ريكان ابراهيمالانسان كائن اجتماعي يرتبط بغيره من المجتمعات التي تحقق له الطمأنينة في العيش وتحقيق الذات والأمن في الحياة. وبناء على هذا الإنتماء الإجتماعي ينشأ الحب للارض التي يعيش عليها وتجمعه بغيره من هذه الجماعات. معنى مانقوله هنا ان الحب ينشأ أولا للمجتمع الذي يكون الفرد واحداً منه لينشأ بعده حبٌ آخر هو حب الارض التي تسمى لاحقاً بالوطن. ولكي يكون المجتمع راعيا لمصالح ابنائه ومحققاً لوحدتهم المتمثلة فى الثقافة والتفكير والمصير. وعلى هذا القياس يكون الوطن محبوباً إذا كان ثرياً في أرضه غنياً بمائه وهوائه وباعثاً على استمرار العيش فيه بكل طمأنينة. بهذا يلقى القرد حلاوة لانتمائه الى المجتمع وحلاوة لولائه لأرضٍ تصلح له ولمجتمعه. هذا هو مادرجت عليه مفهومات الوطنيه التي تتمثل في مجتمع على ارضٍ في دولةٍ لها قانون. هذا هو ماعرفته شعوب الأرض، لكنَّ الفرد العراقي واحدٌ من القلائل في الشعوب التي لم تجد تطبيقاً لمثل هذه المعادلة. فالمجتمع العراقي لم يوفر لأفراده مناخ الانسجام لهؤلاء الافراد. لقد اصبح الفرد العراقي محاصراً بظلم جماعته له. وحينماوقع الظلم على الفرد من المجتمع حاول هذا الفرد ان يعوض خسارته في العداله الاجتماعيه بتضخيم حبه للارض. ان المفكرين والرواد في الثقافة والمعطائين في الفن والعلم والأدب في العراق كانوا ومازالو من المهملين المنبوذين في مجتمعهم العراقي

لقد وجد الكثيرون منهم فرصة انتشارهم وذيوع صيتهم في مجتمعات غريبه في الوقت الذي لم يعرفهم فيه ابناء مجتمعهم العراقي. لقد حاول بعضهم إيجاد العذر لهذا الأهمال تلطفا منهم في تخفيف الهجوم على المجتمع. وقال بعض منهم انك لكي تبرز في العراق، يجب ان تكون شامخا مُبرزا، ولامعاً نحريراً لكي تتفوق على البارزين الآخربن . وقال شاعرٌ منهم وهو يفسرهذا السلوك

قومي رؤوسٌ كُلُّهمْ

أرأيتَ مزرعة البصل

وفي هذا البيت كثيرٌ من التماس الأعذار لخطأ مجتمعي واضح. لقدظهرت نتائج لهذا الغبن الاجتماعي العراقي لأفراده ومنها:

١- انكفاء المبدعين وانصرافهم عن ساحات العطاء.

٢- هجرة الكثيرين منهم الى مجتمعات وأوطان أخرى تُمثل لهم حالة اعتراف بهم

٣- تعطيل أدوارهم بظهورالامراض النفسيه بينهم وانصرافهم الى حانات العزله ومعاقرة المواد المؤثره عقليا.

٤- تركهم سوح الثقاقه الى مزاولة مهن اخرى بعيده عن الفكر والعطاء الفكري

٥- إعلان انتمائهم الى ثقافات شعوب أخرى تحقيقا لطموحٍ مفقود في مجتمعهم العراقي. .

لقد استطاع الفرد العراقي وهو في محنته هذه ان يدافع عن سمعته ووطنه لكنه لم يستطع أن يدافع عن سمعته مجتمعه خصوصاً حينما لاحظ آلاف الخونة والعملاء والمأجورين ينحرفون عن وطنيتهم خدمة للأجنبي.

ان الفرد العراقي المبدع يولد في العراق مبدعاً (والابداع ولاده) ثم يُهملُ فلا يجد من يرعاه، لكنه يُرعى ويعنى بأمره في بلد آخر، عند ذلك الحد يبدأ المجتمع العراقي بالاعتراف به ابناً من ابنائه فيتمنى عودته ناسياً انه لم يُقدم له شيئا حينما كان يعيش بين ظهرانيه، ولات ساعة مندم. فالمريض العراقي يسافر طلبا للعلاج الى بلد أوربي بناؤء على ما سمعه عن سمعة ذلك البلد. وحينما يجد هناك ان الطبيب الذي يعالجه هوالطبيب الذي طرده مجتمعه واهمله، يشعر حينها انه استرد بضاعته التي فرط بها يوماما. وقِسْ غير هذا على هذا ايها القارى الكريم.

نسأل هنا لماذا يحدث هذا في مجتمع مثل المجتمع العراقي؟. ان وراء هذه الظاهره مجموعة اسباب، لا نخشى حينما نكون صريحين في الاعلان عنها

(١) المجتمع العراقي، في أغلبه ولا نقول كله لكي لا نظلم الآخرين، مجتمع (انوي)، يحب كلمة ال (أنا) ويفضلها على كلمة الـ(نحن)، بمعنى انه لا يحب ذوبان الفرد في روح الجماعه او الفريق.

(٢) المجتمع العراقي محكوم بعقدة الأجنبي. فالطبيب الذي يتحدث عن مرض مريضه الى أهله بلغة اجنبية افضل من الطبيب الذي يتحدث بعلمٍ ولكن بالغه العربية.

(٣) المجتمع العراقي مجتمع سيادة الجهلة على أمره، فإما شيخ عشيره جاهل على عشيرته او عسكري وزير للثقافه او رياضي وزير للتعليم العالي

(٤) المجتمع العراقي مجتمع طائفي ينتمي الى عشيرته لا الى مجتمعه أو الى قوميته لا الى وطنيته او الى طائفته الدينية لا الى دينه الأكبر لا تُصدق أيها القارئ بما تسمعه فإننا هنا نناقش أغوار النفوس لاسطوحها

(٥) المجتمع العراقي في أغلبه مجتمع ذكوري لايؤمن بدور المرأه في القيادة وان تمظهر الكثيرون منهم بعكس ذلك. وكل مجتمع لايعترف بالمرأة كائناً معطاء مخلصا يظلم نصفه وخسارة نصف المجتمع ليست خسارة بسيطه.

***

نكاد نكون الآن قادرين على القول أن الفرد العراقي يُحب بلده (ارضه) ويرفض أو لا يُحب مجتمعه والغريب في الامر ان الفرد لايفتأ يعيد الخطأ نفسه مع زملائه ورفاقه حينما يتولى أمرهم. فقادة الأحزاب وزعماء السياسه رجالٌ حالمون عادلون مرهفون حينما يكونون في اخبية النضال من اجل السلطة لكنهم سرعان ما يتحولون الى بداوة متصحره من الفكر العقيم. ان هذا الازدواج في النظرة الى الوطن والمجتمع الذي يعيش عليه هو الذي ولّد محنة الفرد العراقي.

ان المجتمع العراقي، بحكم تربيته الطويلة على العنف، أصبح مجتمعاً فيه الكثير من (الساديه) و(السايكوباثية)

هذان النمطان من الشخصية يسهلان ظهور العنف والخراب والدمار . ان الفرد المحبط من تصرفات مجتمعه يميل الى تخريب معالم بلده عند اي فرصة تتاح منتقماً من الأخرين الذين تمتعوا بثروة بلاده ولم يشركوه فيها . لقد أحال اليأس الفرد العراقي الى كائن يتغزل بماضي اجداده كحمورابي في القانون والسومريين في العجلة والكتابة، والبابليين في الجنائن المعلقة بعد ان فقد الأمل في حاضر يناظر ما كان عليه ماضيه. لقد صار مألوفاعند العراقيين المنتشرين في رحاب الأرض ان يقدّموا أنفسهم الى من يسألهم بأنهم من أبناء الوطن الذي ظهرت فيه الحضارات ولا يقدمون أنفسهم بأنهم من ابناؤ المجتمع الذي أصبح يؤجّر أبناءهُ للقتل والسحل مقابل أجر محدود من الدراهم

كنا نقولُ:من العراقِ، لسائلٍ:

من أين أنت؟ فينحني إعجابا

واليوم يخجلنا السؤال ووصمةُ

في المرء ان يجد السكوت جوابا

***

هذا هو التلمس الأول لمحنة الفرد العراقي امام مختلفين طبعا واكتساباً ونعني بها العراق (الوطن) و(المجتمع).

 

د. ريكان ابراهيم

 

 

علاء شدهان القرشيللإله حدود واضحة في المدونة الإبراهيمية، إلا أنّها حدود متحرّكة، أجازت نصوص المدونة تأويلها وتكثير فهمها وتفسيرها، وتشكيل معانيها. فتمخض ذلك عن صور مختلفة للإله، تتعدد وفق ثقافات معتنقيها، وتنوّع أذواقهم في الجمال، وطريقة رؤيتهم للعالم، واختياراتهم الشخصية في الحياة. وله صور مختلفة في مدونات لا إبراهيمية، تشاركها في نوع الحدود، وطبيعة المعتنقين.

في فترة لاحقة، تطور تناول هذا المفهوم تطورا كبيرا، لست بصدد أرْخَنَـتِـه، ولكنني أود التنويه إلى فكرة طارئة، حديثة ولامعة، وهي فكرة طَـوْقَــنَـةُ الإلــه، من جهة، وتألـيـه الطـاقــة من جهة أخرى.

فالطاقة مفهوم ما زال يكتنفه الغموض، في حدود إمكانات البشر الحالية، ويتم تعريفها من خلال ظواهرها، بعيدا عن لمس جوهرها، مما أدى إلى تكثير معناها، وضياع حدودها. تماما كما يحصل مع مفهوم الإله، في المدونات الإبراهيمية وغيرها. سمح ذلك لجزء معتد به من المفكرين شرقًا وغربًا، بطـوْقَـنَـةِ ذلك الإله، أي تعريفه بالطاقة، وسمح أيضًا بتألـيـهِ الطاقة، أي تعريفها بالإله، ومطابقة المفهومين، ونسخ التعريفين لبعضهما البعض.

ولكننا سنعتمد على ما ظهر من كليهما: الإله، والطاقة، وسنختبر تطابق المفهومين، من خلال خواص كل منهما، بطريقة المقارنة والتحليل. وسننتهي إلى فكرة، أجدها لا مناص منها، بخصوص الإيمان.

يُـبرِّرُ لي إيجاز الحديث عن الإله، تاريخٌ طويل من وصفه، والتعريف به، فهو خير محض، وكلي القدرة، وصفاته عين ذاته، وبسيط غير مركب. تحتويه صفات الجمال والجلال والكمال، وهو مريد، يجتبي من خلقه من يشاء. وهو يغضب ويرضى، ولا يشغله سمع عن سمع، وهو يعلم ما تخفي الصدور، وخائنة الأعين، وهو: الآمر والناهي، وهو: حكــيــم، وعـلــيــم، أي عالم بتفاصيل حياتنا، وحكيم في فعله، إلى غير ذلك من الخواص والظواهر التي حكتها المدونات الإبراهيمية وغيرها.

بينما يمكن حفظ الطاقة، وقياسها، ونقلها، وتحديد قدرتها، وقمعها بطاقة أكثر قدرة. ويمكن أن تكون الطاقة شرًّا، كما في القنابل النووية، والحرائق، وغيرها. لا تمتلك الطاقة وعيًا، فلا يصح وصفها بصفات الجمال والجلال والكمال، فهنا طاقة ناقصة، وهناك طاقة كامنة. وليست الطاقة حكيمة، ولا مريدة، ولا آمرة ولا نهاية، كما أنها لا تهتم بشؤون البشر الشخصية، ولا تغضب، ولا ترضى، ولا تختار من البشر أحدًا للقيام بمهمات خاصة، كما أنها ليست مقدسة، ولا تطالبنا بمعرفتها، ولا عبادتها. ولم تنزل علينا أجندة يجب تنفيذها، أو شريعة علينا تطبيقها فنفوز بالنعيم المقيم، أو نرفضها فنخلد في الجحيم الأليم.

فضلا عن ذلك يمكننا التدليل على هشاشة فكرة طوقنة الإله عقليًا، بسهولة بالغة، بمجرد التفطّن إلى عدم الربط بين عنصرين:

العنصر الأول: إله وصفته الأديان الأرضية والسماوية.

العنصر الثاني: طاقة وصفتها الفيزياء والفلاسفة.

لنرمز للعنصر الأول بـ "ألف"، ولنرمز للعنصر الثاني بـ "باء"، ولنختبر (القضية) أو(العبارة) التالية: (أ = ب).

بديهي أنها لا تقوم على برهان إمبريقي ولا فلسفي، لأن إثبات وجود "أ" لا يُنتج إثبات "ب". فالقضية/العبارة إثبات "أ"، لا تثبت إلا نفسها. ومعنى ذلك بلا رموز: إثبات وجود إله لا ينتج وجود طاقة مساوية له بصفاته وخواصه. كما يصح ذلك معكوسا: إثبات وجود الطاقة، لا يثبت وجود إله. ولا يرتبط المفهومان منطقيا، ولا ينفي أحدهما الآخر.

وهنا تنويه آخر:

الجوهر، هو موجود بنفسه، ولا يحتاج في وجوده إلى موضوع، بخلاف العرض، فلا يوجد إلا في موضوع. فلا يمكننا أن نرى اللون، ولا أن ندركه بأي حاسة من الحواس، ما لم يكن موضوع يعرض عليه اللون. فلا يوجد لون في الخارج ولا في الذهن، مستقل عن موضوعه.

والطاقة عَرَضٌ، أي موجود في موضوع، فلا توجد طاقة من دون مادة، مهما كانت كثافتها شفافة، ضعيفة، ولا مرئية، فلا توجد طاقة نراها أو ندركها بالحواس، لا في الخارج ولا في الذهن.

والإله جوهر، موجود بذاته، لا يحتاج إلى موضوع. ولا يمكن أن يكون عَرَضا، لأسباب شتى، ذكرها فلاسفة ولاهوتيو الأديان بعامة. تخبرنا كلها أن عدم جوهرية الإله معناها عدم وجود إله، فالعرضية فيه معناها التركيب، وينتهي ذلك إلى افتقاره إلى خالق خلقه وأوجده، بينما يفترض بالإله عدم الإنوجاد في نقطة بدء زمنية، أي يفترض فيه الأزلية صعودًا إلى اللانهاية، والأبدية نزولًا إلى ما لا نهاية.

وهو خالق كل شيء، ومن تلك الأشياء: الطاقة. كما أفادني بهذا بعض الرفاق، ببساطة العجوز العربية، وهي بساطة عميقة، ولا بد لدركها أن "نقفز بعمق" كما قال الشاعر العراقي: عقيل علي.

وبعد هذا وذاك، فالإيمان بوجود إله، بالمواصفات الإبراهيمية، مصير يختاره المرء بنفسه، وهو اختيار يحتاج إلى شجاعة، لأنه قفزة، كما يقول كيركغور، قفزة ومخاطرة في اللا معقول، وليس في المعقول، فأي معنى يبقى للإيمان إذا تم تفصيل الأدلة العقلية لمواؤمته.

 

علاء شدهان القرشي

 

محمد الدعميإن المتكلسات الثقافية تظهر على أنواع وتنشطر إلى أصناف مختلفة، إلا أنها لا بد وأن تتآلف جميعا في إطار واحد، وهو طبيعة دورها الارتجاعي الكابح أو المحيط. ومما يؤسف له، هو أن المتحجرات الثقافية لم تزل تدفع بالثقافة العربية، بل والإسلامية عامة إلى القهقرة وراءً..

استعرت العديد من الاصطلاحات الفنية من حقول العلوم التطبيقية على سبيل تطبيقها على حالات من الواقع الاجتماعي والسياسي عددا من الألفاظ أو الاصطلاحات الفنية بضمن مناقشاتي لموضوعات الثقافة العربية المعاصرة وذلك نظرا لمطابقتها اللافتة للنظر لتلك الموضوعات المهمة. ويبدو أن الجمهور عامة والكتاب خاصة يستحسنون هذا النوع من المزاوجات بدليل ما لوحظ من تكرارها وتوظيفها بذات الطريقة هنا وهناك من قبل البعض من المتابعين في أرجاء العالم العربي، إذ انتشرت تعابير كنت قد ابتكرتها، من نوع «التصحر الثقافي» و»التعرية الثقافية»، على نحو لا يمكن أن يمر على المتابع النابه دون ملاحظة. وفي ذات السياق، يمكن استعارة لفظ من نوع «متكلس» من علوم الكيمياء والجيولوجي Geology على سبيل تعيين ظواهر ثقافية رجوعية، بل ولاجمة للتقدم، بمعنى الكلمة. وهي حال لا بد من الانتفاض عليها في سبيل بلوغ «الرجة الثقافية» التي قد تعيد للعديد من سراة القوم رشدهم.

إن المتكلسات الثقافية تظهر على أنواع وتنشطر إلى أصناف مختلفة، إلا أنها لا بد وأن تتآلف جميعا في إطار واحد، وهو طبيعة دورها الارتجاعي الكابح أو المحيط. ومما يؤسف له، هو أن المتحجرات الثقافية لم تزل تدفع بالثقافة العربية، بل والإسلامية عامة إلى القهقرة وراءً، وكأنها ترنو للتعمية ولسد الطريق أمام تيار التقدم الجارف من خلال دفن منابع الإبداع وقطع الطرق عليه من أجل أن تبقى ثقافتنا العربية الإسلامية حبيسة صيغ متكررة وأطر متكلسة خانقة لا تقبل المرونة ولا تتواءم مع عوامل التغير لأطوال زمنية لم تعد قابلة للتحمل من قبل جمهور الشبيبة والنشء الوثاب إلى الجديد والواعد المشرق في عالم متجدد.

وإذا كانت انتقاداتي المتكررة هذه لما تعكسه له شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الشائع من صورة مجسمة محبطة لتمظهرات الرجوعية والتكلس، فإن في هذا المشهد المحبط المنظور من سوء الفهم الكثير، والمثبط للهمم كذلك.

وتعد هذه من أهم الإشكالات التي تشوب ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة نظرا لسوء فهم هضم وامتصاص مدخلات من نوع «التقدم» و»الفاعلية» الاجتماعية بوصفهما الهبوط والتدني تحت عناوين مستهلكة من نوع «الثورة» و»التمرد على المألوف» ورفض ما أملاه «القدماء» علينا على طريق إبقائنا في زنزانات التاريخ. بيد أن الصحيح هو عدم التوهم بأن التدني وطلاق العربية الفصحى، ثلاثا، هما من الشروط المسبقة للتقدم.

المعيار الصحيح في هذا الجدل المبسط يتجسد في مغادرة المتحجرات والمتكلسات الثقافية أو إحالتها على التقاعد بعد أن بقيت لأزمان طويلة ولأجيال متتالية ليحل محلها الثوري والجديد في قائمة الثقافة الحقيقية. وكما بقيت هذه المتحجرات الثقافية جاثمة ثقيلة على صدور الأجيال وعلى جسد ثقافتنا، ثم على مناهجنا المدرسية، فإن على المرء تجنب بث الحياة بتلك المتحجرات كما هي (كمتحجرات هي الأخرى)، ولكن عليه الاستجابة لقوة الحياة بعد أن تصخرت لزمن طال لعصور.

إن ما أحاول أن أدعو إليه هو التجديد الحق والاستبدال الثقافي المنفتح للحياة كي تكون الطريق سالكة للأجيال الجديدة المتطلعة لثقافة واحدة ورصينة، خصوصا عندما تكون هذه الأجيال، المؤهلة علميا وتربويا وأخلاقيا، مستعدة لذلك كي تبدع فتزرق شيئا من دمائها السيّالة الساخنة في عروق «المومياوات» الثقافية المتكلسة المسجاة في الصناديق الزجاجية على رفوف المتاحف جيلا بعد آخر وإلى ما لا نهاية. ناهيك عن ظاهرة تقنين الثقافة على أنماط تكرار متكلسة هي الأخرى كذلك على طريق إعادة إنتاج نفسها بنفسها على نحو متتالٍ حتى تلفظ أذكى الأذهان وأوقد العقول الذكية أنفاسها الأخيرة، تاركة شبيبتنا ونشئنا في غياهب الفجوة الثقافية التي تفصلنا عن العالم المتقدم: لم لا نتخلص من البيئات الثقافية المساعدة على التكلس، فربما برزت بيننا عبقريات تتجاوز اختبار الزمن نحو أعالي التسامي فوق الزمنية.

 

أ. د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

نايف عبوشلعل من نافلة القول الإشارة إلى أن مبدأ الموضوعية في البحث العلمي المعاصر ،يقتضي كما هو معلوم، إعتماد المنهجيةَ المعيارية المعتمدة في العلم المَعْنيِّ بالبحث قيد الدراسة.

وبالمثل فإن التعامل مع نصوص أحكام الدين، والقرآن الكريم بموجب هذه المعيارية، بحثاً  وتفسيرا وتاويلا، ينبغي أن يتم وَفقًا لمنهجية العلوم الإسلامية المعيارية، المعتمدة في هذا المجال ابتداء .

وهكذا إذن، فإنه كما أن علوم الطب المعاصرة تدرس بمنهجيات لا تصح إلا في بحث العلوم الطبية، وأن علوم الفيزياء لا تدرس إلا من خلال المنهجية المعتمدة في بحثها، وهكذا.. فإنه لا يصح أيضًا من باب أَولى، أن تُجرى دراسة أحكام الدين، والقرآن، والبحث في نصوصهما، إلا من خلال منهجيةِ علوم القرآن، والمعرفة الإسلامية المتراكمة المعتمدة في هذا المجال.

واذا كان الأمر كذلك، وتم التسليم باعتماد هذه المعيارية في البحث، فلا ريب أن توظيف ما يتوصل إليه العلم مع مرور الزمن، من نتائج علمية، في تعزيز معطيات التفسير والتأويل الديني، سيكون أمرا إيجابيا ، ولاسيما إذا ماتم هذا التوظيف، بالشكل الذي نطمئن فيه إلى صحة، وسلامة تطابق النتائج العلمية التي تم التوصل إليها، مع مرادات القرآن على حقيقتها، لا كما يتأولها الجاهلون بمنهجيات العلوم الصرفة، والعلوم الإسلامية،وأنصاف المتعلمين، وما قد ينجم، عند ذاك، عن مثل هذه التأويلية القاصرة، من هرطقة تضاد وهمي، وصراع مصطنع، لا وجود له اصلاً، بين العلم والدين .

واذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الحقائق الدينية الغيبية، باعجازاتها الربانية، متعالية على كل المحسوسات في الكون، وأوسع نطاقا منها على قاعدة ( وما اوتيتم من العلم إلا قليلا )، ليظل الدين بما هو وحي إلهي، بحرا مترامي الأطراف من الحقائق المنظورة، والغيبية،فلا ريب أن العلم يظل قاربا عائما يمخر عباب هذا البحر، ليستكشف، بوسائله، ما يتجلى له من مجاهيل حقائق هذا البحر على مكث، بقدر ما يتاح له ذلك، بمرور الوقت. 

وهكذا تقتضي الموضوعية، الإنتباه إلى ما أثبتَتْه نتائج العلوم الصرفة المُعاصِرة من مُعطَيات تطابقت تماماً مع حقائق القرآن، على طول الخط، مع ضرورة الإشارة إلى أنها لم تتقاطع مع تلك الحقائق القرآنية حتى الآن، تمشيا مع قاعدة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).

ولا جرم أن مثل هذا التوافُق الإيقاعي المتناغم، بين العلم والقرآن باعتباره مصدر أحكام الدين، لم يكن محضَ صُدفة، بل هو يأتي مصداقًا لقول الله -تعالى-: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، في سياق تراتبية جدلية صارمة لا انفصام لها، تجعل العِلم البحت الحق، الخالي مِن الغرض المُسبق، متناغما تماماً مع مرادات الدين،وبما يؤهله أن يكون وسيلةً مُضافة للدين، في الهداية إلى صراط الله العزيز الحميد، لا وسيلةً للتضليل، والتزييف، وطمس للحقيقة، كما دأب على ذلك المغرضون، من أدعياء العلم، وما درجت عليه تأويلات محدودة الأفق العلمي، والفقهي، في المجال الديني، ليبدو لأول وهلة، وكأن هناك، تناقضا، وصراعا، بين الدين والعلم، كما قد يتوهم البعض، في حين أن حقيقة الأمر، هي التناغم والتوافق، وليس التضاد، والصراع.

 

نايف عبوش

 

 

محمد بنيعيشأولا: العالم والإنسان بين التفكير والهذيان والبهتان

العالم الآن أحوج ما يكون إلى الحكماء والصلحاء لصياغة تعريف للإنسان حتى ينضبط التواصل ويصح البيان،ويتحقق معنى الجنس القريب مع الفصل القريب الذي يجعل منه"حيوان ناطق"أو في حالة النسيان قد يتحول إلى "حيوان ناهق".وتلك هي المصيبة الكبرى والطامة العظمى التي تتولد عنها العنصرية والسادية والنرجسية وكل المظاهر الإبليسية ،في أشكالها السلطوية والعسكرية و البوليسية الطاغية، كما يراها العالم في كثير من الدول والمجتمعات، التي لم ترد أن تحترم إنسانية الإنسان ولا المشترك الحسي والمعنوي الذي يجمع بين المجتمعات وألوانها وأطيافها وألسنتها وقيمها وقاماتها...

كلما نذكر قضايا فكرية عند من يسمون في مجتمعنا بالسياسيين والعلماء وكذا من يتقمص مذاهب فقهية وطرق صوفية ،سواء أكانت ذات جودة أم هي مجرد أشكال ومرقعات ،لا بد وأن يجرنا الحديث عن فئة ترى في نفسها أنها الحاملة للواء النهضة الاجتماعية والمنظرة لها، بل المؤهلة لتصدر الريادة في توجيه المجتمع المعاصر فكريا وسياسيا واقتصاديا... الخ. وهذه الفئة هي التي يصطلح عليها بالفلاسفة أو رجال الفكر والنظر، بينما سنختار لهم على سبيل النقد مصطلح المتفلسفة لمبررات موضوعية وليس كتعصب أو تطاول.

فالفلسفة كما نعلم قد تعرف تأرجحا وعدم استقرار في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية، وذلك لتضارب المواقف الرسمية وغيرها حول الجدوى من تعليمها وعدمه حتى أنها قد يلغى تدريسها ثم يعاد النظر في إعادتها، بحيث لا يكاد يستقيم حال المخططين للبرامج التعليمية على مبدأ، وذلك لملاحظة ضعف ووضاعة الثمرة المجتناة من تدريسها وآثارها النفسية والعقدية والسلوكية على الطلبة والتلاميذ، حتى إن الكثير منهم قد عرف انحرافا ملحوظا وثورية فوضوية ضد الدين وقيمه والأخلاق ووظيفتها والأعراف واعتباراتها بسببها...

وإذا كانت مواضيع الفلسفة الرئيسية في الماضي تقسم إلى شعب محددة وكليات شاملة لا تكاد تتجاوز الستة أقسام كما ذكر الغزالي، وهي: رياضية ومنطقية وطبيعية وإلهية وسياسية وخلقية"[1]، فإنها بعدما تقدم التاريخ وتطورت العلوم وتشعبت بدأت تعرف تخصصات، بل تقلصات في مدها حتى قيل إنها أنزلت من السماء إلى الأرض، أي أن اهتمامات الفيلسوف لم تعد تركز على النظر في الإلهيات أو ما يسمى بالميتافيزيقا، وإنما أصبحت الفيزيقا بدالها في الموقع، وبالتالي طغت النزعة المادية على الفلاسفة وخاصة الغربيين ومن بعدهم المستغربين المستلبين، ولكن بشكل معطل وببطالة فكرية لا هي ميتافيزيقية صرفة ولا فيزيقية محضة وإنما تكاد توصف بأنها انزلاقية أو زئبقية...

