بليغ حمدي اسماعيلطبيعة بلاد العرب: بلاد العرب، هي شبه جزيرة في الطرف الجنوبي الغربي لقارة آسيا، إحدى قارات العالم القديم، يحدها شمالاً الشام وفلسطين والجزيرة العربية، وجنوباً خليج عدن والمحيط الهندي، وشرقاً خليج عمان والخليج الإسلامي، وغرباً خليج ومضيق باب المندب، والبحر الأحمر . ويبلغ طول جزيرة العرب من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها نحو 23 درجة أو 2500 كيلو متر، ويبلغ مجموعة مساحة شبه الجزيرة العربية مليون ميل مربع.

وبلاد العرب عبارة عن هضبة تنحدر نحو الشرق، وجوها حار، وهي موطن الساميين، وتنقسم إلى عدة أقسام؛ أشهرها: اليمن، والحجاز وتهامة ونجد واليمامة وبلاد البحرين . وتنقسم بلاد اليمن إلى خمسة أقسام هي: حضر موت وشِحر ومهرة وعُمان ونجران . ويقال إن سبب تسمية (حضر موت) بهذا الاسم هو أن حضر موت بن قحطان كان أول من نزلها، وكان اسمه عامراً، وإذا حضر حرباً أكثر فيها القتل، فصاروا يقولون عنه: حضر موت، فأطلق هذا الاسم على الأرض التي كانت تسكنها قبيلته، ثم أطلق بعد ذلك على جهة متسعة شرقي عدن بالقرب من البحر وهي كثيرة الرمال .

ويقال إن بها قبر هود (عليه السلام) وهو ما أورده الشيخ محمد رضا في كتابه "محمد رسول الله r "، أما لفظة اليمن فيروي أن سبب التسمية بذلك لوقوع اليمن عن يمين الكعبة إذا استقبلت المشرق .

أما بلاد الحجاز، فهي واقعة في شمال اليمن، شرقي البحر الأحمر، وتمتد إلى الخليج العقبة، وعلى ساحلها جزائر صغيرة تلتجئ إليها صغار السفن عند الحاجة، وسمي حجازاً لوقوعه بين نجد وتهامة .

ولم يعرف القدماء من جزيرة العرب سوى الشئ القليل، ولم يتحدث هيرودت الملقب بأبي التاريخ عنها في أكثر من بضع كلمات، وربما يرجع هذا إما للتعصب أو عدم حيادية المؤرخ . أما معرفة الرومان لجزيرة العرب كانت ضعيفة للغاية، وحاول الرومان غير مرة استعمارها التي كانوا يعتقدون أنها تنتج التوابل والعطور والنسائج والأحجار الكريمة، ولكنهم وهم الذين اتسموا بالقوة في هذه الحقبة الزمنية لم يتمكنوا أن يقهروا قبائل البدو العربية التي احتمت بكثبان الرمال وجو البلاد .

ولم يتوغل الأوروبيون فيها إلا حديثاً كما أشار غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب"، ولم يعرف عنها الأوروبيون قبل نيبوهر الذي زارها سنة 1762م، سوى ما أخذوه عن جغرافي العرب أو عن بطليموس من المعارف المبهمة، والخريطة التي رسمها نيبوهر هي أولى الخرائط العلمية عن جزيرة العرب، مع اقتصاره على السياحة في قسم من بلاد اليمن.

وانقضى نصف قرن بعد نيبوهر من غير أن يقوم سائح آخر بارتياد جزيرة العرب، فلما كانت سنة 1815م، استأنف بركهارد البحث، فجمع أخباراً ومعلومات تكاد تكون مهمة ـ  بالرغم من وصف العرب لها بأنها أنباء رائعة  ـ عن جزيرة العرب، ولاسيما مكة والمدينة، وما قامت به مصر حوالي تلك السنة (1815م) من غزو ضد الوهابيين كان فاتحة بحث واسع عن مختلف أقسام جزيرة العرب .

أقوام العرب:

كثر الحديث عن أقوام العرب، أو السكان الذين سكنوا بلاد العرب، واختلاف التحديد يرجع إلى عوامل متباينة منها دقة البحث التاريخي، أو اختلاف المنهج العلمي، فقد قسم القدماء جزيرة العرب إلى ثلاثة أقسام ؛ بلاد الحجر العربية (بطرا)، وبلاد العرب السعيدة، وهي القسم الجنوبي الغربي منها، والصحراء العربية وهي قلبها وشرقها.

ويشير غوستاف لوبون إلى أن الفارق الأساسي الوحيد بين العرب هو ما أيدته تقاليدهم وطرق معيشتهم وهو تقسيمهم إلى أهل بدو وأهل حضر، ويجب ألا يغيب هذا التقسيم الجوهري عن ذهن الباحثين في تاريخهم، وإن تقسيم العرب إلى أهل حضر وأهل بدو يطابق تقسيمهم إلى ثلاثة عروق هي:

ـ العرق الذي باد وعفا أثره قبل الإسلام.

ـ العرق المؤلف من أبناء قحطان الذين استقروا ببلاد اليمن والذين هم أقحاح العرب .

ـ العرق المؤلف من ذرية إسماعيل (عليه السلام) .

وذهب بعض الباحثين إلى أن العرب ومن حولهم كانوا من أصل واحد، ثم تحضر من حولهم وتخلفوا هم، وقد تحضر سكان الفرات، وتحضر وادي النيل، وظل العرب تغلب عليهم البداوة لما حاصرتهم جبالهم وبحارهم .وهؤلاء البدو انقسموا إلى قبائل، والقبيلة هي الوحدة التي انبنى عليها كل نظامهم الاجتماعي، وهذه القبائل كما صورت كل كتب التاريخ كانت في صراع ونزاع دائمين، وقد تتحالف قبيلة مع أخرى أو مع مجموعة من القبائل.

وهناك تقسيم ثالث اعتاد أن يقسم العرب إلى قسمين: عرب الشمال وهو من نسل إسماعيل ، وعرب الجنوب من نسل يقطان المسمى " قحطان "، وترجع هذه العقيدة إلى ما ورد في التوراة في سفر التكوين ويسمى أهل الجنوب عادة اليمنيين أو القحطانيين، وأهل الشمال العدنانيين أو النزاريين أو المعديين.

وشاع واستقر بين المؤرخين تقسيم أقوام العرب إلى ثلاثة أقسام بحسب السلالات التي انحدروا منها وهي:

ـ العرب البائدة: وهم العرب الذين لم يتمكن البحث العلمي وأدواته من الحصول على بيانات ومعلومات وأخبار كافية عن تاريخهم وهم عاد وثمود وطسم وجديس.

ـ العرب العاربة: أو العرب العرباء وهم شعب قحطان، ومهدهم بلاد اليمن واشتهر منها قبيلتان هما: حمير وأشهر بطونها زيد الجمهور، وقضاعة، والسكاسك . وقبيلة كهلان،وأشهر بطونها "طئ" وأغلبهم سكن الجبلين أجا وسلمى وهما المعروفان بجبل "شمَّر" واشتهر ذكرها حتى كان الفرس يسمون كل العرب طيئاً .ومن كهلان أيضاً: عاملة وجذام، والأزد .

ـ العرب المستعربة: وهم العرب المنحدرة من صلب إسماعيل وتسمى العرب العدنانية، وأصل جدهم الأعلى إبراهيم (عليه السلام).

وقد جاءت قبيلة يمانية وهي قبيلة جرهم الثانية فقطنت مكة بإذن من أم إسماعيل  وقد كانوا في أودية أطراف مكة . وقد تعلم إسماعيل (عليه السلام) العربية من جرهم أنفسهم، ولما أعجبهم زوجوه امرأة منهم، وبعد أن ماتت أمه السيدة هاجر، جاءه خليل الرحمن إبراهيم   فلم يجده ووجد امرأته فسألها عنه وعن أحوالهما، فشكت إليه ضيق حياتهما، وقد أوصاها بالصبر والطاعة، والقصة ذاتها معروفة بأن تخبر زوجها بأن يغير عتبة بابه، وبالطبع فهم إسماعيل (عليه السلام) ما أراده أبوه   فطلق امرأته، وتزوج ابنة مضاض بن عمرو كبير جرهم وسيدهم.

وتخبرنا المصادر التاريخية بأن إسماعيل (عليه السلام) قد رزقه الله من ابنة مضاض باثني عشر ولداً ذكراً منهم: نابت، وقيدار، وأبائيل، ومبشام، ومشماع، ودوما، وقيدمان، وميشا، ونفيس، ويطور . والمهم أنه تشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة سكنت كلها مكة مدة، وكانت التجارة هي حرفتهم من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ومصر، ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة وخارجها .

وبقي إسماعيل  وولداه نابت ثم قيدار على إمرة مكة، ثم رجع أمر مكة إلى مضاض بن عمرو الجرهمي جدهما، ثم غلبتهم خزاعة بعد بغيهم وصار أمر مكة لها حيث استمرت ثلاثمائة عام، إلى أن جاء قصي بن كلاب الذي تزوج ابنة حليل بن حبشة الخزاعي، وانتقل أمر مكة له بعد حرب عنيفة احتكموا بعدها ليعمر بن عوف أحد بني بكر فقضى بأن قصياً أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة .

الحياة الدينية عند العرب:

اتبع معظم العرب دعوة إسماعيل (عليه السلام) حين دعاهم إلى دين أبيه إبراهيم (عليه السلام)، فكانت تعبد الله وتوحده، وتدين له، وبقي التوحيد بعد ذلك في قلة منهم، حتى جاء "عمرو بن لحي" رئيس خزاعة، وكان قد نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس، ودانوا له ظناً منهم أنه من علماء  الدين، ثم سافر بعد ذلك " عمرو " إلى الشام فرأى منهم من يعبد الأوثان .

واستحسن عمرو ذلك الأمر، وظن أنه الحق ؛ لأنه اعتقد أن الشام محل الرسل والأنبياء، وقدم ومعه "هبل" وهو أحد الأصنام التي كانت تعبد بالشام وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله عن طريق عبادة هذا الوثن الذي لا ينفع ولا يضر، فأجابوه ثم تبع أهل الحجاز أهل مكة في ذلك.

ومن القضايا التي تستحق الدرس والتحليل بشأن هذه الواقعة هو عدم وجود أية أخبار عن محاولات عمرو بن لحي لرد أهل العرب عن دينهم، وهل تم له الأمر بسهولة دونما مقاومة ؟ وبالتأكيد أن هذا الأمر قد أخذ منه مجهوداً كبيراً ووقتاً طويلاً، لاسيما وأن عمراً هذا حاول تغيير دين إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) في موطنه، وعند أهل البيت العتيق  وولاة البيت والحرم، ومما لاشك فيه أنه لاقى الكثير من العنت والمقاومة وعدم الاقتناع بما يدعو إليه، ولكن هذا ما أغفلته معظم كتب السيرة النبوية التي أشارت إلى الحدث دون تحليله .

والأمر غريب حقاً أن يقتنع كل أهل مكة والحجاز بعبادة الأوثان والأصنام، ومع هذا كله كانوا يعظمون بيت الله الحرام، ويطوفون به، ويحجون، ويعتمرون، ويقفون بعرفة والمزدلفة، ويهدون بالبدن، ومع ذلك يشركون ويوحدون بالله في ذات الوقت، فكانت قريش وكنانة إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك". وبذلك يوحدون الله تعالى ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده .

ومن أقدم أصنام العرب مناة، وكانت بالمشلل على ساحل البحر الأحمر بالقرب من قديد، ثم اتخذوا اللات في الطائف، والعُزى بوادي نخلة، وكانت هذه الأوثان الثلاثة أكبرهم، ثم كثر الشرك، ويُذكر أن عمراً بن لحي كان له رئي من الجن، فأخبره بأن أصنام قوم نوح مدفونة بجدة، فأتاها، ثم أوردها تهامة، ولما جاء موعد الحج دفعها إلى القبائل والوفود، فذهبت بها إلى أوطانها . وكانت لقوم نوح (عليه السلام) أصنام قد عكفوا عليها، وقد ذكر الله (سبحانه وتعالى) خبرها في كتابه، يقول تعالى:) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24) ((سورة نوح / 23 ـ 24) .

وقال في ذلك الشاعر كعب بن مالك الأنصاري:

وننسى اللات والعزى ووداً      ونسلبها القلائد والشُّنوفا

والشنوف مفردها "شنف" وهو القرط .

وهذه الأسماء: ود، ويعوق ويغوث، ونسرا، هي أسماء قوم صالحين من قوم نوح (عليه السلام)، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا ذلك لكنها لم تعبد، حتى إذا هلك أولئك النفر عُبدت، وقد ذكر الطبري هذا المعنى وزاد فيه من جانب رؤيته بقوله: " أن سواعاً كان ابن شيث، وأن يغوث كان ابن سواع، وكذلك يعوق ونسر، كلما هلك الأول صورت صورته، وعظمت لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتى خلقت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا أنها لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة".

وقد اتخذ كل دار وبيت صنماً ووثناً يعبدونه، فإذا أراد الرجل أن يسافر إلى مكان أخذ يتمسح به حين يركب وكان هذا أول ما يشرع به قبل سفره وآخر فعله حينما يرجع .

الطواغيت:

كانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدى لها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها . ومن مظاهر التقرب إلى الأصنام النذر في الحرث والأنعام، يقول الله تعالى:(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) (سورة الأنعام / 138) .

كما كانت منها البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، والبحيرة هي بنت السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سُيِّبت، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فُعِل بأمها، في البحيرة بنت السائبة، والوصيلة الشاة إذا أتأمت، أي جاءت باثنين في بطن واحدة، عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة . قالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شئ فيشتركوا في أكله ذكورهم وإناثهم. يقول تعالى:)مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) (سورة المائدة / 103) .

الكعبة:

وإذا انطلقنا من هذا الحديث الموجز عن أصنام العرب إلى حديث آخر عن أقدس الأمكنة في شتى بقاع الأرض ألا وهي الكعبة فكانت قبل الإسلام الرمز الأشمل لحياة العرب الروحية، ولكن ارتباط العرب بالكعبة والمكانة الرفيعة التي كانت تحتلها في وجدانهم تشير إلى أنه كان البيت الذي بني في أول الأمر لله، وهو الرب والإله الأعلى للعرب، وكانت حول الكعبة منطقة دائرية كان الحجاج يقومون فيها بشعيرة الطواف، أي الطواف حول البيت العتيق سبع مرات في اتجاه حركة الشمس، وكان حول الكعبة كذلك ثلاثمائة وستون صنم، أو تماثيل للأرباب، ويشير الأستاذ سيد خميس في كتابه " القصص التاريخي " إلى أن هذه الأصنام ربما كانت رموزاً طوطمية لشتى القبائل التي كانت تحج إلى البيت الحرام في الشهر المحدد لذلك .

وترى الباحثة البريطانية كارين أرمسترونج Karen Armestrong  أن بيت الله الحرام كان يتمتع بقداسة مشتركة بين أجناس الجنس السامي، وأن الدين السومري القديم هو الذي نبعت منه فكرة الدائرة، والرموز المقامة حول الكعبة وعددها 360 تشير إلى عدد أيام السنة السومرية المكونة من 360 يوم، إلى جانب خمسة أيام مقدسة يقضيها الناس خارج الزمان ؛ للقيام بشعائر خاصة تربط ما بين الأرض والسماء.

وكان موسم الحج يعني بجانب الالتزام الديني ضرورة نفسية وإبداعية في الخروج عن الرتابة، والكفاح المرير من أجل الحياة، والصراع الضاري الذي تحكمه التقاليد القبلية، ففي أيام الحج لا قتال ولا اعتداء، هذا بجانب الجانب الاقتصادي التجاري، ومكة كانت من أهم أسواق ومراكز العرب التجارية السنوية.

واسم مكة من الأسماء التي دار حولها جدل واسع، وتعددت التفسيرات للاسم وتباينت، فـ "جرجي زيدان"  يرى أن الاسم يرجع إلى أصول بابلية أشورية، والكلمة تعني "البيت" في البابلية، وهو اسم الكعبة عند العرب. وأشار العالم اليوناني "بطليموس" باسم "ماكورابا"، أما الطبري فيرى أن اسم مكة ليست اسماً لشخص، بل اسماً لسمكة.

اليهودية:

انتشرت اليهودية في جزيرة العرب قبل الإسلام، وتكونت فيها مستعمرات يهودية، وأشهرها يثرب، وهي التي سميت بالمدينة بعد ذلك، وبالمدينة المنورة حتى وقتنا هذا. ويهود هذه المنطقة يمكن أن نقسمهم إلى قسمين: يهود نزحوا إلى الجزيرة، وآخرين تهودوا فيها . ويشير المفكر الإسلامي أحمد أمين في كتابه " فجر الإسلام " إلى أنه كانت في القرون الأولى للميلاد مستعمرات يهودية في تيماء، وفي فدك، وفي وادي القرى، وكان يهود يثرب ثلاث قبائل: بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة، كذلك عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن .

ومن أشهر هؤلاء المتهودين "ذو نواس"، وقد اشتهر بتحمسه  بتحمسه لليهودية آنذاك واضطهاده لنصارى نجران، وذكر المؤرخون في سبب ذلك أن يهودياً كان بنجران عدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلماً، فرفع أمره إلى ذي نواس وتوسل إليه باليهودية، واستنصره على أهل نجران وهم نصارى فحمى له ولدينه وغزاهم .

وحينما سار " ذو نواس"  إلى أهل نجران بجنوده دعاهم أولاً لليهودية، وخيرهم بين ذلك والقتل، لكنهم اختاروا القتل، فخدَّ لهم الأخدود، فحرق وقتل ومثَّل بهم، يقول الله تعالى:)قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) (سورة البروج / 4 ـ 8).

وبعض المؤرخون يظنون أن ما قام به "ذو نواس" كانت عبارة عن حركة وطنية، حيث إن نصارى نجران كانوا على ولاء مع الحبشة، والحبشة هذه الأثناء كانت حامية النصرانية في نجران، وقد اتخذت النصرانية وسيلة للتدخل في شئون اليمن، فأراد " ذو نواس " محو هذا النفوذ الحبشي . وهؤلاء اليهود الذين نزحوا إلى بلاد العرب طفقوا ينشرون تعاليم التوراة من خلق الدنيا والبعث والحساب ودسوا فيها كعادتهم القصص والأساطير والخرافات .

النصرانية:

الحديث عن النصرانية حديث واجب ومهم ويكاد يكون ضرورياً، فإذا قلنا سابقاً إن ظهور النبي r كان استجابة لدعوة إبراهيم  حينما دعا ربه: )رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) (البقرة / 129)  . فالرسول r بشارة أخيه عيسى  كما حدث هو نفسه، فقال r: " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى " . وبشرى عيسى كما جاءت في القرآن: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) (سورة الصف / 6) .

ويذكر ابن إسحاق أن بنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم  على الإنجيل، ويشير ابن إسحاق إليهم بقوله: " أهل فضل واستقامة من أهل دينهم "، وكان موقع أصل هذا الدين بنجران، وهي بأواسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب أهل أوثان يعبدونها، وذلك أن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين يدعى " فيميون " وقع بين أظهرهم فحملهم عليه، فدانوا به .

وانقسمت النصرانية في ذلك العهد إلى عدة كنائس أو فرق، تسربت منها إلى بلاد العرب فرقتان كبيرتان هما النساطرة واليعاقبة، فكانت اليعاقبة في غسان وسائر بلاد الشام، والنساطرة منتشرة في الحيرة . وقد كان بنجران كعبة يقال لها " بيعة "، وقد بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء وهيئة الكعبة وسموها كعبة نجران وكان نصارى نجران على مذهب اليعاقبة وهذا يبرهن على اتصالهم بنصارى الحبشة . وكان من هؤلاء النصارى شعراء مثل " قس بن ساعدة "، و "أمية بن أبي الصلت " و "عدي بن زيد"، وفي أشعارهم وقصائدهم لمحات دينية .

ومن المؤكد أن تناحر وتشيع الفرق المسيحية وغموض تعاليمها وجفاف مادتها من أسباب إصرار العرب على عدم الدخول في المسيحية والبقاء على وثنيتهم، وبتوالي الزمن تعددت مذاهب المسيحية وانقسمت إلى أحزاب كثيرة، وقد تنكر كل حزب للحزب الآخر بسبب الخلاف في الرأي، ولعل ما كان لهذه الأحزاب والطوائف آراء ونظريات جدلية غريبة مثل أن لعيسى  جسداً يزيد على الطيف يظهر به للناس، ومنهم من يعبد مريم، والكثير من القضايا الجدلية التي لم تجد صدراً عربياً يقبلها مثل إن المسيح  ولد الله، يقول تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) (سورة يونس / 68 ـ 70) .

هذا بالإضافة إلى قضية الثالوث والفداء التي لا تعرفها أديان السماء، وعلى حد قول الشيخ الإمام محمد الغزالي: " ما سمع بها عيسى  " . ولاشك أن النصارى الأولين كانوا على عقيدة التوحيد، ويبدو أن نفراً من شياطين الإنس والجن حاولوا فتنتهم عن هذا الدين، وأرادوا أن يخلطوا بين الوحي المنزل على عيسى ، وبين تعاليم ودروس أرضية . ولاشك أن العرب قد احتاروا حقاً بين آلهة ثلاثة ووسطاء يغفرون الذنوب، يقول تعالى:) وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) (سورة التوبة / 30 ـ 32) .

وهكذا احتار العرب وغلق عليهم فهم كيف أن عيسى إله مع الله، وأن الإله الابن مساوٍ لله ذاته، ومغاير له في الوقت نفسه، يقول الله تعالى:) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (5) (سورة الكهف / 4 ـ 5) .

لماذا انصرف العرب عن النصرانية؟

يجهل الكثير من الناس السبب الذي نشر النصرانية في بلاد إفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين، وجهل هذه الحقائق مضر بالمجتمع الإنساني، لأن أتباع المسيح  في هذه البلاد سوف يجدون مفاجأة تبين أنهم قد خالفوا الحق المبين . لأن عيسى  ما جاء إلا ليبين لبني إسرائيل ما خفي عليهم، ويخفف عنهم ما شددوا بهم على أنفسهم، ويردهم إلى أصول العقيدة الصحيحة .

ونجد في متن الأناجيل المتعددة ما يوضح أن دعوة عيسى  كان دعوة خاصة جداًومحصورة في بني إسرائيل، وبالتالي فإن أتباع المسيحية اليوم قد ضلو دعوا أنفسهم بفكرة أنه مخلصهم.وقد سارت النصرانية في طريقها التطوري حتى تكونت فكرتها عن الثالوث الذي يعني عند المسيحيين الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير .

