى المادة السوداء أو المظلمة (السائدة والغامضة). كيف تشكلت النجوم الأولى، والمجرات الأولى؟ كيف تم تكوين النجوم من الغاز البارد في المجرات والعناقيد؟

لشرح واحدة أو أخرى من هذه النقاط، تطور النموذج القياسي أو المعياري إلى متغيرات، والتي في بعض الأحيان لا يمكن اختبارها بعد أو تحتوي على معلمات ومعايير وإعدادات مجانية يصعب تقييدها. يريد العلماء تحدي النماذج، بإجراءات يمكن أن تفصل بينها وربما استبعادها. يحددون "المراقبين" الذين، بمجرد قياسهم، سيكونون قادرين على مقارنة هذه النماذج. لا تزال الخلفية الكونية ملحوظة رئيسية، حيث يرتبط عدم تجانسها الضعيف بكل من الجراثيم germes التي ولدت المجرات، والعمليات الفيزيائية للكون البدائي.

إلى جانب هذين التحديين، يمكن تلخيص الأسئلة الحالية الرئيسية في الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات في أربع نقاط:

- كيف كان سلوك الكون في لحظاته الأولى؟

- ما هي طبيعة وماهية المادة السوداء أو المظلمة؟

- ما هي طبيعة وماهية الطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة؟

- كيف تتشكل الهياكل الكبيرة (عناقيد المجرات والمجرات)، بما في ذلك الأجسام المضيئة الأولى في الكون؟

هذه الأسئلة الأربعة، التي من المحتمل أن تتحدى النموذج القياسي المعياري لعلم الكونيات أو فيزياء الجسيمات، وهي في صميم البحث الحالي والمشاريع الكبرى الجارية أو التي بدأت أو تم التخطيط لها أو المتوخاة.

الأول يستدعي سيناريو التضخم الكوني، وهو وقت قصير للغاية شهد توسع الكون بسرعة كبيرة. لقد ترك التضخم آثارًا مختلفة يمكن ملاحظتها في الكون، تم قياس بعضها بواسطة القمر الصناعي الفضائي بلانك.

والثاني يبقى لغزا كبيرا. عدة مسارات موجودة، والتي تنطوي بشكل أساسي على الجسيمات الغريبة. يتم النظر في العديد من الآليات المرشحة ومجموعات الآليات، ولكن لم يتم حتى الآن إجراء كشف مباشر مقنع.

والثالث لغز أيضا. ظهر تقدم نظري ورصدي خجول، في انتظار سيل من بيانات "الجيل الجديد)" المستهدفة قريبًا.

الرابع يتضمن مقاربات معقدة جدا ومتعدد النطاقات، مع المادة السوداء أو المظلمة والمادة العادية وتفاعلاتها. يتطلب الأمر ملاحظات ومراقبة صعبة، خاصة عندما يتعلق الأمر باكتشاف تأثيرات الأجسام الأولى التي تشكلت في الكون. تحدث تطورات كبيرة بشكل شبه يومي، لكن تعقيد وتنوع العمليات الفيزيائية المعنية، المرتبطة ببيانات أو محاكاة دقيقة للغاية ولكنها مجزأة في كثير من الأحيان، تجعل الموقف حساسًا.

سنعود الآن بالتفصيل إلى التاريخ الطويل للكون المرئي، مثل النموذج القياسي المعياري لعلم الكونيات الذي يسمح بإعادة بنائه، للمشاكل التي لا يزال هذا النموذج يطرحها، وكذلك إلى الخلفية الكونية، موضوع كل الاهتمام.

نجاحات النموذج القياسي المعياري:

لقد حققت النظرية الحالية، التي تصف تاريخ الكون المرئي بشكل جيد إلى حد ما، نجاحًا كبيرًا إزاء الرصد والمراقبة والمشاهدة والملاحظة. ومع ذلك، لا يوجد نقص في قيود النماذج والأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها، ويعالجها علماء الكونيات. للإشارة إلى رسم ألكسندر أستير وموريل بونيه عندما تحدثوا بروح الدعابة عن فيزياء الكم، كان بإمكاني أن أعنون هذا الفصل "النموذج القياسي لعلم الكونيات: سجل مختلط".

تم تطوير النموذج القياسي لعلم الكونيات الحالي من خلال الاختراقات المفاهيمية، ثم الاكتشافات الرصدية، وأصوله الصلبة، ولكن أيضًا مناطق رمادية وأسئلة مفتوحة. يمكن تلخيص السيناريو البسيط نسبيًا في خمسة أعمال، تخضع نفسها لبعض الاختلافات. هذا ما يخبرنا به عن الكون.

تاريخ الكون في خمسة فصول:

الفصل الأول: الانفجار العظيم والتضخم

يعتمد النموذج القياسي على مفهوم توسع الكون، الذي بدأ منذ 13.8 مليار سنة في مرحلة شديدة الكثافة والسخونة تسمى "الانفجار العظيم". ما بين 10-35 و10-32 ثانية بعد هذا الانفجار العظيم، كان التوسع الأسي يسمح للكون بالنمو بعامل كبير. هذه هي نظرية التضخم الكوني المذكورة سابقًا. هذه الحلقة مصحوبة بخلق طاقة استثنائية، في شكل ما يسمى بموجات الجاذبية "البدائية «أو الموجات الثقالية. وبالتالي، فإن التوسع الشامل للكون يجعله دائمًا أقل كثافة وأبرد. محتواه متجانس للغاية وهندسته إقليدية (نقول أحيانًا "مستوي").

الفصل الثاني: أول ثلاث دقائق

تحدث العديد من الظواهر الرائعة في وقت مبكر جدًا في الكون، عادةً خلال الدقائق الثلاث الأولى من بينها، توليف الجسيمات وتفاعلها، ولا سيما التركيب النووي البدائي: مجموع نوى الهيدروجين (التي نعرفها تحت اسم"البروتونات") وجميع نوى الهيليوم تقريبًا، بالإضافة إلى تلميح من نوى الليثيوم. يتم وصف هذه العمليات بشكل مثالي من خلال فيزياء الجسيمات والفيزياء النووية والفيزياء الإحصائية وفيزياء الإشعاع الكهرومغناطيسي (باختصار، ميكانيكا الكموم والديناميكا الحرارية).

تتسبب التقلبات الكمومية الصغيرة في الفراغ، الممتدة عن طريق التضخم، في تقلبات صغيرة في الكثافة. تحت تأثير قوى الجاذبية، سوف يقومون ببناء هيكلية(بعد ذلك بوقت طويل) لتشكيل مجرات وعناقيد من المجرات. لذلك تميزت بدايات الكون بأربعة لاعبين رئيسيين (سيجد الأصوليون الفصل بين المادة والطاقة مصطنعًا،

فالاثنان متكافئان بحكم معادلة آينشتاين الشهيرة عن الكتلة والطاقة E = mc2): الزمكان الذي ينحني، الجاذبية التي تعمل على المادة بشكل جاذب، الإشعاع الذي ينقل معظم الطاقة ويقاوم ضغط المادة بالجاذبية، والتوسع الذي يبرد المشهد ويجعل العمليات الفيزيائية "خارج التوازن".

الفصل الثالث: حول إعادة التركيب recombinaison

لفترة طويلة، كان الكون عبارة عن بلازما من مادة وفوتونات مشحونة كهربائيًا. ثم جاء إعادة التركيب: بعد حوالي 370 ألف سنة من الانفجار العظيم، في درجة حرارة محيطة تبلغ حوالي 3000 كلفن، ترتبط الإلكترونات بنوى ذرية لتشكيل الذرات.

حتى وقت إعادة التركيب، المادة الإشعاع مقترنان، في حالة توازن مع بعضهما البعض: تميل الجاذبية إلى تكثيف المادة، لكن الإشعاع المرتبط بهذه المادة يعارضها، مما يؤدي إلى «ضغط الإشعاع". لذلك تتذبذب البلازما بشكل ضعيف منة - مثل سطح الأسطوانة المهتزة - وفقًا لهذه القوى المتعارضة، وفقًا لأنماط الاهتزاز اعتمادًا على خصائص الكون في ذلك الوقت. يمكن لهذه التذبذبات (تسمى "الصوتية") للمادة المتأينة والفوتونات أن توفر معلومات عن المراحل الأقدم.

تحدث اهتزازات صوتية من نفس النوع في الشمس والنجوم تحمل معلومات حول الفيزياء من القلب إلى السطح، حيث تجعلها الاختلافات في الإشعاع الكهرومغناطيسي قابلة للاكتشاف. نظرًا لتفاعلاته مع المادة المتأينة، يستغرق الضوء حوالي 100000 عام (!) للهروب من داخل الشمس، ثم 8 دقائق قصيرة للوصول إلى الأرض، بعيدًا جدًا ولكنه يقع في بيئة شفافة 'علم الشمس وعلم الهليوسيزمولوجيا الهزات الشمسية وعلم الزهرة النجمية - دراسة اهتزازات الشمس والنجوم - يجعل من الممكن استكشاف إشعاعها الداخلي المعتم دون رؤيته مباشرة. يمكننا حتى اكتشاف البقع الشمسية الموجودة في نصف الكرة غير المرئي لنجمنا ... وبالمثل، يتيح علم الكون دراسة اهتزازات الكون البدائي، عندما كان معتمًا للإشعاع.

ملاحظة رائعة: إن معادلات الاهتزاز: هي نفسها تقريباً بالنسبة لنجم (يمكن ملاحظته كل ليلة) والكون في مرحلة في وقت مبكر جدًا ... هذا النوع من المعادلات - "المذبذب التوافقي" - هو علاوة على ذلك بسيط جدًا من الناحية الحسابية (معادلة تفاضلية من الدرجة الثانية ذات معاملات ثابتة) ويستخدمها الطلاب منذ سنوات دراستهم الجامعية الأولى.

