حسين فاعور الساعديفي المقالين السابقين تحدثت عن "القيادة" وعن "الأمومة" عند مختلف أنواع القطعان وما طرأ عليها من تغييرات بفعل تدخل أصحاب الشأن الذين يريدون المزيد من إحكام السيطرة على هذه القطعان وجني المزيد من الأرباح منها.

في هذا المقال سأتحدث عن المجال الثالث الذي استخدم ووظف من أجل إحكام السيطرة الأبدية وهو "التغذية" الجسدية والروحية.

ثالثاً, التغذية: وظيفة الغذاء بناء الجسم وجعله ينمو ويتطور. وبدون الغذاء لا يمكن لأي مخلوق حي مواصلة الحياة. وبما انه من عناصر الحياة الرئيسية كالماء والهواء فإن التحكم به يعني التحكم بمستهلكيه من مختلف أنواع المخلوقات. وكما هو معروف فإن نوع الغذاء يؤثر على نفسية ومزاج من يتناوله.

ما يريده النظام الأحادي العالمي المتغول هو السيطرة والربح ودائماً المزيد من السيطرة والربح. في سبيل ذلك هو على استعداد لفعل أي شيء. وما هذه التي يسمونها دساتير وقوانين ونظم ومنظمات حقوق إنسان إلا أدوات للتغطية على وجهه الحقيقي البشع.

هذا النظام العالمي يستفرد بالشعوب وبالحيوانات على حد سواء ويضع الخطط والمشاريع لاستغلالها إلى أقصى حد ممكن. في مصانع الأسلحة ينتج الطائرات والدبابات والأسلحة ويفتعل الحروب من أجل أن تستعمل هذه الشعوب ما أنتجه في هذا المجال لتقتل بعضها. ولتحقيق ذلك يشيع ثقافة القتل بالمسلسلات والألعاب والأفلام وبتغذية الخواء الفكري وتنمية الثقافة الهابطة التي تروج للطائفية والفئوية والاثنية كمنطلق لحروب لا تنتهي لتظل مصانع السلاح تعمل ليل نهار. بالإضافة لاستغلال الثقافة في ترويض الشعوب فقد استعمل الدين أيضاً كأنجع وسيلة لتحجيم العقول وتضليل الشعوب وتنمية الصراعات فيما بينها.

أما مصانع الأغذية للحيوان فقد ركزت على تصنيع مختلف أنواع العلف التي تحوي مواد كيماوية تجعل الحيوان يدمن عليها ولا يستطيع الاستغناء عنها. ومواد كيماوية أخرى تجعل الحيوان يسمن بسرعة هائلة. ولتقليل النفقات وزيادة الأرباح فقد تم تقليص نسبة الحبوب في هذا العلف وإدخال فضلات الطيور كزبل الدجاج كمكون رئيسي في العلف. ولا أهمية للضرر الذي قد يسببه هذا العلف لصحة الإنسان الذي يتناول لحوم او حليب هذه الحيوانات. هذا النوع من العلف المصنع يؤدي إلى السمنة الزائدة عند القطيع ويؤدي إلى خموله وقلة حركته وهو المطلوب. الإدمان على هذا العلف يبعد القطعان عن المراعي التي تصبح غير ملائمة ولا تناسب شهيته فيضطر الراعي أو المربي للاعتماد على الأعلاف المصنعة .

وعند الإنسان لا يختلف الأمر كثيراً فكل المنتجات الزراعية التالفة يتم تصنيعها وتحويلها إلى مواد غذائية شهية بعد إضافة المواد الكيماوية لها من طعم ورائحة ولون. حتى الأشجار والنباتات الزراعية صاروا يسقونها من مياه المجاري المصفاة من اجل تقليص النفقات وزيادة الأرباح. لقد تعود الإنسان على تناول هذه المنتجات الزراعية المصنعة وأصبح يفضلها على المنتجات الطبيعية.

المقصود من كل ذلك هو خلق إدمان على هذه الأغذية المصنعة بهدف إبعاد الإنسان في هذه الشعوب المتخلفة عن الارتباط بالمنتجات الزراعية القادمة من الأرض مباشرة بهدف فك الترابط بينه وبين الأرض وتحويله إلى كائن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنتجات المصنعة، فالعمل في الأرض يحتم بقاء الترابط الأسري ويوفر الاستقلالية الاقتصادية.

ما تريده الدول المصنعة هو مجتمع مستهلك مفكك يتصارع فيما بينه ويحتاجها لتوفير السلاح الذي يحتاجه في هذه الصراعات التي لا تنتهي، ويحتاجها أيضاً لتوفير الغذاء له من أجل البقاء. هذا الوضع تحرص الدول المصنعة على استمراره وبقائه وتفعل كل شيء من أجل ذلك. وما فك ارتباط القطعان الحيوانية والقطعان البشرية مع الأرض إلا أحد الوسائل لتحقيق ذلك. من هنا يتضح لماذا تُمنع دول كثيرة كمصر على سبيل المثال من زراعة القمح، ولماذا تم حرق واقتلاع واحات النخيل في العراق.

لذلك إن كانت هذه الشعوب تريد التحرر وكسر هذه الحظائر من حولها فما عليها إلا العودة إلى بناء الأسرة السليمة المتماسكة التي تهيئ الأرضية لبروز قيادات طبيعية تمثلها، والعودة إلى العمل بالأرض لخلق الاكتفاء الذاتي الذي بدونه لا يمكن التحرر من الارتباط مع الخارج الذي يتدخل في كل شيء. هذا الخارج الذي يعامل شعوبنا كما يعامل قطعان الماشية التي يسوقها إلى المسلخ كلما احتاج.

 

حسين فاعور الساعدي

 

محمد الورداشياختار المحلل النفساني اللبناني، الدكتور مصطفى حجازي بحث البنية النفسية للإنسان المقهور والمتخلف، خلافا للأبحاث والاتجاهات التي تنطلق من تفسيرات اجتماعية، أو سياسية، أو بيولوجية، دونما الاهتمام بالبنية النفسية لهذا الإنسان من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، كما أنه انتقد هذه النظريات التي تنطلق من تحيزات وانتماءات وميول تهدف إلى احتقار هذا الإنسان المتخلف، ومن ثم، إثبات التفوق للإنسان الغربي الأبيض الصناعي، بالإضافة إلى كونها لم تراع خصوصيات هذا الإنسان العربي الذي يختلف عن نظيره الغربي في بنيته التكوينية، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم نفسية أم ثقافية، وذلك في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور".

ومن خلال قراءتنا للكتاب، سنقف في مقالتنا هذه عند النقاط التالية:

- ينطلق الكاتب في أطروحته من أن القهر والتسلط اللذين يمارسهما المتسلط والطبيعة على الإنسان، تكون نتيجتهما ظهور الإنسان المتخلف، المقهور والمقموع، والراضخ والقانع. ولئن نحن تركنا الطبيعة جانبا واكتفينا بالقهر والتسلط اللذين مصدرهما الإنسان، فإننا نجد أن الكاتب قد قفز على إشكالية كبيرة في التاريخ الإسلامي والعربي، أو تجنب الخوض في لججها علما أنها قد تقوم على بنية جدلية، هذه الأخيرة التي نعى الكاتب عدم وجودها في البنية الذهنية للإنسان المتخلف، والإشكالية هي: من الذي أتاح الفرصة للإنسان حتى غدا متسلطا؟ أهي الرعية التي رضخت واستكانت أم أن في المسألة قانونا فطريا متعاليا على المتسلط والرعية؟ هل المسألة تقف على حاكم جائر ومستبد، أم على وجود رعية فاسدة مستكينة أعدت الظروف والمناخ لظهور المتسلط المستبد؟ أم أن للاستعمار يدا في هذا المأزق، خصوصا بعدما ظهرت التقسيمات الإمبريالية لجغرافية دول العالم الثالث عامة، والعالم العربي خاصة، بغية استنزاف خيراتها وثرواتها؟

- تقوم دراسة حجازي النفسية الاجتماعية على كون القهر والتسلط هما سبب ظهور الإنسان المتخلف، وهذه الأطروحة نجد لها حضورا لدى ابن خلدون في مساق حديثه عن أن إرهاف حد الرعية مضر بالملك، حيث قال: "... فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ففسدت الحماية بفساد النيات وربما أجمعوا على قتله" (1). يتضمن هذا الكلام الأطروحة الجوهرية التي انطلق منها حجازي؛ إذ إن الملك، أو الحاكم أو المتسلط، القاهر يزرع الخوف والذل في نفوس رعيته، ومن ثم، ينعدم لديهم الضابط الأخلاقي، ولن يجدوا ملاذا لهم إلا في الكذب والمكر والخديعة، وهذا ما اعتبره حجازي أسلوبا من أساليب دفاع الإنسان المقهور عن اعتباره الذاتي. كما أن كلام ابن خلدون يتضمن أن الرعية قد تتحين الفرصة لقتل الحاكم الجائر، وهذا أيضا ما أورده حجازي من أن المقهور قد يهدف إلى قتل المتسلط أو السخرية منه، أو تدمير رموزه وقيمه في سبيل الانتقام والدفاع عن الذات المستلبة.

كما أن لابن خلدون رأيا آخر في كون ضرب المتعلم وقهره يفسد معاني الإنسانية لديه، وذلك أن "من كان مرباه بالعنف والقهر من المتعلمين... سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة، ولذلك صارت له عادة وخليقة، وفسدت معاني الإنسانية لديه"(2). فالمتعلم أو الرعية اللذان سطا بهما القهر، أي أذلَّهُما، يلجآن إلى الكذب والخديعة مما يفسد النفوس، ويفقدها معنى الإنسانية، ولعل هذا ما أورده حجازي في كون القهر يسلب  الإنسان إنسانيته واعتباره الذاتي.

- أورد حجازي أن الإنسان المتخلف من شدة القهر، يلجأ إلى التماهي، الجزئي أو الكلي، "بسلوك (المتسلط)، أو بخصائصه، أو بأدواته، أو بعدوانه"(3)، ولهذه الفكرة حضور في مقدمة ابن خلدون، حيث ورد أن: "المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل بسائر أحواله"(4). ومنه، فالمغلوب، والمقهور المتخلف، يتشبهان بالغالب، والمتسلط، إلا أن الاختلاف هنا، هو أن من يتشبه ويحاكي ويقلد يعتقد أن في الآخر كمالا، وهذا التشبه قد يكون بوعي أو بغيره، لكن حجازي ذهب إلا أن تماهي المقهور بالمتسلط يكون بدون وعي منه، لاعتقاد الأول أن الثاني هو النموذج الذي فشل الإنسان المقهور في إزاحته عن مكانه، وإنزاله من عليائه.

- تتخذ عملية ممارسة القهر والتسلط، عند حجازي، شكلا دائريا، بحيث إن المستعمِر يقهر ويضطهد المتسلط المحلي، الحكام والرؤساء، وهذا الأخير يضطهد المواطن المتخلف والمقهور، وهذا الأخير يضطهد بعضه بعضا من الأقوى إلى الأضعف، نجد لها حضورا لدى المفكر المغربي، المهدي المنجرة في كتابه" الإهانة في عهد الميغا إمبريالية"، إذ أشار إلى أن المستعمِر الخارجي يهين الدول النامية والمتخلفة، وهذه الدول تهين مواطنيها. ومنه، فالتسلط والإهانة مشتركان من حيث الحركةُ التنازليةُ، أي من أعلى هرم السلطة إلى الرعية، وشدةُ وقعها على الكائن الذي يوجد في أسفل القاعدة، لكن نظرتي المنجرة وحجازي تختلفان من حيث كونُ نظرة الأول أتت لتؤكد اتساع الهوة بين الحكام والمحكومين، وبين الأغنياء والفقراء في البلدان النامية والمتخلفة، في حين أن نظرة الثاني ذات بعد نفساني؛ تبرز لنا العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تكوين البنية النفسية والذهنية للإنسان المتخلف، ومن ثم، فإن النظرتين تتقاطعان عند نقطة الاستبداد والاستعباد اللذين يمارسان على الرعايا في البلدان المتخلفة.

هذه بعض النقاط التي تهدف إلى الجمع بين فكرتين مختلفتين من حيث السياق، ومتطابقتين في الهدف والغاية منهما. كما أن ثمة نقاطا أخرى نأمل أن نستعرضها في مقالة قادمة تهدف إلى قراءة بعض الأفكار الموجودة في كتاب الدكتور مصطفى حجازي، في ضوء السياق التاريخي والاجتماعي  بعد خروج هذه الدراسة إلى الوجود؛ لأن ثمة أفكارا حول الإنسان المتخلف نجد ما يعززها في عهدنا الراهن.

 

محمد الورداشي

.........................

(1) مقدمة ابن خلدون، إعداد محمد الشربيني، دار فروس للنشر والتوزيع، القاهرة، ص 214.

(2) فتحي حسن ملكاوي، بحوث المؤتمر التربوي ج2: مؤتمر نحو بناء نظرية تربوية إسلامية معاصرة، الشركة الجديدة للطباعة والنشر، عمان 1991، ص180.

(3) مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، ط 2005، ص242.

(4) سبق ذكر المرجع، ص167

 

 

محمود محمد علينجحت كثير من الدول في تطويق فيروس كورونا المستجد الذي أودي بحياة ما يقارب 348 ألف شخص في مختلف أنحاء العالم (حتي تاريخ كتابة المقال)، وبدأ يتنفس سكان مدن أوربية وعربية وأسيوية الصعداء، وذلك في ظل تدابير تخفيف العزل التي أعقبت إجراءات إغلاق صارمة يسود قلق في مناطق أخري من العالم كأمريكا اللاتينية التي باتت بؤرة الفيروس الجديدة ومنظمة الصحة العالمية ولا يزال الجدل مستمرا يؤيدون تخفيف القيود ويتحدثون عن الرغبة في وقف نزيف الوظائف ويستشهدون بانتعاش بورصات وأسعار النفط .. أما المعارضون فحجتهم المخاوف من موجة ثانية للفيروس ومن خطورة الاعتماد فقط علي وعي المواطن في أمر يتعلق بالصحة والمصلحة العامة..

لا تحتمل اللامبالاة الحياة في زمن كورونا .. لا يهم إن كنت في باحة مقهي لم ترتاده أكثر من 10 أسابيع، أو في البحر بصدد الاستمتاع بنسيمه العليل بعد عزل صارم وطويل، فقواعد التباعد الاجتماعي مثل المسافات الفاصلة بين الأشخاص والكمامات تبقي ملزمة .. ففي مدينة برشلونة ومدريد الإسبانيتين  وفي الدول الأوربية التي بدأ معظمها فعليا في الرفع التدريجي من حالة الإغلاق، لتذكرهم أن تخفيف العزل للذي اختبروه قابل للتراجع عنه في أية لحظة تستلزم ذلك ..

قد تكون هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تمتلكها السلطات السياسية في دول العالم، وهي تأمل أن تكون بمثابة بوصلة أمان لخطوات رفع الإغلاق التي تنفذها .. عدا ذلك وفي مواجهة فيروس لا لقاح له ولا علاج له حتي الآن، لا تزال استفهامات كثيرة بشأنه دون رد علمي ثابت .. هل ستكون هناك موجة ثانية للجائحة وما هي خصائصها ؟ .. متي يمكن رفع الإغلاق ؟ .. هل انحسار العدوي مع استمرار ارتفاع عدد الإصابات كافي لاتخاذ هذا القرار ؟.. أبعد من ذلك ذهبت وسائل إعلام أمريكية إلي حد التساؤل في تهكم  مرير عن عدد وافر من الوفيات المسموح بها لرفع الحجر الصحي التام، وذلك علي ضوء توجه الرئيس الأمريكي "ترامب" نحو إعادة مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بلد بتصدر العالم في عدد الوفيات بنحو أكثر ثلاثمائة ألف وفاة ..

حددت منظمة الصحة العالمية معايير لمساعدة أصحاب القرار في العالم علي إدارة أزمة كورونا، لعل أهمها : ضرورة أن تكون إجراءات رفع الحجر التام تدريجية وقابلة لوقفها، مع احترام تدابير للتباعد  الاجتماع، وتكثيف جهود الفحوص ورصد خارطة انتقال العدوي للمصابين والمخالطين، واعتماد اجراءات اجتماعية لمساعدة الفئات المصابة والأكثر عرضة للفيروس، والرفع في طاقة استيعاب المستشفيات لتكون جاهزة في حالة تفشت موجة جديدة ..

ويبقي تمثيل هذه المعايير منوطا بإمكانيات دول متفاوتة ووضعها الاقتصادي .. في هذا السياق يمكن قراءة رفع اليابان حجرا تمهيديا لخطوات إنعاش اقتصادها المصنف ثالثا عالميا، وكذلك خيار دول عربية أخري، وخاصة منها تلك التي تشكو من ضعف منظومتها الصحية التريث قبل اتخاذ مزيدا من خطوات الانفتاح ..

ومما يزيد مشهد اليوم التالي من مرحلة الحرج الصحي التام ضبابية، بروز دراسات تستبعد قضاءاًَ نهائياً علي الفيروس وترجح تعايشه معنا، وهو ما يعني أن تتحول كل هذه التدابير التي تأمل البشرية أن تكون مؤقتة إلي تدابير دائمة، فالفيروس قد ينحسر وفق هذه الدراسات ولكنه سيبقي هنا ..

ولذلك اختارت بعض الدول، مؤخرا، أن تخفف القيود المفروضة لتطويق فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، في مسعى إلى إعادة الحياة للاقتصاد الذي أصابه الشلل، لكن إعادة الافتتاح صارت تنذر بـ"انتكاسة" وعودة منحى الإصابات إلى الارتفاع ؛  فقد سجلت ألمانيا، مثلا، وهي بلد تعامل مع الوباء على نحو "ناجع"، ارتفاعا في معدل انتقال الإصابة، أي أن الشخص المصاب في البلاد صار أشد عدوى وفقا لصحيفة "الغارديان" البريطانية، وأورد المصدر أن هذا المعدل الذي يعرف في الوسط الطبي بمعدل إعادة إنتاج الفيروس ويتخذ رمز "R" قفز إلى 1.1 في المئة، بعدما كان أقل من ذلك، لكنه تفاقم بعد أيام قليلة من تخفيف القيود المفروضة بسبب كورونا.

أما كوريا الجنوبية التي نجحت بشكل كبير في تطويق الفيروس، بعدما كان ثاني بلدان العالم من حيث عدد المصابين، في فبراير الماضي، فصارت تلاحظ أيضا ارتفاعا في عدد من يصابون بفيروس كورونا؛ وفي أحدث قرار لكبح انتشر فيروس كورونا في البلد الآسيوي، أمرت سلطات العاصمة الكورية الجنوبية سيول بإغلاق الحانات بعدما كانت تلزمُ المحلات بإجراءات أخف، في وقت سابق، من خلال مراعاة مبدأ التباعد الاجتماعي وتفادي الاكتظاظ، لكن من دون إغلاق شامل.

وتم اتخاذ هذا القرار بعد تسجيل ما يقارب 20 حالة مرتبطة بشاب في التاسعة والعشرين من عمره سبق له أن قضى وقتا في خمس حانات داخل العاصمة، خلال نهاية الأسبوع الماضي، وتجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في العالم حاجز أربعة ملايين، فيما تجاوزت حصيلة الوفيات 280 ألفا، في ظل غياب أي لقاح ناجح للوقاية من العدوى التي ظهرت في الصين، أواخر العام الماضي.

في غضون ذلك، ذكرت صحيفة "صنداي تايمز" أن حصيلة الوفيات الناجمة عن كورونا في البلاد قد ترتفع إلى 100 ألف، في حال رفعت القيود على نحو سريع، وتأتي هذه التحذيرات فيما يستعد رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لإعلان خفض تدريجي للقيود لكن العلماء يحذرون من موجة تفش ثانية، إذا تم التراجع عن الإجراءات الصارمة.

أما في السويد التي راهنت على ما يعرف بـ"المناعة الجماعية" أو "مناعة القطيع" لأجل السماح بإصابة الناس في نطاق محدود بالفيروس حتى يكتسبوا مناعة ضد المرض، مقابل حماية كبار السن باعتبارهم الأكثر عرضة، فأقرت الحكومة بأنها فشلت في حماية هذه "الشريحة العمرية" ووصفت ما حصل بـ"الفشل الجماعي".

وتشير الأرقام إلى أن 90 % من حصيلة وفيات كورونا في السويد سجلت لأشخاص تجاوزوا السبعين من العمر، وهذا الأمر دفع حكومة البلد الأوروبي إلى تقديم اعتذار عن عدم حماية كبار السن على النحو المطلوب، وتجد حكومات العالم نفسها أمام خيارين صعبين، فإما أن تخفف القيود حتى تسمح ببعض التعافي في الاقتصاد، أو أن تتشبث بالإجراءات الوقائية المشددة، مما يعني ارتفاعا مهولا في معدل البطالة وتراجع الإنتاج.

والسؤال : ما الذي يبرر هذه الإجراءات أو الاتجاه إلي رفع الحجر تدريجياً والحد من إجراءات الإغلاق؟ وهل الظروف مواتية ومهيأة الآن لمثل هذه الخطوة؟

اعتقد أنه من الذكاء بمكان لهذا في دول كثيرة؛ حيث كل دولة تتخذ قرارها بنفسها وفق المناطق المختلفة علي نحو بطيئ وكأنك تضع قدمك في مسبح، وتحاول أن تتحسس حرارة المياه، ومن ثم تغطس وتفقز في المياه، وبالتالي درجة بعد درجة وعلي نحو ذكي تدريجي يمكننا الوصول إلي مبتغانا، فما يحدث في دولة ما قد لا يتفق مع دولة أخري ؛ فمثلا في ألمانيا واليابان وبلجيكا أكدت وسائل إعلام رسمية أن تلك الدول سمحت بفتح الحدائق العامة والشواطئ الخاصة بالفنادق أمام النزلاء، كما سمحت باستئناف رحلات الترام ووسائل النقل البحرية، وممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية في الأماكن المفتوحة فقط، بحيث لا يتعدى عدد الأفراد خمسة، وستظل المساجد ودور السينما والشواطئ العامة والملاهي الليلية مغلقة وذلك في ظل تخفيف تدريجي للقيود المفروضة لمكافحة فيروس كورونا.

وقالت رئيسة وزراء بلجيكا صوفي وليمز خلال مؤتمر صحفي بعد مناقشات استمرت سبع ساعات يوم الجمعة إن بلجيكا قد تشدد القيود أو تؤجل تخفيفها اعتمادا على الوضع الصحي.. وتابعت: "حان الوقت الآن للنظر إلى المستقبل، ولكن كوفيد لم يتلاش فالفيروس ما زال معنا وخطر على السكان. من الضروري تماما احترام تدابير السلامة خلال الفترة التدريجية". وأضافت وليمز إن بلجيكا ستحتاج لإجراء ما بين 25 ألفا و30 ألف اختبار يوميا للخروج من العزل العام.. وابتداء من الرابع من مايو/أيار سيتم السماح لعدد أكبر من الأعمال التجارية استئناف نشاطها. وسيتم السماح للناس بلقاء شخصين لا يعيشان معهم لدى خروجهم والحفاظ على مسافة بين الشخص والآخر..

وسيتعين على البالغين والأطفال الذين يبلغ عمرهم 12 عاما بوضع كمامات في وسائل النقل العام. وللمساعدة سيتم السماح بإعادة فتح المتاجر التي تبيع أقمشة ولوازم الخياطة. وبعد ذلك بأسبوع سيتم السماح بإعادة فتح كل المتاجر بموجب أوضاع تباعد اجتماعي صارمة.

ولا أريد من هذا الاستطراد إلا أن أؤكد بأن التخفيف دون دراسة وبحث ورويه له عواقب وخيمة لا يتحمل تبعاتها إلا البشر، ولذلك علي الحكومات أن تعي ذلك.. وللحديث عن كورونا بقية في مقبل الأيام..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

المراجع

1- قناة الجزيرة: الحصاد- جائحة كورونا.. بين التخفيف والإغلاق (يوتيوب).

2- قناة العربية : كورونا.. بلجيكا تستعد لتخفيف تدريجي للعزل بدءاً من 4 مايو (تقرير)

3- قناة العربية نيوز : دول تعاني "انتكاسة كورونا" بعد رفع "جزئي" للقيود (تقرير)

4- قناة DW  كورونا في ألمانيا- تخفيف تدريجي جديد للقيود على الحياة العامة (تقرير)

 

رجاء موليواحتلت مسألة علاقة الدين بالدولة مكانة هامة في الجدال بين الإسلاميين وغيرهم من أصحاب الديانات السماوية المحرفة؛ وذلك لأسباب تمثلت في اعتبار أن ربط الدين بالدولة يقف حاجزا أمام النهضة العلمية، وكذلك يؤدي إلى قمع حرية الفكر والحريات السياسية؛ لأن الدين يعتبر الله هو مصدر التشريع لذلك نجد الدول الغير الإسلامية وكذلك بعض الدول الإسلامية ترفع شعار العلمانية رغبة منها في التحرر من قيود الدين .

دين الدولة وأحيانا يطلق عليه "الدين الرسمي للدولة" وفي بعض البلدان "الكنيسة الرسمية للدولة" هو عقيدة دينية أو معتقد ديني تتبناه دولة ما بشكل رسمي في دستورها، وعمليا الدولة التي لا دين لها تعد دولة علمانية.

وسوف نتطرق لعلاقة الدين في تشكيل الدولة هل له موقف السلب أو الإيجاب؟

"يؤكد تاريخ اليهودية والمسيحية كتجسيدين للثورة التوحيدية هذا التناقض العميق والدائم بين الدولة والدين، أو عدم تفاهمهما وتوافقهما . فهو يظهر في اليهودية ضياع الدين في  الدولة ويظهر في المسيحية ضياع الدولة في الدين . وكما أدى ضياع الدين في الدولة إلى تحويل اليهودية إلى طائفة بامتياز؛ وجعلها تتعرض كقبيلة دينية معزولة ومنعزلة في العالم،  وبالرغم من عالمية رسالتها[1]، فقد أدى ضياع الدولة في الدين إلى تفكيك الاجتماع المدني وسيادة التمييز والفوضى وزوال القانون، وارتداد الحقيقة الدينية إلى فكرة روحية صرفة".[2]

من هنا يتبين أن ضياع الدين في الدولة اليهودية أو المسيحية كان بسبب سوء فهمهم للدين؛ باعتباره أنه يشكل عقبة وعثرة في تقدم العلوم والفنون والمؤسسات التي تقوم عليها الدولة، لذلك رأوا بفكرة الفصل أي العلمانية؛ وهي تتمحور في فصل السلطات الدنيوية عن الدينية، بحيث أن الدين لا علاقة له بالدولة وبهذا يتحقق التقدم لكنه تقدم ظاهري لأنه غير مبني على أسس صحيحة .

يرتبط مصطلح "الكنيسة الرسمية للدولة" بالديانة المسيحية، تاريخيًا مع نشأة الكنيسة الرسمية للدولة. في الإمبراطورية الرومانية، ويستخدم أحيانًا للدلالة على فرع معين وطني حديثة للمسيحية.

دين الدولة هي دولة ذات مؤسسات رسمية أو حكومة دينية، ولكن الدولة ليست بحاجة إلى أن تكون تحت سيطرة الكنيسة (كما هو الحال في النظام الثيوقراطي)، ولا الكنيسة الذي تقرها الدولة بالضرورة أن تكون تحت سيطرة الدولة.

المؤسسة الدينية التي ترعاها الدولة، وجدت في العصور القديمة مثل الشرق الأدنى القديم وعصور ما قبل التاريخ. كانت أول دولة مسيحية هي أرمينيا والتي اتخذت الكنيسة الأرمينية الرسولية دينًا رسميًا، وذلك في عام في  301.

"لا تكون الدولة الإسلامية دولة للشريعة، ولا تكون شريعة هذه الدولة هي الشريعة الإسلامية إلا لدى وعي يقيم الأوامر والجسور بين الدين والدنيا، بين العقيدة والشريعة، فلا يفهم العلاقة بينهما إلا من حيث هي علاقة وصل واتصال، لا علاقة فصل وانفصال على نحو ما تذهب إلى ذلك مقالات قسم كبير من المثقفين العلمانيين[3]، ولأن الدفاع عن فكرة الوصل بين الدين والسياسة (الدولة)، فقد كان من نشأته أن يتخذ شكل مساجلة بين دعاة تطبيق الشريعة – من المفكرين الإسلاميين المعاصرين – وبين دعاة فصل الدولة والسياسة عن الدين ممن اصطلح على تسميتهم بالعلمانيين، أو "اللائكيين"[4] كما يحلو للداعية الإسلامي الشيخ عبد السلام ياسين[5] أن يطلق عليهم ".[6]

انطلاقا من هذا النص يتبين أن الدولة الإسلامية تتخذ من الشريعة والعقيدة أسسا أوليا في تنظيمها للدولة، فهي لا تقيم حاجزا أو فاصلا بينهما، فعلماء الإسلام يعتبرون الجمع والتوفيق بين الشريعة الإسلامية وسلطات الدولة من بين أولويات نجاح وتقدم الدولة الإسلامية، وبذلك فهم يبتعدون عن الفكر الغربي في اعتبار الدين بعلاقته بالدولة عنصرا سلبيا لتقدمها.

وعليه فإن الدين الذي حاول الغربيون ربطه بالدولة دين اضطهادي لأنه اتجه إلى الحريات مما جعل الناس يتجهون نحو الخرافة، عكس ربط الدين بالدولة الإسلامية أدى إلى تحقيق أهداف ايجابية تمثلت في تحقيق الكرامة والعدالة بين الإنسانية وحماية الحقوق والواجبات، والدين في أوربا اقتصر على طبقة خاصة وهم رجال الدين، مما أدى بهم إلى التلاعب بمصائر الناس مثل " صكوك الغفران " .

عكس الإسلام فالدين الإسلامي لكل فرد فلا واسطة بين الخالق والمخلوق، أما العلماء فيتمثل دورهم في النصح والإرشاد وحماية العقيدة من التأويلات الفاسدة.

 

رجاء موليو - المغرب

طالبة دكتوراه

.............................

[1] - نقد السياسة الدولة والدين، برهان غليون، ص:62.

[2] - نفسه، ص:62.

[3] - العلمانية: هي " الفصل بين الدين والدولة " أي أنها تعترف بالدين ولكنها لا تعتمد عليه في تشريعاتها وقوانينها .

[4] - اللائكيين: هي "اعتبار الدين اختيار شخصي" "ولا دين للدولة" ... مثلا الأعياد الدينية غير معترف بها، ورمضان مثل باقي الأيام في توقيت العمل وفتح المقاهي والمطاعم، وتنظيم الحج ليس من مشمولات الدولة، والإرث متساوي بين الرجل والمرأة ... يعني قطع تام مع الدين .

[5] -عبد السلام ياسين: ولد في شتنبر 1928، وكان قد قيد حياته موظفا سابقا في وزارة التربية بالمغرب، ثم أستاذا وداعية إسلامي، تلقى دروسه التعليمية الأولى في مدرسة بمراكش أسسها المختار السوسي . في 1947 التحق بمدرسة تكوين المعلمين بالرباط، وحصل سنة 1956 ببيروت على دبلوم التخطيط التربوي بامتياز . وفي شتنبر 1987 تم الإعلان عن تأسيس جمعية " الجماعة الخيرية " "جماعة العدل والإحسان" مرشدها عبد السلام ياسين . له العديد من الؤلفات في السياسة والدين نذكر منها الإسلام بين الدعوة والدولة، والمنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا وغيرها من المؤلفات . توفي يوم الخميس 13 دجنبر 2012م com\.hespress

[6] - الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، عبد الإله بلقزيز، بيروت، 2002م، الطبعة الأولى، ص: 148-147.

 

 

حاتم السروييخرج علينا بين الحين والآخر بعض المفكرين والكتاب، ومن جهة أخرى بعض المشايخ الفضلاء على شاشات القنوات الفضائية أو على صفحات الجرائد وهم يتحدثون عن موقف الدين وعلماءه من النظر العقلي وتحريمهم القاطع من وجهة نظرهم للفلسفة وعلومها، وحقيقة الأمر أن البحث في تاريخ المسلمين بل في واقعهم – وهذا ما سوف نوضحه- يبعدنا عن تصديق هذا الرأي أياً كان مصدره سواءً قال به بعض المنتسبين إلى التنوير أو ذكره المتطرفون دينياً؛ إذ أن تحريم الفلسفة لم يكن موقفاً عامًا يلتزمه كل علماء الدين بل إن الغزالي نفسه وهو الذي كتب "تهافت الفلاسفة" لم يحرم الفلسفة جملةً من غير تفصيل وسوف نعرض تفصيلياً لرأي الغزالي وفتواه الشهيرة بتكفير الفلاسفة، ولكن بعد أن نعي أولاً تلك الحقيقة الغائبة وهي أن الفلسفة عند المسلمين لا تعد جريمة فكرية كما يحلو للبعض أن يدَّعي، ولم تؤثر إطلاقًا تلك الحملة الشعواء التي أطلقها ابن تيمية على موقف المسلمين من المنطق الذي هو العمود الفقري للفلسفة؛ فظل الشافعية والأحناف يتعلمون المنطق ويعلمونه بغير نكير؛ إلا إذا كان النكير هو بعض الحنابلة وليس كلهم!.

 والمدهش أن حملة الغزالي نفسه لم تقضِ على دراسة الفلسفة والبحث فيها، ببساطة لأن الغزالي نفسه كان فيلسوفًا! هل أقول هذا من عندي؟ أبدًا؛ وإنما هذا الرأي هو الرأي الذي استقر عليه كبار الأساتذة في مجال الفلسفة الإسلامية ومنهم الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه الذي طبعته مؤخرًا مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة وهو بعنوان (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيق) وهو رأي لم يأتِ من فراغ وإنما يستند إلى واقع تاريخي يؤكد أن الغزالي حارب الفلاسفة بالفلسفة أي بالنظر العقلي المحض وماله من قوانين وأدوات، ثم إنه قد برز في التصوف وعلم الكلام؛ وهما ولاشك من فروع الفلسفة، أو فلنكن أكثر تحديدًا فنقول أنهما يشكلان معًا خلاصة الفلسفة الإسلامية.. والحق أن الغزالي لم يحارب الفلسفة بما هي كذلك وإنما حارب (المشائين العرب) أو أتباع أرسطو من المسلمين: الفارابي، ابن سينا، الكندي... وغيرهم.

