الترجمة وسيلة فعالة تمثل صلة وصل بين الحضارات في جميع الميادين والمجالات الفكرية، كما أنها أيضا وسيلة تعبر عن قوة وعمق منظومة فكرية ( نظرية) في استيعاب مجموعة من الأفكار العلمية    والفلسفية وغيرها من المعارف. وقد شكلت الترجمة عبر التاريخ من أهم الروابط المعرفية بين مختلف الحضارات، إذ ساهمت في تقدم مجموعة من المجتمعات بفعل ترجمة معارف ومخطوطات علمية وفلسفية، من لغة إلى أخرى قصد الاشتغال عليها نظريا والاستفادة منها عمليا، ولذلك تعتبر الترجمة من بين أهم العوامل الأساسية التي ساهمت في ازدهار وتطور مجموعة من المعارف والاشكالات الفلسفية والعلمية في العالم الإسلامي، وذلك بعد ترجمة مجموعة من الكتب والمخطوطات من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية. والترجمة كما نعلم ليست مجرد نقل حرفي من لغة إلى أخرى، بل الترجمة تحمل في ثناياها إشكالات نظرية تؤدي إلى ظهور تقاليد علمية وفلسفية جديدة رصينة وأصيلة، لأن الترجمة تحمل معها اشكالات نظرية، فلسفية وعلمية وليست مجرد نقل حرفي أو عملية تقنية.

فقد ساهمت عملية الترجمة في تطور الأفكار العلمية والفلسفية، وهذا ما جعل من الترجمة نقطة مفصلية وحاسمة في الانتقال من نسق إلى نسق علمي اخر أو من مرحلة فلسفية إلى أخرى، وفي هذا السياق سأوضح أهمية الترجمة في تطور الأفكار العلمية والفلسفية في العالم الاسلامي خلال العصر الوسيط، مع التوضيح والتمييز بين المقاربة السوسيولوجية والمقاربة الإبيستمولوجية النسقية لتطور الأفكار والإشكالات النظرية خلال العصر الوسيط وخصوصا بعد ترجمة مجموعة من الكتب والمخطوطات من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، والمقاربة التي سنعتمدها هنا هي المقاربة الإبيستمولوجية من أجل فهم منطق تطور الأفكار العلمية والفلسفية وذلك بالتمييز بين منطق العمل ( المنفعة) ومنطق النظر( المعرفة من أجل المعرفة) . من هنا سننطلق من الأسئلة التالية لمحاول فهم الوظيفة النظرية للترجمة: ماهي الأسباب    والعوامل التي ساهمت في بروز حركة الترجمة في العالم الاسلامي؟ وما هو الدور الذي تلعبه الترجمة في تطور الأفكار النظرية، العلمية والفلسفية؟

يحكي ابن النديم، صاحب ( الفهرست) الذي عاش في القرن الرابع/العاشر أن قرار الخليفة المأمون بتمويل اقتناء المخطوطات العلمية والفلسفية اليونانية وترجمتها إنما جاء بعد أن رأى في منامه أنه يتحدث مع أرسطو شخصيا. وفي الواقع لم يكن الأمر إلى هذا الحد من البساطة. ويبدو أن الملوك المسلمين المنتمين إلى الدولة الأموية قد أخذوا منذ نهاية القرن الأول/السابع يبحثون عن بعض الكتب التي تعتبر مفيدة لإدارة شؤون المملكة، مثل المؤلفات التي كان من شأنها أن تنبئ بالوقائع بفضل الوسائل التنجيمية، أو الكتب التي كانت تتضمن بعض المعارف الحربية. إلا أنه مما لا شك فيه أن الخطوة الحاسمة الأولى لظاهرة الترجمة تحققت في عهد العباسيين، أيام المنصور ثاني خلفاء تلك الدولة. ففي عهده وبمبادرة منه ترجم أول كتاب هندي في علم الفلك والرياضيات من اللغة السنسكريتية إلى اللغة العربية. وجسد ذلك أول عمل رسمي لرعاية العلوم من لدن الدولة"[1]. ولذلك فإن قراءة         ومتابعة تاريخ الحضارات الانسانية الكبرى يكشف لنا العلاقة الوطيدة بين النهضة الفكرية والاجتماعية من جهة، والترجمة من جهة ثانية. وهذا ما يؤكده الدور الذي لعبته الترجمة في العالم الاسلامي، وكذلك في اروبا ابتداء من القرن الثالث عشر. وفي هذا السياق فإن حركة الترجمة في العالم الاسلامي بشكل خاص كانت بمثابة لحظة اساسية في التقعيد لمجموعة من العلوم والافكار الفلسفية، فمن خلالها ثم التعرف على ما أنتجته الحضارات السابقة وخصوصا الحضارة اليونانية. وقد أكدت "و استقرت كتابات المتخصصين على أن هذه الحركة العلمية النشيطة، تحققت عبر مراحل أربعة: الأولى عملية نقل علوم الأوائل أيام الدولة الأموية وهي المرحلة التي امتدت ستين عاما. والثانية هي الفترة الممتدة من خلافة المنصور إلى وفاة هارون الرشيد، وهي التي نبغ فيها من المترجمين: يوحنا ابن البطريق، ابن المقفع، يوحنا ابن ماسوية... والثالثة هي مرحلة الازدهار، حيث توالت ترجمات حنين ابن اسحاق ومدرسته. الرابعة والأخيرة هي الفترة الممتدة من مطلع القرن الرابع الهجري إلى منتصف القرن الخامس، وفيها من المترجمين: أبو بشر متى ابن يونس، أبو سليمان السجستاني، أبو عثمان الدمشقي أبو علي عيسى ابن زرعة."[2] . ففي هذا الاطار التاريخي تأسست حركة الترجمة بالتدريج في العالم الاسلامي، وقد ساهمت مجموعة من الظروف والعوامل السياسية والاجتماعية في الاقبال على عملية الترجمة. وخصوصا في العصر العباسي، لأن الترجمة في العصر العباسي تحولت إلى عملية مؤسساتية منظمة. أما في العصر الأموي كانت نشاطات الترجمة اليونانية – العربية عبارة عن عملية غير منظمة جاءت كتلبية "لحاجات الزمن التي نشأت عن حكم العرب لشعوب غير عربية. كالوثائق الادارية والبيروقراطية  والسياسية والتجارية، وقد كانت شخصية وبدون تنسيق."[3] أما في العصر العباسي ستتخذ عملية الترجمة طابعا مؤسساتيا منظما، فمع قيام الثورة العباسية وبناء بغداد وانتقال عاصمة الخلافة إلى العراق، قام في بغداد مجتمع متعدد الثقافات، أساسه المزيج السكاني المختلف ديمغرافيا ويتألف من مسيحيين، ويهود ناطقين بالآرامية، وناطقين بالفارسية في المدن، وعرب كان بينهم مسيحيون مستقرون فضلا عن البدو في المناطق الزراعية شمال العراق."[4]

وهناك مجموعة من الأسباب والعوامل وراء ازدهار عملية الترجمة في العصر العباسي على وجه التحديد، ومن أشهر الروايات نذكر هاهنا لفهم تبريرات الدارسين لسبب ارتباط الترجمة بالعصر العباسي، والسبب هو:" إن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مشربا حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب أجلح الرأس، أشهل العينين حسن الشمائل، جالس على سريره.

قال: المأمون. وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة. فقلت من أنت؟ قال أنا ارسطو طاليس. فسررت به، وقلت: أيها الحكيم أسألك؟ قال: سل: قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور..."[5]

فهذا الحلم  حسب بعض الدارسين كان من أهم الاسباب والشروط في اخراج وترجمة الكتب من اليونانية إلى العربية. بمعنى أن هذا الحلم هو الذي دفع المأمون إلى الاقبال على الترجمة وتشجيع المترجمين والنقلة، وتوجيه الانظار نحو الإقبال على العلوم والفلسفة.

و من بين العوامل  الأخرى التي ساهمت وأدت إلى ازدهار حركة الترجمة والنقل:

أولا: شعور المسلمين بضآلة موروثهم المعرفي، العلمي، أمام التراث الهائل الذي تركته الأمم السابقة.

ثانيا: حدوث جدل ديني واسع بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى، فكان منطق أصحاب الديانات الأخرى أبلغ، فاحتاج المسلمون إلى ندب فريق منهم لهذه المهمة – وهم المتكلمون- كما احتاجوا إلى التعرف على طرائق الجدل والبرهان، وعلم المنطق، ولا سبيل لمعرفة هذا العلم المدون باليونانية والسريانية إلا بالترجمة.

ثالثا: إحساس الدولة الاسلامية بالغرابة اتجاه موروث الأمم السابقة.

رابعا: التطور الطبيعي للعلوم مع استقرار الدولة."[6]

فهذه النظرة إلى الترجمة نختزلها في عوامل اجتماعية ونفسية (حلم الخليفة المأمون)، فهذه المقاربة تكاد تبتعد عن المقاربة العلمية، لأن التركيز فقط على الشروط والعوامل الاجتماعية لعملية الترجمة يبعدنا عن الدراسة العلمية الرصينة، لأن مثل هذه المقاربة لا تكاد تختلف على بعض المقربات الاستشراقية للفلسفة والعلوم، في المرحلة الوسيطية في العالم الاسلامي. لأن هناك مجموعة من الباحثين والدارسين للمرحلة الوسيطية يركزون في قراءتهم ومقاربتهم لتاريخ الأفكار ( الفلسفة-العلمية) في العالم الاسلامي على مسائل دينية أساسية، لا تخرج عن نطاق علم الكلام  وهذا ما يؤدي إلى تجاهل وتغييب القضايا  والاشكالات  العلمية والفلسفية الاساسية في هذه المرحلة. فهذا إميل برييه: " يؤكد أن النظر العقلي كله تركز حول مسألتين لاهوتيتين  خالصتين: نفي التعدد في الله، ونفي كل قدرة أخرى غير قدرة الله. وبصدد النقطة الاولى كان علماء الكلام المسلمون يتساءلون كيف يمكن وصف الله، وهو الواحد، بأنه رحيم عليم عادل. وقد غلا بعضهم حتى نفى عن الله هذه الصفات. بينما اعتبرها بعضهم الثاني، بدون أن ينفيها مجرد كيفيات وجودية، بها تتجلى ماهية الله..."[7]. فهذا النقاش المتعلق بعلم الكلام كان مطروحا بطبيعة الحال في العالم الاسلامي  ولكن المشكلة تكمن حينما يتم اختزال مرحلة تاريخية تمتد لقرون في هذا الإشكال المتعلق بعلم الكلام. إذ، غالبا ما يتم استبعاد الجانب العلمي والفلسفي واختزال كل ما ثم إنجازه في العالم الاسلامي خلال العصر الوسيط في قضايا علم الكلام . ولذلك نجد مجموعة من الدراسات حول تاريخ الفلسفة والعلم في العصر الوسيط بشكل عام وتحديدا حول المرحلة العربية الاسلامية ترتكز على بعض القضايا الكلامية وتجعل منها قضايا مركزية وتغيب بذلك الاشكالات العلمية والفلسفية، التي اهتم بها العلماء والفلاسفة المسلمين في مجالات علمية مختلفة ( الفلك، الفيزياء، البصريات...) بعد ترجمة الكتب والمخطوطات الفلسفية والعلمية اليونانية إلى العربية[8].

إضافة إلى ذلك فهذه المقاربات والدراسات حتى حينما تستحضر العلاقة بين الأفكار النظرية العلمية-الفلسفية والدين تغلب منطق الصراع والتناقض بين الفلسفة والدين، عوض الاعتماد على المقاربة العلمية، لأن اعتماد منطق الصراع بين الأفكار قد يتحول إلى عائق يحول دون فهم العلاقة بين الاشكالات والافكار الفلسفية والعلمية، وهذا ما نجده لدى إميل برييه الذي يقول:

"انتشر التأثير اليوناني  المناقض لهذا العلم الكلامي، بفضل الكتب التي نقلها من اليونانية إلى السريانية  بوجه خاص. وكان في جملة ما نقلوه، في مدرسة الرها( 431-489) أولا ثم في أديرة سورية. وأخيرا في القرن السابع في قنسرين على الفرات، الأورغانون لأرسطو وكتاب في العالم المنسوب إلى أرسطو، ومؤلفات جالينوس. وفي القرن التاسع بعد تأسيس بغداد، نقلت إلى العربية كتب كثيرة سواء من السريانية أو اليونانية، وأنشأ الخليفة نفسه في عاصمته سنة 832 شبه معهد للمترجمين. وفي أواخر القرن التاسع ترجمت مجموعة من كتب أرسطو إلى العربية (مثلا كتاب السياسة). مع شروح الاسكندر وفورفوريوس وثامسطيوس وأمونيوس ويوحنا  فيليبون ... أما في الطب فقد نقلت إلى العربية كتب جالينوس وفي الفلك كتاب المجسطي لبطليموس"[9]

إضافة إلى ذلك يؤكد "إميل برييه" أن فهم أرسطو في العالم الاسلامي هو فهم ناتج عن كتابان منسوبان إليه خطأ "فنحو عام 840 نقلت إلى العربية، باسم كتاب الربوبية لأرسطو مقتطفات مختارة من سبع مقالات  من اخر ثلاث تاسوعات لأفلوطين ، وقد سبقت الترجمة بتصدير تضمن عرضا مقتضبا للنظرية الافلاطونية المحدثة في الأقانيم. هذا التصدير يضيف إلى ثلاثية الله والعقل والنفس (وكل حد في هذه الثلاثية يشتق من سابقه)  حدا رابعا هو الطبيعة التي تشتق من النفس، ويقابل كل حد من هذه الحدود الأربعة بعلل أرسطو الأربعة: الغائية والصورية والمحركة والهيولانية. وكان من بين المقتطفات تمام المقالة الثانية من التاسوعة الخامسة، وفيها تلخيص كل مذهب أفلوطين. أما الكتاب الثاني المنسوب خطأ إلى أرسطو فهو كتاب العلل ويتضمن مقتطفات من " مبادئ الالهيات لبيروقلس."[10]

فحسب إميل برييه، فهذه هي أهم المؤثرات التي وجهت الفلسفة والعلم في العالم الاسلامي بعد عملية الترجمة، وربما السبب في هذا القول الذي يكاد يكون حكما مسبقا، هو غياب القراءة والمقاربة النسقية والعلمية لتاريخ الافكار النظرية بشكل عام وفي العالم الاسلامي الوسيطي بشكل خاص.  ولهذا نجد إميل برييه يختزل الفلسفة الاسلامية في كتابه "تاريخ الفلسفة: العصر الوسيط والنهضة" في صفحات محدودة مقتصرا فقط على ذكر الكندي والفارابي وبعض الشذرات والتعريفات الضئيلة لابن سينا والغزالي، ثم بعض الفقرات حول أبن باجة، وابن طفيل، وابن رشد. مقتصرا فقط على التعريف بهم دون الاشارة إلى الاشكالات الفلسفية والعلمية التي اشتغل عليها الفلاسفة في العالم الاسلامي. وهذا الأمر يجعلنا نتساءل حول طبيعة هذه المقاربة التي اعتمدها "إميل برييه" باعتباره أحد المؤرخين        والدارسين الكبار لتاريخ الفلسفة، لكن هذه المقاربة غلبت منطق الحكم (الحكم المسبق) على منطق الفهم الرصين والمعرفة، وكأن هذه المرحلة لم تعرف إلا سجالات كلامية دينية فقط، مع التركيز على طابع التناقض بين الفلسفة في صيغتها اليونانية مع علم الكلام، وهنا تتجلى أهمية مقاربة تاريخ الأفكار العلمية والفلسفية مقاربة نسقية وابيستمولوجية بعيدا عن الخلفيات والمقاربات الايديولوجية، الاستشراقية والتمجيدية. لأن ذلك قد يحول دون فهم منطق تطور الأفكار العلمية والفلسفية.[11] ولذلك سنعمل هنا على توضيح السياق العلمي أو العوامل التي أدت إلى الاقبال على عملية الترجمة في العالم الاسلامي، لكي نميز بين منطق العمل ومنطق النظر في عملية الترجمة، وسأركز في هذا المحور على المنطق الاول، الذي يمكن ترجمته إلى السؤال الآتي:

ماهي أهم الشروط والعوامل التي أدت إلى الاقبال على عملية الترجمة في العالم الاسلامي؟ هل تم التعامل مع عملية الترجمة كوسيلة لأغراض عملية سياسية دينية أم أن الترجمة حملت في ثناياها أيضا إشكالات فلسفية وعلمية أدت إلى بناء نسق فلسفي وعلمي جديد؟

من خلال مجموعة من الدراسات العلمية والفلسفية والتاريخية يبدو أنه وبفضل الترجمة بلغ تأثير الفلسفة اليونانية في الفكر العلمي والفلسفي في العالم الاسلامي أقصى فاعليته. بعد انتشار المؤلفات الفلسفية والعلمية وخصوصا في القرن التاسع. لأنه "كانت هناك اعتبارات عملية دعت إلى نقل المؤلفات العلمية والطبية القديمة إلى العربية، التي انحصرت بادئ ذي بدئ في علوم نفعية أو شبه نفعية كالطب والكيمياء والتنجيم"[12]. فعملية الترجمة كما أسلفنا الذكر لم تبدأ جديا إلا في العصر العباسي، حيث أدخل الخلفاء في خدمتهم أبرز الاطباء والعلماء والمنجمين، ولهذا السبب ركزت عملية الترجمة في البداية على المؤلفات والكتب العملية، التي يمكن توظيفها لبناء الدولة العباسية وتحصينها  سياسيا  واجتماعيا. "لأن الانتفاضات السياسية التي تلت سقوط السلالة الأموية وانتقال الخلافة إلى العباسيين، قد أقنعت هؤلاء بأن مصير الانسانية، وقيم الدول وانحلالها، هي اسرار محفوظة في ثنايا النجوم، وأنه من شأن الحكماء وحدهم رموزها والكشف عن خفاياها."[13]

و في هذا السياق العلمي –السياسي والاجتماعي والديني- ثم تأسيس "بيت الحكمة" الذي أنشأه المأمون[14] في بغداد سنة 830. وجعل منه مؤسسة رسمية  ومكتبة للترجمة والبحث، وأرسل وفودا إلى بلاد الروم لطلب كتب ومخطوطات في العلوم القديمة، والعمل على ترجمتها إلى العربية من طرف مجموعة من المترجمين من بينهم "يوحنا بن ماسويه، والحجاج بن مطر، ويحي بن البطريق، وحنين ابن اسحاق، واخرين ...فحاجة المجتمع الاسلامي العملية للعلوم هو من بين العوامل الأساسية وراء الاقبال على ترجمة الكتب والمؤلفات والاهتمام بالعلوم. إذ "أعطى المجتمع الاسلامي بعد نشأته، دفعة لازدهار العلوم بنوعيها النقلية ثم العقلية، رغم أنه ليس في وسع الباحث إدراك جميع الأسباب الاجتماعية لميلاد هذه الحركة العلمية العقلية لفهم أسباب اتساعها وانتشارها، ورغم عدم توفر دراسات تاريخية دقيقة جدا عن المجتمع الاسلامي ونظمه الاقتصادية ومؤسساته، فإن ما لا يمكن إنكاره هو وجود ارتباط قوي ووثيق بين العلم وحاجات المدينة الاسلامية"[15]. بمعنى أن مجموعة من العلوم تم الاهتمام بها وترجمتها لأغراض وأهداف سياسية واجتماعية ودينية، فالجبر الحسابي مثلا تم توظيفه من طرف الفقهاء وتطبيقه على المسائل الشرعية الخاصة بالمواريث والوصايا وفقا للتعاليم الدينية، كما تم الاهتمام بعلم الفلك أيضا لدواعي عملية تتمثل في محاولة تحديد القبلة ومواقيت الصلاة، وهذا ما يوضح ان استجلاء العلوم اليونانية إلى العالم الاسلامي في العصر العباسي نشأ بدافع الحاجة إليها ولم يكن مجرد ترف فكري، لذا "كان طابع العلم العربي-الاسلامي هو الطابع العملي، إذ حمل الوعي الاجتماعي والتوجه البراغماتي للحياة التجارية والطابع الحضري المديني للحياة، كما اصطبغ اساسا بالمصالح الاجتماعية، وبذلك لم يقع تحت هيمنة الفكر النظري الخالص"[16]. ولهذا السبب يبدو أن أغلب الدراسات حول التقليد العلمي والفلسفي في العصر الوسيط، تركز على الجانب السوسيولوجي للاهتمام بالعلم، لكن الاقتصار عل المقاربة السوسيولوجية قد يحول دون فهم أهم الاشكالات النظرية خلال العصر الوسيط في العالم الاسلامي، كما أن الاقتصار على المقاربة السوسيولوجية فقط (منطق العمل) هو ما يجعل بعض الباحثين يسقطون أحكام جاهزة وغير علمية على الاسهامات النظرية في العالم الاسلامي، إذ يتم اختزال هذه المرحلة إلى مجرد مرحلة للترجمة والنقل، وإلى مجرد سجالات كلامية. ولهذا السبب سأحاول توضيح أهمية الاعتماد على المقاربة السوسيولوجية أو ما يسمى بسوسيولوجيا المعرفة لكن في حدود معينة، نظرا لأهميتها في فهم السياق التاريخي والاجتماعي لظهور وتطور الافكار الفلسفية والعلمية في مرحلة تاريخية محددة. لأن "فهم الملابسات  المقامية للفاعلية العلمية يحتاج إلى الدراسة  السوسيولوجية، فكل معرفة تمتلك بعدا اجتماعيا، والعلماء أعضاء فاعلون في مجتمع ما. والتحليل السوسيولوجي مهم لأنه يدرس العلاقات الاجتماعية التي تحيط بالنشاط العلمي وتوجهه"[17].

فالمقاربة السوسيولوجية هي من بين المداخل الاساسية التي لا يمكن انكار أهميتها أيضا في قراءة وفهم تطور الفلسفة والعلوم في العصر الوسيط وتحديدا في العالم الاسلامي، فمن خلال هذه المقاربة يتضح أن مجموعة من العلوم التي تمت ترجمتها، كان ذلك لأهداف عملية ولم يحدث ذلك من قبل حب الاطلاع، وإنما حدث لاعتبارات إدارية ومعيشية كانت الدولة الناشئة تتعهد بإرسائها، ولذلك لم تكن هذه المبادرات مبادرات فردية حبا في الفكر والاطلاع عل انتاجات الحضارات الأخرى، بل كان استجابة – عملية نفعية- لبناء وتأسيس الدولة على دعائم متينة.

و لهذا الهدف احتضنت "بيت الحكمة" مجموعة من العلماء والأطباء والفلكيين وأصحاب الصناعات المختلفة وترجموا مختلف العلوم التي تبحث في شتى العلوم والفنون والمعارف.

ومن بين أهم الكتب التي تمت ترجمتها نذكر بعض منها:

كتب أرسطو:

"المقولات". "العبارة". "الكون والفساد". "في النفس" .

كتاب 'بطليموس " المجسطي".

كتاب فورفوريوس "الإيساغوجي". ثم كتب أخرى كثيرة لأفلاطون وجالينوس وأبقراط...إضافة الى كتب علمية وفلسفية أخرى لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا.

و بعد عملية ترجمة الكتب والمؤلفات، وتوظيف بعضها لأغراض عملية، ستظهر مرحلة جديدة بعد الترجمة، هي مرحلة التأسيس لنسق علمي جديد في العالم الاسلامي، وهذا الانتقال من عملية الترجمة إلى ما بعد الترجمة هو ما سميته بالانتقال من منطق العمل إلى منطق النظر –العلمي الفلسفي-. وبعض الباحثين الذين يصدرون أحكاما تبدو غير علمية حول الفلسفة الاسلامية بكونها مجرد نقل وترجمة، فإنهم يقفون فقط على الجانب الأول الذي سميناه منطق العمل، كما يختزلون كل الاسهامات الفلسفية في علم الكلام فقط، دون البحث في أصل الاشكالات الفلسفية والعلمية التي اشتغل عليها مجموعة من الفلاسفة والعلماء في العالم الاسلامي، وهكذا تتضح مدى أهمية استحضار المقاربة الابيستيمولوجية  للبحث والكشف عن منطق تطور الأفكار والاشكالات العلمية، لأن المقاربة السوسيولوجية رغم أهميتها فقد تعجز عن كشف ورصد المنطق الذي يحرك تاريخ الأفكار النظرية –العلمية والفلسفية- "إذ صحيح أن الدراسة السوسيولوجية تساهم في استكمال النظرة إلى النشاط المفهومي في العلم. فلا تسكن المفاهيم العلمية في عالم مفارق، بل تنبع من التقليد الثقافي المرتبط بعلاقات وثيقة مع المجتمع. لكن هل تتحكم القوى المجتمعية السائدة في المضامين التي تأتي بها القوانين العلمية؟ هل المجتمع هو الذي يربط الظواهر بشروط معينة دون أخرى؟ هل المجتمع هو الذي يملي على العلماء صيغ الاستدلال والبناء؟   وهل يمكن أن يقوم التناول السوسيولوجي مقام التحليل الابيستمولوجي"[18] .و بخصوص هذا السؤال الأخير،  فلا يمكن الاستغناء عن المقاربة الابيستيمولوجية  لأن التحليل الابيستيمولوجي كما أسلفنا الذكر هو المدخل الأساسي لفهم الميكانيزمات والاشكالات الداخلية المحركة لتطور الأفكار العلمية. أما العوامل الاجتماعية فهي قد تساهم أحيانا في تطور الأفكار وذلك باحتضانها داخل مؤسسات، كما هو الحال في العصر العباسي بعد تأسيس "بيت الحكمة"، بمعنى أن الشروط الاجتماعية والسياسية هي مجرد عوامل ثانوية قد تسرع أو تبطئ أحيانا في تطور الأفكار العلمية والفلسفية. ولهذا السبب يتضح أن "التحليل السوسيولوجي يرتكز فقط على العوامل الخارجية التي قد تساعد في تطور العلم كما قد تعيق أحيانا أو تبطئ من تقدم العلم. ولهذا فمجموعة من الدراسات التي أنجزت حول تاريخ العلم والفلسفة حول العصر الوسيط ركزت بشكل على الجانب السوسيولوجي، غير أن الاقتصار على المقاربة السوسيولوجية قد يجعل ذلك الباحث عاجزا عن فهم المنطق الداخلي الذي يحرك تاريخ العلم، مما يجعل بعض الباحثين يشرعون في اصدار بعض الاحكام الجاهزة وغير المبنية علميا حول مرحلة تاريخية من مراحل تطور العلم[19]، كما هو الحال مع الباحث "توماس جولد شتاين" الذي يرى أن "العلم في العالم الاسلامي كان يستمد إلهامه من الملاحظة الممتعة لتنوع الطبيعة واستخدامات سخائها. ولم يهتم كثيرا بتأسيس  سيطرة العقل على الطبيعة من خلال أنساق فلسفية محكمة"[20] من هنا تتضح أهمية المقاربة الابيستمولوجية لتاريخ الأفكار العلمية، وهذه المقاربة للأفكار في العصر الوسيط وخصوصا في العالم الاسلامي نجد لها حضورا في بعض الدراسات ولدى مجموعة من الباحثين الذين اهتموا بتاريخ العلوم في العصر الوسيط، ومن أبرز هؤلاء الباحثين "الدكتور عبد الحميد صبرة"[21]، و"جورج صليبا"[22]  و"مصطفى نظيف"[23]  و"رشدي راشد"[24]  و"الدكتور محمد أبطوي" إضافة إلى باحثين اخرين قدموا مجهودات علمية كبيرة من أجل إخراج ميدان تاريخ العلوم في العالم الاسلامي الوسيط  من عزلته الأكاديمية ووضع حد لقلة  الاهتمام بالإشكالات النظرية ونتائجها، والعمل على توضيح أهمية الاسهامات العلمية للحضارة الاسلامية الكلاسيكية في تقدم العلوم، لأن دور العلماء المسلمين  لم يقتصر فقط على الترجمة بل مارسوا العلم أيضا في مختلف الميادين والمجالات العلمية، وهو ما شكل أرضية نظرية لتطور الفلسفة والعلوم انطلاقا من القرن الثاني عشر والثالث عشر في أروبا. لأن النهضة العلمية الحديثة تدين بشكل كبير لتلك الجهود والاسهامات التي قدمها مجموعة من العلماء والفلاسفة في ميادين مختلفة، كالفلك والطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء... وفي هذا السياق نجد الباحث "أحمد جبار" يدعو إلى تجاوز ذلك الحيف والاقصاء تجاه التقليد العلمي والفلسفي في العالم الاسلامي.

« c’est pourquoi nous avons entrepris de rédiger ce Modest ouvrage , à la fois pallier une insuffisance et pour contribuer à réparer une injustice historique »[25]

تأسيسا على ما سبق يتضح أن عملية الترجمة ساهمت بشكل كبير في نقل مجموعة من الكتب والمؤلفات العلمية من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية وخصوصا في العصر العباسي الذي ازدهرت فيه عملية ترجمة الكتب والمخطوطات العلمية بدعم وإيعاز من الخلفاء العباسيين وخصوصا بعد تأسيس "بيت الحكمة" سنة 830 من طرف الخليفة العباسي المأمون، الذي فتح مجالا كبيرا لمجموعة من المترجمين وتحفيزهم لترجمة أكبر عدد من الكتب والمخطوطات العلمية والفلسفية. وهكذا يتضح أن عملية الترجمة لعبت دورا كبيرا في نقل المعرفة واستمرارية الأفكار النظرية، فمجموعة من الحضارات  التي أسست لتقاليد علمية وفلسفية انطلقت من عملية الترجمة  وهذا ما حدث في العالم الاسلامي، وكذلك في أروبا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر . إذ بواسطة الترجمة تم نقل التراث اليوناني والعربي الاسلامي، خصوصا إلى أروبا، حيث "أتاحت هذه الجهود الخارقة في الترجمة للغرب الحصول على أعمال أرسطو وشراحه إلى جانب الأعمال الأساسية الأخرى اليونانية والعربية"[26]. فمن خلال الأعمال الفلسفية والعلمية والشروحات والاسهامات التي قدمها  الفلاسفة والعلماء في العالم الاسلامي، سيتم التأسيس  لنسق وتقليد علمي في أروبا ابتداء من القرن الرابع عشر. بعد ترجمة مجموعة من الأعمال والكتب العلمية إلى اللغة اللاتينية ، لثلة من العلماء والفلاسفة "كابن سينا" و"ابن الهيتم" و"الخوارزمي" إضافة إلى "أقليدس" و"بطليموس" و"أبقراط" و"جالينوس

و شروحاتها... فهذه الاسهامات النظرية هي التي شكلت أرضية خصبة لتطور العلم الحديث انطلاقا من عصر النهضة. لكن ماهي الشروط  النظرية (الفلسفية والعلمية) التي ساهمت بشكل كبير في التطور الذي عرفه تطور العلوم ابتداء من القرن الرابع عشر في أروبا؟ ماهي أهم الاسهامات العلمية التي قدمها الفلاسفة والعلماء في العالم الاسلامي  في مجال الأفكار الفلسفية والعلمية ؟

 

الاسم: حلال اسماعيل

أستاذ الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي - المغرب

..........................

أحمد جبار: العلوم العربية في عصرها الذهبي. ترجمة عبد السلام الشدادي ومحمد أبلاغ، بيت الفنون والعلوم والآداب،ص.23. [1]

[2] الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للرجمة . بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية الفصل الأول : الترجمة في التراث العربي: حركة الترجمة والنقل: درس تاريخي : يوسف زيدان ( ص 37-38 ) مركز دراسات الوحدة العربية. الطبعة الأولى . بيروت، فبراير 2000.

[3] هالة على : الترجمة العربية في نهضتها الأولى : قراءة في كتاب  "الفكر اليوناني والثقافة العربية دمتري غوتاس". ترجمة نقولا زيادة. ص: 4.

[4] المرجع نفسه، ص.4.

ابن النديم: الفهرست، المكتبة التجارية القاهرة، ص. 353. في ذكر السبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة في هذه البلاد.[5]

[6] الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للرجمة. يوسف زيدان، ص. 44.

[7] إميل برييه: تاريخ الفلسفة، الجزء الثالث، العصر الوسيط والنهضة. ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. الطبعة الثانية . يناير 1988 ص.117.

[8]  الاشارة هنا إلى بناصر البعزاتي. المقاربة الابيستيمولوجية للترجمة بدل المقاربة الاجتماعية والسيكولوجية (حلم المأمون) أو الايديولوجية.

[9]. إميل برييه: تاريخ الفلسفة، الجزء الثالث، العصر الوسيط والنهضة. ترجمة جورج طرابيشي. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. الطبعة الثانية . يناير 1988  ص. 119

[10] المرجع نفسه. ص.119.

[11]  بخصوص عملية الترجمة ودورها في تطور وازدهار الفكر العلمي والفلسفي في العالم الاسلامي، فهناك خلط في بعض الدراسات بين علم الكلام والفلسفة. لأن إميل برييه يختزل بشكل من الاشكال الفلسفة الاسلامية في علم الكلام فقط. دون تميزه بين الاشكالات الكلامية والنظرية في تلك المرحلة. لأن "الكندي" منهجيا هو معيار الفصل  في ذلك، إذ يقف على الخط الفاصل ما بين  الفلسفة وعلم الكلام، ذلك الخط الذي حاول الفلاسفة اللاحقون أن يتجاوزوه بجرأة ربما فلسفية وعلمية عميقة.

[12]  ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الاسلامية ، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، الجامعة الامريكية بيروت ، الدار المتحدة للنشر 1979، ص.28.

[13]  ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الاسلامية ، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، الجامعة الامريكية بيروت ، الدار المتحدة للنشر 1979. ص.30.

[14]  المأمون: من أهم الخلفاء العباسين الذين أسس بيت الحكمة سنة 830. وكما يؤكد ماجد فخري في كتابه "تاريخ الفلسفة الاسلامية" انه ليس من بين رعاة العلم اليوناني، * ممن مر بنا ذكرهم، من استطاع أن يضاهي باندفاعه وكرمه وتفوقه الفكري الخليفة العباسي العظيم المأمون، الذي كان عهده نقطة تحول في تقدم الفكر الفلسفي والنشاط الكلامي في الاسلام. إذ كان يرأس مجالس العلماء التي انعقدت حول الجدل في مسائل كلامية وفلسفية بالغة الجرأة، جرى فيها النقاش بحسب أدق قواعد النزاهة الفكرية.

[15]  سالم يفوت، "مكانة العلم في الثقافة العربية" العلوم في المجتمعات الاسلامية: مقاربات تاريخية وأفاق مستقبلية، تحت اشراف محمد أبطوي، الرباط. 16-17 أبريل 2004 ، ص. 15.

[16]  المرجع نفسه. ص. 19.

[17]  بناصر البعزاتي: الاستدلال والبناء: بحت في خصائص العقلية العلمية، دار الأمان الرباط ، المركز الثقافي ، الطبعة الاولى 1999. ص 371.

[18]  بناصر البعزاتي: الاستدلال والبناء: بحت في خصائص العقلية العلمية، دار الأمان الرباط ، المركز الثقافي ، الطبعة الاولى 1999. ص. 371

[19]  إن اعتماد المقاربة السوسيولوجية  وحدها لقراءة تاريخ العلوم، قد تجعل الباحثين والدارسين يصدرون أحكاما مسبقة وجاهزة. كما قد تسقطهم في متاهات ايديولوجية (عرقية، لغوية، دينية) تفضل مرحلة تاريخية فكرية على أخرى. كما هو الحال في بعض القراءات والدراسات الاستشراقية  أو التمجيدية. غير أن المقاربة العلمية الأكاديمية تعلمنا أنه لا يمكن ربط الابداع بحضارة ما دون أخرى، فكل حضارة ساهمت بشكل من الأشكال في تاريخ تطور الأفكار العلمية والفلسفية، فما يحرك تطور العلوم هو الاشكالات النظرية، كما أن الاشكالات لا دين ولا لغة لها.

[20] المرجع السابق. ص.377.