ونظرا لما انزلقت إليه الفلسفة وما بدا من تهافت أصحابها كما اصطلح عليهم الغزالي فيما قبل فإن ابن خلدون كمفكر مؤرخ سيعقد فصلا خاصا بها، ليس على سبيل الإثبات وتبيين المزايا والخصائص، ولكن على سبيل الرفض والتفنيد يقول فيه: "هذا الفصل وما بعده مهم، لأن هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن، وضررها في الدين كثير، فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها، وذلك أن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه وما وراء الحسي تدرك أدواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والاقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة، جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني محب الحكمة، فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق..."[2].

ثانيا: الفيلسوف العقلاني والصوفي العرفاني في التقاطع البرهاني

ولسنا الآن بصدد تفريع النظر لنقد الفلسفة في حد ذاتها وغايتها، فإن هذا الموضوع يعرف نقاشا حادا وكبيرا بين المفكرين المسلمين سواء من يعرفون بالتوفيقيين أو الرافضين وأهل الوسط والانتقائيين.

لكن المقصد لدينا هو تبيين أوجه العطل الفكري عند الفلاسفة وعلى شرطهم في اعتبار المنهج وتطبيقاته لتحصيل المعرفة السليمة والصحيحة، وذلك على غرار ما فعل الغزالي مثلا في نقده للفلاسفة من خلال تبيان أن المنطق الذي شرطوه في صحة المعرفة لم يلتزموا به ،وبالتالي أدى الحال إلى تهافتهم في الاستنتاجات. بمعنى أنهم انزلقوا وركنوا إلى بطالة فكرية لم يف لهم منهجهم بتفاديها رغم ادعائهم أنهم الرواد في مجال التحقيق والتدقيق. بل قد زعموا أنهم خواص الناس في العلم ويقينه، كما ذهب ابن رشد إلى أبعد من هذا وهو الأعذار والتبرير مع الدعوة الإلزامية لاقتفاء أثر الفلاسفة القدماء، إذ كما يقول: "أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إن كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلا للنظر فيها وهو الذي جمع أمرين: أحدهما ذكاء الفطرة، والثاني، العدالة الشرعية والفضيلة الخلقية، فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق معرفته وذلك غاية الجهل والبعد عن الله تعالى.

وليس يلزم من أنه إن غوى غاو بالنظر فيها وزل زال إما من قبل غلبة شهواته عليه، أو أنه لم يجد معلما يرشده إلى فهم ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فيه أو أكثر من واحد منها أن يمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها، فإن هذا النحو من الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات"[3]

وحول التوافق النظري بين الفيلسوف والصوفي يقول ابن عربي الحاتمي: "ولا يحجبنك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم صلوات الله عليهم إذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف لكون الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها وأنه نقلها منهم أو أنه لا دين له، فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له، فلا تفعل يا أخي، فهذا القول قول من لا تحصيل له، إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا، فعسى تكون تلك المسألة عنده من الحق، ولا سيما إن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها، ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبري من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر، فإن كنا لا نعرف الحقائق ينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة المعينة وأنها حق، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال بها أو الصاحب أو مالكا أو الشافعي أو سفيان الثوري، وأما قولك إن قلت سمعها من فيلسوف أو طالعها في كتبهم فإنك ربما تقع في الكذب والجهل، أما الكذب فقولك سمعها أو طالعها وأنت لم تشاهد ذلك منه، وأما الجهل فكونك لا تفرق بين الحق في المسألة والباطل، وأما قولك أن الفيلسوف لا دين له فلا يدل كونه لا دين له على أن كل ما عنده باطل، وهذا مدرك بأول العقل عند كل عاقل، فقد خرجت باعتراضك على الصوفي في مثل هذه المسألة عن العلم والصدق والدين وانخرطت في سلك أهل الجهل والكذب والبهتان ونقص العقل والدين وفساد النظر والانحراف"[4].

فنحن إذن أمام مواقف مختلفة ومتفاوتة في الفلسفة سواء من الأخذ بها أو رفضها، ولكن مع هذا فإنها متحدة حول قضية واحدة وهي أن لا تخالف الأحكام القطعية في الدين وكذلك المفاهيم المجمع عليها بين علماء الشريعة بالاتفاق، أما إذا كانت قضايا مختلف فيها فالفيلسوف شأنه شأن الفقيه أو المتكلم أو الصوفي في الإدلاء برأيه حول مسألة عقدية حسب فهمه لها وتوصل نظره إليها. إذ الإجماع قد يتصور في الأحكام العملية الظاهرية الأصولية أما النظرية والباطنية المتفرعة فإنها تبقى غير قابلة لهذا الإلزام على وجهه المطلق، بحيث هناك ما يمكن التصريح به للعامة أو الجمهور وهناك ما ينبغي أن يبقى في دائرة أهل الاختصاص ويطرح على موائدهم بتحفظ ومناسبة المقام كما يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه في مسألة الجرابين قوله: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثته وأما الآخر فلو بثته قطع هذا البلعوم"[5].

وإذا كانت أقوال الفلاسفة أو نظرياتهم لا تصل إلى هذا المستوى من الدقة في تقرير الحقيقة الغائبة عن الحس، إلا أنهم بحكم تعقيد كلامهم وسعيهم نحو العمق في البحث النظري عن قضايا الإنسان والوجود بصفة عامة سيكون من الصعب عليهم طرح هذه الأفكار على مسرح المجتمع بكل فئاته، بل إن مصطلحاتهم لا تسعفهم لأن يخاطبوا كل الجمهور في سياق واحد، وهذا ما صبا إلى تقريره ابن طفيل من خلال قصته النظرية حي بن يقظان، وعجز هذا الأخير عن إقناع الجمهور بنظرياته الميتافيزيقية وحتى الفيزيقية ومفاهيمها ،رغم أن أقواله تتوافق مع أحكام الشريعة –حسب رأي ابن طفيل- لدى الجمهور الذين كان يخاطبهم كما هو سياق القصة وأهدافها.

فمن هذا الاعتبار يذهب ابن رشد مدافعا عن الفلاسفة فيما يبدو على أقوالهم من مخالفة للمألوف العرفي في الخطاب والتوضيح الظاهري لأحكام الشريعة، وخاصة فيما يتعلق بالجانب العقدي ،كمسألة الصفات الإلهية وخلق الكون والزمان والمكان... إلخ بحيث نراه يقول: "إن في الشرع أشياء قد أجمع المسلمون على حملها على ظواهرها. وأشياء على تأويلها. وأشياء اختلفوا فيها، فهل يجوز أن يؤدي البرهان إلى تأويل ما أجمعوا على ظاهره أو ظاهر ما أجمعوا على تأويله؟ قلنا: أما لو ثبت الإجماع بطريق يقيني لم يصح، وإن كان الإجماع فيها ظنيا فقد يصح، ولذلك قال أبو محمد وأبو المعالي الجويني وغيرهما من أئمة النظر "إنه لا يقطع بكفر من خرق الإجماع في التأويل في أمثال هذه الأشياء"[6].

فيا معشر الحكماء يا ملح البلد   ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟ يتبع... 

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

[1]  الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 23.

[2]  ابن خلدون: المقدمة، ص 514.

[3]  ابن رشد: فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال. فلسفة ابن رشد، منشورات الآفاق الجديدة بيروت، ص 17-18.

[4]  ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1 ص 32.

[5]  رواه البخاري: كتاب العلم.

[6]  ابن رشد: فصل المقال، ص 21.

 

 

عامر صالحاحتفلت العديد من دول العالم في الأول من حزيران بعيد الطفل العالمي علما أن عيد الطفل العالمي حسب مواثيق وتوقيتات الأمم المتحدة هو العشرين من نوفمبر من كل عام، ولكن مرونة الأمم المتحدة تركت الأمر لظروف البلدان وتقاليدها المعتمدة للأحتفال بيوم الطفل العالمي. وهناك مناسبات ذات صلة بيوم الطفل العالي، وهي: اليوم الدولي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء والمصادف يوم 4 حزيران من كل عام، وكذلك اليوم العالمي لمكافحة عمل الاطفال والمصادف يوم 12 حزيران، ثم اليوم الدولي للطفلة والمصادف في يوم 11 أكتوبر. وقد استحدث اتحاد النساء الديمقراطي العالمي يوم الاول من حزيران للاحتفال بيوم الطفل العالمي منذ عام 1950 وقد اتخذ هذا القرار في مؤتمره الذي انعقد في موسكو في الرابع من نوفمبر في العام 1949 ولا يزال الكثير من دول العالم تحتفل بعيد الطفل العالمي في الاول من حزيران من كل عام، وقد كان زخم الفكر الاشتراكي في انصاف الطفولة وانقاذها من التعسف والاضطهاد قويا آنذاك ولا يزال حتى اليوم تحت وقع فكر العدالة والمساواة والذي ساهم فيه الفكر الماركسي عالميا في التأسيس له كمزاج اجتماعي غير قابل للمساومة.

أقرّت الأمم المتحدة وفقاً لقرار رقم 836 في عام 1954م اليوم العالمي للطفل أو يوم الطفل، حيث يتم الاحتفال به في العشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر سنوياً من أجل دعم وتعزيز الترابط الدولي ونشر الوعي بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، إذ يحمل هذا اليوم أهمية بالغة في تاريخ الطفولة، فهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل، وتبنّت اتفاقية حقوق الطفل التي صادَقَت عليها معظم دول العالم، وذلك في عام 1989م، فمنذ عام 1990م والعالم يحتفل بالذكرى السنوية لتاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان والاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل.

لاقت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989موافقة وتأييد معظم دول العالم، لا سيّما أنّها كانت الوسيلة الأساسية لمنح الإنسان كامل حقوقهِ سواءً الحقوق المدنية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية، إذ تبنت أربعة مبادئ ومتطلبات أساسيّة وتوجيهية في سبيل تحقيق وتطبيق الالتزام بجميع هذه الحقوق، وهي كما يأتي:

المساواة وعدم التميّز: تشمل اتفاقية حقوق الطفل جميع أطفال العالم دون تمييز، ودون النّظر إلى الدين أو العرق، حيث شملتهم على اختلاف ثقافاتهم وأفكارهم وقدراتهم، سواءً كان الطفل ذكراً أم أنثى، أو كان ضمن طبقة الفقراء أم الأغنياء. الحرص على مصلحة الطفل: تتعهّد الاتفاقية على أنّ أيّ قرار أو إجراء قبل اتخاذه يتمّ النظر في أثره على الأطفال ويجب أن يصّب في مصلحة الطفل وفوق جميع المصالح الأخرى. البقاء على قيد الحياة والنّماء: يُعتبر حق الحياة حقاً أساسياً ومُتجذراً لجميع الأطفال، وتقع مسؤولية الحفاظ عليه على عاتق أصحاب القرار في جميع الدول، بالإضافة إلى ضمان نموّهم وتطوّرهم جسدياً وعقلياً بشكلٍ طبيعي. المشاركة وحرية التعبير: لجميع أطفال العالم الحق في حرية التعبير عن آرائهم واتخاذ القرارات المناسبة بشأن حياتهم الخاصة دون إجبار، والالتزام بحماية جميع حقوق الطفل من السّلب وتوفيرها لهمّ قدر المُستطاع.

وقد أستندت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على مجموعة من المعايير لتضمن للأطفال حقوقهم، إذ تم وضع 12 حقاً أساسياً لجميع الأطفال، وهي كما يأتي:

ـ العيش في بيئة عائلية وجو أُسري مُستقر يُشعر الطفل بالراحة والآمان والمحبة، والطمأنينة، والانتماء، وتوفير الظروف الملائمة لعيش حياة كريمة سواءً مع أهله أو ضمن بيئة عائلية تُشعره بذلك.

ـ توفير الرعاية الصحية والتغذوية المنتظمة في جميع الأوقات، وغرس مجموعة من العادات الصحية والسليمة والجيدة فيهم، وتزويدهم بأطعمة صحية ذات قيمة غذائية مفيدة.

ـ توفير جميع المُستلزمات الأساسية من مأكل ومشرب ومبيت، والحرص على وجود مصدر ثابت للحصول على مياه نظيفة، وتأمين الطاقة الكهربائية في بيئة آمنة.

ـ تلقّي الأطفال التعليم الذي يتوافق مع قدراتهم واهتماماتهم، إذ إنّه من المُفترض احتواء البرامج التعليمية على برامج إثرائية لتأهيلهم للتعليم العالي أو توجيههم نحو التعليم المهني.

ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال، فلكل طفل الحق في الحصول على الفرصة المناسبة دون النظر إلى جنسه، أو عرقه، أو أصله، أو أوضاعه المادية، أو دينه، أو عقيدته، أو حالته الجسدية أو الجسمانية، سواءً كان الطفل سليم الجسد أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ـ تقديم الرعاية المناسبة للطفل ودعمه، وذلك على يدّ شخص بالغ مُتدِّرب يهتم بالطفل ويرعاه، ويمتلك القدرة على قيادة الطفل نحو النجاح.

ـ اشراك الطفل في عملية اتخاذ القرارات لجميع الأمور المؤثرة عليهم، وإعطاؤه الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره.

ـ غرس المواطنة الصالحة والنشطة، والمسؤولية، والانتماء تجاه مجتمعه أو وطنه، وتعليمه الطُرق المناسبة لخدمة مجتمعه الذي سيعيش فيه مستقبلاً.

ـ تقديم الحماية الفعالة من التأثيرات السلبية عليه، وسوء المعاملة، والإهمال، والإيذاء الجسدي والنفسي، وجميع أشكال الاستغلال.

ـ العيش حياة هانئة وكريمة ضمن ظروف كافية لتعزيز شعوره بالكرامة والحرية، ومعاملته باحترام وتقدير.

تعزيز شعور الطفل بالروحانية وتنمية أخلاقه، وذلك عن طريق التطور الروحي والانتماء الديني. ـ

العراق أحد البلدان ذات التنوع العرقي والاثني والديني، وهو من ضمن دول العالم التي تعهدت لأطفالها بضمان طفولة أفضل وفقا لتوصيات أتفاقية حقوق الطفل الدولية، تعرضت فيه الطفولة العراقية الى انهيارات كبرى جراء الحروب المتواصلة وهيمنة قيم الدكتاتورية والتسلط، ثم أعقبها حروب داخلية بنكهة طائفية مقيتة، وتغيرات في البنى الثقافية والاجتماعية، واشاعة ثقافة فئوية انكفائية مغلقة، وتدهور في العملية التربوية والنفسية للطفولة العراقية، وإشاعة موقف متهاون من ضرورة التعليم والرعاية للطفولة العراقية. وهنا لا بد من تسجيل بعض ما لحق بالطفولة العراقية من أضرار بليغة، تستدعي منا وقفة انسانية لمعالجة مخاطرها، وهي:

1 ـ التسرب والرسوب المتواصل للاطفال الدارسين في التعليم الابتدائي والمتوسط جراء الضغط المتواصل لظروف العيش وعدم مقدرة الأسرة العراقية للأيفاء بمتطلبات الدراسة وظروف العيش.

2 ـ انخراط اعداد هائلة من الاطفال في سوق العمل الرثة لمساعدة ذويهم وأسرهم في ظروف ضنك العيش، مما حرم الاطفال من فرص النمو الطبيعي، العقلي منه والتربوي.

3 ـ ظاهرة التسكع في الشوارع بين الاطفال كأفراد وكمجاميع شللية مما يعرضهم الى مختلف مشاريع الاستمالة، من جريمة منظمة وانحرافات خلقية وسلوكية، وحتى زجهم في مشاريع انتحارية كالارهاب وغيره.

4 ـ ظاهرة الاطفال اليتامى والذين فقدو والديهم في الحروب المختلفة، أو جراء العمليات الانتحارية كضحايا لها، وعدم تمكن مؤسسات الدولة التربوية والرعائية لأحتضانهم وتوفير الأمن والآمان لهم، مما يجعل طفولتهم في مهب الريح.

5 ـ زج الاطفال وعبر العملية التربوية بثقافة الانحياز الطائفي والتعصب الاثني من خلال تعبئة عقول الاطفال بثقافة التمترس والانغلاق الذهني والفكري في اطار ثقافة احادية الجانب وغير منفتحة على الآخر.

6 ـ النزوح المتعاظم للأطفال مع أسرهم بسبب الحروب الداخلية، أو حروب تحرير الاراضي العراقية من داعش، أو حروب التصفيات العرقية والاثنية، مما يجعل مستقبل الاطفال مجهولا.

7 ـ انتشار الاوبئة والامراض وسط مجاميع الاطفال وتجمعاتهم الشللية مما ينذر بانتشار محتلف الامراض المعدية وغير المعدية، وفي ظروف انعدام الفحوص الدورية الطبية للتأكد من سلامة الاطفال.

8 ـ أنعدام وسائل الترفيه والتسلية والانشطة الثقافية لأمتصاص الوقت الزائد لدى الاطفال وتوظيفه وجهة مفيدة لنموهم العقلي والجسدي والفكري.

9ـ عدم الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العمر المقرر بسبب من صعوبات مادية للأيفاء بمتطلبات النقل او عدم المقدرة في تحمل المستلزمات الدراسية من قبل الوالدين، الى جانب انخفاض الوعي لديهم بضرورة ارسال ابنائهم الى الدراسة، مما يسهم في رفد جيوش الأميين من السكان بالمزيد من الأفراد.

10 ـ تعرض الاطفال للعقاب الجسدي من قبل البيت أو المدرسة أو العنف في خارج المنزل يشكل تهديدا خطيرا للطفولة العراقية، لما يتركه من آثار وخيمة في بناء شخصية ضعيفة تستجيب بشكل خضوعي وسلبي لضغوطات الحياة المختلفة.

وفي ظل جائحة كورونا فأن الاطفال العراقيين يتعرضون الى تهديدات متزايده تستهدف سلامتهم وعافيتهم، بما في ذلك إساءة المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال والإقصاء الاجتماعي والانفصال عن مقدمي الرعاية بسبب الإجراءات المتخذة لاحتواء انتشار جائحة كوفيد – 19 وقد تعرض الكثير من الاطفال الى شتى صنوف الاهانات والتعذيب وصلت الى درجة القتل والتصفيات بأشد الاساليب كراهية للخلق الانساني، وقد ساهم في ذلك الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وعدم التمكن الأسري من خلق ظروف استقرار او الخلل في ستيعاب كورونا وتداعياتها السايكو اجتماعية.

وقد يساعد تواجد أفراد الأسرة على مساحة مغلقة وضيقة ولفترات طويلة في توتر العلاقات العائلية، كما أن التقارب المكاني الحالي بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تماس مباشر بينهم، وهو ما قد يؤدي إلى ضغط نفسي، ربما سيتحول إلى عنف جسدي ضد المرأة والطفل. كما أن مستوى التوتر والقلق يرتفع داخل المنزل في حالات الطوارئ المختلفة كما في كورونا، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة إمكانية تعرض الأطفال في العائلة للاعتداءات والعنف كونهم أكثر الفئات المستضعفة في المجتمع.، وبالتالي فأن الاطفال العراقيين معرضين لمختلف صنوف التضييق والأذلال وسيزداد تعنيفهم اكثر مما سبق بأضعاف.

ومن هنا وبمناسبة یوم الطفل العالمي نؤكد على ضرورة اتخاذ إلاجراءات العاجلة لأطفال العراق الأكثر حرمانا من حقوقھم الأساسیة ، كما ندعو جمیع الجھات المعنیة في الحكومة والمجتمع المدني والمجتمع الدولي لحمایة الأطفال من الاستغلال احتراما لكرامتھم، ومنحھم الفرص المتساویة لیصبحوا شابات وشباب أصحاء ومنتجین في عراق الغد، ومعالجة كل الانتھاكات لحقوق الطفل في العراق من نقص فرص الحصول على الخدمات الصحیة والتعلیم الجید والحد من التسرب، والعنف ضد الأطفال في المدارس وبین الأسر والتمییز والأثر النفسي من العنف نتیجة الحروب والإرھاب المستمر والاحتجاز في سجون الأحداث وعدم أیلاء الاھتمام الكافي بالأطفال ذوي الاحتیاجات الخاصة والمشردین والذین لیسوا في بیئتھم الأسریة، وبذل كل الوسائل للحد من تأثير كورونا على سوء معاملة الاطفال.

أن الاعلان العالمي لحقوق الطفل يشكل حافزا قويا للدفاع عن الطفولة العراقية ومحاولة للنهوض بمستلزمات الطفل العراقي في الحرية والتربية والعيش الكريم بعيدا عن الحروب والتعصب الديني والمذهبي والاثني الذي يمزق شخصية الاطفال، وتأمين فرص العيش الذي يليق بالطفولة الانسانية، ولعله يكون حافزا للمزيدا من فهم الطفولة واهيمتها لبناء رجال ونساء المستقبل.

 

د.عامر صالح

 

 

حيدر حسن الاسديفي بداية ازمة كورونا اغلبنا انتقد عدم الالتزام بإجراءات الحظر المنزلي الشامل، شخصياً كتبتُ مقالاً علمياً تم نشره في مؤسسة مؤمنون بلا حدود، تطرقتُ فيه الى مدى تلقي قسم من المتفاعلين لنمط من التدين في المجتمع مع إجراءات واوامر خلية ازمة جائحة كورونا، ركزت فيه على (التدين الشعبي)، واكدتُ على ضرورة الالتزام بتوجيهات خلية الازمة في وزارة الصحة، وكذلك توجيهات المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وبقية المراكز الدينية، والتي تساند وتؤيد اجراءات  اهل الاختصاص في قطاع الصحة، حتى ان  تلك الجهات الدينية دعت وامرت الى تعليق إقامة صلاة الجمعة والجماعة في المساجد، كإجراءٍ احترازيّ، واعتقد ان تلك التوجيهات اسهمت وبشكل كبير في مراعاة - ولو بنسبة معينة- اجراءات الحظر.

في هذه الأيام - وبعد تزايد الاصابات بشكل كبير-  نرى خرقاً واضحاً للحظر الذي دعت له خلية الأزمة، من قبل فعاليات اجتماعية ومدنية وسياسية وغيرها.

 وهنا بودي ان اسأل هل ان النقد يوجه فقط للناس المتدينين البسطاء، الذين تحركهم اعتقاداتهم وطقوسهم ام انه يشمل غيرهم؟

إن بحثنا عن عذر لكل طرف من الاطراف التي تخالف تعليمات خلية الازمة وخرق اجراءات الحظر ربما نجد عذرَ المتدين البسيط - وفق فهمه للدين وللعقائد - أقرب للقبول من غيره الذي يدعي العلم والمعرفة والعقلانية وحتى المدنية والتحضر؛ كونه يرى _ حسب فهمه _ ان أداء هذه الممارسة الطقسية إلزامية حتى لو كلفته حياته!

فايروس كورونا لا يميز بين فئة واخرى ينتشر بسرعة ويصل لمن هو أقرب له، ولذلك شاهدنا اصابات لعدد من الاطباء والكوادر الصحية الذين فرضت عليهم المسؤولية الوطنية والمهنية والاخلاقية ان يكونوا على صلة مباشرة بالمصابين ليقدموا صورةً بطوليةً قبل تقديمهم العلاج والخدمات الطبية الاخرى.

 للاسف في العراق اعداد المصابين بفايروس كورنا في تزايد، وما لم يتم الالتزام بالطرق الوقائية الصحية والتي منها:

1- لبس الكمامات.

2- مراعاة كل جوانب النظافة ولا سيما تنظيف اليدين وتعقيمهما بالمواد المخصصة لذلك.

3- الابتعاد عن التجمعات، في: الاسواق، مناسبات، فعاليات.

4- مراجعة المراكز الصحية عند الشك بوجود اعراض الاصابة بالفايروس.

هذه الامور وغيرها ما لم نلتزم بها بشكل حقيقي وفاعل فاننا معرضون للخطر الذي بدأت ملامحه تتضح.

لتكن اعراسكم ومجالس الفاتحة وغيرها مقتصرة على عدد افراد الاسرة ما امكنكم ذلك، كذلك الامر ينطبق على حركة الاحتجاج التي شهدناها في اليومين الأخيرين في بعض المدن فهي مع ما تحمل من مطالب مشروعة لكن الأولى والأقرب للعقل مراعاة وتنفيذ كل ما يصدر من خلية ازمة كورونا، الا إذا كان الفايروس يؤثر في تجمعات بعينها ولا يؤثر في تجمعات اخرى.

ومع دعوتنا للالتزام بأوامر خلية الازمة ندعو الحكومة الى ايجاد حلول واقعية تراعي الحالة الاقتصادية والمعيشية للمواطنين الذين تضرروا من اجراءات الحظر خصوصاً اصحاب الدخل المحدود.

كما نرجو من الجميع كل من موقعه الى اشاعة روح التعاون مع اجراءات الوقاية الصحية التي تحد من انتشار وباء كورونا، وتجنب الخروج من البيت ومحل الإقامة الا للضرورة القصوى، ففايروس كورونا لا يحابي احداً الا من التزم بالأمور الوقائية المتعددة.

 

الدكتور حيدر حسن الأسدي

 

 

عبد الله الفيفيأما وقد "انتهى التاريخ ووُلِدَ الإنسان الأخير"، حسب هرطقات (يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما Yoshihiro Francis Fukuyama)، ولم تبقَ منه إلَّا المعركة الفاصلة في "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، كما فاضت به عبقريَّة (صموئيل هانتِنقتن Samuel Phillips Huntington، -2008)، وهي "أُمُّ المعارك" الماحقة بين الغرب والشرق- إن باسم الصليبيَّة المعاصرة، التي بشَّر به (جورج دبليو بوش)، أو باسم العِلمانيَّة والحُرِّيَّة الفرنساويَّة، مثلًا، التي لم تَعُد تتَّسع بما رحُبت حتى لنِقاب سيِّدة أفريقيَّة- فقد بات من المعلوم من التاريخ، المنتهي الصلاحيَّة، بالضرورة أنَّ دُوَلًا، وسياسات، وثقافات، ظلَّت تعيش، وتهيش، على شبح عدوٍّ مفترَض، فإنْ لم تجده في الواقع صنَّعته بأصابع عناكبها الاستخباراتيَّة!

- قال صديقي اللَّدود (سيف بن ذي قار):

تَعَلَّمْ بِأَنَّ الحَيَّ بَكرَ بِنَ وائِلٍ          هُمُ العِزُّ، لا يَكذِبْكَ عَن ذاكَ كاذِبُ!

لا سبب وراء بعض أزمات الدُّوَل الأوربيَّة، تحديدًا، لولا تاريخ تلك البلدان العريق في التعصُّب، إلى درجة العنصريَّة، مع التخلُّف القِيمي، الأصيل في مستنقعاتها الإديولوجيَّة.

- أمَّا أنت، ما شاء الله، أيُّها الإنسانيُّ، المستنير، الحنَّان! 

- دعك منِّي، "فالظُّلم من شِيَم النفوس"، كما قال عمُّك (ابن الحُسين).  لكن لا تنس: الآريَّة، والشوفينيَّة، والفاشيَّة، والنازيَّة، وانبعاثاتها في السنين الأخيرة.  ومَن ذا ينسَى هنا أنَّ (أوربا) في جذورها تنحدَّر عن قبليَّات متوحِّشة أشد التوحُّش، ولا ينبئك مثل (السفير أحمد بن فضلان، -بعد 310هـ= 922م)، في رحلاته العبَّاسيَّة القديمة.  فأبدعتْ حديثًا أبشعَ ألوان الفكر العنصري، والقمع العدواني، والاستبداد الاستعماري، التي عرفتها البشريَّة في تاريخها كلِّه، وصنعتْ أفتكَ أدوات القتل والتنكيل، بالإنسان والحيوان، وسمَّمتْ الطبيعة، وعولمتْ الأوبئة، ونشرتْ نفاياتها المميتة في الكون أجمع!  فغير مستغربٍ، والحالة تلك، أن تَجِدَ لديها التحجُّر باسم التحرُّر، واحتقار الإنسان، والثقافات، والأديان، باسم حماية المجتمع العلماني.  وهنا لا يصبح للعلمانيَّة إلَّا وجهٌ واحدٌ، "أقشَر"، معناه: مكافحة المعتقدات المختلفة، ورفض التنوُّع الثقافي، والتعدُّد القِيمي، وفرض نمطٍ واحد، وزيٍّ واحد، ونسخةٍ واحدةٍ من الأعراف الاجتماعيَّة.