 ويقول الدكتور/ توفيق الطويل في كتابه الماتع "قصة النزاع بين الدين والفلسفة" الذي أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طبعه مؤخراً ضمن سلسلة الفلسفة، إذ يقول الطويل في صفحة 112 ما نصه: " ولكن من الإنصاف لهذا الرجل أن نقول إنه مع عدائه للعقل ومحاولته دحض الفلسفة لم يُحرِّم الفلسفة جملةً من غير تفصيل لأن " الخلاف بينهم وبين غيرهم من الفرق ثلاثة أقسام: قسمٌ يرجع النزاع فيه إلى اللفظ، وقسمٌ لا يصدم مذهبهم فيه أصلاً من أصول الدين، والقسم الثالث ما يتعلق النزاع فيه بأصلٍ من أصول الدين، كالقول في حدوث العالم وصفات الصانع وبيان حشر الأجساد والأبدان" ثم يعقب قائلاً في تهافته " فهذا الغش ونظائره هو الذي ينبغي أن يظهر فساد مذهبهم فيه دون ما عداه". ثم إن الغزالي على ما أشرنا من قبل يشكو في "معيار العلم" وفي "المنقذ" من نفرة رجال الدين من الحساب والمنطق لمجرد أنهما من علوم الفلاسفة الملحدين، وهو يقرر أن الرياضيات مفيدةٌ في ذاتها وأنها في أصلها لا تتعلق بالدين نفياً أو إثباتا ".

ولنا تعقيب على قول الدكتور توفيق الطويل في هذا المقطع "إنه مع عدائه للعقل" لأن الغزالي لم يعادِ العقل وإنما عادى (الفلاسفة) أتباع أرسطو أو هؤلاء الذين مزجو بينه وبين أفلاطون – وأفلوطين أحيانًا- وهم لا يملكون الحق الحصري والوحيد في تمثيل الفلسفة، وإنما هم فئةٌ من العلماء، لهم وعليهم، ونقدهم لا يعتبر جريمة، وإن كان الغزالي قد استخدم خطاب التكفير في بعض المسائل فنحن لا نأخذ منه كل ما يقول فلا عصمة بعد النبوة؛ وبالتالي نحن لا نكفر أحدًا طالما لم يعلن صراحةً عدم إيمانه لأن التكفير سلطة لا نملكها، وأيضًا فإن الغزالي رحمه الله قد أسهب في ذم الفلاسفة ونسب إليهم كل تهمة بما يجعلنا لا نتفق مع هذا المنحى في البحث؛ لأنه في الحقيقة ليس من طبيعة البحث العلمي، وإنما هو حكم عقدي يرتدي فيه الغزالي زي الشيخ بعد أن ارتدى زي الفيلسوف، وفي إطار البحث الفلسفي ما يمكن أخذه من أبي حامد هو الفلسفة أما التكفير والهجوم فهذا لا شأن لنا به، ويبقى رغم ذلك أن نحترم ابن سينا ومجهوده لأنه من أحد أهم وأكبر مفاخر حضارتنا الإسلامية فهو الشيخ الرئيس، رئيس الأطباء والفلاسفة أيضًا، ورغم هذا فانتقاد الغزالي له في جانبه الفلسفي لا يحسن بنا إهماله، فقط نهمل دعاوى التكفير.

ونقول لقد عرف العالم الإسلامي على مدار تاريخه إلى جانب المشائين الذين هاجمهم الغزالي رجالاً أفاضل جمعوا بين علم الشريعة واحترام النظر العقلي ومحاربة الجهل والجمود واهتم علماء العقائد أو المتكلمون بالمنطق واحتلت متونهم فيه مكانها في التدريس بجوار العلوم الإسلامية المعروفة ونجد في هذا الإطار مصنفات الأبهري والكاتبي ومتن السُّلَّم المنورق في علم المنطق للإمام الأخضري، ولسنا من المنكرين لحقيقة الهجوم الشرس على المنطق وأهله غير أن التاريخ يثبت لنا أن كل هذا قد ذهب أدراج الرياح، بل إن علم الكلام على ما نعرف كان يستند منذ القدم في إقامة مقدماته وقواعده على فلسفة أرسطو وراح يبني عليها ويطور نفسه من خلالها وبالأخص منذ أيام الإمام فخر الدين الرازي المتوفي سنة 606 هـ وما أكثر ما وضعه المسلمون في المنطق من تعليقاتٍ وشروح بل إنهم نظموه شعراً حتى يسهل حفظ مبادئه على الطلاب وهو بالطبع شعرٌ تعليمي لا نعده من الفن والأدب ولا يصدق عليه وصف الشعر إلا من باب التجاوز وأهل النقد لا يعدونه شعرا.

 وهناك حقيقة عامة وهامة وهي أن ضعف الإقبال على تعلم المنطق والكلام والعلوم الذهنية وضعف مستوى ما كتب فيها إنما جاء في سياق الضعف الثقافي العام الذي أصاب المسلمين في العصر العثماني، ونحن لا يعنينا في هذا المقال أن ندافع عن الأتراك أو نهاجمهم فلهذا مقامٌ آخر، وإنما الذي يمكن أن نقوله الآن ولا نعتقد أنه محل خلاف هو أن العصر العثماني كان بلاشك عصر الضعف العلمي، سواءً في الفقه أو في الكلام أو في المنطق، وفي المقابل ساد اللامنطق وشاعت بين الناس كتب اليازرجا والطلاسم وفتح المندل، وبعد أن كان العامة يتحصنون بالآيات والأدعية صاروا يستعينون بالأحجبة والتعاويذ، وبذلك لم يتراجع المنطق وحده بل تراجع الدين أيضًا!.

وما قيل في المنطق الذي لم يحرمه أو يجرمه إلا قلة من أهل التشدد يمكن قوله في علوم الأوائل أيضاً (وهي دائرة المعارف التي اكتسبها العرب من ترجماتهم لتراث اليونان بما فيه من فلسفة وميتافيزيقا ورياضيات إلى غير ذلك من العلوم النافعة) وبهذا نعي حقيقة أن المتعصبين لم يفلح تزمتهم في القضاء على الدراسات والبحوث العقلية وإن كانوا قد استطاعوا أن يلحقوا الأذى ببعض المشتغلين فيها، وهذا ما سوف نتبينه من الإطلالة التاريخية التي نعرضها كما يلي.

بدأت حركة الترجمة عن السريانية واليونانية في العالم الإسلامي منذ فترةٍ مبكرة وعرفت نشاطاً واسعاً ومحموداً في العصر العباسي الأول حيث اهتم هارون الرشيد بالعلم والثقافة وجاء من بعده ولده المأمون فقرأ كتب الفلاسفة وتأثر بأرسطو ولعل هذا ما حبب إليه أفكار المعتزلة، وبعد ترجمة كتب اليونان تأثر بهم بعض المسلمين فاشتغلوا بالفلسفة وذهب الجمهور منهم إلى القول بتشابه الفلسفة مع الدين من حيث الغاية المنشودة فكلاهما يرمي إلى تحقيق (السعادة) عن طريق اعتقاد الحق وعمل الخير، وقال الفلاسفة المسلمون إن موضوعات الفلسفة والدين واحدة لأن مصدرهما واحد فهما يفيضان عن واجب الوجود على عقول البشر عن طريق العقل الفعال لأن جميع المعارف ما كان منها بوحيٍ أو بغير وحي تصدر عن واجب الوجود عن طريق العقل الفعال، وكلٌ من الدين والفلسفة يعطي المبادئ القصوى للموجودات.

وكان أكبر هم الفلاسفة المسلمين أن يوفقوا بين الدين والفلسفة في أسلوب قال عنه الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الأسبق / مصطفى عبد الرازق في كتابه " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" أنه ليس فيه غالباً شيء من العنف ولا النزوع إلى الكبرياء وإن كان بعضهم فيما يبدو لنا من أسلوبه يعمد إلى مهاجمة الدينيين، وكانت محاولة التوفيق هذه هي مناط الجِدَّة وموضع الابتكار الذي قدمه فلاسفتنا فاستحقوا به أن تكون لهم حقوق ملكيةٍ فكرية إن صح التعبير ويرى بعض المستشرقين أن توفيقهم بين الدين والفلسفة أفضى بهم أن ينقلبوا مبشرين بالإسلام ودعاةً له.

ومع كل ما سبق حاربهم بعض الفقهاء حرباً لا هوادة فيها ونسبوهم إلى الكفر والمروق والزندقة بل رموهم بالغباء والحماقة وقالوا عنهم ما ذكره مالكٌ في الخمر، وبعض الفقهاء تأثر بالفلسفة فلا نجد لديه ذلك الجفاء وإنما هو يتكلم عن الفلسفة وأهلها بشيءٍ من اللين والترفق.

وكما ذكرنا فقد أطلق العرب على ما ورثوه من علوم الإغريق من رياضيات وطبيعيات وفلسفة علوم الأوائل أو علوم الأقدمين وهي تقابل عندهم العلوم العربية وعلى رأسها الفقه والشريعة والتفسير والعقائد، وأصبحت علوم الأقدمين مظنة الكفر عند بعض أهل السنة حتى عندما كانت موضع اهتمام في البيئات الدينية عند المسلمين وعليه فقد كان سهلاً أن يتهم الرجل بالزندقة متى نحا إلى الفلسفة في كتاباته وهذا ما نراه يحدث على سبيل المثال مع أبي زيدٍ البلخي وأبي عبيدة الريحاني وغيرهما.

وقد بالغ المتعصبون في بغضهم للفلسفة حتى أنهم كانوا ينفرون من كل علمٍ يمت إليها بصلة وهذا ما شكا منه الغزالي في معيار العلم على نحو ما أسلفنا، رغم أن الغزالي عند الكثيرين هو دون شك أكبر أعداء الفلسفة المقتبسة من اليونان في تراثنا جملةً وهو الذي حارب أهلها في كتابه "التهافت" ورماهم بالزيغ والحماقة ونسبهم إلى ضعف العقل وغباء التفكير والغرور الشديد مع الادعاء وسوء الظن بالله، وهذا كله وقع من الغزالي ولا ننفيه فهو مسطر في كتبه، والنظر العلمي وحده جعلنا نهمل تلك الأوصاف رغم دفاعنا عن الغزالي، على أنه من غير المقبول وخاصةً بعد القراءة المستفيضة لميراث المشائين العرب أن نجعلهم زنادقةً ليس إلا، وقد كتبت عنهم بحثًا مفصلاً أرد فيه عنهم تهمة الإلحاد وسوف أنشرها لاحقًا بإذن الله.

ورغم أن ابن رشد قد حاول أن يرد على الغزالي بشكلٍ عام وبالأخص في مسائله الثلاث التي كفر فيها الفلاسفة إلا أنه لم يضاهِ الغزالي – فيما يرى البعض- في قوة الحجة وصلابة البرهان وقد أخطأه التوفيق على ما يراه أكثر المحققين، وإن كان يكفيه شرف المحاولة وأن يشكر على مجهوده الطيب.

وأخذ أعداء الفلسفة يصنفون الكتب ويضعون الفتاوى ويقولون لسائليهم من العامة أن الفلسفة هي العلم الذي لا ينفع وقد استعاذ نبينا صلوات الله عليه ربه من علمٍ لا ينفع وذكر ابن تيمية في مجوع فتاواه بالجزء الأول أن العلم هو ما كان موروثًا عن النبي وما سواه فليس بنافع أو هو لا يعتبر علماً وإن تسمى به

وتمثل بعضهم قول الشافعي:

العلم قال الله قال رسولُهُ.. وما عداه فوسواس الشياطينِ.

وقالوا بأن علوم الأولين هي حكمةٌ مشوبةٌ بكفر وهي تؤدي إلى تعطيل صفات الله والاستخفاف بالدين وكل من عُنِي بها فهو مغموزٌ في عقيدته متهمٌ في إسلامه ولا ينجيه من هذا أن يكون ثقةً في علوم الشرع وهذا ما فعلوه مع (الآمدي) رحمه الله حيث تم إيذاؤه بدافعٍ من فتوى ابن الصلاح الشهرزوري المحدَّث والمتوفي سنة 643، ونعرف أن ابن الصلاح ذهب سراً ليدرس المنطق والفلسفة على كمال الدين بن يونس الموصلي فلم يوفق ونصحه ابن يونس بتركهما وقال " يا فقيه المصلحة عندي أن تترك الاشتغال بهذا الفن " وبعدها انقلب هذا المحدث على الفلاسفة وأكثر من ذمهم وله في ذلك فتواه الشهيرة وكان من آثارها ما أصاب (الآمُدِيْ) وكان فقيهاً يشتغل مع نفسه بعلوم الفلسفة والمنطق ولا يدرسهما لطلابه وبعد نزوله إلى القاهرة وتدريسه فيها تطاير شرر فتوى ابن الصلاح فأصابه واتهمه العوام وكثير من المشايخ بفساد العقيدة والقول بالتعطيل واستباحوا دمه فهرب إلى دمشق وجعل يدرس فيها كما كان يفعل في القاهرة لكنه اتهم بنفس التهمة وتم عزله من منصبه!.

وبعد فتوى ابن الصلاح أصبح المنطق حرامًا بالكلية لكن اشتغال الإمام الغزالي به ألان من موقف البعض فنجد أن تاج الدين السبكي وهو من محبي الغزالي يفتي بإباحة تعلم المنطق والخوض فيه متى اطمئن دارسه على قواعد الشريعة في قلبه.

ثم إن عامة من حرموا علم المنطق كانوا من المحدثين وهؤلاء تغلب عليهم الجفوة مع البحث والنظر – إلا ما كان من بعضهم وخاصة الذين جمعوا الفقه مع الحديث- وعلم المحدثين عمومًا يقوم على النقل والحفظ ليس أكثر فهم صيادلة العلم الذين يجمعون الدواء ولكن لا يشخصون المرض ولا ينفعون المريض إلا بأمر الطبيب الذي يعرف العلة ودوائها، والطبيب هنا هو عالم الفقه، وخلاف المحدثين حتى مع الفقهاء من الأمور التي يعرفها الكافة؛ وكان عدائهم لأبي حنيفة بالذات وهو فقيه ومتكلم مثار استياء من بعض علماء السنة الذين وصفوهم بالكسل فهم يتعبون في التثبت من رواة الحديث ثم لا يفكرون في ألفاظه ومعانيه وقد يأخذونه بالظاهر، وتكون النتيجة هذا الفقه الضعيف الذي يحرم كل شيء تقريبًا؛ وإذا نظرت في كتبهم ألفيت ملكة ذهنية قاصرة واستغربت جدًا، ولكن لماذا تستغرب إذا عرفت أن عدم إعمال العقل يصنع الأعاجيب.

ومع مرور الزمن امتزج الفكر الفلسفي مع أبحاث المتكلمين أو علماء العقيدة وأصبح المنطق من المواد التي يدرسها طلاب الشريعة، وفي كلية أصول الدين بالأزهر الشريف قسمٌ خاص لدراسة الفلسفة وهو الذي تخرج منه الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي فالقول بأن الفلسفة حرام أو إلحاد لم يعد له محلٌ من الإعراب وخاصة أن شيوخ الجامع الأزهر أمثال عبد الحليم محمود وأحمد الطيب وقبلهما مصطفى عبد الرازق قد تخرجوا من قسم الفلسفة بل وتعلموها في فرنسا وقاموا بتعليمها في مصر.

 

حاتم السروي

 

سليم مطرتعرض ولا زال، تاريخ الاديان الى تشويهين متطرفين، من قبل انصارها وكذلك خصومها:

ـ اهل الدين، بالغوا بالدور السماوي المقدس للدين، لاصلاح (المجتمع الوثني او المنحرف).

ـ اهل الحداثة، بالغوا بسلبية الاديان ودور زعمائها، وفرضها التحجر والتعصب.

الطرفان قاما معا دون قصد، بالتركيز فقط على: (العامل الارادوي السماوي والزعامي)، وتجاهل العامل الاول لجميع المتغيرات الكبرى في المجتمعات البشرية وظهور الدول والاديان:

ـ العامل التاريخي، المتمثل بتراكم الظروف والحاجة الطبيعية التي تحتم تخطي مرحلة معينة اصبحت عتيقة، الى مرحلة اجتماعية وسياسية وعقائدية اكثر تلائما.. أي بالضبط، نفس الحاجة الطبيعية التي تحتم انتقال الانسان من مرحلة عمرية الى اخرى: طفولة، مراهقة، شباب..الخ.. أي ما اطلق عليه في العصر الحديث:

عوامل التغيير الجذري والثورة، اجتماعيا وسياسيا وعقائديا (او دينيا)..

لان جميع الانتقالات السياسية والحضارية والعقائدية في التاريخ، ما هي الّا ثورات طبيعية وثمار انضجها الزمن وتراكم الاحداث، كان من السهل على الزعماء الدينيين وغير الدينيين، قطفها وقيادتها.. ان الزعيم او المصلح والنبي، مثل الفلاح، مهما كان ماهرا وجبارا، يستحيل عليه انضاج الثمار قبل موعدها الطبيعي. (1)

لهذا من الخطيئة التعامل مع (تاريخ الاديان) بالتركيز فقط على ارادة وسياسة مؤسسي وزعماء ذلك الدين، سلبا او ايجابا. بل يتوجب معرفة المرحلة التاريخية بكل جوانبها الاقتصادية والسياسية وحتى الجغرافية، التي ظهر وسيطر فيها ذلك الدين (او الفكر والنظام). ونورد هنا مثالين متقاربين متداخلين، عن تاريخ المسيحية الاوربية والمسيحية الشرقية، وتاريخ الاسلام.

التناقض بين دوري مسيحية اوربا واسلام الشرق

لقد تم ظلم وتشويه دوري (المسيحية) و (الاسلام) في حقبة سيطرتهما التي اطلق عليها (العصور الوسطى، تقريبا بين 500م ـ 1400م)، وهي الحقبة التي دامت الف عام في اوربا، منذ نهاية الدولة الرومانية في القرن الخامس م، حتى عصر النهضة في القرن الخامس عشر ( 2). ثم ان (الحقبة الحضارية العربية الاسلامية) التي دامت حوالي سبعة قرون (بين القرن السابع م حتى ما بعد ما بعد نهاية الدولة العباسية وسقوط بغداد في 1258م ، او الاندلس؟)، تقع زمنيا ضمن هذه القرون الوسطى الاوربية.

بسبب غياب النظرة الواقعية التاريخية لدى العديد من الباحثين التنويريين خصوصا، واعتمادهم فقط على الموقف العقائدي الناقد والرافض للدين، فقد تم تجاهل هذين الاختلافين التاريخيين الاساسيين بين الدينين:

ـ ان الدين المسيحي هيمن على اوربا في نهاية حقبتها الحضارية وبداية حقبة انحطاطها وخرابها وغزوها المستمر من قبائل بدو الشمال خلال اكثر من قرنين حتى سقوط روما عام (476 م).

ـ ان الاسلام هيمن على بلدان الشرق ( أي "شرق البحر المتوسط" الذي اصبح: العالم العربي الحالي.)، في نهاية حقبة انحطاطها وخضوعها للاحتلالات الاجنبية (الفارسية والبيزنطية)، وبداية حقبة استعدادها للنهوض الحضاري. (سنتحدث تحت بالتفصيل عن هذين الدورين المتناقضين).

ان سبب خلط (الباحثين التنويريين) بين الدورين التاريخيين والحضاريين المتناقضين للمسيحية والاسلام، يعود الى التداخل الكبير بين تاريخي هذين الدينين:عقائديا وسياسيا، وخصوصا لأنهما تأسسا في نفس منطقة الشرق (المسيحية تأسست في فلسطين ثم انتشرت في عموم البحر المتوسط). وقد نبعا من نفس الميراث الحضاري الروحي الديني المتراكم منذ الفراعنة والنهرينيين (العراق) والكنعانييين. كذلك لأن شرق المتوسط خلال القرنين السابقين للاسلام اصبح خاضعا، بعد قرون من السيطرة اليونانية ثم الرومانية، الى الدولة البيزنطية المسيحية (عاصمتها اسطنبول الحالية).

وكل هذا سهّل عملية وضع الدينين في وصفة تحليلية تاريخية واحدة اسمها (العصور الوسطى)!

وبما ان المؤرخين والمفكرين الاوربيون التنويريون قد حكموا على تلك الحقبة بـ: (الظلامية المسيحية) واعتبروا ظلما (كما سنبين) ان (الكنيسة الكاثوليكية) هي المسؤولة عنها، فأن غالبية حداثينا استسهلوا تقليد اساتذتهم الاوربيين، فحكموا ايضا ظلما، على تلك الحقبة العربية الاسلامية بـ: الظلامية! (3)

الكنيسة الكاثوليكية كانت هي الطبيب وليست الوباء!

ان اية مراجعة عقلانية لـ (حقبة القرون الوسطى) من تاريخ اوربا الغربية، تبين لنا التالي:

ان المسيحية بدأت، بصورة تدريجية، تصبح الديانة الرسمية لـ (أمبراطورية روما) وعموم اوربا الغربية بعد تبنيها من قبل (الامبراطور الروماني قسطنطين) مع (مرسوم ميلانو في عام 313 م ). اي في (نهاية الحقبة الحضارية: اليونانية ثم الرومانية)، حيث كانت اوربا تعيش انحدارها وخرابها وتشرذمها بسبب الغزوات البدوية الجرمانية الشمالية، حتى احتلت روما ودمرتها في اواسط القرن الخامس م. (4) ساد الخراب المذهل في جميع النواحي الثقافية والاجتماعية والمدينية واحترقت المكتبات وانتشرت الاوبئة. بل حتى الطبيعة نفسها تمردت بعد اندثار (دروب الرومان)، إذ عادت وتوسعت الغابات الوحشية المسكونة بالذئاب والدببة والخنازير وعصابات السرقة، وانقطعت الاتصالات بين المدن والبلدات. وساد نظام الاقطاعيات المنعزلة المعتمد على (الاقنان ـ العبيد). (5)

إذن المسيحية ليست هي التي جلبت الانحطاط، بل بالعكس تماما: رغما عنها وجدت نفسها تلعب دور المنقذ وسط الكارثة، ومطفئ الحرائق. وهذا بالضبط سبب انتشارها السهل بين شعوب اوربا وقضائها التام على جميع الاديان الوطنية والمحلية للاوربيين (اليونانية والرومانية والسلتية والجرمانية، الخ..)، لان كنائسها واديرتها كانت من اكثر واهم المؤسسات الانسانية والتعليمية للتخفيف من اهوال الكارثة وتفاقم الانحطاط. (6)

ان الدور العظيم والانجاز التاريخ الحاسم الذي قامت به الكنيسة والذي يتجاهله عن عمد، الباحثون الاوربيون الحداثيون المعادون للمسيحية: انها تمكنت من عقلنة وتحضير هذه القبائل الشمالية الوحشية الوثنية الغازية، من خلال اقناعهم بالمسيحية ونشر روح المسالمة والتثقف بينهم. لولا الكنيسة الكاثوليكية، لكانت اوربا انتهت الى الابد على يد البرابرة، ولبقيت حتى الآن ادغالا بدائية اكثر من اواسط افريقيا. ان الكاثوليكة هي التي حفظت التراث الاوربي واللغة اللاتينية وتحولت مكتبات اديرتها الى معاقل للمعرفة والتفكير لعدة قرون، حتى بزوغ عصر النهضة (1400 م)، حيث بدأ الشقاق والصراع بين الكنيسة واهل الحداثة. (7).

نحن نفترض ان هذا العداء للمسيحية من قبل المفكرين التنويريين الغربيين في عصر النهضة، نابع من شعور باطني عميق بأن هذه (المسيحية شرقية) لا تمثلهم. لهذا اعتبروها سبب انحطاطهم، وجهدوا لاحياء ميراثهم الاوربي (اليوناني ـ الروماني). ولهذا ايضا جهدوا للتغطية على (الاصل الشرقي) لمؤلفي الكتابين العظيمين الذين لعبا دورا كبيرا في انقاذ اوربا من الموت الثقافي:

ـ (القديس اوغسطين: كتاب مدينة الله: The City of God)، والذي ولد من عائلة فينقية كنعانية في (الجزائر الحالية) وعاش وتعلم وتوفي في قرطاجة (تونس). (8)

ـ (مارتينوس كابيلا Martianus Capella: موسوعة المعارف: De nuptiis) وهو ايضا ولد في الجزائر وعاش وتوفي قرطاجة. (9)

هذا الكتابان الموسوعيان قد تم تأليفهما مع بدء حالة الانهيار في القرن الخامس، وتم فيها اختصار معارف الرومان، ليكونا المصدر الوحيد للمعرفة خلال الحقبة المظلمة. (10)

كذلك يتوجب ذكر دور الخطوة التاريخية (الشيطانية!) التي قامت بها الكنيسة الكاثولكية، للتخفيف من وحشية الغزاة الجرمان، وتفريغ حاجتهم الى الحروب والتخريب، انها اخترعت لهم "لعبة" (الحروب الصليبية: 1095-1291) ضد مسلمي الشرق (وايضا ضد المسيحية الارثوذكسية المارقة في بيزنطة ـ الاناضول).

ولكن من مفاجأت التاريخ وسخرياته الغير محسوبة، ان هذه الحروب الصليبية في المشرق و (في الاندلس)، والتي دامت اكثر من قرنين، هي التي ادت الى ضعف الكنيسة ونهاية سلطتها!! والسبب الذي لم يتوقعه ابدا رجال الكنيسة: ان هذه الحروب والامارات الصليبية في الشرق والاحتكاك مع حضارة الاندلس، هي التي نقلت الى اوربا الفلسفة اليونانية والثقافة العربية التي ساعدت على الثورة الثقافية وتراجع سيطرة الكنيسة حتى نهاية (القرون الوسطى) مع انبثاق (عصر النهضة) بعد القرن الخامس عشر. (11)

لولا الدور التأسيسي لمسيحية الشرق، لما نجح الاسلام وانتشرت العربية!

ان هذا التشوية (الحداثي التنويري) للدور الانقاذي الايجابي للكنيسة في اوربا الغربية اثناء (القرون الوسطى)، ادى تلقائيا بباحثينا التنويريين الى وضع (الحقبة العربية الاسلامية بين 600 ـ 1300م) في نفس (السلّة الظلامية)، من خلال التركيز فقط على الحروب والقمع ضد المثقفين. ان هذا التشويه التعميمي يتجاهل عن عمد الظروف الواقعية والتاريخية لبلدان الشرق في تلك الحقبة، المناقضة تماما لوضع اوربا الغربية، كما اسلفنا:

ـ ان (الاسلام) ظهر في (نهاية الحقبة الظلامية) التي كانت تسود الشرق منذ اكثر الف عام قبل الاسلام. أي منذ القرن السادس ق.م وبدأ انحدار وتساقط دول وحضارات الشرق: النهرينية (العراقية)، والكنعانية، والمصرية، ثم آخرها (القرطاجية) في شمال افريقيا. في نفس الوقت انبثقت اولى الدول والحضارات (الآرية) في اوربا، (بالاضافة الى الاناضول وايران): اليونانية ثم الرومانية، التي سيطرت على عموم البحر المتوسط، الاوربي والشرقي، حتى الفتح العربي الاسلامي: (العراق وحده، خلال هذه الحقبة تم احتلاله، من قبل امبراطوريات ايرانية: اخمينية، وفرثية، وساسانية، تخللتها حوالي ثلاث قرون احتلال يوناني).

أي ان (ظلامية الشرق) اخذت تنتهي في نفس الحقبة التي بدأ فيه الانحطاط والظلام في في اوربا الغربية. ان (نهضة الشرق) قد مرت بمرحلتين متممتين متصاعدتين:

ـ المرحلة الاولى: المسيحية الشرقية وتأسيسها لنهضة الشرق

من المعلوم ان المسيحية ظهرت في القرن الاول الميلادي، حيث ابدعها اساسا ونشرها اهل الشام وعموم شعوب شرق البحر المتوسط (العالم العربي الحالي). وقد انتشر مبشريها وكنائسها في انحاء الشرق (12) ، وعموم اوربا ثم آسيا.

ان اعظم مهمة تاريخية انجزتها هذه المسيحية الشرقية، انها اتت كـ (تعبير ثقافي عقائدي) عن (بدء الصحوة) لدى شعوب الشرق بعد قرون طويلة من الانحطاط والاحتلال. قامت هذه المسيحية بتضميد الجراح وبث روح السلام والثقة بوجود (اله تنويري) يدعو للمحبة والتسامح. اصبحت الكنائس مراكز للتعليم والتفكير والفنون والآداب، وانتج رجال الدين اعظم النصوص السريانية خصوصا، كذلك القبطية، في مختلف المعارف الدينية والموسوعية والادبية. وتمكنت بذلك من احياء الهويات والخصوصياتهم الوطنية: دينيا، بواسطة المذاهب المسيحية الوطنية المستقلة عن الدول الحاكمة: (اليعقوبية الشامية، والقبطية المصرية، والدوناتية الشمال افريقية، والنسطورية العراقية).وكذلك ابراز (الهويات اللغوية) من خلال تنشيط واحياء ألآرامية السريانية في العراق والشام، والقبطية في مصر، والفينقية الكنعانية في شمال افريقيا. (13). وبسبب هذا الدور النهضوي للكنيسة، تعرضت الى اشنع عمليات القمع والمذابح من قبل السلطات المجوسية الفارسية في العراق. وحتى الدولة المسيحية البيزنطية مارست نفس الجرائم ضد مسيحيي الشرق، في الشام ومصر وشمال افريقيا. (14)

ـ المرحلة الثانية، الفتح العربي الاسلامي وتحقيق الاستقلال السياسي والحضاري

ليس صدفة ابدا ان الاسلام اعتبر نفسه متمما لاديان المنطقة (الابراهيمية)لانه حقيقة نتاج تراكمي لقرون طويلة من الثقافات العقائد التي ورثتها وصنعتها شعوب المنطقة بل حتى اللغة العربية، هي نتاج آلاف الاعوام من تطورات اللغات السامية وتمازجها مع اللغات الحامية، المصرية والامازيغية.

إذن عندما اتى الفاتحون العرب المسلمون، مهما بدى انهم مدفوعين بروح الاستيلاء والمغانم، الا انهم في الحقيقة وبصورة غير واعية، ما اسسوا عقيدتهم الشرقية (الاسلام) وشرعوا بفتوحاتهم، الا تلبية لذلك النداء التاريخي الخفي الذي كانت تأنّ به شعوب الشرق تشكيا من ظلم واحتقار المحتلين الاجانب. (15)

نعم ان (المسيحية الشرقية) انجزت الخطوة الاولى لصحوة شعوب الشرق والبدء بالاستقلال الثقافي الديني، ثم اتى (العرب المسلمون) لينجزوا الخطوة الثانية الكبرى والمنتظرة التي هيأت لها المسيحية: تحقيق الاستقلال الفعلي سياسيا وحضاريا، من خلال اسقاط الامبراطوريتين المحتلتين الفارسية والبيزنطية، وتأسيس دولة جديدة يتشارك في تكوينها وقياداتها وجيوشها وفتوحاتها ومغانمها جميع شعوب الشرق حتى الذين لم يدخلوا الاسلام. وكانت العبارة السحرية العجيبة التي تسمح لمن يقولها ان يكون عضوا فعالا في الدولة الجديدة، هي: (الشهادة: اشهد ان لا اله إلا الله..)

واكبر دليل على تمثيل هذه (الدولة العربية الاسلامية) لشعوب الشرق، انها بسرعة فائقة تمكنت من نشر دينها الجديد والمتمم للمسيحية، بين هذه الشعوب التي انتقلت بغالبيتها المسيحية الى الاسلام، لانه يلبي مصالحها وطموحاتها التاريخية. ويصح القول ان هذه المسيحية الشرقية هي التي هيأت هذه الشعوب لتقبل الاسلام الذي اعتبر نفسه متمما للمسيحية. ولهذا فأن الشخصيات المسيحية السريانية قد لعبت دورا كبيرا في صنع هذه (الحضارةالعربية الاسلامية) (16)

ثم ان الاسلام اتى كـ (حل وسط) للطوائف المسيحية الشرقية التي كانت تعاني من انشقاقات مذهبية شديدة وعنيفة متداخلة مع الصراعات الدامية المستمرة بين الامبراطوريتين المحتلتين: البيزنطية والفارسية. (17) أي عكس (المسيحية الاوربية) التي كانت اكثرا استقرار وتوحدا تحت سلطة كنيستين كبيريتين: الكاثوليكية في غرب اوربا، والارثوذكسية في شرق اوربا.

اما سبب سهولة انتشار اللغة العربية ثقافيا وشعبيا، فيعود الى الاساس الثقافي واللغوي (السامي ـ الحامي: القبطية والبربرية) لشعوب الشرق، وخصوصا اللغة (الارامية ـ السريانية) التي كانت لغة الدين والثقافة. وكانت للآرامية حضورا ثقافيا مهما في مصر بفضل العلاقات التاريخية المتواصلة مع شعوب الشام. وقد عثر على وثائق بالآرامية في أسوان ـ مصر (جزيرة فيلة) هي عشر مخطوطات تعود الى عهد الاحتلال الآشوري لمصر (680 – 669 ق.م). وقد تعزز التبادل اللغوي والثقافي خصوصا بعد انتشار المسيحية القادمة من الشام. (18)

علما بأن ديانة بعل الكنعانية مع اللغة الفنيقية (القرطاجية) ظلت متشرة في جميع سواحل شمال افريقيا لقرابة الف عام، حتى الفتح العربي الاسلامي وهي اللتي هيأت لتقبل العربية. (19)

حتى بالنسبة للشعوب (التركستانية والآرية) في ايران وافغانستان وآسيا الوسطى والتي كانت خاضعة للامبراطورية الفارسية (الساسانية)، فأنها سرعان ما تقبلت الاسلام والعربية وتخلت عن المجوسية (20) ، لأنها كانت مسبقا متقبلة سلميا وبشكل كبير للمسيحية النسطورية (العراقية)، بالاضافة الى ان اللغة الآرامية السريانية (العراقية) التي كانت اللغة الثقافية الوحيدة لجميع الامبراطوريات الايرانية. (21). ولأن الاسلام قد حقق لهذه الشعوب خلال اقل من قرن، ما لم تحققه امبراطورياتهم (الاخمينية والفرثية والساسانية) خلال الف عام: انتمائهم لدين كتابي حضاري مساواتي معاكس تماما للمجوسية التي كانت تحتقر الكتابة والمدنية، بل ترفض حتى دفن الموتى والاغتسال بالماء، مع واجب تقديس الملوك والنبلاء، والاحتقار العنصري الشرعي للفقراء. (22)

والاهم في هذا، ان العرب المسلمين شجعوا هذه الشعوب على المشاركة الفعالة في ادارة الدولة الجديدة والاستفادة من مناصبها ومغانمها. واكبر دليل انها قد شاركت بصورة رائدة في صنع الحضارة العربية الاسلامية ونشر الاسلام في عموم آسيا. لكن تمايزها التاريخي اللغوي الثقافي، جعلها تتقبل العربية كلغة ثقافية دينية وليست شعبية، على عكس العالم الشرقي الذي تقبل شعبيا العربية واصبح (العالم العربي).