واعتقد أهلها أن الإنسان أخطأ خطيئة كبرى عندما عصى آدم ربه في الجنة، فأخرجه الله منها عقوبة له، ثم أراد أن ينقذه فأرسل ابنه منقذاً له، يفتدي خطيئته بدمه، وكما هم يزعمون أن المسيح  صلب وسفك دمه إلا فدية لخطيئة الإنسان الأولى، والخطيئة تبقى من الإنسان، وعليه أن يشارك بدم المسيح لكي ينقذ نفسه، ومن هنا كان ما يسمى بسر القربان المقدس عندهم .يقول الله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (173) (سورة النساء / 171 ـ 173) .

كل هذه الأسباب السابقة مجتمعة ساهمت في انصراف أهل العرب عن الدخول في المسيحية  وكثرة المادلات والرؤى النظرية لمجردة التحيط بها وما صاحبها من شطط وحيرة وغموض .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

لكل شيء وزن وقيمة وصدى في هذا الكون، خاصة أن الإنسان حسي الطبع، وأغلب معارفه تتحقق بواسطة الحواس، فيكون اللفظ والمعنى والدلالة، وما ينشئ عن ذلك من تصورات في الذهن، أو الفكرة وما تولد من معارف وألفاظ، يكون ذا أهمية قصوى ويحتاج إلى إفراد جهد خاص في بنية اللفظ ومنشئه ودلالاته وما يترتب عليه من فعل، أو نظمه في خطاب ذا دلالات معنوية وتصورات ذهنية وأفعال واقعية خارجية مترتبة عليه. فلكل لفظ دلالات ومعنى وبالتالي صورة وفعل، لأن الألفاظ هي حصيلة الأفكار ووسيلة التواصل بين البشر، والتي يعبر فيها الفرد عن أفكاره، لذلك يعتبر الكلام من أخطر وأهم وسائل التواصل، حيث تكمن خطورته في صياغته كألفاظ لها دلالات ومعاني في جمل، وأما أهميته فتكمن فيما ينتج عن صياغته من تصورات ذهنية تشكل منظومة السلوك والفعل الإنساني في المجتمع.

ففي العقود الأخيرة في مجال فلسفة العلوم هناك مصطلح يطلق عليه "البرادايم"، وكان ممن بحث هذا المصطلح الفيلسوف توماس كون في كتاب بنية الثورات العلمية، يقول توماس أنه في كل حقبة من حقب التاريخ يكون هناك نموذج وإطار ذهني يفكر من خلاله وبداخله علماء وأشخاص ذلك العصر، هذا الإطار الذهني بمثابة صندوق، والناس يفسرون الأشياء من خلال هذا الإطار الذهني.

هذه المنظومة الفكرية التي يتحرك الناس خلالها في تفسيراتهم للمحيط، يوجد مثيل لها في الإطار العلمي أيضا، كما يذكر توماس ويصف ذلك بالبرادايم. فيرى توماس أن في كل عصر من العصور، هناك برادايم وإطار ذهني معين ومن خلال هذا الإطار يفسر الناس كل شيء، ولا يتهاوى هذا الإطار بسهولة، وعادة يأخذ وقتا طويلا إلى أن يبدأ يختل أمام وجهات نظر أخرى إلى أن يتهاوى وقد تصل المدة إلى ١٠٠ عام. وعندها تحدث الثورة التي يسميها توماس كون "تحول البرادايم" Paradigm Shift" أو تحول النموذج الإرشاري، حيث يظهر النخب والعلماء بأفكار جديدة مختلفة تماما عما كان سائدا لأعوام بل لقرون، وهي ليست مجرد أفكار عابرة بل ثورة حقيقية تغير مسار الفهم العام للأمور والذي ظل سائدا لزمن طويل.

مثال ذلك ما أحدثه آينشتاين في نظريته النسبية بعد أن ظلت قوانين نيوتن حاكمة إلى ما يقارب ٢٠٠ عام، عاش خلالها علماء الفيزياء تناغم علمي وجريان في الفهم كجريان النهر، حتى وصلوا إلى انسداد في تطبيق بعض النظريات تجريبيا، فقام آينشتاين بطرح سؤال بسيط لكنه خارج البرادايم "النموذج الإرشادي" السائد علميا في الأوساط في تلك الفترة، وهو: ماذا لو كان الخلل في النظرية الأساس التي على أساسها وضعنا فرضياتنا العلمية وأجرينا على ضوئها تجاربنا؟ ثم خرج بنظريته النسبية إلى العالم دون وجود أي مرجعيات علمية سابقة لها، وأحدث ثورة علمية كبيرة ما زال صداها يتردد إلى يومنا هذا.

وعل القرآن حدثنا بطريقة ما عن النموذج الإرشادي أو البرادايم حينما أشار لحركة الرفض الجماعية لدعوة الأنبياء والرسل في بداياتها من قبل الناس الذين تتم دعوتهم، وكان تعليل رفضهم أنهم يتبعون النموذج الذي اتبعه آباءهم وأجدادهم، ويرفضون أي تفكير أو فكرة خارج هذا الإطار الموروث والمتعارف، الذي اعتادوا عليه وركنوا له. وهو أشبه ما يكون بما يسمي اليوم البرادايم أو النموذج الإرشادي، إلا أن صراع الأفكار والوعي والمنطق والتعاقب والتراكم المعرفي مع التقادم الزمني، استطاع أن يخرج هؤلاء أو من تلاهم من أجيال من الصندوق المغلق والبرادايم الموروث والنموذج الإرشادي للأجداد والآباء.

إذا البرادايم يمثل النموذج الفكري والقالب الذي يضع النخب والرموز والمفكرين والعلماء أنفسهم فيه، نتيجة سيادة أفكار ونظريات مدة طويلة من الزمن، تصبح مألوفة ومشهورة ومتعارفة بل كثيرا ما تتحول إلى مسلمات يتم توارثها عبر الأجيال، وتشكل النموذج الإرشادي المغلق خاصة على مستوى التفكير والسلوك، إلى أن نصل إلى مرحلة انسداد فكري يعجز خلاله هذا البرادايم عن حل معضلات عصرية والإجابة على تساؤلات علمية، وفشل تجارب تطبيقية لهذا البرادايم مهما حاولوا تطويره من الداخل، هنا تحدث القفزة والتحول في النموذج الفكري من خلال طرح تساؤلات جديدة خارج البرادايم السائد، وهو ما يدفع طارحها وصاحب هذه الثورة الفكرية، للتفكير ضمن أطر فكرية مغايرة للمألوف والمشهور، ويصبح في حالة صراع ديالكتيكي بين ما هو موجود وما وجد من جديد، وفترة هذا الصراع قد تطول وتقصر وفق قدرة النموذج الجديد على إثبات نفسه من جهة، وقابلية المتلقي للنموذج الجديد على قبوله من جهة أخري، والخروج من البراداديم القديم ليس بكل ما يملكه من علوم وأفكار، ولكن خروجا من كل ما تم إثبات عدم صحته وفاعليته، أو ما أثار حوله شبهات إقصائية، صرفت أذهان الناس عن الآراء الأخرى، وأدى طرح التساؤلات خارج هذا البرادايم نتيجة التلاقح الفكري والثقافي، إلى اهتزاز النموذج الإرشادي و حصول قفزة في وعي المتلقين أدت لاهتزاز البرادايم السائد فكريا وسلوكيا.

واللغة التي يتشكل منها الخطاب والمفاهيم والأفكار، لا تخرج عن قانون البرادايم، ليس في بعدها المستقل، أي ما تشكله بذاتها مستقلة كألفاظ ودلالات، وإنما في بعدها التطبيقي ومحيطها الإجتماعي وتأثيرات الزمان والمكان، في صناعة ألفاظها والأبعاد الدلالية وتشكيل بنية الخطابات وفق هذه الأبعاد. فالألفاظ التي تشكل بنية الخطاب هي صناعة أفكار صاحبها، وصانعة أفكار المتلقي، فهي وسيطة بين الخطيب والمتلقي، فهي من جهة حصيلة أفكار الخطيب، ومن جهة أخرى تشكل وعي وإدراك المخاطب. فهي كألفاظ لها بعدين:

١- البعد الفردي الذاتي والتي تشكلت فيها الأفكار في دائرة الفرد الذاتية، التي تكون حصيلة تراكمات عديدة تؤثر فيها عوامل عديدة، فهنا الألفاظ حصيلة فكر الفرد في بعده الذاتي.

٢- البعد الاجتماعي التواصلي، التي تعتبر فيها اللغة وما تحويه في بنيتها اللفظية، الوسيلة المحورية في التواصل بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، وفي هذا البعد التواصلي، اللغة تصنع أفكار المتلقي وتصوغ أفعاله.

فالخطاب وما يشمله من بنية لغوية ودلالية، لها أبعاد ودور في تشكيل التصورات وصناعة وعي المتلقي، وبالتالي تشكيل بنيته الفكرية وسلوكه الاجتماعي وبناء منظومته العقدية والفكرية، هو يخضع أيضا لقاعدة النموذج الفكري الذي طرحه توماس.

ويتشكل الخطاب متأثرا بعدة عوامل أهما:

١- البنية الفكرية للمُرسِل، ونعني هنا بيئته الثقافية، معتقداته، منظومة قيمه ومعاييره.

٢- البيئة الاجتماعية.

٣- البيئة السياسية.

٤- البيئة الدينية الحاكمة

٥- الذاتية، ونعني بها ذاتية المُرْسِل وموقعه الاجتماعي أي مدى رمزيته في المجتمع كنموذج.

وعادة ما يتكون الخطاب من العناصر التالية:

١- المُرْسِل.

٢- المُسْتَقبِل.

٣- مضمون الخطاب

٤- الهدف من الخطاب وهو ما يريده المرسل من الخطاب. (الرسالة التي يريد إرسالها للمستقبل).

٥- الوسيلة التي من خلالها يتم إيصال الخطاب.

والخطاب ولغة الخطاب تتشكل من ألفاظ لها دلالات، لذلك اللغة أو اللفظ المعبر عليه أن يكون:

١- معبرا بشكل صريح عن الفكرة الموجودة في الذهن.

٢- والفكرة الموجودة في الذهن عليها أن تكون مطابقة للواقع.

٣- بالتالي على اللفظ المستخدم والمكون للخطاب أن يكون معبرا عن الواقع في بنيته ودلالاته، وهو ما يتطلب أن يكون:

أ- خطابا موضوعيا

ب- خطابا غير متحيز معرفيا

ج- خطابا جامعا غير إقصائيا، بمعنى طارح للرؤى المتعددة.