لتوضيح حركة بندول بسيط (مشكلة يواجهها غاليليو)، أدير بندولًا صغيرًا يدويًا وأقوم بتفصيل نقاط معينة. مثال: تعتمد فترة تذبذب البندول فقط على طوله (تقريبًا) إذا ظلت زاوية التذبذب صغيرة. أشير إذن إلى أن حركة التوازن هذه تشبه في كل الأحوال اهتزازات الكون البدائي! أحيانًا أقدم تجربة حية أخرى: صنع فقاعات صابون "عملاقة" (بالكاد يتجاوز قطرها 40 سم) ومشاهدتها تتشوه قليلاً. يهتزون بطريقتهم الخاصة ويخبروننا عن طبيعتهم المادية، مثل اهتزازات النجوم والكون الشاب.

أثناء إعادة التركيب، تصبح المادة محايدة كهربائيًا. عندما تختفي المادة المشحونة، ينفصل الإشعاع عنها ثم ينتشر بحرية ويشكل الخلفية الكونية الشهيرة. يتوقف ضغط الإشعاع والتذبذبات الصوتية عن الوجود، لعدم وجود معركة بين الجاذبية والإشعاع. لكن آثار التذبذبات لا تزال ملحوظة حتى اليوم، في تقلبات درجات الحرارة في الخلفية الكونية والتوزيع الواسع النطاق للمجرات.

الفصل الرابع: الشفافية وتكوين الهياكل:

على الرغم من توسع الكون، فإن كثافات المادة الزائدة، التي بدأت بتذبذبات متقطعة، ثم تزداد بانهيار الجاذبية. إنها تشكل تراكيز كبيرة (تسمى "الهالات") والتي ستصبح فيما بعد هياكل الكون: مجرات وحشود من المجرات. تسيطر المادة السوداء أو المظلمة على هذه الهالات، والتي يتسبب "غرقها المحتمل للجاذبية" في انهيار المادة العادية، التي تتكثف وتبرد، ثم تشكل النجوم. في البداية، صغيرة نسبيًا، تندمج الهالات والمجرات لتكوين أنظمة ضخمة بشكل متزايد. هذا هو جوهر ما تتنبأ به معظم نماذج التكوين - المعروفة باسم "الهرمية" - للبنى في علم الكونيات. ظاهرة أخرى مثيرة للاهتمام تحدث بعد بضع مئات الملايين من السنين من الانفجار العظيم، في كون أبرد بكثير مما حدث أثناء إعادة التركيب (بضع عشرات من درجات كلفن، مقابل 3000 درجة كلفن في البداية). تضيء النجوم الأولى بعد ذلك في كون شفاف، لكنه يتكون قبل كل شيء من الهيدروجين المحايد. يتسبب إشعاعهم في تأين الذرات المجاورة: فهو يفصل الإلكترونات عن البروتونات مرة أخرى. تمتد هذه الفقاعات المتأينة من كل نجم، حتى تتسرب أخيرًا وتملأ الكون (سنرى أن هذه الإلكترونات الحرة قابلة للكشف دائمًا). الحقبة المعنية تسمى "إعادة التأين".

الفصل الخامس: التوسع المعجل:

يمكن اكتشاف تأثيرات توسع الكون بوضوح على نطاق واسع للغاية، يتجاوز مائة أو نحو ذلك ميغا فرسخ. نلاحظ أن هذا التوسع يتسارع ونستدعى الطاقة المظلمة لشرح هذه الظاهرة: لقد سيطرت على ديناميكيات الكون لعدة مليارات من السنين، بعد عهود الإشعاع، ثم المادة.

وصفة الكون الحار حسب ستيفن واينبرغ:

أكثر الكتب مبيعًا لهذا العالم ستيفن واينبيرغ هو" في الدقائق الثلاث الأولى من الكون، ستيفن واينبيرج (ترجم من الأمريكي جان بينوا يلنيك) - جائزة نوبل عام 1979 لنظرية القوة الكهروضعيفة - ببراعة وبروح الدعابة يقدم "وصفته لكون حار". على الرغم من أنه يرجع تاريخه إلى أواخر السبعينيات، إلا أنه يظل وثيق الصلة تمامًا بوصف النيوكليوسنتيز التركيب النووي. وهذا ملخص أطروحة واينبيرغ مع إضفت بعض التفاصيل (بين قوسين):

"إذن، إليك ملخص لوصفتنا لبداية الكون بكل مكوناته: خذ شحنة [كهربائية] لكل فوتون يساوي صفرًا، ورقم باريوني لكل فوتون يساوي واحدًا لكل مليار [أي واحد مليار فوتون لكل بروتون] وعدد ليبتون [عدد الإلكترونات والنيوترونات، على سبيل المثال] لكل فوتون غير محدد ولكن صغير. اضبط درجة الحرارة بحيث تكون في جميع الأوقات أعلى من درجة الحرارة بمقدار 3 درجات كلفن [مقياس درجة الحرارة المطلقة] لخلفية الإشعاع الحالية [الخلفية الكونية] في نسبة حجم الوحدة الحالية إلى حجمها عند الوقت يعتبر [العامل 1 + ض]. رج العبوة جيدًا بحيث يتم تحديد التوزيعات التفصيلية للجزيئات من أنواع مختلفة حسب ظروف التوازن الحراري. ضع كل شيء في كون يتمدد، حيث يتم التحكم في سرعته بواسطة مجال الجاذبية الناتج عن الوسط. بعد فترة كافية، يجب أن يعطي هذا الخليط كوننا الحالي. "

سنحدد اليوم في الجملتين الأخيرتين: إضافة المادة المظلمة لجعل الهياكل الكبيرة تظهر بشكل أسرع، تمامًا كما تصنع الخميرة العجين، وتغطي بالطاقة المظلمة لتسريع توسعها.

بعض القضايا المزعجة:

بشكل عام، فإن النموذج القياسي وتنوعاته ناجحة للغاية. لا يقتصر الأمر على اتفاقهم مع العديد من الملاحظات (التقلبات في درجة حرارة الخلفية الكونية وفي كثافة المادة ...)، ولكنهم توقعوا الظواهر التي لوحظت لاحقًا، مثل التذبذبات في التوزيع المكاني واسع النطاق لـ المجرات.

 على الرغم من كل شيء، لا تزال هذه النماذج تواجه قيودًا أساسية. من بين هؤلاء جهلنا بطبيعة المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو الداكنة المظلمة. مشكلة أخرى: تفاصيل فيزياء الباريونات (الأمر"عادي")، ولا سيما صلاتهم بالمادة المظلمة، وعمليات تراكم المادة وتشكل النجوم. في الواقع، النماذج تصف بدقة فقط سلوك المادة السوداء أو المظلمة. لكن الضوء القادم من المجرات الذي يصل إلى تلسكوباتنا يأتي أساسًا من تبريد الباريونات (مما يؤدي إلى تكوين الغيوم والنجوم بين النجوم)، وليس من المادة السوداء أو المظلمة! لمقارنة النظرية والملاحظة أو المشاهدة، من الضروري وصف انهيار الغاز في المجرات والنجوم، من خلال النماذج المعقدة. هذه واحدة من الصعوبات الرئيسية في دراسة الهياكل الكبيرة للكون والمجرات.

يخطو علم الكونيات أيضًا خطوات كبيرة في الدراسة من الفترة العالقة بين نهاية إعادة التركيب وعصر الهياكل الكبيرة. تمتد عدة ملايين من السنين (وتقع في انزياحات حمراء redshifts تتراوح من 1000 إلى حوالي 20)، وتسبق هذه الفترة المسماة "العصور المظلمة" ما يسمى بشكل متواضع "الأشياء الأولى"، دون معرفة الكثير. هذه (النجوم، الكوازارات). تتميز هذه العصور المظلمة بكون محايد ومظلم، ولا يوجد مصدر للضوء هناك حتى الآن.

تتشكل الأجسام المضيئة الأولى (النجوم أو الكوازارات أو كليهما) في "بنيات" هياكل كبيرة للمجرات. المادة الباريونية الوحيدة المتاحة هي الهيدروجين والهيليوم، يجب أن تكون هذه النجوم خاصة (يحتوي الكون الحالي على العديد من الأنواع ذرية، مركبة في أجيال متعاقبة من النجوم). علاوة على ذلك، فهي تتألق بقوة في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، وهذا الإشعاع يؤين بيئتها: فقاعات أو تجاويف "معادة التأين" تمتد.

الشكل 4.1. عرض تخطيطي لتاريخ الكون الموصوف بواسطة النموذج القياسي لعلم الكونيات، مدعومًا بالعديد من الملاحظات (الأحدث من القمر الصناعي بلانك). الائتمان: وفقًا لوكالة ناسا. يمكننا إعادة النظر في التاريخ الطويل للكون في الرسم البياني الكمي أدناه، الذي يربط بين المراحل الرئيسية والعمر والانزياح الأحمر ودرجة الحرارة. يتدفق الوقت من اليسار إلى اليمين، والانفجار العظيم والتضخم على اليسار (غير موضح). نحن نتخيل في الحال درجات الحرارة والطاقات وعوامل القياس والمراحل الرئيسية: إنتاج المادة السوداء أو المظلمة، والتخليق النووي، والخلفية الكونية، وإعادة التأين، وظهور الهياكل الكبيرة. يشير لون هذا "البوق الكوني" إلى العنصر المسيطر على التمدد. حتى انزياح أحمر يبلغ حوالي 3370، هذا هو الإشعاع. بعد ذلك تأتي المادة، ثم الطاقة السوداء أو المعتمة والمظلمة "مؤخرًا".

