نبيل دبابشما يميّز المجتمعات الإسلاميّة عموما والعربيّة بالخصوص، هو تفشّي الرّؤية الشّمولية والدّفاع، بشراسة، عن التصوّرات الأحاديّة، وهو ما جعلها عاجزة على التّموقع في محيط عالمي يعتمد قيم الاختلاف والتعدّد والنّقد والتجربة، في صنع المعرفة. إنّ اكبر تحدّ أمام مشروع الأنوار العربي هو في التّباعد القائم بين عقلين: عقل أوروبّي يؤمن بالعلم والتّغيّر والإنسان وقداسة الحياة Logos، والذي عجزت منطقتنا العربيّة على تمثّله والانتماء إليه، وعقل مشرقيّ، يعتمد الأسطورة والمتخيّل الجمعي،Muthos  لا يقبل بغير التّقليد ومنطق الإفلات من المواجهة، وغالبا ما يستند إلى مرجعيّة تاريخيّة تُقرأ مُفرغة من المعقوليّة وتضفي القداسة على الفعل البشري.

الأنوار ليست مشروعا أنتجته الإنسانيّة في أوروبّا مع حلول القرن الثّـامن عشر للميلاد، بل هي رؤية قديمة جدّا نجدها في كلّ الحضارات الكبرى التي عرفتها البشريّة، نجدها متمثّلة في لحظات متفرّقة كلّما كان العنوان هو تغليب العقل، والموضوع هو احترام الاختلاف والتعدّد وتبنّي لغة الحوار. لقد وجدت في قرطبة /الأندلس زمن ملوك الطّوائف، وفي نوادي الفكر لدى المأمون والرّشيد، كما وجدت عند الصّينيّين على يد كونفوشيوس وفي المنتج الفكري للفرس والإغريق... فعلا، نجح الأوروبّي في جعلها مشروعا لمجتمع ول مصير اشترك في صنعه، تدريجيّا، السّياسيُّ والباحثُ والفنانُ، ولكنّه كان دائما سؤال الإنسان عبر التّاريخ.

روح كلّ مشروع تنويري هي الإيمان بالإنسانيّة قبل الطّائفة والعشيرة والإقليم، والانفتاح على العالم وتقبّله كوسط تشترك فيه أجناس وثقافات، تجارب وعقائد متسامحة وليس قوى متخاصمة أو متنافرة أو متحاربة بسبب اختلاف الرّؤى.

كان سؤالنا في مقال سابق: ''متى تبدأ الأنوار؟'' يتمحور حول شرعيّة السّؤال والإيمان بالإنسان والاختلاف وتكريس الفرديّة. لكنّنا في هذا المقال سنحاول طرح السّؤال بشكل مختلف وتوسيع معالجة الموضوع، إذ ما يهمّنا هو التّفكير في إمكانية تحقّق الأنوار وما يجعلها واقعا بالفعل.

قبل أن نطالب بالحديث عن الضّمانات التّشريعيّة للتعدّديّة الفكريّة والسّياسية والدينية في منطقتنا العربيّة، علينا أن نعيشها كسلوك يوميّ، بالتخلّص من الرّؤى الشّموليّة والأحكام الجاهزة تجاه الآخر، واعتباره عدوّا لنا ولقيمنا وموروثنا. إذا كانت العصور الوسطى قد أنتجت انساقا فكريّة مغلقة لا تقبل الاختراق وموصوفة بالعصمة، فإنّنا مطالبون اليوم بالانتساب إلى العقل البشريّ والمعرفة التي أنتجها عصرنا.

و للمشاركة في إنتاج المعنى وتسجيل حضورنا، فانّ عصرنا يطالبنا بحلحلة الكثير من الأوهام والتخلّص من العديد من التّماثيل التي لا نزال نرى فيها نماذج لا تفنى...عصرنا أسّس للتّجربة والنّقد وفنّد كلّ أطروحات الثّبات واليقين المسبق وسيطرة الرّوحي على الدّنيوي.

إذا كانت العصور الوسطى، قد تبنّت الكثير من قيم العشيرة في مجال السّياسة والاجتماع وعملت على تقديس مفهوم الجماعة في التّشريع والمعرفة، فإنّ أهمّ ما يميّز عصرنا هو ميلاد مفهوم الفردانيّة le soi، إذ لم يعد من العدل طمس صوت الأفراد والأقلّيات باسم الإرادة الجماعيّة، بل من حقّ الفرد التمتّع بكلّ حقوقه في ظلّ قوانين يتمّ سنّها وفق أهداف تخدم الصّالح العامّ، وأن يجد في محيطه ما يسمح له بالتميّز. فإذا كانت الثّقافة التّقليديّة تلغي كلّ اعتراف بوجود أفراد خارج المجموعة التي يحملون اسمها، فإنّ جوهر الثّقافة اليوم هو فسح المجال واسعا أمام الإرادة الفرديّة. شخصيّات عديدة صنعت الحدث في عصرنا، عندما صمت الجمهور.

إنّ أهمّ ما يميّز مجتمعاتنا العربيّة هو تغليب التّفسير الدّيني، واعتباره المفتاح الوحيد لكلّ الأبواب وممارسة التّخويف من البحوث العلميّة التي تدغدغ اليقيني عندنا. من غير الممكن أن يكون الدّين وسيلتنا لفهم العالم والمحيط، فهي ليست مهمّته الأصليّة. المعرفة صناعة بشريّة مستمرّة متغيّرة وثورة في العقل وليست حقائق ثابتة منزّلة من السّماء تأتي دفعة واحدة. أساس المعرفة اليوم هو الاختلاف والنّقد وليس الإجماع والإسناد.

إذا كانت الشّعوب، في الماضي، تعتمد منهج الإيمان والذّاكرة في بناء المعارف وتداولها، فإنّ العصر الذي ننتمي إليه يقوم على النّقد والسّؤال والبرهان.

قد يعتقد كثير من الباحثين أنّ الدّولة الوطنيّة، وليدة مرحلة ما بعد الاستقلال، كيانات جديدة قائمة على وجود مؤسّسات وهياكل اجتماعيّة مدنيّة / عسكريّة، لا يهمّ إن كان ظهورها قد حدث بفعل مسار ديمقراطي أو غير ديمقراطي...لكنّنا نرى أنّ المتحّكم الفعليّ في كلّ دواليب الدّولة في المجتمعات العربيّة، على الخصوص، هو الفكر الدّيني التّقليدي وكذلك الرّؤى الميثية Mythiques الجاثمة في صميم العقول، والمتجسّدة في التّشريعات والقرارات والمراسيم باسم التّشريع المدني. وراء كلّ إرادة سياسيّة وكلّ مشروع تنموي، تقبع قناعة دينيّة تقليديّة راسخة، عجز أصحابها على رؤيتها ومساءلتها. كلّ المؤسّسات الوطنيّة ليست سوى ديكور لعقل تقليدي، آن الوقت لرؤيته بوضوح كفاعل وكمؤثر في سلوك الجميع، دون استثناء.

بالإضافة إلى سيطرة المقدّس على القناعات والرّؤى والاختيارات، يوجد العقل القبلي والطّائفي والجهوي الذي يختزل العالم في محيطه الصّغير ويأبى الاعتراف بالآخر شريكا له ومساويا له في الحقوق والواجبات. الأنوار هي في الانتساب إلى العقل الكوني والمجتمع البشري وتجسيد قيم الفردانيّة في مقابل ثقافة الطائفة والعشيرة. علينا أن نتعلّـم تقبّل الآخر ومحاورته، في مقابل ثنائيّة دار الكفر ودار الإيمان التي لا يزال البعض يؤمن بتحيينها. أساس الأنوار هو في تقارب الشّعوب وعولمة القيم، وفي إحلال ميثاق حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانيّة محلّ الفقه.

رفاهيّة المواطن وحماية حقوقه  هي من مهامّ الدّولة ومن واجباتها الأولى، وليست المؤسّسة الدّينية، ممثلة بسلطة الفقيه، هي من يقرّر ما ينبغي أن تكون عليه الحياة والسّلوك في الفضاء العامّ، لكنّ هذا لا يعني سيطرة الدّولة على الحريّات الفرديّة وتوجيه القناعات نحو ما يخدم بعض الاختيارات الظّرفيّة، من خلال ما تقدّمه عبر وسائل الإعلام أو المؤسّسات التّربويّة. فالأنوار لا تعني التملّص من سلطة الدّيني وتحرير العقل فقط، بل تعني كذلك تقويض واستبعاد كلّ محاولة تقوم بها السّلطة السّياسيّة لتوجيه الرّأي العامّ. إنّ أوّل أعداء الانفتاح والتحرّر هو العقل الشّمولي الذي قد تمارسه السّلطة الدّينيّة أو السّلطة السّياسيّة على حدّ سواء.

علينا التّمييز بين منطق الفقه الذي ينتمي إلى محيط اجتماعي وسياسي، انتهى مفعوله وبين منطق القانون المدنيّ المنبثق من روح الأنوار الذي هو أداة أنتجها عصرنا في مواجهة كافّة الإشكالات على الصّعيد الاجتماعي والسّياسي والنّفسي... وحقّق العديد من النّجاحات متخطّيا الحدود الجغرافيّة.

الحقيقة ليست ملكا للمؤسّسة الدّينيّة بل هي تصحيح لأخطاء وإنتاج مستمرّ، وليست هي الإيمان والاستسلام للحلول الجاهزة. الحقيقة لا تقرّرها التّشريعات ولا المؤسّسات الحكوميّة ولا رجال السّياسة، إنّها تعلو كلّ السّلطات، بل هي موقف وبحث وليست برنامجا مسبقا.

نحن لا نطالب باستنساخ تجارب غيرنا، بل على العكس، نؤمن بالخصوصيّات التي لدينا والتي تؤهّلنا لإنتاج واقع جديد ومختلف...فرغم  كلّ المساعي السّياسية التي حاول أصحابها خلال العشريّات الماضية، إخراج المنطقة العربيّة من نفق التخلّف والجمود، ظلّ مشروع تحديث البنية الفكريّة والاجتماعيّة، ناقلا أو مقلّدا ناكصا أو متهرّبا إلى الخلف...نمسح من على الجرح ولكن لا نداويه... نسأل ولكنّنا نخشى الإجابة التي تفيق من الغفلة... نتسرّع في تبنّي أسلوب الإقصاء أو الوصاية ونغفل الأصوات التي تنير لنا الطّريق.

نعاني في منطقتنا العربيّة تعصّبا مضاعفا. تعصّب دينيّ مذهبي/ طائفي، تعصّب لغوي لساني، تعصّب اثني/ جهوي... صمت المؤسّسات الرّسميّة حيال هذا الواقع دليل فشل في مواجهته أو بسبب تعاطف بعض القائمين على تسيير القطاعات الحسّاسة والتي من شأنها المساهمة في إيجاد حلول فعلية لهاته العقد المترسّبة.

الكثير من القوى الرّجعيّة لا تستطيع التّفريخ إلا في هذا المناخ الملوّث، وليس في نيّتها تغيير تصوّراتها أو مراجعتها. بل عكس ذلك هو ما نخشاه، على المدى البعيد. بحيث لو استمرّ وضعنا العربي على هاته الحال، وهو ما لا نتمنّاه، قد نعرف مرحلة أكثر صعوبة ولن يكون فيها أيّ مستفيد. إنّه في نيّة الكثير من حركات الإسلام السّياسي وبعض المؤسّسات الدّينية الرّسمية - التي فيها بعض المتعاطفين مع الخطاب السّياسي الرّسمي- مثل مؤسّسة الأزهر والمجلس الشّيعي الأعلى، إعادة صنع الظروف ذاتها التي عرفتها أوروبّا في القرن الرّابع عشر للميلاد - مستغلّين ضعف مؤسّسات الدّولة الوطنيّة - والمتمثلة في عقيدة البابا بونيفاس الثامن BonifaceVIII التي تنصّ على سيطرة الرّوحي على الدّنيوي وإمساك السّلطة الدّينية بكلّ القرارات La doctrine des deux glaives. كان البابا - وفق هاته العقيدة -  يعلو كلّ السّلطات ويقرّر في المسائل المصيريّة للبلدان.

قد يصبح الفقيه ورجل الدّين هو الممسك بسيفين، سيف الدّين وسيف الدّولة، يقرّر ما يشاء باسم الإله ويضفي على أحكامه كلّ القداسة التي تجعل من أيّة محاولة لنقده كفرا وهرطقة. لن يصبح في مقدور رجال الدّولة بعد ذلك، إلّا الطّاعة لأنّ الجماهير تمّ تخديرها منذ عشرات السّنين وتطويعها لتقبل خطاب الفقيه بكلّ سهولة ودون نقد، عندما استقالت السّلطات المدنيّة عن مهامها الأساسيّة. التأسيس للأنوار هو في تقويض سيطرة الرّوحي على المدني وتجديد التّشريع بما يسمح بتحرير الفضاء العامّ. ليس دائما، رجال الدّين هم من يختار التدخّل في القضايا ذات الشّأن المدني، بل غالبا ما يتمّ توظيفهم لأجل أجندات لا يعرفون تفاصيلها وهو ما يجعلنا نرى في سلوك بعض السّياسيّين رجعيّة وتهرّبا من المسؤوليّة.

الأنوار مشروع لإنسان مختلف، متعال على النّموذج الحالي، قويّ بتصوّراته الثّوريّة وبروحه الخلّاقة، وبحسّه المرهف للجمال، وبحبّه الفياض للإنسانيّة. الأنوار مشروع لمجتمع كلّه حياة، متجدّد باستمرار، وليس لركام من مومياء تطالب بالخلود...

 

نبيـــل دبابــــش

كاتب من الجزائر

 

محمود محمد عليبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي هزت الوسط العالمي والأمريكي؛ خاصة بعد وقوع مجموعة هجمات إرهابية توجهت طائرات نقل مدني تجارية لتصطدم بأهداف محددة وبعد رفع وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد مستوى الديفكون إلى 3 وهو مقياس أمريكي يحدد درجة التهديد على الأمن القومي الأمريكي ومستوى إنذار للقوات الأمريكية للتعامل مع التهديد، حدث أنه بعد شهر من الكارثة ومع اشتغال العالم بما حدث في قلعة الحرب على الإرهاب اصطدم المجتمع الأمريكي بوفاة أول مريض بمرض الجمرة الخبيثة وبعد وفاته بأيام قليلة يسقط عشرون ضحية أخرى.

ولأن أعراض هذا المرض غير مميزة فكان عدد الموتى يزيد ولهذا قامت السلطات الأمريكية بفتح تحقيق تحت إشراف مركز السيطرة على الأوبئة والوقاية منها CDC على عودة المرض فجأة بعدما كان مختفيًا منذ مدة طويلة جدًا وجدوا أنه قبل ظهور الأعراض كان يصل للمرضى مجموعة رسائل مرسلة من مجهول مع محتوى غير محدد لكن الرسائل تلك كانت تحتوي على شيء أكبر من مجرد كلام غير منطقي بل كان فيها غبار وذلك الغبار الذي انتشر في الجو بعد فتح الرسالة هو عبارة عن مليارات من الخلايا الجرثومية المسببة لمرض الجمرة الخبيثة وللأسف بعد وفاة كل هؤلاء المرضى لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية من حل لغز هذه القضية بعد لكن كل ما أدلت به السلطات بأن الحادثة لأنها متعمدة سوف تصنف كعملية إرهاب بيولوجي.

ووسط التغطية الكبيرة لحفل تنصيب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد ذلك تداخلت أخبار مقلقة لم يتسني تغطيتها التغطية الوافية، وقد ثبت أنها تستحق أن تعطيها إدارة أوباما الانتباه الكامل، وهي أحداث تتعلق بالإرهاب البيولوجي، حيث بدأت القصة في السادس من يناير بتقرير ظهر في صحيفة الشروف الجزائرية يفيد التقرير أن عددا من الإرهابيين في أحد مخيمات التدريب التابع للقاعدة بالمغرب الإسلامي يموتون من الطاعون، كما وأكدت صحفية النهار الجزائرية أن 50 إرهابيا تم تشخيصهم بإصابة بالوباء، وأن 40 منهم قد لقوا حفتهم جراء المرض الذي سلط عليهم كسلاح بيولوجي .

والإرهاب البيولوجي Bioterrorism  وهو يعني الإرهاب الذي ينطوي على الإطلاق أو النشر المتعمد للعوامل البيولوجية. وهذه العوامل هي البكتيريا، والفيروسات، والفطريات، أو السموم، وقد يتم إطلاق هذه العوامل بشكل طبيعي أو عن طريق إطلاقها من قبل البشر كما يحدث في الحروب البيولوجية.

فوفقاً للمراكز الأمريكي لمكافحة الأمراض واتقائها فإن الإرهاب البيولوجي هو الإطلاق المتعمد للفيروسات والبكتيريا والسموم والعوامل الضارة الأخرى التي تسفر عن مرض أو موت البشر أو الحيوانات أو النباتات. عادةً ما تتواجد هذه العوامل في الطبيعة، ولكن يمكن تحويلها وتغييرها لزيادة قدرتها على إحداث المرض، أو جعلها مقاومة للأدوية الحالية، أو لزيادة قدرتها على الانتشار في البيئة. يمكن أن تنتقل العوامل البيولوجية عبر الهواء أو الماء أو في الغذاء. يميل الإرهابيون إلى استخدام العوامل البيولوجية لأنه من الصعب للغاية اكتشافها ولا تظهر علامات المرض إلا بعد انقضاء عدة ساعات أو عدة أيام. هنالك بعض عوامل الإرهاب البيولوجي التي يمكن أن تنتقل من شخص لآخر، مثل فيروس الجدري وبعضها لا يمكنه الانتقال من وشخص لآخر مثل الجمرة الخبيثة.

وبالتالي أضحي الإرهاب البيولوجي يمثل الآن الظاهرة الأشد خطورة بعد الإرهاب النووي، حيث يستخدم الإرهابيون الأدوات البيولوجية الأشد فتكا والمسببة للأمراض الوبائية في هجماتهم الدامية. ويتكون السلاح البيولوجي من العامل البيولوجي الممرض (البكتيريا، الفيروسات، الركتيسيا، الفطريات)، والحامل (القنبلة، الصاروخ، الرسائل البيولوجية، الحشرات، الحيوانات). تعد هذه الأسلحة من قبيل الأسلحة الصامتة غير المرئية، حيث تستطيع أن تضرب دون إنذار؛ فآثارها لا تظهر إلا بعدما يكون مرتكب الجريمة قد توارى عن الأنظار. أمام هذا الخطر المتنامي تكاثفت الجهود الدولية لمكافحة هذه الظاهرة و تطويقها

وهذا الإرهاب البيولوجي  له جذور تاريخية  تعود إلي بدايات الحرب العالمية الأولى، عندما استخدمت الجيوش الألمانية الأسلحة البيولوجية  على نطاق واسع إلى 22 أبريل 1915م لمهاجمة الخنادق الفرنسية قرب ايبريس في بلجيكا وفق ما ذكرت منظمة الصحة العالمية، مشيرة إلى أن المقذوفات المسمومة لطالما استخدمت عبر التاريخ .

ولقد قررت ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى استخدام غاز الكلورين الذي كانت تمتلكه وحدها لمحاولة الخروج من جمود الخنادق والتغلب على مشكلة نفاذ ذخائرها بسبب الحصار البحري الذي فرضته القوات الحليفة . فعمد الجيش الألماني إلى نشر 180 طناً من غاز الكلورين المعبأ في 5730 حاوية مضغوطة في الجو في اتجاه خطوط العدو. وقتل في هذه العملية 15 ألف جندي فرنسي وجزائري وكندي وفق تقرير منظمة الصحة العالمية . وذكرت المنظمة في تقريرها الأولي حول الأسلحة البيولوجية والكيميائية الذي يمكن الاطلاع عليه حالياً على موقع الإنترنت الخاص بها «كانت تلك أول تجربة عالمية لأسلحة دمار شامل ».

وفي 1917م استخدم غاز الخردل للمرة الأولى واستخدم مباشرة ضد الجلد الذي تصعب حمايته أكثر من الرئتين ؛ وأطلق الغاز في بادئ الأمر بواسطة قذائف مدفعية ثم بواسطة طائرات واستخدم في روسيا عام 1919م كما استخدمه الفرنسيون في المغرب بين 1923 و1926، والإيطاليون في ليبيا عام 1930 واليابانيون في سينكيانغ في الصين عام 1934،والإيطاليون في أثيوبيا بين 1935 و1940. وعاد اليابانيون مجدداً بين 1937 و1942 إلى استخدام أسلحة كيميائية مثل غاز الخردل، مع ظهور أولى الأسلحة البيولوجية التي استخدمت (على سبيل المثال الطاعون).

ومع استمرار التقدم العلمي؛ تبرز أمام الإنسان تحديات هائلة؛ جرّاء استخدام العلم في وسائل وطرق غير نظيفة، وبما يسيء إلى الحياة بصورة شاملة، ولعل أكثر ما يثير القلق هو محاولة بعض الدول أو العلماء الجشعين، التلاعب بجينات البشر، وإحداث طفرات وراثية قد تؤدي إلى إنتاج تشوهات وأمراض جديدة قاتلة.

من ناحية أخرى .. فإن الشيفرة الوراثية التي تحملها جينات معظم الميكروبات الممرضة قد أصبحت معروفة، وتم تحديد الجينات المسؤولة عن القدرة المرضية .. ويمكن عن طريق تقنية البيولوجيا الجزيئية إنتاج ميكروبات فائقة القدرة المرضية، أو فائقة في إنتاجها للمواد السامة التوكسينات . وأيضاً يمكن - من الناحية النظرية على الأقل - إيلاج الجينات المسؤولة عن القدرة المرضية داخل أنواع من البكتيريا غير الممرضة الشائع وجودها في جسم الإنسان أو في البيئة التي يعيش فيها.. وهكذا تحدث هذه البكتيريا أمراضًا ودمارًا للإنسان والبيئة دون أية شبهة في أن تكون هي المسؤولة عن ذلك.

إن استمرار الصراعات بين الدول، خاصة القوى العظمى، هو الذي يسمح باستمرار التفكير بإنتاج أسلحة فتاكة، ولا سيما تلك التي تحقق الردع المطلوب، ولا تتطلب خوض معارك شرسة وخسارة الكثير من الجنود والعتاد الحربي، وعلى رأس تلك الأسلحة، القنابل الذرية والقنابل البيولوجية. وكان العلماء اليابانيون أول من فعل ذلك، في الحرب العالمية الثانية، فقد كرّس هؤلاء جهودهم لاختراع قنابل بيولوجية، وتم البحث في مسببات أمراض عدة منها: التيفوئيد، التيفوس، التسمم الناتج عن اللحوم الفاسدة، الطاعون، الكوليرا، الحمى، الجدري، وتم تفجير آلاف القنابل البيولوجية، وقتل الكثير من الحيوانات الأليفة، في تجارب التعرف إلى مدى تأثير هذه القنابل. وربما لم تتمكن اليابان من استخدام هذه القنابل على نطاق واسع للفتك بجيوش الحلفاء؛ بسبب ضعف قدرتها العسكرية أمامهم، وانتهت تلك الحرب بخسارتها واستسلامها بشكل مذل. وخلال الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، حاولت كل دولة منهما الاستفادة من العلم استفادة قصوى؛ بإنتاج مختلف أنواع الأسلحة؛ ومنها: الأسلحة البيولوجية، وهكذا تسارعت الخطى لابتكار أكثر الوسائل القاتلة.

ومع استمرار إنتاج الأسلحة البيولوجية في ظل أجواء الحرب الباردة المشحونة بالأحقاد، تداعت الأطراف الدولية عام 1972 إلى الاتفاق على معاهدة دولية تحظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية، وتدمير تلك الأسلحة. وقد تم اعتماد الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي كدول ضامنة لها ومشرفة على تنفيذها. الواقع أن العالم مملوء اليوم بأصناف السلاح البيولوجي؛ لكن يبقى التلاعب بالجينات الوراثية هو الشيء الأكثر خطراً على البشرية. ما حدا باللجنة البيولوجية الدولية في منظمة اليونيسكو، في عام 1996، إلى أن تصدر وثيقة حول الشيفرة الوراثية البشرية وحقوق الإنسان، وتضمنت هذه الوثيقة 23 مادة، قسمت إلى سبعة أقسام تناولت اعتبار الجين البشري العنصر الأساسي للإرث الإنساني، ويدخل في كل ظروف حياة الإنسان؛ لذلك يجب تحديد حقوق الإنسان، التي يجب عدم تجاوزها في هذا المجال، كعدم التمييز بين البشر على أساس صفات جينية، ووجوب تحديد الاستخدام الجيني وأبحاثه على مجالات القضاء على المعاناة، وتطوير الصحة، وتحسين ظروف المعيشة للفرد.