- وبعد؟  ماذا تريد أن تقول؟

- إنَّه دِينٌ أُصوليٌّ جديد، يتَّبع الآليَّات الفكريَّة والسياسيَّة والقانونيَّة، التي طالما انتقدها الغرب في المجتمعات الشرقيَّة، وينتقدها.  فيما العقلانيَّة والعلمانيَّة- لو كانا على معنييهما الأصيلين- هما مع حُرِّيَّة الإنسان، ومع الحُكم على عمله لا على لباسه وشكله.  وهذا التناقض هو ما يُدرِكه عقلاء الغرب، وذوو الوعي الحضاري، والنزوع الإنسانيِّ فيه، غير أنَّ السُّلطة الإديولوجيَّة المهيمنة هي أقوى من أصواتهم.

- أوَّلًا، عمُّك (ابن الحُسين المتنبِّي) إنَّما جاء يُرَدِّد القول الجاهلي (للنجاشي الحارثي) الإسلامي:

قَبِيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ              ولا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

فالظُّلم من شِيَم النفوس الحيوانيَّة المفترسة، وليس من شِيَم النفوس الإنسانيَّة السَّويَّة.  بل إنَّه ليس من شِيَم النفوس الحيوانيَّة المفترسة، لكنه قد يبدو كذلك، لضرورات حياة تلك الحيوانات الطبيعيَّة، ولو استغنت، ما افترست.  بل الصحيح أنَّ الرحمة والعدل من شِيَم النفوس أصلًا!

- مثاليَّةٌ طوباويَّة!  أضف إلى جعبتك البريئة أنَّ المحاولات لإلهاء المجتمعات ببُعبع الأعداء هو ديدنٌ قديم، لصرف الأنظار عن إشكالات سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة طاحنة؛ بافتعال ألعاب ناريَّة، وخوض الجدليَّات الطويلة، في مجالس النُّوَّاب، والإعلام.  وربما تمخَّض الجبل عن سَنِّ قوانين مبتكرة، كمنع تغطية الوجوه، مثلًا، التي أصبحت قضيَّة القضايا هناك.

- كلُّ حسنات الغرب صارت لديك سيئات لهذا السبب؟!

- لا، لكن هذا نموذج من نماذج الاختبار التي يسقطون فيها كلَّ عام.

- كيف يسقطون فيها؟

- سَجِّل عندك، على سبيل النموذج! يسعى الاتِّحاد الأوربي منذ حينٍ إلى تقليص حُرِّيَّات دُوَله في الاستقلال بقراراتها الاجتماعيَّة، كي ينحدر الجميع إلى الدرك الأسفل من التشدُّد وضيق الأفق، وكي تنتقل العدوَى، طوعًا أو كرهًا، إلى بعض الشرق المستهدَف بمثل تلك القوانين.. والشرق لا ينقصه استيراد التخلُّف، أو التدخل في حُرِّيَّات الناس، واتباع السيِّد الأبيض، حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخل وكرَ سنجابٍ لدخله!

- دع الخلق للخالق!

- ألم يقل الخالق: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة"؟

- وكلٌّ يدعي تلك الخلافة، حتى (أبو بكر البغدادي)!

- سيادة أيِّ بلدٍ ليست مطلَقة للتحكُّم في حياة الناس، بل ينبغي أن تقف سيادة أيِّ بلدٍ لدَى سيادة أيِّ فرد، ما دامت سيادة الفرد الشخصيَّة لا تسبِّب ضررًا للآخَرين.  ولا علاقة للأمر بمواضعات رسميَّة، فالشارع للجميع، وهو يَعُجُّ بالأشكال والأزياء، لولا الحِقد على الفكرة والثقافة التي تعبِّر عن هويَّةٍ مختلفة. بَيْدَ أنَّ بعض الاختلاف يُشعِل جنون البقر في الرؤوس، لما يوقظه من هستيريا الكراهية لثقافة الآخَر، ولا سيما حينما يكون الآخَر عدوًّا تاريخيًّا.

- والزُّبدة؟

- ذلك هو تشخيص الأزمة النفسيَّة الشُّعوبيَّة الجديدة، ببساطة، مهما تحذلق المتحذلقون! وهم يصرِّحون بذلك، على الرغم من لتِّهم وعجنهم الطويل، وبربرتهم لتبرير بربريَّتهم، حينما يعبِّرون، مثلًا، عن أنَّ الإشكال ليس في الزِّيِّ، من حيث هو، ولكن في الفِكر الذي وراءه.  فإذن، القضيَّة ليست أَمنيَّة، كما يَلِذُّ الاحتجاج لمن لا يجد احتجاجًا، لكنَّها قضيَّة فكرٍ آخَر وإديولوجيا مضادَّة.  وما أشبه الليلة بما قبل البارحة! 

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

 

محمد كريم ابراهيمليس الهدف من هذا البحث استعطاف النساء أو تحريضهن على الرجال أو تقويض دولة الرجال ولكنه مقاربة منطقية لما جرى ويجري في الكون منذ آلاف السنين وحتى الآن فالذكورة تختلف عن الفحولة رغم أنها إحدى مظاهرها ولكنها قد تنحرف أحيانا عن مسارها فتتحول إلى معتقد سام مميت وتظهر في سلوك الذكر في الدائرتين الصغيرة والكبيرة والذكورة غير الرجولة وتتناقض معها في مواضع كثيرة . والذكورة  هي الصورة النموذجية  لما يعنيه أن تكون رجلا أنانيا طموحا وضارا وتظهر جليا في معاقبتها لأي سلوك لا يتوافق مع معاييرها تماما كما يفعل "ذكر الوز" مع أقرانه . فمتى تكون الذكورة سامة لمن حولها وما الخصائص التي تميز الذكورة السامة؟ سنتعرض في هذا البحث بشيء من التفصيل للمفاهيم والقيم التي تنمي الذكورة السامة في المجتمع:

الرواقية:

يتم تلقين صنف الرجال باستمرار ومنذ الطفولة برسالة مفادها أنهم مستقلين وصلبين ويعتمدون على أنفسهم جسديا وروحيا ولا يمكن أن يذرفون الدموع ويعلمونهم الصلادة والقساوة والتحمل وشظف العيش . يقال للرجال بأن هذه القيم والمفاهيم هي التي تصنع منهم رجالا ناجحين في دنيا المال والأعمال وأن هذه القيم هي التي تمكنهم من ايجاد الشريك المناسب ومواجهة المخاطر المختلفة في الحياة  وكل من يخالف هذه القيم يتعرض للنقد والسخرية والتوبيخ .

التعددية:

يتم الثناء على الرجال الذين يمتلكون علاقات متعددة مع الاناث  ويتم تطبيق معيار مزدوج يميز بين الرجال والنساء فالرجل الذي يعدد علاقاته يعتبر في الكثير من المجتمعات نجما محبوبا أما المرأة فيطلق عليها " الفاسقة " في حال تعددت علاقاتها.

الاختلاف الجنسي

يتم برمجة الرجال منذ الطفولة على أنهم من جنس أعلى أفضل من النساء وأعلى شأنا ويتم تفضيلهم على  النساء  في التعامل والحماية والحقوق والميراث والواجبات  بحيث يصبح مفهوم الشذوذ الجن سي الجندري واضحا لديهم . وتلعب الحكايات الشعبية دورا بارزا في تكريس الذكورة السامة من خلال أبطال الحكايات الشعبية والأساطير فتتحول الأنثى تدريجيا وبشكل صامت إلى مخلوق من الدرجة الثانية . ثم يبدأ الفصل بين الذكور والإناث داخل البيت الواحد نظرا لخوف الأهل على الأنثى " سهلة العطب" ومحاولتهم حمايتها من رعونة " الذكورة" .

العنف:

تشير الاحصائيات العالمية إلى أن الرجال يرتكبون الجرائم والعنف أكثر من النساء. وهناك أسباب عديدة لذلك  منها التحريض في مرحلة الطفولة المبكرة وعدم كبح جموح الأطفال في سنواتهم الأولى  والاعجاب بالرعونة الواضحة للأطفال الذكور في الأسرة فيتحول الرجال تاريخيا للعدوان والعنف لإثبات ذكوريتهم الفائضة  وتعزيز ثقتهم بهويتهم الذكورية في ظل تغاضي الأهل ورضاهم عما يجري متناسين العواقب المستقبلية لهذا السلوك .

الهيمنة:

يتم تربية الأطفال الذكور على السلطة والهيمنة  لدرجة أنها تسبب الأذى للأخرين وتنمي لديهم مفاهيم التنمر الجسدي واللفظي وقد وجدت الدراسات أن ربع الرجال يعتقدون أنه يجب أن تكون لهم الكلمة الفصل في العلاقات كما يعتقد ثلث الرجال أن لديهم الحق في معرفة مكان تواجد شريكهم في جميع الأوقات وفتح هاتفه والاطلاع على رسائله ومكالماته الهاتفية .

العدوان الجنسي على المرأة:

تتعرض المرأة لذئبية الرجل بأشكال متعددة لفظا وسلوكا وايحاء في المنزل والوظيفة . ومن المرجح أن يقوم الرجال الذين يتوافقون مع معايير الذكورة السامة بإبداء التعليقات الجنسية أو النكات الجنسية للنساء كما يمارسون التحرش الجنسي ويتقبلون حكايات الاغتصاب لفظا وسلوكا ويتصرفون كما لو كان يحق لهم الحصول على جسد المرأة  ببساطة . للأسف تشجع القيم الدينية والقانونية الرجال على ممارسة هذه الحقوق ويبيحون مفهوم الجواري والسبايا عبر التاريخ .

الخشونة وعدم اظهار العواطف:

يتم تدريب الرجال على التعامل مع العواطف والانفعالات على أنها سمة أنثوية  وينظر المجتمع إلى خشونة الرجال وقساوتهم على أنها رجولة حقيقية ويخجل الرجال من دموعهم واظهار عواطفهم أمام الناس .

عدم مناصرة النساء:

ليس من المستغرب أن يرفض الذكور بإفراط الرجال الذين يناصرون النساء في قضاياهن . تظهر الدراسات الدولية أن الرجال الذين ينخرطون في نشاطات أنثوية أو قضايا نسائية جندرية أو حقوق نسائية أو قضايا مساواة حقوقية أو قانونية هم أهداف مشروعة للمضايقات من قبل الرجال الذين يتصفون بالذكورة السامة  ويعتبرون أن الأنثوية غير متوافقة وتتناقض مع الذكورة السامة .

المخاطرة:

يحق للرجال ركوب المخاطر أما النساء فيجب البقاء في البيت أو الانتظار تحت شجرة أمام البيت . يندرج ذلك في اطار هيمنة الذكور على الاناث في المجتمعات  فالذكورة السامة تشجع على المخاطرة لإثبات الهيمنة ولهذا السبب نجد أن الرجال  الذين يركبون الخطر أكثر تطرفا في الحياة والدين والسلوك وأكثر ميلا لارتكاب العنف أو القيادة المتهورة أو تعاطي القمار والمخدرات والموبقات المختلفة .

الامتناع عن الأعمال المنزلية وتقديم الرعاية:

تميل الذكورة السامة إلى البعد عن المساعدة في أعمال المنزل المختلفة والاصلاحات وتربية الأطفال لأنها تعتبر هذه الأعمال أنثوية. فالأعمال الأنثوية في تنظرهم تشمل اعمال المطبخ والتنظيف والاصلاحات والترتيب وتحضير الوجبات والأعمال المنزلية المختلفة . ويقوم أصحاب الذكورة السامة بانتقاد الرجال الذين يقدمون يد المساعدة لزوجاتهم في البيت ويعتبرون سلوكهم اعتداء صارخ على الذكورة السامة بمفاهيمها المتعدد الأوجه والأساليب.

الذكورة السامة والأنوثة:

توضح السلوكيات السابقة بجلاء أن الذكورة السامة ترفض الأنوثة بأي شكل من الأشكال ولا تعترف بوجودها وعندما يحاول الرجل أن يحطم معايير المجتمع الذكورية السامة ناحية الجنس  والجندر ويدعم الأنوثة ، يعد ذلك وصمة عار من أقرب المقربين منه وتصدر الإدانة لهذا السلوك من النساء أنفسهن . ويبثون مفاهيم مثل " الرجال الحقيقيون لا يتصرفون مع النساء بهذه الطريقة ." ويلحقون الرجال بزوجاتهم ويمحون شخصياتهم ويعتبرونهم منقادين للمرأة لا محترمين لها ويخجلون منهم ويعتبرون سلوكهم مهينا ومشينا  لعدم التزامهم بالقيم الذكورية الصرفة . وهذا المفهوم يرسل اعتقادا أساسيا راسخا بأن الذكور السامة تنظر للأنوثة على أنها اقل من الذكور مرتبة وشأنا .

لماذا يعتبر الرجل الصفات الأنثوية معيبة بالرجل؟

عندما يظهر الرجل اهتماما بمساعدة شريكته في أعمال المنزل ورعاية الأطفال يعد داعما للحركة النسائية  ويوصف بأن سلوكه غير لائق بالرجال ويعتبر غريب الأطوار وتحفظه الذاكرة الشعبية عن ظهر قلب ويتحول إلى حكاية والحكايات لا تموت . وعندما يقدم رجل فنجان قهوة لزوجته في العمل أو البيت يعتبر أصحاب الذكورة السامة هذا السلوك مشينا وسابقة خطيرة وعار يجب التخلص منه ويعد هذا السلوك غير مألوف في كثير من المجتمعات الإنسانية وهو في نظرهم علامة نقص في الرجولة وسيطرة للمرأة على الرجل وخلل في قواعد الحياة .

الصفات الذكورة المرغوبة والصفات الأنثوية غير المرغوبة:

عندما يقرر صبي صغير أن يرتدي لباسا زهريا جميلا ويظهر به في المجتمع يتعرض للوم ويشعر بالخزي والعار والإذلال . وغالبا ما يتم توجيه الأولاد الذكور الصغار من قبل والديهم للتصرف بطريقة ما كما يتم توجيههم للعب مع أقرانهم الذكور ويتم تشجيعهم على عدم التعبير عن مشاعرهم أو الدخول في تواصل مفتوح غير منضبط مع الغير والدفاع  عن أنفسهم تلقائيا في حال اعتدى عليهم طفل أخر في محاولة دائمة  من الوالدين لحماية أطفالهم من أي رد فعل اجتماعي أو تنمر أو مضايقة .

السؤال المشروع هنا  هو: لماذا لا يعطى الأطفال من الجنسين نفس الحقوق والواجبات والرعاية الاجتماعية والحماية ؟ ولماذا يجب على الطفل أن يتحصن داخل أسوار غرفته إذا رغب في ارتداء ثياب تخالف الذوق الاجتماعي؟

الذكورة السامة مقابل الرجولة

تفسد الذكورة السامة مفهوم ما يعنيه أن يكون الذكر رجلا  وتسيء إليه وإلى تمثيله في المجتمع وتشجع على التغاضي عن السلوك المروع والمخيف الذي قد يمارسه صاحب الذكورة السامة . الذكورة السمة موجودة في البنية الاجتماعية وفي العقل الباطن للأهل تخفيها وتجد لها الأعذار وترفضها وتمكنها من الاستمرار. الذكورة السامة سلوك مدمر لأتباعه وممارسيه ويترك أثارا سلبية قاتلة لمن يمتثل لمعايير الذكورة السامة  منها:

- الانخراط في سلوكيات جنسية غير آمنة ومتعددة

- ممارسة العنف ومحاولة الانتحار أمام أقل التحديات التي يواجهونها.

- عدم الاهتمام بمعايير الصحة الجسدية والنفسية .

- عدم القدرة على اكمال دورة الحياة الكاملة.

كيف يمكن معالجة الذكورة السامة؟

حتى يعالج الإنسان أي مشكلة ، عليه أن يعترف أولا بوجودها  وحتى نحل مشكلة الذكورة السامة علينا أولا أن ندرك أنه مشكلة حقيقة في المجتمع . الذكورة بحد ذاتها ليست أمرأ سيئا في جوهرها ويمكن أن تحمل في جنباتها الكثير من القيم الطموحة والرائعة  وتشترك مع الرجولة في مفاهيم مثل الحماية والقوة والشجاعة. لقد أظهرت الدراسات أن تكامل القدوة الذكورية والأنثوية  يجعل الحياة أفضل ويساعد في تربية أجود للأطفال .ويجب أن ندرك أنه ليس هناك مكان  للذكورة السامة في عالم متحضر لأنها أسوأ تجسيد للرجولة وأكبر خطر يهدد الحياة السعيدة للإنسان .

العنف والاعتراف به مشكلة ذكورية

يجب أن نمتلك الجرأة التي تمكننا من تسمية الأشياء بمسمياتها والاعتراف بأن هناك صلة وثيقة بين الذكورة السامة والعنف الأسري والمجتمعي وأن الذكورة السامة لا تهدد فقط الأنثى وإنما تهدد كينونة المجتمع . قد يندهش المرء عندما يعلم أن 90 % من الجرائم التي تحدث في العالم مصدرها الذكورة السامة .  العدوان الجسدي سلوك مبني على أساس اجتماعي يتضمن معان اجتماعية عديدة  تأتي من الثقافة المجتمعية التي لا ينتبه أحد إلى تصحيحها تأتينا على شكل قصص شعبية وموروث ديني وثقافي عنيد لا يمكن تغييره  وقناعة لدى الناس بأنهم يصعب أن يصدقون أن العنف في العالم قضية ذكورية سامة تخص الرجال .

الذكورة السامة والعنف المنزلي

ينسب العدوان في العادة إلى الذكور لا الاناث بسبب حاجة متأصلة لدى الرجال لتحقيق القيم الذكورية التي تشوه الرجولة وتقمع العاطفة  وتؤكد الهيمنة وتهديد كيان الآخر وتستخدم العنف لإثبات الرجولة وممارسة السيطرة والقوة .

الرجال الذين يتوافقون مع معايير الذكورة السامة هم أكثر عرضة للانخراط في العنف ضد المرأة والزوجة والحبيبة والأم .وتظهر الذكورة في العيديد من الدول التي تسود فيها الذكورة السامة والقوانين التي تحمي الرجل على حساب المرأة. ويدعم هذا أيضًا حقيقة أنه في عام 2017، أفادت منظمة الصحة العالمية أن 38 ٪ من جرائم قتل النساء كانت على يد شريك العمر الحميم.

كيف ننهي الرجولة السامة؟

يميل أولئك الذين يتوافقون مع معيار الذكورة السامة لإضفاء الطابع المؤسساتي على الذكورة السامة لحماية مواقفهم عبر القوانين والتشريعات الدينية والحماية السياسية، حيث يعمدون إلى إطالة عمر أسطورة الذكورة السامة والدفاع عن مصالحها هرميا وأفقيا  بحيث يطول عمرها وتتوارثها الأجيال من شباك الدين والعادات الاجتماعية . عندما يتخذ الرجال الحقيقيون موقفاً ضد هذا السلوك ، ويرفضون العدوان والهيمنة وجميع الخصائص الذكورية السامة الأخرى كمعايير ذكورية ، سوف ينهار التسلسل الهرمي لقيم الذكورة السامة .

خاتمة

يمكننا جميعا أن نعمل معا لتهذيب الذكورة السامة ويمكننا التوافق مع ما تقوله جمعية علم النفس  الأمريكية حين تقول صراحة:" يتعلم الأولاد أن يكونوا رجالا من الرجال في حياتهم ومن تجاربهم الخاصة عبر التنقل بين مفردات الأعراف الاجتماعية  ومن السياق الاجتماعي والثقافي الكبير." الرجال بشريحتهم الواسعة تلامذة نجباء للذكورة السامة  يرتكبون العنف ضد المرأة والزوجة والبنت والأخت وما يعتبر سلوكا مناسبا للجنس يتغير مع الوقت  وأن ما يعتبر ذكوريا ساما أو انثويا ساما  يثقل حياتنا ويمتلك الرجال بكل تأكيد القدرة على تغيير سلوكهم ومظهر وهوية الذكورة السامة . العنف بأي شكل من الشكال يهدد الاسرة والمجتمع ويعرضه للتفكك والدمار.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

محمد كريم ابراهيمتخيلْ الفيلسوف كارل ماركس في مكتبة لندن في ليلة ممطرة حالكة الظلام وهو واقفٌ بجانب النافذة ينظر إلى دخان إحدى مصانع الغزل والنسيج ويحاول أن يتخيل بدوره وضع العمال الذين يعملون فيه إلى حد الإنهاك دون تذمر. لعله يجد صعوبةً في إيجاد استعارة مناسبة لنقل فكرة التي في ذهنه إلى عامة الناس. ربما يمكنك أن تشبه هؤلاء العمال بالسائرين النائمين الذين يقولون ويفعلون دون أن يدركوا، فهم ليسوا على طبيعتهم. أو ربما تستطيع أن تشبههم بالإنسان الممسوس بالجن الذي لا يتحكم بجسده، ولا بعقله ويقوم بتصرفات غريبة خارجة عن المألوف مؤذية للذات.

أو ربما حتى بشخص تحت تأثير السحر أو المخدرات، فما يفعله ربما يكون بإرادته لكنه حتمًا خارج عن وعيه. مهما كان تخيلك وتخيل ماركس، فوضعنا ووضع هؤلاء العمال أرعب مما تتصور. نعم، هؤلاء العمال خارجون عن طبيعة البشرية، ويظلمون أنفسهم من دون أن تلتقط عقولهم أي حس بالأذى والخلل، تمامًا مثل شخص مشلول نائم، الذي تحترق أجزاؤه المشلولة دون أن يشعر بالألم. إنها نظرية «الاغتراب الموضوعي» التي امتاز بها ماركس، والتي ما زالت تحدث ضجةً حتى في قرننا الحالي.

قبل الشروع إلى شرح النظرية، يجب علينا أن نفهم ماذا نعني بالاغتراب. يعرف الاغتراب على أنه حالة الخروج من الطبيعة البشرية، سواءًا كانت تلك الطبيعة موروثة أي وراثية وجينية أم مألوفة أي شيء تعود عليه الإنسان. مثال على الاغتراب الموروث هو انعزال الإنسان عن المجتمع، إذا اعترفنا إن التواصل مع الآخرين والاجتماع معهم أمرٌ لا بد عنه ومن طبيعة الإنسان. ومثال على الاغتراب المألوف هو موت فرد من عائلة الإنسان الذي تألف على وجوده.

الاغتراب الموضوعي هو نوع من أنواع الاغتراب الذي يصيب الإنسان من دون أن يشعر به أو يعي بوجوده. لذلك يسمى أيضًا بالاغتراب غير المحسوس أو بالاغتراب اللاواعي، وكونه غير محسوس يعني أنه يسبب مشكلة كبيرة على الفرد وعلى المجتمع، لأن الشخص أو المجتمع المغترب لا يحاول أن يغير شيئًا من تصرفاته أو أفكاره ليتخلص من هذا الاغتراب كونه لا يشعر به. فيظل في حالة اغترابه ويفعله نفس الأفعال والأقوال. ولأن جميع الاغترابات المألوفة يكون محسوسًا ويمكن للإنسان الشعور به ومحاولة صده والتخلص منه، إذًا يقتصر الاغتراب الموضوعي على الخروج من طبيعة الإنسان الموروثة فقط.

رأى ماركس أن المصانع بنظامها الرأسمالي ينتهك على الأقل واحد من الطبائع البشرية الموروثة. ألا وهي طبيعة التجسيد المادي للهوية الإنسانية؛ ظن ماركس أن الإنسان بطبيعته يحب أن يعبر عن هويته بإنتاج أشياء محسوسة محددة بعمله. مثلًا، يمكن للحداد أن يؤشر على السيف الذي صنعه كامتداد لهويته وشخصيته. فهنا أصبح هوية الحداد شيئًا محددًا محسوسًا يمكن للجميع أن يراه بما في ضمنه هو، فيشعر بالفخر واللذة والانتماء إلى طبيعة الذات. بمعنى آخر، إن الطبيعة العقل البشري يحاول بقدر الإمكان أن يحول الفكرة الموجودة في عقله عن هويته ونفسه إلى واقع ملموس وإلى شيء مادي يمكن الإحساس بها من خلال الحواس الخمس. هذه الطبيعة الممنوحة، في رأي ماركس، انتزعت من العمال الذين يعملون في المصانع والشركات في النظام الرأس المالي لأنهم جبروا على التصرف بأفعال غير معلومة الهدف فكر في المرأة التي تقوم بوضع الغطاء على زجاجة الحليب أو ذات فائدة للفرد غير ملبية للراحة النفسية والفخر والانتماء التي يشعر بها الإنسان عند إكمال عمل معين. كذلك لا يرى الإنسان نفسه في ذلك المنتج النهائي، لأنه لا يملكه هو ولا العمال الذين عملوا معه في إنتاجه، بل يعود الفائدة في الأخير لمالك المصنع، وهو يقرر ماذا يفعل به.

يجب عليك أن تفهم إن هؤلاء العمال لا يدركون مدى الظلم الذي هم فيه، فإن عقولهم لا يعي انتهاك الذي يحصل لطبيعتهم الإنسانية. لذلك لا يقوم هؤلاء العمال بعمل أي شيء بشأنه، بل ربما سوف يعارضون الأشخاص الذين يدافعون عن حقوقهم بسبب تألفهم على تلك الحال وامتناعهم عن التغيير إلى حال لا يعلمون عاقبته. إذًا يبقى على الأفراد الآخرين الواعين لكي يرجعوا هؤلاء العمال الضالين الغافلين إلى صراط البشرية. رأى ماركس أن النظام بأكمله يجب أن يتغير لأنه هو السبب في جعل البشر مغتربين عن طبيعتهم، فيجب على المجتمع أن يقوم بثورة ضد النظام الرأسمالي ويقضي عليه ويبدله بنظام أقرب إلى الطبيعة الإنسانية.

بالابتعاد قليلًا عن أهداف ماركس. ربما بدأت يا عزيزي القارئ بإدراك تأثير هذه النظرية في عصرنا الحالي، بات الأمر لا يقتصر على العمال فقط، ولا على النظام الرأسمالي. فكم قانون من قوانين الحكومية يخرجنا عن طبيعتنا البشرية، وكم من عادة وثقافة اجتماعية يمنعنا من التعبير عن طبيعتنا الموروثة، وكم من أشخاص يقفون عائقًا للوصول إلى طبيعتنا المرغوبة. فكر في القوانين الجائرة التي تسجن الثائرين والمنتقمين، علم النفس يعترف الآن إن الغضب والرغبة في الانتقام هو من طبيعة الإنسانية الجينية. فكر في عادة إسكات الآخرين عند تذمرهم عن شيء ما، يعلم العاقلون السامعون أن ما يتذمرون عنه هؤلاء الأفراد ربما هو شيء يؤذيهم ويؤذي حتى المجتمع، فهم يشكون إلى المجتمع لكي يتخلصوا منه كما يشكي الجرح للعقل بالأذيةِ.

غفلة دماغ الفرد عن هذا الاغتراب هو أساس سكوته ورضاه بالوضع الذي هو فيه. فالإنسان في هذا نوع من الاغتراب ولد في عالم من الاغتراب وتبرمج عقله على التعود والتعايش مع الاغتراب، فلا يعلم ما الجيد وما الطبيعي الذي يفتقده لأنه لا يدرك حتى بوجوده. حالهم يشبه حال ماء راكد في بقعة ما على ضفة النهر يرفض الجريان مع طبيعة مجراها. ولكي يرجع إلى أصلها وطبيعتها، يجب علينا إزالة العوائق التي تمنعها من العودة والجريان مع باقي مياه النهر، ربما يكون هذا العائق الطين أو الأرض التي حولها أو عمق حفرة التراب التي تحتها، لكن مهما كانت، يجب أن يقوم المياه الجارية بالثورة أو بالتغيير للتغلب على هذه القيود والعوائق من أجل تحرير الفرد وإرجاعه من الاغتراب إلى مكانه الطبيعي الصحيح. وكما نعرف فإن هذا يحتاج إلى أشخاص واعين ومدركين ويعرفون مجرى الطبيعي للإنسان لكي يوقظوا العامة أو الأفراد غير المحسوسين من هذا الاغتراب. فهم الوحيدون الذين يمكنهم مساعدة هؤلاء المغتربين.

