مجدي ابراهيمنتابع الحلقة الأخيرة من سلسلة أصول الثقافة الثورية في القرآن؛ لنجد في المقابل هناك من القلوب الواعية التي شهدت النداء بمجرد سماعه، فرأت فيه الرؤية بمقدار ما يمكن أن يكون فيها من الحق الناصع على الإيمان بالله، ثم وصفت من أسراره العظمى بما يفئ به الله عليها فتحاً مبيناً من عنده. والدلالة على الوعي هنا؛ إنما هي دلالة على "الاستجابة". وفي الاستجابة الحياة كل الحياة؛ فلكأنما كان الوعي كله مقرّراً سلفاً هو الحياة كلها بأعمق معانيها. الحياة الحقة، الكريمة، الصالحة، الباقية، تجري في إطار المبدأ العقدي، حياة المؤمنين الذين يفقهون النداء فيستجيبوا له :" يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لمِا يُحييكُم"؛ ففي هاته الاستجابة تكون الحياة، ولا تكون في غيرها حياة مثلى من جنسها ولا من نوعها بالمطلق.

فإذا تصوَّرنا قوة النداء وثورته، تصوَرنا في الوقت نفسه معنى الحياة الحقيقية إذا كانت هناك استجابة لله وللرسول، صلوات الله وسلامه عليه، هنالك تصبح الحياة ذات قيمة جوهرية وحقيقة شعورية في رحاب الإيمان، وتصبح فاعليتها مع القيم الإيمانية الكبرى مؤكدة لا شك فيها، إذ تضفي الاستجابة كقيمة معنى كبيراً على الحياة برمتها؛ لتكون حياة جديرة بالفهم عن الله والأخذ عن الله تلبية للنداء. وهنالك أيضاً تصبح ثورة النداء روحيّة باطنة، ويصبح عمل الباطن فيها قوة تحقق وفعل وهداية وثبات وإيمان.

غير أنّ لهذه الاستجابة أشراطاً يَضمُها المحسوس : في الرؤية البصرية واللسان والسّمع. وأشراط الاستجابة في العموم إنّما هى في المقام الأول أشراط روحانية؛ فإنّ الارتقاء في الرؤية، وفي اللسان، وفي السّمع، هو ارتقاء في دواعي الاستجابة، من شأنه أن ينقل صاحبه إلى حيث المدارك العليا فيما لو أنه أحسن الرؤية، فتجرَّد بها عن لواحقها الحسيّة، وارتفع عن أوهاق المادة وملامسة المحسوس. وكذلك يفعل في الكلمة التي تخرج من بين فكيه، يكون فيها اللسان رطباً بما عساه يتذوق من حلاوة الاستجابة للنداء لا بشيء ذاتي فيه، هذا إذا كانت الكلمة التي تجري على لسانه معجونة بثورة الاستجابة وثورة النداء، ثم إنه لا اكتمال لأركان الاستجابة الفوريّة ما لم يكن السّمع مقروناً مع أخويه قرانة تكافل وتضامن حتى تتحقق أشراط الاستجابة، فيكون الارتقاء بها إلى ما بعدها :"إنمّا يَستَجيبُ الذَّينَ يَسْمَعُون".

هذا الارتقاء في مدركات الاستجابة يقابله في الجهة المقابلة - حين تكون الثورة في "رد الفعل" تعبيراً عن العزوف والصدود - استنكاراً من أكثر الناس، ويقابله انحطاط في المدركات الحسية؛ فكما تكون في الحالة الأولى رهافة في هذه المدركات؛ إذ لا حظنا أن الارتقاء كان آية من آيات الهداية، وأنه كلما ارتقى الإنسان في مدارك الاستجابة كان ارتقاؤه علامة هداية بل هو دلالة حياة حيّة حقيقية؛ وهدايته في المقام الأول والأخير من عند الله؛ فممّا لا بدّ منه من ملاحظة أن الانحطاط من جانب "رد الفعل" حين تصير مثل هذه المدركات تقوية للجانب المضاد من ناحية العزوف والصدود، إنما هو في جملته بتلك الحالة، فوق تدنيه في المطلوب وانحطاطه في المقصود، علامة ضلال بل هو دلالة موت وفناء ودمار، ومع كون هذا الضلال الذي يستغرقهم كان مُشَاعاً بين أكثر الناس، فلن تجد لهم أولياء ولا نصراء من دون الله يعينهم على ضلالهم أو ينصرهم فيما هم قادمين عليه من صدود عن الحق وعزوف عن النداء.

من أجل ذلك؛ كانت دواعي الانحطاط في المدركات الحسيّة هى أخس الصفات التي يتصف بها أهل الحس والمحسوس؛ فما هي هذه الصفات؟ هى بلا شك الصفات المقابلة لصفات الارتقاء؛ فكل ما هو على الضد من صفات الارتقاء الذي تتحقق فيه أركان الاستجابة خاضعٌ لدواعي الانحطاط وقابل لأخس الصفات. تأمل كونهم "عُمياً" و"بكماً" و"صُمَّاً" تجد أنها صفات الذين لا ترتفع مدركاتهم عن رؤية الحواس الظاهرية، هنالك تنحط الرؤية المحسوسة ويعزُّ الارتقاء لديهم في الرؤية البصرية، في لسان التعبير عن كلمة الحق كونه استجابة، وفي سماع النداء، فإذا انحطت هذه الصفات في أكثر الناس لا يمكننا وصفها بالانحطاط إلا ساعة أن يجئ النداء : إمّا قبولاً، وإمّا رفضاً؛ فإنْ كان قبولاً؛ فالقبول مشروط بالارتقاء، وإنْ كان رفضاً، فالرفض مقرون بالانحطاط. والانحطاط في المدركات والتصورات هو بالدقة تعبيرٌ مباشرٌ عن احباط الأعمال، واحباط الأعمال توكيد انعدام الإيمان؛ لوجود الكفر بآيات الله؛ ولعدم ارتقاء التصور الإيماني بلقائه. فالانحطاط من ناحية هو اجتماع مع الاحباط في سائر الأعمال التي يظن فيها الصلاح والنفع سواء كان للإنسان نفعاً شخصياً وخاصّاً، أو لبني جنسه من عموم النفع وعموم الصلاح.

لاحظ قوله تعالى في صفات الانحطاط والاحباط وهى جملة الصفات المقابلة لصفات الارتقاء :"وعرضنا جهنم يومئذٍ للكافرين عرضاً. الذين كانت أعيُنُهم في غطاءٍ عن ذكري، وكانوا لا يستطيعون سَمْعَاً". لاحظ أولاً أن ذكراً مجعولاً للعين حين كانت في غطاء مستور، وهذا الغطاء المستور إنما هو حجاب مُسدل عن الذكر؟ وهل كانت العين تذكر؟ وكيف تذكر العين؟ وهل المُراد بالعين هنا عين الجارحة، عين المقلة، أم المقصود بها عين القلب، الذاكر لله على الحقيقة؟ أي المقصود الذين كانت عيون قلوبهم في غطاء عن ذكر الله، هذه واحدة. أمّا الثانية فيلاحظ أن في الآية دواعي الاستجابة جميعاً إلا واحدة، فيها العين، وفيها السمع، ولكن أين اللسان وهو الذي يجري به لفظ المذكور؟

بادئ الرأي أنه غير موجود على صراحة القول به، ولكنما وجوده هنا هو وجود الذكر نفسه؛ فليس المُراد بالذكر كما تقدّم في هذه الآية هو الرؤية البصرية، بل المراد هو الرؤية البصيرية، شهود جلالة المذكور، التي هى مُقدّمة لذكر الله باللسان والقلب معاً حتى إذا أنكشف الغطاء عن رؤية العين تحقق الذكر. والذكر هنا ذكران : ذكر عين قلبية وذكر اعتبار فكري، إمّا أن يكون باللسان، وإمّا أن يكون بالقلب، أو يكون بهما معاً؛ فالظاهرُ من الآية وجود العين وهي مغطاه عن الذكر، ووجود السماع مع عدم الاستطاعة عليه؛ فمعنى أن يتحقق الذكر هو أن ينكشف الغطاء المستور عن رؤية العين، وكلما كانت الرؤية كاشفة، كان الذكر لساناً وقلباً أوضح وأكشف.

وحين نقول "رؤية"؛ فليس معنى ذلك أن تكون هذه الرؤية هى رؤية مُقلة وجارحة بل المقصود بها كما قلنا الرؤية القلبية بدليل أنها مُسدلة بحجاب كثيف منعها الرؤية وحجب عنها جلالة المذكور؛ فكانت في غطاء فلم تعد تذكر. والمعنى : فهؤلاء الذين كانت عيون قلوبهم في غطاء عن ذكر الله، وكانوا لا يستطيعون سمعاً منذ البداية لصوت النداء، يومذاك عرضنا عليهم باعتبارهم كانوا كافرين، أي ساترين الحق بستار الباطل، يغطون الذكر بالغفلة الواصبة، عرضنا عليهم جهنم عرضاً لأنهم كانوا في حجاب ممنوع عن ذكر الله مقطوع عن شهوده؛ فكان هذا الحجاب هو القلب الغافل اللاهي لا اللسان؛ فالعين إذ ذاك عين القلب والرؤية رؤية بصيرة لا بصر؛ وعين القلب هي التي تذكر، وهى نفسها التي تشهد جلال المذكور. ثم إنّ الذكر لم يكن ذكر لسان وكفى، بل ذكر قلب يرى ويشهد لمّا أنكشف عن عينه الغطاء، والسّماع سماع نداء واستجابة وتصديق وتسليم ثم ماذا؟ ثم تغيير في توجهات النفوس ومناشط الحياة برمتها. وإذن؛ فلتستبدل في قانون الارتقاء هنا عمل القلوب مكان عمل الجوارح والأعضاء. أليست هذه ثورة روحيّة في المقام الأول؟!

وما دمنا ذكرنا الاستجابة ودواعيها؛ فلنذكر أنها هي هي الأصل الأصيل في قوة الانذار الثوري الذي قدّمه، محمد صلوات الله وسلامه عليه، كما قدّمه الأنبياء والرسل من قبله أجمعين؛ فلاهي كانت تكون ثورة إذا خلت من فعل الاستجابة، ولاهي كانت تكون ثورة إذا لم يكن ها هنا "رد الفعل" قائماً على إثرها بوجه من الوجوه :"فإن لم يَسْتَجيبُوا لكَ فَاعْلَمْ إنمَّا يتَّبعون أهْوَاءَهُم، وَمَنْ أضَلُّ ممَّن اتَّبَعَ هواهُ بغير هُدىً من اللهِ، إنَّ الله لا يَهدي القومَ الظالمينَ" (القصص: آية 50).

وقد يطلعنا تعميق المحاولة في فهم الآية على أن عدم الاستجابة مرهونٌ باتّباع الهوى، وغياب الاستجابة هو في الأصل تحقيق من الضلالة؛ غير أن هذه الضلالة تفيد البعد عن هداية الله، ومن ثمّ كان اتباع الهوى سبباً رئيساً في عدم الاستجابة (الثورة المضادة) ثورة الباطل على الحق؛ فلو صحَّ اتباع الهوى بهدي من الله لما كانت حجب الضلالة؛ فقوله تعالى إذن :"ومن أضَلَّ ممّن اتَّبَع هواه بغير هدى من الله"، لعلها تأتي - والعهدة في ذلك على محاولة الفهم - إمّا بمعنى أن هواهم كان مانعاً لهم عن الاستجابة فاتبعوه بغير هدى من الله فأضلوا لا لشيء إلا لأنهم عبدوا هواهم على الحقيقة وما عبدوا الله. وإمّا بمعنى أن اتباع الهوى هو عين الاستجابة يمنع من الظلم فيما لو كان بهدى من عند الله، ومن أولئك الذين استجابوا لحكم الدعوة أناس كانوا وجدوا هواهم على الدوام في معيّة الله، فاتباعهم هوى، وعبادتهم هوى، واستجابتهم هوى، لكنه هوى الهَدْي والهُدَى والمعرفة لا هوى الجهل والظلم والضلالة، والفرقُ من بعدُ عظيم. 

 

بقلم د. مجدي إبراهيم                             

 

   

علجية عيشفي ظل التواجد اليهودي بالجزائر أنجبت مدينة قسنطينة من رحمها أبناءً هم من أصل يهودي وبحكم مولدهم فهم يُحْسَبُون على مدينتهم "الأم" التي أنجبتهم وعلمتهم في مدارسها، ومن الذين ولدوا في مدينة قسنطينة  اليهودي إيلي غزلان الذي تتلمذ على يد رئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس، والفنان أنريكو ماسياس، وبنيامين ستورا الذي درس تاريخ المغرب العربي وتاريخ الاستعمار الفرنسي، وغلبت كتاباته في الحركة الوطنية الجزائرية

لطالما أدار المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا المختص في بحوث الحركة الوطنية الجزائرية  ما يسمى بـ: "صراع القوميات"، باعتبارها أمر طبيعي في السياسات الدولية، وصلت إلى حد اشتعال حروب طاحنة بين الدول، كما هو الشان بين المانيا وفرنسا، وبين فرنسا والجزائر، ولعل اهتمام بنيامين ستورا بالقوميتين الفرنسية والجزائرية يعود لكونه جزائري فرنسي،  فبالرغم من أنه ينتمي إلى الطائفة اليهودية، فهو من حيث المولد والمنشأ يعد واحدا من أبناء مدينة قسنطينة، ولد فيها عام 1951 أي قبل ثلاث سنوات من اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، ورغم صغر سنه كان كثير التساءل حول ما يحدث بين الجزائر وفرنسا، فكانت جل بحوثه حول الحركة الوطنية الجزائرية والتعمق في جذورها ومن هم أبرز  القادة والزعماء الجزائريين، كما كان اهتمامه بالظاهرة "المصالية" من خلال كتاب أصدره حول مصالي الحاج، كتب مقدمة الكتاب كل من  الرئيس السابق أحمد بن بلة والمؤرخ محمد حربي.

عمل المؤرخ بنيامين ستورا  كباحث بمعهد المغرب العربي أوروبا بجامعة باريس 08، وكان جدّ متأثرا لما يحدث للشعب الجزائري من عمليات تعذيب وقمع من طرف الإستعمار الفرنسي، وكانت مواقفه تثير غضب السلطات الفرنسية شأنه شأن باقي المثقفين الفرنسيين الذين تعرضوا للحصار من أجل القضايا العادلة، وما كان يعرف بالعالم الثالث كجون بول سارتر، أندريه مندور الذي رفع تحية المقاومة الجزائرية، هنري علاق وجاك فرجاس صاحب كتاب "من أجل جميلة بوحيرد" ومثقفون آخرون اجتمعوا من أجل السلم في الجزائر  وشكلوا "حربا كتابية" من أجل وضع حد للقمع، لم  يكن  بنيامين ستورا يتصور ان العلاقات بين الجزائر وفرنسا ستصل في يوم من الأيام إلى التخلص من أعباء وأثقال التاريخ، وهذا بالنسبة له صعب تحقيقه، لأن هناك صدمات وجراحات عميقة لم تندمل بعد.

فمن وجهة نظره هو، ورغم اعترافه بأن  أول نوفمبر يعتبر تاريخ القطيعة مع العهد الكولونيالي، إلا أن المشاكل المرتبطة بالذاكرة كما يقول لا يكفي عمل المؤرخين لحلها، إنما تندمل الجراح بتعاقب الزمن والأجيال، وهذا موقف لا أحد يدري إن كان يحسب له أو يحسب عليه، خاصة ما تعلق بمسألة اليهود وملف الحركى الذين وقفوا إلى جانب الجيش الفرنسي كان متحفظ جدا عندما وجه له سؤال في هذا الشأن وقال لا يمكن اتهامهم بالخيانة، لأن هذا يحدث أثناء الحروب، وهو بالتالي يسير على نهج ألبير كاموا الذي قال: "لو خيرت بين العدالة وأمّي لأخترت أمّي"، ولبنيامين ستورة مواقف أيضا حول موجات الهجرة الجزائرية إلى فرنسا، وقد ذكر  أربع موجات، حيث قال: كانت لدينا عدة موجات من الهجرة إلى فرنسا: الأولى من الطبقة العاملة الكلاسيكية، خاصة من منطقة القبائل في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم موجة ثانية خلال الحرب الجزائرية، وموجة ثالثة خلال إنهاء الاستعمار، وأخيراً موجة رابعة غير معروفة، لكنها موثقة قليلاً في التسعينيات، بعد ظهور الإسلاميين، في إشارة منه إلى الحرب الأهلية التي دارت بين جماعة الفيس والنظام .

وإن كان بنيامين ستورا غلب عليه التحيز الظاهر لليهود ورسم لهم صورة مثالية، فإن المغني اليهودي أنريكو ماسياس أخطرهم بحكم أنه من المدعمين لكل ما هو صهيوني، وكانت له مشاركات قوية في حرب أكتوبر 1963 و1973 بغنائه في صفوف الجنود الصهاينة لرفع معنوياتهم بعد تكوين "إسرائيل الكبرى" من موريتانيا إلى العراق..، وبالعودة إلى موقف بنيامين ستورا القاضي بصعوبة التخلص من أعباء وأثقال التاريخ، لأن هناك صدمات وجراحات عميقة لم تندمل بعد، ما زال الشعب الجزائري يتذكر الحادثتين التي آلمته  كثيرا وجرحته في العمق، الأولى تتعلق بالزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الجزائر في سنة 2003 واصطحابه معه واحدا من المرفوضين والمغضوب عليهم في الجزائر وهو وزير قدماء المحاربين الفرنسيين، الحركي حملاوي مكاشرة، غير أن هذا الحلم لم يتحقق، حيث لقي هذا الخبر استنكارا شعبيا لدى سكان مدينة قسنطينة، مما دفع بهم إلى تشكيل لجنة مناهضة للتطبيع مع اليهود..

والثانية  في عهد الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة إثر  دعوته  الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لزيارته الجزائر ومن ثمة إلى مدينة قسنطينة  في 06 ديسمبر 2005 وقاما الاثنان بزيارة فيلاج اليهود بحي سيدي مبروك الأعلى والمناطق التي يسكن بها اليهود، وقبل الزيارة كان المغني اليهودي أنريكو ماسياس قد خرج عن صمته ليعلن بشأن اصطحابه من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ويحقق حلمه الذي راوده في زيارة مسقط رأسه، بعدما وجه له رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة دعوة لزيارة الجزائر في إطار العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وباريس.

الملاحظ أن هذه العلاقات الدبلوماسية التي تربط بين البلدين، مهدت الطريق  للسلطات الفرنسية لإستعادة بعض ما فقدته من قوة، من خلال تكليف المؤرخ بنيامين ستورا بملف الذاكرة من طرف الرئيس  الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل تعزيز "المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري"  أي إمكانية تجاوز الجزائريين مطلبهم بتقديم فرنسا اعتذارها عن الجرائم التي ارتكبتها طيلة 132 سنة، في الوقت الذي كلف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عبد المجيد شيخي مستشار لدى رئاسة الجمهورية المكلّف بالأرشيف الوطني والذاكرة الوطنية،  لكن وكما يقال للصراع حدود، وخطوط حمراء، تقبل بتنازل هذا الطرف أو ذاك، ويبقى السؤال حول من يدير هذه اللعبة ويتحكم في محاور صراعاتها؟ أمام مطالب الحق في العودة واستعادة الأقدام السوداء ممتلكاتهم التي تركوها عشية الإستقلال، أم أن قوميات أخرى ستظهر وبظهورها تتكسر كل الحواجز؟

 

علجية عيش

 

 

قاسم حسين صالحتنويه: الذمّة تعني العهد والكفالة.. واثقلها حين يكون الشخص مسؤولا عن الرعية، وأقبحها حين يكون هذا المسؤول رجل دين امتهن السياسة او جمع بينهما.وبدءا نشير الى ان خطابنا هذا يخصّ ولا يعمّ، فبين قادة الشيعة من صان الذمّة والضمير وظل مخلصا للوطن وأهله رغم مغريات السلطة والثروة.ولا يعنينا هنا الحديث عن كل الجهات المتورطة بالفساد في العراق، فأمرها صار مفضوحا ومعترفا به من الحكومة والمرجعية والكتل السياسية، بل عن مسؤولين شيعة وعدوا جماهيرهم برفع الحيف عنهم وتعويضهم عما اصابهم من مظلومية، فاغتنوا وما وفوا.. وما استجابوا لمطالب المتظاهرين لتسع سنوات!، ولا لمرجعيتهم الدينية التي لها فضل دعوة الناس لانتخابهم، بل استبدوا واستهانوا وخذلوا حتى من انتخبهم.. وبينهم من يكيد، الآن، ويدبّر أمرا بليل ان تحرش الكاظمي بهم!

الثانية: خيانة ثروة الدولة.

كانت مكاشفتنا لهم في الحلقة الأولى، خيانتهم لقيم الأمام حسين.. ونبدأ الثانية هذه بحقائق عن حجم أخطر فساد ارتكبه قياديون ومحسوبون على احزاب الاسلام السياسي الشيعي، وحزب الدعوة بشكل خاص، برئيسه السيد نوري المالكي واعتبرت حكومته الثانية هي الأفسد في تاريخ العراق والمنطقة وثالث أفسد دولة في العالم، وخلفه السيد حيدر العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد.. وخان الوعد.

لقد تناولت الفساد في العراق منظمات دولية بينها منظمة الشفافية الدولية، وتقارير امريكية وبريطانية وأسترالية(الصحفي نك مكنزي مثالا)، وصحف اجنبية وعراقية، واشخاص على صلة بمتخذي القرار في الحكومة.. سنمر عليها سريعا لتقديم أدلة ثابتة على ان سياسي الشيعة في السلطة خانوا ذمة الحفاظ على ثروة (35)مليون عراقي.

وفقا لتقرير المؤشر العالمي للفساد لمنظمة الشفافية الدولية العالمية( 2005 )جاء العراق بالمرتبة 137 عالميا والأسوأ في الفساد بين الدول العربية، وتقدم الى المرتبة 160 ليحتل المركز الثالث عالميا في الفساد عام ( 2006 )، وتقدم في (2008 ) الى المرتبة 179 بحصوله على درجة 1,3 من عشرة وفق مقاييس النزاهة الدوليّة، ليأتي بالمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وظل محافظا عليها في العام ( 2009).

وبحسب تقارير امريكية فان شركة "أوراسكوم" التي فازت بعقد شبكة الهاتف النقال دفعت رشاوى تصل إلى "21" مليون دولار لستة أشخاص من بينهم "إبراهيم الجعفري" رئيس الوزراء وقتها، إذ تلقى ثلاثة ملايين دولار، فيما حصل وزير النقل آنذاك "حيدر العبادي" على مبلغ مماثل.. وكلاهما من قادة الشيعة!.

وفي 29 أيلول ( 2007) وجّه تقرير سري أمريكي "حساس" انتقادات شديدة إلى إجراءات مكافحة الفساد في الوزارات والمؤسسات العراقية الرسمية محذراً من أن العراق غير قادر حالياً على تعزيز قوانين مكافحة الفساد، مضيفا أن مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي "يتعامل بعدائية" مع فكرة تأسيس وكالة مستقلة للتحقيق في الفساد الإداري برغم انه يصف الحرب على الفساد بأنها الحرب الثانية في العراق.

ويصف التقرير المؤلف من (82) صفحة النظام القضائي العراقي بأنه " ضعيف ومرعب وعرضة للضغط السياسي"، ويحدد بالارقام حالات الفساد في الوزارات نكتفي بذكر اثنتين منها، أن "من بين 169 شكوى في وزارة الدفاع، أحيلت ثماني منها فقط إلى المحكمة ولم تتم إدانة إلا شخص واحد فقط، وأنه من مجموع 154 حالة فساد تم التحقيق فيها بوزارة النفط أحيلت 19 قضية فقط إلى المحاكم، تم اتهام اثنين فقط في حين تمتع خمسة آخرون بالحصانة الممنوحة لهم " ما أكسب الوزارة سمعة كونها أكثر الوزارات فساداً ".

ونقلت صحيفة واشنطن تايمز عن شيرمان، المستشار السابق بوزارة الداخلية العراقية، قوله:إن مساعي السيطرة على الوزارة تحولت إلى صراع سياسي من أجل البقاء وكسب النفوذ أكثر من كونها محاولات لبسط الاستقرار في البلد.وأضاف أن الوزارة تدار من جانب حزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي وحزب الفضيلة، مؤكداً أن طريقة استخدام هذه الأحزاب لمقدرات الوزارة أصبح خارج نطاق سيطرة الولايات المتحدة.وفي آذار 2008نشرت صحيفة النيويورك تايمز "ان النفقات العسكرية العراقية بلغت سبعة ونصف مليار دولار متجاوزة انفاق الامريكيين على الجيش الحكومي البالغ خمسة ونصف مليار دولار".

وبحسب تقرير لمحقق امريكي بثته فضائية الشرقية أشار الى انه تم تهريب ثلاثين مليار دولارا خارج العراق، توزعت بين شراء جزر وفنادق ومطاعم ومعارض سيارات ومكاتب تحويل العملة وملاهي ليلية.. وشراء 150 عقارا في ثلاث دول اوربية سجلت باسماء أقارب الفاسدين، بينهم ثلاثة فاسدين، وزير شيعي وشقيقاه، هرّبوا 820 مليون دولارا!.

ويشير التقرير الصادر من السفارة الأمريكية الخاص بسرقة 850 مليون دولارا من المال العام من قبل الوزير حازم الشعلان أن وزارة الداخلية في زمن وزيرها الأسبق باقر جبر صولاغ كانت لها "سمعة سيئة عند محققي هيئة النزاهة".. وان محققي النزاهة " تعرضوا الى الكثير من حالات التهديد والهجوم على كبار الشخصيات في المفوضية" حين صار وزيرا للمالية.. ويعد السيد باقر قياديا في حزب السيد عمار الحكيم.

نأتي الآن الى شهادات أشخاص.. نبدأها بمدير البنك المركزي السابق سنان الشبيبي بقوله:ان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أمر بتعيين أربعة من افراد حزبه الحاكم في البنك ليسيطر على دائرة غسيل الأموال، وانه عين أربعة من أفراد حزبه الحاكم بمناصب كبيرة، فيما كشف الراحل أحمد الجلبي، عن عدد من قصص الفساد يقودها نوري المالكي ومساعد ابنه (ابو شهد ) فضلا عن ضباط بمكتب رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي.

وفي حديثه للجزيرة نت أكد بهاء الأعرجي إن "هناك مسؤولين في الحكومة والبرلمان يدافعون عن الفاسدين بسبب انعكاس فضائح هؤلاء على شعبية هذه الأحزاب في الشارع العراقي، وإن حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي قد تأثر كثيراً من جراء استجواب وزير التجارة الذي ينتمي إلى هذا الحزب".. .كاشفا عن وجود ضغوط قوية من بعض الأحزاب لمنع استجواب بعض الوزراء الذين عينتهم هذه الأحزاب في مناصبهم، مقابل سكوت الوزير وعدم كشفه حلقات الفساد العليا في الحكومة والأحزاب.

ويوثق رئيس هيئة النزاهة السيد موسى فرج في كتابه (قصة الفساد في العراق) بقوله "عندما بدأت بالتقرب من فساد بطانة المالكي، وقد إستئذبوا وإستأذب في حمايتهم، ووجدت أن البرلمان مهلل في حينه، وسطوة رئيس الحكومة عليه مكشوفة، وأن رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب الذي بلغها من خلال المحاصصة سيئة الصيت، قد دخل تحت عباءة المالكي في صفقة فاسدة لحماية نفسه وأخيه ومتنفذين من حزبه، وكنت ألاحق قضايا سرقة وتهريب النفط المتهمين بها".مضيفا أن"الأمانة العامة لمجلس الوزراء تحوّلت إلى أخطر بؤرة للفساد في العراق" وان رئيس الوزراء (نوري المالكي) أمر بمنع محققي الهيئة من الحصول على نسخ الملفات ذات العلاقة بالفساد".

وفي السياق ذاته أكد القاضي راضي حمزة الراضي، رئيس مفوضية النزاهة العراقية "أن رئيس الحكومة (المالكي) وحكومته رفضوا الاعتراف باستقلال لجنة النزاهة العامة.. وان هنالك العديد من حالات الفساد التي تم اغلاقها من قبل الوزراء ورئيس الوزراء تقدر قيمتها بمائة بليون دينار عراقي".

تلك حقائق.. شهادات.. لـ(حالات) تدين ساسة شيعة في السلطة بأنهم خانوا ذمة الأمانة على ثروة الدولة. والمخجل انهم معترفون بها كأحزاب وكتل سياسية لكنهم كافراد.. لها من الناكرين.

والأقبح، انهم يدعون انهم اخلص شيعة الأمام علي فيما هم نقيضه النوعي، فقد كان الأمام امينا على مال المسلمين.. لا منصب جعله يتعالى على الناس ويستأثر بنعمه، ولا مال افسد رأيه، ولا سلطة ولا مغريات، ولا تساهل مع ولاته الذين خاطبهم قائلا: (يا ولاة امور الناس، لا يكن حظكم في ولاياتكم مالا تستفيدونه، ولا غيظاً تشفونه، ولكن أماتة باطل وأحياء حق).

وتبقى حقيقتان:

الأولى: اعلموا ان الجهات الدولية تعرف كل الأموال التي نهبت من العراق بكل تفاصيلها، بما فيها اسماؤكم مهما تحايلتم،

والثانية:تأكدوا ان التظاهرات التي هتفت في شباط 2011 (نواب الشعب كلهم حرامية) وبعثتم بـ(بمناضلكم) يصدر الأوامر بقمعها، وعادت بزخم أقوى في آب 2015،، ثم الاعتصامات في آذار 2016، وصولا الى وثبة تشرين 2019.. الى تظاهرات قيض 2020، أن الشيعة ستستعيد وجهها البهي برموزها الوطنية بدءا بالشيرازي والحبوبي مرورا بالصدرين الشهيدين، وصولا الى شهداء تشرين / اكتوبر .. وسينال فاسدوكم الذين خانوا ذمة الحفاظ على ثروة الوطن.. في قضاء شيعي عادل!

لقد كاشفناكم وواجهناكم باسم الشعب.. فردوها علينا ان استطعتم!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

25 تموز 2020

 

علاء اللامي"الإسلام السياسي" شاعت هذه العبارة - المصطلح في العقود القليلة الماضية، حتى اكتسبت نوعا من البداهة والحياد الاستعمالي بفعل التكرار والانتشار حتى من قبل باحثين عرب لا غبار على توجهاتهم ومنهجياتهم الوطنية والتقدمية. غير أن تدقيقا عميقا ومتمهلا في ماهيتها لغةً واصطلاحا تجعلها أهلا للشك النقدي بل وللريبة والشبهة.

لغةً، تحيلنا هذه العبارة (الإسلام السياسي) الى وصف "الإسلام" - كاسم علم لدين معروف، ومزجه بالسياسة على سبيل التخصيص ضمن التنويع، وكأن قائلها يؤمن بوجود أنواع من "إسلامات"، منها الإسلام الاقتصادي وليس "الاقتصاد الإسلامي"، وعلى هذا المنوال يمكن اشتقاق عبارات من قبيل: الإسلام الصناعي والإسلام الزراعي والإسلام التلفزيوني.. إلخ، وهذه صيغ لا معنى ولا مسوغا لغوياً لها.

أما مضمونا، فهذا المصطلح "الإسلام السياسي"، يعني توحيدا على جهة الماهية لاسم دين معروف ومحترم كسائر الأديان هو "الإسلام" بالسياسة بعُجرها وبجرها، وجعلها ماهية له مفردة به، لينتج عن ذلك شيء جديد هو دين سياسي خالص ومتفرد في ذلك ومختلف عن سائر الأديان! فهل الإسلام هو دين سياسي، أم أنه دين كسائر الأديان يستغله ويستلهمه السياسيون وأهل السلطان وأهل الفكر والعقائد السياسية لخدمة مشاريعهم الخاصة؟

المرجح عندي، بصدد ابتكار هذا المصطلح، احتمالان: فإما أن يكون من منتجات الترسانة الإعلامية والاستشراقية الغربية العنصرية المعادية للإسلام والمسلمين عموما، أو أنه هفوة من نتاج لغة مبتكر المصطلح السياسية العاجزة عن الابتكار الإصلاحي الصحيح من قبل مؤلفين ومترجمين عرب، والاحتمال الأول قد يكون أقوى من الثاني! كيف ذلك؟

بحثت عن هذا المصطلح بعد ترجمته إلى اللغة الفرنسية (L'islam politique) والإنكليزية (Political Islam)، فكان موجودا في الموسوعات الحرة على شبكة النت بهذه الصيغة، وسأدرج هنا التعريف الفرنسي للعبارة بعد ترجمته إلى العربية، وهو يقول (الإسلام السياسي: هو اسم عام لجميع التيارات الإيديولوجية التي تهدف إلى إقامة دولة على أساس مبادئ الإسلام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع. وكقاعدة، هو مرادف للإسلاموية، والمصطلح الأخير يركز على ما هو أكثر من توصيف سياسي لهذه الحركات من الناحية الدينية البحتة).

أما التعريف الانكليزي لهذا المصطلح فموجود أيضا، وهو يختلف قليلا عن الفرنسي، ويمكن القول إنه أكثر توازنا وأقل إثارة للريبة التي يثيرها التعريف الفرنسي. تقول ترجمة التعريف الإنكليزي (الإسلام السياسي: هو أي تعريف تفسيري للإسلام كمصدر للهوية والعمل السياسي. ويمكن أن يشير إلى مجموعة واسعة من الأفراد والجماعات الذين يحاولون تحويل الدولة والمجتمع وفقًا لما يرونه مبادئ إسلامية. ويمكن أن يشير المصطلح أيضا إلى استخدام الإسلام كمصدر للمفاهيم والاستعارات لتوضيح المواقف السياسية. يمثل "الإسلام السياسي" أحد جوانب النهضة "الصحوة؟" الإسلامية التي بدأت في القرن العشرين. علما أنه لا تتم مناقشة جميع أشكال النشاط السياسي من قبل المسلمين تحت عنوان الإسلام السياسي).

إنَّ التعريف الفرنسي أكثر إثارة للارتياب، كما قلت، لأنه أكثر انشدادا الى محاولة حصر هذا المصطلح بمضمون الإسلام الجهادي أو السلفي الأصولي ومن ثم تعميمه على الإسلام دينا وحضارة بائدة وبشرا معتنقين له، وهذا يعني ضمنا الشطب على التيارات الإسلامية التنويرية والديموقراطية أو المقاومة للاحتلال والهيمنة الغربية أو حتى الأصولية المسالمة أو خلطها ببعضها ومساواتها كأجزاء ضمن كلٍّ يطلقون عليه " الإسلام السياسي".

 أما التعريف الإنكليزي فقد نجد فيه شيئا من الموضوعية في المحتوى، وخصوصا في احتوائه على عبارة "كمصدر للهوية والعمل السياسي" وفي اعتباره "أحد جوانب النهضة الإسلامية التي بدأت في القرن العشرين" بما يلمِّح إلى مفهوم "الصحوة الإسلامية" الشائع في النثر السياسي الحزبي الإسلامي، وهذه المفاهيم قد يكررها الإسلاميون دون تردد أو تحفظات رغم ما تثيره من إشكالات ماهوية في التحليل اللغوي والمضموني. ولكنْ كِلا التعريفين، الفرنسي والإنكليزي، لا ينفيان مشبوهية هذا الاصطلاح باللغة العربية، ويثيران أكثر من تساؤل عن انعدام نظير أو مثيل له في حالات الأديان الأخرى، ولذا يمكن الاعتقاد بأنه كمصطلح قد لا يكون منتوجا للحالة السياسية العربية والإسلامية كما يبدو ظاهرا، بل هي ترجمة لمصطلح أمني وثقافوي استشراقي للمصطلح باللغات الأجنبية روَّج له العلمانيون والليبراليون القشريون العرب والمتكلمون بالعربية من غير العرب ولأغراض معادية، ثم، وبمرور الوقت، تبعهم في ذلك جمهور عريض من حسني النوايا والمضلَّلين.

ما الدليل على هذا الاستنتاج؟ الدليل هو إننا لو بحثنا عن أي نظير مسيحي أو يهودي أو بوذي لهذا المصطلح فلن نجد. وقد بحثت شخصيا وطويلا، وباللغتين اللتين أجيد التكلم بهما بشكل متواضع وغير احترافي، وهما الفرنسية والإنكليزية، فلم أجد نظيرا أو رديفا لهذا المصطلح "الإسلام السياسي"!

فليجرب من شاء التجربة وليبحث عن معنى لعبارة "المسيحية السياسية" أو "اليهودية السياسية" أو "البوذية السياسية" بعد ترجمتهما الى أية لغة أجنبية، ثم ليتوصل بنفسه إلى الاستنتاج الذي يرتضيه ويقتنع به. وبخصوص الديانة البوذية مثلا، لن نجد مصطلح "البوذية السياسية" بل "البوذية والسياسة" ومثل ذلك بخصوص "المسيحية والسياسة" أو "اليهودية والسياسة". فلماذا اقتُصِر مصطلح "الإسلام السياسي" على الإسلام ولم يقولوا - لا باللغة العربية ولا في اللغات الأجنبية - "الإسلام والسياسة" بل قالوا "الإسلام السياسي"؟

هل هناك بديل لمصطلح "الإسلام السياسي"؟ نعم، هناك الكثير والأكثر دقة لغة ومضمونا! يمكن أن نقول: الأحزاب الإسلامية، القوى السياسية الإسلامية، التنظيمات الإسلامية، التيارات الإسلامية، ويمكن لنا أن نحدد في التفصيل أكثر فنقول "الجهادية السياسية" و" السلفية الجهادية" أو "السلفية الانتحارية" تفريقا بينها وبين الحركات السلفية السياسية المسالمة والتي تخوض العمل البرلماني ولها ممثلون في عدد من البرلمانات العربية كالكويت والمغرب بغض النظر عن فكرها وبرامجها السياسية إن كان لديها برامج، دون أن يتغير المضمون المراد، بل سيكون أكثر دقة وبُعدا عن الشبهة والريبة والاستهداف الاستشراقي العنصري.

ختاما، أسجل أن أول من شكك بهذا المصطلح هو رفيقي وأستاذي الراحل هادي العلوي في معرض نقده للعلمانية القشرية كما يروج لها المتأثرون بالاستشراقية الغربية، وقد كتب حينها (وهكذا يصبح العدو الأوحد لتسعين بالمائة من مثقفينا هو الإسلام (السياسي) هذه اللاحقة "السياسي" للتمويه، فالعدو هو الإسلام نفسه: تاريخه الحضاري وتراثه العظيم ومنجزاته العالمية التي مهدت، بالتكامل مع منجزات الحضارة الصينية، لولادة العصر الحديث. ص46 من "كتاب المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة"). ولكن العلوي كان قد استعمل عبارة (الإسلام السياسي) في حواره المطول والمعمق مع الصديق الباحث خالد سليمان وزميله حيدر جواد؛ وهو الحوار الذي تحول إلى كتاب صدر بعد وفاته عن دار "الطليعة الجديدة" بدمشق تحت عنوان (هادي العلوي - حوار الحاضر والمستقبل). في هذا الكتاب قال الراحل (بعد زوال الاتحاد السوفيتي تُفتح ساحة الصدام بين بعض الإسلام كلِّ الغرب. وأعتقد أن الصراع لن يدوم لأن الإسلام السياسي بمؤسسيَّته الدينية لا يتناقض جذريا مع الغرب خلافا لأوهام أو مصادرات الكتاب الغربيين...فالتناقض لا يكون بين الأديان أو بين الأيديولوجيات لأن أساسه سياسي واقتصادي، نعم، سوف يتجذر التناقض بين الإسلام السياسي والغربي إذا تبنى الإسلام السياسي الاشتراكية الماركسية وعندئذ سيكون الانقطاع المطلق عن الاقتصاد الرأسمالي هو التناقض الأكبر والحقيقي. ص 61). ولا يمكنني الجزم إنْ كان العلوي قد توصل الى قناعته بمشبوهية مصطلح "الإسلام السياسي" قبل أو بعد كتابته لهذا النص المقتبس، والذي نقرأه في سياق مختلف قليلا عن السياقات "العلمانوية" السائدة، فهو يقرن - استعماليا - وجود "إسلام سياسي" بـ "غرب سياسي" وقد لا يعدو الأمر كونه استعمالا آنيا أوجبته الفكرة، أو أنه كان قبل أن يرفض العلوي هذا المصلح ويشكك به في الاقتباس الأول.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

 

بشار الزبيديعن العالمِ العربي وتأثيره العميق في حضارة أوروبا في العصورِ الوسطى:

ترجمة وتصرف: بشار الزبيدي


مُقدمة عن الباحث:

أ.د.داغ نيكولاوس هاسه هو مُؤرخ فلسفي ومُستعرب وأستاذ بمعهدِ الفلسفةِ بجامعة يوليوس ماكسيميليان في مدينة فورتسبورغ الألمانية. ولد داغ نيكولاوس هاسه في مدينةِ بريمن وترعرع في الشمال الألماني، قبل أن يدرس في جامعة غوتنغن الألمانية ومن ثم جامعة يل الأميركية بعدها حصل على درجة الدكتوراه في لندن. وقد تمحورت أُطروحته في الدكتوراه حول موضوع “مقالة ابن سينا في النفس في الغرب اللاتيني”. يتقن نيكولاس عدة لغات ،العربية والإنجليزية والعبرية واليونانية القديمة إلى جانب لغته الأم الألمانية وله كتاب بارز تحت عنوان "النجاح والإنكار": العلوم العربية وفلسفتها في عصر النهضة.

ركز نيكولاس هاسه في بحوثه على تاريخ الفلسفة والعلوم العربية ، والتأثير العربي في أوروبا من منظور تاريخي وتاريخ الفلسفة والعلوم الأوروبية من القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر. وقد أظهرَ هاسه من خلال دراسته ، مدى قوة التصاهر الثقافي بين عُلماء ومؤسسات الشرق والغرب وهو يجمع بين البحث التاريخي اللغوي والطرق التحليلية الجديدة التي تم تطويرها ذاتيًا. استَخدَمَ الأساليب اللغوية والحاسوبية لتحديد الخصائص اللغوية للمُترجمين الفرديين للنصوص العربية وبالتالي أعاد بناء دورهم في مدارس الترجمة الرئيسية وتأثيرهم على تاريخ العلوم الأوروبية. في عام ٢٠١٦ ، حصل الدكتور هاسه على جائزة " لايبنتس Leibniz  " الشهيرة من مؤسسة الأبحاث الألماني التي تبلغ قيمتها ٢،٥ مليون يورو. اعتبرت اللجنة أن مساهمة د. نيكولاس هاسه قيمة وقد أسس من خلالها إلى بداية جديدة في رؤية تاريخية واقعية للنهضة الأوروبية وتمكن من الكشف عن المشتركات القوية بين الغرب والشرق في القرون الوسطى.

فاز داغ نيكولاس هاسه أيضًا بجائزة الشيخ زايد الإماراتية في فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى للعام ٢٠١٨ عن كتابه الأبرز (النجاح والإنكار): العلوم العربية وفلسفتها في عصر النهضة.

1651  الثقافة العربية

نيكولاس هاسه: لولا العالم العربي ، لكانت أوروبا مُختلفة اليوم:

بالنسبة لفيلسوف فورتسبورغ نيكولاس هاسه، ثمة شيء واحد واضح وهو : أن العالم الغربي الحالي لن يكون موجودًا لولا الشرق. لقد بحث هاسه في تأثير العالم العربي على أوروبا في العصورِ الوسطى بشكل عميق ولهذا السبب حصد جائزة "لايبنتسLeibniz" المرموقة. عندما يتعمق داغ نيكولاوس هاسه في تخصصه ، فإن كل شيء في رأسه يدور حول العصور الوسطى والشرق والغرب. بحث نيكولاس في العلاقات بين العالم العربي والأوروبي في العصور الوسطى. في البداية بدا ذلك موضوعًا تاريخيًا جافًا ولكن عندما شرح هاسه الروابط ، أصبح بحثه شيقًا.

موضوعه هو أيضًا هام وعصري للغاية، وبالتالي فإن بحثه اتخذ بعدًا سياسيًا. خاصةً في الوقت الذي يُريد فيه الأشخاص الذين يعانون من كراهيةِ الأجانب، إنقاذ الغرب المسيحي من الأسلمة المفترضة ، ولكن تظهر الرؤية العلمية بوضوح أن أوروبا اليوم لن تكون موجودة بدون التأثيرات العربية.

يقول داغ نيكولاس هسه: "لقد ساهمت العديد من الثقافات المُختلفة فيما نُسميه اليوم الغرب وأوروبا ، وليس فقط المسيحيين واليونانيين والرومان". إن الدفاع عن أوروبا المسيحية تم تعميمه على نطاقٍ واسع. كان الغرب يرغب بالمزيد من "الانفتاح الفكري" عن طريق المُناضلين الذين سخروا أنفسهم من أجل أوروبا المسيحية".

ثمة العديد من التقاليد المُشتركة بين الشرق والغرب حتى اليوم، وقد اكتشف نيكولاس هاسه مرارًا وتكرارًا انفتاح بين العالمين الغربي والشرقي في بحوثهِ. كانت هُناك بعض المخاوف في تاريخ الفلسفة والعلوم في العصور الوسطى المتعلقة بالاتصال بين العالم الإسلامي واليهودي والمسيحي. ولكن على الرغم من الطُرق المُختلفة في التفكير وأنظمة اللغة، فقد تفاهمت هذه العوالم فيما بينها بشكلٍ مُدهش. "هذا لا يعني عدم وجود بعض الاختلافات، بيد أن هناك أيضًا العديد من أوجه التشابه والتقاليد المُشتركة، حتى يومنا هذا." لا ينبغي للمرء أن يعتاد على التفكير في الأحزمة الناسفة عندما يتعلق الأمر بالإسلام. "وفي هذا السياق هُناك الكثير من الارتباط الذي يُمكنه أن يُساعدنا". لقد دأب هاسه على متابعة أوجه التشابه بين الشرق والغرب لأكثر من ٢٠ سنة.

تأثير العلوم العربية:

كان للعالم العربي تأثيرًا إيجابياً على أوروبا ولدى نيكولاس هاسه أمثلة عديدة في متناول اليد تتحدث عن التأثير الخصب للشرق على الغرب. يبدأ هذا التأثير باللُغة فبدون ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية ، قد لا تكون الثقافة والعلوم ومستويات المعيشة في أوروبا قد تطورت بشكل إيجابي.

رُبما اليوم يتم نسيان مُصطلحات عربية الأصل شائعة في أوروبا من قبيل أريكة أو مطرح أو دورق أو كوب. ويضيف هاسه: " لقد جَلَبَ المُترجمون والصليبيون من العالم العربي مستوى المعيشة ونمط الحياة المتطور إلى أوروبا". وتشمل الأمثلة الأخرى الصيدلة وعلم الفلك (" ٧٠ في المائة من اسماء العلماء اللامعين البالغ عددهم ٢٥٠ هم عرب") ، وكذلك وصفات الأدوية ، وبالطبع الرياضيات. "لقد أثر العالم العربي على أوروبا في جميع مجالاتِ العلوم تقريبًا. من حيث محو الأمية والثقافة المكتوبة، وكان الغرب أشبه بالدولة النامية مُقارنة بالشرق".

العُلوم العربية في عصر النهضة:

في عصر النهضة ، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، توجهت الفنون والثقافة بشكل متزايد نحو العصور اليونانية والرومانية. وفي نفس الوقت ، فإن عصر النهضة يمثل نقطة تحول في العلاقات الأوروبية العربية. البروفيسور داغ نيكولاوس هاسه من جامعة فورتسبورغ يكشف النقاب عن ذلك في كتابه (النجاح والإنكار). يفترض البحث في كثير من الأحيان أن الناس في عصر النهضة ليس لديهم اهتمام كبير بعلم وفلسفة العرب. لكن  هاسه يوضح في كتابه بأن الحقيقة تبدوا مختلفة.

لقد وصلت العلوم العربية مثل علم الصيدلة أو التنجيم أو النظرية الفكرية إلى ذروة تأثيرها في عصر النهضة. خلال هذه الفترة ، حدثت طفرة في الترجمات اللاتينية الجديدة والطبعات الجديدة للأعمال العربية ، على سبيل المثال قانون ابن سينا للطب أو تعليقات ابن رشد على المنطق الأرسطي. بالإضافة إلى ذلك ، اعتمد العديد من علماء عصر النهضة أفكارًا عربية في مجالات الطب وعلم التنجيم والفلسفة. كما دافعوا عن هذه الأفكار ضد النقاد.

الاستئصال المُتَعمَد للجذور العربية في أوروبا:

يقول هاسه: "من ناحية أُخرى ، بدأ الناس ينسون الجذور العربية للثقافة الأوروبية بل ويقمعونها عمداً". بمفهوم الإنسانوية الفلسفية المتطرفة، وقد تم استبدال المؤلفين العرب في مناهج الجامعات الأوروبية على وجه التحديد بالمراجع اليونانية. وقد رافق الجدل الحاد هذه العملية. لقد اتُهِمَ العُلماء العرب بظلم بأنهم أعداء للدين وسراق للمؤلفات ومزورين للُغة. لكن هذا الجدل لم يكن مُجرد جدل أيديولوجي: فقد كان الإنسانيون خُبراء في اللغة ، وعلى هذا النحو استطاعوا للمرة الأولى إظهار عجز في النصوص العلمية العربية. ولكن تلك الأخطاء كانت بسبب أخطاء في الترجمة والإرسال.