النقد الاصلاحي، والنقد الهدّام!

للتوضيح، نحن لا نقصد بموضوعنا هذا القول بأن المسيحية والاسلام، كانا دينين مسالمين كلهما طيبة ومحبة، بل نحن نقول بكل بساطة: انهما مثل جميع العقائد القديمة والحديثة (بما فيها الليبرالية والشيوعية) التي قادت الدول والشعوب، صنعا دولا وحضارات بلغت التمدن والابداع والرخاء، ولكنها ايضا ولا بد ان مارست القمع والعنف والحروب التوسعية. ان (النقد الاصلاحي) المطلوب يختلف عن (الحقد والهدّامي) الذي لا يذكر غير العيوب المضخمة اضعاف الاضعاف، بل يأخذ بنظر الاعتبار الامرين التاليين:

ـ ان يتجنب الخلط بين (العصور الوسطى الاوربية: الظلامية) و (العصور الوسطى العربية الاسلامية: الحضارية الزاهية). فليس هنالك أي سبب عقلاني يبرر تجاهل تلك الانجازات الحضارية العالمية الكبرى التي تمت في تلك الحقبة، تحت راية (الاسلام وباللغة العربية)، في العراق ومصر وبلدان الشام والمغرب والاندلس، بالاضافة الى ايران وافغانستان وتركستان والهند. فانبثقت اعظم الفلسفات والعلوم والجواهر الادبية والفنية والمعمارية.

ـ ان يتجنب اعتبار الفتح العربي الاسلامي: اما حالة ( سماوية استثنائية) بعرف المتدينين، أو (غزو بدوي) بالنسبة للحداثيين. بل هو نتاج قرون طويلة من التفاعلات الدينية والثقافية والتمازجات السكانية الجارية في عموم بلدان الشرق من العراق والشام ومصر حتى شمال افريقيا، بجميع اقوامهم ولغاتهم، وما (العرب) الا اقلية عددية ولكن ظروف التاريخ شاءت ان يلعبوا الدور الزعامي، مثل الكثير من الشعوب عبر تاريخ البشرية.

 

سليم مطر ـ جنيف

.......................

توضيح: هنالك من يعترضون على تسمية: (الحضارة العربية الاسلامية) ويفضلون تسمية: (اسلامية) فقط..

الجواب بكل بساطة: ان عقيدة 90% من قادتها ومبدعيها وصانعيها هي (الاسلام). ثم ان (العربية) هي لغة 90% من ابداعاتها وعلومها وصانعيها مهما اختلفت لغاتهم الاصلية.

نحن نقبل تسمية: (الحضارة اليونانية) رغم مشاركة جميع شعوب البحر المتوسط بصنعها، لكنها تستخدم (اللغة اليونانية). نفس الحال تماما بالنسبة لتسمية (الحضارة الرومانية).

بعض مصادر هذه الدراسة

ملاحظة للتذكير: غالبية المصادر، حتى الكتب، يمكنكم ان تجدونها منشورة كاملة في الانترنت ويمكن مطالعتها وتسجيلها.. يكفي وضع العنوان

ـ ان افضل من اكد على العوامل التاريخية والطبيعية في تشكيل الاديان والحضارات، مؤرخنا (ابن خلدون: المقدمة) والمؤرخ الانكليزي (توينبي: تاريخ العالم)..

2 ـ عن العصور الوسطى، طالع:

ـ تاريخ أوروبا في العصور الوسطى- موريس بيشوب ـ ترجمة: على السيد علي (موجود ايضا في الانترنت)

ـ عندما تغير العالم ـ جيمس بيرك ـ سلسلة عالم المعرفة / الفصل الثاني، (انه كتاب مهم وممتع جدا وموجود في الانترنت).

كذلك طالع مواضيع عديدة في الانترنت

3ـ عن (العصور الوسطى الاسلامية) طالع:

ـ كتاب: "لماذا لم توجد عصور وسطى إسلامية"/ توماس باور ـ دار الجمل

مقالة رد المفكر اللبناني رضوان السيد (مقولة «العصور الوسطى» ومشكلات الحاضر) (منشورة في الانترنت)

4ـ عن اعتناق القبائل الجرمانية البربرية للمسيحية، طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%86%D8%B5%D9%8A%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

5ـ عن حال اوربا في القرون الوسطى، طالع مثلا:

ـ تاريخ أوروبا في العصور الوسطى- موريس بيشوب ـ ترجمة: على السيد علي (موجود ايضا في الانترنت)

ـ عندما تغير العالم ـ جيمس بيرك ـ سلسلة عالم المعرفة / الفصل الثاني، (انه كتاب مهم وممتع جدا وموجود في الانترنت).

6 ـ من غرائب تاريخ انتشار المسيحية في اوربا، ان الملك الفرنجي (شارلمان: فرنسا والمانيا: القرن التاسع م) الذي يّعتبر اول من فرض المسيحية بالسيف والتعليم، انه امر بالقضاء على جميع (الدبب) التي كانت منتشرة بكثرة في الغابات، لانها كانت مقدسة من العقائد المحلية القديمة المخالفة للمسيحية.

ابحث في الفرنسي: ( Ours dans la culture)، كذكلك

 (La désacralisation de l'ours : une histoire de religion et de pouvoir)

ـ Michel Pastoureau, L'Ours : Histoire d'un roi déchu, Le Seuil, 2007

او بالانكليزي:

 The Oxford Handbook of Shakespeare and Embodiment: Gender, Sexuality, and Race/ P: 515

ـ The Chief's Footsteps: A social and natural history based on the life/ P:212

7ـ عن عصر النهضة، طالع مثلا:

ttps://mawdoo3.com/%D8%A8%D8%AD%D8%AB_%D8%B9%D9%86_%D8%B9%D8%B5%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9

8ـ عن الاصل الفينقي الكنعاني للقديس اوغسطين، طالع، هذا الموضوع التوثيقي:

https://mazicumpact.wordpress.com/2016/08/07/%D9%83%D9%81%D9%89-%D9%83%D8%B0%D8%A8%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%B3-%D8%A3%D9%88%D8%BA%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86/

ـ كذلك كتاب: ـ ماضي شمال افريقيا ـ أ.ف. غوتييه ـ ص 100ـ 101 / مترجم/ ص 91

 

9ـ عن (مارتينوس كابيلا Martianus Capella) ابحث هذا الاسم بمختلف اللغات..

كذلك كتاب: تاريخ الفلسفة الأوربية فى العصر الوسيط: كلاسيكيات الفلسفة/ ص 62

10ـ عن دور كتابي (القديس اوغسطين، مارتينوس كابلا) طالع عنهما معلومات كافية في الانترنت.

كذلك كتاب: ـ عندما تغير العالم ـ جيمس بيرك ـ سلسلة عالم المعرفة / الفصل الثاني

11ـ لقد انتلقت المعارف الحضارية العربية الى اوربا، خصوصا عن طريق الدويلات الصليببية في الشرق وكذلك الاندلس.

طالع مثلا: ـ عندما تغير العالم ـ جيمس بيرك ـ سلسلة عالم المعرفة / الفصل الثاني ابتداءا من ص 48

12ـ عن انتشار الكنائس المسيحية في الشرق: طالع:

ـ ـ تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية ـ جزء اول ـ الأب ألبير أبونا ـ دار المشرق ـ بيروت ـ ط 3 : 1992/ وهو موجود ايضا في الانترنت. كذلك طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%82

ـ دراسة جيدة وشاملة للمفكر اللبناني (المسيحي) (ادمون رباط) (المسيحيون في الشرق قبل الإسلام):

http://www.maaber.org/issue_february09/spotlights2.htm#_ftnref1

 

13ـ عن استعمال الفنيقية في غالبية الكنائس في شمال افريقيا (بعضها باللاتينية)، طالع:

-Païens et chrétiens: la religion et la vie religieuse dans/Robin lane Fox/ P288

ـ Revue Africaine V62 p340 : H.Basset

ـ Saint Augustin et la survivance de la langue punique [article]/ Comptes rendus des séances de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres Année 1950

14ـ عن اضطهاد المسيحيين الاقباط من قبل الرومان ثم البيزنط، طالع، كتاب:

ـ تاريخ الكنيسة القبطية ـ القس منسي يوحنا/ ص 180 ـ 190

ـ كذلك دراسة مختصرة من قبل الباحث (احمد عثمان): حقائق عن اضطهاد الرومان لأقباط مصر / جريدة الشرق الاوسط: https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8070&article=46393#.Xsp3vmj7RRY

15ـ عن حال مسيحي الشرق قبل الفتح، طالع دراسة جيدة وشاملة للمفكر اللبناني (المسيحي) (ادمون رباط) ( المسيحيون في الشرق قبل الإسلام)، التي يورد فيها هذا المقطع المهم جدا:

وحسبنا الاستشهاد ببعض الأقوال من هذا القبيل، كميخائيل السرياني، بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثاني عشر، أي بعد خمسة قرون من الفتح، وفي تاريخه الطويل نجد عبارات استهجان لسياسة الروم، كالتالية:

 (لأنّ الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كل شيء قدير، والذي وحده إنما يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلاً من المتكبّر، ولأنّ الله قد رأى ما كان يقترفه الروم من أعمال الشر، من نهب كنائسنا ودياراتنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، فإنما قد أتى من مناطق الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الروم ... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الروم وشرورهم وحقدهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا).

وهي شهادة رهيبة، نجد مثلها، مما يتعلق بأقباط مصر، في تاريخ يوحنا النيقوسي، الذي تولى أسقفية نيقو في دلتا النيل، بعد فتح مصر بقليل، وكذلك في تاريخ سواروس الأشموني، الذي جاء من بعده، وهي شهادة لا شك بأنّها تدل على ما كان عليه مسيحيو مصر وسوريا والعراق من الشعور نحو البيزنطيين والفرس من جهة، وحيال العرب المسلمين من جهة ثانية.

http://www.maaber.org/issue_february09/spotlights2.htm#_ftnref1

16 ـ عن اسهام المسيحيين في صنع الحضارة العربية الاسلامية، طالع:

- الأب البيرو أبونا - تاريخ الكنيسة السريانية - 3 أجزاء - دار المشرق - بيروت - 1986.

- نينا بيغوليفسكايا - ثقافة السريان في القرون الوسطى - دار الحصاد - دمشق - 1990.

- الأب جورج قنواتي - المسيحية والحضارة العربية - المؤسسة العربية - بيروت.

17 ـ عن انشقاقات المسيحية الشرقية، ظهرت في الشرق مذاهب متنافسة عديدة ومعظم خلافاتها كلامية سطحية، مثل النسطورية والمنوفزية والثنوية والدوناتية والاريوسية، لكنها تغذى وتستخدم من قبل الامبراطوريتين المتصارعتين: الفارسية المجوسية والبيزنطية المسيحية، اللتان تساوتا في تآمرهما وقمعهما لمسيحي الشرق. .. طالع نفس المصدر السابق.

18 ـ عن العلاقات الثقافية والدينية بين الشام ومصر، طالع مثلا هذه الدراسة القبطية مفصلة:

نبذة مختصرة عن العلاقات القبطية السريانية عبر العصور

http://www.soc-wus.org/2012News/1124201291238.htm

19ـ عن استمرار الكنعانية لاكثر من الف عام في شمال افريقيا: طالع:

ـ ماضي شمال افريقيا ـ أ.ف. غوتييه ـ ص 100ـ 101 / مترجم/ ص 91

ـ تغريبة الأدب الكنعاني: ألف عام وعام على ضفاف المتوسط الأفريقي/ حفناوي بعلي/ دار دروب

20ـ عن سرعة تقبل الاسلام من قبل الايرانيين والتركستان ، طالع مثلا:

ـ كتاب: الاسلام وايران/ مرتضى مطهري/ الجزء الاول ـ ص 70 ـ 76 / مترجم عن الفارسي

21ـ ان موضوع انتشار اللغة الارامية السريانية والمسيحية العراقي في ايران وعموم آسيا، مهم جدا واساسي لفهم المرحلة العربية الاسلامية. وهذه بعض المصادر المختلفة لعدة جوانب من هذا الموضوع الهام:

ـ عن الآرامية ـ السريانية، وتأثيرها وانتشارها في العراق والشام، ثم في ايران وعموم آسيا، هذه مصادر عديدة استخدمانها في كتابنا القادم عن (العراق وايران)، نقدمها للراغبين بالتوسع بالموضوع:

كتاب مهم ودراسي مفصل:

ـ اللغة الارامية واثرها في اللغتين العربية والفارسية/ مازن محمد حسين و اياد محمد حسين: مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية / بغداد/ وهو ايضا موجود كاملا في الانترنت:

ويبين فيه المؤلفان انتشار الابجدية الارامية بين الكثير من لغات العالم ومنها الفارسية والهندية والتركية القديمة. كذلك كيف ان الكثير من الكلمات العربية، التي احتسبتها القواميس بانها من جذور فارسية، هي بالحقيقة (سامية ـ سومرية). مثل: آجر، ارجوان ، انجانة، اوزة، ايوان، بارية، بستوقة، تخوم، جاموس، جص، خان ، زنبيل.. وغيرها الكثير..

ـ حول انتشار التعليم بواسطة الكنائس، طالع كتاب:

ـ ايران في عهد الساسانيين/ مصدر سابق ـ ص 35 و411.

لمزيد من الاطلاع على تاريخ الادب السرياني في العراق وفي الشام، طالع كتاب:

ـ تاريخ الادب السرياني/ روبس دوفال ـ ترجمة لويس قصاب / بغداد 1992

ـ كذلك: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية/ مصدر سابق

منذ القرن الرابع م ظهرت اسماء لامعة في مؤلفات الادب السرياني، ومن اشهرهم: (أفرام السرياني، وبرديصان). وانوجدت في العراق، اكثر من خمسين مدرسة صغيرة وكبيرة، مثل مدارس: (الرها ونصيبين ـ شمال النهرين) و (جندشابور ـ الاحواز ) وقنسرين (سوريا). وفيها يدرس اللاهوت والفلسفة وعلوم الطب والفلك والفيزياء والرياضيات والطبيعيات والتاريخ والآداب وغيرها.

ـ عن تاثير السريانية في الفارسية البهلوية، طالع كتاب: ايران في عهد الساسانيين/ ارثر كريسنر/ ص 35 و67 و 411

ـ كذلك: الموسوعة البريطانية

 britannica: Pahlavi alphabet

https://web.archive.org/web/20190330132108/https://www.britannica.com/topic/Pahlavi-alphabet

ـ كذلك موسوعة طهران بالفرنسية:

-Petite histoire de l’écriture en Iran/ Revu TEHRAN/ Arefeh Hedjazi

http://www.teheran.ir/spip.php?article1694#gsc.tab=0

كل الاثار التي وجدت بهذا الخط البهلوي، هي عبارة عن نقوش متفرقة على (النقود)، و (الأواني)، وجرافيتي، والعديد من المنتجات الحرفية. وكذلك كتب الزرادشتية الموسعة بالفارسية الوسطى.

ـ يذكر الباحث الايراني في جامعة طهران، (محمود جعفري دهقي) في كتابه: «دلیل النقوش الفارسية الوسطی (البهلوية الساسانية)»: انها كل ما تم العثور عليه من الكتابة البهلوية هي نقوش منتثرة: (مثل نقش رستم في كازرون ومعبد زرادشت في سرمشهد كازرون واقليد وبيشابور وكرمانشاه ورادكان في كركان وفي القوقاز وحتی الصين...كتبت من قبل الملوك والقادة وكذلك التجار والمسؤولين واخيرا النقوش الموجودة علی شواهد القبور.

22 ـ عن تخلف المجوسية وعموم الثقافة الايرانية قبل الاسلام، طالع:

ـ ارثر كريستن ص 131، يؤكد ان كتاب المجوسية قد دون في القرن التاسع م، اي بعد الاسلام بثلاثة قرون.

كذلك ـ خرافة الوحى والنبوة والتوحيد فى الديانة الزرادشتية/ د. خالد كبير علال/ص 17ـ 19

 

عن احتقار الفرس للكتابة، يقول المؤرخ (ايفار ليسنرIvar Lissner) في كتابه المعروف والمترجم (الماضي الحي): ان الفرس كانوا ينظرون الى الكتابة على انها مهارة لا تليق بالرجال، إذ كانت الحرب والصيد والحريم اهم في نظرهم من الكتابة... وان ما يسئ الى سمعتهم هو ان يحطوا بأنفسهم الى درك وضع مؤلفات ادبية. ولهذا فانهم لم يخلفوا لنا سجلات مكتوبة ذات شان (ص 124)

ـ طالع كذلك: ايران في عهد الساسانيين (مصدر سابق): ص 400 و 407 و413

حتى تاريخ الساسانيين اعتمد على مصادر سريانية:

ـ نفس المصدر السابق ـ ص 67

ـ عن انتشار المسيحية بين نبلاء الفرس:

ـ ايران في عهد الساسانيين (مصدر سابق):399 و 410

ـ من الطريف، ان الدولة الفارسية قد ساهمت بصورة غير مقصودة بنشر المسيحية في انحاء الامبراطورية، من خلال سبي الجاليات المسيحية السورية في انحاء الامبراطورية. طالع كتاب:

ـ تاريخ الكنيسة السريانية ـ البير ابوناـ ص23 ـ 24

ـ كذكلك عن ضعف المجوسية وانهيارها قبل الاسلام: طالع: نفس المصدر السابق: ص431

 

 

ابراهيم أبراشأينما يممت النظر في العالم الإسلامي، وخصوصاً العربي منه، إلا ووجدت جماعات أصولية إرهابية تقتل وتخرب، في سوريا وليبيا والعراق واليمن وتونس ومصر وقبلهم في الجزائر والمغرب ودول أخرى عربية وغير عربية، وما ألحقته هذه الجماعات من خراب ودمار وقتل في ديار المسلمين يفوق بكثير مما فعلته بأعداء الإسلام والمسلمين.

 فماذا تريد هذه الجماعات؟ وما شكل الدولة ونظامها الاجتماعي والاقتصادي والتنموي والتعليمي الذي ترومه كبديل عن الدول والأنظمة التي تعمل على تدميرها؟ وهل لهذه الجماعات مرجعية سياسية وفكرية وتنظيمية واحدة توجِه تفكيرها وتنسِق أعمالها في الدول المختلفة التي تنتشر فيها؟ أم أن القرآن والسنة والسلف الصالح مرجعيتها كما تزعُم؟ وهل القرآن والسنة والسلف الصالح مرجعية للقتل والإرهاب وتخريب الدول؟ أم مرجعية للبناء والسلام والمحبة وإعمار الأرض كما كان الأمر في العصور الزاهية للمسلمين؟ ولماذا الأصوليات الإسلامية من بين كل الأصوليات الدينية، هي التي تمارس الخراب والدمار وتسير عكس مسار التطور العلمي والحضاري؟.

 في عام 1994 نشرنا بحثاً في مجلة المستقبل العربي العدد 194 الصادرة في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان "حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية: ملاحظات منهاجية"، وقد تمحور البحث حول ملاحظة أننا كمسلمين عرب من أكثر الشعوب استحضاراً للرب أو المقدس في كل مناحي الحياة، وقد خَلُصت في البحث إلى ضرورة إزالة الخلط بين ما هو مقدس سماوي أو رباني وما هو مقدس من صنع البشر، والفصل بين الدين والسياسة، وهو رأي سبقني إليه كثير من المفكرين والمثقفين المتنورين الذين تمردوا على رهاب الخوف من الخوض بأمور الدين بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن الخوض بأمور الدين من اختصاص (رجال الدين) فقط، وكان لا بد من كسر هذا التابو أو المجال المُحرم عندما وجدوا أن ما يسيء للإسلام هي جماعات تتلطى بالإسلام ومن ينصبون أنفسهم فقهاء ورجال دين بالإضافة إلى توظيف الدين من طرف بعض الأنظمة.

ولكن يبدو أن الأمور سارت نحو مزيد من الخلط بين المقدس وغير المقدس لدرجة أصبحت بعض الجماعات والتوجهات الدينية تصطنع مقدساتها الأكثر قدسية من المقدس السماوي وتنصِّب نفسها مفوضاً عن الرب، إن لم تؤله نفسها.

 كل المجتمعات البشرية المتحضرة بكل دياناتها تسعى لتعمير الأرض والأخذ بناصية الحضارة وحسمت أمر علاقة الدين بالدولة وفصلت بين ما هو ديني وما هو دنيوي وآل الأمر إلى نوع من المصالحة ما بينهما ليصبح الدين في خدمة الدولة والمصلحة العامة والتطور الحضاري دون أن يكون في ذلك أية إساءة للدين، إلا عندنا كمسلمين وخصوصاً (الإسلاموية العربية)، حيث الجماعات الإسلاموية العربية تسير عكس تيار الحضارة والتقدم وعكس المصلحة الوطنية للشعوب بل وعكس روح الإسلام والفهم العقلاني لرسالته السامية بحيث وظفت الدين وشطَّت في تفسيره وتأويله بما فيه إساءة للإسلام وخراب للأوطان.

صحيح، توجد جماعات أصولية متطرفة في كل الديانات إلا أن الأصوليات الإسلاموية العربية نشاز عن كل الأصوليات وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة والمجتمع. الأصوليات الإسلاموية العربية تغالي في تطرفها حيث إنها: تدَّعي أنها ناطقة باسم الإسلام والمسلمين بل وباسم رب العالمين، أصولية متخلفة حضارياً وأخلاقياً وإنسانياً، تعادي وتُكفر كل من يختلف معها في الرأي والعقيدة، تهتم بشكليات التديُّن وتتجاهل جوهر الدين، نزعت الدين من مجاله ووظيفته الأنطولوجية السامية وهي التقرب إلى رب العالمين بالعمل الصالح وإعمار الأرض وإشباع الحاجات الروحية للإنسان وحولته إلى أيديولوجيا، تخرب الأوطان وثقافتها ولا تؤمن بها، تعادي الديمقراطية والتقدم والحداثة وإن تعاملت معهما فكأداة للتمكين والسيطرة، تثير الفتنة والأحقاد حتى بين المسلمين أنفسهم، مشتَّتة التوجهات، متضاربة المصالح، عداواتها وصراعاتها مع بعضها البعض ومع المسلمين أكثر شراسة وخطورة من عدائها مع غير المسلمين، صوت وتأثير الأموات عندهم أعلى وأهم من صوت وتأثير الأحياء، أصولية إسلاموية تنقلب على وتتعارض مع التفسير العقلاني للدين وتأخذ منه ما شذ من المتشابهات وتتجاهل ما هو بيِّن من حق وباطل، تُكرِه الناس على الخضوع للملتحين والمعمَمين والمتجلببين والمتسلحين بجهلهم وبسلاح الموت، وتتجاهل أهل العلوم بمختلف تصنيفاتها المتسلحين بتقوى الله دون شكليات وبشهاداتهم العلمية وخبرتهم وصناعاتهم، أصولية تهتم ببناء المساجد أكثر من اهتمامها ببناء المدارس والمصانع والمستشفيات ومراكز الأبحاث، بل تناوئ وتعادي العلم والعلماء و كل مظاهر الحضارة.

كل الشعوب تحترم تاريخها وموروثها الديني والثقافي ولكنها لا تحبس نفسها داخله، كما أنها تميز ما بين المقدس منه وغير مقدس، وما بين المقدس السماوي المُنزل من رب العالمين أو موحى به منه والمقدس الأرضي أو ما يصطنعه البشر من مقدسات لتحقيق أغراض دنيوية، كما أن هذه الشعوب ومن خلال التجربة والإدراك العميق لمغزى الدين توصلت إلى أن سَوسَ وإدارة أمور الناس شأن الناس أنفسهم وليس من اختصاص الرب أو من اختصاص رجال الدين، وأنه حيث يكون الحكم بيد الكهنوت أو رجال الدين يكون الاستبداد والطغيان والفوضى، وأن الأحياء أبقى من الأموات، وأن صلاح السلف يقاس على زمانهم وما يَصلُح للماضي ليس بالضرورة أن يصلُح للحاضر، وأن الجيل الراهن من العلماء والخبراء المتخصصين في كل المجالات أكثر فَهْماً وقدرة على التعامل مع قضايا الأمة واحتياجاتها من السلف الصالح ومن رجال الدين مهما علا شأنهم، وأنه كلما علا شأن الدولة وتقدمت وازدهرت علومها ومجتمعها كلما أصبح دينها أكثر احتراماً وتقديراً داخلياً وخارجياً .

هذا هو الحال بالنسبة للمجتمعات التي تُدين بالمسيحية والهندوسية والبوذية والموسوية والديانات والمذاهب الأخلاقية في الصين وأفريقيا الخ. فالمسيحية عند الشعوب التي تُدين بها لم تقف حائلاً أمام تقدم هذه الشعوب بل أصبح الغرب المسيحي، كما تنعته الأدبيات الإسلامية، سيد الحضارة والتقدم ومنبع ومصدر كل اختراع وإبداع مُفيد للبشرية في الطب والتكنولوجيا بكل أنواعها، في الزراعة وحماية البيئة والنقل والمواصلات والاتصالات، وهي إبداعات استفادت منها كل الشعوب بما فيها الشعوب الإسلامية التي ما كانت تخرج من حالة الجهل والتخلف في العصر الحديث لو بقيت منغلقة على تراثها وعلوم ومعارف السلف والتفسيرات الانتقائية والملتبسة للقرآن والسنة.

أخذُ الغرب بناصية العلم والحداثة لم يكن على حساب الديانة المسيحية أو حق ساكنة الغرب من مسيحيين وغيرهم من أصحاب الديانات ممارسة شعائرهم الدينية، بل اكتسبت الديانة المسيحية الاحترام والتقدير عندما خضعت الكنيسة ورجال الدين طواعية للدولة الوطنية وقوانينها الوضعية.

 ونفس الأمر بالنسبة للشعوب الأخرى بدياناتهم ومنظوماتهم وفلسفاتهم الأخلاقية كالصين واليابان والهند التي بها عشرات الديانات السماوية والوضعية حتى بالنسبة للوثنيين وعبدة النار الخ، حيث لم تقف دياناتها ومعتقداتها الغيبية عائقاً أمام تقدمهم ونهضتهم. هذه الأمم تجاوزت مرحلة الصراعات والحروب التي كان سببها تعدد تفسيرات وتأويلات رجال الدين، وفي جميعها كان السمو لإرادة الشعب وللقوانين الوضعية وللعلم دون المس بحرية العبادة.

حتى عند اليهود تم توظيف العقيدة اليهودية حتى في تمظهراتها المتطرفة وبكل ما يعتريها من خرافات وتزوير، لخدمة الدولة وتأسيس مجتمع حضاري عصري، وكيف أن كل الأحزاب الإسرائيلية وعندما يتعلق الأمر بوجود الدولة وضرورات نهضتها وتطورها وحمايتها من المخاطر الخارجية يتناسون خلافاتهم، ويصبح اليهودي الأكثر شعبية وإخلاصاً لدينه هو الأكثر دفاعاً عن الدولة والمصلحة العامة، أما الخلافات على أساس ديني بين اليهود فهي مجرد ورقة للابتزاز السياسي والمالي ولم تشكل يوماً تهديداً لوجود الدولة.

صحيح، إن الدول غير الإسلامية بمجتمعاتها وأديانها وثقافاتها تتفاوت ما بين  غرب استعماري وإمبريالي واستغلالي يتخوف من وحدة العرب والمسلمين ونهضتهم بل ويحاربهم، ودول إن لم تكن معادية للعرب والمسلمين إلا أن لها مصالحها القومية ونزعاتها الدينية والثقافية التي لا تتوافق دائماً مع مصالح العرب والمسلمين بل أحياناً تتصادم مع المسلمين في الدولة الواحدة كما هو الحال في الهند والصين وبورما وحتى في الغرب، ولكن ،هل يمكن مواجهة (أعداء الإسلام) بحالة التخلف والجهل الحضاري والسياسي والثقافي التي عليها وفيها حال المسلمين؟ وإلى متى سيتم السكوت عن مصادرة الدين الإسلامي من طرف قلة من الجهلة والمتخلفين والمرتزقة والمتطرفين الذين يتاجرون بالدين لإرضاء شهواتهم ورغباتهم المنحرفة أو لصالح دول وحكومات معادية للعرب وللإسلام الحقيقي؟ هل تساءل العقلاء في أمة الإسلام لماذا كان للغرب وأدواته في المنطقة دورٌ في صناعة وتمويل وتوجيه غالبية الجماعات الإسلاموية، من جماعة الإخوان المسلمين إلى القاعدة وداعش والنصرة مروراً بمئات الجماعات الأخرى؟ لماذا لو خُيِّر شباب المسلمين ما بين العيش في ديار الإسلام أو العيش في ديار الغرب النصراني والعلماني لاختار أغلبهم الأخيرة؟.

المشكلة لا تكمن في الدين أو البعد الروحاني عند البشر ولا في أصل الدين كفكرة أو نصوص مقدسة، ولا في الإسلام الذي أسس في زمن مضى حضارة كانت نبراساً للعلم والمعرفة ومنها وعليها أقام الغرب حضارته، بل في جماعات أصولية صادرت الدين الإسلامي وفسَّرته على غير أصوله الحقيقية، ووظفته كأداة للارتزاق والصراع للوصول إلى السلطة. إنها جماعات تعبر عن نهج في التفكير والممارسة يسيء للإسلام والمسلمين أكثر مما ينفعهم، وإن استمر حال المسلمين على ما هم عليه فلن يكونوا خير أمة، لا في الدنيا ولا أعتقد أنهم سيكونون كذلك في الآخرة.

 

إبراهيم ابراش

 

 

بليغ حمدي اسماعيلتصاعد العمليات المسلحة صوب بعض الدول العربية بشأن زعزعة استقرار الأوطان، وفكرة الظهور النسبي كل فترة للجماعات والتيارات الدينية السياسية بالمنطقة أعاد إلى الأذهان فكرة وكالة الدين التي تصر قيادات هذه الجماعات البائدة فكريا وحضاريا على استغلالها وجعلها حقا مكتسبا لها دون غيرها من المؤسسات الدينية الرسمية التي تضم آلاف العلماء ورجال الدين الأكفاء. وارتداد تلك الجماعات المتطرفة إلى ممارساتها التاريخية المتمثلة في الاغتيالات وأعمال القتل والتعذيب الوحشي إزاء المخالفين هو نوع من الاعتراف الصريح بالفشل في إيجاد خطاب فكري لها، أو القدرة على الوجود الطبيعي السلمي لأيديولوجياتها بين فئات المجتمعات العربية التي باتت أكثر اهتماما بمحاصرة الجائحة الكونية كورونا أكثر من اهتمامها بجماعات بعينها تظهر وتختفي وتتواري خلف مسميات متعددة كالجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين والتكفير والهجرة والتبليغ والدعوة والسلفية الجهادية والسرورية والعائدين من أفغانستان وتنظيم الدولة وولاية سيناء وأنصار بيت المقدس وجبهة النصرة والمرابطين وغير ذلك من المسميات التي وإن تعددت لم تستطع الفكاك من شرك التطرف والغلو وتكفير المجتمع وإراقة الدماء للعسكريين والمدنيين على السواء .

 ورغم تعدد التيارات والجماعات  السياسية ذات المرجعية الدينية في الوطن العربي وكثرة شعاراتها الشعبوية التي جاءت بها إلا أن هذه التيارات خلت تقريباً من صياغة مشروع إسلامي الذي كان من المفترض والمتوقع أن تأتي بها، وهذا من شأنه أن يدهش القاصي والداني المتابع للشأن العربي، فقيادات الجماعات الدينية اكتفت بإدلاء التصريحات السياسية والفتاوى الدينية حول بعض القضايا الاجتماعية المعاصرة وأحياناً إثارة الغبار عن قضايا فقهية انتفى ذكرها منذ قرون . ورغم وجود حالة التناطح تلك إلا أن المشهد الحالي لهذه التيارات والجماعات والطوائف  أثبت انتفاء تام لوجود مشروع إسلامي يحقق نهضة أمة لا تزال تعاني من مخاض نهضوي لم يكتمل بعد .

وكنت أظن أن حالة المد والصعود السياسي لبعض التيارات الدينية ستدفعها لتبني وصياغة وتشييد مشروع إسلامي تنويري حسب شعاراتها الدينية وقت الانتخابات التشريعية والتي دغدغت عقل وقلب الناخب بكافة البلدان العربية التي شهدت ما يعرف بثورات الربيع العربي، إلا أن هذا المشروع المنتظر لم يظهر حتى وقتنا الراهن، وربما توافرت مجموعة من الأسباب والعوامل هي التي أسهمت بصورة غير مقصودة في تأخر ظهور المشروع الإسلامي النهضوي الذي لا أتوقع ظهوره لفكرة التعانق بين الديني والسياسي لتحقيق مطامع ومكاسب ومطامح شخصية بحتة .

وأزمة غياب المشروع الإسلامي لدى هذه التيارات التي تعلن ليل نهار أنها ذات مرجعية دينية يكون سببها الرئيس في أنها تخاف من أن تموت الثورة بالسكتة القلبية أو الدماغية وهذا معناه أن تعود الأحزاب الدينية إلى نقطة الصفر من جديد، وربما تعاني أيضاً من سلسلة من الانهيارات السياسية التي قد تعصف بمستقبلها في تسيد المشهد الاجتماعي والسياسي في مصر .