 

محمد كريم إبراهيم

 

منى زيتونفي يوم الخميس الرابع من يونيو/حزيران 2020، صرّح رئيس اللجنة العلمية لمكافحة فيرس كورونا في مصر بأن "خطورة فيرس كورونا المستجد قد قلت، لكن سرعة انتشاره زادت".

ولم يكن تصريحًا جديدًا كليًا على أي حال، فمنذ شهر والعلماء والأطباء حول العالم يسجلون ملاحظاتهم عن ضعف الفيرس وقلة شراسته من خلال ضعف الأعراض وقلة أعداد الحالات الحرجة، رغم الزيادة الظاهرية في الأعداد الكلية للمصابين في بعض الدول بسبب زيادة عدد المسحات التشخيصية التي تُجرى لمخالطي المرضى وغيرهم، وفي دول كثيرة قلت أعداد الإصابات إجمالًا، وعدد الوفيات الإجمالي حول العالم في تراجع كبير، وأغلبها لحالات قديمة مر عليها أشهر وكانت تعافر مع المرض حتى هزمها في النهاية. وما زاد من الآمال في سرعة التعافي نجاح علاج حالات كورونا الحرجة بالبلازما والذي أدى لزيادة نسب الشفاء.

ووفقًا للمصادر الطبية فإن أغلب الحالات المعزولة الآن في مصر وفي جميع دول العالم من ذوي الإصابات والأعراض البسيطة، وبعضهم إيجابي للفيرس دون ظهور أي أعراض.

والفئة الوحيدة حاليًا التي يحتمل أن تُصاب بأعراض شديدة للفيرس في حال إصابتهم هم الأطباء والممرضون لأنهم مخالطون لأعداد كبيرة من المرضى، ومعرضون لأنواع مختلفة من الميكروبات وبكميات كبيرة، وهذا يشتت ويضعف الجهاز المناعي.

حبة البركة والهيدروكسي كلوروكين

نشرت المجلة الأمريكية للسموم والعقاقير الطبية والمجلة الماليزية للعلوم الطبية للعام 2007 نتائج دراستين عن فعالية الحبة السوداء ضد الطفيل المسبب لمرض الملاريا، حيث أظهرت النتائج التي أُجريت على الفئران في المختبر فعالية قوية للحبة السوداء في الوقاية والعلاج من الملاريا.

Abdulelah HAA & Zainal-Abidin BAH. In vivo anti-malarial tests of Nigella sativa (black seed) different extracts. American Journal of Pharmacology and Toxicology 2007 2 (2): 46-50,. 28.

Abdulelah HAA & Zainal-Abidin BAH. Curative and prophylactic anti-malarial activities of Nigella sativa (black seed) in mice. The Malaysian Journal of Medical Sciences 2007 14: 209

وقد ثبت بعد ذلك أن الحبة السوداء تحتوي على الهيدروكسي كلوروكين، وهي المادة الفعالة التي كان لها الأثر في وقاية وعلاج فئران التجارب من الملاريا.

ومنذ بدأت أزمة فيرس كورونا المستجد، اجتمعت اللجان العلمية في دول العالم لوضع البروتوكولات العلاجية للمرض، وبإشراف منظمة الصحة العالمية، وكان دواء علاج الملاريا المحتوي على مادة الهيدروكسي كلوروكين ضمن الأدوية التي دخلت في بروتوكولات علاج أعراض الإصابة بفيرس كورونا المستجد في أغلب دول العالم.

وقد أشادت لجان علمية في دول عديدة بفعالية الدواء في علاج حالات الإصابة بفيرس كورونا، وإضافة لذلك فقد أضاف رخص ثمنه إليه ميزة أخرى؛ إذ جعل هناك إمكانية لاستخدامه في بروتوكولات العلاج حتى في أكثر البلدان فقرًا، ما أدى لاستمرار استخدامه منذ بدأت الجائحة، رغم محاولات مضادة أرادت التشكيك فيه، أهمها إصدار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذيرًا في مارس الماضي من استخدام العقار تخوفًا من تقارير نسبت للعقار تسببه في مشاكل في القلب لدى بعض المرضى.

لكن الدواء اكتسب سمعة عالمية منذ أبريل الماضي، بعد أن أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا على أنه العلاج الناجح للمرض، ثم ذكر في أحد مؤتمراته أنه يأخذه كوقاية من المرض ونصح به الجماهير، فزادت أعداد الوصفات الطبية التي أوصت بصرف الدواء في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يكن موقف ترامب متفقًا مع موقف رجال إدارته عامة، الذين بدا أن لهم رأيًا معاكسًا عن الدواء، خاصة د.فاوتشي، الذي طالته أصابع الاتهام بأنه يقف وراء تمويل تخليق الفيرس المستجد في مختبرات الصين.

وكذلك ظهر الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو في مقطع فيديو يشيد بعقار الهيدروكسي كلوروكين، والعجيب أن إدارة موقع الفيسبوك رأت في المقطع انتهاكًا لقواعد النشر، وقامت بحذفه!

دراسة مجلة لانست The Lancet المريبة!

وفي أواخر مايو 2020 نُشرت دراسة على مجلة لانست The Lancet الطبية الشهيرة تدعي أن استخدام عقار الهيدروكسي كلوروكين في علاج المصابين بفيرس كورونا يزيد من احتمال تعرّض المرضى لاضطرابات قلبية وحدوث الوفاة.

واستندت منظمة الصحة العالمية إلى نتائج تلك الدراسة فأعلنت عن تعليق الاختبارات التي كانت تجريها حول فعالية العقار في علاج مرض كوفيد-19. وأصدرت تحذيرًا بشأن العقار، ما أدى لاستجابة بعض الدول ورفع العقار من بروتوكول علاج المصابين بالفيرس، ومن أهم تلك الدول السعودية، والتي كانت نسبة التشافي قد ارتفعت لديهم، وصدرت مراسيم للتخفيف من حالة الحظر المفروضة.

وفي دول أخرى كمصر والجزائر انعقدت اللجنة العلمية في وزارة الصحة في كل بلد، المشرفة على وضع بروتوكول العلاج ضد فيرس كورونا، وناقشت الإحصائيات داخل الدولة عن الحالة الصحية لمن تعاطوا عقار الهيدروكسي كلوروكين، وأقرت تلك اللجان باستمراره لفعاليته، ويبدو أنه كان قرارًا صائبًا لأنه بمقارنة الحال مع السعودية التي كانت قد حذفت الهيدروكسي كلوروكين من بروتوكول علاج كورونا طوال الأسبوع الماضي بعد توصية منظمة الصحة العالمية باستبعاده، فقد زادت أعداد الحالات الحرجة عندهم 3 أضعاف خلال الأسبوع!

وبعد حوالي أسبوع من نشر الدراسة تم سحبها من الموقع الطبي يوم الخميس 4 يونيو/حزيران 2020، لأن شركة سيرجيسفير التي تقف وراء بيانات الدراسة لم تسمح بعمل مراجعة لتلك البيانات، وبسبب المخاوف التي ظهرت بشأن دقة البيانات، فقد طلب ثلاثة من الباحثين القائمين بالدراسة سحبها، وتم نشر ذلك على موقع المجلة الطبية.

Retraction: "Hydroxychloroquine or chloroquine with or without a macrolide for treatment of COVID-19: a multinational registry analysis"

Today, three of the authors of the paper, "Hydroxychloroquine or chloroquine with or without a macrolide for treatment of COVID-19: a multinational registry analysis", have retracted their study. They were unable to complete an independent audit of the data underpinning their analysis. As a result, they have concluded that they "can no longer vouch for the veracity of the primary data sources." The Lancet takes issues of scientific integrity extremely seriously, and there are many outstanding questions about Surgisphere and the data that were allegedly included in this study. Following guidelines from the Committee on Publication Ethics (COPE) and International Committee of Medical Journal Editors (ICMJE), institutional reviews of Surgisphere’s research collaborations are urgently needed.

The retraction notice is published today, June 4, 2020. The article will be updated to reflect this retraction shortly.

https://www.thelancet.com/lancet/article/s0140673620313246

وعلى إثر التشكيك في البيانات التي قامت عليها الدراسة تراجعت منظمة الصحة العالمية عن تحذيراتها بشأن استخدام الهيدروكسي كلوروكين في التداوي من الأعراض التي يسببها فيرس كورونا المستجد، قبل سحب الدراسة بيوم، وتحديدًا في يوم الأربعاء 3 يونيو 2020، وتم إعادة إدراج العقار في بروتوكولات علاج أعراض فيرس كورونا المستجد بعض الدول. وأعادت السعودية الهيدروكسي كلوروكين لبروتوكولها العلاجي.

وبمنتهى الأمانة فقد تشككت في توصية منظمة الصحة العالمية التي صدرت للتحذير بشأن استخدام عقار الهيدروكسي كلوروكين، فالتحذير كان قويًا وعامًا، ويرغب في استبعاد العقار تمامًا من بروتوكولات العلاج، وليس أخذ الحيطة عند استخدامه مع من لديهم مشاكل في القلب، والعالم لم ينس بعد عدم توصية المنظمة باستخدام أدوية مضادات تخثر الدم في بروتوكولات العلاج عند الضرورة، للتغلب على الجلطات الصغيرة التي يكونها الفيرس في الرئة لدى مرضى الالتهاب الرئوي الناجم عن مرض كوفيد-19، تلك التوصية التي لو تمت فربما كان قد تشافى المئات من المرضى خاصة في إيطاليا، والذين وُضعوا على أجهزة التنفس الصناعي لمساعدة الرئة على التنفس، بينما كان يلزم ببساطة إذابة الجلطات لمساعدة الرئة على التنفس، ولم توصِ منظمة الصحة العالمية باستخدام مسيلات الدم إلا متأخرًا، وتحديدًا يوم 27 مايو في منشور على صفحتها على موقع تويتر! أما هذه المرة فقد حذرت المنظمة وأوصت بإيقاف أحد أكثر الأدوية فعالية في علاج الفيرس، ولأول مرة أستشعر صدق دونالد ترامب وهو يخاطب شعبه وينصحهم بالعقار بينما د.فاوتشي يحاول منعه!

وسؤالي هو: لماذا هذه الحرب على عقار الهيدروكسي كلوروكين؟ هل لأنه رخيص ويمكن للفقراء أن تعالج به؟ أم لأن هذه المادة الفعالة توجد في حبة البركة التي يتداوى بها المسلمون ويمكنهم أن يستخدموها في حال نقص الأقراص الدوائية؟

فيرس كورونا مصنوع وليس طبيعيًا

جاء هذا التشكيك الذي لم يكن ينقص منظمة الصحة العالمية في وقت تتزايد فيه الشكوك بأن فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض كوفيد-19 هو صنيعة المختبرات ويستحيل أن يكون فيروسًا طبيعيًا.

زادت هذه الشكوك حتى لدى العلماء غير الرافضين لنظرية التطور، والقائلين بأن مصدر الفيروسات الجديدة التي ظهرت تباعًا منذ عام 1983 -بدءًا من فيرس الإيدز وصولًا إلى فيروسات أنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور وسارس وميرس وزيكا- هو حدوث طفرة جينية.

يمكن القول إنه قد تزايدت الشكوك إجمالًا حول تخليق فيرس كورونا المستجد، والطريقة التي انتقل بها للإنسان، وصارت فرضية انتقال الفيرس للإنسان من خلال الخفاش في سوق مدينة ووهان الصينية للمأكولات البحرية فرضية ضعيفة، ولم تعد تلقى قبولًا علميًا.

وكانت قد ظهرت أدلة من خلال تشريح جثث المتوفين بالتهابات وأمراض رئوية في دول أوروبية كإيطاليا في الخريف الماضي، وقبل ظهور الفيرس في الصين بحوالي ثلاثة شهور، وثبت أنهم قد توفوا من جراء الإصابة بالفيرس!

ولا يعنينا تحديدًا كيل الاتهامات لجهة محددة الآن، فعلاج البشر ووقايتهم أهم من الحديث عن المؤامرات والصراعات، وإن كان كشف الحقائق في مرحلة لاحقة سيكون أمرًا هامًا.

وما زاد الطين بلة أن التشكك في أمر تخليق الفيرس لم يقف عند العلماء، فقد خرج علينا السير ريتشارد ديرلوف، وهو رئيس سابق لجهاز الاستخبارات البريطانية  (MI6)، في يوم الأربعاء 3 يونيو 2020، بتصريح لصحيفة التيليجراف The Telegraph البريطانية، ذكر فيه أنه اطلع على تقرير علمي جديد مهم يشير إلى أن الفيرس لم ينشأ بطريقة طبيعية، وإنما جرى تخليقه في أحد المختبرات، وأشار بأصابع الاتهام إلى الصين، وإن كان يظن أنه قد تسرب عن طريق الخطأ من المختبر الصيني.

تحاول تلك الدراسة التي تحدث عنها السير ديرلوف وراجعها البروفيسور أنغوس دالغليش وعالم الفيروسات النرويجي بيرغر سورنسن، وخضعت للعديد من مراجعات الأقران، الإجابة على سؤال: كيف نشأ الفيرس في البداية، وكيف بدأ انتشاره، وقد أفادت تقارير أن مسئولي المخابرات قد فحصوا نتائجها أيضًا. والدراسة قُبلت للنشر في دورية Quarterly Review of Biophysics Discovery، ويدعي فيها الباحثان أنهما استطاعا إثبات بما لا يدعو للشك أن فيرس كورونا المستجد هو فيرس مخلق وليس طبيعيًا.

https://www.telegraph.co.uk/news/2020/06/03/exclusive-coronavirus-began-accident-disease-escaped-chinese/

وكانت دلائل سابقة في بداية انتشار الفيرس قد أشارت إلى أن هذا التخليق تم بالفعل في مختبرات صينية، وبمساعدة من علماء معهد باستور الفرنسي، ولكنه تم بتمويل أمريكي! وقد وجه د.رشيد بتار الاتهام مباشرة إلى د.فاوتشي بأنه من يقف وراء تمويل تخليق هذا الفيرس في مختبرات الصين.

الفيرس انتشر في شكل تجمعات!

وإن كان البحث في مسألة تخليق الفيرس من عدمها صعبًا، فما لا يقل عنه صعوبة هو البحث في الكيفية التي انتشر بها هذا الفيرس الذي أعيا البشر؛ فالعلماء محتارون في الكيفية التي انتشر بها هذا المرض.

دراسة حديثة ظهرت على البيزنس إينسايدر businessinsider ذكرت أن حالات نشر العدوى الكبرى بالفيرس حول العالم ظهرت في تكتلات من الإصابات بفيروس كورونا ظهرت فجأة بين عشية وضحاها!

Superspreader events around the world have created clusters of coronavirus infections that cropped up almost overnight.

فما معنى أن الفيرس انتشر في شكل تجمعات وتكتلات؟! المفترض أن ينتقل الفيرس من كل مريض إلى شخص آخر أو شخصين أو ثلاثة بحسب معامل العدوى R.

لكن من الواضح أن هذا الفيرس تم نشره عمدًا بكميات كبيرة في أوساط تجمعات من البشر، ليكون كل منهم بؤرة لنشر المرض، بينما الفيرس بكمياته البسيطة في الجو أضعف من أن يحدث الأثر الذي حدث في البداية، لذا فقد قلت شراسته في وقت قصير.

ادعى التقرير أيضًا أن 70% من المصابين بكورونا لا ينقلونه لأي شخص!

70% of people infected with the coronavirus did not pass it to anyone, preliminary research shows.

https://www.businessinsider.com/super-spreader-events-account-for-most-coronavirus-transmission-2020-6

وما يُخشى منه الآن أن يتم التلاعب بالفيرس جينيًا و/أو أن يتم نشر الفيرس ثانية بالطريقة ذاتها التي نُشر بها منذ شهور، خاصة في أماكن التجمعات الدينية بالدول العربية والإسلامية كالسعودية وإيران، ومحاولة خلق موجة جديدة أبكر من المرض في الصيف بدلًا من انتظار الخريف والشتاء، ورفع عدد الحالات الحرجة مرة ثانية، لإجهاض جهود التعافي الملحوظة في العالم، ولمنع عودة الحياة إلى طبيعتها، ودفع الناس إلى أخذ اللقاح عندما يحين وقت ظهوره بعد شهور، والذي أظهرت نتائج استطلاع رأي أُجري في الولايات المتحدة مؤخرًا أن 49% فقط من الشعب الأمريكي ينوي أن يأخذه!

 

د/ منى زيتون

السبت 6 يونيو 2020

 

محمد الورداشيتحدث ابن خلدون في الفصل الخامس عشر من الباب الثاني في المقدمة عن أن نهاية الحسب والمجد تكون في أربعة أجيال، حيث الأول "بان للمجد عالم بما عاناه في بنائه، ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه" (ص155)، والثاني "مباشر له (لأبيه) فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له" (ص155)، ثم الثالث الذي يكون "حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد" (ص155)، وأخيرا الرابع الذي يخالف نهج أسلافه ويقلبه رأسا على عقب؛ لأنه اعتقد أن ما بناه أسلافه قبله "لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصابة ولا خلال" (ص 155- 166). وهكذا ينتهي المجد ويتلاشى حسب ابن خلدون، كما أن هذا التقهقر لا بد وأن يلحق بالدولة ضررا وخورا. إذن، كيف تكون أحوال الدولة في عهد كل من هؤلاء الأربعة؟

أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال يوجد في الفصل الرابع عشر من الباب الثاني وما سيأتي بعده. فمن خلال العودة إلى هذا الفصل الذي تحدث فيه ابن خلدون عن كون أعمار الدولة طبيعية كما الأشخاص، حيث إنه حدد عمرها في ثلاثة أجيال، ولكل جيل عمر أربعين سنة، ليكون عمر الدولة مائة وعشرين سنة. فالباني، أي الجيل الأول، يكون بداية عمر الدولة حيث "خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس" (ص195). والمباشر لأبيه، أي الجيل الثاني، حتى وإن حاول الحفاظ على مجد الدولة، فإنه سيكون مقصرا؛ لأن علاقته بالملك تحولت إلى تفنن في الترف والرفه، فانتقل بذلك "من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به" (ص195)، وهكذا إلى أن تضعف عصبيتهم ومن ثم ملكهم، ليأتي المقلد، وهو الجيل الثالث، ليضرب صفحا عن "عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، (ويفقد) حلاوة العز والعصبية... (ص196)، وبهذا الجيل يكون هرم الدولة وخرابها حسب ابن خلدون. لكنا نجد هنا أن هرم الدولة يمر بثلاثة أجيال، ومنه فما محل الهادم، أي الجيل الرابع، من هذه السلسلة؛ لأن عمر الدولة لا ينتهي بالضرورة عند الجيل الثالث دائما، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون حيث قال: "وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرين سنة على ما مر، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان المُطالب، فيكون الهرم حاصلا مستوليا والطالب لم يحضرها" (ص196). ومنه، فإنه لم يرد ذكر للهادم الذي يمثل الجيل الرابع في هذا الفصل إلا من باب كونه نهاية وانقراض الحسب فقط، أي أن ابن خلدون حصر عمر الدول في ثلاثة أجيال بتقريب قبله أو بعده، ومن ثم، يمكننا القول لئن كان الهادم يمثل الجيل الرابع الذي تكون به نهاية المجد والحسب والعصبية والبداوة، فإننا نقول إن هرم الدولة في الجيل الثالث (المقلد)، وموتها وانقراضها يكون في الجيل الرابع (الهادم). ولعل دور هذا الجيل الرابع في موت الدولة قد تحدث عنه ابن خلدون في الفصل السابع عشر الذي تناول فيه أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها من طور لآخر، وقد حدد هذه الأطوار في خمسة. ومنه، سنحاول ربط كل طور وأحواله بجيل من الأجيال الأربعة التي بها ينتهي مجد الدولة وحسبها، وربما عمرها أيضا.

فالباني للمجد يقابل الطور الأول حيث يكون "الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة في هذا الطور...إلخ (ص200). ففي هذا الطور يحصل الملك بعد التغلب الذي يحصل هو الآخر بالعصبية التي تكون: إما بالقرابة أو النسب الذي تكون به النعرة والاستماتة دون القريب، فتكون النتيجة بناء الدولة. كما أن شوكة العصبية تكون قوية، وللدولة هيبة أمام أعدائها. أما المباشر للملك، فإنه يقابل الطورين الثاني والثالث، وسبب زعمنا هذا هو ما أورده ابن خلدون في كون المباشر يحاول الحفاظ على ما بناه أبوه (انظر الصفحتين 155-156)؛ ففي الطور الثاني، يضيف المباشر من عندياته تبعا لما استجد في الحكم ومآرب النفس، فيستبد على قومه وينفرد دونهم بالملك، ويكبحهم عن التطاول في المساهمة حسب أبن خلدون، أي أن المباشر في هذا الطور يستبد بالملك ويزيح أهل عصبيته عنه؛ لأنه يستعين على أمره بالموالي والمستخدَمين. وفي الطور الثالث، وبعدما يستقر له الملك ويكون في مأمن من أهل عصبيته، يقبل على حياة الترف والتفنن في المأكل والمشرب والمسكن، وهذا الطور هو "آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة؛ لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم بانون لعزهم، موضحون الطريق لمن سيأتي بعدهم" (ص201)، فحتى وإن كان هذا الطور نهاية للاستبداد فإنه يعد بداية الانتقال من البداوة إلى الحضارة حيث تكون نهاية الدولة حسب ابن خلدون. أما المقلد، فإنه يقابل الطور الرابع "طور القنوع والمسالمة (...) ويكون صاحب الدولة قانعا بما بنى أسلافه، ومقلدا لهم في آثارهم حذو النعل بالنعل" (ص201 بتصرف)، وهنا تعيش الدولة مرحلة السكون والجمود، أو المرحلة التي تسبق المرض المزمن الذي لا شفاء منه. ومرحلة  المرض المزمن تأتي مع الهادم الذي يقابل الطور الخامس حيث الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل شهواته وملذاته، وهنا يستولي على الدولة الهرم والمرض المزمن الذي لا تبرأ منه. إذن، ما مصير الدولة بعد المرض؟ للجواب عن هذا السؤال سنحيل القارئ إلى الفصلين التاسع والأربعين، والخمسين (ص: 331-332). بناء على ما سبق، يمكن القول إن الدولة، عند ابن خلدون، تمر من أطوار وأجيال منذ ولادتها حتى موتها، وأمراضها متعددة، منها: الاستبداد والترف (الحضارة) والحجر...إلخ. كما أنها تخضع لدورة تاريخية: من البداوة إلى الحضارة إلى البداوة مجددا، وهذه الدورة ليست عودا أبديا، كما عند نيتشه، وإنما هي عوامل كثيرة تخضع لها الدولة، وتختلف أحوالها وأحوال ذويها من فترة تاريخية لأخرى، أو من طور إلى طور. ومنه، يمكننا أن نطرح الأسئلة التالية: في أي طور هي دول عالمنا المعاصر؟ وهل يمكننا أن ننظر إلى الحضارة الغربية الحديثة من زاوية الدورة التاريخية الخلدونية، علما أن هذا السؤال قد طرح وتمت مقارنته بنهاية الحضارة الغربية لدى نيتشه، لكنا نطرحه؛ لأن العوامل والظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تغيرت عما عاش فيه ابن خلدون؟ وهل يقوم الاستبداد في التاريخ المعاصر على العصبية؟ وهل تسعفنا النظرية الخلدونية في إعادة قراءة تاريخنا المعاصر؟

هذه أسئلة تتبادر إلى أذهاننا ونحن نقرأ المقدمة؛ لأننا لا يمكن أن ننفكَّ عن همومنا الراهنة ونحن نقرأ تراثنا، كما أننا لا يمكن أن نسقط همومنا كلها على التراث ونطلب منه حلا لها، وإنما نحاول أن نقيس ما نعيشه الآن على ما قدمه عالِمنا الجليل.

 

محمد الورداشي

 

محمود محمد عليمن يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية لا تساعد علي تحقيق الأهداف الأساسية للعملية التربوية، ولا تدفع الطالب للتفكير والابتكار وحل المشكلات، لأن الطالب يحصل في الدروس الخصوصية علي نصوص جاهزة ومتحضرة ومعدة بطريقة تساعده علي الإجابة عن اسئلة الامتحانات، فالطالب يلجأ للحفظ والتكرار وذلك ليتحصل علي درجات تؤهله للنجاح في الامتحان، والعملية التعليمية ليست هدفها مجرد تجميع درجات أو الحصول علي شهادات، إنما هدفها الأساسي تنمية عقول التلاميذ . فالدروس الخصوصية لا تنمي في الطالب إلا مقدرة النجاح في الامتحان ولا تنمي فيه المقدرات والمهارات المهمة مثل: النمو الاجتماعي، الاخلاقي، الجسدي، الروحي والنمو العاطفي ... الخ هذه الأهداف التي تجعل العملية التربوية متكاملة .

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية جعلت أولياء الأمور ينظرون إلي الدروس الخصوصية علي أنها ليست أكثر من رشوة مقنعة للمدرس فالطالب دائما ما يحرص أن يكون المدرس الخصوصي هو نفسه مدرس المادة في المدرسة لمميزات وفوائد كثيرة أقلها ضمان درجات اختبار أعمال السنة كاملة، وبعض الطلاب يلتحق بدروس المدرس الخصوصي رغبة منه لمعرفة الأسئلة أو أسلوب حلها بغض النظر عن الفهم  والاستيعاب.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تساعد علي انتشار ظاهرة التسرب المدرسي وأيضا ظاهرة الهدر التربوي فبعض الطلاب الذين يلتحقون بالدرس الخصوصي لمدرس معين لا يهتمون لشرح المدرس في المادة في الفصل وربما لا ينتظمون في الحضور إلي محاضرات هذا المدرس وبالتالي تنقلب حياتهم المدرسية إلي فوضي ربما تتطور إلي غياب مستمر من المدرسة وفي النهاية ربما يتركون المدرسة كلية .

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية عملية تجارية بحتة، فالدروس الخصوصية أصبحت وسيلة هؤلاء لتحقيق أحلامهم وأمنياتهم في الحياة وهي وسيلة لإقتناء الشقة الفاخرة والسيارة وحساب في البنك . هذه الأشياء التي لا يمكن أن يتحصوا عليها من رواتبهم الشهرية أو من معاشهم التقاعدي.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن المدرسين الذين يلجأون للدروس الخصوصية كان هدفهم أن يشعر التلاميذ بالعجز والقصور ولا يجدون مفرا من الالتجاء إلي الدروس الخصوصية، بل إن بعضهم ربما لجأ إلي ترسيب بعض الطلاب عن قصد ليجبرهم عن الالتحاق بدروسه الخصوصية ولا يستطيع ولي الأمر أو مدير المدرسة أن يوجه اتهاما صريحا للمدرس بالرغم من أن هؤلاء ربما شعروا بأن المدرس ليس نزيها  في أداء واجبه..