[21]  عبد الحميد صبرة (1924-2013) أستاذ تاريخ علوم وتكنولوجيا مصري ، متخصص في تاريخ علم البصريات والعلم الإسلامي في العصور الوسطى. حصل صبرة على شهادته الجامعية من جامعة الإسكندرية، ثم درس فلسفة العلوم على يد كارل بوبر في جامعة لندن، حيث حصل على درجة الدكتوراه في عام 1955 عن أطروحة في علم البصريات في القرن السابع عشر. درّس في جامعة الإسكندرية بين عامي 1955-1962، ثم في معهد فاربورغ بين عامي 1962-1972، وفي جامعة هارفارد من عام 1972 حتى تقاعده في عام 1996.

في بحثه حول "الاعتماد وتطوير العلوم اليونانية على أيدي المسلمين في العصور الوسطى"، عارض نظريات بيير دوهيم التي تقول بأن الثقافة الإسلامية لم تضف أو تحافظ على العلوم اليونانية القديمة، ولكنها استخدمتها وعدلتها فقط بنشاط. تعرف أحيانًا نظريته حول نقل الثقافات للعلوم بين بعضها بشكل غير رسمي باسم "نظرية صبرة. في عام 2005، منحته جمعية تاريخ العلوم ميدالية جورج سارتون عن مجمل أعماله في تاريخ العلوم .توفي عبد الحميد صبرة في 18 ديسمبر 2013.

[22]   جورج صليبا مفكر لبناني الأصل يشتغل صليبا منصب أستاذ العلوم العربية والإسلامية في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. أصدر صليبا عشرات الكتب والمقالات المختصة في تاريخ العلوم الإسلامية والفلسفة وتأثيرها على تطور الحضارة الغربية وعلومها في عصر النهضة. وركز صليبا في الكثير من بحوثه على علم الفلك، تاريخه وتطوره في الحضارة الإسلامية واليونانية. من بين مؤلفاته التي صدرت أو ترجمت للعربية "العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية" و"الفكر العلمي العربي؛ نشأته وتطوره" و"تاريخ علم الفلك العربي". حصل صليبا على العديد من الجوائز من بينها جائزة تاريخ العلوم عن "أكاديمية العالم الثالث للعلوم" عام 1993، كما حصل على جائزة تاريخ الفلك عن مؤسسة الكويت للتنمية عام 1996. يعد جورج صليبا من  أبرز الباحثين في مجال تاريخ العلوم الإسلامية . ويؤكد الدكتور جورج صليبا إن المخطوطات العلمية والشواهد التاريخية تثبت بطريقة علمية مسندة أن العلماء العرب والمسلمين لم يبنوا نظرياتهم في علم الفلك على النظريات اليونانية فقط ، ولكنهم جددوا معايير الفلك، وقدموا حسابات أكثر دقة من الحسابات اليونانية، وهي الحسابات التي تستخدم حتى يومنا هذا، بل وقاموا بتحديد نواقص النظريات اليونانية وقدموا نقد للنظريات القديمة وصححوا الخاطئ منها.

وأكد أن النهضة الأوروبية لم تأت من فراغ، وأن العالم يدين للعلماء العرب والمسلمين بالفضل في التوصل إلى النهضة العلمية، فالإسهامات العربية والإسلامية في علوم الفلك خصوصا قدمت لعلماء العالم منهج علمي سليم وحسابات دقيقة وضعها علماء مثل ابن الشاطر والطوسي، وهي الحسابات والنظريات ساهمت في النهضة الأوروبية، ومثلت استمرارية للفكر العلمي العربي الإسلامي الذي ربط بين المشاهدة والملاحظة والقياس

[23]  مصطفى نظيف هو مفكر مصري ( 1971-1893 )  اشتهر بدراسته الرائدة لأعمال العالم الحسن بن الهيثم، وهي دراسة مستفيضة تقارب صفحاتها الألف، ونشرتها جامعة القاهرة في مجلدين، وقد بذل المؤلف جهدًا مضنيًا في قراءة مخطوطات ابن الهيثم،  وقرأ مئات المراجع، وراجع آراء العلماء والفلاسفة حتى يجلي جهود ابن الهيثم، ويخلص إلى حقيقة صادقة، بأن ابن الهيثم قد وضع أسس علم الضوء بالمعنى الحديث، وأنه أبطل علم المناظر الذي كان معروفًا، ووضع أسسًا ونظريات وآراء جديدة لم يُسبق إليها. ويذهب مصطفى نظيف إلى أن أعظم آثار ابن الهيثم في الضوء أنه أبطل نظرية قديمة كانت شائعة تتوارثها الأجيال من عصر اليونان إلى عصره في كيفية حدوث الإبصار، وهي تتلخص في أن الإبصار يكون بإشعاع أو بحزمة من الأشعة على حسب التعبير الحديث، تخرج من البصر إلى المبصر، وأثبت أن للضوء حقيقة ووجودًا ذاتيًا، حيث يدخل إلى شبكية العين، ومنها إلى المخ، وتحدث الرؤية. وأثبت مصطفى نظيف في كتابه سبق ابن الهيثم لـ فرنسيس بيكون في ابتداع الطريقة العلمية والأخذ بأسبابها، وقال: إن هذه الطريقة التي تُعد من مبتكرات العصر الحديث هي الطريقة التي التزمها ابن الهيثم في كتبه وبحوثه وكشوفه الضوئية؛ حيث اعتمد على الاستقراء والقياس وعُني بالتمثيل، وهو بذلك لم يسبق فرنسيس بيكون فحسب بل سما عليه، وكان أوسع أفقًا وأعمق منه تفكيرًا.

[24]   رشدي راشد هو مفكر مصري متخصص في تاريخ العلوم  ولد عام 1936م، بالعاصمة المصرية، القاهرة، حيث درس في جامعتها، ليحصل على ليسانس الفلسفة وهو في العشرين من عمره، ثم ينتقل إلى فرنسا، فيكمل دبلوم الرياضيات من جامعة باريس، وينال دكتوراه الدولة في تاريخ فلسفة الرياضيات في الجامعة نفسها. بعد ذلك شغل رشدي راشد مناصب عدة في المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية عام 1965م، ومنصب مدير أبحاث الابستمولوجيا وتاريخ العلوم في جامعة دنيس ديدرو - باريس، حتى عام 2001م، ومدير مركز الفلسفة والعلوم والفلسفة العربية للعصور الوسطى حتى عام 2001م.

أسس رشدي راشد -فريق بحث في الابستمولوجيا وتاريخ العلوم والمعاهد العلمية. نشر العديد من المقالات والأبحاث والكتب في مختلف الدوريات عن مساهمة العلوم الإسلامية والعلماء المسلمين في تطوير وتقدم العلوم، كما يرأس تحرير دورية العلوم والفلسفة العربية، بجامعة كامبريدج، وشغل  منصب المدير الشرفي لقسم أبحاث المستوى الرفيع في مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS..

وضع رشدي راشد أكثر من 30 كتابًا، ومن أعماله المهمة إشرافه على موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في لندن ونيويورك طبعتها الأولى في 1996م، وقد حرر فيها الأجزاء التي تقع في تخصصه المباشر، وهي الحساب والجبر والبصريات الهندسية. ومن أشهر أعماله: مدخل لتاريخ العلوم (باريس، 1971)، كتاب الجبر  (القاهرة، 1975)، أعمال عمر الخيام في الجبر ـ بالاشتراك مع أحمد جبار (حلب، 1981)، العلوم في عصر الثورة الفرنسية (باريس، 1984)، أعمال الكندي الفلسفية والعلمية (ليدن،  1998)، أعماله الأخرى في مجال الرياضيات أوما يعرف بفلسفة الرياضيات.

يعتمد الدكتور رشدي راشد في فهمه وتحليله للتاريخ على فكرة "التقاليد" "tradition"، فالتطورات التاريخية، من الناحيتين الفلسفية والعلمية، تعتمد على ظهور تقاليد فلسفية وعلمية جديدة تؤشر على ظهور هذه التطورات وانتهائها. لذلك يعتمد تحليله التاريخي من الناحيتين الفلسفية والعلمية ليس على المقارنة الصورية للنماذج التاريخية المختلفة، وإنما على التحليل المجتمعي التفصيلي للظروف المصاحبة لظهور التقاليد التاريخية المختلفة. لذلك يمكن القول بأن التحليل التاريخي للدكتور راشد ينتمي بشكل أساسي إلى مجال علم اجتماع المعرفة الذي يربط بين الوقائع والشروط الاجتماعية والتاريخية وبين نشوء وتطور المعرفة العلمية.

وقد طبق الدكتور رشدي راشد وطور هذا المنهج على ظهور وتطور العلم العربي/الإسلامي القديم، وعلى بيان علاقته التطورية بالعلم اليوناني السابق عليه والعلم الغربي الحديث اللاحق له. وأمكن له بواسطة هذا المنهج أن يكشف عن الطبيعة الخاصة للعلم العربي/الإسلامي وللمجتمعات العربية/الإسلامية التي أنتجته وكيفية تميزه عن العلوم السابقة واللاحقة عليه. كما أمكن له أن يثبت نوعا من الاستمرارية والتطور في الفكر العلمي عموما، وفي العلاقة بين الفكر العلمي العربي/الإسلامي القديم والفكر العلمي الحديث خصوصا. وهو ما غير من نظرة المجتمع العلمي الإنساني المعاصر لتاريخ العلم وللعلاقات المجتمعية المؤدية إلى نشأة العلم، وللإسهامات العلمية في العالم الاسلامي دور كبير في التطور الذي عرفه تاريخ الأفكار العلمية والفلسفية بشكل عام.

[25] Ahmed Djabbar : une histoire de la science arabe . introduction de la connaissance  du patrimoine scientifique des pays d’islam . entretiens avec jean rosmorduc , Editions du seuil, mai 2001, p. 13  .

[26] توبي هاف : فجر العلم  الحديث: الاسلام والصين  والغرب .ترجمة شوقي جلال، ص.206..

 

 

عبد الحسين شعبانإذ أخذ رصيد ثقافة اللّاعنف بالارتفاع على المستوى العالمي، فإنها ظلّت غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلا باستثناءات محدودة

«إذا رددنا على الحقد بالحقد فمتى ينتهي الحقد؟»، هذا ما قاله جوتاما بوذا مؤسس الديانة، أو الفلسفة البوذية التي تقوم على التجرّد، والزهد، والتخلّص من الشهوات والألم. ولعلّ مثل هذا المدخل يعكس بعضاً من جوانب حقيقة فلسفة اللّاعنف التي تبنّاها المهاتما غاندي لاحقاً، والمقصود بذلك المقاومة بوسائل مدنية، بمعنى عدم استخدام العنف كوسيلة للتصدي للعنف، ونيل الحقوق.

وقد دفع غاندي حياته ثمناً لذلك على الرغم من الانتصار الذي حقّقه على بريطانيا أعظم إمبراطورية في العالم وأقواها حينها، حيث تقدّم منه أحد الهندوس المتطرفين ليطلق النار عليه ويرديه قتيلاً، وهو في ذروة مسعاه للحيلولة دون انفصال الهند من خلال التفاهم والتعاون والرغبة في العيش المشترك، والاعتراف المتبادل، ما دفع الأمم المتحدة لاعتماد يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول، من كل عام، وهو يوم عيد ميلاد غاندي باعتباره يوماً للتسامح.

وإذ أخذ رصيد ثقافة اللّاعنف بالارتفاع على المستوى العالمي، خصوصاً بصعود حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج، والمصالحة والحقوق المتساوية بقيادة نيلسون مانديلا، فإنها ظلّت غائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إلا باستثناءات محدودة، وبتقديري فإن الأمر يعود في جزء كبير منه إلى قراءات خاطئة، ومبتسرة للنصوص الدينية، بما فيها للقرآن الكريم، إضافة إلى تفسيرات وتأويلات ماضوية لا تنسجم مع روح الإسلام وجوهر رسالته الإنسانية، فضلاً عن سمة العصر والتطور التاريخي، وهي ما تُعرف بأسباب النزول، كما أن بعض النصوص بما فيها المتعلقة بالسنّة النبوية قيلت لزمانها ولأحداث وأوضاع استوجبتها، وانتهت بانتهائها، وما بقي من النصوص المقدسة وأحاديث الرسول الكريم هو القيم والمثل الإنسانية الخالدة، التي استهدفت تغيير حياة الناس من أجل سعادتهم ورفاههم فكيف نقرأ ثقافة العنف واللّاعنف في مجتمعاتنا؟

خمسة اتجاهات يمكن بواسطتها اقتفاء أثر الفكرة اللّاعنفية:

الاتجاه الأول - الرافض والإنكاري، الذي يعتبر فكرة اللّاعنف صناعة غربية خالصة، وهي بدعة لتحقيق مآرب سياسية وهدفها تثبيط عزائم العرب والمسلمين من استعادة حقوقهم المغتصبة.

ومثل هذا التفسير لا علاقة له بفلسفة اللّاعنف التي تتمسك بالحق والمقاومة المدنية لتحقيقه، وأعتقد أن العرب والمسلمين معنيون مثل غيرهم بثقافة اللّاعنف، ولاسيّما العيش بسلام واختيار طريق تطورهم الحر الاقتصادي والاجتماعي.

الاتجاه الثاني- الريادي والانعزالي، يرفض فكرة اللّاعنف لأنها غير موجودة في الشريعة حسب تقديره، لأن اعتماد فلسفة اللّاعنف سيقود إلى التحلّل وانعدام الغيرة على الإسلام، وأن في الشريعة إجابة على كل شيء، وهي صالحة لكل زمان ومكان، ففيها الريادة والأفضلية والتميّز على جميع القوانين الوضعية. وهكذا يحاول أصحاب هذا الاتجاه إرجاع كل شيء إلى الماضي من دون الأخذ في الاعتبار التطوّر الكوني استناداً إلى قاعدة «تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان».

الاتجاه الثالث- الانتقائي والتوفيقي، ويحاول أصحابه التوليف بين مفاهيم متعارضة أحياناً، لاسيّما بإهمال نقاط حساسة وساخنة، ومع رغبته الإصلاحية في انتقاء بعض الأفكار اللّاعنفية أو وضعها «منزلة بين المنزلتين».

الاتجاه الرابع- الاغترابي وينطلق من نقد الاتجاهات الإنكارية الرافضة والريادية الانعزالية والتوفيقية الانتقائية، ولكن بالمقلوب حين يعتبر التراث كلّه خارج سياق الحداثة ومناقضاً لها، وأن أي تفكير خارج نطاق الحداثة هو محاولة عقيمة ويائسة؛ وعلى العرب والمسلمين إن أرادوا السير في طريق التطوّر الإقرار كلياً بالمفاهيم الحداثوية من دون زيادة، أو نقصان.

الاتجاه الخامس- الواقعي والحضاري، الذي يزاوج بين الحداثة والتراث والمعاصرة والخصوصية والشمولية، مع الأخذ في الاعتبار التطور التاريخي الكوني والانفتاح والتفاعل معه للارتقاء بفكرة اللّاعنف لتصبح فلسفة عمل ومنهج حياة، والبحث في تراثنا عن تجارب لاعنفية ينبغي تعميمها وإعادة قراءتها برؤية جديدة.

إن التلاقي الحضاري والتفاعل الإنساني والتطور التاريخي للأمم والشعوب والجماعات لا يحصر الفكر في أمة، أو شعب، أو قارة، أو تيار فكري، مثلما هي فلسفة اللّاعنف، بل هي حصيلة مزاوجة وتطور طويل الأمد يمدّ جذوره عميقاً في التراث الإنساني ويجد صورته في الحداثة وفي خلفياته لفلسفة الأديان والأيديولوجيات والأفكار المختلفة.

 

عبد الحسين شعبان

 

قاسم حسين صالحتولى السيد مصطفى الكاظمي (53 سنة) رئاسة مجلس الوزراء في (7 /5 / 2020)، وكان للعراقيين موقفان: الأول يرى انه لا يختلف عن سابقيه وانه جاء بموافقة احزاب السلطة المتهمة بالفساد، والثاني يرى ان الرجل مستقل وينبغي ان نعطيه فرصة.. وكنا دعونا حينها الى منحه مئة يوما لنحكم بعدها له او عليه.. وها قد انقضت وحان تقويم الأداء.

تــذكيــر

في بداية تكليفه، واجه الكاظمي وضعا معقّدا سياسيا، امنيا، اقتصاديا، صحيا، مجتمعيا..  ما واجهه احد من قبله، فهو استلم خزينة خاوية من سلفه عادل عبد المهدي، والعراق مدين للبنك الدولي، وتصاعد الأصابات والوفيات في الموجة الثانية لفايروس كورونا وتهديد النظام الصحي، وتضاعف نسب البطالة والفقر، وتهديد امني يطال المنطقة الخضراء، وتعدد المليشيات وعدم قدرة الدولة بالسيطرة على السلاح، وعودة متظاهري انتفاضة تشرين، و(دكات!)عشائرية في البصرة وميسان وبغداد.. وخطر يتهدد حياته من القوى الشيعية السبعة التي رشحته!.

ومع ذلك اختار ان يبدأ بأخطرها واكثرها الحاحا جماهيريا.. الفساد.. مدركا بأنه سيكون امام خيارين:اما ان ينتصر بمعركته على الفاسدين ويكون المنقذ والمخّلص والبطل الذي سيدخل التاريخ السياسي للعراق الذي خلا من الابطال القادة من سنين، واما ان يكون (الشهيد الحي).

وكان هذا التصور هو الذي شاع عنه بين اغلب العراقيين لغاية اجتماعه بالسيد المالكي. فقد اصيب الكثيرين بالأحباط واعادهم لسيكولجيا توالي الخيبات، واعيد ليكون بنظرهؤلاء كالسيد العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب، لأنه(العبادي) ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد، مبررا خذلانه بخطابه بجامعة بغداد (27/11/2017) بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد).

وكنّا افترضنا وقتها ان الكاظمي اراد من لقائه بالمالكي.. تحييد مصدر شر، لأن كليهما، بنظر الشارع، يخشى الآخر. فالمالكي يخشى الكاظمي ان يبدأ بمحاسبة الفاسدين وفق قانون (من اين لك هذا) وعندها سيكون اول من يستدعى بوصفه رئيس وزراء لثمان سنوات هادن فيها الفاسدين باعتراف صريح (لديّ ملفات للفاسدين لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها). والكاظمي يخشى المالكي لقوته السياسية وتغلغل اعضاء حزبه (الدعوة) في مؤسسات الدولة.. وقد يكون كلاهما يستخدمان، وما يزالان، (سيكولوجيا الكيد) حيث يمتلك المالكي خبرة سياسية اعمق فيما يمتلك الكاظمى خبرة مخابراتية اخطر.

القرارات.. تحدد نوعية الحاكم

يتحدد تقويم أداء أي حاكم بالقرارات التي يتخذها، هل يبدأ بالقرارات الأصعب نزولا الى الأسهل، ام يبدأ بالاسهل صعودا الى الأصعب، أم بالاسهل والتوقف عن تنفيذ الاصعب؟.

ان القائد الذي يعتمد الآلية الأولى يتمتع بشخصية الواثق من نفسه ان اعتمد على جمهور واسع يمثل المجتمع لا على المغامرة، فيما تمتاز شخصية الذي يعتمد الثانية بالحكمة والتأني والعقلانية، وبعكسهما.. تتصف شخصية من يعتمد الثالثة بالتردد.

وما حصل، ان الكاظمي اعتمد الآلية الثانية التي اعتمدها العبادي في اتخاذه القرارات (البدء بالقرارات الاسهل صعودا الى القرارات الأصعب)، لكنه اختلف عنه بأنه لم يتوقف عن تنفيذ الاصعب التي توقف عندها العبادي، اذ بدأ بأصدار قرار يقضي بايقاف ازدواج الرواتب، تبعه في (25 حزيران 2020) اعلانه بأن الأيام القادمة ستشهد حملة تغييرات في المناصب المتقدمة في الدولة، وتجريد الأحزاب من المناصب التي حصلت عليها خلافا للقانون. ولأن الحدثين خطيرين فقد تساءلنا ليلتها في منشور بعنوان (الأنقلاب الأبيض هل سيحصل؟)، لتفيد فضائيات باقتحام مسلحي ميليشات حزب الله المنطقة الخضراء، وتجاوزت عليه اعتباريا دون رد حاسم منه. وانتهينا الى ان العبادي كان في قراراته (هاوي بس ما ناوي). وتمنينا على الكاظمي ان يكون (هاوي وناوي). صحيح ان لا رهان على السياسة في العراق لأنها بلا مباديء، بلا اخلاق.. لكن الكاظمي ما كان مضطرا لأن يبدا بالأصلاح ويعد بالقضاء على الفساد ويقدم على اتخاذ اجراءات تهدد حياته. ولأنه كان قد اعلن عن بدء المواجهة مع قوى تمتلك المال والسلاح ومع (الدولة العميقة) فانه ترتب عليه ان يكمل المشوار، لأن التردد في القرارات او الأحجام عن تنفيذ القرارات الأصعب ستؤدي به الى ان يخسر الشعب(كتلته)، وستنتقم منه قوى الفساد وتجعله انموذجا لمن تسول له نفسه التحرش بها.

الحلقة القادمة.. تقويم أداء الكاظمي في شهره الثالث.. ورأينا.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

قاسم حسين صالحتناولنا في الحلقة الأولى عرضا مركزا لأداء السيد الكاظمي من توليه السلطة لغاية ايلول.. وها نحن نستكمله لما انجزه في مئة يوم وزيادة، ونختمه باستنتاجات علمية.

كنا استطلعنا آراء العراقيين مرتين في شهرين من حكم الكاظمي انقسم فيها العراقيون بين من عقد الأمل عليه في الأصلاح، وبين من فقد الثقة به، وبين المتردد الذي ينتظر ما سيحدث في قابل الأيام. وبانتهاء المئة يوما، اجرينا الاستطلاع الثالث في (5-6/9/2020)لتقويم اداء الكاظمي شارك فيه (3843) بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون.. توزعت اجاباتهم على النحو الآتي:

الأول: يثمن اداء الكاظمي.. اليكم نماذج منها:

- افضل رئيس وزراء حكم العراق.

- لديه نية حسنة بتأسيس دولة مستقرة ناجحة. التحديات كبيرة جدا، وعمل الكثير في ذلك، لربما لم يشعر بها المواطن.. لكن سوف تأتي أكلها لاحقا، اضافة الى ان هناك تشويش وتقزيم متعمد من اي عمل او منجز يقوم به.

- رجل يعرف قدر نفسه. فهو يعرف ان عليه بناء دولة من الصفر، واعداؤه كثر وأقوياء ويمتلكون دعما خارجيا قويا، ويعرف ان ادواته للتغيير الثوري ( لو فكر بذلك ) هي ضعيفة، او ربما تؤدي لفوضى لا نهايات موثوقة لها .. لذلك نراه يتحرك ببطء ولكن بثقة.

- لا يزال يحاول ان يكون مصلحا اجتماعيا وليس قائدا.

الثاني: يرى فيه شخصية استعراضية.

- حكومته حكومة فيسبوكيه بدون تخطيط، يعتمد على الاعلام الالكتروني.

- كنا ننتظر منه مسك اي رمز من رموز الفساد الكبيره، ولكنه لم يفعل. يتخذ قرارات ويتراجع عنها. بأختصار هو ليس حازم وليس لديه الشجاعه الكافيه.

- الرجل حقق نتائج جيدة على مستوى الفيس بوك، لكن على أرض الواقع لم يحقق شيئا مهما.. مجرد فقاعات إعلامية.

الثالث: موقف الشك المريب منه:

- لقد ابتلعنا الطعم الذي ألقته الأحزاب الفاسدة. الكاظمي مرشحهم واختيارهم وأداتهم. افتعلوا في الإعلام مشاكل معه ليسوقوه للشارع المنتفض فظن الناس أنه ضدهم وهم ضده فتقبلته الأكثرية، وبعد ثلاثة أشهر لم يقدم شيئا حقيقيا في مشروع بناء دولة المؤسسات، ولم يقدم شيئا في اتجاه محاربة الفاسدين، وأكثر من ذلك أن وزير الداخلية يرى أن حرق الإطارات يعيق بناء الدولة بينما حيتان الفساد تعيث الخراب في العراق ولا رادع.

- هو شخص متلاعب ولو كان ضد الفاسدين لما منحوه الثقه، الذي لا يحقق مصالحهم لا يمنحوه الثقه.

الرابع: دور الناقد المتعاطف

- لديه المنهج لكنه متردد او بطيء في السير بمنهجه بهمّة وجرأة.

- لحد الان ما حقق اي انجاز كسب فيه تعاطف الشعب العراقي والمتظاهرين، واذا استمر هكذا ستسقطه الثورة ويكون مثله كمثل عادل عبد المهدي. اذا كان يسعى للعمل على أصلاح المنظومة السياسية فيجب ان يسعى نحو تكملة انجاز قانون الانتخابات الفردي وتغيير المفوضية غير المستقلة وجعلها حره.

- والله انا من محبي الكاظمي بس لحد الان ماكو اي شي جيد تحقق بالواقع صحيح الفترة قصيرة بس عدنه مثل بالريف (ما يلحك على الجوعان ناعم الثريد )، انا جوعان وتكول خل أنعملك الثريد. بس الحجي والوعود، وهذا تخدير، والناس اذ اتضل هيج راح تسحب تاييدها.

استنتاجات

ثلاث نتائج في الحكم على أداء الكاظمي لا يختلف عليها العراقيون:

* انه افضل رئيس وزراء مقارنة بالذين سبقوه بعد التغيير،

* ان نسبة غير الراضين عن عملية اختياره رئيسا للوزراء وغير الراضين عن ادائه في الشهر الأول لتوليه الحكم، انخفضت في الشهر الثالث لصالحه.

* وانه ما يزال لا يحظى بمقبولية عالية بين العراقيين.

ونرى أن أهم أربع قضايا في الحكم على اداء الكاظمي تتحدد بالآتي:

- استعادة هيبة الدولة بنزع السلاح المنفلت وفرض سلطة القانون،

- محاسبة قتلة المتاظاهرين واطلاق سراح المخطوفين منهم،

- اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة،

- تأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة،

- والتواصل مع المواطنين بشكل مباشر وتأمين الممكن من احتياجاتهم.

ففيما يخص هيبة الدولة فان الكاظمي بدأها بنزع سلاح العشائر في البصرة وميسان وفي منطقة الحسينية (بغداد)في معركة أستخدمت فيها قاذفات ( الآر بي جي 7) وقنابر الهاون، والأسلحة المتوسطة.. يفترض ان تمهد الى نزع سلاح فصائل مرتبطة بكتل واحزاب سياسية واخرى مرتبطة بعلاقة مع دول الجوار.

ومع ان المرجعية كانت حددت في خارطة الطريق التي اعلنتها في (13/9/20)شرط ان يكون السلاح بيد الدولة فقط، الا ان الكاظمي لن يستطع تحقيق ذلك لقوة تلك المليشيات سياسيا وعسكريا، ولأرتباط بعضها بجهة خارجية لها نفوذ قوي في العراق، ولأن الباقي من مدة حكمه اشهر والقضية معقدة.

وفيما يخص محاسبة قتلة المتظاهرين، فأن منهج الكاظمي هو ان يكون القرار الفصل فيها للقضاء، وهذه تحتاج لوقت طويل وفيها اشكاليات معقدة قد تطال بضعة اشخاص من رجال القوى الأمنية.

ونرى ان الذي اطلق الرصاص على المتظاهرين هو في حقيقته اليد التي نفذت قرارا اتاه من سلطة اعلى.. ما يعني ان القاتل الحقيقي هم قيادات في احزاب السلطة لن يستطيع الكاظمي محاسبتهم مبررا ذلك بعدم وجود ادلة تكفي لادانتهم قضائيا، سيفسرها الشارع أنه يخفي خلفها خشيته منهم. والأخطر، ان بين القتلة من ينتمي لفصائل مسلحة لها نفوذ عسكري وسياسي يكون من الأفضل له تجنبها خلال الأشهر القليلة الباقية من مدة حكمه.

ويؤاخذ عليه انه لم يتمكن من اطلاق سراح المخطوفين. فبرغم أننا كنا قدمنا مذكرة حملت توقيع 374 شخصية وطنية تدعوه لاطلاق سراح الكاتب والصحفي توفيق التميمي، وانه التقى عاءلته ووعدهم .. لكن توفيق والناشر مازن لطيف وآخرين ما زالوا مغيبين.

والمهمة الثالثة هي (اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة).. وقد بدأها في العاشر من ايلول باصدا قائمة باسماء ستة وزراء سابقين، ومدراء عامين، ورئيس هيئة التقاعد العامة السابق، ورئيس هيئة دينية، وآخرين.. تسارعت بعد خمسة أيام لتشمل اكثر من 50 مسؤولا كبيرا ومصرفيين ورجال اعمال.. قام جهازمكافحة الارهاب بتنفيذ القرارات الصادرة عن اللجنة التي شكلها لمكافحة الفساد. وبهذا الأجراء يكون الكاظمي قد بدأ بتنفيذ استراتيجته في البدء بمحاسبة الخط الثاني من الفاسدين وما دونهم بما يمهد سياسيا واجتماعيا وسيكولوجيا الوصول الى (الحيتان).

لقد بارك الشارع العراقي هذه الخطوة الشجاعة، لكنها أثارت تساؤلين وأشكالية:

 هل تكتمل هذه الخطوة باصدار قرارات حكم تدين من تم اعتقاله من الفاسدين؟

 وهل سيتم اعتقال (حيتان) الفساد، واسترجاع ما نهبوه من خزينة الدولة؟.

 هل تتولى المحاكم العراقية المختصة محاسبة الفاسدين، ام يقتضي تشكيل محكمة خاصة من قضاة كفوئين ومستقلين.. تتخطى الروتين في القضاء العراقي؟

ونعيد الى الأذهان أن الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية كانت قد اصدرت في عام 2014 (وثيقة الأتفاق السياسي) تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس واستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة)، الذي أثبت اعترافا ضمنيا يؤكده تصريح لرئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي بأن "هناك كيانات منظمة للفساد تدير البلاد ولا توجد سلطة في العراق قادرة على اتخاذ أي خطة ضد الفساد".. ليأتي الكاظمي في ايلول 2020 بتلك السلطة!.. مع أن هناك من يرى أن الحيتان ستكون في أمان!

وننوه الى ان مكافحة الفساد ليست اجراءا ينهيه بضرب رؤوس الفساد (وخلص) بل يتطلب استراتيجية وطنية بأهداف عملية بما فيها التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة، وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه، ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى"شطارة".. وهذا يتطلب تشكيل هيأة استشارية من كبار علماء النفس والأجتماع والتربية في العراق,

وتبقى المهمة الأكبر التي ستحدد مسار العراق الخاصة بتأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة. واليقين عند الشارع العراقي ان الكاظمي يريدها ان تكون نزيهة فعلا، فهو لا ينتمي لأي حزب سياسي، ويسعى في حقيقته الى ان ينهي او يضعف سلطة الأحزاب والكتل التي استفردت بالسلطة والثروة.

والمشكلة الحقيقية التي ستواجهه هي الفصائل المسلحة التي ستستخدم كل وسائلها لتزوير الانتخابات.. فضلا عن مشكلة فنية هي ان لدى احزاب السلطة اكثر من مليون ونصف بطاقة انتخاب الكترونية، وما لم يتم الغاء الالكترونية واستبدالها ببطاقة بايومترية فان فوزها سيكون مضمونا.

ختاما:

ميزتان ينفرد بهما الكاظمي عن سابقيه من رؤساء الوزراء:انه يتمتع بنشاط استثنائي، فهو استطاع في يومين ان يكون في اربيل ودهوك ومعبر ابراهيم الخليل والسليمانية ليعود الى بغداد ومنها الى ميسان. وهو الوحيد الذي يلتقى بالناس في اماكن عامة بدون فوج حمايات ولم يحصر نفسه في الخضراء المحصنة. ولهاتين الميزتين دلالاتان:ان الرجل تشغله هموم الناس التي ما شغلت من حكم قبله، وأنه يتمتع بشجاعة اثبتتها اجراءاته (الأيلولية) باعتقال فاسدين ينتمون الى احزاب السلطة وفصائل مسلحة، ويدرك ان الحيتان يدبرون له امرا لأسقاطه سياسيا او اغتياله، لأنهم اصبحوا الآن على يقين بأن الكاظمي لديه طموح ان يكون قائدا وطنيا جماهيريا، وأنه يهدف الى انهاء استفراد احزاب الاسلام السياسي بالسلطة والثروة لتحقيق هدف العراقيين والمرجعية في اقامة دولة مؤسسات مدنية حديثة. ويبقى الرهان في ذلك على تأمين اتخابات مبكرة نزيهة تعتمد البطاقة البايومترية وتستعين بشركات عالمية متخصصة وباشراف مباشر من الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الانسان العالمية.. فان نجح فانه سيكون البطل المخلّص لوطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية وكرامة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

محمود محمد عليكان مجدي عبد الحافظ يمثل واحد من عشاق فلسفة البيولوجيا والتي تهتم بدراسة العلاقة بين الأفكار والفروض العلمية التي يتقدم بها العلماء والفلاسفة، مثل : هل الحياة مجرد عملية فيزيائية؟، وما الطبيعة البشرية؟، وما الصفات التي تميزنا بشكل جوهري عن باقي الكائنات؟، وما الذي يحرك السلوك البشري؟ ولماذا نفعل ما نفعله؟ وما حرية الإرادة بالضبط؟ وهل جعلتنا الحضارة أفضل؟ وهل نستطيع الفرار من ماضينا القَبَلي والعنصري؟

هذه نماذج من الأسئلة التي قد تبدو فلسفية في ظاهرها، لكن علماء البيولوجيا صاروا يُدلون برأيهم فيها في العصر الحالي، ومن هؤلاء مجدي عبد الحافظ مؤلف كتاب "فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام"  ؛ ربما سيُدهًش البعضٌ من خلال هذا الكتاب بأن للحضارة الإسلامية دور فعَّال في إرثاء التصورات والجذور الفكريّة لنظرية التطور! نعم، لقد كان للمفكرين والفلاسفة المسلمين مكانة مرموقة بين أوائل العلماء الذين اقتادتهم عقولهم إلى وضع أشكالٍ من التصورات لعملية التطور، وكتاب مجدي عبد الحافظ  كتاب صغير الحجم ولكنه جميل في موضوعه، فهو يشرح وجود فكرة تطور الكائنات الحية لدي مجموعة من الفلاسفة المسلمين وهم : جماعة إخوان الصفا، وابن مسكويه ( توفي 932هـ)، والبيروني ( توفي 440 هـ)، وابن خلدون ( توفي 808 هـ)، والدراسة تعتمد  علي نقل أقوال كل فيلسوف وتحليلها وذكر ما لها وما عليها، وهي مكونة من تصدير يذكر فيه أولاً فكرة التطور في نظرية داروين، وثانياً يعـرض فكـرة التطـور قبل الإسلام خاصة عند اليونان، ويقدم مصطلح التطور فسيولوجياً في اللغة العربية، بعدها يناقش الفكرة عند إخوان الصفا وتطبيقاتها. وثانياً: عند مسكويه. وثالثا:ً عند البيروني الذي أفاد إلى حد كبير من التراث الهندسى عند ترجمته اللغة العربية. ورابعاً: نتعـرض لفكرة التطور نفسها عند ابن خلدون مستخلصين أهم ما يميز محاولته خاصـة ما أسميناه لديه علم التغير الخلدونى إضافة لدور العصبية في هذا، ثم التركيز على مفهـوم التطور الناحية البيولوجية، وحاولنـا تقييم بعـض جوانب الإشكاليـات لديه: حول الفلسفة وموقع الدين في التطور.

وعن التطور عند داروين، يقول مجدي عبد الحافظ: مثل كل النظريات والأفكار لم تأت نظرية داروين التطورية من فراغ، بل كان ثمة من فكر قريباً منها أو من معاصريه وجاء داروين ليتجاوز كل هذه الأفكار والافتراضات السابقـة: حيث أفاد من ملاحظته لبنية الأجساد بأن الأنواع متشابهة، مع مماثلة كل نوع منها لبيئته ومع تنوعها الشديد.