د- ألفاظه بسيطة غير مخلة بالأصول وعميقة وبنيته علمية وواقعية ومحفزة للوعي، وموجهة للإدراكات باتجاه الواقع لا الوهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة التفكير باللغة؟

التفكير واللغة:

هناك علاقة وطيدة بين بنية تفكير الفرد واللغة التي من خلالها يقوم بالتعبير فيها عن هذه الأفكار، وتطرح في هذا الصدد تساؤلات كثيرة أهمها:

١ـ كيف يمكن أن نترجم نتاج عمليات تفكيرنا إلى صيغة يمكن للآخرين فهمها؟

٢ـ كيف يمكن أن نحل شفرة لغة الآخرين لكي نصل إلى الأفكار التي يحاولون التعبير عنها؟

إن هاتين النقطتين بالتحديد والمتعلقتين بجوانب الترجمة، أي آلية ترجمة الأفكار في قوالب لغوية، وآلية ترجمة هذه القوالب اللغوية من قبل المتلقين لها وفق دلالاتها التي يريدها المتكلم، أي اليات بناء الخطاب من قبل المتكلم لترجمة أفكاره، وآليات فهم دلالات الخطاب من قبل المتلقي. هاتين النقطتين يشكلان الاهتمام المحوري لنظرية علم اللغة كما يطرحها نعومي تشومسكي (N.Chomsky).

يهتم تشومسكي بوظيفة الاتصال الخارجي للغة، أي اللغة التي تشكلت فيها أفكار المتكلم، أي الخطاب التواصلي وبنيته اللغوية، حيث يهتم بالإجابة عن السؤال الثاني وهو:

كيف يمكن أن نحل شفرة لغة الآخرين لكي نصل إلى الأفكار التي يحاولون التعبير عنها؟

فكيف يمكن للناطقين بلغة ما استخدام لغتهم للتعبير عن الأفكار وفهم المعاني الصادرة من أي منهم، أي كيف يمكن أن نفسر الأصوات الصادرة عن أفواه الآخرين على أنها تعبر عن النطاق الكامل للمعاني والأفكار التي هي بمقدور البشر.

وهنا نحن نتحدث عن البنية الفكرية وآليات التواصل اللغوية والدلالات التي ترسل تصورات للمتلقي وتصنع أفعاله ووعيه. ولا نتحدث عن ضرورة تطابق الخطاب مع الواقع ومدى مصداقيته وامتلاكه للحقيقية، وهو أمر لا يقل أهمية عن الخطاب وبنيته اللغوية ودلالاتها.

إلا أن محاولة البناء العلمي للخطاب ودلالاته قد يقلل مساحة الوهم ويوسع من دائرة واقعية الخطاب وكشفه عن الواقع والحقيقة، وهو المراد تحقيقه من تناول هذه الأبحاث، وإن كان ادعاء مني ومحاولة تصويبية للخطاب لتحقيق هدف الصدق في الحديث، وهو ما يعبر عنه تشومسكي في نظريته القواعد التحويلية التي وضعها لإنتاج جمل صحيحة وهو ما يسمى الأداء المثالي. ولكن حتى لو سلمنا بالأداء المثالي في اللغة، فماذا عن الاستعمال الفعلي لها، وماذا عن الفهم الدلالي للمستقبِل والذي يعد فهما نسبيا خاضعا لإدراك ووعي المستقبِل؟

فنظرية تشموسكي (١٩٦٥) تطرح المقولة الأساسية وهي أن كل جملة لها كل من بنائها العميق وبنائها السطحي. ووجهة نظره في أنه من المستحيل أن نضاهي قدرة أبناء اللغة فيما يتعلق بعلاقات المعنى لو أن الإنسان أخذ في اعتباره فقط البناء السطحي للجمل، أي الترتيب الذي تظهر به بالفعل الكلمات في الجمل[1].

فالكلمات لها دلالاتها الخاصة منفردة، لكنها حينما ترتب في جمل فإن السياق مولد لدلالات أيضا، يفهم من خلالها معاني الكلمات ضمن سياق الجملة.

ملخص ما يراه   نعومي تشمومسكي هي أن العلاقات بين قواعد تراكيب العبارات، والقواعد التحويلية، والبناء العميق، والبناء السطحي هي أن البناء العميق ـ الذي هو نتاج قواعد تراكيب العبارات ـ يحتوي على كافة العلاقات النحوية الكامنة اللازمة لفهم الجملة، وهو بدوره يجب أن يكون هو المدخلات إلى عنصر الدلالة أو المعنى. بالمقارنة بهذا، فإن البناء السطحي ـ لكونه نتاج القواعد التحويلية ـ يحتوي فقط على المعلومات الصحيحة عن الترتيب النهائي للكلمات في الجملة التي نحتاجها للنطق الفعلي للجملة، وهو بالتبعية يكون المدخلات إلى العنصر الصوتي الذي يحتوي على قواعد لإصدار الأصوات الفعلية للكلمات[2].

نظرية تشومسكي والجرجاني:

يعتبر نعوم تشومسكي أن هناك بنية لغوية بديهية عند كل البشر أي خصائص وقواعد لغوية يشترك بها كل البشر تعتبر جمل نموذجية أساسية قاعدية، علي غرار البديهيات المعرفية، وتتفرع من هذه الخصائص جملا أخرى على أن تتصف بالسلامة النحوية.

"أي أن توافق الناحية التركيبية وقواعد اللسان الخاضع للدراسة، والناحية الدلالية لمدلولات ذلك اللسان"[3]

وهو يتوافق بنظريته التوليدية التحويلية وما ينادي به التحويليون[4] بمبادئ لا تختلف إجمالا مع ما جاء به عبد القاهر الجرجاني من جهود نحوية. فالنحو العربي يلتقي مع النظرية التوليدية في عدة جوانب:

١- المنهج العقلي: " تلتقي اهتمامات تشومسكي بقدرات الإنسان الذاتية بالجذور العقلانية للقرنين السابع عشر والثامن عشر عند ديكارت ومن شايعه ممن فهموا اللغة  على أنها نظام مغلق من العلاقات الدائمة"[5]   ولا شك أن الفكر النحوي يعتمد على أسس عقلية، وهذا ما أكده الدكتور محمد عبد المطلب بقوله :" إن المنهج العقلي هو الذي سيطر على فكر عبد القاهر ثم تشومسكي، فقادهما إلى اعتماد النحو التقعيدي أساسا لإدراك القيمة الحقيقية للصياغة وما يمكن أن يتجه هذا النحو من إمكانات تركيبية تقترب من الإنسان ومقاصده الواعية"[6] ، لكن المنهج العقلاني عند الجرجاني ينبثق من دراسته للغة إعجاز تحتاج إلى كثير من التمعن في اختيار الألفاظ ونظمها والتفنن في وضع كل لفظة في سياقها، أما تشومسكي فعنده العقلانية لا تتعدى السليقة التي طبعت ابن اللغة على تداولها[7].

٢- التفريق بين الكفاية والأداء: فالكفاية قدرة ابن اللغة على فهم تراكيب لغته وقواعدها وقدرته من الناحية النظرية، على أن يركب ويفهم عددا غير محدود من الجمل، ويدرك الصواب منها أو الخطآ، وأما الأداء: فهو الأداء اللغوي الفعلي لفظا أو كتابة. ولم يخف على عبد القاهر الجرجاني

هذا المبدأ الدي اعتمده تشومسكي في نظريته، فقد عني بالقدرة اللغوية المتمثلة في الكفاءة الذاتية الكامنة، التي يمتلكها كل متكلم أو مستمع جيد للغة، التي من شأنها أن تسمح لصاحبها بتوليد عبارات أو جمل لا نهائية[8].

"البنية السطحية والبنية العميقة عند تشومسكي: يرى تشموسكي أن الجملة بؤرة التحليل اللغوي من حيث علاقتها بالمعنى، وحقيقتها وجهان سطحي خارجي ظاهر، وتحتي باطني عميق"[9]  ويرى الدكتور خليل العمايرة أن المعنى في بنيتها التحتية، أما الشكل فإنه يتحقق في تركيبها السطحي[10]

ويحدد العمايرة أوجه الخلاف بين تشومسكي والجرجاني قائلا: يرى الجرجاني أن المباني الصرفية التي تحتويها اللغة "أوضاع اللغة" وتحتاج إلى شيء آخر لتكون قادرة على جعل السامع يعرف غرض المتكلم ومقصوده، المقصود الذي هو بالتأكيد ليس معاني الكلم المفردة، فالكلمات وحدها لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف"[11] ، وذلك لأن البنية العميقة يمكن فهمها من السياق الواردة فيه، إذ أن العربية وبنية الجملة فيها تقديم وتأخير، وتنكير وتعريف وغيرها تدل على معان دلالية، فيكون تحولها من سياق لآخر لا شك يغير في المعنى الدلالي لها، ولذلك يشير الجرجاني دائما إلى أن قصد المتكلم لا  يظهر إلا من خلال التأليف الذي يمثل السياق أو التعليق على حد قوله، ويؤكد ذلك العمايرة حيث يشير إلى أن المعنى عند عبد القاهر يتمثل بالمعنى الدلالي المتحقق عن مفهوم التحويل طبقا للمعنى الموجود في الذهن، فيأتي ترتيب الكلمات في الجملة دالا على ترتيبها في العقل[12].

أما تشومسكي فيستخدم المصطلح "التحويل"  (Transformation) علي أنه تركيب نحوي دون النظر إلى الدلالة، " ليحدد به أصناف القواعد التي تقوم بالعمل بعد التوصل إلى المكون الخاص ببنية العبارة"[13]. ومن هذا ينبغي آلا يتبادر إلى الأذهان الاتفاق المطلق بين تشومسكي والجرجاني. فتشومسكي نفسه يقول: "ينبغي ألا يساء فهم الملاحظات عن إمكانية وجود اعتبارات دلالية للدراسة النحوية على أنها تشير إلى دعم فكرة أن النظام القواعدي يؤسس على المعنى، فالنظرية التي أوجزتها اعتمدت كليًا على الشكل دون الدلالة[14]. وهكذا يمكن الاستئناس بقول الدكتور رشيد العبيدي: "أن علاقة البنية العميقة هي علاقة جذرية بترتيب المعنى في الذهن، وهذا الذي عبر عنه قبل ما يقرب من ألف عام عبد القاهر بقوة"[15]

وطبعا الارتكاز العام  والعرفي في أذهان الناس، أي ارتكاز الألفاظ بدلالاتها في أذهان الناس خاضع للعرف في الاستخدام، وللواقع الخارجي، بمعنى أن الدلالة اللفظية ليست ثابتة عبر الزمن، فمثلا كلمة الحج كانت في السابق تستخدم بمعنى الدعاء، إلا أنها اليوم لها دلالات مختلفة ومرتكزة في أذهان الناس، بحيث بمجرد ذكر كلمة الحج ينصرف ذهن المتلقي تلقائيا لدلالة هذا اللفظ فيدرك أن مراد المتكلم هو شعيرة الحج عند المسلمين، في حال كان المتكلم من المسلمين وكان اللفظ ورد في سياق يؤكد هذا المعنى والدلالة، ولكن لو كان المتكلم مسيحيا أو يهوديا فإن كلمة الحج هنا ستعطي دلالات مختلفة تتناسب وعقيدة كل متكلم، بالتالي انصراف ذهن المستقبِل نحو الدلالة التي يريدها المتكلم تعتمد على :

١- شخصية المتكلم وبيئته وهويته ورمزيته وسيرته.

٢- الاستخدام الزمكاني للفظ ودلالته وفي الزمن المكان، والارتكاز العام في أذهان المتلقين وانصرافهم الذهني للدلالة وفق استعمالات اللفظ في ذلك زمانهم.

فبناء خطاب تواصلي بين شخصية رمزية وجمهورها يتطلب حرص شديد في بناء الخطاب واليات بنائه، وفهم كثير من القواعد والأسس في كيفية بناء خطاب تواصلي يتصف ب:

١- أن يكون الخطاب موافقا لما في ذهن الخطيب.