إن خطورة السلاح البيولوجي لا تكمن فقط في قدرته الفائقة على التدمير والقتل والإبادة .. وإنما تكمن في المقام الأول في أنه رخيص نسبيًا.. ويتطلب معدات ومواد يمكن الحصول عليها بسهولة .. ولا تحتاج إلى خبرات نادرة وتقنيات متقدمة ؛ فعلى سبيل المثال يمكن إنتاج البكتيريا المسببة لمرض الجمرة الخبيثة كسلاح بيولوجي فعال باستعمال إمكانيات محدودة .. قد تكون متاحة في مبنى صغير نسبيًا، وبتكلفة لا تتعدى مئة الف دولار .. وبقدرة بشرية لا تزيد على اثني عشر شخصًا من خريجي الجامعات .. يشرف عليهم خبير حاصل على درجة الدكتوراه في مجال الأحياء الدقيقة الميكروبيولوجي. كما أن المواد والمعدات اللازمة لإنماء هذا الميكروب وغيره من الميكروبات المستخدمة في الحرب البيولوجية .. يسهل الحصول عليها من شتى أنحاء العالم دون قيود أو شروط.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

.........................

المراجع:

1- الإرهاب البيولوجي.. خطر داهم يهدد البشرية، د. محمد علي أحمد.

2- الهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية، د. عبد الوهاب رجب هاشم بن صادق.

3- خطورة الإرهاب البيولوجي، د. حمايدي عائشة .

4- الإرهاب البيولوجي، محمد خليفة.

5- الإرهاب البيولوجي.. الصبغة العصرية للإرهاب، شكيب بوشليتي.

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: ينفرد الشاعر مظفر النواب عن شعراء زمانه بأنه أقسى من تهكم وسخر وهجى بمفردات قاسية وألفاظ بذيئة الحكّام العرب، ملوكا ورؤساء، ما استثنى منهم أحدا. وقد عاب عليه كثيرون ان تصدر منه مفردات (وسخة) والفاظ سوقية بذيئة. وكان ردّه عليهم بانه (لا يعقل أن الجأ الى معجمية الأخلاق وأنا اعيش سمّ المواخير حتى التخمة.. فعلى قدر التردي يكون التردي، ونحن نعيش البذاءة ممارسة بالآف الأشكال.. فأي لغة تريدون أزاء هذا العهر الصامت او الصمت العاهر؟). ويضيف: (سيقول البعض.. بذيئا.. لا بأس، أروني موقفا اكثر بذاءة مما نحن فيه).

 ولمظفر ما يبرر، فهو لم يجد في اللغة العربية مفردة تعبر عن تخاذل الأنظمة العربية بموقفها من (القدس) في فضح الحكّام العرب اوقع تاثيرا من قوله (القدس عروس عروبتكم، فلماذا ادخلتم كل زناة الليل الى حجرتها.. وسحبتم خناجركم وتنافختم شرفا، فما اشرفكم.. أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة). وكانت اشعارة المعبأة بمثل هذه الشتائم السياسية يستمتع بها الناس في اشرطة كاسيت.. ويطلبونها منه أن التقوا به. ففي الدعوة الرسمية التي تلقاها من (المجمع الثقافي) في أبو ظبي، صاح الجمهور الذي ملأ المسرح: (القدس عروس عروبتكم.. .) فاستجاب لطلبهم وقرأ.. ونهض مسؤول كبير تقدم نحوه وقبّله.

 وهنالك موقفان من نشر هذا الموضوع:

الأول: تمثله الجريدة التي اعتدت الكتابة فيها من خمسة عشرعاما بقولها: (ان المقالة بها الفاظ ربما تسيء الى الشاعر وهو يمر بمرحلة عصيبة من مرضه.. ونحن نقدّر ونعرف علاقتك ومحبتك للشاعر الكبير، وحاولنا ان نحذف ألفاظ البول، الغائط، الدعارة.. ولا ادري هل توافق على التخفيف من الألفاظ مع التقدير.)

والثاني: تمثله أجابتي للجريدة بأن هذه المفردات موثقة في دواوين مظفر، وفي متناول قرّاء الأنترنت، وأن مظفر لم يقدّم اعتذارا لاحقا ولم يتبرأ منها.. وان المقالة هي تحليل علمي للدلالات السيكولوجية لتلك الألفاظ، وظفّها مظفر لتخدم هدفه في تحقيق ثورة عربية تطيح بأنظمة فاسدة، تبدأ بسيكولوجيا تستهدف اسقاط الهيبة عن حكّام تخشاهم جماهير بينهم من يعظّم حكّاما طغاة وسفهاء وجهلة.. وأنه لا حياء في العلم.

ولقد جدت في ملتقى (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا - 22/2/2020) الذي أقامه مركز كلاويز في السليمانية، مناسبة لعرض موضوع في شعر مظفر السياسي لم يكن احد قد تطرق له، وان الجهة المنظمة وافقت على عرضه في اول جلسة.. وبها يكون المقال قد وثّق تلك الدلالات للتاريخ والأجيال.. وفيها ما ينطبق على حكّام عرب حاليين، بينهم (البشير) حاكم السودان وآخرين ما يزالون ملتصقين بالكرسي.

***

مدخل

 التحقير يكون على أنواع منها التحقير بالتشبيه باستخدام أسماء حيوانات في وصف المقابل، من قبيل: كلب، حمار، بغل، خنزير، دابه.. أو التحقير العقلي بوصف المستهدف بمفردات مثل: غبي، أغبر، أثول..، او التحقير الجسمي بمفردات مثل: قزم، قرد، خلقه سزز.. فضلا عن التحقير بضعة النسب والفقر.. وكلها تهدف الى اذلال المقابل بتحقيره.غير ان أشدّ أنواع التحقير تأثيرا وأكثرها شيوعا هو التحقير الأخلاقي باستخدام مفردات من قبيل: ابن القحبة، قواد، سرسري(مع ان السرسري مفردة تركية تعني الرقيب الذي يجمع المال من اصحاب الدكاكين)، سافل، منحط، مأبون.. وكلها متعلقة بالجنس.. الذي هو في الثقافة الأسلامية والعربية مصدر اقسى مفردات التحقير وادناها وضاعة.

والتساؤل: لماذا استخدم مظفر المفردات والصفات المتعلقة بالجنس والعمليات الخاصة بالأعضاء التناسلية، في وصف القادة والحكّام والسياسيين العرب بهدف النيل منهم والحط من مكانتهم، في شعره السياسي تحديدا؟ وما الدلالة او القيمة او الفعل السيكولوجي لهذا التحقير.. شعبيا؟

المفردات ودلالاتها السيكولوجية

 اجرينا مسحا لهذا النوع من التحقير في اهم قصائده السياسية فوجدناه يتوزع على النحو الآتي:

1- التبوّل:

 استخدم مظفر التعابير الخاصة بالبول في أكثر من قصيدة، اليكم نماذج منها:

- فالبعض يبيع اليابس والأخضر، ويدافع عن كل قضايا الكون، ويهرب من وجه قضيته.. سأبول عليه، واسكر.. ثم أبول عليه وأسكر.. ثم تبولين عليه ونسكر.. (الحانة القديمة).

- وعنزة مصابة برعشة، في وسط القاعة.. بالت على نفسها، فأعجب الحضور.. صفقوا.. وحلقوا.. بالت لهم ثانية.. (قمم).

- ابول على الشرطة الحاكمين، انه زمن البول فوق المناضد والبرلمانات والوزراء.أبول عليهم بدون حياء.. فقد حاربونا بدون حياء.. (وتريات).

 - واذاعات العرب الأشراف.. تبول على النار &.. يبولون على وجه بلادي.. (عبد الله الارهابي).

 ان المفهوم الشعبي للتبول على شيء يعني ان هذا الشيء لا قيمة له، وان التبول عليه يحولّه الى (نجاسه) توجب التخلص منها.

ومع ان تعبير (التبول) يعدّ ابتذالا في الشعر برغم ان شعراء كبار من زمن الجاهلية استخدموه كقوله: (قوم اذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار)، الا انه انفرد بميزة في شعر مظفر في فعله السيكولوجي، هي انه أوصل الى البسطاء من الناس رسالة الاستهجان والاستخفاف بالوضع العربي بوسيلة الشعر الفصيح الذي يخص المثقفين بمن فيهم مثقفو السلطة، حاملا لهم معنيين: تفاهة الوضع السياسي العربي وتفاهة المثقف الذي يمتدحه، وتفاهة الوطن والناس عند الحكومات والبرلمانات العربية.. وكلاهما يعزفان على وتر ايقاظ الكرامة لدى من يشيد بالحاكم العربي او من يخافه او من يحمل له هالة الهيبة.

 2- الخصية:

ترد (الخصية) و(الخصيان) في شعر مظفر للنيل من الحاكم العربي وتحقيره

كقوله:

 - خصيان العرب الحكّام ارتجفت شرفا.. (وتريات).

 - اولاد الكلب.. وأول ما تعرض خصيتهم في نشرات الأخبار(عبد الله الارهابي).

 - قاضي بغداد بخصيته.. ملك السفلس (تل الزعتر).

- خصيان الأمة.. رغم خلاف الأفكار.. اتصلت (تل الزعتر).

- خصيان الردة قد كبرت.. اسمعتم(تل الزعتر).

- عشنا يوما في الوطن العربي ولم نخص.. غريب جدا.. خطأ.. لابد خصينا.. (عبد الله الارهابي).

 ان (الخصية) رمز الرجولة أو الفحولة، ومع انها العضو البيولوجي المسؤول عن ديمومة التناسل البشري، وبدونها يحرم الرجل من متعة الجنس، وبدونها ايضا يوصف بأنه (مخنث)، وأنها تكاد تكون العضو الأهم بعد الدماغ والقلب في حياة الرجل، الا أن الفهم الشعبي انزلها من مكانتها المميزة الى موضع التحقير.فاذا اراد احدهم الاستخفاف بأحد قال عنه : (هو وتك خصياني).. الى غير ذلك من التعابير الشعبية.

 ويبدو ان التحقير بـ (الخصية) له ثلاثة معان:

الأول: ان الخصية محتقرة في الفهم الشعبي لأنها مرتبطة بالجنس، وأن الجنس في المفهوم العربي الاسلامي (نجاسة).. وعليك أن تستحم بعد المعاشرة الزوجية وتردد: (اللهمّ أني أعوذ بك من كل رجس، ومن كل جنابه..).

الثاني: سلخ صفة الرجولة من الموصوف وجعله في موضع العبيد الذين يخصون لضمان عدم تحرشهم بنساء اسيادهم.

والثالث: اشتقاق تعبير (الاخصاء) للأشارة الى العقم الفكري، او منع الانسان من أن (ينجب) فكرة باخصائه عقليا.

 لقد استخدم مظفر هذه الدلالات بهدف تحقير الحاكم العربي تحديدا، وهزّ مكانته العليا في عقل الانسان البسيط الذي يهابه اما خوفا او احتراما او شرعا بوصفه (وليّ أمره).

ومع أن المتنبي استخدم ذات المفردة في هجاء كافور بقوله: (من علّم الأسود المخصي مكرمة..).. الا أن استخدامها في الشعر الفصيح لا يدخل في باب البلاغة.

 3- العورة:

 تعني العورة الأعضاء الجنسية التي يجب ان تغطّى لقباحتها او لعدم لياقتها او لاعتبارات اخلاقية واجتماعية.لكنها في الشعر تعني قباحة الانسان التي يحاول سترها واخفائها عن الناس.

 

ولقد وظّفها مظفر في تحقير القمم العربية تحديدا، التي تعمل وسائل الاعلام العربية على تكريمها وتبجيلها واعلاء شأنها، فيما وصفها مظفر بالآتي:

 - نزل الأشراف من القمة.. بالعورات الليلية.. بينهم الصامت بالله يغطي عورته أكثرهم خجلا (وتريات).

- حتى ملك الأحباش الجائف.. عورته في وجهك (وتريات).

 - قد كشفت قمة العهر عن كل عوراتنا (وانت المحال..).

- وينزل المولود نصف عورة.. ونصف فم (قمم).

 - والمخبرين الغلاظ الوجوه كأنهم مؤخرة لمريض يوسّخ من تحته (وتريات).

 - يا أصبع كيسنجر.. ان الأست الملكي سداسي (وتريات).

 والرسالة التي اراد مظفر ان يوصلها للشعوب العربية، أن لا تغرّكم هذه القمم ولا تنبهروا بما تزينه وسائل الاعلام عنها، فهي في حقيقتها محاولة لستر قباحاتهم شبيهة بستر الانسان العادي لعورته.. وفضلكم عليهم انكم تسترون عوراتكم خجلا فيما هم يمارسون الخزي ولا يخجلون.

4- البغاء وانتهاك العرض:

 البغاء هو أقبح القبائح لأنه يعني بيع الشرف، والانسان الذي يبيع شرفه يسقط اخلاقيا واجتماعيا ودينيا.. ويكون الأحط بين الناس واخزاهم.

ويرد (البغاء) في قصائد مظفر ليصف به ليس الحكّام العرب فقط، بل الوطن أيضا:

- هذا وطن أم مبغى (وتريات).. في اشارة ضمنية الى ان الحكّام العرب (قوادون!).

- وأحدى صحف الامبريالية.. نشرت عرض سفير عربي يتصرف كالمومس في احضان الجنرالات.. (وتريات).

- أعلنت التعبئة الجنسية.. حزنوا، هزا.. رهزوا.. رهزا، ومضاجعة.. وتمنّوا.. انهم كانوا بمخيمك الدامي يشتركون بفض امرأة.. (عبد الله الارهابي).

- اما التي في البيانات، مصر البغاء، وحاشا فان من النيل ما يغسل الدهر مهما طغى الحاكمون الجفاء.. (عروس السفائن).

وبهذه الأوصاف أسقط مظفر الهيبة عن الحكّام العرب وأنزلهم من اعلى مكانة اعتبارية ومنزلة اجتماعية الى أحط خلق الله.. محدثا صدمة في عقل الجمهور العربي البسيط بتشبيهه الوطن امرأة نقية عفيفة سلبوها شرفها وصاروا يسمسرون عليها للأجنبي.. ومحرّضا الناس.. العرب.. البسطاء : انكم صامتون مع أن هذه المرأة (الوطن).. شرفكم.. والعربي تهون عليه أصعب الأمور.. الا الشرف!

على أن أشد وقعا وأكبر تأثيرا وأكثر شيوعا، وصفه القادة العرب بـ (اولاد القحبة) في قصيدته القدس عروس عروبتكم:

 (وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض.. فما اشرفكم.. اولاد القحبة.. هل تسكت مغتصبة؟.. اولاد القحبة.. لست خجولا حين اصارحكم بحقيقتكم.. ان حظيرة خنزير أطهر من اطهركم).

(بالمناسبة، اثبتت الأحداث بعد نصف قرن على مقولة مظفر أن الكثير من قادة العرب فاقدي الشرف والغيرة على اوطانهم وأهلهم).

ان مظفر يدرك بذاءة هذه الألفاظ، فحين طلب منه الجمهور باحدى الامسيات قراءة قصيدته هذه، تجاوز لفظ المفردة الثانية وقال (أولاد الكذا).. وهو يبرر بذاءة استخدامه المفردات التي حددنا مسمياتها وتشبيهاتها في شعره السياسي بقوله: (لست بذيئا ولكنه القيء الذي وصل الحنجرة)، وهو تشبيه لطيف لوصف حالة الجزع لديه، فكما أن القيء اذا وصل الحنجرة لابد ان يقذف الى الخارج.. فان تردي الوضع السياسي العربي أوصله الى حالة غضب ما عاد قادرا على كبته.. والواقع ان كبته هذا ليس كبتا شخصيا بل كبت الانسان البسيط الذي اذا انفلت فانه يستخدم الفاظه الشعبية في النيل من مظطهده التي يصفها الآخرون بالبذيئة.

 فهل يشفع أنه كان صوت المظلومين المكممة أفواههم بالخوف الذي صرخ بوجه ظالميهم بجرأة، لو أن غيره نطق بمفردة واحده منها لحزوا عنقه؟.. وأنه ما جرأ حاكم على أن ينال منه خوفا من جيوش المسحوقين الذين يمثلهم؟ الا تشفع، في الشعر الفصيح، (بلاغة تحقير) الحاكم عن بلاغة الشعر؟

 لقد قال مظفر عن نفسه: (كان أكبر درس تلقيته أن أكون فصيح المحبة.. والحقد).. وكان فصيحا في محبته للناس والوطن وأفصح في حقده على الحكّام.. فهل كان في حقده عليهم شيء من حقد المتنبي على كافور.. أعني طمعا في مكانة أو "ولاية"؟

 في لقائي معه بدمشق عرضت عليه ان انقل رغبته الى حكومة اقليم كوردستان.. التي سترحب به كريما معززا ويومها كان صديقه الراحل جلال الطالباني رئيسا للجمهورية.. فاعتذر، مفضلا العيش في شقة لشخص سوري نبيل مجهول الأسم!

اما وقد هدّه (باركنسون).. فقد تحققت له أمنية ختم بها حواره معي:

 (يجي يوم انلمّ حزن الايام وثياب الصبر ونردّ لهلنا.

يجي ذاك اليوم لجن انا خايف كبل ذاك اليوم تاكلني العجارب.

يجي ذاك اليوم.. واذا ما جاش ادفنوني على حيلي وكصتي لبغداد !!(.

 لقد جاء مظفر الى حبيبته بغداد التي فارقها من نصف قرن، وتمنى حين راى حالها، لو مات بعيدا عنها.. فرحل عنها.. مفجوعا.. دون وداع!.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

قاسم حسين صالحلمناسبة عيد المعلم

كان الزمن الذهبي للمعلم هو النظام الملكي.. ففيه كان يلقب بـ(الأفندي) لأنه ارتدى الزي الاوربي ولوضعه الاقتصادي المعتبر. والأهم.. لأنه كان يحظى بالاحترام والاعتبار الاجتماعي.. ويعدّ القدوة في الثقافة والاخلاق والسلوك.. وكان في ذاك الزمان ينظر اليه كما لو كان (رسولا) المقترن بتكريمه من قبل النبي محمد الذي قال (انما بعثت معلما).

عن ذلك الزمن اذكر لكم حادثة واقعية تعكس كيف كانت للمعلم هيبة واحترام في خمسينيات القرن الماضي. كنت تعلمت التدخين بعمر(12)سنة.. لأنني كنت ابن ديوان، وكان الجالسون كثيرا ما يكلفونني باشعال سجائرهم (عمو قاسم.. ورّث هاي الجكارة من الموكد.. موقد القهوة يقصدون). وفي احد الايام كنت واضعا السجارة بفمي وامشي متبخترا في احد شوارع قريتي (آلبوهلاله).. وهب.. واذا انا ومعلمي وجها بوجه. لم ارمها.. بل ضغطها براحة يدي واطبقت كفي على جمرتها.

هكذا كنا نحن تلاميذ ذاك الجيل وما قبلنا.. نحترم المعلم ونهابه ونخافه ايضا.. وبقي يحظى بالأعتبار الاجتماعي والكفاية الأقتصادي في زمن الجمهورية الأولى. وكان في سبعينيات القرن الماضي يعيش وضعا اقتصاديا جيدا ايضا. اذ كنّا يومها نجوب بلدان اوربا الشرقية في العطلة الصيفية بألف دولار ونعود محملين بالهدايا.. الى الثمانينات التي شكلت بداية تدهور مكانة المعلم.. وتحديدا.. يوم أجبر على الالتحاق بالجيش الشعبي، ثم تلته الضربة الأوجع في زمن الحصار (1991-2003).. ففيه كان راتب المعلمة لا يساوي ثمن حذاء لها.. وساء الحال الذي اضطر كثيرون الى فتح (بسطيات) في الشوارع، ووصل الأمر الى ان بعض الناس كانوا ينظرون للمعلم بعين العطف والشفقة.. والتصدّق عليه (خطية.. معلم!). وانمحت هيبة المعلم.. واضطر هو الى ان يهدر بقيتها بقبوله هدايا (رشاوى) من الطلبة.

في اواسط التسعينيات.. اجريت دراسة ميدانية عن التخلخل في المكانات الاجتماعية والاقتصادية تبين منها ان الأستاذ الجامعي الذي كان يحتل المرتبة الرابعة في قمة هرم المكانة الاقتصادية في المجتمع، تراجع في زمن الحصار الى المرتبة الرابعة والعشرين، وتراجعت مكانة المعلم الى المرتبة ما قبل الأخيرة بنقطتين!.وحدث في التسعينيات ايضا ان اضطر الأستاذ الجامعي الى ان يعمل سائق اجرة بسيارته الخاصة، واضطر آخرون ان يبيعوا أعز ما يملكون.. مكتباتهم.

وتعد السلطة او الطبقة السياسة الحاكمة هي التي لها الدور الأكبر في الأساءة الى المعلم.. بدأها النظام الدكتاتوري في ثمانينات القرن الماضي بزج الأستاذ الجامعي في الجيش الشعبي.. وتبعه (النظام الديمقراطي) بالتمييز الطائفي لدرجة ان الحال وصل باحد الطلبة في كلية آداب بغداد وبالقسم الذي كنت أدّرس فيه، ان دخل القاعة الدراسية وسحب الأستاذ من سترته واخرجه.. واهانه امام طلبته. ومثل هذا.. وأشنع.. حدث كثيرا لمجرد ان الطالب يتمتع بسلطة الحزب الفلاني. ومع اننا في اكثر من مؤتمر طالبنا ان تكون المؤسسات التربوية بعيدة عن السياسة.. واتخذت فعلا بعض الاجراءات الا ان تأثير الأحزاب، الاسلامية بخاصة، ما زال موجودا، وما تزال الطائفية فاعلة على صعيد وزارة التعليم العالي تحديدا.. .فحين يتولى الوزارة (سنّي) تكون في حال وحين يكون الوزير (شيعيا) تكون في حال آخر.

وللتاريخ.. في نيسان 2012 وبدعوة من مكتبه، جرى لقاء شخصي مع وزير التعليم العالي السيد علي الأديب وعرض عليّ العودة الى بغداد مع تلميح نقله لي ملحق ثقافي كان حاضرا اللقاء بأسناد موقع اكاديمي كبير لي.. فشكرته واعتذرت. وفي نهاية اللقاء اسديت له نصيحة قلتها له بالنص: ان سيكولوجيا السلطة في العراق عودت المحيطين بالمسؤول ان يقولوا له ما يحب ان يسمعه.. واخشى أن يكون المحيطون بك من هذا النوع سيما وأن بينهم من هو حديث الخبرة (بينهم طلبتي!).. وعليه اقترح على جنابك تشكيل هيئة مستشارين بدرجة بروفيسور من الاختصاصات العلمية والانسانية على ان يكونوا مستقلين سياسيا. (موثق في كتابنا.. كتابات ساخرة ص 17).. ولم يأخذ بها.. وتردى حال التعليم الجامعي في زمنه وزمن من بعده بعد ان كان يتصدره على مستوى العالم العربي.

ثمة من لا يدرك ان دور المعلم يتعدى نشاطه في المدرسة، فبين المعلمين من هم مفكرون وأدباء بارزون وفنانون مبدعون، بل ان الكثير من القادة السياسيين الوطنيين كانوا في الأصل معلمين!.. وكان المعلمون يشكلّون النسبة الأكبر من السجناء السياسيين!.. ما يعني انهم بناة مجتمع.. وتلك حقيقة ادركها هتلر الذي استثنى المعلمين من زجهم في الحرب، ولما سئل لماذا؟ اجاب.. انهم هم الذين سيعيدون بناء المانيا بعد الحرب. وقبله كان الحكيم كونفوشيوس قد قسّم المجتمع الى ثلاث طبقات:الحكّام، الشعب، المعلمون.. واوصى بالعناية بالطبقة الثالثة لانه بصلاحها يصلح المجتمع.

ما المطلوب لأعادة دور المعلم وتفعيل رسالته في توعية المجتمع وبناء الوطن؟

الأول: ان تبتعد السياسة عن المؤسسات التربوية؟

الثاني: ان يتولى مسؤولية وزارتي التربية والتعليم العالي تربويون واكاديمييون اصحاب اختصاص.. وليت يتولى التعليم العالمي اكاديمي بروفيسور.. مسيحي!

الثالث: ان يصادق البرلمان على قانون يحمي المعلم ويرعاه.