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية فيها إضاعة لزمن الطالب، فالطالب ينتظر حضور المدرس إليه، أو يذهب له ويحتمل أن لا يجده، وإن وجده فإنه يستغرق وقتا كبيرا في مذاكرة جزء من المقرر أو جزئية صغيرة من موضوع واحد من المقرر، وبالتالي يضيع علي الطالب زمن كبير في الاهتمام بالجزئيات وفي مراسم توديع المدرسين الخصوصيين أو الذهاب إليهم في منازلهم والرجوع منها، هذا الزمن كان من الممكن استثماره في تعلم مقررات نافعة.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تتطلب مصاريف كثيرة لا تقدر عليها إلا الأسر المقتدرة ماديا هذا الوضع يجعل التعليم حركا علي فئة معينة هم أولاد التجار والمقاولين والأغنياء بصفة عامة، ويصبح هؤلاء قادرين علي شراء النجاح بفلوسهم وليس بقدراتهم العقلية، خاصة أن بعض المدرسين يرفعون ثمن الساعة في الدروس الخصوصية إلي مبلغ ليس في مقدور الأسرة المحدودة الدخل أو الفقيرة . وهذا الوضع يؤثر علي مبدأ ديمقراطية التعليم ويميز طلاب المدرسة علي أساس مادي ويجعل التنافس بين الطلاب غير عادل مما يساعد علي إفرازات سلبية في البيئة المدرسية مثل الحقد والحسد والكراهية.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن من عيوب الدروس الخصوصية أيضا أنها تشجع الطلاب علي التركيز في المذاكرة علي أجزاء معينة من المقرر، خاصة الأجزاء التي يركز عليها المدرس الخصوصي أو التي اعتقد الطلاب أن الدرس ركز عليها أكثر من غيرها .. فيلجأ اطالب إلي تطبيق قاعدة " التهديف" أي مذاكرة وحفظ مناطق معينة من المنهج وترك مناطق أخري، ووفقا لهذه القاعدة تكون النتيجة إما النجاح بتفوق أو الفشل الكبير، حتي ولو كان اطالب محظوظا ونجح بتفوق فإنه حسب الأصول التربوية السليمة يعتبر غير مؤهل لأنه لم يدرس ولا يعرف من المنهج إلا الأجزاء التي درسها أو استهدفها ويكون بالتالي قد حصل علي شهادة تفوق مزورة.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تحول اهتمام الطالب إلي مجرد النجاح في الامتحان ما يدفعه إلي التعامل مع الخبرات التعليمية .في داخل هذا الإطار فقط، وذلك أمر يخل بالهدف الأساسي للعملية التربوية، والمتمثل في بناء الإنسان وتكامل الخبرات واكتساب المعرفة والخبرة والتقليل من اعتماد الطالب علي نفسه واعتماده علي المدرس الخصوصي في تبسيط المعرفة وحل المشكلات التي تعترضه في دراسته بدلا من الاعتماد علي نفسه في حلها، واكتساب الخبرات التي تؤهله لحل ما يواجهه من مشكلات في حياته العملية التالية.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية قد تتسبب في ضياع جزء كبير من وقت الطالب ما يؤثر سلبا في مستواه في بقية المواد إضافة إلي بعض المشكلات الأخلاقية التي قد تنشأ عن الدروس الخصوصية حيث يقوم المدرسون الذكور في بعض الأحيان بتدريس البنات داخل منازلهن في غيبة الأهل أحيانا ما قد ينتج عنه آثار سلبية خطيرة وبخاصة لدي الفتيات المراهقات في المرحلتين الإعدادية والثانوية

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تؤدي إلي إرهاق ميزانية الأسرة حيث يضطر الوالدان إلي اقتطاع جزء كبير من دخل الأسرة للوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه المدرسين الخصوصيين. فلا شك في أنه مع بدء العام الدراسي من كل عام تعلن الأسرة العربية حالة الطوارئ استعدادا لعام دراسي جديد، سواء كان ذلك علي المستوي النفسي أو علي المستوي المادي لتزداد أعباء الأسرة فوق ما تحتمله من أعباء. وتأتي الدروس الخصوصية علي رأس قائمة الأولويات التي تسعي الأسرة العربية إلي تسديد فاتورتها، إذ أصبحت مع الأسف أمرا حتميا.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تعتبر وباءا اجتماعيا انتشر وتفشي في المجتمع وسرطانا ينهش في جسد التعليم والأسرة المصرية. ان الدروس الخصوصية مثلها مثل الهرمونات التي تستخدم في صناعة الدواجن البيضاء والتي نحصل منها علي لحوم صناعية شتان بينها وبين لحوم الدواجن الغير هرمونية. بالمثل فان الدروس الخصوصية قد تحقق، وفي أغلب الأحيان، مستوي وهمي للطالب ينال به النجاح اللحظي والحصول علي الشهادة المرجوة سرعان ما ينحدر هذا المستوي الصناعي ويرجع الطالب الي مستواه الطبيعي. والدليل علي ذلك أن خريجي المدارس الثانوية متعاطي الدروس الخصوصية عندما ينتقلون الي الجامعة قد يظهرون بمستواهم الحقيقي اذا لم يستمروا في تعاطي الدروس الخصوصية. والجامعة بها الأمثلة الكثيرة ممن لم يحققوا حتي مجرد النجاح ببعض الكليات،التي لا تعترف بالمستوي الوهمي، مما أجبرهم علي التحويل الي كليات أخري تتناسب وقدراتهم الحقيقية.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية تؤدي الي عدم تحقيق تكافؤ الفرص، فهناك طلاب ذو قدرات ذهنية فائقة ولكن قدراتهم المالية متواضعة خالت دون انجرافهم في طريق الدروس الخصوصية الأمر الذي ترتب عليه عدم استمرارهم في المنافسة واكتشاف قدراتهم في المراحل المتأخرة من التعليم.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية هي أس مشاكل التعليم التي تحول دون تطوير التعليم واذا تم القضاء عليها لتم القضاء غلي معظم المشاكل التعليمية. فاذا لم يكن هناك دروس خصوصية لم يلجأ الطلاب لاختلاق الحيل والأسباب الواهية في الغياب عن المدرسة وانتظموا في المدرسة وطوال العام الدراسي، كما أن المدرسين ينتظمون ويجدون في شرحهم أثناء الحصة المدرسية، ولذهب الطلاب بشنطة مدرسية حقيقية وليست صورية كما نلاحظ الآن، ولم تظهر المجاميع الصناعية التي تفوق الـ 100%، ولتم اكتشاف قدرات الطلاب الحقيقية، ولم نحتاج الي ما سمي أخيرا بالتعليم المتميز والتعاوني.. ربما يقول قائل بأن الدروس الخصوصية مسألة شخصية والغير قادر لا يتعاطاها ولكن للأسف فرضت علي الفقير قبل الغني وعلي الضعيف قبل القوي ولا مفر من تعاطيها للمنافسة.

من يصدق أن كورونا أثبتت أن الدروس الخصوصية خلقت فجوة بين من يقدر ومن لا يقدر علي الدفع! حتي أصبحت أمرا من أمور المباهاة بين الناس مما يخلق إحساسا بعدم العدالة الاجتماعية لدي من لا يقدر على الدفع من الفقراء ومتوسطي الحال!

فربما كانت كورونا بمثابة طوق انقاذ لطلاب سنوات النقل الذين تم اعفاءهم من الحضور و الدراسة بالامتحانات والاكتفاء بالبحث فقط وهو أمر قوبل باستحسان كبير وتم القضاء بالفعل علي شبح الدروس الخصوصية ودفع هذا الأمر الطلاب إلى الاجتهاد والبحث في المواقع والاطلاع والقراءة وعمل ابحاث والاعتماد علي مصادر كثيرة وتنمية مهارات البحث لديهم وتعظيم الاستفادة من العملية التعليمية الروتينية المملة والتي لم تنتج متعلم قادر ومؤهل علي مواجهة سوق العمل.!.. وذلك كما قال د. فتحي حسين في مقاله كورونا والدروس الخصوصية!

لذا فقد نجحت كورونا فيما فشلت فيه أنظمة تعليمية وحكومات وهو إنهاء عصر الدروس الخصوصية أو الحد منها بشكل كبير، أدخل الفرحة والسعادة النسبية على قلوب الأهالي ولكنهم ينتظرون أن يرفع الله هذا الوباء القاتل عن العالم في القريب العاجل..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد الزموريالحدود الفاصلة ما بين الوهم والحقيقة

فلنتصور لوهلة أن كل هذا الرعب الذي نعيشه بسبب فيروس (كوفيد-19) هو مسرحية تراجيدية من ابداع الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، لأنه واهن من يظن أن العالم تسيره الحكومات، الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية هي من تقرر ماذا نلبس وماذا نأكل وماذا نفعل في خلواتنا التافهة وفي عطلنا الكئيبة، هي من تحدد القيمة والفائض، وتسير السياسيين بمواقفها، الديموقراطية ليست سوى أسلوب جديد للاستيلاب الطوعي. في مختلف كتاباتي كنت اتحاشى الحديث عن نظرية المؤامرة، لكن دعونا للحظة نحاول تفسير ما يعيشه العالم وفق هذا التوجه، خصوصا وأن هناك تحليلات سابقة موفقة في تفسير بعض الأمور استنادا الى نظرية المؤامرة، فمثلا الحروب الصليبية في القرن السابع عشر استندت الى أكذوبة روجتها الكنيسة بأن هناك مملكة مسيحية غنية في فلسطين مهددة من طرف المسلمين. التخطيط الدقيق الذي لا نستوعبه نسميه بسذاجة أكبر، مؤامرة، العالم لا تحكمه الصدف، الكل مدبر بدقة متناهية، تهيئ الأسباب والظروف للحصول على النتائج المتوقعة، لا مجال للخطأ، يشرح لنا "وليام جاي كار" في كتابه " أحجار على رقعة الشطرنج" أن المؤامرة هي التي تسير فصول التاريخ وتشعرك فصول كتابه بحجم التواطئ الموجودة وكيف ان القائمين عليها لا مانع لديهم من الانتظار عشرات بل ومئات السنين كي يصلوا الى مبتغاهم.

في كتابه، يدمغ المؤلف الشهير "وليام جاي كار" اليهود باعتبارهم قوى الشر التي تعمل متخفية في الظلام وتسيطر على معظم الذين يشغلون المراكز العليا في العالم، ويثبت كيف تثير الصهيونية العالمية الأحقاد بين الشعوب، وتنشر الفتن والدسائس، وتسعى إلى إحداث حرب عالمية ثالثة، تفوق في آثارها ودمارها الحروب السابقة مجتمعة، وهدفها في النهاية تخريب العالم وإقامة إمبراطوريتها على أنقاضه. والفوضى التي تسيطر على عالمنا؛ ليست سوى نتائج مؤامرة شيطانية مستمرة، ويقضي المخطط المرسوم بأن تقاد هذه الحرب لتحطيم العالم. ويحذر المؤلف من أنه ما لم يتكاتف العالم لوقف المؤامرة الصهيونية، فإن الكارثة العالمية النهائية قادمة لا محالة. يكفي هنا لكي نتأكد من صدق نبوءة الكاتب مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده إسرائيل وأمريكا وثورات الربيع العربي التي لم تنتج تغيرات إيجابية بقدر ما عمقت البأس والفاقة وشجعت حكم الحديد والنار.

ويعد هذا الكتاب وثيقة الإدانة الأقوى التي تكشف المؤامرة الصهيونية للسيطرة على العالم، وإخضاعه لنفوذ اليهود، ولعل هذا هو السبب في سعي اليهود إلى إخفاء نسخه من شتى بقاع العالم، بعد أن اغتيل مؤلفه في ظروف غامضة، وتوجيه أصابع الاتهام لليهود بأنهم وراء تصفيته الجسدية، كتابه-ببساطة-يكشف القوى المجرمة التي كانت وراء ويلات البشرية وآلامها، ولا تزال حتى اليوم، وهي الصهيونية العالمية.

كتاب آخر خلده التاريخ، بل يعتبر حاليا من أساسيات الفقه السياسي بالرغم من أنه كتب في القرن السادس عشر، لكنه أوضح بإسهاب منقطع النظير طريقة الحكم وهو كتاب "الأمير" لنيكولو مكيافيلي، فبصرف النظر عن الرّأي الشّخصيّ بميكافيلي وكتاب الأمير، وما حواه هذا الكتاب من بذور أسّست للنفعية والواقعيّة السياسية، وكذلك كون ميكافيلي صار فيما بعد مضرب المثل للمتسلّقين والأنذال، فإنّ كتاب الأمير من أهمّ الكتب للذي يودّ فهم عالم السياسة، وكيف يفكّر الذين هم في سدّة الحكم، فهذا الكتاب يضمّ الأفكار الناضجة التي آمن بها ميكافيلي وإن لم يبُح بها كلّها.

كما ترصد الأميركية "إيدث وارتون" (1862-1937) في روايتها "بيت الفرح" شبكة العلاقات الناظمة لطبقة النخبة المتحكمة بالاقتصاد والسياسة في الولايات المتحدة بمستهل القرن العشرين، وماهية تلك العلاقات التي تحكمها المصالح وتبادل الخدمات والمنافع، وتوزيع مجالات الاستثمار بنوع من المحاصصة غير المعلنة، بحيث يكون التداخل الظاهري وسيلة لتقوية المصالح، وذلك مع عدم التغاضي عن جانب المنافسة، وما تساهم به من صراعات خفية تتعاظم تباعا.

تبرز "وارتون" في روايتها ممارسات الطبقة الثرية وتعاملاتها وخباياها فيما بينها، وما تتسبب به من تعطيل لقوى المجتمع التي تبقيها تحت السيطرة، مع إيهامها بأنها تمتلك حرية التصرف والعمل، في حين أنها مقيدة بالكثير من القيود التي يفرضها أصحاب النفوذ، ويمررونها باسم القوانين.

كما تبرز كيفية تشكيل رأي عام داعم لهذا التوجه أو ذاك من خلال الهيمنة على وسائل الإعلام بالتوازي مع الشركات الكبرى في مختلف المجالات، كما فعلت لسنوات شركات "ماردوخ" الإعلامية.

ومن جهة أخرى يقف "إدغار موران" في كتابه صغير الحجم " الى اين يسير العالم"، الكبير في القيمة المعرفية، على ثغرات النظرة التبسيطية للعالم، حيث قدّم الكتاب “فرانسوا ليوني”، مبتدئا بمقولة "ليفي شتروس": “هدف علوم الإنسان ليس الكشف عن الإنسان، بل تفكيكه” التي عارضها موران، بمبدأ التركيب عوضًا من التفكيك، والتعقيد عوضًا من التبسيط، إذ جعل من الماضي والحاضر والمستقبل مركبًا تمتد أواصره، عبر هذه القنوات الثلاث بالتفاعل والتبادل والامتداد، هذه النظرة التركيبية تستدعي القارئة والقارئ للالتفات إلى الوراء، لربط أحداث الماضي بالحاضر؛ ومن ثم القدرة على استشراف المستقبل، كل حاضر جديد هو إعادة تركيز لصورة الماضي، فالنظرة الاسترجاعية تقوم دومًا باستشراف المستقبل. يكتسب الماضي معناه انطلاقًا من النظرة البَعدية التي تمنحه معنى التاريخ. وذاك هو مصدر التبرير الدائم واللاشعوري الذي يدرج الصدف تحت غطاء الضرورات، ويحوّل اللامتوقع، إلى أمر قابل للوقوع، ويقضي على الممكن الذي لم يتحقق، لصالح حتمية حصول ما حدث. أي إن الصيرورة التاريخية غير يقينية، وغير معلومة، فهي مركبة ومعقدة، فــ “كما يعرف التاريخ إبداعًا يعرف كذلك انحرافًا”، هذا الانحراف سوف يختلط بالمسار الأصلي للتاريخ، ليحدث مسارًا جديدًا يصبح بحد ذاته مسارًا أصليًا، مسارًا ليس سببيًا ولا خطيًا، وهذا ما يسميه "موران" الأزمة أو الاضطراب، أي الارتجاج الذي يحدث في المعرفة الإنسانية، وإعادة النظر فيها من خلال الشروط المناسبة لإنتاج هذه المعرفة. وحتى لا ننسى فنظرية "مالتوس" الاقتصادية هي التي كانت الدافع الأساسي للاستعمار والغزو والاستيطان، ومن أجل البحث عن أسواق للمواد الأولية والموارد وللتسويق. فالتخطيط دائما يسبق الإدارة. فما نعيشه حاليا كان مخطط له مسبقا، ويكفي لتأكيد ذلك أن نراجع المخططات التالية:

- مشروع برنارد لويس لتقسيم الدول العربية والإسلامية.

- مشروع رالف بيتر – الانفصال على أساس حدود الدم.

- مشروعي وولفو رينز-تشيني، وبوش-تشيني.

- نظرية الفوضى الخلاقة.

- شرق أوسط لراند – رايس.

- مخطط الجنرال جيورا إيلاند.

الكل مدروس، والجميع يخضع لمنطق، لأنه إذا أردنا أن نفهم النتائج والأزمات يجب أن ندرس المسببات والاحتياجات، والعالم تسيره المعادلات الاقتصادية، وتعززها مختلف العلوم الأخرى.

ومن أجل فهم أكثر يرى المؤرخ السياسي النمساوي "موراي روثبارد" أن هناك نموذجين من المؤامرات، المؤامرة "العميقة" ونظريات المؤامرة "السطحية"، ووفقا لرؤيته فإن مخترع أو مصدق النظريات السطحية يلاحظ حدثا ويسأل "من المستفيد؟"، ويقفز إلى استنتاج مفاده أن المستفيد المفترض مسؤول عن التأثير في الأحداث بشكل سري، ومن ناحية أخرى، يبدأ مخترع أو مصدق نظريات المؤامرة العميقة بحدس ثم يبحث عن أدلة، ويصف "روثبارد" هذا النشاط الأخير كمسألة للتأكيد مع حقائق تابعة لأوهام الشك الخاصة بالشخص.

ولكن لا نستطيع ان ننكر بشكل قطعي نظريات المؤامرة التي ممكن أن تعمل بها بعض الدول لأسباب سياسية أو اقتصادية، ولكن خطورتها تكمن في الاستسلام لها، حيث أصبحت نظرية المؤامرة مسألة إيمان بدلاً من دليل لدرجة قيام البعض بربطها في كل ما يحدث في عالمنا من أحداث أو أزمات، بحيث وبمجرد إعلان الحدث تتسارع المجتمعات إلى ربط ما يحدث بأنه مؤامرة خلفها دول تأثير ودائرة مخططات دائما ما تدور حول هدف المؤامرة الاستثمار في عقار طبي أو إغراق اقتصاد دولة أو تمرير أجندة قوى سياسية والعمل بمبدأ التفكير خارج الصندوق، الأمر الذي قد يتسبب في تسطيح وعي المجتمعات حول ما يدور حولها من أحداث والاعتماد على نظرية المؤامرة لتبريرها، بحيث تراها غير قادرة على التعامل مع الأحداث بواقعية وجدية، وتقبل الهزيمة دون وعي لحماية المجتمع الذي نعيش فيه.

ولفهم سبب انجذاب البعض إلى فكرة تحكم قوى غامضة في الأحداث مثل النورانيين، الماسونيين، فرسان المعبد أو الهيكل، عائلات روتشايد وروكوفلر، أو دول بعينها، نحتاج إلى التفكير في العقلية التي تقف وراء نظريات المؤامرة، أليس من الممكن أن تكون نظرية المؤامرة بحد ذاتها مؤامرة لضرب وعي المجتمعات في التعامل مع الأحداث؟!

إن نظرية المؤامرة تستأثر بالاهتمام بل وهي في محك بساط الاقناع مع تعاظم الحديث عن الحرب البيولوجية وبداية نظام عالمي جديد بأسس ومقومات مخيفة لوجود الجنس البشري، فبين ركام المعلومات المتضاربة والبحث عن السراب تظل كل المعطيات واردة حتى تلك الأكثر راديكالية في التنبؤ بمستقبل الكائن البشري والرعب الذي قد يكون منتظرا في ظل التخطيط المحكم للأخذ بأسباب المكنة والتحكم والتأثير في مسار التاريخ البشري.

هل هناك مؤامرة بخصوص انتشار جائحة كوفيد-19؟

بالرجوع الى الأطباء الأخصائيين في علم الأوبئة و الفيروسات فإنهم متفقون على أن هناك تطابق في التسلسل ّ الجيني لفيروس- 2-CoV-SARS مع فيروس سارس بنسبة %80 ،ويتشابه فيروس الكورونا مع فيروس كورونا RaTG13 BatCoV الموجود في الخفافيش بنسبة %96 وبالتالي فقد تكون الخفافيش هي التي نقلت الفيروس إلى الإنسان، ولكن توجد اختلافات كبيرة بين الفيروسين في المناطق المسؤولة عن نقل العدوى في الجينوم، مما يدل على أن فيروس الخفافيش هذا لم يصب البشر مباشرة، وإنما انتقل الى الانسان عن طريق مضيف وسيط، على حد قول هؤلاء الباحثين، الامر الذي عقد من تركيبته الجينية وبالتالي استعصى على الخبراء في ايجاد دواء للحد من انتشاره، ذلك أن الفيروس يقوم بالدخول الى جسم الانسان عن طريق الأنف، الفم أو العينين، ثم يرتبط -بمساعدة بروتين الSpike (بروتين S) بخلايا جهاز التنفس التي تنتج بروتينا يدعى (ACE22).

ففي الأسابيع الأخيرة قام علماء أمريكيون لأول مرة بتحليل مبنى )البروتينS) على المستوى الذري حيث يتكون بروتين الSpike من مركبين S1 الذي يحوي منطقة تحدد مستقبلات ال- ACE2 الموجودة على سطح الخلية المصابة، ثم تلتصق بها، و S2 الذي يحوي منطقة تساعد الفيروس على دخول الخلية عن طريق دمج الغشاء المحيط به مع غشاء الخلية المصابة بعد أن يقوم S1 بعمله ويرتبط بالمستقبِل ACE2 ،ثم ينقطع بروتين الـ Spike، وبالتالي تنكشف منطقة S2 التي تعمل على اندماج غشاء الفيروس مع غشاء الخلية المصابة . فمجرد دخول الفيروس إلى الخلية، يطلق جزءا من مادته الوراثية على شكل RNA ثم يستغل موارد الخلية كمصنع لاستنساخ ومضاعفة ال- RNA الفيروسي، ثم يقوم بإطلاق نسخ جديدة من الفيروس التي تم إنتاجها في الخلية المضيفة و يمكن لكل خلية مصابة إطلاق ملايين النسخ من الفيروسات قبل أن تتحلل بعضها وفي النهاية تموت، بينما تطلق أخرى عن طريق غشاء الخلية دون القضاء المباشر عليها حيث يخرج بعضها من الخلية المصابة، ليصيب الخلايا المجاورة وتبدأ دورة استنساخه مجددا، كما يمكن أن يخرج – من خلال السعال والعطس من بلعوم مصحوب بفيروسات من الجهاز التنفسي – ليصيب الأشخاص ويقع على المسطحات القريبة، ليبقى معديا هناك لساعات معدودة حتى أيام.

هذا التركيب المعقد لفيروس كورونا (كوفيد-19) أدى بالخبراء الى البحث بصفة مستمرة في تفكيك خوارزمياته للوصول الى دواء ناجع يوقفه، لكن وفي خضم هذا البحث فإن هذا الفيروس يتميز بسرعة انتشاره لكونه ينتقل عن طريق اللمس والرداد كما أسلفنا الذكر، الأمر الذي حدا بالدول الى اعتماد مجموعة من المقاربات والأليات الوقائية قصد الحد من هذا الانتشار نظرا لحدة نتائجه التي أبانت عن إصابة 6.6 ملايين شخص، وعدد الوفيات به 390 ألفا، وفقا لموقع "وورلد ميتر".

فلربما رأي العلماء والخبراء حول التكوين الطبيعي للفايروس لم يكن مقنعا للجميع، والدلائل عديدة حتى وإن أردنا عدم الانجراف ورائها، تماشيا مع مقولة ابن خلدون بأن الاشاعة تميل إلى النشوء والانتشار في فترة الأزمات، لذلك سوف نورد بتجرد الآراء والمؤشرات التي تعزز اعتبار الفايروس (كوفيد-19) ضمن مسلسل المؤامرة التي توجه العالم:

أولا: فيلم "كونتاجيون" لم يكن أول من تحدث عن فيروس سيصيب البشر ويقضي على ملايين الأرواح، فبالعودة لسنة 1981 نشر الروائي الأمريكي Dean Koontz أول نسخة من رواية أسماها the eyes of darkness أو عيون الظلام.  لاقى الكتاب رواجا كبيرا وصنف حينها كرواية من روايات الخيال العلمي. اليوم وعلى غرار الفيلم عادت رواية عيون الظلام للسطح خاصة وأن صفحاتها ضمت قبل 39 سنة من اليوم أن سلاحا بيولوجيا سيضرب في المستقبل اسمه Wuhan-400 طور في مختبر بيولوجي الواقع بضواحي مدينة ووهان الصينية لينتشر فيها بالخطأ، ومنها في العالم تماما كما يحدث اليوم.

 المثير للحيرة وبالغوص أكثر في خبايا القصة وجدنا أن الرواية في نسختها الأولى ضمت اسم مختلف للفيروس وهو Gorki-400 غوركي نسبة لمدينة روسية. ليعود الكاتب عند اعادة إصدار طبعة جديدة من الكتاب سنة 1989 ولأسباب خفية وغريبة أعادة تسمية الفيروس ب Wuhan-400 ويعيد صياغة مكان صناعته وانتشاره انطلاقا من الصين و"ووهان" بالتحديد. نعم ووهان من بين آلاف بل ملايين المدن في العالم.

ثانيا: صدر كتاب صغير بغلاف أحمر وهو "تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأميركية" بعنوان "كيف سيكون العالم عام 2025؟"، وقد نشرت طبعته الفرنسية عام 2009. ويسعى تقرير الوكالة هذا بانتظام للتنبؤ بمستقبل العالم في أفق خمس عشرة أو عشرين سنة، وبالعوامل التي يمكن أن تثير الصراعات أو الحروب، وفي مقال بعنوان "احتمال تفشي وباء عالمي"، يصف خبراء الوكالة سيناريو قريبا جدا من أزمة (كوفيد-19)، متخيلين "ظهور مرض تنفسي بشري جديد شديد العدوى".

وتنبأ النص بالمنطقة وظروف ظهور هذا الفيروس الجديد قائلا "إذا حدث مرض وبائي، فسيكون دون شك في منطقة ذات كثافة سكانية عالية وفيها جوار متصل بين البشر والحيوانات، كما يوجد في الصين وجنوب شرق آسيا حيث يعيش الناس على اتصال مع الماشية".

ثالثا: تنبأ الملياردير الأمريكي، "بيل جيتس"، مؤسس شركة مايكروسوفت في أحد مؤتمرات TED Talks الشهيرة، عام 2015، بأن العالم مهدد من فيروس مدمر أشد فتكا من (سارس) وسوف يقتل أكثر من 10 ملايين شخص، في العقود القليلة القادمة، وبحسب صحيفة «ذا صن» البريطانية فإن غيتس قال: "إذا كان هناك شيء واحد نعرفه من التاريخ، فهو أن مرضاً جديداً مميتاً سيظهر وينتشر في جميع أنحاء العالم، ومن الوارد أن يحدث ذلك في غضون العقد المُقبل ونحن لسنا مستعدين لذلك."

وقدم بيل غيتس محاكاة من قِبل «Institute for Disease Modeling» في واشنطن، أوضح أن نوعاً جديداً من فيروس الأنفلونزا مثل الأنفلونزا التي تسببت في قتل 50 مليون إنسان في وباء عام 1918، يُمكن أن يؤدي بحياة 30 مليون إنسان في غضون ستة أشهر. ولفت غيتس حينها أنه "من المحتمل أن يكون المرض القادم الذي سيأخذنا على حين غرة، مرضاً نراه لأول مرة في بداية تفشيه، تماماً كما حدث مؤخراً مع فيروس السارس SARS وفيروس كورونا الشرق الأوسط “MERS. وحذر غيتس من أن "الوباء التالي يمكن أن ينشأ من شاشة الكمبيوتر عبر محاولة إرهابية لاستخدام الهندسة الوراثية لإنشاء نسخة اصطناعية من فيروس الجدري مثلاً أو سلالة شديدة العدوى من الأنفلونزا.

مع العلم أن بيل غيتس يستثمر في مجال اللقاحات، ومانح سخي للمنظمة الصحة العالمية والمختبرات العلمية عن طريق منظمته الخيرية والتي تحمل اسمه واسم زوجته، كما نادى مسبقا بضرورة تحديد التعداد السكاني المتزايد للحفاظ على الربح والوفرة.