فعلى سبيل المثال، أسفر المشهد السياسي في الوطن العربي هذه الأيام عن تعرض جماعة الإخوان المسلمين ذات الرصيد التاريخي الضارب في القدم منذ 1928 لحملة انشقاقات واسعة أسفرت عن وجود جماعات متعددة وجيوب صغيرة متعددة ربما ستعلن استقلالها آجلاً عن المؤسسة الرسمية والشرعية للجماعة التي لم تستفد من تجربة الحظر والمنع والقمع لها طوال عقود بعيدة . ومشكلة انتفاء وجود مشروع إسلامي لدى التيارات الدينية ومنها جماعة الإخوان والتكفير والهجرة تلك الفئة التي أباحت قتل رجال الشرطة وأسرهم في ثمانينيات القرن الماضي بغير رحمة أو إنسانية عن طريق رجال لا يفطنون كنه الدين الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية والتمايز الفقهي بين المذاهب، ومرجعه أن ثقافة الانشقاقات عن تلك الجماعات الراديكالية الأكثر غلوا تمثل سيفاً تاريخياً يضرب جذورها، ومن ثم لم تستفق التيارات المتطرفة الموسومة بالإرهاب واستخدام القوة من تحدياتها الداخلية حتى تشرع في صياغة مشروع نهضوي ولذلك فهي تسير على نفس الخطى المنهجية لجماعة الإخوان وتنظيم القاعدة بغير إضافات أو مراعاة لتغير الزمان والمكان لهذه الخطى .

وكانت فكرة الانشقاق قد بدأت مبكراً حينما تقدم المهندس أبو العلا ماضي بطلب في التاسع من يناير عام 1996 إلى لجنة الأحزاب بمجلس الشورى لإنشاء حزب جديد يحمل اسم حزب الوسط، ولكن محاولته تلك باءت بالفشل وانتهت الفكرة في ذلك الوقت باعتقال أصحابها للاعتقال والسجن والمحاكمة القانونية . وهذا الخروج غير الشرعي على ثقافة السمع والطاعة قد كسر قاعدة الراديكالية الصارمة داخل الجماعة، والأغرب أن نائب المرشد العام للجماعة آنذاك مأمون الهضيبي أعلن أن الإخوان لم يطلبوا إنشاء حزب سياسي، وأن الذين ذهبوا لإنشاء حزب تصرفوا من أنفسهم، وفي الوقت نفسه أعلن المرشد العام مشهور استياءه العام من تصرف مستقل لا يعبر عن رأي الجماعة، وأعلن عن هذا صراحة بقوله : " الموضوع باختصار يتلخص في أن بعض شباب الإخوان كانوا قد فهموا خطأ موافقة الجماعة على تأسيس حزب وتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون استشارة الجماعة، وأعدوا برنامجاً وجمعوا توكيلات من خلف القيادة وقدموا الأوراق إلى لجنة شئون الأحزاب، وكان ذلك بمثابة مفاجأة للإخوان، فكان القرار ألا شأن لنا بهذا الحزب " .

ورغم هذا الانشقاق الذي كان من دوره فتح آفاق جديدة لدى الجماعة لتدشين مشروع نهضوي تنويري يخدم مصر كلها وليس الجماعة وحدها إلا أن هذا لم يحدث، بل ولم يفكر أحد بصورة جدية وجادة في صياغة ملامح أولية لمشروع إسلامي كبير .

وربما هذا التخلي الإخواني في السابق عن الحزب الوليد هو الذي أعطى الضوء الأخضر للمؤسسة السياسية في مصر آنذاك برفض الحزب ومن ثم حبس وتعذيب واعتقال أعضائه.  وبعد أعوام بعديدة رأينا أن المشهد السياسي الحزبي في مصر شهد مولد حزبي الوسط رهين المنع والقمع قديماً، وحزب الحرية والعدالة صوت جماعة الإخوان المسلمين، ورغم ذلك وجدنا مجموعة من الشعارات اللغوية فقط دون وجود مشروع نهضوي يعكس ثقافة هذه الأحزاب ذات المرجعية الدينية.

وهذا الانشقاق في صفوف جماعة الإخوان المسلمين لم يكن وليد الصدفة، أو له السبق في الخروج وشق عصا الطاعة، فلقت سبقتها الجماعات الإسلامية تحديداً في عام 1981، حينما تعرضت جماعة الجهاد لأول اشقاق سياسي مبكر في صفوفها حينما أعلن عبود الزمر تنصيب نفسه أميراً لتنظيم الجهاد  وكان ذلك عقب اغتيال الرئيس الراحل العظيم محمد أنور السادات، ورفض آنذاك عمر عبد الرحمن، وأرسل وقتها فتواه الشهيرة بأنه لا يجوز الإمارة لأسير، فأعقبه عبود الزمر بفتوى مضادة مفادها بأنه لا تجوز إمارة ضرير ..

وبمجرد تبادل إطلاق التصريحات والفتاوى تفجررت مجموعة من الانشقاقات داخل الجماعة الإسلامية رغم حدوث ترضية بين الاثنين على أن يتولى عمر عبد الرحمن إمارة الفتوى في حين تولي عبود الزمر إمارة الجناح العسكري، وظهرت فيما بعد جيوب عديدة للجماعة مثل جماعات الناجون من النار، والحركيون، والشوقيون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعة القمري.

وهذه الجماعات المنشقة عن الجماعة الأم لهثت وراء تدشين مجموعة من الشعارات والصيحات مثلها مثل جماعة الإخوان المسلمين دون تحديد واضح عن وجود مشروع إسلامي يحقق نهضة هذه الأمة ويضبط سلوكياتها وييسر شئون الراعي والرعية .

وبعد أن عانت الجماعات الإسلامية من سياسات مبارك الأمنية التي تمثلت في الاعتقال والتعذيب والمطاردات الأمنية، والقتل أحياناً كثيرة والعزلة الاجتماعية والسياسية لجأت بعض الأصوات الإسلامية إلى اللجوء القسري لما يسمى بفقه المراجعات، والتي ارتكزت على مراجعة بعض الآراء الفقهية لدى تلك الجماعات والخاصة بالجهاد وتبرير العنف المسلح، وبدت هذه الأصوات أكثر وسطية رغم رفض الجماعة الإسلامية لهذا التصرف، حتى أن بعضهم نال حتفه على أيدي قيادات الجماعة نفسها .. إلا أن هذه المراجعات الفقهية لآراء الجماعات الدينية المتشددة لم تتوقف بل تحولت بشدة نحو السلمية وطرحت خطاباً فقهياً يفسر تحولها عن سياسة العنف .

ولنا أن نتساءل: هل يمكننا اعتبار مثل هذه المراجعات مشروعاً إسلامياً ؟ بالقطع لا، فهناك فرق كبير بين نقد الحالة الراهنة، وبين استشراف مستقبل وفق خطوات منهجية وأسس واعتبارات وثيقة الصلة بالمتغيرات الثقافية والاجتماعية لوطن ما، وهذا ما لم تفعله الجماعات الإسلامية التي أعلنت توبتها عن أفعالها الدموية السابقة .

ولاشك أن هذا الانشقاقات الداخلية في التيارات الإسلامية في مصر واكبها انشقاق عالمي لاسيما التناطح السياسي بين المرجعية الدينية في إيران (المرشد العام) وبين الرئيس، بالإضافة إلى تردي المشروع الإسلامي في السودان وقيام حسن الترابي بتشكيل ما عرف وقتها بالأممية الإسلامية، وصعود التيارات الليبرالية القومية، أدت هذه الإحداثيات إلى غياب المشروع الإسلامي بصورة واضحة . فمعظم التيارات والجماعات الإسلامية التي بزغت منذ الثمانينيات خرجت من عباءة الثورة الخومينية في إيران، ولكن حدث لغط شديد عند تطبيق المرجعية الإيرانية في بيئات غير مؤهلة لذلك أولاً، ولاختلاف النموذج الإيراني عن المجتمعات العربية والمصرية تحديداً من جهة أخرى .

والمشكلة قد لا تتمثل في النموذج الإيراني الحاكمي إنما في طبيعة التركيب المجتمعي في مصر، والذي يأبى وجود حاكمية تشترط السمع والطاعة دون مناقشة، كما أن طبيعة التركيب الاجتماعي الثقافي في مصر من شأنه ألا يقبل تطبيق أي فكر سياسي ذي صبغة دينية دون مناقشة أو مراجعة وتفنيد .

والذي دعم فكرة عدم قبول النموذج الإيراني السياسي ذي التوجه الديني المتشدد أنه لم يقابله وجود نموذج مقارب مصري الصنع، فرغم أن التيارات والجماعات الدينية في مصر تتسم بسمات مميزة عن غيرها من التنظيمات السياسية مثل وجود مرجعية فقهية وقدرتها على التنظيم السري والتحشيد وتوجيه العامة، إلا أنها افتقدت ملمحاً رئيساً وهو اختفاء نموذج أو مشروع نهضوي يمكن تطبيقه، وأصبحت الآراء المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودرء المفاسد والحاكمية وحديث الرقائق وقصص الصحابة هو المشروع الإسلامي النهضوي، لكنه ليس على غرار مشروع الإمام المجدد محمد عبده .

وبمجرد أن انخرطت التيارات الدينية في المشهد السياسي عقب ثورة يناير المجيدة سرعان ما استدعت تلك التيارات روح النموذج الإسلامي من جديد ولكن هذه المرة من أجل اعتلاء سدة السلطة التشريعية والرقابية وربما التنفيذية بعد ذلك . فبدأ بزوغ مشروع نظري وورقي ـ على حد تعبير المحللين السياسيين ـ ظهر بوضوح أثناء خوض الإسلاميين انتخابات مجلس الشعب الأخيرة والتي نجم عن هذا النموذج النظري توافد الملايين نحو غزوة الصناديق من أجل إعلان الانتصار الإسلامي الذي لا يعرف ضد من . ولكن بمجرد أن وصلت التيارات الإسلامية إلى مقاعد البرلمان وما أعقبها من مقاعد بالنقابات المختلفة أفل من جديد نجم المشروع الإسلامي الذي لم يكن يعتمد على خطة مستدامة يمكن تطبيقها إذا صلحت النوايا .

إن مشكلة النموذج الإسلامي المصري الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي هو أسلمة المجتمع المصري، والقائمون على هذا النموذج لا يزالوا يظنون بأن المجتمع كافر ويحتاج إلى تطهير وتغيير، رغم أن البلاد منذ تلك الفترة شهدت أكبر حركة تأليف إسلامية ونشط الدعاة بصورة غير مسبوقة، ويكفي أن نشير إلى ظاهرة الدعاة الجدد الذين تسيدوا المشهد الفضائي ورغم ذلك ادعت ولا تزال تدعي بعض التيارات الدينية أن المجتمع المصري يعيش منذ سنوات في ضلال غير مبالين بظواهر جيدة تفشت في المجتمع كان أبرزها الفضائيات الدينية والسلاسل الدينية التي أصدرتها وزارة الأوقاف المصرية ومشروع مكتبة الأسرة وتعدد المجلات والمطبوعات الدينية، ورغم ذلك يجتهد الإسلاميون في أسلمة الوطن !! ..

لكن أكبر عائق وقف ولا يزال يقف أمام النموذج الإسلامي الاستشرافي هو بدعة الغلو في التكفير، وهو الأمر الذي دأبت التيارات المتشددة في استخدامه بصورة موحشة،والمشكلة التي أسهمت في بزوغ هذه البدعة هي أن معظم المنتمين لاسيما القادة إلى هذه التيارات المتشددة فهموا خطأ ما أشار إليه ابن تيمية في تكفير التتار والجهاد ضدهم، الأمر الذي دفع الجهاديون في تعميم الفكرة بالمنادة بتكفير المجتمع والمؤسسات الرسمية في البلاد، بدعوى أن هذه المؤسسات لا تطبق شرع الله، رغم أن كافة المؤسسات الحكومية بها مساجد خاصة لإقامة فريضة الصلاة، ناهيك عن الملصقات الدينية المنتشرة بالمكاتب والطرقات بصورة كبيرة .

إذن إذا أردنا في اختزال شديد أن نحدد ملامح المشروع الإسلامي الذي كان ينبغي أن يقوم على النهضة والتنوير إلا أنه قام على مرتكزات أخرى ربما كانت وليدة اللحظة السياسية الراهنة آنذاك فإنها لا تخرج عن مواضعات فقهية ترتبط بفكرة الخروج على الحاكم الفاسد، وتكفير المجتمع، والغلو في تفكفيره، والجهاد ضد أعداء الإسلام، وتطبيق الحاكمية، وتغيير المنكر باليد والقوة، وأخيراً الحسبة بوصفها فرض عين، لكن هذا المشروع لم يكتب له الاستدامة لأنه ارتبط بفترة زمنية محددة، كما ارتبط الخطاب السياسي للأحزاب الدينية بفترة التصويت الانتخابي وبعده اختفى صدى هذا الخطاب، كما أن المشروع الإسلامي الذي ظهر منذ السبعينيات واستمر خلال أكثر من ثلاثين عاماً لم يخرج عن كونه نموذجاً جهادياً فقط دون التطرق إلى تأسيس خطاب نهضوي يتسم بالحداثة والجدة والاستمرارية بل كان مجرد رد فعل لتحولات السلطة السياسية في مصر .

وجدير بأن نشير إلى سبب رئيس دفع بعض التيارات الدينية السياسية إلى عدم تبني مشروع إسلامي استشرافي للبلاد، وهو أنها تتميز دونما استثناء بملامح مثل إلغاء الفردية وفرض التنميط الجمعي واتباع سياسة القطيع، الأمر الذي استبعد تماماً وجود طروحات فكرية ثابتة، بالإضافة إلى انشغالها المستدام والمحموم في الحصول على النفوذ السياسي واعتلاء المنصة الخطابية بانفراد لا يقبل التعددية .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

المدرج في فصل: قصي السهيل.. شخصية متعسفة. كتاب عادل عبد المهدي للمؤلف سالم جواد الساعدي

في خضم التطرق للأخطاء الفادحة التي اقترفها قصي السهيل خلال ادارته لوزارة التعليم العالي لم يراعي الكاتب في بعض جوانب موضوع نظام المقررات الحد الفاصل بين الموضوعية والذاتية عند بحثه عن الحقيقة التاريخية والسياسية. ولحماس الكاتب في فضح آثام قصي السهيل وتسفيه اجراءاته (وهو محق في ذلك) نسى ان نظام المقررات لم توضع اسسه في عهد د قصي وانما في عهد الدكتور عبد الرزاق العيسى لذا رأيت من المفيد القاء ضوء على تلك الفترة وعلى جوهر نظام المقررات. أسست ركائز نظام المقررات بجهود شخصية مني ومن الدكتور عبد الحسين غانم صخي. وتم لنا من وضع أسس هذا النظام الراقي بعد ان شكلت لجنة برأستي استنادا للأمر الوزاري (ق/7/5/ 2559) بتاريخ في3/7/2017  لدراسة الموضوع وضمت بالإضافة الى د عبد الحسين د غسان حميد عبد المجيد مدير عام دائرة البحث والتطوير و د سهيل نجم عبد الله حسين مدير عام دائرة الدراسات والتخطيط و د أسامة فاضل عبد اللطيف حسن مساعد رئيس جامعة بغداد ود فوزي حامد حسين الهيتي مساعد رئيس جامعة المستنصرية ود علاء عبد الحسن عطية مساعد رئيس الجامعة التكنولوجية ود علاء عبد نعمة العاني مساعد رئيس جامعة النهرين و د قحطان هادي حسين مساعد رئيس جامعة بابل و د محمود جواد أبو شعير عميد كلية الرافدين الجامعة. درست هذه اللجنة شكلين من نظام المقررات وهما نظام الوحدات الأمريكي ونظام الموديلر الأوربي (والذي يختلف عن نظام الكورسات البريطاني والذي اسماه الكاتب خطأ بنظام المقررات)، كما اخذت اللجنة بنظر الاعتبار الصيغة التي طبقت سابقا في بعض الجامعات العراقية كجامعة البصرة، واخذت أيضا بنظر الاعتبار المشاكل والصعوبات التي واجهت تطبيق النظام السابق. توصلت اللجنة الى صيغة توافقية ضمت عددا من أسس نظام المقررات الأوربي ونظام الوحدات الامريكي وبني على أساس ما تم تطبيقه في الجامعات العربية والعراقية، وتركزت محاورها على الأسس البيداغوجية والتربوية الحديثة كمخارج التعلم وعبئ الطالب وتوصيف البرامج، واعتمدت مفهوم (الطالب محور العملية التعليمية) بدلا من المفاهيم التقليدية للتدريس. كما ان الصيغة التي تم إقرارها من قبل هيئة الرأي حينذاك اخذت بنظر الاعتبار عدم تحميل الجامعات عبئ أكثر من طاقاتها من قاعات جديدة او بنى تحتية او زيادة في عدد التدريسيين.  ولقد تألمت كثيرا من سماع الأصوات المتذمرة بشأن عدم توفر القاعات والتدريسيين وصعوبة نظام التسجيل، لان ذلك لم يكن ابدا من شروط تطبيق النظام، لكونه وضع كنظام لا يحتاج ابدا الى اية زيادة في البنى التحتية والموارد البشرية، ولكونه يسهل عملية تسجيل الطلاب. وكنا نشارك الوزير د عبد الرزاق العيسى الايمان بضرورة تجربة نظام المقررات في عدد محدد من الكليات والجامعات والتعرف على إيجابياته وسلبياته وعلى اراء هيئات التدريس، ولذلك اقرت هيئة الرأي بتجربته أولا ولمدة سنة واحدة في ثلاث جامعات صغيرة نسبيا بعد ان تم اخذ موافقتها، وهي بالتحديد الكرخ للعلوم والتكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات والجامعة التكنولوجية (بعد نيل استقلاليتها الإدارية والأكاديمية) ومن ثم يتم اشراك جامعات أخرى في حالة رغبتها في تطبيق النظام. وحالما بدأنا بتدريب الإداريين والتدريسيين في هذه الجامعات حدث التغيير الوزاري وجاء د قصي السهيل ليأمر بتشكيل لجنة جديدة لنظام المقررات، وليبدأ بتطبيق نظام مستل من نظام المقررات الأصلي الذي تم اقراره في عهد د عبد الرزاق العيسى وفرضه بصورة شاملة على جميع الجامعات، وبأهمال متعمد لما اوصت به اللجنة السابقة وبما أمرت به هيئة الرأي كجزء من سياسته في التصدي لكل الإجراءات التي اتخذها الدكتور عبد الرزاق العيسى. ولم اعلم بهذا التغيير المفاجئ الا بعد زيارتي للعراق اثناء تسنم د قصي لمهامه فحاولت مناقشته بهذا الامر ضمن أمور كثيرة ولكنه لم يكن ليذعن الى نصيحتي ولا الى الاهتمام بأرائي. شعرت خلال الأيام القادمة بما كان يضمر لي من كراهية ولاحظت عن كثب المعاملة السيئة للقيادات الجامعية مما اضطرني الى ترك العراق ومقاطعة الوزير تماما. وما جرى بعد ذلك لم يكن لي علاقة به وبالتطبيق المبتذل والمحرف لما سمي بنظام المقررات والذي من خلاله تم القضاء على أحد احلامي واحلام التربويين والمصلحين في ادخال الجامعات العراقية الى القرن الواحد والعشرين.

اسمحوا لي ان أدرج ادناه الأسس المهمة لنظام المقررات الأصلي، والذي كنت اسميه بنظام المقررات المبني على أساس الوحدات، وللأسباب التي ذكرتها أعلاه.

نظرة عامة لنظام المقررات المبني على أساس الوحدات

1- شروط الحصول على الشهادة تحدد في "توصيف البرنامج". واهم ما فيه هو تحقيق الأهداف التربوية. اما الاليات فيمكن تطويعها بما يتناسب وامكانيات الجامعة.

2- لكل مقرر عدد من مخرجات التعلم تحدد عدد الوحدات المقررة للمقرر وطريقة الامتحان ويمكن ان يبنى المقررعلى أساس بيداغوجيا "التعلم المبني على المشكلة".

3- يتم التسجيل من قبل الطالب على المقررات في بداية الفصل الدراسي او بداية السنة على حسب طبيعة المقرر.

4- لكل مقرر عدد من الوحدات ولكن في معظمها يكون لكل منها 5 وحدات مع ان المشروع والاطروحة لها عدد أكبر من الوحدات.

5- كل وحدة تتمثل بعمل يسمى عبئ الطالب يعادل 20 ساعة عمل تشمل المحاضرات (ساعات الاتصال) والقراءة والتقارير والامتحانات والمختبرات.

6- بالمعدل يكون لكل سنة 60 وحدة ولكل 4 سنوات للحصول على الشهادة 240 وحدة.

7- المقررات تقسم على مستويات (مراحل) ولكل مستوى عدد منها عند اكمالها يتقدم الطالب مستوى (او مرحلة). في بعض الأحيان تدرس بعض المقررات في مرحلة متقدمة او متأخرة وحتى من الممكن تدريس مقرر لمستوى الماجستير في المرحلة الرابعة.

8- تسمح المقررات بالدراسة المتعددة التخصصات وبدراسة مقررات تمنح من قبل عدد من الأقسام او عدد من الكليات.

9- تتضمن معايير التقييم في نظام المقررات كيفية تحديد التدريسي ما إذا كان الطلبة قد حققوا مخرجات التعلم المقررة لكل وحدة من وحدات الدراسة، أي عن طريق تقديم توقعات مفصلة من حيث أداء المتعلم. وينبغي أن تكون هناك صلة واضحة وقابلة للتثبت بين مخرجات التعلم ومعايير التقييم لكل وحدة نمطية.

10- يبنى فيه تقييم الطالب على اساس مخرجات التعلم وليس على اساس مفردات المقرر اي ليس لغرض معرفة ماذا درّس الطلاب في المقرر بل يفحص نواتج عملية التعلم بمعنى معرفة ماذا تعلم الطلاب.

11- في العادة يكمل المقرر في فصل واحد او في سنة واحدة. نظام المقررات يمكن ان يكون نظام فصلي او سنوي

12- ليس بالضرورة ادخال مقررات جديدة او اختيارية عند عدم توفر البنى التحتية او التدريسيين.

هذه هي أسس نظام المقررات، وهي التي كنا نحلم بتطبيقها في الجامعات العراقية، وما ربط اسم هذا النظام باسم د قصي السهيل الا اجحاف لجهود الوزارات السابقة ولجهودنا وجهود السادة أعضاء لجنة "وضع اسس نظام المقررات" والأساتذة الذين ساهموا في تدريب الإداريين والتدريسيين وتمكينهم على تطبيقه. لقد ساهم قصي السهيل عن قصد او عن غير قصد في تهديم أحد دعائم تطوير التعليم في الجامعات العراقية وبذلك ترك اثار سيئة واسعة النطاق. 

 

محمد الربيعي

 

 

كثيرة تلك الصرخات الاعلامية الهائلة التي يتخذ منها مروجوها تسويق مفهوم ما، وفق برنامج اعلامي محدد ومخطط له بدقة وعناية، يأخذ على عاتقه تأسيس منظومة فكرية دولية ومن ثم توسيعه ليشمل العالم كله، ومن بين تلك المفاهيم التي شغلت العالم قبل عقود عدة واخذت صدى واسعا، مفهوم تحرير المرأة !! .

فما الذي حصلت عليه المرأة، بعد ان هدأت اصوات المناضلين من اجل تحريرها في الدول الرأسمالية والاستهلاكية العظمى؟ .

مضت تلك العقود التي تحولت فيها تلك المرأة (الاسيرة المحبوبة) في القرون الوسطى الى (اسيرة حرة) في القرون الحديثة على حد تعبير المفكر علي شريعتي * وفق مفهوم الجنس بدل الحب في مجتمعات النظام الرأسمالي الاستهلاكي النفعي الذي جعلها اداة للاستهلاك الجنسي وللمنفعة الاقتصادية والاجتماعية، ومراجعة بسيطة للكم الهائل للقنوات والفضائيات التي تبيع المتعة عبر النت، كفيل بمعرفة مبرر ترويج وكذلك عملية تطبيق تلك الدعابة التي اطلقوا عليها تحرير المرأة !! وتحريرها، من ماذا يا ترى؟  بهذه الافكار الملغومة التي استهدفت المجتمعات الغربية الحديثة وبالخصوص كينونة الاسرة والانسان فيها، بالاعتماد على فلسفات علم النفس المعاصرة كنظرية الشبق الجنسي، المحيرة لعالم النفس الشهير سيجموند فرويد، جاء الفكر الغربي حتى يغير تقاليد المجتمعات الشرقية بعد ان تم له ذلك في عقر داره، وليس غايته المرأة الشرقية وتحريرها بالتأكيد كمفهوم مجرد !! يسعى الى تطبيقه، كما لم يكن بنفس الغاية نحو المجتمع الغربي والمرأة الغربية بالتحديد، (فقد تم استخدام المرأة كأداة للتسلية والترفيه بأعتبارها الكائن الذي يملك الجاذبية الجنسية التي لا تدع العامل والموظف والمثقف يفكرون في اوقات فراغهم بالتمرد ضد الرأسمالية وطبقيتها الرائدة، فأستخدمت لتملأ كل الثغرات الموجودة في الحياة الاجتماعية، فتحول الفن من مرتكزات للجمال واسس لمحاور الروح والعاطفة الى محور الجنس والتلذذ بالجسد بناء على توصيات الرأسمالية والبرجوازية الغربية المعاصرة)*

برامج تسعى لتعزيز القدرة على استيعاب وفهم وقيادة الروح والعقل الشرقيين، من خلال افراغ الصور الذهنية والقواعد السلوكية والمعايير الاخلاقية التي تربى عليها منذ نشأته الاولى، يبدأ من خلال توفير كل الحاجات التي لا يوفرها له الواقع والمحيط بسبب التقاليد والاعراف الاجتماعية والدين، فتأتي عبر السيطرة على الانسان الشرقي الذي يمثل الشرق بُعده الجغرافي من خلال التحكم على مكامن عقله اللاواعي، وينتهي بالغزو الاقتصادي والثقافي الكامل . وعلى مستوى النتائج التي (تكون فيه الارجحية للاستغلال والاستهلاك والانتاج، في تلك الدول المتقدمة، حيث تم تحويل المرأة لا ككائن مثير للخيال وبؤرة الهام ومرآة صادقة للرجل ورابطة مقدسة، انيسا وكيانا انسانيا كبيرا ومصدرا عاطفيا ضخما يضم بين دفتيه مفاهيم الامومة والحب والاسرة، الى سلعة اقتصادية تباع وتشترى حسب جاذبيتها الجنسية)* . 

بهذه الواقعيات المعاصرة لمنهج الرأسمالية العالمية والمعتمدة منهجيا، وبهذا الهياج والصخب المتعالي تظهر، ظاهرة المثليين، على انها هياج من نوع اخر يشبه الى حد كبير بأعتقادي ظاهرة هياج تحرير المرأة التي عصفت بالعالم قبل عقود مضت .

وظاهرة المثليين رغم وجودها في الدول العربية والاسلامية و بقوة في بعضا منها خاصة الخليجية، الا انها في بلدانها الام، اي تلك الدول الاوروبية والغربية منها، التي قننتها ورفعت عنها كل انواع المنع حيث حصنتها قانونيا وجنّبتها بأسم القانون اي مواجهة مجتمعية او صراع ديني محتمل، الا انها والى اليوم تواجه في تلك الدول، رفضا مجتمعيا !!!، وما يهمنا بيانه هنا، ان اصحاب تلك الظاهرة من المؤمنين بها او المثليين انفسهم لا ينظر اليهم كالنظرة الى الانسان السوي !! (حيث يعتبر يوم ١٧ من ايار عام ١٩٩٠ يمثل هذا التاريخ يوما عالميا لمناهضة رهاب المثلية الجنسية والتحول الجنسي) حتى احتفالاتهم التي يقوم على احيائها منظمات واحزاب وشخصيات مجتمعية شهيرة سياسية او فنية او اجتماعية، تظهر ولائها للفكرة بين مدة واخرى، الا ان الاقبال على مثل هكذا اجتماعات واحتفالات هناك يظل مقتصرا على اصحابها المثليين او الداعين والداعمين لها وهم نسبة قليلة في تلك المجتمعات التي تتمتع بشرعية تلك الظاهرة !، وهم على ما يملكون من وسائل تحفيز وقوانين متحررة ودعم مالي كبير، تدعم تلك الظواهر، الا انهم لا زالوا يواجهون رفض نسبي من مجتماعتهم .

فكيف والقياس هنا في العراق او الدول العربية المحكومة سياسيا و اجتماعيا وفق اطر دينية واسلامية، وللاعراف فيها دور قوي ومؤثر، حتى كتاب الله عزوجل يقر  ب (خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) ما للاعراف الدينية او الاجتماعية التي تَرّكز فيها الدين من الاساس، من قوة تأثير بالشارع العربي، هذا من جانب، وعلينا عدم انكار الجانب الاخر الذي وفر معلوماته، وجود تلك العينة الاجتماعية بيننا و التاريخية التي أقرها  القرآن الكريم نفسه وكتب التاريخ عن مجتمعات نهضت فيها هذه الظواهر  وبقوة اكثر بكثير منها اليوم، الامر الذي من اجله بعث الله جل وعلا الرسل الى اقوام مثلية بل ومهووسة بهذه الظاهرة، وما قصة نبي الله لوط مع قومه الذين فعلوا ما لم ييسبقهم احدا من العالمين، والذين بالغوا في احراجه مع ضيوفه المكرمين حسب آي الذكر الحكيم، حيث يأتون الرجال شهوة دون النساء، الا مثلا واضحا لوجودهم بالامس واليوم كذلك، وقال عزّ وجل في كتابه الكريم: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ*إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) * [الأعراف: 80-82] .

وهناك بعض الاراء لمدارس مذهبية اسلامية تذهب الى ان (اصحاب الرس)  المذكورين بالقرآن الكريم بأكثر من اية مباركة، هم كانوا ايضا من اتباع تلك الطريقة في العلاقات المثلية فيما بينهم .

فأذا تحدثنا عن وجود تلك الظاهرة وبقوة في بعض الدول، فأننا لا نستطيع اطفاء جذوتها برش الماء عليها ومحاولة اخمادها، كون الظاهرة الاجتماعية لا تنشأ الا من خلال وجود اسباب نشأتها ونهوضها، ولا يمكن لنا ولاي قوة انهاء ظاهرة من خلال فرض اسلوب القمع والقوة، (فلاشي يقوي الفكرة سوى اضطهادها)، فعلينا مواجهة الاسباب المؤدية لنشوءها وهي كثيرة، فسهولة توفر وسائل الاتصال ومعرفة العالم من حولنا والوصول عبر الاثير الى المجتمعات الاخرى التي فيها مساحة واسعة لحرية الظاهرة والتأثر بها، وهذه النقطة بالذات هي اهم ما غذت قوة وجود الظاهرة وتناميها، على انها اخطر افراز نوعي لوجود الظاهرة بجانب انتشار الامية بشكل واسع وفساد النظام السياسي، اضافة الى عوامل اجتماعية عديدة زادت من قوتها كالبطالة وعدم زج المجتمع بثقافة الانتاج وتفعيل القطاع الخاص وامية التعليم كما اشرنا ولها الدور الكبير في تنامي الظاهرة (رؤية عامة لعالم المنتمين لهذه الظاهرة هم من أميي التعليم) ونتاج ثقافات المجتمعات المتعسكرة والدور الكبير لفساد الانظمة السياسية المتعاقبة وفساد المؤسسات الرقابية التابعة لها في تتبع توفير اسباب نشوء الظاهرة، (فعلاجات السمنة مثلا والادوية التي تزيد من معدلات الهرمونات الانثوية متوفرة وفي متناول اليد منذ اعوام عديدة والاقبال عليها بنسبة كبيرة من اليافعين الشباب)، هذه العوامل وغيرها وفرت ملاذا للهروب من الواقع نحو عالم يأخذ بالاتساع والحرية لعينة الصبية والشباب واليافعين الهاربين من الواقع المتردي، ظروف ساهمت باتساع الظاهرة حيث توفرت المناخات الملائمة لوجودها وانتشارها، وليس معنى ذلك ان المجتمعات التي تنعم باجواء بعيدة عن تلك التي ضَمنّاها في اعلاه، ورغم ذلك فانها مرتع خصب للظاهرة، وهنا بالذات تكمن ميزة قوة الظاهرة من ضعفها في كل امة ومدى توفر شروط نمائها وقوتها في مجتمع ما كالاوروبي واستحالة اضعافها فضلا عن اندثارها، وميزة ضعف الظاهرة وعجزها ومحاولات علاجها او احتوائها وضمان عدم انتشارها على الاقل في الدول العربية مثلا، وذلك بتقليل زخم واضعاف مصادر قوتها (فالظواهر حسب نشأتها ووجودها ومحيطها وتاريخها،  ومنها لا تموت بالتأكيد)، بمحاولات علاج اسباب نشوئها التي ذكرنا جانبا منها في اعلاه، لتبقى الظاهرة رهن القوة والضعف،  قوة الارض التي نمت بذورها فيها وانتجت عبر تاريخها الزمني اسباب بقائها واحتمالات ديمومتها وضعف المحيط الذي تكاثرت فيه، دون معرفة حقيقية للمبرر الرئيس لنشأتها الاولى على وجه التحديد.

ورب سائل مثلي يسأل، اليس الاجدر بتلك القلوب (الانسانية) الرأسمالية الرحيمة!! التي ثارت من اجل تحرر المثليين اليوم وتحرير المرأة بالامس، رفع علم  تحرير العقل من سيطرة المنظومات السياسية التي فرضتها الرأسمالية الغربية على الشعوب المستضعفة في العالم؟ ام تتركها لمصيرها كما فعلت بالسابق، محكومة ببرنامج ثورة ربيعية، مزاجها الرأسمالي المبرمج وحده من يقرر ذلك .

ولا ادري عن رأي الذين استثمروا طرح افكارهم المتعففة في هذه المسألة المنحلة بالذات وخاصة من المتورطين بقضايا فساد مالي واخلاقي كبرى تمارس بشكل يومي ومنذ اعوام طوال، والفساد مفهوم شامل، بكامل جزئياته وحيثياته، سياسية كانت ام اجتماعية وبالتالي تعود منشأها الى خلل اخلاقي !! ام نترك اجابة هذا الامر لتلك (الشاة التي رأت قصابها يشحذ سكينه فقالت له: احترس يا سيدي من ان تجرح اصبعك) *  .

 

 حسن عزيز الياسري - بغداد

...............................