الرابع: ان يعمل المعلم ذاته على اعادة الاعتبار لنفسه وان يكون بمستوى (كاد المعلم ان يكون رسولا).

هل ترتقي السياسة ويرتقي المعلم نفسه الى ادراك ان معظم التحولات الايجابية وقادة التغيير في العالم كانوا معلمين.. وان نعمل جميعا على تفعيل دور المعلم العراقي.. الذي يحتاجه الآن في زمن المحنة؟

في اليابان تقليد لطيف: في كل مناسبة تخرّج يجلس المعلمون ويضعون ارجلهم في طشوت ويقوم الطلبة بغسل اقدام معلميهم.

هل يعملها طالبنا؟. مستحيل!.. بس عالأقل من يشوف المعلم.. خل يخفي الجكاره!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

"لا تفقدها لروحك.. وتمسك بالرجاء.. فكل واحد منا وهو يسجد لله.. لا يقهر.. فنحن من حركنا وجوه التاريخ.. ونحن من دفعه للأمام.. ونحن من يوحون له بمستقبله!!!"

إن كل نداء إلى التاريخ ينتج مورداً رمزياً قوياً يتجلى بشكل متناقض فيمكن أن يلهم اللجوء إليه شخص ما لتغيير حياته الخاصة وتعزيز الثقة والمعاملة بالمثل وخلق رأس المال الاجتماعي وتعزيز المصالحة والحوار والتفاهم المتبادل والتضامن وحتى يتم التحويل إلى التنمية الاقتصادية في ظل ظروف معينة، كم يمكن إن يثير اللجوء إلى التاريخ النزاعات ويبرر العدوان ويغرس الإيمان في عدالة همجية الحروب ويبرر تجاوزات الإرهاب ويحول نوبات العنف العفوية إلى إبادة منهجية لبعضنا البعض، مما يدفعنا وبحرص لنتسائل عن ماهية أسباب ذلك الموقف التعبيري تجاه التاريخ؟ ولماذا تتزامن النجاحات الواضحة في تطور وتطوير العلوم التاريخية مع إنتاج كل أنواع الأوهام والمفاهيم الخاطئة عن الماضي التاريخي؟ يتميز التفكير التاريخي للعصر الحديث بـالانعكاس التاريخي الذي يتجسد عبر الظروف المثالية للمجتمع المرتبطة بأساطير تتمتع بميزات الواقع كما لو كانت بالفعل في التاريخ أو ينبغي تحققها في المستقبل لذا يتم تقديم التاريخ كعملية تقودنا بعيدًا عن الحالات المثالية أو تؤدي إليها، ومن هنا تتجلى سببية تصادم إصدارات مختلفة من التاريخ مندمجة بالقيم المعادية للحياة.

وقد كان هذا التحول في التفكير التاريخي ممكنًا في ظل التجربة الخاصة للزمن التاريخي فلذا من الضروري بذل جهود مستمرة بحيث يبقى هذا الماضي في الماضي ولا يحدث مرة أخرى في المستقبل وايقاف نشوء ظاهرة جاذبية الجمهور للتاريخ المعني عبر تشكيل المجال العام فيأخذ التاريخ طابعًا عامًا ويصبح موضوع نقاش عام ويتم التلاعب بالمناقشات العامة والرقابية وحشو المنتجات المزيفة التاريخية، ويجب إن ندرك إن في عملية تحويل التاريخ إلى ظاهرة عامة هناك تزامن مع تشكيل الأمم المدنية كمجتمعات خيالية كبيرة، وعبره أصبحت الهوية التاريخية واحدة من أهم أسس الهوية الوطنية، ليأخذ التاريخ شكل الروايات الأساسية والروايات الكبرى الموجهة إلى المجتمعات وليحتوي كقصص كبرى على أفكار كبيرة ومشاريع بناء عالمية تقوم عليها الهويات المعقدة التي يمكنها دمج المجتمعات في المواقف الحرجة وتمكين حشدها.

وهنا أود أن أوضح واطرح أطروحة قد تبدو مثيرة للجدل والتي سيناقضني بها اساتذتي فعذرا لهم، وسيخالفني بها زملائي، فأستسمحهم جميعا، لانني اجد نفسي مجبرا على طرحها في ضوء ما توفر لي من رؤية تاريخية متواضعة، تتلخص في مسألة التاريخ الكبير المعني والذي ربما اعتدنا كتابته بأحرف كبيرة غير إني أرى انه قد فقد الوظائف التي كانت له ونفذها قبل عدة قرون وحتى قبل عقود، فاليوم يعتقد بعض الناس أن الأداة القديمة التي أثبتت جدواها سيمكنها من أن تحل مشاكل مماثلة في الظروف الجديدة والمعاصرة، وأن التمسك بالسرد التاريخي الكبير سيسمح بدمج وتعبئة المجتمعات الكبيرة، لكنني اناقض ذلك لأنه لا يحدث دائمًا فما إن يظهر السرد الكبير ويدمج في المجال العام فهو لا يوحد المجتمع بل إنه يجزمه !! وما هي أسباب فقدان الوظائف الفلسفية الحضارية والفكرية وهل حقيقة كان ذلك بسبب الروايات التاريخية الكبيرة؟ فلذلك أرى وجوب أن يتم السعي وراءها لفهم وادراك التحول الاجتماعي العميق الذي يحدث اليوم في جميع أنحاء العالم، كما إن الروايات الكبرى بمفهومها كانت توزع نسخًا مختلفة من تواريخ بديلة كتاريخ الخاسرين وتاريخ الأقليات والقصص المحلية المتنوعة وقصص الطبقات التي لم يكن لها صوت من قبل، مما يطرح تساؤلا في هل يمكن للرواية التاريخية الكبرى والتي تم إنشاؤها وطرحها من الأعلى أن تدمج هذه الروايات المتنوعة؟ وكيف ستكون طبيعة وقوعها وهي بحد ذاتها مختلفة اختلافًا أساسيًا؟ هنا يجدر بنا إن نقر إن أسس تنظيم المجتمعات الحديثة تغيرت وهي ألان في تغير مستمر، ونحن وحتى إن كنا منجذبين إلى الهياكل العقلية المميزة للمجتمعات الاستهلاكية غير إن التاريخ يتحول أيضًا إلى منتج استهلاكي لان الإنتاج عملية جماعية إلى حد ما بينما الاستهلاك هو دائما فردي الجانب والمحتوى، وهو ككائن للاستهلاك ينقسم إلى قصص فردية وبمجرد ظهور شبكات التواصل الاجتماعية أصبح من الواضح ادراك مدى رغبة الناس في سرد القصص لأنفسهم وحتى أولئك الذين لا يكتبون ببساطة لجئوا لتحميل الصور ونشرها فأصبحت عبرهم القصة التاريخية متعددة الوجوه!! ونتيجة للتحولات العالمية نلاحظ كيف تفقد الروايات التاريخية المألوفة اليوم مصداقيتها، غير إن الأشكال الجديدة للتصدي للتاريخ التي ظهرت اليوم لم تملأ بعد المساحة العامة ولم تتلق الشرعية الاجتماعية التي يمكن أن تبدو مقنعة، ونتيجة لهذه التحولات نلحظ أيضا وجود فراغ معين نشأ فيما يتعلق بالوضع الوسيط الغريب اليوم، وهذا الفراغ مليء بالشعبية والدعاية المستندة للحنين إلى الأوقات التي كان كل شيء فيها واضحًا ويمكن التنبؤ بها او المتناقضة مع ثقافة الخوف والمنتشرة اليوم في بلدان مختلفة ،فهذا هو أيضا نوع من ملء الفراغ  مما يؤدي إلى إمكانية عودة بث وتطبيق القصص التاريخية الكبرى في ظل هذه الظروف غير إن ما يمنع هو إن طبيعتها تختلف مما يجرف بها لأمكانية أن يتخذوا منها شكلًا متطرفًا فلا يتطلبون من أتباعهم المعرفة بل الإيمان الأعمى عبر التحدث كثيرًا عن "القيم التقليدية" والتي يجب إرجاعها، ومن يتأمل بذكاء لتلك القيم فسيجد أنها من اختراع اليوم ولا تتعلق بالتاريخ الخيالي والذي لا يعرفه حتى المؤرخين المجتهدين.

فما الذي يمكننا الاعتماد عليه في هذه الظروف؟ أو ما هو مستقبل التاريخ؟ للأجابة عن ذلك وجدت إن الحل يتمحور بالأنظمة المؤسسية القائمة على الوصول المحدود والمفتوح إلى الموارد فأن كانت هي تهيمن على المجتمع معتمدةً على الوصول الحصري لمورد معين ذي قيمة فإنها ستدعم نظام الوصول المحدود إليه وتنشأ حالة مثيرة للاهتمام للغاية في ظروف الوصول المحدود إذ عادة ما يتم فهم المورد نفسه في منطق تناقص الغلة وكلما زاد عدد المشاركين سيقل عدد الأفراد الذين يحصلون عليه وهذه لعبة محصلتها صفر فالفوز بواحد يؤدي بالضرورة إلى خسارة الآخر ومع ذلك يمكن إنشاء موارد قيمة الوصول المفتوح، وهذا طرح لطيف لكن ما هي علاقته بالتاريخ؟ وكيف يرتبط به؟ نجد الترابط بينهما إذ كان التاريخ موردًا رمزيًا كبيرًا فيمكننا إذن وصف الوصول إليه في منطق مماثل، وذلك إن لن نسمح لأي شخص بإعادة كتابة تاريخنا وطرد المنافسة وإنشاء قصص تاريخية كبيرة في معظم الأحيان بمنطق الوصول المحدود، وذلك المنطق هو الذي ينهار اليوم إذ أن المعنى الرمزي لمورد التاريخ المحدود في ظل الظروف الجديدة قد استنفذ.

إن مستقبل التاريخ وأنا مقتنع، هو أننا سنتعلم التعامل معه في وضع الوصول المفتوح، وان المستقبل ينتمي إلى مشاريع التاريخ التشاركي هذه هي القصة التي أنشأتها المشاركة العامة، وفي الختام أود التأكيد ومن أجل تجنب الالتباس المنهجي فأن هذا هو نداء عام للتاريخ وليس عن التاريخ كعلم علمي على الرغم من أنه في العلوم التاريخية هناك أيضًا تغيرات خطيرة بظهور التاريخ الجزئي وإعادة النظر في الموضوعات الكبرى عبر مجموعات مصغرة وهذه ليست مجرد نظرة على القصة الكبيرة، لذا من الضروري فصل العلوم التاريخية عن المناقشات العلمية وعن كيفية عمل هذه الموضوعات في المجال العام وبالأداء العام للمعرفة التاريخية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عصمت نصارلم يغب حلم أمل النهضة والإصلاح عن الحضور في أطياف والهامات قادة الرأي المصريين المحدثين، وشعورهم بالتفرد والاستقلال رغم وطأة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، سواء في ظل حكم المماليك أو العثمانيين. فلم يكن خطاب «نابليون (١٧٦٩م-١٨٢١م)» للمصريين هو علة إيقاظ وعيهم القومي أو انتمائهم الوطني كما يدعى البعض -ذلك الذى جاء فيه- أن المصريين أمة مستقلة عن دونها من الغزاة، الذين استعبدوا الشعب ونهبوا ثرواته، وأنه جاء بحملته ليرد الحق لأهله، ويحرر أصحاب البلاد الحقيقيين. فعلى الرغم من ذكره مصطلح الأمة المصرية إلا أنه قد ذكر أيضًا أنها تابعة للسلطان العثماني كما حاول إيهام قادة الرأي من شيوخ الطوائف والحرفيين وشيوخ الأزهر بأن حملته ليست صليبية بل إن حكومته تناصر الإسلام وتحترم المسلمين.

والحق فإن عوام المصريين قبل علمائهم لم ينسوا أن مشخصاتهم أقوى من أي ثقافة وافدة، وقد نجحت عبقريتهم في تطويع كل وافد بما فيه من عوائد وعقائد وصبغته بالصبغة المصرية.

الأمر الذى يبرر تفاعل المصريين مع الفكر السياسي الأوروبي ومناقشة ما فيه من أنساق فلسفية، أضف إلى ذلك أن وحشية الغزاة وتجبرهم مع المصريين كان بمثابة الناقوس المنبه لأذهانهم بأن الجلاد لن يصبح يومًا صديقًا أو أليفًا ولم يبيت أبدًا خليلًا أو راعيًا أمينًا.

فقد شغل مصطلح الأمة أذهان قادة الرأي المصريين -منذ منتصف القرن السابع عشر- ولعل كتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي (١٠٢٩م-١٠٧٠م) -الذى نُقل محتواه شفهيًا إلى الإسكندرية عن طريق التجار والرحالة- من أوائل المؤلفات التى نوقشت في مجلس «حسن العطار» فقد تناول المثقفون المصريون حديث «صاعد» عن ثقافات الأمم وتطورها وأثر علمائها في نهضتها وتحديثها وكذلك انتقال المدنية من أمة إلى أخرى بفضل تناكح الثقافات وانتقال العلوم من مجتمع إلى آخر، الأمر الذى ساعد على تطور الأفكار وإيقاظ العقول على مر العصور.

وقد راق لهم وصف «صاعد» لمصر بأن لها تاريخا عريقا وكيانا مستقلا عن العرب والترك وأنها أمة لها خصائصها التى لم تتبدل رغم تعدد أجناس وملل ساكنيها، وأن العلم والحكمة والأخلاق قد ميزت أهلها عن غيرهم.

أما مصطلح «القومية» فقد تسلل إلى الثقافة المصرية عبر القنصليات الأجنبية الموجودة في مصر منذ مطلع القرن السابع عشر وكان لا يتعدى التعبير عن المجتمعات التى وحدتها اللغة والمكان والتاريخ والدين والأعراق، ولم يظهر هذا المصطلح بالمعنى السياسي إلا في القرن التاسع عشر.

وذلك عندما تبلورت دلالته في التعبير عن الأمة باعتبارها ذات سيادة وشخصية مستقلة، وإرادة حرة تمكنها من وضع النظم الخاصة بها وعقد الاتفاقيات الخارجية والتحالفات بين غيرها من الأمم.

وقد أدرك المصريون -مبكرًا- أن الأمة المصرية لم تمر بالأطوار التى مرت بها أوروبا - من صراعات وحروب عرقية ومليّة- لكى تصبح لها مشخصات مميزة أو وجود مستقل، الأمر الذى دفع قادة الفكر المصري إلى توضيح ذلك المصطلح للشبيبة، «الأمة» للكشف عن عراقة وأصالة وتحضر الأمة المصرية التى لم يقعدها على النهوض سوى عزلتها عن ركب التقدم وسجن إرادتها تحت واطئة استبداد الحكام الغرباء، أو تجبر المحتل الغاصب.

ويسجل التاريخ أن حفنة من شيوخ الأزهر قد اضطلعت بمهمة الدفاع عن حقوق الشعب المصري غير عابئة بأوامر الباب العالي أو عسكر المماليك، وأن وحدة الخلافة الإسلامية لم تُنسهِم أنهم مصريون ونذكر منهم «الشيخ سليمان المنصوري» والشيخ عبدالله الشرقاوي (١٧٣٧م-١٨١٢م)» قائد ثورة المصريين على المماليك عام ١٧٩٥م و«السيد محمد كُريّم (ت١٧٩٨م)» قائد مقاومة الحملة الفرنسية و«السيد عمر مكرم (١٧٥٠م-١٨٢٢م)» ممثل الشعب الذى نصب «محمد على (١٧٦٩م- ١٨٤٩م)».

ويبدو أن إقبال قادة الرأي في مصر على دراسة مقدمة «ابن خلدون» ونشر ما فيها من أفكار بين المثقفين في القرن التاسع عشر كان وراء رغبتهم في إيقاظ العقل الجمعي المصري، حتى أضحى شعار «مصر للمصريين» الذى ردده كل من «جمال الدين الأفغاني» و«محمد عبده» في مجلة «العروة الوثقى» هو قاعدة الانطلاق لاسترداد مصر ثانية من اغتصاب واستبداد الحكام وتحريرها من أغلال المحتل.

وقد تنامى هذا الشعور وقويّت تلك الإرادة بعد أن أصبح لمصر جيشًا من المصريين.

وقد فطن «حسين المرصفى» لكل ما أسلفناه، الأمر الذى كان وراء جعله مصطلح «الأمة» في صدارة «الكلم الثمان».

ووقف كذلك على المفهوم الأوروبي الحديث لمصطلحي قومية وأمة، إذ كان يعنى الأول في معظم الدوائر السياسية الغربية -آنذاك- «أن القومية هى حالة عقلية وإحساس مشترك بالولاء إلى كيان جماعي أعلى من الولاء المحلى أو الإقليمي أو أي ولاءات أخرى».

كما تأثر بتعريف الفيلسوف الإنجليزي «جون ستيوارت ميل (١٨٠٦م-١٨٧٣م)» الذى جعل الشعور المشترك والعوائد والتقاليد والأعراف والسمات الأخلاقية للشعوب في صدارة مقومات وحدة القومية وذلك قبل الجنس والأصول العرقية واللغة والدين والحدود الجغرافية.

وتعريف الفيلسوف الفرنسي «أرنست رينان (١٨٢٣م-١٨٩٢م) للأمة:- بأنها نتاج لذلك التقارب بين كل أطياف المجتمع تحت إمرة حكومة واحدة، وأن ما يميزها عن غيرها هو وحدة الإرادة للعيش سويًا والمكان وقدمهما على وحدة التاريخ والأعراق واللغة والدين، موحدًا بذلك مفهوم الأمة مع مفهوم الدولة.

وللحديث بقية.

 

د. عصمت نصار

 

 

حاتم حميد محسنحتى وقت متأخر لم يكن الاقتصاديون مهتمين بسؤال التنمية المستدامة، بينما نالت هذه القضية اهتمام الباحثين الجغرافيين والايكولوجيين وعلماء الفيزياء وخبراء البيئة. لايوجد هناك تعريف واحد للتنمية المستدامة، فعلماء الفيزياء يركزون على مظاهر تختلف عن تلك التي يهتم بها البيئيون غير ان مختلف الاتجاهات تناولت جميع او جزء من العناصر التالية:

1- النظام المستديم هو النظام الذي يمتد زمنيا الى ما لانهاية. فهو نظام لا يتغير او في حالة توازن.غير ان المجتمعات الطبيعية تتألف من كائنات حية، فالتغيير هو جزء من عمليات الولادة والنمو والذبول. والتغيير (بما في ذلك التنمية) يكون مستديما في المجتمعات الطبيعية اذا لم يكن هناك ضياع في الموارد.

2- ينصب مفهوم الاستدامة خصيصا على الحاجة للحفاظ على المصادر الغذائية. فالنظام الزراعي في الدول المتقدمة صناعيا هو نظام مسبب للتلف والضياع، فمثلا القمح يُستعمل لإنتاج البروتين الحيواني، وفي الولايات المتحدة 78% من القمح الامريكي يُوجّه لإنتاج البروتين الحيواني لغرض الاستهلاك الانساني. والنباتيون يرون من الخسارة تحويل البروتين النباتي الى بروتين حيواني اذا اريد للتنمية ان تستديم.

3- ان الانظمة الزراعية تُعتبر مستديمة فقط اذا تمكنت من الصمود امام الضغوط. والانظمة الزراعية في الدول المتطورة هي عالية الانتاجية ولكنها بنفس الوقت معرّضة الى مخاطر كبيرة، فهي تعتمد على اساس وراثي ضيق. وأي تهديد للانواع حتى لو كان صغيرا سوف يؤثر على النظام بالكامل. والانواع ربما تقاوم وسائل السيطرة الاصطناعية المستعملة في مكافحة الاعشاب والحشرات، ولايمكن الحصول على مردود عالي ما لم يتم استعمال كميات كبيرة من المخصبات الصناعية.

4- ان الدول النامية خصيصا بحاجة الى نظام انتاجي مستديم، فلابد من مراعاة حقيقة ان غالبية سكان الدول النامية يعتمدون على القطاعات الاولية (الزراعة والغابات والصيد). فاذا لم تكن هذه النشاطات مستديمة ضمن عملية التنمية فان المجتمع سيتعرض للتهديد. غالبية افراد هذه الدول يعيشون قريبين من حد الكفاف، ومع غياب أنظمة التأمين الاجتماعي ذلك يعني ان الناس يواجهون المجاعة، والزيادة السكانية تجعل المشكلة اكثر خطورة حينما لم يعد بالامكان الحفاظ على مستويات الدخل. وكذلك بالنسبة لحركة العمالة ورأس المال تكون بطيئة في الدول الفقيرة، واذا حصل اي تخريب في البيئة في منطقة معينة او اقليم معين فمن الصعب العثور على وسيلة للعمل في مكان آخر.

5- ان شعوب المجتمعات التقليدية لهم مفهومهم الخاص عن معنى الاستدامة والذي يتعارض مع مفاهيم السوق الحديث. فمثلا هم يعتقدون ان الارض والموارد الطبيعية يجب ان تبقى في وضعها الطبيعي، فالاجيال القادمة لها الاولوية بهذه المصادر. ان مجتمعات الغابات تتحفظ كثيرا في هذا الجانب، فمثلا بعض الجماعات في غرب الهند يعيشون في حالة توازن دقيق مع بيئتهم ، فهم يقطعون من الغابات فقط ما هو ضروري لتلبية حاجاتهم، ويدركون ان أي استغلال مفرط سيؤدي الى تحطيم البيئة. فهم يبنون مساكنهم من مواد متجددة مثل الطين والقش، وحينما سُمح للتركتورات بالدخول الى المنطقة جرى قطع الاخشاب وتصديرها للخارج لغرض استيراد بضائع لم يكن اولئك السكان بحاجة لها. فالتنمية المستدامة تتطلب ترك المصادر كما هي بدون استغلال.

الاقتصاديون ومفهوم الاستدامة

ينظر اقتصاديو التنمية الى مفهوم الاستدامة ضمن اطار الادارة الكلية. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يشيران الى النمو الدائم او التنمية المستدامة بالزيادة في الدخل الفردي والتي يمكن المحافظة عليها بعيدا عن آثار التضخم او مشاكل ميزان المدفوعات.

وهكذا يركز صندوق النقد الدولي ومعه البنك الدولي على اعتبارات جانب العرض اذا اريد المحافظة على النمو. والاقتصاد ربما يحتاج الى التحرير عن طريق رفع الدعم او تبنّي سياسة الخصخصة او خفض سعر الصرف والمزيد من استراتيجيات التنمية المنفتحة. اما السياسات التي تهدف فقط الى تنشيط الطلب عبر إرخاء السياسة النقدية وخفض سعر الفائدة فهي من غير المحتمل ان تحقق تنمية مستديمة. فالرخاء المادي سينكمش بفعل التضخم او المديونية او سعر الصرف المرتفع .

ان تعريف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمفهوم الاستدامة يبدو بعيدا عن اهتمامات المحافظين والبيئيين، بل وعلى العكس تماما يرى البعض ان سياسات البنك الدولي تفضل النشاطات التي تُعتبر غير مستديمة. فمثلا، الدول النامية شُجّعت من جانب الوكالات الدولية لكي تطبق تحليلات المنفعة – التكاليف في تقييم خطط الاستثمار العام، فالمحطة النووية تعطي فوائد وتتحمل تكاليف ضمن مدى زمني معين. واليوم يعترف المستثمرون بأن تقييم الاستثمار يتطلب احتساب التكاليف الاجتماعية الغير مباشرة مثل التلوث البيئي . ولكن حتى لو اُخذت هذه التكاليف في الاعتبار فلا يزال المخطط الاستثماري يستعمل سعر خصم للمردود في المستقبل لكي يجسد القيمة اليوم، وسعر الخصم هذا يفضل المردود الصافي المتحصل في السنوات الاولى للاستثمار على صافي المردود في السنوات البعيدة وهذا ربما يجعل من المفيد اقتصاديا الشروع بأعمال غير مستديمة. مع وجود سعر خصم عالي لا ترى المحطة النووية أي أهمية لما تحصل عليه من القليل من صافي المردود بعد 60 سنة من الان اذا كان صافي المردود الحالي كبير الى درجة يعوّض عن تلك الخسائر المستقبلية.

والمحافظون يجادلون بان خطأً جسيما سيحدث لو لم ندرك النتائج الطويلة الأجل للقرارات ذات الآثار غير المرتجعة . وهم يشيرون الى ان المجتمعات التي تتخذ قرارات تقوم على مبدأ المحافظة على الموارد لكي يستخدمها اطفالهم بنفس شكلها السابق (بمعنى استعمال سعر خصم صفر لخصم مردود المستقبل)، هي ربما قرارات غير رشيدة اقتصاديا ولكن تلك الجماعات ستبقى حية لأنها اعتمدت مبدأ التنمية المستدامة.