مقاييس النموذج القياسي الكوني:

يسمى الجزء الأكثر استخدامًا من النموذج القياسي"نموذج ACDM". تمثل A الثابت الكوني، بينما تمثل CDM المادة السوداء أو المظلمة الباردة (المادة المظلمة الباردة، أي أن جسيماتها تتحرك أبطأ بكثير من سرعة الضوء). يحتوي هذا النموذج على ستة معايير رئيسية، بما في ذلك الكثافة الإجمالية للمادة العادية (الباريونات) وتلك الخاصة بالمادة السوداء أو المظلمة الباردة. إنها تجعل من الممكن حساب قيم تسع معلمات أخرى (تسمى `` المشتقات '')، بما في ذلك ثابت هابل H0 (مع إعطاء معدل التوسع الحالي)، وعمر الكون والكثافة الكلية للمادة

(باريونات + مادة مظلمة + نيوترينوات). يمكننا إعادة استخدام عنوان Star Wars Episode III - Revenge of the Sith - بتعديله قليلاً؛ هذا من شأنه أن يعطي: "انتقام المعايير الستة". تم إجراء القياسات الأكثر دقة لجميع هذه المعلمات بواسطة القمر الصناعي بلانك ونشرها للجمهور.

 في عام 2015. يقدر عمر الكون بـ 13799واليوم، وبفضل بيانات بلانك 13.852

± 0.038 مليار سنة، ثابت هابل عند 67.8 ± 0.9 كم / ثانية / مليون قطعة.

يمكن للقارئ المهتم بالتفاصيل الرجوع إلى المقالة العلمية التي تلخص نتائج بلانك Planck (https://arxiv.org/pdf/1807.06209.pdf ؛ الجدول 2، العمود الأيمن، يعطي جميع المعلمات).

تأتي هذه المعلمات من المقارنة بين البيانات والنموذج، حيث يمكن تفسير الملاحظة فقط في إطار نظري. إذا ظهر نموذج جديد في غضون بضع سنوات، فيمكننا إعادة تحليل بيانات بلانك (دون تغيير) واستنتاج قيم أخرى للمعلمات (هذه القابلية للدحض هي قوة النهج العلمي). ولكن إذا قال هذا النموذج (على سبيل المثال) أن الكون أصغر من النجوم التي تعتبر الأقدم، فسيتعين علينا تطويره! لذلك، فإن الضمانات تلزم بعدم اختراع نماذج بعيدة المنال (بمعنى "بعيدة للغاية عن التدابير المعتمدة").

يتم قياس المعلمات من خريطة الخلفية الكونية بشكل تخطيطي في ست خطوات:

أ) نقطة البداية: خريطة الخلفية الكونية المنتشرة فوق السماء بأكملها.

ب) نقوم بإسقاط الخريطة وفقًا لمقاييس زاوية مستقلة

قلادة (ما يسمى بإسقاط "التوافقيات الكروية").

ج) تستخدم الحسابات الإسقاط في التوافقيات الكروية (المصطلح) وشدة تقلبات الخلفية بمقياس وموضع معينين في السماء (الشروط أ،). يوفر ناتج العديد من الشدات القدرة على مقياس زاوي معين. في النهاية، نحصل على طيف القدرة للتقلبات (في جميع المقاييس الزاوية).

د) توليد عشرات الآلاف من نماذج أطياف القدرة ومقارنتها بالبيانات. هـ) نحافظ على النماذج التي تناسب البيانات على أفضل وجه. في بعض الأحيان، تعطي مجموعات متعددة من المعلمات ملاءمة جيدة جدًا (نتحدث عن "الانحرافات"). يقلل بلانك بدرجة كبيرة من عدم اليقين عن طريق قياس عدة قمم على منحنى الخلفية الكونية.

و) يتم تحديد قيم المعلمات التي "نجت" باستخدام أشرطة الخطأ، نحصل على المعلمات علم الكونيات النهائي.

 الخلفية الكونية، "ضوء البقايا" الرئيسي من مكونات الكون - في المادة والطاقة متنوعة: ضوء، مادة عادية (ذرات، جزيئات، الإلكترونات ...)، النيوترينوات (الجسيمات الأولية تتفاعل بشكل ضعيف جدًا مع المادة، ذات كتل صغيرة وبدون شحنة كهربائية)، مادة مظلمة، طاقة مظلمة. نحن نعرف القليل جدًا عن المكونين الأخيرين: غير معروفين في المختبر، ولا يستفيدون من أي تفسير نظري واضح (على الرغم من العديد من السبل)، ولكن يتم استدعاؤهم لشرح الآثار المرصودة جيدًا.

الشكل 4.4. من صور بلانك إلى المعلمات الكونية في 6 خطوات. الى. صورة بلانك للخلفية الكونية. ب. نقوم بتحليل الصورة وفقًا لعدة قرارات. ضد. يتم إجراء عملية الارتباط الرياضي للحصول على طيف القدرة الزاوي. د. نقوم بتوليد الملايين من نماذج الكون، ونقارنها بالبيانات: نحتفظ فقط بأفضل النماذج التي "تنجو" من هذه المقارنة. ه. العديد من النماذج مرضية، ولكنها تعطي قيمًا مختلفة قليلاً للمعلمات: لذلك نحسب الاحتمال وعدم اليقين. F. هذه المعلمات في النهاية تعطينا "المخطط الدائري" الكوني: بطاقة هوية الكون بتكوينه نشوئها في المادة الباريونية، المادة المظلمة، الطاقة المظلمة. أن تكون مبهمة، خلال حلقة قصيرة - تسمى "آخر فترة بث" - والتي حدثت بعد حوالي 370.000 سنة من الانفجار العظيم. لا يزال الضوء الذي يغمر الكون في ذلك الوقت - الخلفية الكونية المنتشرة، أو الإشعاع الأحفوري - يدور وقد تمت ملاحظته بواسطة أجيال من الأقمار الصناعية: COBE وWMAP وPlanck. يسمح لنا هذا الإشعاع (المسمى "الجسم الأسود") بالعودة إلى أوائل شباب الكون.

في الكون البدائي، كثيف جدًا، الضوء ليس كذلك لا يمكن أن تنتشر بحرية. ثم توقف الكون بحلول الوقت الذي انبعثت فيه ("آخر انتشار لها")، اكتسبت فوتونات الخلفية الكونية استقطابًا يعتمد على سرعة بلازما الإلكترون / الفوتون في ذلك الوقت. توفر درجة واتجاه استقطاب الفوتونات القادمة من نقطة في السماء معلومات إضافية عن حالة الكون في ذلك الوقت. تتيح لنا هذه البيانات الرئيسية تحسين النماذج، التي كانت تستفيد في السابق فقط من قياسات تغيرات درجات الحرارة بين نقاط مختلفة.

ما هو الجسم الأسود؟

دعونا نعطي بعض التفسيرات حول هذا المفهوم، الضروري لفهم الخلفية الكونية. بشكل عام، يُقال إن الإشعاع هو "الجسم الأسود" عندما يكون غاز الفوتونات في حالة توازن ديناميكي حراري. يمكن أيضًا التعبير عنها على النحو التالي: في النظام الفيزيائي، يكون توزيع طاقة الفوتونات هو توزيع الجسم الأسود عندما تكون المادة والإشعاع في حالة توازن ديناميكي حراري. هذا يستحق التوضيح! من أين جاء اسم "الجسم الأسود"؟ بحكم التعريف، يمتص هذا الجسم قدرًا من الطاقة يبعث (التوازن الديناميكي الحراري). لذلك يبدو من حيث المبدأ "أسود" لمراقب خارجي، إذا كان النظام المادي مغلق. لكن لا يجب الخلط بيننا بهذا الاسم! يمكننا وصف الجسم الأسود بأنه غاز مثالي من الفوتونات (بدون تفاعل فيما بينها) عند التوازن الحراري. إذا كانت في وسط مادي (هذا هو الحال دائمًا تقريبًا)، يكون تفاعل الفوتونات مع المادة ضعيفًا. هذا الوسط المادي ضروري للتوازن الحراري، لأن الفوتونات لا تتفاعل مع بعضها البعض. في الجسم الأسود، يتم حفظ الطاقة الكلية. ولكن بخلاف غاز المادة المثالي، الذي يكون عدد جسيماته ثابتًا، فإن غاز الفوتونات له عدد متغير من الجسيمات، تحددها ظروف التوازن الحراري.

مثال رئيسي على الجسم الأسود: الكون في لحظة المادة / توازن الإشعاع. لاحظ أن الراصد يكون إذن في "العلبة" لهذا الجسم الأسود! بعض الأنظمة غير المتوازنة لها أيضًا نصف قطر قريب من الجسم الأسود، على الرغم من أنها ليست رسمية (لم يتم الوصول إلى التوازن، والنظام يتطور باستمرار، وتتبدد الطاقة). من بين هذه الأجسام السوداء "الزائفة" التي تشبهها بشدة: الغلاف الجوي لنجم، جهاز قياسي مخصص، سطح الأرض، الغلاف الجوي الكوكبي.

تتنبأ النماذج بالتغيرات في درجات الحرارة "الجسم الأسود الكوني" (الخلفية الكونية) كدالة للعصر الكوني، معطى من خلال الانزياح الأحمر. تختلف درجة الحرارة T على النحو التالي: T = (1 + z) x T0

(يمثل z الانزياح الأحمر المدروس وT0 درجة حرارة الخلفية الكونية اليوم). هذا التوقع يتحقق بشكل ملحوظ عبر مجموعة واسعة من الانزياحات الحمراء. الشكل 4.5. جسم أسود 20 كيلو مصنوع لمعايرة أداة Planck / HF! تمت المعايرة في عام 2006 في معهد أورساي للفيزياء الفلكية الفضائية (CNRS / Université Paris-Sud).