وقد جاءت التحولات والتطورات كما يقول مجدي عبد الحافظ عبر أزمنة جيولوجية استغرقت آلاف السنين، وينشر داروين عام 1871 كتابة تسلسل الإنسان والذي يؤكد انطباق ما يجري في عالم النبات والحيوان تماماً على الإنسان، من هنا يصبح العقل الإنساني لديه عضواً كسائر أعضاء الجسم، جرت عليه سنن التطور، وتعاقبت عليه مراحل التكيف، ويسير التطور لدى داروين بمقتضى الصدفة في الطبيعة المادية الخارجية، دون أن يرتبط بخطة أو هدف يتحتم بلوغه؛ إضافة إلى اعتبار الأنواع الحالية على اختلافها يمكن أن تفسر بأصل واحد أو ببضعة أصول نمت وتكاثرت في زمن طويل بمقتضى قانون الانتخاب الطبيعي أو بقاء الأصلح.

وحول مفهوم التطور، يقول مجدي عبد الحافظ بالبحث في تراث المثقفين المسلمين فليس هناك سوى البيروني، فهو الوحيد الذي وضحت عنده صراحة كلمة التطور، فهو العالم المسلم الذي انفرد باستخدام مصطلح التطور للدلالة على معالجاته العلمية، والتي تشبه إلى حد كبير استخدام المصطلح في الحياة العلمية الحديثة، إلا أننا لا نعدم أن نجد لدى غيره من مفكري المسلمين إشارات وتلميحات كثيرة لمعنى التطور دون أن يروا المصطلح صريحاً كما جاء في عبارة البيروني.

ويتناول مجدي عبد الحافظ فكرة التطور عند مسكويه، قائلاً: يعد مسكويه من أهم الفلاسفة الذين بحثوا في مجال الأخلاق، وهو يعتبر من الفلاسفة المسلمين الذين اهتموا بالتطور وأهم ما قدمه في هذا الموضوع في كتابيه، الفوز الأصغر وتهذيب الأخلاق.

ويضيف: والعناصر الطبيعية لدى مسكويه إما بسيطة أو مركبة، البسيطـة منهـا إما عنصريـة مكونـة مـن عناصر أي بالعناصر الأربعة الإسطقات الماء والهواء والنار والتراب وإما غير عنصرية كالأجرام والأفلاك والكواكب، وتنقسم المركبة إلى نباتية أو حيوانية مما ينجم عنه وجود أربعة أقسام طبيعية: الأجرام والعناصر والنباتات والحيوانات لدى كل منهم حركة: حركة تغير المكان، وتغير الحالة أو تغير الأبعاد.

وعن هذه الأجسام الطبيعية يقول: للنبات في قبول هذه الأثر غرض كثير ومراتب مختلفة لا تحصى، إلا أننا نقسمه إلى ثلاث مراتب، وهى الأولى والوسطى والأخيرة؛ الأولى: من النبات تلك التي تزحزحه قليلاً عن دائرة الجماد بما يقبله هذا الأخير بما يخرج عن دائرته، فيعتبر ما يقبله من مود واعتداء وامتداد هي الحالة الزائدة في النبات التي شرف بها على الجماد؛ ويعتبر الطبقة الوسطى في النبات شرفاً زائداً عن المرتبة الأولى، حيث في هذه المرحلة يصير له من القوة في الحركة إلى أن يتفرغ وينبسط ويتشعب ويخفف نوعه من البذر؛ وتعتبر الثالثة والأخيرة من النبات هي التدرج الطبيعي لما قبلها الوسطى حيث يتدرج في هذه المرتبة ويقوى هذا الأثر فيه ويظهر شرفه على ما دونه حتى ينتهى إلى الأشجار الكريمة التي تحتاج إلى عناية من استطابة التربة واستغراب الماء والهواء لاعتدال مزاجها وإلى صيانة ثمراتها التي تحتفظ بها نوعها كالزيتون والرمان والسفرجل والتفاح والتين وأشباها.

وكما قسم مسكويه من قبل النبات إلى ثلاث مراتب يتطور خلالها النبات، نراه أيضاً يقسم الحيوانات إلى خمس مراتب أو رتب مقسمة بحسب عدد الحواس لكل رتبة حيوانية.

والأولى من الحيوان وهي التي تلي آخر مرتبة من النبات يلحقها مسكويه بأول مرتبة من الحيوان وفي المرتبة الثانية نجد أن من أهم سمات الحيوان أن ينتقل ويتحرك وتقوى فيه قوة الحس، كالدود وكثيراً من الفراش والدبيب.

وإذا انتقلنا إلى الرتبة الثالثة من ترتيب الحيوان لديه نجده يرتقى حينما تزيد عدد حواسه، وفي المرتبة الرابعة تزداد الحواس الثلاث السابقة الذكر حاسة أخرى رابعة وإن كانت ضعيفة لحد ما، هي البصر أي أن الحيوان في رتبته الرابعة يرتقي حيث يصير له من حس البصر ضعيف، كالنمل والنحل والحيوان الذي عيونه تشبه الخرز وليس له أجفان ولا ما يستر أحداقه.

وفي الرتبة الخامسـة والأخيرة وهي مـا يقابل الحيوان مكتمل الحواس الخمس اللمس والذوق والشمة والسمع والبصر نجد تطابقاً بين إخوان الصـفا وبين مسكويه فهو يدمج أيضاً في هذه الرتبة كل من اكتملت له الحواس الخمس بصرف النظر عن كونهـا بليدة الحس أو ذكيـة، أي أن الحيوان الرتبة الخامسة لديه متفاوتة المراتب.

ويحاول مسكويه تقسيم البشر من حيث قوة الفهم والذكاء تقسيماً يعتمد على الجغرافيا والتوزيع الإقليمي أكثر من أي شيء آخر، حيث يستند إلى أواسط الأقاليم، السبب في جعل سكاكينها أكثر قدرة على الفهم وأسرع الناس على قبول الفضائل، وهو ما يرجع لتأثره بالبيئة العربية الإسلامية وتحيزه لها، بحيث يجعل مواطنيه هم أكثر الخلق ذكاء وقدرة واجتهاداً.

بمعنى أن يربط بنهاية الأفق الحيواني إلى مراتب الناس الذي يسكنون في أقاصي المعمورة من الأمم التي لا تميز عن القرود إلا بمرتبة يسيرة، ثم تتزايد بينهم قوة التميز وسرعة الفهم والقبول للفضائل وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبقة التي وكلها الله عز وجل بالمحسوسات.

وينتقل مجدي عبد الحافظ في حديثه عن فلاسفة الإسلام إلى علاقة ابن خلدون، فيذكر على الرغم من تقلد ابن خلدون العديد من المناصب، فإنه لم يستطع أن يحقق ما كان يطمح في تحقيقه فعلياً، فقد كان طموحه السياسي أبعد من ذلك، لذا دفعه هذا الفشل السياسي إلى احترار هذه الهزيمة الذاتية، فانعزل عن الناس، وأخذ يتأمل حياته الماضية خاصة في الفترة فيها قبل هجرته لمصر، والتي انعزل فيها بقلعة ابن سلامة ورأى أنه ربما يجد سلواه في قراءة التاريخ، وهو الذي يعج بأخبار الهزائم والانتصارات ومن هنا جاءت دهشته، واكتشف لأول مرة أنه أمام ظاهرة محيرة، إذ وجد أن كتب التاريخ مليئة بالأغلاط والجهل.

والحق أن أهم ما يميز ابن خلدون عن معاصريه هو إلحاحه على الارتباط الوثيق بين المعرفة والمجتمع، إذ نظر إلى العلوم من حيث كونها ظواهر إنسانية تخضع لما يسميه طبائع العمران أولاً لأن الصنائع والعلوم لا يمكنها أن تنشأ إلا في مجتمع حضري توصل إلى تحقيق الضرورة في معاشه، إذ أن الناس ما لم يستوفوا العمران الحضري وتتمدن المدينة إنما همهم في الضرورة من المعاش وهو تحصيل أقوات الحنطة وغيرها.

فإذا تمدنت المدينة وتزايدت فيها الأعمال ووفت بالضروري وزادت عيه صرف الزائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش تلك الكمالات التي يفسرها بأنها الصنائع والعلوم وبالجملة الأمور الفكرية، ونكتشف هنا لديه أن النشاط الفكري يأتى نتيجة ضرورية للنشاط العلمي.

ولابن خلدون مقدمته التي اشتهرت باسمه، وهي تنقسم إلى ستة فصول: الأول في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض.

والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية، والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية، والرابع في العمران الحضري والبلدان والأمصار، والخامس في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه، والسادس في العلوم واكتسابها وتعلمها.

وأخيراً، يشير مجدي عبد الحافظ إلى التطور عن ابن خلدون فقد حاول ابن خلدون عن طريق علمه أن يضع القوانين التي يتحرك في إطارها تاريخ العمران الإنساني وهو علم يصحبنا خلاله ابن خلدون إلى جولة عبر التاريخ، تسير بنا رأسياً وأفقياً في الوقت نفسه.

وتأخذنا من البساطة إلى التعقيد ثم للانهيار، تبدأ بنا في علاقات إنتاجية متخلفة (مرحلة البداوة) إلى علاقات أخرى أكثر تقدماً مرحلة الحضارة إلى علاقات إنتاجية غير متحددة. وعليه لكي نفهم موقع التطور في هذا العلم، علينا أن نتوقف في منتصف الطريق ولا نستكمل الجولة معه حتى مرحلة الانقراض.

وننتقل إلي الخلاصة العامة التي وضعها مجدي عبد الحافظ لكتابه، وفيها وضح الأسباب المرتبطة بكل مفكر والتي جعلته يقول بالتطور، وهي في الأعم الأغلب، أسباب ترتبط بتنقلهم وإطلاعهم علي الثقافات والأفكار المختلفة، وهذا بالضبط ما أدي إلي الاختلاف فيما بينهم في طريقة عرض فكرة التطور وفي النتائج المترتبة علي اعتقادهم بالتطور .

ثم يخبرنا مجدي عبد الحافظ بالسبب الذي دفعه لكتابة هذه الدراسة وهو محاولة لإعادة بناء وفهم التوافق الفعلي لأفكار علماء المسلمين في ضوء عصرهم، لكي نوضح الرهانات الخاصة بطبقاتهم الاجتماعية في ذلك الحين؛  وأيضاً إنها محاولة لتقييم الإسهام الثقافي لهؤلاء العلماء بالنسبة لعصورهم وعصرنا إذا ما كان هذا جائزاً، ومن ثم لا نُحمل ما قالوه أكثر مما يحتمل، ولا نقوم بلي عنق الحقيقة لتناسبنا. وهو يعارض الدراسات التي تحاول تجميل الماضي والدعوة إلي العودة إليه أو جعل علماء المسلمين القدامي رواد كل نزعة علمية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.........................

المراجع

1- مجدي عبد الحافظ: فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام.. (كتاب).

2- أيمن رفعت : مجدي عبد الحافظ يناقش فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام.. (مقال).

3- حسان الخياط : قراءة في كتاب (فكرة التطور عند فلاسفة الإسلام).. (مقال).

 

شيماء التائبفي ظل التصورات التنموية المعتمد في الراهن الإنساني.. حالة المغرب نموذجا.

يعد البحث العلمي ركيزة أساسية للنهوض الانساني و الاجتماعي والثقافي في كل مجتمع، كونه يشكل أحد أبرز مباحث التقدم العلمي والرقي الحضاري، لما يحققه من تحديث وعصرنة  داخل مختلف المجالات الاجتماعية والانسانية والطبيعية، وذلك  بفعل النشاطات والتقنيات التي يستند عليها البحث العلمي باستمرار بغية زيادة المعرفة وترسيخها في عمليات التنمية لمختلف الجوانب، كما لا ننسى أن تقدم البحث العلمي في أي مجتمع كيف ما كان يتوقف على اتاحة الحرية بصورة كافية للعاملين في حقله. فالبحث العلمي كاستراتيجية من استراتيجيات النهوض بالذات الانسانية وجب عليه أن يمنح للإنسان في المقام الاول حصته من الاهتمام وجعله محور رئيسا لكل منطلقاته، عبر تمكينه وتحسين وضعيته. وبهذا نكون قد وضعنا الأصبع على الداء نظرا لأن قضية الانسان هي القضية الجوهرية خصوصا عندما يتعلق الامر بالبحث العلمي في البلدان الثالثية نموذج المغرب. يكون البحث العلمي مطالبا أكثر من نضيره في البلدان المتقدمة للاستجابة لحاجيات المواطنين وإنتظاراتهم، التي عرفت اهمالا كبيرا تسبب في سوء حالة البلاد المتمثلة في الانتشار المهول لظواهر الفقر والبطالة والأمية الخ. مما جعل الانسان  في امس الحاجة  الى انتشاله من هذه الظروف. فماهي اذن علاقة البحث العلمي بالتنمية في المغرب؟ وماهي سيرورة النهوض بالإنسان المغربي؟

ان الحديث عن واقع  البحث العلمي في المغرب يكشف لنا عن عدة مؤشرات سلبية وذلك لافتقاره لمناخ علمي بالمعيار الأكاديمي العالمي، حيث أن البحث العلمي في المغرب يشكو من ضعف حاد في أنشطته بالإضافة الى عدم اهتمام وجهات التنفيذ بما يجري في مجال البحوث العلمية من أجل  ربطها بخطط التنمية، الشيء الذي يوضح غياب التنسيق والتعاون والرؤية الواضحة،. وبالتالي كل ما نعيشه من ركود في مجال التنمية ما هو الا حصيلة ونتيجة للنظرة التجزيئية التي ما يزال ينظر بها للبحث العلمي بانه مجرد نشاط منعزل ومحصور في زاوية الجامعة و المختبر.

وعليه فإن  هذا التهميش والإقصاء والاختزال نجده واضحا من خلال ميزانية البحث العلمي الضعيفة في الغرب وذلك بنسبة 0,8 في المئة من الناتج الداخلي الخام، والتي تظهرها لنا  من خلال مستوى الانفاق الجد متدني، الشيء الذي يترتب عنه لا محالة  نتائج وخيمة، فضعف التمويل هو نتيجة منطقية لما يعانيه البحث العلمي  في المغرب من تراجع وقلة  في الانتاجات البحثية، والتي تعود بالأساس إلى مسألة الايمان والاعتراف بقيمة البحث العلمي وأهميته في التنمية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والأمن الغذائي وتحسين ظروف المعيشة للكائن البشري، فكثيرا ما نلاحظ الطلاق بين البحث العلمي واستراتيجيات التنمية في المغرب وغياب النظرة الشمولية للأدوار، والتي تنم عن غياب الترابط العضوي والوظيفي بين البحث العلمي وباقي مؤسسات المجتمع، مما يجعل البحث العلمي يعرف صعوبة في رسم استراتيجياته  التي تستنبط  بالأساس من احتياجات القطاعات المختلفة ، كما أن التنمية داخل المجتمع المغربي تؤدي ضريبة ذلك من خلال التعثرات التي تواجهها والمشاكل التي يكون ضحيتها الانسان باعتباره  أول المتأثرين بذلك،  لهذا تبقى  الحاجة ملحة اليوم لدمج البحث العلمي والانسان وتوظيفهما بالشكل الأمثل في الدورة الانتاجية والتنموية الراهنة. من أجل النهوض بالوضع الانساني. وارتباطا  بالواقع المغربي  الحالي والظروف الاستثنائية الراهنة  نجد أن ولادة جديدة لثقافة بدأت  تؤمن وتقدر فوائد البحث العلمي ليصبح البحث العلمي من مقترب أخر الفاعل الحقيقي في هذه الظرفية وهنا يمكن القول ان البحث العلمي  استطاع  ان يجد له مكانا متميزا داخل المنظومة الاجتماعية، وبالتالي نجح في قلب موازين القوى لصالحه بعدما عاش في عزلة  طويلة عن قضايا المجتمع،  نجده اليوم ضمن مشهدا مغاير يتيح له  السبل والامكانيات للإبداع و اخراج كل ما بجعبته، بالإضافة الى ما حظي به من هامش الحرية والتصرف،  فمعا " أزمة كوفيد19"  ظهرت مجموعة من نشاطات الابتكارية والابداعية التي  كان وراءها أشخاص ينتمون الى الطبقة المتوسطة الا أنهم برهنوا و بطريقة ذكية على أن البحث العلمي هو نشاط هادفا اذا كانت أهدافه محددة سلفا بمجال معين على سبيل المثال مجال الصحة  أو الاقتصاد أو التنمية إلخ. ومن خلال هذا المثال الحي الملتقط من الواقع الملموس نستخلص أن الازمات أحيانا تكون بمثابة صفعة توقذ المجتمع  من سباته الطويل وترشده الى الطريق الصحيح طريق الذي يكون فيه  العلم بجانب المجتمع ، بجانب  ذلك الانسان المهدورة حقوقه  باعتبار  أن البحث العلمي اول استراتيجية  يمكن من خلالها تعزيز دور الانسان وتمكينه في جميع المجالات،  وبالتالي بات هناك نوع من  التشجيع  الحاد لتطبيق  المقاربة التشاركية التي تتيح  للإنسان فرصة المبادرة والعمل، عوض  المقاربة الدركية التي  ينهجها  الفاعلين السياسيين في تنزيل البرامج التنموية  دون المشاركة  الفعلية للإنسان. وبالتالي تحقيق هذا  التحول على مستوى المقاربات هو الدليل الوحيد على ادراك السياسة المجتمعية لمكامن خللها  وتسمح للإنسان أن تتشكل عنده  رؤية واضحة للنهوض بذاته وبواقعه نظرا للأن ارادة النهوض هي ما سيساعده على تخطي التخلف واللحاق بالتقدم. ويبقى هذا كله رهين بجهود البحث العلمي  كقاعدة عامة  مخصص لصالح الانسان والتقدم الانساني بأكمله. وبالحديث عن المجتمع المغربي لابد أن نشير أن  الانسان المغربي هو في حاجة لإعادة بناءه من جديد والنهوض به واسعاده،  لذا يبقى البحث العلمي هو الثمرة الوحيدة  لممارسة العقل الانساني دوره في الحياة، وتكوين، نظرا  لما يوفره من طاقات وقدرات تعود بالنفع على البشرية جمعاء. لهذا وجب الأخذ به في المخططات التنموية التي تعنى بالإنسان والتي غالبا ما نجدها في المغرب تتسم بالسطحية دون تحليل عميق ورؤية نسقية وبالتالي غياب تحليل النسقي القائم على عنصرين أساسيين متمثلان في أنساق الانسان وأنساق الموارد يضع التنمية في المغرب في مأزق كبير، علاوة على الطابع الاقطاعي للمجمل التدخلات التنموية التي نجدها في كل المخططات بما فيها مخطط التعليم، والتي تكشف عن انعدام وجود خيط ناظم ومتناغم بين هذه المخططات، لذلك يعد التركيز على المقاربة التشاركية مسألة أساسية لإصلاح التوجهات السياسية الخاطئة ذات الطابع الفوقي، كون أن هذه المقاربة ستمنح للإنسان الدافع للفعل وتتمن المعارف المحلية وتطور القدرات الانسانية.  وأخير نخلص الى أن البحث العلمي كنشاط  قريب  من هموم الانسان، غايته القصوى حل مشاكله والوصول الى النهوض الانساني الحقيقي.

 

الباحثة شيماء التائب

تخصص سوسيولوجيا التنمية المحلية

 

 

حاتم حميد محسنشكّل كوفيد-19 عدوا ثقيلا في المدن وفي كل العالم. انه ليس كالفايرس الالكتروني الذي يدمر الكومبيوترات محدثا الفوضى في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الهياكل المالية وانظمة الدفاع والاتصالات،  وانما هو فايرس "تقليدي" نشأ كما يبدو في نوع من الكائنات الحية  وراح ينتشر بين الناس على نطاق واسع. هذا الفايرس التقليدي خلق اضطرابا في كل العالم، مهددا الاطاحة بالعولمة ذاتها، النظام المنظّم للاسواق الحرة وحرية التجارة وحرية التدفقات المالية وحركة الناس، والذي كان مهيمنا على الكوكب منذ نهاية الحرب الباردة.

يمكن مقارنة الاجراءات التي اتخذتها الحكومات والموارد التي عبئتها في محاولتها إحتواء الفايرس وتقليل الاصابات بالجهود التي بُذلت في عدة جبهات اثناء الحرب العالمية الثانية. انه صراع عالمي مرة اخرى، لكنه هذه المرة ضد عدو غير مرئي و مميت. في الحرب، يكون أول الضحايا هو الطريقة "العادية" في العيش والحريات التي تأسست عليها الصيغة الحالية للعولمة. من حسن الحظ ان هذه الحرب احتشدت فيها كل الانسانية تقاتل في نفس الجانب ضد عدو مشترك . في هذه الحرب اعتُبرت العولمة كمساعد لهذا العدو وان جزئيا. نشأ الفايرس في جزء من العالم ثم انتقل بسرعة من خلال السفر الى كل زوايا الكوكب. العولمة أثبتت ايضا كونها عامل كابح لإستجابة الحكومات، لأن النظام المعولم لايمكن الوثوق به في توفير التجهيزات الطبية والموارد لبلد معين بل،  بدلا من ذلك انتقلت هذه التجهيزات الى اماكن ذات تكاليف  منخفضة وحيث تباع بأعلى الاسعار.

ان خطط الطوارئ الحكومية وجدت نفسها في فوضى لأن خطوط التجهيز تعبر الحدود التي اُغلقت بسبب الاحتياطات والمحاذير الطبية. الاعتماد على مجهزي القطاع الخاص للتجهيزات والخدمات الطبية بما فيها اللوجستك،  يتطلب جهدا اضافيا وتكاليف لإعادة تأسيس شبكات تجهيز البلد والذي لا يمكن ان يتم الاّ عبر "تشاركية قطاع خاص وعام"، حتى لو ان الدولة تعبئ آليات استجابة للطوارئ او استخدام قوات مسلحة.

كانت الأضرار الجانبية والخطيرة التي نجمت عن الاجراءات المضادة لانتشار الفايرس  تتمثل بالتقليص الشديد للفعالية الاقتصادية.الناس بقوا يعملون من البيوت متجنبين او مُنعوا من الذهاب الى المطاعم والمحلات والصيديليات. بعض الناس هم سلفا خسروا وظائفهم في القطاعات غير الفعالة، بينما خطوط النقل الجوي تواجه الإفلاس بسبب خوف الناس من تفشي الفايرس والذي قاد الى منع السفر في النهاية. اما أسواق الاسهم والصرف العالمية كان رد فعلها خسائر كبيرة في الأسهم وهو ما حفّز الدول للإعلان  عن محفزات واسعة خاصة في  الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي والصين ودول اخرى. هذه تضمنت طبع كميات كبيرة من النقود الجديدة وضخها في الاقتصاد، بالاضافة الى خطط مباشرة لمدفوعات نقدية للمواطنين .

بشكل او بآخر، بدت الدول المتطورة كأنها أوقفت العدو من التقدم الى ما وراء حدود الآلاف في الوفيات. لكننا بالنهاية سنرى اي نموذج هو الأفضل في العمل: النموذج الاكثر تقييدا في القارة الاوربية او الاكثر استرخاءً كما في المملكة المتحدة. باستثناء اي تطور غير متوقع، فان جميع هذه النماذج التي استرشدت بالخبراء العلميين ومهما تعددت أشكالها يجب ان تحقق الهدف المرجو في محاصرة الفايرس . لكن ماذا عن الدول النامية وحيث الانظمة الصحية وقدرات الدول هي الأضعف بكثير؟ يكمن الأمل فقط بان تعمل الدول المتطورة  بروح التضامن والمصلحة الذاتية المتنورة، وانها سوف تترك بعض التجهيزات والمعدات للدول النامية لتستعملها عند الحاجة. يأمل الناس ان الحرب ضد هذا العدو المشترك لن تنزلق الى حرب أهلية انسانية اخرى في القتال لأجل الموارد الطبية المحدودة، حول من يحصل اولاً على اللقاحات والعلاجات الممكنة. لحسن الحظ، كانت الاستجابة حتى الان  نوعا ما منسقة (على الاقل في المجال الطبي) من خلال هيئة مختصة متعددة الاطراف وهي منظمة الصحة العالمية. هذه احد عناصر العولمة التي اثبتت ايجابيتها والتي اعترف بها حتى القادة الوطنيين وان على مضض. كانت هناك دروس متعلمة من حالات تجهيز الطوارئ الطبية السابقة مثل سارس وايبولا، والتي هي تطبق الآن. من حسن الحظ ان المجموعة الطبية حول العالم تتحدث الان نفس اللغة وهي لغة الشفاء.

بعض العناصر الاخرى للعولمة التي أثبتت فائدتها خلال هذه الازمة هي التواصل الاجتماعي والاتصالات بشكل عام. الاحساس بالجالية والذي يعد حاسما في الاوقات الصعبة، يمكن التعبير عنه ايجابيا من مسافات آمنة من خلال الاتصالات التلفونية، مؤتمرات الفيديو، وتبادل الرسائل، وحلقات المزاح (مع ان العكس قد يحصل عند انتشار الاخبار الزائفة التي تضلل الكثيرين وتسبب لهم الألم). ان التأثير الايجابي غير المقصود لهذه الحرب هو انخفاض انبعاثات الغاز من البيوت الزجاجية وقلة التلوث، بسبب اغلاق المصانع والهبوط الكلي في الفعالية الاقتصادية، غير ان هذا يُتوقع استمراره فقط لفترة قصيرة.

ربما تأخذ العملية عدة أشهر قبل انتهاء الحرب ضد الفايرس، لكن اجراءات العزل قد تستمر لسنوات. بعض الدروس الاساسية التي يتم تطبيقها قد تتطلب إجراء تغيرات شديدة وطويلة الأمد في نموذج العولمة الذي كان العالم يمارسه حتى الآن. تلك التغيرات تتضمن التالي:

1- إعادة تنظيم خطط حالات الطوارئ لضمان استمرار خطوط تجهيز المواد الطبية والاشياء المصيرية الاخرى، مع التأكيد على استعدادات الدفاع المدني والمرونة وضمان قدرة الجاليات على مقاومة الصدمات بالاعتماد على مصادر قريبة. هذه الصدمات يمكن ان تنشأ عن كوفيد-19 او من فايروسات اخرى او بسبب حدث طبيعي نتيجة تغير المناخ او كوارث من صنع الانسان.

2- تكامل ناعم لخدمات القطاع الخاص مع القطاع العام في حالات الطوارئ لأجل توفير مستمر للتجهيزات الضرورية المذكورة اعلاه وكذلك بالنسبة لتوفير الغذاء والمواد المتعلقة بالبقاء بالاضافة الى الاتصالات واللوجستك لتكون كلها في خدمة الجالية بدلا من ان تكون لتعظيم الربح.

3- إعادة تحديد الأولويات للفعالية الاقتصادية والاستثمار العام نحو الفعاليات الدائمة الأقل موارد واقل تلوثا، مع التأكيد على أمن الانسان ورفاهيته في تغذية مضمونة ونظام صحي موثوق ونظام مساعدات اجتماعية ومستويات محترمة للعيش لجميع الناس.

4- إعادة تجديد الاحترام والاستثمار في التعددية ونظام وكالات الامم المتحدة التي تربط الجماعات المتخصصة في كل انحاء العالم مثل الاطباء ووزراء الصحة من خلال منظمة الصحة العالمية. قد لا يكون السجل ايجابيا جدا بالنسبة للمؤسسات السياسية مثل الامم المتحدة او الاتحاد الاوربي، لذا فان اعادة التفكير بكيفية عملها ونوع القيادة المتوقع توفيرها للطوارئ هي قيد العمل. كذلك من غير الواضح ما هي القيمة المضافة لمجموعة السبع ومجموعة العشرين والمنظمات الاخرى المحدودة العضوية سواء القيمة المتحققة او ما يجب تحقيقه.

سيحتاج العالم للمزيد من الوقت  لإستيعاب الدروس من كوفيد-19 . العديد من الدروس لاتزال في طور التعلّم. سيبقى البحث مستمرا عن قيادة اخلاقية ومؤهلة وعن رؤية يمكنها ان تحفز وتباشر تغيرا تحوليا لأجل الخير العام.

 

حاتم حميد محسن

 

اكرم جلالحينَما تَسقطُ القِيَم وَتَتَحوّل المباديء إلى تِجارة، رِبحٍ وَخَسارة، حينما يكون الزَيّ والمَلْبَس هوَ المِعيار، والفكرُ والوعيُ مُحارَبٌ مِن قِبَلِ التُجّار؛ حينَما يكونُ الكَذِب منهج للحياة والغَدر والفجور مفاهيم مرادفة لفنون السياسة والحكم؛ حينما تتحوّل هذه المفاهيم الممقوتة إلى فكرٍ وعلمٍ يُدرّس، وأنَّ على السياسي البارع أنْ يَتَعلّم هذه الفنون وَيَفقَه هذه العلوم، وأنّ عليه أن يَلِجَ هذه المدرسة ليتخرج منها وهو يحملُ شهادةَ الكَذِب والإبتزاز بتفوّق وامتياز، فلعله يستطيع أنْ يَنزِعَ ثَوبَ الأبرياء لِيَحجزَ مَقعداً بَين الأشقياء.

إنّه زَمَنُ الخيانة وَبيعٌ للأمانة، زمنُ الخطابات الرنّانة والتسابق نَحو المَهانة؛ قوالب للتبرير، أَعَدّها وأخرَجَها أبالسة مازالوا خلف السِتار يشرعنون وللباطل يطبّلون، ويصورون الغَدرَ انتصار والخيانة فنُّ الشُطّار، من أجل مقاصد في نفوسهم المريضة واطماعهم المستفيضة، وعُقَدٌ وتَشّوهات وعبادة للذّات، وأهداف يظنّون أنّها أيديولوجية براجماتية.

الخيانة كما يعرفها أبن منظور في لسانه هي "الخَوْن: أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، خانَه يخونه خونًا وخيانة، وخانَةً ومخانة". إنّها غمط الحقوق واغتصابها، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].

روي عن أحمد بن علي التفليسي، عن أحمد بن محمد الهمداني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: " لا تنظروا إلى كَثرَةِ صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة "1. 

فلا شكّ ولا رَيب أنَّ للخيانة أثر خطير على حاضر ومستقبل الأفراد والمجتمعات، وأنّ الأعمال أساسها الأمانة، وهي عنوانٌ لا يحمله إلّا أهل النُبل والإستقامة، وأنّ الأمم لا تسمو ولا تتقدّم إلّا حينما تسود الأمانة وتنجلي غبرة الخيانة؛ فعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزال أمتي بخير مالم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة، وآتوا الزكاة، وإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين" 2.

فَعَن أيّ أمانةٍ كانَ الحبيب المُصطفى يَتَحَدَّث، وأيُّ أمرٍ عَظيم ذلك الذي يُحذّرنا منه؟

لقد أوضح أمير المؤمنين ومولى المتقين عليّ (عليه السلام) مفهوم الخيانة وبيّن أعظم مراتبها، ففيما روي عنه قوله: "ومَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ ورَتَعَ فِي الْخِيَانَةِ، ولَمْ يُنَزِّه نَفْسَه ودِينَه عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِه الذُّلَّ والْخِزْيَ فِي الدُّنْيَا، وهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وأَخْزَى، وإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ، وأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الأَئِمَّةِ"3.

نعم، إنَّ للخيانة صُوَرٌ وَأشكالٌ، تَختلِف مِنْ حالٍ إلى حال، وَتَتَباين في الشرّ والأثر، لكنَّ أعظَمَها إثماً وَأَبشَعَها هَدماً هيَ خِيانة الأمة، وإفشاءِ أسرارِ الشعوب وَنَهبِ خيراتها وَجَعْل مصيرها مرهون بيد أعداءها. خيانةٌ تثيرُ الخوف والفزع وتهتك الدين والشَّرع، تمّ الإعداد لها بإتقان لتتحوّل بمرور الأيام والأعوام إلى تجارةٍ مُربحة، وسياسة ناجحة.

إنَّ الخيانةَ ما كان لها أنْ تأخُذَ مَكانها وَسَط الأمة دون تَوضيفٍ أسطوري، حيث يعتقد الكثير من علماء الفلسفة والفكر أنّ الخيانة السياسية لا بد لها من أساطيرَ تَدْعَمها وَتُهيء لها الأرضية من أجل أن يتقبلها عوام الناس، ومن هؤلاء المفكرين الفيلسوف الألماني هانز بلومنبرج، الذي يعتقد أنَّ الأسطورة هي من الأدوات الأكثر تأثيراً في إقناع الجمهور وتمرير الخديعة وتحويل الخيانة إلى عَمَلٍ مُبارك، بل وضروري.

والأسطورة لا يمكن لها أنْ تَنْطَلي على شَعبٍ يَمتلك درجة مِنَ الوَعي والثقافة، فالعِلمُ كَنزٌ ثَمين وَحِصنٌ أمين، وَدِرعٌ رَصين، والأمَمُ بِخَيرٍ ما دامت عارِفَةُ عالِمَة، لذلك لابدّ أولاً مِنْ بَرامِجَ في التّجهيل المُمَنْهَج في أنْ تأخُذَ دورها لِسَحق العقول ومحاربة الفكر حتى يَزول، ولِطَمس الثقافة وإشاعة الخُرافة، وَمَحو العِلْمِ والتَعليم، وَتقديم أهل الجَهل والأطماع وإبعاد أهل العلم والإبداع. عندها فقط يكون للإسطورة عنوان، وتكونَ عَصاً بيدِ السلطان، ولتجد لها المكان في النفوس والعقول في كلّ مكان وزمان.

والغريب أنَّ الجهل حينما يتغلغل في العقول، ترى النفوسَ تتعطّش إلى الخرافات والأساطير، لكي يبرروا لأنفسهم أنّهم على الطريق المستقيم، لذلك فصناعة الأسطورة، والتي تُهَيّء فيما بَعد إلى الخيانة، هو أمرٌ يُصنَع مِنَ الأعلى ولكن في الوقت نفسه تُعينه عقولٌ مِنَ الأسفل، أمَمٌ جاهلة، تَعشق الجهل والخُرافة. وهذا ما ذهب اليه أفلاطون في استخدامه لفكرة الأكذوبة النبيلة من أجل قيام دولة كريمة، والغريب أنّها بِحَدّ ذاتها أسطورة فينيقيّة قديمة أراد أفلاطون تمريرها لإقناع العوام أنّ من الطبيعي وجود فوارق طبقيّة بين أفراد المجتمع الواحد لقيام دولة نبيلة.

ولعلّ أكثر الأساطير فَتكاً وَأَشَدّها أثَراً وتأثيراً هي الأساطير والخرافات التي تنطلق مِنْ أُسُسٍ دينية وعقائدية ومذهبية. فالخيانة لدى أهل السياسة لا تتم حتى ينشغل عوامّ الناس بخرافاتٍ ليبرروا لأنفسهم الخيانة، ويكفر بعضهم البعض، ويقتل بعضهم البعض، وليتفرّغ صُنّاع الأساطير لمشاريعهم في والتجويع والترويع ومن ثم النهب والسلب، وتسليم الحاضر والمستقبل وجعله رهناً بيد المجهول.  

وَمَن يُنكِرُ أنَّ المَبنى الفقهيّ للأموال مجهولة المالك، قد حُوِّلَت وَحُرِّفَت لتكون أسطورة تَخدِم مآرِبَ أهل الضلال، حيث أستُغِلّت بطريقة بَشِعَة، فكانت خيانة عظمى، وبابٌ يَتَسابق من خلاله أصحاب النفوس المريضة، من أجل نهب وسلب أموال الشعب بطريقة بشعة، فبدأت ذئاب السياسة وحواشيهم بالسيطرة على أراضٍ وامتلاكِ عِقاراتٍ وتثبيتها بأسماءهم، مُقابل دفع نصف مبلغ العقار أو خُمسه للحاكم الشرعي؛ تزوير وخيانة وسرقة باسم الدين، قال الله تعالى: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]. ولو تتبّعنا حقيقة هذه الأسطورة لوجدنا أنَّ مَرجِعَ الطائفة الأعلى، سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني قد أفتى بحرمة الإستيلاء على عقارات وأموال الدولة بحجة مجهولية المالك، ففي السؤال 19، من استفتاءات أموال الدولة يسأل سائل:  "ما هو حكم الأموال مجهولة الملكية . وهل هناك اذن من سماحتكم بالأخذ منها ؟"، فكان جواب المرجع: " لا اذن بذلك ".