قياس نجاح التنمية المستدامة

ان الانتقادات التي يوجهها الاقتصاديون ضد جماعات الضغط المحافظة هي ان تلك الجماعات لم تتمكن من تحديد أهداف التنمية المستديمة وليست لديها معايير لقياس تلك الاستدامة. والمحافظون ربما يعتبرون هذه التنمية المستديمة هي اطالة قدرة الارض على خدمة الحياة الانسانية. غير ان الاقتصاديين يشيرون الى ان ذلك يعتمد على الطريقة التي نقيّم بها القناعة في الحاضر مقابل القناعة في المستقبل او بمعنى آخر يتعلق بالأرباح والخسائر للجيل الحالي والمستقبلي. فمثلا، كيف نقرر حجم العائلة الان وفي المستقبل؟ يجب ملاحظة عدم وجود سبب مجرد بذاته لنفضل الحاضر على المستقبل او العكس. الامر يعتمد على سعر الخصم (الفائدة) المُعتمد الذي يعكس بطريقة ما القيم الثقافية التي تُنسب الى قناعة الحاضر والمستقبل.

وفيما يتعلق بقياسات الاستدامة استطاع بعض الايكولوجيين ايجاد وسائل قياس كمية ملائمة للاستدامة. ومن القياسات الاحادية مثلا: انجراف التربة وفقدان غطاء الغابات وتلوث الماء والهواء. وهذه القياسات لابد ان تؤخذ مجتمعة اذا اريد التوصل الى معنى للتنمية المستدامة. والاقتصاديون طُلب اليهم ان يُعطوا مزيدا من الاهتمام للاندثار في رأس المال الصناعي والبشري. فلابد من طرح قيمة الاندثار من اجمالي الناتج القومي لغرض الوصول الى صافي الدخل القومي. فمثلا، سوء التغذية، خاصة لدى الاطفال والحوامل من النساء تقلل من رأس المال البشري في الدول النامية وهو ما يؤثر بالتالي على حسابات الدخل القومي. وبنفس الطريقة بالنسبة لتجريف التربة في المناطق الهشة من الدول النامية يمثل تخريب للارض والمصادر المرتبطة بها وتتطلب القياس عند حساب الاندثار.

واخيرا هناك مدرسة فكرية ترى ان الدول النامية وحيث الغالبية من السكان يعيشون عند حد الكفاف، يكون فيها الميل للاستهلاك قويا. وفي هذه المجتمعات يوجد القليل من الطلب على النظام الانتاجي المستديم، ومرونة الطلب على الحماية البيئية ستكون قليلة. وعكس ذلك في الدول الغنية حيث لديها مرونة طلب عالية بالنسبة للحماية البيئية ومرونة منخفضة للحاجات الاساسية.

ان هذه المسائل لها تأثير كبير على التنمية لأنها تكشف عن الميل المتزايد للدول الغنية لتصدير ملوثاتها البيئية الى العالم النامي. ان مواقف الدول النامية من الحماية البيئية ليست ثابتة، فهي تعتمد على الطريقة التي يضع قادة تلك البلدان اولوياتهم والخيارات المتوفرة لشعوبهم من حيث الموارد المتوفرة للخيارات المستديمة.

 

حاتم حميد محسن

 

إحساس الإنسان بالتغيرات الاجتماعية لَيس خيالاتٍ هُلامية، وإنَّما هُو نظام فكري مُتماسك يتكوَّن مِن الصُّوَر الذهنية الناتجة عن الواقع، ومَصادرِ تفسير هذا الواقع . ولا يُمكن فصل الصورة الذهنية التي تتشكَّل في وَعْي الإنسان عن إطارها الواقعي، لأنَّ الواقع هو المنظومة المعرفية المركزية التي تُقدِّم التفسيرَ المنطقي للأحداث، كما أن الواقع هو المرجعية لتحليل العناصر المثالية والمادية في العلاقات الاجتماعية، وهذا يستلزم بالضرورة تفكيك عناصر التاريخ كما هو على أرض الواقع، وليس كما نُحِبُّ أن يَكون، وليس كما نتخيَّله في الأذهان.والتاريخُ الحقيقيُّ هو الذي حدث على أرض الواقع، وليس الذي تَمَّت أدلجته وتَسييسه في الأذهان تحت ضغط السُّلطات الأبوية، التي تَخترع المُسلَّمات الافتراضية لتحقيق مصالح شخصية ومنافع ذاتية .

2

مَن أُصِيب بالعطش في الصحراء، عليه أن يَبحث عن المياه الجوفية داخل الأرض، ولا يُضيِّع وقته في مُطاردة السراب فوق الأرض . ومَن أرادَ التفسيرَ المنطقي للأحداث، عليه أن يَبحث عن العلاقات الاجتماعية داخل تاريخ الأمم والشعوب، ولا يُضيِّع وقته في مُطاردة التفسيرات الجاهزة، والتأويلات المُعَدَّة مُسْبَقًا، والمُسلَّمات المُكرَّسة بفِعل التَّكرار الخاضع لمنطق القُوَّة لا قُوَّة المنطق .

3

التفسيرُ الحقيقي للتاريخ يُشبِه الطعامَ الثقيل الذي يُطبَخ على نار هادئة، ويَستغرق وقتًا طويلًا للنُّضج، ولا يُمكن أن يكون وجبةً سريعةً، لأن عملية التفسير فِعل تراكمي تحليلي يقوم على تفكيك العناصر ثُمَّ تجميعها، وترتيبها بشكل منطقي تسلسلي، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا، ويتطلَّب مجهودًا فكريًّا كبيرًا . وبما أن أغلب الناس يَميلون إلى الاستسهلال، ويَتعبون مِن التفكير العميق، ولا يُريدون إرهاق أنفسهم في عمليات عقلية مُعقَّدة، فإنَّهُم يَقبَلون بالشيء المُتَدَاوَل دُون فَحْصه، ويتمسَّكون بالحُلول الجاهزة دُون اختبارها، ويَقبَلون بالأمر الواقع دُون النظر إلى ما وراء الواقع، ويَلتزمون بالتفسيرات الشائعة دُون عرضها على قواعد المنهج العِلمي في البحث والاستدلال . إنَّهُم مُعجَبون بجَمَال الشَّجرة التي تُغطِّي الغابة، ولا يُريدون اقتحامَ الغابة، ومعرفة أشجارها. وهُم بذلك يُشبِهون الأشخاصَ الذين يتناولون الوجبات السريعة، ويذهبون إلى النوم،  ولا يُريدون إضاعة وقتهم في المطبخ لتحضير الطعام .

4

التعاملُ مع التاريخ يعني التعامل مع ثلاثة سِياقات معرفية متشابكة: أ - التاريخ في الواقع (التاريخ الحقيقي) . ب- التاريخ في الذهن (التاريخ المُتَخَيَّل). ج - تفسير التاريخ (التاريخ المُختبئ وراء التاريخ). ومِن أجل السيطرة على هذه السِّياقات الثلاثة، وكشفِ أبعادها، وتحليلِ مضامينها، ينبغي إجراء عملية تَنقيب في الأنساق الاجتماعية، وهذه العملية هي الضمانة الأكيدة للوصول إلى حقيقةِ المشاعر الإنسانية، وماهيةِ السلوكيات الفكرية ضِمن الزمانِ والمكانِ. ولا معنى للتاريخ إلا مِن خلال إجراء حفريات واسعة في المُكوِّنات المعرفية للحضارة بشكل عام، والمُكوِّناتِ الإنسانية للمجتمع بشكل خاص . ولا شرعية لتفسير التاريخ إذا لم يتم التفتيش عن الإنسان داخل الإنسان، والبحث عن التاريخ السِّري للأحداث المَوجود خَلف الكواليس . وإذا لم يتم الوصول إلى الوجه، فلا فائدة مِن معرفة الأقنعة .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد علييهدف هذه المقال إلى الكشف عن قضية إنسانية شائكة للغاية وخلافية إلى أقصى حد، ألا وهى قضية "الأبعاد الحقيقة لنشأة العلم عند اليونان"، وقد أصبحت مثل هذه الدراسة ضرورية وملحة، بسبب الخلط والفوضى الفكرية والأخلاقية التى تحيط بهذه القضية. فمعظم المؤرخين والعلماء والفلاسفة الغربيين يحاولون تعتيم هذه القضية، من خلال الغرس فى الأذهان، أن اليونانى هو مبدع الفكر والعلم والأخلاق والاجتماع والسياسة والفن والرياضيات والفلك والطب والمنطق والفلسفة…وغيرها. وكأن الحضارة اليونانية خلق عبقرى أصيل جاء على غير منوال، لم تسبقها حضارات أخرى، ولم تتصل بها مصر القديمة ولا كنعان ولا بابل ولا أشور ولا فارس ولا الهند ولا الصين….بل هى فى زعمهم ـ أوربية النشأة والتطور.

أصحاب هذا الرأى هم دعاة " المعجزة العلمية اليونانية " الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى أن يمجدوا الحضارة اليونانية - حضارة أجدادهم، فتحدثوا طويلاً عن ذلك الإنجاز الهائل الذى حققه اليونانيون فجأة دون أى مقدمات تذكر، ودون أن يكونوا مدينين لأى شعب أو حضارة سابقة عليهم.

وهؤلاء هم أكثر الناس إيماناً بأن أقدم الحضارات كانت مزدهرة وناضجة كل النضج بالقياس إلى عصرها، ومن ثم فقد كان من الضروري أن ترتكز فى نهضتها على أساس من العلم.

إلا أن هذا العلم فى نظر دعاة المعجزة العلمية اليونانية كان يعتمد على الخبرة والتجربة المتوارثة؛ وأن تلك الحضارات كانت تكتفى بالبحث عن الفائدة العملية أو التصرف الناجح دون سعى إلى حب الاستطلاع الهادف إلى معرفة أسباب الظواهر، كما أن تلك الحضارات لم تملك نفس القدر من البراعة فى التحليل العقلي " النظري" لهذه المعارف .

أما الحضارة التى توصلت إلى هذه المعرفة النظرية، والتى توافرت للإنسان فيها القدرة التحليلية التى تتيح له كشف المبدأ العام من وراء كل تطبيق عملى فهى الحضارة اليونانية (2).

فمثلاً قالوا أن المصريين القدماء قد استخدموا الرياضيات فى مسح الأرض وشق الترع وغيرها من أغراض عملية، استعانوا بها وبالميكانيكا على إقامة الأهرمات التى مازالت تتحدى الزمن، أقاموها لحفظ الجثث المحنطة، اعتقادا منهم فى خلود النفس وحساب اليوم الآخر، وتوسلوا بعلم الكيمياء فى تحنيط الجثث واستخراج العطور والألوان، وغير هذا من أغراض دينية. ولكن اليونان هم الذين أنشأوا هذه العلوم فى صورتها النظرية الخالصة، وتجاوزوا فى الرياضيات مرحلة الأمثلة الفردية المحسوسة إلى مرحلة التعاريف والبراهين، فتوصلوا إلى القوانين والنظريات التى تستند إلى البرهان العقلى .

وكذلك كان الحال فى علم الميكانيكا، كان اليونان فيما يقول دعاة المعجزة العلمية اليونانية – أول من عالج دراساته بروح علمية؛ إذ كان لأرسطو الفضل فى إنشاء هذا العلم النظرى ، وإن جانبه التوفيق فى صيغة عبارته ؛ وأكمل الاسكندريون من أمثال " أرشميدس" (ت212ق.م) ممن قننوا المعلومات الميكانيكية لأول مرة فى تاريخ العلم .

وكان البابليون والكلدانيون قد سبقوا إلى مشاهدة الكواكب ورصدها، فأنشأوا بهذا علم الفلك العملى، ولكنهم كانوا مسوقين بأغراض تنجيمية أو عملية (كمعرفة فصول الزراعة ومواسم التجارة ونحوها).

أما اليونانيون فهم الذين أقاموا علم الفلك النظرى فى رصد الكواكب لمعرفة " القوانين " ووضع " النظريات " التى تفسر سيرها وتعلل ظهورها واختفائها. ويرجع الفضل الأكبر فى هذا إلى " بطليموس" الاسكندرى (فى القرن الثانى) بكتابه" المجسطى" الذى ظل المرجع الرئيسى حتى مطلع العصر الحديث .

ومثل هذا يقال فى العلوم التى أدت إليها فى الشرق بواعث دينية أو أغراض عملية؛ عالجها اليونان بروح علمية، حتى نشأت علوماً نظرية تستند إلى البرهان العقلى وتقوم على" تقنين " المعلومات بغير باعث دينى أو عملى .

ولم يكتف دعاة " المعجزة العلمية اليونانية " بذلك؛ بل خرج منهم فريق يرى أن التنقيب في أطلال الماضى للتوصل إلى حضارات مزدهرة قبل اليونان ليس سوى مضيعة للوقت إزاء الطابع الملح للمشاكل القائمة، وهو موقف عفا عليه الزمن، وعلينا أن نقطع صلتنا بكل هذا الماضي المشوش والهمجى واللحاق بالعالم الحديث الذى تندفع تقنياته بسرعة الالكترونات، والعالم في طريقه إلى التوحد. وعلينا أن نكون فى طليعة التقدم، وسيحل العلم في القريب العاجل كافة المشاكل الكبرى، بحيث تصبح تلك المشاكل المحلية والثانوية غير ذات موضوع. ولا مجال لأن تكون هناك لغات تعبر عن ثقافة ما سوى غير ثقافة أوربا التى أثبتت أصلاً قدرتها على ذلك، مما يعنى أنها قادرة على نقل الفكر العلمي الحديث، وأنها عالمية فعلاً.

وفي الوقت الذي كان فيه دعاة المعجزة العلمية اليونانية يصولون ويجولون لإثبات أن نشأة العلم يونانية خالصة، وأن اليونانيين قد توصلوا إلى اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، كانت هناك طائفة من المؤرخين والفلاسفة أمناء مع أنفسهم ومع الحقيقة ومع التاريخ، فقالوا بما أملته عليهم ضمائرهم الحية وروحهم العلمية الموضوعية؛ ومن ثم قرروا أن الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شئ؛ فالقول بأن اليونانيين قد أبدعوا فجأة ودون سوابق أو مؤثرات خارجية حضارة عبقرية في مختلف الميادين ومنها العلم هو قول يتنافى مع المبادىء العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات وتأثيرها بعضها ببعض، بحيث تؤثر الحضارة السابقة في الحضارة اللاحقة وتتأثر هذه بتلك تأثراً تتعدد أبعاده تارة وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته تارة أخرى.

فمن المستحيل مثلاً تجاهل شهادات اليونانيين القدماء أنفسهم، فقد شهد أفلاطون بفضل الحضارة المصرية القديمة، وأكد أن اليونانيين إنما هم أطفال بالقياس إلى تلك الحضارة القديمة العظيمة، وذلك فى الحوار الذى أورده فى محاورة " طيماوس" بين سولون وأحد الكهنة المصريين الذى قال للمشرع الأثينى " إن اليونانيين لا زالوا أطفال فى مضمار الحضارة " . وهناك روايات تاريخية تحكي عن اتصال فلاسفة اليونانيين وعلمائهم ومنهم " أفلاطون " ذاته بالمصريين القدماء وسفرهم إلى مصر وإقامتهم فيها طويلاً لتلقي العلم .

فلم تكن نشأة العلم يونانية خالصة ولم يبدأ اليونانيون باكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم من بلاد الشرق التي كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية، والتي كانت أقرب البلاد جغرافيا إليهم .

على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ممن ينكر فضل اليونانيين في ظهور العلم. والحق أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد من للمعرفة، ربما كان عادة أوربية سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور أسهمت به حضارات الشرق القديم لا يعني أننا ممن ينكرون على اليونانيين أصالتهم العلمية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة علمية ناضجة.

ولكننا لا نوافق على ادعاء أن تلك الأصالة وهذا التمايز، قد أتيا من فراغ؛ فقد كانت عظمة اليونانيين أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت عليه أعينهم وعقولهم من التراث السابق عليهم، وأن يهضموه هضماً يتلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات الوافدة إلى شئ شبيه بتراثهم هم، وأن ينتقدوا هذا وذاك شيئاً فشيئاً، حتى استطاعوا في النهاية أن يتجاوزوا المرحلة الشرقية فى العلم ، وأن يبدأوا مرحلة جديدة متميزة .

إلا أن هذه الجدة وهذا التمايز كما ذهب الدكتور " مصطفى النشار" في كتابه المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية قد بهرهم لدرجة أن بعضهم؛ بل معظمهم قد تنكروا لأجدادهم الذين علموهم ألف باء الحضارة بدءا بالزراعة وانتهاء بحروف الكتابة التي كانت سبباً فى تمكنهم من صياغة أفكارهم وتسجيلها. وتضخمت إنجازاتهم أمام أنفسهم فظنوا خطأ أنهم أصل البشرية كلها، وأنهم مبتدعو العلم والفلسفة والعلم، ولو أنهم (دعاة المعجزة العلمية اليونانية) قد تخلوا عن عنصريتهم التى ورثوها عن أجدادهم – الذين اعتبروا كل من عداهم برابرة لا يصلحون للرق والعبودية – ونظروا بموضوعية فى فكر "طاليس " و"فيثاغورس" و"ديموقريطس" و"أفلاطون" لوجدوا أنهم قد استلهموا معظم أفكارهم من الشرق وليس من اليونان .

ولست أنكر ان ثمة صعوبات قد واجهتنى فى هذا المقال، وهو أننى لم أعثر على مؤلف أو كتاب مصنف لأحد العلماء الشرقيين يتضمن آرائهم العلمية بأصولها ومبادئها وتوجهاتها تفصيلاً أو إجمالاً. ولم يكن ذلك نتيجة اقتصادا منا فى الجهد ، ولا توخياً للراحة والدعة ، ولا تقاعساًعن البحث عن مؤلفات تنسب إليهم ، وإنما السبب فى ذلك كما قال الدكتور" فؤاد زكريا " ، أن الفئة التى كانت تمارس العلم فى حضارات الشرق القديم ؛ وبالذات فى الحضارة المصرية ، كانت فئة الكهنة التى حرصت على أن تحتفظ بمعلوماتها العلمية سراً دفيناً تتناقله هذه الفئة جيلاً بعد جيل دون أن تبوح به إلى غيرها ، حتى تظل محتفظة لنفسها بالقوة والنفوذ والمهابة التي تولدها المعرفة العلمية،  وحتى تضفى على نفسها وعلى الآلهة التى تخدمها هالة من القدسية أمام عامة الناس الذين لا يعرفون من العلم إلا قليله.

ومن ناحية أخرى، فلم يكن مقصدى من هذا المقال أى دوافع دينية أو عرقية، وإنما كان لدى دافعان علميان رئيسيان إلى القيام بهذا البحث لا يختلف أحدهما عن الآخر في درجة الأهمية والأعتبار، كما أنهما فى نفس الوقت هدفان أساسيان. أما أحدهما فهو أن نجلو للقارئ العربى غوامض المعجزة العلمية اليونانية، وهى بدون شك أكثر الجوانب إحكاماً فى العلم عند اليونان- موضحين له الأبعاد الحقيقة لهذه المعجزة، بعد أن قد قدمها لنا التاريخ وكأنها أقرب إلى المعجزات الدينية. ووسيلتنا في هذا هي الكشف عن إرهاصات التقدم العلمي عند قدماء الشرقيين، وذلك من خلال علوم الطب والرياضيات والفلك. والهدف الثاني هو أن نثبت للقارئ أن نشأة العلم لم تكن يونانية خالصة، فلم يبدأ اليونانيون فى اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في الشرق التي كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلإن الإنسان لم يواجه محنة في تاريخه أشد مما يواجهها اليوم، ولا يظن البعض أننا نرمي إلى خطر أسلحة الدمار الشامل وملحقاتها، ولكننا نقصد ما هو أفدح من أسلحة الدمار والفتك التي باتت تهدده ألا وهي محنة العقيدة، محنة الروح من خطر الفلسفات المادية التي أصبحت تسود وتزحف وتحتل كل يوم موقعاً جديداً . لقد تجاهلت الفلسفة المادية كل القوى المعنوية، والقيم الإنسانية، وحصرت المشكلة كلها في لقمة العيش أو الجنس، ونسيت أو تناست أن عمل المعدة وشهوة الجنس تتساوى فيه مع الحيوان تمام المساواة، وأنهما ليسا أشد عراقة من المشكلات الإنسانية العليا ونفاذا إلى الصميم.

ومما يضاعف خطرها أنها لا تقف وحدها في الميدان ولكن تساندها قوتان لا نقلل من أهميتهما هما: الإيمان المغرور بالعلم، والاستغلال بنوعيه؛المادي والمعنوي، والخطة الحصرية لمواجهة هذا التيار الجمعي الجارف شئ واحد هو المسئولية الفردية، هذه هي بداية الطريق في معركتنا الإنسانية القادمة، فليس الوعي الإنساني فرض كفاية، وإنما على كل فرد أن يحمل عبئه من الواجبات الإنسانية قدر جهده.

وما أحوجنا في ظل هذه الظروف المادية التي تكبل إنسانية الإنسان أن نقدم ملامح  منهج ذي أسس إسلامية راسخة لمجتمع أفضل وما أحوجنا هذه الأيام لمنهج كهذه في ظل ظروف سياسية محمومة يسعى البعض بيننا لتقويض الوطن ومحاربة مؤسساته ومعارضة الرئيس بغير حجة أو دليل تحت دعاوى الديموقراطية والتعددية السياسية في الوقت ذاته الذي نرى فيه بعض رجال الدين يهرعون باتجاه السياسة متغافلين جل شأوهم وشأنهم الجليل وهو تبصير المسلمين بمعالم دينهم وشريعتهم السمحة.

ولعل أبرز مشكلات العصر الراهن مشكلة الجيل الحائر الذي فقد المثل الأعلى والهدف الصالح والغذاء الروحي والقدوة الحسنة والفكرة السليمة التي يمكن أن يجتمع عندها الشمل وتأتلف الكلمة وهو ما نفتقده بوضوح هذه الأيام بعدما تفرقت الكلمة بين تيارات إسلامية وجبهة إنقاذ وتيار شعبي وحركات ثورية تأتي من كل فج عميق وتهوي بنا إلى مستقر سحيق. و طالما يتعرض هذا الجيل إلى هزات عنيفة من اليأس والأمل والمفارقات الطريفة من الإقدام والتردد والصراع الأليم بين الواقع المر والحلم الذي نعيش فيه، ومن ثم فالواجب على رجال الدين أن يستنهضوا عزائم الشباب لتشخيص دائهم وتقديم العلاج الصحيح لهم، و ضياع الجيل الحالي مفاده أن المعنيين بعلاج الشباب روحياً يخطئون في تشخيص الداء ثم يضعون حلولاً غير عملية لمشكلات وهمية لم تقم على أسس من الدراسة الواعية والفحص الصادق العميق، وتكون النتيجة في تلك الحالة أن تذهب جهودهم سدى ويستسلمون لليأس بعد أن يبلوا البلاء الصادق في كدهم وجهدهم، وينفقون الأعوام الطوال في الجهاد والكفاح.

يمثل الشيخ الإمام محمد عبده نموذجاً خالصاً للشيخ المستنير والمحيط بتفاصيل فقهه، والمستنير في تحليله وتأويله لقضايا مجتمعه. وهذا ما يعكسه فهمه لصول الإسلام الحنيف من خلال استقراء الإشارات والتنبيهات حول هذه الأصول . وهذا الفهم يشكر خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته .

وليس من العجب والدهشة ما نطالعه في كتابات الإمام عن رؤى تربوية إصلاحية رائدة، فالشيخ الإمام مثلاً يرى أن أهمية تدريس الكتب الأدبية تكمن في تنوير الأفكار وتهذيب الأخلاق، وهذه الفكرة ـ أقصد التنوير ـ ظلت محور اهتمام الإمام، فكم من مرة أشار إلى ضرورة الإلمام بالكتب الأدبية التي توضح أحوال الأمم، والتي تحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها .

بل يدهشنا الإمام إلى أكثر من ذلك، ويكاد يسبق كل الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم في مصر، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بما كتبه وسطره الشيخ الإمام في ذلك الصدد. ولقد أشار أشار الشيخ الإمام رغم بُعد المسافة الزمنية إلى أن مشكلاتنا الحضارية تكمن في هذا القصور في التعليم الديني؛ إما بإهماله جملة كما هو في بعض البلاد، وإما بالسلوك إليه من غير طريقه القويمة كما في بعض آخر .