ويوضح الأستاذ في فورتسبورغ في كتابهِ ( النجاح والإنكار) كيف أدى مزيج من الدوافع الإيديولوجية والعلمية إلى اختفاء بعض التقاليد العربية تقريبًا في الثقافة الأوروبية ، في حين استمر البعض الآخر في الازدهار. على سبيل المثال، هوجمت نظرية ابن رشد الفكرية باعتبارها معادية للدين وليست يونانية، لكنها استمرت في إيجاد مؤيدين حُكماء.وبداية من منتصف القرن السادس عشر تم استبدالها بالنظريات الفلسفية المُتنافسة.

إلى جانب ما تقدم من معلومات أنقل هنا ترجمة حوار مع المؤرخ أ.د. داغ نيكولاس هاسه والذي يتحدث فيه عن العلوم العربية وسعي علماء أوروبا  آنذاك إلى استبدال الأفكار العربية في العالم الغربي.

حاوره سيباستيان كيرشنر:

(عندما نسيت أوروبا جذورها)

سيياستيان كيرشنر: السيد هاسه، من أين تأتي ذروة التقاليد العربية في عصر النهضة؟

داغ نيكولاوس هاسه: يرجع ذلك أساسًا إلى ازدهارِ الجامعات العديدة في أوروبا. هناك، ظهرت أسماء العديد من المؤلفين العرب في الترجمات اللاتينية، مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة.

سيياستيان كيرشنر: هل يُمكِنك توضيح ذلك؟

داغ نيكولاوس هاسه: في عصر النهضة، على سبيل المثال، كان الاهتمام بعلم التنجيم هائلاً: فقد سعى الباباوات والملوك والمواطنون والفلاحون إلى الحصول على المشورةِ الفلكية. عيّنت العديد من الجامعات أستاذًا ليقدم الشروحات عن الأبراج السنوية. وقد تولى هذا الدور مُنجم المدينة. كانت أعمال المُنجمين العرب بمثابة الأدب المرجعي آنذاك. وقد ارتبط الازدهار بحقل الطب، ومن بين أمور أخرى، بعلم النبات والصيدلة: فقد اكتشف العرب العديد من النباتات الطبية وكانوا سادة نظام الوصفات، أي العلاجات الخليطة.

سيياستيان كيرشنر: لماذا إذن تم قمع هذه المعرفة في أوروبا؟

داغ نيكولاوس هاسه: دعا الإنسانيون إلى العودة إلى العصور القديمة. وهذا ما يُبرر ذلك إلى حد ما، لأنهم أدركوا أوجه القُصور في النصوص العربية: فالعِلم كان آنذاك مرتبطاً ببعض الشخصيات الأساسية. ولكن إذا تمت ترجمة أعمال بطليموس أو أرسطو عن اليونانية إلى السريانية، ثم إلى العربية ومن هناك إلى اللاتينية، فستفقد الكثير من قيمتها حتماً. لذلك دعا الإنسانيون إلى "العودة إلى المصادر الأصلية ".

سيياستيان كيرشنر: هذا يبدو في الواقع إيجابيًا جدًا.

داغ نيكولاوس هاسه: بالتأكيد. ولكن توطد هذا الموقف بين الإنسانيين المتطرفين وتحول إلى أيديولوجية. لقد وضعوا جميع العُلماء العرب معاً في وعاء واحد.

سيياستيان كيرشنر: كيف أثر ذلك؟

داغ نيكولاوس هاسه: في بعضِ المجالات كان هذا الشق دراماتيكياً. في الطب، اختفت المراجع العربية من المناهج الدراسية في العديد من الجامعات الأوروبية في بداية القرن السادس عشر ومعها العديد من التطورات في الطب العربي وطب العصور الوسطى.

سيياستيان كيرشنر: هل تم الدفاع ضد هذا التوجه ؟

داغ نيكولاوس هاسه: بالطبع. ولم يقاوم أنصار العلوم العربية هذه الأفكار المُتطرفة فحسب، بل أيضاً الإنسانيون المعتدلون. والصيادلة لم يرغبوا في العملِ من دون الأدوية العربية. في نهاية القرن السادس عشر، عاد المؤلفون العرب إلى المناهج الدراسية. لذا فإن الأفكار الراديكالية لم تسود تماماً، ولكن أوروبا فقدت بعض المعرفة نتيجة لذلك.

سيياستيان كيرشنر: إلى أي مدى يلمس المرء ذلك وصولًا إلى يومنا هذا؟

داغ نيكولاوس هاسه: على سبيل المثال، اختفى أفيروس (ابن رشد) تماماً تقريباً من ذاكرتنا الثقافية على الرغم من أنه، مثل العديد من العُلماء العرب الآخرين، كان جزءاً من الثقافةِ الأُوروبية لنحو 400 عام. من كان سيعرف (أبن سينا) لولا فيلم الطبيب " Der Medicus"؟. كلا العالمان كانا من الأسماء الشهيرة في ذلك الوقت مثل شهرة كانط أو رونتنغن اليوم. حتى بدون الدراسات ذات الصلة، كان كل أكاديمي في عصر النهضة يعرف هذه الأسماء العربية.

سيياستيان كيرشنر: لماذا هذا المُشترك بالغ الأهمية ؟

داغ نيكولاوس هاسه: أوروبا لا تتكون فقط من التقاليد المسيحية واليونانية. يجب ألا ننسى أننا نتقاسم ماضياً مشتركاً مع العالم الإسلامي.

 

.......................

مصادر:

1-

https://www.bayerische-staatszeitung.de/staatszeitung/leben-in-bayern/detailansicht-leben-in-bayern/artikel/ohne-die-arabische-welt-waere-europa-heute-anders.html#topPosition

2-https://www.uniwuerzburg.de/aktuelles/pressemitteilungen/single/news/als-europa-sich-von-den-arabern-abwandte-1/

3-

https://www.g-geschichte.de/plus/als-europa-seine-wurzeln-vergass

 

جواد بشارةهل توسع الكون متسق حقا؟

أحد أعمدة نموذج الانفجار الكبير هو أنه، وعلى نطاق واسع، يتمتع الكون بنفس الخصائص وفي جميع الاتجاهات. هناك تحليل حديث ينعش الجدل حول صلابة هذه الفرضية. في نموذج الانفجار العظيم، قام علماء الكون بافتراضين أساسيين: الكون متجانس ومتساوي الخواص على نطاق واسع. وهذا يعني أن منطقتين من الكون يتم التقاطهما عشوائياً متكافئان في النطاق الكوني وأن الكون يبدو متشابهًا بغض النظر عن الاتجاه الذي يتم مشاهدته فيه. علاوة على ذلك، فإن هذه الأفكار الطبيعية مدعومة بشكل جيد إلى حد ما بالملاحظات والمشاهدات الرصدية. ومع ذلك، لا يخلو نموذج الانفجار الكبير من العيوب، وقد اقترح الباحثون في بعض الأحيان إلغاء أحد هذين الافتراضين أو كليهما. في العمل الأخير، درس كونستانتينوس ميغكاس من جامعة بون وزملاؤه مجموعات المجرات باستخدام البيانات التي جمعتها تلسكوبات الفضاء شاندرا التابعة لناسا وXMM-Newton من وكالة الفضاء الأوروبية. وقد لاحظوا دلائل تقوض من خواص الكون.

عندما ننظر إلى سماء الليل الصافية، نرى أن النجوم ليست موزعة بالتساوي في السماء، خاصةً بسبب وجود درب التبانة الذي نراه عند الحافة. ولكن ماذا عن نطاق أوسع؟ إذا نظرنا إلى توزيع المجرات، يمكننا أن نرى أنها متجمعة في مجموعات حشود وعناقيد. لذلك هناك مناطق غنية بالمواد وأخرى فارغة تقريبًا. ولكن على نطاق أكبر، على المقاييس الكونية، يبدو الكون، من ناحية أخرى، متجانساً ومتناحيًا، يشبه إلى حد ما عندما ينتقل المرء بعيدًا عن طاولة التنقيط وتندمج كل نقطة من الألوان في صورة عامة موحدة. التجانس والتوازي من المبادئ الأساسية والضرورية لنموذج الانفجار الكبير. يجعل عمل هذه الافتراضات من الممكن استخدام وصف رياضياتي بسيط إلى حد ما غني بالتناظر (في هذه الحالة مقياس فريدمان-لوميتر- روبرتسون - ووكر). تم بناء نموذج الانفجار الكبير على التنبؤات النظرية لألكسندر فريدمان وجورج لوميتر في سياق النسبية العامة والملاحظات الأولى لإدوين هابل. أظهر هذا العمل أن الكون يتوسع. ولد الكون من حالة كثيفة جدًا وساخنة جدًا توسعت منذ ذلك الحين. غالبًا ما تكون الصورة المستخدمة لتوضيح هذا التوسع هي صورة كعكة العنب المخبوزة. عندما تنتفخ العجينة المتجانسة، تتحرك حبيبات الزبيب بعيدًا عن بعضها بنفس المعدل. لا توجد منطقة رائعة أكثر من أي منطقة أخرى في العجين (إذا تجاهلنا حواف القالب!)، وفي المتوسط ، حول أي نقطة في العجين، تكون جميع الاتجاهات متساوية. هذه هي الطريقة التي تبتعد بها مجرات الكون عن بعضها البعض ليس بسبب سرعتها الخاصة، ولكن من خلال التمدد البسيط للفضاء الذي يفصل بينها. نحن نتحدث عن سرعة الركود.

تم إثراء هذه الرؤية في عام 1998. من خلال دراسة انفجارات معينة للنجوم سوبرنوفا أو المستعر الكبير من النوع Ia- supernovæ، التي قام بها فريق سول بيرلموتر Saul Perlmutter، من ناحية، وفريق آدم رايز Adam Riess وبريان شميت Brian Schmidt من ناحية أخرى، أظهرت أن تمدد الكون يتسارع منذ حوالي 7 مليار سنة. كان لهذه النتيجة تأثير مدوي - حصل علماء الفيزياء الفلكية الثلاثة على جائزة نوبل في الفيزياء في عام 2011 - لأن علماء الكون في ذلك الوقت اعتقدوا أن التوسع يجب أن يتباطأ تحت تأثير قوة الجاذبية للمادة الواردة في الكون. المرصود كان انتفاخ الكعكة، بدلاً من انكماشها في نهاية الخبز، وبصورة أسرع فأسرع! ولتفسير هذا التوسع المتسارع للكون، افترض علماء الفيزياء أنه يحتوي على كمية كبيرة من "الطاقة المظلمة". الطبيعة الدقيقة أو الماهية الحقيقية لهذه الأخيرة غير معروفة وموضوع بحث مكثف لأنها ماتزال تشكل لغزاً كونياً.

إن نموذج الانفجار العظيم الذي تم تعديله بإضافة الطاقة المظلمة أو المعتمة لم يشكك في تجانس الكون وتماثله: يبدو التوسع المتسارع متطابقًا في جميع الاتجاهات. يبدو أن حملات المراقبة المنهجية للسماء التي جعلت من الممكن تحليل الهياكل الرئيسية للكون وتوزيع المادة، تؤكد هذه الفرضيات على أكبر المقاييس.

دحض التجانس:

ومع ذلك، في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اقترح توماس بوخيرت، في مدرسة ليون للدراسات العلياÉcole normale supérieure de Lyon، فكرة جريئة. إذا أخذنا في الاعتبار عدم الخطية لمعادلات النسبية العامة، يمكن أن يكون للمتغايرات في حجم المجرات وعناوين المجرات تأثير على سلوك الكون، ولا سيما على سرعته، وعلى توسعه. من الصعب جدًا إجراء هذه الحسابات. ومع ذلك، تشير بعض النتائج الجزئية إلى أن ما يسمى بتأثير "التغذية المرتدة" يمكن أن يجعل من الضروري إضافة طاقة مظلمة! من المتوقع أن يقدم التلسكوب الفضائي إقليدس المستقبلي معلومات قيمة بخصوص هذا التأثير في مجال علم الكونيات غير المتجانسة.

يبرز هذا النهج أن الكون المتجانس فقط على نطاق واسع جدًا يتصرف بشكل مختلف عن الكون المتجانس تمامًا. لذلك يبدو من المعقول أن نسأل ما إذا كان الكون متجانسًا حقًا على أكبر المقاييس. يستكشف بعض علماء الكون هذا المسار على سبيل المثال بافتراض أن مجرة درب التبانة ستكون مغمورة في "فقاعة هابل"، وهي منطقة شاسعة يبلغ قطرها عدة مئات الملايين من السنوات الضوئية حيث متوسط الكثافة أقل مما في الخارج. تشرح هذه الفرضية ببساطة الانطباع بأن تمدد الكون يتسارع.

إذا لم يكن الكون متجانسًا كما اعتقدنا، فسيكون له تأثير على فرضية تساوي الخواص. أرادت عدة فرق اختبار هذا الأخير. ولكن إذا بدا أن بعض الأعمال تؤكد الخواص، فإن البعض الآخر لا يؤكد بالإيجاب. على سبيل المثال، كتقريب أول، فإن الخلفية الكونية الميكروية، والإشعاع الأحفوري المنبعث منها، عندما كان عمر الكون 380،000 سنة فقط، متطابقة في جميع اتجاهات السماء، مع درجة حرارة 2.7 كلفن. ومع ذلك، تظهر الخلفية المنتشرة تقلبات صغيرة (حوالي 10-5 درجات) حول متوسط درجة الحرارة. هذه التقلبات غنية بالمعلومات. وهي مرتبطة بالموجات الصوتية التي تنتشر في البلازما التي تملأ الكون في وقت انبعاث الإشعاع. تأتي فوتونات الميكروويف الكونية الخلفية الأكثر دفئًا قليلاً من مناطق أكثر كثافة قليلاً، والعكس صحيح. وقد وضعت الأقمار الصناعية أو التلسكوبات الفضائية دبليو ماب WMAP ثم بلانك Planck خريطة دقيقة لهذه التقلبات. كان توزيعها بشكل جيد نسبيًا في السماء، كما أن توزيعها الإحصائي مفهوم جيدًا إلى حد ما. ومع ذلك، فإن منطقة كبيرة بشكل استثنائي من هذه الخريطة، في اتجاه كوكبة Eridan، في نصف الكرة الجنوبي، تكون باردة بشكل غير عادي. سينتج عن وجود منطقة كبيرة جدا فقيرة في المواد. تشير هذه الملاحظة إلى أن التوازي قد لا يتم ملاحظته حتى على أكبر المقاييس.

وهناك دراسات مستفيضة لنتائج تلسكوب الفضائي بلانك لاستكشاف بدايات الكون المرئي من خلال دراسة وتحليل دقيق للخلفية الكونية للميكروويف والتي هي أداة قوية للغاية لفحص خصائص الكون. ولكن من الصعب للغاية استخراج المعلومات التي تعتمد على اتجاهات محددة، كما أنها تعتمد بشكل حاسم على معايير النموذج الكوني المستخدم. قام علماء الفيزياء الفلكية أيضًا بفحص تساوي خواص الكون باستخدام المستعرات العظمى لاختبار ما إذا كانت العلاقة بين المسافة وسرعة الركود في المجرات هي نفسها في جميع الاتجاهات. لكن الاستنتاجات ليست واضحة: بعض الفرق البحثية تلاحظ انحرافًا عن الخواص، والبعض الآخر لا يلاحظ ذلك. ينبغي القيام بقياس درجة حرارة مجموعات المجرات لمعرفة المزيد، لذلك اقترح كونستانتينوس ميغكاس وتوماس ريبريتش من جامعة بون في 2018 تقنية جديدة مستقلة تمامًا. كانوا مهتمين بالغاز الساخن في عناقيد المجرات. تكمن الفكرة في استخدام العلاقة بين درجة حرارة مجموعة من المجرات وإشراقها بالأشعة السينية، وصيغة بسيطة إلى حد ما تربط هاتين الكميتين. ميزة هذا النهج هو أنه يمكن تحديد درجة الحرارة بشكل مستقل عن أي فرضية كونية، على عكس السطوع. لذلك من الممكن استغلال العلاقة التي تربط بين الكميتين لمعرفة ما إذا كانت متطابقة في جميع اتجاهات السماء. قام كونستانتينوس ميغاس ، وتوماس ريبريتش وزملاؤهم بتنفيذ هذه الفكرة من خلال كتالوغ يضم 313 مجموعة من المجرات (237 تم تحليلها بواسطة Chandra و 76 بواسطة XMM-Newton). ووجدوا أن النتيجة تعتمد بشدة على اتجاه السماء المرصود! وبعبارة أخرى، في منطقة معينة من السماء، تبدو العناقيد المجرية باهتة أكثر مما يجب أن تعتمد على درجة حرارتها.

اعتبرت هذه التدابير مع ذلك حساسة. وقال فلوريان باكود من جامعة بون، الذي شارك في الدراسة: "إن درجة الحرارة التي يتم قياسها بواسطة التحليل الطيفي بالأشعة السينية تعتمد على تكوين الغاز (المعدني)". تؤثر هذه التركيبة على الانبعاث الكلي للكتلة، ولكن لا يمكن تقييدها تمامًا بالملاحظات. لذلك استخدمنا الافتراضات التي يمكن أن تؤثر على النتائج. لكن من غير المحتمل أن تختلف الانحرافات عن هذه الافتراضات بشكل منهجي من منطقة كبيرة من السماء إلى أخرى، "حسب هذا العالم الفيزيائي الفلكي.

العامل الحساس الثاني الذي يجب أخذه في الاعتبار هو امتصاص الأشعة السينية المنبعثة من مجموعات المجرات بواسطة الوسط النجمي عندما تعبر درب التبانة. يقول فلوريان باكود: "لذلك يجب علينا تصحيح هذا الامتصاص". ولهذا، نستخدم كثافة الهيدروجين كمتتبع (لأنه سهل القياس)، بينما الامتصاص يأتي عمليًا من العناصر الأثقل (الذرات الثقيلة و "الغبار"). يمكن أن يؤدي خطأ في نمذجة امتصاص المجرة إلى تأثير متباين خادع. أشار آدم ريس، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة جونز هوبكنز، إلى أن المنطقة المحددة التي حددها كونستانتينوس ميغكاس قريبة من أكثر المناطق غموضا في مجرة درب التبانة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن مستوى المجرة يغطي ما يقرب من ثلث السماء، وبالتالي ليس من المستغرب أن يقع اتجاه عشوائي مسبق بالقرب من مستوى المجرة. إن اتجاه الجاذب العظيم (الذي يتم توجيه مجموعات المجرات المحلية نحوه، وبسبب الهياكل الضخمة جدًا في اتجاه الكتلة الشابلي الفائقة) قريب أيضًا من ذروة إشارة فريق كونستانتينوس ميغكاس. سيكون هذا متسقًا إذا افترضنا أن الهياكل المحلية الكبيرة هي أصل هذا التباين.

للتأكد من حقيقة التأثير الذي لاحظوه، حلل فلوريان باكود وزملاؤه كتالوجًا أكبر من المجموعات (تم النظر في 842 بنية). وكان الاستنتاج: استمرت المنطقة غير الطبيعية. ستسهل رؤية البيانات من القمر الصناعي اقليدس Euclid المستقبلي، ولكن أيضًا من إي روزيتا EROSITA، مرصد الأشعة السينية، والذي يعمل منذ بضعة أشهر. ولكن إذا تم تأكيد تباين الخواص، فإن النتيجة المباشرة هي أنه لا بد من أخذها بعين الاعتبار في دراسة مجموعات المجرات تحت طائلة ارتكاب أخطاء التفسير. يبقى أن نفهم مصدر هذا التباين. يستشهد الباحثون بتفسيرين محتملين، أحدهما يتعلق بالحركات المناسبة للمجموعات والآخر بطبيعة الطاقة المظلمة المسؤولة عن التوسع المتسارع للكون.

محليًا، لا تتحرك المجرات بالضرورة بعيدًا عن بعضها بعد توسع الكون. في الواقع، ترتبط المجرات المجاورة بالجاذبية، والتي يمكن أن تبطئ سرعة النزوح، أو حتى تقربها. هذه هي حالة مجرة المرأة المتسلسلة أندروميدا، التي ستصطدم بدرب التبانة بعد أربع مليارات سنة. وفقًا لعلماء الفلك الذين يدرسون هذه الظواهر، يجب أن ننظر إلى المجرات التي تتجاوز 850 مليون سنة ضوئية حتى نتمكن من تجاهل تفاعلات الجاذبية التي تشوه قياسات سرعة التوسع الكوني.

ولكن على نطاق مجموعات المجرات - في دراسة فلوريان باكود وزملائه، فإن المسافات التي تم النظر فيها هي في حدود 2 مليار سنة ضوئية (بعضها يصل إلى ما يقرب من 5 مليارات سنوات ضوئية) -، يجب أن تهيمن الديناميكيات الكونية إلى حد كبير. الاحتمال الآخر هو طبيعة الطاقة المظلمة. ربما سلوكها ليس هو نفسه في كل مكان في الكون. عندما أكثر كثافة في مناطق معينة، فإنه سيسرع التوسع هناك. ما يعادل عجينة حيث يتم خلط الخميرة بشكل غير صحيح وسيتضخم جزء من الكعكة بشكل أسرع من الآخر ...

أزمة هابل المستمرة الكونية:

كانت سرعة تمدد الكون موضوعًا لمقياسين بنتائج غير متوافقة. والثالث زاد من تعقيد الوضع. تبدو كل منها موثوقة. أين الخطأ؟

وبحلول نهاية القرن العشرين، شعر علماء الكون أنهم بنوا نموذجًا شبه كامل لوصف الكون. بالتأكيد، بقيت بعض الألغاز. بالطبع، استدعى النموذج المفاهيم التي لا يزال يتعين دراستها بالتفصيل. ولكن بشكل عام، يبدو أن هذا الإطار يقدم كلًا متيناً ومتماسكًا: سيحتوي الكون على حوالي ثلثي "الطاقة المظلمة" (ذات طبيعة لا تزال غير معروفة، ولكن من شأنها أن تفسر التوسع المتسارع للكون)، ربع "المادة المظلمة" (غير معروفة أيضًا في الطبيعة، ولكنها تفسر تطور الهياكل الكونية مثل المجرات وعناقيد المجرات)، و4 إلى 5 ٪ من المادة "العادية" (التي تتكون الكائنات الحية منها، كائنات مثلنا ومثل الكواكب والنجوم وما إلى ذلك). هل تميل جميع الملاحظات إلى تأكيد هذه الرؤية للعالم. كلها؟ كلا…

كان هناك اختلاف في السنوات الأخيرة، بين نتائج طريقتين مختلفتين لقياس سرعة تمدد الكون، وهي معلمة تسمى "ثابت هابل" وتشير إلى H0. المقاربات التي تبدأ من الملاحظات في الكون الحالي والعودة بالزمن إلى الأعمار البعيدة تعطي بعض القيمة؛ والتقنيات بخصوص الكون الفتي للعودة اليوم، تعطي قيم آخري. هناك فرق صغير، ولكن لا يمكن التوفيق بينها.

للوهلة الأولى، يبدو الفرق بين القيمتين ضئيلًا: 67.4 و74.0 كيلومترًا على التوالي لكل ميغابارسيك (1 ميغابارسيك يقابل 3.26 مليون سنة ضوئية). هذا يعني أنه في كل اتجاه، على مسافة 1 ميغا باسكار، يمتد الكون حوالي 70 كيلومترًا في الثانية. بالمقارنة مع مقاييس الزمكان للكون، تصبح الفجوة بين القياسين ذات أهمية كونية حاسمة. بفضل هذه المعلمة، استنتج علماء الكون تطور الكون إلى الماضي واستنتاج عمره، حوالي 13.8 مليار سنة. يستخدمونه أيضًا لإبراز أنفسهم في المستقبل وتحديد متى ستصبح المساحة بين المجرات شاسعة لدرجة أن الكون حول المنطقة المجاورة مباشرة لدرب التبانة سيبدو فارغًا تمامًا. ويأمل الباحثون أيضًا، من خلال قياس دقيق لثابت هابل، لتوضيح طبيعة الطاقة المظلمة.

على الرغم من جهود العلماء، تستمر الاستراتيجيتان لقياس ثابت هابل في تقديم قيم مختلفة. هذا ليس من غير المألوف في العلم. ولكن بشكل عام، يكفي التحليل الدقيق لإزالة التعارضات. على مدى السنوات العشر الماضية، افترض علماء الكون أن الشيء نفسه ينطبق على ثابت هابل. لكن الخلاف استمر، وقبل كل شيء ازداد سوءًا. وقد عززت الإجراءات المتتالية من قبل كل منهما فقط الفجوة بين النتيجتين. ما هو أكثر من ذلك، أن الفرق البحثية الأخرى التي اتبعت مناهج مستقلة قد عقدت الوضع. اليوم، يتفق علماء الكونيات على نقطة واحدة وهي: لدينا مشكلة! أين تم إخفاء الخطأ؟ هل انزلق في مكان ما في التدابير أو في تفسيرهم؟ يعمل الباحثون على ذلك، لكن هذه المسارات تبدو غير مرجحة. هذا يترك خيارًا أخيرًا واحدًا، تمامًا كما هو غير مرجح ولكن يتم النظر فيه بشكل متزايد: سيقع الخطأ في النموذج القياسي أو المعياري لعلم الكونيات.

بالنسبة لكثير من تاريخ البشرية، كانت "دراسة" أصول العالم مسألة خرافات وأساطير، مثل "في البداية كان الكون مستنداً على ظهر سلحفاة الخ...". لم يكن حتى عام 1925 وارداً إدراج هذه الأسئلة الأساسية والجوهرية العظيمة عن الأصل والمآل في عالم البحث التجريبي. أن العالَم الفلكي الأمريكي إدوين هابل قد حل للتو لغزًا عمره قرون حول طبيعة البقع الضبابية في السماء - والتي أطلق عليها علماء الفلك السدم. هل كانت هذه السدم غيوم الغاز بين النجوم؟ أم كانت هذه السدم نوعًا من "الكون- الجزيرة"، وراء النجوم؟ بفضل ملاحظاته، أظهر هابل أن إحدى السدم أبعد بكثير من النجوم المرئية: نحن نعيش في عالم جزيرة، والمقصود بها مجرة درب التبانة، والسديم المعني هو مجرة مجاورة، مجرة أندروميدا. استمر هابل في إزعاج النظرة العالمية لمعاصريه. من خلال تحليل الضوء القادم من العديد من هذه السدم الشهيرة، وجد أن طيفها الكهرومغناطيسي امتد إلى أطوال موجية طويلة. نتحدث عن التحول الأحمر (اللون المقابل لأطول الأطوال الموجية في الطيف المرئي). يتم تفسير هذه الظاهرة من خلال تأثير دوبلر: يتم تحويل الموجات المنبعثة من مصدر في التردد (أو طول الموجة) عندما يتحرك هذا المصدر بالنسبة للمراقب. وبالتالي، تشير نتيجة هابل إلى أن السدم كانت تتحرك بعيدًا عن الأرض وبعيداً عن درب التبانة. في عام 1927، لاحظ الفيزيائي البلجيكي والراهب الكنسي جورج لوميتر أنه إذا كان الكون يتوسع، فيجب ملاحظة أنه كلما زادت مسافة المجرة، كلما كان التحول نحو الأحمر من الضوء أمرًا مهمًا. وبالتالي، كلما كانت أبعد، كلما ابتعدت المجرات بسرعة أكبر. في عام 1929، من خلال تراكم المزيد من الحسابات والقياسات، توصل هابل إلى نفس النتيجة: الكون يتوسع.

تساءل الفيزيائيون على الفور عما سيحدث إذا عدنا بالزمن ونظرنا للوراء إلى هذا التوسع. ستقترب المجرات من بعضها البعض، وستشكل حالة كثيفة جدًا سميت بالفرادة الكونية حيث سيولد الكون. بسرعة كبيرة، اقترح بعض المنظرين أن هذه الفرادة كانت ستميز ولادة المكان والزمان، وهي ظاهرة ستأخذ فيما بعد اسم الانفجار العظيم. كان الهدف من هذا الاسم في البداية أن يكون انتقاصًا، لأن الفكرة بدت خيالية جدًا. لعدة عقود، في غياب أدلة تجريبية، لم يتمكن الفيزيائيون من دعم هذه النظرية بقوة.

تغير الوضع في عام 1965 عندما وجه أرنو بنزياس Penzias وروبرت ويلسون من مختبرات بيل، هوائي الراديو الخاص بهم إلى السماء. لقد التقطوا إشعاعًا متجانسًا من جميع الاتجاهات. ولكن منذ عام 1948، اعتبر الفيزيائيون مثل رالف ألفر وروبرت هيرمان وآخرون أنه إذا كان الكون قد خرج من حالة بدائية كثيفة وساخنة جدًا، لكان قد تبرد أثناء توسعه وكان سينبعث ضوءًا مميزًا في شبابه. لقد حسبوا نظريًا أن درجة الحرارة المرتبطة بهذا الإشعاع ستكون بضع درجات فوق الصفر المطلق. ومع ذلك، مع قياس حوالي 3 كلفن، قدم بنزياس وويلسون أدلة كافية لإقناع علماء الكونيات وإيجاد توافق حول نموذج الانفجار الكبير.

في عام 1970، نشر عالم الفلك آلان سانديج ، أحد أقارب هابل ، مقالًا في مجلة الفيزياء اليوم كان له تأثير عميق على أبحاث علم الكونيات وكان بعنوان "علم الكونيات: البحث عن رقمين". الرقم الأول هو معدل التوسع الحالي للكون. الثاني، تسارع التوسع. في ذلك الوقت، كان يعتقد أن سرعة التمدد يجب أن تنخفض، والكون ممتلئ بالمادة التي تعمل بشكل جاذب على نفسها والتي تشكل بالتالي مكابح للتمدد. لذلك كنا نتحدث أكثر عن معلمة التباطؤ. تم قياس الرقم الثاني أولا. في أواخر الثمانينيات، شرع فريقان في تقديره باستخدام نفس الأدوات، ولكن بشكل مستقل: النوع السوبرنوفا نوع ل أ Ia supernovae، النجوم الضخمة التي تنفجر في نهاية حياتها والتي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية أنها تستخدم "الشموع". اساسي ". المبدأ هو نفسه عندما نعتبر لمبة 60 واط، والتي تبدو أقل سطوعًا إذا نظرنا إليها من مسافة أبعد: إذا علمنا أن المصباح لديه قوة 60 واط، فإننا قادرون على تحديد بعدها عن لمعانها الواضح.

إضاءة بالشموع القياسية:

يعرف علماء الكونيات كيفية تحديد السطوع الداخلي للنوع المستعر الأعظم من النوع Ia (ما يعادل "60 وات") وبالتالي يمكنهم استخدامها لقياس المسافات الكونية. ولكن إذا كانت سرعة التوسع قد انخفضت بمرور الوقت، كما اعتقد الفلكيون، فعند مسافات بعيدة، سيكون المستعر الأعظم أقل بعدًا وبالتالي يكون أكثر إشراقًا مما لو كان الكون قد تضخم بمعدل ثابت. ومع ذلك، وجد الفريقان العكس: كانت المستعرات الأعظم البعيدة أقل سطوعًا مما كان متوقعًا، وبالتالي كانت أبعد من المتوقع. في عام 1998، خلص الباحثون إلى أن توسع الكون يتسارع. مصدر هذا التسارع هو ما نسميه "الطاقة المظلمة" (أو "السوداء أو المعتمة") ، وهو مصطلح عام ومؤقت حتى نحدد طبيعته الحقيقية.

تم تقدير ثابت هابل، وهو أول رقم رملي قدمه سانديج Sandage، بدقة جيدة بعد ذلك بوقت قصير. وعلى مدى عدة عقود، كانت هذه المعلمة مصدر جدل ساخن بين علماء الفلك. زعم سانديج نفسه أن ثابت هابل H0 ستبلغ قيمته حوالي 50 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابارسيك ، وهي قيمة ستجعل عمر الكون حوالي 20 مليار سنة. انحنى الفلكيون الآخرون أكثر نحو ثابت هابل بالقرب من 100 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار ، أي عصر كوني يقارب 10 مليار سنة. مثل هذا الاختلاف كان محرجا. كان لابد من تقليل عدم اليقين هذا.

في عام 2001، استخدمت ويندي فريدمان من جامعة شيكاغو وزملاؤها تلسكوب هابل الفضائي لإجراء أول قياس موثوق لثابت هابل. في هذا المشروع، كانت الشموع القياسية عبارة عن نجوم سيفيد cepheid متغيرة، وهي نجوم يزداد سطوعها وينقص مع فترة تتعلق بإشراقها المطلق. بإيجاد قيمة وسيطة تبلغ 72 ± 8 كيلومتر في الثانية لكل ميغا باسكار، قرر هذا الفريق هذه القيمة التقديرية الوسطية في منتصف النقاش ووافق عليها الجميع.

بقي للحصول على قياس أكثر دقة. أطلق آدم ريس، الذي شارك في عام 2011 جائزة نوبل في الفيزياء لدوره في اكتشاف التوسع المتسارع للكون في عام 1998، مشروعًا فلكيًا بحتًا جديدًا، SH0ES (Supernovæ، H0، لمعادلة الطاقة المظلمة). استخدم هذا الفريق كلاً من السيفيد ونوع المستعر الأعظم من النوع Ia (بعض من أبعد مسافة تمت ملاحظتها على الإطلاق) كشموع قياسية. في عام 2005، حصل الفريق على نتيجة أولية بلغت 73 ± 4، وهي نتيجة قريبة جدًا من تلك التي حصل عليها الفريق في عام 2001، ولكن مع انخفاض مجال الخطأ. منذ ذلك الحين، أصدر تعاون SH0ES العديد من التحديثات، مما أدى إلى تحسين أوجه عدم اليقين. أحدثها، في عام 2019، أبلغ عن ثابت هابل البالغ 74.03 ± 1.42 كيلومترًا في الثانية لكل ميغابكسل.

في الطريقة التي اتبعها آدم ريس وآخرون، نبدأ بقياسات على الأجسام القريبة ونستخدم هذه البيانات لمعايرة الشموع القياسية أبعد وأبعد. كما استخدم الباحثون النهج العكسي على مدار العشرين عامًا الماضية. يبدأون من الكون الصغير ويعودون إلى اليوم. نقطة انطلاقهم ليست سوى الخلفية الإشعاعية الميكروية الكونية التي لاحظها ويلسون وبينزياس لأول مرة في عام 1965. إشعاع الخلفية انبعث من الكون عندما كان عمره 379000 سنة فقط. في ذلك الوقت، أصبحت بلازما البروتونات والإلكترونات الحرة التي تملأ الكون باردة بما يكفي لتشكيل ذرات الهيدروجين المحايدة هناك. ثم أصبحت البلازما شفافة، مما سمح للفوتونات بالسفر عبر الكون والوصول إلينا بعد 13.8 مليار سنة. في حين لاحظ ويلسون وبينزياس إشعاعًا موحدًا لدرجة الحرارة في جميع اتجاهات السماء، توقع المنظرون أنه باستخدام أدوات أكثر حساسية، سيكتشف الباحثون تقلبات درجة الحرارة. هذه تتوافق مع الكثافات الزائدة في البلازما البدائية، التي ولدت هياكل الكون: المجرات وعناقيد المجرات والمجموعات الفائقة للمجرات.

في عام 1992، اكتشف المسبار الفضائي الأول Cobe المخصص للبحث في خلفية الميكروية الإشعاعية الكونية، Cobe (مستكشف الخلفية الكونية)، هذه التقلبات في درجة الحرارة لأول مرة. ثم، في عام 2003، قام مسبار ويلكنسون (WMAP) بدراسة الأشعة الخلفية الميكروية المنتشر بتحسين الدقة. تمكن الباحثون بعد ذلك من تحليل الخصائص الإحصائية لهذه التقلبات وتحديد الظروف السائدة في البلازما البدائية. حددوا، على وجه الخصوص، حجم الموجات الصوتية التي انتشرت هناك والتي تسببت في مناطق الكثافة الزائدة. من خلال معرفة "سرعة الصوت"، حدد علماء الكون مقياسًا مرجعيًا بفضل "البقع" في الخلفية المنتشرة. ثم تم استخدام هذا المقياس المعياري لقياس توسع ونمو الهياكل الكبيرة حتى الآن. وتعطي هذه المقاييس معدل تمدد الكون الحالي، ثابت هابل. في عام 2003، قام تلسكوب WMAP الفضائي بقياسها الأول H0، 72 ± 5 كم في الثانية ولكل ميغا بارس. في أحسن الاحوال! كانت هذه القيمة متسقة مع قيمة تلسكوب هابل، مع ميزة شريط خطأ أصغر. لكن القياسات المتتالية لــ WMAP كشفت عن اتجاه نزولي مؤسف (70 في عام 2011). لم تكن هذه مشكلة بعد: لا تزال أوجه عدم اليقين في SH0ES وWMAP متداخلة حول 72 كم في الثانية ولكل ميغا.

بدأت الأزمة:

ولكن في عام 2013، تم تقليل مجالات الخطأ بشكل أكبر ولم تكد تلامس: كانت نتيجة SH0ES 74 ± 2 وWMAP 70 ± 2. لم يكن المناخ قلقًا بعد، والطريقتين لا تزالان متوافقتين مع قيمة حوالي 72. مع تحسين أساليب وتقنيات التحليل، توقعنا أن نرى القيم تتقارب. بعد ذلك، في عام 2014، أعلن خليفة WMAP الأكثر تطوراً، وهو مرصد أو تلسكوب Planck بلانك الفضائي، عن أول تقدير لثابت هابل: 67.4 ± 1.4. لم تعد هناك شكوك متداخلة، بل كانت الفجوة واضحة. وأكدت نتائج بلانك التالية هذه النتيجة فقط. الأسوأ من ذلك، انخفض مجال الخطأ إلى 1، ثم في عام 2018 كان 0.5 فقط. في المصطلحات العلمية، نتحدث عن "التوتر" لوصف هذا النوع من الحالات حيث لا يمكن التوفيق بين إجراءين. مؤتمر تحت التوتر: كان عنوان مؤتمر في معهد كافلي للفيزياء النظرية في سانتا باربارا، كاليفورنيا، في صيف عام 2019: "التوترات بين الكون الفتي والكون الحالي". كان آدم ريس أول من قدم نتائجه. في نهاية محاضرته، لجأ إلى ديفيد غروس، المتخصص في فيزياء الجسيمات وأيضًا الفائز بجائزة نوبل، إلى السجال وسأله عن رأيه: "هل لدينا توتر أم أن لدينا مشكلة؟ " رد ديفيد غروس بحذر أولًا على أن الفروق الدقيقة "تعسفية" بعض الشيء، قبل أن يضيف: "نعم، أعتقد أنه يمكننا التحدث عن مشكلة". بعد عشرين دقيقة، بعد جلسة الأسئلة والأجوبة، قام بتعديل ملاحظته: "في فيزياء الجسيمات، لم نكن نتحدث عن التوتر أو المشكلة، بل عن أزمة. واختتم آدم ريس المناقشة بهذه الكلمات: "زملائي، نحن في أزمة. "

هل تنشأ المشكلة من بناء "مقياس المسافة الكونية" من الشموع القياسية؟ مثل هذا السلم الذي يمتد أكثر فأكثر إلى ، قوي مثل كل خطوة من خطواته، الشموع القياسية. ليس من المستحيل إخفاء الأخطاء في هذا النهج.

خلال المؤتمر في معهد كافلي، نوقشت هذه النقطة باستفاضة. وخلال المؤتمر أيضاً، نشرت ويندي فريدمان وفريقها نتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج SH0ES باستخدام نوع آخر من الشموع القياسية: بعض النجوم الحمراء العملاقة. تتوهج هذه الأشياء أكثر وأكثر حتى تصل إلى الذروة عندما يبدأ هليوم قلبهم في الاندماج. يمكن استخدام "وميض الهيليوم" المشترك بين جميع عمالقة الأحمر كشمعة قياسية. مع هذا النهج، وصل فريق شيكاغو إلى قيمة في منتصف الطريق بين الفاصل الزمني الذي حددته الأزمة الحالية: 69 ± 0.8 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا بارس (قيمة لا تقدم استعادة الشكوك، لا مع SH0ES ولا مع Planck).

فكرة ويندي فريدمان Wendy Freedman هي أن السيفيد cepheids ليست شموعًا قياسية موثوقة جدًا. توجد هذه النجوم في مناطق كثيفة في النجوم وغالبًا غنية بالغبار. ومع ذلك، فإن الأخير، من خلال حجب جزء من ضوء النجوم، يعطي الانطباع بأنهم بعيدون أكثر مما هم عليه بالفعل. على العكس من ذلك، فإن العمالقة الحمراء هم نجوم قديمة تم العثور عليها إلى حد ما في ضواحي المجرة، في مناطق منخفضة الغبار.

بالنسبة لبعض المتخصصين في نهج المقياس عن بعد، كان تاريخ نشر مقال ويندي فريدمان بمثابة استفزاز، لأنه لم يمنحهم الوقت لتحليل الطريقة لتقديم إجابة مفصلة خلال المؤتمر.

جاء هذا الرد بعد ثلاثة أسابيع. الطريقة التي يستخدمها فريق Wendy's Freedman "تشكل شمعة قياسية واعدة لقياس المسافات خارج المجرة"، يبدأ مؤلفو المقالة بطريقة دبلوماسية للغاية قبل معالجة تحليل الأخطاء المنهجية بقوة. من وجهة نظرهم، كانت نتيجة ويندي فريدمان ملطخة بعدم اليقين. على وجه الخصوص، قام علماء الفلك بمعايرة عمالقتهم الحمر في سحابة ماجلانMagellanic الكبيرة، وهي مجرة صغيرة معروفة ببعدها ولكنها متربة للغاية. من خلال إعادة تفسير البيانات عن العمالقة الحمراء، وجد آدم ريس وزملاؤه اتفاقًا جيدًا مع بياناتهم الخاصة: لقد استنتجوا إن ثابت هابل يساوي 72.4 ± 1.9 كم في الثانية ولكل ميغا.

بالنسبة إلى Wendy Freedman، كان إعادة تفسير أسلوبها غير دقيق. مع فريقها، أخذت بعين الاعتبارآراء النقاد. وفي فبراير 2020، نشر هؤلاء الباحثون نتائج جديدة باستخدام أيضًا معايير العمالقة الحمراء في مجرتين أخريين، IC 1613 وLittle Magellanic Cloud كلود ما جلان الصغيرة، التي ليست متربة للغاية ولكن مسافاتها أقل شهرة. تحقق فريق ويندي فرييدمانWendy Freedman من أنهم قادرون على حساب تأثير الغبار بشكل صحيح ولديهم نتائج متسقة. ولكن بدلاً من الاقتراب من قيمة SH0ES، تنحرف قيمتها الجديدة لثابت هابل بشكل أكبر: 69.6 ± 1.9 كيلومتر في الثانية ولكل ميغا باسكار، على مرمى حجر من القيمة المعطاة بواسطة بلانك. يواصل آدم ريس وزملاؤه استكشاف الطريقة.

هذه التبادلات، التي تكون أحيانًا متحركة، بين علماء الفلك الذين يعتمدون على الشموع القياسية، يؤكد فيزيائيوا الجسيمات على فكرة أن المشكلة تنشأ في عدم اليقين في بناء المقياس الكوني للمسافات. ولكن كيف يمكن للمرء أن يؤكد أن تحليلات الخلفية الميكروية الكونية خالية من الأخطاء؟ يعتقد عدد قليل من علماء الفلك أن المشكلة تكمن في بيانات بلانك. يعتقد الفيزيائيون أيضًا أنهم وصلوا إلى الحد الأقصى للحساسية لمراصد الفضاء التي تدرس خلفية الميكروويف الكونية. والقياسات المستقلة عن الخلفية المنتشرة - باستخدام تلسكوب القطب الجنوبي (SPT) على سبيل المثال – والتي تؤكد متانة هذه القياسات. يستخدم الباحثون مجموعة متنوعة من الأساليب لتقدير معدل التوسع الحالي للكون. يستخدم علماء الكونيات الخلفية الميكروية الكونية أو التذبذبات الصوتية للباريونات (باللون الأزرق)؛ كما يستخدم الفلكيون الشموع القياسية ومؤشرات المسافة. تعتمد التقنيات المستقلة الأخرى على الكوازارات أو على موجات الجاذبية. لذلك، إذا لم يكن مصدر التوتر في ملاحظات الكون الصغير أو الحالي، فإن علماء الكون ليس لديهم حل آخر سوى النظر إلى المسار الثالث، وهو مسار "جديد ماديًا، أي قوى، أو ظواهر يخرج تفسيرها عن فهمنا الحالي للعالم. بدأ علماء الكونيات في التفكير في أفكار جذرية مفادها أن النموذج القياسي لعلم الكونيات ليس شاملاً كما اعتقدوا.

قد لا يكون نموذج علم الكونيات القياسي شاملاً كما كان يعتقد سابقًا يعتبر بمثابة نسف لأساس القياس في النموذج المعياري لعلم الكونيات. أحد العناصر التي يمكن أن تلعب في فهمنا للتوسع الكوني هو عدم اليقين بشأن محتوى الجسيمات للكون. بالنسبة لبعض العلماء، تذكرنا هذه الفكرة بـ "مشكلة النيوترينو الشمسي"، وهو شجار استمر عدة عقود على النيوترينوهات الإلكترونية، وهي جسيمات تنبعث من الشمس على وجه الخصوص. قام المنظرون بحساب تدفق معين من النيوترينو، وسجلت الكاشفات آخر. اشتبه الفيزيائيون في أن هذه أخطاء منهجية في الملاحظات. شكك علماء الفلك في النظرية التي تصف عمليات إنتاج النيوترينو في قلب الشمس. كما هو الحال مع ثابت هابل، يبدو أنه لا يوجد حل يظهر على أي من الجانبين. حتى نهاية الألفية اكتشف الباحثون أن للنيوترينات كتلة. من خلال أخذ هذه النتيجة في الاعتبار، فهم الفيزيائيون أن النيوترينوات "تتأرجح" من هوية إلى أخرى: يتم تحويل النيوترينوهات الإلكترونية دوريًا إلى أنواع أخرى من النيوترينوات التي لا تكون الكاشفات حساسة لها ولم تستطع رصدها. وفي تعديل مماثل، على سبيل المثال، مجموعة جديدة من النيوترينوات الموجودة في الكون الصغير، والتي من شأنها تعديل توزيع الطاقة والكتل في البلازما البدائية، سيصحح قيمة ثابت هابل.

مسار آخر يتعلق بالطاقة المظلمة. في النموذج القياسي لعلم الكون، تعتبر كثافة الطاقة المظلمة ثابتة. ولكن هذا ليس صحيحا بالضرورة. منذ ذلك الحين، قد يختلف تأثير هذا الشكل من الطاقة على تمدد الكون بمرور الوقت. وهي فكرة غير معقولة، لأن علماء الكون لا يعرفون الطبيعة الدقيقة لهذا المكون من الكون. لنترقب البيانات القادمة.

سيحصل الفلكيون على بيانات من مرصد غايا الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية خلال العامين المقبلين. يقيس مسافة أكثر من مليار نجم في درب التبانة بدقة لم يسبق لها مثيل. هذا سيثبت أن الباحثين يستخدمون القيم الصحيحة لمعايرة المستوى الأول من تركيبهم الكوني. إذا لم يكن الأمر كذلك، فستكون المشكلة هي وجود خطأ منهجي. وفي الوقت نفسه، يواصل المنظرون العمل على امتدادات جديدة لنموذج الانفجار الكبير Big Bang، على الرغم من عدم وجود أي نموذج منافس حتى الآن صمد للتدقيق بشكل أفضل من الإصدار القياسي.

لا يزال النموذج القياسي لعلم الكونيات أحد أعظم نجاحات العلم الحديث. في خمسين عامًا، تطور هذا الإطار، بدءًا من أفكار مضاربة غامضة لإعطاء أفكار معينة تقريبًا. قد لا تكون شاملة كما اعتقد علماء الكون قبل بضع سنوات فقط، ولكن لا يزال هناك مثال جيد لكيفية عمل العلم: يحصل الباحثون على نتائج يثقون بها، ويبحثون عن نتائج جديدة المسارات ومتابعة كل فكرة للمضي قدما.

 

د. جواد بشارة

..............................

Magellanic * الكبيرة هي مجرة قزمة مجاورة لدرب التبانة معروفة بعدها بدقة. يستخدم علماء الفلك النجوم الحمراء والسيفيدية هناك لمعايرة شموعهم القياسية.

 

حاتم حميد محسنمنذ ظهور كتاب دارون (أصل الانواع) عام 1859، جرت وبشكل موسّع مناقشة السؤال حول ما يقوله لنا التطور عن القضايا الاخلاقية. الدارونية الاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تعطي جوابا واحدا لهذا السؤال، اما فكرة المغالطة الطبيعية (للفيلسوف G.E.Moore عام 1903)، والنظريات الاخيرة من جانب البايولوجيين التطوريين امثال (ريتشارد الكسندر 1987، روبن دونبر 1996، ومات ردلي 1997) فانها عرضت أجوبة مختلفة جدا لهذا السؤال.