وفي سؤال آخر:" ما حكم سرقة أموال الدولة التي لا تحكم بالشريعة الاسلامية ولا تعطي الشعب حقه؟" فكان الجواب: "لا يجوز".

روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه لبعض عمّاله ممّن سرق أموال النّاس: "فَاتَّقِ الله وارْدُدْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ - فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي الله مِنْكَ - لأُعْذِرَنَّ إِلَى الله فِيكَ - ولأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِه أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ"4.

 

د. أكرم جلال

.........................

المصادر:

1- أمالي الصدوق، ص 182.

2- عقاب الاعمال، ج1، ص300.

3- السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، ص 383، الكتاب رقم 26.

4- السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، ص 413، الكتاب 41

 

فاخر جاسميقول فيلسوف العرب  الكندي" من أوجب الحق أن لا نذم من كان أحد أسباب منافعنا .. فإنهم وان قصرواعن بعض حق، فقد كانوا لنا أنسابا وشركاء فيما أفادونا من ثمار فكرهم، التي صارت إلينا سبلاً وآلات مؤدية إلى علم كثير مما قصروا عن نيل حقيقته".

النقد حاجة إنسانية تولد المتعة من خلال البحث عن الأفضل. وهونوعان: نقد علمي مبنى على الحقائق الموضوعية، غايته نقد الأخطاء والنواقص بهدف تعديلها وتصحيحها وإزالة مسبباتها من خلال الاستناد على مبادئ النقد الرئيسية، ومنها، نقد كلية الشيء ـ فكرة ، شخص ـ  حركة سياسية، نشاط سياسي أو اجتماعي ـ ومنها، التركيز على نقد موضوع الشيء وليس على تفاصيله، وخاصة عندما يتعلق بتجربة الأشخاص الأدبية والسياسية. ونوع آخر تشهيري يهدف إلى التسقيط والثأر والإزالة الكلية للآخر ـ فكرة، إنسان، جماعة ـ وينبع من الحقد والتعصب، له أدواته المختلفة تبدأ من القذف بالكلمة الجارحة وتنتهي بالتصفية الجسدية. لذا فإن رفض النقد الموضوعي، باعتباره نقيصة خسارة للعقلاء. فالإنسان يربح إذا صغى إلى تقييم الآخرين لأفعاله وأقواله، ويخسر إذا سعى لترديد تقيمه الخاص.

كما هو معروف أن المعايير الاخلاقية لها قيمة أصلية ترتبط باصالة الإنسان، كقيم الحرية والعدالة والمساواة وحب الخير وغيرها من القيم والالتزام بهذه المعايير في السلوك الفردي والاجتماعي، يرتبط بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان، لذلك يتغير هذا الالتزام تبعأ بتغير البيئة وهدف الإنسان في الحياة، فإذا كان الهدف سامياً تبقى المعايير الاخلاقية هي التي تحرك النشاط من أجل تحقيق الهدف السامي، بغض النظر عن طبيعة البيئة  والظروف التي نتحرك فيها. فعلى سبيل المثال، نرى من يسعى إلى الكسب أو الشهرة، بأي وسيلة، لا يهمه الالتزام بالمعايير الاخلاقية، مهما زادت  ثروته أو شهرته.

النقد البناء، من أهم مبادئه الابتعاد عن التبرير، التجرد والموضوعية، والنزاهة الحوارية، الإبتعاد عن الخلط بين شخصنة النقد لانه في هذه  الحالة يهدم الهيكل من خلال الثقوب التي ظهرت، فيصبح الهيكل هو الثقوب، كمن يخلط بتعمد بين الضحية والجلاد.  والنقد الموضوعي لا يقوم على القدرة على " التعرية" بل القدرة على التصحيح، كما يقول لينين. النقد البناء يفترض تحمل المسؤولية الشخصية عن الأخطاء والابتعاد عن تصيد اخطاء الآخرين  بهدف التخلص من المسؤولية الشخصية. 

إن احترام حرية النقد وحرية  اختيار الآخرين وتنوع الأراء وحرية التعبير عنها هو احد الشروط المهمة لآداب النقد. وهذا الاحترام يعني قبول الاختلاف بالتقييم والرأي الذي هو حاجة إنسانية لها أسبابها الموضوعية والذاتية، عللها أبو حيان التوحيدي فقال: مادام الناس على فطر كثيرة، وعادات حسنة وقبيحة، ومناشيء محمودة ومذمومة وملاحظات بعيدة وقريبة، فلا بد من الاختلاف على كل مايختارويجتذب".

 إن الإدعاء باحتكار الحقيقة من قبل الناقد لا تتعلق فقط بوحدانية صحة فكرة معينة، بل باحتكار تقييم الفكرة ونشاط الأفراد لتنفيذها وتشويه تاريخهم، وهذا ما يتعارض مع آداب النقد وقيمه، التي تزداد الحاجة إلى الالتزام بها، خاصة لدى اختلاف وجهات النظر حول نقد التاريخ والحركات السياسية والأشخاص المساهمين بصنع تاريخها. ومن هذا المنطلق فإن اعتقاد الناقد بإنه  يمتلك الحق بنقد التاريخ وسير الأشخاص حسب هواه يعتبر مصدر كل قمع. 

 هذا من جهة ومن جهة أخرى، نلاحظ ارتباط بين المعايير الأخلاقية والتفكير، فاذا كان الهدف من نشر مقال أو نقد تجربة نبيلاً فأن المعايير الأخلاقية تكون حاضرة في ذهن الكاتب والمفكر، فلا يشذ عنها مهما كانت "الحقائق" التي يملكها وغنى تجربته الشخصية، فنراه لا يلجأ إلى تشوية الحقائق او استخدامها في غير سياقها بهدف الثأر والانتقام  سواء من تجربته  الشخصية أو تجارب الآخرين، لذلك نرى الكاتب الذي يلتزم بالحد الادنى من المعايير الاخلاقية لا يبني رأيه او موقفه بناء على الشكوك القائمة على التخوين والتشهير، بل يستند موقفه النقدي على التسامح والموقف الإيجابي وإيجاد الأعذار لأخطاء الأخرين الناتجة عن العمل أو التفكير الخاطئ الذي أدى إلى اتخاذ موقف سياسي او اجتماعي مغاير لما يراه الكاتب او الباحث في تاريخ تجارب الحركات السياسية وكوادرها الذين قدموا تضحيات كبيرة أو صغيرة ولكنهم اختاروا طريقاً آخر أو مختلف بناء على تغيير قناعاتهم الفكرية والسياسية، لأن شرعية الأفكار التي نطرحها لا تبني على مواقفنا وتجاربنا الشخصية بل تبنى على الحقائق الجمعية التي تضبط استخدامها المعايير الاخلاقية وليس المواقف الشخصية، لأن الحقائق لها قيم قائمة بذاتها، بينما المواقف الشخصية ترتبط بالذات والدفاع عنها بطريقة لا تخلو من الذاتية. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن مشروعية النقد لا تقوم على ذبح الماضي وشخصياته بدم بارد، تحت حجة حرية ممارسة النقد.

إن الالتزام بالمعايير الأخلاقية في النقد يؤدي إلى تقويم التجربة والاستفادة من الأخطاء التي وقعت فيها والمساهمة الفعالة في اعادة بناء الذات الشخصية وكذلك اعادة بناء الحركات السياسية  لتكون أكثر قرباً من الالتزام بالمعايير الاخلاقية، من خلال احترام التجارب الشخصية والجمعية وقبول الإختلاف بالآراء في الماضي والحاضر وبذلك تتقلص الاختلافات الحادة في النظرللتاريخ والمصلحة المشتركة، أما الابتعاد عنها في النقد، أي المعايير الاخلاقية، فانه يؤدي إلى تشويه التجربة وعدم الاستفادة من أخطائها ونكران التضحيات التي قدمها من ساهم في صنع تاريخها ، مهما كانت صغيرة أو كبيرة.

 إن الابتعاد عن المعايير الاخلاقية، تجعل الناقد يتخيل نفسه بأنه يمتلك الحقيقة الكلية التي من شانها إذا باح بها أصبحت قادرة على التحكم بمسار التغيير الذي يتصوره، وفي هذه الحالة يصبح معيار العقل لديه تصوراته الشخصية، وليس حقائق الواقع بكل تلاوينه، وهنا يبتعد عن أهداف النقد فيصبح عنده وسيلة للدفاع عن ذاته وتجربته  الشخصية بتعصب، وليس تغيير الواقع من خلال نقد سلبيات الماضي، فيتحول من شاهد على التاريخ إلى مزور له، وينطبق عليه قول المتنبي:

الظلم من شيم النفوس، فإن تجد              ذا عفةً، فلعله لا يظلم

 إن من يمتلك الموضوعية، ينبغي ان يكون منصفا في نقد سيرة رفاق الدرب في مسيرة النضال الطويلة التي تستمر بالحياة، رغم الظروف القاحلة التي أكل حيتان الفساد فيها، ليس دولارات النفط فقط بل طعام الفقراء والمستضعفين، وأفسدوا الحرث والنسل، فلماذا يتم التواضع في نقد هولاء والغلو في جلد الذات بقسوة؟ إلا يستحق ذلك التساؤل عن الغيايات والأهداف حيث لا تكفي المشاعر النرجسية في أن يكونوا تحت الأضواء  دائماً ، حتى لو كانت ألوانها فاسدة، في تفسير دوافع هذا النشاط المحموم؟

  ينبغي أن لا يضفي الناقد أحلامه النرجسية،  وينطلق من امراضة وعقده النفسيه في تفسيره للتاريخ ونقده بحجة الدفاع عن الحقيقة أوكشفها، فالحقيقة هنا غائبة عن ذهنه أو غطتها أحلامه النرجسية حين يدعي أمجادا ليست له ويمسح بجرة قلم ما بذله الآخرين من جهد لأنهم اختلفوا معه في الرأي والموقف يوم ما، فيعلق كل أخطائه على تاريخهم ناسياً أنه كان جزءً من هذا التاريخ الذي كان محركاً له في وقت الأخطاء التي ينتقدها، ولان يعفى من المسؤولية إذا دار ظهره لتاريخه، فأحداث التاريخ تبقى شاهدا على ما ارتكبه من أخطاء تم السكوت عنها في حينها بسبب موقعه القيادي والظروف المحيطة بالعمل الحزبي في حينها،  فأخطاء هؤلاء ما زال رفاقهم يحفظونها عن ظهر قلب فلا يزيلها تغيير السفن التي يركبونها، فربانها يعرفهم جيدا ولولا تلك المعرفة لتركهم على قارعة الطريق.

وفيما يخص نقد تجارب الشخصيات التي رحلت عنا، ينبغي ان نتذكر القول المأثور: أذكروا حسنات موتاكم"  وبناء على ذلك، إلا ينبغي ان نحترم تاريخ هؤلاء المناضلين، وان اختلفوا  معنا في يوم ما، في موقف ما أو رأي ما، ونبتعد عن انتهاك خصوصيتهم،  فكرامتهم  والحفاظ على حرمتهم تبقى من مسؤولية الناقد باعتبارها احد أهم المعايير الأخلاقية التي ينبغي ان يأخذها الناقد بنظر الاعتبار. ففي الوقت الذي يفتخر به الوطنيون بالتضحيات، من أجل الحرية والتقدم الاجتماعي، التي قدمها الراحلون عنا، يقوم البعض بنحرهم بالسكين وهم أموات، سواء تحت ذريعة النقد أو الرد على النقد.

إن كل ما نلاحظه اليوم من نقد لتجربة بعض الشخصيات والنقد المضاد، أرى أنه يدخل في باب الترويج للنقد الحاقد والتشهير الشخصي الذي لا يضر إلا صاحبه، وكما يقال ان الإناء ينضح بما فيه، فإن إمتلأ بالمحبة والتسامح فانه ينفع الآخرين، أما إذا إمتلأ بالحقد فإنه يفيض على صاحبه، فهذا الشكل من النقد يسّوق أفكاراً واهية لأنه ينطلق من تجربة شخصية وقناعات ذاتية، أزاء تجارب الآخرين. 

 إذاً، فالمشلكة ليست في النقد بل بتلوث النقد، الذي تسببه الملاسنة الجارحه وردود الفعل العنيفة التي كثيرا ما تميل إلى التشهير، كما قال ذات مرة  الصديق عبد المنعم الأعسم. فالنقد قاطرة التطور على المستوى الشخصي والجمعي، وبدونه تسبح الأسماك في البراري القاحلة، ويبهت حب الجمال وتصبح الحياة، مثل الأشجارالموحشة بلا ثمار، كما يقال.

 بعض الإشارات

اشارة أولى: شاءت الصدف ان التقي بالعديد من الشخصيات الحزبية، بتوجهات وخبرات مختلفة وربما متعارضة، وأن أحاورها في أمور السياسة وتاريخ الحزب الشيوعي وسياساته. وعلى الرغم من إحساس بعض هذه الشخصيات بالمرارة من التعامل مع الرأي الأخر، فإنها غالباً ما حرصت على عدم شخصنة الأمور وعدم الإنجرار وراء أي شيء يسيء للحزب وتاريخه وبطولاته.

أشارة ثانية: يقول الشاعر الراحل محمد سعيد الصكار: قبل ان يشهر عليّ " الأبطال" سلاحهم، سارتضي أن أعلن جبني حماية لما لدي من أشياء عزيزة هي رصيدي القديم والحديث، وهي ما انوي الحفاظ عليه بقية حياتي، ما استطعت. (ث . ج  261 1995 ص 162 ).

اشارة ثالثة: ان تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، فيه كثير مما يفتخر ويعتز به، ليس من قبل الشيوعيين وأصدقائهم فحسب بل من قبل كل الوطنيين الشرفاء الذين تربوا على حب الوطن، لذلك فتاريخه لا يستحق ان ينقد بشكل بائس، يعبر عن تخشب روح الناقد، فتقييم تاريخه بموضوعية لا يتم بمقياس الشتم والثناء، فكلاهم ضار، لأن الأول، يهدم الهيكل على رؤوس بناته بلا رحمة، والثاني، يجمله ببريق الألوان الزاهية دون ان يرمم جدرانه التي أتعبتها السنون.

 أخيراً الحزب أبقى وأن ذبلت بعض أوراقه، فالاشجار الحية تزهر من جديد من خلال النقد الذي يقترب من شعاع الحقيقة، وهو فقط، وليس النقد المتشنج القائم على النزعة الثأرية والضغائن والاحقاد الشخصية، الذي يضيء أنوار الذين ضحوا من أجل ان ينعم الآخرين بالكرامة والخبز والحرية ويعيد ابتسامتهم لتنور دجى الظلام الذي يحيط بالوطن والشعب بسبب تربع النخب الفاسدة على الثروة والسلطة بعد الاحتلال الأمريكي.

 

د. فاخر جاسم

 

صالح الفهديغالباً ما يسودُ الترويج لمفهومٍ جديدٍ للسعادة يقتصرُ على حيازة المال والكماليات الأخرى كالسيارات الفارهةِ، والساعات الثمينة، والقصور المنيفة، واليخوت الغالية، والحياة المترفة بكل ما في الكلمة من معنى، وتكلل هذا المفهوم بظهور فئة (الفاشنستات والمشاهير) وهو ما يطلق على شريحة بعض الأسماء المشهورة في فضاءات التواصل الاجتماعي بمحتوى فارغ مملوءٍ بتفاهةِ المفاهيم المغلوطة عن السعادة، وسخف الظهور بمظهر الإنسان الذي وصل إلى قمة السعادة.

ولا شك بأن أثر هذه الفئة كان كبيراً على المعجبين بهذه المفاهيم السطحية للسعادة، ويتمثل ذلك في تكادسهم وازدحامهم على المحلات التي يروِّجون لها، واستهلاكهم للمنتجات التي يشيدون بها، وكأنما قد أنطلى عليهم السحر الكاذب، ووقعوا في الفخ المنصوب..!في دراسة ميدانية أجرتها الباحثة فاطمة السالم أستاذة الإعلام في جامعة الكويت توصلت الباحثة إلى غالبية الشريحة المستخدمة، والتي تمثل المواطنين الكويتيين  (%60.5) يتابعون الفاشنستات في مواقع التواصل الاجتماعي، و%36.6 لا يتابعونهم، و%2.9 لا يعرفون الاجابة،  وتوصلت الدراسة إلى أن %32.3 يتأثرون بـ الفاشنستات في قرارات الشراء.

وقبل هؤلاءِ فإن مجتمعاتنا هي مجتمعات استهلاك الشيء، حتى أن الفيلسوف مالك بن نبي أسماها "مجتمعات الشيء" نظراً لأنها تشتري لتكدِّس لا لتستهلك، وتقتني لتمتلك لا لتستنفع، وقد زاد الطين بلَّة ظهور مشاهير (الخواء) الاجتماعي الذين يحققون ثرائهم المشروع وغير المشروع على حساب دفع الناس إلى الاستهلاك، بل دفعهم إلى الهلاك بسبب ترويجهم لمنتجات أدَّت إلى هلاكهم..! واستغل بعض الخبثاء ظهور هذه الفئة الجاهلة لمفاهيم السعادة فاستطاعوا توظيف رغباتهم الجارفة نحو المال بأيَّة طريقة كانت لغسيل أموالهم وإضفاء الشرعية القانونية لأعمالهم الإجرامية حتى انكشفت الأغطية، وتم فضح المقاصد الإجرامية من وراء كل هذه الممارسات الشاذة التي أسهمت في تأسيس مفاهيم مغلوطة للسعادة لكنها ليست النهاية بل هي مسلسل مستمر باستمرار الشهوة الإنسانية الخارجة عن الطوق نحو جمع المال لأنه في المفهوم الضيق هو أساس السعادة..!

استوقفتني صورة للاعب السنغالي الشهير سادينو ماني الذي يربو دخله السنوي على عشرة ملايين دولار ويظهر فيها شاشة هاتفه الخلوي المكسورة، وتتبعتُ ما نُشر عنها فوجدتُ تساؤلات المعجبين عمَّا يمنعه من شراء هاتفٍ جديدٍ بدل هاتف تحطَّمت شاشته، والهاتف أساساً هو هدية من صديقه اللاعب الهولندي Gini Wijnaldum ثم قرأتُ مقابلةً لهذا اللاعب يقول فيها "إن هدفي هو أن أساعد الناس" ويضيف" لماذا أحتاج إلى عشر سيارات فيراري، وعشرين ساعة ألماس، وطائرتين نفَّاثتين؟ ما الذي يقدمه ذلك للعالم؟ كنت أتضور جوعاً ، وعملت في الحقول ، ولعبت حافي القدمين ، ولم أذهب إلى المدرسة. الآن يمكنني مساعدة الناس، أفضِّل بناء المدارس وإعطاء الفقراء الطعام أو الملابس. بالإضافة إلى ذلك ، أعطي 70 يورو شهريًا لجميع الأشخاص من منطقة سنغالية شديدة الفقر من أجل المساهمة في اقتصاد أسرهم. لا أحتاج لعرض السيارات الفاخرة والمنازل الفاخرة والرحلات وحتى الطائرات. أفضل أن يتلقى شعبي القليل مما أعطته لي الحياة".

انظروا، واعقدوا المقارنات بين تافهين يروِّجون مفاهيم عوجاءَ سقيمة للسعادة تقومُ على جمعِ المال بأيَّةِ طريقةٍ كانت ثم ينفقونها -بصفاقةٍ وتبجُّح - على شراءِ ما لا يحتاجون بل ولا يرغبون في الأساس لكن الشهرة تلزمهم بذلك، وشركات غسيل الأموال أيضاً..! قارنوا بين هؤلاءِ الجهلةِ وبين هذا الرجل الذي طعم مرارة الحياة، ثم طعم حلاوتها فلم تطغ الحلاوة على المرارة بل تذكر أهل وطنه الذين يعانون من وطأة الفقر، والجهل، والفاقة وآثر أن يقتسم معهم جزءاً مما أنعم الله عليه معهم.

ليس غريباً على هذا اللاعب القدوة فقد تحدثتُ عنه في إحدى حلقات برنامجي "كن جميلاً" حينما ذهب لتنظيف دورات مياه أحد المساجد بعد أن سجَّل أهدافاً في إحدى مباريات الدوري الإنجليزي ولعله استشعر بغرور نفسه وتعاليها فأراد أن يؤدِّبها كما فعل الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى.

إن مفهوم السعادة الحقيقي يبدأ من الإحساس بالآخرين، تقاسم النعم، مساعدة الناس، التخفيف على المرضى، التفريج على المعوزين، معونة الضائقين، تقديم الدعم للمجتمع، إنشاء المشاريع الخيرية، القيام بالأعمال التطوعية. هذا المفهوم هو الذي يدعمه ديننا الحنيف فرسولنا الأعظم عليه السلام يقول "من كان له فضل زادٍ فليجد به على من لا زاد له" ويقول"خير الناس أنفعهم للناس" ويقول"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".. أمَّا مفاهيم السعادة التي بدأت تتسلل إلى عقول الناشئة والشباب على أنه حيازة أكبر قدرٍ من المال وإنفاقه على التفاهات والكماليات فتلك مفاهيم لا علاقة لها بالسعادة فكم ممن يمتلك الأموال الباهظة وكل ما يشتهي في حياته قد انتحر بسبب فراغ الأهداف، وخواء المقصد الحقيقي لوجوده على قيد الحياة، وكم جرَّت تلك المفاهيم المعوجَّة للسعادة أصحابها إلى عوالم مظلمة في السجون، أو أردتهم في أوكار الفاحشة وتعاطي المخدرات..

أن تسعد – في الحقيقة – يعني أن تكون مساهماً في إعمار الأرض، وإسعاد الناس، وتقديم الخير لمن يحتاجه، هذه المفاهيم هي التي تشكِّل مفهوم إنسانية الإنسان التي تسبق شعوره بالسعادة، هذه المفاهيم هي التي توثق ارتباطه وانتماؤه لمجتمعه بصورة قوية، يقول عبدالوهاب المسيري رحمه الله: "الانسان الجسماني الاستهلاكي المنشغل بتحقيق متعته الشخصية يدور في دائرة ضيقة للغاية خارج أي منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية‏،‏ ولذا نجد أن ولاءاته للمجتمع وللأسرة تتآكل بالتدريج‏، كما أن انتماء مثل هذا الشخص لوطنه ضعيف للغاية إن لم يكن منعدماً".

 

  د. صالح الفهدي

 

قاسم حسين صالحتناولت الحلقتان السابقتان مؤشرات التحليل و(العقد) الخاصة بشخصية السيد نوري المالكي،الناجمة عن مصدرين:شخصيته هو كأنسان،وطبيعة الأحداث التي عاشها بعد 2003..ولهذا تناولت هذه الدراسة تحليلا (سيكوبولتك) للعملية السياسية في العراق..ما يعني انها شريك في تشكيل تلك المؤشرات وصناعة تلك الاحداث.

في الحلقة الأخيرة هذه نستكمل التحليل الخاص بشخصيته وانعكاسات ما حصل من احداث بعد 2003.

سيكولوجيا الخليفة

مشكلة الحاكم العراقي والعربي بشكل عام،انه ورث عن الخلافتين الأموية والعباسية ان بقاءه على كرسي الحكم كبقاء الخليفة..لا يغادره الا يوم يخصه عزرائيل بالزيارة،أو يقتل. وهذا ما حصل في التاريخ السياسي للدولة العراقية عبر مئة عام..الى عام 2003 يوم تولى الحكم محتل اجنبي(بريمر) تلاه تناوب رؤساء مجلس الحكم، الى تشكيل اول حكومة برئاسة أياد علاوي(2004) تبعه الجعفري(2005) وصولا الى  المالكي(2006).

ومع ان الدستور ينص على ان يأتي الحاكم(رئيس مجلس الوزراء) عبر برلمان منتخب ديمقراطيا،الا ان سيكولوجيا الخليفة دفعت بالمالكي ان يستخدم السلطة والمال في انتخابات اكد مراقبون انها رافقتها حملات تزوير وهدايا وشراء ضمائر ووعود ليبقى على كرسي الحكم.

وهناك ما يؤكد ذلك.فحين جرى ترشيح حيدر العبادي (2014) لرئاسة مجلس الوزراء،وقف المالكي بالضد منه،واصفا اياه بأنه يمثل نفسه لا حزب الدعوة الذي هو أمينه.بل ان الامر وصل الى (تجييش) حزب الدعوة ضد ترشيح العبادي،وحملة (تثقيف) بأنه لا وجود للشيعة الا بوجود المالكي،مصحوبة بتهديد احدى القياديات فيه بقولها (ستكون شوارع بغداد دمايات ان ترشح احد غير المالكي).

وكان لهذا المأزق بعد سيكولوجي - سياسي خلاصته ان  المالكي رأى في صاحبه العبادي أنه غدر به،وهز (الخليفة) بداخله،واطاح بطموحاته التي صورت له انه زعيم من نوع فريد، واشعرته بخوف سياسي يهدد مكانته ان نجح العبادي فيما لم ينجح هو فيه.وهذه حقيقة ادركها العبادي نفسه حين شعر يومها بمخاوفه التي دفعته الى التصريح علنا في كربلاء (يريدون يقتلوني..خل يقتلوني). وكان العبادي متحررا من (عقدة الخليفة) يوم سلّم رئاسة الوزراء بسلاسة لخلفه عادل عبد المهدي،فيما هي ما تزال تسكن في اعماق السيد المالكي الذي ما يزال يتصرف بها كما لو كان رئيس دولة في استدعائه بمكتبه لوزراء حكومة الكاظمي.

وثمة حقيقة مؤسفة ان الغالبية المطلقة من حكاّم العراق هم من جيل تجاوزه الزمن،ومع ذلك فان سيكولجيا الخليفة تتحكم بهم مع انهم اثروا..بملايين ومليارات وقصور ومولات وشركات،وان عليهم ان يتركوا الأمر لجيل الشباب، وتلك حقيقة يعترف بها السيد المالكي ويدعو في تصريحاته الى ان يتركوا قيادة البلد للشباب (لأنهم فشلوا وأنا منهم!- نص عبارته)..ولكن افعاله الآن..في زمن حكومة الكاظمي تؤكد النقيض.

التعصب الطائفي

اخطر ما افسدته سلطة المالكي (2006-2014)  في الشخصية العراقية هو التعصب للهوية والمذهب..فليكن لدينا فهم مشترك للتعصب بلغة العلم.

يعني التعصب بمفاهيم علم النفس الاجتماعي والسياسي:(الاتجاه السلبي غير المبرر نحو فرد قائم على اساس انتمائه الى جماعة لها دين او طائفة او عرق مختلف ،او النظرة المتدنية لجماعة او خفض لقيمتها او قدراتها او سلوكها او صفاتها ،او اصدار حكم غير موضوعي قائم على تعميمات غير دقيقة  بشأن جماعة معينة).

ان اخطر انواع التعصب الذي شهده العراق وتجسدت فيه الكراهية بابشع حالاتها هو التعصب السلطوي الذي أخذ  شكل الحروب وصلت في حالات حدَّ الإبادة البشرية، كالتعصب العرقي ضد الكرد،الذي مورس من قبل السلطات العربية التي توالت الحكم على العراق وأبشعها الأنفال وحلبجة،والتعصب الطائفي بإبادة آلاف الشيعة التي كشفتها المقابرالجماعية.

ومع ان التعصب موجود في مجتمعنا قبل التغيير لكن اعراضه ما كانت حادة الى عام 2005 حيث انفجر بعنوان جديد هو صراع الهويات.والمسألة المهمة سيكولوجيا هنا هي ان للهوية الدور الاكبر في تحديد اهداف الفرد وتوجيه سلوكه ونوع العلاقة التي تربطه بجماعة اجتماعية معينة او جماعات لاسيما في اوقات المحن والازمات..وهذا ما حصل زمن حكم المالكي بين عامي( 2006 و2008 ) في احتراب راح ضحيته عشرات الالاف من العراقيين وصل الى مائة قتيل في اليوم (في تموز 2007)..اطلق عليه (الأحتراب الطائفي) فيما الأصح تسميته (أحتراب عقائدي) سخيف..ان مفرزات على الطرق تطلب هويتك وتقتلك ان كان اسمك (عمر او حيدر او رزكار!)..فيما كان على المالكي بوصفه القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن حياة جميع العراقيين،ان يبسط سلطة القانون ويتعامل بحزم مع عصابات تنتمي لأحزاب وكتل وفصائل شيعية،لكن المالكي كانت تريحه فكرة سيكولوجية توحي له بأن يقول:لكي ابرر لنفسي ما فعلت،افترض في الاخر سوء النية،ويستحق ان افعل معه ما فعلت!

ونضيف ما يستفز طائفيين في السلطة،ان الدراسات الكلاسيكية توصلت الى ان فكر التعصب (التطرّف) يتغذى على معتقدات مفبركة واحداث تاريخية مزورة،يشيع بين جمهور محدود الوعي يسهل توجيهه واقتياده حتى إلى الهلاك،فيما يرى السيكولوجيون المعاصرون ان التعصب يعد هوسا مرضيا بالهوية،سببه ان المتعصب لهويته يعتقد،او جعلوه يعتقد،بوجود تهديد يستهدف القضاء على هويته وشحنه نفسيا بآلية  التخويف من الآخر وتصويره مصدراً لتهديد دائم يستهدف انهاءه الذي قد يكون التهديد حقيقياً، أو مبالغاً به،أو مفتعلاً،او وهما من نوع البرانويا،او هوسا دينيا..وهذا ما وظفّه المالكي في جماهير الشيعة،بعضها عن قصد(التباهي بالماضي وعقدة أخذ الثأر..) وبعضها ما كان يدركه(تمكين اللاوعي الجمعي من التحكم بسلوك مكونات المجتع،يضطر الحاكم ان يكون منحازا)..ودفع العراقيون ثمنه آلآف الضحايا الأبرياء.

ختاما: كان اختيارنا لشخصية السيد نوري المالكي مقصودا،فالرجل انضم الى حزب الدعوة الاسلامية في سبعينيات القرن الماضي واصبح قياديا فيه في الثمانينات وعمل بعد 2003 متحدثا رسميا باسمه واتلاف احزاب الشيعة والائتلاف العراقي الموحد..ويعد من انشط السياسيين العراقيين بعد 2003،حيث استطاع الأنفصال عن الأئتلاف العراقي الموحد وتكوين ائتلاف جديد بأسم (ائتلاف دولة القانون)تمتع بقاعدة شعبية واسعة بين جماهير الشيعة،مكنته بالحصول على 89 مقعدا في انتخابات 2010 بفارق مقعدين عن ائتلاف (العراقية) الذي يقوده أياد علاوي.

والأهم..ان الكثير من الذي يحدث الان ناجم عن تركيبة شخصيته ودوره الكبير في العملية السياسية العراقية،فبدءا من عام 2006 اصبح المالكي الرجل الاول في العراق في ولايته الأولى وسط احداث عنف طائفي كانت تهدد البلاد،وقاوم  ضغوط اميركا التي ارادت تمديد وجود قواتها ،ودافع عن نفسه ضد اتهامات بتركيز السلطة بيد حلفائه، واستغلال القضاء، ،وتكميم الأفواه ومصادرة حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور،وهو احد المشاركين في كتابته في اللجنة التي اختارتها الولايات المتحدة، واحتكاره اهم مؤسسات الدولة لأفراد عائلته واقاربه واعضاء حزبه وتهميشه للكوادر العلمية ومسؤوليته في ايصال العراق الى بلد طارد للأبداع والمبدعين.

وكنا أتينا على ما يحسب ضد المالكي،وأقبحها خيانة الأمانة التي تخص الناس حين تكون بذمّة حاكم مسؤول عن الرعية،وأوحشها حين يكون هذا الحاكم قياديا في حزب اسلامي،وافجعها حين يعلن هذا الحزب انه يقتدي بالأمام علي ويعلن للرعية بأن:(لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لانقلب عاليها سافلها)،لأنه كان على يقين بانه ان كشف الفاسدين وابناء المسؤولين من الخصوم فانهم سيفضحون حيتان فساد من حزبه،فأوصل الحال الى عجز سلفه حيدر العبادي عن تنفيذ وعده بضرب الفساد بيد من حديد (لأنهم مافيا..ويمتلكون المال والقوة والفضائيات)..ووعد حاسم دون تنفيذ من سلفهما مصطفى الكاظمي الذي يحسب انه مع تحقيق مطالب المتظاهرين في محاسبة الفاسدين.

ونعيد التذكير بأن تحليلنا هذا وثّق ،للتاريخ والأجيال، تحليلا علميا للعملية السياسية في العراق بعد التغيير،وقدم مؤشرات عن شخصية السيد نوري المالكي بوصفه أبرز من حكم العراق بعد التغيير. وكان يمكن لهذا الدراسة ان تكون اعمق واوفى لو استوفت شرط تطبيق اختبارات ومقابلة شخصية معه،وليته يوافق على ذلك،ويستجيب لدعوتنا في مناظرة تلفزونية ستشكل سابقة..لأن السياسيين العراقيين،والعرب ايضا،لا يحبون علماء النفس والاجتماع،لأمر..هم وانتم تعرفونه!.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

4 ايلول/ سبتمبر 2020

 

يسري عبد الغني"أحبب زوجتك كما يليق بها، قدم لها الطعام والملابس، وأسعد قلبها ما حييت"، دعوة حكيم من مصر القديمة لإعلاء شأن المرأة في القلوب، تأكيدا على دورها الذي لم يكن أقل من دور الرجل الذي اتخذها شريكة له في جميع شؤون حياته، فأصبحت معلما بارزا في بناء حضارة تليدة كٌتب لها الأبدية.

فطن المصريون القدماء إلى أهمية الترابط الأسري، لذا شجعوا الزواج المبكر بمجرد بلوغ الشاب والفتاة السن الذي يسمح بالزواج وتحمل المسؤولية، حفاظا على نسيج المجتمع وتماسكه.

وأطلق المصري قديما ألفاظا مختلفة على علاقة الزواج، من بينها "إر- حمت (إتخاذ زوجة)"، كما أطلق على الزوجة اسم "مريت (الحبيبة)" و"نبت-بر (سيدة المنزل)"، ومن أشهر الكلمات أيضا "سنت (أخت)"، و"حمت زوجة

وأكدت نصوص الأدب المصري القديم في أكثر من موضع على ضرورة اتخاذ الشاب زوجة له حفاظا على استقامته في الحياة، كهذا المقتطف الذي يعود إلى عصر الدولة الحديثة، وهو من تعاليم شخص يدعى "آني" لابنه "خنسوحتب"، يحثه على الزواج المبكر، في نص اطلعنا عليه في ترجمته الفرنسية عن النص المصري القديم، في دراسة ضمن نماذج الفكر العالمي لمنظمة اليونسكو بعنوان "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية، للعالمة كلير لالويت. ويقول المقتطف:

"يا بني، اتخذ لنفسك زوجة وأنت شاب كي تنجب لك طفلا، فإن أنجبته لك في شبابك، أمكنك تربيته حتى يصير رجلا".

فطن المصريون إلى أهمية الترابط الأسري وشجعوا الزواج المبكر بمجرد بلوغ الشاب والفتاة السن الذي يسمح بالزواج .

 

ويبدو أن الزواج في مصر القديمة لم يعرف التوثيق الرسمي كعقد بين طرفين قبل فترة العصر المتأخر (القرن 11 إلى القرن الرابع قبل الميلاد)، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم.

ويعود أقدم نص يمكن الاطلاع عليه إلى عام 590 قبل الميلاد، كما عُثر على عقد زواج مكتوب بالخط الهيراطيقي في جزيرة الفنتين جنوبي مصر، يعود إلى عهد الملك نختنبو الثاني   359-341 قبل الميلاد، وهو محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة، فضلا عن عقد زواج مصري آخر مكتوب باللغة اليونانية، يرجع إلى عام 311 قبل الميلاد.