والإمام محمد عبده في صراعه الشريف لمواجهة القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني بوجه خاص، يحدد عدة أصول رئيسة للإسلام والتي من شأنها كفيلة بمعالجة هذا القصور والخلل سواء في الخطاب أو التعليم أو كلاهما معاً . فعلى سبيل المثال يرى الإمام محمد عبده أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم عنده وسيلة الإيمان الصحيح، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون  ) (الأنعام ـ50)، ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان،وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات....

ويكمل الشيخ الإمام محمد عبده الحديث عن أصول الإسلام، بقوله إن تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض لهو من أبرز أصوله، حيث يقول: " اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل .

والمستقرئ لتعاليم الإسلام وآيات القرآن الكريم يدرك على الفور أن الدين الإسلامي أعطى مساحة كبيرة للعقل وبيان أهميته ودوره في إدراك الحقائق والظواهر الكونية، والقرآن الكريم يحث الإنسان على استعمال العقل إلى أقصى حد مستطاع، ويشيد بمن يستعمله، ويعمل فكره في النظر والتدبر، واستخلاص البراهين والنتائج من المعلومات التي تتوافر لديه من الأمور الدينية والدنيوية. يقول الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب )  (ص: 29)، ويقول تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)  (العنكبوت: 43) .

ومن الأصول التي اعتبرها الإمام محمد عبدة رئيسة وأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر " . و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.

وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة من باقة الأنفلونزا، والتيفوئيد، والحمى القلاعية، والكليبات الفاضحة، وعلاوة على ذلك استباق البعض في إلقاء تهم التفكير على الآخر، وكنت قديماً أسمع تهم التفكير تلصق بكبار المفكرين والأدباء والشعراء، أما اليوم فعلى العامة، والأدهش أن من يلقي هذه التهم ليس عالماً بالأدلة الشرعية الثابتة.

ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" . أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.

وأؤكد أن الإسلام في صورته الحقيقية قد دعا إلى احترام المرء لهوية أخيه المسلم، ليس هذا فقط بل ذهب بعيداً إلى الاحترام والإيمان بهوية الآخر، وفي ذلك نجد قوله تعالى: (مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285) .

وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة).

والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة.

ويرى الشيخ الإمام أن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من الأساس هو من أجل أصول الإسلام، ويؤكد الإمام محمد عبده أن الإسلام عمل على هدم بناء تلك السلطة، بل ومحا أثرها، ويشير إلى ذلك بقوله: " لم يدع الإسلام لأحد لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان مبلغاً ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً " . يقول الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)(الغاشية:21ـ23)،  .

 ويدخل الشيخ الإمام وهو بصدد تحديد أصول الإسلام في معركة لا تبدو قديمة فقط بل هي معركة لا تزال مستمرة في وقتنا الراهن، ألا وهي ضرورة أن يفهم كل مسلم عن كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك .

ولكن نجد بعد تصاعد الشهود السياسي للتيارات الدينية أن منهم من يصر على أن يصبح مرجعية دينية فقهية أشبه بالمرجعيات الموجودة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بجنوب لبنان من المرجعيات الشيعية التي تنتزع الحقيقة والبرهان بغير منازع، وهو ما يجعلها تفرض على المجتمع الانصياع التام لمقدمات ومعلومات وفتاوى لا تسير في اتجاهين ولا تقبل التفكير فيها مرتين. 

وهذا ما يؤكد عليه الشيخ الإمام بصورة أخرى، حيث يرى أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، وهو لا يقصد بذلك الخلفاء الراشدين الأربعة، إنما هو يشير إلى منتزعي السلطان بدعوى الدين، حيث إن هؤلاء ليس من حقهم الاستئثار بتفسير القرآن والسنة دون العلماء، ولا أن ينفرد وحده بتلقي معالم وأحكام الشريعة، وهذا ما نجده في بعض التيارات الدينية المتشددة، حيث ترى أن لها حق الأثرة بالتشريع، ولهم في رقاب الناس والعامة حق الطاعة . ووفقاً لهذا المنطق فإن الحاكم ذا السلطان الإلهي هو مقرر الدين، وواضع أحكامه ومنفذها أيضاً .

ونجد الإمام يقررها صراحة بقوله " إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها أحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره " .

وتصل بنا القراءة في فكر الشيخ الإمام محمد عبده إلى الوصول لحديثه عن أصل راسخ ورئيس أيضاً في الإسلام وهو مودة المخالفين في العقيدة، وقد اقتصر الإمام في الحديث عن هذا الأصل بالإشارة فقط إلى المصاهرة أي إباحة الإسلام للمسلم بأن يتزوج امرأة كتابية مسيحية أو يهودية، وكيف جعل الإسلام من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، ونضيف على ذلك أن الإسلام الحنيف يسعى إلى تربية النشء والمسلمين على  عدم احتقار الآخرين، ويدعوهم إلى احترام غيرهم وتقدير عقائدهم دون إكراه أو تدخل، يقول تعالى:  (لا إكراه في الدين) (البقرة، 256).

 وكان الإسلام بذلك من الأديان النادرة التي منحت أهل الديانات الأخرى ذمة الله ورسوله، لقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا غليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة،8).  ومن هنا فإن المسلمين طوال تاريخهم الطويل لم يظلموا ذمياً أو كتابياً، بل إن الأمر كان يوجه لجيوش المسلمين وعدم هدمها أو الإساءة إليها كما أن أصحاب الملل الأخرى ارتقوا مناصب مهمة في كثير من الدول والإمارات الإسلامية دون تعصب ضدهم أو إساءة إليهم، وأن المؤسسات التعليمية والمكتبات الخاصة لهذه الملل استمرت تؤدي عملها في ظل الحضارة الإسلامية دون مصادرة لها أو تعطيل لعملها.

والفهم الصحيح لركائز الإسلام يدرك أنه حدد بعض الملامح الرئيسة في التعامل مع المخالفين في العقيدة مثل حريتهم في اختيار عقيدتهم، حيث يرفض الإسلام أن يكره الناس على الدخول في عقيدة لا يرتضونها، فالإنسان بعقله الذي وهبه الله إياه، عليه أن ينظر أي طريق يسلكه من طريقي الهدى والضلال، وعلى المسلمين أن يبلغوا رسالة الإسلام إلى من عداهم، فإما أن يهتدوا ويختاروا طريق الخير وهو طريق الإسلام، وإما أن يختاروا الطريق الآخر.

وأنه لا يجوز الاعتداء على أنفسهم، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)" من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً" .وكذلك لا يجوز الاعتداء على أموالهم، أو أعراضهم.

وكذلك وجوب الدفاع عنهم ضد كل من يعتدي عليهم، سواء أكان هذا المعتدي من مواطني دولة أخرى، وهم ما يسمون في الفقه الإسلامي بالحربيين، أم كان من أهل الذمة، أم كان من المسلمين. ويجوز الأكل من ذبائحهم لقول الله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم. والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) (المائدة،5)  خضوع أهل الذمة وانقيادهم لأحكام الشريعة الإسلامية في ضمان الأنفس والأموال والأعراض، وأن تقام عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه عليهم، ومما يعتقدون تحريمه الزنا والسرقة والقتل والقذف، فهذه الأمور وأمثالها يجب خضوعهم لأحكام الإسلام فيها.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

قاسم حسين صالحتوطئة: تعود علاقتي بمظفر النواب الى ستينيات القرن الماضي يوم (استضفته) في سجن بغداد المركزي قادما من (نقرة السلمان) وشاركني فراشي في مخزن بطول (3ْْ في 4م) كان يضم مكرم الطالباني والمقدم عبد النبي قائد قوات المظليين ومدير الخطوط الجوية العراقية.. وأنا الذي كنت أصغرهم بكثير.. وكنّا نسهر ويغني ويعزف على العود بلسانه!.. لدرجة أن العريف (ابو سكينه) حارس السجن كان يأتي ويشاركنا الغناء بطور داخل حسن.. وكانت تلك من اجمل ليالي العمر.. وان كانت في أقسى سجن!.

أحببت مظفر في مراهقتي وكنت اكتب مقاطع من اجمل أشعاره في الغزل بقصاصات ورق وابعث بها الى (حبيبتي).. التي بعثت لي يوما بقصاصة ورق فيها سطر واحد: (حبيبي قاسم.. هذا الشعر مو ألك.. لمظفر النواب!).. فقلت: يا آلهي.. وصل مظفر حتى الى بنات الشطرة!.

وحين ذهبت الى دمشق عام 2008 في مؤتمر للطب النفسي رجوت طالبتي هديل كامل ان تؤمن لي اللقاء بمظفر فحصل بمسعى من الصديق كوكب حمزة والتقيته في مقهى (هافانا).. وكان حوارا فيه اعترفات جميلة.. في الحب.

ومن حبي له.. اسميت ابني (مظفر) الذي صار دكتورا ويعمل حاليا في قناة الشرقية.

*

دلالات الضد واضده النوعي

لا يكون الانسان شاعرا مبدعا الا اذا عانى حالة تناقض الضد وضده النوعي في داخله.. تلك هي نظريتنا السيكولوجية الخاصة.. وانموذجها التطبيقي هو مظفر النواب.. نوجز دلالاتها في خمسة:

الأولى: ثراء وعز.. فقر وذل

هاجرت العائلة الى الهند، ولسمعتها العلمية والشرفية في انتسابها للأمام موسى بن جعفر الذي اغتيل بالسم زمن هارون الرشيد.. اصبحوا حكاما لمقاطعات في بنجاب ، كشمير في الهند.ولأن العائلة وقفت ضد الاحتلال البريطاني للهند فانه تم نفيها الى العراق بحسب رغبتها، وعادت ومعها ثروات كبيرة من المجوهرات والذهب والتحف.وحصل ان تعرض والده الثري الارستقراطي الى خسارة مالية كبيرة افقدته ليس ثروته فقط بل سلبت منه حتى قصره الانيق الذي كانت تقام فيه ندوات ثقافية وفنية واحتفالات دينية.. وهذا هو التضاد الحاد الذي عاشه مظفر يوم كان طالبا في كلية الآداب بجامعة بغداد.. من ابن ارستقراطي الى فقر موجع .. من حالة عز الى الشعور بالذل.. وكان هذا اول تضاد بين حياتين متناقضتين بحدّة اثار موهبته المبكرة في الشعر.

الثانية: ابن عائلة دينية الى شيوعي

تنتمي عائلة مظفر الى سلالة موسى بن جعفر الكاظم.. عائلة دينية قائدة، مشرفة على عائلات اخرى، عاشت عصرا زاهيا مفعما بالمجد والعزة والكرامة، ولها اعتبارها الاجتماعي بين جماهير الشيعة تحديدا.. تحول الى الضد الأديولوجي بانتمائه للحزب الشيوعي.. وغير مسار حياته من ان يصبح رجل دين الى مناضل سياسي.ومع انه ليس شرطا ان يكون الشيوعي ملحدا، لكن الفكر الشيوعي يتبنى الألحاد فيما الفكر الديني يكّفّر من يكون ملحدا.

وبالمناسبة، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة، أن الكثير من قادة الشيوعيين هم أبناء رجال دين!. فحسين محمد الشبيبي عضو اللجنة المركزية للحزب الذي أعدم مع فهد عام 949، نجفي شيعي، والده رجل دين " معزّي". وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي حسين أحمد الرضي " سلام عادل "، الذي مات تحت التعذيب عام 63، نجفي شيعي، والده "سيد " ورجل تقي.وعامر عبد الله، عضو المكتب السياسي للحزب، سنّي، أبوه مؤذن للصلاة في جامع بمدينة عنه. ووالد عزيز شريف وعبد الرحيم شريف خطيبا في الجامع نفسه.وجمال الحيدري، كردي من عائلة الحيدريين، عائلة أسياد.ومحمد حسين أبو العيس، مسؤول مكتب الفلاحين بالحزب، شيعي "كظماوي " من عائلة أسياد.وكثير من كوادر الحزب وقياداته المحلية هم ابناء رجال دين، بمن فيهم (أنا!) الذي كنت ابن عائلة دينية تقيم مجالس عزاء حسينية وصرت شيوعيا ومسؤول خط الفلاحين في الشطرة.. لكن الحالة عند مظفر لها فعل أخر.. كونه يمتلك موهبة الشعر.

الثالثة: بين حب الحياة.. والاعدام

لدى مظفر تعلّق بالحياة.. وخبرتجاربها في الكثير من مدن العالم، من بيروت ودمشق الى باريس وأثينا.. وأخريات له فيها في الحب حكايات. وخبر ايضا حالة الحرمان من الحياة بأبشع الطرق.. الاعدام، ولمرتين.. وكان محظوظا، بل كنا والوطن محظوظين به ان نجا في الأولى بتدخل اهله واقاربه تم فيها تخفيف الأعدام الى السجن المؤبد، ونجا في الثانية بتدخل شخصي من علي صالح السعدي لاطلاق سراحه حين اعتقل ثانية.

ومظفر اكتشف مبّكرا (معنى الحياة) الذي يعني بالمفهوم النفسي قدرة الفرد على ان يكتشف وبشكل مسؤول المعاني الحياتية المتاصلة في سلوكه ومواقفه ودرجة دافعيته نحو الحياة واستيعابه الواضح لغرض الحياة واحساسه بان الحياة ذات هدف، ووجد في سعيه لأن يكون لحياته معنى.. المتعة حتى في شدة قساوتها عليه لأنه اراد ان يكون لوجوده معنى في عالم خال من المعنى.. وكان لهذه التناقضات الحادة بين التعلق بالحياة وزنزانة الأعدام، وبين المعنى واللامعنى من الحياة.. ان جري توظيفها لاشعوريا في ابداعه الشعري.. ليس فقط في المضمون بل وفي انتقاء مفردات غير مألوفة مثل:(نهنهني السعف – لوثني عسل الليل – نطنط العصفور- ربما يأتي الحزن يمشّط.. )

الرابعة: ثقافة الجمال وثقافة القبح

مظفر النواب.. جميل من الداخل كمعزوفه لبتهوفن او رقصة على بحيرة البجع.. او دبكة يذوب فيها الوجع.. بالهجع.يحب الأرض والناس والأنثى وزهرة اللوز، ويهوى زوايا العيون..

(من تشتريني بقليل من زوايا عينيها.. تعرف تنويني وشدّاتي وضمي وجموعي).

ويذوب في الجمال.. يعزف على اوتار قلبه فينشد شعرا مدوزنا على ايقاع الريل حاملا حمد لحبيبة تناديه:

روحي ولا تكَلها: شبيج

وانت الماي

مكَطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروكَة حرك روحي

حمرية كَصب مهزومة بالفالة ولك روحي

وعتبها هواي.. .

لا مرّيت.. .لا نشديت.. .لا حنيت

وكَالولي عليك هواي

وعودان العمر كلهن كَضن ويّاك

يا ثلج الي ما وجيت

تعال بحلم.. أحسبها إلك جيّه واكَولن جيت

يلي شوفتك شبّاج للقاسم.. ودخول السنة من الكَاك

يا فيّ النبع واطعم.. عطش صبّير ولا فركاك

يلرهميت.. .يا مفتاح فضة ولا رهم غيرك عليّ مفتاح.

واكَلك: ليش وازيت العمر يفلان

يفلان العمر.. يشكَر ولك يفلان

ولا طارش جذب ودّيت

ولا مرّة شلت عينك تعرف البيت

وكَالولي عليك هواي.. ورحت ابراي وجيت ابراي

حسبالي سنة وسنتين وتلاثة

واشوفك ذاك البكَلبي.. واضوكَك ماي

حسبالي اشوفك ابن اوادم.. .يا شكَلك.. .موش اشوفك هاي

وكَالولي عليك هواي.. كَالولي.. .

كَالولي.. .

كَالولي.

في الضد المقابل لهذا الجمال الروحي.. كانت هنالك ثقافة القبح في واقع العرب ونفوس الحكّام، فهجى القبح بداخلهم بأقبح مفردات البذاءة.. من (يا اولاد القحبة ) الى:

(الان اعريكم

قتلتم فرحي.. .

ياجيفا.. يا نتانات : اين دياناتكم؟ اين عقائدكم؟

يابهائم؟ ان البهائم ما نهبت بعضها.. .

اعترف الان امام الصحراء

بأني مبتذل وبذيء وحزين

كهزيمتكم ياشرفاء مهزومين

وياحكاما مهزومين

وياجمهورا مهزوما

ما اوسخنا.. ما اوسخنا.. ما اوسخنا

ونكابر

ما اوسخنا

لا استثني احدا).

والخامسة: عشق للعراق ونفي منه

لم يتزوج مظفر، لأنه دخل في علاقة حب مع وطنه تطورت الى حالة عشق.وسيكولوجيا، يحصل في حالة العشق ان يتوحّد العاشق بالمعشوق في شخص واحد.. فعزف مظفر عن الزواج كي لايشغله عن حبيبته.. الوطن.. وظل وفيا لمعشوقته العراق التي أظنته وقست عليه غربة ومنافي.. وكانت هذه القسوة قد استفزت موهبته فصار يناجيها عن بعد باشعار تتوهج نارا من قلب ملتهب..

(الام انا وطن في العزلة ؟

ياغرباء الناس

أغصّ لأن الدمع يجرح اجفاني

.. .حتى الطير لها أوطان.. وتعود اليها

وأنا ما زلت اطير.. فهذا الوطن الممتد

من البحر الى البحر

سجون متلاصقة.. سجان يمسك سجان)

وكما يعتبر من يتخلى عن حبيبته جبنا وعارا.. فأن مظفر كان يكابر على قساوة ووجع وفجع وخذلانات(عمر وتعدى الثلاثين.. لا يفلان ، لم يعد يذكرني منذ اختلفنا احد غير الطريق) ويتباهى بالاخلاص لحبيبته العراق والتضحية لتخليصه من مغتصبين وطغاة وفاسقين.

اخيرا..

كان بلند الحيدري، الذي زاملته يوم كنا نعمل معا في مجلة آفاق عربية، قد كتب رسالة الى مظفر قال له فيها:

يا مظفر لم اكن أعلم يوما أن حظي قد تعثّر

ضاع عمري في سجلات ودفتر

(ياحمد والريل فارغ.. والكصب بردان حيل.. ومستحي اهوايه تأخر)

علمي لم يبق احمر

كان حلمي وسط تراب.. وقناعاتي خيالا في سراب

كان للوهم يغني من جديد.. لا وطن حر ولا شعب سعيد)

ولمظفر نقول :

يا مظفر.. أصحيح ان شعبا انجبك، صار من احزاب تدعي الأسلام.. يقهر

ولنا جيش يتامى وارامل، سرقوا خبزها اليومي وبنى منها معمم لأبيه ضريحا،

كان قد افتى ابوه.. قتل من نادى.. (وطن حر وشعب سعيد)

أو تعلم يامظفر.. أن شعبا كان من عهد جلجامش يوصف بالعنيد

صار من تغريدة (زعطوط ) بالسياسة، يهتفوله بالقداسة

ويبوسون ترابا قد مشى يوما عليه.. وان كان نجاسه

كل هذا يامظفر قد حصل

وما كنت تمنينا بيوم يفطر الناس به: كيمر عماره وعسل

افطر شعبك يامظفر.. خبزة نخاله وبصل!.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

* القيت في ملتقى مظفر النواب الذي أقامه مركز كلاويز في السليمانية بعنوان (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا)-(22 /2/2020)

*

 

عدنان عويدفي المفهوم: يُعرف الانتماء لغةً: بأنه الانتساب إلى شيء ما أو ظاهرة ما، كانتماء الفرد إلى والده أو عشيرته او طائفته أو بلده أو وطنه أو امته أو منظمته او حزبه .. الخ.

أمّا اصطلاحاً: فهو الارتباط الحقيقي، والاتصال المباشر مع أمرٍ ما أو قضية مُعيّنة تختلف طبيعتها بناءً على الطريقة التي يتعامل فيها الفرد معها.

ويعرف أيضاً بأنه التمسك، والثقة بعنصر من عناصر البيئة المحيطة بالأفراد، والمحافظة على الارتباط به وجدانياً، وفكرياً، ومعنوياً، وواقعياً، مما يدلّ على قوة الصلة التي تربط بين الفرد، والشيء الذي ينتمي له، سواءً أكان انتماؤه لوطنهِ، أو عائلتهِ، أو عمله، أو غيرهم.

أنواع الانتماء:

أولاً: الانتماء الوطني:

وهو من أهم أنواع الانتماء، على  اعتبار أنه مرتبط بالوجود التاريخي والاجتماعي  والنفسي والقيمي والاقتصادي والسياسي والثقافي للفرد، فبحفاظ الإنسان على انتمائه لوطنه، وأرضه وتاريخه والقيمي، يتمكن عندها من تحقيق مفهوم ومعنى الانتماء الذي يرتبط بالمواطنة، التي تعني التجسيد القانوني  لكافة المبادئ والحقوق والواجبات التي يشعر بها المواطن بوجوده وكرامته داخل الدولة التي يعيش فيها، ويعتبر جزءاً من أجزاء مكوناتها الاجتماعية.

ويأتي اعتزاز الأفراد بهذا الانتماء وتعزيزه، عن طريق الالتزام والثبات والتفاعل مع احتياجات الوطن، ويتجلّى هذه التفاعل من خلال بروز الاعتزاز بالوطن والعمل على نموه وتطوره والمحبة العميقة له. والانغماس في حمايته والتضحية من أجله.

إن البداية الفعليّة لمفهوم الانتماء للوطن تأتي من ارتبط الإنسان تاريخياً في المكان والزمان الذين ينتمي إليهما:

فالارتباط الفرد بالمكان: يأتي من خلال وجوده ذاته وجسده فيه.

والارتباط  بالزمن: يحدّد مدى وكميّة هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فيه. وعلى هذا المكان يطلق اسم وطن. ويعتبر مفهوم الانتماء للوطن من المفاهيم المتوارثة التي تولد مع الإنسان، وذلك عن طريق الارتباط بوالديه وذويه والأرض التي ولد عليها وأهله وأجداده. إضافةً لهذا فهو يعتبر مفهوماً مكتسباً ينمو بشكلٍ أكبر من خلال المؤسسات المختلفة في المجتمع كالمدارس والجامعات ودور العبادة والإعلام والأسرة وغيرها من المؤسسات التي تغذي روح وقيم المواطنة. وعل هذا الأساس، تناول الأدباء والكتاب والفنانون مضامين المواطنة عن طريق كتاباتهم، والتي يهدفون بها شحن عقل ووجدان الأفراد للانتماء الفعلي للوطن والتمسك به والتضحية من أجله.

تجليات الانتماء:

لا شك ان هذا الانتماء سيظهر في الأفعال والمواقف والأعمال المختلفة التي تهدف إلى حماية هذا الوطن ورفعته وتقدمه. وتتجسد تلك المواقف والأفعال والأعمال، في العديد من السلوكيّات المختلفة الصادرة من الأفراد، بحيث تعبر عن موقف ورؤية الفرد والمجتمع تجاه ما يحدث على أرض الوطن ومجتمعه. كما يعتبر الانتماء من الاحتياجات الهامة التي تشعر الفرد بالرابط المشترك الذي يربطه بأرضه وبأبناء وطنه. وسيؤدّي هذا الشعور إلى صقل توجهاته بحيث تتحول إلى توجهات تهدف إلى خدمة الوطن والمجتمع والتفاني والتضحية من أجله، والمشاركة في إعماره التي ستشعره بقيمته الحياتيّة التي ستنمو مع الأيام والسنين،.

ومن القيم المهمة للانتماء للوطن والتي يجب العمل بها وعدم التغاضي عنها، إبراز قيمة الوحدة الوطنيّة، وتحويلها لهدف يعمل الجميع من أجل تحقيقه على أرض الواقع، والمحافظة على استمراريته، فالوحدة الوطنيّة تعتبر من المسلمات في كل الأوطان والتي من شأنها العمل على تقوية المجتمعات والمحافظة على أمنها ورخائها.

إن الانتماء للوطن بشكل عقلاني، يذيب بالضرورة كل الانتماءات الأخرى الضيقة من أسرة أو عشيرة او قبيلة أو طائفة او مذهب أو أيديولوجيا أو حزب.