٢- أن يكون ما في ذهن الخطيب موافقا للواقع.

٣- أن يتصف الخطاب بالصدق، وهو ما يتطلب الاهتمام بتراكيب العبارات والقواعد التحويلية، والبناء السطحي والعميق للخطاب، لضمان فهم أدق لمراد المتكلم من قبل المستقبِل.

النظرية القرآنية في الخطاب:

يقدم لنا كالعادة القرآن الكريم منهجا عميقا في مواضيع مختلفة، ومن ضمن هذه المواضيع الخطاب وكيفية بنائه بناء موضوعا وعميقا وبينا ومحققا لهدف الهداية بكافة أشكالها.

فبالنظر للجانب البلاغي في القرآن وفصاحة عباراته يتضع الدقة البنائية في تراكيب لعبارات، وفي استخدامات الألفاظ ومواقعها، وقد فصل الإمام عبد القاهر الجرجاني في هذا الجانب بشكل إبداعي في كتابه "دلائل الإعجاز في علم المعاني، ووضح نظريته حول إعجاز القرآن في الفصاحة والبلاغة، من عدة حيثيات وأهمها علم المعاني "الدلالات".

يذهب الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز في علم المعاني إلى أن الكلام على ضربين: ضرب أن تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل.. أولا ترى أنك إذا قلت: (هو كثير رماد القدر)، أو قلت: (طويل النجاد)، أو قلت في المرأة: (نؤوم الضحى)، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثاني هو غرضك... أي أن تقول المعنى ومعنى المعنى. تعني ب "المعنى" المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة. وب "معنى المعنى" أن تعْقِلَ من اللفظ معنى ثم يُفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر... وجملة الأمر كما يقول الجرجاني: أن صور المعاني، لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أُخَر. وهذا في حال كان النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم، فلا بد حينئذ أن يتغير المعنى.[16]

والنظم عند الجرجاني ليس شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، فمدار أمر النظم كما يقول على معاني النحو[17]، ويعتبر أن الفصاحة تكمن في المعنى وليس في اللفظ، فإن اللفظ حينما يتم نظمه في جملة ما قد نراه فصيحا لما عكسه من معنى في ذلك النظم، ولكننا في جملة أخرى لا نرى نفس اللفظ فصيحا، لأن المعنى الذي أعطاه ضمن نظمه في هذه الجملة لا يتصف بالفصاحة. فيربط الجرجاني هنا أيضا بين اللفظ والنظم والمعنى في تشخيص الفصاحة، فيكون استخدام اللفظ ونظمه في جملة محددة مؤثرا زيما تأثير على المعنى والدلالة حيث قال :" لا توجب الفصاحة للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها"[18].

وقد أثبت ما ذهب إليه من خلال القرآن الكريم وبنيته اللغوية والخطابية والدلالية، فمثلا يشير إلى لفظة "اشتعل؛ من قوله تعالى في بدايات سورة مريم " واشتعل الرأس شيبا" إنها أعلى مرتبة من الفصاحة، لم نوجب تلك الفصاحة لها وحدها، ولكن موصولا بها "الرأس"، معرفا "بالألف واللام"، ومقرونا إليهما "الشيب" منكرا منصوبا.

وهنا نرى بنية الخطاب تتعلق بالنحو والنظم والمعنى، فالفكر عند الجرجاني لا يتصور أن يتعلق بمعاني الكلم أفرادا مجردة من معاني النحو[19]، وهو هنا ينفي عدم تعلق الفكر بمعاني الكلم المفردة أصلا، إلا أنه ينفي تعلقها بها مجردة من معاني النحو ومنطوقها بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها.[20]

يضرب مثالا لذلك فيقول:

لو قلنا قِفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومنزِلٍ

ثم ركبنا الجملة كالتالي: مِن نبْكِ حبيب ذكرى منزل

انظر هل يتعلق منك فِكْرٌ، بمعنى كلمة منها؟

ويوضح بذلك الجرجاني إعجاز القرآن في بنية خطابه، التي بنيت على أساس النظم والنحو والدلالة، بحيث لو استخدمت لفظا رديفا للفظ في نفس الجملة، لما أدى ذلك إلى تشكيل الدلالة المرادة والمطابقة لمراد المتكلم في خطابه، وأن نظم الألفاظ وفق معاني النحو هو المولد للدلالات والمعاني التي يريدها المتكلم. وزن اللفظ منفردا لا يوصف بالفصاحة وإنما اتصاله بالجملة وما يولد هذا الاتصال من معني هو ما يوصف بالفصاحة.

بعد هذا العرض الموجز يمكننا تشخيص الأزمة التي يعيشها الخطاب الإسلامي في أهم اتجاهين:

البرادايم " نموذج وإطار ذهني يفكر من خلاله وبداخله علماء وأشخاص ذلك العصر، هذا الإطار الذهني بمثابة صندوق، والناس يفسرون الأشياء من خلال هذا الإطار الذهني".

ويقع في هذا المأزق البرادايمي عادة الخطابات الحزبية والطائفية والمذهبية، أو الخطابات السياسية التي تصدر عن قوى نافذة، حيث تكون بنية الخطاب من حيث الألفاظ والنظم المعنى النحوي مولدة لدلالات تخضع في سياقاتها المعرفية لبردايم الحزب والتيار والمذهب والطائفة والقبيلة والسياسي المعرفي والفكري، فتكرس معرفيا تحيزات تتناسب ومراد الخطيب، وتتكرس هذه البراداميات المعرفية أكثر كلما كان الخطيب ذو رمزية خاصة تلك الرمزية القدسية المتصلة بالدين أو بجهة دينية أو متصلة بأهداف دينية أو شخصيات دينية إلخ، أو كانت رمزية سياسية تمتلك قوة عسكرية أو حضارية وعلمية، يستخدم فيها إرهاب العلم في تذليل العقبات المعرفية وتسييل المفاهيم ودلالاتها المعرفية في عقل الجمهور. وقد يخضع الخطيب إلي برادايم الجمهور ليصنع ويبني خطابه منه، وهو ما لا يمكنه معالجة أي أزمات داخلية سياسية كانت أو معرفية، بل هو يكرس ما هو موجود و ما يشكل أزمة معرفية وفكرية، ويؤدي مع التقادم إلى تغيير الواقع أو تزييفه، وبالتالي يكون تشخيص حل الإشكاليات العالقة سياسيا أو معرفيا أو ثقافيا أو اقتصاديا - وفق الخطاب المراد من خلاله معالجة أي أزمة من الأزمات الاجتماعية والسلطوية – يكون التشخيص مبني على مجموعة من الخوارزميات[21] المعرفية المضللة أو غير الدقيقة، يختلط بها الواقع مع الوهم، والحق مع الباطل، والحقيقة مع الزور.

والبرادايم قد يكون خاضعا في بنيته المعرفية والفكرية ل :

١- الحزب، الطائفة، المذهب (الانتماء، المعرفة، الهوية)

٢- السلطة (سياسة، اقتصاد، هوية، انتماء)

٣- الجمهور (المجتمع، عادات وتقاليد)

٤- المؤسسات الدينية (الدين، الهوية، الانتماء)

وتعتبر هذه أهم جهات يمكنها التأثير في بنية البرادايم المعرفية والفكرية. لذلك نجد هناك خللا واضحا وجليا في الخطابات خاصة الإسلامية منها، لعدم مقدرتها تشكيل خطاب خارج البرادايم الديني أو الاجتماعي، وفي حال الأحزاب خارج البرادايم الحزبي وعقيدته، وهو ما قد يشكل أزمة تعايش وتواصل وهوية خاصة بين مكونات المجتمعات في الوطن الواحد، بل والعالم ككل، وهذا لا يعني تشكيل خطاب مائع فاقد لهوية المجتمع، أو خطاب متخلي عن ثوابته لا سيما العقدية منها، أو خطاب متملقا مدلسا، بل يعني أن بناء الخطاب يتطلب دقة بالغة وعميقة، يجب أن يكون صاحبها قادرا على أن يخرج خارج البرادايم أيّ كان شكله، بحيث يتصف خطابه بالخطاب العالمي، بمعنى أن بنية الخطاب تكون آخذة في حسبانها كل التطورات التقنية والتكنلوجية، وكل المساحات التي باتت اليوم مفتوحة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث ألغى هذا الوضع وجود خطابات خاصة طالما أنها أمام الجمهور أو وسائل النقل والإعلام، بعد أن حولت العولمة كل الجغرافيات المتباعدة إلى قرية واحدة يسمع فيها الجميع صوت الجميع، ويتم نقل اللغات بشكل سهل وترجمتها ليفهم أيضا الجميع لغة الجميع بأقل كلفة ممكنة. فلو ألقى رمزا خطابا على جمهوره في لبنان أو العراق أو ليبيا أو الجزائر أو مصر، فإن هذا الخطاب يصل صداه إلى العالم وتتناوله كل الدول المتابعة والمهتمة بهذا الرمز تحليلا وتأويلا، وقد يحدث أزمات وإشكاليات أو انفراجات وحلول، وهو ما بات اليوم يترتب عليه تفاعلا جماهيريا متعدد الجغرافيات وسياسيا متعدد الأقطاب، ولم يعد خطابا خاصا، بل عاما على مستوى العالم ككل من جماهير وحكومات ومؤسسات مهمة وفاعلة وذات قرار مؤثر في الجماهير. فخطاب الأزهر اليوم لم يعد خاصا بالمسلمين، وخطاب الكنيسة كذلك ليس خاصا بالمسيحيين، ولا خطاب الحوزات الدينية خاصا بالعلماء وأتباع المراجع الدينية، ولا خطاب حكام خاصا بشعوبهم، بل باتت الخطابات أغلبها عامة طالما هي تبث في وسيلة إعلامية أو موقع تواصل اجتماعي أو من خلال الأجهزة الذكية. ولا يخفى عليكم اليوم كيف تستخدم الخطابات الجماهيرية من قبل الرموز دينيين كانوا أو سياسيين، حزبيين كانوا أو حكام دول، مراجع دينية كانوا أو نخب، كيف تستخدم الخطابات من قبلهم في إيصال رسائل سياسية ومعرفية وتحديد مواقف أيضا سياسية ومعرفية بطريقة تحمل دلالات عديدة ورسائل مختلفة وأيضا في كثير من الأحيان تستخدم ألفاظا في سياقات تعطي دلالات حمالة أوجه، يمكن لكل جهة فهمها وفق بنيتها المعرفية. ففي العراق مثلا، بات هناك ما يعرف بخطبة الجمعة، التي ينتظرها اليوم المتظاهرون ويدلي من خلالها وكيل السيد السيستاني في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي خطابا، يتم تداوله بكثرة من المحللين والجمهور والسياسيين، لما يحمله من رسائل ومواقف سياسية للحدث الراهن، إلا أن المتظاهرين يفهموا ممن الخطاب دلالات تختلف عن تلك التي يفهمها السياسي والمسؤول والمثقف، ونرى بعد كل خطاب كما هائلا من التحليلات حول مراد السيد السيستاني من البنية التي تشكلت منها الخطاب. وهذا ينطبق على خطاب البابا في الفاتيكان في ليلة عيد رأس السنة الميلادية، وخطابات الأزهر، وخطابات إمام صلاة الجمعة في مكة، أو الخطابات التي يلقيها أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، أو يلقيها مراجع دين، أو الولي الفقيه السيد علي الخامنئي في إيران، أو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أو أي رئيس لدولة محورية في صراعات الدول الدائرة، أو محورية في صناعة الحدث الراهن وهكذا. وكلها من وجهة نظري تخضع لأزمة البرادايم ولو جزئيا.