ومن بنود هذا العقد ...يالها من سعادة عندما تضم يدك إلى يدها. تعلم كيف تدرء أسباب الشقاق في بيتك، ولا يوجد مبرر لخلق نزاعات في المنزل

ويتضمن العقد بنودا تصل إلى نحو 20 بندا، تحدد شكل العلاقة بين الزوجين تفصيلا مثل: التاريخ، الإعلان (الإشهار)، وطرفي عقد الزواج، وهدية الزوج (المهر)، والمعيشة، والضمان، والانفصال، وحماية الأطفال، والقسم (التعهد)، ومتعلقات شاركت بها الزوجة في المنزل، والمتعلقات المشتركة بين الزوجين، وممتلكات من الوالدين من ميراث، والرهن، والتعويض في حالة الانفصال، والإقرار الختامي، وكاتب العقد، والشهود.

وسلط عقد زواج من عصر متأخر الضوء على مكانة المرأة عند زوجها، عندما تعهد في العقد بأن يقدم لها مقدارا من القمح كل صباح، ومقدارا من الزيت شهريا، وراتبا شهريا، فضلا عن نفقات سنوية للعناية بزينتها وجمالها.

ولم يغفل الأدب المصري على الإطلاق إعلاء شأن الترابط الأسري القائم على مبدأ الحب والاحترام للمرأة من طرف الزوج، كهذا المقتطف من تعاليم الوزير "بتاح حتب"، من الأسرة الخامسة:

"إذا أصبحت رجلا معروفا فتزوج، وأحبب زوجتك كما يليق بها، قدم لها الطعام والملابس، فأفضل دواء لأعضائها هو العطر الطيب، أسعد قلبها ما حييت، إنها حقل خصب لولي أمرها، لا تتهمها عن سوء ظن، وامتدحها يقل شرها".  وبوجه عام حرص المصري القديم أيضا على إعلاء مكانة المرأة الزوجة والأم

وأكد "آني" نفس الشيء في وصيته لابنه قائلا:

"لا تصدر أوامر كثيرة إلى زوجتك في منزلها، إذا كنت تعلم أنها إمرأة ماهرة في عملها، لا تسألها عن شيء أين موضعه؟ ولا تقل أحضريه، إذا كانت قد وضعته في مكانه المعتاد. لاحظ بعينيك والزم الصمت حتى تدرك محاسنها، يالها من سعادة عندما تضم يدك إلى يدها. تعلم كيف تدرء أسباب الشقاق في بيتك، ولا يوجد مبرر لخلق نزاعات في المنزل، كل رجل قادر على أن يتجنب إثارة الشقاق في بيته، إذا تحكم سريعا في نزعات نفسه".

وحرص المصري القديم أيضا على تأكيد مكانة الزوجة الأم، ولا يوجد أبلغ من هذا النص الوارد في تعاليم "آني" لترسيخ هذا المفهوم في ذاكرة ابنه لحسن معاملة أمه:

"ولدتك بعد تسعة أشهر، لكنها ظلت أسيرة بك، وثديها في فمك طوال سنوات ثلاث كاملة. وعلى الرغم من عدم نظافتك، لم يشمئز قلبها منك، ولم تقل ماذا أفعل؟ أدخلتك المدرسة عندما ذهبت تتعلم الكتابة، ودأبت على الذهاب من أجلك كل يوم، تحمل لك الخبز والشراب من المنزل".  وعلى الاجمال لم يغفل الأدب المصري على الإطلاق إعلاء شأن الترابط الأسري القائم على مبدأ الحب والاحترام للمرأة.

"تعدد الزوجات"

لم تعرف مصر القديمة تعدد الزوجات إلا في أضيق الحدود، على الرغم من عدم وجود نص صريح يمنعه أو يشجع على ترسيخه، وأرجع بعض العلماء ذلك إلى أسباب طبقية وربما اقتصادية، أسهمت في الحد من انتشار التعدد في المجتمع. ورغم إباحة تعدد الزوجات بين الملوك والنبلاء، إلا أنه كان مقيدا بما يبرره.

تزوج بعض ملوك مصر بأكثر من زوجة لأسباب سياسية، كالملك "أمنحوتب الثالث"، الأسرة 18، الذي اتخذ إلى جانب زوجته المصرية "تي" زوجات من بابل وميتاني وآشور.

كما تزوج الملك رعمسيس الثاني، الأسرة 19، بخلاف زوجتيه المصريتين "نفرتاري" و "إيزيس نفرت"، الأميرة ابنة ملك الحيثيين "خاتوسيل" بعد معركة قادش، زواجا سياسيا يعرف بمصاهرة سلام بين الدولتين، وأطلق عليها "ماعت نفرو رع".ونعرف  تمثالا للملك أمنحوتب الثالث جالسا إلى جوار زوجته المحبوبة الملكة تي بنفس الحجم

كما تشير نقوش مقابر بعض النبلاء إلى اتخاذهم أكثر من زوجة، مثل مقبرة "مري-كا-رع" الذي صُوِّر وإلى جانبه زوجات ست. وأمير آخر يدعى "أميني"، من عصر الدولة الوسطى، كانت له زوجتان، وكانتا تعيشان في ودٍ بينهما.

وتوجد بردية تتعلق بسرقات المقابر في عصر الرعامسة، تشير إلى أن أحد اللصوص، الذين اشتركوا في سرقة مقابر، كانت له أربع زوجات، اثنتان منهن كانتا على قيد الحياة أثناء نظر المحكمة للقضية، وكانتا على وفاق وود، حسبما أشار الفرنسي بيير مونتيه في دراسته عن "الحياة اليومية في مصر في عهد الرعامسة".

زواج الملك بابنته..كلام غير موثق..!!!

أثارت قضية "زواج الملك بابنته" في عصر الدولة الحديثة تحديدا، وفي عهد ثلاثة من أعظم ملوك الفترة هم "أمنحوتب الثالث" و ابنه "أمنحتب الرابع أخناتون" و"رعمسيس الثاني"، جدلا تاريخيا بسبب إطلاق لقب "حمت سنو ورت (زوجة الملك العظيمة)" على بنات بعينهن لهؤلاء الملوك دون بقية الأميرات.

 

والثابت أن هذا اللقب حملته الأميرة "سات آمون" ابنة "أمنحوتب الثالث"، والأميرتان "مريت آتون" و "عنخ إس إن با آتون" في عهد أبيهما "أمنحوتب الرابع (أخناتون)"، والأميرات "نبت عنات" و"مريت آمون" و"نبت تاوي" في عهد أبيهن الملك "رعمسيس الثاني".

وربما كانت ترجمة اللقب في حد ذاته سببا رئيسيا في جعل البعض يعتقد أن الملك تزوج زواجا رسميا وفعليا بابنته. لكن بعض العلماء يرون أنه مجرد لقب شرفي تقاسمته الأميرات مع أمهاتهن الملكات في حياتهن. وكان اللقب بمثابة رتبة تجعل الأميرات قادرات على أداء بعض مهام الأم الدينية والاجتماعية والسياسية بالإنابة، لاسيما وأن جميع الأميرات المذكورات بنات لملكات بارزات، هن "تي" و"نفرتيتي" و"نفرتاري، و"است نفرت"، وجميعهن لهن أبرز دور في الحياة السياسية والدينية في تاريخ مصر القديم في عهد أعظم ملوك الدولة الحديثة.  والخلاصة أنه لا يوجد ما يؤكد على الإطلاق اتخاذ هؤلاء الملوك بناتهن زوجات شرعيات في حياة أمهاتهن الملكات

وللطلاق أسباب ...!!!

حث الأدب المصري الرجل على احترام المرأة وحرمتها، حتى لو لم تكن زوجته، تفاديا للانفلات الأخلاقي الذي قد يقود إلى خيانة زوجية ربما تفضي إلى الطلاق إن كان متزوجا، كهذا المقتطف من تعاليم "بتاح حتب":

"إن كنت ترغب في المحافظة على سلام منزل تزوره، سواء منزل عظيم أو منزل أخ أو منزل صديق أو أي منزل تدخله، تجنب أن تقترب من النساء، فإن المكان الذي هن فيه لا يصلح، فآلاف الرجال تتبعوا هذه المخلوقات الجميلة، لكنهم تحطموا بسببها، وخدعتهم أجسادهن الرقيقة، التي أصبحت أكثر صلابة من الحجر. إن الرغبة لا تدوم إلا لحظة وتمر كالحلم".

كانت العلاقة الزوجية تنتهي في حالة الاتفاق على الطلاق أو وفاة أحد الزوجين. وكانت أسباب الطلاق - التي أشارت إليها الوثائق المصرية هي: حدوث شقاق مستمر وكراهية بين الطرفين، أو عدم إنجاب الزوجة، أو ارتكاب الزوجة جريمة الزنا. وعلى الرغم من أن المجتمع منح الزوج حق معاقبة الزوجة، إلا أنه اشترط عدم الإضرار بها أو سبّها. وكان الزوج يتعهد أمام القضاة بعدم إهانة زوجته وإلا عوقب بمئة ضربة أو جلدة.

وكان نص صيغة الطلاق بين الزوجين عبارة عن توثيق للحقوق بين الطرفين، والاعتراف بحرية كل منهما في الزواج من جديد.

وكان من حق الزوجة في حالة الطلاق بإرادة الزوج، أن تحصل على منقولاتها التي اعترف بها الزوج في عقد الزواج، فضلا عن حصولها على ما يُعرف بتعويض متفق عليه في بداية الزيجة، إلى جانب الحصول على ثُلث الثروة المشتركة التي كونها الزوجان خلال فترة زواجهما.

أما في حالة رغبة الزوجة في الطلاق، فكانت تحصل على كامل الحقوق باستثناء التعويض، الذي تحصل على نصف قيمته فقط. أما لو كان الطلاق بسبب ارتكاب الزوجة جريمة الزنا وثبوت ذلك بالفعل، فكانت تحصل فقط على منقولاتها التي أسهمت بها في تأسيس منزل الزوجية، وتُحرم من جميع الحقوق الأخرى.

تظل حضارة مصر القديمة نموذجا لفن الحياة، تلك الحياة فائقة البساطة برفعة منزلتها وفلسفتها الفكرية بين حضارات الشرق القديم، وتطرح لالويت تساؤلا عن أهمية دراسة تاريخ مصر وتقول :"أهي رحلة في مصر القديمة؟ أم هي عودة إلى أصولنا الحقيقة جميعا؟ ليت قراءة هذه النصوص تجعل مصر الغابرة تحيا من جديد."

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

تم اكتشاف أقوى مجال مغناطيسي تم اكتشافه في الكون

champ magnetique plus puissant univers detecte observatoire spatial rayons x hxmt

النجوم النابضة Les pulsars  هي أجسام فلكية ضخمة تنتجها النجوم النيوترونية وتنتج إشارة دورية (تتراوح من ميلي ثانية إلى عدة ثوانٍ). تدور هذه الأجسام الكونية بسرعة كبيرة على نفسها، وتصدر إشعاعًا قويًا في اتجاه محورها المغناطيسي. في الآونة الأخيرة، توصل فريق التلسكوب الفضائي الصيني للأشعة السينية Insight-HXMT إلى اكتشاف مفاجئ: بعد الملاحظات المكثفة للنجم النابض GRO J1008-57 للأشعة السينية، قام الباحثون بقياس مجال مغناطيسي على السطح. النجم النيوتروني بحوالي 1 مليار تسلا! إنه أقوى مجال مغناطيسي تم اكتشافه بشكل قاطع في الكون.

أثناء دراسة النجم النابض للأشعة السينية GRO J1008-57 الذي تم اكتشافه بواسطة Insight-HXMT عندما انفجر في أغسطس 2017، اكتشف الباحثون لأول مرة خاصية تشتت الرنين السيكلوتروني résonante cyclotronique (CRSF) بقدرة 90 كيلو فولت. عتبة أكبر من 20 سيغماس (20 درجة). (لكي يؤكد المجتمع العلمي اكتشافًا جديدًا، يجب أن يكون مستوى الأهمية أكبر من 5 درجات مئوية). وفقًا للحسابات النظرية، فإن المجال المغناطيسي الذي يتوافق مع CRSF هذا هو 1 مليار تسلا، أقوى بعشرات الملايين من المرات مما يمكن توليده في المختبرات الأرضية.

تم تنفيذ هذا العمل بشكل أساسي من قبل معهد فيزياء الطاقة العالية (IHEP) التابع للأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة إيبرهارد كارلس في توبنغن بألمانيا. نُشرت النتائج في مجلة The Astrophysical Journal Letters.

بيئة قاسية تؤدي إلى ظواهر متطرفة بنفس القدر من القسوة

حتى يومنا هذا، نعلم أن النجوم النيوترونية تولد أقوى المجالات المغناطيسية في الكون. ثنائيات X (أو ثنائيات الأشعة السينية) هي أنظمة مكونة من نجم نيوتروني ورفيق نجمي عادي. يكتسب النجم النيوتروني المادة ويشكل قرص تراكم محيط. إذا كان المجال المغناطيسي قويًا، يتم توجيه المادة المتراكمة بواسطة خطوط مغناطيسية على سطح النجم النيوتروني ، مما يؤدي إلى إشعاع الأشعة السينية. ولهذا السبب أيضًا، فإن هذه المصادر المتطرفة للأشعة السينية هي التي تسمى "النجوم النابضة". أدناه، رسم متحرك يُظهر نجمًا نابضًا يتراكم عليه مادة من نجمه المصاحب وينبعث منه إشعاع قوي [© NASA / Dana Berry]:

تنشأ النجوم النابضة من انفجار نجم ضخم في نهاية حياته، أو انفجار مستعر أعظم (أو بالأحرى سوبر نوفا ينهار لبه). بالطبع، لا تلد كل سوبرنوفا أو مستعر أعظم ينهار القلب فيه، نجمًا نابضًا. في بعض الحالات، يفسح المستعر الأعظم الطريق لثقب أسود.

أظهرت الدراسات السابقة أن خاصية امتصاص معينة (تُعرف باسم "خاصية تشتت الرنين السيكلوتروني") يمكن أحيانًا اكتشافها في طيف النجوم النابضة للأشعة السينية، ويعتقد العلماء أن هذا يرجع إلى التحولات. بين مستويات لانداو المنفصلة للحركة الإلكترونية المتعامدة مع المجال المغناطيسي. تعمل خاصية التشتت هذه كمسبار مباشر للمجال المغناطيسي بالقرب من سطح النجم النيوتروني.

تم اكتشاف أقوى المجالات المغناطيسية في الكون باستخدام أحدث الأدوات:

إنسايت- Insight-HXMT   هو أول قمر صناعي صيني للمراقبة الفلكية للأشعة السينية. ويشمل حمولات علمية، بما في ذلك تلسكوب عالي الطاقة، وتلسكوب متوسط ​​الطاقة، وتلسكوب منخفض الطاقة، وجهاز مراقبة البيئة الفضائية.

بالمقارنة مع سواتل أو أقمار الأشعة السينية الأخرى ، يتمتع Insight-HXMT بمزايا استثنائية للكشف عن الخطوط الحلقية (خاصة في الطاقات العالية) ، وذلك بفضل تغطيتها الطيفية عريضة النطاق (1-250 كيلو فولت) ، ومساحتها الكبيرة الفعالة على ارتفاع الطاقات ، ودقتها الزمنية العالية ، وقلة وقتها الزمني وتأثيراتها الضئيلة على التراص لمصادر الضوء. تم اقتراح Insight-HXMT من قبل IHEP في عام 1993 وتم إطلاقه بنجاح في يونيو 2017. IHEP مسؤول عن الحمولات العلمية على متن القمر الصناعي والأجزاء الأرضية والبحث العلمي الذي يشمل ذلك القمر الصناعي.

في غضون بضعة أشهر فقط، تحولت ست مجرات إلى أشباه نجوم! والعلماء لا يعرفون كيف أمكن حدوث هذا.

سرعان ما تحولت ستة مجرات من طراز LINER إلى كوازارات. | وكالة الفضاء الأوروبية / هابل / ناسا / س. Smartt / جامعة كوينز بلفاست / JPL-Caltech

على المستوى البشري، قد نميل إلى الاعتقاد بأن جميع الأحداث التي تحدث في اتساع عالم مابين المجرات، يحدث ببطء شديد ... لكن في الواقع، هذا ليس هو واقع الحال دائمًا.

لقد مرت ست مجرات لتوها بتحول هائل للغاية في غضون بضعة أشهر فقط. في الواقع، لقد انتقلت من مرحلة المجرات الهادئة نسبيًا إلى مرحلة الكوازارات النشطة! أي أن الكوازار عبارة عن مجرة ​​نشطة للغاية ولها نواة نشطة. إنه ألمع كيان في الكون.

يمكن أن تساعد هذه الأحداث العلماء في حل نقاش طويل الأمد حول ما ينتج مثل هذا اللمعان في نوع معين من المجرات. في الواقع، يمكن أن تشير هذه الأحداث إلى نوع من النشاط لم يكن معروفًا من قبل لنواة المجرة.

قبل أن تصبح كوازارات ، كانت المجرات الست مجرات من نوع LINER (Low-Ionization Nuclear Emission-line Region), (منطقة خط انبعاث نووي منخفض التأين) ، والتي تؤهل نوعًا من نواة المجرة التي يتميز طيف انبعاثها بخطوط عريضة من الذرات ضعيفة التأين. وخطوط انبعاث دقيقة للذرات شديدة التأين.

galaxie quasar transformation rapide

وثقت دراسة جديدة قام بها علماء الفلك في جامعة ماريلاند ست مجرات من طراز LINER (يسار) تتحول بسرعة (في غضون بضعة أشهر) إلى كوازارات شديدة السطوع (على اليمين). وفقًا للباحثين، قد يكون هذا نوعًا جديدًا تمامًا من عمل الثقوب السوداء الموجودة داخل مجرات LINER. المصدر: ESA / Hubble / NASA / S. Smartt / Queen’s University Belfast (يسار ، صور بالأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي) و NASA / JPL-Caltech (على اليمين رسم، انطباع الفنان عن الكوازار)

هذا النوع من المجرات شائع جدًا. في الواقع، تمثل ثلث المجرات المعروفة، فهي أكثر إشراقًا من تلك التي بها ثقوب سوداء نائمة فائقة الكتلة في مراكزها، لكنها ليست ساطعة مثل المجرات النشطة (المعروفة باسم مجرات سيفرت de galaxies de Seyfert)..

الكوازارات Les quasars  هي ألمع المجرات النشطة. إن انبعاثات الضوء والراديو التي نراها ناتجة عن كتلة من المادة حول الثقب الأسود، تُعرف باسم قرص التراكم disque d’accrétion. يحتوي هذا القرص على غبار وغازات تدور بسرعات نسبية، مما يولد احتكاكًا هائلاً مدفوعًا بقوة الجاذبية الهائلة للثقب الأسود في مركز المجرة. ينتج عن هذا الاحتكاك حرارة شديدة ويصدر إشعاعًا ضوئيًا قويًا. بالإضافة إلى ذلك، تبعث النفاثات الضخمة المنبعثة من المناطق القطبية للثقب الأسود، موجات الراديو.

كان هناك نقاش لبعض الوقت حول ما الذي ينتج بالضبط اللمعان العالي لمجرات LINER. يعتقد بعض علماء الفلك أن هذا يرجع إلى قرص تراكم الثقوب السوداء. يعتقد علماء آخرون أن هذا ناتج عن نشاط نجمي مكثف (أي ولادة العديد من النجوم). ولكن عندما قام فريق من علماء الفلك، بقيادة عالمة الفلك في جامعة ماريلاند سارة فريدريك Sara Frederick ، بتحليل البيانات من الأشهر التسعة الأولى من المسح السماوي الآلي ، المعروف باسم مرفق زويكي العابر Zwicky Transient Facility ، اكتشفوا أن شيئًا غريبًا حقًا كان يحدث داخل هذه المجرات الست six galaxies LINER...

quasar vu a travers lentille gravitationnelle

في هذه الصورة، نرى الكوازار المسمى HE0435-1223 ، وقد لوحظ من خلال عدسة الجاذبية (العدسات الدقيقة). الاعتمادات: NASA / CXC / Univ. أوكلاهوما / X. داي وآخرون

"فيما يتعلق بأحد هذه الأجسام الستة، اعتقدنا في البداية أننا قد لاحظنا حدوث اضطراب في المد والجزر، والذي يحدث عندما يمر نجم قريبًا جدًا من ثقب أسود فائق الكتلة ويمزقه الأخير حرفياً" قالت سارة فريدريك. وأضافت:"لكننا اكتشفنا لاحقًا أنه كان في الواقع ثقبًا أسود نائمًا يمر بمرحلة انتقالية يسميها علماء الفلك" تغيير في المظهر"، مما أدى إلى نشوء نجم كوازار لامع. إن مراقبة ستة من هذه التحولات، وكلها في مجرات تشبه LINER (وبالتالي هادئة نسبيًا)، تشير إلى أننا حددنا فئة جديدة كاملة من نواة المجرة النشطة "هذا النوع من الانتقال ليس نادر الحدوث، لكنه عادة ليس دراماتيكيًا. في الواقع، تم الإبلاغ عن أول كوازار من هذا القبيل فقط في عام 2015، ثم تم اكتشافه ولكن في الاتجاه المعاكس: كوازار مظلمة ليصبح مجرة ​​سيفرت. عادة ما نلاحظ مثل هذه التحولات بين أنواع مختلفة من مجرات سيفرت ، والتي تنتج أنواعًا مختلفة من الضوء. يعتمد هذا الضوء بشكل عام على اتجاه المجرة.

في الوقت الحاضر، تظل هذه التحولات لغزا في حد ذاتها. هذه التحولات لمجرات سيفرت بالتحديد هي التي خطط علماء الفلك لدراستها في المقام الأول. قال عالم الفلك سيوفي جيزاري Suvi Gezari من جامعة ماريلاند: "بدلًا من ذلك ، وجدنا فئة جديدة كاملة من نواة المجرة النشطة قادرة على تحويل مجرة ​​قاتمة إلى كوازار شديد السطوع".

structure quasar

رسم انطباع الفنان عن هيكل أ ن كوازار. ائتمانات: مجلة الطبيعة

تقترح النظرية أن الكوازار يجب أن يتكون على مدى عدة آلاف من السنين، لكن هذه الملاحظات تشير إلى أنه يمكن أن يحدث بسرعة كبيرة. يخبرنا الأخير أن النظرية الحالية الخاصة بهذه المجرات خاطئة تمامًا. كنا نظن أن تحول مجرات سيفرت كان أكبر لغز. وأضافت "لكن لدينا الآن مشكلة أكبر بكثير يتعين حلها". لاحظ أيضًا أن أياً من هذه المجرات الست ليس لها تكوين نجمي نشط بشكل خاص: ينتج النجم الأكثر نشاطًا لمعانًا يعادل 1.27 شمس كل عام. وجدت دراسات أخرى أن العديد من مجرات LINER (وليس كلها) لا يبدو أنها تتمتع بمعدل عالٍ من تكون النجوم.

هذا لا يعني بالطبع أن مجرات LINER الست تمثل جميع مجرات LINER في الكون. يقول العلماء أن هذا قد يشير إلى أنهم جزء من فئة مختلفة من المجرات LINER. أو بكل بساطة، يمكن أن يكون نوعًا مختلفًا تمامًا من المجرات عن تلك التي نعرفها اليوم.

لكن هذه النتائج تعني أيضًا أن ما نعرفه عن الكوازارات يمكن أن يكون خاطئًا أيضًا ... في الواقع، حقيقة أن هذه المجرات يمكن أن تتغير بسرعة (وبسرعة كبيرة على النطاق الزمني البشري)، لا تتوافق مع النظرية الكوازارات الحالية.

في كلتا الحالتين، أي شيء يمكن أن يسبب مثل هذا التغيير المتطرف يجب أن يكون شديدًا. قال فريدريك: "كانت هذه التحولات الستة مفاجئة ومثيرة لدرجة أنها تخبرنا أن شيئًا مختلفًا تمامًا يحدث في هذه المجرات". نريد أن نعرف كيف يمكن لهذه الكميات الهائلة من الغاز والغبار أن تسقط فجأة في الثقب الأسود. وأضاف فريدريك: "لأننا رأينا هذه التحولات تحدث وهي تفتح العديد من الاحتمالات للمقارنة، بما في ذلك دراسة النوى قبل التحول وبعده".

ألمع مجرة ​​في الكون تخفي الكثير من الألغاز ...

trou noir supermassif galaxie lumineuse

لا يمكننا رؤية هذا الشيء المثير للاهتمام بالعين المجردة، ولكن في أعماق الكون توجد مجرة ​​تشع الكثير من الإشعاع واللمعان. هذه هي المجرة W2246-0526، التي تنبعث منها الأشعة تحت الحمراء بقدر 350 تريليون شمس، مما يجعلها ألمع مجرة ​​تم رصدها على الإطلاق.

هذه المجرة الساطعة جداً لها سر. ولكن ما هو؟ وفقًا للملاحظات من مصفوفة أتاكاما الكبيرة المليمترية / والتحت مليمترية (ALMA) ، تمتص المجرة W2246-0526 بشراهة المواد من ثلاث مجرات أخرى على الأقل في جوارها المباشر ، لتغذية ثقبها الأسود الهائل.

في الواقع، لاحظ علماء الفلك خيوطًا من المادة من المجرات المجاورة، امتصها W2246-0526. والمثير للدهشة أن هذه المحلاق vrilles تحتوي على قدر من المادة مثل المجرات نفسها. قال عالم الفلك تانيو دياز سانتوس Tanio Díaz-Santosl من ". جامعة دييغو بورتاليس، في سانتياغو (تشيلي).: "علمنا من البيانات السابقة أن هناك ثلاث مجرات مصاحبة، لكن لم يكن هناك دليل على وجود تفاعلات بين هؤلاء الجيران والمصدر المركزي" وأضاف: "لم نكن نبحث عن سلوك أكلة لحوم البشر، ولم نتوقع ذلك، لكن البيانات الواردة من مرصد ALMA واضحة للغاية".

تقع مجرة ​​W2246-0526 على بعد 12.4 مليار سنة ضوئية من الأرض، ولها نواة كوازار في جوهرها: إنها نواة مجرة ​​نشطة ساطعة بشكل استثنائي، يغذيها ثقب أسود. النجوم الزائفة هي من بين أكثر الأشياء سطوعًا في الكون، حيث ينبعث منها الضوء وكذلك انبعاثات الراديو. تنبثق هذه المواد من مادة حول الثقب الأسود، تسمى قرص التراكم disque d’accrétion. وقد تم اكتشاف 63 كوازارًا! مما يعد خطوة للأمام نحو فهم الكون المبكر. يحتوي قرص التراكم هذا على غبار وغاز يحومان بسرعات هائلة: فهو ينتج كميات عبثية من الإشعاع. في حالة W2246-0526، يمتص قرص التراكم المادة المحيطة، ويعاد إصدار الأخيرة على شكل أشعة تحت الحمراء، مما يجعل المجرة أكثر ندرة، لأن الكوازار في مركزها هو نوع معروف من الكوازار. تحت اسم المجرة الساخنة المحجوبة بالغبار (Hot, Dust-Obscured Galaxy (galaxie chaude obscurcie par la poussière)). واحد كوازار من 3000 هو كوازار من نوع Hot DOG.

trou noir supermassif galaxie lumineuse

الاعتمادات: ALMA / ESO / NAOJ / NRAO / AUI / NSF / S. داجنيلو / ت. دياز سانتوس وآخرون

ليست كل هذه المواد التي تُسكب في المجرة بالضرورة جزءًا من وليمة الثقب الأسود الهائل. على الرغم من أن الثقب الأسود ضخم (حوالي 4 مليارات ضعف كتلة الشمس)، لا يزال هناك حد لكمية المادة يمكنه أن يستهلك. لذلك، يبدأ جزء من المادة في الاندماج في المجرة ومن المحتمل أن يشكل نجومًا جديدة.

ومع ذلك، هناك أيضًا لغز: يكون نشاط الثقب الأسود هنا شديداً لدرجة أنه يحرك الغاز في جميع أنحاء المجرة. إن زخم وطاقة الفوتونات شديدان لدرجة أن دفع الغاز للخارج قد يؤدي إلى تمزيق W2246-0526. فمجرة W2246-0526 رائعة حقًا. تمكن الباحثون سابقًا من إثبات أنها شديدة السطوع والاضطراب الشديد، لكن هذه النتائج الجديدة تجعلها أيضًا المجرة الأبعد التي يمكن ملاحظتها، وتفكيك العديد من المجرات الأخرى، وعلى حد علم الباحثين، المجرة الوحيدة. بعيدًا أيضًا عن التصوير المباشر.

trou noir supermassif galaxie lumineuse

ولكن هناك لغز آخر مقلق يجب حله. على الرغم من أن الثقب الأسود فائق الكتلة في مركزها هو طاغوت حقيقي، إلا أنه في الواقع يجب أن يكون أكبر ... في الواقع، تحدد كتلة الثقب الأسود حدًا أعلى لسطوع نواة مجرة ​​نشطة. ومع ذلك، فإن المجرة W2246-0526 أكثر سطوعًا بثلاث مرات تقريبًا مما ينبغي، مقارنة بحجم ثقبها الأسود المركزي.

ماذا يعني ذلك؟ في الوقت الحاضر، الباحثون ليسوا متأكدين بعد. قال دياز سانتوس: "من المحتمل أن يكون هذا الإفراط في التهام المواد مستمرًا منذ بعض الوقت، ونتوقع أن يستمر هذا العيد المجري لما لا يقل عن بضع مئات من ملايين السنين".

 

 

 

 

خطوة للأمام نحو فهم الكون المبكر باكتشاف 63 كوازار!

quasar univer primitif trou noir big bang

أعلن فريق من الباحثين عن اكتشاف 63 كوازار! من المعروف أن هذه الكيانات الكونية هي الأكثر سطوعًا على الإطلاق، ولكنها أيضًا الأبعد.  وتعد منجماً حقيقياً للمعلومات عن أول مليار سنة من الكون المرئي، بعد إنشائه مع الانفجار العظيم.

الكوازار هو المنطقة المدمجة المحيطة بالثقب الأسود الهائل، والمتمركزة في مركز مجرة ​​ضخمة. هذا هو أكبر اكتشاف للكوازارات حتى الآن! في الواقع، أعلنت الدراسة، التي نُشرت في مجلة الفيزياء الفلكية الشهيرة، عن اكتشاف 63 نجمًا كوازارًا. هذه هي من بين أكثر الأجسام الكونية المعروفة بعدًا ويأتي لمعانها المذهل من قرص التراكم المحيط بالثقب الأسود.

نظرًا لقلة عدد الكوازارات المعروفة حتى الآن، فإن قدرة العلماء على الحصول على معلومات حول هذه الأجسام الكونية القديمة كانت محدودة للغاية حتى الآن. أحد التحديات التي يواجهها المجتمع العلمي هو تحديد النجوم الزائفة الجديدة البعيدة، وهو أمر نادر للغاية (يشبه إلى حد ما "البحث عن إبرة في كومة قش"). ولكن بمجرد اكتشافها، كما هو الحال هنا، تصبح هذه النجوم الزائفة مصادر حقيقية للمعلومات عن الكون والمليار سنة الأولى من عمره.

في الواقع، أحد أعظم ألغاز الكون هو تكوين مصادر الضوء وتطورها عند نشأتها. بفضل هذا الاكتشاف الاستثنائي، أصبح لدى الباحثين أخيرًا الوسائل لمحاولة فهم الكون المبكر بشكل أفضل. "إنها (الكوازارات) التي تضيء حرفيًا معرفتنا بالكون المبكر" ، هذا ما قاله إدواردو بانيادوس Eduardo Bañados ، قائد فريق الباحثين الذين اكتشفوا الكوازارات. "الكوازارات الساطعة جدًا مثل تلك التي اكتشفناها خلال هذه الدراسة هي أفضل الأدوات لمساعدتنا في استكشاف الكون المبكر! لأنه حتى الآن كانت النتائج الحاسمة محدودة للغاية بسبب نقص العناصر، أو لأن الكوازارات التي كنا على علم بها كانت صغيرة للغاية ".

لذلك ستشهد السنوات القليلة القادمة تحسنًا كبيرًا في المعرفة حول الكون المبكر والكوازارات. لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي لا يستطيع العلم شرحها حول بداية الكون، بالإضافة إلى الكوازارات، لذا فإن القدرة على دراستها ستجلب الكثير من عناصر الإجابات ويمكن أن تساعد العلماء فقط على فهم ما هو حدث خلال المليار سنة الأولى بعد الانفجار العظيم.

ضوء على الهياكل المختلفة للكون

nuage magellan univers

الكون المرئي ضخم، إنها حقيقة. لكننا نعلم الآن أيضًا أنه منظم في مجرات وعناقيد وحشود وأكداس مجرات فائقة. وسنتطرق إلى العديد من هذه الهياكل التي تشكل الكون وتنظمه.

كيف ينظم كوننا المرئي نفسه؟

لنبدأ بالأرض التي تدور حول نجم معروف باسم الشمس. تدور حول الشمس أيضًا كواكب أخرى، والتي تشكل نظامنا الشمسي. لكنها ليست مجرد كواكب، فهناك أجسام أخرى تدور حول الشمس أيضًا، وهذا حال المذنبات والكويكبات على نحو خاص.

système solaire

نظامنا الشمسي مع وجود الشمس في مركزه (هذا التمثيل الفني لا يظهر مسافات أو أحجامًا للمقياس).

هذه المجموعة، التي تمتد حول نصف قطر سنة ضوئية، هي التي تشكل نظامنا الشمسي. لاحظ أيضًا أن النجم الأقرب إلى الشمس يقع على بعد حوالي 4 سنوات ضوئية، مما يجعل الشمس نجمة منعزلة نسبيًا.

المجرات:

لكن النظام الشمسي لا يزال داخل هيكل أكبر بكثير وهو: مجرة ​​درب التبانة أو الطريق اللبني، أي مجرتنا. مجرة درب التبانة هي مجرة ​​مثل ما يقرب من مائة مليار في الكون ...

في الواقع، النظام الشمسي "لا يعتبر شيئاً مهماً" مقارنة باتساع الهيكل الذي يضمه، وما يضمه أيضًا ، وما إلى ذلك. درب التبانة عبارة عن مجموعة ضخمة من النجوم تحتوي على أكثر من 100 مليار نجم، تدور حولها الكواكب أحيانًا كما هو الحال في نظامنا الشمسي.

يقع النظام الشمسي في إحدى ضواحي مجرتنا، على بعد حوالي 28000 سنة ضوئية من مركزها. بشكل ملموس، تقع الشمس في أحد الأذرع الأربعة لمجرة درب التبانة، وهو ذراع حلزوني رئيسي يسمى أيضًا "ذراع القوس" bras Sagittaire.

système solaire voie lactée

مجرتنا la Voie lactée، درب التبانة، ليست سوى نقطة في الكون ... هيكلها الأنيق يشبه الإعصار بأذرع النجوم. الشمس، المحاطة بدائرة باللون الأصفر، هي نجم عادي من بين 150 مليار ينير مجرتنا. يستغرق الضوء 100000 سنة لعبور درب التبانة. الصورة من: ناسا

ومع ذلك، في بداية القرن العشرين، كان يُعتقد أن الشمس متمركزة في مركز المجرة، والتي يُعزى قطرها إلى 25000 سنة ضوئية (ربع ما هو عليه بالفعل). تم استجواب هذا النموذج عام 1900 من قبل عالم الفلك الهولندي جاكوبوس كابتين Jacobus Kapteyn (1851-1922) وفي عام 1917 من قبل عالم الفلك الأمريكي هارلو شابلي Harlow Shapley (1885-1972) الذي نجح في الاستنتاج من الملاحظات غير المباشرة أن المجرة يجب أن تكون لديها قلب ضخم، مما يفسد بالتأكيد الأمل في أن تكون الشمس في مركز مجرتنا.

إذن ماذا عن هيكل المجرة؟ المجرة هي بنية تجمع عشرات أو حتى مئات المليارات من النجوم! يمكن أن تأخذ أيضًا عدة أشكال: بيضاوية الشكل أو حلزونية أو إهليجية أو غير منتظمة. تحتوي المجرات الحلزونية مثل مجرتنا على لمبة مجرية في مركزها والتي عادة ما تحتوي على ثقب أسود هائل.

عناقيد المجرات: Les amas de galaxies

حشود أو أكداس المجرات هي مجموعة من المجرات مرتبطة ببعضها البعض بقوة جاذبيتها. هذه الهياكل مستقرة نسبيًا لأنه لا يمكن لأي طرف الهروب من الكتلة التي تحتوي عليها.