رابعا: نظرية تسلل فيروس كورونا من مختبر بيولوجي صيني والتي اكتسبت زخماً، بعد ان بدت الاتهامات الأميركية التي سيقت على لسان بعض المسؤولين وعلى رأسهم الرئيس "دونالد ترامب" ضد الصين، وكأنها لم تأتِ من فراغ. ونشرت شبكة «فوكس نيوز» تقريراً نقلت فيه عن مصادرها الخاصة، ان فيروس كورونا ليس سلاحاً بيولوجياً استخدمته بكين، بل هو جزء من خططها للبرهنة على جهودها في مجال اكتشاف الفيروسات ومحاربتها، وأنها لا تقل قوة بل ربما تتفوق على اميركا. وفي هذا السياق ايضاً كشف مسؤولون في الاستخبارات والأمن القومي الأميركي، لشبكة «سي ان ان» أن الادارة الاميركية تواصل التحقيق فيما إذا كان الفيروس قد تم تخليقه داخل مختبر، وليس في سوق للحوم. وأن نظرية المحققين في نشأة كورونا، تفيد بأن الفيروس نشأ في مختبر بالصين، وتم إطلاقه عن طريق الخطأ إلى الجمهور.

خامسا: قالت الكاتبة "ناتالي راهال" في تقريرها الذي نشرته صحيفة "ديلي ميل البريطانية" إن علماء حذروا في عام 2017 من أن فيروساً يشبه متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد “سارس“، يمكن أن ينتشر خارج مختبر أُنشئ في ذلك العام في ووهان الصينية، لدراسة بعض أخطر مسببات الأمراض في العالم. تستند "ناتالي" أن المختبر يبعد فقط 32 كيلومتراً عن سوق ووهان للمأكولات البحرية حيث ظهر الفيروس للمرة الأولى. بينما أفاد "تيم تريفان" مستشار "معهد ماريلاند للسلامة الأحيائية" في تصريح أدلى به لمجلة "نيتشر" عندما كان المختبر على أبواب الافتتاح:” بأنه قلق من أن ثقافة الصين ستجعل المعهد غير آمن“. ووفقا لمقال في مجلة “نيتشر”، فقد تسرب فيروس "سارس" عدة مرات سابقا من مختبرات في العاصمة الصينية بكين.

سادسا: تداولت كثير من المواقع على الشبكة العنكبوتية ونشطاء شهيرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن فيروس كورونا هو اختراع أمريكي خالص حيث تحدثوا عن اكتشافهم العثور على اسم الفيروس مسجلا في سجل ‏براءات الاختراعات الأمريكية منذ عام 2015 باسم مركز بحوث للأمراض والادوية يدعى Pirbright Institute، ويحمل براءة اختراع مسجلة برقم “10130701 ”، وبالبحث وراء الأمر يتضح أن الكود مسجل كلقاح تجريبي لعلاج بعض الأمراض الفيروسية من سلالة فيروس كورونا الذي ظهر بالمملكة العربية السعودية عام 2012. وبحسب مؤيدي الطرح، بأن فيروس كورونا مثله مثل الكثير من الأمراض تخترعه شركات الأدوية وحكومات من أجل التربح من بيع لقاحاته المضادة.

سابعا: أكد "أندري راجولينا" رئيس مدغشقر أن بلاده توصلت لعلاج فعال لكرورنا، وأن العالم مستمر في تجاهله، كما أن منظمة الصحة العالمية عرضت على بلاده مبلغ 20 مليون دولار كرشوة لتسميم علاج COVID-19، وفقًا لـجريدة دايلي بوست daily post التي نقلت الخبر عن جريدة بيرسبيكتيف Perspective من تنزانيا. وواصل الرئيس الإصرار على أن العلاج العشبي المسمى "COVID Organics" المصنوع من Artemisia يمكن أن يشفي مرضى COVID-19 في غضون عشرة أيام، وهو بالفعل علاج عشبي ناجع حد من قدرة الفايروس القاتلة وإحصائيات الإصابة والوفاة تبرهن على ذلك، وأضاف، "أعتقد أن المشكلة تكمن في أن (المشروب) يأتي من إفريقيا ولا يمكنهم الاعتراف، بأن دولة مثل مدغشقر، قد توصلت إلى هذه الصيغة لإنقاذ العالم، "إذا لم تكن مدغشقر، وإذا كانت دولة أوروبية قد اكتشفت هذا العلاج بالفعل، فهل سيكون هناك الكثير من الشك؟ قال راجولينا: "لا أعتقد ذلك".

ثامنا: قبل أيام طرد رئيس تنزانيا ممثلي منظمة الصحة العالمية من البلاد، عندما قام بإرسال عينات من تحاليل بشرية بعد أن خلطها بعينات مأخوذة من فاكهة البابايا، ومن طيور وحيوانات كالخروف والأرنب  والماعز جاءت التحاليل بشأنها متضاربة بشكل صارخ، حيث كانت إيجابية بالنسبة لفاكهة البابايا، وإيجابية بالنسبة لطائر، وسلبية بالنسبة للأرنب، وإيجابية بالنسبة للماعز، فيما جاءت سلبية للعينات البشرية، الشيء الذي دفع بالرئيس إلى التشكيك في صحة التحاليل ومصداقيتها في الكشف عن الفيروس المفترض، وإصدار أمره بطرد منظمة الصحة العالمية من البلاد.

تاسعا: نشر خلال الأيام القليلة الماضية دراسة من الباحثين الايطاليين ناتجة عن 50 عملية تشريح للجثث أجريت على مرضى ماتوا بسبب COVID-19، كشفت خطأ في تشخيص بروتوكولات العلاج، حيث اكتشف العلماء أن ذلك ليس بِينومونيا، بشكل دقيق، لأن الفيروس لا يقتل الخلايا الرئوية من هذا النوع فحسب، بل يستخدم عاصفة التهابية لتكوين خثار وعائي بطاني، كما هو الحال في التخثر المنتشر داخل الأوعية الدموية، تكون الرئة هي الأكثر تأثراً لأنها الأكثر التهابًا، ولكن هناك أيضًا نوبة قلبية وسكتة دماغية والعديد من أمراض الانصمام الخثاري الأخرى. في الواقع، تركت البروتوكولات العلاجات المضادة للفيروسات عديمة الفائدة وركزت على العلاجات المضادة للالتهابات والمضادة للتخثر. لذا يجب إجراء هذه العلاجات على الفور، حتى في المنزل، حيث يستجيب علاج المرضى بشكل جيد للغاية. وخلصت الدراسة الى أنه لو نادى الصينيون بالأسبرين هذا العلاج التقليدي للالتهابات والذي يحقق نتائج مبهرة في زيادة سيولة الدم ويوصف لكبار السن للوقاية من الجلطات، لكانوا قد استثمروا في العلاج المنزلي وأنقذوا ارواح الكثير من المصابين حول العالم، ودون الاحتياج للعناية المركزة، لذا، فإن طريقة مكافحته هي بالمضادات الحيوية ومضادات الالتهابات ومضادات التخثر فقط.

عاشرا: أما فيما يخص رئيس منظمة الصحة العالمية، فهو أثيوبي الجنسية اسمه "تیدروس أدهانوم" سياسي وأكاديمي وناشط بالصحة العامة ويعتبر أول إفريقي یشغل منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية منذ 1 یولیو 2017، قبلها كان یشغل منصب وزیر الخارجیة الإثيوبية (ولیس طبيب كما یضنه البعض). وكان أحد أهم الأعضاء البارزين في جبهة تحرير شعب تيغري (TPLF) وهي جماعة سياسية اتهمت بالقيام بانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان، كما أنها صنفت كمنظمة إرهابية في أمريكا قبل مايو 1991. تولى وزارة الخارجیة الإثيوبية في حكومة "هایلي مریام دیسالین" بدعم من حزب «الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية» الحاكم سنة 2015. له تاريخ طويل في إخفاء الأوبئة في إثيوبيا. في مایو 2017، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن "تیدروس" غطى على تفشي ثلاث أوبئة كوليرا في أثيوبيا عندما كان وزیرا للصحة في البلاد بین عامي 2005 و2012، فقد ذكر تیدروس أن تفشي الكوليرا في 2006 و2009 و2011 لم یكن سوى " إسهال مائي حاد" وأن تفشي المرض يقتصر على المناطق النائية من البلاد وأن المخاوف الدولية مبالغ فيها. افتضح امره بعد ذلك عندما وصلت الأوبئة في نهاية المطاف إلى البلدان المجاورة بما في ذلك كینیا والصومال والسودان.

قامت دولة زمبابوي والتي كانت آنذاك تقود الدول الإفريقية ودول العالم الثالث بحملة لجمع الأصوات لصالح الرجل، لاحقا قام "تیدروس" برد الجميل باختبار الدكتاتور الزمبابوي "روبرت موغابي" سفيرا لمنظمة الصحة العالمية للنوايا الحسنة، وهو الأمر الذي تراجع عنه في أعقاب تعرضه لضغوط وانتقادات قوية من قبل العديد من الدول والمنظمات ووسائل الإعلام. قال عن زمبابوي، إنها " بلد یضع التغطية الصحية الشاملة والنهوض بالصحة في صميم سياساته لتوفير الرعاية الصحية للجميع" وهو ما جعل البعض یسخر من كلامه، خصوصا أن "موغابي" نفسه لا یستخدم النظام الصحي في بلاده ولا یثق به ویفضل تلقي العلاج في سنغافورة التي توفي فيها.

كما ذكرت صحيفة "بولیتیكو"، أن "تیدروس" العضو التنفيذي في جبهة تحرير الشعب اليسارية "تیغراي"، أشرف على توسع هائل في دور الصين في إثيوبيا. وتعتبر الصين أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا، وأكبر شریك تجاري، وأكبر مقرض لها. ورد في واشنطن بوست في 25 أكتوبر 2015 في مقالة للكاتبة، "فریدا غیتیس" بعنوان فضيحة أخرى في الأمم المتحدة، أن الصين عملت بدون كلل وراء الكواليس لمساعدة "تیدروس" على هزيمة مرشح المملكة المتحدة لرئاسة منظمة الصحة العالمية، "دیفید نابارو". وقد اعتبرت الصين أن فوز "تیدروس" یعد انتصارا لها.

صرح في بدایة تفشي "فايروس كرونا" أن الأوضاع في الصين لیست مدعاة لاتخاذ تدابیر وقائية ضد السفر والتجارة الدولية، مقللا من شأن الوباء واحتمالات تفشيه. كما أهمل "تیدروس" تحذيرا ورده من الحكومة التايوانية حول احتمال تفشي وباء خطير في إقليم ووهان الصيني، ولم يأخذ به، بحجة أن تايوان لیست عضًوا في المنظمة ولديها نزاع تاريخي مع الصين. لاحقا ذكرت وزارة الخارجیة التايوانية في وقت سابق إن منظمة الصحة العالمية لم تطلع الدول الأعضاء على المعلومات التي زودتها بها تايوان بما في ذلك تفاصيل عن حالات الإصابة بفيروس كورونا فيها وطرق الوقاية من المرض.

هناك عريضة متداولة وقع علیها حتى الآن أكثر من 900 ألف شخص تطالب بإقالته من منصبه الدولي. لأنه فشل في إدارة الأزمة، بل وأسهم في تفشيها.

الحادي عشر: أصدرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقا مفاده أن منظمة الصحة العالمية وعددا من الحكومات غيرت سياساتها وعلاجات مرض كوفيد-19 على أساس بيانات معيبة من شركة تحليلات رعاية صحية أميركية غير معروفة اسمها "سرجيسفير" (Surgisphere). وقدمت الشركة بيانات لدراسات متعددة حول فيروس كورونا شارك في تأليفها الرئيس التنفيذي للشركة "سابان ديساي"، ولكنها فشلت حتى الآن في شرح بياناتها أو منهجيتها بشكل كاف.

وشكلت البيانات التي تدعي الشركة أنها حصلت عليها بشكل شرعي من أكثر من ألف مستشفى في جميع أنحاء العالم، أساسا للمقالات العلمية التي أدت إلى تغييرات في سياسات علاج كوفيد-19 بدول أميركا اللاتينية. كما كانت السبب وراء قرار منظمة الصحة العالمية ومعاهد البحث حول العالم بوقف التجارب على عقار "هيدروكسي كلوروكين".

ونشرت "ذي لانسيت" و"نيو إنغلاند" -وهما من المجلات الطبية الرائدة في العالم-دراسات تستند إلى بيانات "سرجيسفير"، وشارك في تأليفها ديساي نفسه. وتوصل تحقيق الغارديان إلى أن العديد من موظفي شركة "سرجيسفير" -ومقرها الولايات المتحدة-لا توجد بيانات عن خلفيتهم، أو أن لديهم خلفية علمية ضعيفة أو معدومة. ويبدو أن أحد الموظفين المدرجين كمحرر علوم هو مؤلف خيال علمي، وموظفة أخرى مدرجة كمديرة تنفيذية للتسويق هي عارضة محتوى للبالغين ومضيفة للمناسبات.

وتحتوي صفحة الشركة على موقع "لينكدإن" على أقل من 100 متابع، وأدرجت الأسبوع الماضي ستة موظفين فقط، وتم تغيير هذا إلى ثلاثة موظفين اعتبارا من يوم الأربعاء، في حين تدعي "سرجيسفير" أنها تدير واحدة من أكبر قواعد بيانات المستشفيات وأسرعها في العالم، إلا أنه ليس لها وجود على الإنترنت تقريبا.

وفي رسالة مفتوحة نشرت يوم 28 مايو الماضي، شدد عشرات العلماء من مختلف أنحاء العالم على أن التحليل الدقيق لدراسة "ذي لانسيت" يثير "قلقا مرتبطا بالمنهجية المعتمدة وصدقية البيانات".

وتعرضت دراسة "ذي لانسيت" لحملة لاذعة من المدافعين عن "الهيدروكسي كلوروكين"، وفي مقدمتهم الباحث الفرنسي "ديدييه راولت"، الذي صرح قائلا "القصر الورقي ينهار"، في إشارة إلى التحذير الصادر عن "ذي لانسيت"، في حين سبق له أن وصف الدراسة على أنها "فاشلة".

كل هذه الأفكار والرؤى والفرضيات التي أوردناها سابقا بتجرد وغيرها الكثير مثل تأثير شبكة الجيل الخامس من الأنترنت (5G) على انتشار الفايروس أو التوجه العالمي للتحكم في البشر عن طريق حقنهم بشرائح الكترونية (ID2020)، قد وجدت الأرض الخصبة للنمو والتطور لدى جمهور المؤيدين، في حين العلماء وبعض السياسيين لازالوا يستقبلونها بالكثير من السخرية، وهذا راجع للعديد من الأمور والتي يطول المقال في سردها وتحليلها ومن ثم تقييمها، ولعل من أهمها اختلاف المنهجيات ما بين العلوم في التحليل والاستقراء والاستقصاء وشح المعطيات والبيانات الضرورية لذلك.

إن الوعي الجمعي العالمي بصفة عامة والعقل العربي على وجه الخصوص يؤمن بدرجة كبيرة جداً بنظرية المؤامرة، وهناك ما يفسر ويبرر ذلك، خاصةً في ظل مؤامرتين كبيرتين في تاريخ العرب الحديث، الأولى وهي وعد بلفور المشؤوم، أما الثانية فهي اتفاق سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا، والذي فضحته الثورة البلشفية في روسيا ضد النظام القيصري.

إن فهمنا وإدراكنا لا يترك مجالا لفهم العالم كما هو، ونحاول دائما اختصاره بآليات مختلفة واكتشاف أنماطه وفهم أسبابه ونتائجه، فحين نعيش العديد من الأزمات في مختلف المجالات بدون سبب واضح، أو وفق أنماط تصعب علينا، فلا يجب علينا أن نصدق أنها نتيجة حتمية للعشوائية، فعندما وضع "شرودر" نظريته في فيزياء الكم استنادا الى تجربته الشهيرة (قطة شرودر) باستعمال قطته وصندوق ومادة مشعة ومحفز لتحللها، برهن لنا على وجود احتمالين، فإما ان القطة حية أو أن المادة المشعة تحللت فقتلت القطة، إذن نحن أمام قطة حية-ميتة مالم نرى داخل الصندوق، إذن فالكل يعتمد على الفعل والتصور والملاحظة ولا توجد عشوائية في الحياة، مثل الفوتونات الضوئية فهي توجد في كل مكان على شكل موجة لكن عند الرصد تتحول الى جسيم، تماما كالأحداث يجب رصدها وتتبعها فخلال النصف الثاني من القرن العشرين لا توجد صدفة في بناء الأحداث، وربما ما يظهر لنا في المشهد عكس ما يوجد عند الرصد.

وهذه ليست دعوة لتصديق نظرية المؤامرة، فلربما واضعوا هذه النظرية أنفسهم أسسوها من أجل استيلاب عقول الناس التواقة في تحليلاتها للغرائبية، من أجل صدهم عن رؤية الحقيقة والبحث عنها عبر إذكاء الأسئلة التي تحفز الإجابات. كما انني شخصيا مقتنع تماما بأن القطة السوداء التي صادفتها اليوم صباحا عند خروجي من المنزل ليست هي من سيفسد يومي، وإنما تصديق ذلك هو بالفعل من سيفسد اليوم.

 

الأستاذ/ محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون الإنسانية

 

 

الكِبْرُ مِنْ أَشّدِّ الرَّذائِلِ الاخلاقِيَّةِ فَتْكَاً في الأَفرادِ والمُجتَمَعاتِ، بل هُوَ مصدرُ كُلِّ رَذيلَةٍ أَخلاقِيَّةٍ، وَسَمَّيْتُ الكِبرَ "عُقْدَةَ العُلُوِّ" . وأَنا أُعَرِّفُ العُقْدَةَ بأَنَّها: (الدافِعُ غيرُ السَّوِيِّ للسلوكِ). هناكَ دَوافعُ سَوِيَّةٌ للسلوكِ، لايكون السلوكُ فيها مُضظرباً؛ لأَنَّهُ سلوكٌ يَصْدُرُ سَليماً خالِياً من العُقَدِ والأَزَماتِ النفسيّةِ، وهناكَ دَوافِعُ غيرُ سَوِيَّةٍ لسلوكِنا، وهذهِ الدوافِعُ هي العُقَدُ وهي التي يَعْرِفُها كلٌّ منا عندما نُراقِبُ انفسَنا.

الكِبْرُ أَو " عُقدَةُ العُلُوُّ"، عُقْدَةٌ قديمةٌ انطوت عليها نفوسُ بعضِ الكائناتِ، عندما أمَرَ اللهُ ملائكتَهُ للسجودِ لآدَمَ، فسجَدَ الملآئِكَةُ كُلُّهُم أَجمعونَ الا إِبليسَ، لماذا لمْ يَسْجُدْ ابليسُ؟ القرآنُ الكريمُ يجيبُنا عن هذا السؤال بقوله تعالى:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). البقرة: الاية:34.

إِبْلِيسُ يُعاني من عقدةِ العُلُوُّ، من عقدة الكِبْر؛ ولذلكَ كانَ سلوكُهُ بعدمِ السُّجُودِ سلوكاً غيرَ سَوِيٍّ. هذه العُقْدَةُ هي التي أنزلت ابليسَ من قدره حيثُ كانَ يَعْبُدُ اللهَ في زُمرة الملائكةِ؛ فقد عبد اللهَ تعالى ستَةَ آلآفِ سَنَةٍ لايُدرى أمِن سِنِيِّ الدنيا أم من سِنِيِّ الآخِرَةِ حسبَ تعبيرِ امير المؤمنينَ عليه السلام في الخطبةِ المسماة بالقاصعة.

الفَضِيلَةُ والرَّذِيلَةٌ

وَنَحْنُ نَتَحَدَثُ عن الفَضِيلةِ والرَّذيلَةِ، لابُدَّ من تحديدِ معناهُما، الفضيلةُ عندَ أَرِسطو هي: الوَسَطُ بينَ رّذيلَتَينِ . فالشجاعةُ هي وَسَطٌ بينَ رَذيلَتَي الجُبنِ ورذيلَةِ التَهَوُّرِ، والكَرَمُ وَسطٌ بينَ رَذيلَتَي البُخْلِ والاسرافِ . وهكذا بقيّةُ الفضائلِ .

ونظريةُ الاوساطِ الارسطيَّة هذه في الفضائلِ الاخلاقيَّةِ واجهت اشكالاتٍ عديدةً، منها: انَّ بعضَ الفضائلِ الاخلاقيّةِ ليست أوساطاً كالصِدقِ والعَدْلِ؛ فهناك صدقٌ وكذبٌ، وعدلٌ وظلمٌ من غير اوساطٍ . والاشكال الاخر: الفضيلةٌ ليست وسطاً بابعادٍ متساويةٍ بينَ الرذيلَتَينِ؛ لانَّ الكرمَ اقربُ الى الاسرافِ منهُ الى البُخلِ، والشجاعةُ أَقْرَبُ الى التَهَوُّرِ منها الى الجُبْنِ . وأَنا تَأمَلتُ في الاياتِ الكريمةِ والرواياتِ وأَدْعِيَةِ أَهْلِ البيتِ عليهم السلام محاولاً استنباطَ نظريةٍ قرآنِيّّةٍ لاتَرِدُ عليها هذه الاشكالات، فتوصلتُ الى نظرية ( الاوزانُ والاقدارُ في الفضائل) .الله يتحدثُ عن الوزن في كل شيء، والقدر في كل شيء، فكذلك الفضائل والاخلاق والقيم لها أوزانها المحددة، واقدارها المقدرة.

مَقادِيرُ الأَشياءِ وَأَوزانُها

الله تعالى يتحدث عن وجود الجبال على الارضِ لتُؤدي مهمةَ التوازن، وكذلك النباتات خاضعة لموازينَ واقدار مُحَدَدَةٍ، الله تعالى يقول:

(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ). الحجر: الاية: 19.ويتحدث الله تعالى عن موازين يوم القيامة فيقول:

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الاعراف: الاية: 8.

ويقولُ في آيّةٍ أُخرى:

(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ). الانبياء: الاية:47.

وَأَمّا الحديث عن تقديرِ الاشياء، وأَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَدَرٍ فهناك آياتٌ كثيرة منها:

(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ). الرعد: الاية: 8 .

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). القمر: الاية: 49.

(ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين).المرسلات: الاية: 22 .

(وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ). الاعلى: الاية: 3.

(اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ). الشورى: الاية: 17.

(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).الحجر: الاية: 21.

نَظَرِيَّةُ (الأَوزانُ المُحَدَدَةٌ والأَقدارُ المُقَدَّرةُ) للفضائلِ

كما ان اللهَ تعالى قَدَرَ كلَّ شيءٍ في الارض والسماءِ والجبالِ والنباتاتِ، فالامرُ كذلكَ مع الفضائلِ والاخلاقِ والقِيمِ، فهي مُقَدَرَةٌ بمقاديرَ وحدود لاتتجاوزها، وموزونةٌ بموازينَ مُحَدَدَةٍ .

نَظَرِيَّةُ الأَوساط الارِسطِيَّةِ، واجهت اشكالاتٍ عديدةً ونقوداً كثيرةً، لانَّ الصِدقَ فضيلةٌ ليست وَسَطاً بينَ رذيلَتَينِ؛ فهناك صِدْقٌ وكِذبٌ . والعدلُ ليس وسَطَاً بينَ رذيلَتَينِ؛ لانَّ هناكَ ظُلماً وعدلاً من دون وسط . ومن الاشكالاتِ التي تَرِدُ على " نظرية الاوساطِ الارسطيّة "، انه الوسط في بعض الفضائل وربما في كُلِّها يكون اقرب الى احدى الرذيلتين ويبعُد عن الاخرى، فالكرم اقربُ الى الاسرافِ منهُ الى البُخْلِ، والشجاعةُ أَقربُ الى التهوُّرِ منها الى الجُبْنِ .

نظريةُ الاوزان والاقدار في الفضائل التي استنبطتها من القران الكريم وكلمات أهل البيت عليهم السلام لاترد عليها هذه الاشكالات .

الفضيلةُ لها وزنٌ مُحَدَدٌ لاتتجاوّزُهُ، ولها مقدارٌ لاتتعداهُ؛ فاذا تجاوزت الوزن والمقدار او نقصت عنها لاتظلُّ فضيلةً بل ربما تنقلبُ الى رذيلَةٍ .

فالصدقُ وفقَ نظرية الاوساط فضيلةٌ دائِماً، ولكن وفق نظرية الاوزان المحددة للفضائل قد ينقلبُ الصدقُ الى رذيلةٍ اخلاقيّةٍ فيما لو أّدّى الى كشف اسرار البلدان، وقتل الابرياء، وهتك المقدسات، لماذا لانه يتجاوز وزنه وحده ومقداره؛ فلايُعَدُّ فضيلةً .

وَهذِهِ النظريةُ تدعَمُها الآياتُ القُرآنِيَّةُ، ومن هذه الايات، قوله تعالى:

(الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا). الفرقان: الاية: 67.

والقَوامُ بفتح القاف في كلام العرب هو: الشيءُ بينَ الشَيئينِ . تقولُ للمَرأةِ المُعْتَدِلَةِ الخَلْقِ، انها لَحَسَنَةُ القَوام في اعتدالِها . ومعنى القَوام في الآيةِ ( قَواماً مُعتدلاً ) لامجاوزةَ فيه عن حدِ الله، ولاتقصيراً عمّا فرضَهُ الله ُ . اي ان هناكَ في القَوامِ وزناً لايتعداهُ وقدراً مقدوراً لايتجاوزُهُ .

وهناك آياتٌ تدعمُ هذهِ النظرية منها:

(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ).السجدة: الاية: 18.

لايستوون لانّ هناك وزناً ومقداراً لفضيلةِ الايمانِ لاتتجاوزُهُ ولاتتعداهُ . وقوله تعالى:

(قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).المائدة: الاية:100. لايستويان لانَّ هناك وزناً ومقداراً للطيب لايتعداه ولايتجاوزه، واذا تجاوزه او نقص عنه انقلب الطيب الى خبيث .

والفقهاء يتحدثون عن انقلاب الخمر النجس والمحرم الى خل وفي هذا الانقلاب يكون الخلُّ طاهراً وحلالاً . لماذا ؟ لانَّ للخمر حدَّهُ ووزنهُ ومقداره فاذا تجاوزهُ انقلبَ الى ضدهِ، وكذلك الامر في الاستحالة، فاذا استحالت العذرةُ النجسةُ الى رمادٍ طهرت، لان للعذرة مقدارها وحَدُّها ووزنُها، وللرماد مقدارُهُ وحدهُ ووزنُهُ .

الامام ُ زينُ العابدين (ع) يدعمُ نظرية الاوزان في الفضائلِ

الامامُ زينُ العابدين علي بن الحسين عليه السلام يشير الى هذه النظرية في دعاء مكارم الاخلاق بقوله:

(اللَّهُمَّ صَـلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلا تَـرْفَعْنِي فِيْ

النَّاسِ دَرَجَـةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحْدَثْتَ لِي

ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا).

والفيلسوف افلاطون يتحدث عن الفضيلة باعتبارها توازن قوى بين القوة العقلية والشهوية والغضبية، والقوة العقلية هي التي تحدث هذا التوازن . فافلاطون يتحدث عن ميزان ووزن للفضيلة .

الكِبرُ هو اضطراب في الوزن

الكبر مرضٌ اخلاقيٌّ مُدَمِّرٌ، وهو مرضٌ قلبيٌّ تظهرُ اعراضُهُ على الجوارح، يقول الله تعالى وهو يتحدث عن وصية لقمان لابنه:

(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).لقمان: الاية: 18. فتصعير الخد، والمشيُ في الارضِ مَرَحاً والاختيال، ليس هو الكبر، وانما هو اعراض وعوارض الكبر، والاّ فالكبرُ مرضٌ قلبيٌّ كامنٌ في اعماقنا.

وكذلك قول الله تعالى على لسان لقمان في وصيته لابنه:

(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).لقمان: الاية: 19. ان المشي في الأَرضِ مَرَحاً الذي يقابله القصد في المشي اي وزن المشي، والصوت الصاخب الذي يقابله غض الصوت، كلها اعراض للتكبر وليست هي التكبر.