الخلفية الكونية من الأرض:

تمكنت العديد من التجارب على الأرض من قياس الخلفية الكونية منذ اكتشافها في عام 1964. ومع ذلك، فإنها تقتصر على ترددات معينة (تلك التي يكون فيها الغلاف الجوي شفافًا ولا يتألق كثيرًا، يتم عرض جزيء الماء هنا. مزعج جدًا) وللمناطق المحظورة في السماء، للحفاظ على معايرة جيدة وللتحكم في التأثيرات المنهجية. يتم إجراء الملاحظات الحالية من القطب الجنوبي وصحراء أتاكاما - بعض المناطق الأكثر جفافاً على هذا الكوكب - باستخدام تلسكوبات لاسلكية، ومجهزة بآلاف من أجهزة قياس الضغط شديدة الحساسية لكثافة واستقطاب الضوء، كشف التقلبات الصغيرة. اليوم، يمكن اكتشاف هذا الإشعاع باستخدام المعدات الاستهلاكية، مما يجعل من الممكن قياس شدة جسمه الأسود (ولكن ليس تقلباته). يقوم المراقب باستخدام هوائي تلفزيون متصل بالأقمار الصناعية (الفقرة القطبية) مقترن بإلكترونيات استهلاكية معدلة بالكاد. لقد قمت بتركيب تلسكوبات راديو مخصصة للتدريس في أورساي لاكتشاف موجات راديو الشمس. جعل زميلي ميشيل بيات (من جامعة باريس ديدرو) نظام الكشف أكثر استقرارًا وأضاف معايرة النيتروجين السائل. النتيجة: في غضون ساعات قليلة، وحتى في وسط باريس، أعاد الطلاب إنتاج الاكتشاف الذي أجراه بينزياس وويلسون في عام 1964!. الآن بعد أن قمنا بإعادة النظر في تاريخ الكون المرئي وتقديم مفاهيم معينة لعلم الكونيات، حان الوقت للاهتمام بالمغامرة الهائلة للقمر الصناعي الفضائي بلانك.

تم اكتشاف الطاقة السوداء المظلمة أو الداكنة والمعتمة في أواسط القرن العشرين، وقد تسببت في التوسع المتسارع للكون لمليارات السنين. لا يزال يتعين استكشاف أصلها وتأثيراتها الدقيقة، لكن الباحثين ليس لديهم نقص في الأفكار لتعقبها وفهمها.

سنناقش الآن مكون قد يبدو أكثر غموضًا من المادة السوداء أو المظلمة. يستدعيه علماء الكونيات ليس فقط لتفسير توسع الكون، ولكن لتسريع هذا التوسع على نطاق واسع جدًا.

سيقول أي فيزيائي عادي أن التسارع موجود أبدا بسبب الصدفة! توصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أنه يأتي من مكون كوني له خاصيتين رئيسيتين. من ناحية، إنه موجود في كل مكان (على نطاق واسع) ولا ينبغي أن يتغير من الناحية المكانية. من ناحية أخرى، تظل كثافته كما هي طوال العصور الكونية، على عكس المادة والإشعاع، حيث تنخفض كثافتهما (وليس بنفس المعدل). هذا المكون يسمى "الطاقة السوداء المظلمة". بداهة، لا علاقة لها بالمادة السوداء أو المظلمة، ولكن يجب أن تكون مرتبطة بطاقة الفراغ والتضخم. إنه على أي حال جزء رئيسي من أحجية وألغاز علم الكونيات الحالي.

مسألة حجم ... وعن العصر الكوني: دعونا نطمئن: لن يغير توسع الكون ولا تسارع هذه الظاهرة حياتنا البشرية أو حياة كائنات فضائية افتراضية. تظهر التأثيرات فقط على نطاقات كبيرة جدًا، تصل إلى عدة مئات من الميغا فرسك. لذلك، لا يمكننا اكتشاف آثارها في نظامنا الشمسي، أو في مجرتنا، أو حتى في مجموعة مجراتنا المحلية المحيطة بنا: في هذه المقاييس، الجاذبية دائمًا لها الأسبقية! لن نتفكك، سيستمر القمر والكواكب في الدوران بنفس الطريقة، كما ستستمر مجرة درب التبانة، وستستمر مجرة أندروميدا في الاقتراب منا.

لقد مر الكون في تاريخه بطريقة مختلفة "مراحل الطاقة": كثافة طاقة الشعاع سيطر في البداية، ثم أخذ الأمر نمذجة المجهول: معادلة الحالة في الفيزياء، يتميز السائل المثالي - على سبيل المثال الغاز بالحقيقة - بمعلمات مثل درجة الحرارة أو الكثافة أو الضغط. يعني مصطلح "مثالي" أننا نهمل التفاعلات بين جزيئات السائل. نربط جميع المعلمات فيما يسمى "معادلة الحالة". في علم الكونيات، تربط معادلة حالة أحد مكونات الكون (الإشعاع، المادة، أو الطاقة المظلمة) ضغطه بكثافته بالتعبير P = wp ؟، حيث P هو الضغط، p الكثافة، c سرعة الضوء، وث معلمة خاصية "بلا أبعاد" (ثابتة) لهذا المكون.

على المستوى الكوني، يمكننا إهمال ضغط المكونات غير النسبية. هذا هو الحال مع المادة، التي ننسب إليها معامل صفري w: wM = O. بالنسبة للإشعاع (المكون النسبي)، هذه المعلمة.

الطاقة السوداء المظلمة التي نحصل عليها في هذه المرحلة الحالية للكون، التي تهيمن عليها هذه الطاقة المظلمة، هي أخيرًا حديثة جدًا: فهي تقابل انزياحًا أحمرًا z بمقدار 0.3 (أي أنها بدأت حوالي 3، 5 مليارات سنة).

يمكننا أيضًا أن نتساءل متى بدأ تسارع تمدد الكون. نحصل على z = 0.7 تقريبًا (أي 6.5 مليار سنة في الماضي). لفهم أصل الطاقة المظلمة، من الضروري إجراء القياسات ذات الصلة على الأجسام والأجرام الموجودة عند z <0.7 ولكن أيضًا من z> 0.7 إلى 1 (أو حتى أكثر)، للمراقبة بشكل صحيح الانتقال.

 wA = -1. يمثل الفهرس A الثابت الكوني، تعتبر غير صفرية إذا تسارع تمدد الكون. إذا كانت الإشارة السالبة في معادلة الحالة، تشير إلى ضغط سلبي متساوٍ: فإن هذا المكون له تأثير "الجاذبية الطاردة" التي تحفز تسارع التمدد. إن هذا الوصف للطاقة المظلمة والاستنتاجات

التي يمكن أن تكون مدهشة بشكل واضح. هذا لا يمنعهم من طرح أي مشكلة على الشكلية الرياضية أو النموذج الكوني أو القياسات. تتميز المكونات واسعة النطاق للكون - والتي يمكن تلخيصها بالإشعاع والمادة والطاقة المظلمة - بشكل جيد للغاية من خلال معادلاتها للحالة. على الرغم من أننا لا نعرف الكثير عنهما، يمكن وضع المادة المظلمة والطاقة المظلمة في معادلات: نحن نمثل ونقيس المجهول.. هل نحن حقا راضون عن المعنى الذي نحن فيه يعطي هذا السائل الطاقة المظلمة؟ هل يمكننا تفسير وجوده وخصائصه باعتبارات نظرية عميقة، أو عمل تنبؤات حوله؟ الإجابات تكمن إلى حد ما في الأسئلة.

مفاجأة المستعرات الأعظم:

دعونا نعود إلى الملاحظات التي كشفت عن التوسع المتسارع للكون في نهاية التسعينيات.وهم فريقان من الباحثين - فريق سوبر نوفا High-z وSupernova Cosma / ogy Project - اللذان قاما بقياس اللمعان والمسافة الكوزمولوجية (ناتج عن الانزياح الأحمر) للمستعرات الأعظم البعيدة للغاية ذات الخصائص المعروفة (تسمى "النوع la").

يعتمد السطوع الظاهر (المرصود) لجسم بعيد على سطوعه الداخلي وانزياحه الأحمر، ولكن أيضًا على المعلمات الكونية، وهي أساسًا كثافة إجمالي المادة nM وكثافة الطاقة المظلمة nA. نحن نصور البيانات فيما يسمى "مخطط هابل"، ويظهر السطوع الظاهري مقسومًا على السطوع الجوهري، بناءً على الانزياح الأحمر. يحتوي هذا الرسم البياني على العديد من "المناطق المسموح بها" المقابلة لها قيم مختلفة للمعلمات الكونية. يكفي إذن ملاحظة مكان وجود البيانات وتقديرات وNA.

النتائج المنشورة في عامي 1998 و1999 رسمية:

خلص كلا الفريقين (بمستوى ثقة أكبر من 99٪) إلى أن nA ليست صفراً. لذلك يجد الكون نفسه في حالة التوسع المتسارع. حصل هذا العمل على جائزة نوبل في الفيزياء لشاول بيرلماتر وبريان شميدت وآدم ريس لعام 2011.

 

كيف تقيس تأثيرات الطاقة المظلمة؟

بصرف النظر عن المستعرات الأعظم، فإن أنواعًا مختلفة من الملاحظات تجعل من الممكن قياس كيفية تطور تسارع التمدد والتوسع، والفرز بين النماذج. تشترك هذه الملاحظات في أنها تتعلق بالبنى الكبيرة للكون، ولا سيما التوزيع الإحصائي للمجرات واسعة النطاق. في الواقع، الجاذبية في العمل في تكوين الهياكل يجب أن تكون "منزعجة" من الطاقة المظلمة، وتأثيرها هو توسيع هذه المقاييس الكبيرة. لذلك فهي مسألة قياس دقيق جدًا لتطور تكوين الهياكل وفقًا للانزياح الأحمر، ومراقبة بعض الانحرافات عما ستفعله الجاذبية وحدها.