بنية الخطاب (الألفاظ والنظم والمعاني النحوية بالتالي الدلالات).

"في القرون القليلة الأخيرة حدث تطور معين في اللغات الغربية يعكس التغير في التوجه نحو أسلوب التملك، ذلك هو التزايد الملحوظ في استخدام الأسماء مع التناقص في استخدام الأفعال.

فالأسماء هي الرموز المناسبة للأشياء... بينما الأفعال هي الرموز المناسبة للنشاط والفعل.. غير أن استخدام صيغ التملك للتعبير عن النشاط يتزايد باطراد، أي يتزايد استخدام الأسماء عوضا عن الأفعال. واستخدام صيغة التملك مع ربطها بالأسماء للتعبير عن نشاط إنساني إما هو استخدام مغلوط للغة، فالنشاط لا يمتلك، ولكنه يمارس."[22]

لذلك نلحظ تطورا في الدلالات اللغوية وفي استخداماتها، تابعا في كثير من الأحيان لتبدل أنماط السلوك الاجتماعي، وتغير الرؤية الكونية التي تدور حول الله والإنسان والطبيعة. هذا فضلا عن خضوع هذه التطورات والتبدلات إلى تغير منظومة الأفكار والقيم، وطريقة تداولها اجتماعيا وفكريا.

وتكمن أهمية دراسة الألسنيات، أو اللسانيات[23] في معرفة الطرق الأفضل في التواصل، ومعرفة خصائص هذه الطرق خاصة في الخطاب والذي يعتبر من أهم الوسائل التواصلية مع الجمهور، ولأهمية ما تحمله اللغة من مقومات الثقافة والهوية، والتي من خلالها يتم تحديد هوية فرد ومجتمع وأمة، ومن خلالها يتم صناعة الحضارات.

والخطاب أحد أهم الأشكال التي تصاغ بها اللغة وتتشكل في بنية مركبة ومُوجهة للمستقبِل ومؤثرة في تشكيل وعيه وبناه الفكرية والمعرفية.

يعرف الخطاب اصطلاحا: هنالك الكثير من التعريفات المُتعارف عليها للدّلالة على الخطاب ومنها أنّ الخطاب مَجموعةٌ مُتناسقة من الجمل، أو النصوص والأقوال، أو إنّ الخطاب هو منهج في البحث في المواد المُشكّلة من عناصر متميّزة ومترابطة سواء أكانت لغة أم شيئا شبيهاً باللغة، ومشتمل على أكثر من جملة أولية، أو أيّ منطوق أو فعل كلامي يفترض وجود راوٍ ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المتلقي، أو نص محكوم بوحدة كلية واضحة يتألف من صيغ تعبيرية متوالية تصدر عن متحدث فرد يبلغ رسالة ما[24].

يهدف الخطاب إلى وصف التعابير اللغوية بشكل صريح، بالإضافة إلى أنّ الخطاب يفكك شفرة النص الخطابي عن طريق التعرّف على ما يحتويه النص من تضمينات وافتراضات فكريّة، وتحليل الخطاب هو معرفة الرسائل المُضمّنة في النص الخطابي ومعرفة مقاصده وأهدافه، ويتم تحليل الخطاب عن طريق الاستنباط والتفكير بشكلٍ منطقيّ حسب الظروف التي نشأ وكتب فيها النص الخطابي وهو ما يسمى بتحليل السياق الذي يعتمد عليه النص[25].

وتلعب الرؤية الكونية كجذور، أهمية كبيرة في تشكيل بنية الخطاب، وفي تحديد مدى سلامة المعارف التي تطرح عبر مختلف الخطابات، إضافة إلى دورها في تشخيص مدى سلامة الغايات والوسائل التي تستخدم في تحقيق هذه الغايات ومدى سلامتها، هذا فضلا عن دور هذه الغايات في التأثير على سلامة المعارف المطروحة عبر الخطاب.

لذلك وعلى ضوء الرؤية الكونية الإسلامية، ولأننا هنا معنيين بالخطاب الإسلامي فإن الخطاب الاتصالي الذي يناسب المجتمعات الإسلامية كنظرية يمكن تعريفه كالتالي:

" نسق يتشكل في ضوء مقولات التصور الإسلامي ـ وما ينبثق عنه من طرح إيديولوجية وابستمولوجية ـ يحدد الكيفية التي يمكن من خلالها بناء وتقويم عمليات الاتصال التي تحمل الحق القادر على ترسيم سبل تحقيق غايات المجتمع الإسلامي العليا"[26].

ولأن الخطابات تتكون من بنية لغوية، بالتالي يكون لتلك اللغة بعد تداولي كما أسلفنا. " والتداولية ليست علما لغويا محضا يكتفي بدراسة التراكيب اللغوية وجوانبها الدلالية فحسب، بل هي دراسة التواصل اللغوي داخل الخطابات، أي دراسة الظواهر اللغوية في مجال استعمالها[27].

والتداولية هي دراسة العلاقات بين المُرْسِل والمُستقبِل وعلاقتهما بسياق الاتصال[28].

وأحد أهم منصات الاتصال بين المتكلم والمستقبل هي الخطاب، وما يهمنا هنا الخطاب في الفكر الإسلامي، وما يحدثه من تأثيرات في قراءة الواقع والتأثير في صناعة المستقبل، وفي إحداث تغييرات اجتماعية، فلقد كان الخطاب في صدر الإسلام وسيلة إعلامية مركزية في التواصل بين الجمهور من جهة وقيادتهم من جهة أخرى. ومازال الخطاب اليوم خاصة في المجتمعات الإسلامية يشكل أحد أهم وسائل التواصل المؤثرة والصانعة للوعي والباعثة للفعل بين الخطيب وجمهوره، خاصة إذا كان للخطيب وجود اجتماعي مؤثر وقوي، ومكانة متقدمة يُحدث خطابه انزياحا معرفيا في وعي الجمهور ويؤثر في تغيير الواقع وصناعة المستقبل. كما يمكن للخطاب أن يلعب دورا محوريا في إصلاح المفاهيم وتوجيه الثقافة، وتجديد الرؤى وإعادة بناء رؤية عصرية تتمسك بالأصيل ولكن تجذب الجمهور لهذا الأصيل من خلال دمج الأصيل بلغة عصرية تتناسب وتطور وعي المجتمع من جهة، وتطور دلالات التراكيب اللغوية واستعمالاتها. بل في الحفر عميقا في النصوص الإسلامية وفهم دلالاتها وتركيباتها بشكل أعمق وأوسع يمكن من خلاله فهم مسار ذلك الخطاب في عصره ومنهج التفاعل الإصلاحي بين الخطيب والجمهور، خاصة إذا كان للخطيب موقعية متقدمة في المجتمع والأمة بل في هوية الأمة وتشكيلها وصناعة مستقبلها وحاضرها.

أهمية الخطاب:

يلعب الخطاب دورا بارزا في صناعة وعي الجمهور المُخاطب، وتنشيط الأبعاد التصورية الذهنية، بل صناعة تصورات جديدة تشكل قاعدة بيانات لصنع معارف في حال تكاملت قاعدة البيانات التصورية بالأدلة وشكلت تصديقات، لها دور كبير في توجيه السلوك البشري.

فاللغة وسيلة من وسائل الفعل وليست أداة للتأمل[29]،وهي أداة لوصف الواقع[30]، وهو ما يتحقق عبر المقولات الخبرية التي تخضع لمعيار الكذب والصدق حسب مطابقتها لما تخبر عنه مع عدم ذلك، وهو المعيار الوحيد الذي يحكم الجمل والمقولات[31].

أما الجمل التي لا تصف ولا تخبر فهي من قبيل العبارات التي لا معنى لها[32].

فاللغة حسب الفيلسوف الإنجليزي جون لانجو أوستن، أداة لبناء العالم والتأثير فيه، وليست مجرد وسيلة للوصف فقط، فثمة الكثير من الجمل لا يمكن أن توصف بصدق ولا بكذب ومن ثم فهي لا تصف شيئا وإن كان شكلها لا يختلف عن شكل الجمل الخبرية(الوصفية) وبنيتها، لكن لها معنى وأهمية بالغة الخطورة في العالم، يعد مجرد التفوه بها حدثا أو جزءا من حدث، ويمثل لها بالجمل الآتية:

قول الرئيس: "أعلنت الحرب".

أنا أسمي هذه الباخرة الملكة إليزابيث[33].

والكلام أو المقولات لها بعد إنجازي، بمعنى أنها تكتنز أفعالا ويعتبر النطق بها هو إنجازا لفعل أو إنشاء لجزء منه. وهو ما تم بحثه في باب الخبر والإنشاء لدى العلماء خاصة في حوزة النجف[34].

فقد شخص العلماء أن النمط المقابل للإخبار هو إنشاء، وهو المعادل الموضوعي لنظرية أفعال الكلام عند أوستن. والإنشاء هو الإيجاد والإحداث، قال تعالى " إنا أنشأنهن إنشاء"/ الواقعة (٣٥)، أي إنا أوجدناهن وأحدثناهن[35]. وقد عبر أوستن عن الوظيفية الفعلية التي يؤديها الكلام ب " أفعال الكلام"، فالكلام حسب رأيه هو نوع من الفعل[36]. وقد ميز الله تعالى في آياته الكريمة بين الكلام النافع والأفعال النافعة وبين غيرها من خلال تأسيس قرآني لطيف كان محوره كلمة هي " اللغو".

نظرية اللغو في القرآن وتأسيس الخطاب التواصلي:

وردت كلمة اللغو في القرآن في عدة آيات هي:

١- لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

البقرة/ ٢٢٥

٢- اَنما يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

المائدة/ ٨٩

٣- وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ

المؤمنون/٣

٤- وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا

الفرقان/٧٢

٥- وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ

القصص/٥٥

فاللغو بحسب تفسير صاحب الأمثل في تفسير القرآن الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هو : يشمل كل عمل لا ينطوي على هدف عقلائي.

تدور لفظة اللغو حول أسس مهمة تكتمل فيها غالبا نظرية اللغو القرآنية والتي تتعلق في وجه من وجوهها باللغة والخطاب و سنفصل ذلك لاحقا، لكن أهم الأسس التي يدور حولها مصطلح اللغو القرآني والتي يمكن استلهامها من الآيات التي ورد فيها هذا المصطلح وهي:

١- اللغو يشمل الألفاظ والأفعال.

٢- يفتقد إلى الهدفية.

٣- يفتقد إلى العزم في النية، فهو عبث فكونه بلا نية عمل فهو بالتالي بلا هدف وبالتالي يعتبر عبثا.

٤- يعتبر اللغو من مصاديق الباطل والكذب.

٥- يعتبر اللغو من مصاديق اللهو وهو من مصاديق الأقوال والأفعال الهادرة للوقت بلا فائدة.

٦- اللغو من مصاديق الجهل.

٧- اللغو من مصاديق الخرافة.

٨- المؤمن لا يمارس اللغو بكل أشكاله، ولا يتوقف عنده بل يتعداه دوما إلى العمل الجاد الهادف المنجز.