في هذا الوقت، ما زلنا لا نعرف بالضبط كيف تشكلت هذه العناقيد المجرية. لأنه إذا كان التجاذب الثقالي مسؤولاً عن تماسك هذه الهياكل، فإن هذه القوة تبدأ في العمل فقط عندما تكون هناك بالفعل هياكل ضخمة نسبيًا. من أجل الشروع في مثل هذه العملية، هناك حاجة إلى ما يسمى العنصر المشغل élément dit déclencheur. في مواجهة هذا اللغز، يتعامل علماء الفلك والباحثون مع مسألة المادة السوداء أو المظلمة، التي يقول البعض إنها تشكل حوالي 90٪ من كتلة الكون.

amas galaxie

هذا هو جوهر مجموعة حشد المجرات MACS J0717.5 + 3745، التي تقع على بعد حوالي 5 مليارات سنة ضوئية من مجرة ​​درب التبانة. الكتلة الهائلة لهذا التكتل الكوني المذهل تحني الزمكان من حولها وتعمل كعدسة طبيعية ضخمة. تسمح لنا عدسة الجاذبية الحقيقية هذه برؤية المجرات الموجودة خلف الكتلة. تظهر مشوهة ومكبرة ومضخمة، في هذه الصورة كخطوط مزرقة كبيرة. الصور من: ناسا Nasa / ومن كالة الفضاء الأوروبية ESA / STSCI

التجمع المجري الذي تقع فيها مجرتنا يسمى المجموعة المحلية. تتكون هذه المجموعة من حوالي ثلاثين مجرة ​​، وأكبرها مجرة ​​درب التبانة ومجرة أندروميدا أو المرأة المتسلسلة ومجرة المثلث. بفضل هذه المجرات العملاقة الثلاث، يمكن للعنقود الحفاظ على سلامته. نحن نعلم أن جميع المجرات في المجموعة ستكون تقريبًا في نفس العمر، ومع ذلك، لا نعرف ما إذا كانت قد تشكلت معًا أو إذا كانت قد تجمعت بمرور الوقت. تمتد هذه المجموعة على ما يقرب من 10 ملايين سنة ضوئية.

ضوء على الهياكل المختلفة للكون Lumière sur les différentes structures de l’Univers

nuage magellan univers

هناك العديد من أكداس المجرات في الكون. واحدة من أقرب العناقيد هي مجموعة برج العذراء la Vierge التي يبلغ نصف قطرها 7 ملايين سنة ضوئية.

العناقيد الفائقة : Les superamas

عناقيد المجرات هي بالفعل هياكل استثنائية، تنظم نفسها في هياكل أكبر! هذه هي عناقيد المجرات العملاقة. تتكون المجموعات العملاقة من عشرات المجرات، وهي منظمة في خيوط تعطي الكون مظهرًا خاصًا جدًا.

يبقى سبب وجود هذه البنية الكونية المتناوبة الشعيرات والمناطق الفارغة، شبه خالية من المادة، ما يشكل لغزاً لعلماء الفلك. لاحظ أيضًا أن أبعاد هذه العناقيد الفائقة هائلة للغاية: من 100 إلى 320 مليون سنة ضوئية!

superamas galaxies

محاكاة جزء من الكون. نحن ندرك أن التجمعات العملاقة تتجمع في هياكل هائلة: خيوط المجرة. النقطة الصفراء تقابل الكتلة.

من أجل الحصول على معلومات حول هذه الهياكل الهائلة، من الضروري أن تكون قادرًا على التقاط ضوء عدد كبير جدًا من المجرات، موزعة في أكبر مساحة ممكنة. يعود الفضل بشكل خاص إلى مشروع "Two Degrees Field Galaxy Redshift Survey" إلى أننا تمكنا من جمع الكثير من البيانات حول هذا الموضوع. في الواقع، تم تنفيذ هذا المشروع في المرصد الأنجلو-أسترالي في نيو ساوث ويلز (أستراليا) وكان قادرًا على تسجيل موقع 100000 مجرة ​​على جزء من الفضاء بمقدار درجتين وما يصل إلى 4 مليارات سنوات ضوئية عميقة!

خاتمة:

هياكل الكون عديدة. بدءًا من نجم بسيط وصغير، يمكننا الوصول إلى أكثر من خيوط هائلة. فيما يلي ملخص صغير للمعلومات التي يجب تذكرها حول هياكل كوننا:

- الكواكب تدور حول النجوم (~ 1 سنة ضوئية)

- النجوم موجودة داخل المجرات ، والتي تحتوي على عشرات المليارات (~ 100،000 سنة ضوئية)

- تتجمع المجرات معًا في مجموعات من المجرات (حوالي 10 ملايين سنة ضوئية)

- تتجمع العناقيد في مجموعات مجرات عملاقة (حوالي 150 مليون سنة ضوئية)

- ثم تنظم التجمعات العملاقة نفسها في خيوط (حوالي 500 مليون سنة ضوئية)

نعم، من الصعب جدًا تخيل ما يمكن أن تمثله كل هذه الأرقام ... وهذا أمر طبيعي!

يكشف الضوء الداخلي لعناقيد المجرات عن توزيع المادة المظلمة:

matiere noire galaxies

وفقًا للنموذج القياسي أو المعياري لعلم الكونيات le Modèle Standard de la cosmologie، تشكل المادة السوداء أو المظلمة حوالي 27٪ من إجمالي كثافة الطاقة في الكون. ومع ذلك، في هذا الوقت، لا يزال الأمر افتراضيًا. من خلال تحليل صور المجرات التي التقطتها تلسكوب هابل، وجد العلماء أن الضوء داخل العنقود يمكنه اكتشاف وجود المادة المظلمة بدقة أكبر من أي طريقة أخرى متاحة.

باستخدام ملاحظات هابل السابقة لست مجموعات مجرات ضخمة كجزء من مهمة حدود الحقول Frontier Fields، أوضح علماء الفلك أن الضوء داخل العنقود - التوهج المنتشر بين المجرات في العنقود - يتتبع مسار المادة المظلمة من خلال تسليط الضوء على توزيعها بدقة أكبر من الطرق الحالية للمراقبة بالأشعة السينية، ونشرت نتائج الاكتشاف في مجلة الإخطارات الشهرية للجمعية الملكية الفلكية la revue Monthly Notices of the Royal Astronomical Society.

الضوء داخل العنقود هو نتاج ثانوي للتفاعلات بين المجرات التي تعطل بنيتها. في حالة الفوضى، يتم إطلاق النجوم الفردية من روابط الجاذبية في مجراتها الأصلية لإعادة تنظيم نفسها مع توزيع الجاذبية للمجموعة. هذا هو المكان الذي توجد فيه الغالبية العظمى من المادة المظلمة.

يشير ضوء الأشعة السينية إلى مكان تصادم مجموعات المجرات، ولكن ليس الهيكل الأساسي للعنقود. فهذا يجعله أقل دقة لتتبع المادة المظلمة.

"السبب في أن الضوء داخل العنقود هو تتبع ممتاز للمادة المظلمة في مجموعة من المجرات هو أن المادة المظلمة والنجوم التي تولد الضوء داخل المجموعة تطفو بحرية على إمكانات الجاذبية للعنقود. تقول ميريا مونتيس Mireia Montes، عالمة الفيزياء الفلكية في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، إنهما "يتبعان" الجاذبية نفسها "." لقد وجدنا طريقة جديدة لمعرفة موقع المادة السوداء أو المظلمة، لأنها تتعلق بالتخطيط لنفس إمكانات الجاذبية بالضبط. يمكننا أن ننير، بتوهج خافت للغاية، موقع المادة السوداء أوالمظلمة. تسمح لنا هذه الطريقة بتوصيف، بطريقة إحصائية، الطبيعة النهائية للمادة السوداء أو المظلمة ".

lumiere intra amas

من خلال تحليل الضوء داخل العنقود المجرات ثم دمج البيانات مع تلك الموجودة في خرائط التوزيع الشامل، نجح الباحثون في إعادة بناء خريطة دقيقة لتوزيع المادة السوداء أو المظلمة. الصور من: ناسا / وكالة الفضاء الأوروبية

يشير مونتيس أيضًا إلى أن الطريقة ليست دقيقة فحسب، بل إنها أكثر كفاءة لأنها تستخدم فقط التصوير بالعمق، بدلاً من تقنيات التحليل الطيفي الأكثر تعقيدًا والتي تستغرق وقتًا طويلاً. هذا يعني أنه من الممكن دراسة المزيد من المجموعات و الأجرام الكونية في الفضاء في وقت أقل ، مما سيؤدي إلى مزيد من الأدلة المحتملة على تكوين المادة السوداء أو المظلمة وسلوكها.

استخدم علماء الفلك مسافة Hausdorff المعدلة (MHD)، وهو مقياس يستخدم لمطابقة الأنماط، لقياس أوجه التشابه بين ملامح الضوء داخل الكتلة وتلك الخاصة بخرائط الكتلة العنقودية المختلفة، والتي تعد جزءًا من بيانات مشروع Hubble Frontier Fields. يقيس MHD المسافة بين مجموعتين فرعيتين. كلما كانت قيمة MHD أصغر، كلما كانت مجموعات النقطتين أكثر تشابهًا.

أظهر هذا التحليل أن توزيع الضوء داخل المجموعة الذي شوهد في صور Hubble Frontier Fields يطابق التوزيع الشامل لمجموعات المجرات الست بشكل أفضل من انبعاث الأشعة السينية، من الملاحظات المؤرشفة لمقياس طيف التصوير. مرصد شاندرا للأشعة السينية المتقدم CCD (ACIS).

إلى جانب هذه الدراسة الأولية، يرى مونتيس وتروجيلو Trujillo العديد من الفرص لتوسيع أبحاثهما. بادئ ذي بدء، يرغبان في زيادة نصف قطر المشاهدة في المجموعات الست الأصلية، لمعرفة ما إذا كان مستوى دقة التتبع قد تم الوفاء به. سيكون الاختبار المهم الآخر لطريقتهم هو مراقبة وتحليل مجموعات المجرات الإضافية بواسطة المزيد من فرق البحث، من أجل إكمال مجموعة البيانات وتأكيد استنتاجاتهم.

يتطلع علماء الفلك أيضًا إلى تطبيق نفس التقنيات مع التلسكوبات الفضائية القوية في المستقبل، مثل تلسكوب جيمس ويب الفضائي James Webb  و WFIRST، والتي ستحتوي على أدوات أكثر حساسية لاستبانة الضوء الضعيف داخل المجموعة في الكون البعيد.

يرغب تروجيللو في اختبار اختزال الطريقة من مجموعات المجرات الضخمة إلى المجرات البسيطة. "سيكون من الرائع القيام بذلك على مستويات المجرات، على سبيل المثال من خلال استكشاف الهالات النجمية. من حيث المبدأ، يجب أن تعمل نفس الفكرة؛ ومن المتوقع أيضًا أن تتعقب النجوم المحيطة بالمجرة نتيجة الاندماج إمكانات الجاذبية للمجرة، وإلقاء الضوء على موقع وتوزيع المادة المظلمة. "

بيانات شاندرا تختبر "نظرية كل شيء":

في عام 1977، وجد الفيزيائيان روبرتو بيتشي وهيلين كوين Roberto Peccei et Helen Quinn حلاً لمشكلة انتهاك التناظر CP في سياق الديناميكا اللونية الكمومية chromodynamique quantique. يتضمن هذا الحل وجود جسيم افتراضي من المفترض أن يكون مستقرًا ومحايدًا وذو كتلة منخفضة للغاية. اليوم، هذا الجسيم، الذي تنبأت به العديد من نماذج نظرية الأوتار الفائقة، هو مرشح للمادة السوداء أو المظلمة. في الآونة الأخيرة، قام الباحثون بتحليل البيانات من مرصد شاندرا للمحاور الافتراضية. سمحت لهم النتائج بتحسين قيود الكتلة والطاقة على هذه الجسيمات.

بالنظر إلى حشود وأكداس المجرات، أكبر الهياكل في الكون التي تحتفظ بها الجاذبية، تمكن الباحثون من البحث عن جسيم معين تنبأت به العديد من نماذج نظرية الأوتار الفائقة. على الرغم من أن عدم الاكتشاف الناتج لا يستبعد نظرية الأوتار الفائقة، إلا أنه يسمح مع ذلك بوضع قيود إضافية على وجود هذه الجسيمات. نُشرت الدراسة في مجلة The Astrophysical Journal.

"حتى وقت قريب، لم أكن أعرف إلى أي مدى يمكن لعلماء الفلك بالأشعة السينية المساهمة في نظرية الأوتار، لكن يمكننا لعب دور رئيسي. يقول كريستوفر رينولدز Christopher Reynolds  من جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة: "إذا تم اكتشاف هذه الجسيمات أخيرًا ، فسوف تغير الفيزياء إلى الأبد".

تحويل الفوتون - أكسيون في وجود المجالات المغناطيسية La conversion axion-photon en présence de champs magnétiques:

يسمى الجسيم الذي كان يبحث عنه رينولدز وزملاؤه "أكسيون axion ". يجب أن تحتوي هذه الجسيمات غير المكتشفة على كتل منخفضة للغاية. لا يعرف الفيزيائيون النطاق الدقيق للكتلة، لكن العديد من النظريات تظهر كتلًا محورية تتراوح من حوالي واحد في المليون من كتلة الإلكترون إلى كتلة صفرية. يعتقد بعض علماء الفيزياء أن الأكسيونات يمكن أن تفسر لغز المادة السوداء أو المظلمة.

من الخصائص غير العادية لهذه الجسيمات ذات الكتلة المنخفضة للغاية أنها يمكن أن تتحول أحيانًا إلى فوتونات أثناء مرورها عبر الحقول المغناطيسية. يمكن أن يكون العكس أيضًا صحيحًا: يمكن أيضًا تحويل الفوتونات إلى محاور في ظل ظروف معينة. يعتمد عدد مرات حدوث هذا التغيير على مدى سهولة إجراء هذا التحويل، وبعبارة أخرى، على "قابلية التحويل".

البحث عن الجسيمات الأكسيونية في الأشعة السينية Chercher les particules axioniques dans les rayons X: اقترح الفيزيائيون وجود فئة أكبر من الجسيمات ذات الكتلة المنخفضة للغاية بخصائص مشابهة للأكسيونات. سيكون لدى الأكسيونات Axions ملف قيمة التحويل الفريدة لكل كتلة، ولكن الجسيمات الشبيهة بالأكسون سيكون لها نطاق من قابلية التحويل إلى نفس الكتلة.

spectre axions

صورة النطاق الكامل للمنطقة التي لاحظتها شاندرا في الأشعة السينية. يشير الشريط السفلي إلى كمية الفوتونات المقاسة، ويظهر طيف الانتثار للمنطقة المرصودة باللون الأبيض. صور: C. Reynolds et al. 2020

"أثناء البحث عن جسيمات صغيرة مثل الأكسيونات في الهياكل العملاقة مثل عناقيد المجرات قد يبدو الأمر غريبًا، فهذه في الواقع أماكن جيدة للعثور عليها. تحتوي مجموعات حشود وأكداس المجرات على مجالات مغناطيسية على مسافات مثيرة للإعجاب، وغالبًا ما تحتوي أيضًا على مصادر ضوئية للأشعة السينية. وتزيد هذه الخصائص معًا من فرص اكتشاف تحويل الجسيمات الشبيهة بالأكسون "، كما يقول ديفيد مارش David Marsh  من جامعة ستوكهولم ، السويد.

للبحث عن علامات التحويل الأكسيوني، أمضى فريق علماء الفلك خمسة أيام في فحص بيانات الأشعة السينية لشاندرا من المواد التي تسقط باتجاه الثقب الأسود الهائل في مركز مجموعة بيرسيوس. درسوا طيف شاندرا (أو كمية انبعاث الأشعة السينية الملحوظة عند الطاقات المختلفة) لهذا المصدر.

عدم وجود آثار للأكسيونات في نطاقات الكتلة المدروسة:

أنتجت الملاحظة الطويلة ومصدر ضوء الأشعة السينية طيفًا ذا حساسية كافية لإظهار التشوهات التي توقعها الفيزيائيون في حالة وجود جزيئات تشبه الأكسيون. سمح الفشل في اكتشاف مثل هذه التشوهات للباحثين باستبعاد وجود معظم أنواع الجسيمات الشبيهة بالأكسيون في النطاق الكتلي الذي كانت ملاحظاتهم حساسة له، أقل من واحد من المليون من المليار من الكتلة الإلكترون.

contraintes masse

القيود على كتلة الأكسيونات (الدراسة الحالية والدراسات السابقة). تمثل المساحة الزرقاء الفاتحة القيم المستبعدة، وتمثل المساحة البيضاء القيم الممكنة. تشير النقطة الحمراء إلى قيمة الكتلة الأكثر احتمالية. الرسم البياني من: C. Reynolds et al. 2020

"لا يستبعد بحثنا وجود هذه الجسيمات، لكنه لا يدعمها. تندرج هذه القيود ضمن نطاق الخصائص التي اقترحتها نظرية الأوتار، ويمكن أن تساعد منظري الأوتار في سبر نظرياتهم، كما تقول هيلين راسل Helen Russell من جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة.

 

صقل القيود المفروضة على الكتلة وقابلية تحويل اللأكسيونات Affiner les contraintes sur la masse et la convertibilité des axions:

كانت النتيجة الأخيرة أكثر حساسية بثلاث إلى أربع مرات من أفضل بحث سابق عن الجسيمات الشبيهة بالأكسيون، والذي جاء من ملاحظات تشاندرا للثقب الأسود فائق الكتلة M87. هذه الدراسة هي أيضًا أقوى بحوالي مائة مرة من القياسات الحالية التي يمكن إجراؤها في المختبرات هنا على الأرض، بالنسبة لمجموعة الكتل التي اعتبروها.

أحد التفسيرات المحتملة لهذا العمل هو أن الجسيمات الشبيهة بالأكسيون غير موجودة. تفسير آخر هو أن للجسيمات قيم قابلية للتحويل أقل حتى من حد الكشف لهذه الملاحظة، وأقل مما توقعه بعض علماء فيزياء الجسيمات. يمكن أن يكون لديهم أيضًا كتل أعلى من تلك التي تم فحصها ببيانات شاندرا.

نظرية جديدة توحد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المعتمة والمظلمة:

unification matiere energie noires

في النموذج الكوني القياسي أو المعياري ، نموذج lambda-CDM ، تساعد المادة السوداء أو المظلمة في تفسير منحنيات دوران المجرات بالإضافة إلى تكوين الهياكل الكونية الكبيرة ، بينما يتم تطوير الطاقة المظلمة أو السوداء أو المعتمة لشرح تسارع المجرات وتوسع الكون. ومع ذلك، لا يزال هذان المكونان افتراضيًا حاليًا. يقترح عالم الكونيات في أكسفورد نظرية جديدة توحد هذين العنصرين.

ربما يكون أحد علماء الفيزياء في جامعة أكسفورد قد حلَّ أحد أكبر الأسئلة في الفيزياء الحديثة، في دراسة جديدة توحد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو الداكنة والمظلمة في ظاهرة واحدة: سائل له كتلة سلبية. يمكن أن تؤكد هذه النظرية الجديدة المدهشة أيضًا التنبؤ الذي قدمه أينشتاين قبل 100 عام.

هذا النموذج الجديد، الذي نُشر في مجلة علم الفلك والفيزياء الفلكية، بقلم جيمي فارنز Jamie Farnes، عالم الكونيات في مركز أكسفورد للأبحاث الإلكترونية، يقدم تفسيرًا جديدًا لفرضيات المادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو الداكنة والمظلمة أو السوداء. "نحن نعتقد الآن أنه يمكن توحيد المادة المظلمة والطاقة المظلمة في سائل يمتلك نوعًا من" الجاذبية السلبية gravité négative "، ويطرد كل شيء من حولهما. على الرغم من أن هذه المادة غريبة علينا، إلا أنها تشير إلى أن كوننا متماثل، سواء في خصائصه الإيجابية أو السلبية.

تم بالفعل استبعاد وجود المادة السلبية، لأن العلماء يعتقدون أنها ستصبح أقل كثافة مع تمدد الكون، مما أدى إلى تحطيم الملاحظات التي تشير إلى أن الطاقة المظلمة تحتفظ بكثافتها بمرور الوقت. ومع ذلك، يطبق بحث فارنز  Farnes  "موتر الخلق" tenseur de création ، والذي يسمح بتكوين كتل سلبية بشكل دائم.

halo matiere noire

محاكاة تكون هالة من المادة السوداء أوالمظلمة من كتل سلبية (أرجوانية) وإيجابية (صفراء). صور: J. S. Farnes

لقد أوضح Farnes أنه عندما يتم إنتاج المزيد والمزيد من الكتل السلبية مرارًا وتكرارًا، فإن هذا السائل الكتلي السالب لا يخفف مع توسع الكون: في الواقع، يبدو أن السائل هو نفسه الطاقة السوداء أو المظلمة. توفر نظرية فارنز Farnes أيضًا أول تنبؤات صحيحة لسلوك هالات المادة السوداء أو المظلمة. يشير منحنى دوران المجرات إلى وجوب وجود كتلة غير مرئية بالإضافة إلى الكتلة المضيئة.

يقدم البحث الجديد ، الذي صدر في 5 كانون الأول (ديسمبر) ، محاكاة حاسوبية لخصائص الكتلة السلبية التي تتنبأ بتكوين هالات المادة السوداء أو المظلمة ، على غرار تلك التي تم استنتاجها من الملاحظات التي تم إجراؤها باستخدام التلسكوبات الراديوية الحديثة.

قدم ألبرت أينشتاين أول لمحة عن الكون المظلم قبل 100 عام بالضبط، عندما اكتشف في معادلاته معلمة تسمى "الثابت الكوني"، والتي يربطها الباحثون اليوم بالطاقة السوداء أو المعتمة أو الداكنة والمظلمة.

أطلق أينشتاين على الثابت الكوني تصريحه الشهير كان "أكبر خطأ لي" ، على الرغم من أن الملاحظات الفيزيائية الفلكية الحديثة تثبت أنها ظاهرة حقيقية. في ملاحظات من عام 1918، وصف أينشتاين ثابته الكوني من خلال "أن تعديل النظرية ضروري، بحيث يعمل" الفضاء الفارغ "ككتل سالبة جاذبة موزعة في جميع أنحاء الفضاء بين النجوم. . لذلك من الممكن أن يكون أينشتاين نفسه قد تنبأ بكون مليء بالكتلة السالبة.

formation grande structure cosmique

محاكاة تكوين بنية كونية كبيرة من كتل سلبية (أرجوانية) وإيجابية (صفراء). الائتمان: J. S. Farnes

حاولت المناهج السابقة للجمع بين الطاقة المعتمة والمظلمة أو السوداء والداكنة والمادة السوداء أو المظلمة تعديل نظرية النسبية العامة لأينشتاين، والتي أثبتت صعوبة بالغة. هذا النهج الجديد يأخذ فكرتين قديمتين معروفين بتوافقهما مع نظرية أينشتاين - الكتل السلبية وخلق المادة - ويجمعهما، "كما يشير فارنز.

"تبدو النتيجة جميلة إلى حد ما: يمكن توحيد الطاقة السوداء أو المظلمة والمادة السوداء المظلمة في جوهر واحد une seule substance، ويمكن ببساطة تفسير كلا التأثيرين على أنهما مادة كتلة موجبة تمتطي بحرًا من الكتل السلبية." ستخضع نظرية فارنيز للاختبار في الاختبارات باستخدام تلسكوب لاسلكي، مصفوفة الكيلومتر المربع (SKA)، وهو مشروع دولي لبناء أكبر تلسكوب في العالم تتعاون فيه جامعة أكسفورد.

"لا يزال هناك الكثير من المشكلات النظرية وعمليات المحاكاة الحاسوبية للتعامل معها، ونموذج lambda-CDM يقترب من 30 عامًا تقريبًا، لكنني حريص على معرفة ما إذا كانت هذه النسخة الجديدة الموسعة من النموذج يمكن أن تتطابق بدقة مع البيانات الأخرى في المستقبل. 'الملاحظة. إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يشير إلى أن 95٪ من الكون المفقود لديهم حل جمالي: لقد نسينا تضمين علامة ناقص بسيطة، "يستنتج فارنز.

 

.......................

المصادر: : ناسا

:رسائل مجلة الفيزياء الفلكية Source : The Astrophysical Journal Letters

: المجلة الفلكية ، جامعة ماريلاند

: NASA JPL، Science، NRAO

Source : Astronomy & Astrophysics:

ها هو مقطع فيديو يحاكي ويلخص تنظيم هياكل الكون، مما قد يساعدك على تصور ذلك بشكل أفضل!

صورة العنوان: جزء من سحابة ماجلان الصغيرة؛

المصدر: علم الفلك والفيزياء الفلكية : مجلة الفيزياء الفلكية الأشعة السينية - NASA / CXC / Univ.Potsdam / L.Oskinova ، البصريات - NASA / STScI والأشعة تحت الحمراء - NASA / JPL-Caltech. فيديو: علم الكون Vidéo : universcience

Universcience videos - Dailymotion

Universcience est le nom de l'établissement public qui regroupe depuis le 3 décembre 2009 le Palais de la découv...

 

 

 

منى زيتونمنذ أيام تصدر وسم لدعم الإعلامية المصرية رضوى الشربيني صدارة مواقع التواصل الاجتماعي في مصر. وبداية القصة أن الإعلامية كانت قد أدلت برأيها عن الحجاب في إحدى حلقات برنامجها، مشجعة المحجبات اللاتي يفكرن في خلع الحجاب بالعدول عن خلعه، ورغم أنها لم تدع غير المحجبات إلى ارتدائه ولم تذكر صراحة أنها ترى الحجاب فريضة إلا أن كلامها أشار إلى ذلك الاعتقاد بوضوح، وذكرت صراحة رأيها بأن عدم ارتدائه ليس سوى ضعف إيمان وتغلب للنفس الأمارة بالسوء –أو تغلب شيطان نفس غير المحجبة بحسب تعبيرها-؛ ومن ثم فالمحجبة أفضل من غير المحجبة.

وعلى الفور تلقت لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري عددًا من الشكاوى ضدها بسبب هذا التصريح، والذي اعتبروه مسيئًا، وفتحت بسببها تحقيق عاجل مع الإعلامية.

وكثر تداول الموضوع على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول النقاش حول رأي أدلت به إعلامية إلى قضية رأي عام، وكعادتنا فقد اتسع ذلك النقاش ظاهريًا فقط من حيث أعداد المشاركين فيه، وليس من حيث دلالة الفعل ورد الفعل، والذي أراه أكبر من أن يُحصر في نقاش حول الحجاب وكونه فريضة أم لا، أو مقارنة سلوك المحجبات بغير المحجبات، فما يحدث هو فصل جديد من فصول تبدل القيم في المجتمع المصري، وإذا تغيرت أفكارنا تبدلت سلوكياتنا بالتبعية، ولا ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام في حديث عابر عن الحجاب، بل ينبغي التعمق وأن نفهم علاقة ما حدث بـ "الرغبة في التميز" وتبدل قيم "الأنا" لتتوافق مع "الهو".

الرغبة في التميز عن طريق الانتماء لجماعة

سبق وناقشت "الرغبة في التميز" في مقال قديم، وأعطيت أمثلة لطرق يحاول من خلالها أناس عاديون إشعار أنفسهم بالتميز من خلال الانتماء لجماعة ما، حتى أن بعضهم قد يرى نفسه مميزًا عن غيره لأنه من سكان العاصمة، وإن كان يسكن أحد أحيائها الشعبية!

والضيق من "مدح الحجاب" وتحويل الحديث إلى ذم المحجبات لأن بعضهن قد تفعلن كذا وكذا هو مثال آخر للأسباب التي قد تخترعها غير النابهات لنفخ ذواتهن الفارغة من كل قيمة؛ لأن الحجاب ذاته لا علاقة له بسلوك بعض من ترتدينه، كما أن سلوك من لا ترتدينه بوجه عام لا يمكن الجزم بأنه أفضل.

كما أنني لست أفهم كيف تبرر من لا ترتدي الحجاب ذلك في إطار حريتها الشخصية، في حين تتدخل دون خجل في حرية غيرها عندما تقررن ارتدائه، بل ويتدخلن في حرية إبداء إحداهن مدحًا له ولمن اخترنه!

ولكن كما أسلفت فهناك دافع حقيقي لسلوك التطاول على الحجاب والمحجبات يختلف جذريًا عن الخلاف الظاهري المدعى حول فرضيته أو الإدعاء بأن المسألة تقع في نطاق الحرية.

إن حالة الإفلاس الثقافي التي تستشري في المجتمع المصري اليوم جعلته مجتمعًا يعمه التظاهر؛ فلا قيم حقيقية أصيلة فيه تسوده، فإما قيم بدوية مستوردة وإما قيم أوروبية مستوردة، وهناك من يحاول الظهور بمظهر المثقف، فيختار التعارض الدائم مع رأي المتدينين، وطالما قلت إن التعصب يخلق ما يمكن أن نسميه بالعور الفكري، وهناك من يحاول الظهور بمظهر علية القوم، ولهذا التظاهر مستلزماته التي لا تفارقه، والتي تكشفه في آنٍ واحد. وكما يقول الشاعر: إذا ظهر الحمار بزي خيل *** تكشّف أمره عند النهيق!

ربما لم يسمع كثيرون منا بمصطلح "أميرات الدولار"، وهو مصطلح ظهر في القرن التاسع عشر، تعبيرًا عن الفتيات الثريات من العائلات الأمريكية ذوات الأصول المتواضعة، اللاتي تم ترتيب زواج لهن من نبلاء إنجليز قليلي الثروة، فكان أول زواج بين الثروة والجاه في العصر الحديث. وكان من العلامات الفارقة لهن عن النبيلات الإنجليزيات أنهن كن يبالغن في الاعتناء بمظهرهن، وظهر ذلك جليًا في أعداد الأزياء الجديدة اللاتي كن يعددنها في كل موسم، والتكلف فيها، وتلك هي المفارقة، فبينما اعتقدن أن كثرة الأزياء وزيادة تكلفتها سترفع شأنهن كانت الكاشف الأول لحقارة أصولهن!

ومن يريد أن يرى كيف تعبر البساطة عن الرقي فليبحث عن صورة فستان خطوبة الأميرة فوزية ابنة الملك فؤاد وشقيقة الملك فاروق لولي عهد إيران وقتها محمد رضا بهلوي. الفستان من قماش الساتن الأبيض الناعم، محلى بوردات مشغولة يدويًا، وأعتقد أن فتيات اليوم يستحيل أن ترضى إحداهن بمثل هذا الفستان الراقي البسيط في حفل عيد ميلاد لها فضلًا عن حفل خطبة.

ولمن لا يعلم فإنه حتى عقد السبعينات كانت كل سيدة في مصر تشتري لنفسها حوالي ثلاثة فساتين جديدة سنويًا في الصيف، وأقل من ذلك العدد في الشتاء، وبعضهن كن يُفصلن ملابسهن وملابس أفراد عائلاتهن، وكانت من تريد إبراز غناها تبرزه في صورة عاقلة بأن تقتني من الذهب والمجوهرات ما تدخره للزمن.

ثم تبدل الزمن منذ نهاية السبعينات، مع بداية ما عُرف بالانفتاح الاقتصادي، وكلنا يلمس كيف تحاول طبقة من محدثي ومحدثات النعمة اليوم الإنفاق ببذخ زائد على مظهرهم، ومحاولة التشبه بالغرب في ذلك المظهر، علمًا بأن الأجانب لا ينفقون معشار ما ينفق هؤلاء على المظاهر الفارغة.

وعودة إلى موضوع الحجاب لأقول إن عدم تحجب نساء هذه الطبقة يأتي غالبًا كحرص على إظهار رقي زائف باعتبار الحجاب –كما ترينه- يليق بالطبقات الاجتماعية الدنيا، لا بهن! ومثله في ذلك كثرة دس أغلبهن كلمات من اللغة الإنجليزية في حديثهن، وبلهجة عجيبة لم أسمع الإنجليز أو الأمريكان أنفسهم ينطقون بها! ومدح رضوى للحجاب والمحجبات كان سهمًا صُوب تجاه تميزهن المزعوم، وفضحهن رد فعلهن.

ولو وُجد معيار حقيقي تتميز هؤلاء التافهات باعتباره لما انشغلن بالتقييم على أساس التصنيف كمحجبات وغير محجبات، لأنه حتى الأجانب اللاتي يقلدونهم يرون ارتداء الحجاب كحرية شخصية ولا يحكمون على الناس من خلاله.

إن التميز الحقيقي الذي يحق للمرء أن يفتخر به هو ما صنعه بنفسه، وليس من خلال الانتماء لجماعة. إن الفتى من قال هأنا ذا **** ليس الفتى من قال: ذاك أبي.

عندما تصير "الأنا" "هو"!

في نظريته الشهيرة، حدد سيجموند فرويد ثلاث منظمات للنفس الإنسانية (الهو- الأنا- الأنا العليا)، وقرر أن الشخصية الفردية هي نتاج تفاعلها.

وبينما تكون الهو/الهي مستودع الغريزة والرغبات، ويسير وفق مبدأ "اللذة"، فلا ينشغل بخلق توافق بين الفرد والقيم الاجتماعية، ولا يعنيه إن كان تحقيق الرغبة في إطار يتفق مع القيم أو يخالفها، تكون الأنا في المقابل منشغلة بالتوفيق بين قيم ومعايير المجتمع وبين رغبات الهو، فهي تعمل وفق مبدأ "الواقع". أما الأنا العليا فتعمل وفق مبدأ "المُثل"، وتحتاج لتعمل بشكل جيد أن يتلقى الفرد تربية جيدة ملتزمة أخلاقيًا منذ صغره، تجعله ينأى بنفسه عن كل حقير من الفعل مهما كان متوافقًا مع هواه، وحتى إن سمحت به قيم المجتمع الذي يحيا فيه.

ووفقًا لرؤيتي فهناك محاولة حثيثة لخلق تبدل واضح في قيم المجتمع المصري والعربي، وتعديل قيم المجتمع لتحقيق أكبر قدر من التوافق مع غرائز ورغبات النفس. إنه تعديل "الأنا" لتصير "هو"! لأن القيم المجتمعية هي مرجعية "الأنا". وعندما تتوافق قيم المجتمع مع مبدأ اللذة –كما يريدون لها- سيصبح "الهو" متلبسًا قناع "الأنا" متحكمًا في الأغلبية منا، باستثناء من عصمهم الله وبقيت لديهم "الأنا العليا" قوية؛ لتكون الضمير في غياب القانون والناس وكل وسائل الردع الخارجية.

وقد يقول قائل إن ما يحدث من رفض للحجاب والاحتشام بوجه عام في بعض الأوساط المجتمعية هو تعارض ورد فعل لسلوكيات مناقضة صدرت من بعض المضطربين عقليًا الذين يجبرون النساء على ارتداء النقاب واللون الأسود خاصة، حتى إنهم قد يجبرون طفلات لم يصلن لسن المدرسة على ارتداء النقاب!

وبتعبير علمي، فإن الأنا العليا عند هذه الفئة الأخيرة تكون قاسية بالدرجة التي تخرج الفرد من عداد الأسوياء نفسيًا، وظاهريًا تكون قوية لا تسمح للهو بالسيطرة على النفس، ولكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك، وقد يسقطون في كثير من الاختبارات الأخلاقية حين تخف سطوة المجتمع وتغيب الرقابة الخارجية.

والحقيقة التي تؤكدها الدراسات النفسية أنه بمقدار قوة "الأنا" واتزانها بين "الهو" و "الأنا العليا" تتكامل الشخصية. ومن هنا فألاعيب الحواة تعمل على إضعاف "الأنا".

وكثيرًا ما لا أجد فرقًا حقيقيًا بين أميرات الدولار المتحزبات ضد الحجاب ونساء الجماعة السلفية المنقبات من حيث دوافع السلوك، فالدافع وراء السلوك واحد وهو الرغبة في التميز من خلال الانتماء لجماعة، مع الفارق الكبير بين اعتقادات وسلوكيات كلا الجماعتين. إنها حرب نفسية بين حزب "الهو" وحزب "الأنا العليا"، وكلا الحزبين متطرف.