فيما يلي الأنواع الرئيسية للقياسات التي يفكر فيها المجتمع العلمي أو بدأ في اتخاذها، لفهم تأثيرات هذه الطاقة المظلمة بشكل أفضل.

التذبذبات الصوتية الباريونية

التذبذبات الصوتية الباريونية (BAO لـ Baryonic

التذبذبات الصوتية) هي موجات تنتشر فيها حفريات الكون البدائي، قبل الفصل بين الضوء والمادة. أدت التقلبات في الخلفية الكونية إلى تكوين هياكل كبيرة بمقياس متميز (أكبر من 100 Mpc)، لكن BAOs تركت أيضًا بصماتها في توزيع المجرات على هذا النطاق. يتم الكشف عنها بحساب "وظيفة الارتباط" لمواضع العشرات (حتى مئات) الآلاف من المجرات، موزعة بأحجام هائلة. منذ فترة طويلة، تم قياس BAOs لأول مرة في عام 2005، بفضل البيانات المأخوذة من مسوحات كبيرة جدًا للسماء في القياس الضوئي والــ troscopy. وهي تعتبر "مقاييس قياسية" لأن النماذج تتنبأ جيدًا بتطور حجمها وفقًا للانزياح الأحمر. أي انحراف عن التوقعات سيكون بسبب الطاقة المظلمة (أو جاذبية "مختلفة" قليلاً).

التشوهات في فضاء الانزياحات الحمراء:

تأتي تشوهات الانزياح الأحمر في الفضاء (RSD للتشوهات الفضائية ذات الانزياح الأحمر) من حقيقة أن المجرات تنجذب نحو مركز هالات ضخمة من المادة المظلمة. وبالتالي فإن حركاتهم - المقاسة بالتحليل الطيفي - تكون بداهة متناحرة في اتجاه هذه الهالات. مرة أخرى، يمكن لأي تباين واسع النطاق (فيما يتعلق بالتناحي في الخواص) أن يشير إلى وجود طاقة مظلمة تتعارض مع عمل الجاذبية. ضعف تأثير العدسة: يمكننا تحليل تأثير العدسة الضعيف، لاستنتاج كمية المادة المظلمة في هياكل كبيرة. lei، الهدف هو قياس كتلة الهياكل، وخاصة تطورها مع الانزياح الأحمر. يمكن مقارنة هذه القياسات مباشرة للتنبؤات والمحاكاة، لتحليل بالتفصيل تأثيرات الطاقة المظلمة بالتفصيل على نمو هذه الهياكل وفقًا للانزياح الأحمر.

الارتباط بين المجرات والخلفية الكونية في وجود الطاقة المظلمة، يجب أن يكون المرء قادرًا على ملاحظة ارتباط واضح بين التقلبات واسعة النطاق للخلفية الكونية وتوزيع المجرات. دعونا نرى من أين يأتي هذا الارتباط، يسمى "تأثير ساكس وولف المتكامل" (ISW لـ Integrated Sachs-Wolfe ejfect). قبل أن تصل إلينا، فإن فوتونات الخلفية هي cos

النفسية قد مرت عبر عدد من "آبار الجاذبية المحتملة" بسبب الهياكل الكبيرة. ومع ذلك، فإن الفوتون يكتسب الطاقة عندما يدخل بئر كامن، ثم يفقد الطاقة عندما يخرج. بداهة، التوازن هو صفر: يحتفظ الفوتون على مستوى العالم بنفس الطاقة. لكن التوسع المتسارع يمتد و"يتسطح" كل منهما كما أن الفوتون يمر عبرها. عند مغادرة البئر، يفقد هذا الفوتون طاقة أقل مما يكتسبه عند دخوله! وبالتالي، فإن توازن طاقتها ليس صفراً، ويعتمد بشكل مباشر على الهياكل الرئيسية التي مرت بها منذ انبعاثها. في هذه الحالة، يجب أن يكون هناك ارتباط قوي بين تقلبات معينة واسعة النطاق للخلفية الكونية، وتوزيع المادة المسؤولة عن اكتساب الطاقة هذا. عناقيد المجرات

مجموعات المجرات حساسة أيضًا لوجود الطاقة المظلمة. بتعبير أدق، سيكون من الضروري إنشاء إحصائيات لعددهم وفقًا لانزياحهم الأحمر ومدى كتلهم. من خلال قياس هذه المعلمات بدقة، يمكننا تعقب التاريخ الكوني للتوسع، كما هو الحال مع المسابير الكونية الأخرى (BAOs، تأثير ISW، إلخ). ومع ذلك، لا يزال من الصعب قياس كتلة مجموعة من المجرات بشكل صحيح.

وجهات نظر: الارتباطات عبر السماء:

الرهان الأكبر الآن هو الجمع بين هذه الأساليب المختلفة، لرسم خريطة دقيقة للغاية لمعدل التوسع كدالة للانزياح الأحمر. هذا من شأنه أن يجعل من الممكن قياس المعلمة الشهيرة wA (في معادلة الطاقة المظلمة للحالة) وتغيرها المحتمل مع الانزياح الأحمر. يمكننا بعد ذلك فرز الفرضيات المتعلقة بأصل هذه الطاقة بشكل أفضل.

لا يوجد نقص في العلماء. لديهم افكار جيدة لإجراء القياسات المناسبة، بطرق مستقلة في كثير من الأحيان (مما يزيد من حيث المبدأ من موثوقية النتائج النهائية). ستتطلب هذه القياسات كميات هائلة من البيانات. على وجه الخصوص، المسوحات للمجرات الأوسع نطاقًا - حتى تشمل السماء بأكملها، كما فعل بلانك للخلفية المنطقية الكونية - وأعمق، مع تلسكوبات أكبر من أي وقت مضى مزودة بكاميرات فائقة الحساسية إلى كبيرة جدًا في تغطيتها للحقول الكونية. من أجل فهم أفضل للطاقة المظلمة، تم التخطيط لبرامج مراقبة السماء المنتظمة لعقد 2020. سنلتقي الآن بهذا القمر الصناعي الشهير إقليدس، والذي من شأنه أن يساعد علماء الكونيات على الرؤية بشكل أوضح في "القطاع المظلم" للكون.

 

د. جواد بشارة

 

جواد بشارةالدعوة لعلم الفلك والكونيات البديل

للعلم خصائص نظرية وتجريبية تميزه عن المناهج الأخرى في العالم ... دون أن يتعارض معها بالضرورة! لكن في الحقيقة، هل الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات علميتان حقًا؟ قضيتهم تستحق التفكير.

ما هي العملية العلمية؟

فيما يتعلق بأصل (أو أصول) العالم، لا يحتكر العلماء التفكير أو الأفكار الجيدة؛ يمكن لأي مجموعة بشرية أو حركة ثقافية أن يكون لها مفاهيمها الخاصة. ولكن ما هو التمييز (الفروق) بين الرأي، والمعتقد، والأسطورة، والخرافة، والعقيدة، والسياق الثقافي، والتفكير الفلسفي، والتفكير العلمي الاستنتاجي؟ ما الذي يجلبه المنهج العلمي عندما يكون موضوع الدراسة هو كوننا، دون إمكانية تغييره؟

مسألة أصل الكون وماهيته:

المحتوى الكوني (النجوم والمجرات ...) لا يزال رائعًا. والسؤال "من أين أتينا؟" يمكن مقاربته علميًا، ولكن أيضًا فنيًا وفلسفيًا وثيولوجيًا ... يختلف النهج العلمي عن المنهج الآخر، خاصة الثيولوجي، لأنه يحاول الإجابة بطريقة قابلة للدحض على السؤال "كيف حدث ذلك؟»، ولكن في أي حال من الأحوال بخصوص سؤال "لماذا حدث هذا؟»، ففيه إشارة إلى البحث المحتمل عن المعنى. وبالتالي، فإن الفصل بين كيف ولماذا واضح، ويبقى الجميع أحرارًا في التذرع بالسبب أثناء سماع الكيفية.

من خلال النهج العلمي، لا نفهم إلا قليل القليل وأفضل الأفضل (مع الهزات أو العدادات أو التسويف) القوانين الأساسية للكون والظواهر الفيزيائية المطروحة؛ نحن لا نتظاهر بالإجابة "هل للحياة معنى؟" أو "هل من الأخلاقي أن تقتل أو تساعد جارك؟". مثل هذه الأسئلة المشروعة، التي لا يعالجها العلم، يمكن التعامل معها بالفلسفة أو الدين. سنرى أنه لا يوجد تناقض بين هذه الأساليب المختلفة من حيث المبدأ.

لفهم الكيفية، يسعى العلم إلى ذلك، أي إلى تطوير النظريات على أساس المبادئ الأساسية والتنبؤ بالظواهر؛ ثم تتم مقارنة التنبؤات النظرية بالقياسات. وعندما يكون هذا جزء فرعي من نظرية أكبر، نستخدم مصطلح نموذج. إذا تم تحليلها في إطار نظرية أو نموذج، فإن القياسات تجعل من الممكن (أو غير الممكن) تأكيدها، أو إنشاء اتفاق بدرجة ثقة قابلة للقياس الكمومي.