الانتماء الديني:

هو من أنواع الانتماء المهمة، التي ترتبط الإنسان بدين ما من الأديان، وذلك من خلال المعرفة الشاملة، والكافية بقواعدهِ، وأحكامه، والمبادئ الخاصة بهِ، والأهم مقاصده الإنسانية والحرص على تطبيقها تطبيقاً صحيحاً وسليماً ممّا يؤدّي إلى عكس صورةٍ إيجابية عن الإنسان المتدين، وهذا ما يدعو له الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، الذي يعتمد في جوهره على احترام حقوق كافة الناس من الديانات الأخرى، مثلما يحرِص على تطبيق التعايش، والتفاهم بين كافة مكونات المجتمع الواحد. بيد أن هذا الانتماء غالباً ما يتحول إلى تعصب، وخاصة في تفريعات الدين الواحد كالطائفة والمذهبية، وهنا تكمن كارثة الدين حيث تسعى كل طائفة أو مذهب إلى اعتبار نفسها هي الفرقة الناجية ومن حقها أن تحوز على كل شيء والوقوف بوجه الاخر المختلف واقصائه، والتعامل معه بدونيّة، خاصة إذا وصلت هذه الطائفة أو المذهب إلى السلطة، وأصبحت بيدها مقدرات الآخرين.

الانتماء الفكري أو الأيديولوجي:

هو الانتماء الذي يرتبط أو يتقيد بفكرة ما، أو أيديولوجيا ما، ويسعى الإنسان المنتمي هنا إلى إثبات مصداقية، وصحة هذه الفكرة أو الأيديولوجيا، بالاعتماد على كافة الأسباب، والعوامل، والظروف التي أدت إلى حدوثها، ومن الأمثلة على الانتماء الفكري: الانتماء إلى تيار سياسي ما، أو فلسفة ما أو مدرسة  أدبية معينة. وخطورة هذا الانتماء في حالة التعصب، أنه يفقد التوجه العقلاني أيضا شأنه شأن الانتماء الطائفي او المذهبي في تعامله مع المختلف.

الانتماء الحضاري:

يشير مفهوم الانتماء الحضاري إلى انتساب الفرد لحضارة معينة بإظهار تأييده وتبعيته لها بكافة جوانبها، سواء كان ذلك ثقافياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، ويلعب الانتماء الحضاري دوراً فعالاً في تحديد هوية الفرد والمجتمع بتأطيرهما بصورة ثقافية مستوحاة من البعد التاريخي والتوجه المستقبلي لهذه الحضارة، وبالتالي تحديد الموقف العام لهما فيها.

يعتبر الانتماء الحضاري بمثابة وسيلة فعالة تحافظ على شخصية أمة بأسرها، وتصونها من الطمس والاندثار في ظل الاختلاط غير الممنهج بين الشعوب.

الانتماء في علم النفس:

يذكر في علم النفس بأن الحاجة إلى الانتماء كانت ضرورة ملحة لإثبات ذات الانسان وارتباطه بجذوره أو القيم والمبادى التي ينتمي إليها، فالانتماء علاقة إيجابية ضرورية فيها معنى للحياة التي تحقق منفعةً مجدية للإنسان، فيصبح الإنسان راقياً إلى حد العطاء بلا حدود، فيتصف بالإيثار والتضحية، وبذلك تطغى على الأمة أعلى صور الانتماء عند أي محاولة للنيل من وجودها من قبل الخارج.

الانتماء والمواطنة والهوية:

هناك عدد من المفاهيم التي يقترن بعضها بالآخر، وبالتالي تحيل إلى بعضها وهي: الانتماء، والمواطنة، والهوية، فهي مصطلحات تكمل بعضها البعض في صقل شخصية الإنسان وتقويمها ليتمكن من مواجهة الحياة، وتأدية ما يترتب عليه من واجبات وحقوق اتجاه ما ينتمي إليه من حضارة أو وطن.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

بليغ حمدي اسماعيللا أعرف مسبقاً إذا كان القارئ العزيز سيتقبل عذري واعتذاري عن ارتكاب السطور المقبلة، ولعلها المرة الوحيدة التي استأذن فيها القارئ بأن يغفر لي حماقة الكتابة عن الدولة المدنية والدولة الدينية،،  فهو حديث ذو جدل وجدال وشرك كبير ـ بفتح الشين أي الفخ ـ وهاوية تغوي المقترب منها. وكلما فكرت في مسألة العلاقة بين إقامة دولة مدنية ودولة دينية أحمد الله وأشكر نعمته بأن الأديان السماوية لم تنتشر بفعل المطابع وحدها، بل بحيوية وسر خاص من عند الله.

وإذا حاولنا أن نرصد بعض مخاطر إقامة الدولتين معاً المدنية والدينية فنحن دونما شك سنقع في هذا الشرك أو الفخ الكبير، فإذا كان المد السلفي المتطرف إسلامياً كان أو مسيحياً بعض الوقت يسعى إلى استقطاب عدد لا بأس به من الأنصار فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تفكيك بنية المجتمع، بل سيؤدي إلى مغبة مهلكة من خلال تحريض الطبقات المعدمة، ناهيك عن إثارة الخلاف حول القضايا الفقهية وعلى رأسها مسالة تجديد الخطاب الديني الذي لا أملك آملا في تحقيقه على المدى القريب نتيجة الهوس الإعلامي لبعض الشخصيات التي اعتادت احتراف إطلاق العنان للفتاوى غير المضبوطة فقهيا.

هذا بالنسبة للدولة الدينية التي ربما تقام دون تخطيط أو معاناة في التنفيذ ومتابعتها ومراقبتها ومن ثم تحقيق أهدافها المنشودة، أما بالنسبة للداعين إلى إقامة دولة مدنية وترسيخ أعمدتها وأركانها فهم أيضاً سيذهبون بغير وعي نحو هذا الشرك المنصوب لهم . فربط الدين مثلاً بالعلم بصورة مستدامة يوقعنا في إشكال خطير، نظراً لاتسام العلم نفسه بالتغير والتقدم الدائم، بل إن دعوة هؤلاء المناصرين لإقامة الدولة المدنية دون ضوابط ثابتة ستجعلهم يقدمون العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، وهذا بدوره يؤدي إلى تحريك الطائفية من جديد.

ولاشك أن فكرة الحوار بين أنصار كل اتجاه مدني وديني يتحرك نحو الصراع والعداء، فكلاهما يرى الآخر على باطل، إلا أن أنصار الدولة المدنية أخف وطأة في الحكم على الآخر، فهم يبتعدون تماماً عن التكفير الذي طال معظم من اشتغل بالتفكير والتأويل والتحليل وإعمال العقل، وربما سندهش أقراني حينما أخبرهم بأن الشيخ الإمام محمد عبده أحد مستنيري القرن التاسع عشر بأنه أشار إلى أن الأصل الخامس للإسلام هو قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، بل يقر الشيخ الإمام المجدد محمد عبده أن الإسلام هدم بناء تلك السلطة ومحا أثرها، وأن الإسلام لم يعد لأحد بعد الله سبحانه وتعالى ومحمد علية الصلاة والسلام سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغاً ومذكراً، لا مهيمناً ومسيطراً . يقول الله تعالى (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر) .

ولعل سبب كراهية معظم السلفيين لفكر الإمام ما صرح به بأن الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه، فما بينه وبين الله سوى الله وحده، ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف.

وفي صدد تجديد الخطاب، تجدر الإشارة إلى ما أثير منذ سنوات ليست بالبعيدة بشأن صدور الحكم القضائي الخاص بإلزام الكنيسة المصرية بمنح الترخيص للمطلق بحق الزواج الثاني و الذي بغير شك ترك، ولا يزال يترك حالة مستمرة من الجدل بين ما هو سياسي مدني وما هو ديني، والمسألة المصرية إن جاز لي وصفها مسألة معقدة نظراً لتشابك علاقاتها وتعدد الاتجاهات والتيارات فيها. وهذا الحكم يترك لدي انطباعاً مفاده الحيرة والدهشة، فهل صدور مثل هذا الحكم في هذا الوقت المحموم بصيحات التغيير والتعديل والتطوير كان انعكاساً لهذا التيار غير الواضح ملامحه، أم أن أكثر من رجل مسيحي مطلق قاموا بما اشتهر تسميته بتجمع الهموم المشتركة فقاموا برفع قضية ضد الكنيسة المصرية يطالبون فيها بحقهم في إقامة حياة زوجية وأسرية جديدة وسط مرأى ومسمع ذويهم وأقرانهم وعشيرتهم.

وعليك أن تكتفي بمطالعة عناوين الصحف والمجلات وموضوعات برامج التوك شو التي أصبحت تشبه القنوات الدينية الفراغية والتي تناولت هذه القضية آنذاك لتدرك على الفور هوس الجميع بالقضايا الدينية الخلافية، ومدى صعوبة الحالة المصرية في الفصل بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية . فالبابا شنودة الثالث أصر مطلقاً على رفض التصريح بالزواج، مضيفاً إلى أن من يريد أن يتزوج فعليه ذلك بعيداً عن الكنيسة الأرثوذكسية.

وتشير الإحصائيات الرقمية أن أكثر من مائة وأربعين ألفاً هم ضحايا الطلاق مما يزيد من الحالة المصرية تعقيداً وحيرة. فعلى هؤلاء طبقاً لإعلان البابا من رفضه لقرار المحكمة أن يغيروا ملتهم أو دينهم أو أن يفعلوا ما يريدون دون الرجوع إلى مرجعية دينية . ولأنني رجل مسلم من الطبيعي أولاً ألا أدخل في هذا الجدال المحموم بين الكنيسة المصرية وأحكام الدولة المدنية، ثانياً إن معالجتي لمثل هذه القضايا الخلافية الجدلية تثير مسألة الفتنة الطائفية التي أسعى وغيري دون كلل أو تعب إلى القضاء عليها في مهدها وإقامة علاقات اجتماعية ورسمية دون تفرقة أو تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين إذا كنا نرغب حقاً في البقاء.

لكن ما يثير دهشتي حقاً أننا نسقط دائماً في أول اختبار حقيقي نحو المواطنة التي لا تعني مطلقاً قهر النص الديني، ولا تعني إلغاء الفوارق والملامح الرئيسة والفاصلة بين الأديان، بل تشير إلى ضرورة الإذعان للقرار السياسي والالتزام بالأعراف المدنية التي تسعى الدولة إلى ترسيخها .

وأيضاً ما يحدث من مشاحنات ومساجلات ذات صوت عال حينما تصطدم المؤسسات الدينية بالقرارات المدنية رغم حرص كل طرف منهما على إظهار روح التعاون والمشاركة من أجل رفعة هذا الوطن الذي لا ولن يرتفع أمره إلا بارتفاع حقوق أصحابه، وأؤمن كما يؤمن غيري بأن النص الديني المقدس لن يتغير ولا يليق به ذلك لرفعته وقدسيته وثباته، لكن من المفجع أن العقول التي تعالج هذا النص وتتعامل معه لا تتغير بل تريد حيناً  أن تفرض سطوتها وحيناً آخر سياطها المغموس في الزيت المغلي لقهر وقمع النص الديني.

والأخطر في تفاصيل هذه القضية التي ستظل معلقة حيناً من الدهر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، أنني أستشعر خطراً قادماً من بين ثنايا هذه المسألة المثيرة للجدل، هذا الخطر قد يكمن في زيادة نبرة الاحتقان نحو القرارات المدنية السياسية تجاه الأمور الخاصة بالعقيدة، وقد يدفع هذا الاحتقان إلى ثورة بعض النساء المسلمات المقبلات على الزواج بأن يقمن دعوى قضائية ضد أي جهة أو مؤسسة أو حتى منظمة حقوقية يطالبن فيها بحقهن في إضافة بند أو شرط خاص في وثيقة الزواج تقر بعدم زواج زوجها بأية امرأة ما دامت على ذمته.

ونظراً لأننا نعيش ونحياً في ظل شعارات مسعورة تنادي بالتغيير والتطوير لأي شئ وبأي صورة، ونعاني من حالات فشل وسقوط ندعو الله تعالى بأنها لا تدوم  مثل انتحار شاب لظروف نفسية مبهمة، وانتشار موجات عشوائية من الأغاني، وسلوكات رياضية لا علاقة لها بالأخلاق والقيم، والأزمة الطارئة بين بعض النقابات والهيئات والجمعيات الأهلية، مروراً بالمحاولات الخبيثة للنيل من الدولة المصرية رئيسا وجيشا وشعبا أيضا، وآخرها هذا التهكم البغيض والسخرية المريضة بين جماهير الكرة في مصر، بينما هذا الجمهور نفسه لا يدرك ويفطن أن فريقه الوطني بات مهزوماً وهو يلعب مكشوف الساقين والمهارة أيضاً، ويجري وراء كرة مستديرة وسط جمهور مهووس قام بتلوين وجهه وذراعه وجبهته وربما قدمه بألوان علم بلاده حباً في لاعبيه، إلا أننا نأمل وسط كل حالات السقوط تلك أن نحيا ونستمر في إخراج العقول من حيز البساطة إلى ملكة التميز.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

ميثم الجنابينوادر "منهجية"

قبل الدخول العلمي والمنهجي في تحليل أهمية وقيمة المصطلح والمفهوم بالنسبة للوعي النظري والعملي، أود ايراد وسرد بعض الحوادث "النموذجية" التي عشتها شخصيا، قبل عقود من الزمن، والتي دعتني آنذاك للتفكير بمشروع مقالات عديدة يمكن جمعها لاحقا في كتاب أقرب الى "قاموس" المصطلحات والمفاهيم. بحيث يشمل أغلب ما هو متداول منها في كتابات الكثير من الكتاب المشهورين والمغمورين، بما في ذلك من يطلق عليهم كلمة "مفكر" وما شابه ذلك من ألقاب فارغة لا علاقة لها بالكلمة ولا بصاحبها!

وهذه في الوقع قضية غاية في الأهمية بالنسبة للقيم العلمية والتقييم العلمي. لكي لا يجري الإسراف في امور لا معنى لها، مع ما يترتب عليه من ابتذال صارخ بحيث يجرى مساواة الجهلة وأنصاف المتعلمين برجال افذاذ. وهذا ينطبق على عشرات بل مئات من المصطلحات والمفاهيم الخاطئة والشائعة الانتشار في المقالات والدراسات والأبحاث والكتب. الأمر الذي يترتب عليه بالضرورة ضعف الوعي وانعدام الدقة المنهجية ومن ثم انهيار منظومة الرؤية العلمية والثقافية. فكلمة "مفكر" الواسعة الانتشار والتي يمكن رؤيتها ملصقة على اسماء آلاف الكتاب بما في ذلك من الدرجة السابعة هو دليل على ابتذال الكلمة والمعنى والمصطلح والمفهوم وقيمته العلمية والثقافية. وعموما، إن هذه الكلمة هي خاطئة بحد ذاتها من حيث توظيفها في العربية. إنها مجرد ترجمة سقيمة ومباشرة لما في اللغات الأوربية. بينما في العربية فإن كلمة مفكر تطلق على كل انسان لأنه "كائن يفكر". واشتقت الثقافة العربية الإسلامية وأبدعت اصطلاحاتها الخاصة في تقييم الشخصيات العلمية التي جرى اهمالها والاستعاضة عنها بكل ما هو "غريب" لا لشيء إلا بأثر حالة الانحطاط الثقافي الذي واجهت به الثقافة العربية في القرن التاسع والعشرين مقابلها الأوربي. من هنا كساد الاصطلاحات العربية الدقيقة والعميقة والجميلة أمام ركام الحضارة الأوربية. ولكل منها تاريخه وإبداعه الخاص. بمعنى إن وراء المصطلحات ليست فقط تقاليد العلم والمعرفة، بل وتقاليد الرؤية الثقافية.

في احدى المرات هاجمني احد الأشخاص، لأنه وجد الى جانب اسمي كلمة "بروفيسور". ومع انني لا استعمل الألقاب العلمية حالما انشر ما انشره، بما في ذلك كتبي الكبيرة، إلا أن الكثير من المجلات والصحف والمواقع الالكترونية هم من يأخذون على عاتقهم هذه "المبادرة". وهو امر لا خطأ فيه. ففي "الغرب الأوربي" لا ينشرون في المجلات العلمية المحترفة والرصينة لمن لا يمتلك درجات علمية وألقابا تناسبها. وكلمة "بروفيسور" لا تطلق على كل من هب ودب. والحصول عليها، على سبيلا المثال في روسيا، يفترض أن يكون المرء قد دافع عن رسالة دكتوراه علوم، أي ما بعد الدكتوراه العادية. وعادة ما يجري السماح لكتابتها والدفاع عنها لمن حصل على درجة الدكتوراه بعد عشرين أو ثلاثين سنة! وبعد ذلك العمل خمس سنوات كحد أدنى في التدريس الجامعي والبحث العلمي لكل تعطى له. بمعنى إنها نتاج "شقاء" علمي شديد ومعقد. على عكس ما هو سائد في اغلب البلدان العربية حيث تعطى على اساس السنوات والعمر بما في ذلك الإداري. وليس غريبا أن نرى "مقالات" لأساتذة لا ترتقى في حالات عديدة إلى مستوى طلبة الصفوف الأولى الجامعية! وهذه قضية اخرى، لكنها في الوقت نفسه هي نتاج غياب وانعدام التقاليد العلمية الدقيقة بما في ذلك في المصطلح والمفاهيم.

وعودا إلى كلمة برفيسور والتي تقابل معنى "الاستاذ" في العربية المعاصرة، والتي تفتقد بدورها إلى دقة الحدود في ما يتعلق بمضمونها. فهي تطلق ليس فقط على من يحمل هذا اللقب العلمي، بل وعلى بياع الطماطم والخيار والحلاق والاسكافي والحوذي! والغريب في الأمر، هو أن من اثارته كلمة "بروفيسور" قابل بكل اريحية بكلمة "البكالوريوس" و"الليسانس" و"الماجستير" و"الدكتوراه". بينما هي جميعها اجنبية أوربية! وكلمة استاذ هي الأخرى ليس عربية بل فارسية معرّبة. وهي تعادل معنى البروفيسور، أي الحرفي أو المحترف. من هنا يستعمل اهل العراق كلمة "أسطة" وفي سوريا "المعَّلِم". وهي تعادل أو تعني معنى الاستاذ والبروفيسور!

والكلمات الأوربية هي نتاج تاريخ ثقافي وعلمي بقدر واحد. ولا جمالية فيها، فهي مرتبطة بمفاهيم الحرفة مثل سائس الخيل والكبير والأسطة وما شابه ذلك. بينما ابدعت الثقافة العربية الإسلامية اصطلاحاتها الدقيقة في ما يتعلق بالأسماء والألقاب من خلال الفنون العلمية والمعرفة والحرفة العلمية، مثل الطالب والمعلم والعالم والإمام واختصاصاتها الملموسة من فقيه ولغوي ومتكلم وطبيب ومئات غيرها. كما أن لكل مستوى القابه الخاصة مثل الجهبذ والنحرير والفحل ويتيم عصره وكثير غيرها. ولا مفاضلة هنا بين الاثنين، بقدر ما انوي الاشارة والتدقيق في ماهية المصطلح وجذوره الثقافية.

فالاصطلاحات والمفاهيم هي نتاج تجارب تاريخية ثقافية. ومن ثم ينبغي التعامل معها ضمن هذا السياق. والعمل ضمن هذه الرؤية يؤدي إلى انفتاح القريحة العلمية والتحرر من استلاب غبي لا معنى له ولا قيمة. فالاستلاب هنا يدفع الشخص بما في ذلك "المثقف" للسقوط في أوحال التقليد!

وأعود هنا للنادرة التي أثارت في أعماقي الرغبة بمواجهة هذه القضية الشائكة والمعقدة بسبب انتشارها وليس بسبب تعقيدها بحد ذاتها. إذ لا تعقيد فيها. بمعنى انه يمكن تأسيسها وغرسها في الوعي من الصغر، شأن تعليم التلامذة ابجدية النطق والكتابة. فبدونها لا يمكننا سماع ولا قراءة ما يمكن فهمه واستساغته. وهو واقع واسع الانتشار في الثقافة العربية الحالية، ليس "الجماهيرية" بل وبين المثقفين، دعك عن رؤساء الدول والملوك والأمراء. فهذه فضيحة من نوع آخر.

إن النادرة التي اتحدث عنها تقوم في ما يلي: كنت اتمشى قبل اكثر من عقدين من الزمن في دمشق صباحا باتجاه دمشق القديمة ومناطقها الخلابة والهادئة بما في ذلك في صخبها، وبالأخص حول محيط الجامع الأموي. وإذ بأحد الأشخاص ممن كنت اعرفهم، يهتف علي من بعد. والتقينا وسرنا سوية صوب المدينة القديمة. وحدثني عما يقوم به من كتابة عن الثقافة والدولة وأمور اخرى سياسية. وكان كثير الاستعمال لبعض الاصطلاحات الفلسفية، وبالأخص كلمة "ابستيمولوجي" الواسعة الانتشار حد القرف في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي. وكان يتلذذ بلفظها على الطريقة الفرنسية (التي لم يكن يعرفها) ويعيدها بأشكال مختلفة (ابستيمولوجي، ابيستيمولوجيا، ابستيمي وغيرها). وجميع ما كان يستعمله ليس في محله. الأمر الذي دفعني للمزاح العلمي معه، بأنني لا افهم ولا اعرف مضمون هذه المصطلحات، وحبذا لو شرحها لي بطريقة مفهومة. وقد اندهش من قولي هذا، وأجاب مستفسرا عما إذا امزح معه، لاسيما وأنا "رب الفلسفة"، حسب عبارته. وأكدت له بأنني ارغب فعلا بفهم مضمونها كما يفهمها هو. وهلم انني اعرف ذلك، فماذا لو استفسر منك شخص لا يعرف معناها. عندها اجاب بأن معنى ابستيمولوجي هو ابستيمولوجي وابستيمولوجيا. وعندما مازحته بأن هذا مجرد تكرار مثير للسخرية، ولا يكشف المعنى بل يزيده انغلاقا. عندها اخذت بشرح هذا المصطلح، اصوله وجذوره ومعناه ووظيفته المعرفية وتغير مضمونها التاريخي وأبعاده الثقافية وأمور أخرى عديدة على امتداد أكثر من نصف ساعة. عندها نظر الي بشكله الوديع والمبتسم والجازم شأنه في كل مواقفه قائلا: والله والله والله، أنا وكل المثقفين حمير لا نفقه شيئا في هذه الأمور. نكررها للأبهة السخيفة. عزيزي ميثم! هلا تكتب لنا مقالات أو كراس مختصر تشرح فيه كل ما يجري تداوله من مصطلحات، لأنه لا احد يفهم فيها شيئا على الإطلاق!

ولم تكن هذه الحالة غريبة بالنسبة لي. وقد خططت فعلا لسلسلة مقالات قصيرة مستمرة بحيث لا تشمل الاصطلاحات فقط، بل والمفاهيم والأحكام والصيغ المنتشرة لمختلف الانماط الجامدة في الكتابة والأحكام والتقييم المتعلقة بالحياة الفكرية والسياسية والتاريخية والثقافية والتراثية وغيرها. وقد كتبت العشرات منها بأوقات متفاوتة تناولت فيها بعض المفاهيم والشخصيات (تحت عنوان "شخصية ومصير"). ومن ثم كنت أهملها بسبب عدم رسوخها بهيئة مهمة أولية وضرورية بالنسبة لي. مع إدراكي الجازم بأهميتها الجوهرية بالنسبة للمعرفة العلمية والثقافية. إذ لا يمكن تأسيس المعرفة العلمية الرصينة دون رصانة الإدراك والاستعمال الدقيق والسليم للاصطلاح والمفاهيم. فبدونهما تنهار أسس المعرفة المنطقية والتأسيس العلمي للعقل النظري والعملي.

وقد طلب مني أحد الأصدقاء قبل يومين أن اتناول بالشرح والتدقيق مفهوم "الليبرالية"، بسبب اثارته الجدل وسوء الفهم أو انعدام الرؤية الدقيقة عنه. ووعدته بالقيام بذلك. وسوف اقوم به قريبا، واستكمله، كل ما ساعد الوقت والحال، على تدقيق مختلف المفاهيم والاصطلاحات بشكل عام والإشكالية منها بشكل خاص.  