* علي شريعتي، فاطمة هي فاطمة

* ميخائيل نعيمة، كرم على الدرب

 

علي اسعد وطفةمنذ عهد قريب بدأ النظر إلى التغيير في الأنظمة التربوية على أنه أمر إيجابي ومرغوب فيه. ومع ذلك بقيت بعض القطاعات الاجتماعية خارج دائرة هذا التصور حيث ينظر بريبة وشك إلى عملية التغيير في الأنساق التربوية والثقافية، وأحيانا ينظر إلى التغيير في البنى الثقافية على أنه أمر يبعث على الريبة والحذر والخطر. فالتغيير في التربية قد يعني بالضرورة تغيير الطرق التي يعتمدها الناس في تربية أولادهم وأطفالهم، وهذا يعني تغييرا في العلاقة بين الراشدين والصغار بين جيل الشباب وجيل الكبار وقد يؤدي هذا التغيير إلى تشويه العلاقة القائمة على تعظيم الصغار لكبارهم وهيمنة الكبار على الصغار. ومن هذا المنطلق نجد بأن التغيير في التربية وفي العادات يكون غالبا بطيئا ثقيلا مشوبا بالحذر. وعلى هذا الأساس يتضح لنا تاريخيا أنه لا توجد هناك قطيعة بين العناصر الجديدة والقديمة في التربية وذلك لأن التربية تتمثل الجديد بطريقة هادئة مزمنة وبعيدة المدى دون انقطاعات وانكسار واضح بين القديم والجديد. ويضاف إلى ذلك ايضا أن مفهوم الجدة في التربية يأخذ طابعا خاصا محافظا وذلك لأن القاعدة الأساسية في التربية هي العمل على جعل غير المألوف مألوفا والجديد كلاسيكيا ضمن البنية العامة للتربية. وفي المجال التربوي يجري التعامل بصورة مستمرة مع مؤسسات مجتمعية حيث يقوم أصحاب النفوذ التقليديين بتوجيه العملية التربوية وهذا يعزز بدوره مقاومة النظام التربوي للتغير والتجديد حتى أن البحث عن الجدة والتغيير يكون غالبا بهدف تحقيق الاستقرار والانتظام والألفة.

وفي هذا المقام يرى أصحاب النظرية "الخطية" في التغير وعلى رأسهم عالم الاجتماع سبنسر Spencer أن التعليم يطور نفسه بصورة عفوية بغض النظر عن المحاولات والمخططات التي نضعها لتطويره وتغييره. ومثل هذه الرؤية تحتاج في حقيقة الأمر إلى مزيد من الفحص والاختبار. ومن الواضح هنا أن هذا المنهج حديث جدا في مجال تحليل التطور والتغير في مجال العلوم الإنسانية.

ومع تعدد النماذج المقترحة لفهم التغير والتجديد في الأنساق التربوية، يصعب تحديد أي النماذج أفضل في عملية إحداث التغيير في المجتمع، كما يصعب حتى الآن تقديم التفسيرات الواضحة لطبيعة انتشار التغيير بسرعة كبيرة في بعض المجالات الاجتماعية دون غيرها، وهذا الأمر ينسحب على إمكانية التعرف على مدى فاعلية بعض الاستراتيجيات دون غيرها في إحداث التغيرات الاجتماعية المطلوبة. ويمكننا أن نتناول بعض هذه القضايا في مسار مقالتنا هذه حول التغير ولاسيما في الحقل التربوي.

ويمكن تعريف التجديد عمليا بأنه عملية تطوير مقصود وموجه ومستمر يمكن قياسه وتحديد أبعاده واتجاهاته. ويتميز مفهوم التجديد بطابع الإثارة فهو من جهة يتميز بقدرته على الإغراء لأن التغيير نحو الأفضل يرضي نوازع الناس ويلبي تطلعاتهم، ولكنه في الوقت نفسه قد يكون خادعا لا يعبر عن حقيقة التجديد جوهريا، فالتغيير قد يكون لاعتبارات تقنية اقتصادية محضة وليس لاعتبارات صميمة تعبر عن التجديد بوصفه طاقة جديدة.

فالتجديد التربوي لا يكون بإدخال بعض التعديلات الجزئية في بنية النظام التربوي وفي آليات عمله واشتغاله. فعندما نزود البناء المدرسي بنوافذ من القضبان الحديدة، أو عندما نزود المدرسة بمخبر لغوي ،فإن هذا نوع من التغيير الجزئي الذي يتعلق بإدماج أشياء جديدة في داخل المؤسسة لا يعني تجديدا أبدا بالمعنى الدقيق للكلمة، فالتجديد عبارة عن تحولات جوهرية عميقة في داخل النظام وعمقه وليس تغييرا شكليا يتمثل باستضافة أشياء جديدة إلى بنيته المادية. وهذا يعني أنه يجب التمييز بين عملية التجديد في ذاتها ،وعملية التغيير بوصفها نسق من التحسينات البسيطة التي يتم إجراؤها شكليا في بنية النظام التربوي. وهنا يتوجب علينا التمييز بين التجديد الفعلي والتغيرات الصورية التي تأخذ طابعا شكليا، فالتغيير قد يكون حالة من حالات التجديد وقد يكون حالة من حالات التسوية أو التحسين الظاهري الذي لا يعبر عن روح التجديد بذاته. ومن هذا المنطق يمكن القول: بأن التجديد التربوي لا يمكن أن يكون جوهريا إلا بمقدار ارتباطه بأهداف النظام التعليمي وتطلعاته الحيوية إلى التطور. وهذا يعني أن التجديد يجب أن يرتبط حيويا بعملية برمجة متطورة لمناهج التعليم وفلسفاته وآليات اشتغاله، حيث يتضمن تحولات عميقة تأخذ بعين الاعتبار النشاطات والفعاليات والاتجاهات المدرسية ويتمثل ذلك في إدخال تشريعات جديدة وتبني قوانين جديدة تعبر عن طموحات العاملين في المجال التربوي برمته.

وتأسيسا على هذه الرؤية يمكن تعريف التجديد التربوي بطريقة وظيفية بوصفه " عملية اصطفاء وتنظيم واستخدام خلاق للموارد البشرية والمادية وفقا لمناهج تسمح بتحقيق أمثل للأهداف التربوية المعلنة والمحددة "، وهنا يجب توضيح بعض الدلالات التي تتعلق بعملية التغيير بالتجديد الذي يجسد مصطلحا جديدا نسبيا:

فالتجديد يعني ابتكار شيء جديد من وجهة نظر الأشخاص المعنيين، والتجديد لا يكون تجديدا إلا إذا كان يشكل إضافة ابتكارية جديدة في السياق العام لعملية التجديد، وهذا يعني أنه يجب التمييز بين الشيء الذي يشكل إضافة والأمر الذي يؤدي فعلا ابتكاريا ينعكس على المؤسسة بشكل عام .

في المجال التربوي غالبا ما يكون اهتمامنا ضعيفا بالتجديد في مجال المناهج وفي مجال الوسائل والأدوات كما في مجال التطبيق. وفي الغالب فإن التغيير يكون في تبني بعض الأمور التي تحدث في مدرسة مجاورة. وما يحظى باهتمامنا عادة هو أن يقوم أحد الطلاب أو المعلمين أو الإداريين أو المدرسة بكاملها باعتماد مفهوم أو موقف أو أداة جديدة ومختلفة نوعيا وكميا عما هو سائد في المدرسة سابقا. وهذا يعني أننا نعتم عمليا بالحصول على الانتاج الجديد وبطريقة نشره ودمجه في عملية الممارسة التربوية. وبعبارة أخرى يجب علينا أن نميز بين التغيير "changement" وبين التجديد innovation فالتجديد يختلف عن التغيير بكونه عمل إرادي حر منظم وهادف.

ونظرا لأهمية موضوع الابتكار والتجديد في التربية عقدت مؤتمرات وندوات عالمية ووضعت استراتيجيات وخطط علمية لتنظيم علميات الإبداع والتجديد في المؤسسات التربوية، وهذا يعني أنه لا يمكن لعملية التغيير في التربية أن تحدث بصورة عفوية ومبادرات خاصة للشخاص والجماعات وهذا يتطلب وضع الاستراتيجيات والخطط وتوجيه عملية التغيير في المؤسسات التربوية وفق غايات محددة وأهداف مرسومة.

ويمكن لنا في هذا السياق أن نسجل ملاحظتين هامتين:

اولاهما- أن التغيير قلما يحدث وذلك لأن المؤسسات تفضل الاستقرار وهي غير قادرة فعليا على تشجيع التغيير والابتكار. وهنا لا يكون التغيير إلا محاولة لتحسين الأداء الداخلي لهذه المؤسسات. وثانيهما أن السلطات المعنية بالتربية قلما تهتم بعملية التجديد لأن التجديد يؤدي إلى اهتزازات خطرة في أوضاعها وإن كان هناك ثمة تجديد من قبل السلطات فإنه لا يصل إلى غايته في مجال الممارسة والتجريب، وهذا يعني أن الاهتمام بعملية التجديد قلما يكلل بالتجارب العملية الفعالة للتجديد والابتكار.

ونحن في هذا الصدد نؤكد بأن مفهوم التجديد يجب أن يتميز بطابع الاستمرار والحضور في مجال التجربة دون أن يفقد سماته وخصائصه الأساسية. وضمن هذه الرؤية نقول بأن الأنظمة التربوية غالبا ما تركز على التغيير والتجديد في المظاهر دون أن يلامس هذا التجديد العمق الحقيقي للعملية التربوية.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن التجديد يأخذ صورته الإيجابية في العملية التربوية، وأن فرص تحقيقه تتزايد بفضل التخطيط فإنه لمن المناسب أن نلقي نظرة خاطفة حول مصادر التجديد وعوامله الأساسية. إذ كيف يمكن لفكرة التجديد أن ترسم وكيف لها أن تطبق وتجسد في الواقع؟ كما يحق لنا أن نتساءل عن المعايير والمتغيرات والدوافع التي توجد في أصل التجديد والتغيير؟ وما هي الشروط التي تشجع وتعزز هذا التجديد.

وهنا لا بد لنا أثناء دراسة التجديد التربوية أن نأخذ بعين الاعتبار المؤسسات الفاعلة في عملية التغير والتجديد كما يجب الإحاطة بالمؤثرات الإنسانية التي تمارس دورها التخطيط والتنفيذ والتحضير لعملية التجديد. وفي هذا المجال يمكن النظر إلى ثلاثة نماذج منهجية لتفسير وتحليل عمليات التجديد في المجال التربوي: فهناك النموذج التنموي، ونموذج التفاعل الاجتماعي، ونموذج استكشاف الحلول للمشكلات القائمة. ويمكن استعراض عدد كبير من الأمثلة الواقعية التي تتداخل فيها وتتراكب هذه النماذج الثلاثة، وهذا لا يقلل أبدا من أهمية هذه النماذج بوصفها أدوات تحليل منهجية لعمليات التجديد والابتكار. وهذه النماذج تؤكد جميعها على أهمية تقييم النتائج بصورة مستمرة واختبار مدى التقدم الذي تحققه عملية التجديد نفسها للتأكد من صدق المسار وحصانة التوجه في عملية التغيير نحو الأهداف المنشودة.

وباختصار، يمكننا التمييز بين التجديد والغير في التربية، فالتجديد يعتمد على عملية تخطيط مبرمجة وهادفة تهدف إلى تطوير التعليم وتجديد بعض مناحيه بصورة كلية أو جزئية، بينما يتسم التغير بكونه حالة عفوية تأتي تحت تأثير نسق من العوامل والمتغيرات التربوية والاجتماعية التي تؤثر في عملية التربوية وتؤثر فيها ومن ثم تغيرها على نحو ما. وعلى خلاف ذلك يحدث التجديد في ضوء نسق من الأهداف التربوية ويحدث في سياق نظام محدد من الإجراءات والفعاليات والآليات المحددة التي تتجه إلى تحقيق الغايات التربوية الجديدة المنشودة التي يفرضها مجتمع معين أو مؤسسات محددة في داخل مجتمع مفترض.

 

علي أسعد وطفة

 

عامر صالحعلى ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد (2)

حذفت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، فجر الإثنين بتاريخ 2020ـ05ـ18، تغريدة الاحتفال برفع علم “المثلية الجنسية”، فوق مقرها بالعاصمة بغداد، بعد موجة غضب وتنديد سياسية ودينية. والأحد المصادف 2020ـ05ـ17، قالت بعثة الاتحاد الأوروبي، عبر حسابها بـ”تويتر”: “بالاشتراك مع السفارة الكندية والسفارة البريطانية في العراق، ننضم اليوم في بغداد مع بعثات الاتحاد الأوروبي حول العالم في رفع علم قوس قزح (علم المثليين) للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين”.

ولاقى الإعلان الذي تم إرفاقه بصورة لـ”علم المثليين” المرفوع في بغداد، ردود فعل سياسية ودينية غاضبة طالبت بطرد سفراء دول الاتحاد الأووربي وإغلاق مقراتها. وعبّرت وزارة الخارجيّة العراقية الأحد، عن شجبها لخطوة الاتحاد الأوروبي، ودعت كافة البعثات العاملة في البلاد إلى التقيّد بالقوانين، ومراعاة الأعراف الدبلوماسية والقِيَم السائدة في المُجتمَع. كما أدان ديوانا الوقفين السُني والشيعي الإجراء، بالإضافة إلى البرلمان العراقي، ومراجع شيعية، وكتل سياسية.

وقد اعتبر الكثير هذه الخطوة غير مسبوقة في العراق، الذي يعد بلداً محافظاً، وتلعب الأعراف القبلية والدينية فيه دوراً بارزاً. ولكن في 3 مارس/ آذار الماضي، أشادت السفارة البريطانية في العراق عبر “تويتر”، بما قالت إنه “اعتراف” الحكومة بحقوق المثليين في البلاد. فيما نقلت مواقع محلية عن مصادر حكومية “لم تسمها” قولها إن السلطات العراقية لم تتخذ بعد أي خطوة رسمية باتجاه الاعتراف بحقوق المثليين. وتقول المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المثليين، إنهم يتعرضون للاختطاف والقتل في العراق على يد مجموعات مسلحة مجهولة الهوية.

 ومن الضروري التذكير أنه في 17 مايو أيار 1990، حذفت منظمة الصحة العالمية المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، بعد مرور أكثر من 100 عام على تصنيفها كحالة مرضية. وأصبح هذا التاريخ يوميًا عالميًا لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي. وعادة ما تشهد مدن عالمية مسيرات دعما للمثليين لتسليط الضوء على معاناتهم في المجتمعات التي لا تتقبلهم، حيث لا تعترف قوانين كثير من الدول بحقوقهم.

ومن الضروري هنا الاشارة في أطار الترابط مع تلك المناسبة العالمية، الى ان منظمة العفو الدولية حثت الحكومة العراقية في فترات سابقة على بذل المزيد من الجهود لحماية المثليين في البلاد، وذلك في اعقاب صدورتقارير عن تزايد حوادث القتل في أوساط الشباب منهم على وجه الخصوص. وجاء في الرسالة أن25 فتى لقوا مصرعهم في العاصمة بغداد لوحدها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، وذلك اما لأنهم كانوا من المثليين الجنسيين، أو أن المهاجمين تصورا بأنهم كانوا كذلك. وقد انتقدت الرسالة ما أسمته"اخفاق الحكومة" العراقية بادانة حوادث القتل تلك،والتي يعتقد بأنها نفذت على أيدي رجال ميليشيات طائفية ،أو من قبل أفراد ينتمون الى عشائروعائلات الضحايا انفسهم.

أن المثلية الجنسية الأنثوية (السحاق) هي الوجه الآخر للمثلية الجنسية عموما، والتي تشكل المثلية الجنسية الذكورية (اللواط) وجهها الأول. وقد نشرت على صفحات الانترنيت مقالا مكرسا عن الأخيرة بعنوان: "على ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد ـ الجزء الأول في المثلية الذكورية ". أن المثلية الجنسية الأنثوية بمعناها الشامل تعني الميول والممارسات ذات الطابع أو التنويه الجنسي بين أنثيين أو من أنثى إلى أخرى من جنسها، غير أنها بالمعنى المحدد تعني ممارسة العلاقة الجنسية الفعلية بين أنثى وأخرى.وهذه الحالة الأخيرة هي التي تسمى باللسبية. ولا نعتقد أن هذه الممارسات منعدمة كليا في أي مجتمع، قديم أو حديث، بدائي أو متحضر أو متطور، غير أنه يصعب تحديد نسبة الممارسة في أي مجتمع، وهذه الصعوبات ناتجة عن التستر عليها وعدم الإفضاء، وما يترتب على ذلك من نبذ اجتماعي وعقاب ديني لذوي الممارسة، إضافة إلى صعوبات ناجمة عن تحديد أوجه هذه الممارسة بين أنثى وأخرى، وذلك لأن درجات التماس الجسمي عديدة كما أن أي واحدة منها قد تخدم غرضا جنسيا قد يختلف في طبيعته النفسية والفيزيولوجية عن أي درجة أخرى من التماس.

ففي المجتمعات الأوربية والمتقدمة منها بشكل خاص أصبحت الظاهرة قابلة للقياس والبحث العلمي نسبيا.أما في المجتمعات الأخرى، ومنها العربية والإسلامية بصورة خاصة فهي عصية على الاختراق لأسباب ثقافية ودينية تحجب اختراق الظاهرة ودراستها بشكل موضوعي، على الرغم من وجود الكثير من المؤشرات التاريخية والحاضرة على وجودها واستمرارها، وتشكل رمزية قصة قوم لوط وذكرها في القرآن أحدى المؤشرات الهامة لذلك وتعبر بنفس الوقت عن عمق التأريخ المدون للظاهرة. وتشكل قصة لوط ليست فقط مدخلا لفهم " اللواط"، بل لفهم الوجه الأخر من نتائجها وهو "السحاق"، وهي تفسر النتائج والأسباب المتبادلة بين الظاهرتين عندما تؤسس الممارسة على قاعدة الانكفاء بين الجنسين، وأن لم يكن قد ورد ذلك صراحة في القرآن، ولكن ورد على ألسنة المفسرين للنص القرآني.

 

 

ولأغراض المتعة العقلية فيما ذكرنا أعلاه، نشير هنا إلى ما ذكره الراغب الأصبهاني في كتابه " محاضرات الأدباء" والمحمل على صفحات الانترنيت، بخصوص الجذور الأولى لنشأة السحاق عند العرب. فوفقا للأصبهاني كانت هند بنت عامر زوجة   النعمان بن المنذر بن امرئ ألقيس اللخمي الملقب بأبي قابوس( 582ـ610م ) وهو من أشهر ملوك المناذرة في عصر قبل الإسلام، رائدة السحاق العربي بعد الانقطاع التاريخي الذي نتج عن إهلاك الله لقوم لوط.فقد ذكر الأصبهاني في المحاضرات أن أول من سنت السحاق عند العرب نساء قوم لوط لما شاع بين رجالهن إتيان الذكور وهجرهم النساء، فلما اشتدت شهوتهن أخذن يتضاربن بالأرداف فوجدن لذة في ذلك، ثم ألصقن الردف بالشراح فكانت أكثر لذة، ثم دلكن الشراح بالآخر، فتصدم النواة بالنواة/ والهنات بالهنات، فتنزلان الماء، ولما أهلك الله قوم لوط الرجال والنساء انقطع اللواط والسحق، حتى جاءت رقاش بنت الحسن اليمانية مرة لزيارة هند بنت عامر بن صعصعة زوجة النعمان بن المنذر، وافدة عليها فأنزلتها عندها وكانت ذات حسن ونضارة فشغفت بها وكان النعمان يغزو فيغيب عن امرأته، فتكون هي ورقاش على فراشه، فربما التصق جسداهما، فوجدتا لذة لطول العزوبة حتى استدلتا على طريق المساحقة، فما زالت رقاش تزين لهند وقالت إن في اجتماعنا أمنا من الفضيحة وأدراك الشهوة، فاجتمعتا واستمر بهما ذلك حتى أصبحن كزوج وزوجة وبلغ من شغف كل واحدة بالأخرى أنه لما ماتت ابنة الحسن اعتكفت امرأة النعمان على قبرها واتخذت الدير المعروف بدير هند في طريق الكوفة. وفيها يقول الفرزدق مخاطبا جرير بن عطية يهجوه:

وفيت بعهد كان منك تكرما      كما لأبنة الحسن وفت هند

أن وضع النص المذكور أعلاه في مناظرة مع العلم الحديث يعكس لنا انطباعا دقيقا أن الأصبهاني تحدث عن المثلية الفعلية بين الإناث وليست الميل العام لها، وهو بهذا المفهوم يتفق مع مفهوم اللسبية التي تقابل السحاق في المفهوم العربي الكلاسيكي، وهي حالة التماس الفعلي ذو الممارسة الجنسية. ولا نتفق مع الأصبهاني كون أن الظاهرة انقطعت بعد ما حل بقوم لوط من عقاب حسب" الرواية الدينية"، ولكننا نستطيع أن نقول أن الظاهرة اختفت عن الأنظار ولم تنقطع، ولذلك لم تسنح الفرصة لتدوينها أما ما تم تدوينه فهي حالات قريبة من البلاط الحاكم،  وهي حالات سهلة الملاحظة نسبيا قياسا بالحالات العامة المستعصية، ولذا نستطيع أن نقول أن هند بنت عامر قد تكون أحدى رائدات السحاق العربي وليست الرائد الأول. كما نستطيع أن نؤكد أن النص وضع يده على احد أسباب السحاق وهو هجر الزوجة بعيدا وعدم تنظيم العلاقة الزوجية،ولكن النص  من جانب آخر  حصر السحاق فقط في المتزوجات.

ورغم أن هناك أجماع بين فقهاء الدين بأن ممارسة المرأة الجنس مع امرأة أخرى هو حرام ومعصية كبيرة من أشد الكبائر وهو مخالف للفطرة الإنسانية، إلا أن عدم وجود نص قرآني صريح وواضح (على نسق ما جرى لقوم لوط) بهذا الخصوص ترك آثاره على المذاهب الإسلامية المتعددة للاجتهاد حول هذه الظاهرة وشروط اقترانها بالممارسة الدينية، مع العلم أن هناك أحاديث تنقل عن النبي محمد تدين الظاهرة إدانة واضحة كقوله مثلا: "سحاق النساء زنى بينهن" وكذلك قوله" السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجال، فمن فعل من ذلك شيئا فاقتلوهما،ثم أقتلوهما"، إلا أن هناك خلافا بين الفقهاء حول ما ورد من أحاديث واعتبروها من الأحاديث الضعيفة من حيث استيفائها لشروط انتسابها إلى الأحاديث النبوية.

ونشير هنا إلى موقف المذهب الشيعي من السحاق وتحديدا الشيعة الأنثى عشرية والذي روي عن الأمام جعفر الصادق، والذي تسمى  الشيعة الأنثى عشرية نسبة أليه بالجعفرية، وهو موقفا متشددا، ويستند إلى تفسير بعض النصوص القرآنية، وليست إلى نصوص صريحة. حيث روي عنه أنه دخل عليه نسوة، فسألته امرأة منهن عن السحاق؟ فقال: حدها حد الزنا.فقالت المرأة: ما ذكر الله عزوجل ذلك في القرآن؟ فقال: "بلى".قالت: وأين هو؟ قال: "هن أصحاب الرس، ويقصد بذلك الذين جاء ذكرهم في سورة الفرقان، الآية 38: ( وعاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا)، وكذلك ما ورد في سورة قاف، الآية 12: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود). واستنادا إلى بعض التفسيرات فأن أصحاب الرس هو نسبة إلى نهر أو بئر يعرف بالرس بآذربايحان، وهم قوم كذبوا الأنبياء والرسل، واختاروا الممارسات الجنسية الشاذة والمحرمة كاللواط والسحاق ،فاستغنوا رجالهم بالرجال و نساؤهم بالنساء فأهلكهم الله. وهناك الكثير من التفسيرات لهذه النصوص، يمكن الاطلاع علها في المواقع الالكترونية الخاصة في تفسير القرآن أو كتب التفسير.

أما بالنسبة للمذهب السني فقد أشار بوضوح كون فعل السحاق حرام بإجماع فقهاءه، إلا أن هناك تنوعا مرنا في الرأي عند فرق السنة بقدر ما يتعلق الأمر بصلته بالممارسات الدينية. وهنا نشير إلى ما ورد بخصوص ذلك في الموسوعة الفقهية والمحملة على أوقاف نت الخاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت/ في الجزء الرابع والعشرون من هذه الموسوعة . فقد أختلف فقهاء السنة في نقض السحاق للوضوء؛فذهب الحنفية إلى أن تماس الفرجين سواء كان من جهة القبل أو الدبر ينقض الوضوء ولو بلا بلل ـ وهو عندهم ناقض حكمي ـ واشترطوا أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين وهو ما يفهم من مذهب المالكية حيث أن مس امرأة لأخرى بشهوة ينقض الوضوء، لأن كل منهما تلتذ بالأخرى، وصرح الحنابلة بأنه لانقض بمس قبل امرأة لقبل امرأة أخرى أو دبرها، وهو مذهب الشافعي. كما يؤكد مذهب المالكية والحنابلة أن خروج المذي بلمس أو قبلة مباشرة مفسدا للصوم، خلافا للحنفية والشافعية ، (يمكن العودة للموسوعة المذكورة للمزيد من التفاصيل). ونعتقد على خلفية هذا الموقف الواضح للمذاهب السنية أنه بإمكان" المرأة السحاقية المسلمة" أن تمارس الطقوس الدينية من صلاة وصوم وفقا للضوابط الشرعية المذكورة أعلاه. ونعتقد كذلك أن هذا الموقف قائم على تصور مفاده أن فعل السحاق ليست بمنزلة فعل اللواط وأن الأول هو أشبه بمقدمات(مداعبات) للفعل الجنسي، وليست عملا جنسيا كاملا كما يجري في اللواط في أغلب الأحيان .

أما بالنسبة لمدى انتشار ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر فهي غير معروفة ولا يمكن أن نتوقع إحصاء دقيقا عنها،نظرا للتكتم الشديد عليها، إلا أننا نستطيع أن نلتمس بعض من أبعادها،والذي يعبر بالتأكيد عن وجودها في عالمنا العربي ،فعلى سبيل المثال لا الحصر،ونقلا عن شبكة أبن الخليج الالكترونية يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور عبد الله السبيعي بكلية الطب بجامعة الملك سعود في الرياض بأن ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في المجتمع السعودي في تزايد مستمر في ظل وجود العوامل المثيرة للرغبات الجنسية كالقنوات الفضائية والانترنيت والهاتف الجوال الذي أصبح الآن للعلاقات غير المشروعة(وفقا لتصوره)، وأكد كذلك أن هذه الظاهرة غالبا تحدث بين الشابات في الأماكن المكتظة بهن كالمدارس، وتبرز بشكل أكثر في الجامعات لعدم قوة ضبط وهيبة الإدارة مقارنة بالمدارس (حسب قوله ) كما أكد أيضا عن أن أكثر من(70%) في الفتيات الشاذات جنسيا(حسب تعبيره) في المملكة العربية السعودية لا يرغبن في تعديل وعلاج سلوكهن خاصة اللاتي مارسن هذه الظاهرة بشكل كبير لاقتناعهن بأنهن لا يحسن غير هذا النوع من الممارسة للحصول على المتعة الجنسية ولا يجدن الإثارة في الرجل.

ومن الجدير بالذكر أن بعض من ملامح هذه الظاهرة بدأت تطفح على السطح من خلال معالجات بعض الأعمال الفنية، فقبل أعوام تم عرض الفلم المصري" حين ميسرة " والذي تم فيه عرض مشاهد (السحاق ) الذي أدته الفنانتان المصريتان غادة عبد الرزاق وسمية الخشاب، وقد أثار موجة من السخط والغضب في  صفوف بعض من أساتذة الجامعات وعلماء الدين في الأزهر، مطالبين بإحالتهما إلى النيابة المصرية العامة للتحقيق معهما بتهمة الدعوة إلى نشر الشذوذ الجنسي والسحاق والتخريب الأخلاقي، وكالعادة متهمين "الأصابع الأمريكية والصهيونية" بالوقوف وراء مثل هذه الأعمال الفنية الشاذة ضمن مخطط تخريبي كما يدعون لتدمير أخلاق المجتمع، مؤكدين أنه لا يمكن أن نتصور أن" السحاق" وصل عندنا إلى هذا الحد. وقد سبق ذلك فلما ولكنه عن" اللواط" بين رجلين، وهو فيلم (عمارة يعقوبيان) من بطولة الفنان عادل أمام.

أن المثلية الجنسية الأنثوية هي ظاهرة سايكوأجتماعية معقدة نسبيا قياسا بالمثلية الجنسية الذكورية وذات طابع نمائي، وان الأسباب التي تدفع بالمرأة نحو المثلية كثيرة، وترد في غالبيتها إلى عوامل معقدة تتصل اتصالا وثيقا بشخصية الفتاة وبالعوامل النفسية المختلفة التي تعرضت لها في أدوار الطفولة، ولعل هذه العوامل النفسية في المرأة أكثر تعقيدا منها في الرجل بسبب الرقة التي يتميز بها الكيان النفسي للمرأة مما يجعلها أدق وأعمق من الرجل في حياتها النفسية.

قد تلجأ بعض الإناث إلى التجربة الجنسية مع مثلهن بسبب محدودية الاتصال بالجنس الأخر من الناحية الجنسية وحتى العاطفية.وفي هذه الحالة تعتبر التجربة الجنسية المثلية امتدادا طبيعيا للدور الجنسي المثلي الذي يكثر في المراهقة عند الذكور والإناث. والبعض من الإناث يمارسن ذلك بسبب دافع حب الاستطلاع أو لمجارات بعض التجمعات الشللية. ومعظم الإناث تخلين عن ممارسة المثلية بعد توفر العلاقة الطبيعية مع الجنس الأخر، إلا أن بعضهن يتجهن اتجاها واضحا في ممارسة المثلية حتى بعد توفر العلاقات الجنسية الطبيعية سواء من خلال الزواج أو بدونه، وهذه الحالات هي حالات مثلية صرفة،وهناك العديد من الأسباب لتفسير ذلك، يمكن اختصارها بالشكل الأتي:

1 ـ أن بعض الإناث يثيرهن الإعجاب ببعض الخصائص التي تتحلى بها بعض الفتيات من جنسهن، وقد يبدأ هذا الإعجاب منذ الصغر، وقد ينمو عند بعضهن إلى ما يشبه عاطفة الحب العنيف. ويقع اختيار الفتاة على فتاة تتحلى ببعض المزايا التي تفتقدها في نفسها وطالما تمنتها، سواء كانت هذه الصفات عقلية أو جسمية أو اجتماعية.ويعزز هذا الاتجاه فشل الفتاة في العثور على هذه الصفات في والدتها أو بسبب حرمانها من عطف أم ، لها بعض هذه الصفات.مع أن بعض الفتيات يستطعن في الكبر تحويل هذه العاطفة الأعجابية إلى مجالات عاطفية أو أحتماعية أخرى، إلا أن البعض الأخر لا يستطيع الابتعاد عن هذا الارتباط الذي قد ينمو ويتخذ مظهرا جنسيا مثليا.إلا أن بإمكان العلاقة الزوجية القائمة على التفهم العاطفي للزوجة أن يحل ذلك.

2ـ أن بعض من الإناث يعاني مبكرا من عدم الثقة بالنفس، وفي أنوثتهن و يعانين من شعور عام بالنقص وعدم الاطمئنان والقلق. وقد يكون ذلك بسبب عدم اكتمال نمو الحياة العاطفية للفتاة، كما قد ينجم ذلك من أخطاء عاطفية تربط الفتاة بوالديها وخاصة الأم.إذ أن من العسير على الفتاة أن تشعر بمثل هذه الثقة بنفسها إذا كان المصدر الأول لتعرفها بنفسها كأنثى،وهو الأم،لا يعطيها الشعور بذلك.وهناك من يعتقد أن وفاة الأم مبكرا أو الفراق الطويل الأمد، وكذلك العزوف عن الصلات العاطفية بأولادها، وجميع هذه العوامل تدفع صوب المثلية الجنسية الأنثوية كشكل من أشكال التعويض العاطفي عن المصادر الطبيعية، ولكن أذا استطاعت الفتاة من ملء هذا الفراغ بمصادر طبيعية يمكن لها أن تعود إلى العلاقة مع الجنس الآخر.

3ـ أن الفشل في الحياة الزوجية بما في ذلك العلاقة الجنسية قد تكون وراء اندفاع المرأة نحو العلاقة المثلية. وقد يكون هذا الفشل مقررا بسبب البرودة الجنسية للزوجة سواء كان هذا البرود مقررا بالطبيعة التكوينية أو بسبب عوامل أخرى. وقد يتقرر هذا الفشل بسبب الزوج، لأسباب مماثلة، وقد يأتي بنتيجة عدم التوافق بينهما، وهي أمكانية كثيرة الوقوع. ويجب إدراك حقيقة أن الحياة الجنسية للمرأة هي أكثر من الاكتفاء الجسدي أو الغريزي، وهذا الواقع قد يعرضها إلى مختلف الاضطرابات النفسية العميقة إذا لم تراع حاجاتها بدقة وعناية. والخطأ في أدراك ذلك قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة لدى المرأة يبعدها عن أي علاقة مع الرجل،فتندفع نحو علاقات مثلية لتأمين نوع من الأمن النفسي والروحي(طبعا تلعب هنا الثقافات المختلفة دورا كبيرا في تحديد وجهة ذلك ودرجته).

4ـ كما تفسر بعض حالات المثلية الجنسية الأنثوية هي أن ذروة المرأة قد لا تتحقق إلا عن هذا الطريق، ثم أن حصول المرأة على ذروات متعددة في وقت قصير قد لا يأتي إلا عن هذا الطريق، وهذا ما يدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى اللسبية تفضيلا عن العلاقة الجنسية مع الرجل. وقد يكون من الأسباب أيضا في بعض الحالات هروب المرأة من الالتزامات التي يترتب على العلاقة الجنسية مع رجل، من تكوين أسرة وحمل وتربية الخ.

5ـ وهناك أيضا التفسيرات التي ترى إن هناك استعدادا تكوينياـ وراثيا نحو الجنسية المثلية وبأن هذا الاستعداد ينتقل على شكل تغيرات هرمونية عصبية،وأن هذه التغيرات تحدث تحسسا  لنواة الهايبوثالموس في الدماغ في وقت دقيق وحرج من مراحل النمو.وكما هو معروف أن هذه النواة تنظم وتتحكم بالفعاليات المختلفة لحياتنا الجنسية. أما بالنسبة للفرويدية فهي ترى أن الإشباع الشديد للغريزة في مرحلة الطفولة إشباعا فمويا يجعل الطفل يجد صعوبة في التخلي عنها أو يجعله يحن إلى العودة إليها حين يكبر، وتشكل المثلية أحد مظاهرها، وهو ما يسمى في علم النفس بالتثبيت.