الكبرُ سببٌ في إِعراضِ الناسِ عن دعواتِ الانبياءِ

دعواتُ الانبياءِ كانت دعوات واضحة لاتعقيد فيها، ومعززة بالادلة والبراهين، فلماذا يُعرِضُ عنها الناسُ ويديرون ظهورَهُم لها، لماذا يَضعُون اصابِعَهُم في آذانِهم ويُغَطُوا وجوهَهُم، الكبرُ هو العامل الاساس في هذا الاعراض والصَّدِّ والنكولِ والمواجهةِ يقول الله تعالى:عن قوم صالح في مواجهة نبيهم:

(قال الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ).الاعراف: الاية:75.

فاجابهم الذين استكبروا:

(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ).الاعراف: الاية: 76.

وقوله تعالى:

(بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ). الزمر: الاية:59.

والمستكبرون يكذبون حتى بمعاجز الانبياء التي يرونها بأعينهم:

(وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ).الاعراف: الايات 132-133.

والذين يجادلون في ايات الله البينات انما يجادلون استكباراً لابحثاً عن الحقيقة، يقول الله تعالى:

( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). غافر: الاية: 56.

والدار الاخرة والجنة لايدخلها المستكبرون:

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).القصص: الاية: 83.

والاستكبار احدث كوارثَ في بُلدانِنا،فالنازيّةُ والفاشيَّةُ والصهيونيَّةُ دعوات فيها كبرٌ واستعلاء على الناس سببت في احتلال الاوطان وفي الحروب والكوارث المدمرة.

فالمانيا الهتلرية فوق الجميع، وفكرة شعب الله المختار والتمييز العنصري، افكارٌ منشؤُها الكِبرُ والاستعلاءُ.

 

زعيم الخيرالله

 

 

عدنان عويدمهام ووظائف أيديولوجيا الاستهلاك:

لكي يحقق ملوك المال الأهداف النهائية لمشروع مجتمعهم الاستهلاكي كان لابدّ لهم من تسخير كل وسائل الفكر المتاحة أيضاً، لابدّ لهم من أيديولوجيا تعمل على إعادة هيكلة كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية بما يتناسب وروحية هذا المجتمع. لذلك راح مفكرو ومنظرو المجتمع الاستهلاكي، يضعون كل امكاناتهم من أجل تطبيع الفرد على روح المجتمع الاستهلاكي واظهار الاستهلاك بأنّه المحرك الأساسي للاقتصاد. هذا وقد راحت آراؤهم تتسلل إلى مجتمعات دول العالم النامي عموماً، لتعمل على اقناع أصحاب الفرار فيها أن يحذوا الحذو الأوربي في تنمية المجتمع الاستهلاكي عندهم، إذا أرادوا أن يحققوا التطور ومجاراة الأُمم المتقدمة.

أمّا أبرز الوسائل المحققة لهذا المجتمع بالنسبة إلى دول العالم النامي، فتقوم على الاستيراد، أي، على هذه الشعوب أن توسع أسواقها الداخلية وتفتحها أمام منتجات وأموال الرأسمال الاحتكاري، موهيمن الإنسان هنا، بأن حاجاته الاستهلاكية ومطالبه الجسمانية هي التي تدفع المنتجين إلى التصنيع وليس الربح.

في نهاية بحثنا نقول: يجب على النمو أن يحقق الهدف الإنساني الأرقا، هذا الهدف الذي يضع في اعتباره صيرورة الإنسان وحاجاته الأساسية التي تؤكد انسانيته، متجاوزاً كل المفاهيم الرأسمالية المعاصرة في النمو، متجاوزاً كل قيم الاستهلاك الهادف إلى الربح فقط، هذا الاستهلاك المفصول عن عضويته الاجتماعية وصلاته بالإبداع الإنساني.

يجب على النمو المعقلن، أن ينظر إلى الإنسان، كغاية لهذه الحياة ومنطلقا لها، وما الاستهلاك بالنسبة له إلا حاجة لصيرورته الإنسانية كما قلنا من قبل، لا اعتبار الإنسان نفسه حاجة لصيرورة الاستهلاك.

إنّ أهداف النمو المعقلن هذه تتطلب الآن جهوداً متعددة الاتجاهات والأطراف، وقضية المجتمع الاستهلاكي لم تعد قضية خاصة بالدول الرأسمالية فحسب، بل دخلت الآن مجال العولمة، بسبب الدور المدمر الذي تنتهجه الشركات الاحتكارية عبر العالم. ومشكلة التصدي لنهج هذه الشركات الساعية إلى نشر النمو الاستهلاكي، لم تعد مرتبطة بالحكومات وحدها بل هي مرتبطة الآن وبشكل أكثر من السابق وخاصة بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية وسيطرة العلاقات الاحتكارية العالمية، بكل القوى الوطنية والتقدمية ممثلة بأحزابها ومنظماتها، وعبر كل الوسائل المادية والفكرية المتاحة لها.

إنّ مشكلة التصدي لنمط المجتمع الاستهلاكي هي تصدٍّ عملي للقوى الامبريالية المعاصرة، وهي بالضرورة مهمة إنسانية تهدف إلى حماية الإنسان والعمل على مساعدته للخروج من شباك القهر والظلم والاستلاب، وادخاله ثانية عالم الإنسانية المبدعة، عالم الحرية والعدالة والمساواة.

 

عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

 

قاسم حسين صالحأشرنا في الحلقة ألأولى الى أن بعثة الأتحاد الأوربي كانت قد رفعت علم المثليين على بنايتها في بغداد، واختجاج وزارة الخارجية، وما اثاره الحدث من جدل رسمي وشعبي، وتغريدات نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بهاشتاغ "#كلا_لعلم_المثليين_بالعراق، وبين ساخر يقول:إن على العراقيين مراقبة "ميول الحكومة للسرقات" بدلا من "مراقبة حرية وميول الآخرين الجنسية".

وتضمنت الحلقة نتائج استطلاع بخصوص شيوع الجنسية المثلية في العصر العباسي بشكل خاص شارك فيه اكثر من (500) بينهم أكاديميون ومثقفون عرب، توزعت اجاباتهم على خمسة مواقف بين مؤيد ورافض وناقد.

في هذه الحلقة سنتطرق الى المثلية الجنسية في الدين الآسلامي، وما توصلت اليه الدراسات الحديثة بخصوص أسبابها وتحليل سيكولوجي.

الأسلام.. والمثلية الجنسية

أدان الأسلام المثلية الجنسية في قوم لوط، وعدّها القرآن فاحشة في آية صريحة: ( ولوطا اذ قال لقومه أتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العلمين).وقوم لوط هم انفسهم الذين وردوا في الكتاب المقدس في المسيحية بسكان سدوم وعموره الذين خسف الله بهم الأرض وجعل عاليها سافلها، فيما يرى باحثون أن ما حلّ بهم جاء نتيجة عدم ايمانهم بنبوة لوط وكفرهم بالله.

وهناك العديد من الأساليب التي دعا فيها فقهاء الشريعة الإسلامية لمعاقبة مثليي الجنس ومثلياته، بينها تعريض الشخص المثلي للرجم بالحجارة حتى الموت على يد حشد من المسلمين. وينسب البعض حديثا للنبي محمد :"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، فيما يحدد حكماء الفقهاء الاسلامي من السلفيين عقوبة المثلي بأن يلقى به من سطح منزل او مكان مرتفع.

وتشير الأدبيات الى أن جميع علماء الشريعة الأسلامية المعاصرين يحرّمون المثلية الجنسية، ويرون أن أي نشاط جنسي من نفس الجنس يعدّ جريمة بالرغم من انهم لم يتفقوا على تحديد نوع العقوبة بحق من يمارسه او تمارسه.. ويبررون ذلك بحجة تطهير المجتمع الاسلامي من الرذيلة.

وحديثا، تعدّ المثلية جريمة يعاقب عليها القانون تصل حد الاعدام في عدد من البلدان الاسلامية، وكانت الدول ذات الغالبية المسلمة قد عارضت التحركات لتعزيز حقوق المثليين في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع لها، الذي اصدر عام 2011 أول قرار للاعتراف بحقوق المثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسياً.ومع ذلك، وبتأثير الحضارة الغربية ومنظمات حقوق الانسان ابدى بعض علماء الدين تقبّلا لها في المجتمعات الاسلامية.

المثلية الجنسية.. علميا

الأشكالية العلمية في المثلية الجنسية تتحدد باربعة اسئلة:

هل هي اضطراب عقلي ناجم عن جين او شفرة (كود) في كروموسوم؟ أم هي سلوك يكتسبه الفرد من الآخرين؟ أم شذوذ او خلل نفسي ناجم عن تنشئة أسرية او عوامل اجتماعية وحضارية؟ أم انها سلوك طبيعي حالها حال السلوك الجنسي الغيري الشائع؟

ينبغي، بدءا، توضيح مفهوم التوجه الجنسي Sexual orientation اذ هو يعني، سيكولوجيا، "نمطا ثابتا من العواطف، الرومانسية، و/او الأنجذاب الجنسي نحو الرجال او النساء او كلا الجنسين، وشعور الفرد بهويته القائم على هذا الأنجذاب".

ووفقا للمفهوم العلمي الحديث فان محور الانجذاب الجنسي الذي يشكل أساس التوجه الجنسي عند الكبار، يبدأ في منتصف مرحلة الطفولة وبداية مرحلة المراهقة.وكشفت الدراسات ان مديات هذا التوجه تمتد عبر متصل يبدأ بالأنجذاب الحصري نحو الجنس الآخر الى الأنجذاب الحصري نحو نفس الجنس.. ويناقش (التوجه الجنسي) عبر ثلاث فئات:

- الغيرية Heterosexuality وتعرّف بأنها انجذاب رومانسي,وسلوك جنسي بين افراد من الجنس او الجندر المضاد، اي الاستمتاع بممارسة الجنس مع الشخص المضاد بايولوجيا، وهو الشائع والطبيعي، .

- والمثلية Homosexuality وتعرّف بأنها انجذاب رومانسي ,او سلوك جنسي بين أفراد من نفس الجنس او الجندر، وتوصف بأنها نمط ثابت من الأنجذاب العاطفي، الرومانسي، الجنسي نحو أفراد من نفس الجنس(الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة).

- والثنائية Bisexuality وتعرّفها القواميس الاجنبية بأنها انجذاب رومانسي وتوجه جنسي او سلوك جنسي نحو الذكور والاناث معا، بممارسة الجنس مع الصنفين (الرجال والنساء).. ويوصف هؤلاء بأنهم مفرطون في النشاط الجنسي، وغالبا ما تحصل في مرحلة المراهقة، يقرر بعدها الشخص ان يكون من صنف الغيرية او المثلية.

اجريت دراسات كثيرة تستهدف معرفة ما اذا كان للجينات دور في المثلية الجنسية بينها اكثر من ثلاثين دراسة استقصائية في بلدان غربية لتحديد نسب الشواذ جنسيا، افادت بأن النسبة تترواح بين(2الى3%).

والمفارقة، ان نسب الشذوذ الجنسي سجلت معدلات قياسية في اوساط الكنائس الغربية.ويفيد الكاهن الأسقفي الأمريكي "مالكولم بويد" أّنه: "قابل شواذًّا في المعاهد الدينية الكنسية أكثر ممّا قابل في حياته في هوليوود". وهناك ارتفاع هائل في نسب المثلية الجنسية في كليّات اللاهوت الأمريكية تصل احيانا الى 30% من المجتمع الجامعي.. ما يعني ان الأمر ليس متعلقا بالجينات بل بمتغيرات اجتماعية وحضارية وثقافية.

وتفيد دراسة لاستاذة علم الاجتماع آميباتلر راجعت كل البحوث ذات العلاقة وتوصلت الى ان نسب المثلية الجنسية تضاعفت بدءا من عام 1991، لأسباب تتعلق بالترويج الاعلامي واخرى سياسية واجتماعية، ما يعني، في رأيها، ان السبب لو كان متعلقا بالجينات فقط لظلت النسب ثابتة. يؤيدها في ذلك ان المحكمة الاتحادية في اميركا أقرت في 2015 بحق المثليين في كل الولايات بعد ان كانت محددة بـ(36)ولاية.

اكتشافات وخيبات

شهدت السنوات الأخيرة اعلان باحثين عن توصلهم الى اكتشاف الجين المسؤول عن المثلية الجنسية، وسارع الاعلام للترويج عن حل لغزها، فيما نفى علماء الوراثة ذلك بما فيها تلك التي اجراها فريق من الباحثين بجامعة (نورث ويسترن) التي شملت فحص الحمض النووي لـ 400 ذكرا من المثليين الجنسيين، ولم يتمكنوا من العثور على جين محدد مسؤول عن توجههم الجنسي.

وفي كتابهما (جيناتي جعلتني افعلها) يؤكد الكاتبان نيل وبريار وايتهيد: "أن الغرب كان موضوعًا لحملة من التضليل والخداع في السنوات الثلاثين الأخيرة، جعلت مؤسساته العامة من المشرّعين إلى القضاة ومن الكنائس إلى التخصّصات الذهنية الصحيّة يؤمنون بشكل واسع أن المثلية الجنسية موروثة عضويًا وبالتالي لا يمكن تغييرها"

وهناك تجربة طريفة، قام فيها فريق علمي بفصل مجموعة من القردة الذكور عن امهاتهم وتمت تنشئتهم دون وجود الأم، وحين كبرت تم تقديم قردة انثى مقبولة جنسيا اليهم فاحتاروا واستغربوا، وحاول بعضها التناسل مع القردة الأنثى الا انهم فشلوا.. ما يعني ان السلوك الجنسي يكتسب، ولو جزئيا، خلال التنشئة ويتأثر بالتربية منذ الصغر وليس شيئا فطريا فقط.

استنتاج

ان المثلية الجنسية حالة بشرية موجودة عبر التاريخ في كل المجتمعات وجميع الحضارات بما فيها المجتمعات العربية والاسلامية قديمها وحديثها. وبالرغم من ان العلم لم يتوصل بعد الى سبب بعينه او اسباب محددة الا ان الرأي المرجّح هو انها ناجمة عن خلل تكويني يؤثر في نمو وتكوين الدماغ البشري يبدأ في مراحل جنينية ويتفاعل مع اسباب تنشئة اسرية واجتماعية وحضارية واعلامية، ولا علاقة لها بالتفسخ الخلقي او الاجتماعي.واذا كان الارشاد الديني والاخلاقي ينفع مع الذين (تخنثوا) لأسباب اسرية واقتصادية وشعور بالضياع، فانه لايجدي نفعا" مع المثليين لاسيما المصابين بــ (اضطراب الهوية الجنسية) التي تعني شعور الفرد بانه ولّد في الجسم الخطأ، حيث يشعر الولد نفسيا" انه انثى ولكنه مولود في جسم ذكر، فيحصل بسببها اضطراب بين هويته النفسية ومشاعره الانثوية وبين هويته البايولوجية وما مطلوب منه التصرف كرجل.. والعلة نفسها عند المرأة المثلية حيث تشعر نفسيا انها ولدت في الجسم الخطأ.

المثلية الجنسية.. عراقيا.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كنت اعمل خبيرا علميا بمركز بحوث تابع لوزارة الداخلية، فاستدعيت لمقابلة الشخصية الأكبر فيها السيد طاهر جليل الحبوش، فقال لي مازحا: (عدنه ولد يعجبوك ما تشوف شنو قضيتهم).

جيء بهم اليّ واحدا بعد الآخر.كان الأول ضارب حمره (متمكيج تمام)، والثاني (نافخ صدره)، والثالث (مايع صوره وصوت).. ووو.

اكملت الدراسة واوصيت فيها بأحالتهم الى مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية.. وفعلوا، ونوقشت في ندوة خاصة دعوت لها الراحل الدكتور علي الوردي الذي افاد بأن المثلية الجنسية كانت شائعة في بغداد زمن الأحتلال العثماني وان (البغاده) كانوا يتداولون مفردة (فرخجي) لمن كان مثليا (لوطيا) وان بينهم من كان يتباهى علنا بحسن غلامه.. واسرّني بأسم شخصية سياسية كبيرة! زمن النظام المالكي كان مثليا.

وفي 2010 ظهرت الى العلن حالات اصطلح على تسميتها شعبيا" (طنطا).. وتعني الشباب المتميعين الذين يستخدمون (المكياج) لتجميل وجوههم، وزرق الهرمونات لتكبير الصدر، والتشبه بالنساء في تصرفاتهم فيصفهم الناس بــ (المخنثين) أو (المثليين) أو (الشاذين جنسيا")، فقامت أحدى الميليشيات الأسلامية بقتل عدد منهم واحتجاز عدد آخر ولصق مادة السيكوتين على فتحات شروجهم، وراحوا على ما فعلوا بهم يستمتعون! .. وادنا هذا التصرف بمقال نشر في الصحف ولقاء عبر فضائية الحرة عراق.

وفي التسعينيات كتب لي (مثليون) حالات لبرنامج (حذار من اليأس).. وأخرى هددت بالأنتحار ما لم يتم تحويلها الى الجنس الآخر.. واخرى راجعتني في مكتبي بالقبة الفلكية بينها حالات تعاني من اضطراب الهوية الجنسية، ما يعني علميا أننا يعوزنا الآن اجراء دراسات عن الظواهر الجنسية على غرار دراستنا عن ظاهرة البغاء (1987)التي اعتبرت اول دراسة عربية وعالمية في مجالها من حيث حجم العينة (221) بغيا وسمسيرة، وعدد الأختبارات وانواع المقابلات.

وثقافيا، نحن نحتاج الى مشروع يهدف الى اشاعة الثقافة الجنسية بين الناس تساهم فيه وزارة الثقافة والأتحاد العام للأدباء والكتّاب والمنظمات النسوية.وكنت ساهمت في كتابة ذلك المشروع ايام كنت خبيرا في الأتحاد العام لنساء العراق.. وتقدمنا فيه خطوات وكاد أن يشرّع بقانون لولا اعتراض رجل دين اصبح الآن داعية في احدى دول الخليج.

موقف شخصي

لست مع المثلية الجنسية كممارسة لأن (ما بيها ذوق) ولأن شيوعها فيه خطورة بشرية تؤدي الى انخفاض عدد السكان على المدى الطويل، وتقتل سيكولوجيا امتداد ذكر الانسان بانجاب من يخلد ذكره.. فيموت معنويا، وسيفقد الجنس متعته السيكولوجية، ويتحول الشعر الى التغزل بالغلمان، والعشق في الروايات الى هيام الرجل بغلام.. وسيكون الخاسر الأكبر فيها هو المرأة، لانها ستفقد حب الرجل والانجاب وغريزة الأمومة.

لكنني بالتأكيد ضد التعصب والتمييز وأرهاب الدولة والمجتمع والمتطرفين دينيا والمتزمتين اخلاقيا ومعاملة المثليين معاملة المجرمين.

والمؤسف ان الدراسة الاستطلاعية كشفت لنا، ان مثقفين وأكاديميين تحكمت بهم انفعالات بعضها طائفية! حين اشرنا الى ان المثلية الجنسية كانت شائعة في تاريخنا العربي والاسلامي، معتبرين المثلية الجنسية دعارة وفاحشة وان تاريخنا نظيف منها، مع أن الحضارة العربية والأسلامية لها فضل كبير على الحضارة العالمية والأوربية بشكل خاص.والمدهش ان الأندلس التي احتلها العرب.. اقاموا على كورنيش البحر الأبيض المتوسط تماثيل للمفكرين والعلماء العرب بينها تمثال لأبن البيطار.. وثقتها بصورة لي معه.. متباهيا به ومشيدا بفضل من خلدوه مع ان اجدادنا احتلوهم!

ما نرجوه من الحكومة، ونتوسم خيرا برئيسها السيد مصطفى الكاظمي، ان تكون الظواهر الاجتماعية والاخلاقية والنفسية من اختصاص الأكاديميين اصحاب الشأن.. لدراستها ميدانيا وتقديم التوصيات والمقترحات الى المؤسسات المعنية في الدولة لاتخاذ ما يلزم لمعالجتها، فالمجتمع بدون علماء يدرسون ظواهره السلبية وما يواجهه من تحديات، لن يتقدم .. ودليل ذلك ما حصل للعراقيين في 17 سنة كانت فيها السلطة طاردة للعلماء ومهمشة لدورهم، فيما اعتمادها عليهم سيساعد في تذليل الكثير من التحديات ويسهم في نقل العملية السياسية من سكة المحاصصة الى سكة الدولة المدنية الحديثة التي هي احد اهم أهداف الأخ مصطفى الكاطمي.

اخيرا.

شكرا لأكثر من (500) شخصية ساهمت في الدراسة الأستطلاعية، وارجو ان يكون قد توضح الهدف الآن للذين لاموا وانتقدوا.. والذين سبّوا وشتموا ايضأ.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

محمد مسلم الحسينيرغم التشابه الكبير بين أعراض الأنفلونزا الموسمية العادية وبين أعراض إنفلونزا كورونا الجديد "كوفيد 19" التي حصلت في الصين لأول مرة في نهاية عام 2019م، إستطاع الصينيون التفريق بين الحالتين بسرعة نسبيّة وتشخيص الفايروس الجديد المسؤول عن الوباء الجديد ودراسة خصاله الإستثنائية وخواصه العامة. إكتشفوا الصيغة الجينيّة للفايروس الجديد المتحور وهو من  سلالة فايروسات كورونا  الأم التي تسبب الإنفلونزا الموسميّة عادة، وأستطاعوا أيضا تحجيم إنتشار هذا الفايروس  المتحور بايولوجيّا وإحتوائه في مناطق وجوده ومعرفة كيفيّة التعامل معه ومع مضاعفات تأثيراته الصحيّة عند البشر بأقل الخسائر.

رغم كلّ المعلومات التي توفرت منذ البداية عن وباء كوفيد 19 وعن طبيعة وخواص الفايروس المسبب له، فقد تباطأت وتلكأت بعض الدول في إتخاذ الإجراءات الإحترازية الضرورية اللازمة، التي من شأنها الوقوف أمام إنتشار الوباء والتعامل معه ومع مضاعفاته. معظم الدول الغربية الكبرى وأمريكا على رأسها، لم تتحسب لهذا الوباء بل لم تقم بما ينبغي أن يكون، فدفعت وتدفع الثمن غاليا اليوم لتهاونها أمام الوباء الذي لم تؤمن، في بادىء الأمر، بشراسته وعنفوانه وبطشه. هناك عدة أسباب أدت وتؤدي الى بطش كوفيد 19 بهذه الدول وبغيرها، أوجز أهمّها بما يلي:

أولا: العامل الإقتصادي:

غالبية دول الغرب تعيرأهميّة كبرى للعامل المادي والإقتصادي وتتجنب أي خطرأو تهديد قد يؤدي الى تباطؤ عجلة الإقتصاد عندها، فهي تسعى دائما للخروج من أزماتها الإقتصادية والمالية السابقة وتسعى لتقليل البطالة عندها وتحفيز النمو الإقتصادي المتعثر. خطوات صد الوباء والتأهب له بالشكل المطلوب يكلف ميزانية الدول ويقلل من مواردها المالية العائدة من تعاملاتها التجارية والسياحيّة والإقتصاديّة الأخرى. كما أن التعاملات الإقتصادية للدول مرتبطة مع بعضها إرتباطا وثيقا، وهذا يحتم الإحتكاك الدائم والمستمر وعدم القيام بإجراءات منفردة تؤدي الى العزلة والإنحسار على النفس في ظل جو العولمة السائد. وهكذا تهاون السياسيون أمام المتطلبات الأولية للمرحلة لأن الثمن المادي قد يكون باهضا لو تعاملوا مع الموقف بالنحو الصحيح، فتصرفوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال تجنبا للخطر!

ثانيا: عامل المفاجأة وسوء فهم حقيقية الحالة:

رغم المعلومات المفصلة التي تتحدث عن شراسة الفايروس الجديد وسرعة إنتشاره والتي صدرت عن منظمة الصحة العالمية وعن التقارير الواردة من الصين، لم يكترث الغرب بما يحصل رغم التحذيرات المتكررة على لسان رئيس المنظمة الدكتور " تيدروس أدهانوم غيبريسوس" للغرب من عنف الوباء ومن عاقبة التهاون الحاصل عندهم وعدم إكتراثهم للطبيعة الوبائية الخاصة والإستثنائية لهذا الوباء. تصرفت معظم دول الغرب وكأن المشكلة لا تعنيها وكأن الوباء سيبقى محصورا في الصين وملحقاتها ولن يبتعد عن ذلك المحور البعيد،  تيمنا بما حصل من قبل في أوبئة سابقة مثل وباء "سارس" و"ميرس" وإيبولا ومرض الزيكا وإنفلونزا الطيور والخنازير وغيرها حيث لم يتأثر الغرب فيها بشكل محسوس . كما أن عودة المواطنين الغربيين الذين كانوا يعملون في مدينة "ووهان" الصينية، وهي بؤرة الوباء أنذاك، الى أوطانهم وقد أصيب بعضهم بالوباء وكانت إصاباتهم خفيفة وغير مؤثرة، أعطى إنطباعا خاطئا عند بعض المسؤولين السياسيين على أن الوباء ليس أكثر خطورة من الإنفلونزا العادية! وهذا ما أعتقدوه وصرحوا به مرارا وتكرارا قبل ولوج الوباء عندهم وإنكشاف الحقيقة. راح بعض المسؤولين أبعد من ذلك في تصوراتهم حينما وصفوا هذا الوباء بأنه "خدعة" ووبخوا الأطباء والصحفيين الذين أرادوا نشر الحقيقة وأعترضوا على حالة الترهل في التعامل مع هذا الوباء في بداية الأمر!

ثالثا: مناعة القطيع: 

توهّم بعض أهل الإختصاص وبعض الأطباء الحكوميين وبتحفيز ودفع سياسي إقتصادي بأن السبيل الأنسب في التعامل مع الوباء وتجنبا لإستخدام الإجراءات الصحيّة المطلوبة للتصدي له، المكلفة ماديّا والمضرة إجتماعيّا، هو ترك الوباء يسير في المجتمع كي تتكون المناعة المجتمعية العامة والمصطلح عليها بـ "مناعة القطيع Herd Immunity". هذا الإقتراح وأن كان على لسان النزر القليل من الأطباء فقد تبناه بعض المسؤولين السياسيين في الوهلة الأولى لأنه يضرب على أوتارهم الحساسة، فتركوا أبواب بلدانهم مفتوحة دون رقابة ودون فحص أو تدقيق فأنتشر الوباء بسرعة وحصلت المفاجأة بعد أن تكدست أعداد المرضى على أعتاب المستشفيات فأكتشفوا خطأهم وعرفوا بأن سياسة مناعة القطيع لا تصلح لهذا الوباء الخطير سريع الإنتشار وقوي الأثر، خصوصا في ظل غياب اللقاح الخاص بهذا الوباء !.

رابعا: الديمقراطيّة:

حينما تفاعلت الصين بشدة وحزم في إجراءاتها الصحيّة والوقائية لإحتواء هذا الوباء الصعب، صعّد الإعلام الغربي لهجته وأنتقد بعض السياسيين التصرفات الصينيّة ووصفوها بالفعل الدكتاتوري المحض! فالأجيال الغربية الصاعدة التي نشأت في ساحات الديمقراطية لم تشهد في تأريخها عزل مدن بكاملها عن بعضها مع ملايين البشر فيها يحظرون من التجوال بسبب مرض...! فتبلورت عندهم النغمة الحقيقية التي إعتادوا على سماعها عن الإضطهاد الصيني للمواطنين وعن الإسلوب القهري المميز للنظام المستبد! لم يخطر على بالهم بأن الصين تتصرف ضمن قواعد علمية تقتضيها المرحلة والمصلحة العامة من أجل الحفاظ على الأرواح ومنع الكارثة. وهكذا أستقبل الغربيون كوفيد 19 دون تحفظات تضير بمبادىء الديمقراطية كي يعطون صورة لردة فعل مختلفة عما دار في الصين الدكتاتورية !