الدارونية الاجتماعية

كان هربرت سبنسر هو المؤلف الرئيسي للدارونية الاجتماعية وليس دارون، وقد طوّر هذه النظرية كنظرية اخلاقية وفلسفة سياسية. بعد ظهور (أصل الانواع)، قام سبنسر وبسرعة بإعادة صياغة نظريته الاخلاقية كنتيجة منطقية لعملية الاختيار الطبيعي. الفكرة الجوهرية للدارونية الاجتماعية هي ان الأثرياء والأقوياء يتمتعون بالامتيازات لأنهم اكثر لياقة من غيرهم من حيث الصفات التي يفضّلها الاختيار الطبيعي. الفقراء والضعفاء لديهم صفات أقل لياقة ولذلك من الأفضل تركهم ينقرضون طالما ان القضاء عليهم يمثّل اختيارا طبيعيا يفضّل السمات الأفضل وان انتشار السمات الأفضل هو شكل من التقدم. هذا الخط من التفكير حول القضايا الاخلاقية، السياسة، والاجتماعية اُستخدم لتبرير الكولنيالية، الرأسمالية الشديدة التحرر، والعسكرية القمعية. في أي صراع عسكري فان الجيش الأكثر لياقة سيسود وهذا سيشكل شكلا من التقدم. انه ايضا يبرر سحب المساعدة من الفقراء وتقييد الهجرة الى الولايات المتحدة من المناطق التي اُعتبرت أقل لياقة سكانية. الدارونية الاجتماعية ارتبطت بقوة بتحسين النسل، وهي الفكرة القائلة بأن المجتمع (عادة الحكومة) يجب ان تمنع (غير اللائق) من التكاثر. هذا قاد الى سن قوانين، في العديد من الولايات الامريكية وفي السويد، قوانين تأمر بإجراء العقم لأولئك المرضى ذهنيا واخلاقيا. النازيون حملوا منطق الدارونية الاجتماعية الى أقصى حد، وفهموها كرسالة لهم لخدمة رفاهية العرق الألماني الأرقى على حساب الأعراق الأقل لياقة وحتى التخلص من الأعراق الاخرى التي اعتبروها معادية للعرق الألماني.

وهكذ أعطت الدارونية الاجتماعية في آلمانيا، اثناء حكم الرايخ الثالث تبريرا علميا للأشكال المتطرفة من العنصرية والقومية. من المهم ملاحظة ان دارون ذاته صرّح انه ليس دارونيا اجتماعيا وان العديد من مؤيدي الدارونية كنظرية علمية مثل توماس هكسلي الذي هو اكبر المؤيدين لنظرية التطور، ايضا رفضوا الدارونية الاجتماعية. الآن ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين لم يعد هناك اي مناصر للدارونية الاجتماعية.

مغالطة الطبيعية The Naturalistic Fallacy

الفيلسوف G.E.Moore صاغ مفهوم المغالطة الطبيعية في كتابه مبادئ الاخلاق الصادر عام 1903. المغالطة الطبيعية في شكلها المعاصر تؤكد ان لا احد يمكنه تبرير اي سلوك اخلاقي بحجة انه طبيعي او انه يُفضّل من جانب الاختيار الطبيعي. التطور المسترشد بالاختيار الطبيعي يعطي توضيحات عن خصائص الكائنات الحية لكنه لا يستطيع ان يقول لنا كيف يجب ان نتصرف. يستطيع المرء بسهولة الجدال بان أسوأ حالات السلوك الانساني كجريمة القتل مثلا، هو طبيعي او انه يبرز من عواطف الانسان التي هي نتاج الاختيار الطبيعي في العصور الماضية، لكن هذا التبرير لن يجعل الجريمة أخلاقية. الاخلاق والعلوم تمثل طرقا مختلفة جدا للتفكير ولا يجب الخلط بينهما.

النظريات المعاصرة لأصل تطور الاخلاق يمكن ان تساعدنا في توضيح لماذا يجب ان يكون الموقف بهذا الشكل .

الأصل التطوري للاخلاق

طوّر عدد من المنظرين التطوريين نظريات في الاخلاق تؤكد ان ميول الانسان تحكم على أشكال معينة من السلوك كجيد او يستحق التقليد والمكافاة، واشكال اخرى كسيئة ولا تستحق التقليد وجديرة بالعقوبة. هذا هو اساس الاحساس بالصواب والخطأ الذي يحدث لدى كل الناس وهو عرضة لمزيد من النقاش في كل المجتمعات. العواطف القوية منخرطة في هذه الأحكام من الصواب والخطأ. مختلف المجتمعات لها مختلف المعايير من الصواب والخطأ وتلجأ الى مصادر مختلفة، وعادة ما تكون مختلف التقاليد الدينية هي المصدر لتبرير تلك المعايير. هناك البعض من المؤلفين يجادلون انه رغم التباينات الثقافية الكبيرة في القواعد الاخلاقية لكن يمكن للمرء ان يجد بعض المبادئ الاخلاقية العالمية الواسعة. المثال الأبرز عن هذه المبادئ الواسعة هي القاعدة الذهبية: إعمل للآخرين ما ترغب ان يعملوا لك. غير ان هناك ايضا اختلاف كبير . العبودية حُكم عليها بشكل واسع انها مقبولة اخلاقيا، كذلك في العديد من المجتمعات التقليدية اُعتبر من المرغوب للآباء ترتيب زواج لأولادهم وهم لازالوا صغار جدا. في المجتمعات المعاصرة، هذه الممارسات تُعد غير مقبولة . مع ذلك، هناك حتما اخلاق عالمية، الناس في كل مكان في العصور الماضية يعتبرون الأحكام الاخلاقية ذات أهمية عظمى ويبذلون جهدا كبيرا في تعليم وتوجيه ونقاش المبادئ الاخلاقية.

البايولوجي ريتشارد الكسندر (1967) عرض نظرية تفيد بانه في عملية التطور الانساني، فضّلت المنافسة بين الجماعات تكوين جماعات أكبر، لكن تكوين مثل هذه الجماعات كان امراً صعبا. عندما تصبح الجماعة اكبر فانها باستمرار تميل للصراع الداخلي. لذلك، كان الاحساس بالاخلاق مفضلا من جانب الاختيار الطبيعي لأنه يقلّل المنافسة ويعزز التعاون بين الجماعات الاجتماعية المتنافسة . لاحقا طوّر المتخصص بالثدييات روبن دونبر (1996) نظرية مشابهة للتأثير الذي أحدثته اللغة كطريقة لتعزيز التعاون وتخفيف الصراع بين الجماعات الاجتماعية في سياق من المنافسة الداخلية الشديدة بين تلك الجماعات. اللغة والاخلاق كانا مترابطان بإحكام.

المتخصص في الثدييات فرانس دي ويل (1996) عالج السؤال ما اذا كان اقربائنا من الشامبانزي لديهم أخلاق معينة. استنتاجه المبني على ملاحظات مكثفة للشمبانزي كان ان الشمبانزي امتلك العديد من عناصر الأخلاق الانسانية. قرود الشمبانزي لديها إحساس بالإعتماد المتبادل، وهي الفكرة بان الأعمال الصالحة يجب ان تكون متبادلة وكذلك بالنسبة للافعال السيئة. كان لدى جماعات الشمبانزي احساس بالتعاطف مع الأعضاء الآخرين ضمن نفس الجماعة، هناك إحساس بأن هناك قواعد اجتماعية يجب ان تُطاع من جانب أعضاء الجماعة، وان الشمبانزي الأقدم والمسيطر عادة يتصرف بطرق معينة مثل حل النزاعات القائمة من أجل المحافظة على السلم ضمن الجماعة.

اخيراً، يستنتج فرانس ان اللغة هي العنصر الحاسم في الاخلاق الانسانية والتي كانت الحيوانات تفتقر لها. بدون لغة لا تستطيع الحيوانات تعليم وتشجيع ومناقشة المبادئ الاخلاقية وفق الطريقة التي يقوم بها الانسان. اللغة، بالطبع ، تساعد في انجاز عدة وظائف بين الناس، لكن الوظيفة الأكثر أهمية هي المقدرة على صياغة ومناقشة المبادئ الاخلاقية.

بما ان وظيفة الأخلاق هي منع الصراع وتعزيز التعاون بين الناس، يتبع ذلك ان الدارونية الاجتماعية ليس لها معنى. يتبع ايضا، ان ما يفضّله الإختيار الطبيعي ، من منافسة قاسية بين الافراد، لايمكن ان يكون مرشدا للمبادئ الاخلاقية التي تحفظ السلم وتشجع السلوك التعاوني ضمن الجماعة الاجتماعية الانسانية. الهدف من الدارونية الاجتماعية كان تعزيز المنافسة سواء بين الطبقات الاجتماعية او بين الامم. بهذا المعنى انها كانت المضاد للأخلاق.

هناك جانب سلبي للأخلاق كما وُصف في هذا العرض النظري. انه يقترح بان الأخلاق عادة محدودة بأعضاء من نفس الجماعة الاجتماعية. هذا يتفق مع الاستنتاج الانثربولوجي، بانه في المجتمعات التقليدية يكون المجال الاخلاقي مقتصرا على أعضاء الجماعة فقط ولا يمتد الى ما وراء هذه الجماعة. هذه النزعة سُميت بالقبلية. معظم الفكر الأخلاقي منذ عصر التنوير جادل باننا يجب ان نذهب الى ما وراء القبلية، وان الكثير من الفكر المعاصر يؤكد على إزالة القبلية والإعتراف بمبادئ حقوق الانسان العالمية لأن الكائن البشري هو كائن ذكي ومرن في سلوكه، هناك سبب جيد للإعتقاد اننا كنوع يمكننا التحرك الى ما وراء القبلية ونضع كل البشر ضمن المجال الأخلاقي. الكثير من التقدم تحقق في إزالة القبلية لكن الكثير لازال بحاجة للعمل.

 

حاتم حميد محسن

 

منى زيتونلعله مما لا خلاف ولا تباين بشأنه في جميع المجتمعات المعاصرة أن أكبر مؤسستين مسئولتين عن التربية في المجتمع هما المنزل والمدرسة، ولكليهما دور أساسي في تشكل هوية الفرد الجنسية وإكسابه خصائص الدور الاجتماعي المقبول الخاص بجنسه ذكرًا كان أم أنثى.

ومعلوم أن لكل فرد منذ الميلاد نوعًا بيولوجيًا gender يتحدد على أساسه هويته الجنسية، كما أن المجتمعات الإنسانية تضع معاييرًا للسلوك المقبول من الفرد بناءً على ذلك النوع، وهي ما تسمى بالأدوار الاجتماعية. وهذه الأدوار متعلمة فاكتسابها هو نمط من التعلم الاجتماعي، يكتسب فيه الفرد السلوكيات والاتجاهات والميول التي تتطابق مع التوقعات الثقافية في مجتمعه لكل من الذكورة أو الأنوثة.

ويعتبر سلوك الفرد بما يخالف هذه التوقعات غير مقبول اجتماعيًا، وعليه يُوصف الفرد بأن لديه تميع وعدم وضوح للدور الاجتماعي المرتبط بالنوع، وفي الحالات الأكثر حدة قد يصل الأمر حد المعاناة من اضطراب الهوية الجنسية، عندما لا يرتاح الفرد كليًا عند حثه على السلوك بشكل يتوافق مع نوعه البيولوجي.

وفي سلسلة مقالات سابقة عن خصائص التعليمين المنفصل والمختلط، ذكرت أن واحدة من أهم الخصائص التي يتمسك مؤيدو التعليم المختلط به لأجلها هي المساواة في تطور الدور الاجتماعي لدى الجنسين؛ حيث يذكر ريوردان (Riordan,1990,p.45) أن من خصائص التعليم المختلط إعداد الصغار لتمييز أقل في الأدوار الجنسية.

وقد يكون لتقليل التمييز إلى حد ما، وتوسيع النظرة الإنسانية لدى النشء، ميزة في إكساب أفراد كلا الجنسين الاحترام للجنس الآخر، لكن ربما كان لزيادة الاختلاط واتساع حدوده والتعايش لفترات طويلة بين الذكور والإناث آثارًا سلبية، حيث تزيد المساواة بين الجنسين حتى تكاد تضيع الحدود بينهما حتى من حيث المظهر الخارجي، وهو ما يؤكد عليه أنصار التعليم منفصل الجنس كسبب رئيسي لرفض الاختلاط في التعليم.

وفي الآونة الأخيرة – وعلى كثرة الموضوعات المثيرة للجدل في مجتمعاتنا العربية- دار الحديث لفترة عن الشذوذ الجنسي بعد إعلان فنان شهير تحول ابنته جنسيًا لتصير ذكرًا، مصورًا الأمر على أنه محاولة متأخرة لإصلاح خلل فسيولوجي لديها منذ الميلاد، ثم تلا ذلك بفترة وجيزة انتحار واحدة من مشاهير المتحولين جنسيًا في مصر، رغم أنها هاجرت إلى مجتمع غربي يتقبل منها ما نراه شذوذًا في المجتمعات الشرقية.

ولاحظنا في هذا النقاش المجتمعي الذي دار في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي دفاع كثير من الشباب عن الشذوذ واعتباره حرية شخصية، ما يوضح زيادة تقبل الشذوذ الجنسي بين فئات أوسع من المجتمع المصري والمجتمعات العربية، فلم يصبح متقبلًا بين الشواذ جنسيًا فقط كما كان في الماضي القريب!

وهدفي في هذا المقال ليس مناقشة القضية من منظور ديني، فالأمر محسوم دينيًا بالنسبة للمتدينين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. كما أنني لست معنية بنقاش الموضوع من جهة الفسيولوجيا والهرمونات ونحوها، ولكن الهدف هو البحث من منظور اجتماعي تربوي في سبب رئيسي لهذا التحول الفكري والمفاهيمي لدى فئة من أفراد مجتمعاتنا.

بدايةً، أنا أزعم أن الثقافة الشرقية لا زالت تحتفظ بتصورات تقليدية للأدوار الاجتماعية المقبولة لكلا الجنسين، وذلك على العكس من الثقافة الغربية، ولكني أرى أن هناك عاملًا كان يعمل بخفاء خلال العقود الأخيرة لإحداث التغيير المفاهيمي الذي نراه اليوم. هذا العامل هو انتشار التعليم المختلط في مرحلة المراهقة بين الجيل الجديد من أبناء الطبقات الاجتماعية المترفة على العكس من طبقات المجتمع الأدنى، والتي يُلحق أغلبهم أبناءهم وبناتهم بمدارس حكومية منفصلة. ولا ينتشر التعليم المختلط في المدارس الحكومية إلا في الريف وأقاصي الصعيد، وذلك لأسباب اقتصادية تتعلق بعدم قدرة الحكومة على إنشاء مدرستين منفصلتين للبنين والبنات على حدة. ولكن الاختلاط في تلك البيئات المحافظة يكون اختلاطًا اسميًا فقط، لا تأثير له على أرض الواقع.

 وتعتبر مرحلة المراهقة المرحلة العمرية الأهم في تشكيل السلوك الاجتماعي لدى أفراد المجتمع واكتسابهم الأدوار الاجتماعية المقبولة المرتبطة بالنوع (ذكر/أنثى)، وقد أشار كثير من التربويين في دراسات مقارنة عن بيئة التعليم المختلط والتعليم منفصل الجنس إلى أن الاختلاط قد يؤدي إلى تميع الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع، ورفض الأدوار التقليدية المتوارثة عما هو مقبول من الرجال والنساء. وأنا هنا أضيف إلى أنه قد يسهم في إعادة تشكيل الهوية الجنسية والأفكار عنها إلى الدرجة التي قد تخيف بعض الآباء وتجعلهم يدفعون أبناءهم الذكور دفعًا نحو سلوك جنسي مبكر للاطمئنان عليهم! والرجل المصري لا يعبأ بأن يُوصف ابنه بأنه متحرش، وتخوفه الأساسي من أن يكون شاذًا أو يبدي أي سلوك ناعم يجعله في نظره أقرب للفتيات.

ولعلها ليست مصادفة أن أغلب الحالات التي مرت عليّ لإدعاء الفتيان في سن المراهقة علاقات وهمية مع الفتيات لم تنشأ في الأساس بغرض التفاخر أمام الأقران الذكور، بل نشأت بسبب ضغط الأب الذي يريد أن يتأكد من الميول الجنسية لابنه! خاصة إن كان الابن في مدرسة مختلطة، ويتعامل مع زميلاته بلطف ورقي يراه الأب قلة خشونة لا تليق بالذكور فيبدأ تخوفه وفتح حوارات مع الابن عن زميلاته الفتيات وطبيعة علاقته بهن، ويشجعه على التودد إليهن بما يتنافى مع حدود الزمالة، ما قد يلجئ الصبي إلى الإدعاءات التي قد تتحول إلى حالة مرضية مستدامة بعد ذلك!

بل لقد ظهرت بعض الحالات الفردية في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة لتحرش أطفال صغار في الصفوف الابتدائية الأولى وأحيانًا في رياض الأطفال بزميلاتهن، وكان للأب أيضًا دوره في تشجيع الطفل على تقبيل زميلته، ولا زلنا نذكر دفاع الأب عن سلوك طفله المعيب بأن لابنه أن يفعل ما يحلو له، "واللي عنده معزة يربطها"!

وبعيدًا عن التحرش فقد رأيت من الآباء من لا يهتم بأن يصدر عن ابنه الذكر سلوك مشين يدل على سوء تربية لأن هكذا يكون الرجال من وجهة نظره! ونراه يرد على من ينتقد أسلوبه التربوي بأن ابني ليس مخنثًا! وبعضهم يصطحب أبنائه الذكور إلى المقاهي الشعبية ليجلس وسط الرجال ويقلدهم، مع الأخذ في الاعتبار نوعية الحوارات والألفاظ التي يستخدمونها!

وعلى النقيض فهناك من الآباء من لا يقوم بدوره في تنشئة أبنائه، ويترك الأمر برُمته لزوجته لانشغاله الدائم في عمله أو لعدم تحمله للمسئولية، ولافتقاد دور الأب أثره السلبي على كل من البنين والبنات، فالابن ينشأ بين أمه وصاحباتها ولا يكاد يرى نماذج ذكرية ليقلد سلوكها ويكتسب الدور الاجتماعي الملائم لنوعه، والابنة إما أن تنشأ بالغة الضعف أو على العكس قد تفتقد الشعور بالأمان ما يجعلها تشعر بضرورة تعويض دور الأب بأن تكون قوية لتحمي نفسها. والأم من جهتها قد تكون سببًا في شعور الفتاة باحتقار نوعها البيولوجي –وكذلك قد يفعل الأب-، كما قد تدلل الابن إلى الدرجة التي تمنعه من تحمل المسئولية والقيام بتبعات الدور الاجتماعي الذكري.

وأمثال هذه الممارسات المتناقضة من الآباء هي التطرف والتطرف المضاد، وما زاد عن حده قد ينقلب إلى ضده.

والأمر لا يقتصر على الآباء في المنزل، فللمدرسة دورها في إحداث هذا العبث، ولكن بدرجات تتفاوت بين الجنسين، ولقد كان ملحوظًا في بعض الدراسات لدى الباحثين التربويين أن المعلمين في البيئات التعليمية المختلطة يتدخلون بشدة لمنع الذكور من الخروج عن أدوارهم الاجتماعية التقليدية، ولكن الأمر ليس بهذه الصرامة بالنسبة للإناث، فكثيرًا ما يكون هناك تشجيع لهن على اكتساب بعض من الأدوار الاجتماعية الذكرية لتكون الأنثى قوية وتستطيع مواجهة تحديات المجتمع المعاصر؛ ما قد يزيد لديهن بعض الخصائص النفسية المرتبطة بالذكورة كالقوة والاستقلال والتمرد على أي امتهان، وهي تغيرات سلوكية إيجابية ما لم تزد عن حدها وتؤدي لابتعاد الفتاة ورفضها التام لجميع خصائص الدور الاجتماعي الأنثوي التقليدي. ورغم أن هذا التغير السلوكي في صورته المعتدلة يتناغم مع طبيعة البشر السوية، فإنه لا يمنع من التعرض لانتقادات اجتماعية، مع تجاهل تام للأسباب التي أجبرت النساء على هذه الاستقلالية وإظهار القوة وأن تصبح strong independent woman!

ومن وجهة النظر النفسية فهناك اتجاه لاعتبار أن الذكورة والأنوثة النفسية –وليست البيولوجية- هي أكثر تعقيدًا وتداخلًا مع بعضها البعض، كما أنها أقل تحديدًا وتمايزًا مما كان الأمر عليه في الأجيال السابقة.

ولكن تميع الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالنوع البيولوجي ليس بالأثر شديد الخطورة مقارنة بالشذوذ الجنسي الذي يتعارض مع الطبيعة التي فطر الله الناس عليها. ويبقى الأثر الأكثر أهمية والأشد خطورة للتغير في التنشئة الاجتماعية في العقود الأخيرة الناشيء عن انتشار الاختلاط في التعليم هو أن التمييز الجنسي بين الذكور والإناث في البيئات المدرسية المختلطة، قد يعد دافعًا من دوافع بعض الفتيات للتحول الجنسي في الشرق والغرب. وهذا الأثر للبيئة المدرسية أقوى من أثر إشعار الفتيات بالدونية وربما عدم الرغبة فيهن، والذي كان يحدث في عصور سابقة على نطاق ضيق في المنازل.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر –ورغم أن هذا الأمر لا علاقة له بالاختلاط بين الجنسين- فالتحرش الجنسي بالبنين يزيد في المدارس المنفصلة للبنين، وفي بعض الأحيان تتكون ثلة أشبه بالعصابة قد تجتمع لمضايقة والتنمر والتحرش بالبنين الأصغر عمرًا والأكثر ضعفًا بالمدرسة، في غياب رقابة المعلمين والإدارة المدرسية. والتحرش الجنسي بالولد ومناداته باسم أنثى ومعاملته على أنه فتاة هو ضربة البداية في خلق اضطراب الهوية الجنسية لديه، وتحويله إلى شاذ جنسيًا.

وبناءً عليه أرى أن المجتمعات -الشرقية تحديدًا- بحاجة لإعادة النظر في بعض الممارسات التربوية في المدرسة والمنزل، والتي ترتبط بتميع الأدوار الاجتماعية واضطرابات الهوية الجنسية، وإجمالًا يجب إحلال المدارس المشتركة ذات الفصول المنفصلة كبديل للمدارس المختلطة، بحيث تكون الدراسة في فصول منفصلة للجنسين، مع الحرص على مشاركة جميع تلاميذ وتلميذات المدرسة في الأنشطة المدرسية في جماعات مختلطة؛ لتوفير بيئة مدرسية واحدة تدعم نمو المهارات الاجتماعية والثقة بالنفس لدى التلاميذ والتلميذات، كما أن علينا أن نخفف -كآباء ومعلمين- من الممارسات التي تشعر بعض الفتيات بأنهن جنس أدنى من الذكور، وأن نتفهم أن حُسن تربية الذكور لا يتعارض مع تنشئتهم كرجال، بل هو عين الرجولة والالتزام.

 

د/ منى زيتون

الخميس 23 يوليو 2020

 

جواد بشارةمنذ فجر الإنسانية ونشأة الحضارات البشرية، هناك في كافة المجتمعات والأديان أموراً وأطروحات ورؤى وعقائد تتعلق بالكون والحياة والأصل والمصير. ففي العصور القديمة كانت المسائل الكونية تقع على عاتق الكهنوت الذي يدعون بأن لديهم اتصالات بالملأ الأعلى ويتلقون الوحي الذي تمليه الآلهة على البشر. فالسماء يقطنها آلهة وأبطال خارقون أسطوريون وكائنات أخرى عديدة كالجن والعفاريت والوحوش الهائلة والأرض خصصت للبشر الذين كان هدف وجودهم هو خدمة الآلهة كعبيد وإن خلق الكون جاء نتيجة مباشرة لقوى خارقة للطبيعة لم تكن تحمل اسم الله الإله الواحد بعد.

ولد علم الكونيات الحديث في عشرينات القرن المنصرم القرن العشرين وقبله لم يكن البشر يعرفون الشي الكثير عن الكون سوى ما تسطره لهم خرافات الكتب المقدسة، وكانت البداية العلمية الحقيقية مع الثورة الكوبرنيكية على يد كوبرنيكوس وأطروحات غاليلو غاليله ويوهان كبلر ثم جاء نيوتن بقانون الجاذبية الكونية حيث اعتبر نيوتن الكون مستقر ولانهائي لأنه لو لم يكن كذلك لانهار بفعل قوة الجاذبية المتبادلة بين النجوم والمجرات التي ستقود إلى تقلصه وانكماشه لذلك لا بد أن يكون لانهائي ومستقر وثابت وغير متغير. بيد أن آينشتاين نسف هذا التصور النيوتني بنظريته النسبية الخاصة والعامة بين 1905 و1915 التي تبحث في الجاذبية وتطورها وكيفية عملها وتأثيرها وقال إن هذه الأخيرة ماهي إلا انحناء في نسيج الزمكان بسبب كتلة الأجسام في الكون، لكن آينشتاين لم يكن يعلم في ذلك الوقت أن الكون يتمدد ويتوسع كما أثبت هابل ذلك مما اضطر آينشتاين إلى مراجعة معادلاته التي سبق أن اضاف لها معامل جديد أسماه الثابت الكوني لكي يبقي الكون ثابتاً ومستقراً وغير متحرك ولا متغير. وأعيد النظر في مفاهيم اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر والفراغ الكوني وحدود وحافة الكون ومركزه. وبفضل نظرية آينشتاين ومن عمل عليها من العلماء من الجيل اللاحق أو المعاصر لآينشتاين صيغت نظرية الانفجار الكبير والنظرية المعيارية لفيزياء الجسيمات الأولية وتبلورت مبادئ وقوانين ومعادلات نظرية الكموم أو الكوانتوم الخ..

والآن لنلقي نظرة سريعة على ظروف النشأة الأولى للكون المرئي البعيدة عن الرؤية الميثولوجية الدينية عن الخلق الإلهي كما روته الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن وحكاية سفر التكوين وخلق الأرض والسماوات والإنسان آدم وأنثاه من ضلعه حواء وذريتهم وقصة إبليس والشجرة المحرمة والخطيئة الأولى والطرد من جنة عدن الخ..

من المحتمل أن يعود تاريخ ولادة الكون المرئي إلى13.8 مليار سنة. بقدر ما يمكننا العودة إلى الوراء في حساباتنا، إلى الأجزاء الأولى من مليار المليار من الثانية الأولى، حيث كل شيء يعزى إلى التقلبات الكمومية أو الكوانتية fluctuations quantiques (وهو تغيير مؤقت يحدث في مستوى الطاقة في الفضاء ويخلق تلقائيا أزواج افتراضية من الجسيمات والجسيمات المضادة الأولية) والتي تخلق ما يسمى "الطاقة الفراغية". الصعود زمنياً أكثر من I0-43s بعد" الانفجار العظيم «. يعتبر مستحيلاً وفق قوانين الفيزياء التي نعرفها وهي الفترة الزمنية القصوى التي يمكننا الوصول إليها. ما الذي لا يمكن تصوره في الزمن الذي يسبق هذه I0-43s من الثانية الأولى؟، وهي الفترة التي تعرف بــ "زمن بلانك de Planck Temps"، والتي لا يمكننا بلوغها، لأن النسبية العامة ليست قادرة عند هذا الحد الزمني أن تعمل، حيث تتوقف قوانينها وتتعطل، الأمر الذي يستدعي اللجوء إلى نظرية أخرى في علم الكونيات في مجال الثقالة الكمومية أو الكوانتية gravitation quantique التي من المفترض أن تنجم عن توحيد النسبية الآينشتاينية مع نظرية الكموم أو الكوانتوم. ولاننسى حدوث التضخم الكوني المفاجيء والسريع الذي زاد حجم الكون بنسبة أو بعامل 1050 في جزء صغير من الثانية» كما يعتبر 1Q-43s "زمن بلانك"، هو أصغر مقياس زمني ملموس مادياً. في غياب نظرية الجاذبية أو الثقالة الكمومية، تبقى هذه المرحلة غامضة ومفاهيم الزمان والمكان تطرح إشكالية. يفترض أن التفاعلات الأساسية للقوى الكونية الجوهرية الأربعة كانت موحدة في تفاعل أساسي واحد. إن عصر التوحيد العظيم يكاد يصاحب عصر التضخم ويبلغ حوالي الربع الأول من العام 35 بعد الانفجار العظيم. القوى الأساسية كانت لا تزال موحدة أو على الأقل القوة النووية. عند الخروج من عصر التوحيد العظيم تنفصل قوة الجاذبية عن الطاقة النووية (القوة الكهرومغناطيسية وضعف التفاعل النووي الشديد أو التفاعل النووي القوي). يمثل الانتقال لهذه المرحلة نهاية التوحيد العظيم. كانت مرحلة التضخم الكوني ستحدث في I0-32s من الثانية الأولى بعد الانفجار الكبير. أعتبرت هذه مرحلة توسع عنيفة للغاية كما نظر لها العالم الأمريكي آلان غوث واقترحها كحل في عام 1979 لشرح التجانس والتساوي والتشابه في الكون. إن نموذج التضخم الكوني يحل كلا من "مشكلة الأفق" و "مشكلة التسطيح" الكونيين. خلال هذا التضخم، الذي شهد حجم الكون يتزايد بمعامل 1050 في جزء صغير من الثانية، فإن الطاقة الكامنة في مجال التضخم المنطلق ملأت الكون ببلازما من الكواركات، ومضادات الكواركات والغلوونات (الفرميونات والبوزونات، أو الجسيمات الأولية). يظهر العصر الكهربائي الضعيف: والذي ينجم عن انفصال التفاعل النووي القوي عن القوة الكهربائية الضعيفة (الكهرومغناطيسية والتفاعل النووي الضعيف). تكون التفاعلات بين الجسيمات نشطة بما يكفي لإنشاء جسيمات غريبة بما في ذلك بوزونات W وبوزونات Z وبوزونات هيغز. وبعده يظهر العصر الهادرونيhadronique: حيث انفصلت القوة الكهرومغناطيسية عن التفاعل النووي الضعيف. القوى الكونية الجوهرية الأساسية الأربع باتت مستقلة الآن. يمكن أن يكون سبب هذا التضخم الكوني كيانًا متسارعًا من نوع الطاقة المظلمة، وهي المسؤولة عن توسع الكون.

هذا الكيان قد تفكك إلى الجسيمات، مؤشراً نهاية التضخم وولادة المادة. وحتى مرحلة نهاية التضخم، كان الفضاء فارغاً، بالمعنى الكمومي للمصطلح. ومع ذلك كان مغموراً بسلسلة كاملة من الجسيمات الافتراضية التي تنشأ من العدم وسرعان ما تعود للعدم على الفور.

BAROGENESIS التكوين الباريوني: ثم انبثقت المادة

برد الكون حتى وصل على ما تحت العارضة1013 درجة. ولم يعد لدى الكواركات ما يكفي من الطاقة لتبقى موجودة لوحدها ومن ثم تبدأ بالتجمع بفضل الغليونات gluons، والبوزونات وخاصة بوزونات القياس bosons de jauge   للتفاعل النووي القوي لتشكيل أو تكوين الهادرونات، من بين تلك الهادرونات تنبثق جسيمات مجهرية دون ذرية جديدة مركبة أو مكونة من: البروتونات (الباريونات) والنيوترونات (الباريونات). إنها ولادة "المادة" من خلال تشكيل الباريونات عن طريق عملية "التكوين الباريوني baryogénèse". وعندما تلتقي المادة وتجتمع بالمادة المضادة يفنيان بعضهما البعض (مثل -1 +1 = 0) وتتحول إلى طاقة (عبر معادلة آينشتاين الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء E = mc2).

هذا الصراع حتى الموت الذي يتم حصوله بين المكونات المتضاربة إلى أقرب وحدة ممكنة: بالنسبة لمليار من الكواركات المضادة التي تم إنشاؤها، هناك مليار كوارك وواحد كوارك إضافي مضاد مقابل كل مليار كوارك، لذلك يبيد الملياران نفسيهما يترك كوارك واحد فقط يكون فائض. وبالتالي تنتج عملية التكوين الباريونيBaryogenesis و"التناظر الباريوني" في التوزيع المكاني، مما يسمح بانتصار المادة (المسماة باريونية"Baryonic") على المادة المضادة.

كما درس العالم الفيزيائي الروسي أندريه ساخاروف في عام 1967 هذه الحقبة وقال: لم تتواجد المادة بعيدًا عن عملية إبادة خاصة بها، وإلى هذا الانقسام في التماثل وكسر التناظر، تدين بوجودها في الكون المرئي. في نهاية العصر الهادروني، تم تشكيل أول نوى ذرية (عبر النيوكليونات، أي البروتونات والنيوترونات) تحت قوة التفاعل النووي القوي لكن الفوتونات، التي لا تزال نشطة للغاية، تفرقها على الفور. دائمًا ما تكون درجة الحرارة مرتفعة جدًا بحيث لا تتشكل الذرات. ثم يظهر العصر اللبتوني leptonique: أول حدث مهم في العصر اللبتوني هو فصل النيوترينوات (النيوترينوات المنفصلة عن المادة) والتي تحدث عندما تصل درجة الحرارة إلى 10 مليار درجة. الحدث الثاني المهم هو إبادة الإلكترونات ومضادات الإلكترونات التي تحدث عندما تصل درجة الحرارة إلى مليار درجة (لم يعد لدى الفوتونات ما يكفي من الطاقة لإنشاء البروتونات، ولكن بما أن للإلكترون كتلة أضعف 2000 مرة من البروتون، لا يزال بإمكانها إنشاء إلكترونات). حساء الكواركات والكواركات المضادة سيكون غنياً بجسيمات خفيفة (اللبتونات): الإلكترونات، الميونات ، تاونات ، النيوترينات (وجسيماتها المضادة) ، الجسيمات الأولية تشترك في أنها لا تتفاعل مع التفاعل النووي القوي. التباين الطفيف بين المادة والمادة المضادة الذي سمح للباريونات بالبقاء على قيد الحياة خلال العصر الهادروني، يعمل بطريقة مماثلة ويسبب الاختفاء التام لمضادات الإلكترونات (البوزيترونات) وبقاء جزء من الإلكترونات. وبالتالي فإن نهاية العصر اللبتوني تشهد المحو التام أو الاختفاء الكامل للمادة المضادة. فالكون، الذي يقترب من ثانيته الأولى من وجوده، لم يعد يحتوي سوى على المادة العادية التي نعرفها والمكونة من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات.

ما بين ثانية وثلاث ثوانٍ بعد الانفجار الكبير، تظهر حقبة التركيب النووي البدائي التي ستستمر حوالي 3 دقائق. كان الفيزيائي الروسي جورج غاموف هو الذي تصور في سنوات الأربعينات

1940 ظاهرة التفاعلات النووية الأصلية. وحتى تلك اللحظة، كانت الفوتونات نشطة للغاية بحيث لا تديم تكوين النوى الذرية. ولكن عندما انخفضت درجة حرارة الكون إلى ما دون مليار درجة، أصبحت طاقة الفوتونات أقل من طاقة الربط الداخلية للنواة. بات بإمكان النيوكليونات (البروتونات والنيوترونات) أن تتصادم للإشارة إلى بدء الاندماج النووي. منذ هذه اللحظة، تلد عمليات الاندماج المتعاقبة النوى الخفيفة أكثر فأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى: الدويتريوم، الهليوم 3، الهليوم 4، الليثيوم 7 والبريليوم. بحيث لم يعد الكون أكثر من كونه مفاعل اندماج نووي ضخم، ومعظم النيوترونات الحرة عالقة في نوى الهيليوم. العنصران الرئيسيان في نهاية التركيب النووي البدائي هما الهيدروجين (البروتونات) والهيليوم- 4. وبوفرة نسبية (9 إلى 1)

 ترتبط بنسبة النيوترونات والبروتونات في العصر اللبتوني: عندما يبدأ التخليق والتركيب النووي، لا يوجد سوى نيوترون لحوالي 14 بروتون. لنواة الهيليوم (2 نيوترون،2 بروتون)، هناك 12 بروتون متبقيًا، لذلك كان هناك الكثير من الهيدروجين (1 بروتون). تتكون مادة الكون من نويات الذرات التالية: 90٪ من الهيدروجين (H) )، 10٪ من الهيليوم (He) ،آثار من نظائرها مثل الديوتريوم (H-2) ، الهليوم 3- (He-3) ، الهليوم 4 -(He-4).

التركيبات الكبرى اللاحقة:

بعد 380،000 سنة بدأت فترة التركيبات الكبرى اللاحقة التي شهدت تشكيل الذرات المحايدة بالترابط بين الإلكترونات الحرة والنوى الذرية المستقلة حتى الآن. قبل ذلك كانت كثافة المادة (الجسيمات) مرتفعة بمكان بحيث لم يكن بوسع الفوتونات أن تنتشر. لذلك حُبس الضوء في المادة وكانت طاقة الفوتونات عالية جدًا لدرجة أن الذرات انكسرت أو تحطمت حتى قبل أن تتشكل. لكن بعد 380.000 سنة، هبط درجة حرارة الكون إلى 3000 درجة كلفن، سمح انخفاض درجة الحرارة بإعادة التركيب: من خلال التفاعل الكهرومغناطيسي، حيث ترتبط الإلكترونات الحرة بالنوى الذرية (النيوكليونات) لتشكيل الذرات الأولى (لم يعد للفوتونات طاقة كافية لتحطيمها). ذرات الليثيوم والهيليوم هي الذرات الأولى التي تم إنشاؤها، قبل ذرات الهيدروجين مباشرة. كانت الإلكترونات، التي كانت حرة في السابق، مرتبطة بالذرات، والفوتونات - التي لم تعد لديها طاقة كافية لامتصاصها من قبل الذرات – وصار بوسعها الدوران بحرية في الكون المرئي الذي يصبح شفافًا. في الواقع، إن الضوء تحرر من المادة وبات بوسعه الانتشار بحرية بدون أن يتفاعل مع الذرات. إن فك الارتباط بين الإشعاعات الضوئية والمادة كان هو الأصل وراء إعادة التركيب والتنظيم الهرمي للمادة. وترك آثراً ما يزال ملحوظاً إلى يومنا هذا وهو المعروف بإشعاع الخلفية الكونية الميكروية الأحفورية المنتشرة الذي تنبأ به جورج غاموف سنة 1948 وأكتشفه بالصدفة سنة 1964 آرنو بينزياس وروبير ويلسون، بواسطة مرسل الاشعاع الكهرومغناطيسي. لم يكن ممكناً قبل هذه الفترة إجراء أية مشاهدة أو رصد لأية أشعة لأن الضوء كان محتجزاً أو سجيناً لمدة 380،000 عام (وهذا هو السبب في أن الفيزيائيين يعيدون إنشاء الظروف تجريبيًا عن طريق مصادم الجسيمات).

العصور المظلمة للكون المرئي تتوافق مع الحقبة الكونية الواقعة بين انبعاث "الخلفية الكونية الميكروية" واشتعال الجيل الأول من النجوم. خلال هذه الفترة، لا يمكن لأي عملية فيزيائية فلكية أن تنتج إشعاعًا من نوع الأشعة الكهرومغناطيسية، مما يجعل هذه الحالة من الكون غامضاً لا يسبر غوره. فقط الضوء الوحيد الموجود هو الإشعاع الأحفوري الميكروي. بردت الذرات تدريجياً لتكثف المادة وتشكل غازًا باردًا مظلمًا. وهي ظلمة استمرت 200 مليون سنة. في ذلك الوقت، تشكلت 99 ٪ من المادة الحالية المكونة للكون، ولكن 1 ٪ المتبقية (جميع الذرات التي تحتوي على أكثر من بروتونين في النواة) كانت أساسية. تؤدي تلك الليلة الطويلة إلى فجر كوني: يزيد تفاعل الجاذبية من التقلبات داخل غيوم غاز الهيدروجين وتجذب ذرات الهيدروجين تجاه بعضها البعض. ولد أكبر نجم معروف بعد 200 مليون سنة بعد الانفجار الكبير، لذلك يقدر عمره بــ 13.6 مليار سنة. يتم التعرف على نجوم الجيل الأول من خلال نقائها الكيميائي المكون فقط من الهيدروجين والهليوم. إن إضاءة النجوم الأولى تشير إلى إعادة تأين الغاز ونهاية "العصور المظلمة". وتشير ملاحظات القمر الصناعي بلانك إلى أن إعادة تأين الكون تصبح مهمة بعد 550 مليون سنة من الانفجار العظيم. تتكتل المادة الباريونية بكثافة لتكوين النجوم والمجرات الأولى. بالنسبة للغالبية العظمى من علماء الكون، فإن الطريقة التي تطور فيها الكون المرئي، منذ حقبة إعادة التركيب إلى مرحلة الهياكل والبنيات الكبرى وما يتعداها، إلى يومنا هذا، يمكن تفسيرها في إطار سيناريو حيث تشكلت المادة السوداء أو المظلمة بكميات تزيد بكثير عن المادة البايرونية ، مكونة من جسيمات ذات كتل لكن سرعها ضعيفة بالمقارنة مع سرعة الضوء . ولقد وفرت عمليات محاكاة متطورة ومتقدمة جداً من الناحية التكنولوجية مبررات وحججاً داعمة لهذا النموذج المعروف باسم (نموذج المادة السوداء أو المظلمة الباردة) وسمي هكذا بسبب ضعف سرعة جسيمات المادة السوداء التي افترضوا وجودها وانتجتها عملية المحاكاة الرقمية.

لا بد أن نتذكر أن هناك نوعان من الجسيمات، الجسيمات الذرية والجسيمات دون الذرية. من بين الجسيمات دون الذرية، هناك نوعان من الجسيمات: الجسيمات الأولية والجسيمات المركبة (مجموعات الجسيمات الأولية). من بين الجسيمات الأولية، هناك عائلتان كبيرتان: الفرميونات (الكواركات) [أعلى،أسفل،أسفل،ساحرة، قمة،غريبة.          up,down,bottom,charm,top,strange].  الليبتونات كالإليكترونات والميونات والتاوات ونيوتريوناتها والبوزونات: البوزون  Z، والبوزون W الفوتون، الغلوون، وبوزون هيغز). من بين الجسيمات المركبة، لدينا هادرونات ، مقسمة إلى عائلتين: الباريونات (مجموعة الفرميونات ، بما في ذلك البروتونات والنيوترونات) والميزونات (تجمع البوزونات). من بين الجسيمات الذرية هناك ذرات 94 من عناصر الجدول الدوري الموجودة في البيئة. تتكون الذرة من نواة ذرية تتكون من نوعين من النيوكليونات (البروتونات+ النيوترونات) التي تنجذب الإلكترونات حولها. ذرة الهيدروجين، العنصر الأول في الجدول الدوري، هي أبسط ذرة، تتكون من بروتون وإلكترون. على مستوى أعلى، تتجمع الذرات كيميائيًا لتكوين جزيئات.

يعتقد الباحثون أن أيون هيدريد الهيليوم، HeH +، كان أول جزيء يتشكل في الكون. لكنها نجت من الكشف في الفضاء. لقد أكدنا للتو اكتشافه في الوسط النجمي، في حطام نجم نهاية الحياة. أثناء ولادة الكون، أطلق الانفجار الكبير كمية كبيرة من الطاقة التي تحولت إلى حساء ساخن للغاية من الجسيمات الأساسية، وخاصة الإلكترونات والفوتونات والمكونات الأولية للنوى الذرية، الكواركات. تطورت هذه الوسيلة بسرعة ولكن ظهور الذرات والجزيئات جاء لاحقًا. إذا كان تاريخ تكوين الذرات مفهوما جيدا وتأكد اليوم من خلال ملاحظات مختلفة، فإن تاريخ الجزيئات الأولى أكثر غموضا. أي جزيء تم تكوينه أولاً؟ بالنسبة لعلماء الفلك، من المحتمل جدًا أن يكون هيدريد الهيليوم، يتألف من ذرة هيدروجين وأخرى من الهيليوم. ولكن لتأكيد هذه الفرضية، كان من الضروري العثور على هذا الجزيء في الوسط النجمي. تم الانتهاء من هذا المسعى فقط في الآونة الأخيرة.

لفهم سبب تشكل هيدريد الهيليوم أولاً، عليك العودة إلى الحساء البدائي للكون. منذ ولادته، تم تحريك الكون بديناميكية التوسع المكاني مما أدى إلى انخفاض سريع في درجة حرارته. هذا التبريد سمح بتشكيل عناصر جديدة. في أقل من ميكروثانية بعد الانفجار العظيم، اجتمعت الكواركات معًا من خلال تفاعل قوي لإحداث البروتونات والنيوترونات. وفي الدقائق التي تلت ذلك، بدأت هذه البروتونات والنيوترونات تتحد وتشكل أبسط النوى الذرية: نوى الهيدروجين (بروتون بسيط)، الديوتريوم (بروتون ونيوترون)، الهليوم (بروتونان ونيوترونان) ونادراً ما يكون الليثيوم (ثلاث بروتونات وثلاثة أو أربع نيوترونات). يتم تمثيل ذرات الكون الأولى هنا من خلال نماذجها المدارية، والتي تظهر مكوناتها دون الذرية. في الصفحات التالية، سيتم تمثيل الجزيئات والأيونات، المكونة من ذرتين على الأقل، بطريقة أكثر كلاسيكية، بواسطة كرات - تمثل الذرات - متصلة بقضبان، والتي تمثل الإلكترونات المشاركة في الرابطة الكيميائية.

من خلال الاقتران مع العديد من الإلكترونات التي تحتوي على البروتونات، تشكل النوى ذرات محايدة كهربائيًا. ولكن نظرًا لأن درجة حرارة الحساء لا تزال مرتفعة للغاية، فقد انتزعت الفوتونات النشطة للغاية الإلكترونات من هذه الارتباطات على الفور. ظل الحساء البلازمي من المكونات المشحونة كهربائيًا، والأنوية والإلكترونات، لمئات الآلاف من السنين. الفوتونات، في تفاعل دائم مع هذه الجسيمات المشحونة، التي لا يمكن أن تنتشر بحرية عبر مسافات طويلة. نتيجة لذلك، ظل الكون معتمًا لما يقرب من 380.000 سنة. ثم، في ذلك الوقت، انخفضت درجة الحرارة بما يكفي لتشكيل الذرات المحايدة الأولى بشكل دائم، مما سمح للفوتونات بالانتشار والهروب، مما يشكل إشعاعًا بقاياه، "الخلفية الكونية الميكروية".

من بين جميع النوى الذرية المتنافسة على الإلكترونات، كان الهيليوم أول من شكل ذرات محايدة. ماذا عن الهيدروجين أو الليثيوم؟ الهيليوم، العنصر الأول الخامل، أو "الغاز النبيل" (أو "الغاز النادر") في الجدول الدوري للعناصر، يكون مستقرًا بشكل خاص عندما يحتوي على إلكترونين. وبعبارة أخرى، يستغرق سحب الإلكترون طاقة أكثر بكثير مما يتطلبه، على سبيل المثال، للهيدروجين. يتم تفسير هذا الاستقرار من خلال البنية الطبقية للإلكترونات في الذرات. عندما تمتلئ الطبقة، يكون التجميع أكثر استقرارًا؛ لكن الطبقة الإلكترونية الأولى تحتوي على مكانين. في ذرة الهيدروجين، التي تحتوي على إلكترون واحد فقط، لا يتم ملء هذه الطبقة الأولى، على عكس الهيليوم.

في بداية الكون، عندما بدأت نوى الهيليوم تلتقي بالإلكترونات، كانت تملأ الطبقة الأولى من السحابة الإلكترونية دون أن تتمكن نوى الهيدروجين من اللحاق بهذه العملية من الالتقاط الإلكترونات، وقبل فترة طويلة من وجود نوى الليثيوم لجمع كل الإلكترونات الثلاثة اللازمة لتصبح ذرات محايدة. مطاردة الإلكترون لفترة وجيزة، احتوى الكون على ذرات الهيليوم المحايدة والأغلبية العظمى من نوى الهيدروجين (البروتونات وحدها)، التي بدأت شحنتها الكهربائية تلعب دورًا مهمًا في التطور الكوني. مع تبريد الوسيط، تباطأت البروتونات تدريجيًا وانجذبت أكثر إلى الكيانات المشحونة سلبًا. ولكن بما أن الهليوم كان قد استولى بالفعل على جزء كبير من الإلكترونات، فإن الإلكترونات الحرة كانت نادرة، وكانت التقريبات المباشرة بين البروتون والإلكترون أكثر استثنائية. في المقابل، انجذبت البروتونات إلى الإلكترونات الموجودة في ذرات الهيليوم المشكلة حديثًا. على الرغم من أن الهليوم بالكاد يفقد إلكتروناته، إلا أن بعض ذرات الهيليوم انتهى بها التصادم المتكرر لتجميع إلكترونهما مع نوى الهيدروجين. هذه هي الطريقة التي تشكلت فيها الروابط الكيميائية الأولى، مما أدى إلى ظهور أنواع كيميائية تتكون من الهيليوم والهيدروجين، تسمى "هيدريد الهيليوم" أو حتى "الهلينيوم". مع الصيغة الكيميائية HeH +، فإن هذا الأيون الجزيئي - سوف نسمح لأنفسنا بمصطلح "الجزيء" الذي، بعبارة أدق، يعين بنية محايدة كهربائيًا - وبالتالي سيكون أول مركب معقد موجود بكميات كبيرة في الكون.