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

عبد الحسين شعبانلم يكن المسرحي والكاتب الألماني برتولت بريخت واهماً أو حتى حالماً حين قال: «أيها الجائع تناول كتاباً، فالكتاب سلاح»، وهل يشبع الكتاب البطون الخاوية؟ لكن بريخت برؤية استراتيجية للمستقبل يُدرك الترابط الوثيق بين الثقافة والتنمية والمواطنة؛ بل إنه يجعل من هذه الثلاثية محوراً مركزياً وعقلانياً للتقدم، فلا تقدم حقيقياً دون التعليم، وفي التعليم تكمن فلسفة الدولة التربوية للنهوض بالمجتمع، وحسب أفلاطون وأرسطو وابن خلدون، فالإنسان مدني بطبعه، وبالتالي ما يحكم علاقاته وسلوكه وتربيته هو مدني أيضاً.

وبدعوة من مؤسسة هانز سايدل الألمانية والمعهد العربي للديمقراطية، التأم مؤخراً في تونس، مؤتمر فكري شارك فيه خبراء ومفكرون وتربويون عرب وأجانب لمناقشة تجارب تاريخية في البلدان العربية والأوروبية، في ما يتعلق بمدنية الدولة، ارتباطاً باليوم العالمي للتعليم (24 يناير/‏كانون الثاني) الذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة، احتفاء بدوره في صنع السلام والتعايش والتنمية، إضافة إلى كونه حقاً من حقوق الإنسان وصالحاً عاماً ومسؤولية عامة.

وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 26 منه، الدعوة إلى التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي. وكانت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، قد نصت على ضرورة توفير التعليم العام للجميع، كما ذهب إعلان مبادئ التسامح الصادر عن المؤتمر العام لليونيسكو 1995 إلى تأكيد مناهضة التمييز في مجال التربية (الديباجة)، وأكّد في المادة 4 على أن «التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وهو ضرورة ملحة، ويحتاج الأمر إلى أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح (التربية عليه) من خلال سياسات وبرامج، وهدفه مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلى الخوف من الآخرين واستبعادهم، وتربية النشء على تنمية قدراتهم»؛ أي نبذ التعصب والتطرف.

وتقتضي التربية على الثقافة المدنية، محاربة التعصب ووليده التطرف، وإذا ما انتقل هذا الأخير إلى التنفيذ وأصبح سلوكاً سيتحول إلى عنف، وحين يضرب هذا العنف عشوائياً يصير إرهاباً، ولعل غياب التعليم وتفشي الأمية يجعل البيئة مهيأة لتفقيس بيض العنف والإرهاب، وستكون الأرقام صادمة إذا ما عرفنا أن 258 مليون طفل وشاب لا يزالون اليوم غير ملتحقين بالمدارس، وهناك 617 مليون طفل ومراهق يعانون الأمية «الأبجدية»، فما بالك بالأمية المعرفية والتكنولوجية، ومن ضمنهم ما يزيد على 70 مليون أمي عربي «أبجدي»، وهؤلاء الأكثر عرضة للتأثيرات الماضوية، تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم التقاليد، ناهيك عن كوابح عديدة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ودينية، ومذهبية وإثنية وعنصرية وغير ذلك.

وبالعودة إلى حكمة بريخيت، فقد أثبتت التجربة أن التعليم والتربية السليمة هما طريق التنمية للخلاص من الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتطويق عوامل وأسباب التمييز والتعصب والحروب والنزاعات والعنف والهجرة، وأساساً للعيش المشترك والاعتراف بالآخر وبحقوقه وبالسلام وقيمه.

وتزداد الحاجة إلى التربية والتعليم على جميع المستويات خصوصاً في البلدان النامية ومنها بلداننا العربية لأهمية تأمين الحق وتعميم المعرفة وجعل الثقافة في متناول الجميع، ومثلما هي حق إنساني فهي حق قانوني، وقد ورد ذلك في العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ الصادرين عام 1966 واللذين دخلا حيز التنفيذ عام 1976، علماً بأن 82% من دساتير العالم تحفظ الحق في التعليم، وأن 55% منها تمكّن المواطن من اللجوء إلى القضاء في حالة انتهاك هذا الحق.

وقد جرت في السنوات الثلاثين الأخيرة عمليات خصخصة للتعليم لقيت معارضة من جانب أوساط غير قليلة من الطبقات الكادحة ومحدودي الدخل، خصوصاً أنها جعلت العديد من أبنائها خارج العملية التعليمية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأجور الدراسة.

وعلى الرغم من أن بعض البلدان العربية حققت بعض النجاحات، فإنها تحتاج إلى مزيد من التخصيصات المالية، ناهيك عن الارتقاء بالعملية التربوية لتنسجم مع روح العصر، بحيث يكون التعليم شاملاً ومدنياً ووفق منهج موحد وعصري.

ولكي تكون العملية التربوية مدنية لا بد من الوعي بأهميتها وإقرار ذلك قانوناً للوصول إلى أهدافها، واتخاذ طائفة من التدابير والإجراءات لضمان تأمين الحق للجميع (للإناث ولسكان الريف والبادية وللفئات الضعيفة ولذوي الاحتياجات الخاصة)، فالتربية هي المدماك الأساسي لكل تقدم وتنمية ومواطنة، وتلك من أسس الدولة المدنية، خصوصاً في ظل بيئة مناسبة لتأكيد قيم السلام والتسامح والمساواة، وإقرار التعددية والتنوع والاعتراف بالآخر.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمد عمر غرس اللهتعرف المنطقة العربية - منذ عشر سنوات تقريباً - سجال حول وصف (ثورة) على غير ما عُرفت به الثورة ووقعها على المجتمع العربي، هذا الأمر يحتاج البحث والقراءة لما ألت اليه أوضاع منطقتنا من ماسي سُجلت تحت عنوان ثورة الربيع العربي، الأمر الذي تم سحبه حتى على التاريخ في إختلاف الأراء حول محطات تاريخية: هل هي ثورة أم إنقلاب ام إنتفاضة ..الخ، وراح كل تيار يصف حدث ما بما يعزز رأيه وموقفه، وإتسق في ذلك موقف بعض العرب مع ما يراه وتقدمه الدول الغرببية حيال ما يحدث، إذاً ماذا وراء ذلك؟ كيف، ولماذا؟، دعونا ترى

ظهر من بين العلوم الإنسانية علم الثورة الذي يفصل ويحلل ويحدد تعريف منهجي لوصف الحدث، إرتبط بحركة المجتمعات وحدوث التغيير فيها كأحد تجليات ما يُعرف بالتغير الإجتماعي (Social change) في حدث فاصل تخرج فيه الناس للشارع وتمارس فيه الجموع سطوتها وتحدث - بقيادة من بينها - التغيير المطلوب، ومع تطور البشرية عرف الخروج الثائر للشارع تاثيراً من أطراف خارجية تحصد نتائج وفق أهدافها، وتدفع هيجان الناس لتحقيق مأرب محددة فتجني نتائج تصب في مصلحتها، غير أن ثمة تعريف أخر للثورة يرتبط بالنتائج أكثر منه بالمقدمات، فيحدد: هل الحدث تعبير عن صوابية الفعل أم لا؟ وعموماً تبقى الأسباب المحلية والعربية والدولية مهمة في تحديد وصف الحدث هل هو ثورة أم مؤامرة، فكلما إرتفع منسوب الأسباب الخارجية قل منسوب الإيجابية في الوصف وصار في خانة التدخل الدولي، ومع هذا كله ومن خلال جرد تاريخي نجد أن وصف وتفسير الثورة في المنطقة العربية ظل متأثراً بثلاثة ثورات:

الاول: ثورة 23 يوليو 1952م: والتي أخذ فيها وصف الثورة إرتباطاً بما تم تحقيقه للمجتمع والشعب تباعاً من تأميم قناة السويس وطرد القواعد الأجنبية، وتاميم الموارد وتوزيع الأراضي على الفقراء وإتباع سياسة عربية تمثل إرادة الاستقلال والتحرر العربي في مواجهة العدوان الثلاثي (فرنسا - بريطانيا - الكيان الصهيوني) وطرد الإستعمار الفرنسي من الجزائر بدعم الثورة الجزائرية 1954 – 1962م، هذه الثورة تُعد متسق او هي في شيئاً منها مرجعية لما حدث في اليمن 1962/ 1967م، والعراق وسوريا، وليبيا في الفاتح من سبتمبر 1969م، وتعبيرها عن إرادة الأمة العربية كوحدة واحدة، وكتطور عن حركة التحرر العربي من المحيط للخليج.

الثاني: الثورة الإيرانية 1979م: والتي كانت تعتبرها تيارات الإسلام السياسي عربياً مثالاً للحركات الإسلامية في تحقيق مطالب الشعب بما فيها موقف قادتها من الإمبريالية الغربية وإغلاق سفارة الكيان الصهيوني وتسليم مقرها لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنع الهيمنة الأمريكية والبريطانية على الشعب الإيراني الشقيق، والعمل على الإستقلال الوطني وبناء مصادر إقتصادية وعسكرية ذاتية، هذه الثورة التي عمل الغرب - في مراحل لاحقة ولأسباب إستراتيجية - على تصويرها ثورة شيعية موجهة ضد السنة العرب، في إطار صنع قومية سُنية متحالفة معة الكيان الصهيوني عبر خلق وتصنيع وتوهيم عداء بين إيران والعرب وتطويره مع الزمن بما يخدم الهيمنة الغربية ويحقق لها جندي إقليمي يحارب إيران نيابة عنها، ويمنع توافق الإرادة الإسلامية في الإقليم لمواجهة الهيمنة الغربية.

الثالث: الثورة الفرنسية، والتي يتم تقديمها عربياً في إطار مناهج الأورومركزية (الليبرالية)، عبر خلط الأوصاف والمصطلحات فيما يتعلق بالفصل بين السلطات، والتحلل من القيم الدينية، ومن ناحي أخرى وضع وصف الثورة الفرنسية في أفواه العامة الذين لا يفقهون كنه ما يرددون في الإعتقاد بتماثل ما حصل في فرنسا مع ما يجري في منطقتنا وإسقاطه عليها، وترديد ذلك بدون أدنى وعي.

هذا ويبدو تلبيس الأحداث التي إندلعت مع بداية عام 2011م وصف (ثورة الربيع العربي) تم فيه الخلط بين أسبابها بالمزج بين واقع الدول العربية التي شهدت ما جرى (تونس - مصر - اليمن - ليبيا - سوريا)، وهو ما خدم تحقيق الأهداف من الأطراف الدولية التي إن لم تكن قدم خططت فهي كانت جاهزة لإستغلال ماحدث، وفي هذا تم تعميم وصف (ثورة) وجعله في أفواه العامة وبصخب، ورغم ذلك لم يقبل - العقل الباطن عربياً - أن توصف الأحداث بأنها ثورة، خاصة تلك التي شارك فيها برنار ليفي والسيناتور الأمريكي جون ماكين وتثمين من رؤساء الدول الأوروبية، وبمشاركة قوات وقصف طائرات حلف الشمال الأطلسي، وهو ما إنتهى بتسليم الأوطان للتنظيم العالمي للأخوان المسلمين والجماعات الإرهابية المسلحة من داعش وأخواتها وبناتها بإشراف ضباط أوروبيين ومبعوث الأمم المتحدة وسفراء الدول الغربية.

وفي هذا كله يتم عمل مقصود لإعطاء مفهوم بعيد عما تعنيه (الثورة) في المجتمع العربي وقطع إرتباط الوصف ومدلوله بما سارت عليه ثورة 23 يوليو ومن نسج على منوالها في المنطقة العربية، وتم في هذا عمل كبير جداً بمنظومة عمل مركزة ومنسقة لم تترك شيئاً لم تستغله في سبيل محاربة ومعاداة وتشويه وتحقيق الحرق والإغتيال المعنوي لمدلول الثورة الناصري (نسبة للزعيم جمال عبد الناصر) وحرق وإغنيال معنوي لكل القادة والشخصيات الذين قاوموا الهيمنة الغربية وحاولوا تحقيق إرادة وطنية وعربية مستقلة وواحدة، وتم ذلك عبر تظهير أعداء ووكلاء محليين لسياقها شاركت فيه أحزاب وتنطيمات ودول عربية، لمنع تكرار ما أحدثته ثورة 23 يوليو وما أحدثه الذين نسجوا - على منوالها العربي - خطواتهم التي كان سياقها التاريخي طرد القواعد وتاميم النفط وإستعادة السيادة والدعوة للوحدة العربية والعدالة الإجتماعية ومحاولات بناء إقتصاد وطني وإقليمي مستقل.

أن الإلتباس في وصف الأحداث بوصف (ثورة)، يحتاج تأصيل معرفي في إيجابية النتائج أكثر منه في (شرارة الفعل كثورة بركان يدمر ما في طريقه)، غير أن التأصيل الإيديولوجي يذهب إلى مسار أخر، ويحول موضوع المفاهيم إلى صراع تنافسي فيمن يسحب على نفسه إيجابية الفعل بغض النظر عن مأساوية المسار والنتائج، وفي هذا ليس ثمة عامل داخلي يمكن الإحتكام له، فالرأي العام اليوم بفعل العولمة يقع تحت تأثير وسائل الإتصال القوية (السمعي بصري) التي تصنع الإنطباع الشعبي العام عبر نظريات التحكم في (المتلقي والمشاهد والمتصفح) والتأثير عليه وقيادته وتوجيهه، فالمعرفة لم تعد بنت القراءة وحدها، والحمائية الوطنية التي كانت توفر للكتاب والثقافة الوطنية والراديو وحتى التلفزيون الوطني فرصة بناء التصورات الفكرية والثقافية وتعبر عن المجتمع - إنتهت أمام العولمة التي صار فيها تأثير من خارج الحدود اكثر وأمضى وأقوى حتى على الجتمعات المحلية بل والأُسرة نفسها، فالسمعي بصري اليوم خطف كل شي، خطف الأبناء من أبائهم، والتلاميذ من تأثير مدارسهم، كما خطف الشعوب من تخبهم المحلية، وحول هذه القطاعات العريضة إلى جنود وسيل هادر بل وتسونامي يجرف ويدمر أوطانه ويذبح أهله ويحول المدن والقرى إلى مسارح للدم والخطف والتدمير وهو يهتف بالثورة كما رأينا في ليبيا وسوريا، بدلأ من فعل ذلك لمواجهة الهيمنة والتدخل الخارجي، إنها بوضوح إشكالية الثورة فهل ثمة تعريف واحد للثورة في كل العصور والمراحل.

في الحقيقة أن جملة من المصطلحات والأوصاف تم الإستيلاء عليها من واقع وتاريخ شعوبنا ووضعت على طريق أذرع النهب الدولي تخدمه، فــ(الجهاد) لم يعد جهاد الليبيين ضد الطليان، فلم يعد جهاد عمر المختار وسلطان باشا الأطرش وجهاد الشيخ ماء العينين وجهاد الدغباجي وعلي الشنطة، وجهاد الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ بوعمامة وجهاد جبهة التحرير الوطني الجزائري في  مواجهة الإستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني،  بل صار جهاد عبد الله عزام وأُسامة بن لادن والزرقاوي وأبوقتادة والجولاني والقرضاوي والعريفي والصلابي وسلمان العودة بمعية أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية، وبمعية برنار ليفي ومخابرات أميركا وبريطانيا وبمعية قاذفات حلف شمال الأطلسي، لقد صار الجهاد هو أن يُهجر السوريين من بلادهم وتقتلهم الجماعات الإرهابية في قراهم وتذبحهم وتدمر منازلهم وأن يبيع جماعات داعش نسائهم وبناتهم، والجهاد لم يعد الشرف بل صار جهاد النكاح جهاراً نهاراً وعلى الأشهاد، والجهاد صار في طرابلس الغرب ودرنة وبنغازي وأدلب وحلب وعين العرب يغطيه مبعوث الأمم المتحدة ويدعو له الرئيس التركي وتبرره البي بي سي وقناة الجزيرة وتموله إمارة قطر وتحمل الطائرات والسًفن التركية جماعاته من بلد لأخر وبمجاهرة وتبجح من ألرئيس التركي أردوغان أمام سمع وبصر العالم.

وفي هذا فإن (الثورة)لم تعد بنا وتعمير مشاريع زراعية وإسكان وتأميم للنفط وإستعادة السيادة الوطنية، بل صارت الجلوس أمام الجنرال الإيطالي ديليسيرا يدير طرابلس الغرب وتدمير مطار طرابلس العالمي بطائراته وتمكين داعش من درنة وسرت وتمكين التنظيم العالمي للأخوان المسلمين من السيطرة على البنك المركزي الليبي، وصارت الثورة تعني تجميع أكثر من 150 ألف مرتزق من كل أنحاء العالم وإدخالهم لسوريا عبر تركيا والأردن لقتل السوريين في ديارهم ونهب وسرقة أكثر من 25 ألف مصنع ومعمل من مدينة حلب السورية، بتمويل خليجي يفوق عشرات المليارات، فالثورة صارت وفق ترتيبات هذه المرحلة عمل وفق إستارتيجيات الدول الغربية وأهدافها.

و(الحرية) لم تعد قيمة (الحر) الشهم العفيف البعيد عن الموبقات، بل صارت تعبير عن الشذوذ الجنسي والمثلية، وتعبير عن الإنجاب خارج المؤسسة الزوجية والمجاهرة بالإفطار في شهر رمضان علناً، وصارت تعني التحلل من نفوذ الأوامر والنواهي القرأنية، وصارت ايضا معاداة للغة العربية لغة القرأن، وصارت تعبير عن التحلل من القيم  الإجتماعية،  كما أن التقدم والعصرنة صار في الإنتظام في منظمات تابعة للمخابرات الدولية تحت عنوان منظمات المجتمع المدني، وصارت الثورة والديموقراطية هي تقديم الوثائق والمعلومات الوطنية والإرشيف الوطني للمخابرات الدولية، وتدخل الدول الأوروبية حتى في خصومات القبائل في بلداننا.

إنه صارع المصطلحات والأوصاف والمنهجيات، التي تجعل المواطن البسيط في حالة هيجان حاد لا تعرف مالذي أصابه، حتى أصبح يرى إيجابية إدخاله لضباط المخابرات الدولية لبلاده يقود بهم السيارة ويأويهم في قريته ويقدم لهم الأكل من  يد زوجته وأوخواته، ويفاخر أمامهم بتدمير بلاده وفتح أبوابها لهم وتمكينهم من كل شيء.

أن الأمر يحتاج الباحثين المتخصصين ليقدموا في هذا جهودهم البحثية لمعرفة تفاصيل ماحدث وكيف حدث ولماذا حدث ويعملوا على التأثير على الشارع العام فكرياً وثقافياً، فمشارط السوسيولوجيا الكولونيالية أخطر بكثير من قصف القاذفات والبوارج، حيث أن تأثير القنابل يمكن تحديده وإعادة بناء ما تم تدميره بالإعمار، بينما ما تفعله المنهجيات يضرب العقول ويخربها ويحول الإنسان في وطنه إلى تابع بل وأداة ولسان ويد لأولئك الذي صنعوا وبرمجوا تلك المنهجيات - وتحدد الأوصاف وتطرق عليها - التي تصنع أنسان تابع غريب مطية وبردعة للأجانب، لا تعرف مالذي أصابه ومالذي حوله إلى هذا الوحش الذي يأكل لحم ذراعه - كما يقال - ويضرم النار في دياره بالطريق التي نرى.

والله من وراء القصد

 

بقلم: محمد عمر غرس الله

 

 

قاسم حسين صالحالركن الثالث في أشكالية السلطة في العالم العربي هو الحاكم. ولدى تمعننا في تاريخه توصلنا الى انه لا احد يدخل السياسة الا وعنده ميول عدوانية.. وأنه يكون امصاب بواحدة أو اكثر من الآتي:

أولا: البارانويا. في اليوم الذي يجلس فيه الحاكم العربي على كرسي الحكم، فان البارانويا تجلس معه، ونعني بها الشك المرضي بالآخر المتمثل بسرعة الاتهام للاخرين بالكذب والتآمر عليه، والخوف من الاستيلاء على الكرسي حتى من اقرب الناس اليه بمن فيهم أخوته، ومن يومها ينشغل فكره باوهام واضطهاد وتآمر عليه تتحول لدى بعضهم الى هذيان نفسي يكون موضوعه كرسي الحكم.

ثانيا: الهوس السلطوي

المؤسف، أن معظم القادة العرب ورثوا عن أسلافهم القادة هوسهم بالسلطة أكثر مما ورثوا عنهم فضائلهم وترّفع الندرة منهم عن ملذاتها. ويعدّ الحكّام الذين استلموا السلطة في العراق يعد (2003) أقبح نماذجهم في العصر الحديث بهوس (الثروة)...والمفارقة، ان معظم الذين انتخبوهم يعيشون في جحيم الفقر!.. وان ابناءهم يشاركون في تظاهرات واحد تشرين/اكتوبر وبينهم من استشهد برصاص سلطة الحكّام الذين انتخبهم آباؤهم!.

ثالثا:غريزة السطوة

في متابعتنا للمشهد السياسي العراقي من عام (2005) وجدنا قادة سياسيين يبدون في ظاهرهم ديمقراطيين فيما تعمل بداخلهم نزعة السطوة. ولأن السطوة والديمقراطية لا يمكن ان يجتمعا فأنهم عاشوا حالة تناقض وجداني وسلوكي وامتلكوا اهم مصادرالسطوة:الثروة بحيازة القاعدة الذهبية (من يملك الذهب هو القادر على وضع القواعد)، كانت آخرها قتل اكثر من ستمائة واصابة اكثر من عشرين الفا، في انتفاضة تشرين/اكتوبر، وكأن هؤلاء المتظاهرين قوم غزاة وليسوا شبابا صروا ستة عشر عاما وانفجروا يطالبون بحقوق مشروعة.

رابعا: الغطرسة والسلطة

تتجسد ملازمة الغطرسة في الحاكم العربي بثلاثة اعراض: (استعمال لقب نحن) و(الاعتقاد الراسخ بتبرئته امام الله والتاريخ) و (الاقتناع بالاستقامه)..غير ان أخطرها أنه يصبح متوحّدا بالسلطة، مختزلا الناس والوطن في شخصه. والمفارقة ان الحاكم العربي لا يدرك ان الغطرسة هي احد الأسباب التي تسقط الحاكم من الكرسي. مثال ذلك، جاء ضابط رفيع الى الأمير عبد الأله والباشا نوري السعيد يخبرهما بحركة انقلاب عسكري(14 تموز 1958) فلم يكترثا، وكذلك سخر معمر القذافي من المتظاهرين.. وقتل ببشاعة، وعاند صدام ولم ينسحب من الكويت..فأعدم. ويبدو ان الغطرسة علّة كل الحكام المستبدين، فحين حذروا الدكتاتور نيقولاي شاوسشيكو من التظاهرات، اجابهم ساخرا:لن يحدث تغيير في رومانيا الا اذا تحولت أشجار البلوط الى تين!..وانتهى به الأمر الى اعدامه.

خامسا: الحول العقلي

اثبتت احداث ما بعد 2003 ان العقل السياسي العراقي ادمن على انتاج الأزمات وغير قادر على حل المشكلات، لأن الادمان على الازمات كالادمان على المخدرات. .ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره. وانهم لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، لأن عقلهم مصاب بخلل ادراكي نحتنا له مصطلحا سيكولوجيا جديدا هو (الحول العقلي).. الذي يرى أن معتقداته هي الصح والأصلح وأنه على حق مطلق وما عداها وعداه خطأ وباطل.

وأخيرا، يبقى لدينا الركن الرابع في فهم هذه الأشكالية والمتمثل بالمحكوم..المواطن العربي.. نوجزها بأننا اذا استثنينا المناضلين من رجال الدين الى الشيوعيين والقوميين الذين ثاروا ضد الحكام الطغاة، فان الغالبية المطلقة من الشعوب العربية تعودت الخضوع والخنوع والتملق للحاكم ، لسببين، الأول.. تبريري، بتخريج ديني (وأطيعوا اولو الأمر..)، والحاكم هو ولّي الأمر المطلق، والثاني..الشعور بالعجز المصحوب بالخوف من بطش الحاكم.. ما يعني ان (الشعب) شريك في جعل الحاكم يحب الكرسي، بل انه قام بتأليه كثيرين، ووصف حكاما طغاة بأنهم هبة السماء للأرض.وكان للدين الأسلامي دوره في صتاعة سيكولوجيا المحكوم ايضا، لكونه يعاني من اشكالية خطيرة تتحدد بتعدد مذاهبه:اربعة في السنة ومذهبان في الشيعة، فضلا عن مذهبي الأباضية والظاهرية.