لاحظ أنني أستخدم مصطلح "اتفاقية" وليس "تأكيد". في الواقع، من الصعب (إن لم يكن من المستحيل) تأكيد نظرية ما: لسنا متأكدين أبدًا من أن القياسات الجديدة لن تتعارض معها. في بعض الأحيان تتنبأ عدة نماذج بظواهر مماثلة قابلة للقياس؛ سيتم فصلهم فقط من خلال تدابير أكثر حساسية. من ناحية أخرى، يمكننا التحديد الكمومي، والتوافق بين القياسات والنظرية: كلما زادت القياسات المستقلة التي تتوافق مع التوقعات، زاد دعم النظرية وقبولها كنموذج. على العكس من ذلك، فإن قياسًا مؤكدًا وجد نفسه في خلاف صارخ مع التنبؤ النظري يكفي لإبطال النظرية والإطاحة بها.

في الممارسة العملية، فإن الوضع أكثر دقة. درجة الثقة في القياسات، أو الاتفاق مع النموذج، هي موضع نقاش وليس من الممكن دائما الوصول إلى استنتاج. وبالتالي، فإن القياسات الكونية الحديثة تختلف قليلاً - نستخدم المصطلح "التوتر" عندما يكون الخلاف صغيراً ولكن لا يستهان به - مع "النموذج القياسي أو المعياري" لعلم الكونيات. من خلال حساب احتمال انحراف القياسات عن النظرية، نجد 1٪: إنه بعيد الاحتمال، ولكنه ليس مستحيلًا إحصائيًا، بعيدًا عن ذلك. ماذا نستنتج؟ س: النظرية خاطئة عندما تتنبأ بأن القياسات يمكن أن توفر هذه القيم (حتى لو كان الاحتمال منخفضًا)؟ هل تم تأكيد النظرية بقياس التوتر ولكن مع ذلك مقبول؟ في هذه الحالة، سيكون من الضروري على الأرجح إجراء قياسات مستقلة أخرى، لمعرفة ما إذا كان هذا التوتر مستمرًا ويزيد أو ينحسر.

لذلك فإن النظريات قابلة للدحض: البيانات الجديدة (أو البيانات القديمة المفهومة بشكل أفضل أو المعاد تحليلها) تجعلها تتطور. أما التجارب والقياسات فيجب أن تكون قابلة للتكاثر.1 يحدث أن يتم نشر قياسات استثنائية، ولكن لم يتم تأكيدها بشكل مستقل من قبل فرق أخرى 2 بتحليل نفس البيانات أو إجراء قياسات أخرى ...

تدين العملية العلمية الحديثة بالكثير إلى أسلاف القرن السابع عشر، مثل ديكارت وغاليليو. يستدعي الأمر عنصرين أساسيين: الوجود (وجود (وقابلية تفنيد) نظرية تنبؤية قائمة على المبادئ الأساسية وإمكانية تكرار القياسات. تتم إضافة عناصر أخرى إليها، مثل إمكانية تغيير المعلمات والإعدادات التجريبية، لمعرفة كيف تتصرف الظاهرة فيما يتعلق بالتنبؤات. هذا المخطط (الشاعري إلى حد ما) مشوه في الممارسة اليومية. في بعض الأحيان تكون الملاحظة متقدمة على النظرية: لا تتلقى الظواهر تفسيرًا متماسكًا تمامًا، مثل المادة السوداء أو المظلمة أو سائل الطاقة المظلمة. في كثير من الأحيان، تتقدم النظرية على الملاحظات: من خلال هذه، نحاول اكتشاف الإشارات التي تم توقعها بالفعل، أحيانًا لمدة 100 عام، على سبيل المثال موجات الجاذبية أو الموجات الثقالية، التي، أو الحصول على صورة حقيقية لبيئة الثقب الأسود.

لكن الفيزياء الفلكية (دراسة فيزيائية لقوانين ومحتويات الكون) وعلم الكونيات (دراسة الكون ككل، من وجهة نظر مادية) تشترك مع العلوم الطبيعية في حقيقة أنها كذلك، من المستحيل تغيير المعلمات والاعدادات والبيانات والقيم لمراقبة النتيجة. كيف يمكننا تغيير معلمات المجرة الأولية أو النجم الأولي أو الكواكب الأولية (مثل كتلتها أو تكوينها) لدراسة تكوينها، ثم مقارنتها بما نعرفه (من خلال الملاحظة والنظرية)؟ وبالمثل، في علوم المناخ أو البيئة أو الجيوفيزياء، حيث تكون المقاييس الزمنية أطول بكثير من حياة الإنسان (ولكنها أقصر بكثير من الفترات الفلكية!)، يكاد يكون من المستحيل تغيير الشروط الأولية أو لتغيير المعلمات (إلا في حالة المحاكاة العددية). هل هو حقًا علم، إذا كنا بالكاد نستطيع التجربة؟

الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات: هل هي علوم؟

يمكن تعريف الفيزياء الفلكية على النحو التالي: "العلم الذي يدرس التركيب والتطور والقوانين الفيزيائية الأساسية التي تحكم المقاييس التي تنتقل من النظام الشمسي إلى الكون كله". لذلك فهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم الكونيات (دراسة الكون على نطاق واسع) وعلوم الكواكب والنجوم والمجرات، ويدعو إلى العديد من "الواجهات" مع الرياضيات والفيزياء النظرية والفيزياء دون الذرية (النووية والجسيمات)، الفروع الأخرى للفيزياء (البلازما، السوائل، المواد الصلبة، تفاعل المادة مع الإشعاع ...)، الكيمياء، الجيولوجيا، حتى علم الأحياء وعلوم الكمبيوتر (البيانات الضخمة، التعلم العميق والتفاعل البشري) الآلات والكنولوجيا). ناهيك عن تقنيات القياس، بما في ذلك البحث عن أجهزة الكشف أو إدارة نظم المعلومات، وكذلك العلوم الهندسية، على الأرض وفي الفضاء، وحتى الإدارة!

لقد رأينا أن الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات يشتركان في جوانب معينة من العلوم الطبيعية مع علوم المناخ والجيوفيزياء: فهما يدرسان (أساسًا) الظواهر الطبيعية، التي تتطور على مدى فترات زمنية طويلة فيما يتعلق بحياة الإنسان. ليس من المستغرب أن تكون موضوعات البحث هذه تجري في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا (CNRS)، المجمع في معهد واحد، المعهد الوطني لعلوم الكون (INSU)، مع روابط عديدة مع معاهد أخرى مثل المعهد الوطني للفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات (IN2P3) والمعهد الوطني للفيزياء (INP). غالبًا ما يتم إجراء هذا البحث في شراكة متساوية مع مؤسسات ذات هيكل مماثل، مثل الجامعات أو اللجنة الفرنسية للطاقة الذرية والطاقات البديلة لتطوير المشاريع الفضائية، بدعم من وكالة الفضاء الفرنسية، المركز الوطني لدراسات الفضاء (CNES).

كيفية دراسة الظواهر التي تحدث في نطاق مقاييس طويلة من الزمان والمكان، دون التمكن من تجربة الظروف الأولية أو المعايير المختلفة؟ كيف تتعامل مع كون واحد ومتى لا يمكنك إنشاء نجم بنفسك؟ هل نهج الفيزياء الفلكية علمي؟ الجواب (الإيجابي) لن يفاجئ القارئ، لكن يجب أن يكون له ما يبرره. تتطلب دراسة هذه الظواهر الطويلة والبعيدة - الكون ومكوناته يتطلب - إطارًا نظريًا. لذلك فهي مسألة وجود نظرية متماسكة، أو التي يستدعي وجودها، وإجراء تنبؤات قابلة للاختبار من خلال الملاحظات. هذه الحالة - ضرورية ولكنها ليست كافية - تم التحقق منها جيدًا في الفيزياء الفلكية.

لأننا لا نستطيع إجراء التجارب مباشرة (على سبيل المثال فيما يتعلق بتكوين النجوم)، من الضروري أيضًا استدعاء مبادئ أو افتراضات معينة، كما تفعل العلوم الأخرى. لنبدأ بمبدأ العملانية ergodicité. يمكن ذكره بعدة أشكال. الشيء الذي يثير اهتمامنا هو ما يلي: العملية الــ ergodique تكون إذا كان النظام المادي، الذي يُترك لنفسه لفترة كافية، يستكشف بالكامل "مساحة الطور"، أي مجموعة القيم والمعلمات والاعدادات الممكنة. هذا يعني أنه إذا لم نتمكن من تجربة وتغيير المعايير بأنفسنا، فإن "كل الاحتمالات موجودة في الطبيعة". من الناحية المفاهيمية، نستبدل التجارب المباشرة ... بملاحظة العديد من الإدراكات والانجازات: أخيرًا، الكون هو الذي يختبر لنا بدلا منا! مع الأخذ في الاعتبار المبدأ الكوني، يقول بشكل أساسي أنه لا يوجد شيء مثل مكان متميز في الكون. وهذا يعني أن الظروف (الديناميكية أو غير ذلك) السائدة هناك من الناحية الإحصائية هي نفسها في كل مكان، مع العلم أن قوانين الفيزياء هي نفسها أيضًا في كل مكان. صيغة أخرى: هناك مقياس للحجم (يقدر بعدة مئات من الميغا فرسخ mégaparsecs) يمكننا بعده اعتبار الكون متجانسًا تمامًا. لاحظ أن صحة هذا المبدأ لا تزال تثير الجدل.