حقيقة أن الهيليوم كان العنصر الأول في تكوين روابط كيميائية يبدو مفاجئًا لنا، لأننا نعتبر عادةً الهيليوم كعنصر أقل احتمالًا للارتباط مع الآخرين، ذرات هذا الغاز النبيل. وجود عدد من الإلكترونات التي تضمن ثباتًا عاليًا. ولكن في بدايات الكون، كان الوضع في الواقع خاصًا جدًا: كان الهيليوم "البنك الإلكتروني" الوحيد الراغب في "إقراض" الشحنات الإيجابية، البروتونات.

تم دعم هذا السيناريو بقوة من خلال الحجج النظرية لعدة عقود، لكن الملاحظات الملموسة كانت لا تزال تفتقر إلى تأكيده. الجزيء HeH + بعيد المنال بشكل خاص. لا يمكن أن تتكون بشكل طبيعي على الأرض، إلا في ظل ظروف مختبرية خاصة. كما أنه لم يلاحظه أحد في الفضاء لفترة طويلة جدًا؛ ولكن في عام 2019، أعلن رولف جوستن، من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي، في بون، ألمانيا، وفريقه أنهم لاحظوه لأول مرة، متربصين في السديم الكوكبي الناتج عن وفاة نجم. بدأ البحث قبل أربعين عامًا، وقد أثمر أخيرًا وملأ فراغًا في معرفتنا باللحظات الأولى للكون. لذلك تمت إضافة جزيء HH إلى قائمة الجزيئات خارج كوكب الأرض المعروفة. حتى الآن، اكتشف العلماء أكثر من 200 نوع كيميائي في الفضاء. الكيمياء الفلكية، مجال الدراسة الذي يركز على الهياكل والظواهر الكيميائية خارج الأرض، يهدف إلى تحديد الجزيئات والأيونات الجزيئية الموجودة في الفضاء، وكيف تتشكل هذه المركبات، وما يجلب تطورها إلى الفيزياء الفلكية، من وجهة نظر نظرية وكذلك الملاحظة. من بين "الجزيئات الفلكية" المعروفة، تنتشر على نطاق واسع مثل الماء (H2O) والأمونيا (NH3) أو الفورمالديهايد (CH2O). البعض الآخر غير عادي للغاية، مثل H2Cl +، تم الحصول عليه عن طريق إضافة بروتون إلى حمض الهيدروكلوريك (HCl) و HO2 ، مقارنة مع بيروكسيد الهيدروجين أو "بيروكسيد الهيدروجين" (H2O2) المحروم من ذرة الهيدروجين. من بين المراوغات التي تمت ملاحظتها جزيئات مشحونة، وتجميعات مع إلكترونات غير متزاوجة، وأنماط غريبة من الجزيئات الأكثر شيوعًا. حتى أن العلماء رصدوا جزيئات متكونة من عناصر خاملة، مثل ArH +، الذي يحتوي على الأرجون، وHeH + الوافد الجديد. تهدف معظم مجالات الكيمياء إلى التطبيقات المصممة لجعل العالم أكثر كفاءة أو أكثر متعة أو أكثر أمانًا. تهتم الكيمياء الفلكية بالخصائص الأساسية للجزيئات: أي فهم الروابط الكيميائية أو استقرار الجزيئات وتحديد سبب انتشار أنواع كيميائية معينة أكثر من غيرها. من خلال دراسة الكيمياء في العمل في بيئات مختلفة جدًا عن الأرض - بما في ذلك درجات الحرارة والضغوط والمكونات غير العادية المتاحة - يكتشف العلماء الجزيئات التي تزعج تمثيلاتهم المألوفة للتفاعلات الذرية وبالتالي تعمق فهمهم الكيمياء. في نهاية المطاف، يأمل علماء الفلك في فهم كيف أدت الظواهر الكيميائية في الفضاء إلى المكونات التي انتهى بها الأمر على كواكب النظام الشمسي والتي أدت في النهاية إلى ظهور الحياة على الأرض.

أين يختبئ HeH

في عام 1925، اكتشف المختبر والعالم الكيميائي ثورفن هوغنس Thorfin Hogness ومساعده إدوارد لون في مختبره بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في الولايات المتحدة، أن خليطًا غازيًا من الهيليوم والهيدروجين داخل غرفة تفريغ أدى وجود قوس كهربائي إلى توليد أيونات مختلفة من كتل مختلفة. من أجل التعرف عليها، استخدموا التحليل الطيفي الكتلي الذي يقيس نسبة الكتلة / الشحنة للأيونات المنتجة؛ وقد أظهر تنفيذ هذه التقنية، التي كانت جديدة آنذاك وباتت شائعة جدًا اليوم، أن هذه النسبة كانت تساوي 5 لأيونات معينة. خلص هوغنس Hogness ولون Lunn ، من البيانات المتاحة لهم ، إلى أنهما قاما بتكوين الأيونات الجزيئية HeH +. في الواقع، كانت تحتوي على خمسة بروتونات أو نيوترونات، وبالتالي فإن كتلتها هي خمسة أضعاف الكتلة الأولية للبروتون (كتل البروتون والنيوترون قريبة جدًا، في حين أن كتلة الإلكترونات لا تذكر بالمقارنة). من ناحية أخرى، تستحق شحنتها مرة واحدة الشحنة الأولية للبروتون. وبالتالي، فإن نسبة الكتلة / الحمل هي في الواقع 5 في هذه الوحدات.

ومع ذلك، فقد أثبت HeH +، وهو "جزيء" غير مستقر للغاية بما في ذلك عنصر خامل، صعوبة بالغة في الدراسة، حتى في ظل ظروف مخبرية خاضعة للرقابة الدقيقة. في الكون الصغير، ربما كان HeH + أكثر استقرارًا، لأن هذا الأيون الجزيئي يميل إلى فقدان بروتون H + عند أدنى تأثير أو تفاعل مع ذرة أخرى. في هذا التجميع، يجمع الهيليوم إلكترونين، بينما لا يجلب الهيدروجين أيًا من هذا النوع من الروابط الكيميائية غير المستوية، يسمى "رابطة التنسيق التساهمي"، أضعف وبالتالي أكثر هشاشة من الرابطة التساهمية التقليدية، حيث تساهم الذرتان في تجميع الإلكترونات بطريقة أكثر تناسقًا.

في عام 1978، كان جون بلاك، الذي كان آنذاك في جامعة مينيسوتا، أول من دافع عن فكرة أن HeH + يمكن أن يظل في الفضاء على الرغم من عدم استقراره الكبير. واقترح أيضًا أن السدم الكوكبية، هذه السحب الساخنة جدًا للغاز والغبار التي طردتها النجوم الضخمة في نهاية حياتها، كانت أماكن جيدة للبحث عن هذا الجزيء. في هذه السحب الكروية التي يشغل نجمها مركزها، توجد بالفعل طبقة رقيقة من الهيليوم المتأين (وبالتالي مشحونة)، في وجود ذرات هيدروجين محايدة؛ إن الجاذبية القوية التي يمارسها الهليوم المتأين على الإلكترونات تجعل الأيون عرضة لـ "استعارة" إلكترون من الهيدروجين (وهو الوضع المعاكس تقريبًا لحالة الكون البدائي). وهكذا فإن هذا الإلكترون المشترك سيخلق رابطة.

لهذا السبب، منذ أواخر السبعينيات، بحث الفلكيون، بالتعاون مع الكيميائيين، عن أيون الجزيء HeH + في العديد من الأماكن، من حدود الكون إلى محيط النجوم فائقة الكتلة. ولكن لعدة عقود، لم يسفر هذا البحث عن أي شيء، مما دفع البعض إلى الشك في الدور الحقيقي الذي يلعبه HeH + في الكيمياء البدائية للكون. هل شكل الهيليوم بالفعل روابط مع H +؟ يبدو أنه يجب أن يكون، لأنه لم يكن هناك شيء آخر لتشكيل روابط كيميائية في تلك العصور القديمة. ولكن إذا كان HeH + قد تدرب جيدًا، فأين هو؟ التوقيعات الجزيئية

في حين سعى البعض لاكتشاف HeH + دون جدوى، اكتشف علماء الفلك في الفضاء العديد من الجزيئات الأخرى التي لم يتوقعوها. بالنسبة للبعض، لم يتمكنوا حتى من التعرف عليهم. بدأت هذه القصة في عام 1919 عندما شاهدت ماري ليا هيجر، في مرصد ليك بجامعة كاليفورنيا، سلوك النظام الثنائي للنجوم (على غرار شموس تاتوين في ملحمة حرب النجوم). أسفرت ملاحظاتها عن نتائج مدهشة.

نظرًا لأن جزيء نوع كيميائي معين له ترتيب محدد جدًا للذرات والإلكترونات، فإنه يمتص الضوء بطريقته الخاصة. هذا يعطيها توقيع فريد. بفضل التحليل الطيفي، وهي تقنية تتكون من تحطيم الضوء إلى مكوناته المختلفة التي تختلف في أطوالها الموجية، يكشف الفلكيون عن خطوط أو نطاقات أغمق. تتوافق "نطاقات الامتصاص" هذه مع الأطوال الموجية الممتصة بواسطة الجزيئات التي تشكل الوسط الذي يجتازه الضوء ال. وبالتالي، يساعد تحليل الطيف على تحديد الجزيئات.

في حالة النجوم التي درستها ماري ليا هيجر، حيث تدور النجمتان حول مركز الجاذبية المشترك، خضعت الخصائص الطيفية للضوء القادم من الغلاف الجوي لكل نجم من النجوم إلى اختلافات في أطوال موجاتها بواسطة l 'تأثير دوبلر: لكل نجم، تحولت الخطوط الطيفية نحو اللون الأزرق عندما اقتربنا من النجم ونحو الأحمر عندما ابتعدنا. لكن عالم الفلك الأمريكي لاحظ أيضًا توقيعات جزيئية غريبة: نطاقات بقيت ثابتة على الرغم من حركة النجوم. بملاحظة نظام ثنائي آخر، كرر نفس النمط نفسه. ثم أظهر علماء فلك آخرون أن هذه العصابات غير المتحركة كانت موجودة أيضًا عندما وجهوا تلسكوباتهم إلى نجوم مفردة. استنتجوا أن هذه العلامات يجب أن تكون تلك الجزيئات الموجودة ليس في الغلاف الجوي للنجوم نفسها، ولكن في المناطق الباردة الشاسعة التي تفصل بينها. كانت الحقيقة الأكثر إثارة للدهشة هي أن هذه التوقيعات كانت متطابقة تقريبًا لجميع النجوم التي تمت ملاحظتها، وحتى للملاحظات خارج المجرة.

هذه العلامات، تسمى "العصابات بين النجوم المنتشرة" (BID)، كانت في كل مكان. ثم قام العلماء بفحص توقيعات الجزيئات المعروفة للكيميائيين، سواء كانت موجودة في حالتها الطبيعية على الأرض، أو تم توليفها في المختبر أو ملاحظتها في الفضاء باستخدام التلسكوبات الراديوية. لا شيء يقابل BIDs: لذلك جاء الأخير من جزيئات غير معروفة.

اقترح ويليام كليمبرر من جامعة هارفارد وأحد رواد الكيمياء الفلكية أن BIDs هي السمة المميزة للأيون S3− ، المكون من الجزيء S3 trisulfur. عندما رفض الباحثون هذا الرصاص، كان ويليام كليمبرر مغامرًا لدرجة أنه كتب: "لا توجد طريقة أفضل لفقد سمعتك العلمية من التكهن بشأن أصل الفرق المنتشرة بين النجوم. تم تداول العديد من الفرضيات حول أصل BIDs لعقود، ولكن لم يثبت أي منها: تم اعتبار هذا اللغز الأكثر صعوبة في التحليل الطيفي. جزيء مدهش وغير متوقع

كانت واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للفضول أن العصابات بين النجوم المنتشرة تنشأ من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات أو PAHs. هذه الجزيئات، المكونة من صفائح ذرات الكربون التي تشكل سداسيات، هي المكونات الرئيسية للسخام والإسفلت والجرافيت. من غير المحتمل أن تتفاعل مع الجزيئات الأخرى، لكنها تميل إلى التمسك بها. بالنسبة للعلماء الفلكيين، فإن المشكلة مع PAHs هي أن لديهم العديد من الأصناف المتشابهة إلى حد ما التي لا يمكن تمييز علاماتها الطيفية تقريبًا عن بعضها البعض. لذلك من الصعب استخلاص تفاصيل توقيعات PAH من مقياس شامل. يبدو أن الشيء نفسه ينطبق على BIDs: كان من الصعب استخراج خطوط امتصاص دقيقة من هذه النطاقات المنتشرة والمعقدة. هل يمكن أن تفسر الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات المنتشرة بين النجوم؟ مثال على هيدروكربون عطري متعدد الحلقات (PAH، علوي) وجزيء بنزونيتريل (أسفل)، هيدروكربون عطري نادر قريب من PAH، تم اكتشافه في الفضاء في عام 2018.

اكتسبت هذه الأنواع من الأفكار أرضية بين علماء الفلك بدءًا من السبعينيات، ولكن كانت تجربة واحدة مفيدة. في الثمانينيات، عمل الكيميائي هارولد كروتو في جامعة ساسكس في إنجلترا مع فريقه للكشف عن جزيئات جديدة في الفضاء. لقد سمع عن تجربة قام بها الكيميائيان روبرت كيرل وريتشارد سمالي، في جامعة رايس، في الولايات المتحدة، حيث قاما بتوجيه شعاع ليزر قوي جدًا على سطح من الألومنيوم لجعله يتبخر جزء من المعدن. من خلال التصلب مرة أخرى، أدت هذه المادة إلى ظهور جزيئات ألمنيوم كبيرة جديدة. اقترح هارولد كروتو أن الأمريكيين يستبدلون الألمنيوم بالكربون لمعرفة ما إذا كان من الممكن تكوين جزيئات الكربون المرصودة في النجوم الحمراء العملاقة. ظهر جزيء غير عادي: C60، يتكون من ستين ذرة كربون مرتبة مثل كرة القدم. في عام 1996، حصل هارولد كروتو وروبرت كيرل وريتشارد سمالي على جائزة نوبل في الكيمياء لاكتشافهم عائلة الفوليرين التي تحتوي، من بين أمور أخرى، على هذا الجزيء المسمى "footballene" أو "buckminsterfullerene" (على شرف المهندس المعماري Buckminster) فولر، معروفة بقبابها الجيوديسية).

كان هارولد كروتو مقتنعًا بأن الفوليرينات كانت موجودة في الفضاء وكانت مصدرًا لبعض المكونات بين النجوم المنتشرة. إلا أن القليل من العلماء تبعوه، ولم يصر على ذلك الاتجاه. ولكن في عام 2010، بعد ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا من اكتشافها في المختبر، لوحظ الــC60 وابن عمه C70 في مجال الأشعة تحت الحمراء، في السديم الكوكبي Tc1 لكوكبة Cygnus. لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه الجزيئات مرتبطة بـ BIDs في الضوء المرئي. وقد اقترح هذا العمل النظري، ولكن لم يكن لدى العلماء تأكيد تجريبي. في عام 2015، تم تصنيع كاتيون (أيون موجب الشحنة) من الفوليرين، C60 +، في المختبر وتم تسجيل توقيعه الطيفي في الأشعة تحت الحمراء القريبة. واحد، ثم ارتبط اثنان من نطاقات الامتصاص لهذا الأيون بالأطوال الموجية للنطاقات بين النجوم المنتشرة المعروفة. بعد ذلك، أظهر الباحثون أن هذه التوقيعات تتوافق مع أربعة أو خمس معرّفات. ثم، في عام 2019، بفضل تلسكوب هابل الفضائي، مارتن كوردنر ، من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا في الولايات المتحدة ، وفريقه قاموا بدقة بقياس أطوال موجات BID المرئية في اتجاه أحد عشر النجوم ، معظمهم نجوم عملاقة حمراء قديمة. وخلصوا إلى أن BIDs هذه تتوافق بالفعل مع البيانات التجريبية المتعلقة بـ C60 +، مما يؤكد مساهمة هذا الأيون في BIDs معينة.

يكشف هذا الاكتشاف بشكل أعم أن نوعًا واحدًا على الأقل من الجزيئات يترك بصماته بالتأكيد على الفضاء بين النجوم. يعتقد أن الفوليرين يتشكل هناك من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، والتي يجب أن تكون موجودة أيضًا في الفضاء. بدأت القرائن الأولى في التراكم من عام 2018، عندما لاحظ الباحثون لأول مرة التوقيع الطيفي للجزيئات القريبة من عائلة PAH. الجزيء الذي اكتشفوه، البنزونيتريل (C6H5-CN)، هو هيدروكربون عطري نادر مع حلقة واحدة من ذرات الكربون، مما يجعل اكتشافه أسهل من PAHs. حتى وقت قريب، اكتشف العلماء سيانونفتالين من دورتين، مما يدل على أن الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات موجودة أيضًا في الفضاء بين النجوم. تم اكتشاف HeH + على الرغم من كل هذه التطورات في الكيمياء الفلكية، ظل HeH + غير مرئي في الكون. يعتقد أن الجزيئات الأولى اختفت بسرعة كبيرة في شباب الكون. مع توسعه وتبريده، بدأت نوى الهيدروجين المعزولة المتبقية في التقاط الإلكترونات نفسها. اصطدمت هذه الذرات أحيانًا بأيونات HeH +. عندما حدث ذلك، تم كسر رابطة He-H الضعيفة نسبيًا في الأيون وتم إنشاء رابطة أقوى بكثير بين ذرتي الهيدروجين لتكوين أيون H2 +. من جانبها، وجدت ذرة الهيليوم نفسها معزولة. بعد تكوين HeH +، تقوم ذرات الهيدروجين في الوسط بتفكيك هذه الجزيئات ضعيفة الارتباط وترتبط بالبروتون وبالتالي يتم إطلاقها لتشكيل الجزيء H2 + الأكثر ارتباطًا بقوة.

إذا التزمنا بهذا السيناريو، فإن الوجود القصير لـ HeH + لن يكون له أهمية تذكر في مجرى تاريخ الكون. لكنه أبعد ما تكون عن الحالة. استنادًا إلى نماذج التفاعلات الكيميائية المحتملة في ذلك الوقت، يعتقد علماء الفلك أنه بدون وجود HeH +، فإن أيون H2 +، بالإضافة إلى جزيء الهيدروجين ، H2 ، قد يكونان قد شكلوا ببطء أكبر: المسارات الأخرى مما يؤدي إلى هذه المركبات تتطلب المزيد من الطاقة. ثم ولد تكوين H2 للعديد من الأنواع الكيميائية الأخرى: H3 + أيون، الذي أنتج CH +، والذي أنتج نفسه CH2 + وسلسلة من الجزيئات الأخرى. في نهاية المطاف، أدى هذا التتالي إلى ظهور الماء (H2O) والإيثانول (C2H5OH) وجزيئات أكبر. كل هذه التحولات لها أصل الروابط الضعيفة وغير المتكافئة في HeH +؛ بدون هذا الأيون، سيكون الكون مختلفًا تمامًا عن الكون الذي نعرفه. HeH + يقود الطريق :

سمح تكوين هيدريد الهيليوم بتشكيل H2 +. هذا سمح بعد ذلك بتكوين العديد من الجزيئات الأخرى. بدون HeH +، ولو كان الأمر غير ذلك لكانت عملية التركيب هذه في الكون أبطأ.

في عام 2013، شعر علماء الفلك بالإحباط لأنهم ما زالوا لا يستطيعون اكتشاف HeH +. ولكن في ذلك العام، ظهر بصيص من الأمل عندما اكتشف الباحثون أيون ArH +، الذي يحتوي على الأرجون - عنصر خامل مثل الهيليوم - في سديم السرطان، من بقايا السوبرنوفا. ثم ركز العلماء أبحاثهم على HeH + في بيئات مماثلة شديدة الحرارة. ومع ذلك، نشأت مشكلة كبيرة. الخطوط الطيفية المستخدمة لتحديد حالة الأرض لـ HeH + قريبة جدًا من تلك الخاصة بانتقالين، من حالة داخلية إلى أخرى، للجزيء CH (أول جزيء تمت ملاحظته في الفضاء). لم يكن هناك تلسكوب في الخدمة قادرًا على تمييز توقيعاتهم الطيفية.

ثم تم استدعاء مرصد الستراتوسفير لعلم الفلك بالأشعة تحت الحمراء (صوفيا، لمرصد الستراتوسفير لعلم الفلك بالأشعة تحت الحمراء)، نتيجة للتعاون بين وكالة ناسا والمركز الألماني للملاحة الجوية والفضائية. (DLR) - وكالة الفضاء الألمانية. إنه تلسكوب الأشعة تحت الحمراء المحمولة جوا: في جانب الطائرة، طائرة بوينج 747 محولة، حيث تم استحداث فتحة للسماح للتلسكوب بعمل ملاحظات على علو شاهق. في مايو 2016، استخدم فريق دولي صوفيا لمدة ثلاث ليال لمسح الفضاء. يمتلك تلسكوب صوفيا دقة طيفية كافية لتمييز المؤشر الطيفي الفريد لـ HeH +، على تردد 2010.184 غيغا هرتز (في الأشعة تحت الحمراء البعيدة). بعد تحليل دقيق للبيانات التي تم جمعها، تم نشر النتيجة في عام 2019: إنها في بقايا نجم في نهاية الحياة في السديم الكوكبي NGC 7027 ، في كوكبة Cygnus ، أن فريق رولف جوستين اكتشف التوقيع الكيميائي المطلوب لفترة طويلة.

من المؤكد أن أيونات HeH + المكتشفة ليست تلك الموجودة في الكون البدائي: إن المركبات التي أوضحها رولف جوستين وزملاؤه تم إنتاجها في الآونة الأخيرة بدون شك. لكن هذا الاختراق يساعد على صقل معرفتنا بهذه الأنواع الكيميائية. إنه يوفر أدلة للظروف السائدة في الكون البدائي عندما كان HeH + المركب الوحيد الموجود في الفضاء. من المحتمل أيضًا أن يوفر هذا الاكتشاف معلومات حول مكان العثور على HeH + في الفضاء اليوم: سيبحث العلماء في السدم الكوكبية الأخرى، أو في مناطق أخرى من الكون المرئي لم تستكشف حتى الآن، حيث ستشكل ملاحظتهم قفزة هائلة في الماضي. أسئلة أصعب من أي وقت مضى:

نحن نعيش في عصر مثير للكيمياء الفلكية. تم الرد على ثلاثة أسئلة رئيسية في وقت قصير. لقد لاحظ العلماء أول جزيء تشكل في الكون، تم تحديده لأول مرة من توقيعات كيميائية معينة للنطاقات المجهولة والغامضة المنتشرة، وأخيرًا ، اكتشفوا الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في الفضاء.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر عمليات إعادة البناء المختبرية الجديدة للظروف المادية بين النجوم كيف أن قواعد النيتروجين والأحماض الأمينية، والكتل الأساسية لبناء الحمض النووي - أو الحمض النووي الريبي - والبروتينات، على التوالي. تقدم التلسكوبات المحمولة جواً مثل صوفيا أو التلسكوبات الفضائية مثل هابل أو حتى جيمس ويب في المستقبل، من خلال تحرير أنفسهم من الخسائر المرتبطة بالغلاف الجوي للأرض، منظورات واعدة في الدراسة الطيفية للأجسام النجمية التي من المحتمل أن تقدم تواقيع كيميائية جديدة.

الآن بعد أن قدمت الاكتشافات الجديدة إجابات على عدد من الأسئلة، تظهر المزيد من الأسئلة. يأمل علماء الفلك في الإجابة عن أسئلة أكثر صعوبة، مثل: "ما المركبات التي تستخدمها الطبيعة؟" "،" ما هي الأصول الجزيئية للحياة؟ "أو" ما هي الشروط الكيميائية اللازمة لتشكيل الكواكب الأرضية بدلاً من عمالقة الغاز؟ " إن مشاركة الإلكترونات بين الهيدروجين والهيليوم خلقت المادة كما نعرفها. مع اكتسابنا فهمًا أفضل لهذه العمليات الكيميائية، سنكتسب فهمًا أفضل للفيزياء الفلكية والتاريخ الشامل للكون.

التحقيق الطيفي في السديم:

يستخدم علماء الفلك بشكل رئيسي الضوء، وبشكل أعم، الإشعاع الكهرومغناطيسي لاستكشاف الكون. على سبيل المثال، من خلال تحليل طيف التردد (أو الطول الموجي) لهذا الإشعاع، حيث يمكنهم تحديد الجزيئات الموجودة في الفضاء.

عندما يكون للجزيء عزم ثنائي القطب غير صفري - أي توزيع غير متكافئ للشحنات الإيجابية والسلبية - فإنه يعرض العديد من حالات الإثارة المعروفة باسم "الدوران" أو العامل "الاهتزازي" أو "الإلكتروني"، والتي تعتمد على ظروف الطاقة مثل درجة حرارة أو كثافة المرحلة الغازية. يمكن الانتقال بين حالتين بفضل مصدر الطاقة، وامتصاص الفوتون على سبيل المثال. عادة، تتضمن التحولات الدورانية الفوتونات في مجالات الطول الموجي المليمتر وتحت المليمتر؛ التحولات الاهتزازية، في مجال الأشعة تحت الحمراء؛ التحولات الإلكترونية، أخيرًا، في المجالات المرئية والأشعة فوق البنفسجية و X. عندما يحلل الباحثون الضوء، تؤدي هذه الظواهر الانتقالية إلى خطوط طيفية يمكن ملاحظتها في الامتصاص أو الانبعاث أو تكون لها بنى معقدة للغاية مع أجزاء في الامتصاص وأخرى في الانبعاث.

لمراقبة خطوط الانبعاث، يجب استيفاء الشروط اللازمة (كثافة الغاز ودرجة الحرارة)؛ في بعض الحالات، تكون التحولات الدورانية موجودة في عشرات الترددات المختلفة. بالنسبة لخطوط الامتصاص - كما هو الحال في التجمعات بين النجوم المنتشرة - هناك حاجة إلى مصدر ينبعث منه خلفية قوية، مثل النجم، والجسم المدروس هو بشكل عام سحابة بين النجوم والتي تمتص الضوء من النجم إلى ترددات انتقال الجزيئات المدروسة. وأخيرًا، في بعض الحالات، يتكون الطيف من خطوط انبعاث قادمة من النجم (أو بيئته المباشرة)، وخطوط الامتصاص بسبب السحب الجزيئية الموجودة في مجال الرؤية.

في حالة هيدريد الهيليوم HeH +، الذي له عزم ثنائي القطب قوي، يحدث الانتقال الدوراني الأساسي (من حالة الدوران الملحوظة J = 1 إلى الحالة J = 0) غيغا هرتزكما لوحظ ذلك في 2010. منذ أن قام العلماء بتجميع هذا الأيون الجزيئي في المختبر، تم التعرف على العديد من التحولات الاهتزازية في الأشعة تحت الحمراء، وتوقع أنه تم تشكيله في أوائل الكون. ساهم البحث الطويل عن HeH + في الفضاء أخيرًا في عام 2016، عندما اكتشف الفريق بقيادة Rolf Güsten، انتقال الدوران الأساسي لأول مرة، باستخدام المرصد صوفيا، تلسكوب يعمل بالأشعة تحت الحمراء مُركب على طائرة مُعدّلة. في السديم الكوكبي NGC 7027، يحتوي الغاز على درجة حرارة وكثافة كافية لإثارة الجزيء ويؤدي إلى تحولات متكررة إلى حد ما لمستويات الطاقة J = 1 إلى J = 0، مما يجعل من الممكن بعد ذلك اكتشاف الخط في الانبعاثات. كانت هذه المهمة صعبة للغاية حتى الآن، إن لم تكن مستحيلة، من خلال وجود زوج من الخطوط الطيفية لجذر الميثيليدين CH الجذري، الذي تم فصله بواسطة بضع مئات فقط.

 

د. جواد بشارة

 

سارة طالب السهيلتقديم: يحتاج الاطفال والمراهقين الي اللعب كحاجة اساسية في نمو قدراتهم العقلية والنفسية والبدنية، حيث يمنحهم اللعب متعة التسلية وترفيه والتفاعل الانساني وتنشيط ملكات الخيال الابداع بجانب التخلص من الطاقات السلبية وتحقيق الاسترخاء.

هذه الحاجات الانسانية استغلها مبتكرو الالعاب لشباع حاجات هذه الفئات العمرية عبر العاب الفيدو جيمز وغيرها وتطويرها عبر اشكال عديدة من الالعاب الاليكترونية التي غزت شاشات المحمول والكمبوتر والسيبرات لتحقق ارباحا مالية طائلة مستفيدة في ذلك مما تتضمنه هذه الالعاب من الغاز واثارة وتشويق.

حققت الألعاب الإلكترونية اهدفا ممتعة  كوسيلة للتواصل والمشاركة والتفاعل الاجتماعي، مع الأصدقاء والإخوة والأشقاء، وبين الآباء والأبناء، حيث يجري اللعب ضمن إطار اجتماعي متفاعل. كما انها تنمي الذكاء عند الطفل وتوسع مداركه حيث تزيد من مستوى التركيز والتدقيق والفهم، وتنمّي التفكير بطريقة حل المشكلات، والتوجه إلى الهدف.

وعملت الالعاب الاليكترونية خاصة الفنية والموسيقية علي تنمية الوظائف الإدراكية من خلال تطوير هيكل الدماغ، وخلق مسارات عصبية جديدة وأجهزة إرسال لتحسين الأداء.

الألعاب الإلكترونية تشبه في معظمها الألعاب الرياضية التي يمارسها اللاعبون، لكنها تدار من خلال أجهزة التكنولوجيا، مثل: جهاز التلفاز، والفيديو، وجهاز الآي فون المحمول، وجهاز الكمبيوتر، وغيره، لكنها تسببت في غرس الميول العدوانية والاتجاه الي القتل واشكال متعددة من الجرائم في نفوس الاطفال والمراهقين مما بات يهدد سلامة المجتمعات وامنها الداخلي.

بل وتحولت هذه الالعاب الي ادمان أقرت به منظمة الصحة العالمية عام 2018، في الوقت الذي غفل فيه معظم الاباء والمربون عن مخاطر هذه الالعاب اوعلي الاقل قللوا من تأثيرها لانشغالهم بعملهم وربما حياتهم الخاص وانعزالهم عن ابنائهم وغياب التواصل الاسري الفاعل والحوار المشترك اوالحياة الاجتماعية المستقرة.

فرح الاباء بتعلم صغارهم بعض مفردات اللغة الانلجيزية، وتفاعلهم مع تكنولوجيا العصر الرقيمة، وقدرتهم علي فتح باب للحوار مع الاخرين، متغافلين بذلك عن ان صغارهم يتواصلون مع غرباء مختلفين في ثقافتهم وافكارهم وميولهم واهدافهم وعاداتهم وتقاليدهم، وان بعض الالعاب الاليكترونية تدس السم في العسل حين يتشرب الابناء منها ببطئ ثقافة العنف والقتل وتدمير الممتلكات ومواجهة رجال الشرطة او الدخول في حروب ناهيك عن استغلال الاطفال من جانب الجماعات الارهابية وامكانية تجنيدهم لاحقا فيقون في فخاخ منصوبة بدقة علي ايدي شياطين الانس.

ربما جاء وباء كورونا ليوقظنا علي حقيقية شديدة المرارة، وهي ان مجتمعاتنا تعيش منذ سنوات في ظل وباء الالعاب الاليكترونية وان العزلة الاجتماعية في المنازل ساهمت بشكل كبير في زيادة مبيعات الالعاب الاليكترونية واستخدامها بشكل مفرط، حيث ارتفعت اسهم شركات الالعاب في البورصات العالمية بسبب تزايد اللاعبين النشطين.

يؤكد ذلك  تقرير أعدته شركة الإنترنت الرائدة «تنسنت» ولعبة «ببجي موبايل»، أظهر أن قيمة سوق الألعاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ نحو 6 مليارات دولار بحلول عام 2021، وذلك مقارنة بـ4.8 مليار دولار في عام 2019.

ولاشك ان ذلك سيلقي بعواقب وخيمة علي حياتنا الاجتماعية والأمنية بعد انتهاء وباء كورونا حيث ستتعاظم افكار العنف والجريمة لدي الاطفال والناشئة.

 تعريف الالعاب الاليكترونية

الالعاب الالكترونية تعرف بأنها سلعة تجارية تكنولوجية وتمثمل جزءا من  الثقافة الرقمية الحديثة وتهدف للمتعة والتسلية  لكنها تخرج عن هذا االغطاء الي مضامين اخري اكثر خطورة علي الفرد والمجتمع.

بدات الالعاب الالكترونية بين عام 1967 م وعام 1969 م  بالصندوق البني  وهو أول نظام ألعاب فيديو متعدد اللاعبين و البرامج و مهد الطريق إلى تطوير العاب الفيديو حتى وصلت الى هذا الشكل الحالى.

أنواع الألعاب الإلكترونية:

تتعددالألعاب الإلكترونية حسب طبيعتها، فهناك  ألعاب المحاكاة كالتي تحاكي الواقع، مثل ألعاب سباق السيارات، أي تحاول إدخال اللاعب في أجواء تشبه الحقيقية.

وألعاب القتال: تلك التي تعتمد على النزالات والمعارك والحروب وما يندرج أسفل منها من أفكار.

وألعاب الحركة: وهي تعتمد على فنون الحركة من قفز وتسلّق وما إلى ذلك من أنشطة بدنية.

وألعاب المغامرات: ويندرج أسفل منها الألعاب التي تقوم على لغز وعلى اللاعب المساعدة في حلّه.

كما تتعدد العوالم الافتراضية، ومنها العوالم المخصّصة للتعليم التي تحاول خلق فرصة مناسبة للتعليم والتلقين، وهي من إيجابيات بعض الألعاب الإلكترونية.

العوالم المخصّصة للترفيه والتسلية، العوالم الموجّهة وهي التي تمثل مكمن الخطورة لانها تبث فكر معيّن عبر البيئات الافتراضية التي تخلقها للاعب، منها ما يعلّم المتلقّي العنف أو الإرهاب أو التفكير المنحرف يه.

خطورة الالعاب الاليكترونية

خطورة الالعاب الاليكترونية تكمن في جعل الصغار والناشئة يعيشون في عالم افتراضي وباستخدام مستوى هائل من التطور التقني يصبح هذه العالم الافتراضي  أقرب إلى العالم الحقيقي بسبب المحاكاة والتفاعل والتأثير البصري والصوتي والحركي، بجانب تنوع هذه الألعاب وجاذبيتها الي سقف الإدمان، وتسبب الكثير منها الحاق اضرارا نفسية بالصغار، وبعضها الاخر من مستوحى من الصراعات والحروب  تشكل به سلوكاً عدوانياً عند الأطفال والمراهقين وقد يدفعهم الي محاكاة هذه الحروب اذا ما تم استغلالهم من جانب الجماعات الارهابية.

وللأسف فان بعض هذه الالعاب تكسب الصغار مهارات شديدة السلبية بدءا من تعلم الألفاظ السوقية والعنصرية والألفاظ البذيئة مرورا بالعاب تحتوي على مشاهد جنسيه متنوعة بعضها يرتكب فيها جرائم اغتصاب والبعض الأخر جرائم تحرش جنسي وهو ما قد يعتقد الاطفال معه انه مسلي ويمكن تطبيقعه علي ارض الواقع.

وللأسف فان صانعو هذه الالعاب يستعينون بعلماء نفس وخبراء في الأعصاب والسلوكيات حتى يتم تصميم لعبة أكثر جاذبية مع التركيز على تقنية الإقناع، وتدور حروب بين الشركات المصعنة لهذه الالعاب للاستحواذ عقول الصغار والناشئة ويحققون من وراء ذلك اعلي الارباح التي قدرت بأكثر من ١٣٧ مليار دولار.

لعبة Fortnite

حقتت أرباح عام ٢٠١٨ أرباح أكثر من ٣ مليار دولار، وهي مشهورة بين الأطفال الذين عمرهم أقل من ١٢ عام، وتحتوي على الكثير من مشاهد العنف التى لا تصلح الا للأطفال الذين يبلغ أعمارهم اكبر من ١٢ عاماً. واللعب فيها  جماعي ومع أشخاص مجهولين وداخل العوالم الأفتراضية دون ان يكون هناك  سيطرة علي محتواها.

وقد اثبتت الدراسات والأبحاث فإن الألعاب الإلكترونية تسببت في وقوع المآسي خلال الخمسة والثلاثين عاماً الأخيرة بازدياد السلوك العنيف وارتفاع معدل جرائم القتل والاغتصاب والاعتداءات الخطيرة ب المجتمعات.

كل شعوب العالم شهدت وقوع ضحايا ابرياء لهذه الالعاب، مثل لعبة الحوت الأزرق ومريم وكذلك بوبجي وغيرها، والتي دفعت مراهقين إلى الانتحار والقتل والعنف، ورغم ذلك فان هذه الجرائم تعد نقطة في بحر مخاطر الالعاب الاليكترونية المتوقعة، حيث تقود تقنية الواقع الافتراضي الي زيادة نسبة العنف بين اللاعبين عبر توافر أجواء خيالية يشعر فيها اللاعب أنه داخل الحدث يقاتل بنفسه، ويسرق ويفكر بعبقرية في الهروب من الشرطة.

وقد تدفع الالعاب الاليكترونية الاطفال الصغار الي السرقة وربما احترافها حتي لو بدأت بسرقة الالعاب التي يحبها من المتاجر والاسواق لتصبح عادة سلوكية منحرفة  بعد ادمانه لهذه الالعاب.

أسباب انهماك الاطفال في الالعاب الاليكترونية

 للاسف، فان كثير من الاباء والامهات تسببوا في ادمان صغارهم لهذه الالعاب، بتوفير هذه الالعاب  للابناء بغية اسكاتهم والهائهم، والبعض الاخر من اولياء الامور تجاهلوا اهمية القيام بدورهم الرقابي علي الابناء مع غياب للغة الحوار والدفء وظهور حالة من التوحد، وكل هذه العوامل وتوفر للصغار بيئة غير سوية نفسيا وجعلتهم نهبا لالعاب الاليكترونية وتجارها وسمومها بما تبثه من ثقافة عنف دموي وهدم للمقدسات القيم والهوية العربية وغرس روح الانانية واللامبالاة.

وعلي ذلك فان  قتل أحد الطلبة مستخدمي لعبة" ببجي" لمعلمته، يبدو امرا طبيعيا في ظل ثقافة هذه الالعاب التي تحقق اشباعا كبير من مغذيات العنف والرغبة في التدمير.

والطامة الكبري ان بعض هذه الالعاب تركز على تشكيل جماعات وعصابات والتواصل بين اللاعبين صوت وصورة من كافة أنحاء العالم ومن كلا الجنسين.

مشكلات صحية

وتسبب ممارسة الالعاب الاليكترونية في حدوث العديد من المشكلات الصحية مثل: إجهاد العين، والسمنة والكسل، والركون إلى الراحة، وعدم ممارسة الرياضة بشكل منتظم، والادمان، وفي هذا السياق كشفت مجلة المعلم  في دراسة لها عن قياس درجة إدمان استخدام الهاتف المحمول؛ عن أن الأطفال يعجِزون بدورهم عن التخلي عن أجهزتهم الإلكترونية لأكثر من 30 دقيقة، وخصوصًا مع الهاتف النقال.

والمفزع ايضا ان هذه الالعاب، قد ألهت الصغار عن الدراسة وجعلتهم يعزفون عن التحصيل الدراسي، مع تراجع دور الاسرة والعالم والمؤسسات الدينية، بل انها شجعت المراهقين علي الهروب من المدارس.

توصيات

وهنا يجب علي الحكومة الاردنية باجهزة اتصالاتها بذل الجهد لحجب هذه الالعاب الخطرة، وتوعية مستخدميها وذوايهم بخطورة هذه الالعاب.

ويجب ان يكون هناك مراقبة من الأسرة في المنزل للصغار وعدم تركهم فريسة سهلة لهذه التكنولوجيا المتطورة، والتحرّي عن الأشخاص الذين يلعبون معهم وأعمارهم.

منع الاطفال أقل من سنتين إلى 3 سنوات من استخدام الهواتف المحمولة مع الأطفال واستبدال حاجتهم للعب بادوات التلوين والصلصال والقصص والألعاب الحركية والمكعبات والكرة.

بذل جهود خبراء التكنولوجيا الرقمية في بلادنا الي ابتكار بدائل وأنشطة لجذب الشباب والأطفال خارج تلك الألعاب الإلكترونية، مثل إنشاء محتوى للألعاب الإلكترونية الهادفة وعمل مسابقات عليها يتم من خلالها جذب مستخدمي تلك الألعاب.

تشجيع الشباب الاردني لابتكار ألعاب مماثلة تكون تحت إشراف محلي، وبدعم من بعض المستثمرين الوطنين الشرفاء.

تشريع  نصوص قانونية يجرّم الترويج للألعاب الإلكترونية التي ثبت مخاطرها الفكرية والامنية.

للاعلام والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والمدنية دور مهم جدا حملات توعوية للاسر بمخاطر هذه الالعاب، ولدفعهم الي المشاركة الدائمة للأطفال وخاصة هذه الألعاب ومعرفة محتواها، اختيار الألعاب لهم المفيدة والتي تحفزهم على الإبداع، وقضاء وقت أطول بين أفراد العائلة لتقوية الترابط بينهم.

يمكن نشر الوعي بين الاباء بانواع الالعاب المفيدة للأطفال، لتنمية أساسيات الكتابة والقراءة لديهم وشراؤها من المتاجر الموثوق بها.

وفي ظل كورونا، اعتقد انه من الضروري العمل علي نشر الوعي باهمية الألعاب التنموية والتي تحتاج إلى تفكير كالشطرنج والألعاب الرياضية والعاب الالغاز وغيرها والالعاب الرياضية التي يمكن ان تؤدي في المنازل علي اصوات الموسيقي والاغاني المناسبة.

تشجيع الاباء ومؤسسات الاعلام الصغار علي تنمية مواهبهم الاخري كالموسيقي والرسم والنحت وكتابة الادب، او غرس ميول جديدة مثل تربية الحيوانات واقتنائها مثل الحمام والعصافير والقطط لشغل وقت الفراغ ولتبادل التفاعل الانساني مع الطبيعة.

وتبقي مشاركة الاباء مع ابنائهم لحظات لعبهم خطوة مهمة في تجنب مخاطر هذه الالعاب، وان لم يكن للاباء قدرة علي اللعب او فهم هذه االلعاب فيمكن ان يطلبوا من ابنائهم تعليمهم اياها ليشاركوهم فيها ومعرفة ابعادها وكشف ما فيها من مخاطر وتوضيحها للابناء.

 

سارة السهيل

 

"ميزة العقل ليست في حيويته.. انما بدقته!"

الان نحن بحاجة إلى الحديث وفي ظل الوباء، ليس عن كيفية الخروج من الحجر الصحي، ولكن كيف نعيش للحجر بأكبر فائدة؟ وكيف نصمد وننتصر بالحروب نفسية؟ وما هي اصلا الحروب النفسية؟؟ بالمعنى الواسع هي الاستخدام الهادف والمنهجي من قبل المعارضين للوسائل النفسية للتأثير بشكل مباشر أو غير مباشر على الآراء والمزاجية والمشاعر لسلوك المستهدفين لأجل إجبارهم على التصرف في الاتجاهات التي يأملوها، وتستخدم كمصطلح في كثير من الأحيان بمعنى أضيق وعبر مجموعة من الأعمال الأيديولوجية وحتى كدعاية تخريبية وكمزيج من التقنيات لتقويض ايي شكل من اشكال او اطر الوحدة الشعبية. وهي كعملية سياسية ونفسية تطبيقية تهدف إلى تقويض القاعدة الاجتماعية الجماعية وتدمير الثقة في صحة وجدوى الأفكار وإضعاف الاستقرار النفسي وتحطيم المعنويات والنشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكل أنواع النشاط الأخرى للشعوب والدول المتأثرة بالنزاعات، لان الهدف النهائي للحرب النفسية هو تحويل الوعي الجماعي والمشاعر الجماعية من الرضا او القبول او التأقلم والتحمل إلى الاستعداد لدعم المعارضين والرفض والاستياء والتخريب وترجمتها عبر مواقفهم السياسية والاجتماعية وكذلك إعداد وتفعيل ودعم أعمال شعبية للإطاحة بالأنظمة والحكومات والمؤسسات والاصول السياسية بواسطة الترغيب والاهتمام بالنماذج الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية ذات الطبيعة البديلة والمناقضة. ويتمحور المعنى الحقيقي للحروب النفسية بنقل الصراع الأيديولوجي والسياسي من مجال الوعي النظري إلى مجال تطبيق الوعي اليومي، وهي لا تتناول الحجج العلمية والمنطقية ولا العقل ولا حتى الحقائق، انما الظواهر اللاعقلانية كمشاعر وغرائز الفخر الاجتماعي والوطني والمصلحة الأنانية والطموحات السيادية والوطنية والاجتماعية في الحفاظ على الذات، وان مهمة نقل الكفاح من مجال إلى آخر هي نقله مستوياتية لعلم النفس اليومي بطريقة تخترق جميع مشاكل حياة الناس عبر إغراق الوعي الشعبي بعدد كبير من الصور النمطية الزائفة حول الإدراك والتفكير والأفكار المنحرفة عن السائدة في وجهات نظرهم السياسية والأحداث واتجاهات تطورها. وتتجلى الحروب النفسية  بكونها عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه في أي حرب أو نزاع مسلح بشكل ما يسمى الدعاية الخاصة المصممة للقوات والسكان المسالمين لمواجهة عدو حقيقي، كما أنها وسيلة من وسائل علم النفس السياسي العسكري، وفي زمن السلم وعبر سياق مواجهة السلطة مع خصم محتمل تعمل الحروب النفسية كأحد العناصر الرئيسية في المواجهة السياسية، فتفتعل وتنهج اختراق غير ملحوظ في الوعي عبر الوعد بأسلوب حياة جميل وهادئ ونشر قيمًا ومعايير سياسية مرغوبة عبر الموسيقى والبرامج التلفزيونية الترفيهية والأفلام والموضة مع عناصر الرمزية السياسية والأدوات المنزلية والترفيه والسياحة وغيرها، كما وان ذلك يشمل أيضا النشر الواسع للشائعات والقيل والقال كبديل للدعاية الرسمية لخصم سياسي. وكل هذا من جهة ومن جهة أخرى، فأن هناك عنصرا آخر وهو بناء وإدخال النكات السياسية في الوعي الجماعي وتكوين الأمثال الشعبية وتوحيد معظم تقنيات الاختراق غير المرئي في الوعي بفكرة الدعاية الاجتماعية ،عبر تركز مفاهيم الدعاية الاجتماعية على العدوى اللاواعية التدريجية لكل من الخصوم والحلفاء المحتملين مع العناصر الأكثر جاذبية لطريقة الحياة المفضلة، ولكونها شكليا تخلو من العلامات الأيديولوجية والأهداف السياسية فإن هذه الحرب فعالة من الناحية الإستراتيجية ومثيرة لاهتمام احتياجات ومصالح الناس لذا يمكن لها إن تعمل على عوامل طويلة الأجل لتحدد السلوك مستندة إلى التخطيط التفصيلي والتأثير التفاضلي وعلى مختلف القوى الاجتماعية-السياسية ليتم تنفيذ بنود الحرب النفسية بشكل تدريجي وعبر مراحل التأثير المتتالية.

إن الحرب النفسية تمثل انتهاك خاطئ ومشوه لقوانين المنطق وذلك لتفتعل التأثير على قطاعات المجتمع ضعيفة التثقيف الغير القادرة على فهم الانحرافات العقلانية وعرضه للتشكيك بالإيمان في امتلاك عناوين إيمانية بحتة، وكما لا تعد على أساس أنها جانبا مستقلا من العالم السياسي إنما هي أحدى مكونات نظام العلاقات السياسية لذا يمكن استخدام جميع عناصره وطرقه وأساليبه التي لها تأثير نفسي قوي، وكجزء من ذلك النظام فإن الحرب النفسية السياسية الهادفة لإضعاف المعارضين السياسيين محليا ودوليا وتقويض سلطة قادتهم وتشويه سمعة أعمالهم وذلك عبر كلا من السياستين الخارجية والداخلية، عبر استخدام الحروب الدعائية الفعالة من الناحية النفسية ضد العدو بالتزامن مع وسائل أخرى للتأثير ومواجهة الخصوم، على الرغم من أنها يمكن أن تكتسب في بعض الحالات طابعًا أكثر تشابكا وتعقيدًا، فالحقائق مملة لكنها تسمح لنا بتقييم المخاطر وقياس الجهود وتقييم العواقب، ونختم كلامنا بأن العلاقات السببية والحروب النفسية تتخلل واقعنا صعودا وهبوطا فإذا كنت لا تؤمن بالعقل فلا تعتمد على القلب، وإذا لم تشفي من الوباء فلا تلعن الحروب!!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الرضا حمد جاسمالتاليتان من الحياة وفيها من مظاهر التخلف او إشارات اليه وعنه.. الأولى حقيقية بتفاصيلها وشخوصها وأنا أحدهم والثانية قُصَّتْ عليّ! فلحنت فيها واظفت بما يناسب الموضوع.. وموضوعها ليس بغريب على العراقيين ففيه الكثير من الواقع

1- العالم الجليل والغشاش:

وانا في غرفتي في الطابق الثاني في معامل الشركة العامة لمنتجات الالبان/ أبو غريب لمحت أحد أكبر الأساتذة علماً في قسم الصناعات الغذائية والالبان/كلية الزراعة جامعة بغداد/ أبو غريب الأستاذ الدكتور العالم الجليل حامد العاني..استغربت لوجوده وحسبته في زيارة علمية فههمتُ لتحيته وهو استاذي في الكلية والقسم لم الحق به فدخلت غرف الزملاء رؤساء الشعب الإنتاجية بحثاً عنه ولم اجد له اثر..حيث لم تبقى سوى الحمامات والمكتبة المغلقة بشكل شبه دائم .. استفسرت من احد الزملاء فقال لي انه موظف جديد في المكتبة.. المكتبة التي ربما لم تُفْتَحْ منذ سنوات ولا فتحت بعد سنوات.. ذهبت لتحيته خَجِلاً وعرفتُ بعد ذلك انه مُبعد من الكلية ويعمل موظف /مأمور/أمين مكتبة المعامل التي لم يدخلها أحد قبله تقريباً ولم يدخلها خلال تواجده الا البعض الذي كان يبحث عن تحية الدكتور العاني و السلام عليه .. والدكتور العاني قليل الكلام حد السكوت.