استنتاج

ان هذا التحليل يقود الى انه لا توجد الآن في العالم العربي دولة مدنية بمفهومها الحديث الذي يعني الدولة التي تحمي جميع أعضاء المجتمع وتحافظ عليهم بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والفكرية، وتعمل على اتحاد وتعاون الأفراد وفقاً لنظام تسوده علاقات قائمة على: قبول الآخر، التسامح، السلام، المساواة في الواجبات والحقوق، وقضاء عادل في تطبيق القوانين، فضلا عن سلطة عليا تُعرف بسلطة الدولة، يلجأ إليها الأفراد حين تهدد حقوقهم بالانتهاك..واننا بعيدون زمنيا في الوصول اليها بما فيها الأنظمة العربية التي تقر دساتيرها بأنها ديمقراطية.. للعلل التي شخصناها من منظور علم النفس والأجتماع السياسي في اركان هذه الأشكالية الأربعة:السلطة والدين والحاكم والمحكوم.

توصيات

- دعوة اساتذة الجامعات في العالم الى تقديم مذكرات او التماسات الى الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الأنسان والجامعة العربية بالضغط على الحكومة العراقية والزامها باحترام حق التظاهر والتعبير عن الرأي، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم قتل ضد المتظاهرين السلميين في العراق..اعتبارا من تاريخ 1 اكتوبر 2019.

- دعوة المؤتمر الى تفعيل دور العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية في مجالات الحياة كافة لاسيما المجال السياسي المأزوم بالعنف والفوضى وخوف الناس من المستقبل.

- التنسيق بين علماء النفس والأطباء النفسيين والمرشدين التربويين وعلماء الاجتماع لدراسة ومعالجة الظواهر السلبية التي ازدادت مؤخرا والمتمثلة بالطلاق والمخدرات والألحاد والأنحرافات الجنسية، وتأمين متطلباتها المادية والبحثية.

- عقد مؤتمرات تهدف الى تفعيل الوظيفة الأساسية للجامعات في بناء الأنسان ودوره في صنع الحاضر والمستقبل.. والكف عن اشغال المواطن في التباهي بأمجاد الماضي، الا بما يعزز دوره في التفكير بتغيير الحاضر.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

..............................

* نص المحاضرة التي القيت في المؤتمر الدولي للعلوم الانسانية (جامعة جيهان 12-13 شباط 2020)

 

 

منى زيتونسبق أن ناقشت أمر التعاطف في مقال سابق، ذكرت فيه أن هناك خللًا ما في بوصلة كثيرين من أفراد مجتمعاتنا العربية في توجيه تعاطفهم في كل قضية اجتماعية، وكثيرًا ما نجد من يتعاطفون مع الطرف غير المستحق له؛ ذلك أنه كثيرًا ما يبعد السلوك التعاطفي عن المنطق بل ويجافيه، ويقوم على الهوى وآفة الرأي الهوى!

والتعاطف كما أعنيه هو إظهار التقدير بقول أو فعل لشعور الآخرين؛ فأنا أتعاطف معك عندما أظهر لك أنني أقدر تقديرًا حقيقيًا ما تمر به، وليس بأن أسمعك أو أضع نفسي محلك أو أظهر استجابة انفعالية -حتى لو كانت ودودة- لمشاعرك.

في هذا المقال أحاول تصنيف أحوال البشر فيما يخص التعاطف، فللتعاطف مستويات وحالات عديدة، وأشهرها من خلال خبراتي الميدانية الأصناف الخمسة التالية.

التعاطف الإنساني

هو أول أنواع التعاطف وأعمها وأندرها في الوقت ذاته. إنه نوع التعاطف الذي يكون مع جميع البشر والمخلوقات دون تمييز، ولا يتذكر صاحبه سوى أنه إنسان فلا يتنبه لديانة أو لجنسية أو لأي انتماء كان.

وهذا تعاطف من بلغوا درجة عالية من النمو والسمو الروحي، تجعلهم يتعاطفون مع الخُطاة كما يتعاطفون مع الصالحين، وتبلغ بهم الرحمة بالحيوان وسائر المخلوقات أشدها.

اللا تعاطف

على العكس من النوع الأول للتعاطف الذي يتصف به الرحماء نجد نقيضه الذي يميز قُساة القلوب، وهؤلاء لا يكاد يعنيهم سوى أنفسهم وأقرب الأقربين منهم، وكأن الأرض خُلقت لهم وحدهم.

ولا يتوقف الأمر لدى أغلبهم عند حال اللامبالاة بل قد يتعدى معهم إلى الشنآن والشماتة في المكروبين. هؤلاء هم الشانئون لكل البشر صالحهم وطالحهم، أصحاب نظرية "لا دخان دون نار".

وأمثال هؤلاء لا تاريخ لأحد عندهم، فلو عاشروك سنينًا وأحسنت إليهم فيها أشد الإحسان ثم وجدوا من يطعن فيك لظنوا فيك ما يقول بلا روية ولا دليل! وربما ساهموا في الإشاعة عنك!

واللا تعاطف كسمة يختلف عنه كحال، ففي بعض القضايا لا يلزم أن تتعاطف فيها مع أحد الطرفين في القضية عندما يكون كلاهما مخطئًا ونال عقابه؛ كما في أزمة المدعو محمد رمضان والطيار الذي تم فصله لسماحه له بدخول قُمرة قيادة الطائرة واللعب في أزرارها في استهتار بالغ بأرواح البشر.

التعاطف مع صاحب الحق

وهذا هو صنف التعاطف الوحيد الذي لا ينافي ويجافي العقل بتاتًا، بل يماهيه ويتماشى معه دائمًا. هو تعاطف العقلاء والحكماء، وهو أيضًا التعاطف الذي وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].

وقد كان هذا هو صنف التعاطف السائد بين المسلمين في عصرهم الذهبي، حتى أن الخليفة قد يجد قاضيه يحكم عليه، وابن الوالي يجد الخليفة يقتص منه، ويجعل الحق عليه، ويقف مع ابن واحد من أهل الذمة ضده.

وهؤلاء المتعاطفون مع إقامة الحق يدركون أثر العقاب في استقامة المجتمع وزجر الملتوين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، فلا تأخذهم شفقة بالمخطئ أيًا كان، ويضربون على يده وإن كان ذا قربى. بشر كالسيف لا يخرجهم عن الحق لومة لائم، وإن غضب منهم الجميع. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب عندما قال: لم يُبق لي الحق صاحبًا.

التعاطف الفئوي

وهذا النوع كسابقه يكون لجماعة دون أخرى، لكن مع الفارق الكبير، فالتعاطف مع الحق تعاطف الحكماء العادلين، الذي يدور مع الحق ولا يثبت على طائفة محددة دومًا سواء كان الحق معها أو عليها، وأما التعاطف الفئوي فتعاطف المتعصبين المتطرفين. وسبق أن تحدثت عن التعصب تفصيلًا في مقالات عديدة، والأمر أوضح من أن يحتاج لتكرار.

ولا يختلف الأمر كثيرًا باختلاف موضوع التعصب؛ فالتعصب اتجاه عام في الشخصية يظهر لدى الشخص ويطبقه في شتى الميادين سواء كان الحق مع طائفته أو عليها؛ فليست النقطة المحورية هي محتوى اعتقاده؛ فنجده يتعصب رياضيًا لناديه، ويتعصب لدينه أو لطائفته الدينية، ويتعصب للجماعة التي ينتمي إليها سياسيًا، وكل منهم يفرح في مصاب من ينتمي لفئة أخرى بينما يذوب إنسانية زائفة عندما يتعلق الأمر بأفراد جماعته، ولا يمانع في الكذب لتبرير تعصبه الأعور ذاك عندما تكون طائفته وجماعته على باطل.

ينظر الواحد منهم إلى انتماء صاحب الرأي قبل أن ينظر في الرأي ذاته، ويفرق تمامًا معه بين إن كان من يُقيّمه أهلاويًا أم زملكاويًا، مسلمًا أم مسيحيًا، سنيًا أم شيعيًا، إخوانيًا أم سيساويًا أم ثوريًا.

التعاطف المرآوي

وهذا هو الصنف الذي يَخفى أمره على كثيرين، والذي دفعني لكتابة المقال، ويختلف عن الصنف السابق الفئوي، فهنا يكون التعاطف مع من يشبهك كفرد وليس من ينتمي لجماعتك.

ولنفهم هذا الصنف من التعاطف أكثر لا بد من وضع بعض المسلمات عن اقتراف الخطأ والاعتذار عنه أمام أعيننا، وأولها أن كل البشر يرتكبون أخطاء ولكن ليس كلهم يرتكبون خطايا.

ومن يخطئ خطأ كبيرًا في حق نفسه وحق مجتمعه، ويرغب في إعادة الانخراط في المجتمع، وأن يتقبله المجتمع دون إعادة تذكير بما اقترفه عليه أن يعلن اعترافه بخطئه، ويعد بأنه سيكون إنسانًا نظيفًا، وسيغير من نفسه.

لكن المشكلة إننا شعب لم يعتد أفراده الاعتذار، وإن اعتذروا فغالبًا يكون اعتذارهم مشروطًا؛ فيقدمونه عندما يتأكدون أنه سيُقبل! بمعنى تفضل أو تفضلي بالاعتذار فقد سامحناكم!

وقد يصدر الاعتذار عن المخطئين عندما تضيق في وجوههم ويكتشفون أن مرور الزمان لم يجعل ما اقترفوه يمر مرور الكرام وإنهم مضطرون للاعتذار!

وأحيانًا يكون الاعتذار مقرونًا بإسقاط؛ فمن يظهر التأسف يرفض الإقرار أنه هو المخطئ الوحيد، ويحاول أن يرمي الخطأ على غيره أو يقول إن الجميع يخطئون لكن ستر الله يغطيهم؛ والمعنى الدفين الموجه لباقي أفراد المجتمع أنكم أنتم أيضًا غالطون، وهي حالة من التبجح عالية بدلًا من إبداء الندم.

وكل ما سبق هي أشكال من الاعتذار الزائف عديم القيمة! فالاعتذار هو اعتراف بالذنب، ويجب أن يتم كمبادرة من المخطئ وإلا فقد معناه، كما يجب ألا يتم التلكؤ في تقديمه، ولصاحب الحق قبوله أو عدم قبوله، وإن كان أصحاب النفوس الكريمة لا يتأخرون عن العفو في حال صدق الاعتذار والمبادرة به وعدم التلكؤ أو محاولة جعله مشروطًا.

وعودة إلى التعاطف مع الخُطاة والمعتذرين، لنجد انتشارًا مزعجًا وكثيفًا لفئة ينتهزون أي إشاعة تُطلق عن شخصية محترمة بالمجتمع للسخرية منه وإطلاق النكات والفكاهات الماسخة عنه؛ وكأن ما قيل عن هذا الشخص حقيقة رغم عدم وجود أي دليل على صحة ما أُطلق من إشاعات، ورغم وضوح كيديتها في أحايين كثيرة. والعكس تمامًا يكون حالهم إن كان التطاول على خاطئين متلبسين بالجُرم، خاصة إن قدموا اعتذارًا من نوعية الاعتذارات الزائفة أعلاه!

وكثيرًا ما تساءلت لماذا يتلقى الخاطئون خطأ واضحًا غير قابل للبس، تعاطفًا كبيرًا من تلك الفئة ذاتها التي تسارع في جلد من لا يستحقون الجلد؟! ولا يكتفون بالسكوت عن الإشاعات التي تطلق على أي أحد كما المحترمون من أبناء المجتمع؟!

إنه التعاطف المرآوي، تعاطفك مع من يشبهك، مقترنًا بحسد من يختلف عنك ويعلوك قيمة.

وهنا أوضح أن التعاطف مع صاحب الحق الذي لا يصدر إلا عن العادلين، هو أيضًا شكل من التعاطف المرآوي، فكأن الحق بداخلهم مرآتهم التي يرون فيها. دمتم عادلين.

 

د/ منى زيتون

 

 

جواد بشارةمقدمة نظرية: إن الاختلافات الموجودة بين عالم الواقع وعالم الشاشة لا تكمن فقط في مجال المكان وأبعاده الثلاث، الطول والعرض والارتفاع وما يوحيه بالعمق كتجسيد ثلاثي لإحداثيات المكان وهندسته وتكويناته، فحسب، بل يتعين علينا أن نضيف بعداً رابعاً لا يقل أهمية كما في فيزياء آينشتاين، وهو الزمن، ولكن في السينما، حيث يمتلك المخرج خاصية التلاعب بالزمن وخلقه وتحويله أو تجميده. تجري أحداث الفيلم في نظام زمني مستقل عن مفهوم التتابع والتعاقب الذي يحكم عملية تعاقب الحركات والأفعال والأحداث في حياتنا اليومية. من هنا يمكننا القول بوجود " زمن سينمائي" يتميز تماماً عن " الزمن التعاقبي للوقائع الموجود في أي نظام زماني مألوف ومتعارف عليه. فالزمن التعاقبي أو الواقعي هو الزمن الشمسي أو المرتبط بالشمس وحركة الأرض أو دورانها حول الشمس خلال 24 ساعة، حيث اختار الإنسان أن يربط وينظم إيقاع حياته ووجوده مع الطبيعة مانحاً إياه سمة الثبات وتعذر الانعكاس والارتداد إلى الوراء، وهو أمر مفيد لعمليات الإدراك والاستيعاب والتقدير وترتيب الأحداث والظواهر وتقعيد حركاته ضمن إيقاع محدد. فالزمن الشمسي هو النموذج الوحيد كأداة قياس زمني، الذي كان معروفاً لدى البشر طيلة قرون طويلة، إلا أن الفن، في بعض مناحيه ومظاهره وتجلياته، كالموسيقى والمسرح والرواية والسينما الخ ... والفلسفة والسيكولوجيا والعلم والتكنولوجيا جعلتنا نتآلف مع أنظمة زمنية أخرى ذات طبيعة مختلفة غير الطابع التعاقبي الشمسي والتاريخي، وكشفت لنا تلك الوسائل التعبيرية الميزة الأساسية المركبة والمعقدة المتعلقة بمفهوم الزمن. فتعرفنا على الزمن الفيزيولوجي الذي يتحكم بالإيقاع الخاص للأعضاء الداخلية للجسم البشري كالقلب والعضلات الخ.. وتعرفنا على الزمن النفسي أو السيكولوجي الذي ينظم ويتحكم بمشاعرنا وتفكيرنا. واطلعنا على الزمن الرياضياتي الذي يواكب وينظم الظواهر العلمية دون التقيد بضوابط الزمن الأرضي. فبدلاً من الزمن الوحيد غير القابل للانعكاس والارتداد والمتجه بسهمه من الماضي إلى المستقبل، ها نحن نتعامل مع زمن متعدد الأوجه ومتغير، وهو الذي أدى إلى ولادة المفهوم الفلسفي " للمدة" وإلى النظرية العلمية الفيزيائية المعروفة باسم النسبية.

ظهرت السينما قبل أكثر من قرن ووفرت لنا، باعتبارها آلة ميكانيكية، إمكانية قنص وتفكيك وإعادة بناء وتشكيل الحركة الظاهرة للحياة وتحويلها والتلاعب بها من خلال عمليات تكنيكية بصرية وخدع سينمائية كالتسريع والتباطؤ والانعكاس والارتداد إلى الخلف أو العودة إلى الوراء الخ... أي السيطرة تماماً على النظام الزمني الشمسي.  واستطاعت السينما بإمكانيتها، كأداة سردية أو كأداة تعبيرية معبرة، أن تترجم الحركة الداخلية للحياة الفكرية أو نزعة التفكير العقلي، العاطفي أو السيكولوجي، أو تعديله في الإرادة بواسطة كافة أنواع الإجراءات والطرق التعليمية أو الدرامية الجديدة، بتعبير آخر، السيطرة الكلية على النظام الزمني السيكولوجي. وبالتالي، وبفضل العملية التوليفية أو تكنيك المونتاج السينمائي، امتلاك القدرة على أن تخلق السينما بنفسها، في إطار سياق الأحداث المعروضة، إيقاعاً جديداً خاصاً بها، والذي هو العمود الفقري لما نسميه بالزمن السينمائي.  لذلك، تقدم السينما هذه الخصوصية المتمثلة في القدرة على الجمع بين عدة أنظمة زمنية معروفة بالفعل لتعديل هيكلها وإدخال مفهوم أصلي ومستقل للوقت. أي ليس مجرد الاستنساخ المحض والبسيط للواقع الخارجي.

تستنسخ السينما بشكل غير كامل للغاية وبطريقة تقليدية، مظهر العالم المحسوس أو المعاش، أي المساحة المادية أو المكان الفيزيائي، ومع ذلك فهي قادرة على أن تقدم لنا بأمانة شديدة على الشاشة وبمعدل 24 صورة في الثانية الواحدة جريان الزمن المادي الواقعي، وهو الذي نراه في الواقع اليومي وتجعلنا السينما نراه يمر على الشاشة في عرض عادي طبيعي وواقعي حيث تقدم لنا تجليات ومظاهر الحياة وتطور الأشكال وتنقل الأشخاص والأشياء والتعاقب المنطقي للحوادث والمسار الطبيعي للأحداث. ومع ذلك، فإن تحليل واقع عملية استنساخ مظاهر الواقع من خلال أداة التصوير السينمائي لا يخلو من بعض الملاحظات. يتكون الفيلم من سلسلة مستمرة من الصور الثابتة، كل منها يمثل لحظة مقتطعة من الواقع يتم فصل كل صورة عن الصورة السابقة وعن الصورة التالية بفاصل زمني قصير للفضاء والوقت أو الزمن ـــ المكان على شريط السلليلويد والزمن أثناء العرض ـــ، خلال ذلك يتغير الواقع ويكون التغيير بعيد المنال. إنها حقيقة إذ أن السينما تقدم لنا في الفيلم فقط سلسلة من اللقطات الثابتة غير المتحركة. ولكن بعد تجميعها مع بعضها البعض وعرضها على الشاشة بسرعة 24 لقطة في الثانية الواحدة، ستعيد هذه الصور في أعيننا الحركة الظاهرة للحياة.

إن خط الحركة في الفيلم هو الخط الزمني. ومن صفات الفيلم هي وجود الحركة فيه فهو فن الصور المتحركة ومعنى الحركة هو انتقال الشيء في زمن ما من مكان على آخر أو بعيارة أخرى أن الحركة في جوهرها هي الانتقال نفسه من حالة إلى أخرى ويتم تنظيم الحركة في الفيلم وتحديدها بمقدار السرعة والبطء في المجرى العام للأحداث بالتوافق مع الخط العام للتطور الدرامي لموضوع الفيلم لأننا نرى الزمن في السينما ضمن ثلاث مقاربات، مادية ونفسية ودرامية. فالزمن المادي هو الزمن الذي يستغرقه حدث ما عند تصويره وعند عرضه على الشاشة. أما الزمن النفسي فهو انطباع ذاتي يشعر به المتفرج عند مشاهدة الفيلم أما الزمن الدرامي فهو الزمن السينمائي المضغوط الذي تستغرقه الأحداث المصورة عند تحويلها إلى فيلم. في الحقيقة أن السينما تستغل عيب أو نقيصة في نظامنا البصري وحواسنا خاصة حاسة الرؤية أو البصر لأننا لا نستطيع أن نميز بين الصور الساكنة المتتابعة بسرعة معينة وبين الحركة المتواصلة. فالسينما تصور سلسلة من الصور الساكنة وتقوم بعرضها على الشاشة بسرعة 24 كادر في الثانية لتعيد انتاج وهم الحركة في الواقع الذي تم تصويره بواسطة كاميرا سينمائية تصور بإيقاع 24 صورة ساكنة في الثانية، ويتولد انطباع في عصبنا البصري يبقى ثابتاً نشعر به في حين أن هناك فترة ظلام قصيرة حيث يعقبه انطباع جديد يتولد من عرض الصورة الساكنة الثانية قبل أن يتلاشى أو يختفي انطباع الصورة السابقة وهكذا دواليك، وهو الأمر المعروف بالوهم البصري. وبالتالي فإن أهم إنجاز حققته السينما وتفوقت فيه على باقي الفنون البصرية كالتصوير الفوتوغرافي والرسم هو إعادة إنتاج الحركة والتحكم بالزمن من خلال إعادة تقديم الحركة في الزمن المحدد بعد أن تمكنت التقنية من تثبيت الزمن على مادة قابلة للتكيف والمعالجة كالشريط الفيلمي وإخضاعه لمعالجة تقنية بحرية بغية تسجيل المدلولات الزمنية المنشودة والفصل بين الفترات الزمنية ثم إعادة تجميعها في وحات متكاملة.

يتبع

 

د. جواد بشارة ـــ باريس

 

خيرة بورزيقالملاحظ أن هناك خلط بين مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومفهوم المسؤولية المجتمعية، حيث نجد أن جل الباحثين والدارسين لا يهمهم أي من المصطلحين عليهم أن يستعملوا حسب كل ظرف وحالة. وبرأيي أنه علينا أن نضبط جيدا وبشكل جدي المصطلحين لفهم فحوى كل منهما:

المسؤولية الاجتماعية: يقصد بها أن تراعي المؤسسات الجوانب الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية في كافة أعمالها المرتبطة بنشاطها ارتباطا مباشرا وذلك سواء على المستوى الاقتصادي (تجاري وخدماتي) أو البيئي (بيئة وصحة) أو القانوني (تشريع ومدونات)، وحسب الجوانب المرتبطة وإن تعددت، وتتعهد في قوانينها الداخلية ومدوناتها وكذا في تعاملاتها الطوعية بأن تلتزم بذلك مراعاة الرجل الحريص، ولا تكتفي فقط بتطبيق القوانين في حدها الأدنى والبحث عن ثغراته والنصوص غير المواكبة للتطور.

من أمثلة ذلك: رعاية العاملين والمتقاعدين منهم، توظيف المعاقين واستيعابهم، تنظيف مخلفات نشاطاتها الماسة بالبيئة ولو كان ضررها بعيد التحقق أو محتمل، توافق المنتجات مع معايير التقييس توافقا لا لبس فيه، الالتزام بإصلاح الخطأ التزاما طوعيا حتى في غياب نص عقابي أو دليل قاطع.. في حين أن:

المسؤولية المجتمعية: أشمل، حيث تعني أن تأخذ المؤسسات على عاتقها –إلى جانب المفهوم الأول- مراعاة مختلف جوانب الحياة في المجتمع والعمل على إبراز دورها فيه بشكل فعال وإيجابي، وأن تتحد مع مختلف المؤسسات سواء في القطاع العام أو الخاص لترقية المجتمع ورفاهيته، وتتعاون معها لتبادل التجارب الناجحة حول برامج المسؤولية الاجتماعية مع المنافسة المشروعة وتحقيق التكامل، وتساعد الدولة في تحمل أعبائها، المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة وبناء إستراتيجيات هادفة لخدمة الفرد والمجتمع .

ومن أمثلتها: إيجاد آليات مشتركة لتطوير اقتصاد البلد، الاهتمام بالفئات الهشة ومساعدتهم على إيجاد مصدر رزق، تقديم تبرعات وإعانات لبناء مدارس ومستشفيات، مساندة الطلاب على البحث العلمي والتدريب وتقديم التسهيلات، المشاركة في الجوانب الثقافية والسياحية والإعلامية والتربوية..

 ملاحظة: لا يجب فهم هذه التفرقة على أن دور المسؤولية الاجتماعية لا يتجه نحو المجتمع، بل وكما هو موضح في المثال فالمجتمع في المسؤولية الاجتماعية هو أيضا أحد أصحاب المصلحة الخارجيين أو غير المباشرين، غير أن المجتمع في المسؤولية الاجتماعية يجب أن يتحقق رضاه عن وسائل عمل منظمات الأعمال وقبوله لأهدافها، والاعتراف بحقه في مراقبتها. وتتوسع مصلحته أكثر في المسؤولية المجتمعية.

- وعليه؛ نستنتج في الأخير بأن المسؤولية المجتمعية لا يمكن أن تتحقق في غنى عن المسؤولية الاجتماعية، في حين أنه يمكن الاكتفاء بالمسؤولية الاجتماعية كضمان حد أدنى من المسؤولية المجتمعية، حيث أن الأولى هو تبني المسؤولية الاجتماعية كونها أكثر إلزاما.

 

ومع هذا وإن كان من المستحسن التفرقة بين المفهومين إلا أن الجدل لا يقع حول وجود مبادئ مشتركة يمكن جمعها تحت مسمى واحد ومتفق عليه وهو المسؤولية الاجتماعية، وهذا ما نصبو إلى توضيحه في الوقت الراهن كدارسين وناشطين في هذا المجال.

 

تحليل شخصي: أ. بورزيق خيرة

أستاذة جامعية مؤقتة، محامية، وباحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية /الجزائر

24/02/2020