خامسا: نقص التحضيرات الوقائية والطبية: 

رغم أن مسار الوباء في الصين كان على مرأى ومسمع الجميع إلاّ أن الغربيين لم يحركوا ساكنا من اجل التحضير والتحصن والتعسكر أمام عدو قادم. هجم الوباء والغربيون لديهم نقص كبير في كل وسائل التصدي للوباء من كمامات وقائية وكفوف واقية للأيدي وأدوات تشخيص ومحاليل كشف الى أجهزة تنفس إصطناعية وكادر طبي متدرب ومتأهب للضرورة. كان الأطباء لا يرتدون الكمامات الوقائية في بعض المستشفيات الأوربية لعدم توفرها أو عدم كفايتها! حيث فقدت إيطاليا أكثر من 150 طبيبا من جيشها الأبيض المتصدي للفايروس وأمتلأت ممرات المستشفيات بالأعداد الفائضة من ضحايا كوفيد 19 بسبب تزاحم المرضى وشحة المكان، في أوج حالات الوباء، الى الحد الذي طبقت فيه نظرية البقاء للأقوى، فأنخفضت العناية لكبار السن من أجل الأقل عمرا !

سادسا: تلكؤ البحوث الطبية:

دعى الباحثون والأطباء في الغرب، وخصوصا بعد توالي التحورات البايولوجية للفايروسات، حكوماتهم لتمويل مشاريعهم البحثية التي تستشرف تحور الفايروسات في المستقبل خصوصا بعد أن إستجد عدد لا يستهان به من الفايروسات المتحورة والتي صنعت أوبئة خطيرة هددت البشرية بفترة قياسية من الزمن. هذه البحوث الإستشرافية هدفها صنع لقاحات لأوبئة محتملة الحدوث مستقبلا، كي تكون جاهزة وقت الحاجة، غير أن هذا الطلب لم يلبىّ لأسباب مادية!

سابعا: عدم إلتزام بعض السياسيين بالنصائح الطبية والوقائية الصحيحة:

بعد أن تفشى الوباء في هذه البلدان إنصاع السياسيون لبعض النصائح وهم مجبرون وليسوا مخيرين، فوافقوا على فرض الحجر المنزلي العام ووافقوا على فرض بنود التباعد الإجتماعي على أفراد المجتمع. غير أن هذا الإلتزام لم يكن الاّ مؤقتا، فهم في صراع مستمر مع ذوي الإختصاص والمعرفه في تشخيص الفترات الزمنية للحظر، وهم في عناد مستمر معهم في ميكانيكية التعامل والتفاعل مع مجريات الأمور. السياسيون يعطون الأولية للإقتصاد وإعادة الأمور لمجاريها من أجل عودة الحياة للإقتصاد المريض، بينما الأطباء ينصحون، من وجهات نظر طبية، بخطوات يرونها ضرورية لمنع إنتشار الوباء وتحجيمه ومنع عودته. صور النزاع هذه واضحة بشكل خاص في أمريكا حيث طرد الرئيس الأمريكي بعض أهل الإختصاص من مراكزهم لمخالفتهم لآرائه وهدد بطرد آخرين، وقد يؤدي هذا العناد مع أهل الإختصاص الى عواقب وخيمة مستقبلا مما قد يجعل الوباء، في ظل هذا النزاع، قادرا على الإستقرار والبقاء والتوطن !

 

د. محمد مسلم الحسيني

أخصائي علم الأمراض

 

وسام عبدالعظيم عباسان الحديث عن التعبير والمستوى ما قبل التعبيري من خلال دراسة التعبيرية تُبين تَكون العلاقة وتطور الانسال ثم تطوير الكائن الفرد، ودراسة مفهوم الحدود عن طريق احساس الطفل بذاته من خلال احساسه بجسده وجلده كعضو محدد في ذات الوقت خالق لعملية التبادل مع الاخر، وذلك بحثاً عن التماثل وراء الاختلاف  وهو الهدف الاول الذي تسعى الى تاكيده انثروبولوجيا المسرح الذي ارسى قواعدها كل من كروتوفسكي و اوجينو باربا اللذان تجاوزا كافة الحدود الفاصلة بحثاً عن عمومية التعبير في الكون، ان كتاب طاقة الممثل مقالات في انثروبولوجيا المسرح، اوجينو باربا واخرون من اصدارات وزارة الثقافة المصرية، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ترجمة سهير الجمل ومراجعة منى على صفوت، تناول الكتاب تسعة مقالات تتحدث عن طاقة الممثل والمستوى ما قبل التعبيري ومسرح الشرق الاقصى، كما تناول الكتاب الطاقة ورقصة الطاقة لباربا، فيما تناول الطاقة الذكورية والطاقة الانثوية ومدى التقارب والتباعد بينهما، ثم تحدث مفصلاً عن طاقة الاجناس وتسلسلها التاريخي، ومدى ارتباطها بالكوميديا ديللارت وعلاقته بالمسرح الشعبي فيما تحدث في المقال الاخير من الكتاب عن الاقتصاد والانفاق في الاداء لدى الممثل المسرحي، يقع الكتاب في (331) صفحة من القطع الكبير، مركزاً بصورة اساسية على طاقة  الممثل وعلاقته بأنثربولوجيا المسرح، وسيتحدث الباحث عن كل مقال بشكل مفصل

- تناول الكتاب المفهوم التعبيري وتطوره وعرف التعبير الدرامي والمسرحي لدى باتريس بافيس على انه اظهار لمعنى عميق او عناصر كانت خافية، وهذا التعبير او الابراز للمعنى يتضح على خشبة المسرح من خلال الاداء الحركي والجسماني للممثل بوصفه اهم عنصر من عناصر الارسال .

- كما وضح ان نظرية التعبير تقوم على اساس ان المعنى موجود قبلاً وياتي التعبير بعده، وكانه عملية استخراج مبني على الفكرة التي تحتل وفقاً لهذا المنظور مكانة اعلى وقيمة اكبر على حساب المادة المعبرة .

- ويرى باتريس ان العمل الدرامي لا يعكس عالماً سابقاً وانما هو عالم يتم خلقه في التو والساعة وفقاً للرؤية التي يبنى عليها .

- كما يتناول الكتاب رأي (هوسرل) بالجسد الذي يقوم على استبعاد الجسد والاكتفاء بان يقف التعبير عند مستوى الرغبة بالقول، والقول هو الذي يعطي القدرة الفعلية للتعبير، وليس الجسد الذي يعد وفقاً لرؤيته عائقاً يخفي الوجود المباشر والفعلي للمدلول ويدفع الى محاولة تفسيره، بمعنى ان الجسد لا يعبر عن وانما يشير الى ولا يسهل تحويله الى معبر مباشر .

- اما رأي (بونتي) في الجسد فهو يرى الجسد بانه منبع التعبير الاصلي الذي يعطي بعد ذلك معنى للتعبير اللغوي او يعطي اللغة القدرة على التعبير، كما يرى (بونتي) ان استخدام الجسد هو تعبير بدائي اصلي، اي انه لا يقوم بالدور الثاني في عملية خلق وتوليد المعنى الذي يكسب الرمز والدلالات صفتها .

- ان المنهج الفكري لـ (بونتي) يرتكز اساساً على العلاقة القائمة بين قدرة الجسد على الاحساس وبين اللغة، ويبرز تفسيره الخاص للغة بوصفها سلوكاً اجتماعياً ويُعد الكلام وفقاً لرؤيته وسيلة التلاحم بالجسد مع الاشياء والعالم .

- اما الفيلسوفة الفرنسية (جوليا كرستيفا)  ترى الجسد من جانب اخر اذ يقول : "يجب علينا ان نلحظ اننا نجد اول خطوط تشكيل مفردات اللغة في التومئه المشحونة بالانفعالات التي يغلف بها الانسان العالم المادي بعالم رمزي انساني وهذه ليست الا احد اشكال استخدام الجسد استخداماً يرتبط دائما وقبل كل شيء بالفعل البايلوجي" 

- كما تناول الكتاب مراحل متعددة لتحليل ظاهرة التعبير من كافة زواياها والعوامل المشكلة لها ومراحل الاعداد التي تمر بها وهي تندرج تحت (تطور الانسال، تطور الكائن الفرد، التكوين الحالي) واي مفهوم للتعبير يندرج تحت هذه الانظمة.

- ثم تناول الكتاب بشكل مفصل (التعبيرية وتطور الانسال) اذ يصفها بانها تبدأ بدرجة (البونية)  التي تعد اسلوباً انسانياً متطوراً، كما تُعنى بدراسة كيفية استخدام الانسان للفراغ المحيط به بصفة مباشرة ويقسم واطسن السلوك التجاوري الى محورين اساسيين .

الاول : الحيزية الصغرى : تشمل القاعدة الهوائية التي يبلغ قطرها متراً، والمحيط بنا والتي تتفاعل داخلها العوامل الشمسية والحرارية .

ثانياً : الحيزية الكبرى : تشتمل الفراغ المحيط بالانسان في المدينة .

وان جزءاً من الدراسات الخاصة بالبونية والحسية والحركية والبارا لغوية او اللغوية الموازية متضمن للمفهوم العام للاتصال غير اللفظي والذي تقسمه (ماري ريتشي كاي) الى حواسي ولمسي وتحاوري بالاضافة الى الصمت وانظمة لغة الدلالات والوسائل الاصطناعية كالملابس والشعر .

- اما مؤيدون النظرية التي تمزج بين الاتصال والسلوك يرون ان كل سلوك ينقسم الى نوعين احداهما يؤدي الى الاتصال اما الاخر فلا .

ثم يتناول الكتاب (مسرح الشرق الاقصى وحضور الممثل) اذ يتناول نظرية (روفيني) الذي تنقل مفهوم الجدل المحتدم حول مفهوم (التبدي الشمولي) من البيئة الحياة الى البيئة المسرح، والمسرح بالنسبة لروفيني بيئة يقطنها الممثلون والانثروبولوجيا المسرحية تسلم كفرضية اساسية بان مختلف خشبات المسارح الثقافية ماهي سوى بيئة واحدة ما قبل – ثقافية وعبر – ثقافية، مثلها كمثل السافانا الامزونية، والسافانا الافريقية التي  تنتمي كل منها الى بيئة السافانا، واذا نقلنا هذه النظرية الى سكان بيئة المسرح اي (الممثلين) فان هناك قاعدة ما قبل ثقافية مشتركة .

- ان الانثروبولوجيا المسرحية وفقا لباربا لا تسعى وراء اكتشاف قوانين ما، وانما على الاصح قواعد تحدد السلوك وعلى الاخص الفسيولوجي والسوسيو – ثقافية للانسان، وقد سبق لاتيان ديكرو ان كتب ان الفنون تتشابه من حيث الاسس وليس من حيث نوعية الاعمال، ويضيف باربا (ان المسارح بدورها تتشابه من حيث المبادئ والاسس التي يرتكز عليها وليس من حيث العروض التي تقدمها)، ويؤكد باربا (نحن نستخدم جسدنا بطريقة مختلفة في الحياة العادية عن استخدامنا له في العرض المسرحي، واذا كان هذا الاختلاف غير واضح المعالم في الغرب فانه شديد الوضوح في الشرق)،  وهناك مصطلحان في الهند يشيران الى ذلك السلوك هما (لوكا دراما) اي سلوك العامة، و (ناتيا دراما) في وضع الرقص.

- ويتناول الكتاب الطاقة لدى الممثل عند باربا اذ انه (باربا) يحرص دائماً في منهجه على تذكيرنا باننا يجب الا نُعرف الطاقة على انها انقباض او ضغط عصبي مع انتشار للحيوية او سرعة في الفعل، بل يجب ان تظل كما هي كأستثمار او تحريك داخلي للقوة مع بذلها في افعال اكثر كثافة، واكثر تحديداً في الفراغ .

- كما ان هناك قاعة في النو تقول ان ثلاث اعشار حركة الممثل يجب استثمارها في الفراغ، بينما عليه استثمار السبعة اعشار الباقية في الزمن، وبذلك يستخدم ممثل النو اكثر من ضعف الطاقة اللازمة لاداء حركة ما، ومن ناحية فان الممثل ينشر جزء من هذه الطاقة في الفراغ، ومن ناحية اخرى يختزن اكثر من ضعفها وهو بذلك يخلق مقاومة تعارض فعله .

- كما يذكر باربا (رقصة الطاقة) التي هي ليست استعارة بل هو يعني بذلك ممثل يؤلف ايقاعاً معيناً وينوع تدفق الطاقة في جسده وكانه يرقص بواسطة مجموعة شفرات معينة مفاصل جسد الممثل (الكوع، معصم اليد، الاصابع ...) وهناك قطبين يرتبطان بـ (رقصة الطاقة) اذ انها تظهر الفجوة الموجودة بين الجنس والسلوك، بمعنى التمييز بين وجهين القوة، احداهما (قوي) وكله حيوية، والاخر (مرن) ناعم وهذا ما يؤكده باربا من وجود طاقة ذكرية، واخرى انثوية، اذ ان الانوثة عنصر مستتر لى كل الرجال، وكذلك الذكور لدى كل امرأة، ويرى باربا انه بفضل التدريب يتمكن كل ممثل من ان يتحكم في كلا القطبين الطاقة (الذكورية والانثوية) ويؤكد انهما لا ينتميان الى السلوك العادي للرجل والمرأة في الحياة اليومية .

- ويمكن ان نرى الطاقة (الذكورية او الانثوية) في المسرح الشرقي في اليابان (فن الاوناجاتا) وهو يُعد قمة الفنون في المسرح الشرقي حيث يجسد الممثلون الادوار النسائية، وهنا لا نستطيع ان نقول ان الممثلين يتنكرون وانما يتخلصون من قناع جنسهم ليفسحو مجالاً لسلوك ناعم ومستقل عن اي نموذج مألوف في الحياة العادية .

- ومن هنا نستخلص ان الامر ليس احلال امرأة مزيفة محل الرجل من خلال محاكات سطحية وغير كاملة، وهو ليس عملية مزج بين القطبين الذكري والانثوي بل هي فرصة للممثل لابراز براعته من خلال المرور بكافة درجات الوان التعبير.

- ثم يتناول الكتاب في ص103 المقالة الخاصة بطاقة الممثل تحت عنوان (طاقة الممثل كمقدمة منطقية) لفرديناندو تافياني، ترجمة البان ديشا-بريا، وهذه الدراسة تعنى بالتساؤل عن المبادئ التي ينطلق منها الممثلون من اجل تشكيل وتطويع قوتهم العضلية والعصبية طبقا لانماط تغاير انماط الحياة اليومية، ثم تتناول هذه المقالة طاقة الممثل وتعتبرها شيء محدداً يمكن ان يتعرف عليها المجتمع منها الطاقة العظلية والعصبية ولكن ما يشد انتباهنا ليس هو الوجود المجرد والبسيط لهذة القوة لانها موجودة في اي جسم بشري، ولكن من خلال الطريقة التي تتشكل بها وذلك من خلال رؤيا خاصة وفي كل لحظة من لحظات حياتنا سواء عن وعي منا او بلا وعي .

- ثم جاء بعد ذلك دراسة اخرى تحت عنوان (الوسط المسرحي، ما قبل التعبير، الطاقة، الحضور) لـ فرانكو روفيني، ترجمة البان ديشا، اذ تقارن الدراسة الوسطى المسرحي بـ سكان البراري وان هناك خلفية مشتركة بين الطرفين، اذ يشير الى ان ساكن البراري الامزونية وساكن البراري الافريقية يختلفون فيما بينهم بمجموعة من الخصائص، متأثرين بالخصائص العامة المتمثلة بالجيو – تركيبية، ولكن فيما يخص باقي السمات فهي تتحدد وفقاً للخصائص الثقافية والاجتماعية والانثروبولوجيه وهي خصائص لا ترجع الى البراري ذاتها وانما ترجع الى منطقة الامزون على وجه التحديد، وقد انطلق باربا من هذه النظرية في بحث انثروبولوجيا المسرح في (ISTA) المدرسة الدولية لانثروبولوجيا المسرح، وقد اعتمد على الفرضية الاتية : يعتبر المسرح وسطاً وسكانه هم الممثلون .

- وتسلم الانثروبولوجيا المسرحية كفرضية اساسية بان مختلف المسارح الثقافية تشكل وسطاً ثقافياً واحداً ما قبل – ثقافي، وعبر ثقافي، بنفس الطريقة التي يعتبر بها البراري الامزونية والافريقية وسطاً يمثل البرية عامة، وان سكان هذا الوسط المسرحي هم الممثلون .

- ويؤكد باربا على ان ساكن البرية الامزوني يرينا من خلال تصرفاته الثقافية الخاصة به نتيجة الجدل مع القاعدة ما قبل الثقافية المشتركة لكل ساكن في الوسط البرار، وبنفس الطريقة فان الممثلين الذين يكون التعبير لديهم طبقاً لطرق خاصة بثقافتهم يظهر من خلال تعبيرهم نتيجة الجدل القائم ما قبل التعبيري غير النوعي لوسطهم المشترك، ان التعبير ظاهر ويُشكل كُلية اما ما قبل التعبير فمستمر ويشكل جزءاً ايجابياً من تلك الكلية .

- ويتناول باربا المسرح والشرق فيقول (نحن نحاول اكتشاف المستوى ما قبل التعبيري الذي هو الوجه الخفي للتعبير الذي يتوارى اكثر كلما كانت الطبقة الثقافية لدى الممثلين (عينة الدراسة) اكثر سمكاً وكثافة وكان التعبير لديهم مستقر مثلما هو الحال بالنسبة لممثلي مسرح الشرق الاقصى التقليدي) .

- ثم يتناول الكتاب طاقة الممثل ويؤكد على ان الممثل ساكن الوسط المسرحي ينفق من الطاقة ما يزيد عن طاقة الانسان العادي، وينفق تلك الطاقة بالمعنيين الحرفي والمادي .

- وهناك ثلاث مستويات لمعرفة الطاقة :

- الفيزيقية : تميل الى ان طاقة الممثل في المقام الاول احدى المعطيات الموضوعية .

- الفسيولوجية : تعنى بدراسة الديناميكية العضلية والعضوية بالمعنى العام والتي تدفع الى تبدي الطاقة .

- المستوى الثالث : يحتم دراسة العلاقة بين القوة العضلية والعصبية المرتبطة بالجهد الاضافي المبذول وبين الطاقة النفسية الموازية لها .

 

وسام عبد العظيم عباس

دكتوراه فنون مسرحية / بغداد

 

 

حاتم حميد محسنلو انطلقنا في رحلة طويلة من أي نقطة على سطح الارض وسافرنا في خط مستقيم الى أبعد مسافة ممكنة فنحن بالنهاية سنصل الى نفس النقطة التي بدأنا منها رحلتنا. بعد رحلة نقطع فيها ما يقارب 40 ألف كيلومتر (25 ألف ميل) عبر الجبال والمحيطات والصحاري والانهار نكون قد أكملنا رحلة كاملة حول سطح الكوكب. المحطة النهائية التي سنصل اليها ستكون بلا شك ذات النقطة التي بدأنا منها السفر.

هل ان نفس الطريقة تنطبق على الفضاء؟ لو ذهبنا في سفينة فضائية وباتجاه واحد والى أي مسافة نختارها فهل سنعود بالنهاية الى نفس نقطة الانطلاق؟ انه سؤال مثير للاهتمام. حتى عندما تشير جميع الدلائل نحو "احتمال لا"،  لكن هناك طريقتان ربما يبدو فيهما الجواب (نعم).

عندما نخرج من بيتنا وننظر الى الارض حولنا، فهي تبدو عموما مسطحة. لأننا بقدر ما ننظر في كل اتجاه، ومن أي مكان يوجد فيه الانسان على الارض،  لا نستطيع مباشرة اكتشاف انحناء الارض. هذا لا يعني ان الارض ليست كروية، انه يعني اننا لو اردنا اكتشاف وقياس بالضبط كم هي الارض منحنية، سنحتاج النظر اليها بنطاق اوسع مما تستطيع عيوننا النظر من نقطة مراقبة واحدة.

لحسن الحظ، هناك عدة طرق نستطيع بها وبفاعلية جمع المعلومات الضرورية لإظهار كروية الارض. نستطيع قياس جسم معين من مختلف خطوط الطول والعرض. او اذا أردنا يمكننا فوراً السفر الى ارتفاع كافي لكي نستطيع رؤية انحناء كوكبنا مباشرة.

وعندما نأتي الى الكون، يكون الموقف اكثر تعقيدا . من خلال رؤيتنا الى مجرة التبانة، حتى مع كل المجسات التي اُرسلت عبر ( وخارج) النظام الشمسي، نحن لا نستطيع ان نقيس مباشرة ما اذا كان الكون مسطحا ام منحنيا. ما نستطيع عمله فقط هو قياس الضوء الذي يأتي من مصادر بعيدة  تبعد عنا ملايين او حتى مليارات السنين الضوئية. اذا كان الكون منحنيا، فان تلك المسارات الضوئية ستكون منحنية بطريقة معينة،  اما لو كان الكون مستويا، فان تلك المسارات الضوئية ستعرض لنا اشكالا مختلفة. من خلال المجرات ومجموعات المجرة وحتى الضوء المتبقي من الانفجار الكبير نفسه (خلفية المايكروويف الكونية)، نستطيع ان نقرر و بشكل غير مباشر ان الكون مسطحا. و اذا كان الكون كرويا (مثل الارض)،  فان نصف قطر الانحناء هو على الأقل اكبر بمئات المرات من حجم الكون المُشاهد.

مما يبدو على السطح يشير الى ان الكون مسطحا وليس منحنيا. لا توجد هناك اشارة بان الكون منحني على الاقل، ضمن النطاق الذي نستطيع  به قياس الكون (حوالي 46 بليون سنة ضوئية في كل الاتجاهات من نقطة المراقبة لدينا) . ولكن باعتبار ان الكون ينحني ايجابيا بحيث تلتقي الخطوط المتوازية، فان الطريقة التي تُرسم بها الخطوط المتوازية (مثل خطوط الطول) على سطح الارض والتي ستلتقي بالنهاية، ليست الطريقة الوحيدة التي يمكن ان ينحني بها كوننا.

يمكنك ان تتصور، بدلا من ذلك،  ان كوننا اتخذ شكل اشبه بالنتوء المستدير torus او اسطوانة طويلة ارتبطت نهايتيها الاثنين لتكوّن شكلا يشبة حلقة الخاتم. على طول سطح النتوء، لن تلتقي الخطوط المتوازية ابدا وان الانحراف المقاس في الضوء البعيد سيكون منسجما تماما مع الكون المسطح.

 الطريقة الوحيدة التي يمكن لنا بها التمييز بين كون شبيه بالنتوء وكون ثلاثي الأبعاد هي ان نجد دليلا مشاهداً لذلك الشكل الرياضي غير العادي الذي يُعرف بـ (طوبولوجي).

ماذا سيشبه ذلك؟

ذلك يعني، اننا لو ذهبنا الى مسوحات المجرات العميقة او خرائط التجميع الواسعة النطاق او حتى الاشعاع المتبقي من الانفجار الكبير،  سنتمكن من تحديد اي منطقة في الفضاء تظهر في اماكن متعددة. اذا كان الكون يشبه نتوءا مستديرا وكان أقل من 92 بليون سنة ضوئية من النهاية الى النهاية، سنكون قادرين على تحديد اي مواقع ظهرت فيها نفس الخصائص في كلا المكانين.

لسوء الحظ، ان الكون لايظهر لنا بتلك الطريقة. جميع خرائط السماء بُنيت  الى أعماق كبيرة، بما في ذلك الرؤية المفصلة جدا لخرائط خلفية المايكروويف الكونية. الخصائص التي نراها هي غنية جدا بالمعلومات حول طبيعة الكون، لكنها دائما تمثل مناطق متميزة من الفضاء. اذا كان الكون فعلا بطريقة ما ينحني على نفسه، فهو يمكن ان يقوم بذلك فقط على نطاق أكبر مما نتصور. وحتى لو كان الموقف كذلك، سوف لن نكون قادرين ابدا على عبور كامل الكون بذلك الطراز. السبب بسيط  وهو ان الكون يتمدد وان سرعة تمدده تعني انه حتى في سرعة الضوء هناك حدود للمدى الذي سنذهب اليه. رغم اننا دائما نستطيع السفر لأطول مقدار من الزمن ونصل قريبين من سرعة الضوء لكن الاشياء التي هي حاليا أبعد من 18 بليون سنة ضوئية (حوالي 94% من الاشياء في الكون الملاحظ) ستبقى الى الأبد وراء متناول أيدينا.

لايزال، ممكنا دائما ان يكون الكون حقا منحني على نفسه كهذا، ولكن فقط على نطاق اكبر مما نستطيع تصوره. انه بالامكان لو تمكنّا من السفر بسرعة لامتناهية سنكون قادرين على آداء هذه المهمة. ربما، لو  سافرنا في خط مستقيم الى مسافة كافية، نحن حقا سنعود الى نقطة البداية تماما كما لو اُطلقت قذيفة بالضبط بنفس السرعة على الارض (وتجاهلت مقاومة الهواء)، انها قد تنتهي بضربة على الرأس من الخلف بعد 90 دقيقة .

ان سبب هذا هو الجاذبية. الجاذبية الأرضية تسحب انحناء نسيج الفضاء والذي يعني انه عندما يتحرك الشيء بخط مستقيم، فهو بالحقيقة يتبع انحناء الفضاء  الذي يسافر من خلاله. لو كنت تسافر في مسار صحيح في جوار شيء واسع جدا، فهو انما يدفعك ليعيدك الى اتجاهك الاصلي.

معظم الاشياء في الكون مثل الكواكب او النجوم او المجرات يمكن لتأثيراتها الجاذبية ان تجعل الاشياء المتحركة بسرعة مقاربة لسرعة الضوء ان تنحرف قليلا. 

يكفي ان نخلق صورا متعددة للشيء البعيد، بسبب حقيقة ان مسارات الضوء المتعددة توجد من المصدر الى المكان المقصود، ولكن ليس بما يكفي لتجعل الضوء يعود رجوعا. ان صنفا واحدا من الاشياء يستطيع إحداث ذلك وهو الثقوب السوداء. عندما يمر الضوء قريب جدا بجانب حدود السطح الخارجي للثقوب السوداء، فهو يمكن ان ينحرف بمقدار هائل جدا،  بـ 180 درجة كاملة. كان هذا عنصرا هاما جدا قاد الى حساب شكل الصورة الاولى من تلسكوب حدود الثقوب السوداء، لأن سلوك الضوء قرب الثقوب السوداء هو خارج جدا عن تجربتنا اليومية.

تلك هي الطريقة الواقعية الوحيدة التي نعرفها – بدون افتراض شيئا تأمليا حول شكل الكون (غير الملاحظ) والتخلي عن قيود سرعة الضوء – هي اننا نستطيع السفر بخط مستقيم  ونعود الى نقطتنا الاولى. الحقيقة هي ان وجود المادة والطاقة يحنيان الفضاء، وفي بعض الاماكن، الفضاء ينحني بشدة لدرجة يمكنه ان يغير مسار الشيء بشكل كبير.

مع الاختيار الصحيح،  قد نصل عمليا الى أي مكان نختاره بإطلاق سفينة فضائية بمسار جيد وبمعرفة ملائمة بالثقوب السوداء عبر المجرة والكون.

وعلى نطاق كوني، لاتوجد هناك اي اشارة عدى ان الكون لانهائي ومستوي. لايوجد هناك دليل بان الخصائص في منطقة واحدة من الفضاء تظهر ايضا في اي منطقة اخرى منفصلة، ولا دليل على تكرار النموذج في البناء الواسع النطاق للكون او التوهج المتبقي من الانفجار العظيم. الطريقة الوحيدة التي نعرفها لإرجاع الشيء المتحرك هي عبر التأثير الجذبي gravitation slingshot، وليس عبر انحناء كوني. ومع ذلك، تبقى هناك امكانية ان الكون ربما في الحقيقة يكون محدودا في المدى، لكنه اكبر مما يمكن ان توفره لنا حاليا ملاحظاتنا.عندما يتكشف الكون عبر بلايين السنين القادمة، فان الكثير والكثير منه (اكثر بحوالي 135%)  سيصبح مرئيا لنا. ان الأمل الوحيد في اكتشاف كون محدود،  قابل للعبور يكمن فقط "ومن المفارقة" في مستقبلنا البعيد والبعيد جدا.

 

حاتم حميد محسن