بشكل عام، يتكون النهج العلمي من تراكم مجموعة متنوعة من الملاحظات (ربما يكون لكل منها تحيزات أو قيود)، لدراستها بشكل منهجي و"لفهمها"، للإجابة على سؤال أو التحقق من صحة التنبؤ النظري. فيما يلي بعض الأمثلة والأمثلة المضادة. مثال رقم 1: التنبؤ بسعر سوق الأسهم. عندما أناقش السؤال "هل الفيزياء الفلكية علم؟" مع طلابي، قدموا العديد من الحجج الصحيحة: "العلم يصنع تنبؤات"، "نحن نلاحظ ونحلل ونتوقع"، إلخ. أشرح لهم أن هذه الحجج ضرورية ولكنها غير كافية، مع الأخذ في الاعتبار التنبؤ بالأسعار في الأسواق المالية: إنها ليست مسألة علمية، مثله في ذلك مثل علم التنجيم 4 •

المراقبة والتنبؤ لا يكفيان لتشكيل علم. المنجم ومسوق سوق الأسهم أو المعلق الرياضي، بلا شك وبحسن نية، يراقبون بياناتهم المفضلة ويتنبؤون بما يمكنهم أو يريدون. لكن تنبؤاتهم لا تستند إلى أي نظرية مثبتة - التي كان من الممكن أن تظهر صحتها - وتم تزويدها بمعايير كمية دقيقة. لا يتم دعم هذه التنبؤات من قبل أي مجموعة نظرية أو تجريبية من المقاييس التي اجتازت اختبارات موضوعية. (ملاحظة: يوجد بالفعل علم اقتصادي، غير مستثنى من الخلافات، يأخذ في الاعتبار البعد الإنساني والاجتماعي أثناء استدعاء التحليل العقلاني، مقارنة بالمفاهيم النظرية واستخدام النماذج.) قد يكون لدى هؤلاء الممارسين بعض المهنة وعلم النفس والخبرة لتشعر بالأشياء، لكن نهجهم ليس علميًا: ماذا عن العالمية والموضوعية وقابلية التفنيد والتكاثر وخصائص العملية العلمية؟

مثال 2: التنبؤ بالطقس:

النموذج الأولي للنهج العلمي، الذي يتم طرحه في بعض الأحيان للتساؤل (على سبيل المثال، إذا انتهى توقع هطول الأمطار في شمس مشعة، ولكن دعونا نواجه الأمر أن هذا لم يعد يحدث بعد الآن)، فإن توقعات الأرصاد الجوية لها قواعد نظرية وتجريبية صلبة في الفيزياء (خاصة الديناميكا الحرارية)، علم المناخ، الجيوفيزياء، علم المحيطات. مع زيادة قوة أجهزة الكمبيوتر وتوافر بيانات أكثر دقة، يتم تنقيح النماذج بانتظام، وأصبح العلماء على دراية بالاستقرار والشكوك في الحلول والتنبؤات، التي أصبحت الآن موثوقة للغاية على مدار خمسة أيام أو أكثر. يبقى تحدٍ آخر: توصيل هذه المعلومات (وشكوكها) للجمهور!

إذا تركنا الأرصاد الجوية لنقترب من المناخ، الذي يتعلق بالمقاييس الزمنية الطويلة جدًا، أن نموذج مناخ الأرض يستخدم أيضًا لكواكب المريخ والزهرة، والكوكب القزم بلوتو والأقمار تيتان وتريتون. نقوم بتعديل قيم متغيرات عددية مختلفة اعتمادًا على النجم المدروس، لحساب جاذبيته وضغطه وتكوين الغلاف الجوي، إلخ. يسعى الزملاء الآن إلى تطبيق هذا النوع من النماذج على الكواكب العملاقة، وحتى الكواكب الخارجية، أي خارج منظومتنا الشمسية (التي تدور حول نجوم أخرى)! كل هذه الدراسات تشارك في التحسين المستمر للنموذج، وتجد تطبيقاتها على الأرض.

مثال رقم 3: أنظمة الكواكب، قبل عام 1995 وبعده، حتى اكتشاف أول كوكب خارجي حول النجم بيجاسي 51 Pegasi (من مرصد Haute Provencé، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2019)، اعتبر الباحثون نظامنا الشمسي - كواكب غازية عملاقة تقع بعيدًا عن النجم، تكون الكواكب الصخرية أحيانًا قريبة جدًا منه – مثل "نموذجي". وكان الذهول لدى الراصدين: أظهر اكتشاف هذا الكوكب الخارجي أن كوكبًا ضخمًا (مثل كوكب المشتري) يمكن أن يكون قريبًا جدًا من نجمه لدرجة أنه يدور حوله، ما يزيد قليلاً عن 4 أيام! كان لابد من مراجعة النظرية بالكامل، والتي اعتبرت من المستحيل بقاء كوكب عملاق في هذه المنطقة الكونية. تم إجراء هذه المراجعة وحققت بعض النجاح: تم تحديد أكثر من 4000 كوكب خارجي و"مسموح" من الناحية النظرية. من خلال دمج التفاصيل الجديدة والخواص الدقيقة للفيزياء المعروفة بالفعل، وصلنا إلى مفهوم هجرة الكواكب العملاقة. تتشكل دائمًا بعيدًا عن النجم، ولكنها تهاجر تدريجياً إلى مناطق أقرب، دون أن تتبخر. كان من المفهوم أيضًا أن "كوكب المشتري الساخن" (فئة الكواكب الخارجية العملاقة القريبة من نجومها) هي الأكثر سهولة في الاكتشاف: تفضيلات "انحياز الاختيار" الملاحظة (الدراسة الإحصائية سيكون لها تحيز في الاختيار إذا كانت العينة المستخدمة لا تمثل المجموعة المراد دراستها، بسبب اختيار معين). تعمل أدوات وأجهزة جديدة على خفض عتبة الكشف عن الكواكب الخارجية (نكتشف كواكب أخف وزناً)، بهدف الكشف عن "الكواكب الخارجية" (ذات الكتل المشابهة لكوكبنا). استنتاج شخصي: الكون أصلي أكثر مما نتخيل! يجب تذكرها أيضًا في علم الكونيات.

وظيفتي: قاتل النماذج ...

عندما يُسألون عن طبيعة عمل عالم الفيزياء فلكية، الجواب أحيانًا هو: " قاتل النماذج، وخاصة نماذجه هو أسوة بنماذج الآخرين!" أعتقد أن هذا يلخص نشاطه جيدًا، على الرغم من الزاج الهادئ للغاية الذي يتحلى به العالم عادة، بعيدًا عن صورة القتلة و"منظفي مسرح الجريمة" في السينما.

القياسات التي نأخذها حول الخصائص العالمية للمجرات أو الهياكل البعيدة، تهدف إلى الاستجابة لمشكلة علمية من خلال مواجهة التنبؤات، والتي هنا تعني النماذج. لذلك من الطبيعي تطوير هذه النماذج، بحيث تتوافق بشكل أفضل مع البيانات. يتضمن هذا "قتل" نماذج معينة، أو بالأحرى إظهار أنها لا تتناسب مع الملاحظات. ماذا يمكن أن يحدث للنماذج التي عرضها فريقي العلني، لكنني أعتقد أنهم يقاومون أيضًا (أو بشكل سيئ، في هذه الحالة) مثل النماذج الأخرى ... الشيء الرئيسي هو أن مقارنة النماذج، أكثر أو أقل حسماً من أجل بقائهم، وتعزيز معرفتنا.

1 نهج المراقبةla démarche observationnelle   

يتألف من مقارنة التوقعات النظرية والقياسات، التي من المفترض أن تكون عديدة بما يكفي لتغطية مساحة المعلمات والمعايير المعنية بشكل جيد. وهذا يطرح مشكلة في بعض الأحيان: في علم الكونيات، لدينا كون واحد فقط وهذا القيد أساسي بالنسبة لبعض الدراسات. في المقابل، أدى اكتشاف الآلاف من الكواكب الخارجية إلى إصلاح علوم الكواكب، والتي يجب أن تكون قد فسرت تنوع الأنظمة المرصودة.

نهج المحاكاة الرقمية قريب جدا. بدءًا من المبادئ الفيزيائية، وأحيانًا من النماذج المبسطة، يتم إنشاء عمليات المحاكاة، مقارنة بالبيانات المتاحة والتنبؤات النظرية. أحيانًا نجرب في المختبر على أنظمة (سوائل، بلازما ...) لها خصائص الظواهر الفيزيائية الفلكية.

وبالتالي، فإن ثراء هذه الأساليب يأتي من مقارنة القياسات بالتنبؤات، وإمكانياتها ذهابًا وإيابًا. دعونا نلخص الخطوات المثالية.

1) تحديد مشكلة علمية واضحة، نحن نركز على موضوع معين.

2) تحديد الملاحظات التي تتكيف مع هذه المشكلة، نحن نقرر ما هو الأفضل لملاحظته ورصده لتحقيق الأهداف المحددة. غالبًا ما توجد عدة حلول.

3) تطوير إستراتيجية مراقبة لجمع المعلومات المفقودة المحددة في الفقر الثانية نظرًا لأنه قد يكون هناك العديد من الملاحظات ذات الصلة، فمن الممكن وجود استراتيجيات مختلفة.

 4) حملة المراقبة. نقود الحملة على الأرض أو في الفضاء، مع وجود مخاطر محتملة. إذا لاحظنا مجموعة من المجرات، وكان جزء بسيط فقط من الوقت المتوقع صالحًا للاستخدام، فماذا نفعل؟ راقب أهدافًا قليلة، بالحساسية الصحيحة؟ أو جميع الأهداف بحساسية أقل ومخاطرة عدم القدرة على التوصل إلى نتيجة بشأن القضية؟ غالبًا ما يظهر هذا النوع من الأسئلة أثناء الحملة أو بمحاذاتها، عندما تتخذ لجان تخصيص وقت التلسكوب خياراتها (الطلبات أكبر من 3 إلى 20 مرة من الوقت المتاح).