 استاذ كبير عمراً وعلماً وأخلاقاً ..زاهداً..كان المتداول عنه ان له أبحاث مهمة في موضوع الانزيمات ومسجلة باسمه عالمياً..غير حزبي ملتزم دينياً له علاقات علمية مع جامعات عالمية مرموقة في مجال الكيمياء الحيوية والانزيمات..قصته بدأت حين كان مشرفاً على طلبة ماجستير عندما تم غلق القبول فيها على الحزبيين وفي احدى الامتحانات النظرية ضبط أحد طلاب الماجستير من الحزبيين يغش في الامتحان فقامت القيامة عليه..الغشاش صار استاذاً بعد ان اُبْتُعِثَ للحصول على شهادة الدكتوراه.. والعالم الجليل تحول الى مأمور/أمين مكتبه لا يدخلها أحد ليتقاعد منها. لك الذكر العطر والرحمة استاذنا الدكتور حامد العاني المحترم..وهو ونحن نعرف ان الكثير من الاجلاء العلماء حصل لهم مثل او بعض ما حصل له.

2- طالب ذكي ومدرس شجاع:

في الصف طالب يوصف بالغباء حيّر القائمين على الصف ومنهم المدرس المشرف..لم ينفع النصح والتشجيع في تحسن مستواه وزحزحته عن لقب الغباء الحاد..كان متحجراً في آخر(رحله/كرسي) في الصف لا يشارك ولا يتفاعل لكنه هادئ مشغول نظيف..تُرك هكذا حتى لا يُساء له او تزداد حيرته.

مُحير هذا الطالب في نظافة لبسه وهدوء سلوكه اثناء الاستراحة وانتظام حضوره للفصل لدراسي.. ذلك ما راكم َحيرة الأستاذ المشرف حيث كثيراً ما يُطرح اسم هذا الطالب في اجتماع إدارة المدرسة..

فَّكر الأستاذ المشرف كثيراً في حالته واعتبر النجاح مع هذا الطالب هدف سامي ونجاح له لكنه كان محتار كيف يبدأ الخطوة الأولى فاختيارها يحتاج دراسة ودقة وشجاعة وانتباه ..

اول وأسهل خطوة فكر بها الأستاذ هو ان يزحزحه من مكانه الذي تسمر به منذ اليوم الدراسي الأول في اخر الصف معتقداً ان لمكان الجلوس تأثير او هو الحاجب الذي يداري به الطالب حيرته وضياعه وهي خطوة غير مُحرجة للجميع ولا تثير اسئلة كثيرة.

أخبر الطلاب انه في الدرس الأول ليوم غد سنعيد ترتيب جلوس الطلاب في الصف..وفعلاً طلب منهم اخراج كراسة الدرس المكتوب عليها اسم كل واحد منهم

ووضعها على الْرَحْلَة (كرسي الجلوس) وان يغادروا الصف واغلق الباب عليه وأعاد توزيع الكراريس وطلب منهم الدخول ليجلس كلٍ منهم في مكانه الجديد

وسيكون هذا المكان شبه دائم.. المهم في كل تلك الحركة انه أجْلَسَ هذا الطالب في الصف الامامي ومع أفضل طالب في الصف.

اخذ الأستاذ يراقب الطالب بدقة لأنه امامه لكن دون ان يتعمد احراجه حيث كانت يده من بين التي لا تُرفع/ترتفع للإجابة على ما يُطرح من أسئلة..

مع الوقت أخذ هذا الطالب يتلفت يمين وشمال ليجد انه الوحيد او من القلة من الطلبة الذين لا يشاركون/يتفاعلون مع الحصة الدراسية .. وبعد أسابيع ومجاملات ورفقة جيدة من الطالب الذكي صارح زميله الذكي بكل جراءه وقال له:

 اشعر إني غيرك في الدرس وغير اخرين هل تُريد مساعدتي؟

 فقال الذكي النبيل بكل سرور نعم..

فقال له سأُعطيك سؤال تطرحه على الأستاذ وسأرفع يدي للإجابة عليه وأكيد عندما ينتبه الأستاذ الى يدي المرفوعة سيطلب مني الإجابة..

فعلها أول مره ونجح وفي الثانية والثالثة.. انتبه الأستاذ إلى ذلك وهو واثق من أن الطالب الذكي الذي يسأل يعرف الجواب..وفي المقابل فرح لمساهمة الطالب (الغبي)..فقرر البحث في الموضوع وتوصل ان هناك علاقة ما بين طارح السؤال والمجيب عليه فطلب من الطالب الشاطر السائل الحضور في وقت الاستراحة إلى غرفة المدرسين.. وحضر فستأذن الأستاذ زملائه لكي يختلي بالطالب فلبوا ذلك..

قال موجهاً كلامه للطالب: ارجوا أن تجيبني بصراحة عن التالي.. وطلب توضيح للحالة ..أجابه الطالب بكل صدق وصراحة..فَرِحَ الأستاذ كثيراً وسأل الطالب هل قلت لأحد من زملائك عن ذلك؟ فقال لا..فشكره على شجاعته وصراحته وأمانته وطلب منه الاستمرار بذلك

كرر الأستاذ الموقف مع نفسه كثيراً..وسأل نفسه: من كان البادئ؟ هل الطالب (الغبي) أم الذكي؟ ومن أوحى بالفكرة؟ إذا كان (الغبي).. فهذا ربما تأثير المكان والملازمة عندما جلس في الأمام بجانب الطالب الذكي..وهذه علامة صحة.. وهو يرغب أن تكون يده مرفوعة مع بقية زملائه وهنا تَحَوَلَ رأي المدرس عنه..وفي هذه الحالة ستكون المهمة أكثر سهوله

وإذا كانت تلك البداية من الطالب الذكي..فهذا نبل منه وحرص على الزمالة والرغبة في المساعدة وطيبة النفس التي تربى عليها وذكاء حاد تفتق عنه هذا

التصرف..وقال لنراقب الحالة كيف تتحرك وعندما تستقر على شيء جيد سنطورها

بعد فتره استدعى الأستاذ الطالب النبيل الذكي ليطلب منه أن يبادر هو على اختيار الأسئلة التي يسألها ويتفق مع الطالب (المهمل) أن يهيئ الجواب وأن تكون هذه الأسئلة من صلب المواضيع المطلوب تحضيرها..نجحت هذه المهمة وأصبح الطالب (المهمل) يُحَّضر دروسه لينتقل من (مهمل) إلى مجد.

بعدها طلب المدرس وفي التفاته عززتها ثقته بالطالبين وثقة الطالب الذكي به أن يستعد الطالبين معاً للامتحان الشهري القادم..وكان ذلك مهم بالنسبة له ولهما وتابع ذلك عن بعد من خلال ما ينقله له الطالب الذكي.. وقبل الامتحان بأيام قام الأستاذ باستدعاء الطالب الذكي وقدم له خمسة أسئلة ليجيب عليها تحريرياً فأجاب أجابه كأمله كعادته..فقال له أعطي هذه الأسئلة لزميلك وأخبره أنك تتوقع سؤالين أو ثلاثة منها ستأتي في الامتحان و لا تخبره بما جرى وأطلب منه أن يحاول حلها وكتابة الحلول أكثر من مره

وفي يوم الامتحان كان من بين الأسئلة الخمسة أثنين وردى نصاً والثلاثة الباقية تلاعب بها الأستاذ ولكن بنفس الخط العام وأضاف سؤال سادس والمطلوب الإجابة على خمسة أسئلة

كان زملاءه يراقبون التطور في مستواه ويشجعه البعض وبداء البعض يطلب منه مساعدته على سؤال يحيره والأخر يريد رأيه في شيء..وكان تفاعله مفرحاً لزميله الذكي وللأستاذ النبيل

جاءت نتيجة الامتحان وحصل على 80% حيث من فرحته وارتباكه من التحوير الذي ادخله المدرس على الأسئلة الثلاثة الأخرى لم يسعفه الوقت للاجا به على السؤال الخامس الذي تعّمد المدرس أن يعَقد فيه كثيراً.. فرح الطالبين والمدرس فرحاً كبيراً وأفرد له المدرس ثناء خاص أمام زملائه مثمناً جهوده ومثابرته وداعياً الآخرين إلى الاهتداء به وداعياً إياه لمواصلة الجهود لتقديم الأفضل والأحسن

بعدها أتفق الأستاذ مع تلميذه الذكي النبيل أن يعملوا على أن يشعر الطالب الذي أصبح مجداً على أن تكون هذه الدرجة هي الأساس وأن يعمل على تجاوزها مستقبلاً

وعندما استقرت الحالة ولاحظ المدرس انبهار زملاءه المدرسين بتطور هذا الطالب وتحسن درجاته في كل الدروس قرر بعد الاتفاق مع تلميذه النبيل الذكي بأنه سيفاتحه بما جرئ وفعلاً استدعاه لغرفة المدرسين وتكلم معه بصراحة وصدق وشّجَعَه على الاستمرار والتطور

فجثى الطالب على ركبتيه أمام أستاذه النبيل واغرورقت عيناه بالدموع فشكره الأستاذ ولمعت عينيه لما وصل إليه تلميذه من مستوى علمي.. ولشجاعته..و عرفاناً بالجميل..

شرح المدرس ما حصل إلى مدير المدرسة وتمنى عليه الحضور للدرس ومشاركته في تقديم هديه بسيطة لذلك النبيل الذكي فرحب المدير بالدعوة..وبعد تحية المدير والقيام والجلوس نادى على الطالب الذكي لاستلام هديته بعد أن شرح ما حصل خلال الفترة السابقة أمام زملائه

عندما تقدم الطالب لاستلام هديته جثي المدرس أمامه على ركبتيه وهو يقدم له الهدية أمام مدير المدرسة قائلاً: لقد علمتني درساً بليغاً.. لم تعلمني مثله كل الكتب التي قرأتها..شكر مدير المدرسة الجميع

وفي احتفالية يوم المعلم وبعد تحية العلم ألقى مدير المدرسة كلمه شرح فيها ما جرى وشكر الطالبين وأستاذهم النبيل.. ودعا الاستاذ لاستلام هدية أدارة المدرسة وأثناء تقديمها جثي المدير على ركبتيه أمام المدرس/الاستاذ في موقف خشوع صاحبه تصفيق حار/حاد وهو يقول: تعلمت منك كيف يكون الإنسان كبيراً..وكيف نحارب التخلف وكيف نتطور

وقبل انتهاء العام الدراسي وصل أمر نقل المدرس والمدير إلى وظائف كتابيه في مديرية بلدية محافظه أخرى بعيده عن أماكن سكناهم.. استناداً لقرار مجلس قيادة الثورة وفي حيثياته أنهما تصرفا بشكل يسيء إلى حرمة التعليم وسمعة المعلم التي حرص عليه المعلم الأول والقائد الملهم..والمفجع أن المدرس/الاستاذ النبيل توفي بحاث سير وهو عائد إلى عائلته في اول إجازة له.

وتبين بعد ذلك أن النقل جاء نتيجة تقرير رفعه صغير متخلف متحجر إلى مسؤوله الحزبي الذي زاد عليه من اقوال القائد ورفعه للأعلى..

 كان ذلك عندما أغلق جهاز التعليم حزبياً وكان هذان الجليلان من ضحايا ذلك الإغلاق لأنهما لم يدخلا صفوف الحزب القائد.

ملاحظه: صاحب التقرير يعيش الأن في أوربا وينتقد التخلف في بلاده بعد ان تخرج من الجامعة التي دخلها بعد ان حصل على خمسة درجات إضافية على المعدل لكونه حزبياً..

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

ظاهرة العولمة وحقيقتها: ليست إشكالية العولمة في صيغها إلا إشكالية أوربية خالصة. فهي كما نراها محاولة لتحويل مسار التاريخ الانساني إلى بعدٍ واحد وإلغاء الأبعاد الاخرى الوطنية والقومية وتغيير مجرى روافدها الاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية، إلخ. كما انها محاولة لإلغاء محددات الوجود الأسمى للتاريخ، وإيقاف التراكم التاريخي للشعوب. غير ان التجربة الانسانية في هذا المكان تشكل تراكماً معرفياً تاريخياً يسهم في إكمال وإنضاج تجارب إنسانية في مكان آخر. فهي إذن شرط ضروري في مجمل التجارب الانسانية الاخرى.. فكيف يتحول مسار التاريخ الانساني إلى بُعْدٍ واحد.؟

إن مسألة الإستلاب الوجودي لفهم التجربة في علاقاتها بتجارب إنسانية اخرى يعرض الحضارات الأنسانية الأساسية الى الإنحلال، لأن مكوناتها زمقوماتها والجذور التي تتأسس عليها تختلف من حضارة الى اخرى بحكم قوانين الطبيعة وقوانين التاريخ.

وعلى اساس هذا الفهم فأن التعارض او التلاقي ما بين الثقافات الانسانية مسألة مهمة والتعامل معها يشترط التحديد في ان الاسايتنافىسي يتلاقى والثانوي في ما بينها قد يتعارض ويتنافى، ولكن لا ينبغي التسليم  بإشتراط  نفي الاخر بالجملة وتحويله الى تابع  من الدرجة الاولى.

إن إشكالية العولمة في صيغة اطروحتها الحالية هي إشكالية اوربية محضة وإن في هذه الاشكالية مصدرين: احدهما اقتصادي والآخر ثقافي يتشكلان في وحدة الخوف من الخارج في ابعاده الحضارية. فالعنصر الاول: يتعلق بإشكالية النسيج الاقتصادي والاجتماعي الاوربي في قمته المرفهة، لأن الاشكالية في هذا المصدر تكمن في الخوف من نهوض الشرق . أما المصدر الثاني: فيتعلق بإشكالية التهديد الناجم عن منافسة  امريكا الثقافية والاقتصادية لأوربا والعالم لكون امريكا يعوزها العمق الحضاري .

ورغم ذلك فإن اوربا التي فقدت بعد الحرب العالمية الثانية سيادتها بفعل تبعيتها لأمريكا تحاول العودة لترسيخ دعائمها السيادية، ولكنها الآن على طريق التفكك البنيوي، إذ ليس العولمة مشكلاً كونياً، إنما هي مرض أمريكي يراد تصويره في شكل ظاهرة مطلقة. والمعروف إن الإطلاق في العولمة يجعل العولمة تحكم بصورة الوهم وكأنها فعل أصبح البشر يعيشون في ما يسمى حقيقة الإمكان الوهمي للعولمة. ولما كان الأمر يكمن في هذا المفهوم الذي يفرض خواص المركز الرأسمالي على الاخرين لتتشكل من ثم العولمة بذات البعد السلبي الاستعماري، فأن التسليم بالإندماج أو الدفاع عن الخصوصية يحول مجرى العلاقات الانسانية كما يحلو للغرب الى صراعات بين نموذجين احدهما يمثل الحضارات الاساسية الراسخة، والأخر يمثل التجمعات ذات النمط الحضاري الثانوي. وهو صراع بين الأسمى الضعيف والأدنى القوي .. أعني الشرق والغرب.!!

ومن الغريب ان يدعي البعض بأن العولمة لها بعد كوني واحد هو نتاج الحتميات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والتاريخية.. إلخ، التي تتشكل في بُعْدٍ أحاديٍ ينسجم مع التفسير الامريكي والصهيوني للعولمة، الذي يؤدي تدريجياً الى الهيمنة على العالم. غير ان العوامل المحركة للصراع والتنافس في واقع السياسة الدولية لا تسمح بخلق نظام أحادي القطب عن طريق القوة، والقوة في معناها العملياتي قد استخدمتها الولايات المتحدة في مجالين خطرين هما: التدخل العسكري المباشر، وإحكام قبضة العقوبات الاقتصادية. وكلا هاتان الاداتان تخالفان الاعراف والمواثيق الدولية، بإعتبارها من ادوات الإبادة الجماعية وضد حقوق الشعوب، فضلاً عن عدم إكتسابها الشرعية القانونية والاخلاقية. ورغم الإدعاء بأن العولمة تمثل المستقبل الانساني، غير انها في الحقيقة عولمة تسد كل آفاق الإنساني، عولمة المافيات المحلية في خدمة المافيا العالمية، لكون العالم تحكمه (أوليغارشيات) مافيوية تستعبد بقية البشر.

صياغة الإشكالية: إن صياغة إشكالية العولمة من الوجهة الفلسفية تستوجب التوقف، في ما إذا كانت العولمة شيئاً يقوم بذاته ولم يظهر إلا في العصر الحالي ، أم هي صفة تحمل على التاريخ بكل احقابه ؟ والإجابة على هذين التساؤلين، هي ان العولمة لم تقم بذاتها، إنما هي شيء لم يتحقق بعد. وتحققه  في صيغة خيالية راحت اساليب إقحامها على الواقع تأخذ مسارات غير واقعية، ووهم العولمة بات عند البعض أمراً حاصلاً بصورة فعلية فأعلن هذا البعض تسليمه بذلك وإستسلامه لهذا الحاصل دون برهان .

لقد صاغ الغرب فلسفة العولمة في إشكالية  تأخذ شكلين من الصياغة، هما شكل العلاقة بين (الجزئي) و(الكلي)، وشكل العلاقة بين (الأنا) و (الآخر). وكلاهما مبنيان على منطق التقابل والتنافي المستند الى اعتبار العلاقة بين الحضارة العربية والحضارة الغربية أو أية حضارة أخرى بين جزئي وكلي أو بين أنا وآخر، الذي لا يمكن تصوره من دون الجدل المبني على الجزئيات الذي يفيد أن كل جزئي يمكن أن يصير كلياً بنفي ما عداه من الجزئيات، وبذلك يصير الكلي كل الوجود، أي بمعنى كل ما عداه عدماً .!!

فهل أن علاقة الحضارات مع بعضها علاقة بين (جزئي) و(كلي) فتكون هذه إنسانية تامة وتلك إنسانية ناقصة بحيث تنتهي العلاقة إلى نفي الآخر.؟

تلك هي الإشكالية الفلسفية للعلاقة بين الحضارة الغربية والحضارات الأصلية الأخرى، أو بالأحرى هذا هو تصور العولمة الامريكية للعلاقة بين الحضارات التي تعمل بإتجاه نفي الآخر بصورة تدريجية.

فلو صحت نظرية التطور، فأن مبدأ الصراع من أجل الحياة والبقاء للأصلح لكانت النتيجة الحتمية لظهور النوع الأرقى إنقراض النوع الأدنى .. والمغالطة في هذه النظرية، هي ان بقاء الأدنى شرط في بقاء الأرقى، وإن الأرقى يصبح شرطاً لبقاء الأدنى، ولكن حين تكون العلاقة بين (جزئي) و (كلي) فأن النظرية هذه تبدو مغالطة فاضحة تسعى إلى  تغطية الخواء الروحي للحضارة الامريكية.

ويمكن إعادة صيغة التناقض الحاصل.. هل ان علاقة الحضارة العربية بالحضارة الغربية خاصة، وعلاقة أية حضارة بحضارة اخرى عامة، علاقة بين الأنا والآخر؟ والإجابة انها ليست كذلك، فإذا اعتبرنا ان ما يختلف به الأنا عن الآخر هو الجوهر صار ما يشتركان فيه عرضياً واصبحت الصفات الانسانية المشتركة دون الصفات الثقافية المختلفة، وتلك مغالطة فكرية أخرى عمل الغرب على تسويغ مبرراتها الفلسفية للقبول والاستسلام بمنهج التصفية الروحية للحضارات الأصلية .

كما ان العلاقة بين الحضارات ليست علاقة بين الانا والاخر .اذ لو كانت كل حضارة في جوهرها نقيض غيرها من الحضارات لما اشتركت الحضارات إلا في ما ليس من جوهرها . فالاصل الميتافيزيقي في العولمة هوة التحديد الوجودي المستند الى النفي بين الجزئيات في زعمها الكلي المتناقض .فاذا كانت كل هوية هي ما ليس غيرها فهي لم تكن بذاتها الا العدم الذي لايصبح شيئا إلا بنفي غيره ..والصحيح ان ما تتميز به الحضارات هو العرض او ما تشترك فيه هو الجوهر المتمثل في المثال الانساني .

فالعالم تتلمس فيه الحضارات الاصيله محيطها الخارجي الذي يعج بالتحديات ويقوي التنافس التي تعمل على تطويقها بسلسله من المفاهيم والاحكام والافعال التي تأثر تدريجياً في مجالاتها الحيوية ومنظومة قيمها تمهيداً لتدميرها وتحويلها الى أممية (كوسموبوليتيه)، تستطيع من خلالها هذه القوى الامبريالية الامريكية إخفاء عوزها الحضاري خلف مسميات استراتيجية كونية .

المشكل الجوهري:  هو تحديد طبيعة العولمة في شكلها الحالي، لان العولمة مرت في التاريخ الانساني بمرحلة نشوء الدولة القومية بكل معطياتها المادية والفكرية، كما اسلفنا ذلك في مبحث سابق، ثم تطورت وأرست دعائمها وامتدت على نحو مادي وثقافي باتجاه الاخر، في الاطراف البعيدة حيث الحضارة والثروة .

ومنذ اكتشاف امريكا الى الان يمكن رصد المراحل التي مرت بها العولمة والاشواط التي قطعتها في مسيرتها الاستعمارية كما يلي:

* عولمة التصفية الجسدية للاخر.

* عولمة إستعباده.

* عولمة إستعماره.

* عولمة الثقافة الاحادية.

* عولمة تصفيته الروحية.

هذه المراحل التي مرت بها العولمه يمكن تفسيرها على النحو الاتي:

اولا- ان عولمة التصفية الجسدية قد نفذها همج الغزاة الامريكان لاصحاب الارض الاصليين الهنود الحمر.

ثانيا- أما عولمة الاستعباد فقد انجز الامريكيون والبريطانيون وغيرهم سياسة الرق بتهجير السكان الاصليين الزنوج من موطنهم في افريقيا وغيرها من المناطق لخدمة الجنس الابيض (الارقى)

وبناء نهضته الصناعية في امريكا واوربا وممارسة ابشع اساليب التمييز والفصل العنصري في التاريخ المعاصر.

ثالثا- اما عولمة الاستعمار الاقتصادي فقد كانت تتمثل في ضرورة التوسع الاستعماري وابقاء الشعوب تعيش اشبه بـ(تربية الماشية) مصدراً للعمل التكميلي وسوقاً مفتوحة للبضائع ، وهو التوسع الامريكي في العالم.

رابعا- اما عولمة التبعية الحضارية فتشتمل في العمل على تذيب الشعوب في بوتقة ثقافية واحدة.

خامسا- وتنتهي هذه المرحلة القاسية من التعامل الامريكي والغربي مع شعوب العالم النامية بمرحلة اخيرة تتمثل بعولمة التصفية الروحية التي يراد منها الانتحار الروحي بهوية الشعوب وسلخها عن ثقافتها وحضارتها . فهي بهذا المنهج تفصل بين الوجود المادي للانسان ووجوده الروحي، فيما تعمل العولمة في احد وجهيها على نفي الوجه الاخر في مستوى المجتمع الدولي ومحاولة ادماج الشعوب روحياً في الحيز الخيالي لفلسفة العولمة المحرفة باللاهوت اليهودي من فيلون (Philon) الى هيغل (Hegel)، وذروة هذه الفلسفه تقسم البشر الى اسياد وعبيد والى ما لانهاية، الامر الذي يقتضي بنية مافياوية قادره على تحقيق مهام السلطة المركزية الدوليه بادوات مختلفه اقتصادية واعلامية وعسكرية الخ ، تاكد واقع الانقسام بين الشمال القوي الغني والجنوب الضعيف الفقير، الذي عليه ان يقبل نقل النفايات الذريه والتكنلوجيا المتخلفه والاسلحة الصدئه، وان يقبل صاغراً على إمداد الغرب بالمواد الخام الاولية دون اعتراض وتحويل هذا الجنوب وكانه مجال لتربية المواشي .

وعلى أساس هذا الفهم، فأن طبيعه الخطر يكمن في طبيعه الظاهره كمرض ميتافيزيقي يطمح الامريكيون خاصه والغربيون بصورة عامه اشاعته على العالم على اساس انه خيار حتمي ممثل في ما يسمونه بالعولمة او الكونية.

يتبع رجاء...

 

د. جودت صالح

23-07 - 2020

 

عصمت نصارلم يكن تسلل الفكر الوهابي إلى البنية الثقافية المصرية هو العامل الوحيد لتلوث الخطاب الديني، بل كانت هناك عدَّة عوامل ساعدت على تحول العقل الجمعى المصرى من التسامح العقدي إلى التطرف والتعصب ضد الأغيار من جهة، وتكفير المخالفين من جهة ثانية، وذيوع مقولة أن الإسلام فى خطر من جهة ثالثة. نذكر منها طعون بعض المستشرقين المتعصبين لليهودية أو المسيحية أو العلمانية ضد الإسلام وشخص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتشكيكهم فى ثوابت الهويّة واجتذابهم طلاب البعثات من المصريين لترويج آرائهم.

وقد اُتهمت العديد من الكتابات الليبرالية بأنها صنيعة الغرب وترمى إلى تزييف الهوية الإسلامية المصرية مثل الدعوى لنقض اللغة العربية، والعناية باللغة العامية المصرية وتاريخ الفراعنة، والكتابة بالحروف اللاتينية، وفصل الدين عن السياسة، وإعمال العقل النقدي فى كتب السيرة والأحاديث والقصص الديني، والترويج للوحدة العربية على أسس علمانية، عوضًا عن الخلافة والحديث عن حرية الفكر والعقيدة وحقوق المرأة وسلطة الشيوخ الجامدين واعتبار آرائهم دربًا من دروب الكهنوت الذى يجب التخلص منه. وقد ترتب على ذلك ظهور العديد من المساجلات بين المحافظين الرجعيين من شيوخ الأزهر والسلفيين الجدد والإخوان المسلمين من جهة، والليبراليين من تلاميذ لطفى السيد (حزب الأمة) والماركسيين والمجترئين من المتشيعين للغرب وفلسفته المادية والجمعيات الإلحادية من جهة أخرى، وذلك على صفحات: (الفتح ـ الأسد الإسلامي ـ الإخوان المسلمون ـ الإسلام ـ البلاغ ـ الجامعة الإسلامية ـ جماعة المنقول والمعقول ـ الجهاد ـ الجهاد الإسلامي ـ حضارة الإسلام ـ الحق ـ الدستور ـ الدعوى ـ الرابطة الإسلامية ـ صوت الحق ـ الضياء ـ العالم الإسلامي ـ لواء الإسلام ـ نور الإسلام ـ الهداية ـ الهداية الإسلامية ـ هدى الإسلام ـ الوحدة الإسلامية ـ مصباح الشرق ـ محمد فريد وجدي الإمام ـ الجريدة الماسونية ـ الاتحاد الإسرائيلي ـ إسرائيل ـ الأخبار الماسونية ـ الإخاء الماسونية ـ الجديد ـ الديموقراطية ـ الرأى العام ـ رسالة الإسلام ـ الرسالة ـ السياسة الأسبوعية ـ الفلسفة ـ المستقبل ـ المقطم ـ المؤيد ـ السفور ـ العصور ـ المقتطف ـ الكاتب ـ الهلال).

ويتلخص مشروع خطاب المحافظين فى مقولة العودة إلى الإسلام والانتصار للفرقة الناجية والجهاد ضد الملحدين والمستشرقين والمستعمرين وأذنابهم. وقد صرح بذلك حسن البنا فى مقالاته فى فترة الثلاثينيات من القرن الماضي.

أمّا الفريق الثانى؛ فقد تبنى عدة شعارات أهمها: تقديم المعقول على المنقول، الفصل بين العلم والكتب المقدّسة، نقد السلطة الدينية، الحرية، التقدّم، الحياة العصرية. وقد تأثر شبيبة المثقفين الذين ينتمون إلى أصول ريفية بأحاديث جماعة المحافظين؛ أما ساكنو المدن، والأقباط، ورواد المدارس الحديثة، وخريجو المدارس الأجنبية، والعائدون من البعثات العلمية، وأبناء الطبقة الأرستوقراطية، فقد انتصروا بطبيعة الحال للاتجاه المقابل. والذى يجب ملاحظته فى هذه الحقبة أن مقدار التلوث سواء من تطرف الجامدين من المتدينين أو اجتراء العلمانيين والمغتربين لم يصل إلى التحريض على العنف أو نقض العادات والتقاليد أو هدم الأخلاقيات الراسخة فى العقل الجمعى المصري.

غير أن الخطاب السلفي راح يردد مصطلح الغزو الفكري واصفًا به كل مظاهر الاستنارة المقتبسة من أوروبا وكل ظواهر الخلاعة والمجون التى صاحبت الانفتاح على الآخر وانتشار العلم الحديث، ومن ثمّ انتقلت هذه الرؤية إلى الرأى العام التابع فى الريف والحضر على حدّ سواء من خلال المساجد ودروس الوعظ ومجالس المسامرة وحلقات العلم التى كان يعقدها الإخوان والسلفيون فى بيوتهم. ناهيك عن أحاديث الفلاحين الذين نزحوا إلى المدن المصرية فوجدوا فيها العديد من مظاهر المجون بداية من بيوت الدعارة والمراقص ونهاية بالثراء الفاحش والبذخ الذى كان يُنفق على يد الباشوات وذويهم. ويعنى ذلك أن الخطاب الدينى المرسل قد نجح إلى حد ما، ولاسيما فى فترة الثلاثينيات من القرن العشرين فى استعداء العوام على كل ما يأتي من الغرب وتتبناه الحكومة فى مؤسساتها، وأن ما فيه الفلاحون والعمال من ضنك وضيق فى العيش وإهمال اجتماعي وصحي سوف يُرفع عنهم بقدر تمسكهم بدينهم ودفعهم لظلم الباشوات وأجهزة الأمن.

وعلى الجانب الآخر نزع الخطاب العلماني إلى أن خلاص المجتمع المصرى (مسلمين وأقباطا) ممّا هو فيه من تخلف، مرهون لتركهم ماضيهم المعتم بما فيه العقيدة والعوائد والتقاليد، واقتفاء العوام قبل النخبة أثر الغرب العلماني فى كل شئون حياتهم. ولم يقل خطرا ذلك التطرف والجنوح على الرأى العام المصرى وتزييف هويته من تعصب سابقه، بيد أن الملاحظ أن الخطاب الدينى كان له عظيم الأثر، كما أشرنا على الطبقات الدنيا وطبقة العمال والفلاحين والحرفيين وصغار التجار، وفى الأحياء الشعبية التى تنحدر أصولها من الصعيد أو الريف، الأمر الذى مهّد الطريق لمزيد من الأفكار المتشددة التى أباحت قتل المخالفين فى أمور السياسة. ولعل أشهر الأدبيات التى قارنت بين حال المسلمين المتخلف عن ركب الحضارة وصعود نجم الغربيين ورغبتهم فى ذيوع ثقافتهم، بل وفرضها على كل الشعوب بحجة الارتقاء بهم، هي: «لماذا تأخر المسلمون» لسعيد حليم باشا عام ١٩١٧م، و«لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم» لشكيب أرسلان عام ١٩٣٩، و«ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» لأبي الحسن الندوي عام ١٩٤٥. والجدير بالإشارة أن جميع هذه الأدبيات كانت تعبر عن آراء الاتجاه المعتدل أو إن شئت قل المحافظ المستنير المعنى بتثقيف الطبقة الوسطى والمحذر من خطر الانحياز إلى واحدة من جماعات التطرف والتعصب، كما أكدت هذه الرؤى أن مقابلة الأفكار المجترئة والطاعنة فى الإسلام لا تجابه بالعنف، بل بالتسامح والأدلة العقلية للبرهنة على أن الإسلام قادر على تجديد حضارته وبعث قيمه من جديد، وأن ما يدعيه غلاة المستشرقين، ومن نحى نحوهم من شبيبة المصريين وأكابر الكتاب لا يستند على أسس علمية، بل هو درب من دروب التشيع للفكر الغربى حملهم على مسايرة الأفكار الضالة ونظرة سطحية توهًّمت أن ما فيه بلاد الإسلام من تخلف يُرد إلى الدين.

*   *   *

يخطئ من يعتقد أن الحملات الإلحادية التى شنتها دوائر الاستشراق السياسي والخلايا الماسونية التى ساعدت على الترويج لنحلة الثيوصوفية فى المجتمع المصرى على وجه الخصوص، كانت تستهدف المسلمين فقط، بل كانت تستهدف الأقباط أيضًا أولئك الذين تعايشوا مع المسلمين ونعموا معًا برحابة وسماحة وألفة الخصال المصرية، ورفضوا كل أشكال التعاون مع الغرب الغازي بداية من الحروب الصليبية ومرورًا بالحملة الفرنسية وانتهاء بالاحتلال الإنجليزي.

نعم! إن الكنيسة الأرثوذكسية قد برهنت على أن ولاءها الأول للمشخصات المصرية التى تعيش فى وجدان معتنقيها وأن أى مظهر من مظاهر الخلافات بين المسلمين والأقباط لا يمكن اعتباره شكلا من أشكال الاضطهاد الملِّى بل هو وليد التعصب المذهبي المناهض لطبيعة الدينين المسيحي والإسلامي، الأمر الذى حال بين المتآمرين الغربيين ونشوب حرب طائفية فى مصر ذلك على الرغم من محاولاتهم الجادة فى نشر المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي بين المسيحيين المصريين منذ أخريات القرن الثامن عشر عن طريق الإرساليات والمدارس الأجنبية، آملين من ذلك إيجاد ذراع لهم بين الأقباط لتزييف الوعى المصرى وتفكيك المجتمع. ولعلّ صحف الصهيونية مثل: (صحيفة إسرائيل١٩٢٠)، (صحيفة الفجر ١٩٢٤)، (مجلة الاتحاد الإسرائيلي ١٩٢٤)، (جريدة الصوت اليهودي ١٩٣١)، (صحيفة الشمس ١٩٣٤)، (صحيفة المنبر اليهودي ١٩٣٦)، قد اضطلعت بهذه المهمة وعاونت أعلام المستشرقين الإنجليز والأمريكيين لإفساد العلاقة بين المسلمين والأقباط من جهة، وتحويل المؤمنين بالكنيسة الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية من جهة أخرى، فراحت منذ العقد الثانى من القرن العشرين تنشر بعض الأكاذيب عن وجود اضطهاد إسلامي للمسيحيين فى الصعيد والدلتا، وأن هناك حملات تبشيرية مسيحية نجحت فى إغواء عشرات الشباب لترك الإسلام، أو حملات أخرى دعوية تحرض النصارى على الكفر بالمسيحية واعتناق الملة المحمدية، وأن هناك بعض الكتّاب المسيحيين قد ألفوا عدة رسائل عن تحريف القرآن الكريم وأساءوا للرسول صلى الله عليه وسلم، وأذاعت كذلك الأكذوبة الكبرى التى تخص الأقباط دون غيرهم بأنهم المصريون الحقيقيون وتصف المسلمين بأنهم أسباط وأحفاد القبائل العربية الغازية وأن المصريين لم يعتنقوا الإسلام إلا كرهًا، كما شجعت المسيحيين على تسمية أبنائهم بأسماء فرعونية (رمسيس، مينا، إيزيس).

وعلى الجانب الأخر روّجت هذه الصحف للعديد من فتاوى الجماعات الإسلامية التى تتهم المسيحيين بالكفر وتتوعدهم بعذاب جهنم فى الآخرة.

ذلك فضلا عن جهود المبشر الأمريكي البروتستانتي صمويل زويمر (١٨٦٧-١٩٥٢م) الذى حاول التشكيك فى أصالة العقيدة الإسلامية ونقائها، وذلك فى العديد من مؤلفاته التى نشرها بين شبيبة المسلمين، نذكر منها: (عقيدة المسلمين فى الإله ـ العالم المحمدي اليوم ـ أخواتنا المسلمات ـ الطفولة فى العالم الإسلامي ـ محمد أو المسيح؟ ـ قانون الردة فى الإسلام). وراحت الصحف والمجلات تردد التوصيات التى انتهت إليها المؤتمرات التبشيرية تلك التى عُقد أولها فى حلوان عام ١٩٢٤م برعاية أمريكية، والثاني فى القدس فى العام نفسه، والثالث عام ١٩٢٨ فى القدس أيضًا، وكان الهدف الأساسي من عقدها هو توحيد جهود المبشرين لتنصير المسلمين فى مصر والعراق وتزييف هويتهم، وذلك عن طريق إقناعهم بالنموذج التركي العلماني فى ميدان السياسة وترغيبهم فى العديد من المصطلحات والمفاهيم الغربية مثل: الرُّوح القومية وتحرير المرأة والحداثة والديمقراطية، ونشر الفكر المسيحي بين حديثي السّن عن طريق المدارس المجانية والخدمات الاجتماعية والصحية فى الريف والأحياء الفقيرة، وتشويه صورة الإسلام الراسخة فى عقول وقلوب الشبيبة الذين إذا ما تخلوا عما فى أذهانهم استطاع المسيح أن ينفذ إلى قلوبهم باعتباره رسول الإخاء والسلام والمحبة واعتبار الإسلام هو دين الإرهاب وسفك الدماء والعنف.

والجدير بالإشارة فى هذا السياق أن أفعال المبشرين الإنجليز والأمريكان والإيطاليين والفرنسيين لم تجد تأييدًا من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، بل على العكس تمامًا فقد قوبلت الدعوة التبشيرية الغربية بالرفض والاستياء، وذلك لأنهم يؤمنون بأنها تفتح باب الفتنة الطائفية بين المصريين وتتعرض لمقدساتهم بما يكرهونه وتأباه حرية الاعتقاد. وصرح أحد المثقفين ويدعى «كليم أبوسيف» (رئيس تحرير جريدة السياسة) ـ عقب الحملة التبشيرية التى قادها زويمر فى المساجد المصرية وبين حلقات الدرس فى الأزهر على وجه الخصوص ـ قائلا: «لا تعتقدوا أيها المسلمون أن الأقباط فى مصر أقل استنكارًا لهذا الحادث منكم، فهم أحرص ما يكونون على الألفة والإخاء بينهم وبينكم». كما ألقى «فليني فهمى باشا» بيانًا باسم الأقباط المصريين جاء فيه: «حرصًا على سلامة تلك الروابط المقدّسة لم أجد بدًا من كتابة هذه السطور جهرًا فيها بأنه إذا كان المسلمون المصريون قد استنكروا أعمال أولئك المبشرين، فالأقباط المصريون أشدّ استنكارًا لتلك الأعمال ولا يقل أسفهم عنها من أسف إخوانهم، ولا تنقص رغبة هؤلاء فى حث الحكومة على العمل على منع أسبابها بصورة نهائية حاسمة».

أضف إلى ذلك المقالات التى نُشرت على صفحات (البلاغ، والسياسة، والجهاد) بأقلام: عباس العقاد، والشيخ الأحمدي الظواهري. وقد لعب أساتذة الجامعة الأمريكية فى القاهرة دورًا ملحوظًا فى حركة التبشير بين طلابها المسلمين، وذلك فى فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، وفُتحت أبواب مدارس الراهبات المسيحية الكاثوليكية أمام المسلمات الفقيرات لتعليمهن وتنصيرهن فى آن واحد ثم إيجاد عمل لهن مناسب.

لا غرو فى أن وعى المصريين «أقباطاً ومسلمين» وحرصهم على تماسك هويتهم السّمحة هو الذى دفع القائمين على الجامعة الأمريكية آن ذاك إلى التراجع عن تنفيذ مخططهم التبشيري أو السياسي؛ وليس أدل على ذلك من تصريحات مستر مكلانهن Meclenahan عميد كلية الآداب والعلوم، ومستر جوردون مريام Merriam Gordon السكرتير الثالث للمفوضية الأمريكية بالقاهرة - فى فترة الثلاثينيات - اللذين أكدا أنه ليس من أغراض الحكومة الأمريكية أو الجامعة تنصير المسلمين أو تحويل المسيحيين الأرثوذكس عن كنيستهم، بل غرض الجامعة الأمريكية فى مصر هو نشر الثقافة والعلم بين شبيبتها وتربيتهم على النهج الأوروبي الحديث، حيث حرية الفكر، وحقوق الإنسان، وتخليص المجتمع المصرى من العادات والتقاليد المرذولة التى تدفع رجاله إلى الجور على المرأة وإهدار حقوقها وكبت طاقاتها وحرمانها من المشاركة الإيجابية فى شتى النواحي ومختلف مجالات العلم والتعلم والعمل.

وأضافا أن كل ما يعنى الجامعة الأمريكية فى مصر هو ترسيخ مبدأ حرية العقيدة وحق المصريين فى تغيير ديانتهم من المسيحية إلى الإسلام أو العكس أو من الأرثوذكسية إلى البروتستانتية، وأن تكفل الحكومة حماية المتحولين وترفع عنهم كل أشكال الأذى مثل الحرمان من الميراث أو مفارقة الأزواج والتخلي عن ذويهم، وذلك لأن هذه الأفعال تتعارض مع المبادئ الأمريكية فى نشر الحرية وأخلاقيات الحضارة الإنسانية وحقوق الإنسان.

وقد تصدى الشيخ مصطفى المراغي لهذه الحملة وشكل جمعية أهلية لمقاومة التبشير والرد على اتهامات المستشرقين والزود عن الإسلام ضد أكاذيب المبشرين، ومناقشة المرتابين والراغبين فى تبديل ديانتهم وتوضيح لهم ما التبس أو اختلط عليهم من أمور دفعتهم إلى الانصياع لإغراءات القساوسة المبشرين، وقد شارك فى هذه الجمعية الشيخ محب الدين الخطيب، وحسن البنا، وقد انحصر دورهما فى ترديد بعض المقولات التى تعلى من شأن الإسلام على غيره من الديانات وتحذر من عقوبة المرتد ووصف كتب الكنيسة بالتحريف وعقيدة الصلب والفداء بالكفر والتزييف؛ الأمر الذى اعتبره الأقباط اعتداء على معتقداتهم، وراح الكثير من قادة الرأى فى الكنيسة الأرثوذكسية يذكرون المسلمين بأن النبي مدحهم ونهى المسلمين عن إيذاء النصارى ولو بكلمة (من آذى ذميّا فقد آذاني)، وذلك لأنهم أقرب الناس للمسلمين، ومن ثمَّ وجب مودتهم والبر بهم. كما بيّنوا فى العديد من مقالاتهم وخطبهم فى الكنائس والمقاهي والسّاحات أن الكنيسة الأرثوذكسية غير معادية للإسلام، وأن التاريخ يشهد منذ دخول عمرو بن العاص إلى مصر لم تقع حادثة واحدة ضد المسلمين من قبل الأقباط الذين شعروا بالأمان فى كنف إخوانهم المسلمين إذ اجتمعوا معا بصد الأعادي الغازين واكتسبوا معا مرارة العيش فى المهالك والكبوات وذاقوا حلاوة العسل فى الرخاء والانتصارات. كما أضافوا أن خير مأمن للمسيحي من شرور الاضطهاد أو القمع والتنكيل هو القرآن وأحاديث النبي ووصايا الصحابة.

وقد أرسل المجلس التبشيري العالمي العامل فى مصر عدّة خطابات إلى أمريكا وإنجلترا يعبر فيها عن استيائه لمفهوم الحكومة المصرية للحرية الدينية، إذ اعتمدت فى تشريعاتها التى وردت فى الدستور على الإسلام باعتباره الديانة الرسمية للبلاد، ولم تقر صراحة بحرية الاعتقاد أو انتقال الأفراد من الإسلام إلى المسيحية أو غيرها تبعاً لإرادتهم. وجاء الرد الأمريكي متفقاً إلى حدٍ كبيرٍ مع الرّد الإنجليزي، إذ رفض كلاهما الاعتراض على ما جاء فى الدستور المصرى من تحيز للإسلام أو التضييق على حركة التبشير ونصح أعضاء مجلس التبشير فى مصر بضرورة توخى الحذر وتجنّب الصدام بين الطوائف الأوروبية والمسلمين؛ وذلك لأن الكنيسة المصرية الأرثوذكسية لم تتقدّم بأى شكوى تفيد أنهم فى حاجة إلى معونة الأوروبيين للدفاع عن حريتهم فى العبادة أو حماية كنائسهم، وانتهى الأمر بفشل المبشرين والمستشرقين السياسيين فى إخضاع الدستور المصرى لرغباتهم أو مُسايرة العراق وفلسطين فى الاتفاقيات التى أجروها مع الإنجليز بخصوص حرية العبادة، ولم يتعرّض الإنجليز لهذه المسألة ألبتة خلال كتابتهم لنصوص معاهدة ١٩٣٦.

أمّا الإرساليات الأمريكية والإنجليزية فاكتفت بدورها التعليمي والجمعيات الأهلية للرعاية الصحية والعناية الاجتماعية لنشر تعاليمها فى هدوء وقد رغبت المصريين فى مدارسها عن طريق العناية بأخلاقيات خريجيها ومستواهم العلمي ومظهرهم الخارجي؛ الأمر الذى مكّن الإرسالية الأمريكية على وجه الخصوص من نشر مدارسها فى شتى أنحاء الأقاليم المصرية.

ونخلص من ذلك إلى ثلاث حقائق: أولها أن تلوث الهوية المصرية بآفة التعصب والطائفية كان من العوارض الخارجية أى لم يكن أصيلاً فى بنية المصريين ولا جزءا من مشخصاتها. وثانيها: أن العامل الرئيسي الذى لم يمكن الإرساليات الغربية من الهجمات التبشيرية أو من الإيقاع بين المسلمين والمسيحيين فى مصر هو إخلاص رجالات الكنيسة وإيمانهم بقداسة الولاء والانتماء للوطن وتسامح قادة الفكر المسلمين الذين تجنّبوا الفتنة وانتصروا إلى الحكمة وصحيح المنقول الذى يأمر المسلمين بالتعايش مع الأغيار ولاسيما الأقباط وعدم إكراههم فى الدين. أمّا الحقيقة الثالثة؛ فهى أن ما نجده من شرارات ترغب فى إشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين ضد الأقباط (من حين إلى آخر) تُرد إلى الجماعات المتعصبة وأن ما نلمحه من عبارات يرددها الأقباط لاستفزاز المسلمين وتحريضهم على إخوانهم ما هى إلا نتاج كتابات المستشرقين الأوروبيين الذين لا يريدون لمصر خيراً.

(ولعلّنا نقرأ صفحات الماضي لنفلح فى تسييس حاضرنا والتخطيط لمستقبلنا).

*   *   *

ويجدر بنا فى هذا السياق التأكيد على أن وجود التسامح الصوفي والأخلاقيات العمليّة - التى تميز بها الزهاد الحقيقيون - هو الذى منع انتشار جراثيم العنف والتعصب والانحطاط الأخلاقى فى بنية الأمة المصرية، أعنى فى نظام التربية والتقاليد العامة والأعراف الحاكمة للمجتمع، فلم يصبها العطب بفضل تمسك أنصار التصوف العملى بتلابيب دينهم وعوائدهم الأصيلة، فلم تبدله الثقافة الوهابية التى تبناها جماعة الإخوان والسلفيون، ولم تسقط القيم إلى درجة الانحلال كما هو حال المستغربين من أبناء الباشوات والأرستقراطيين فى المدن.

ولعلّ أشهر الأدبيات التى جمعت بين حركتي الاستشراق العقدي والسياسي الطاعن فى الإسلام، وحركة التبشير المسيحي، ودور المصلحين فى مجابهاتها، هي: كتاب «دين الإسلام والعلم» وهو تعريب للخطبة التى ألقاها «أرنست رينان» بباريس تلك التى اتهم فيها الإسلام وتعاليمه بما ليس فيه، وترجمها المهندس على يوسف؛ وكتاب «الجواب المنيف فى الرد على مدّعى التحريف» للشيخ يوسف الدّجوي؛ وكتاب «مصر الحديثة» لـلورد كرومر الذى تولى الرد عليه عشرات من الكتاب المسلمين فى صحيفة المؤيد بقيادة الشيخ على يوسف؛ وكتاب «لماذا أنا مسلم» لعبد المتعال الصعيدي الذى ردّ فيه على افتراءات «زويمر» وجماعته.