 

د/ منى زيتون 

الخميس 17 سبتمبر 2020

 

التناقضات الصارخة في المجتمع الإنساني لا يُمكن السيطرة عليها وتقليصها، إلا بتكوين سياسات اجتماعية قائمة على الحُب والعدل والمُساواة، واعتماد مبدأ الكفاءة والولاء للقِيَم والمبادئ، وليس الولاء للأشخاص والكراسي. وهذا شعار جميل برَّاق، لكن تطبيقه على أرض الواقع صعب، وليس مستحيلًا . وصعوبة تطبيقه نابعة من مراكز القوى في بِنية الأنظمة المُوجِّهة للفرد والجماعة والمجتمع . ومراكز القوى هي أركان الدولة العميقة التي تتحكَّم بمسار العلاقات المعنوية والمادية في المجتمع . وإذا أردنا تحليل مُكوِّنات المجتمع، ينبغي الانطلاق من حقيقتَيْن راسخَتَيْن، لكنهما غَير مُعْلَنَتَيْن . الحقيقة الأُولَى : إن هناك دَوْلَتَيْن في المجتمع الإنساني الواحد، الدَّولة العميقة الباطنية (الجَذر) والدَّولة السَّطحية الظاهرية (الأغصان). والعلاقة بين هاتَيْن الدَّولتَيْن قائمة على المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة واحتكار اللعبة السياسية بكل مزاياها، وهذا هو سبب تحوُّل كثير مِن الأوطان إلى مشاريع تجارية استثمارية، تعود بالنفع على الطبقة السياسية الحاكمة حصريًّا، دُون أيِّ فائدة للمواطن العادي . وكُل نظام سياسي مُغلَق هو بالضرورة نظام استحواذي احتكاري، يتعامل مع الشعب وَفق ثنائية الرهائن والغنائم . ومهما كان الوطنُ غنيًّا بالثروات والإمكانيات، فلن يَشعر المواطن العادي بأيِّ فائدة، لأن الشَّرنقة التي تُحيط بالوطن تمتص كُل الخَيرات، ولا يبقى مِنها شيء للشعب الكادح . الحقيقة الثانية : إن السياسة في المجتمع الإنساني هي لُعبة الأغنياء، وهذا يعني تحوُّل السياسة مِن وسيلة للحُكم الرشيد إلى غاية قائمة على الاستعباد والهيمنة، وتحوُّل العلاقات الاجتماعية الخاضعة للبنى السياسية مِن ظاهرة أخلاقية نبيلة إلى نزعة مادية متوحشة، وبالتالي يُصبح القادرون على الدَّفْع هُم القادرين على الكلام، وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنَّه يستثني أصحابَ المواهب والكفاءات.

2

التَّشَظِّي في المجتمع الواحد (وجود دَوْلَتَيْن تحتكران العمل السياسي القائم على المال)، لا يستمد شرعيته مِن قُوَّته الذاتية، وإنما يستمد شرعيته من تحالف السُّلطة معَ الثَّروة، أي : تحالف بِنية النظام السياسي مع رأس المال، مِن أجل تحويل الوطن إلى بقرة حَلُوب لأصحاب النُّفوذ، وتحويل الشعب إلى قطيع أغنام يُساق إلى الذبح في الوقت المُناسب، لذلك ليس غريبًا أن يَقتل الطُّغَاةُ شُعوبَهم، ويُدمِّروا أوطانَهم . بَل إنَّ هذا أمر مُتوقَّع في كُل زمان ومكان، ولا يَدعو إلى العَجَب والدَّهشة. وكُل طاغية يَعلَم في قرارة نَفْسه أن وجوده غَير شَرعي، وأنَّه لم يجئ وفق انتخابات حُرَّة ونزيهة، وإنما جاء بحُكم الأمر الواقع، وباعتباره مَالِكًا للمال والسلاح، ومَدعومًا من القوى الخارجية، ومُتحالفًا مع سماسرة الوحدة الوطنية المستعدين لاقتسام الغنائم. لذلك فإن كُل طاغية، يعتنق سياسة القرابين، حيث يتم التضحية بكل شيء، من أجل بقاء الزعيم القائد الخالد الوحيد الأوحد على الكُرسي . ولكنَّ الكُرسي لا يَدُوم لأحد، وحتى لَوْ دامَ الكُرسي للطاغية، فإن الطاغية لَن يَدُوم له .

3

إنَّ الإنسان كائن عاطفي، والنَّفْس الإنسانية مَجبولة على حُب مَن أحسنَ إلَيها، ولا يُمكن لأيِّ حاكم أن يَقُود الوطنَ والشعبَ إلى بَر الأمان، إلا إذا سيطرَ على قُلوب الشعب بالمحبة، والأخلاق الفاضلة، والتَّضحية من أجلهم . وهذه هي القُوَّة الناعمة التي تمتلك مَفعول السِّحْر . والحُبُّ وَحْدَه هو الذي يَمتلك قَلْبَ الإنسان . والسلاحُ له سُلطة على الجسد، وليس له سُلطة على القَلْب . وهذا هو الأساس الفلسفي للسياسة، ولكنَّ الكثيرين يَعتبرون هذا الكلام رومانسيًّا، ولا يَصلُح إلا للأفلام العاطفية وقصص العُشَّاق . وهذا خطأ جسيم، لأنَّ الحُب وَحْدَه هو القادر على بناء الوطن ونهضة الإنسان . وقُدرة الحُب على صناعة الحاضر والمستقبل تنبع من حقيقة مُفادها أن الحُب يُزيل الخَوف، وبالتالي يتحرَّر العقلُ، وينطلق إلى الإبداع، لأن العقل الخائف مشلول غير قادر على التفكير والإبداع، والحُب يَمنع الخيانة، وبالتالي تتكرَّس الثقة بين الرئيس والمرؤوس، والثقة أساس النهضة والتقدُّم . والحُب يُطهِّر القلوبَ مِن الحِقد والانتقام، وبالتالي تختفي الصراعات بين أبناء الوطن الواحد، ويزول الصِّدام بين الحاكمين والمحكومين. والحُب يضمن الوَلاء الحقيقي، وهذا يعني تقديم النصيحة الصادقة، والمَشُورة المُخلِصة . وكما قِيل : صَديقك مَن صَدَقَك لا مَن صَدَّقَك .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

خالد بوفريوا"القبيلة" اصطلاح قديم، تداولته الألسن والأقلام عبر القرون وتحول إلى مصطلح ذي إيحاءات دينية واضحة وإلى مفهوم سوسيولوجي جوهري وموضوع انثروبولوجي مركزي؛ وهو يتميز بالتجدد ومواكبة التطور، لأن من المصطلحات ما يعيش ويعتريه البلى ويموت، ومنها ما يستمر ويصمد في وجه الزمن، ومنه مصطلح القبيلة؛ فهو مرن وقادر على التكيف مع مجريات الحياة ولا أدل على ذلك من الاستعمالات الكثيرة التي تعاورته ولم تنل من جدته وصلابته؛ فما إن يخفت صوته لفترة حتى تعود إليه نضارته ويتجدد شبابه ويشرع الناس في تداوله ومقاربته بأدوات وآليات مختلفة؛ وهذا ما فعله الباحثون من مؤرخين وعلماء اجتماع وساسة وانثروبولوجيين في العصور الوسطى والحديثة؛ وقد جاءت مقارباتهم في سياقات وظروف مختلفة فرضت العودة إلى مصطلح القبيلة، والاستعانة به لبحث وتحليل تاريخ الشعوب والقبائل العربية والإفريقية، ومنها القبائل الصحراوية(1)

تعد القبيلة تنظيما سياسيا واجتماعيا ورابطة دموية -تحالفية- ووحدة شعورية ولا شعورية ميزت العديد من المجتمعات البشرية؛ وتعتبر منطقة المغرب الكبير من بين المجالات الجغرافية التي تطور فيها هذا النظام الاجتماعي عبر العصور واتخذ أشكالا مختلفة وعرف ديناميات مستجدة حسب الفترات التاريخية ونوعية السلطة السياسية التي تظهر هنا أو هناك، ولعل ذلك ما دفع المفكر "جاك بريك" إلى القول: [أن منطقة المغاربة هي مجال للتقاطعات الكبرى والانشطارات والديناميات السياسية والاجتماعية بل ظلت فضاء رحبا للبحث عن هوية الذات من خلال استراتيجيات مختلفة مثل الأنساب والهجرة والترحال والمناورة] (2) وهذا المعطى يدفعنا إلى القول بأنه لدراسة التنظيم القبلي سوسيولوجيا والانثروبولوجيا لا بد من العودة إلى التاريخ، فالتاريخ وحده يعيننا في فهم القبيلة، خاصة بالنسبة لهذه المنطقة الواقعة ما بين البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء التي تشكل واسطة العقد ما بين حضارات مختلفة تماما كما تمثل الآن حدود العالم الإسلامي من الناحية الغربية(3).

وفي هذه المقالة سنقتصر على القبيلة الصحراوية ذات الطابع المعقلي : مكوناتها، مميزاتها، وأساليب تدبير وتسير شؤونها، باعتبارها أحد المكونات السياسية/الاجتماعية للمجتمع الصحراوي عموما. وقد بدت فاعلية هذه المنظومة القبلية الصحراوية في القرون الأربعة الأخيرة بفعل تضافر مجموعة من العوامل كالانتقال من الاستقرار نحو الظعن، ودور الصالحين والنسب الشريف والممارسة التجارية العابرة للصحراء ما بين حواضر الشمال (فاس- مراكش- تلمسان – بجاية - القيروان- غدامس- طرابلس...) وبين مراكز الجنوب (كاوة - تنبكتو – ولاته – تيشيت – وادان – شنقيط – اندر...). وهنا نصبح أمام قبائل لا يمكن تحديدها بالمجال الجغرافي الذي تشغله فحسب، ولكن نحن بصدد مجموعات متنقلة وأنساب مكرسة واستراتيجيات متعددة في التكيف مع المجال والمجتمع والطوارئ الخارجية (سلطة، الدولة، الاستعمار...) والقبيلة الصحراوية ليست دائما ذات حركية خطية من الحواضر نحو الأصحار، ولكنها قد تمارس العكس وذلك بترك الظعن لمداهمة القصور والمراكز الحضارية والاستيلاء عليها وأمامنا نماذج حية في التاريخ الحديث : مثل هجوم قبيلة ’’آيت أوسى’’ على قصر آسا بمنطقة درعة / وادنون 1867، واستيلاء قبيلة ’’الرﮔيبات’’ على قصر تندوف نهاية القرن التاسع عشر1897، وهجوم قبيلة ’’اعريب’’على قصر امحاميد الغزلان بداية القرن العشرين، وهذه الدينامية تبين أن كل من البداوة والحضارة بالصحراء، تعد وسيلة مختلفة لكنهما تتكاملان وترتبطان للتكيف مع البيئة الصحراوية ومناخها القاسي.

وتشكل السلطة محطة اهتمام السوسيولوجيين والانثروبولوجيين فهي ضرورية في المجتمعات سواء المبنية على الاكراه البدني او الاكراه الاجتماعي (سلطة التقاليد والعادات)، فهي أدة تنظيمية تسعى الى ضبط المجتمع انطلاقا من قوانين ينتجها لنفسه (4)، فالمجتمع الصحراوي بدوره ينتج قوانين لضبطه وتنظيمه فهو مجتمع قبلي مما يجعل تنظيماته وقواعده المستمدة من هذا النظام القبلي. فالقبائل الصحراوية لم تكن قط تسودها الفوضى بل كانت هناك سلطة الزامية وقاهرة تمثلت في سلطة "اجماعة/أيت أربعين" كمؤسسة سلطوية تدبيرية من جهة، ومجلس سياسي واجتماعي واقتصادي من جهة ثانية .

لا يخفى على أحد أن المجتمع عبارة عن بنيات وأنظمة ومؤسسات... منها القبيلة التي حظيت منذ القدم بتعريفات كثيرة ومقاربات متعددة يمكن أن نعدد منها العشرات، منها اللساني ومنها السياسي ومنها الاجتماعي ومنها الأنثروبولوجي ومنها الجغرافي ومنها التاريخي… إلخ.

والقبيلة في اللسان العربي متعددة المعاني والدلالات منها ما هو مادي أصلي ينصب على الأنواع الطبيعية ومنها ما هو من قبيل الاصطلاح وهنا حدث ولا حرج، فقبائل الرأس مثلا أطباقه وفلقه، وقبائل الرحل أحناؤه، وقبائل الشجرة أغصانها، وكل قطعة من الجلد تسمى قبيلة، والقبيلة تطلق كذلك على صخرة تكون على رأس البئر وعلى أصناف من الطير ومن الناس من ينتمون إلى أب واحد.

وحتى لا نركن للخوض في تحليل لغوي مسهب يحيد بنا إلى متاهات فقه اللغة وفلسفتها، سنكتفي بالقول أن مادة قبل كما تسجل ذلك معاجم اللغة وكما هو واضح من منطوقها تتكون من ثلاثة أحرف تدل على مواجهة شيء لشيء فكأن القبيلة إنما سميت قبيلة لأنها تواجه قبيلة أخرى أو تتساكن معها في فضاء مشترك، والمواجهة قائمة في كل الأحوال في السلم والحرب، وقيل سميت كذلك لأنها تسير نحو قبلة واحدة. فهي إذن مفهوم شامل ومصطلح متداول في اللغة وفي علم الأنساب والبيولوجيا وعلم الحيوان والنبات وعلم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ.....

 مفهوم القبيلة يعتبر من بين اكثر المفاهيم استعمالا في الحقل الانثروبولوجي فالإفراط في استعماله جعله عاما وغامضا وغير دقيق، حتى ان ابرز الانثروبولوجيين المعاصرين أشار الى وجود ازمة مفهوم القبيلة)5)،هذه الأخيرة التي تعتبر بمثابة مجموعة بشرية مكونة من أجزاء والاجزاء مجزئة بدورها الى أجزاء أخرى (فخذات، بطون، اعراش) تتأسس على القرابة الدموية من جهة والتعاقد الاجتماعي من جهة أخرى، وأما اهم محدد للقبيلة التي تمارس عليه سلطتها وتدافع عنها هو البعد الجغرافي "التراب"(6)،زد على ذلك الاشتراك في قيم وتمثلات ومبادئ وتقاليد وممارسات وعادات اجتماعية ونظام رمزي يعد مكونا في تحديد الوحدة القبلية (7) .فدراستنا هذه تنكب على هذا الأساس وفق اسقاط عمودي على المجتمع القبلي التقليدي الصحراوي الذي لا يختلف في سماته ومميزاته كثيرا عن القبيلة العربية التقليدية، ويمكن أن نتصور أهم تلك المميزات من خلال النقاط التالية :

1- القبيلة الصحراوية، تعتمد نظام الترحال، تشيم المرابع الممرعة، وتتعلق بأذناب حيواناتها، إذا كانت رعوية، وتتمسك بمعولها ومنجيلها إذا كانت فلاحية، وفي كلتا الحالتين يطبعها طابع البداوة.

2- لا رابطة اقتصادية تنظيمية لمؤسسة القبيلة، بل يتم معالجة شؤون المال تبعا للضرورة والحاجة، فتوزع الديات مثلا على العاقلة، على الصيام البالغين من أفرادها، ويكون هناك مسؤولون أسريون يتولون جباية ذلك وجمعه عند عريف القبيلة، وعلى ذلك المنوال تسير النوائب.

3- قد لا تكون القبيلة عسكرية، تتدثر باللبوس الثقافي والديني وتحتمي به، وعادة ما يتولى الدفاع عنها حلفاؤها من القبائل العسكرية.

4- تعتبر القبيلة الصحراوية في حقيقتها عبارة عن تحالف قبلي أسري، لا ينتمي لجد واحد، اجتمع على قائد سياسي وعسكري، أو ولي صالح عالم، وبه تتسمى وإليه تنتمي.

5- تحتفظ أغلب القبائل بنسبها مشجرا، وحتى دخلاؤها يحتفظون بأنسابهم رغم انتمائهم لغيرها.

6- تجد معاني العصبية الجاهلية والنعرات بادية للعيان في أخلاقيات كل القبائل، فالأخ ينصر بغض النظرعن أحقية تلك النصرة وشرعيتها(8).

7- توجد تراتبية اجتماعية تفاضلية داخل كل قبيلة، فهناك نبلاؤها وهناك فضلاء وهناك الأتباع من الطبقات المسخرة، ويبدو ذلك جليا في طقوس الزواج، فتبادل الزيجات يكون بين كل طبقة، ولكل ذكور طبقة أعلى الحق في الزواج من إناث الطبقة الأدنى منها والعكس غير صحيح(9).

8- لا تخلوا مخيمات أية قبيلة مهما كانت من تواجد لأهل العلم ومن مدرسين للقرآن والعلوم الشرعية، ولهم وزنهم ونفوذهم .

9- القبيلة الصحراوية تحترم المرأة وتبجلها، وإذا لم يكن لها دور تقليدي محدد فإن لها دورا حاسما إذا ما أرادت لنفوذها العفوي عند الرجل الصحراوي، غير أن دورها الاقتصادي لا مراء فيه فهي القيمة على البيت ومساهمة فعلية في صناعة مكوناته وأجزائه، وفي تربية التنشئة والقيام على الضيفان وإدارة الشؤون الفعلية للأسرة في توزعة يلخصها قانون التوزعة التقليدية، فالرجل مصدر"جيّاب" والمرأة مديرة تنفيذية "ﮔوام"، تجد ذلك في المثل الحساني " الواعر ماه جياب الواعر ﮔوام"(10).

10- القبيلة بنية مستقرة تنبني أيديولوجيتها القائمة على التضامن والتكافل والعصبية، ومن سماتها كون بنيتها الاجتماعية تنهض على نمط من التكيف الموافق للظروف والملابسات.

11- من المنظور الاجتماعي القبيلة الصحراوية نموذج مورفولوجي يضم عددا من الأفراد يتعايشون في فضاء واحد، وهؤلاء يشكلون أقسام القبيلة وهي الشعب والعمائر والبطون والعشائر والأفخاذ، ووجود هؤلاء الأفراد فوق تراب مشترك في ظل قواسم مشتركة مثل اللغة والعادات والتاريخ والشعور بالانتماء إلى جد واحد (ولو بالحلف) وتراث واحد كل ذلك يشكل قاعدة مادية ومعنوية ينهض عليها المجتمع القبلي في الصحراء بل وفي كثير من بقاع العالم.

12- القبيلة بنية ثابتة مستمرة لا تزول بزوال الأفراد، فهي مثل المجتمع والدولة والحكومة وغيرها من المفاهيم السياسية والاجتماعية ما إن تستقر وتتوطد حتى تستقل عن الأفراد لتصبح بنيات ذهنية وتصورات فكرية تعبر عن حقائق الواقع(11).

13- المجتمع القبلي مجتمع محلي، بمعنى أنه جزء من تجمع كبير يخضع لدولة منظمة وقد يكون مستقلا عنها، يمارس تسييره الذاتي في حدود معينة، ومن سماته كونه مجتمعا مدنيا أو على الأقل هو مجتمع تتوفر فيه مجموعة من خصائص المجتمع المدني كالاستقلال عن الدولة وممارسة التسيير الذاتي وخدمة المصالح المشتركة والتضامن الخ...

14- مصطلح القبيلة ينقلنا من الفردية إلى الجماعية عبر تدرج يبدأ بنواة أساسية هي الأسرة ثم يتسع باتساع وحداته الاجتماعية، العشيرة والفخذ والفصيل والبطن والعمارة ثم القبيلة، فهو لا يكتمل إلا من خلال توافر وتكامل تلك الوحدات المترابطة التي تجمع بينها العصبية وآصرة الدم والقرابة أو التحالف، وغالبا ما يكون مغلقا ومتماسكا على مستوى القبيلة مفككا على مستوى القبائل المختلفة كما هو الشأن في الصحراء(12).

17- المجتمع القبلي مجتمع متحرك وديناميكي قائم على الترحال والبحث عن الماء والكلأ، وهو مجتمع محارب يكثر الاقتتال بين قبائله لأسباب واهية أحيانا، فهو إذن بنية أو مجموعة بنيات متلاحمة ومتداخلة يجمع بينها الاتصال في حالة السلم والانفصال في حالة الحرب يصدق عليها ما يصدق على القبائل البدوية العربية التي كانت الحرب تنشب بينها لأبسط الأسباب ولكنها كانت، كما يقول شاعرها(13) :

إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ** تذكرت القربى ففاضت دموعها

 

خالد بوفريوا / الصحراء الغربية

........................................

(1) ادريس نقوري، قبيلة ازوافيط مجاهدة وإصرار، ص،5

(2) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(3) ادريس نقوري، قبيلة ازوافيط، مجاهدة وإصرار، ص 37, 36، 10

(4) جورج بالانديه، الانثروبولوجيا السياسية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت، 2007

(5)GODELIER .M. le concept de tribu crise d un concept ou crise des fonde mentsempiripues de l anthropologie; in: maurrice paris 1977

(6) رحال بوبريك، زمن القبيلة (السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي )، دار ابي الرقراق لطباعة والنشر،الرباط، 2012

(7) المرجع نفسه، ص 36

(8) ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت

(9) شغالي حريش، اللامساواة في الصحراء، موقع لكم lakome.com بتاريخ 2011-01-26

(10) محمد بوسحاب جغاغة، أصداء الواركزيز باني في الشعر الحساني (اسا تتنفس شعرا)، دار ابي الرقراق للطباعة والنشر

(11) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(12) محمد دحمان، دينامية القبيلة الصحراوية في المغرب بين الترحال والإقامة، ص، 11

(13) البيت الشعري "للبحتري"

 

        

ويمكن اجمال آليات العولمة التي تعتمد عليها في إدارة إقتصادات العالم وكما يلي:

اولاً- البنك الدولي وصندوق النقد الدولي : وكما هو معروف، يُعَدُ البنك الدولي قوة نقدية ومالية تطورت على نحو مذهل وبلغت مستوى التحكم في خيارات شعوب دول العالم الثالث والرابع في مجال تنميتها الاقتصادية وطريقها المستقل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بل ان هذه القوة باتت تضغط على سيادة الدول وتصل الى الحد الذي تضع تلك الدول فيه اقتصاداتها تحت الوصاية .

لقد كان باستطاعة الدول النامية حديثة الاستقلال في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تبنت برامج طموحة للتصنيع والتنمية، ورفعت شعارات الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ان تبتعد عن التعامل مع البنك في فترة الخمسينيات والستينيات تجنباً لشروطه وتوجهاته التي كانت لا ترضى عن اية سياسة وطنية مستقلة تميل لإعطاء القطاع العام قوة دافعة وفائدة للتنمية وتعتمد على التخطيط الاقتصادي. أما الآن فالمثير للدهشة، هو انه من النادر ان نجد دولة نامية تفلت من القبضة المؤثرة للبنك الدولي .

بيد انه في ضوء الشروط القاسية التي يضعها البنك الدولي لتمويل مشروعاته في البلاد النامية وانحيازه لدول وتوجهات بعينها، فإن عدداً من الدول النامية قد فضل الابتعاد عن البنك  والإلتجاء الى مصادر التمويل الخارجية الاخرى الأقل تشدداً كالقروض الحكومية الثنائية وقروض المنظمات متعددة الاطراف ومصادر التمويل الخارجية الخاصة، فضلاً عن نشوب خلافات حادة وواضحة بين البنك وبعض الدول النامية التي حاولت ان نلجأ اليه كمصدر خارجي لتمويل عملية التنمية وكانت تتبع سياسات اقتصادية واجتماعية وخارجية لا يرضى عنها البنك ولا الولايات المتحدة .. والنماذج البارزة : الخلاف الشديد الذي نشب بين الهند والبنك إبان تنفيذ الخطة الخمسية الثانية في النصف الثاني من عقد الخمسينيات، ومع مصر إبان معركة بناء السد العالي في الفترة نفسها (*) ، وامثلة اخرى صارخة لدول اميركا اللآتينية والآسيوية والافريقية .

يقول "ماكنمارا" رئيس البنك الدولي السابق (اعتقد ان البنك يستطيع العمل بدون الولايات المتحدة) (**) ، وفي الحقيقة لم يستيقظ الاهتمام الاميركي بالبنك الدولي إلا في بداية الثمانينيات عندما تبين ركود التدفقات الثنائية وتراجع القروض المصرفية. لقد استطاع البنك الدولي، باعتباره أداة فعالة للهيمنة الاميركية ان يرسم حدود (جيو- سياسية) عالمية جديدة، واصبح طرفاً في عملية تفكك العالم الثالث والتمكن من العالم الرابع، وإن نفوذه تجاوز بكثير ما حققته سياسة الحروب لأن ما بعدها هو الذي يفتح شهية البنك وصناع الحروب .

ففي ضوء الاهمية المتزايدة لسياسة الاقراض التي ينتهجها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التنمية الدولية، والتركيز عليها في عرض شروطها على البلدان النامية، فما هي ملامح سياساتها حيال الدول؟ وهل تستهدف فعلاً مساعدتها في مشاريعها أو معالجة مشكلاتها وإختناقاتها الاقتصادية، أم ان هذه المساعدات والقروض تكون مشروطة وتحت تأثير عوامل سياسية وإستراتيجية تستهدف تكبيل الدول المقترضة وإرغامها على تكييف سياساتها وتغيير اولوياتها بالاتجاه الذي يخدم اغراض الدول التي تهيمن على مؤسسات الإقراض الدولية، من خلال الشروط التي تصاحب عادة تدفقات القروض المحسوبة على وفق الجدوى الاقتصادية للمشاريع ذات الطابع الرأسمالي اولاً وعلى ان تخدم القطاع الخاص ثانياً، وتنفذ اخيراً السياسات الاقتصادية والنقدية لتلك المؤسسات والبنوك الدولية.

في ضوء هذه الحقيقة وحقائق اخرى موضوعية، فأن الاتجاه الغربي ينصب على الدول النامية بشكل يؤكد ان النية متجهة نحو ربطها بشبكة محكمة من القروض ومشاريع الانتاج الصناعي التي تجعلها موضوعيا جزءا من مراكز القوى الاقليمية المرتبط بالمركز الرأسمالي العالمي، فيما يبرز الوجه الآخر للتوجه الغربي نحو استنزاف الموارد بدعوى إعادة ما يسمى (البترو دولار) الى دورة الأقتصاد العالمية فحسب، إنما لإنعاش اقتصادات دول الاستعمار القديم ودولة الرأسمالية المهيمنة على صعيد القوة . فالاتجاه الذي يسير عليه البنك الدولي يتوازى مع خط صندوق النقد الدولي، وإن عمل احدهما يكمل الآخر:

اولاً- السياسات التي يوصيان بها تفترض مسبقاً  شكلاً ليبرالياً للتنظيم الاقتصادي .

ثانياً- الاعتماد على القواعد الدولية التي سُنَتْ في البلدان الرأسمالية الغربية، والتأكيد على المشروع الحر وآليات السوق الحرة واحترام الملكية الخاصة.

ثالثاً- التوصية بضغط الإنفاق العام وترشيد الاستهلاك ومعالجات حالات التضخم في الجهاز الوظيفي للدولة وتقويم عملتها المحلية .

رابعاً- معالجة عجز ميزانيتها بزيادة الاسعار ورفع الدعم الحكومي للمواد المعروفة بدعم الشرائح الفقيرة الواسعة في المجتمع .

وتحت شعار حرية الاسواق والتحررية الاقتصادية شنت مؤسسات (برتن وودز) ومنظمة التجارة العالمية، حرباً ضد القطاع العام والتنمية المستقلة، واعلنت ان الخطر الاقتصادي الذي يتهدد الاقتصاد العالمي قادم من القطاع العام والتنمية المستقلة، وراحت تدعو الى تفكيك القطاع العام لفسح المجال للمنهج الليبرالي الذي يقف ضد محاولات إصلاح القطاع العام وزيادة فعاليته في إدارة الاقتصاد الوطني .

هذا التيار الغربي يبشر بالليبرالية الاقتصادية عن طريق صندوق النقد الدولي والبك الدولي، ويدعو الى تفكيك القطاع العام وتصفيته ونقل ملكيته الى القطاع الخاص باعتبار ذلك طريق الخلاص لبلدان الجنوب . كما تدعو الليبرالية الى الخضوع لشروط هاتين المؤسستين ومنظمة التجارة العالمية في تحرير الاقتصاد. فالمواصفات الجاهزة التي يدعو لها كل من البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية لا يجوز المساس بها ولا يسمح حتى بمناقشتها او تعديلها. إن تطبيق الليبرالية يعني انسحاب الدولة من العديد من الانشطة الاقتصادية وتقليص السلطة الوطنية حيثما أمكن، فضلاً عن تفكك القطاع العام وتحجيم دوره وتصفية مشروعاته وخفض الدعم المقدم لما يتبقى منه .

 

د. جودت صالح

....................................

الهامش :

(*)- د. العابدي زكي / التاريخ السري للبنك الدولي- ترجمة دار سينا للنشر/ سنة 1989 .

(**) المصدر نفسه ..

 

بليغ حمدي اسماعيلأفرزت جائحة كورونا التي غزت كافة أرجاء الكرة الأرضية موجات متلاحقة من الأزمات النفسية التي يمكن تمثلها في القلق والاكتئاب وأخيرا الانتحار نتيجة الفشل في مواجهة فيروس كورونا المستجد، وبدون سابق إنذار اكتشفت الدول العربية فقر وترهل بل وتردي الحالة العلمية لدى مئات أساتذة كليات العلوم بجامعاتنا العربية، بل صوب الكثير من الكتاب والنخبة المثقفة أقلامهم صوب هؤلاء الأكاديميين الذين تم توصيفهم بالكاذبين والمضللين لمجتمعاتهم؛ نظراً لأنهم اعتادوا منذ عقود بعيدة الترويج لثقافة امتلاك المعرفة والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، بل إن أستاذة كليات العلوم الذين لا ينبغي أن نطلق عليهم لفظة علماء سارعوا باللهاث والجري ومحاولة اللحاق بالتسارع العلمي الحقيقي في الغرب نحو ما عرف بالذكاء الاصطناعي .

وراح هولاء المضللون عربيا بجامعاتنا العربية الكثيرة جدا بغير فعالية يرصدون تطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في كافة مجالات الحياة وهم بذلك قدموا لأنفسهم في المجتمعات العربية على أنهم القادرون على التنبؤ بالمستقبل والتحكم في مواجهة الأزمات، لكن عند أول مواجهة حقيقية في القرن الواحد والعشرين وجدناهم بجوارنا نصارع الهلع والقلق والتوتر، وهذا ما يجعلنا نفكر بجدية في قضية مجانية التعليم، تلك الهبة والمنحة البشرية التي منحتها الحكومات العربية لطلابها حتى تخرجوا في جامعاتهم واستحالوا أساتذة بالكليات العلمية وظنوا كذبا وبهتانا أنهم في مصاف العلماء لكن الحقيقة هم نتاج فطري لتلك المجانية التعليمية التي أفرزت وجودهم الذي يشابه حد الغياب التام.

ولولا  انكشاف قدر ومكانة من يطلق عليهم على سبيل المجاز والخيال والمستحيل أيضا علماء ونحن نواجه فتنة الجائحة الكونية كورونا الفيروس المستجد ولم نعرف إلى أين نذهب سوى اتباع إجراءات الحظر المنزلي ثم التباعد الاجتماعي وملازمة ارتداء الكمامات واستعمال الكحول والمطهرات، لما وجدنا آلاف حالات الاكتئاب والقلق والفزع المرضي لدى الشباب العربي لاسيما وأنهم الأكثر ملاصقة لأساتذة الجامعات بالكليات العلمية والطبية من ناحية، ولأنهم الأكثر تقبلا لفكرة أنه بالعلم يمكن تغيير الواقع، بل بالعلم باستطاعة هؤلاء الشباب أن يستشرف مستقبله البعيد كذلك.

وظل امتقاع الشباب العربي من تضليل أساتذة العلوم الأساسية بالجامعات العربية في قدرة العلم العربي لمواجهة الكوارث والأزمات مما دفع الكثير من الشباب إلى اللجوء صوب الفلسفة علها تصير ملجأ آمنا ومستقرا مريحا لحالات الخوف المستدام وملاذا مريحا أشبه بالشاطئ يجلس عليه الشباب بعيدا عن فزع انتظار الموت المتوقع من كوفيد ـ 19، لكن نزوحه تجاه الفلسفة لم يكن تصنيفا للرفاهية بل الفرصة الأخيرة للهروب من الذعر النفسي الذي سببته الجائحة من ناحية، والتقاعس العلمي العربي من ناحية أخرى، وبنفس القدر من هذا الغياب العلمي العربي كان الغياب الفلسفي الذي ظل يدعم أفكار الشك وانعدام الثقة والتركيز على محفزات التوتر والقلق .

وظلت المؤسسات الأكاديمية العربية تقدم الفلسفة العربية الأكثر محاكاة وتقليدًا للغرب التي هيمنت على العقل الراكد تكرس لفكرة الانطلاق من الذات والعودة إليها مرة أخرى، متناسية بفعل التغريب والنقل السلبي والتلقي غير المتجدد البعد الاجتماعي أو التزامنية التي تقتضي بالتسارع، فالتجأت إلى التصارع من حيث المذهب أو الحادثة أو البحث في مضامين ومفهومات تبدو ثابتة مثل السلطة والخلافة والإمامة . ومسألة الذات تلك هي بالأساس مسألة مسيحية تطلبت منذ ظهورها إلى مجهود خرافي مزمن من فلاسفة الواقع المسيحي . وحينما انتقلت فلسفة الذات من المسيحية إلى الفلسفة العربية التي توصف دوما بأنها إسلامية لإضفاء طابع الشرعية عليها، نظر ناقلوها إلى الإيمان باعتباره مشكلة وليس رحمة أو نعمة أو هدية من الله عز وجل .

ولقد رأى " كيرككورد " أنه من الضروري رفض كل برهان عقلي على الإيمان، فالإيمان ـ كما يزعم وأتباعه ـ هو الذاتية، والذاتية هي الحقيقة، ولذلك ظلت الفلسفة العربية التي نقلت نصوصا خارج سياقها تسيطر على العقل الذي بات يكره التجديد ويمقت الاجتهاد رغم أنه يتغزل بكلمة التنوير .

ولهذه الأسباب ظل التنافي المعرفي العربي للفلسفة هو المعادل الموضوعي للهوية العربية الغائبة في ظل مصالح ومخاوف واهتمامات المواطن العربي البسيط الذي يعيش في بيئة متغيرة تتسم أيضا بالتسارع والتصارع. وحالات الغياب للفلسفة العربية بشكل واقعي في حياة المواطن العربي وكونها سجينة في الجامعات والمعاهد وعقول المتخصصين فقط جعلها ـ الفلسفة العربية ـ ظاهرة سياقية وليست اجتماعية، أي الركون مجددا إلى الذاتوية، ولاشك أن فساد تلك الفلسفة يرتكز إلى الانتماء إلى عقيدة فكرية من تأسيس رافد أجنبي لا ينتمي إلى البيئة العربية الأصيلة . فلا غرابة في أن الفلسفة العربية عبر عصورها مارست كافة أشكال السقوط .

فوجدنا الفلسفة بأصحابها وناقليها بالجامعات العربية ومعاهدنا الأكاديمية مرهونة بمسألة تراكم الهويات في ظل غياب وقلة وعي بالبحث أو إيجاد صيغة عربية تميزها، وهذه الفلسفة باستثناء المعتزلة لم تعرف يوما ما كما أشار " جورج طرابيشي " لاهوت نفي الآخر ؛ لأنها باختصار فلسفة ناقلة لغيرها بامتياز دونما تأويل أو إعمال للعقل، وخصوصا أن هذه الفلسفة التي هيمنت لقرون على العقل العربي  التزمت بمنطوق الشرع والحرص على تلقي النص الديني الإلهي أو النصوص الدينية البشرية بغير تأويل أو تحليل من زوايا مختلفة، على الأجدر قولا الأخذ بظاهر النص دون الاقتراب من بنيته المضمرة .