وهكذا من الناحية العلمية فأن المثلية الجنسية الأنثوية لا يمكن حصرها في عامل واحد، وإنما تتضافر عدة عوامل من نفسية واجتماعية وحضارية وبيولوجية وتكوينية، إضافة إلى توفر متغيرات زمنية نوعية وكمية في كل حالة. وعلى خلفية عدم الوضوح الفكري والديني لظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية من حيث أسبابها ومظاهر التعبير عنها، يجري التعامل مع النتائج باعتبارها أسبابا أو كما يقال(وضع العربة أمام الحصان)، وبالتالي تصبح محاربة الفعل المثلي مطلوبا لذاته، دون فهم الميكانيزم الذي يقف ورائه، وأن إدراك هذا الأخير يعني في المنهج العلمي تسهيل حصر هذه الظاهرة إلى أدنى مدايات التعبير عنها. وتبقى الحالات المستعصية أو اللسبية الفعلية متروكة لسقف التسامح الاجتماعي في تقبل الأخر، بعيدا عن الاضطهاد والتصفيات الجسدية، والذي يؤدي بدوره إلى مزيدا من الحقد والكراهية الاجتماعية، ولكنها مهمة ليست سهلة في مجتمعاتنا.        

وعلى العموم يذكر أن الأشخاص من المثلييين ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا في العراق يواجهون تحديات قانونية واجتماعية لا يواجهها غيرهم من المغايرين جنسيا ولا يسمح للرجال المثليين بالخدمة بشكل علني في الجيش ويعتبر كل زواج المثليين والشراكات المنزلية غير قانونية مثل زواج المثليين والاتحادات المدنية والشراكات المنزلية غير قانونية ولا يتمتع الأشخاص المثليون بالحماية القانونية ضد التمييز وكثيراً ما يقعون ضحايا لجرائم عدوانية وجرائم الشرف. وتشير احصاءات الى ان 31٪ من الانتهاكات ضد المثليين في العراق تقع من قبل الميليشيات المسلحة و27٪ من أفراد الأسرة و22٪ من قبل الحكومة و10٪من قبل تنظيم داعش و10%من قبل آخرين. وتوضح أن ما يقرب من النصف من أعمال العنف ضد المثليين تحدث في مناطق وسط العراق و32 % في أقليم كردستان العراق و26 % في جنوب البلاد.

وفي الوقت الذي أعتبر فيه رفع علم المثلية الجنسية" علم قوس قزح " من قبل بعثة الاتحاد الاوربي استفزاز للمشاعر الرسمية ولبعض الاوساط الشعبية والدينية العراقية، إلا أننا نرى ان الموقف منها لا يتجزأ عن مواقف اخرى، كالموقف من الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام، فالعفة هي العفة بأختلاف مظاهر التعبير عنها، وهل يجوز للأخلاق ان تزكى او تسوف حسب الأهواء والمصالح الذاتية.      

 

د. عامر صالح

 

عبد الصمد البلغيثيلا أحد يستطيعُ أن ينكر ما تميز به تاريخُ المسلمين من عنفٍ منذُ النشأة الأولى إلى اليوم، والغريبُ أن هذا العنف دار بين المسلمين أكثر مما دار بينهم وبين غيرهم، تشهدُ على ذلك كتب التاريخ والسير والأعلام، والتي نجد فيها الكثير من الأحداثِ التي أرخت للبدايات التأسيسية للإسلام، والمقصودُ هنا الإسلام التاريخي أو الإسلام كما تشكل في التاريخ، هذا التمييز نراهُ مهما حتى لا نخلط بين الإسلام كدين والإسلام كتاريخ، غرضنا في هذا القول الحديث عن دور العنف في تشكل الإسلام التاريخي.

أولُ ما يلاحظهُ الباحث في الإسلام التاريخي أنه تأسس منذ نشأته الأولى على العنف، فخلال الخمسين سنة الأولى من وفاة النبي إلى السنوات الأولى من تأسيس الدولة الأموية، كان العنف الخاصيةُ الأساسيةُ التي نشأ عليها الإسلام وتطور، بدأ ذلك في أول تجربة ديمقراطية أفشلها الصحابة المهاجرون ضد الصحابة من الأنصار، عندما فرض عمر بن الخطاب على الجميع أبو بكر الصديق كخليفة، وحصر السلطة في النسب القرشي وهو نسب جعلته سلطة الفقهاء شرطا أساسيا في اختيار خليفة المسلمين، واستطاعوا أن يضعوا له حديثا مشهور وهو حديث "الأئمة من قريش" الذي ورد بصيغ مختلفة في الصحيحين منها: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقامو الدين" و "لا يزال الإسلام عزيزا بخلفاءٍ كلهم من قريش" و " الناس تبعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم".

قلتُ أن هذه التجربة الديمقراطية الفاشلة بسبب سيطرة المهاجرين ورفضهم لمقترح التداول على السلطة، والذي إقترحه بعض كبار الصحابة من الأنصار من خلال مقترحهم منا أميرٌ ومنكم أميرٌ، هذه التجربة التي عرفة في التاريخ بإجتماع سقيفة بني ساعدة تمثل بداية التحول في من الإسلام كدين تشكل عن طريق الوحي مع التجربة المحمدية بين مكة والمدينة، إلى الإسلام التاريخي الذي دشن لتجربة جديدة من خلال الصراع حول السلطة ومشروعية الحكم، إن الخلاف الذي جرى بين الصحابة في سقيفة بني ساعد لم يكن صدفة أو حدثا ثانويا، بل كان أمرا مقصودا أملاهُ وعي بعض الصحابة بضرورة القطع مع تجربة الإسلام كرسالة ووحي المرتبطة بشخصية النبي، وهو ما حسمهُ أبو بكر الصديق حين قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". والغريبُ أن المؤسسون الأوائل لتجربة الإسلام التاريخي من عمر وعثمان وعلى قتلوا جميعا ويقال أن أبوبكر توفي مسموما، وعثمان قتل بفعل أول ثورة شعبية في الإسلام كانت ضد نظامه السياسي الذي لم يكن الكثير من المسلمين راضون عنه وقد تزعم أول معارضةٍ سياسيةٍ في الإسلام الصحابي أبو ذرالغفاري، كما أن علي بن أبي طالب بعد تقلده للسلطة وخلافة عثمان، لم يتمكن من الإستقرار بحكمه الذي عرف حروبا كثيرة دارة بين المسلمين.

لذلك فإن تجربة الإسلام التاريخي التي تأسست على العنف، ستجعل من الخطاب الديني من المذاهب الفقهية والكلامية وما سيسمى بالشريعة خطابا عنيفا في لغته وتصوراته، وهو ما نجده واضحا في انفصال المذاهب الكلامية والفقهية حسب السياقات السياسية التي أنتجتها، فبعد كل حربٍ أو مواجهة سياسيةٍ بين المسلمين تظهر بموازاتها تأويلاتٌ وتجارب دينية جديدة، ويصبح السياسي متلبسا بالديني والديني مدافعا عن السياسي، وخُذ مثلا على ذلك الإنقسامُ الذي وقع في حروب الصحابة بين مؤيد لعثمان وبين مناصر الإمام علي وانقسام الأمة لمناصري الإمام علي الذين يلقبون بشيعته إلى اليوم، وانصار عثمان ومعاوية من بعده، والذين أطلقوا على أنفسهم أهل السنة والجماعة، وتشكل فقهٌ خاصٌ بالشيعةِ وأخر خاص بالسنة، وكذلك الحديث والتفسير...، وظهرت الخوارج التي دخلت في صراع وحروب ضد الفريقين، كل هذا يدل على أن نظام العنف كان المحرك الأساسي لتشكل المذاهب والفرق الدينية الإسلامية.

خلاصات تركيبية:

-الإسلام كرسالة إنتهى بوفاة النبي، وهو يختلف عن الإسلام التاريخي الذي تشكل على الصارع حول مشكلة الإمامة أو الخلافة .

-مقترح الأنصار في تداول السلطة كان سيجنب تاريخ الإسلام الكثير من العنف، وكان سيؤسس لنوع من الديمقراطية.

-المذاهب الفقهية والكلامية وكتب الحديث والتفسير تعكس الإنقسامات السياسية، مما جعلها تعكس بنية العنف في خطابها ضد المختلف والمخالف.

 

عبد الصمد البلغيثي

 

 

عبد السلام فاروقكل التكهنات والتنبؤات بحدوث الوباء، برغم كل ما قيل، ليست دليلاً أو برهاناً دامغاً على أن كورونا جزء من حرب بيولوجية. حتى أقاويل بيل جيتس، أو فيلم كونتاجيون، أو تحذيرات العلماء ..

السبب أن السيناريو الذى حدث فى ووهان الصينية عام 2019م، هو مشهد مكرر حدث مثيله بحذافيره عام 2003 مع وباء سارس .. ما يعنى أن تحذيرات العلماء والتنبؤات مجرد تخوفات من تكرار مشهد سارس، وهو ما حدث بالفعل!

فى هذا العام اجتاح وباء سارس عدداً من الدول كسنغافورة وفيتنام وتايلاند وتايوان وكندا، بالإضافة للصين التى بدأ منها المرض "غير المعروف" آنذاك.

والذى جعل الوباء ينتشر سريعاً فى هذه الدول أنه ظل مجهولاً غير معروف السبب، ويتم التعامل معه باعتباره التهاب رئوى عادى . وإلى حين تشخيص المرض وفصل الفيروس المسبب له، كان المرض قد تفشى بالفعل، وكان عليهم أن يتتبعوا الإصابات الكثيرة جداً، فى عملية شاقة ومعقدة ليصلوا إلى الحالة رقم صفر، والتى بدأ منها المرض . واتضح أنها لتاجر مأكولات بحرية اسمه "جو زوفنج"، وأنه كان من نوع "الناشر الفائق- superinfective" وهو تعبير اصطلاحى يعنى أنه ليس من أصحاب العدوى النمطية، فمعدلات العدوى لديه فاقت الرقم الحسابي الذى يعبر عن متوسط عدوى آمن. وأنه عندما كان يُعالَج فى حجرة العمليات لإدخال الأنبوب التنفسي له حدث تدفق دموى مخاطى تناثر فى الأرجاء وتسبب فى عدوى 23 طبيباً وممرضة . وأنه قبل ذلك تسبب فى عدوى نحو 20 من المحيطين به . لدرجة أن أعضاء الهيئة الطبية لقبوه بملك السم. وفى حين مات أكثر الذين أصابتهم العدوى بسببه إلا أنه نجا من الموت. وكان من بين المصابين بالعدوى وقتها طبيب يقطن فى أحد الفنادق، وتسبب السعال والعطس فى إصابة سيدة كندية كانت هى السبب فى نشر العدوى فى كندا!

تلك الأحداث كانت السبب فى الهلع الذى أصاب الجميع وقتها من إمكانية تكرار مثل هذا السيناريو، لكن بصورة أكبر وأعنف.

هل من الممكن بعد كل هذا الهلع والخوف الذى تعرَّض له العالم آنذاك أن تتورط الصين أو أمريكا فى حرب بيولوجية مفتوحة؟

إنها شريعة الغاب

التاريخ يجيب، ويقول نعم .. من الجائز جداً أن تقوم دولة بمثل هذه الحماقة رغم كل شئ، وأن تاريخ أمريكا مع الحرب البيولوجية حالك السواد..

يعود تاريخ الحرب البيولوجية إلى ما قبل الميلاد، لكنها كانت فى أغلب الأحوال فى إطار الحروب التقليدية المحدودة .. الآشوريون مثلاً وضعوا فطراً ساماً فى آبار المياه الموصلة لأعدائهم، والمغول كانوا يلقون بجثث موتاهم وموتى أعدائهم فى مياه الأنهار لتلويثها من أجل الفتك بأكبر عدد ممكن من الناس.

ورغم توقيع الدول الكبري عام 1925 لاتفاقية جنيف التى منعت اللجوء للأسلحة الجرثومية فى الحروب، كانت الولايات المتحدة أول الممتنعين عن التوقيع عليها. وقامت بريطانيا وأمريكا بالتفكير فى خطة لم توضع فى إطار التنفيذ لإلقاء قنبلة بوزن 200 كجم على قطعان المواشى فى البلدان المعادية، حتى تتولى الماشية عنهم مهمة القتل العشوائى للأعداء، سواءً محاربين أو مدنيين !

بل إن بريطانيا قامت بإجراء تجربة لسلاح بيولوجى فى اسكتلندا بجزيرة جرونارد فى عرض البحر، وبقىَ الوباء بالجزيرة لا يغادرها، وظلت جزيرة مهجورة محرمة.

وفى عام 1952م واجهت أمريكا اتهامات باستخدام أسلحة بيولوجية ضد كوريا الشمالية، فأنكرت كالعادة، ثم وضعت قائمة اتهامات طويلة تضم 17 دولة متهمة بامتلاك وإنتاج الأسلحة البيولوجية ! وعادت لاستخدام هذا السلاح البغيض فى حربها مع فيتنام عام 1960م.

حتى اليابان تم اتهامها باستخدام الحرب البيولوجية ضد الصين، فقامت الفرقة 731 بنشر ميكروب الكوليرا فى آبار المياه الصينية .

إن كلمة حرب إذا قيلت، وضَع أمامها الجبابرة والساديون كل ما فى جعبتهم من شرور، لا فرق بين سلاح ينتقى أو يتفشى بين الناس، يقتل ألفاً أو مليوناً ما دام بين المليون ألفاً من الأعداء!

أسهل الحروب وأسوأها

المسألة لا تحتاج سوى معمل مجهز، وعينة جرثومية، وطبيب متخصص . لتتم صناعة سلاح بيولوجى قادر على إهلاك سكان مدينة كاملة تعج بملايين السكان .

لكن صُناع هذا السلاح كثيراً ما يُخطئون، والخطأ يصيبهم هم قبل أعدائهم. كما حدث عام 1978م من انتشار بكتريا الجمرة الخبيثة فى أحد المنشآت الروسية، واعترف بوريس يلتسن 1992م بأنها تجربة فاشلة لتطوير سلاح بيولوجى.

الأسوأ من هذا أن يتم تصنيع وتجريب ونشر جرثومة دون وجود حرب ولا غرض ولا هدف سوى تجريب فاعليتها فى التدمير . فلا سلاح يتم اعتماده سوى بتجريبه.

إن عالم البيولوجيا الألمانى جالوب سيجال قد أكد أن فيروس الإيدز تمت صناعته في أحد المعامل البيولوجية العسكرية في "فورت ديريك" بمريلاند، عن طريق دمج نوعين من الفيروسات هما فيروس HTLV-1 وفيروس Visna. وهو ما أكدته الدكتورة "فاجناري مآثاي" الحاصلة على جائزة نوبل للسلام!

الموتَى يثأرون

أمريكا وبريطانيا وأسبانيا هم من بين أكثر البلدان تأثراً بالوباء . فهل هو ثأر الزنوج والعبيد والهنود الحمر وشعوب الأزتك من سكان الأمريكتين الأصليين.

إن أشد الإحصائيات ترفقاً ودبلوماسية تقول أن الأوبئة التى نشرها البريطانيون والأسبان بين السكان الأصليين فى الأمريكتين لإبادتهم والاستيلاء على أراضيهم، أبادت ما لا يقل عن نصف السكان، فيما قضى البارود على نصفهم الباقى!

كأن أرواح هؤلاء تلبست بجرثومة، لتثأر لملايين القتلى بلا ذنب عبر التاريخ !

 

عبد السلام فاروق

 

غالباً ما اقرأ او أسمع من كثير المثقفين والعوام عبارة: "هذا جهل" او "بسبب الجهل" او "جهلة" تستخدم كتفسير لظواهر اجتماعية سلبية كثيرة. على سبيل المثال: العنف ضد المرأة او عدم الالتزام بقوانين المرور او ممارسة طقوس اجتماعية الخ كلها تفسر بالجهل عادة. حتى صارت هذه الكلمة (الجهل) مثل فرضية شبه بديهية لاتحتاج الى مراجعة وتدقيق ونقد لأنها واضحة بذاتها وتصلح لتفسير كثير من الظواهر السلبية والمشكلات. فهل حقاً ان الجهل كفرضية هي دقيقة علمياً (العلوم الانسانية) لتفسير كثير من السلوكيات والظواهر الاجتماعية؟.

وحتى نراجع وندقق هذه الفرضية يجب معرفة معنى الجهل لغة وماذا يعني الجهل كمفهوم لدى قائله.

في لسان العرب: جهل: الجَهل: نقيض العِلمْ. والجَهَلة: ان تفعل فعلاً بغير العلم. والمعروف في كلام العرب جَهِلت الشيء اذا لم تعرفه.(ابن منظور، 2000، ج11: 129) من الواضح ان القاموس اعطى المعنى بدلالة سلبية وهي عدم المعرفة فقط. دون تكوين معنى للجهل بذاته.

اما الجهل كمفهوم فلا يوجد علم انساني استخدمه كفرضية او مصطلح اساسي اعتمادا على قواميس العلوم الانسانية.

اما المفهوم الاجتماعي المستعمل فيستخدم كلمة جهل كتوصيف لعدم المعرفة ايضاً. فيسمى الأمي والساذج والطفل ب"جاهل" (في المجتمع العراقي). واحيانا تطلق على الانسان الريفي. وعند الاستخدام للفرضية كتفسير يتوسع المفهوم ويغدو فضاضا ومطاطاً ليعني كل شيء دون ان يدل على شيء محدد. فالجهل يستخدم لتفسير الفساد الاداري والتجاوز السكني والنزاعات العشائرية والغش في البيع وضرب المرأة الخ. وقد يتغير حتى لفظه مع بقاء معناه من قبيل: "قلة وعي". وقد ينتهي القائل بالجهل الى الاتهام هو ذاته بالجهل لعدم تحديد مفهومه الذي استخدمه كفرضية بالتالي جهله هو بالمفهوم.

وهكذا ان الجهل كمفهوم اجتماعي يعاني من مشكلة عدم التحديد وعدم الوضوح ويؤشر مشاكل عديدة اخرى يمكن اجمالها:

1- ان فرضية الجهل تصح على الأفراد ولا يصح ان تطلق على المجتمع. وذلك لأن المجتمع يضم افراداً غير متساوين في المعرفة والتحصيل الدراسي. ويصح التعميم على عينة محددة من الناس وفق شروط خاصة (عينة مقننة).

2- وحتى لو اطلقت على افراد يسلكون نفس السلوك الذي يعتبر جاهل. فان بعض هؤلاء الأفراد ناجحون في مجالات اخرى مثل النجاح في المهنة او النجاح في الوظيفة او النجاح في العلاقات العامة او في العاب شعبية الخ. فكيف للجهل ان يظهر في سلوكيات وينعدم في سلوكيات أخرى في ذات الشخص الواحد؟. وكما يشير هادي العلوي الى البعض الذين "لا يفرقون بين الجهل والأمية فالعوام أميون أي لا يحسنون القراءة والكتابة لكنهم قد لا يكونوا جهلة بالضرورة لأنهم يزاولون مهناً وصناعات تحتاج إلى الفكر والمهارة ومن يملك الفكر والمهارة لا يسمى جاهلاً وإنما يسمى أمياً إذا كان لا يقرأ ولا يكتب."(العلوي، 2014 :45)

3- واذا اتفقنا ان كل الناس جهلة. فلماذا على مدى قرن من انتشار التعليم في العراق الحديث لم يستطيع هذا التعليم من تغيير هذه السلوكيات التي يمارسها المتعلم والأمي على حد سواء؟. ومن قال اصلاً ان كل من يسلكون هذا السلوك الجاهل، يجهلون كلهم تقييم هذا السلوك، او ليس لديهم تبريرات عقلانية على هذا السلوك؟.

4- ومع ذلك ان فرضية الجهل ان صحت، فهي تكتفي بالتدليل على وجود الجهل، ولاتفسر ديمومته واستعصائه على الحل. لانها تتعامل مع المشكلة عن بُعد، دون ان تقترب منها.

5- وهذه الفرضية تنتهي احياناً الى وجود ميتافيزيقي يتم ربطه بالطبيعة النفسية للعربي او العراقي. او تنتهي بالدوران حول نفسها ما بين هل الجهل سبب تابع ام سبب متغير، مثل تفسير الجهل كسبب للجهل.

6- ان فرضية الجهل فضفاضة ومطاطة وعمومية لأنها تعكس معايير قائلها. وتنتهي الى مغالطات منطقية مثل توصيف المتعلم بالجاهل عن طريق التعميم.

7- ان فرضية الجهل هي اقرب في استعمالها الى المعيارية وليس الى الفرضية، لانها تضع الخط الفاصل بين العلم من عدمه. وتصلح كمفردة تعبوية (شعارات ضد الجهل) او تربوية (لاستهاض العلم كالقول: الجهل ظلام) او دعائية ولا تصلح كفرضية للتفسير.

اذن ان هذه الفرضية تعاني من مشاكل جوهرية عديدة من حيث تحديد المفهوم ومن حيث المشاكل المصاحبة للتفسير الذي طرحته كما بينت في النقاط النقدية السالفة.

والاستخدام العلمي الصحيح لتفسير ظواهر اجتماعية سلبية هو الاقتراب من المبحوثين ونوع المجتمع الذي يعيشون فيه. لنرى ان هذه السلبيات ليست نتاج الافراد انما هي نتاج خصائص المجتمع او الثقافة. فمثلا ان العنف الاجتماعي ضد المرأة يأتي من اساس المجتمع الابوي وهو تشيء المرأة كملكية خاصة ضمن نظام تبادل الهبات، يبرره وظيفياً العرف والدين والتاريخ والمؤسسات والقانون والافكار العامة التي هي الواجهة الخارجية لهذا النظام الأبوي. فالموروث الديني (الاسلام الشعبي) والشعبي يزخر بالنصوص الشفهية والمكتوبة التي تنتقص من المرأة مثل: "ناقصات عقل ودين"، "لعن الله قوم تقودهم امرأة"، "كيدهن كيد عظيم"،  او سوء تربية المرأة لأطفالها، او توصيفها بالشيطان والفتنة والمغرية والساحرة. وقيمتها تأتي من السلبية والطاعة وانجاب الذكور للرجل، عندها فقط تصبح "الجنة تحت اقدام الأمهات". اي من استعمالها كأداة لاستمرار نسل ونسب الذكر وتوريث ملكيته وبالتالي ديمومة المجتمع الذكوري. وهذا الاساس الاجتماعي لاعلاقة له بالأفراد لأنه تشكل تاريخيا قبلهم وسيبقى بعدهم تدور عليه الاجيال ولن يتغير مالم ينتقل المجتمع من الذكوري الى المجتمع المدني التي سيرافقها تغير في قوانين واعراف المجتمع برمته. ولهذا يشمل هذا السلوك معظم افراد المجتمع بغض النظر عن مستواهم التعليمي ولا علاقة له بالجهل لا من بعيد ولا من قريب. ومثل ما سبق يمكن تفسير عدم احترام معظم العراقيين للقانون الى نوع السلطة التي تحكم المجتمع العراقي وفق تقسيم ماكس فيبر للسلطات الاجتماعية. لان المجتمع العراقي تحكمه السلطة التقليدية المستمدة شرعيتها من الماضي، بينما تحكم الدولة العراقية بالسلطة المكتبية (البيروقراطية) المستمدة سلطتها من القانون، التي تختلف في جوهرها عن السلطة الاجتماعية.

 

محمد لفته محل

.......................

المصادر:

- هادي العلوي، مدارات صوفية، تراث الثورة المشاعية في الشرق، الأعمال الكاملة 12، المدى، الطبعة الثالثة 2014.

- الإماِم العَلاّمة أبي الفضل جَمال الدّين محمَّد بن مكرم ابن منظور الافريقي المِصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت 2000.

 

 

حاتم حميد محسنفي عالم الأمراض المعدية، يصبح الوباء اسوأ السيناريوهات الممكنة.عندما ينتشر المرض الى ما وراء الحدود، حينذاك يُعد وباءً. الامراض المعدية وُجدت منذ العصور المبكرة بين جماعات جمع البذور، لكن التحول الى حياة الزراعة قبل عشرة الاف سنة خلق امكانية سهلة لإنتقال الامراض بين الجماعات.

اولى الأمراض التي ظهرت اثناء تلك الفترة كانت الملاريا ومرض السل والجذام والانفلونزا والجدري.كلما اصبح الناس اكثر تحضرا في بناء المدن واقامة الشبكات التجارية التي تربط بينها واكثر قدرة على شن الحروب، كلما اصبح احتمال ظهور الوباء كبيرا.

اثينا عام 430 ق.م

اول وباء سُجّل تاريخيا كان اثناء حرب البيلوبونيز بين اثينا واسبارطة. بعد ان عبر المرض ليبيا الى اثيوبيا ومصر، انتقل الى اسوار اثينا التي فُرض عليها الحصار من جانب اسبارطة. ثلثي السكان لقوا حتفهم.الأعراض شملت الحمى والعطش وآلام الحلق الدموية واحمرار الجلد واللسان. يُعتقد ان المرض كان التيفوئيد وهو ما أضعف الاثنيين كثيرا وكان عاملا رئيسيا في هزيمتهم امام سبارطة.

الطاعون الانطوني سنة 165م

اول ظهور للطاعون الانطوني كان بين قبائل الهون Huns في شرق نهر الفولغا. هذه الجماعات نقلت العدوى الى الألمان الذين نقلوه بدورهم الى الرومان.بعد ذلك انتشر المرض في عموم الامبراطورية الرومانية اثناء عودة الجنود . الأعراض شملت الحمى، التهاب الحلق، الاسهال. هذا الطاعون استمر حتى عام 180 بعد ان قضى على الامبراطور الشهير ماركوس اورليوس.

الطاعون السيبراني Cyprian plague سنة 250م

سمي بهذا الاسم بعد ان قضى المرض على الاسقف المسيحي في قرطاج، ومن أعراض هذا المرض كان الاسهال والقيء والتهاب الحلق والحمى وغرغينيا في اليدين والقدمين. القاطنون في المدن فروا الى الريف هربا من العدوى لكنهم بذلك نشروا المرض بشكل أسرع. بدأ المرض في اثيوبيا ثم انتقل الى شمال افريقيا ومنها الى روما ثم الى مصر . موجات اخرى من الوباء عادت في القرون الثلاثة اللاحقة. في عام 444 م ضرب الوباء بريطانيا وأعاق جهود الدفاع ضد الاسكتلنديين مما دفع بريطانيا لطلب المساعدة من السكسون الذين تمكنوا حالا من السيطرة على البلاد.

طاعون جستينان Justinian plague 541 م

ظهر اول مرة في مصر ثم انتشر عبر فلسطين والامبراطورية البيزنطية ثم نحو منطقة البحر المتوسط. الطاعون غيّر مستقبل الامبراطورية وأحبط خطط الامبراطور جستينان في استعادة وحدة الامبراطورية مما سبّب مشاكل اقتصادية واسعة. المرض كان ايضا مسؤولاً عن خلق مناخ يتنبأ بنهاية العالم مما حفز الانتشار السريع للمسيحية.

الموجات المتكررة للوباء في القرنين اللاحقين قتلت حوالي 50 مليون شخص، اي ما يعادل 26% من سكان العالم. يُعتقد ان الطاعون النزفي تميز بتضخم الغدة اللمفاوية وهو فايرس تحمله الفئران وانتشر بواسطة البراغيث.

الجذام في القرن الحادي عشر

مع انه كان قديما لكن الجذام تطور الى وباء في اوربا في فترة القرون الوسطى، مما دفع الى بناء مستشفيات هائلة لمعالجة الأعداد الكبيرة لمرضى الجذام. هو مرض بكتيري بطيء التطور يسبب التهاب وتشوهات. كان يُعتقد ان الجذام عقوبة من اللة، هذه العقوبة قادت الى أحكام اخلاقية ونبذ للضحايا وعدم الاهتمام بهم. الآن يُعرف بمرض (هانسن) ولايزال يصيب عشرات الالاف من الناس كل سنة وقد يكون مميتا ان لم يُعالج بمضاد حيوي.

الموت الاسود عام 1350

وهو مسؤول عن موت ثلث سكان العالم، هذه الموجة الثانية من الطاعون النزفي bubonic plague بدأت في آسيا ثم انتقلت غربا مع القوافل، دخلت الى جزيرة سيسلي عام 1347. وعندما وصل المصابون بالوباء الى ميناء ميسينا شرق سيسلي انتشر وبسرعة في جميع انحاء اوربا. اجساد الضحايا تكدست جدا لدرجة بقي العديد منها متعفنا على الارض مما خلق روائح كريهة لفترات طويلة في المدن. انجلترا وفرنسا المنخرطتان في الحرب شعرتا بالاحباط من الوباء مما اضطرهما الى عقد هدنة لوقف الحرب. النظام الاقطاعي البريطاني انهار عندما غيّر الوباء الظروف الاقتصادية والسكانية. تناقص السكان في غرينلاند، ادّى الى ان يفقد الفايكنك القوة على شن الحرب ضد السكان الاصليين، ومن ثم توقّف استكشافاتهم نحو شمال امريكا .

التبادل الكولومبي 1492م

اُطلق هذا الاسم على الوباء بعد ان ساعد المستكشف كولومبس في نقل الأفكار والنباتات والحيوانات والامراض بين العالم القديم وامريكا وغرب افريقيا وذلك بعد وصول الاسبان الى الكاريبي، حيث انتقلت الامراض مثل الجدري والحصبة والطاعون النزفي الى السكان الاصليين عبر الاوربيين. هذه الامراض التي لم يسبق لها مثيل دمرت السكان الاصليين بنسبة 90% في شمال وجنوب القارة. وعندما وصل كولومبس الى جزيرة هسابينولا كان عدد السكان 60 ألفا لكن في عام 1548 بلغ عدد السكان أقل من  500 شخص.هذا السيناريو تكرر في عموم امريكا.في عام 1520تحطمت امبراطورية الازتيك بالجدري. حيث قتل المرض العديد من الضحايا وأصاب الآخرين بالشلل. انه اضعف السكان لدرجة اصبحوا غير قادرين على انتاج المحاصيل.

البحوث التي اجريت في عام 2019 استنتجت بان الوفيات من الامريكيين الأصليين في القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي بلغت 56 مليون شخص غيّرت مناخ الارض حين ادّى نمو الغطاء النباتي في الارض المحروثة الى سحب المزيد من ثاني اوكسيد الكاربون من الجو وهو ما سبب خفض الحرارة.

الطاعون الاكبر في لندن عام 1665م

ظهور آخر للطاعون النزفي او (الدبلي) في لندن ادّى الى وفاة 20% من سكان المدينة. ومع تصاعد أعداد القتلى، تم حفر أعداد هائلة من القبور وجرى ذبح مئات الالاف من القطط والكلاب لكونها اُعتبرت سببا محتملا للوباء. هذا الوباء انتشر عبر موانئ نهر التايمز. لكن موجة الوباء أخذت  بالتباطؤ في نهاية عام 1666 وهو نفس العام الذي شهد كارثة مدمرة من نوع آخر وهي حريق لندن الكبير.

الوباء الاول للكوليرا عام 1817

وهو الاول من بين سبعة اوبئة للكوليرا حدثت في المائة والخمسين سنة اللاحقة. هذه الموجة من التهاب الامعاء نشأت في الأصل في روسيا، حيث مات مليون شخص. الوباء انتشر من خلال الطعام والماء الملوث  بفضلات الانسان،  الجراثيم انتقلت الى الجنود البريطانيين الذين حملوها بدورهم الى الهند حيث الملايين ماتوا. اتساع الامبراطورية البريطانية وتضخم بحريتها نشر الكوليرا الى اسبانيا وافريقيا واندونيسيا والصين واليابان وايطاليا وآلمانيا وامريكا، حيث قتل 150 ألف شخص. اللقاحات لم تتوفر الاّ في عام 1885 لكن الوباء بقي مستمراً.

ثالث وباء بالطاعون عام 1855

بدءاً من الصين ومرورا الى الهند وهونك كونك، قتل الطاعون النزفي 15 مليون شخص. انتشر الوباء في الاصل بواسطة البراغيث اثناء ازدهار صناعة التعدين في اقليم يونان، الوباء اُعتبر سببا في ظهور حركات التمرد في الصين مثل تمرد parthay وتمرد Tiping. الهند واجهت اضرارا واصابات جسيمة، حيث اُستعمل الوباء كتبرير للسياسات القمعية التي اشعلت بعض حركات التمرد ضد البريطانين. بقي الوباء نشطا حتى عام 1960حيث انخفضت الوفيات الى ما دون الـ 200 ضحية.

وباء فيجي عام 1875

بعد ان استسلمت جزر فيجي للامبراطورية البريطانية، زار الحزب الملكي استراليا كبادرة حسن نية من الملكة فكتوريا. وصول الوفد اثناء تفشي الوباء ادّى الى ان يجلب الوفد معه الوباء الى الجزر فانتشر بشكل أسرع عبر زعماء القبائل والشرطة الذين التقاهم الوفد اثناء عودته. وعبر الانتشار السريع، كانت الجزر مليئة بالجثث التي نهشتها الحيوانات البرية، جميع سكان القرى قد ماتوا واُحرقوا، بينما بعض  المرضى لازالوا محاصرين وسط النيران. اخيراً مات ثلث سكان فيجي البالغ 40 ألف شخص .

الانفلونزا الروسية 1889

اول ما بدأ الوباء في سيبريا وكازاخستان، ثم انتقل الى موسكو ثم الى فنلندا وبولندا بعدها الى بقية اوربا. وفي السنة اللاحقة عبر المحيط الى امريكا الشمالية . وفي نهاية عام 1890 مات حوالي  360 ألف شخص.

الانفلونزا الاسبانية 1918

وادّت هذه الانفلونزا الى وفاة 50 مليون شخص في العالم، انفلونزا عام 1918 لوحظت اولا في اوربا والولايات المتحدة واجزاء من آسيا قبل ان تنتقل بسرعة حول العالم. في تلك الاثناء، لم يكن هناك دواء فعال او لقاح لمعالجة الوباء القاتل. تقارير وكالات الانباء عن انتشار الوباء في مدريد في ربيع عام 1918 استخدمت اسم الانفلونزا الاسبانية، مئات الالاف من الامريكيين ماتوا وادّت ندرة مخازن حفظ الجثث البشرية الى كارثة. لكن تهديد الوباء اختفى في صيف عام 1919 عندما طوّر أغلب المصابين  مناعة او ماتوا.