ويخطئ من يعتقد أن ملوثات الهوية المصرية من صنيعة المتعصبين عقديًا فحسب، بل شارك العلمانيون فى ذلك أيضاً، ويبدو جنوحهم فى تعصبهم البغيض للحضارة الغربية لاسيما الاتجاهات الإلحادية والجمعيات الماسونيّة والفلسفات الوضعية والمادية، تلك التى تعتبر الدين من معوقات التقدم والتفكير الحر والعقلانية والعلم والسلام بين الشعوب. والغريب فى هذا المقام أن نجد جلّ الأحزاب السياسية المصرية تتفق فيما بينها على أمرين: أولهما فصل الدين عن الدولة فى نظام الحكم. وثانيهما: عدم صلاحية العقيدة؛ لتكون القاعدة التى يُبنى عليها مفهوم المواطنة أو القومية، وحجتهم فى ذلك أن السياسة الشرعية الإسلامية ليست ثيوقراطية وأن ما يأمر به الشرع يختلف عن أمور السياسة التى أضحت علمًا يسير مع مقتضيات الواقع والمصالح المرسلة. أمّا مبدأ المواطنة فلا يمكن إقامته على أساس من التعصب الملى، وذلك لأن النبي أسس دولته فى يثرب على مبدأ المعايشة أى تعدد الجنسيات والديانات وظل هذا الأمر على مر تاريخ الإسلام، فلا يجوز حرمان المسيحي أو اليهودي من حقوق المواطنة؛ لكونه يعيش فى مجتمع مسلم أو على أرض يعتنق غالبية سكانها الإسلام.

وقد دافع عن هذا الرأى الشيخ على يوسف مبينا أن اللغة والعادات والتقاليد والأرض المشتركة ووحدة الانتماء والولاء، هى الأصلح ليتأسس عليها مبدأ المواطنة، وكذا مصطلح الأمة والقوميّة.

وقد رحب الأقباط بهذا التعريف وعبر عن ذلك «أخنوخ فانوس» على صفحات مجلة «مصر» مبيناً أن الخلافات السياسية لا تفسد الانتماء والولاء للوطنية أو القومية فى حين أن الصراعات الدينية يمكنها تدمير الوطن نفسه، فتقسمه إلى أحزاب وفرق متناحرة لا سلام ولا استقرار بين أعضائه؛ وإذا قام الحكم على أساس ديني أدى ذلك إلى جور واضطهاد للمواطنين المخالفين فى العقيدة وأنقص فى الوقت نفسه من مواطنتهم.

ويضيف لطفى السيد أن وحدة الاعتقاد الدينى ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطني، وخاصة إذا ضيعت فيها الحقوق وعطلت الحدود وأميتت المعروفات وأحيت المنكرات، والوطني فى عرف كل أمة هو التابع لحكومتها الداخل فى جنسيتها القانونية، ويقابله الأجنبي.

وحسبنا الإشارة إلى أن هذه الأفكار الليبرالية فى ميدان السياسة لم تكن ضد الدين أو انتصارا للعلمانية الإلحادية، بل كانت ثورة على نظام الخلافة العثمانية الذى استولى على الأقطار العربية بما فيها مصر باسم الوحدة الإسلامية، كما أن جمود بعض الشيوخ ورفضهم للتجديد والتحديث وإصرارهم على غلق باب الاجتهاد هو الذى جعل هذا الفريق يفصل تمامًا بين آراء الفقهاء الدينية والمفهوم الحقيقي للسياسة الشرعية التى تبنى على المصالح المُرسلة شريطة ألا تحرم حلالا أو تحلل حراما.

أمّا الاتجاه العلماني الإلحادي المناهض للدين؛ فجاء فى ركاب المحافل الماسونية تلك التى دخلت مصر مع الحملة الفرنسية ثم انتشرت فى القرن التاسع عشر وازدهرت فى الربع الأول من القرن العشرين، وقد وجد فى هذه المساجلات حول علمانية السياسة والجامعة الإسلامية والخلافة سبيله إلى النفوذ لبنية الهوية المصرية. وأعتقد أن أصحاب هذا الاتجاه هم أحد المسئولين عن تلوث الهويّة المصرية بتغلغله فى بنية العقل الجمعى بداية من مناهضته للتعاليم الدينية فى التربية والتعليم والسياسة ومروراً بالتشكيك فى الكتب المقدّسة مسيحية، كانت أو إسلامية، وأخيراً بالدعوى للتحرر من كل العادات والتقاليد والقيم التى تُرد إلى الدين. ولعلّ أول الأفكار التى تبناها هذا الاتجاه هو الاعتراف بوجود الله الخالق المبدع باعتباره معتقداً فردياً يؤمن به الشخص بمقتضى إرادته الحرّة وقناعته الوجدانية الروحيّة. أمّا ما جاء به الأنبياء من تعاليم وكتب مقدّسة وطقوس وأعراف؛ فكل ذلك يمكن إدراجه ضمن الأعمال البشرية أو اجتهادات المصلحين ومن ثمّ فهى قابلة بجملتها للأخذ والرد والمناقشة والنقد والقبول والرفض، أى أنها ليست حجة على العقل. كما أنّ الديانات التقليدية سوف تظل مدعاة للشقاق والصراع والعنف بين الأفراد والجماعات، وأنها سلاح يستخدمه المستبدون بمساعدة الكهنة لإذلال الشعوب والاستيلاء على ثروات البلاد بمنأى عن الحريّة والعدالة والمساواة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مجدي ابراهيميظهر مفهوم الثقافة الثورية بجلاء ووضوح حين يتأسس في القرآن على الحركة الباطنة، تُحدِث تغييراً فعلياً في الوجود الإنساني، ولا تزال تتولاه بالرعاية والعناية فيما لو "استجاب" لحكمها، وقدّر حيويتها كونها صادرة من الملأ الأعلى، من الحق الذي خلق الخلق وأقدر في الإنسان تبعات التغيير. لم تكن ثقافة ثورية فاعلة، ولن تكون، إذا كانت "الاستجابة" فيها ضعيفة، أو معدومة، وإذا لم تكن قوة الحق هى القائدة، وإذا لم تنفصل فيها العقيدة عن التطبيق، والخطاب الأيديولوجي عن الممارسة الفعليّة، وإذا لم تكن موافقة العقل الواعي للعقل الباطن عملاً يتسق فيه الظاهر مع الباطن، والمخبَر مع الجوهر؛ والبرَّانيِّ مع الجُوَّانيِّ.

هنالك يصبح التوحيد في الذات الإنسانية علامة دالة على تلك الثقافة؛ لأن الثورة فيها باقية لا تتلاشى ولا تغيب، وما دامت باقية فلا يزال الوعي فيها حاضراً متنبّهاً لما يُرَاد منه، ولا تزال الذات الإنسانية متّسقة غير منقسمة، لا تشعر بالتمزق الداخلي، بل شعورها الدائم - مع الثورة وحضور الوعي - بالوحدة والاتساق. وليس أعجب عندي من أمة تدين بالتوحيد شكلاً ينقصه المضمون، ثم تتفرَّق وتنقسم في ذاتها فضلاً عن انقسام الشخص الواحد في ذاته وتفرّقه، فهل تنتظر منها غير الشعور الدائم بالاغتراب؟

لم تغترب الذات الإنسانية إلا لفقدان العنصر الثائر فيها وخمود الوعي. يُقالُ إننا قوم متخلفون! وهذا حق وصدق؛ إذْ المتخلف على الحقيقة هو الذي تخلفت عقيدته عن تمدَّه بمدد القوة والمضاء؛ لأنه كان ركنها على رفوف الإهمال والسّهيان، فلم يعد يذكرها إلا في المناسبات؛ لكأنها الزي الوثير يرتديه إذا أحتاج له، ويركنه لو لم يكن في حاجة إليه. صارت العقيدة بالنسبة له عادة ضمن عادات تعود أن يمارسها صباح مساء، هذا إذا هو ذكر العقيدة ذكره للعادات يمارسها بغير وعي بأشراط التغيير الذي تفرضه عليه ساعة قبوله، بالقناعة والإيمان، المبدأ العقدي اعتقاداً وممارسة، وينسى أو يتناسى أن التغيير الشامل الكامل، التغيير الجذري، يبدأ من العقيدة كفكرة مقبولة ارتضى قبولها، فهو من ثمَّ يرتضي فرائضها، طالما ارتضى من عندياته قبول المبدأ أولاً وأخيراً.

حقاً؛ من العقيدة يجيء التغيير، وهو لا يجيء إذا جاء نظراً فارغاً من محتوى المضمون العقدي الإيماني، ولكنه يجيء بلواحقه العمليّة التطبيقية، بثوراته التغييرية لكافة أنشطة الحياة يحياها الفرد ويحياها المجموع.

ثورة التغيير من العقيدة تنطلق، والعقيدة : تأمل الوحدة وممارسة الوحدة. والقرآن كتاب حياة، والحياة في رحاب القرآن : جلوس مع الله على بساط الفكرة في ميدان التوحيد.

على أن النُّصوص القرآنية صريحة غاية الصراحة، واضحة في هذا السياق لفظاً ومعنى، فإننا لو قلّبنا ما شاء لنا التقليب في كافة المباحث والآراء، وارتضانا ميادين التفكر التي أعتدنا أن نرتاض ميادينها أو التي لم نعتد ارتياضها، ونظرنا، فلن نجد بياناً أصرح ولا أوضح من هذا البيان، يصيب شغاف القلوب، فتمتلئ به طاقة الوجدان؛ ليدفعها دفعاً إلى العمل النافع بالقول وبالفعل : "إنَّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم" .. "ذلك بأنَّ الله لم يك مُغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم"؛ لكأنما سياق الخطاب يقول : أفلم تهد لكم سبحات عقولكم التي نظرتم بها وتفقهتم إلى اقتران مثل هذا الكلام بمطامح التغيير الواجب تنفيذه وتطبيقه في أرض الواقع حياة تُعاش، فيكون من أثر ذلك، أنها تجيء مثالاً للعقيدة الصحيحة وللسلوك القويم؟!

إنّما الإنسان يملك قدرة التغيير في نفسه وفي واقع الحياة التي يعيشها؛ إذا هو أراد ذلك وتمثَّله ثم نظر إلى الحياة التي تسفُل من حوله وتنحط، ووجد أن في هذه الحياة ضروباً لا حصر لها من أخلاط الأهواء مع الاعتقادات الفاسدة مع تحريف القيم وتبديل المعايير، وفق مصالح أربابها، إلى أسوأ ما تكون القيم متبذلة والمعايير منكوصة .. ماذا لو قام بتغييرها وفي التغيير حياة جديدة ودماء جديدة؟ أيكون ذلك نوعاً من العسف يظل يحيا آثاره وعواقبه ثم يبكي من بعدُ بكاء الأطفال على لعبة فُقِدت؟! غير أنه أجبن من أن يفعل هذا مع فقدان عنصر الثورة فيه.

وبما أن الثورة تبدأ من الداخل، من القناعة الباطنة؛ لتواجه في الإنسان ضميره الجُوَّانيِّ؛ لينفرد بالمواجهة دون أن يقابله صدود من فساد الأنا أو فساد الذات بعد صلاح واستقامة، فقد كان ألزم ما يلزم له أن يتثقف ثقافة ثوريّة، وأن ينطبع بذاته هذا التثقيف، وأن تكون الثورة شعلة موقدة في باطنه على الدوام لا ينطفئ لها اشتعال، لأنها نور الله وناره : نوره من حيث الهداية والاستبصار، وناره من حيث إضاءة الطريق وإنارته بالعلم والمعرفة ومجالي الشهود.

تكشف أصول الثقافة الثورية في القرآن عن فقر الفكر وفقر الواقع العلمي والعملي سواء، فإنّ القيمة الثورية عند كل مفكر أختار لنفسه طريق الثقافة إنما هى قيمة تصدُر من مدد الروح تدفعه إلى التغيير؛ تغيير مقومات الحياة وأنماطها في نفسه أولاً، ومن تغييرها في نفسه تتغير في نفوس الآخرين، وأنه لعجب شديد ما بعده عجب أن يمكث كل فرد منّا في صومعته يُناجي أوهام الذات بغير أن يخرج إلى الواقع يغيّره بالقول أو بالفعل. وأشدُّ من ذلك عجباً أن يروح الأساتذة في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية، يردِّدون أفكاراً قديمة - ويا ليتهم يجيدون الترديد - يلقونها على الطلاب بسبيل التقليد والمحاكاة لمن كان قبلهم يُلقون ويرددون، مجرد اجترار سخيف، بغير أن يتحوَّل هذا كله إلى عمل نافع يتذوق الفرد منا ثمرته في دنياه وأخراه؛ الأمر الذي أفسد التعليم فساداً قلّ أن يعالج، وأفقد الغاية النافعة من طلب العلم كونه أهم قيمة في الحياة على الإطلاق. إنْ الواقع يفيض بتخلف الفكرة؛ لتخلف أصحابها، ويفيض في الوقت نفسه بتخلف الرأي والرؤية؛ لتخلف العقل الذي أفرزهما؛ فتنشأ التعاسة للفرد وللمجموع سواء؛ لأن هذا العقل لم يكن منذ البداية مُحاطاً بأصول الثقافة الثوريّة كما علمه إيّاها القرآن الكريم، تمكنه من فكرة يفرزها قابلة للتطبيق الفعلي، ومعمول بها في حركة الحياة يحياها هو كما يحياها غيره من أبناء جلدته وعشيرته.

ولم يكن الإنذار المحمدي بعيداً عن تجسيد تلك الثورة الفاعلة المغيرة؛ ثورة الخالد الباقي على الزائل الفاني؛ ثورة القيم الدينية الرفيعة التي ما إنْ تختفي من حركة الحياة إلا وتجد أنْ ليس للحياة بغيرها معنى ولا قيمة ولا جوهر ولا مضمون.  

ثورة الإنذار المحمّدي:

أقول؛ لن تجد ثورة في القرآن موصوفة بشدةِ "رد الفعل" وقوته في النداء الثائر للإنذار الذي قدَّمه محمد، صلوات الله وسلامه عليه، أقوى ولا أشدَّ ولا أدفع من هذه الثورة الكبرى التي جمعتها آيات الكتاب العزيز في صرخة عظمى من صرخات الوعى بالخصائص الذاتية للقرآن، ومنها بغير ريب خاصيّة الثورة على الأوضاع المقلوبة : ثورة التغيير الشامل بغير شك في هذا وبغير خلاف.

كان رد الفعل لاستقبال هذه الثورة محاطاً بالتنكر وطلب الاعجاز من المحالات ممّا يصبح رد الفعل فيه علامة دالة على الاستنكار القبيح في استقبال الثورات حتى ولو كانت هادفة لتحقيق الخير لبني الإنسان، ولكن الإنسان الجحود - لشيء ما ممّا قد ألفه واعتاده ولطبع ممّا خلصت إليه نفسه - لا يرضى ولا يستسلم للنداء الثائر: إنذاره الظاهر وخوافيه الباطنة، ولماذا؟ لأن مثل هذا النداء قد يتحوّل فيه، إذا هو أستجاب، من وضع إلى وضع، فتتغير بمثل هذا التحوُّل حياته كلها؛ من جذورها العميقة في الوجود إلى ظواهرها السطحية من عادات وتقاليد نشأ عليها، وتربىَ على أوهامها حتى تشكلت بها شخصيته؛ لتتغلل في أعماقها منابت الطلاح وتتجاوز معها مزارع الصلاح، فتترسّب من ثمَّ في وجدانه آفات الشرور والخبائث النفسيّة وخدائع المحظورات الخفيّة وآفات من الأمراض والأهواء ... إلى كثير من علائق وعوالق، ليس من اليسير عليه أن يتحلل منها؛ لأنها هى وشخصيته شيء واحد وفعل واحد وحركة واحدة ووجود واحد ... فأنَّى له أن يتخلى عن كل هذا أو بعضه، في سبيل نداء جديد؟ ناهيك عن أسباب أخرى متراكمة، بعضها أو كلها أكأد من بعض، تفعل فيه أفاعيل التصلب والجمود على التقليد المعتاد؛ ففضلاً عن التقاليد والعادات المرذولة التي نشأ عليها، فهو من جهة أخرى مشحون بعاطفة مُخلصة في الدفاع عن أوهامه وأكاذيبه، وهي بالطبع أوهام بالية وأكاذيب مُقفرة من الحياة كما ينبغي أن تكون الحياة روضة من رياض التقدّم والكمال، لكنه لا يرضى بشيء منها رضاه بالوهم السائر يُصوّره له الواقع الذي يعيش فيه على رذائل الخبث والختل والخداع، فهو من ثمّ أكثر ما يكون ثورة ثائرة مضادة إذا ما واجهته ثورة قويّة هادفة يتقرّر فيها التغيير والإصلاح، وهو أكثر ما يكون دفاعاً إذا ظهر في دنياه جديد ممّا عساه يُصلحها له بالقول أو بالفعل، كل طاقاته السالبة تتحرك، وقواه الباطنة مأمورة بالتنفيذ لما كان تقرّر سلفاً من مفعول القوة السالبة تلك التي جمَد عليها.

وإذا كان النداء الجديد فيه الجديد من الثورة المُغيرة لواقع الحياة من حوله، ولواقع النفس التي بين جنبيه قبل هذا، فهو لا يقابل مثل هذا النداء مقابلة البشاشة والترحاب بل يقابله مقابلة التنكر والجمود والصدود والكنود والاستخفاف؛ فإذا "رد الفعل" بمثابة ثورة مضادة أيضاً لكل إنذار ثائر، لكنها ثورة الباطل بإزاء الحق, وأمّا ثورة الإنذار في ذاتها، فهي ثورة الحق بإزاء الباطل. وبالمثل؛ فإنّ رد الفعل من أكثر الناس (وهو في ذاته يمثل ثورة الباطل) يجيء على مقدار الثورة القويّة في مثل هذا النداء الثائر (وهو في ذاته يمثل ثورة الحق). ولن تجد ثورة تتمثل في رد الفعل أقوى ولا أعتى من تلك الثورة التي صَوّرها القرآن في جحود أكثر الناس للبيان الإلهي : ثورة فيها عنف في الاستقبال، وعنف موازي في الصدود.

ولمَ يكون العنف ثورة قوية، ويكون الاستقبال أعنف ما يكون لهذه الثورة؟ والجواب : لأن النداء كان ثورة جذرية مُحققة، ولم يكن ثورة كأي ثورة، ولا ككل ثورة، بل كان ثورة تغيير جارفة، كان تبديلاً لقيم وعادات وأوضاع وأطماع؛ كان تحوّلاً من حياة إلى حياة، كان تمزيقاً لعاطفة الوجود الحي وهو في ذاته ميّت أشدّ أنواع الموات يحياه الإنسان ولا يرضى به بديلاً بين حيوات يعيشها في ظل ما كان اعتاده وجمد عليه جمود التقليد الأعمى.

وتستمر الثورة فاعلة نشطة مع طلاقة النَّص القرآني؛ لتتجاوز الزمان والمكان، إذ تخاطب في الإنسان ضميره الحي وقواه العقلية على مرّ الأزمان؛ فالإنسان القديم هو نفسه الإنسان الجديد من حيث هو إنسان، قناعاته هي نفس القناعات، واخفاقاته الروحية والمعنوية هي نفس الاخفاقات، وارتقاءاته العقلية والخُلقية هي عينها الارتقاءات؛ لا تتغير ولا تتبدل ولا يتحوّل فيها عنصر القبول ولا عناصر الرفض للقيم الدينية والإيمانية قيد أنملة إلا بمقدار ما تتحوّل نفسه، وترتقي روحه، وينفتح ضميره إلى توجُّهات الملأ الأعلى.

فلئن كان ألف فيما كان يراه من دنياه، ألواناً من واقع الحياة الحسيّة المطموسة، فهو لا يرى إلا ما هو ظاهر منها أمامه ومحسوس، ولا يشهد إلا ما يقع تحت رجليه، ولا يرتفع قيد أنملة عن الرؤية المُسطحة الجوفاء : المحسوس مأكله وملمسه، والمحسوس شهوته ولذته ومنسله، والمحسوس رؤيته ومسمعه وملمسه، والمحسوس رياض متعته الأوحد : تعامله مع كافة الأحياء من حوله. ومن أعجب العجب أن ينسى حق الخالق ويتعامل مع المخلوق، ينسى الأصل، ولا يعبد إلا فروعاً مخلوقة يقرّ لها بالوجود الحق ويواليها العبادة الحقة؛ وذلك لأنه أعتاد "التفرقة" بغير "جمع" يؤهله للارتقاء صعداً في مدراج التوحيد.

هنالك تصبح التفرقة تشتتاً وانفصاماً فيما تكثّر أمامه وتفرَّق؛ هى رؤية محسوسة لظواهر الوجود، ليس لها من الوعي الداخلي وجود؛ فالنظر لديه مُتَفَرِّق بما يعبد. وما عَبَدَ المُتفرِّق قط شيئاً حقيقاً بالعبادة، اللهم إلا أن يكون الوهم فيما يعبد، وفيما عساه يدين بالعبادة إليه، فهو إذْ ذَاَكَ موهومٌ في عبادته، أنزلها منزلة الوجود الحق، وتناسى عن عمد - أو عن غفلة - منزلة العبادة الحَقَّة يُوجّه إليها قلبه ويُرَقي معها سريرته ويدين لها بالولاء كل الولاء .. فأيّما رجلٌ كانت عبادته "حقانيّة"، فهو مع الرقيب على كل شيء، خالق كل شيء، متولٍ لكل شيء، بيد أنها الغفلة عن المعرفة هى التي تجعله بمقدار غفلته عن معرفة الله، يغفل من ثمَّ عن عبادته تعالى؛ فيعبد المالَ والجاه والمنصب والنفوذ، وكل ما يقع عليه بصره من طواغيت المتع الفانية في الحياة الدنيا.

من أجل ذلك؛ جاء النداء "ثورة" :" ذَالِكُمُ الله رَبُّكم، لا إله إلاَّ هُوَ، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوُهُ، وَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَئِ وَكيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الأبَصَارُ وَهُو يُدْرِكُ الأَبصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ" (الأنعام : 102-103).

ومعالم النداء في ثورته العنيفة الحادة إنّما هي معالم روحانية، والخطاب فيها يكشف نظام الترقية إلى تلك المعالم؛ لكأنه يقول بأبلغ لسان : ليست هذه هي الحياة المرجوّة لكم، أنتم تعيشون في الوحل، والخطاب الثائر ينقذكم منه، ولا يرضى لكم حياة الدَّوُن في مستنقع آسن لا يعرف له مصيراً سوى مصير الجيف المُرِمّة. والفكرة فيه فكرة سامية عن أخلاط الحس وشوائب الملموس، بينما الصورة المحسوسة فيه تقريبية ليست هي كلية التوجه الرحيب نحو آفاق النداء. والأمثلة المضروبة للتقريب تتردد في النداء على أساليب وصيغ مختلفة يُرَادُ منها التقريب .. ولكن أين من يدرك؟! لا حياة لمن تنادي!

ليست الثورة مجرد عظة واعتبار يجريان في مناسبة عارضة أو في موقف عارض وكفى، ولكنها هنا في هذا النداء تشمل روح القرآن كله من أجل تحويل حركة الحياة وتغيير اتجاه النشاط الفاعل فيها بكل مستوياته : النشاط المعنوي والنشاط المادي التابع له سواء، ومن أجل تعلق القلب بالله الذي لا إله إلا هو؛ خالق كل شيء، بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد؛ فلا أقلَّ من تكون العبادة خالصة له وحده دوناً عن سواه. والعبادة تشمل التوجُّهات الروحيّة ثم ما يُقام عليها من أنشطة مادية يتم بها التعامل في إطار تلك التّوجُّهات.

ولمَّا كانت ثورة "النداء" ثورة روحيّة مُنذرة، عاقبة وبشارة، كان عنفها على الضد من هذا القبيل؛ إذْ كان رد الفعل فيها هو صيرورة الحياة صيرورة حسيّة؛ لأن التمسك بكل ما هو محسوس ومرئي ومسموع وملموس، أو من قبيله، إنما هو مدعاة للعنف في الجهة المقابلة، هو الصدود بعينه، وهو الكنود، وهو الجحود، وهو التنكُّر عن تفهم أسباب الاستجابة لمثل هذا النداء الثائر، وهو العزوف الشديد عن استقبال النداء كذلك.

نعم! لن تجد ثورة تتمثل في "رد الفعل" أقوى ولا أعنف ولا أمضي من هذه الثورة التي وصفها القرآن رفضاً وجحوداً من أكثر الخلق للقرآن نفسه، رفضاً للاستجابة، وتحدياً للثورة المنذرة، وجحوداً لفهم النداء الثائر مع كل ما فيه من رحمة وهداية، ومن إنذار قويم بصير، ومن بشارة على لسان رسول ربّ العالمين؛ فإذا ثورة الإنذار المحمدي هى أقوى وأبقى الثورات جميعاً بغير استثناء: "ولقد صَرَّفنَا للنَّاس في هذا القرآن من كُلِّ مَثلٍ فأَبىَ أكثر النَّاس إلاِّ كُفوراً. وقالوا : لن نؤمن لك حتى تفجِّرَ لنا من الأرض ينبوعاً. أو تكون لك جَنَّةٌ من نخيل وعنب فتفجِّرَ الأنهار خلالها تَفْجيراً. أو تُسقِط السَّماء كما زعمت علينا كِسَفَاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً. أو يكونَ لك بيتٌ من زخرف أو ترقى في السَّماء؛ ولن نؤمنَ لرُقيِّكَ حتى تُنَزِّلَ علينا كتاباً نَقْرؤُه، قل : سبحان ربي! هل كنتُ إلا بشراً رسولاً"؟!

حقيقةً؛ نحن لا نجد في القرآن وصفاً لثورة مضادة تتمثل في رد الفعل أقوى من وصف هذه الثورة التي صوّرها القرآن في استنكار أكثر الخلق للقرآن نفسه أولاً، ثم لما ورد فيه من دعوة رشيدة قوامها إصلاح الفساد وتغيير جوانب الأنفس والآفاق بل وتغيير جوانب الحياة برمتها من وراء ذلك. ولم يكن استنكار أكثر الناس للقرآن؛ دلالة الوعي بالبيان الإلهي في أرقي مراحل التعبير عنه، تعبيراً يأخذ بمجامع القلوب التي تسمع النداء؛ لم يكن ذلك بالأمر الذي يمر على أسماعهم بالقبول، ويجد في النفوس صدى سوى الصدى الذي تقدّم ذكره من طلب المعجزات الساذجة تنفر منها العقول المفكرة وتسخر منها الأفئدة المطموسة بواغش المطالب الحسية القريبة، تأمل الآية :"ولن نؤمنَ لرُقيِّكَ حتى تُنَزِّلَ علينا كتاباً نَقْرؤُه".

ثمة علاقة رابطة بين الاستنكار والاستخفاف في شراكة المعنى من حيث التعبير عن الثورة المضادة التي اتخذت من الباطل أركان قوتها واستمرت تعطي دلالتها عليه خلال تلك العلاقة الواضحة، مشتركة المعنى بين الاستنكار والاستخفاف.

طبائع الاستخفاف:

ليس هذا استنكاراً وكفى، بل هو استخفاف شديد، ينجم عن ضعف وصغار، ولا ينجم عن قوة واقتدار. غير أنه لئن كان لجاجة في الإنكار يصحبها استخفاف مع استظهار القوة والبطش؛ فللاستخفاف طبيعة غريبة في أخلاق الناس، طبيعة ذات خُلق عجيب، لا يتقنه إلا خبيث، وحين نقول : لا يتقن طبيعة الاستخفاف إلا خبيث نعنى كل ما في هذه العبارة من معنى الخبث والمكر واعوجاج الأخلاق؛ فالخبيث ليس ذكياً كما يتصوَّر البعض، ولا هو بالماهر الحذق كما يصف البعض، بل هو مريض أسود القلب، سيئُه، حقودٌ على عباد الله، يكره الخير دائماً للناس؛ ولا يعرف الحُبُّ طريقاً إلى قلبه؛ لأنه مشحون بالكراهية. قلب لا يحب إلا نفسه، موبوءٌ على الدوام بوباء الحقد والحسد والجبن وسائر الآفات الأخلاقية المذمومة أو المهلكات بتعبير أبي حامد طيّب الله ثراه؛ فهو إذا استخف، فلا يستخف إلا بقدرات السادة القدراء ويستهين بأعمال الكرام : كرام النفوس وكرام الأخلاق.

هذه الطبيعة الحاذقة في أعمال الشّر هي في الأصل طبيعة ضعيفة، تستقوى بالشرور وتميل في كل حال إلى التهجيل والتكذيب، ثم تنساق وراء الضعف المهين لا لشيء إلا لأنها طبيعة شاذة قلما تعرف للخير طريقاً لتسير فيه. ومن أجل ذلك؛ فقد تجد الضعف الذي يتلبّسها هو من جنس طبيعتها الشريرة؛ لأن الشّر في ذاته أضعف من خيوط العنكبوت لكن نسيجه الظاهر وطلاءه الخارجي يُوحي بشيء من القوة ولو من بعيد، وهي قوة - إنْ وجدت - ففي قوة الضعفاء على كل حال، يتخللها الضعف فتنسج منه خيوطها الكثيفة، ولا يكشف ظاهرها ولا باطنها إلا عن ضعف في ضعف وإلا عن وهن في وهن يعقبه في كل حين وهن الدورات.

فكل من كان ضعيفاً في ذاته لا يجد قوته إلا في الخبث والمكر والمكيدة للأصدقاء والأقرباء قبل الأعداء الغرباء؛ فالمرأة التي تكيد وتجيد المكيدة ليست قوتها من ذاتها، ولا إرادتها من معدن القوة في ذاتها، بل لضعفها وصغارها، فهى لأجل هذا أقرب إلى الخبث والدهاء والمكر والمكيدة لأعز أصدقائها أو صديقاتها، والطفل الذي لا يملك إرادة الأقوياء إنما هو طفل يمكر لضعفه لو كانت براءة الأطفال في عينيه، غير أن مكر الأطفال من هذه الجهة مكر ساذج ومكيدتهم سطحية قليلة الشر والخباثة ليست بمقدار الضعف الذي يسري على الضعيف حيثما كان؛ فالمرأة تستخف بالقوة، والضعيف عموماً يستخف بالقوة ولا يحسب لها حساب في ميزانه كحساب الأقوياء الأصحاء. أخلاق الضعفاء على التعميم هى هى أخلاق الاستخفاف بكل ما هو خيِّر وجميل في النفس والواقع والحياة والضمير؛ فلا يستخف الجاهل بالكرامة الآدمية إلا لضعفه، ولا يستخف المريض بالعلاج الناجع إلا لضعفه، ولا تستخف الإرادة الإنسانية بسياسة النفس على الصبر في المعيّة الإلهية، وعلى الطاعة والمراقبة لله تعالى إلا لضعفها، ولا يستخف واقع الناس في زماننا هذا بالقيم النبيلة الخلاقة إلا بسبب الضعف، وللمهانة التي يستشعروها من الواقعيين الذين لا ينهضون ولا تقوم لهم في الواقع قائمة من ثورة إصلاح ولا وجهة تغيير.

والذين لا يوقنون أقوى على الاستخفاف وأقدر، ولذلك حذر الله منهم؛ لأنهم بطبيعتهم المستخفة، يكون الاستخفاف أمضى فتكاً في عقائد المعتقدين إذا لم تكن المواجهة مرهونة بالصبر الدائم واليقين بالوعد القويم.

ولا قدرة للاستخفاف على الحقيقة إذا كان اليقين في وعد الله الحق أمكن في القلوب وأبقى، وهو مع الصبر أعز وأرقى، إذ ذاك تتهاوى كل قدرة على الاستخفاف كما تتهاوى حيل الضعفاء الأرقاء. والذين لا يوقنون لم تكن لهم مهمّة ولا همّة إلا زعزعة اليقين الثابت من طريق الإيمان. وأولُ وسائلهم في ذلك هو الاستخفاف؛ فطبيعتهم الأصيلة هى استعمال الاستخفاف بداية ونهاية كيما يكون هو الأصل الأصيل في زعزعة اليقين.

فلا يستخف - من أجل هذا - واقع الناس بالقيم النبيلة الخلاقة إلا للضعف الذي يتلقونه من أوهام القائمين على رعاية هذا الواقع ومؤسساته كما لو كانوا مؤكلين برعايته أسوأ الرعاية وأنكى الاهتمام .. وهكذا وهكذا، فكل استخفاف يصدر من الإنسان لأخيه الإنسان هو على الضعف والخزي والمهانة أقرب منه إلى أخلاق الأقوياء القدراء والأصحاء. والقرآن الكريم يُنبّه المسلم إلى أخلاق المؤمنين في مواجهة المستخفين الذين يحملونهم على الخفة والطيش والقلق والاضطراب، وكلها غفلات ظاهرة لا يرضاها القرآن لأهله، لكأنما كان الاستخفاف بداية وعيداً يلقاه المؤمنون على المشقة التي تحتاج إلى جهد الصابرين :" فاصبر إنَّ وعد الله حقٌ، ولا يسخفنَّك الذين لا يُوقنون" (الروم /60).

وكل استخفاف إنمّا هو دعوة إلى الغفلة والنكوص والتردي وغيبة العقل وقلة الإدراك؛ لتمييع قوة الشخصية وذبان جهة الحق فيها كيما لا تسمع ولا تبصر ولا تستجيب لا لله ولا لرسوله، بل إلى ذلك النداء الآثم يدعوها إلى أن تكون غافلة طائشة لا عقل لها لتدرك ولا قلب لها لتعقل أو تبصر؛ فهذه هي الخفة بذاتها؛ وذلك هو الاستخفاف يجئ مدعاة إلى الإنكار والنكاية والإزلال كما يجيء طريقاً للسّخرية والاستهزاء ثم طغيان الآخرين على الذات بكل مقوماتها :" فاستخف قومَه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين " (الزخرف/54).

ومن هنا يتبيّن؛ أن للاستخفاف طبائع تتفاوت قوة وضعفاً في الطبيعة الآدمية الواحدة، وفي الطبائع المختلفات؛ فهنالك استخفاف الجاهلين الذين قال الله فيهم على لسان موسى لبني إسرائيل حين اتهموه بالسّخرية منهم :"أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين"، وهنالك استخفاف الضعفاء الذين لا يوقنون، وهو استخفاف يحتاج إلى معاناة الصابرين، وهنالك استخفاف الفاسقين الذين يغيبون عقولهم مرضاة لخفة الطيش في نداء الطاغوت؛ فهذه كلها طبائع للاستخفاف ليست على درجة واحدة من التقويم والتمثيل وإنما هى درجات مختلفات ومتفاوتات. فإذا نحن قلنا من بعدُ إنّ ثمّة علاقة رابطة بين الاستنكار والاستخفاف في شراكة المعنى من حيث التعبير عن الثورة المضادة التي اتخذت من الباطل أركان قوتها واستمرت تعطي دلالتها عليه خلال تلك العلاقة الواضحة، مشتركة المعنى بين الاستنكار والاستخفاف كان قولنا هذا صحيحاً على أقل تقدير فيما لو نراه نحن؛ فثورة الباطل طغيان بكل تأكيد، وخفة ظاهرة استجابة لنداء الطاغوت، وكل استنكار فيها إنما هو في الأصل استخفاف مهين يجلب الضعف ويفت في عزائم القدراء.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

يسري عبد الغنيها نحن في العقد الثالث من الألفية الثالثة، نجد أنفسنا امام تحديات جديدة، وذلك بعد أن نجحنا كشعوب عربية وإسلامية خلال القرن العشرين في انتزاع إستقلالنا، وتحرير إرادتنا السياسية من أغلال وقيود المستعمرين .

ولعل أهم التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في الألفية الثالثة هو محاولات التغلغل الحضاري الغربي في أوساطها، واستغلاله الاقتصادي ـ المباشر أو غير المباشر ـ لخيراتها وثرواتها .

إن صفة التخلف التي التصقت بمجتمعاتنا وانعكاسها على حياتها تعد المشكلة الأم التي تنبثق منها جميع المشكلات الأخرى كتلكؤنا في تحقيق الوحدة الاقتصادية التي تمكننا من حل العديد من المشكلات الاقتصادية التي  تجابهنا، وكذلك إقامة نظم سياسية واقتصادية واجتماعية وافية بأغراض اليوم بشرط أن تكون نابعة من داخلنا، وغير مفروضة علينا من الخارج تحت أي مسمى أو أي ادعاء، أضف إلى ذلك تعثرنا في التغلب على أعدائنا، واستعادة حقوقنا وأرضنا المسلوبة، وكذلك تأخرنا في رفع مستوى جماهير شعوبنا الاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلى الدرجة التي نطمح إليها.

*

إذا كانت مشكلة التخلف هي أهم المشكلات التقدم التي تواجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فمما لا ريب فيه أن هناك معياراً علمياً يمكننا من قياس درجة هذا التخلف، وبالتالي معرفة ما يجب القيام به من أجل مواجهة هذه المشكلة .

نقول: لقد تعددت المقاييس واختلفت، فالبعض يذهب إلى الأخذ بمجموع الإنتاج الاقتصادي ومعدل نموه، والبعض الآخر يأخذ بتوافر وسائل الاستهلاك ومدى تطورها، والبعض الثالث يأخذ بانتشار التعليم وبمدى مستوى الصحة العامة، والبعض الرابع يأخذ بنوع الحكم والإدارة، والبعض الخامس يأخذ بمدى وعي الرأي العام ... إلى غير ذلك من المؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وإن كان المؤشر الأكثر شيوعاً في أيامنا هذه والذي تعتمد المنظمات الدولية وتقارير التنمية الصادرة عنها هو: محصل الإنتاج الاقتصادي، وهذا هو معيار التنمية السليمة .

*

إن التخلف أو النمو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة التقدم الاقتصادي، وبمعنى آخر فإن النمو ونقيضه التخلف يرتبطان بالدرجة الأولى بدرجة التقدم الاقتصادي الذي هو جوهر عملية التنمية الشاملة المستدامة .

واواقع الأمر أن التخلف لا يرتبط بالإنتاج الاقتصادي وحده، فنحن إذا نظرنا إلى هذا المعيار وجدنا أنه عند التحليل الأخير نتاج لما هو أشد أصالة وعمقاً، فالقدرة الذاتية التي كونها المجتمع وامتلكها، وأصبح قابضاً على ناصيتها، وقائماً على توجيهها واستخدامها، هذه القدرة مظهرها الإنتاج الاقتصادي، ولكنه ليس المظهر الوحيد .

*

إن للقدرة الذاتية والفعلية لأي مجتمع عناصر ومظاهر، من أهمها: قدرة العقل، والمتمثلة في العلم والمعرفة، وهذه القدرة تبدو في ميدانين هما: ـ

الميدان الأول: الطبيعة .

الميدان الثاني: الإنسان .

أما الميدان الأول فيتأتى من معرفة نواميس الطبيعة التي تحيط بنا، ومن المشاركة في تطوير هذه المعرفة واستثمارها لاستخراج موارد الأرض، واستغلال ثرواتها على الوجه الأكمل، بهدف رفع المستوى المعيشي للبشر جميعاً.

وبالنسبة للميدان الثاني (ميدان الإنسان) فهذا الميدان يتولد من معرفة نواميس الحياة الإنسانية، ومن استخدام هذه المعرفة في ترقية الفرد، وتنظيم المجتمع، وتعزيز نتاجهما .

وغني عن البيان أن الإسلام قد أمر البشر جميعاً بالسعي في مناكب الأرض، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والعمل الجاد المثمر، في نفس الوقت الذي طلب منا أن نحكم عقلنا في أمورنا الدنياوية التي نحن أدرى بها، كما أنه جعل العلم فرض على كل مسلم ومسلمة، يطلب من أي مكان طالما كان فيه الخير والنفع لبني الإنسان.

*

نعود فنؤكد على أن ظاهر هذه القدرة هو التقدم التكنولوجي الذي يؤدي بدوره إلى التطور الاقتصادي، والتفوق العسكري، والاستقلال السياسي، وبالتالي توافر الوسائل الضرورية لمكافحة الفقر والجهل والمرض وسواها من العلل التي تعوق حركة التقدم والنهوض .

على أن التقدم التكنولوجي يظل مرتبطاً ارتباطاً أوثق بالعلم، إذ أن التكنولوجيا تعني تطبيق العلم على العمل في مختلف مجالات الصنع والانتاج .

أي أن مقياس القدرة الأصلية للمجتمع تقاس أو تقدر بمقدار الثروة العلمية التي يتمتع بها من حيث انتشار المعرفة وعلو مستواها، وعدد المتعلمين تعليماً حقيقياً مفيداً للمجتمع، وعدد أصحاب القدرة على الإبداع والابتكار والتطوير وحل المشكلات المعاشة، وكذلك عدد المؤسسات العلمية والبحثية بما تؤديه من دور فاعل في تطوير البحث العلمي وحل مشكلات المجتمع والارتقاء به، نضيف إلى ذلك المنهجية العقلية السائدة في المجتمع والتي نراها في تصرفات الأفراد والجماعات، ومدى قدرتها على تشخيص المشكلات ومعالجتها معالجة علمية سليمة .

*

وإذا كانت القدرة العلمية والمعرفية التي يتمتع بها أي مجتمع هي التي تحدد بدرجة كبيرة ما يتمتع به من تقدم أو ما يعانيه من تخلف، فقد نجد شعوباً فقيرة ومتخلفة، غير قوية، تنتصر انتصاراً ساحقاً على غيرها من دول في غاية التقدم العلمي، والقوة التكنولوجية .

ويعود قسط جليل من الفضل في ذلك إلى إيمانها العميق، وبذلها، وجهادها، وتضامنها، وما وفرت لنفسها من أسباب القوة، والقوة التي نقصدها هنا القدرة الخُلقية والنفسية .

وغني عن التوضيح أن عدوان الشعوب بعضها على بعض، وظلمها واستغلالها بعضها بعضاً ظواهر عريقة قديمة في التاريخ البشري، ومردها إلى الفروق، الفروق في القدرة بين الشعوب الغالبة، والشعوب المغلوبة .

وجاءت تطورات العصر الحديث فوسعت هذه الفروق ومكنت الدول الكبرى من فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والثقافية على غيرها من الشعوب، ليقول لنا لسان الحال: إن الضعيف وإن كان صاحب حق ليس له من أشياع ! .

*

إذن من اللازم اللازب أن نخرج من طرحنا السالف بأن الواقع المعاش يحتم علينا أن نسعى جادين مجتهدين كشعوب عربية وإسلامية، لأن نعتصم بحبل الله جميعاً ولا نتفرق، في نفس الوقت نُسلح أنفسنا ـ بقدر الطاقة والإمكان ـ بالقوة، والقوة التي نقصدها هي قوة العلم والمعرفة والفكر، والتي لا تقل بحال من الأحوال عن قوة المال والسلاح والجاه، وفي رأينا أن الأيمان الحق هو خير وسيلة نستطيع أن نسعى بها إلى القوة، لنكون بحق كما وصفنا المولى سبحانه خير أمة أخرجت للناس .

من المحتم علينا أن نمتلك مفاتيح التقدم العلمي من أجل أن نتمكن من مواجهة ما يهددنا من أخطار، ويجابهنا من تحديات، وبالطبع ليتنا نعي ذلك وندركه جيداً في إطار الحفاظ على أصالتنا وثوايتنا وهويتنا الإسلامية .

*

نحن نخطئ الخطأ البين إذا قصرنا معيار القدرة العلمية التي يتعين على المجتمعات العربية والإسلامية السعي إلى تحقيقها كسبيل أوحد يمكنها من مجابهة أخطار وتحديات القرن الواحد والعشرين، فلا يصح الاقتصار على العلم فقط، أو التقدم العلمي فقط، كي نحدد التقدم المتزن المتكامل الذي يقوم على القدرة الذاتية بجمالها وتمامها، فهناك قدرة النفس أي القدرة الخُلقية أو المعنوية الناتجة عن عمق الإيمان، الإيمان الواعي الذي يجعلنا نسير في طريق العمل الجاد المثمر، ويجعلنا نسيطر على الشهوات والأطماع، ويشجعناعلى: البذل، والتضحية والتعاون، وإنكار الذات، والصدق مع النفس .

إن الإيمان الحق هو الذي يجعلنا نتضامن ونتشارك جميعاً في سبيل تحقيق المثل العليا والأهداف السامية التي تطمح مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى تحقيقها، وهو الأمر الذي سيعمل بالقطع على الحفاظ على هويتها وأصالتها في ظل سعيها الدائم والضروري إلى امتلاك مفاتيح التقدم العلمي .

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

 

بليغ حمدي اسماعيلنعيش الآن في عصر تتسارع فيه المعلومات، بل وتتصارع في ظل ما وصلنا إليه من تقدم تكنولوجي وثورة معرفية، آخذة في الازدياد بحكم المستجدات التي طرأت على ما عندنا من علم ومعرفة والتغيرات المستمرة في حياتنا، وما يتبعها من تجديد وتطوير في أسلوب حياتنا، وغاياتنا منها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها من ميادين الحياة الأخرى .

ونحن لم نصل ـ في عصرنا الحاضر ـ إلى ما وصلنا إليه من تقدم علمي وتكنولوجي إلا بواسطة القيام بعمليات التطوير والتجديد والإبداع والابتكار، وسيكون المجال أكثر انفتاحا على مصراعيه للتجديد والإبداع طالما أطلقنا لعقولنا مجال التفكير .

وقد جاء الاهتمام بتنمية التفكير بصفة عامة سواء من جانب واضعي المناهج، أو من خلال توصيات المؤتمرات التي اهتمت بتنمية التفكير في المناهج الدراسية؛ حيث مساعدة الأفراد الذين لا يمتلكون أية مهارات أو بعض مهارات التفكير المرغوب على اكتساب هذه المهارات، ومساعدة الذين يمتلكون عدداً من مهارات التفكير ولكن بقدر بسيط على إثراء تعلمهم وتعميق هذه المهارات كماً وكيفاً، كاستجابة طبيعية لما يفرضه الواقع الذي يعيشه الإنسان متمثلاً في تحديات جديدة تواجهه، وتفرض عليه التعامل معها؛لكي يبقى ويستمر في أفضل الأوضاع الممكنة، كما أن تقويم الإمكانات المتاحة والأفكار الجديدة من حيث مناسبتها لقيم المجتمع وتقاليده يتطلب من الإنسان المعاصر استخدام التفكير الذي يساعده في تكوين نظرة فاحصة متعمقة للأشياء .

وتعد اللغة أداة التفكير، كما أنها ثمرة من ثمراته، فعن طريق اللغة يقوم الإنسان بالعمليات التفكيرية من تفسير وتحليل وموازنة وإدراك للعلاقات واستخراج للنتائج وتجريد وتعميم . ولكي يعبر الإنسان بوضوح لابد أن تكون الفكرة واضحة في ذهنه، وذلك لأن وضوح الفكرة في ذهنه يؤدي إلى وضوح التعبير عنها، وكلا الأمرين ـ وضوح الفكرة في الذهن ووضوح التعبير عنها ـ عملية تستند إلى اللغة، ولذلك يمكن القول بأن اللغة هي التفكير .

وهذا ما أشار إليه " فانيير" بأن ما يؤثر في أعماقنا بشكل غامض ومبهم لا يستحق أن نطلق عليه اسم فكرة أو إحساس أو رغبة أو غاية قبل أن يتشكل في لغتنا. وهكذا نجد أن اللغة والفكر شئ واحد، فاللغة هي الفكر في حالة العمل إذ ليس هناك فكر مجرد بغير رموز لغوية، وبقدر ما تكون اللغة دقيقة وحية ومبرأة من الفوضى يكون الفكر دقيقا وحيا ومبرأ من الفوضى.

ولقد أصبحنا نعي ـ وبشكل مطرد ـ ما بين اللغة وعمليات الفكر من تفاعل، وهذا ما أكدته نتائج العديد من الدراسات والبحوث التي اهتمت بتعرف العلاقة بين مهارات اللغة من حيث اكتسابها واستخدامها وبين عمليات التفكير المختلفة، والتي أبرزت نتائجها مدى التأثير على قدرة الطلاب الكتابية، وتوليد الأفكار الجديدة، وإنتاج نص مترابط فكريا، ويمكن إيجاز الموقف الحالي من هذه القضية ـ قضية التفاعل بين اللغة والتفكير ـ بالقول بأن الفكر واللغة هما أهم عنصرين من عناصر الحضارة الإنسانية، وان كلا منهما مرتبط بالآخر ارتباطاًَ وثيقاً بحيث يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به تأثيرا كبيرا.ً

حيث إن صياغة الأفكار ليست عملية مستقلة، بل جزء من قواعد لغوية معينة، كما أن أنظمة اللغة وقواعدها ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار فقط، بل تكون وتشكل تلك الأفكار، وهي البرنامج والدليل لنشاط الفرد الفكري، ولتحليله للانطباعات التي يحصل عليها ولتجميع أفكاره. كما أن الجانب الفكري من اللغة يأخذ تقريباً ثلثي الحدث اللغوي سواء عند المرسل أو عند المستقبل. هذا بالإضافة إلى أن اللغة تؤثر في الفكر، ويكمن هذا التأثير في عملية ترتيب الصور الذهنية في ألفاظ تتآلف من كلمات مرتبة ترتيباً معيناً تعبر عن هذه الصور.