ولاشك أن الفلسفة العربية السائدة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية  العربية تعاني الاعتلال والمرض من حيث الدخول في معارك جدلية ليست حجاجية بالقطع، لأنها مخاطبة خادعة لا ترتقي بالإقناع أو المحاججة، وهذا الاعتلال هو الذي دفع بالفلاسفة المعاصرين يميلون إلى الثرثرة وعدم النزاهة واستعمال سياسات فلسفية من مثل الإلغاء والصهر والإلحاق، وكم هو محزن حقا أن أمة مثل العرب امتلكت رصيدا خصبا من أفكار المعتزلة دون الحكم على الفكرة أو أصحابها بالكفر أو بالمروق من الدين وحتى اليوم من نجد من أساتذة الفلسفة بالجامعات العربية من ينادي ويصرخ بأن الفلسفة مذهب رغم أنها في قرار اليقين منهج، لكن في الوطن العربي استحالت الفلسفة مذهبا .

والأخطر والأدهش أن معظم المناهج الفلسفية العربية باتت أقرب إلى تكريس ثقافة الشك والارتباك لدى الدارس العربي بدلا من تقديم دعائم ثابتة لطروحات فلسفية تناصر العقيدة الإسلامية وتحفز على التفكير في مواطن انفرادها بدلا من الهجوم على الدين نفسه.

لذا فإن معرفة الفلسفات الإلحادية وطبيعتها ليست معرفة مجدية في حقيقة الأمر، كما أن تعرف آراء المهووسين من غلاة العقل والنقل أيضاً ليس بهدية، إنما جاءت فرصة الاطلاع على الملامح الرئيسة لأولئك الموتورين مرتكزاً قوياً لزيادة الإيمان بوحدانية الله، وكم أن الإسلام دين سماوي جميل ورقيق وإنساني إلى آخر درجات الإنسانية، ومن أصدق من الله قيلاً حينما يقول في كتابه العزيز ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين  .

وجدير بالمسلم القوي أن يدرك مطاعن ومظان أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً وخراباً ؛ لا من سبيل التسلية والترويح عن النفس، فالإسلام أمامه تحديات بالغة الحدة والقسوة، لكن من سبيل إعداد العدة واتخاذ الأسباب والطرائق لمواجهة الفتن والخطوب التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي.

والمتعة الحقيقية التي قد يجدها المرء وهو بصدد قراءة المذاهب والفلسفات الإلحادية القديمة والمعاصرة تأتي من أن الإنسان يدخل اختباراً حقيقياً يمتحن فيه صحة إيمانه واعتقاده لعدة أسباب وعوامل ؛ أهمها أن يصبح على وعي وإدراك كامل بعقيدته الإسلامية الصحيحة، والمنة والنعمة التي من الله بها عليه من عقل وتدبر وروية وتعقل، كما أنه يجرب أسلحته الإيمانية التصديقية التي لا مجال للشك فيها كالنبوات والإلهيات والغيبيات وغيرها من القضايا الإسلامية الراسخة في مواجهة تبدو شرسة بعض الشئ من تلك التيارات الغريبة الشاذة.

كما أن تلك الفرصة في الاطلاع والكتابة عن التيارات الإلحادية تمثل فرصة مستدامة ومستمرة للاستعانة بالله الواحد الأحد، وبالتضرع الدائم لوجهه الكريم كي يحفظ العبد وعقله وبصيرته، وكم نحن بحاجة ضرورية  إلى الاستعانة والتقرب غير المنقطع إلى بارئنا وخالقنا.

ولقد شرعنا في هذه السطور إلى التوضيح والتبسيط لدحض أفكار الفلسفات الإلحادية، وأبرز مبادئها الرئيسة، وبيان كيفية الرد على تلك المزاعم أعني التيارات والفلسفات الإلحاديةفي نفس الوقت الذي تنبغي فيه الإشارة إلى قدرة العقل البشري الذي أكرمه الله تعالى بمهارات وقدرات في تفنيد المظان التكفيرية التي ابتدعها أولئك المشككين والمتشككين بالإضافة  إلى النور القرآني الذي منحنا الله إياه ووهبنا نعمة القرآن علنا نستحقها ونقدرها حق التقدير .

وإذا استقرأنا طبيعة الفلسفات الإلحادية المعاصرة لاكتشفنا أنها في مضمونها عبارة عن تيارات فلسفية ترتكز على مجموعة من المبادئ الدينية ذات الطبيعة الذهنية المحضة تتخللها أفكار وثنية شرقية وغربية. وتتناول هذه الفلسفات ـ في العادة ـ قضايا غيبية كمصير الإنسان بعد الموت، أو قضايا ذهنية حياتية كوجود الإنسان وماهية هذا الوجود، والأدوار الحياتية للإنسان كدور الخير والشر والتسامح، بالإضافة إلى الطبائع البشرية غير الثابتة كالقلق والتوتر والخوف من المجهول وهكذا.

وأغلب اليقين لا الظن في هذه الفلسفات التي انتشرت بقوة وسطوة في أوروبا منذ بزوغ نظرية النشوء والارتقاء والتي كان من بين ضحاياها ملايين الشباب في الدول الغربية اهتمت جل اهتمامها بالروحانيات، لكن للأسف الشديد لم ينتبهوا إلى عظمة الإسلام وطبيعة القرآن الكريم بوجه خاص في معالجة الجانب الروحي للإنسان، ولأنهم أرادوا بأنفسهم سوءاً طفقوا يجربون كل شئ على سبيل القلق الوجودي فكانت النتيجة انتحار الملايين وانتشار البغي والفساد وشيوع الزنا لاسيما زنا المحارم، انتهاء بالشرك والعياذ بالله.

وما أشبه تلك الفلسفات بمرض السرطان الذي يدخل جسد الإنسان في خلسة غير مرئية أو مسموعة، وسرعان من تتحول الخلايا السرطانية إلى وحش كاسر فاتك يدمر الإنسان نفسه، والتشبيه هنا يتقابل في مبدأ السرية والتخدير الكاذب، فمعظم المبشرين للفلسفات الإلحادية أوهموا الشباب التائه لاسيما بعد وقائع الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا بالكامل من وجهيها الحضاري النفسي والمادي المحسوس، وأوقعوهم في شرك الهدوء النفسي والبحث عن سبب لوجودهم، وهدف يأملون إليه، ناهيك عن المزاعم التي فرضوها على أولئك الشباب قسراً وقهراً حول إعادة التوازن النفسي لهم إزاء الآثار الناجمة عن الحرب .

ولاشك أن أولئك الشباب لم يجدوا في تعاليمهم الدينية غير الإسلامية ملاذاً وملجأ ومأوى، مما دفهم إلى الهرولة نحو هذه التيارات الهدامة التي أججت النار في نفوسهم المحمومة بدلاً من تطفئها وتهدئ من روعها. وكأنهم لم يقرأوا قول الله تبارك وتعالى  وكذلك أوحينا إليك من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  .

وكما تعددت مسميات هذه الفلسفات الإلحادية مثل الهندوسية والجينية والبوذية والطاوية والشنتوية، أو وثنيات الشامانية والدرودية والهونا والويكا، أو فلسفات حديثة مثل الوجودية والبنيوية والتفكيكية والواقعية القذرة ( كما في ترجمتها الإنجليزية ) وغيرها من الفلسفات العجيبة، تنوعت وتباينت مظاهر معتنقيها مما دلل على هوسهم وتشتتهم الفكري والعقلي. فوجدنا أنصار ومريدي تلك الفلسفات ممن يطيلون شعرهم كالنساء، بالإضافة إلى ملابسهم الغريبة والتي تعبر عن حالات القلق والتوتر والتمرد التي يعيشونها .

وليتهم في ذلك الوقت استعانوا بالذكر الحكيم وهو يعبر عن حالات إنسانية راقية ترتقي وتعلو بفضل الله ورحمته، يقول تعالى  فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ، ومثل قوله تعالى الذي يفيد أن كل شئ بيده وحده لا شريك له  إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير   . وهذه الآية الكريمة من شأنها أن تجعل الإنسان المؤمن قرير العين هادئاً مطمئناً لقدرة الله.

وجاءت الفلسفات الإلحادية المعاصرة بفكرة موحدة وهي القدرة المطلقة للوجود الإنساني، وأن الإنسان بقدرته فاعل وقادر، واستندوا في ذلك على عشرات الأساطير اليونانية الوثنية التي تدعم قدرة هذا الوجود كأساطير بروميثيوس وأدونيس وغيرهما من القصص الأسطورية التي خدرت عقول الشباب الأوروبي وجاهد المستشرقون والتبشيريون في نقلها إلى الواقع العربي الإسلامي، وهوى كثير من الشباب العربي المسلم في بئر هذه الظنون والمزاعم الكاذبة من باب الولع بالتقليد.

وعندنا في القرآن الكريم عشرات بل ومئات الآيات القرآنية التي تشير إلى القدرة الإلهية التعجيزية مثل قوله تبارك وتعالى  ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ، ومثل قوله تعالى:  فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب. إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فماله من قوة ولا ناصر . والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل ، وقوله تعالى  يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث  .

وإذا أردنا أن نتعرف قليلاً عن أفكار ومبادئ الفلسفات الإلحادية المعاصرة،فإن الملمح الرئيس لها هو التوفيق بين الأديان السماوية ولكن بصورة مشوشة مشوهة، وكان هدف أصحابها في البدايات المبتورة هو استخلاص بعض المعارف والمبادئ من الديانات الكتابية لاسيما اليهودية والنصرانية، ودارت نظرياتهم في صيغتها الأولية نحو عقيدة الخلاص والتطهير.

واستندت أفكارهم على نثار الفلاسفة القدماء، أمثال ديكارت الذي حاول أن يقيم علاقة بين العقل والمادة، لكنه لم يعبأ بإقامة علاقة بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ وبين العالم ؛ لأنه كما أشار المفكر الإسلامي عباس محمود العقاد أن قدرة الله في غنى عن هذه العلاقة، وكذلك جورج بركلي الذي لم ير أهمية في الكون سوى العقل  لاسيما العقل الباطن . ومنهم من ارتكز على فلسفات أخرى مثل مذهب اسبنوزا الذي اعتقد أن الله والكون والطبيعة جوهر واحد، ومذهب الأخير متعدد الولوج في قضايا ذهنية مملة تدور في فلك الجوهر والماهية والامتداد ومصطلحات أخرى لا تفيد.

ومن العجيب أن يدحض تلك الفلسفات التي ولدت وترعرت في أوروبا وسط غياب تام للحضور الديني اليهودي والمسيحي المفكر ماكس موللر، حيث أقر بأن البصيرة هبة عريقة في الإنسان، وأن هوس الإنسان بالنزوع إلى تلك التيارات الإلحادية هو محنة حقيقية للعقل البشري. وأكد على أن الإنسان يحتاج إلى التدين بصفة مستدامة.

والملمح الأبرز في تلك الفلسفات الإلحادية المعاصرة أنها لم تهتم بتهذيب وتدعيم السلوك والخلق الإنساني، وهو ما امتاز به الإسلام في الرقي والاعتناء بالخلق والسلوك والطبيعة الإنسانية بوجه عام. وبدلاً من أن تتيح الفلسفات الإلحادية التي انتشرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حرية التفكير ومرونة العقل جعلت الإنسان الأوروبي مكبلاً بالأغلال، حيث تركته فريسة سانحة القنص للقلق والتوتر والهوس الذي أدى به إلى الانتحار الجماعي .

والإسلام في ذلك عالج هذا الأمر معالجة حكيمة، حينما اهتم بالجانب التعبدي والجانب الأخلاقي للمرء، فاستطاع بالجانب التعبدي أن يصل بأطواره إلى حد الاكتمال من صلاة وزكاة وحج وصيام وغيرها من الشعائر التعبدية التي تسهم إسهاماً كبيراً في الارتقاء بالجانب الأخلاقي.

الإسلام والتعددية الدينية:

لم يكن الإسلام الحنيف يوماًَ ضد حرية الاعتقاد، بل كان داعياً إلى حرية المرء في اختيار عقيدته، ومن هنا تبرز سماحة الإسلام وعبقريته في آن واحد، وجاء ذلك بوضوح شديد في النص القرآني، حيث يقول الله تعالى  لا إكراه في الدين  ، والإسلام بذلك يقر حقيقة عظيمة للإنسانية وهي عدم إرغام المرء على ترك دينه ودخول دين جديد. ويؤكد النص القرآني ذلك مثل قوله تبارك وتعالى  فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  .

والدين الإسلامي كان الدين السماوي الحنيف الذي أقر بمبدأ التعددية الدينية، بل واعترف بها أيضاً. ومن منطلق هذا اعترف الرسول  باليهود ككيان واقعي بالمدينة المنورة، وإعطاء الفاروق عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الأمان والحرية الدينية للمسيحيين من سكان مدينة القدس العربية، وما فعله عمرو بن العاص بالأقباط حينما فتح مصر . بخلاف ما فعله الأسبان بأهل الأندلس المسلمين من قتل وصلب وحرق وتدمير.

وتؤكد كافة الكتابات التاريخية الإسلامية أن الإسلام كفل حرية النقاش الديني معتمداً في ذلك على مبادئ أصيلة مثل الحوار الجيد الخصب، واحترام الآخر، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى  ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  . وكم من مرة أشار القرآن الكريم إلى الدعوة الجادة  للحوار بين أهل الأديان مثل قوله تعالى  قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  .

وبالرغم من هذه السماحة والدعة التي منحها الإسلام للمختلفين معه عقدياً، تجرأ البعض من أهل الكتاب وغيرهم ممن تجردوا من نعمة العبودية لله بالهجوم على الإسلام والمسلمين، والطعن في العقيدة الإسلامية وتشويه معالم الإسلام السمحة.

ويبدو للبعض أن موجات الحقد والكراهية ضد الإسلام والمسلمين ظهرت حديثاً، أي منذ بداية القرن العشرين، لكن الحقائق والمؤشرات التاريخية توضح أنه منذ فجر الإسلام وتلك الموجات تتنامى وتتصاعد ضده، وضد القرآن الكريم بصفة خاصة. ولك أن تدرك المحاولات المستميتة والمسماة بالإسرائيليات لتشويه وتخريب الدين القويم.

والمدهش أنه وسط غفلة المسلمين في العصر الحديث والمعاصر، بدأت هذه الموجات التخريبية في وضع خطط منهجية منظمة للنيل من الإسلام وأهله، وبدأ هؤلاء المتآمرون على الإسلام بالتعاون مع أشكال الاستعمار والحركات الصهيونية في الكيد للإسلام وتخريب عقول أبنائه عن طريق الغزو الثقافي ومسميات التيارات الفلسفية والفكرية ومبادئ الحداثة والحداثوية .

وتمثلت هذه التيارات في حركات منحرفة ضالة مثلت الوجه القبيح للإلحاد والغلو الفكري والعقائدي، ومن المؤسف انتشار بعضها بالبلدان العربية والإسلامية انتشار النار بالهشيم وسط حيرة مستدامة من الشباب العربي المسلم الذي ترك نفسه صيداً سهلاً لمفاسد الإنترنت والفيس بوك المتغيرات الوافدة من الغرب والشرق والشمال والجنوب . وأعني بتلك الحركات والتيارات المنحرفة البابية والبهائية والقاديانية.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م ).

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

عبد الجبار الرفاعيتاريخُ وعي الإنسان وتكامله هو تاريخُ وعيه بأخطائه وتجاوزها، الحياةُ لا تُعلِّم إلا من يعترف بأخطائه. من لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، التعلّم هو فنُ الإصغاء والاستيعاب والتفكير، والاعترافُ بالأخطاء بلا شعورٍ بالخوف. كلُّ مَنْ لا يعترف بأخطائه ستُرغمه الحياةُ على تكرار فشله. الأخطاءُ أعظم معلّمٍ في الحياة لمن يمتلك شجاعةَ الاعتراف بالخطأ. مَنْ لا يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ لا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير ذاته، ولا يمتلكُ أيةَ قدرةٍ على تغيير العالَم، مَنْ يعجزُ عن ‏تغيير ذاته يعجزُ عن ‏تغيير العالَم. خوفُ الإنسان من التغيير خوفٌ من اعترافه بأخطائه.

  التربيةُ على الخوف من الخطأ والتنكّر له تضعف قدرةَ الإنسان على اكتشاف نفسه، والتعرّفِ على التضادّ في طبيعته البشرية ومواطنِ ضعفه وهشاشته، وتنسيه حالاتِ عجزه في شيخوخته ومرضه وموته. التنكّرُ للخطأ يرسّخ الغرورَ والطغيانَ والتكبّر والتجبّر عند كثيرٍ من الناس. اكتشافُ مواطن ضعف الكائن البشري ضرورةٌ يفرضها الفهمُ الواقعي لكيفيةِ بناء صلاته بما يحيط به، وتحديدِها في ضوء طبيعته البشرية، وبنيته السيكولوجية، وطبيعة تكوينه، وليس وفقا لما يتمناه، وتمليه عليه رغباتُه، وتقديرُه الموهوم لمواهبه، وما يخلعه على نفسه من قدرات واستعدادات زائفة.

  في مجتمعنا الفردُ غالبًا لا يُفكّر، الجمهورُ يُفكّر نيابةً عنه. المسؤوليةُ الفرديةُ مُستلَبة، أنت مسؤولٌ عن الكلّ من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك، والكلُّ مسؤولٌ عنك من دون أن تكون مسؤولًا عن نفسك. منذ أن يبتدئ مشوارُ الحياة مع الإنسان يمتدح الناسُ طاعتَه لاختيارات غيره له في: ما يأكله وما يلبسه، ما يحبّه وما يكرهه، ما يريده وما لا يريده. يريدون منه: أن يفكِّر لغيره، أن يفهم لغيره، أن يشعر لغيره، أن يتألم لغيره، أن يفرح لغيره، أن يحب لغيره، أن يكره لغيره، أن يتذكر لغيره، أن ينسى لغيره، أن ينجز لغيره.كلُّ ما يفعله الفرد في حياته هو إعادةُ إنتاجه لصورة غيره.

  في مجتمعنا يعاد استنساخُ صور متشابهة للبشر، تُستلَب فيها فرديةُ الكائن البشري ومسؤوليتُه. يتحدّث القرآنُ الكريم عن الفرد والمسؤولية الفردية في آيات متعدّدة، وردت في سياقات متنوعة، منها: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"1 ،  "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"2 ، "وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ"3 ، "مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"4 ، "وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" 5.

  لا معنى لمجتمعٍ تعدّدي من دون بناءٍ لمعنى الفرد. عندما يتحقّق معنى الفرد في أيّ مجتمع يتحقّق معنى التعدّد والتنوّع والاختلاف. يتشكّل معنى الفرد بعد أن تترسّخ تقاليدُ الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه. مالم ينشأ ويتشكّل وينضج مفهومُ الفرد في مجتمعنا، يظلُ المجتمعُ يفتقرُ لأشخاصٍ يمتلكون فرادةً في التعبيرِ عن مواهبِهم الخلاقة، والاعلان عن قدراتِهم على الإبداع والابتكار، وتميّزًا في مواقفهم المغايرة للتفكير اللامنطقي، والسلوك اللاأخلاقي.

 لا يمكن أن يتشكّل معنى الفرد في مجتمعٍ يفرض على الإنسان الخضوعَ والانصياعَ لكلِّ تقاليده وأعرافه، وألا يخرج على النموذج الواحد المشروع، الذي يمثّله: "الخليفة / السلطان / الشيخ"، وإن كان لا يصلح عقليًا وأخلاقيًا وسلوكيًا أن يكون قدوةً ومثالًا يُحتذى. "الخليفة / السلطان / الشيخ" يعزّز حضورُه وسطوتُه جهلَ المجتمع وعبوديتَه الطوعية، لذلك يرضخ أكثرُ الناس له بشكلٍ طوعي. يريد من الكلِّ أن يرون ما يراه، ويفكرون بما يفكر فيه، ويشعرون بما يشعر فيه، ويستسلمون لقرارته مهما كانت. "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ"6 . مثلُ هذا المجتمع تسود حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونوعٌ واحد يتكرر من المواقف، وسلوكٌ واحد الكلُّ فيه يكرّرُ الكلَّ.

 في  مجتمعنا تتجذّر تقاليدُ الإذعان والخضوع والطاعة العمياء، المشتقّة من:

 1. قيم البداوة والتقاليد القبلية المتغلغة في البنية العميقة لمجتمعنا.

2. نمط تديّن كلامي فقهي راسخ، يضمحلّ فيه حضورُ مقاصد الشريعة وقيمها المركزية، ولا يهتم كثيرًا بأهدافِ الدين المحورية، ورسالتِه في تكريس الحياة الروحية والأخلاقية.

3. استبداد سياسي مقيم، متجذّر ومتراكم عبر تاريخنا البعيد والقريب. الاستبدادُ عدوُّ معنى الفرد، الفردُ يستمدّ معناه من الاختلاف، الاستبدادُ يستمدّ معناه من التطابق. يبدأ الاستبدادُ بمختلف أنماطه حين تنشد التربيةُ والتعليم محوَ الملامح الخاصة للكائن البشري.

  الاستبدادُ يشدّد على الإذعان والانقياد والطاعة العمياء. كلُّ استبدادٍ ينشدُ إنتاجَ نسخٍ متماثلةٍ للكائن البشري. لا ينجز الاستبدادُ وعودَه إلا بمحو الفردية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..........................

* نشر في (تعدّديَّة) أيضا.

1- المدثر، 38.

2- فاطر، 18.

3- الأنعام، 64.

4- فصلت، 46.

5- الجاثية، 22.

6- غافر، 29.

 

عدنان عويدمدخل: لا يستطيع أحد أن يتجاهل دور الدين في حياة الإنسان (الفرد والمجتمع) بشكل عام، فمنذ أن وعي الإنسان نفسه وحضوره في هذه الحياة، راح يتساءل عن كل ما يحيط به من ظواهر وعن أسباب تأثير هذه الظواهر عليه، ولعدم وصول وعيه إلى كشف القوانين التي تحرك هذه الظواهر وإنتاجها، فرض عليه جهله هذا الخوف من هذه الظواهر، فراح يضفي عليها شيئاً من التقديس الذي أوصله إلى مرحلة عبادتها، بيد أنه، كلما استطاع أن يكتشف سراً من أسرار آلية عمل هذه الظواهر وتكونها وآلية حركتها عبر إنتاجه لخيراته المادية والروحية، أخذت قدسية هذه الظاهرة أو الظواهر التي اكتشف اسرارها تتهاوى وتفقد قدسيتها لتتحول إلى ظواهر عادية يتعامل معها بكل ثقة، ويعمل على تسخيرها لمصلحته.

من هذه المعطيات جاءت الارهاصات الأولية لتشكل الدين الطبيعي أو الفطري كحالة إيمانية استسلاميه لكل ما هو مجهول.

إن هذا الدين الذي ظل يشكل بسبب تعقد حياة الإنسان وغموض أسرار الكثير من ظواهر هذه الطبيعة والمجتمع التي تحيط به، المنهل الفكري لتشكيل الحيز الأكبر من وعيه، وبالتالي تفسيره للكثير من عمل ونشاط مفردات حياته في سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، وهذا الوعي، راح يتعمق أكثر فأكثر مع الديانات السماوية، الأمر الذي شكل فيما بعد إشكالية معرفية ليس لها حدود تتمثل في تصنيم وعي الإنسان ذاته (عقله)، وخلق حالات تناقضه تجاه ما يحيط به، أو يتعامل معه من ظواهر طبيعية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، وبالرغم من كل التطور الهائل الذي حققه هذا الإنسان في عالم التكنولوجيا والعلوم وعلى كافة مستوياتها، إلا أنه لم يزل محكوما بدرجة كبيرة بهذا العقل الديني. أي بتعبير آخر، لقد توجه وعي الإنسان (عقله) ما بين تفسير هذه الظواهر وحركتها وتبدلها وفقاً لما حققه العلم الوضعي من نتائج من جهة، وبين استمرارية آلية هذا التفسير وفقاً للخطاب أو الوعي الديني الذي اكتسبه الإنسان عبر تاريخه الطويل، والذي أصبح له حضوره الفاعل في لاوعي الإنسان ذاته من جهة ثانية.

إن هذا الوعي أو العقل الديني (المطلق أو المتعالي على الواقع)، أصبح له مؤسساته ورجاله الذين يعملون عبرها ليل نهار من أجل تكريسه وجعله وعياً حاضراً في حياة الإنسان اليومية المباشرة، وغالباً ما تشرف الدول والحكومات نفسها على دعم هذه المؤسسات ورجال الدين (المشايخ) وتقديم كل الدعم لهما طالما هما يعملان في المحصلة لمصلحتها، وهذا هو موضوعنا مقالتنا هذه.

السلطة والتوظيف السياسي للدين:

على العموم لا يهمنا هنا البحث في مفهوم الدين ومؤسساته وطريقة إنتاجه، بقدر ما يهما التركيز على مسألة استغلال الدين وتوظيفه من قبل السلطات أو الحكومات تاريخياً، خدمة لمصلتها و النتائج التي ترتبت على هذا التوظيف كما بينته ثورات الربيع العربي على سبيل المثال لا الحصر، والتي كان للخطاب أو الوعي الديني الدور الكبير في قيامها.

إن اتكاء السلطات الحاكمة على الدين وتسخيره لمصلتها ليس جديداً في تاريخ المجتمعات البشرية، فهو قديم بقدم تشكل السلطة ذاتها التي فُسرت أسباب وجودها تفسيراً دينياً، وراح الحاكم نفسه يضفي على نفسه صفة الألوهية، أو أن مسألة اختياره حاكماً هي أمر مقرر من عند الله، ووجد من هو قادر على  تسويق هذه الفكرة من رجال الدين الذين تعاملوا مع هذا الدين كحرفة منحتهم منذ البداية قوة معنوية لا حدود لها، بحيث استطاعوا فيما بعد ترسيخها بقوة مادية بعد أن التحموا بإرادة الحاكم الذي أغدق عليهم من الأموال والأطيان مقابل تحالفهم معه ومنحه شرعية السلطة والعمل على إقناع أفراد المجتمع بألوهيته، ما جعل رجال الدين هؤلاء يعيشون حياة الملوك ذاتها في عصور ما قبل التاريخ كما هو الحال عند الأشوريين والبابليين والأكاديين والفراعنة وغيرهم من مجتمعات تلك المرحلة، بل أن حياة هؤلاء كانت أكثر أمناً واستقرارا من حياة الملوك ذاتها، كونهم يسطرون على وعي الشعب والحاكم معاً.

إن وظيفة رجال الدين الموالين للسلطة توضحت معالمها منذ بداية علاقتهم النفعية مع السلطة، فرجال الدين هؤلاء عبر علاقتهم هذه، عملوا في الحقيقة على إقصاء حرية الإنسان باتجاهين هما:

الأول: هو جر المؤمن إلى الخضوع والتسليم للنص الديني المقدس، وبذلك أفقدوا الإنسان حرية التفكير والتعبير عن رأيه وقناعاته، أي بتعبير آخر عملوا على حجر عقل الإنسان واخضاعه لعقل مطلق خارج تاريخ الإنسان ذاته، بغض النظر عن طبيعة هذا العقل وسماته وخصائصه.

الثاني: موالاتهم للسلطان أو الحاكم، وبهذه الموالاة راحوا يدافعون بهذا الشكل أو ذاك عن هذا الحاكم تحت ذرائع دينية، كانت تقول في البداية بأن الحاكم هو الإله، ثم تطورت إلى أنه يمثل الإله، لتصل في نهاية التبرير هذا، إلى القول بالخوف من الفتنة إذا ما ثار الجمهور ضده، والفتنة هنا أشد من القتل.

من هنا ابتدأت العلاقة المصلحية التضايفية بين الحاكم ورجل الدين، ومن هذا العلاقة المصلحية استمرت العلاقة ذاتها وتمأسست حتى وقتنا الحاضر. فتاريخ السلطة لدى كل الشعوب ظل يشير إلى تلك العلاقة بغض النظر عن طبيعتها ودرجة عمقها التي تصل أحياناً إلى سيطرة السلطة الزمانية على السلطة الروحية (الدينية) وإخضاعها لإرادتها، أو سيطرة السلطة الروحية على الزمانية وتسييرها وفقاً لإرادتها، كما جرى في تاريخ الكنيسة الأوربية.

العلاقة البراغماتية بين السلطان ومشايخه في الخطاب الإسلامي:

أما في تاريخ الدولة الإسلامية، فالعلاقة بين السلطتين ظلت قائمة لمصلحة الخليفة الذي وظف الدين توظيفاً دينياً منذ قيام هذه الخلافة، على اعتبار أن بداية نشوء الدولة الإسلامية جاء مع الدعوة الإسلامية، لذلك لا نستغرب ذاك الاستغلال الواسع والعميق للدين من قبل الخلفاء وخاصة بعد انتهاء الخلافة الراشدية بالرغم من ان الخليفة الراشدي (عثمان هو من أسس لهذه العلاقة الحميمة بين الدين الإسلامي والسلطة عندما أرادت المعارضة منه أن يتخلى عن السلطة ورفض مطلقاً مقولته التاريخية المشهورة (هذا قميص البسنيه الله لي ولن اتخلى عنه). والأمر ذاته كرسه الخليفة الأموي معاوية في أول خطبة له عندما اعتبر خلافته أمراُ مقدراُ من قبل الله، وعلى الرعية الرضوخ لها باسم الدين ذاته حيث قال: (الأرض لله.. وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركت للناس فبضل الله..). (1)  وهذا ما سار عليه الخلفاء الأمويون جميعاً. ليأتي بعدهم العباسيون الذين برروا خلافتهم أيضاً بقدر إلهي كما أعلن (أبو جعفر المنصور) عند استلامه الخلافة  حيث قال: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه وحارس على ماله.). (2). ونتيجة هذا الاتكاء على الدين لتبرير السلطة، بدا الدين نفسه يفسر ويؤول وفقاً لهذه العلاقة، ما بين مؤيد للسطلة من رجال الدين، أطلق عليهم الجبريين، وما بين معارض للسلطة الذين أطلق عليهم القدريين، وكلاهما اتخذ من النص المقدس ما يبرر مواقفه الفكرية والعملية، الأمر الذي أساء للدين ذاته عندما راحت النصوص تؤول  والاحاديث توضع خدمة للسياسة والسياسيين.

العلاقة بين رجال الدين والسلطان في تاريخنا الحديث والمعاصر:

مع تاريخنا الحديث والمعاصر، بالرغم من تطور الحياة المدنية، وتشكل دولة المؤسسات، أو القانون، وانتشار مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والحرية والمواطنة، وتطور الوعي الإنساني ذاته مع تطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية والتربوية .. الخ، ظلت السلطات الحاكمة تعمل على استغلال الدين وتوظيفه خدمة لشهوتها في السلطة. هذا مع تأكيدنا هنا، على أن حالة الاتكاء على الدين ورجاله (مشايخه) في عصرنا الحاضر ظلت تمارس عبرها عملية التجهيل للمواطن وزرع قيم الامتثال والاستسلام للحاكم باسم الدين، وذلك لتبرير استمرارية سلطته من جهة، وللتغطية على مفساد السلطة ذاتها من جهة ثانية. وهذا يذكرنا بموقف لنابليون بونابرت يمثل في حقيقة أمره أو دلالاته ما يجري في تاريخنا الحديث والمعاصر من علاقات بين الحاكم والدين. وذلك عندما زاره العالم (لابلاس) وقدم له كتاباً عن الفضاء وحركات كواكبه وغير ذلك من علوم تتعلق بهذا الفضاء وفقاً لدرجة التطور العلمي  الذي وصل إليه العلماء آنذاك، وبعد أن قرأ نابليون الكتاب، استدعى مؤلفه ليسأله قائلاً:

- أين هو موقع الله من هذا الظواهر الموجودة في الفضاء؟ .

فرد لابلاس على سؤاله.

- ليس هذا من اختصاصي .

فقال له نابليون:

- إذهب وضع للإله مكانة في كتابك هذا، أم انك تريد للفرنسيين أن يقولوا إن كل مصائبهم من نابليون بونابرت!!.

بهذا الموقف النابليوني البراغماتي، يتبين لنا كيف يُستغل الدين من قبل السلطة لتحقيق مصالحها. هذا في الوقت ذاته، تقوم السلطة بإسم الدين نفسه أيضاً في محاربة الجماعات الدينية المسيسة التي تسعى للوصول إلى السلطة. فالأنظمة الحكومية  أو السلطوية غير الشرعية - وما أكثرها - التي تقاوم القوى الدينية المسيسة من خلال الدين، هي في النتيجة تتجه إلى الحقل الديني الأيديولوجي ذاته الذي تتكئ عليه القوى الدينية المسيسة المتطرفة، الأمر الذي يجعلها تنزلق تحت المظلة الفكرية التي تتظلل بها هذه القوى الدينية، وذلك يأتي عبر تنامي لغة المزايدة على الدين نفسه، من خلال ادعاء هذه الأنظمة بأنها هي من يمثل الدين والمتدينين معاً وليس القوى الدينية السياسية المتطرفة. وهذا التوجه نحو الدين من قبل السلطة التي تدعي (العلمانية)، ما يدفع تلك الأنظمة أن تتخلى مع مرور الأيام شيئاً فشيئاً عن مشروعها الفكري التنويري العلماني النهضوي التحرري الذي بشرت به قبل وعند استلامها السلطة، لحساب المشروع الفكري الديني القروسطي الامتثالي الاستسلامي. وتحت ضغط هذا التنازل، ستكون هناك بالضرورة تنازلات كثيرة من قبل هذه الأنظمة على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، وهي تنازلات ستكون مناهضة لمشروعها الأساسي الذي بشرت به عند وصولها إلى السلطة كما أشرنا قبل قليل، الأمر الذي يجعل مشروعها الفكري التنويري العقلاني في حالة طيران. فعند توجه القوى السياسية ضدها، نجدها تلجأ أو تعود لمشروعها التنويري النهضوي تتاجر به، وعند ما يتم انتصارها على هذه القوى السياسية الدينية المتطرفة، تعود إلى خطابها الديني الاستسلامي الامتثالي، الذي يغلب عليه التوجه الصوفي والأشعري المشبع بالجبرية.

إن هذا الموقف من التنازلات، هو الذي يدفع على سبيل المثال لا الحصر رجل الدين (مشايخ السلطان) أن يستغلوا أيضا حالات الاستقرار ودعم السلطة لهم، ليقوموا بتمرير ما ينافي أو يعارض المنطلقات الفكرية للسلطة القائمة والتحريض عليها دون علمها، كما جرى في سورية قبل الأزمة، حيث استغل الكثير من رجال الدين حالات دعم الخطاب الإسلامي بعد أحداث ثمانينيات القرن الماضي، حيث نجد  الشيخ (عبد الرحمن عيسى) يكتب في مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف السورية  حيث يقول: ( ... وبعد فإن منطلق الفكر الإسلامي من فحوى آيات الله في القرآن المجيد، المفسرة لحقائق الوجود، وليس في تطلعت المفكرين في الغرب، وخططهم الثقافية المبتورة والمجذومة، التي لم تُفتح باسم الله ولم يُوقع عليها رسول الله، فهي مردودة على ذويها لا لكونها باطلة أو غير صحيحة، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله المهين..) . ثم يقول في موقع آخر من المقال ذاته: (فإن إخفاق النظم الوضعية مؤشر على تقدم الإسلام ليؤدي دوره المرتقب والموعود ويشل فاعلية أهل الجحود، وليعطي البشرية دفقة حب وتصفية وعطاء بعد ليل كالح.). (3) واعتقد أن ما قامت به الفصائل المسلحة الإسلامية في سورية خلال هذه السنوات من دمار، هي نتيجة هذه الدفقات من الحب والعطاء التي كانت تبشر بها مجلة نهج الإسلام وكتابها، بعد إقصاء المشروع الفكري التنويري القائم على رؤى  تؤمن أو تقوم على النسبية والحركة والتطور والتبدل، لحساب حقائق مطلقة صالحة لكل زمان ومكان يبشر بها مغرمو الكتب الصفراء.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...................................

الهوامش

1-  عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام- المركز الثقافي العربي –ص.2

2- المرجع نفسه. 42

3- مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الوقاف السورية في العدد /24- 1986/ مقالاً بعنوان (الفكر الإسلامي – نحو نهج إلهي إنساني جامع)