٩- من يمارس الكلام والخطابة لا يتبنى لغو عامة الناس ولا يكون خطابه بما يرضي الناس والشعب، بل يكون خطابه بما يصنع لهم وعيهم، ويحدث انزياحا معرفيا في بنيتهم المعرفية، ويكشف لهم الواقع مهما كان مخالفا لمرادهم ورغباتهم، وإلا اتصف الخطاب باللغو.

خاتمة:

تتميز المناسبات كافة بأنها محطة بالغة الأهمية في إيصال الرسائل سواء السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، وفي محاولة توجيه وعي الجمهور باتجاهات معينة، أو بناء قناعات معينة له تخدم القائمين على المناسبة أو الداعمين لها، وتاريخيا تم استغلال المناسبات الدينية خاصة من قبل السياسيين أو أصحاب النفوذ والسلطة وخاصة الحكام. وكانت ومازال الخطاب الوسيلة المستدامة في هذه المناسبات وغيرها في التواصل مع الجمهور.

وكثيرا ما تستغل هذه المناسبات ويصاغ الخطاب بطريقة مدروسة من كافة الجهات للحصول على منفعة أو لتوجيه الرأي العام، وهذا ما نراه في كثير من الخطابات الانتخابية والدينية والسياسية وحتى في المحافل الدولية وغيرها. حيث يراعي أصحاب المناسبة بنية الخطاب اللغوية ومحتواه الفكري وصياغة جمله بطريقة موجهة قادرة على تحقيق الهدف الذي صيغ لأجله الخطاب وعقدت لأجله المناسبة.

وهنا تتبلور أكثر أهمية اللغة وصياغاتها وأهمية الخطابات ومآلاتها، " لا تكسبنا اللغة معرفة لكل شيء فحسب، بل توضح لنا ما هي الأشياء التي لديها قابلية إطلاق اسم عليها، هذه اللغة تقسم لنا العالم إلى مقولتين: الأولى عينية والأخرى ذهنية، وتعلن أمامنا بأن هناك وقائع يمكن النظر إليها على أنها عملية ووقائع أخرى على أنها شيئية. وهذه اللغة كذلك تعلمنا عن الزمان والمكان والأعداد، وتهب أفكارنا عن طبيعة روابطنا مع الآخرين شكلا معينا، فحياتنا تدور في حدود اللغة وإمكان الاستفادة منها والتلاعب بالكلمات، ونحن لا نستطيع أبدا تصور شكل العالم الذي يحيا فيه أناس آخرون غيرنا ويتكلمون لغة مختلفة، لأننا غالبا ما نتخيل بأن الكل في هذا العالم يرون ويفترضون كما نفعل نحن.، وفي هذا المجال فإنه من النادر جدا التوجه إلى هذه الاختلافات أو التساؤل عن هذا الافتراض المقصود.

كل لغة تمتلك لنفسها مجالا وميدانا خاصا بها، وبسبب التفاوت في الإمكانيات وفي البناء اللغوي فيما بين لغتين، فمن البديهي وجود الاختلاف فيما بين اللغتين على صعيد وجهات النظر ومستويات فهم العالم، وفقط أولئك المطلعون على كلا اللغتين وتاريخهما يستكشفون مثل تلك الاختلافات. فإذا اللغة، قياسا بالوسائل والأدوات الأخرى تعتبر أداة تمتلك أيديولوجيا خاصة في توجيه الأمور حيث غالبا ما تحفظ نفسها منفصلة عنا، وهذا التوجيه عندما يتصل بموضوع اللغة، فإنه ينغرس عميقا في شخصياتنا وطريقة تلقينا للعالم إلى درجة يصبح من الصعب معها التعرف إلى هيكل التوجيه البنائي دون الخضوع لتعليم خاص في هذا المجال. وبعكس التلفزيون والحاسوب، فإن اللغة لا تظهر على أنها نوع من الترقي أو التوسع في قدراتها، بل تعتبر جزءا طبيعيا مما نحن عليه، إلا أنه في أغلب الأحيان يمكن لجملة أن تلعب دورا هاما شبيها بما يمكن لآلة القيام به، وهذا بالضبط ما يمكن أن تراه بوضوح كامل في استمارات الجمل التي نسميها الأسئلة، وأكثر من أي مكان آخر."[37]

ومن هنا بات لزاما على الخطاب الإسلامي أن يأخذ اليوم في الحسبان بنية خطابه وإخضاعها لظروف الراهن أي الزمان والمكان، ليس من باب التمييع والشعوبية، وإنما من باب التطوير والخروج من البرادايم الذاتي، و ويلائمه مع متطلبات العصر ويواجه من خلالها الواقع كما هو دون تحيزات، بحيث لم تعد هذه التحيزات تفيد في توجيه وعي الشباب خاصة، واستقطاب عقولهم نحو الحق والحقيقة، لأن من مستلزمات كشف الواقع واستقطاب العقول والقلوب للحق والحقيقة هو قول الواقع كما هو ودون تحيز، وبموضوعية قدر المستطاع والمتاح، وبما لا يوقع فتنة أو مقتلة، بل قول ما يمكن قوله ووفق ما يمكن قوله من حقيقة، وكشف ملابسات ما يمكن كشفه من الحقيقة، لأن الإنصاف عين العدل، والقول المنصف هو القول الوحيد الكفيل بلجم كل أنواع الفتن، وكل أنواع الهروب الجماعي من الحق بسبب تدليسات كثير من الخطابات الإسلامية، وفساد كثير من رموزها، والذي أدى لإهدار دم الحق والحقيقة من قبل كثير من الناس التي تميل مع كل رياح فتنه تهب عليها، ولا تجد لها خطابا يعيد لها توازنها، بل أغلب الخطابات نتيجة العزل البرادايمي تكون سببا يراكم أسباب الفتن والميوعة في قبول الحق والحقيقة. فالطريق ليس واحدا لهداية قلوب الناس، واللغة غنية بالألفاظ ونظمها في سياقات تملتك القدرة على توليد معاني ودلالات جامعة وليست مانعة للجمع، بل جامعة مانعة للفتنة، ومكرسة للتعايش ومواجهة كل أنواع التخريب المعرفي والفكري.

فالمسؤولية لا تدفع المسؤول للخطاب ومحادثة الناس دون أن تحمله مسؤولية أخرى وأثقل، وهي مسؤولية ما يجب أن يقوله وكيف يقوله، وتحمله مسؤولية عقول المستمعين ووعيهم، كما تحمل المستمعين مسؤولية فلترة ومراقبة ما يقوله الخطيب، حيث تكون المسؤولية طرفانية، لكن الواقع المعاش يكشف عن صمت المستمع مقابل صوت الخطيب، لذلك حدث نوع من الفوضى خاصة بعد العولمة وتداعياتها التكنلوجية، التي حولت الصوت الخافت إلى صوت عالي عبر مكبرات صوتها في وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت.

وأمام تعقيدات الواقع الخارجي السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث:

الاستهداف الواضح للإسلاميين وبالتالي لخطابهم.

العولمة وتداعياتها على الهوية والمنظومة المعرفية.

فشل كثير من المتصدين باسم الإسلام على ملئ الفراغ وسد الثغرات، والمواكبة بما يليق برسالة الله لا رسالة ما يريده المتصدي.

بات من الغير المقبول اليوم أي هفوة في الخطاب الإسلامي، ومهما كانت صغيرة، لأن الاستهداف يضخم الهفوات الصغيرة إلى مصائب عظمى في أذهان الناس، وبات من الواجب على المتصدي للخطاب أن يكون لديه هيئة استشارية، أو لا أقلا علاقات مع عدة تخصصات تعينه وتطلعه على آخر التطورات بطريقة علمية دقيقة، غير شعبوية، لا تخضع للمؤامرة كنظرية شمولية، ولكن لا تستبعدها كاحتمال قوي ضمن حساباتها في بنية الخطاب، وتكون قادرة على تمويل المتصدي بالمعلومات الدقيقة، وعلى المتصدي نفسه أن يحيط بكثير اليوم من العلوم والنظريات، ويتابع تطورات وتبدلات المجتمع ومزاجه العام، كي يستطيع تشكيل تصور عن الخطاب المناسب وبنيته اللفظية والدلالية، وكلما كان المتصدي له رمزية وجمهور كلما تراكمت وعظمت مسؤوليته، وبات لزاما أن يشتد حرصه على الكلمة واللفظ والبنية ومراجعة ذلك أمام متخصصين، لأن لخطابه مدلولات متعددة الأقطاب، فعليه أن يضع في حسبانه أنه يخاطب الجمهور المؤمن به، ويخاطب النخب التي ترصد كلامه وتنتظره لتحلله، ويخاطب الأعداء والأصدقاء، وكل هؤلاء عليه أن يضعهم في حسبانه ليشكل خطاب متعدد الرسائل، ومتعدد الدلالات، وهو ما يتطلب وجود هيئة استشارية متخصصة في مجالات السياسة والفلسفة وعلوم اللغة وفلسفتها، لأن مسؤوليته العظيمة تحتم عليه هذه الدقة وهذا التعقيد، لترتب المواقف الخارجية والوعي الخارجي على كل كلمة يقولها هذا الرمز أو هذه الشخصية المسؤولة، مع تضخم الماكنة الإعلامية، وتعدد وسائل النشر، وتوفرها للجميع بعد أن كانت حكرا على الصحف و التلفزيونات، بات اليوم كل من يملك هاتفا ذكيا يمكنه التعبير عن رأيه دون أدنى معايير ضابطة.

ولهذا وضعت الضابطة العظيمة التي أشار إليها الله تعالى في سورة "ق" آية ١٨ " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد". ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد.

 

إيمان شمس الدين

......................

[1] - التفكير واللغة / جوديث غرين/ ترجمة وتقديم د.عبد الرحيم جبر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٩٢ ص ١٦٥

[2] المصدر السابق ص ١٦٩

[3] ينظر: مناهج البحث اللغوي عند العرب في ضوء النظريات اللسانية، ص 76

[4] يقصد بالمدرسة التوليدية مجموعة النظريات اللسانية التي وضعها وطورها اللساني الأمريكي "نعوم تشومسكي" وأتباعه من أواخر الخمسينيات، وقد امتد تأثيرها ليشمل إضافة إلى حقل اللسانيات، مجالات أخرى كالفلسفة، وعلم النفس، وتعتمد هذه المدرسة في مناهجها على استخدام ما يُعرف بالقواعد التوليدية. وقد اعتبرت هذه المدرسة القواعد أساس النظرية التوليدية التحويلية؛ وذلك لأن القواعد التي تنظم النحو هي قواعد توليدية وتحويلية والفكرة الأساسية التي توجه المنهج التوليدي هي سمة الإنتاجية في اللغة التي بمقتضاها يستطيع المتكلم أن يؤلف، ويفهم جملًا جديدة غير متناهية لم يسبق له أن سمعها من قبل.ينظر: مدخل إلى اللسانيات، محمد محمد يونس علي، دار الكتاب، لبنان، ط1، 2004م، ص 82 ينظر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، مازن الوعر، ص 114ينظر مدخل إلى اللسانيات، محمد يونس، مرجع سابق، ص 83.