وتتشابه اللغة والتفكير في أنهما يتطلبان نفس العمليات الأساسية التي يعتمدان عليهما، فالقدرة على التجريد، والتصور، وتكوين الأنواع مطلوبة في استخدام اللغة والتفكير في مستوييهما العاليين .

وتطبيق تلك العلاقة بين اللغة والتفكير في تعليم اللغة العربية يتطلب العناية بالمعرفة في المادة اللغوية من حيث صدقها، وحداثتها، ويتطلب ذلك أيضا الاهتمام بتنمية مهارات لغوية وعمليات عقلية مثل الفهم، والتفسير، وعمليات التفكير، والإبداع، وبصفة خاصة في عمليتي القراءة والكتابة. بالإضافة إلى العمل على تنمية قدرات الطلاب على فهم النصوص الأدبية والقرائية والإلمام بالأفكار التي تتناولها هذه النصوص مما يساعدهم ذلك على التحليل والتقويم، وكذلك تدريبهم على تنظيم الأفكار وتسلسلها، وذلك بعد فهم النص الأدبي أو العلمي والتعبير عن هذا التنظيم لفظاً وكتابة بحيث يساعدهم ذلك على تنمية خبراتهم وتقوية قدراتهم اللغوية.

كما يمكن الاستفادة من هذه العلاقة بين اللغة والتفكير في تدريب الطلاب على التعبير عن أنفسهم كتابة، وذلك بتدريب الطالب على القراءة المقننة الموجهة ثم التخطيط لموضوعه، وتقييم أفكاره، ومناقشة غيره فيه ليستطلع الآراء المختلفة فتتكون لديه الأفكار حتى تتاح لها الفرصة لتتحول إلى عبارات مكتوبة لها أسلوبها الفني الإبداعي الفريد.

إذن لا ينفصل تعليم المهارات اللغوية عن تنمية التفكير وإثراء خبرات الطلاب، وهذا ما يؤكده كثير من التربويين، حيث إن التلميذ لا يستطيع أن يتحدث أو يكتب بشكل فعال ومبتكر إذا كان يفتقر إلى الخبرة الثرية أو مهارات التفكير، بل إن قدرته فهم ما يسمع أو يقرأ وإدراك معاني ما يقرأ والتمييز بين المفاهيم التي يتصل بها، أمور تتوقف على ما يتوفر لدى هذا الطالب من رصيد كبير من هذه المفاهيم.

وأضحى من أهم أهداف التربية الحديثة تعليم الطلاب كيف يفكرون، وكيف يستدلون، وكيف يجابهون مشكلات حيواتهم، فتعليم مهارات التفكير أمر بالغ الأهمية، وهو مجال خصب من مجالات البحوث النفسية والتربوية في عالم اليوم.و هنا يجئ دور المنهج المدرسي الذي يجدر به من خلاله أن يتعلم الطلاب كيف ينمون قدراتهم على التفكير، ويعلمهم المبادئ اللازمة للتفكير، وأساليب استخدام العقل وسيلة للتعلم.

ومما لا شك فيه أن تعليم التفكير ومهاراته وعملياته أمر إلزامي وضروري، يجب القيام به وذلك من خلال محتوى المناهج الدراسية التي يدرسها الطالب في المدرسة، فهي تزوده بالعديد من المصطلحات والمفاهيم، فضلاً عن إكسابهم حصيلة من مفردات اللغة وهو يتعلم التفكير فيها من خلال تحليله لمحتوى المادة الدراسية وما فيها من أهداف معرفية وسلوكية، وما تحتويه من مهارات، ومن خلال ما يستخرجه منها من قيم ومثل وعادات.

كما أن طرائق تدريس التفكير تتضمن خططاً واستراتيجيات تعليمية تساعد على تنمية العمليات العقلية عند المتعلمين، وأن هذه الطرائق تقدم للمتعلمين على شكل خطوات عامة بهدف إنجاز عمليات معرفية محددة . كما أن تنظيم المنهج بحيث يراعى فيه أن عملية التفكير تشكل عاملاً مشتركاً بين المواد الدراسية على اختلافها، حتى تتمكن المناهج من الوفاء بهذه المسئولية يتطلب التركيز على إعداد المناهج على أساس مشاركة التلاميذ مشاركة فعالة في اكتساب المعارف والمهارات وتأصيل عادة التفكير السليم لديهم، و استخدام استراتيجيات تدريسية تعتمد على مشاركة التلاميذ في التوصل إلى حلول للمشكلات التي تعترض طريقهم .

فعملية التحليل في درس القراءة مثلاً تتطلب القيام بتحليل الموضوع القرائي واستخراج ما فيه من أفكار عامة ورئيسة وجزئية والمقارنة بينها وبين غيرها من الأفكار، واستخراج أوجه الاتفاق والاختلاف فيما بينها، والقيام بعمليات الاستنتاج والاستدلال لمعاني الكلمات والمصطلحات من السياق، إن تعليم التفكير وعملياته ومهاراته في نموذج القراءة يعني أن مهارات المعرفة يتم تعليمها بشكل مباشر كجزء من برنامج تدريس القراءة.

ويؤكد هذا الاتجاه كل من"وارشام و ستاكتين" (1986)Warsham&Stackten و"بيير"(1987)Beyer حيث تدريس وتنمية مهارات التفكير من خلال المحتوى الدراسي، حيث إن ذلك يحقق هدفين؛الأول أنها تسهل عملية تعريف وتقديم مهارة التفكير في المنهج الذي سيدرس، والثاني أن هذه الطريقة تنمي التفكير وتدرس المحتوى في نفس الوقت.

وقد أقر مؤتمر "مدرسة المستقبل" الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في دمشق عام2000ضرورة إعداد الإنسان العربي القادر على صنع المستقبل والابتكار، وتنمية التفكير المنهجي العقلاني والتعبير عنه بلغة عربية سليمة، وضرورة امتلاك الطالب مفاتيح المعرفة ليصبح قادراً على التعلم الذاتي ومتابعة التعلم، والقدرة على التخطيط للمستقبل والنجاح فيه.. ويرى"سترينبرج" Sternberg أن الذكاء عبارة عن مجموعة من مهارات التفكير التي تستخدم في حل مشكلات الحياة اليومية، كما تستخدم في المجال الأكاديمي، وأن هذه المهارات يمكن تشخيصها وتعلمها.

و تتنافس مختلف دول العالم فيما بينها على رفع مستويات شعوبها في مختلف مناحي الحياة، وتحقيق المواقع الريادية في ركب الحضارة الإنسانية المعاصرة، والسعي إلى تطويرها، وقد أولى المفكرون على الدور الرئيس والحاسم الذي تتطلع به التربية في التقدم الحضاري، و إنتاج العلم والعلماء، وتوجيه اهتمام الأجيال إلى ضرورة تبني أسلوب التفكير العلمي، منهجاً مستديماً يقترن بمختلف الأنشطة وأنواع السلوك عند الفرد والجماعة، وصولاً إلى بناء الإنسان المفكر، ويتطلب هذا الأمر الاهتمام بالمناهج التربوية، والتركيز على استخدام استراتيجيات التدريس الحديثة وتطويرها.

ولم يعد تعليم التفكير للطلاب اليوم هو ما يشغل علماء التربية، وإنما أصبحت جودة التفكير هي أهم التوجهات التربوية المعاصرة، التي تتطلب من المتعلم التفاعل مع مشكلات حياته، ومتغيرات عصره، والمستجدات المتلاحقة والمتنوعة، وليصبح ذا قدرة على تحليل المواقف واتخاذ القرارات، وأصبح جوهر عمليات التربية الآن تعليم الطلاب كيف يفكرون بطريقة فاعلة تجنبهم مزالق التفكير، وتدربهم على استراتيجياته.

ومن هذه الاستراتيجيات ما وراء المعرفة التي تدور حول وعي الفرد بما يقوم به من مهارات وعمليات في أثناء التفكير بغية تحسين الذاكرة ومراقبة عمليات التعلم وضبطها.

و يشير مفهوم ما وراء المعرفة Metacognition الذي يعد واحداً من التكوينات النظرية المعرفية في علم النفس المعرفي المعاصرـ إلى عمليات التحكم التي يستخدمها الفرد في حل المشكلات، وهي عمليات تخطيطية و تنفيذية مهمتها توجيه وإدارة مهارات التفكير المختلفة اللازمة لحل المشكلة( فتحي عبد الرحمن جروان:1999، ص 43) ويرجع هذا المفهوم بأصوله إلى العالم فلافل (1971) Flavell، وذلك من خلال بحثه حول عمليات الذاكرة والتخزين والاسترجاع، ومراقبة تلك العمليات، والتحكم الذاتي فيها.

كما تعد استراتيجيات ما وراء المعرفة إحدى برامج التفكير العليا، . وقد ظهر مفهوم ما وراء المعرفة Metacognition في بداية السبعينيات ليضيف بعداً جديداً في مجال علم النفس المعرفي، ويفتح مجالاً واسعاً للدراسات التجريبية والمناقشات النظرية في موضوعات الذكاء والتفكير والاستيعاب والوعي ومهارات التعلم والدراسة. وقد تطور الاهتمام بهذا المفهوم في عقد الثمانينيات والتسعينيات، ولا يزال يلقى الكثير من الاهتمام نظراً لارتباطه بنظريات الذكاء والتعلم واستراتيجيات حل المشكلة واتخاذ القرار. (DouglasHacker:2002). .

وفي مجال تعليم اللغات حظيت استراتيجيات ما وراء المعرفة بأهمية كبيرة نظراً للدور الذي تقوم به في تنمية مهارات اللغة وضبطها والتحكم فيها، وهذه الاستراتيجيات تشير إلى وعي المتعلم بما يقوم بأدائه من مهام، والمهام اللغوية التي يقوم بها المتعلم من أجل تنمية كفاءته اللغوية تتضمن ثلاث مراحل هي : ما قبل المهمة، ومرحلة إنجاز المهمة اللغوية، ومرحلة ما بعد إنجاز المهمة اللغوية، وفي كل مرحلة من هذه المراحل يتحقق التخطيط والتنظيم والمراقبة والتقييم وإدارة المعلومات وتطويرها.

وتأسيساً على ما سبق فإن السبيل لزيادة وعي الطلاب بالمهارات اللغوية هو إكسابهم القدرة على استخدام استراتيجيات تحديد الغرض مما يتعلمونه، وكيفية تنشيط وتوظيف المعرفة السابقة في مواقف التعلم الحالي، وتركيز الانتباه على النقاط والعناصر البارزة في المادة اللغوية المتعلمة، وممارسة أساليب التقييم للأفكار والمعاني، ومراقبة النشاطات الذهنية واللغوية المستخدمة للتحقق من مدى بلوغ الهدف.

ولعل تلك الأهداف السابقة التي تسعى المؤسسة الجامعية إلى تحقيقها لدى المتعلمين تتناسب مع منطلقات ما وراء المعرفة التي تتطلب من المتعلمين أن يمارسوا استراتيجيات التخطيط والمراقبة والتقييم لتفكيرهم بصورة مستمرة، ورسم الخطط اللازمة للمواقف التي يتعرض لها، ويحللها إلى عناصرها، وتقييم النتائج في ضوء الخطط الموضوعة.

كما أنه في سبيل السعي إلى وضع معايير لتحقيق الجودة في التعليم الجامعي اقترح البعض وضع معيار اكتساب الخريج معلومات يستطيع توظيفها وتطبيقها في مواقف الحياة اليومية، مع التركيز على تعرف كيفية الوصول إلى المعرفة بالإضافة إلى قدرته على ممارسة التعلم الذاتي الذي يؤهله للتوصل إلى الحقائق والمفاهيم بدقة .

وتعليم التفكير واستراتيجياته يعد من أحد أهم أهداف التربية اللغوية في العصر الحالي، وتزويد الدارسين في مجال اللغة العربية ومهاراتها باستراتيجيات التفكير يجعل الطلاب المعلمين قادرين على فهم طبيعة اللغة والقواعد التي تضبطها وتحكم ظواهرها والخصائص التي تتميز بها مكوناتها، أصوات ومفردات وتراكيب .

ولا شك في أن مهارات التفكير بأنواعها ومستوياتها المختلفة تمثل وضعاً مركزياً في علم النفس المعرفي المعاصر، والتربية الحديثة لأنها تشكل إحدى الظواهر الأكثر أهمية وضرورة لدى المتعلمين، حيث تنطوي نشاطات الإنسان اليومية على الكثير من المواقف التعليمية التعلمية المهمة، ونظراً للاهتمام المتزايد والمتنامي من قبل المهتمين من الباحثين والقائمين على شئون التعليم بالتركيز على التربية السيكولوجية للمتعلمين من خلال تأصيل القدرة على مهارات التفكير بمستوياتها المختلفة.

لذلك يرى علماء التربية والتعليم أن التعليم الفعال لمهارات التفكير يبدو حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى، لأن العالم أصبح أكثر تعقيداً نتيجة التحديات التي تفرضها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في شتى مناحي الحياة، وربما كان النجاح في مواجهة هذه التحديات لا يعتمد على الكم المعرفي بقدر ما يعتمد على كيفية استخدام المعرفة وتطبيقها.

كما أن هناك أسباباً عديدة تحتم على مدارسنا وجامعاتنا الاهتمام المستمر بتوفير الفرص الملائمة لتطوير وتحسين مهارات التفكير لدى المتعلمين بصورة منظمة وهادفة. الأمر الذي يتطلب معه ضرورة امتلاك المتعلمين درجة كافية من الوعي بالاستراتيجيات والمهارات ما وراء المعرفية.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م ) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

في الحد من انتشار فيروس كورونا: دراسة سوسيو تقافية.

ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم التباعد الاجتماعي وآلياته وفعاليته في الحد من انتشار الأوبئة،فيروس كورونا نموذجا، وقد ثم الاعتماد على العمل الميداني من اجل الإحاطة بالموضوع ودراسة مختلف الوثائق والإحصائيات المرتبطة بنتائج الحظر الصحي ومراقبة تطبيق التباعد الاجتماعي وقد خلصت الدراسة إلى أهمية التباعد الاجتماعي كآلية غير طبية لكنها أداة فعالة للحماية من انتشار الأوبئة،و هو ما يفرض ضرورة مراجعة المنظومات الصحية باستدماج الوعي الصحي في آليات العلاج والوقاية،مع إبراز نتائج الدراسة وشروط فعالية التباعد الاجتماعي لاسيما لدى النساء.

مقدمة:

 منظمة الصحة العالمية أعلنت أن فيروس كورونا أصبح (وباءا عالميا)، بعد أن اجتاح أكثر من مئة بلد مخلفا (مليوني والنصف إصابة ووفاة أكثر من مئتي ألف، ومسلسل الإصابات مزال مستمرا. مادامت السيطرة على الفيروس المسبب للجائحة غبر ممكنة بشكل نهائي،رغم المجهوذات المبذولة من طرف المختبرات لإيجاد لقاح،و التي يبدو انه مازال صعب التحقق على الأقل قبل أكتوبر المقبل2020 بحسب الكثير من التصريحات الطبية. مواجهة انتشار الوباء في غياب التلقيح يكون عبر آليات الوقاية منه،و منع انتشاره عبر اعتماد مجموعة من الإجراءات الوقائية وخدمات صحية مصحوبة بتعاون مجتمعي شامل. من أهم الإجراءات المعمول بها لمواجهة انتشار الوباء الحضر الصحي المؤسس على فكرة التباعد الاجتماعي.

 الدراسة تروم إلى مقاربة مفهوم التباعد الاجتماعي وإجراءاته ومدى فعاليته من زاوية سوسيوتقافية، للوقوف على الشروط الاجتماعية والبنى الثقافية المؤثرة في صيرورة الوقاية من الوباء بناء على آليات التباعد الاجتماعية، وكذا الوقوف على فعاليته من خلال دراسة ميدانية بوسط المغرب.

المحور الأول: الإطار المنهجي للدراسة

1: إشكالية البحث.

 يهتم علم الوبائيات إلى جانب دراسة توزيع الأمراض المعدية بين السكان دراسة بيئة المرض وأسبابه،والعوامل المجتمعية والثقافية التي تساهم في زيادة انتشار الأمراض الوبائية في المجتمع الإنساني والحد منها،ونظرا لغياب بعض اللقاحات أصبح الاهتمام متزايدا بعوامل الغير الطبية من اجل الحد من الوباء واتساع انتشاره،أو حتى العلاج منه.حيت أصبح من اللازم الاهتمام بالعوامل الغير الطبية،مثل التاريخ المرضي والعادات الشخصية والعلاقات الأسرية، ونمط السكن كلها عوامل تؤثر في نتيجة العلاج أيضاً.

 باستحضار طبيعة الفيروس المسبب للجائحة، وعدم وجود أي لقاح له الأمر الذي يجعل الوقاية منه تتحقق عبر أشكال غير طبية،و هو ما يستدعي توظيف القيم والعادات الاجتماعية والثقافية في كآليات لمنع الانتشار مثل التباعد الاجتماعي والتقليل من التفاعلات الاجتماعية.

فالدراسة تحاول الإجابة عن إشكالية مدى فعالية الإجراءات الغير الطبية، وذات الطابع الثقافي والاجتماعي في مواجهة انتشار وباء كوفيد 19.

2: الأهداف من الدراسة.

 يعتبر بول باسكون أن السوسيولوجيا لا تستحق ساعة من الوقت، إلا إذا لم تكن لها نتائج وظيفية وتدرس الوقائع الاجتماعي، لذا يسجل غياب دراسات كثيرة حول الصحة والمرض والأوبئة.

ان الدراسة الأساسية هي التي أنجزها بارسونز سنة 1951 انطلاقا من نظريته الوظيفية، سيعمل على تناول ظاهرتي الصحة والمرض من خلال الإطار الوظيفي، التي يعتبر أن قيمة العنصر في وظيفته داخل المجتمع،حيت يعتبر أن لكل من الطبيب والمريض دور اجتماعي يؤديه. الإنسان المعافى في جسده هو من يملك لقدرة على الفعل والإنتاج وأداء مهام وظيفية داخل مجتمعية.

انسجاما مع التصور الوظيفي الذي يعتبر المريض يكون منحرفا اجتماعيا، أي إن المرض يضع المريض على الهامش الاجتماعي، لأنه لا يستطيع القيام بوظائفه العادية، ولا يستجيب لما ينتظره منه المجتمع" (الوحيشي أحمد بيري وعبد السلام بشير الدويبي 1989 ص65).

الصحة والمرض كظاهرة اجتماعية ولم تهتم بذلك الا خلال السبعينيات من القرن الماضي،فان الاهتمام بالصحة والمرض نجد له حضورا وازنا في علم الانثربولوجيا،الذي اهتم بدراسة الأبعاد الثقافية والرمزية وينظر إلى الصحة والمرض كظاهرة اجتماعية ذات أبعاد رمزية وثقافية،عن طريق إرجاعها إلى نسق من المعايير والقيم الثقافية لكل مجتمع،حيث أن لكل مجتمع قيم سائدة سواء كانت دينية أو سحرية أو معتقدات أو مقدسات. كلها أبعاد يحددها نسق المجتمع وتمثلاث الأفراد للمرض مما يعيد ذلك تراتبيا هرميا للسلطة والهيمنة وتوزيعها داخل المجتمع.

 فان أهداف هذه الدراسة تروم مايلي:

 أولا: معرفة فعالية التباعد الاجتماعي كآلية من آليات الوقاية من الفيروس

 ثانيا: معرفة حجم القبول او المقاومة لتطبيق آلية التباعد الاجتماعي

 ثالثا: معرفة آليات المقاومة وآليات القبول بفكرة التباعد

 رابعا: معرفة دور القيم الثقافية والاجتماعية في تفعيل آلية التباعد الاجتماعي

3: اهمية الدراسة

 قيمة وأهمية الدراسة تكمن في البعد الوظيفي للدراسة، من خلال دور آلية التباعد الاجتماعي في الوقاية من انتشار الفيروس .

ومما يسمح باستثمار نتائجها في الأزمات القادمة في حالة عودة الفيروس .

4: اجراءات الدراسة الميدانية.

سيتم انجاز الدراسة الميدانية وفق الخطوات الآتية:

 4-1: الإطار الزمني:

 يتعلق الأمر بمرحلة انتشار وباء كورونا بالمغرب واتخاذ السلطات العمومية قرارا بحالة الطوارئ الصحية، والطي يقضي بتطبيق العزل الصحي والتباعد الاجتماعي كآلية من آليات منع انتشار الوباء، فالوعاء الزمني المخصص للدراسة كان خلال شهري فبراير ومارس 2020.

4-2: الإطار المكاني:

 مكان الدراسة بوسط المغرب وتحديدا بمنطقة قلعة السراغنة وهي مدينة متوسطة السكان ويبلغ عدد سكانها حسب أخر إحصاء رسمي لسنة 2014 حوالي نصف مليون نسمة . وتمتاز اجتماعيا بطابعها المحافظ نسبيا مع نزعة التحرر لدى الشباب وأفراد الجالية بالخارج،و اغلب ساكنتها من العالم القروي والتي تتجاوز 360 ألف نسمة.

5-3: أدوات الدراسة .

5-3-1: المنهج المعتمد في الدراسة.

المنهج المعتمد في الدراسة يشمل مايلي:

 أولا: المعاينة المباشرة وحضور فعاليات السلطات العمومية في كيفية تدبير وتنفيذ قرار الحظر الصحي والتباعد الاجتماعي.

ثانيا: تحليل الوثائق والمعطيات والأرقام المتوصل بها من طرف لجنة اليقظة الإقليمية

ثالثا: دراسة كافة المنشورات على فضاءات التواصل الاجتماعي ووسائل الأعلى

المحور الثاني: الإطار المفاهيمي للدراسة

2-1: التباعد الاجتماعي

 ما لا يوجد كمفهوم،لا يوجد بالمرة،لذا فان أية دراسة لا يمكن ان تتحقق إلا عبر مجموعة مفاهيم ناظمة تعكس التصورات التي بها يتم مقاربة الموضوع ودراسته.

هو عبارة عن مجموعة من الإجراءات الغير الطبية لإيقاف انتشار المرض المعدي أو لإبطائه،من خلال مجموعة من التغييرات التي تشمل الحد من التواصل الاجتماعي لخفض احتمال الاتصال بين المصابين بالعدوى وغير مصابين . حيت يتم عزل المصابين في أماكن خاصة والذين تظهر عليهم أعراض الوباء كالسعال والحمى، لذا يتم عزلهم لمدة 15 يوما وهي مدة احتضان الفيروس في الجسد.

 التباعد الاجتماعي هو طريقة وقائية من العدوى وانتشار الوباء بشكل جماعي،و يتحقق التباعد عبر جملة من الإجراءات منها منع او التقليل من التواصل الاجتماعي لاسيما في الفضاءات الاجتماعية المكتظة والمغلقة هو ما دفع السلطات العمومية إلى إغلاق كل المرافق والأنشطة العامة.

في حالة تفشّي وباءٍ ما، فإنّ تطبيق تباعد اجتماعي يصبح إجراءا ضروريا لمنع انتشار الوباء، وهو من التوجيهات التي نص عليها الدين الإسلامي عبر وصية الخليفة عمر بن الخطاب في حالة وجود وباء بمنطقة ما فان الخروج منها ممنوع والذهاب إليها ممنوع.

 يتضمن مفهوم التباعد الاجتماعي الابتعاد عن التجمعات البشرية بشكلٍ عام، والحد من التواصل الاجتماعي بكافة أشكاله قدر الإمكان،كالعمل من المنزل، التواصل عن البعد، الدراسة عن بعد، والاستشارة الطبية عن بعد،ممارسة الرياضة بشكل فردي والابتعاد عن أماكن الاكتظاظ والازدحام وأماكن الخدمات العامة،وهو الأمر الذي يقود إلى إغلاق كل المرافق العامة مثل المواصلات العامة والمقاهي والمطاعم والمتاجر والمدارس.

التباعد الاجتماعي يساعد على التأقلم والتكاتف معاً من أجل إبطاء انتشار الفيروسات، خاصة إذا تمكّنا من تطبيقه وإدارته بشكل جيد. هو ما عبر عنه وزير الصحة المغربي أن إجراءات الحضر الصحي والتباعد الاجتماعي قد منعت حوالي 40 ألف شخص من الإصابة.

 قد حدد ريتشارد ديفيدسون، أستاذ علم النفس والطب النفسي في جامعة ويسكونسن ماديسون أهمية التباعد الاجتماعي باعتباره عملا تطوعيا من اجل الذات ومن اجل الآخرين، حين اعتبر أن التباعد هو عمل سخي نقدم من خلاله الخير لأنفسنا ولمجتمعنا، لذلك، في كل مرة نمارس فيها التباعد الاجتماعي، نشارك في عمل مفيد للآخرين.

 2.2 مفهوم القيم الاجتماعية.

 يرى علماء الاجتماع أن عملية التقييم تقوم على أساس وجود مقياس ومضاهاة في ضوء مصالح الشخص من جانب، وفي ضوء ما يتيحه له المجتمع من وسائل وإمكانات لتحقيق هذه المصالح من جانب آخر، ففي القيم عملية انتقاء مشروط بالظروف المجتمعية المتاحة. فالقيم هي مستوى أو معيار للانتقاء من بين بدائل أو ممكنات اجتماعية متاحة أمام الشخص الاجتماعي في الموقف الاجتماعي (عبد اللطيف محمد خليفة1992،ص 3).

القيم هي دوافع للسلوك تتأثر بالثقافة السائدة في المجتمع على أن مفهوم العادة يشير إلى مجرد سلوك بطريقة تلقائية في مواقف معينة، بينما القيم تنظيمات أكثر تعقيدا من السلوك المتكرر وأكثر تجريدا، كما تحتوي على أحكام معيارية للتمييز بين الخطأ والصواب والشر والخير وهذا أمر لا يمكن توافره في العادة (عبد الرحمان الشعوان: 1997،ص 1)

3-3: التمثلات الاجتماعية

 يعرف أبن منظور التمثل ب: " التمثل من مثل الشيء أي صوره حتى كأنه ينظر إليه، وأمثله أي تصوره، ومثلث له تمثيلا إذا صورت له مثاله بكتابة أو غيرها، وتمثيل شيء بشيء يعني التشبيه " (.بن منظور ص 614.(

التحديد الاشتقاقي لكلمة Représentation باعتبارها أصل وجذر المفهوم وتعني الفعل الذي يتم به تقديم موضوع او شيء أمام العين أو الذهن:

 غير أن المقاربة اللغوية رغم أهميتها تبقى غير كافية للإحاطة بمفهوم أصبح مركزيا في كل الدراسات الإنسانية والاجتماعية،مما يستدعي تنويع قنوات البحث لإضاءة وتحديد المفهوم بشكل ملائم،حسب سيرج موسكو فيسي Serge Moscovici فالتمثلات تحيل على المجال التفاعلي بين ماهو فردي وماهو اجتماعي، هو الأمر الذي يفسر الاهتمام المتزايد بالمفهوم من داخل تخصصات معرفية متعددة بغض النظر عن نوعية المقاربات المستخدمة في البحوث.

حسب جودلي JODELET فان التمثلات تعتبر أداة توجيه للفعل،ونمط لتفسير الوقائع،فالتمثل الاجتماعي هو مفهوم مشترك بين المفاهيم النفسية والمفاهيم الاجتماعية،و هو ما يقود إلى اعتبار أن التمثلات هي شكل البنايات والتصورات التي تقود الى فهم المحيط الاجتماعي والثقافي العام (MOSCOVICI،1973،p: 40) .

 فاختلافات ثقافات الأفراد من خلال اختلاف شبكة الرموز والقيم والأفكار توثر في اختلاف رؤية الأفراد إلى الأشياء، ان اختلاف تمثلات الأفراد مرتبطة باختلاف السياقات الثقافية التي ينتمون إليها.

 كما أن التمثلات الاجتماعية تتجاوز ما هو فردي لأنها مرتبطة بشبكة وبنية جماعية تستمد قوتها من تاريخ المجتمع، وان مهمة التمثلات الاجتماعية ترتبط بوظيفة حيوية تتمثل في الحفاظ على الجماعة وتناسقها،وهو مايفسر تغير التمثلات الفردية ونسبيتها لأنها مرتبطة بتجربة الإفراد الخاصة والشخصية، عكس التمثلات الجماعية فهي متناسقة وتتميز بالثبات لأنها مرتبطة بالوعي الجمعي بحسب إميل دوركايم .

 عموما يمكن الاطمئنان إلى أن التمثلات الاجتماعية هي طريقة تفسير وتأويل الواقع المعاش بناء على معطيات نفسية واجتماعية،و هي بذلك تعتبر شكلا من أشكال المعرفة الاجتماعية من اجل قراءة الواقع الاجتماعي والتعامل معه بناء على أنشطة هادفة.

ولقد ساهم العديد من علماء الاجتماع والانتربولوجيا وعلم النفس الاجتماعي في دراسة ظاهرة "التمثل". ويمكن القول أن لكل تخصص من تخصصات العلوم الإنسانية تعريفه لخاص لمفهوم "التمثل الاجتماعي، القراءة المتقاطعة لمفهوم التمثلات تقودنا الى استنتاج أهم الخصائص المميزة لتمثلات وبشكل تقريبي من خلال:

 اولا: أن التمثل هو معرفة عملية مستمدة من تجارب الفرد .

 ثانيا: انها معرفة نتيجة تفاعل عملي بين الفرد وبموضوع( Ladrière 1996، p. 823 )فهو عبارة عن عملية بناء - لصورة من طرف الذات عن موضوع ما.

ثالثا: إن كل تمثل هو نقطة تقاطع بين الفردي والجماعي، أي أنها تعني الفرد كما تعني - الجماعة والمجتمع في نفس الوقت.

رابعا: التمثل ليس فقط هو بناء لصورة عن شيء ما، أو المعرفة التي ننتج، ول كنه أيضا - الحكم أو التقييم الذي نحمله أو نكونه عن ذلك الشيء.

رابعا: خامسا: إن تمثلا ما لا ينحصر في معرفة موضوع معين، وليس مجرد خطاب عن واقع ما، إنه وسيلة للفعل بالنسبة للأفراد.

خامسا: إن كل تمثل فردي هو بالضرورة تمثل اجتماعي وتقافي.

سادسا: ان كل تمثل يعكس الإطار التفافي وألقيمي للشخص الذي يحمل هذا التمثل.

سابعا: ان كل تمثل له طبيعة معرفية تختص بكيفية معالجة المعلومة المتقاة، وتأويل موضوع معين.

ثامنا: يتضمن كل تمثل جانبا من الحس العاطفي والقيمي للفرد، إي انه يحمل شحنات عاطفية لذات المتمثلة وهوما يجعل التمثلات في غالبية الأحيان تحمل جزءا من الجوانب اللاعقلانية. إن دراسة التمثلات الاجتماعية السائدة عن الصحة والمرض في المجتمع تهدف في نظر كلودين هرزليش إلى " البرهنة من خلالها على وجود نسق فكري منسجم، مكون من مفاهيم مستقلة سائدة عن الصحة والمرض. مستقلة عن مقولات المعرفة الطبية. إن دراسة التمثلات الاجتماعية تظهر بوضوح أن اللغة التي يعبر فيها عن الصحة والمرض، ليست لغة جسم الكائن العضوي: ولكنها لغة العلاقة بين الفرد الخاضع للتنشئة الاجتماعية الخارجيةبين الفرد والمجتمع، ( 1976،p 23 Herzlich ).

المحور الثالث: مقتضيات قانون الطوارئ الصحية: مفهومه واجراءاته.

3-1: تطبيق حالة الطوارئ الصحية المؤسسة على قاعدة التباعد الاجتماعي

 هذا الإجراء الاستثنائي يندرج فى إطار التدابير الوقائية الاستعجالية التى تتخذها السلطات العمومية،من أجل الحد من انتشار فيروس كورونا، حيت كان الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطنى ابتداء من 20 مارس 2020 على الساعة السادسة مساء إلى غاية 20 أبريل فى السادسة مساء ."

 حدد قانون الطوارئ من الاجراءات الرادعة في حالة مخالفة القانون،كما حدد مجموعة من العقوبات والتي تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر وغرامة تتراوح ما بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين.

الإجراءات الخاصة بقانون حالة الطوارئ الصحية تهدف إلى تمكين السلطات من اتخاذ التدابير اللازمة من أجل التزام الناس بيوتهم، وعدم مغادرتها إلا فى حالة الضرورة القصوى ومنع أى تجمع. واتخذ المغرب إجراءات للحد من انتشار الفيروس إلى جانب حالة الطوارئ الصحية حيث أغلق مجاله الجوى أمام الرحلات الخارجية والداخلية وعطل المدارس وعلق جميع الأنشطة.

بتاريخ 10 مارس أقر المجلس الحكومي الاستثنائي ليومه السبت، تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا “كوفيد-19” إلى غاية 20 ماي المقبل.

 الحكومة تصادق على تمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية حيث تقدم كل من وزير الداخلية ووزير الصحة بتقرير أمني وصحي حول الوضع العام بالبلاد.

وقال بلاغ مشترك، أن جميع الإجراءات الوقائية والزجرية المعمول بها في إطار المرحلة الأولى “لحالة الطوارئ الصحية” ستظل سارية المفعول طيلة هذه المدة الإضافية، مع تكييفها كلما اقتضى الأمر ذلك حمايةً للصحة العامة للمواطنات والمواطنين.

الفرع الثاني: كرونولوجيا تطبييق حالة الطوارئ الصحية.

 بعد إعلان المغرب عن حالة الطوارئ الصحية يوم 19 مارس 2020، اتخذت سلطات المملكة مجموعة من الإجراءات والتدابير لضمان تطبيق حالة الطوارئ الصحية للحد من انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وحماية المواطنين من هذا الوباء وبحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة ان إجراءات الحضر الصحي جنبت المغرب حوالي 40 ألف إصابة وهو ما يعكس قيمة وأهمية الإجراءات الوقائية المؤسسة على القيم الثقافية والاجتماعية كإجراءات غير طبية.

وفي ما يلي الشريط الكرونولوجي لتطبيق حالة الطوارئ الصحية في المغرب

19 مارس2020

- إعلان حالة الطوارئ الصحية وتقييد الحركة في البلاد ابتداء من يوم الجمعة 20 مارس على الساعة السادسة مساء، لأجل غير مسمى كوسيلة.

20 مارس2020:

دخلت حالة الطوارئ الصحية في المملكة حيز التطبيق على الساعة السادسة من مساء يوم الجمعة 20 مارس، تنفيذا للقرار الصادر يوم الخميس 19 مارس2020.

- تم تحديد لائحة الأنشطة التجارية والخدماتية الضرورية التي يجب أن تستمر في تقديم خدماتها ومنتوجاتها للمواطنين خلال فترة الطوارئ الصحية.

21 مارس2020:

-إطلاع البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية المعتمدة بالمغرب على التدابير المتخذة من قبل المملكة لاحتواء فيروس كورونا. - منع استعمال وسائل التنقل الخاصة والعمومية بين المدن.

- الخطوط الملكية المغربية تعلق رحلاتها المحلية.

-الإعلان عن توقيف جميع قطارات الخطوط وتأمين الحد الأدنى من قطارات القرب ابتداء من يوم الاثنين 23 مارس على الساعة 11:59 ليلا.

22 مارس2020:

-وزارة الثقافة والشباب والرياضة تدعو إلى تعليق إصدار الطبعات الورقية للصحف حتى إشعار آخر. -مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بقانون يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.

-شركات الاتصالات الثلاث العاملة بالمغرب قررت أن يصبح الولوج مجانيا بصفة مؤقتة عبر الشبكات الثابتة والمتنقلة، إلى جميع المواقع والمنصات المتعلقة بـ "التعليم أو التكوين عن بعد" الموضوعة من طرف وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي.

23 مارس2020:

-لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب تصادق على مشروع مرسوم بقانون يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية.

24 مارس2020:

- رئاسة النيابة العامة تدعو إلى التطبيق الصارم للمرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.

- توقف احتساب الآجال القانونية للتصريح بوقائع الحالة المدنية إلى غاية الإعلان الرسمي عن رفع حالة الطوارئ الصحية.

-صدور مرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها بالجريدة الرسمية.

-المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يضع مجموعة من الإجراءات من أجل الحد ما أمكن من تنقلات زبنائه إلى وكالات المكتب.

26 مارس2020:

-إطلاق بوابة إلكترونية خاصة بالتعويضات الجزافية الشهرية (الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

-منح تعويض شهري جزافي قدره 2000 درهم لفائدة الأجراء والمستخدمين المتوقفين مؤقتا عن العمل المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

29 مارس2020:

- أطلقت وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي برنامجا لدعم استثمارات المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تستثمر في مجال تصنيع المنتجات والمعدات المستعملة في مواجهة جائحة كورونا.

- وزارة التربية الوطنية تقرر مواصلة التعليم عن بعد وتأجيل العطلة الربيعية.

- بنك المغرب يعتمد مجموعة من التدابير الجديدة لدعم الاقتصاد والنظام البنكي.

30 مارس2020:

- الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يصدر نسخة جديدة للبوابة الإلكترونية "covid19.cnss.ma".

- المركز السينمائي المغربي يقدم مجموعة من الأفلام المغربية الطويلة عبر الانترنت.

- عملية الدعم المؤقت: إيداع الطلبات عبر إرسال رقم التغطية الصحية لرب الأسرة عبر هاتفه المحمول إلى الرقم الأخضر 1212 وعدم التردد على مقرات العمالات والملحقات الإدارية والقيادات.

31 مارس2020:

- أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة اتخاذ مجموعة من إجراءات المواكبة، بشكل مؤقت واستثنائي، لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية.

- تمديد سريان تدبير إرجاء العمل بمراكز تسجيل المعطيات التعريفية ومصالح مراقبة الأجانب حتى إشعار آخر.

01 أبريل2020:

- وزارة الصحة تدعو المواطنين إلى التحلي بالصبر والتقيد الصارم بتدابير الحجر الصحي.

- شركة (ريضال) تعتمد أنشطة وحلولا بديلة تجاه الزبناء بعد إعلان حالة الطوارئ الصحية.

-مصرف المغرب يضع آلية لتأجيل سداد أقساط القروض العقارية وقروض الاستهلاك.

02 أبريل2020:

- متابعة 4835 شخصا قاموا بخرق حالة الطوارئ الصحية من بينهم 334 أحيلوا على المحكمة في حالة اعتقال رئاسة النيابة العامة.

- اتخاذ مجموعة من التدابير لدعم الإدارات العمومية في تبني الحلول الرقمية .

أعلنت الحكومة المغربية، مساء الأحد 21 مارس 2020،أن حالة الطوارئ الصحية، للحد من انتشار فيروس كورونا أو كوفيد 19 ستمتد حتى 20 أبريل المقبل.

الفرع الثالث: الإجراءات المتخدة على صعيد مجال الدراسة لتطبيق الحظر الصحي بإقليم قلعة السراغنة.

 بمجرد إعلان تطبيق مقتضيات حالة الطوارئ الصحية في المغرب، إذ تغيرت الصورة بشكل كبير في إقليم قلعة السراغنة والبالغ عدد سكانه حسب أخر إحصاء رسمي لسنة 2014 حوالي نصف مليون نسمة ويضم 39 جماعة قروية وأربع بلديات ،ذات الكثافة السكانية الكبيرة في مركز الإقليم والمتوسطة في الجماعات القروية والتي يبلغ عددها 39 جماعة، فقد تضاءل بشكل كبير عدد المارة والسيارات في شوارع، فيما اختفت أيضا مظاهر التجمهر أمام المحلات التجارية في الكثير من أحيائها. كما يلاحظ احترام أكبر لمسافة الأمان بين من اضطروا للتواجد في مكان واحد سواء لتبضع او لاقتناء دواء من الصيدليات. كما ثم توقيف كافة الخدمات الإدارية والصناعية والرياضية والترفيهية والاجتماعية والتفافية.

و تقوم إستراتيجية تنفيذ حالة الطوارئ الصحية على مبدأ التقسيم الحالي،حيت يتم تشكيل لجنة للمراقبة واليقظة تتكلف بتنفيذ مقتضيات الحظر الصحي على صعيد كل دائرة ترابية والتي تتشكل من ثلاثة الى أربعة جماعات ترابية ويشرف عليها ممثل السلطة المحلية وعناصر من الدرك الملكي وعناصر من الحرس الترابي ومن الوقاية المدنية اظافة إلى أعوان السلطة وممثلين عن مندوبية الصحة.

 وتقوم اللجنة بمجموعة من الإجراءات ومنها:

 7-1: حملات التوعية: حيت يتم تنظيم حملات للتوعية عبر مكبرات الصوت من اجل ابراز خطورة الوضع، وطبيعةالوباء واهمية البقاء في المنازل تطبييقا لالية التباعد الاجتماعي. وضرورة الابتعاد عن الاختلاط والازدحام في الاماكن العامة .

 مع ابراز انه لا يوجد علاج "فردي" لوباء كورونا لحد الآن، فإن العلاج الوحيد المتوفر،

هو "علاج جماعي" تمثل في الالتزام بالبقاء في المنازل وكسر سلسلة انتقال العدوى أو التقليص من سرعتها ومداها الجغرافي . على الأقل، وكل تجاوز لقواعد تناول هذا "الدواء" من أي شخص قد يهدد بروتوكول العلاج برمته ويفتح الباب أمام كارثة جماعية تكون كلفتها اكبر بأضعاف مضاعفة من مجرد الاستغناء عن جولة في الشارع أو الحارة أو الحي أو الدوار أو القرية .

7-2: إصدار تراخيص استثنائية للتنقل.

حيت قررت السلطات الاقليمية والمحلية منح رخص للتقل بمعدل رخصة واحدة.

لكل شخص للمنزل تمنح للشخص المكلف بتلبية حاجيات الاسرة . اظافة الى منح رخص

 للاشخاص الذين يعانون امراضا مزمنة او يتابعون علاجات تستدعي متابعة طبية كما تمنح رخص للاشخاص الذين يعملون في المرافق الحيوية والمنشات العامة الغير المشمولة بالتوقيف

لسائقي الشاحنات الكبيرة والتي تقوم بمهمات النقل التجاري لمواد التموينية.

7-3: تنظيم حملات للتعقيم:

حيت يتم التنسييق بين لجنة اليقظة ومصالح الجماعات الترابية بتعقيم الشوارع العامة والازقة والمرافق.

7-4: فرض استعمال الكمامات الطبية.

 أصبح لزاما على المواطنين الذين يتوفرون على رخص الخروج الاستثنائية من اجل التسوق او العلاج استعمال الكمامات الطبية تحت طائلة التوقيف والمتابعة بخرق القانون .

7-5: تنظيم حملات لمراقبة الحظر والتباعد الاجتماعي .

 حيت تقوم لجنة اليقظة بمراقبة كافة المجالات الترابية لاسيما الإمكان العامة والأسواق وأماكن التجمعات تنظيم دوريات مشتركة وإقامة سدود على الطرقات العامة من اجل نطبييق مقتضيات الحظر الصحي .

7-6: متابعة المخالفين واحالتهم الى العدالة.

 تقوم اللجنة بمجرد ضبط مخالف لمقتضيات لقانون بربط الاتصال بممثل النيابة العامة ووضعه تحت تدابير الحراسة النظرية الى حين عرضه على المحكمة .

7-7: إصدار التراخيص الاستثنائية لأصحاب النقل التجاري.

ضمانا لتزويد السوق الداخلية بالمؤن لاسيما ذات الطابع الاستهلاكي يتم إصدار تراخيص استثنائية

7-8: حملات التوعية على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

 يتم تنظيم حملات للتوعية عبر مكبرات الصوت وبشكل يومي عبر مختلف الأزقة والشوارع ودواوير الجماعات الترابية،من خلال إبراز خطورة الوباء وعدم وجود اي علاج له سوى الوقاية منه عن طريق الابتعاد عدم الاختلاط.رافق عملية تطبيق مقتضيات قانون الحظر الصحي حملة إعلامية موسعة لشرح طبيعة الفيروس وأشكال مواجهته ومنع انتشار الوباء،اظافة الى حملات كثيفة وموسعة على شبكات التواصل الاجتماعي والتي كشفت الانخراط الاجتماعي في مواجهة. .

فحفاظ الإقليم على النسبة يعكس نجاح وفعالية الإجراءات الغير الطبية المعتمدة والتي تجدد أساسها في العوامل التفافية والقيمية للمواطن ومدى تجاوبه مع خطابات وقرارات السلطات العمومية .

7-9: متابعة حالات المخالطين للمصابين بالعدوى عبر فحص يومي من طرف طبيب المركز.

7-10: مراقبة المخالطين وحراسة منازلهم لمنعهم من الخروج .

7-11: متابعة حالات المرضى.

7-12: مباشرة عمليات الدفن والحرص على عدم إقامة الجنائز وإلغاء العزاء.

 من أهم التغييرات الحادة تلك المتعلقة بمراسيم الدفن،حيت أصبح منوعا إقامة الجنائز ومراسم العزاء حيت يتم دفن الميت بحضور شخصين فقط من عائلته. حيت لا تتمكن أفراد عائلة الفقيد من حضور مراسم الدفن بسبب إلاجراءات ألامنية والصحية الصارمة،حيت يتم تجهيز القبر في مكان معزول عن باقي المقابر كإجراء احتياطي لاستقبال جثث أخرى من المتوفين بفيروس كورونا. ويتم استبدال الكفن الأبيض والبخور والعطور التي يلف بها جثمان الفقيد بأكياس سوداء عازلة وصناديق خشبية .

المحور الرابع: التمثلات الاجتماعية حول الوباء وحول التباعد الاجتماعي.

 بعد الوقوف على نوع المخالفات المرتبطة بخرق إجراءات التباعد الاجتماعي ثم اجراء البحث حول تمثلات المواطنيين،حول الوباء وطبيعته من خلال عينة عشوائية مكونة من 100 مفردة وقد تم اعتماد تقنية المقابلة.

 الجدول (1): جدول يبين طبيعة التمتلات الاجتماعية حول الفيروس

 

التمثل الاجتماعي             النسبة

 فيروس خطير لا علاج له   71

مجرد مرض                    17

عقاب الهي                      9

عدم الاجابة او جهلها         3

يتضح من خلال نتائج البحث الميداني من خلال توظيف تقنيتي الاستمارة والمقابلة ان 71 في المئة من المستجوبين يعتبرون ان الفيروس كوفيد 19 هو فيروس خطير ولا علاج له، وهو تمثل صحيح ينسجم مع المعطيات الصحية التي يتم نشرها عبر مختلف وسائل الاعلام الرسمية ومن خلال البرامج الطبية والتوعوية .و ان نسبة قليلة مازلت تعتبر ان الفيروس هو عقاب الهي في حق المخالفين لشرع الله .

النتائج المتوصل بها تكشف الاستنتاجات الآتية:

 أهمية وسائل الإعلام الرسمية والشعبية في التحسيس، وفي رفع منسوب الوعي الصحي وإدراك مخاطر الفيروس وهو ماكشفته نتائج البحث حيت ان 71 في لمئة يملكون تصورات مطابقة لحقيقة الفيروس،كما كشفت النتائج ان هناك من المستجوبين مازال يملك تصورات دينية حول طبيعة الفيروس كعقاب الهي.

4-1: تمثلات المواطنيين حول طرق انتقال الفيروس .

 بعد إجراء بحث استقصائي لمعرفة تمتلات المواطنين حول وباء كورونا، سيتم البحث والاستقصاء حول تمثلاتهم بخصوص كيفيات انتقال العدوى، وقد تم إجراء مقابلة مع 100 شخص بتوظيف عينة البحث العشوائية . فكانت النتائج كمايلي:

 الجدول (2) تمتلات المواطنين حول طرق انتقال لعدوى

 كيفية الانتقال                 النسبة

عن طريق اللمس والعطس   25

عن طريق الهواء              20

عن طريق نقل الدم            18

 الجلوس قرب المريض      32

الابتعاد عن شرع الله          05

نتائج البحث كشفت أن اغلب تمثلات وتصورات المستجوبين حول طرق العدوى منسجة مع المعطيات والتقارير والاخبار التي يتم اذاعهتا ونشرها عبر القنوات وووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي . كما يسجل كذلك حضور البعد العقابي والديني والمتمثل في كون الوباء هو عقاب الهي للبشر نتيجة مخالفة الشرع.

4-2: تمثلات الاجتماعية حول طرق العلاج.

 من اجل معرفة تمتلات الاجتماعية ثم اجراء مقابلة عبر توظيف عينة بحث عشوائية ل 100 مفردة حول طرق العلاج من الوباء فكانت النتائج كالتالي:

 الجدول (3) التمثلات الاجتماعية حول طرق العلاج.

طرق العلاج                 النسبة

عن طريق الادوية.            35 

عن طريق الوقاية .            52 

ارتداء الكمامات والنظافة .   13

 بخصوص المعطيات المحصل عليها حول تمثلات المستجوبين بخصوص أساليب العلاج

فيتضح ان الجميع ركز على معطيات طبية،و لم يتم التطرق الى العنصر الديني وهي ملاحظة تستدعي التوقف والتفسير، كيف ان بعض التمثلات الاجتماعية حول أسباب الفيروس تركز على البعد الديني باعتباره عقابا الهيا وهو مايفرض ان العلاج يكون بضرورة انتفاء الأسباب النتيجة لهذا الفيروس من خلال الرجوع الى الله وعن طريق فعل العبادة،لكن يبدو ان هؤلاء الذين يفسرون أسباب الوباء وسرعة انتشاره بأسباب دينية وعقابية يفتقدون الى الانسجام في تصوراتهم،لانه حين تعلق الأمر بطرق العلاج فقد ركزوا على الجانب الطبي والواقعي.