الانفلونزا الاسيوية 1957

وبدأت من هونك كونك ثم الى الصين ومنها الى الولايات المتحدة. الانفلونزا الاسيوية اصبحت منتشرة في انجلترا حيث مات مايقرب من 14ألف شخص في غضون ستة اشهر. الموجة الثانية توالت في بداية عام 1958 مسببة اجمالي وفيات 1.1مليون شخص في العالم مع 116ألف وفاة في الولايات المتحدة وحدها. اللقاح طوّر لاحقا وتمكّن من احتواء الوباء بفاعلية.

الايدز/HIV في 1981

تم تشخيص الايدز اولا في عام 1981، وهو وباء يحطم النظام المناعي لدى الانسان، مؤديا في النهاية الى الموت. المصابون بالفايرس يعانون من حمى وصداع وتضخم في الغدد اللمفاوية. عندما تهدأ الاعراض يصبح المريض مصابا بالتهاب الدم والسائل التناسلي ويبدأ المرض بتدمير الخلايا التائية T cells. اول ما ظهر الايدز بين جماعات المثليين في الولايات المتحدة، ويُعتقد انه تطور بالأصل من فايرس في الشمبانزي  في غرب افريقيا في العشرينات. ثم انتقل المرض الى هاييتي في الستينات ومن ثم الى نيويورك وسانفرنسيسكو في السبعينات.

العلاجات جرى تطويرها لإبطاء انتشار الوباء، لكن 35 مليون شخص ماتوا بسبب الايدز منذ اكتشافه، والعلاج لايزال غير متوفر.

سارس عام 2003

اول ما ظهر عام 2003، الحالات شهدت المتلازمة التنفسية الحادة والتي يُعتقد نشأت في الخفافيش ثم انتشرت الى القطط ومن ثم الى الانسان في الصين ثم في 26 بلد آخر، فأصاب ثمانية الاف شخص مات منهم 774 شخصا. يتميز سارس بمشاكل في التنفس، سعال جاف، حمى وصداع وينتشر من خلال الرذاذ التنفسي اثناء السعال والعطاس. جهود الحجر الصحي اثبتت فاعليتها وفي شهر جولاي جرى احتواء الفايرس ولم يتكرر منذ ذلك الوقت. الصين تعرضت للانتقاد لمحاولتها حجب المعلومات حول الفايرس في بداية انفجاره وهو ما اعتبرته المنظمات الصحية العالمية امرا ضروريا  لتحسين الاستجابة للوباء.

كوفيد-19 عام 2019

في مارس 2020 أعلنت منظمة الصحة العالمية ان فايرس كوفيد-19 اصبح وباءً رسميا بعد ان انتشر  في 114 بلدا خلال ثلاثة اشهر مسببا اكثر من 118ألف اصابة. كوفيد-19 نشأ من فايرس جديد لم يكن مكتشفا من قبل. الاعراض تتضمن الحرارة والسعال والتهاب رئوي قد يقود الى الموت. وكما في سارس الفايرس ينتشر عبر رذاذ العطاس او السعال. اول اصابه اُعلن عنها في الصين في 17 نوفمبر 2019 في اقليم هوبي لكنها لم يُعترف بها. بعدها ظهرت ثمان حالات في ديسمبر اشار فيها الباحثون الى فايرس غير معروف. العديد من الناس عرفوا كوفيد-19 من طبيب عيون صيني وهو الدكتور لي ويلنك Li wenliang الذي رفض اوامر الحكومة بعدم الافصاح عن الفايرس وقام بتسريب المعلومات الى اطباء آخرين. في اليوم التالي أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية  ووجهت تهمة الجريمة للدكتور لي  . توفي لي بعد شهر متأثرا بالفايرس. لكن الفايرس انتشر الى ما وراء حدود الصين الى اكثر من 163 بلدا.

 

حاتم حميد محسن

.................

المصادر

1- الامراض والتاريخ، Frederick C.Cartwright، دار Sutton، 2014.

2- الامراض: قصة الامراض وصراع البشرية المستمر ضدها، Mary Dobson، دار Quercus، 2007

3- انسيكلوبيديا الأوبئة، الطاعون، الجائحة، تأليف Joseph p.Byrne، دار Greenwood press، 2008.

4- كتاب التاريخ الطبي، تأليف Logan Clendening، دار دوفر، 1960.

 

سامي عبد العالبعد أيّةِ تحولاتٍ سياسيةٍ كبرى تمُر بها مجتمعاتُنا الإنسانية (مثل الثورات، تغيير الأنظمة الحاكمة، الاصلاحات الجذرية في أبنية الدول...)، ثمة حاجةٌ إلى التذكير بأهمية كلِ فعلٍ عامٍ. أقصد ضرورة الكشف عن معناه ورواسبه الضمنية والعوالق التي تعلق به، لأنه كشأن يخص المجتمع ربما يتعرضُ للانحراف طالما يتوقف على الرؤى والاتجاهات المتنوعة. أهو فعل سيستمر حقاً بهذا التوصيف العمومي أم لا؟ إنَّ الفعل السياسي الحقيقي يتركُ أثراً تاريخياً بعيداً، كما لو لم يحدث في حياتنا من قبل. بحيث يلامس رُوحاً إنسانياً (كلياً) لا يُخْطّئ الواقع، إذ ذاك يَمسُ أثرهُ التاريخيُ الأعصاب الاجتماعية والسياسية لحياة الناس.

الأقرب للاحتمال أنَّ المجتمعات التي تتقبل ذلك هي مجتمعات حيّة، قادرة على الانفتاح إزاء أي حدث ولو كان بحجم كيانها الخاص. إنَّها تستطيع إعادة العيش وفق تاريخٍ مفتوحٍ، وتغطي الأعصاب التي تهتكت- نتيجة التغيرات والتوترات- بمزيد من الأنسجة والأربطة البديلة. لأنَّ مجتمعاً نابضاً بالتاريخ يكسُو ما يتعرى بأشياءٍ تحل محله وتؤدي المهام المفترضةَ وفقاً للتطورات الزمنية التي قد تحدث.

  ضمن هذا الوضع، تختلف المجتمعات بالتأكيد عن الأفراد، فالتجارب التاريخية لديها لا تذهب إلى ذاكرة خاصةٍ، بل إلى ثقافة نوعيةٍ تجعل المرور بمنعطفات خطرة أمراً ممكناً وقابلاً للاستيعاب. إنَّ ذاكرة التاريخ تستحضر ما سيحدث، كأنَّه قد حدث بالفعل رغم المشكلات والمفارقات التي تظهر تباعاً. وهذا قد يُسمى بالوعي أو قراءة الواقع أو رسم خريطة المستقبل، لكنه في كل الأحوال هو الإمكانية التي تتوافر في أرصدة المجتمعات الحية والتي تثري وجود أفرادها طوال الوقت.

 لكن يبقى الأهمُ أنَّ أية أسئلةَ تطرحُها المجتمعات مثل: أسئلة الحرية والعدالة والآخر والقانون، سيكُون لها جانب من الطابع العام بالمثل، طابع حركة التاريخ الكلي لوجودها الذي يأخذ دورات أخرى. وإلاَّ... فإنَّ تفاهة الأسئلة ستُنبئ عن تفاهة المصير الذي يترصدها. وهذا ما جرى للأسف بالأمس القريب مع تحولات الربيع العربي وما زال يجري.  حين اهتمت دولنا العربية بالأشخاص فقط وبتبديل الأشكال، ولم تهتم بالقضايا ولا بالمبادئ والقيم ولا بالمصير العام. المصير الذي يجب رسمه بأمانة ودقة هو النتيجة التي تشتق من لحم التوقعات الكبرى المنتظرة والمفترض أنْ تقويها أنشطة التعليم والفكر والثقافة بحكم أن المجتمع هو بيئتها الخصبة. يقول أبو القاسم الشابي: ومن لم يعتَّد صعودَ الجبالِ ... عاشَ أبد الدهر بين الحفر.

 الأزمة في المجتمعات العربية أنَّها سياسياً تطرح أسئلةً فرديةًindividual questions. فتكون الإجاباتُ مشتِتّةً وإقصائيّةً وتنقلب من مرحلةٍ إلى سواها، ثمَّ تفكر أنظمتُّها طوال الخط بمنطقٍ أحادي في انتظار دولة البطل الفذ. فما كان إلاَّ أنْ يتضخم الأنا ليحل من بعده الطُوفان، سواء أكان هو سبب الطوفان (أي يترك أثراً كبيراً) أم نحن السبب (الفاعل الجمعي) له، وقد حدثَ هذا الطوفان بليبيا واليمن ومازال يجري بسوريا.

على هذا النحو، فإننا نفكر بقرون الفحل الذي يَعْلّم أنَّ أمامه صخرةً فيصرُ على مناطحتها دون جدوى، أو كهذا حال الفحل الذي أدخَل رأسه في الصومعة (الدولة) لالتهام كل الحبوب. فتكون النهاية-  كي نأخذ باقي الحبوب- أنْ يتم قطع رأس الفحل ثم هدم الصومعة بأكملها. ذلك أدق توصيف لما جرى من هدمِ بعض الدول العربية أثناء وبعد الأحداث السياسية الربيعية التي مرّت بعد قطع دابر الحاكم الذي كان فرداً. ومع ذلك لم تنل شعوبُها الحبوب التي تمتلئ بها الصومعة (النفط والثروات وحتى الأرض). وبالتأكيد لا يخلو الأمرُ: أننا قد نزن الأمور بمنطق الكتلة الفارغة التي تُرجّح أيّ امتلاءٍ أو تبحث عنه بمسميات دينية أو أيديولوجية أو سياسية!!

هل أقولُ.. ليس مصادفةً أنْ يخترع العربُ الصفرَ في مجال الرياضيات؟! حتى شاع عنه في تاريخ العلم مصطلح (الصفر العربي) Arabic zero. وفعلياً هو صفر لا قيمة له، غير أنه يُسببْ امتلاءً وفارقاً داخل أية منظومةٍ عدديةٍ. وبذات القدر يلعبُ دوراً أثناء وقوعه الحسابي يميناً أو يساراً من الأعداد. لكن الشيء المدهش أنه بالتوازي مع ذلك, ونظراً لأن الجوانب التاريخية من الثقافةِ واحدة، فقد يُفهم الواجب السياسي في معناه الكلي لدينا كمعطى صفري دون قيود ولا أعداد.

بمعنى أنَّ المسؤولية السياسية في عرف الرجل العربي ليست مصحوبةً غالباً بالالتزام بقدر ما هي طائرة مع أهواء وغرائز الأفراد. وعليه فإنَّ نتائج جمع المسؤوليات بجوار بعضها البعض تساوي صفراً. وقد يتفلّتْ المسئولُ عنها خارجاً مثل الشعرة من العجين. وحتى إذا أتى الالتزام بالتغيير أو بتهيئة الجديد، فلابد أنْ يأتي قهراً ومغالبةً. أي سيتحقق الالتزام-وهذا شيء فريد بمعايير السياسة المعاصرة- بصيغة الإلزام الذي يتمُّ فرضه من قِبلّ قوةٍ قاهرة(سواء أكانت الشعوب أم غيرها...).

تأكيداً لذلك، فقد وضع ابن خلدون تفسيراته لحركة (نشوء أو زوال) التاريخ السياسي للعمران ارتفاعاً وانخفاضاً في ضوء الغلبة والتوحُش (كنوع من الاستثمار لقدرات الفحولة السياسية) ولا ننسى أنَّ قبلهما كانت هيمنة (المُلْك العضوض) على الدولة. فالدورات تبدأ بالمُلك القوي الشكيمة إلى حين، ثم تجابهه الغلبة والتوحش من قوةٍ أخرى تأخذ مكانه، لتحدث نقطة توازن مؤقتاً إيذاناً بدورة جديدة ... وهكذا.

 وإذا كان ذلك هو الحال الموروث، فلن يعادل الغلبةَ خلال الحياة المعاصرة إلاَّ منطقٌ جديدٌ قائم على الفعل السياسي العام. الفعل المستند بدوره إلى منطق فلسفي متسامح يدمر نزوع التوحُش الفحولي ويبني أواصر الدولة التي تسع الجميع. ومن حينهِ يمكن للفرد أنْ يقول للآخر أمامه: ماذا أفعل لو كنت مكانك كي أقف في صالح الآخرين: وماذا تفعل لو كنت مكاني لنعمل من أجل الآخرين جنباً إلى جنب. ثم علّنا أنْ نلتفت سوياً: أنَّ هذا الموقف موقف يُحقق مصلحتك ومصلحتي بالوقت نفسه!!

ذلك الأمر جعل موضوع التغيير فكرةً واقفةً بقوةٍ ضمن مسار الوعي بمقدمات ونتائج الأفعال السياسية العامة. هذه الأفعال التي لا تسقُط من أعلى ولا تصعد من تلقاء نفسها عبر الثقافة السياسية الجارية. إنَّها بلا ريب قدرة الإنسان على التأثير في مجتمعه بمنطق الجمع دون استثناء وبلا طرح، ودون إشعار الآخرين بأنَّ هناك قبضةً تستأثرُ بزمام الأمر بمنأى عنهم. السياسةَ في تاريخ البشر (أو هكذا يجب) هي فعل كلي يتأتّى من هنالك حيث مشاركة الأفراد معاً، أي من تأسيس لمنطقي العمل العام وإمكانية الحقوق عمقاً في بنية المجتمعات. والفعل السياسي بتلك التبعية هو الوضع المراوح، المتبادل على الدوام في تحويل "المصير" إلى قوةٍ لا تبرح أهدافها الكلية دمجاً لآمال الناس معاً.

  إنَّ الفعل السياسي العام هو المفارقة المتمثلة في تحقيق آمالي عندما تحقق أنت آمالَّك، فعل يكمُن في التعبير عن ذاتي متى أخذت أنت كامل حقوقك في التعبير عن ذاتك. ولئن كان الفعل يفترض شيئاً مستحيلاً، فإنه يفترض قدرتنا على رسم مجال التأثير مع إعطاء الحرية المنعزلة لكل منّا. كل هذا التشارك يجب أن يتم دون الانجرار نحو طُرق عنيفة أخرى تقتضي ألاَّ نغض الطرف عن مساربها الجانبية، وتنتهي بفرز الأشياء بثنائية الصراع (مع أو ضد).

المسألة المُغذِية لأزماتنا السياسية كما تكشف اللغة أن: ساسَ، يسُوس في الثقافة العربية اشتقاقان يعودان بنا في المقابل إلى حُكم الفرد وهيمنته، حتى وإنْ كان الفردُ موجوداً في نظامٍ سياسي له أطره وآلياته الموضوعية. وهما بالمثل اشتقاقان يُدْخِلانِنا إلى حظيرة السياسة ورقابنا مربوطة بسياج فحولي أسطوري. أليس الفحل مسئولاً عن القطيع الذي يرعى حوله؟

فعل السياسة في الثقافة العربية عالقٌ تماماً لدرجة التشبُع بمحددات سلطوية، جهوية، توحشية- طبيعية. وفوق ذلك هي محددات تجعله عاجزاً عن التحرر من الامتلاك الفردي، الفئوي، الطبقي، القبائلي، وهذه أبنية واردة من وقت لآخر. ولكي نفهم خطورة ذلك، فقد كان مدلول النظام السياسي ولازال مرهوناً بتاريخ الذهنية العنيفة. وهو مدلول ينكشف في أفق الاستثناء العربي الراهن (بعد الأحداث السياسية الربيعية)، مطبوعاً بآثار الاستبداد واسع الانتشار في قطاعات المجتمع العربي من الفرد إلى الكتل  والأحزاب. لقد كانت الجموع تبحث دوماً عن مُنقذ، عن فحلٍّ بإمكان قرونه القوية مشاكسة الأغيار ودحرهم ليس أكثر (صراع الفتوات بلغة نجيب محفوظ).

إنه يصعب فهم الفعل (سَاسَ) في التاريخ السياسي العربي دون طرفين متراتبين: حاكم ومحكوم وبينهما هوة سحيقة لا قرار لها. الوضع كالتالي: حاكم له سدنتّهُ، حواريُوه، أتباعه، خدّامه، كُتّابه، مدبجُو صحائفه، وله بالمثل مشذبو شعيراته يميناً ويساراً، وله بالتتابع محققو أحلامه وإن كانت فقاعات هُلامية. وله مرتبو خواطره المتناثرة ولو كانت خربشات أو تسلخات من طفح الخيال. وله حملة مباخره في أي اتجاه شاء، وله راسمو خرائطه المتخيلة بدءاً من أنفه إلى منتهى بصره وقرون استشعاره.

هكذا كان يخطب أبو جعفر المنصور يوم بالناس: إنما أنا ظلّ الله في أرضه، أسُوسُكم بسلطانه وأعطيكم بفضله، إنما أنا قفل، فادعوا الله أن يفتحني لكم!! ولنا إنْ أردنا أنْ نتعقب حشداً من" الجعافرة" على غرار المنصور في دهاليز التاريخ العربي والإسلامي. فكم كان المنصور ولاّداً خلال خلات دورات من العود الأبدي بعبارة نيتشه. كان فيه العرق السياسي دسّاسّاً إلى نسل الحكام العرب ملوكاً ورؤساء وأمراءً  ومسؤولين (تخيروا لنطفكُم فإن العرق دسّاسٌ).

فالجذر المعجمي سَاسَ، يَسُوسُ، سَائِس، قريب جداً من دسَّاس في اللغة العربية. الفكرة أنَّ الرجل يتخير كذكر موضع فحولته الاجتماعية (مكانته البارزة) عندما يوظف فحولته الطبيعية بالمصاهرة. وكما أن له المغالبة الذكورية في الوطء، فله بالمثل حرية اختيار المغالبة بالقوة التي لا تتوقف أو هكذا ينبغي أنْ تكون على صعيد الواقع. فالأب في الجانبين هو حامل رمزية القوة الاجتماعية. من ثم يجب ألاَّ تصاهر القوةُ غير القوةَ (الحسب والنسب). وجاء لفظ النطفة كتكوين ذكوري بعلامات ثقافية واضحة ارتهاناً بسوابق المصاهرة. وهو ما يعني أنَّ الجينات الوراثية تحمل شفرات أخلاقية-اجتماعية على المستوى نفسه، حيث تمتد إلى ذات الجذور المشتركة بين عناصر السياسة والمجتمع.

وكما أن النطفة كائن مستقبلي ممتزج بمورِثّات ثقافية، فيمكن القول (تخيروا لحُكمِكُم، فإنَّ عرقَ التسلط والاستبداد دسّاس). أي أن نمط الحاكم قد يكون نطفةً سياسية بالمثل، إنه كائن مستقبلي على الشاكلة نفسها وأولى بنا أن نختاره مع الاعتناء بذلك الاختيار عنايةً أكثر من الرحم الزواجي. فالأخير كموضوع للفعل الجنسي يكون مسؤولاً عن حملٍ فردي، بيد أنَّ الحاكم (أي الفعل السياسي بمنطق الثقافة العربية) مسؤول مسؤوليةً مباشرةً وغير مباشرةِ عن حَمْلٍ تاريخي ثقيل، يُولِّد أجيالاً وراء أجيالٍ لها  ذات السمات.

والفعل سَاسَ مرتبطٌ على صعيد المضمون أيضاً بوسْوسَّ وسْوسّةً. الشيطان والحاكم عند العرب تفردا الاثنان في الوسوسة والدسيسة والوقيعة إلى مالا نهاية كما في الملاحم والفتن وحروب الإغارة والغزو وحكايات القصور والكواليس السياسية. ومن تلك الأمور جاءت حياكة الدسائس والمكائد والمؤامرات وقت السلم والحرب. ولن نستطيع أنْ نكون لدى أعتاب مرحلة الاستثناء العربي الراهن دون ممارسة سياسية لغوية تعي الانحراف والتخليط لهذه المعاني إزاء الواقع. الخطابة والسياسة هما وكرا التفريخ التاريخي لهذا التضخم اللغوي- الوجودي حول "أنا أحكم فأنا المُطلق"..."أنا ربُكُم الأعلى"..."لا أُريكم إلاَّ ما أرى"، وهذا طرف أول.

أما الطرف الثاني، طرف الشعوب، فهم المحكومون، موضوع التسيس، أي المسُوْسُون.  وكذلك هم الموّسْوِسُون والكلمة آتيةً من الوسْوسَّةِ. فالحاكم العربي هو "الوسوّاس القهري" لشعبه ليلاً ونهاراً، شعب لا يملك إلاَّ أن ينفث بتكتم شديدٍ في روع بعضه البعض، لا يستطيع أنْ يتكلم إلاَّ همساً. وهم المنقادون له من غير إرادةٍ ولا مساءلةٍ. ألاَ يقود الفحل السياسي اتباعه طوال هذا التاريخ الضارب بذهنيات القطيع؟! هؤلاء المنقادون خلف ناعق أو المتحلقون حول ذمار، إذ لا مفر من ترديد أغنياته. إنهم المتلقون أيضاً لكل صنوف الهوس السياسي. خليط من الجعْفريّة (ابو جعفر المنصور) والحَجاجيّة (الحجاج بن يوسف الثقفي)، الفاشستية والديكتاتورية!!

والأدهى من ذلك كلِّه أنَّ تلك الأحوال السياسية ظلت معقودةً في المجتمعات العربية مع مثلث ثلاثي الأضلاع: الصمت- الطاعة- الإجِماع. وهي ظواهر اجتماعية وسياسية ودينية علينا دراستها جيداً ومعرفة كيف نشأت واستُعملت. لأنها كانت وستكون حاضنة لكل مستبد قادمٍ. كيف يتغلغل هذا المثلث وينبت في الجسد العام المسمى بالمجتمعات العربية؟ وطبعاً يمكن الاعتراف بأن لكل دولة تجربتّها التاريخية على حدة. وهي التجربة التي تنعقد مع علاقات بنيوية تاريخية جاعلةً إياها متفردةً في ظاهرة التسلط. ظاهرة: سَاسَ، يَسُوسُ، يُوسْوّسُ على الترتيب مع تاريخ وتطور أنظمة الحكم: من الطفولة السياسية إلى الفحولة ثم الشيطنة. وقد أفرزت تلك الظاهرة شعوباً هم في نظر حكامهم مجرد دهماء، بهاليل!!

لذلك بدعوة من أهمية القضية كان يجب ارتباط أي فعل سياسي عام بالغايات المأمولة للأحداث الاستثنائية، بالضبط مثلما كان يُنتظَّر منه أن يشكِل المستقبلَ واقفاً على أعتاب مرحلةٍ جديدةٍ. ذلك بعد أنْ بقي مستقبلاً بعيداً، طريداً، مجهولاً. لا مفرّ عندئذ من أنْ يخضع الفعل العام لعمليات "التنقية والفرز" كي يأخذ مكانتَّه المؤثرة من حياتنا المشتركة بتوسع قاعدة الرؤى والنظر والتنوع.

ويبدو أنَّه لا تتمّ عمليات تصفية نقدية كهذه إلاَّ بعمل استثنائي بالمثل. أي تجب المراجعة من واقع القدرات العامة للفعل السياسي المُؤثِر إذا ما أضحى قيد الممارسة. إنَّ تبعات الفعل السياسي العام لا يحتملها أيُّ فرد وإنْ كان حاكماً. فهي كانت قابلة للإنجاز ابتداءً بحركة التاريخ جذرياً (كالانتفاضات العامة أو التغيير الأساسي)، ألم نتفق مبدئياً أن الفعل العام يفترض معنى لإرادة عامةٍ، ثم ها هي تتطلب عملاً واعياً كذلك من قِبلّ المجتمع ككل لحظة كشفه لحقيقة مكوناته ووضعها على المحك.

الظاهر أنَّ لحظة الكشف هي إحدى لحظات الوعي والحقيقة النادرة التي تبرق داخل نسيج المجتمعات. فيعرفُ كل فردٍ عندئذ خطورةَ ما يفعل، وما هي ثقل المسؤولية الملقاة في طريقةِ، ومع أي مجهول سيتعامل، حيث تصبح الذاكرة الجمعية قويةً لأنها قد تكشف المشكلات. الذاكرة لا تصاب بالثقوب، تعرف تماماً ماذا صنع الأفراد أو الجماعات مع تلك المسؤوليات!! بل يدخل الأفرادُ في اختبارٍ شاقٍ أشبه بعملية الخلق، بمخاض للفرز. فالأفراد (أو الشعوب) أرادوا أن يتذوقوا لذة اللعب مع "المصير" في زمنه (الثورات)، فدُهِسوا تحت أقدام "المصير" في حَدِيتّه (النتائج الضحلة والأقل من المتوقع). فالمصير الحَدِي للمجتمعات لا يأتي عارياً بنفسه، إنه يتشكل بأنماط من الوعي والقوة، هو غير خاضع للتحكم فيه، وهو النهاية التي لا تأتي كما نريد إلا توطئة لبدايةٍ مختلفة. ذلك لكون "المصير"، يحضر دوماً بكثافة المجتمع في أفعاله. ويترك، بل يسحق إلى درجة السخرية من لا يقف على ذات المستوى.

أجدني أمام تفسير لقضية "سقوط الأقنعة" التي أبرزها الربيع العربي آنذاك: حيث أنَّ المراحل التي تشهد أحداثاً استثنائية ربما تشهد بالمثل حرقاً لبعض الشخصيات، لأنَّ المصيرَ أكبر من احتوائه. كما أنَّ الانكشاف العام لا يترك شاردةً ولا واردةً إلاَّ ويضعها تحت رقابة الآخرين. ويكمن الخطر بالمعنى السياسي في وُجُود أفعال المنفعة الخاصة المتعارضة مع الفعل العام. لأنها ستنفرز بموجب مبدأ المصلحة العامة التي تقع بين كل الناس.

وهو مبدأ (مصيري) سيبتلع من يقع في فخه من أصحاب المآرب. وترد أهمية الأفعال الخاصة هنا بمعنى أنها سمة من سمات تكوين المصالح في المجتمعات أثناء الأزمات الكبرى. فكلمة الناس لا تفرق ضمنياً بين مؤمن وغير مؤمن في مقابلةٍ مع التفرقة الصريحة إزاء هؤلاء الناس بين مصلحةٍ ومفسدةٍ بأداتي الفصل المنطقي(إمّا هذا... أو ذاك)، فبعضُ الناس إجمالاً يتأرجحون كقوى فاعلة لصالح الجميع أو ضدهم!!

المهم كما يُذكِّرنا الاستثناءُ السياسي الذي تعيشه مجتمعات العرب أنه من الضروري ألاَّ ينشغل الشخص بمصالحهِ الضيقة. فلم ينصرف "المصير" الحدّي بعد. مازال يراقب الوضعَ عن كثب، وسيواصِل عمله باعتباره جزءاً من حياتِنا، فالحياة في خطر لهي الحياة الممتلئة بنصيحة نيتشه: "عشْ دائماً في خطر". ولقد فعلنا ذلك في تجربتي تونس ومصر... لكننا فيما يبدو أدْمنَّا الخطر كالمخدرات ولم يذهب عنا حتى الآن. وأيضاً لم تغب لحظة الانكشاف السياسي من وقت لآخر، حيث تختبر الأفكار والتوجهات والشخصيات. في المقابل لم يمِل الساسةُ العرب من الحيل والمناورات والضرب مع المجهول قُرباً أو بُعداً.

 

سامي عبد العال

 

 

محمود محمد عليكشفت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) عن الخلل الفكري لدى التنظيمات الإرهابية، التي تفتقد إلى مبادئ الإنسانية، كونها استغلت أزمة كورونا لتكون أداة عنف وتفجير وتشكيل للخلايا الإرهابية التي تستهدف أمن واستقرار الدول، حيث شهدت الأيام الماضية استغلال تنظيم داعش الإرهابى لأزمة انتشار فيروس كورونا، حيث يعتقد تنظيم داعش أنه ما زال يمتلك القدرة على ممارسة الإرهاب بحرية وتنفيذ عمليات إرهابية ضد الجيش والشرطة والمواطنين، ظناً منه أن انشغال العالم بجائحة كورونا سيجعله أكثر قوة وقدرة على إعادة ترتيب صفوفه وإثبات وجوده، بعد أن خرج تنظيم داعش فى العراق من بابه الكبير، ليعود متسللاً إليه مرة أخرى من نافذة كورونا فى ضوء انشغال العالم قاطبة بهذا الوباء الذى شل قدرته بالكامل، وتراجع اهتماماته وأولوياته مع وجود كورونا، فأصبح القضاء على الفيروس يتصدر أولى الأولويات والاهتمام العالمى.

ففي الأسابيع الماضية رصدت قوات الأمن العراقى تسلل زعيم داعش الجديد «أبو إبراهيم القرشى» إلى الأراضى العراقية، وباشرت الجهات الأمنية فى تعقب وتحديد موقعه الجغرافى، فيما يحاول التنظيم ترك بصمته لإثبات وجوده، فقام بتنفيذ عدة عمليات إرهابية خلال الأسابيع القليلة الماضية فى العراق، وإن كانت عبارة عن هجمات غير مؤثرة استهدفت نقاطاً عسكرية ومناطق تابعة لعشائر ساعدت القوات العراقية فى الحرب ضده!. وإمعاناً فى لفت الانتباه ضاعف تنظيم داعش الإرهابى هجماته خلال الشهر الماضى ضد قوات الأمن العراقية ومرافق الدولة فى العراق، مستغلاً تفشى جائحة «كوفيد 19» وانسحاب قوات التحالف الدولى والانقسام السياسى الحاد فى العراق، فهل تكون تلك هى البداية لعودة سيناريو عام 2014؟ كما تقول جيهان فوزى في مقالها هل يتسلل «داعش» من بوابة كورونا؟

اعتقد أن داعش وغيرها تلك التنظيمات المتطرفة لا تتواني عن استغلال الأحداث العالمية وتوظيفها لخدمة أغراضها الخبيثة، في براجماتية مُقيتة غير جديدة تتوافق مع الدعاية الخبيثة والضالة التى تبثها تلك التنظيمات على مواقع التواصل الاجتماعى.. لقد عاد تنظيم «داعش» الإرهابي للرهان مجدداً على «الانفراديين» أو «الذئاب المنفردة»، مستغلاً انتشار فيروس «كورونا المستجد». ودعا التنظيم عناصره لتنفيذ «ضربات خاطفة» في الدول بأي سلاح مُتاح، قد تكون خسائرها أقل؛ لكنها قد تُحدث دوياً في الدول، لتأكيد أن «التنظيم ما زالت لديه القدرة على تنفيذ عمليات رغم الخسائر».

وفي تحليل للظاهرة رصد المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تفاعل التنظيمات الإرهابية مع حدث تفشي "كورونا" وتتبع الخطاب الإفتائي لهذه التنظيمات منذ شهر فبراير الذي برز فيه خطابات هذه التنظيمات بشأن الفيروس، بالادعاء بأنه يمثل (عقابا من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». وتبنى «داعش» قبل أيام، هجوماً انتحاريا استهدف معبداً وسط كابل، أسفر عن مقتل 25 مدنياً على الأقل وجرح ثمانية آخرين. وأعلنت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم أن «الهجوم نفذه انغماسي». وذلك كما قال وليد عبد الرحمن في مقاله «داعش» يستغل «كورونا» ويراهن على «الانفراديين».

و«الانفراديون» لا يخضعون لـ«داعش» يتسلمون من التنظيم التعليمات للقيام بعمليات إرهابية؛ بل هم أشخاص يخططون وينفذون باستخدام السلاح المتاح لديهم، كما حدث من قبل في استهداف المطارات والمساجد والأسواق والمقاهي والتجمعات. وقال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانفرادي شخص يقوم بهجوم دون أن تربطه علاقة واضحة بتنظيم ما؛ سواء أكانت هذه العملية بالأسلحة المتطورة، أو بالطرق البدائية مثل (سكين المطبخ)، أو الدهس بالسيارات والشاحنات، أو التفجير الانتحاري، وهذه العمليات لها تأثير إعلامي كبير، والتخطيط لها يعتمد على آليات بسيطة جداً من قبل (الذئاب المنفردة)». وذلك كما قال وليد عبد الرحمن في مقاله «داعش» يستغل «كورونا» ويراهن على «الانفراديين».

وقد لقيت ظاهرة إرهاب "الذئاب المنفردة" اهتماماً دولياً؛ سياسياً وأمنياً وبحثياً، منقطع النظير في الأعوام الأخيرة، خاصة في الغرب، باعتبارها أحد أبرز تجليات الإرهاب المعولم وتطورات السلفية الجهادية بمقارعة "العدو البعيد".، وزاد من حمى هذا الاهتمام استخدام تنظيم القاعدة هذا الأسلوب، ثم التوسّع في استخدامه من قبل تنظيم داعش، بعد العام 2014، خاصّة في الساحات الأوروبية والأمريكية، التي تركها نهباً للفوضى والرعب والعجز عن الردّ المناسب. ورغم أنّ نسبة عمليات إرهاب "الذئاب المنفردة" عالمياً لا تشكّل إلّا (2%) من المجموع الكلي لعدد العمليات الإرهابية العام 2017، إلّا أنّ خطورته الأمنيّة-الاستخبارية، وتأثيره السيكولوجي، يفوقان بدرجات إرهاب الجماعات والتنظيمات.  وذلك كما قال سعود الشرفات في مقاله الذئاب المنفردة: هل هي إستراتيجية أم تكتيك؟ بحفريات..

وأوضح مؤشر الفتوى أن التنظيم الإرهابي قد انتهك كل المعايير الإنسانية؛ فبعد تفشي وباء "كورونا" عالميًّا وبعدما ظن أنه يمكن له استغلاله لاستعادة مجده الضائع؛ استغل خطابه بنسبة (40 ٪) لصناعة "ذئابه المنفردة" بتحريض أتباعه على استغلال هذه "الهبة الإلهية" للتوسع في العمليات الإرهابية وتكثيفها استغلالاً للانشغال العالمي بالتصدي لتفشي الوباء المميت.