5) معالجة البيانات، ربما بصورة تلقائية أو آلية.

يتم إجراء المعالجة بواسطة متخصصين في الأداة المستخدمة، غالبًا مع سلسلة من برامج الكمبيوتر تسمى "خط انابيب". يتكون من تصحيح البيانات الأولية للتأثيرات في تدهور الإشارة (بسبب الأجهزة)، ومن ثم القيام بمعايرتها. عندئذ تصبح لدينا بيانات خاصة بالاستخدام العلمي.

6) تحليل البيانات للغرض المحدد في النقاط 1 و2، تحليل الإشارة الفلكية هو بلا شك الخطوة الأكثر دقة: هذه الإشارة تشوبها الضوضاء وحساسة لإخراجها. أين الإشارة والضجيج؟ نقاش ضخم! هذا هو التعريف الذي يناسبني بشكل أفضل: في سياق معين، الإشارة هي المعلومات المطلوبة بينما الضوضاء هي أي معلومات أو عملية غير مرغوب فيها.

هنا مثال معبر. مدرس يعطي درسا أمام عشرات الطلاب. اثنان منهم يناقشان أمسيتهما في الليلة السابقة (موقف خيالي بالطبع!): تحكي A قصتها لـ B التي تستمع إليها. لذلك تتلقى B إشارتين: قصة A وصوت المعلم، تصل موجتان صوتيتان متميزتان إلى أذنها. الفيزياء لا تميز الأنف والحنجرة إعادة الإشارة والضوضاء، فقط السياق هو الذي يحدد أيهما أو الآخر. إذا كان B جادًا أو مركّزًا، فسوف يأخذ قصة A للتشويش وصوت المعلم للإشارة المضطربة. ولكن إذا كان في مزاج مرح، فسيعتبر صوت المعلم ضوضاء، وإشارة الاهتمام هي

صوت A. يمكن أن تكون الضوضاء عشوائية (على سبيل المثال: ضوضاء حرارية) أو نظامية أو منظمة (الصوت الذي لا يهم). اعتمادًا على الاهتمام العلمي، يمكن أن تؤدي الحالة المادية إلى العديد من التحليلات. مثال فيزياء فلكية: بيانات من القمر الصناعي بلانك، تحتوي على إشارة من مجرتنا، ولكن أيضًا من المجرات البعيدة والخلفية الكونية. سنقوم بتحليل هذه البيانات بشكل مختلف، اعتمادًا على ما إذا كنا مهتمين بالانبعاث الخلفي للخلفية الكونية أو الانبعاث الأمامي للمجرة وليس للخلفية الكونية.

7) التفسير العلمي: تفسير القياسات مهمة صعبة. تمت مقارنة المعلومات ذات الصلة، المستخرجة خلال الخطوة السادسة، بالنماذج والتدابير الأخرى الموجودة، لاستخلاص استنتاجات حول الاستجواب الأصلي.

8) الاستنتاجات والتغذية الراجعة ومواجهة المشكلة الرياضياتية العلمية: عادة ما يجعل مواجهة التفسير والاستجواب الأولي من الممكن دفع النقاش العلمي إلى الأمام.

"هل تصدق" الانفجار العظيم؟ لا يحتاج الأمر للتصديق!

يسألني الناس أحيانًا عما إذا كنت أؤمن بالانفجار العظيم. السؤال مطروح بشكل سيئ: النهج العلمي لا يعطي سببًا للاعتقاد، لكنه يظهر اتفاقًا أو اختلافًا بين البيانات المكتسبة والنماذج أو التنبؤات. لا عقيدة أو حقيقة خفية في هذا النهج، ولكن النظريات والملاحظات والمشاهدات ونتائج عمليات الرصد والحقائق والمواجهة والتساؤلات والشكوك والنقاشات والتساؤل. كان من الممكن أن يكون السؤال هو: "هل تعتقد أن نموذج الانفجار العظيم هو الأفضل الذي يتناسب مع جميع الملاحظات الحالية؟" يجيب معظم المجتمع العلمي - بمن فيهم أنا - بـ "نعم" على هذا السؤال (بصيغة مبسطة إلى حد ما واختزالية). ستفصل الصفحات التالية هذه الإجابة لتوضيح النجاحات التي لا جدال فيها للنموذج، دون التعتيم على الأسئلة المفتوحة والمشاكل المتبقية.

دعونا نلقي نظرة على حالة "العلم والدين": تسببت علاقتهما في أضرار جسيمة. وسفك الكثير من الحبر (وحتى الدم). لا ينبغي أن يدخل هذان النهجان في المواجهة، لأنهما يعالجان مجالات فكرية مختلفة. من ناحية الدين، إنها مسألة قيم وسلوك معين للحياة والمعنى المعطى للوجود والعالم ولتقدمه. من ناحية العلم، إنها مسألة استجواب منطقي لعالم معقد، على جميع مقاييس الزمان والمكان، مع التنبؤات النظرية التي يمكن دحضها بالتجربة.

منذ ذلك الحين، يمكن للمرء أن يكون عالمًا ومؤمنًا؛ هذه ليست حالتي بالطبع، لكنني أعرف أشخاصًا راضين تمامًا عن أن يكونوا كذلك! ولكن كيف لا نجد بعض الحزينين أو الظلاميين السخيفين أو المخادعين الذين يريدون الحفاظ على الخلط بين العلم والدين، من خلال تتبع شبكة قراءة عقائدية حول الأسئلة العلمية؟ لقد احتقروا وأهانوا الإبداع البشري لعدة قرون ... سواء كان بوزون هيغز، جزيئات الحمض النووي، مصير النحل، تكوين الصخور، الكواكب، المجرات، المادة السوداء، أو التخمينات الرياضية، أو نظرية الألعاب، ما هو الفضل أو أهمية الانعكاس الديني؟ من جانبه، لا يتدخل العلم في الأسئلة المتعلقة بالأخلاق، وطبيعة الخير والشر، والمعنى الذي يجب أن يُعطى للحياة والأفعال البشرية. يمكننا بعد ذلك الانتقال إلى الدين أو الفلسفة أو الأخلاق أو الثقافة أو القانون أو علم النفس 7 •

إن مزيج الأنواع التي تعمل بها الوسائط أحيانًا، بين الأصل الميتافيزيقي للكون وواقعه العلمي، يطمس الاستماع ويغير التمييز بين النهج الموضوعي والتكهنات المضادة، المنطوقة في ثرثرات البارات والتي تتبعها حفنة نادرة ولكنها مشهورة من دجالي وسائل الإعلام الحديثة. دعونا نعرف كيف نميز!

لصالح البحث الأساسي:

"أليست مهمات الفضاء باهظة الثمن؟ هل يجب استخدام هذه الأموال لمواجهة المشاكل الاجتماعية (الفقر والبطالة وما إلى ذلك)؟ "

أود أن أعطي وجهة نظري حول هذه الأسئلة ذات الصلة التي تطرأ كثيرًا من خلال توسيعها لتشمل جميع الأبحاث الأساسية.

تبلغ التكلفة الإجمالية (مع الرواتب) لبعثات بلانك Planck وهيرشل حوالي 1.2 مليار يورو موزعة على17 سنة، وهو مبلغ متواضع مقارنة برقم معين يتعلق بالإنفاق الحكومي (التخفيضات الضريبية أو المعدات العسكرية، على سبيل المثال). ينطبق هذا أيضًا على البنى التحتية الكبيرة مثل CERN. هذه النفقات، التي تؤدي إلى اكتشافات عظيمة وابتكارات صناعية، هي نتيجة اختيار المجتمع حيث يتم أيضًا دعم التعليم للجميع والتميز من خلال البحث، حيث يستلهم المجتمع من أهم الأبحاث. الأساسيات بعيدة المدى، وكذلك البحث والتطوير قصير المدى التطبيقي: تتم المقايضات في سياق عالمي (التعليم، الصحة، الاجتماعية، العسكرية، الاقتصاد، الاستثمار في البنية التحتية، استخدام الضرائب، الدولية، وما إلى ذلك)، دون تعارض عقيمين مع مجالين فرعيين - "العلم" و"الاجتماعي"، أو "العلم" و"المجاعة العالمية". ومن أجل التقدم، يطور البحث الأساسي ويحتاج إلى تقنيات متقدمة؛ يستكشف السبل التي في بعض الأحيان محكوم عليها بالفشل؛ واعدة جدًا أحيانًا (للأسف لا نعرف إلا بعد ذلك). لذلك فهي تولد التنمية الصناعية وتخلق وظائف تتطلب مهارات، والتي لها في حد ذاتها فوائد اقتصادية، بينما تستعد للمستقبل. بالإضافة إلى أنها تنتج المعرفة القادرة على توعية المواطنين والسياسيين بالعديد من الموضوعات ذات الاهتمام المجتمعي.

على مستوى أعمق، ستكون نظرتنا للعالم، ومثلها ستكون حياتنا اليومية، مختلفة تمامًا بدون هذه المعرفة البحثية. يمكننا على وجه الخصوص اقتباس GPS، الذي يستخدم التصحيحات الناتجة عن نظرية النسبية التي تأسست منذ حوالي 100 عام. إن الهوس الإعلامي والشعبي للأحداث العلمية أو التكنولوجية الكبرى يثبت، كما يبدو لي، أن البشرية ما زالت تشكك في العالم ومكانه فيه. العلم يوحد البشر تمامًا مثل الفن والثقافة!

الآن وقد تم توضيح تفاصيل العملية العلمية وحالة الفيزياء الفلكية، فقد حان الوقت للخوض في مجال علم الكونيات الفيزيائي بمزيد من التفصيل. بدءًا من تاريخها، الذي يمتد إلى أكثر من قرن.

 

د. جواد بشارة