4-3: تمتلات المستجوبين حول مفهوم التباعد الاجتماعي.

بعد إجراء بحث استقصائي لمعرفة تمتلات المواطنين حول وباء كورونا، سيتم البحث والاستقصاء حول تمتلاتهم حول مفهوم التباعد الاجتماعي وآلياته، حيت ثم إجراء مقابلة مع 100 شخص بتوظيف عينة البحث العشوائية .

 الجدول )4التمثلات الاجتماعية حول مفهوم التباعد الاجتماعي(.

مفهوم التباعد الاجتماعي     النسبة

عدم الاختلاط                   22 

عدم الخروج من المنزل      18

عدم الذهاب الى العمل        10

الابتعاد عن اماكن العدوى    24

الابتعاد عن الاماكن العامة   22

ارتداء الكمامات                4

 النتائج المحصل عليها يتضح ان غالية المستجوبين يعرفون دلالات وإجراءات العزل الصحي

و المتمثلة في عدم الاختلاط والالتزام بالمنزل والابتعاد عن الأماكن العامة والموبوءة.

4-4: خرق مقتضيات التباعد الاجتماعي حسب معيار الجن .

من اجل معرفة طبيعة المخالفين لمقتضيات التباعد الاجتماعي ثم الرجوع الى سجلات اللجنة الإقليمية للتتبع حيت تم الوقوف على المعطيات والنتائج الآتية:

المخالفين والمخالفات لمقتضيات التباعد الاجتماعي 2020.

 الجدول (5): المخالفين للحظر الصحي حسب الجنس

المخالفين من الذكور 1696

المخالفات من النساء 120

الاستنتاجات: يتضح من خلال النتائج المحصل عليها من إحصائيات اللجنة الاقليمة لليقظة والتتبع ان النسبة الكبيرة من المخالفين تعوذ للذكور عكس نسبة قليلة من النساء، وهو ما يدعو الى تفسير النتائج وابحث عن الخلفيات الاجتماعية لهذه لنتيجة، ولماذا تحترم النساء التباعد ومقتضيات الحظر الصحي على عكس الذكور.

المحور الخامس: فعالية التباعد الاجتماعي: النتائج والأسباب.

 بالرجوع الى النتائج المحققة بإقليم قلعة السراغنة والذي يسجل انه من الأقاليم القليلة بالمغرب والذي عرف أربعة إصابات، واحدة لسيدة جاءت من خارج الإقليم وقد تم شفاؤها وشخص من مدينة ازيلال وأخ وأخته بمنطقة قروية تسمى الجماعة الترابية سيدي عيسى بن سليمان.

رغم ان الإقليم يقع بين ثلاث بؤر وبائية وهي الدار البيضاء 586 حالة ومراكش 490 والرحامنة 250 حالة،فان الإقليم مازال لم يعرف ظهور بؤر وبائية وهي نتيجة فعالية الإجراءات الاستباقية التي تم اتخذها وتنفيذها ويتعلق الأمر بالتباعد الاجتماعي .

 من الملاحظات التي يمكن تسجيلها خلال فترة الحجر الصحي /التباعد الاجتماعي الذي فرضه “الوباء” ما أدى إلى تعليق التفاعل الاجتماعي المباشر وتعليق عدد من أشكال النشاط والحياة الاجتماعية اليومية بكافة أبعادها: اقتصادية/اجتماعية /ثقافية /سياسية /فنية/رياضية، هو ما اثر كثيرا على الحياة اليومية للمواطنين لاسيما الفئات المعوزة وذات الدخل المحدود في ظل التوقف عن العمل وغياب سلوك الادخار.

 تطبيق آليات التباعد الاجتماعي حملت شعار “بقى في دارك ” تجسيدا لمقولة الوصفة طبية للتباعد الاجتماعي،بدءا بالاعتماد على مبادئ التباعد الاجتماعي والابتعاد عن التفاعلات الاجتماعية كآلية لمواجهة الوباء، حيت ثم تعويض التفاعلات الاجتماعية والنقاش العمومية ونقلها من العالم الواقعي الىى العلم الافتراضي،و النتيجة نشطت دائرة النقاش الافتراضي لاسيما النقاشات والندوات عبر تقنية المباشر اللايف والمنظم من طرف المؤسسات والأحزاب والجمعيات والشخصيات العامة، اظافة إلى تغير نمط الحياة للمواطنين والذين اعتادوا على السلوك الجماعي في كل مفاصل الحياة الاجتماعية من أماكن العمل والترفيه والمساجد والأسواق والأماكن العامة وحتى في الجنائز،فالسلوك الاجتماعي للمواطن بقلعة السراغنة كمجال للدراسة هو انه سلوك جمعي،ان الانعزال والوحدة يعتبر مؤشرا على حالة غير طبيعية.

من التحولات الاجتماعية المصاحبة للحظر الصحي وتطبيق آليات التباعد الاجتماعي هو انه حول جهل من الاستثنائي / الانعزال،جعله قاعدة.

 حيت تم رصد حركية كبيرة في الانتقال من التفاعل المباشر الى التفاعل والتواصل الافتراضي او التواصل عن بعد،حيت أصبح التواصل مرئيا وصامتا في ذات الوقت، لأنه تواصل يشترط غياب الذات وتعويضه بصورة واستبدال اللغة برموز وإيقونات،و هو ما يكشف ان الصورة التي التهمت الذات، وحولتها الى مجرد صورة قابلة للتداول والتقييم والإعجاب في فضاء مفتوح. في الأمر الذي يقود الى استنتاج ان التواصل عن بعد هو تواصل غير اجتماعي لانه مؤسس على صور وليس على تفاعل حي يفترض ذوات متحاورة وسياق ولغة حوار اظافة الى كثلة من الانفعالات المرتبطة بطبيعة التواصل ومضمونه.

 التباعد الاجتماعي المؤسس على فكرة الابتعاد وتعليق التفاعل الاجتماعي المؤسس على الحضور المادي استفاد من التحولات المرتبطة بشبكات وقيم التواصل الاجتماعي الافتراضي الذي أصبح سائدا في كل زوايا المجتمع في البيت وفي المقهى في الشارع، وأصبح التفاعل الافتراضي جزءا من الواقع الاجتماعي.

 يمكن الاطمئنان الى استنتاج ان فكرة التباعد الاجتماعي كانت واقعا قبل ازمة وباء كوفيد 19،حيت ان الضرورة الطبية اعتبرت التباعد كوصفة طبية في حين التطور التقني وهيمنة الفضاءات السبيرانية جعل من التباعد واقعا اجتماعيا قبل أزمة كورونا فيروس، من خلال بناء هويات افتراضية للكائن الاجتماعي بالاظافة الى هويته الاجتماعية الواقعية.

و يمكن رصد أهم أنماط التفاعل عن بعد ومنها:

اولا: ا لتعليم عن بعد.

 رغم أن اعتماد عمليات التعليم والتكوين عن بعد، انطلق منذ سنوات خلال العقدين الماضيين، إلا أن “التباعد الاجتماعي”، قد كثف الاعتماد على التعليم عن بعد، بعد إعلان عدد من الدول والمجتمعات إعلان الحجر الصحي وحالة الطوارئ الصحية، واستكمال البرامج الدراسية من خلال منصات رقمية.

وقد واكب ذلك، إعلانات متزايدة ومتنوعة حول التسجيل في برامج التعلم والتكوين عن بعد من طرف الجامعات والمعاهد الخاصة، التي تعرض مادة تعليمية متنوعة.

ثانيا: خدمات إدارية عن بعد:

مسارعة عدد من المؤسسات الإدارية، الى إعلان خدماتها خصوصا التراسل واستخلاص الوثائق الإدارية، على مستوى منصات رقمية على الانترنت .

ثالثا: الأنشطة اليومية عن بعد

إضافة الى تمارين رياضية عن بعد، مكتبات رقمية، جرائد ومجلات رقمية، ندوات عن بعد، تجارة الكترونية،استشارات صحية رقمية.

رابعا: تنظيم الندوات التفاعلية .

خامسا: الاستشارات الطبية عن بعد .

سادسا: خدمات التسوق عن بعد.

سابعا: تشجيع الدكاكين والمتاجر المتنقلة .

ثامنا: تقريب الخدمات الإدارية واستفادة المواطنيين من الدعم بمراكزهم وبالقرب من مقر سكناهم.

التباعد الاجتماعي التجمعات والحشود من انتشار له وحصد للأرواح، مع العلم أن كل ما هو مشترك من وسائل نقل وفضاءات عامة مثل المقاهي والمطاعم والعروض الثقافية والمقابلات الرياضية. كل هذا أصبح مصدر خطر وإصابة بفيروس كورونا، ومن ثم كأن كورونا يريد إلغاء وظيفة بعض منجزات الحداثة، ويترك فقط ما يتماشى وفكرة العزلة والانعزال القسري من خلال الحجر الصحي وإجراء حظر المناطق.

 الفرع الاول: التفاعل الافتراضي وتسهيل آليات تطبيق مقتضيات التباعد الاجتماعي .

 من خلال نتائج التي رصدتها لجن متابعة تطبيق الحظر الصحي، منذ بداية سريان مقتضيات الحظر الصحي إلى نهاية المرحلة الأولى منه والمحددة بتاريخ 20 ابريل 2020، ان عدد المخالفين من الذكور بلغ حوالي 2532 في حين المخالفات من النساء بلغ 122 وهو رقم قليل يستدعي تحليلا من اجل الوقوف على طبيعة الظاهرة وأسبابها. من العوامل التي ساهمت في نجاح آليات التباعد الاجتماعي كإلية للحد من انتشار الوباء بشكل كثيف رغم طبيعة العلاقات والقيم والعادات الاجتماعية المؤسسة على التفاعل والحميمية والتزاور والطابع الجماعي لأشكال الفرح أو الحزن، كل معطيات تجعل من انتشار العدوى امرأ سهلا وبشكل كثيف، غير ان التحولات التي شهدها الواقع الاجتماعي بسبب التطور الكبير والاختراق الواسع لشبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي وعوالم الانترنيت وانتشار المنصات الرقمية وفر لظروف والبنيات التحتية لتطبيق التباعد.

 انتقال نسيج التفاعل الاجتماعي من مجمل أوجه الحياة الاجتماعية إلى المنصات الرقمية،المرهونة فعاليتها بمقولة وإجراء التباعد الاجتماعي. إلا أن وتيرة هذه السيرورة شهدت قفزة فائقة السرعة خلال فترة الحجر الصحي/التباعد الاجتماعي الذي فرضه “الوباء”. ويمكن كذلك العودة إلى تأمل الآثار التي أحدثها الانتشار والاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والتحولات التي حملتها (التمثلات/أنماط السلوك/هوية افتراضية.

 فمحاصرة الوباء وكسر سلسلة انتشاره متوقفة على تعليق التفاعل الاجتماعي المباشر أو التباعد الاجتماعي.

ختاما، تظل المؤشرات المرصودة الى حدود فترة الوباء، التي تعكس فعالية التباعد الاجتماعي وتفكيك عناصر نمط المجتمع القائم على التفاعل الاجتماعي المباشر مع تكثيف بنية وشبكة المجتمع الرقمي (دارن بارني، 2015 ص 63 ).

 يمكن القول إن “الوباء” والتباعد الاجتماعي قد سرعا بشكل كبير صيرورة هذا المسار التاريخي في حياة المجتمع المعاصر، وبالتالي وجدت المجتمعات سواء التي شرعت خلال عقود سابقة في تهيئ الانتقال نحوه أو التي فرض عليها التباعد الاجتماعي والوباء ووجدت نفسها مرغمة على السير في اتجاه الرقمنة، حيث وجد المجتمع، بناء على ذلك، نفسه على أعتاب المجتمع الرقمي ( زيغمانت باومان،2016 ص 133) .

الفرع الثاني ّ: النساء اكثر تطبيقا لمقتضيات التباعد الاجتماعي من الذكور .

 أن تحترم المرأة مقتضيات الحظر الصحي فالأمر مقبول ومتوقع، بالمقابل ارتفاع منسوب التحدي وعدم احترام القانون من طرف الذكور، يعيد نظرية بيير بورديو حول الهيمنة الذكورية الى دائرة النقاش حول ظاهرة العنف والعنف المضاد وأشكال الهيمنة لذكورية وأبعادها الثقافية والسلوكية .

لذا ومن داخل هذه النظرية يمكن فهم وتفسير احترام النساء لمقتضيات الحظر الصحي والتزام البيت، وهو مؤشر على الانضباط واحترام النظام العام. على اعتبار ان دور إعادة الإنتاج البيولوجي والثقافي أي الإنجاب بما يضمن الحفاظ على السلالة واستمرارية العائلة، وما يؤكد هذا الطرح ان المرأة العاقر سرعان ما يتم تطليقها لأنها لا تستطيع تحقيق المهمة الأساسية بالأوساط الاجتماعية المحافظة، ولاسيما بالعالم القروي،فالمرأة العاقر هي كائن بلا قيمة وبلا فائدة . حيت يؤكد المثل الشعبي:

* لمرا بلا اولاد بحال الخيمة بلا اوثاد* : المراة العاقر مثل الخيمة بلا أوتاد سريعة السقوط .

و فق نظرية بيير بوريو، فان المجال المخصص للمرأة هو الفضاءات الخاصة داخل الأسرة لا خارجها، وهو ما يفسر ان المرأة ورغم موجة الانفتاح والدفع بها إلى خارج فضائها الخاص والمغلق إلى الفضاء العام، كان لأسباب رسمية ومؤسساتية، لاسيما ارتفاع منسوب تعلم الفتاة والولوج الى الوظائف العامة وحتى الخاصة .

 ورغم ان خروج المرأة من عالمها الخاص الى الفضاء العام، فأنها لم تكتسب بعد صلابة الحضور في فضاء عنيف ( موجة التحرش والعنف ضدها )، لذا يفهم سر حرص النساء على احترام القانون والبقاء في فضاءها الخاص بناء على قناعاتها المتوارثة ان الفضاء العام هو فضاء العنيف، ومازلت لم تكتب بعد آليات التوافق معه او ما يسميه بورديو بالابيتوس الاجتماعي .

ان يكون صدام السلطات العمومية مع الذكور من المخالفين لمقتضيات، هو انعكاس مباشر لنتائج تربية ووعي ذكوري مؤسس على قيم التفوق والسيطرة والتحدي

 - أنت مالك خايف بحال لمرا ) لماذا انت خائف مثل المراة .

– أنت اشنو غادي يديروا ) ماذا سيفعلون ؟

 وغيرها من العبارات الدالة على تقافة ذكورية .

وفق التمثلات الاجتماعية،فالفضاء الخاص محجوز للمرأة وهو مجالها لحيوي،في حين الفضاء العام هو فضاء مخصص للذكور وسلطة الذكور وهيمنتهم، مما يمنحهم الاعتقاد انه ملك لهم، يصعب إقناعهم بالعودة إلى الفضاء الخاص المخصص للنساء .

 بحسب هذه التمثلات الذكورية للفضاءات العامة والخاصة، فان مطالبة بعض الذكور بالرجوع الى المنزل كفضاء خاص، هو انتقاص منهم ومن فحولتهم، مما يقود بلا شك الى الرفض المصحوب بالعنف. والنتيجة فعل صدامي بين رجال السلطة العمومية والتي تعمل على إخلاء الفضاءات العامة كشرط للسلامة، وبين من يتمثلون الفضاء العمومي كفضاء ذكوري مخصص لهم لاستعراض فحولتهم وذواتهم،وان اي دعوة الى الخروج من الفضاء العام إلى الفضاء الخاص، هو تنقيص منهم واساءة لا يمكن تقبلها،و لعل حجم وكثافة التعبيرات الصادرة عن الشباب في مقابل الدعوة بالبقاء بالمنزل كفضاء خاص،تكشف حجم المشكل وطبيعته كمشكل تقافي اولا،حيت نجد الكثير من العبارات مثل

 -مالي امراة حتى نجلس في الدار: لست امراة حتى اجلس بالمنزل.

 – راه غ لعيلات لي كظلوا في الدار: النساء هن من يجلسن بالمنازل.

 يمكننا الاستعانة بتصورات بيير بورديو الخاصة بمفهوم الهيمنة الذكورية والتي من خلالها تنكشف آليات القوة الرمزية تمارس على النساء داخل مجتمعات ذكورية،و هي ثقافة تتم عن طريق استدماج مفاعيل الخضوع والاستسلام كفعل سحري غير مرئي، وربما يكون بقبول النساء انفسهن، ففعل الهيمنة هو عمل تحويلي يزداد قوة بقدر ما يمارس بأسلوب لامرئي.( بيير بورديوترجمة سلمان قعفراني 2009 ص 18،) إنّها قوة متحجبة ومتقنعة، وما يجعلها كذلك هو تواطؤ البنيات الثقافية ممثلة في التصورات والقيم إضافة إلى الجهل، كما تعززها هيئات قائمة كوسائل الإعلام والمعرفة والاتصال. يكون عنفاً ناعماً لا محسوساً، مادام غير مرئي ولا ينتبه له حتى من قبل ضحاياه( بيير بورديو ترجمة سلمان قعفراني 2009 ص 08).

 العنف المفروض على الناس يجد أساسه في بنيات لا واعية، يمتد عملها إلى تقسيم الأشياء والأشكال، محمّلة بعلاقات الهيمنة والاستغلال، مفردة للمذكر ما لا تفرده للمؤنث؛ من هنا يجد فيها هذا العنف كلّ الشروط الكافية والضرورية لاستدامته ( بيير بورديو ترجمة سلمان قعفراني 2009 ص 08،) .

فالسلوك النسائي خارج الفضاءات الخاصة يتحدد بقيم وقوانين الهيمنة الذكورية باعتبارها عنفا رمزيا يمارس على النساء وبتواطئ منهن،حيت ان خروج الى الفضاء العام يكون مؤطرا بمجمعة قيم منها الحشمة والوقار والخضوع والاستسلام وعدم القدرة على المواجهة،وهو ما يشير اليه بيير بورديو بالأخلاق النسوية حيت نجد مجموعة من السلوكات مثل: الطأطأة والانحناء والانحدار والتذلل والامتثال وكافة الأعمال التي تكرّس وضع التقوس؛ هكذا أيضاً يشير التأنيث في اللغة القبايلية إلى كل ما هو صغير، "كما لو أنّ الأنوثة تقاس بفن أن تجعل من نفسها صغيرة( الهيمنة الذكورية،2009 ص 53) مقابل صلابة الذكور وامتلاك نزعة السيطرة والتحدي والمواجهة .

وفقا لنظرية الهيمنة الذكورية فان المراة تصبح كائنا خاضعا ومستسلما،حيت تنحاز دائما الى قرار الانسحاب والاستسلام وهو ما يفسر ارتفاع نسبة الامتثال لمقتضيات التباعد الاجتماعي . عكس الذكور الميالين الى تقافة المواجهة والتحدي .

بحسب الأطر النظرية لنظرية بيير بورديو فان المرأة تلعب دوراً أساسياً وحاسماً في إعادة إنتاج القوانين والأعراف المنظمة، فهي تساهم في اعادة الانتاج البيولوجي اظافة الى إعادة الإنتاج الثقافي وألقيمي للمجتمع، ولمجموع سلطه، وهو ما يمنح الذكور هيمنة مطلقة على النساء (يير بورديو،، ترجمة سلمان قعفراني، بيروت، 2009 ص 36 ) .

خاتمة الدراسة:

 تاريخ الأوبئة متعدد ويختزن الكثير من صور المعاناة الاجتماعية،أوبئة كثيرة اجتاحت العالم وغيرت الكثير من المعطيات،لعل الطاعون الأسود هو الوباء الأكثر شهرة والأكثر حضورا في الكتابات التاريخية والادبية والفقهية .

 أهم ما يمكن تسجيله حول الإرث المعرفي الخاص بالاوبئة هو الصراع الفقهي والعلمي حول تفسير الظاهرة،كل طرف يحاول مقاربتها من زوايته،ربما نفس الاستنتاج مازال قائما وحاضرا بخصوص ازمة فيروس كرونا .

 الهدف من الدراسة هو رصد مدى فعالية التباعد الاجتماعي كآلية اجتماعية ثقافية للحد من انتشار وباء فيروس كورنا،و منع انتشاره .

الدراسة استحضرت المقاربة السوسيوتقافية على اعتبار ان التباعد الاجتماعي هي فعل اجتماعي ثقافي،فهمه يستدعي الاحاطه بأصله ومكوناته الاجتماعية وثقافية وإبعاده .

 الدراسة الميدانية المنجزة بإقليم قلعة وهو إقليم بوسط المغرب كشفت فعالية التباعد الاجتماعي لمنه انتشار الوباء لاسيما النسبة المرتفعة من جانب النساء الأكثر تطبيقا واحتراما لقوانين السلطات العمومية . فالدراسة كشفت النتائج الاثية:

 اولا: وجود صدمة نفسية واجتماعية بعد الإعلان على حالة الطوارئ الصحية المؤسسة على العزل الاجتماعي والتباعد الاجتماعي .

ثانيا: وجود توثرات اجتماعية لاسيما من قبل الشباب في احترام مقتضيات التباعد الاجتماعي

ثالثا: إحداث تغيير في عقلية الناس لتقبل فكرة لتباعد استغرقت مدة 15 يوما تقريبا .

رابعا: أهمية وسائل التواصل والإعلام الرسمية في بناء ثقافة جديدة

خامسا: أهمية الوسائط الاجتماعية والمنصات الافتراضية في عالم الانترنيت لبناء وعي

سادسا: أهمية التنسيق بين السلطات العمومية وفعاليات المجتمع المدني والسلطات المنتخبة من اجل التوعية والتحسيس بمخاطر الوباء .

سابعا: ان النساء أكثر احتراما لمقتضيات التباعد الاجتماعي .

ثامنا: ان الشباب من الذكور هم الأكثر تمردا.

تاسعا: انخفاض الكبير لنسبة الجرائم والتي تقلصت بنسبة 60 في المئة . وهو مؤشر ايجابي يجب أخذه بعين الاعتبار في إعادة لنظر في المنظومة الأمنية ومنظومة العدالة .

عاشرا: إدراك حجم التغييرات في النسق القيمي والاجتماعي بسبب الجائحة .

احدى عشر: ادراك قيمة التماسك الاجتماعي والتضامن لتدبير الأزمة .

 

د الفرفار العياشي

جامعة القاضي عياض

.........................

المراجع

1/ الوحيشي أحمد بيري وعبد السلام بشير الدويبي: "1989 مقدمة في علم الإجتماع الطبي"، دار الجماهيرية - للنشر، بنغازي، ليبييا،

2- عبد اللطيف محمد خليفة: 1997 ارتقاء القيم (دراسة نفسية)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،

 3- عبد الرحمان الشعوان 1997: القيم وطرق تدريسها في الدراسات الاجتماعية، مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية والدراسات 3 الإسلامية، كلية التربية،

4- بن منظور: لسان العرب م 11 دار بيروت لبنان .

5- بيير بورديو، الهيمنة الذكورية،2009 ترجمة سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،

6- دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، 2015.

7- زيغمانت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.ط1،2016

8 MOSCOVICI 1973: Introduction à la -psychologie sociale. Paris، Larousse،،T: 2 T،p: 40

9 - Herzlich (C) 1976،Santé et maladie،analyse d’une représentation sociale،paris،

10 - Ladrière1996 « Le concept de représentation sociale »، Encyclopédie Universalis

 11 - هبريس 2020: هذه كرونولوجيا سريان "الطوارئ الصحية" في مدن وقرى المملكة

 //www.hespress.com/societe/468005.html

 

عبد الرضا حمد جاسمملاحظة: اتذر عن الاضطرار لتضمين الموضوع بعض العبارات باللهجة العامية العراقية المموسقة استدعاها الحوار بين متخلف ومن كان متخلفا والموضوع ربما جديد على الطرح او هكذا ويدور حول رقم الصفر الذي نادراً ما نستعمله او نتطرق اليه ربما بسبب حالة التخلف التي نعيشها حيث اعتقد ان إعادة الاعتبار للصفر مظهر من مظاهر دحر التخلف. لكم الشكر على كل حال.

حديث بين متخلف واخر كان متخلف

المتخلف: بانفعال وحدة قال للذي كان متخلفا: انت امامي صفر!!!هل تعرف معنى الصفر؟

من كان متخلفاا: شكراً جزيلاً على هذا المدح الذي لا استحقه. هذا جميل اعترف لك به وافتخر بذلك الوصف وأستطيع ان أصف حالتك وأنت تمدحني الان اصيغه بالعامية العراقية المموسقة:

((مْتْعَصُبْ او ترْجِفْ

او وجهك أصفر مْنْخُطُفْ

كَلت: تُعْرُفْ

كَتلك لا...من عندك شرح انتظر

كَلت اسمع وزين اعرف

شمكبرت انت كَدامي صفر

ضحكت...كَلت تضحك وانه سويتك صفر)

 ثم أكْمَلَ :(اغرقتني كرماً فذاك حميدُ...يبن الكرام الطيبين الصيد)

المتخلف: انت صفر وتقول شكراً على هذا المديح!! كنت اتصورك تزعل او تعتب وحتى تتطاول ...لكن تستفسر هذا عجيب!!! فهل للصفر معاني خافية احتاج ان توضحها لي ولغيري.

من كان متخلفاا: لو كان مدحك هذا قبل (كان) لكنت مثل ما تتصور...لكن هذا كان...هذا مدح به افتخر واعرف أنك مدحتني وانت مضطرب أي بدون وعي...وهذا الفرق بيني الان وبين ما كنت عليه عندما كنت مثلك.

المتخلف مذهول من هذه الإجابة وذلك البرود في الرد...فردَ غاضباً: لأنك لا تعرف معنى الوصف...انت صفر؟؟!!

رد من كان متخلفا وبعد ان تأكد من نفسه انه انقطع بالتمام وابتعد وتخلص من التخلف وانعكاس ذلك هو هدوءه في تقبل الوصف والهدوء في الرد وانفتاح عقله لتقبل الكلام والوصول الى معناه الصحيح الذي يميزه عن المتخلفين...فقال:

انا لا استحق عَظَمَتْ الصفر وإن رغبت بالتوضيح اطلب ذلك حالاً أو بعد ان تهدأ نفسك المنفعلة تحت تأثير تخلفك لآنك سترتجف من معنى (عَظَمَتْ)

المتخلف: عجيب انت تتقبل الإهانة والتصغير والتصفير...ما كان عهدي بك هكذا... وتريدني ان اطلب توضيح ذلك... على أي حال تفضل اتحفنا عن الصفر وعظمته أيها الصفر... هيا وضح أيها الصفر المُعَّظَمْ وهات ما عندك؟

من كان متخلفا: كم عددنا الآن؟

المتخلف أجاب: واحد طبعاً وهو انت وانت كما قلت لك صفر.

من كان متخلفا: انت الواحد وانا صفر كما تقول؟

المتخلف: نعم

من كان متخلفا: لو وضعنا صفر امام واحد كم سيكون الرقم الجديد؟

المتخلف: سيكون عشرة طبعاً...وما علاقة ذلك بالموضوع؟

من كان متخلف: العلاقة هي أنك واحد كما ذكرتَ وأنا صفر... وضعت انا الصفر امام انت الواحد وحسب رأيك صار الرقم الجديد عشرة...فانت اذن واحد من هذه العشرة وانا التسعة الباقية... يمعى آخر انت عُشر وانا تسعة اعشار ولك ان تقدر حجمك وموقعك وتأثيرك.

وللتوضيح أكثر لآنك كما يبدوا تحتاج اليه اُريدك ان تعدد لي الأرقام دون ان تستخدم الصفر...

المتخلف: ماذا تعني؟

من كان متخلفا: انا اجيبك...ستعدد: واحد اثنين ثلاثة...تسعه... وتحتار بعدها دون ان تتوسل مساعدتي لك لآن الارقام ستتوقف وتبقى تدور على نفسها وتدور انت على نفسك وخيبتك...وهذا الوضع ليس بجديد فهو منذ الاستخدام الأول للأرقام واستمر دهور الى ان تكفلتُ انا الصفر بفتح الطريق امامها وامام الحياة.

 المتخلف: كيف أيها المتفلسف الصفر؟

من كان متخلفا: أسألك: ماذا بعد رقم تسعه؟

المتخلف: طبعاً عشرة أيها الفيلسوف الصفري.

من كان متخلفا: اذن احتجت اليَّ انا الصفر لتستمر الأرقام وتتوالى...الصفر الذي هو انا هو من اوجد الحل لهذه المعضلة التي واجهت البشرية وهو الذي فتح ذلك الفجر الجديد عليها واوصلنا الى ما نحن عليه اليوم...الصفر الذي تستصغر وتفكر إنك به تهين الاخر هو المنقذ ... وهذا المثلث الذي قاعدته الفاء وضلعية الصاد والراء تَرَّكَبَ هكذا من معاني حروفه الثلاثة التالية:

الصاد الضلع الأيمن الصادح الصبح الصادق الذي صبرت البشرية طويلاً حتى طل بنوره وشروقه.

اما ضلعه الايسر الراء فهو من راح الظلام والفقر وحل الربح وتبدد الضيق بالرحابة.

 اما الفاء فهي القاعدة الممتدة على مدى فجر الإنسانية المشرق بالنجاح الدائم المعزز بالفرح الذي يشيعه كل انسان فاضل أوجد فسحة من الامل امام أخيه الانسان العابر على كل الصغائر الى فوق قمة جبل الفلاح.

الصفر يا أيها الصديق المتخلف هو الفَجِرْ الذي طَرَّ على الارقام وخلَّف ملامح بارزه وحقق نصر وأزال الغشاوة عن البصر فانطلقت الأرقام والابداعات والنجاحات.

الصفر أيها الفاقد لقيمته هو للأرقام والناس كما الماء والهواء للحياة.حيث كل انطلاق يبدأ بالصفر حتى في الفعاليات الرياضية او غيرها حيث العد ...ثلاثة ...اثنان...واحد...انطلق ...فالصفر يعني الانطلاق وهذا سائر في كل العالم الا عند المتخلفين حيث العد هو واحد...اثنين...ثلاثة

ولا تنسى يا من ارفق به واتأسف عليه ماذا تعني ساعة الصفر

من كان متخلفا: لو ضربنا حسابياً انت الواحد × واحد مثلك ماذا ستكون النتيجة؟

المتخلف: 1×1=1طبعاً

من كان متخلفا: وإذا ضربنا انا الصفر في انت الواحد ماذا ستكون النتيجة؟

المتخلف: سكوت/صمت

لو ضربنا كل من هم على شاكلتك من الأرقام بهذا العبد الفقير الصفر انا ...ماذا ستكون النتيجة؟

الصمت مستمر...

من كان متخلفا: الصفر أكبر منك ومن كل رقم.

انا لا اعترض على إني صفر او تعتقد ان وصفك لي به يزعجني...انا صفر...نعم افتخر فأنا أكبر من كل من يعتبر الصفر لا يوجد او لا شيء من امثالك مجتمعين...لماذا أقول هذا؟

الجواب: الصفر أكبر مما تتصور ومن صفاته التي جعلته وتجعله كبيراً عظيماً فاعلاً متميزاً هي: سمات التواضع والقوه والشرف.

فالصفر متواضع ...فهو باقي في كل زمان ومكان صفر اي على حاله لا يستطيع أحد تغييره فهو دائما صفر ويضحك على امثالك ممن لا يعرفون قيمته لكن بأدب وبدون تشهير.

 الصفر قوي... لآنه قيمه ثابته ويغير كل قيمه ولا يتغير لو حسابيا تضرب أي رقم بصفر لن يكون مصيره إلا أصله واقصد صفر...كل الأرقام تترنح في بحره وتعود الى أصلها ...لو تقسمه حسابيا على أكبر رقم تتصور... سيدخله في متاهات وبحور الصفر دون تردد او تأخير.

أكبر رقم لو رفعت منه صفر يتدهور او ينحدر ويفقد عشرة أمثال قيمته.

 الصفر شريف ان صح القول لآنه ثابت او لا ينصرف ليس فيه رُبُع ولا ثُلُثْ ولا نُصُفْ ولا فيه أجزاء:

(شوف أشكثر هالصفر يحمل وصف

ولبه معنى وسر

ثابت او ما ينصرف

لا بيه رُبُع لا بيه ثُلُثْ لا بيه نُصُفْ

بالصَرُفْ بالعُرُفْ بالتَرَفْ هو صفر)

وهنا لا يفوتني ان اذكر ان اهم رقم في وباء كورونا التي تم البحث عنه هو الصفر والبحث في كل بلد ترَّكز على الإصابة رقم صفر لأهميتها في تحديد مصدر العدوى حيث بمتابعتها يمكن تحديد طريقة وصولها لهذا البلد او ذاك. ويمكن منها تحديد أماكن انتشار المرض او المصابين به.

اما انت: واحد...فلك أجزاء كثيره قد تسيء لك حيث جميعها تصغير لك وانت لا تعرف:

واحد من مليون...واحد من ألف...واحد من مائة...واحد من عشرة... وفيك أجزاء أخرى ولكل جزء قيمه تختلف عن الأخرى.

والان أليس من حقي ان افتخر بوصفك أني: صفر

وأنت يجب أن تخجل من نفسك لآنك واحد كذا وكذا

واحد...اربعة حروف

واو: ربما من وحيد وغيرها

الآلف: من أصغر وغيرها

الحاء: من حافي وغيرها

دال: من دَناءة وغيرها.

(وهسه كلمن استهزاء بالصفر

آثم...وماخذه طيش ومتخلف ومنحرف

الصفر أكبر واقوى وعلى كل رقم منتصر).

يجب ان نقف جميعاً إجلالاً وإكراماً وفي كل ساعات أيام عمر البشرية لمن ابتدع/اخترع/ اقترح الصفر والى اول من استعمله بحيث اليوم كل ما نحن فيه من تطور نتج عن الصفر ويقال انه يدخل في شفرة الحاسوب.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة

تضم هذه العائلة اللغويَّة 30 لغة معظمها في جمهوريَّة داغستان، (جمهوريَّة فدراليَّة في روسيا الإتحادِيَّة) والمناطق المجاورة لها. يبلغ عدد الناطقين بلغات هذه العائلة اللغويَّة أكثر من أربعة ملايين إنسان.

1641  ]hysjhkمنظر طبيعيَّ من داغستان ـ غوغل

يجري تقسيم لغات هذه العائلة اللغويَّة على الشكل التالي:

1- اللغات الناغيَّة، وفيها

1.1. اللغات الفيجناغيَّة، وتشمل على اللغتين التاليتين:

1.1.1. اللغة الشيشانيَّة، و

2.1.1. اللغة الإنغوشِيَّة بالإضافة إلى

3.1.1. اللغة الباتسِيَّة

2- اللغات الداغستانِيَّة،

وتشمل على عدد من المجاميع اللغويَّة الصغيرة وهي:

1.2. اللغات الأيفيريَّة ـ الأنديَّة ـ الديدوئيَّة

1.1.2. اللغات الأفاريَّة/ اللغة الأفاريَّة

2.1.2. اللغات الأنديَّة وتشمل على 8 لغات وهي:

1.2.1.2. اللغة الأخواخيَّة

2.2.1.2. اللغة الأنديَّة

3.2.1.2. اللغة البغوالاليَّة

4.2.1.2. اللغة البوتليشيَّة

5.2.1.2. اللغة الغودوبيريَّة

6.2.1.2. اللغة الكاراتينيَّة

7.2.1.2. اللغة التنديَّة

8.2.1.2. اللغة التشامالاليَّة

2.2. اللغات الديدوئيَّة وتشمل على 5 لغات وهي:

1.2.2. اللغة البشتِينِيَّة

2.2.2. اللغة الشوارشينيَّة

3.2.2. اللغة الهينوشيَّة

4.2.2. اللغة التسِيسِيّة أو الديدوئيَّة

5.2.2. اللغة الهُنْسِيبِيّة

3.2. اللغات اللاكييَّة ـ الدارغينيَّة وهي:

1.3.2. اللغة اللاكيَّة

2.3.2. اللغة الدارغينيَّة

4.2. اللغات اللزغيَّة وتشمل على:

1.4.2. اللغات الساموريَّة ومنها:

1.1.4.2. اللغة الأغوليَّة

2.1.4.2. اللغة اللزغيَّة

3.1.4.2. اللغة الرُوتُوليَّة

4.1.4.2. اللغة الطباسارانيَّة

5.1.4.2. اللغة التساخورِيَّة

2.4.2. لغات شاه داغ وتشمل:

1.2.4.2. اللغة البودوخيَّة

2.2.4.2. اللغة الكريزيَّة

3.2.4.2. اللغة الأوديَّة

4.2.4.2. اللغة الآرتشيِنيَّة

5.2.4.2. اللغة الشينالوغِيَّة

تنتشر معظم هذه اللغات في جمهوريَّة داغستان الفيدراليَّة التي تزيد مساحتها الجغرافيَّة قليلاً على ال 50 ألف كم مربع يسكن فيها أكثر من 3 مليون نسمة تُشَكِّل نسبة القوقاز فيهم أكثر من 80%. يتكون القوقاز في هذه الفيدراليَّة من مجاميع سُكّانيَّة مختلفة تتعايش مع بعضها وتتواصل مع المجاميع القوقازيَّة الأخرى في الدول المجاورة مثل جورجيا وأذربيجان في الجنوب وفدراليَّة الشيشان في روسيا في الغرب وغيرها. يشتهر إقليم داغستان من بين الأقاليم بتعدد القوميات السكانيَّة التي تصل إلى 60 قومية وبتعدد وإنتشار اللغات، ولذلك أُطلق على داغستان تسمية جبل اللغات، وفي اللغة العربية شاع إستخدام مصطلح *جبل الألسن* على هذه الفدراليَّة.

تشمل عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة على عدد كبير من اللغات المنتشرة في مناطق شمال شرق القوقاز، وهي في غالبيتها لغات محليَّة لأعداد قليلة جداً من القبائل المتواجدة في المرتفعات الجبلية أو في الوديان المنتشرة هناك، ومعظم لغات هذه المجموعة غير مكتوبة، أما تلك المكتوبة منها فإنها تفتقر إلى أبجديّات خاصة بها وجميعها تُكْتَب بالأبجدية السيريليَّة لتواجد هذه المناطق سابقاً في إطار الإتحاد السوفيتي ولتواجدها الحالي ضمن جمهورية روسيا الفدراليَّة. تتميز لغات هذه المجموعة بغناها الصوتي حيث تشمل المنظومة الصوتيَّة في بعض لغاتها على 60 حرف صحيح و 30 حرف علَّة بالإضافة إلى غنى البعض من منظوماتها النحويَّة حيث تعددت في البعض منها حالات المفعول به.

تتوزع اللغات المنتشرة في داغستان بين 3 عوائل لغوية مختلفة هي عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة (عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانيَّة) وهي الأكبر، ومجموعة اللغات الإيرانية ومجموعة اللغات السلافية اللتان تنضويان تحت عائلة اللغات الهنديَّة ـ الأوروبيَّة بالإضافة إلى مجموعة لغات التورك التي تنضوي تحت عائلة اللغات الآلطيَّة وغيرها. من أهم المجاميع السكّانِيَّة التي تنتمي إلى شعوب القوقاز هم الآفاريين والدارغيين واللزغيين والتابازارانيَّين والإنغوشِيَّين و اللاكيَّين وعدد من مجاميع سكانِيَّة يتكلم منتسبيها بلغات عوائل لغوية أخرى.

1- اللغات الناغيَّة

1.1. اللغة الشيشانيَّة

اللغة الشيشانيَّة:

إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الناغيَّة/ اللغات الفيجناغيَّة/ ومنها اللغة الشيشانيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة الشيشانيَّة عند الناطقين بها باسم نوكشين (Nokchiin) أو غالانشو (Galancho)

تأريخها، نشوئها وتطورها:

تعتبر الأقوام الشيشانيَّة من أقدم الأقوام المتواجدة في مناطق القوقازِ. لا توجد مقتنيات أثريَّة يمكن الرجوع إليها لتحديد اصلهم أو الأماكن التي نزحوا منها. خضعت هذه الأقوام في القرون الوسطى تحت سلطات مختلفة منها مملكة آلانيا والسيطرة المنغوليَّة وتبعتها السيطرة التيموريديَّة والجورجيَّة. في النصف الثاني من القرن الماضي خضعت معظم مناطق القوقاز لسيطرة القيصريَّة الروسيَّة، وبقيت بعد إنهيار القيصريَّة تحت نفوذ السلطات السوفيتِيَّة وتحول معظمها بعد تفكك الإتحاد السوفيتي إلى جمهوريات فيدراليَّة ضمن روسيا الإتحاديَّة.

اللغة الشيشانيَّة شديدة القرب باللغة الإنغوشِيَّة ولذلك تم وضعهما ضمن مجموعة صغيرة هي مجموعة اللغات الفيجناغيَّة التي تتألف من (الشيشانيَّة والإنغوشِيَّة).

مخطوطاتها الأثريَّة:

تم العثور على بعض الآثار للغة الشيشانيَّة يعود تأريخها إلى القرن السابع الميلادي. أوَّل صحيفة صدرت باللغة الشيشانيَّة عام 1925 بالأبجديَّة اللاتِينِيَّة. تَطَوَّرت اللغة الشيشانيَّة وإتَّسَعَت ثروتها اللغويَّة وأخذت أشكالاً متعددة حيث تم إقتناء الكثير من مفردات لغات الدول التي يتواجد فيها الشيشان وترتب على ذلك صعوبات في أن يتفاهم الشيشانييون فيما بينهم لإختلاف هذه البلدان.

أماكن إنتشارها:

تنتشر القبائل الشيشانيَّة في جمهورية الشيشان وجمهوريَّة داغستان على ضفاف نهر التيرك في مناطق غروزني وفيدنو وخسّاف يرت، ونهري كوما وسنشا وعلى سفوح جبال تيبولاسمتا ودكلوسيمتا التي يزيد إرتفاعها على ال4400 متر. هناك أقليَّة من قبائل الكيستن هاجرت في النصف الأول من القرن 19 وإستقرت في جورجيا في منطقة بانكيسيتال. أمّا الشيشان المتواجدون في تركيا في مناطق ماردين وسيفاس وفي الأردن وسوريا وغيرها من البلدان فإنهم يتكلمون اللغة الشيشانيَّة دون أن يكتبوها.

عدد الناطقين بها:

يتكلم في اللغة الشيشانيَّة في الوقت الحاضر قرابة ال 1.5 مليون إنسان، منهم 1.4 مليون في جمهورية الشيشان حيث يشكلون 95% من سكان هذه الجمهوريَّة. وقرابة ال 60 ألف في داغستان بالإضافة إلى أعداد أخرى في تركيا في مقاطعة ماردين وبعض الدول العربيَّة.

لهجاتها:

تعددت اللهجات في اللغة الشيشانيَّة ومنها:

ــ اللهجة البلوستكوستنيَّة (Plostkostnisch) و

ــ اللهجة التشبرلوشيَّة (Tscheberloisch) و

ــ اللهجة الآكيَّة (Akkisch) و ــ اللهجة الملشيَّة (Melchisch) و

ــ اللهجة الإتُومكاليَّة (Itumkalisch) و

ــ اللهجة الغيلانزوزيَّة (Galanzosisch) و ــ اللهجة الكستِيَّة (Kistisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة:

كُتِبَتْ اللغة الشيشانيَّة لأوِّل مَرَّة بالأبجديَّة العربية عام 1925 وذلك بفعل السيطرة الفارسيَّة والعثمانيَّة على مناطق القوقاز ولإستخدام هاتين الدولتين الأبجديَّة العربية أيضاً. وكما جرى في لغات العائلتين اللغويتين السابقتين من لغات القوقاز فقد حصلت هنا أيضاً بعد عام 1928 عقب مؤتمر باكو محاولات للإنتقال إلى الأبجدية اللاتينيَّة، إلا أن تلك المحاولات توقفت بعد إن تم إلحاق مناطق الشيشان بالإتحاد السوفيتي سابقاً. عام 1938 تم الإنتقال تدريجيّا إلى إستخدام الأبجدية السيريليَّة التي تكتب بها اللغة الروسِيَّة لكتابة اللغة الشيشانيَّة، حيث وُضِعَت أبجديَّة خاصة لهذه اللغة بالإعتماد على الإبجديَّة السيريليَّة، وتم إضافة العديد من الحروف إليها لتستوعب المنظومة الصوتيَّة لهذه اللغة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الشيشانيَّة هي اللغة الرسميَّة في جمهورية الشيشان وهي لغة معترف بها في داغستان (جمهورية فدرالية في روسيا أيضاً).

معاصرة/ منقرضة: اللغة الشيشانيَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الشيشانيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الشيشانيَّة لغة تنتشر في أكثر من بلد.

الكود الدولي للغة الشيشانيَّة: ISO 639-1: ce, ISO 639-2: che, ISO 639-3: che

2.1. اللغة الإنغوشِيَّة

اللغة الإنغوشِيَّة:

إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة /

اللغات الناغيَّة/ اللغات الفيجناغيَّة/ اللغة الإنغوشِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة الإنغوشِيَّة عند الناطقين بها باسم غلغاج موت (Galgaj mott).

تأريخها، نشوئها وتطورها:

اللغة الإنغوشِيَّة شديدة القرب من اللغة الشيشانيَّة ولذلك تم وضعهما ضمن مجموعة صغيرة هي مجموعة اللغات الفيجناغيَّة التي تتألف من (الشيشانيَّة و الإنغوشِيَّة). إقتنت اللغة الإنغوشِيَّة الكثير من المفردات العربية والتركية والروسية والفارسية. يعتقد البعض من علماء اللغات بأنَّ الإصول الحقيقيَّة للغة الإنغوشِيَّة تعود إلى اللغتين القديمتين اللتان كانتا تُسْتَخدمان في شرق الأناضول في الألفين الأوَّل والثاني قبل الميلاد وهما اللغة الهوريتِيَّة (Hurritisch) واللغة الأورارتِيَّة (Urartäisch) ونزحت البعض من قبائل الهوريتيين والأورارتيين إلى مناطق القوقاز وإستقروا فيها. ويذهب البعض إلى أنهم بقايا لما يسمى بثقافة كُوبان التي تمتد جذورها إلى 3500 ق.م..

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات تذكر للغة الإنغوشِيَّة كونها حديثة العهد بالكتابة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الإنغوشِيَّة في جمهورية أنغوشيشيا (جمهورية فدرالية في روسيا الإتحاديَّة) في مناطق فلاديكافكاس.

عدد الناطقين بها: يتكلم اللغة الإنغوشِيَّة أكثر من 400.000 إنسان.

لهجاتها: لا توجد لهجات في اللغة الإنغوشِيَّة.

مكتوبة/ غير مكتوبة: كُتِبَتْ اللغة الإنغوشِيَّة في البدأ بالأبجدية اللاتينيَّة وتُكُتَب منذ عام 1938 بالإبجديَّة السيريليَّة بعد إضافة حروف جديدة إليها.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الإنغوشِيَّة هي اللغة الرسميَّة في جمهورية أنغوشيشيا (جمهورية فدرالية في روسيا الإتحاديَّة) ومعظم سُكّانها من الإنغوشِيّين الذين يتواجدون في مناطق فلاديكافكاس.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الإنغوشِيَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الإنغوشِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الإنغوشِيَّة لغة مَحَلِّيِّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الإنغوشِيَّة: ISO 639-1: ---, ISO 639-2: inh, ISO 639-3: inh

3.1. اللغة الباتسِيَّة

اللغة الباتسِيَّة:

إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

مجموعة اللغات الناغيَّة/ ومنها اللغة الباتسِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الباتسِيَّة عند الناطقين بها باسماء مختلفة منها:

باخور موت (bacbur mott’)، باتسي، باتسوى، باتسبي وغيرها.

تأريخها، نشوئها وتطورها: يمتد تأريخ الباتسيين إلى آلاف السنين ق.م.. تمكن علماء الآثار من إكتشاف البعض من آثارهم ونقوشهم على الأحجار في مناطق تواجدهم يعود تأريخها إلى الألف الثاني ق.م.. بدايات القرن الرابع للميلاد تم تهجيرهم من مناطق سكنهم من قبل ملك الإيبيريين ميريان الثالث لرفضهم إعتناق الديانة المسيحيَّة. بدايات القرن السادس للميلاد عادوا إلى ديارهم ورضخوا لسيطرة ملك جورجيا وأُجبروا في القرن الثامن على إعتناق الديانة المسيحيّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الباتسِيَّة.

أماكن إنتشارها: اللغة الباتسِيَّة لغة مستخدمة في جمهورية جورجيا وبالتحديد في 10 قرى في منطقة توشيتين (Tuschetien) وزيمو الفاني.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الباتسِيَّة 3400 مواطن فقط.

لهجاتها: لا توجد لهجات في اللغة الباتسِيَّةهجات .

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الباتسِيَّة لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الباتسِيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الباتسِيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط، وهي مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الجورجيَّة في مناطق تواجدها.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الباتسِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الباتسِيَّة لغة مَحَلِّيِّة ضيِّقَة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الباتسِيَّة: ISO 639-1: --- ISO 639-2: cau ISO 639-3: bbl

 

د. محمد شطب