وقد ورد هذا التحريض في غرف المحادثة فيما بين أتباع التنظيم الإرهابي، وفي ثنايا الأخبار التي ينشرها التنظيم الإرهابي بصحيفة "النبأ"، أو تخصيص موضوعات كاملة لنشر هذه الأفكار والتحريض عليها ومنها ما ورد في العدد (226) لشهر مارس تحت عنوان "أسوأ كوابيس الصليبيين"، متضمنًا: "فالواجب على المسلمين اليوم مع سعيهم في حماية أنفسهم وأهليهم من الداء المنتشر، السعي أيضًا لفكاك أسرى المسلمين في سجون المشركين، وألا تأخذهم رأفة بالكفار والمرتدين حتى وهم في أوج محنتهم"، يؤيد هذا السعي الخبيث من التنظيم ما كشفت عنه وثيقة استخباراتية حديثة لوزارة الداخلية العراقية بسعي تنظيم داعش لتجنيد عناصره المصابين بفيروس كورونا، ونشرهم في عموم محافظات العراق، لا سيما في المحافظات الجنوبية والمزارات الدينية الشيعية واستخدامهم كقنبلة بيولوجية بشرية لتعويض خسائره، وهو تطور جديد كشف عنه مؤشر الفتوى في فكر التنظيم الذي استغل الأزمة لصناعة نوع جديد من الذئاب المنفردة.

وتأكيدًا لما كشف عنه المؤشر في الخطاب الإفتائي للتنظيم من حثه أتباعه على تنفيذ عملياته حاليًّا هو ما تحقق على أرض الواقع بعملية إرهابية لجماعة "بوكو حرام" التابعة لتنظيم "داعش" أدت لمقتل 92 جنديًّا من تشاد والنيجر، وإصابة 47 آخرين، وعملية إرهابية أخرى للتنظيم استهدفت مقرًّا دينيًّا للسيخ في كابول أسفر عن 25 قتيلًا و8 جرحى.

وبصورة متناقضة مع تفشي الوباء بالدول الإسلامية والذي من المتوقع أن يكون انتشر أيضًا بين أتباع التنظيم؛ كشف المؤشر العالمي للفتوى عن اتجاه تنظيم "داعش" لتقديم بعض النصائح من خلال خطابه الإفتائي للمسلمين للوقاية من المرض والذي بلغ نسبة (10 %) من إجمالي فتاوى التنظيم المتعلقة بالفيروس، وذلك على نحو ما ورد تحت عنوان "إن بطش ربك لشديد" بصحيفة النبأ عدد (220) بقوله: "والواجب على المسلمين اليوم أن يستعينوا بالله تعالى على اجتناب المرض وإبعاده عن بلدانهم، باللجوء إلى الله، وباتخاذ ما يقدر عليه من الأسباب للوقاية من المرض ومنع انتشاره"، ولم تخل هذه الرسالة من التكهن بإصابة أعداد داخل صفوف التنظيم بالفيروس، ورغم أن النصائح لم يكن لها نصيب الأسد في الخطاب الإفتائي للتنظيم فإنها كشفت عن وجود أعداد داخل صفوفه تدعم هذا الرأي ما أكده المؤشر من سعي التنظيم لصناعة قنابل بيولوجية من ذئابه المنفردة في بعض الدول.

وبتحليل خطاب تنظيم "القاعدة" ومختلف الأفرع التابعة له، كشف أن التنظيم اهتم بشكل كثيف بتفسير فيروس "كورونا" من منطلق عقائدي يؤدي في النهاية للتأكيد على الدعم الإلهي له، وبالتالي مزيد من التحريض بتكثيف عملياته الإرهابية.

وأكد مؤشر الفتوى أن نسبة (55 %) من خطاب تنظيم "القاعدة" فسَّر فيروس "كورونا" بصورة عقائدية باعتباره عقوبة من الله للصين لاضطهادها للمسلمين، على نحو ما ورد في إصدار مرئي بعنوان "وباء كورونا في الصين بنظر المجاهدين"، تضمن قوله: "البعض يقول إن سبب المرض عقاب من الله لهم جراء ما فعلوه تجاه مسلمي الإيجور من ظلم واضطهاد وهو ما نعتقده نحن المجاهدين، احتلت الصين الملحدة الشيوعية تركستان الشرقية منذ زمن ومارست بحق المسلمين هناك أبشع أنواع الظلم والقهر والتعذيب وتناست أن لهؤلاء المسلمين ربًّا قادرًا على أن ينتقم لهم في أي وقت يريد، وها نحن اليوم نشهد عذاب الله لهم بهذا الفيروس"، وتناسى التنظيم أن الفيروس لم يستثن دولة في العالم وأصاب دولًا إسلامية ليسقط زعمهم هذا.

ليس فقط تفسير الوباء باعتباره عقوبة للصين، بل أكد مؤشر الفتوى أن التنظيم اعتبر الفيروس عقوبة للمسلمين أيضًا بسبب الابتعاد عن الدين ووجوب توبتهم والعودة لله وتجنب الفواحش، على نحو ما ورد في إصدار مكتوب بعنوان "السبيل لخروج البشرية من بطن الحوت (وصايا ومكاشفات بشأن وباء كورونا)" في شهر مارس، ومجلة "ابنة الإسلام" العدد 13 لشهر إبريل، في موضوع بعنوان "كورونا: المؤامرة أم آية العذاب؟"، الذي تضمن: "لقد كشف لنا وباء كورونا درجة التخلف العقدي والبعد عن الدين الذي تعاني منها الشعوب، وفي الوقت الذي لجأت فيه إيطاليا للدعاء والاستغاثة بالله وكذلك فعلت أمريكا المتغطرسة وحددت يومًا وطنيًّا للدعاء والابتهال، نرى من بني جلدتنا من يصر على إنكار آيات العذاب، ويستمر في الجدال مستكبرًا!".

واستكمالاً لهذا الجانب العقائدي الذي حاول التنظيم استغلاله على الوجه الأكمل، أبرز مؤشر الفتوى اتجاه التنظيم لاستقطاب غير المسلمين في الغرب من خلال دعوتهم للإسلام باعتباره دين الطهارة والنظافة ودعوتهم لاستغلال فترة الحجر الصحي المنزلي للقراءة في الدين الإسلامي، بقوله: "أيتها الشعوب الغربية.. فلتجعلوا من هذا الوباء نذيرًا لكم بأن ترجعوا إلى فطرتكم وتعودوا إلى ربكم.. إن دين الإسلام دين وقائي نظيف، فهو يحرص على وقاية معتنقيه من جميع الأوباء".

فيما كشف المؤشر العالمي للفتوى استغلال أفرع تنظيم "القاعدة" خاصة كل من "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"حركة الشباب المجاهدين" لفيروس "كورونا" باعتباره دعمًا إلهيًّا لهم، فأكد مؤشر الفتوى أن (45 ٪) من خطاب تنظيم "القاعدة" المرتبط بفيروس "كورونا" دعم هذه الفكرة، ومن ذلك ما ورد في إصدار مكتوب بعنوان "حول غزوة بمبا بمالي" لـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، متضمنًا: "جاءت هذه الغزوة المباركة في الوقت الذي سلط فيه الله سبحانه جندًا من جنوده على أعتى الدول المشاركة في هذه الحملة الصليبية على شعوبنا المسلمة في مالي والمنطقة ونخص بالذكر فرنسا رأس الحربة في هذه الحملة وجارتها إسبانيا التي أعلنت عزمها سحب قواتها من هذا التحالف الإجرامي بسبب الإنهاك الذي أصابها من وباء كورونا".

ونفس الأمر بالنسبة لـ"حركة الشباب المجاهدين" التي اعتبر أحد قياديها ويدعى "فؤاد شونغلي" أن المسلمين يجب عليهم الفرح بانتشار وباء "كورونا" في العالم باعتباره بلاء أرسله الله على الذين يشكلون عقبة أمام نشر الدين الإسلامي.

وبالتوازي مع هذه التصريحات كثفت الحركة من عملياتها في مناطق نفوذها في القارة الإفريقية خلال شهر أبريل حيث بلغ عدد العمليات في شرق إفريقيا: مناطق الحكومة الصومالية 45 عملية أسفر عنها ما تجاوز 120 قتيلاً، وفي مناطق حكومة كينيا 4 عمليات أسفر عنها ما تجاوز 40 قتيلاً.

وذلك بعدما قامت الحركة خلال شهر مارس بعقد اجتماع تشاوري لتكثيف عملياتها في كل الدول الإفريقية، حيث تضمن الاجتماع: "يجب على المجاهدين تكثيف الجهاد العيني الذي يدافعون به عن الدين والأرض والمسلمين، إن ما يسمى بالحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية التي أنشأها الكفار في بعض أجزاء الصومال هي إدارات مرتدة تركت حظيرة الإسلام. محاربتهم واجبة كما يتضح في القرآن والسنة النبوية".

واختتم المؤشر العالمي للفتوى تحليله للخطاب الإفتائي للتنظيمات الإرهابية بتأكيده على أن خطاب هذه التنظيمات الإرهابية بشأن فيروس "كورونا" لم يكترث بالعامل الإنساني، فقط حرصوا على تطويع هذا الفيروس لخدمة أهدافهم سواء بادعاء الدعم الإلهي لهم، أو بالترويج لعجز القوى الكبرى عن مواجهة هذا الفيروس لإثبات القوة المطلقة لهذه التنظيمات، أو من خلال صناعة ذئاب منفردة تحمل المرض وتنقل العدوى لعموم الناس، ليكتشف في النهاية مدى عجز هذه التنظيمات التي ترى في الأزمات والأوبئة حياة لهم.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

........................

المراجع

1- حسين البدوي: داعش يدعم عملياته بـ"كورونا" (مقال) .

2-اسراء كارم: مؤشر الفتوى: الذئاب المنفردة للتنظيمات الإرهابية تستغل فيروس كورونا (مقال).

3-سعود الشرفات: الذئاب المنفردة: هل هي إستراتيجية أم تكتيك؟ (مقال) .

4-محمد عمر: «الذئاب المنفردة» في مهمة لإنقاذ داعش (مقال) .

 

بليغ حمدي اسماعيللأنها ليست الأكثر غموضاً فهي سريعة السقوط وقليلة الصمود إزاء إحداثيات الوطن، هكذا يمكن توصيف حال ومقام تيارات الإسلام السياسي أو الجماعات السيسيودينية التي اعتلت صدارة المشهد السياسي منذ استقرار الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 حتى وقت سقوطها الشعبي في يونيو 2013، وبرغم أن الصورة الإعلامية التي صورت تلك التيارات السياسية التي استهدفت جمهورها من بوابة الفقر الديني لديهم انحصرت في كونها تيارات سرية وغامضة مما يعتقد الكثيرون أنهم الأكثر حراكا وقدرة على التنظيم والاستهداف المباشر، إلا أن الحقيقة النفسية لتلك التيارات لا تؤكد ذلك أو تشير إليه من قريب أو بعيد.

فالمستقرئ لحركات الإسلام السياسي منذ اشتعال الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية مرورا بالحركات المزجية بين الدين والسياسي في مصر وسوريا والعراق وتونس، يدرك أن هذه الفرق بعيدة تمام البعد عن تطوير الاستخدام السياسي مما جعلها أكثر سطحية ومباشرة لا غموضاً وسرية ويكفي تحركات ما بعد ثورة يونيو لتكون خير شاهدة على افتقار هذه الفصائل والحركات إلى سرية التكوين والتنفيذ . لكن ظل الغموض فقط مصاحباً لسير المؤسسين لهذه التيارات، فمن بالغ الصعوبة أن تجد سيرة لهؤلاء الذين صاغوا حركاتهم سيرا بأقلام غير المريدين لهم، بل إن قصص حيواتهم تظل رهن الاستقطاب التمييزي ولا تقترب إلى حد المكاشفة التاريخية رغم وجودهم التاريخي.

وكون هذه الحركات لا تفكر في تطوير المصطلح السياسي لديها فهي الأقرب إلى الجمود منه إلى الفعالية والنشاط حتى وإن كانت قادرة على التحشيد، لكن الشهود الحضاري يفي بأنها على علاقة مستدامة بفكرة الامتلاء السياسي ومن ثم الاكتفاء الفقهي ووجود مرجعية ثابتة لا تعرف للاختلاف سبيلاً ولا تفطن للتعددية طريقا .

وهذا الامتلاء السياسي هو الدافع الحقيقي وراء معظم أفكار تيارات وحركات الإسلام السياسي، وهذه الأفكار شكلت منظومة أيديولوجية يمكن توصيفها في ملامح محددة، منها ضرورة التغيير الشامل وليس التطوير الجزئي، ورغم ما يشاع عن تيارات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان بأنها تسير بخطى وئيدة حتى تحقيق أهدافها فإنها بلفعل حركات تفتقد حيلة ومزية الصبر، كما تفتقد فضيلة التواضع لأن أبرز عوامل سقوط الجماعة سياسيا هو الاستعلاء السياسي الذي مورس على قطاعات عريضة من الشعب . وظل الاستعلاء كسمة مصاحبة لتيارات الإسلام السياسي في نمائه حتى أصيب بحالة من التضخم الذاتي للقيمة مما دفعها جميعاً إلى عدم الاكتراث بأية تنظيمات أخرى .

وليس من المنطق أن تحدث تغييرا شاملاً إلا إذا كنت نبياً يوحى إليك ولست بشراً عادياً ربما لا تمتك قدرات استثنائية، لكن هاجس التغيير الشامل ظل وسيظل محركاً لكافة الممارسات السياسية لتلك الجماعات دون أدنى اعتبار لوقع الشارع وأدائه .

ومن ملامح الأيديولوجية أيضاً استخدام خطاب المظلوم سياسيا والذي يعاني دوما الإقصاء عن المشاركة الدينية أو السياسية وربما انتفاء الذوبان المجتمعي اللهم سوى الذوبان داخل التنظيمات الخاصة فقط، مما أدى إلى استسلام المنتمين إلى تلك الحركات إلى نهايات التهميش والاضطهاد من قبل طبقات المجتمع، لذلك لم يكن عجباً أن تسعى جماعة الإخوان في مصر إلى تهميش الجميع حينما وصلوا إلى سدة الحكم وهو ما أطلق عليه آنذاك أخونة مفاصل الدولة .

وتلك الحالة الاضطهادية التي لا تزال محل شعور تلك الجماعات أو التيارات التي اقتحمت العمل السياسي من بوابة الدين واستهداف فقر المواطن دينيا ومعرفيا جعلت المنتمي إليها يرى المجتمع منحرفاً عن الوجهة الصحيحة التي تلقى تعاليمها أو مواصفاتها في نفس الوقت الذي تتنامى لديه عقدة الشعور بالظلم مما يجعله حاكماً على مجتمعه بالكفر، وفي كثير من الأحايين يرى وجوب محاربة العدو القريب بدلاً من أعداء الخارج وهو ما نراه واضحاً في حالتي الجماعة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .

وهذا ما وجدناه رأي العين في كتاب " الفريضة الغائبة " حينما نطالع قولاً يرى أن قتال العدو القريب داخل الوطن أولى من قتال العدو البعيد، وإذا استرجعنا وعي هؤلاء بذواتهم المضطهدة من وجهة نظرهم والمهمشة بفضل ممارسات الأنظمة السياسية التي لم تر نفعاً في دمج هذه التيارات داخل سياق المجتمع، نكتشف مشاهد الثأر المستدامة صوب بعض الفئات كالقضاء والشرطة وأخيرا الجيش، وهذه المشاهد نراها متأصلة في تاريخ الجماعات التي وصفت مؤخرا بالإرهابية .

والثأر كسمة تعد ملمحاً مهماً ونحن بصدد تحليل الحالة النفسية لتيارات الإسلام السياسي، لأن موقف الثأر الدائم يفرض على تلك الجماعات وجود حالة من التعبئة الدائمة للصراع مع السلطة والذي انتقل مؤخراً بفضل البلادة السياسية لهذه الفصائل إلى الصراع مع كل فئات المجتمع الرافضة لوجودها نظراً لأعمال العنف والإرهاب وترويع الآمنين .

وربما أساتذتنا من علماء النفس الذين غرقوا حتى آذانهم في أوراقهم التي لا تخص سواهم غفلوا عن حقيقة تصل إلى تمام الشهود الحضاري وهي سيطرة اللاواقعي على فكر وسلوك تلك التيارات والفصائل السيسيودينية . وسيطرة اللاواقعي تعني أنهم فقدوا السيطرة في التمييز بين السلطة كنظام سياسي حاكم وبين المواطنين كأفراد مستقلين يشكلون المجتمع الكبير . فرأينا حوادث القتل في الشوارع وتدمير بعض البنايات وحوادث الترويع وإشاعة الخوف من تفجيرات قادمة مرتقبة الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الدراسات السيكولوجية لطبيعة شخصيات المنتمين لتلك الفصائل.

وبسبب سيطرة اللاواقعي على فكر تنظيمات الإسلام السياسي كانت الدعوة إلى إحياء فكرة الخلافة، والانفصال عن الوطن وقضاياه ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية وغلق فكر الاجتهاد إلى منتهى غير معلوم، وبات الأمر في البداية شركاً أوقع الكثير من البسطاء في فخاخه وأوكاره، لاسيما أولئك الذين استمرأوا ثقافة الاستماع دون اكتراث بفعل القراءة والتأويل وتحليل المعطيات . ورغم طموحات المغامرين بفكر الخلافة إلا أنهم سقطوا وطنياً حينما سقطت دولتهم بإرادة وثورة شعبية في يونيو الأحمر فتخلوا عن مزاعم تحرير القدس من الغاشم الصهيوني وتحولت فكرة الثوار والأحرار المجاهدين صوب القدس لتحريره إلى حرب غير واعية من الدولة والمواطنين في الداخل.

وربما لم تدرك تلك الفصائل الحراك السياسي التركي نحوها ومدى الاهتمام المدهش في رصد أنشطتها الليلية في منتديات الرأي أو مظاهرات الجامعة وطرقات القرى المصرية، لكن ثمة أسئلة ربما تفضح هذا الحراك، منها لماذا لم تتحرك تركيا بنفسها وتعلن مزاعم عودة الخلافة المنشودة وتذهب مباشرة تجاه إسرائيل لتخليص القدس من براثنها ومخالبها ومخططاتها الخبيثة ؟ .

ولماذا تأخرت تركيا كل هذا الوقت في مساندة حليف يحمل نفس الحلم القديم وهو الخلافة وانتظرت حتى بزوغ تيارات الإسلام السياسي في مصر؟.

ويظل تساؤل آخر يبدو مهماً وهو أن تركيا التي تلهث وراء ترويج منتجات الشرعية وتحالف القوى الوطنية هي نفسها التي تؤكد ليل نهار أنها استحالت حضنا هادئاً وناعماً للعلمانية، وأنها لن ترجع خطوة واحدة مرة أخرى للوراء؟ لكن مشكلة تيارات السيسيو دينية أنها لم تعي إلى مشاهد المباحثات الأمريكية التركية أو التركية الصهيونية، وربما هذا المشهد يدرج أيضاً تحت السمات المميزة لتيارات الإسلام السياسي ألا وهو الغفلة ! .

و تبدو الخلافة دوما فكرة قائمة كملك عضوض في عقلية الجماعات والتيارات الدينية السياسية، وهي خلافة بالقطعية لا تشاكل أو تماثل حكم الراشدين أبي بكر والفاروق وعثمان وباب مدينة العلم والمعرفة الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين، وسرعان ما تخبرنا الذاكرة الجمعية الأكاديمية عن إحداثيات الدول الإسلامية التي تعاقبت منذ تنازل الإمام الحسن رضي الله عنه وعن أبيه والصلاة والسلام على جده المصطفى محمد، والعامل الرئيس الذي أفدى بسقوط كافة الخلافات الإسلامية منذ اعتلاء واغتصاب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض هو امتلاك السلطتين الزمنية والدينية، بل إن اقتناص خلفاء بني أمية ومن خلفهم خلفاء الدولة العباسية واستلابهم للهيئة الدينية الرسمية في تلك العصور هو مفاد السقوط النهائي لهم، وهذا ما يدور بالضرورة في أذهان أمراء وقيادات جماعات التكفير والهجرة مرورا بتنظيم القاعدة الدموي وصولا إلى تنظيم الدولة (داعش).

ومن معالم طريق الجماعات الراديكالية المتطرفة المغالية في استخدام العنف والبطش والقتل إبطال عمل العقل والتفكير رغم كونه ـ التفكير والاجتهاد معا ـ فريضة إسلامية ضرورية ولازمة وفقا لإشارة الأستاذ عباس محمود العقاد، كان هذا الإبطال المتعمد والممنهج سببا قويا في توطين ثقافة النقل الحرفي وفقر الاجتهاد .

المثير في صحائف القهر بتاريخ الجماعات الراديكالية لاسيما في القرن المنصرم أن كل جماعة دينية زعمت أنها تمثل الإسلام بشريعته السمحة وفضائله ومناقبه، وهي بذلك الزعم استطاعت أن تستغل الدين لاسيما الترويج للفكر الديني الذي بدا متطرفا في تلك الفترات ولجأ قيادات التكفير والهجرة والتبليغ والدعوة والجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية تحديدا إلى استغلال الدين لتحقيق مآرب شخصية وطموحات عائلية بل ومطامح قبلية خاصة لذا لم يستطيعوا أن يمثلوا الإسلام ولا المسلمين على امتداد سيطرتهم المجتمعية آنذاك. وتبدو ممارساتهم السياسية والاجتماعية والدينية أيضا كفيلة بالحكم على فساد رأيهم لاسيما فيما يتعلق بأمور النساء عموما وقضايا التعليم الرسمي ومؤسسات الدولة.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عبد السلام فاروقمن بين أهم التناقضات التى ظهرت على الساحة مؤخرا أن الفضائيات ووسائل الإعلام المرئية باتت تمثل أحياناً مصدراً كبيراً للشائعات والأكاذيب وإثارة الهلع..فى حين بات الإعلام الجماهيري كالصحف والسوشيال ميديا مصدراً للحقائق البديلة وبث الطمأنينة والتفاؤل!

السخرية .. سلاح المصريين ضد الخوف

تعليقات صحفية وإعلامية كثيرة، عربية ودولية، صَبَّت اهتمامها حول طريقة المصريين فى التعامل مع أزمة كورونا . قالوا : "أن تلك طريقة المصريين المعتادة لمواجهة الأزمات، لكن ماذا عن مواجهة الموت؟ هل سخريتهم من نوع الكوميديا السوداء؟ أم مؤشر للتسليم واللامبالاة؟

تلك الملاحظة ليست جديدة، بل جاءت على لسان كثير من المؤرخين ومن بينهم مؤرخى علوم الوبائيات .. فقد جاء فى مقدمة كتاب الأوبئة والتاريخ لشيلدون واتس اقتباس من كتاب قديم آخر يسرد مشاهدات "إلكسندر كينجلاك " عام 1835م لتصرف المصريين تجاه وباء اجتاح المدينة، فيقول: (القاهرة والطاعون.. كان الطاعون سيد المدينة طوال فترة إقامتى، وظهر الخوف فى كل شارع وكل حارة .. يمتلك الشرقيون حظاً وافراً أكثر من أوروبا تحت بلوى هذا النوع .. نُصبت الخيام، وعُلِّقَت المراجيح لتسلية الأطفال-عيد كئيب- لكن المسلمين تباهوا باتباعهم لعاداتهم القديمة غير عابئين بظلّ الموت). ويعلق شيلدون على كلام كينجلاك قائلاً : ( أثناء الحياة والكتابة فى مدينة إسلامية كبيرة بعد 160 سنة من ملاحظة كينجلاك صدمتنى استمرارية وحدة الثقافة الإسلامية عندما تُواجَه بأزمات تهدد الحياة..)، وفى نهاية تلك المقدمة الطويلة يعود ليقول: (.. يبقَى أن الناس العاديين من النوع الذى لاحظه ألكسندر كينجلاك فى المقابر القاهرية عام 1835م، ورأيته أنا فى شوارع القاهرة مراراً وتكراراً، أظهروا رغبتهم فى قَبول تساوى القيمة والكرامة لكل شركائهم من البشر.. فى مثل هؤلاءء الناس توجد بذور مستقبل أكثر إنسانية ).

السر إذن ليس فى السخرية ذاتها، بل ما تحمله السخرية من دِلالة..

سخرية المصريين فى زمن الأزمة بهذا الفهم، لا تعنى الاستسلام واللامبالاة السلبية، بل هى ذات دلالة إيجابية فلسفية عميقة، حيث ينبع الشعور بالأمان من جَوف مشاعر الخوف بالتهوين منه. فالخوف شعور، والتهكم رد فعل مضاد يهدف لقهر مشاعر الرعب والفزع . ومثل هذا النوع من التهكم لا ينتمى للكوميديا السوداء والسخرية العدمية المريرة ، بقدر ما ينتمى لعمق الفهم ورباطة الجأش.

إن نهايات أغلب الكتابات الخاصة بالأدباء الجادِّين أصحاب الرؤى والأفكار العميقة المؤثرة، كانت من نوع السخرية والملهاة .. هذا ما حدث مع المازنى ويحيى حقى وأنيس منصور وحتى أحمد شوقى الذى تأثر فى هذا المَنحَى بوليم شكسبير. مثل هذا الأمر قد تلاحظه حتى لدى النقاد، فقد اهتم بعض كبار النقاد والفلاسفة كهنرى برجسون وهوبز وكانط وكيركجورد، بل وحتى سقراط وأفلاطون بالفكاهة والسخرية وتحدثوا عنها بإسهاب.. وللدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق كتاب نقدى هو (الفكاهة والضحك) يتحدث فيه عما يُدعَى "الجروتسكية " وهى أسلوب من أساليب الفن والتصوير تمتزج فيه السخرية بالرعب.

وهو أسلوب فنى ساد فى فترات القرون الوسطى التى انتشرت فيها الأوبئة والجوائح . وتنسحب الجروتسكية فى نظر د. شاكر على بعض الأفلام الهوليودية الحديثة، كسلسلة أفلام  "Scary Movie"  والتى يختلط فيها الرعب والمشاهد الدموية بالضحك والتهكم والمحاكاة . والمقصود هنا هو التهوين من أثر الخوف لإحداث الطمأنة.

بيزنس السوشيال ميديا

فى حين أدت أزمة وباء كورونا إلى أزمة موازية اقتصادية عالمية فقَدَ على إثرها الكثير وظائفهم، وعانَى كثيرون من تدهور أحوالهم المادية، حتى من رجال الأعمال الأثرياء، لدرجة أن يهدد بعضهم بالانتحار !

إلا أن الوجه الآخر للعملة شهد طائفة أخرى من رواد السوشيال ميديا ممن أحسنوا استغلال الأزمة لصالحهم، أو لصالح جيوبهم!

شركات كثيرة أمريكية وأوروبية شجعت موظفيها على العمل عن بعد، أى استغلال فترات بقائهم فى المنزل لإنهاء الأعمال المتعطلة، ونجحت الفكرة مع كثيرين لدرجة أنهم فكروا فى الإبقاء على تلك الطريقة حتى بعد جلاء الأزمة..

وتمثَّل النموذج الأمثل لاستغلال فرصة أزمة كورونا لصناعة المال فى (جيف بيزوس) الذى زادت ثروته منذ بداية الوباء بمقدار 5.5 مليار دولار!

أسهُم البورصة التى شهدت انخفاضاً جماعياً فى ظل الجائحة، صبَّت فى صالح أسهم شركة أمازون التى يملكها بيزوس التى ارتفعت ارتفاعاً متواصلاً لمدة شهرين متواصلين لتقفز ثروة بيزوس قفزة جديدة . ويقدِّر المراقبون حجم الثروة التى جمعها بيزوس أثناء الوباء أنها تكفى لشراء 188 ألف سبيكة ذهب !

أسرار الإعلام البديل

السوشيال ميديا كانت له مزايا وفضائل أخرى ظهرت أثناء الأزمة.. فبجانب مزاياه الاقتصادية، ظهرت مزاياه الاجتماعية المتمثلة فى تحوله إلى مقهى كبير أو منتدى واسع النطاق يستوعب أفكار الناس ومشاعرهم وآراءهم بعد أن تم غلق أكثر النوادى والمسارح والمقاهى فى أغلب بلدان العالم.

اتسع نطاق استخدام وسائل التواصل الاجتماعى بشكل هائل خلال الشهور الثلاثة التى صاحبت الأزمة؛ بعد أن بات الإنترنت يمثل للبعض عملاً مربحاً، أو استمراراً للعمل عن بعد، أو بديلاً للتواصل مع الأصدقاء والمعارف، أو إعلاماً بديلاً يستقبل من خلاله معلومات لن يجدها فى أى وسيلة إعلام رسمية أخرى.

وكنتيجة للضغط المتزايد على استخدام الإنترنت، بعد ارتفاع عدد المستخدمين بفضل بقاء الناس فى المنازل. ثارت مخاوف لدى شركات الاتصالات من انهيار البنية التحتية للإنترنت بما قد يوقف عمل الشبكات.

وبرغم تحامل الكثيرين على الدور السلبي للسوشيال ميديا، فإن هؤلاء المتحاملين أنفسهم هم أكثر المستخدمين للسوشيال ميديا، وربما أكثر المستفيدين منه!

يري كثير من الخبراء أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى خطر كبير يهدد الاستقرار الاجتماعى، حتى أن "دانييل روجرز"، وهو أستاذ جامعى فى جامعة نيويورك والمؤسس المشارك لمؤشر التضليل العالمى الذى يستهدف رصد ومواجهة مصادر المعلومات الكاذبة على الإنترنت، يقول " أن مشكلة السوشيال ميديا أنه يشجع الجميع للخروج من الجحور، كل محتال، كل متآمر، كل متصيد إنترنت" ويحث روجرز على أهمية وجود رقابة تترصد المحتوى الزائف والكاذب والمضلل فى وسائل التواصل.

إن تلك النظرة المتشككة ضد وسائل التواصل تواجهها محاولات أخرى من البعض لمواجهة أكاذيب الإعلام الرسمى أحياناً ؛ ففى إيطاليا عبَّر عشرات الشباب عن غضبهم من الاتحاد الأوروبى الذى تخلى عن إيطاليا فى أزمتها الكبري فأحرق المستخدمون أعلام الاتحاد الأوروبي على الهواء تعبيراً عن غضبهم الشديد، ورغبتهم فى الانفصال عن اتحاد لا يقف فى صفهم عند الحاجة له. وفى أمريكا عبَّر الآلاف من مستخدمى الإنترنت عن انتقاداتهم لخطابات ترامب فى أزمة كورونا التى لم يجيد إدارتها.

يكفى وسائل التواصل الاجتماعى أنها باتت مصدراً لمعلومات وأسرار وتفاصيل لم تستطِع وسائل الإعلام التقليدية بثها.

حروب إعلامية دولية

قيل أن روسيا تتَّبع نهجاً مضللاً يتعمد بث الأكاذيب .. هذا اتهام أمريكى بالطبع!

وفى أول تصريحات ترامب حول الأزمة ضغط كثيراً على مصطلح "الفيروس الصينى" فى إشارة واضحة ترمى إلى اتهام الصين بنشر الوباء، وهو ما دفع الصين لاتهام أمريكا رسمياً ببدء حرب بيولوجية، وأنها صاغت كوفيد19 فى معاملها العسكرية، وهنا ثارت ثائرة الأمريكيين وتم استدعاء السفير الصينى لتوبيخه على اتهامات بلاده التى لا أصل لها!

حرب إعلامية دولية بدأت ولن تنتهى..

بريطانيا أدلت بدلوها فى حرب التصريحات الإعلامية، عندما حذر جونسون رئيس وزرائها الصين، من أن نهجها الفردى والأنانى قد يتسبب فى عزلتها عالمياً!

على الناحية الأخرى توجد حرب إعلامية أخرى يخوضها ترامب ضد الإعلام الأمريكي نفسه ؛ حيث اتهم رئيس أركان البيت الأبيض بالإنابة (ميك مولفانى) الإعلام الأمريكي بإثارة ذعر الأمريكيين بهدف الإطاحة بالرئيس دونالد ترامب!

وهو بهذا التصريح يحاول استباق الأحداث بالتأثير المضاد على الرأى العام لإعادة انتخاب ترامب فى الانتخابات القادمة . وهى محاولة تبدو بائسة وبلا قيمة.

للكبار فقط..!

الإعلام بنوعيه الإقليمى والدولى بات لأصحاب الأموال والنفوذ والجاهزية فقط..

الدليل هو ما فعلته شبكة التواصل الاجتماعى "فيسبوك" مع وسائل الإعلام الأخرى، حيث أعلنت الشركة عن تبرعها بمبلغ 100 مليون دولار لمساعدة الوسائل الإعلامية التى تعانى وضعاً صعباً تفاقم خلال الوباء.

قال كامبل براون مسئول التعاون الخارجى بالشركة مبرراً هذا التصرف:"يعمل قطاع الإعلام فى ظروف استثنائية لإبقاء الناس على اطلاع على كل المستجدات المتعلقة بوباء كوفيد19، وأنه فى الوقت الذى أصبحت فيه الصحافة أكثر أهمية من أى وقت مضى، انخفضت عائدات الإعلانات بسبب الاقتصاديات المنهارة بفعل الوباء. وقد صرَّحت الشركة أن هذه المساعدات تشمل 75مليون دولار على شكل مساعدات ترويجية، و25 مليون دولار من التبرّعات العاجلة للصحافة المحلية، دون تحديد معايير واضحة لتوزيع تلك الأموال.

هل هى مساعدة إنسانية واجتماعية عاجلة وضرورة إعلامية ومهنية مُلحّة، أم أن لها أغراضاً ربحية أخرى ؟ ربما تتضح الحقائق لاحقاً..

ظلال أزمة الإعلام

هناك أزمة إعلامية عالمية قديمة تزداد تفاقماً كل يوم، وهى مستمرة منذ عقود ..

تلك الأزمة أجبرت مؤسسات إعلامية وصحفية كبري على الانسحاب من المشهد محلياً وعالمياً بسبب انعدام الأرباح ونزيف الخسائر.

وخلال وباء كورونا تضاعفَت الأزمة واتضحت معالمها بصورة أكبر.

تجلَّت خلال الأزمة عيوب إعلام يكذب أو يفبرك أو يلقى الأخبار على عواهنها دون تحرٍّ للدقة أو المصداقية أو يتبنى أجندات سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية أو يبحث عن ملء الفراغات بأى مادة ولو تافهة ما دامت تثير فضول المتابع ولو بالباطل والزيف!

كوفيد19 وضع وسائل الإعلام فى اختبار موحَّد، والمتساقطون فيه سيسقطون للأبد؛ إذ لا مكان فى اقتصاد ما بعد كورونا للخاسرين.

 

عبد السلام فاروق