[5] قضايا الحداثة عند عبدالقاهر الجرجاني، د. محمد عبدالمطلب، ص 75

[6]  السابق، ص 63

[7] الدرس اللغوي عند عبد القاهر الجرجاني في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة / دأحمد إسماعيل عبد الكريم/ ص ٦

[8] المصدر السابق ص ٦

[9] البنية التحتية بين عبدالقاهر وتشومسكي، د. خليل العمايرة، مجلة الأقلام، بغداد، ع1، 1983ص ٩٠

[10]  السابق، ص 91

[11] السابق ص ٩٢

[12] السابق ص ٩٣

[13] اتجاهات البحث اللساني، مليكا أفتش، ص 379

[14] البنى النحوية، لنعوم تشومسكي، ص 124

[15] الألسنية بين عبدالقاهر والمحدثين، ص 14

[16] دلائل الإعجاز في علم المعاني/عبد القاهر الجرجاني/المكتبة العصرية/ ط ٢٠٠٣/بيروت/ص ٢٧٢

[17] المصدر السابق/ ص ١٣٢- ٤٨٥

[18] المصدر السابق ص ٣٨١

[19] المصدر السابق ص ٣٨٧

[20] المصدر السابق ٣٨٧

[21] الخوارزمية هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، وسميت بذلك نسبة إلى العالم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الذي ابتكرها في القرن التاسع عشر.

[22] الإنسان بين الجوهر والمظهر/ إريك فروم/ سلسة عالم المعرفة / العدد ١٤٠/ اغسطس ١٩٨٩م / ص ٣٤

[23] اللسانيات أو علم اللغة هي علم يهتم بدراسة اللغات الإنسانية ودراسة خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين فيما بينها. و يدرس اللغة من كل جوانبها دراسة شاملة. أما اللغوي فهو الشخص الذي يقوم بهذه الدراسة. ظهرت اللسانيات الحديثة في القرن 19م، لكنها كعلم قديمة قدم الإنسان"ويكيبيديا".

[24] هبة عبد المعز/تحليل الخطاب/ مؤسسة النور للثقافة والإعلام/ عن موقع

https://mawdoo3.com/تعريف_الخطاب

[25] هبة عبد المعز/ مصدر سابق

[26] نظرية الخطاب (الفكر) الإسلامي: قراءة علمية تأسيسية، محمود يوسف السماسيري/ ص ١٢٠

[27] الأبعاد التداولية عند الأصوليين ، مدرسة النجف الحديثة نموذجا، فضاء ذياب غليم الحسناوي، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، سلسلة الدراسات الحضارية،ط ١، بيروت ٢٠١٦، ص ٣٠

[28] عيد بليغ، التداولية البعد الثالث في سيميوطيقا موريس، ص ٣٦

[29] ردة الله بن ردة بن ضيف الله الطلحي، دلالة السياق ص ٢٢٣

[30] فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ص٥٤

[31] الأبعاد التداولية عند الأصوليين، مدرسة النجف الحديثة أنموذجا، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، فضاء ذياب غليم الحسناوي، ص ٤٧

[32] هشام عبد الله خليفة، نظرية الفعل الكلامي، ص٤٠

[33] مصدر سابق ص ٤٧

[34] مصدر سابق، ص ٤٨

[35] محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن ج ١٩، ص ١٢٨

[36] الأبعاد التداولية عند الأصوليين، مدرسة النجف الحديثة أنموذجا، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، فضاء ذياب غليم الحسناوي، ص٨٤

[37] مجلة الاستغراب/ العدد ١٢/ ص ٥١

 

 

مؤيد عبد صوينتحدد (هابرماس) ثلاثة اهتمامات معرفية مشتركة لدى جميع البشر: الاهتمام الاول: تقني فني يتمثل في معرفة البيئة المحيطة وفي السيطرة عليها والتحكم فيها، وقد أدى هذا الاهتمام الى قيام العلوم الطبيعية.

الاهتمام الثاني: عملي يتمثل في قدرة كل منا على فهم الاخرين، وعلى العمل المشترك والتعاون في مناشط الحياة .وهذا هو الاهتمام المسؤول عن قيام العلوم التأويلية .

اما الاهتمام الثالث: فهو اهتمام تحرري ينطوي على الرغبة في تخليص أنفسنا من كل ما يعمل على تشويه عمليات الاتصال والفهم، وهو الاهتمام المسؤول عن قيام العلوم النقدية.

تنطوي السرديات التاريخية المشكلة للمناخ الشيعي على فكرة جوهرية هي (الاختزال)، واذا ما رمنا مقاربة التعاطي الشيعي بعد 2003وفق محددات هابرماس فلا مناص من صياغة أسئلة ذات طابع إشكالي فيما يخص كيفية بلورة مواقف الشيعة في تقديم رؤى خاصة بهم في هذه المحاقلات الثلاث، فطبيعة رصد التعامل التقني مع البيئة المحيطة- ونقصد هنا تحديدا المتغيرات الشاملة التي عصفت بالوضع الشيعي بعد 2003- يكشف أن هذا التعامل اتسم بفقدان البوصلة وتشتتها في أغلب الاحيان، فالاستجلاب التاريخي الطاغي في المخيال الشيعي وقف حاجزا صلدا في محاولة فهم البيئة التي انغرست الطائفة الشيعية في وسطها، وقف الجمهور الشيعي أمام السؤال المفصلي : وماذا بعد الآن؟ هذا الوقوف اتخذ مسار استجلاب الغيب والتاريخ لتقديم إجابات مبهمة وغامضة وملتبسة، مما جعل التجربة الشيعية ملتبسة في ذاتها وغير قادرة على وضع سلّم تساؤلي تستبعه محاولات في تقديم اجابات واضحة ومحددة في النسق المنتمي الى العالم في القرن الحادي والعشرين، يمكن الحديث عن نسقين أساسيين مثلا التأطير الحاضن للشيعة بعد 2003، يتجلى في تبلور مسافة محددة بين الذاكرة –الحدث، والذاكرة - المخيال، فقد عكفت السرديات الشيعية على خلق عوالم تأسيسية بانية لتصور يستند على الذاكرة المخيال على نحو نسقي واضح، غير أن تجربة الشيعة في العراق بعد 2003 أحدثت شرخا هائلا بين السرديات المرتبطة بالمخيال والأحداث المنبثقة من الواقع على مختلف تجلياته و آفاقه، الأمر الذي أدى الى انبثاق تساؤل كامن في بيان مدى اتساع الهوة بين الذاكرة –المخيال والذاكرة الحدث، واجه الشيعة مجموعة ملتبسة من الاحلام والاوهام يجمعها تصور يتمركز حول تساؤل جوهري: وماذا بعد الان؟ وينبغي ان نضع كلمة (الآن) بين هلالين لأنها الكلمة –المأزق لما سيقوم به الشيعة من أعمال ترسم الخط القادم في العراق، فقد دأب الشيعة على استحضار إجابات المخيال التاريخي كنموذج يقدم تجاه سؤال المستقبل، فيجري التعامل مع الآن-الحاضر على نحو طفري، غير ان هذه الطفرية سرعان ما أفضت الى اتساع الهوة بين تطلعات الجماهير المحرومة والتي رهنت آمالها على الذاكرة المخيال وبين الطبقة التي تسمنت صناعة الملف الشيعي بكافة تمفصلاته، هذه الطبقة التي لم تقدم شيئا سوى مزيد من ضخ الذاكرة المخيال كلما جابهت أسئلة (الآن) والذاكرة الحدث، وسط التباسات شديدة فيما يخص طبيعة الهوية وما يقع تحتها من سرديات الماضي وآمال المستقبل بشقيه الغيبي والواقعي، مع التذكير المستمر بصعوبة فك التداخل الحاصل بينهما طوال قرون من التأصيل المرقون في المدونات الشيعية استنادا الى قدرة الغيب الشيعي على خلق واقعية سحرية ملئ بالعدل والمساواة، في ذات الوقت مثل التداخل بين الغيبي والواقعي صدمة مريعة لواقع شيعة العراق بعد 2003، الامر الذي نتج هنا انبلاج علاقة عكسية بين ما رسمه الغيب الشيعي وبين الواقع اليومي المعاش، بكل ما متطلباته وواقعيته وارتجاجاته، قد يمارس الشيعة نوعا من التوليفة التي تتوخى ارضاخ الواقع لهيمنة السرديات وهو ما نجحت به الطبقة السياسية حتى اللحظة، غير أن نذر تفجر الاوضاع سرعان ما تلقي بظلالها وسط كل هذا الاضطراب المحيط بالجمهور الشيعي، واذا ما انبثقت بلاغات الجمهور الشيعي فالأمر سيغدو حافلا ببلاغة مغيبة قوامها بث هذا الجمهور لبلاغته الخاصة به، قد تكون هذه البلاغة متماهية مع الخطاب الشيعي التقليدي القائم على خلق عوالم من التخويف والهلع الى حد كبير، وهو ما كشفت عنه الممارسات المبثوثة على نحو تراكمي، غير أن إعادة بناء الشيعة لأنفسهم ومن ثم ايجاد تصور مغاير للمسألة الشيعية يستلزم بالضرورة قيام بلاغة للجمهور الشيعي مختلفة عما هو سائد ومهيمن من خطاب استبعادي واستعبادي يكشف عن تراث هائل من التيه الذي واجه الشيعة لأول مرة بعد 2003 وجها لوجه، يا ترى متى يقوم شيعة العراق باجتراح بلاغتهم الخاصة بهم؟

 

د. مؤيد آل صوينت

 

عبد الله الفيفيوردَ في بعض كتب التراجم والآثار، ومنها كتاب (ابن عبد البر)، "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، وكذا "الإصابة"، (لابن حجر العسقلاني)، و"تهذيب الكمال"، و"طبقات ابن سعد"، و"المحلَّى"، (لابن حزم)، أن السيِّدة (الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشيَّة العدويَّة)، كانت من عواقل النساء وفُضْلَياتهن، وأن (عُمَرُ بن الخطَّاب) كان يقدِّمها في الرأي ويرضاها ويفضِّلها، وربما ولَّاها شيئًا من أمر السوق. وهو ما يُستنتَج منه أن الشفاء قد ولَّاها عُمَرُ على سوق (المدينة)، أي على الحسبة. وذكرَ (القرافي) كذلك، في «الذخيرة»، أن امرأة سمَّاها (أُمَّ سليمان) كانت تتولَّى إمارة السوق، في عهد الصحابة. وأُمُّ سليمان هي الشفاء نفسها.

كما جاء في بعض المصادر أن السيِّدة (سمراء بنت نهيك الأسديَّة) قد تولَّت هذا المنصبَ في (مكَّة). ومن الطريف أن هذه الأخيرة، وَفق بعض أخبارها، كانت تَمُرُّ في الأسواق، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وربما تَلْمَخ العاصي لَمْخًا، أو تضربه بسوطٍ معها. أورد (الطبراني، -360هـ)، في "المعجم الكبير"(1)، عن (يحيى بن أبي سليم)، قال: "رأيت سمراء بنت نهيك- وكانت قد أدركتْ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم- عليها دِرعٌ غليظٌ وخِمارٌ غليظ، بيدها سوطٌ تُؤَدِّب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر".

وهذا يعني أن المرأة لم تكن تأمر النساء وتنهاهنَّ فحسب، بل والرجال أيضًا. فهل نحن اليوم أكثر شِدَّةً في الدِّين وغيرةً من عُمَر؟!  وما كانت "الحسبة" في ذلك الزمن محصورة في الأمر بالصلاة، ومطاردة الشباب والمراهقين، بل كانت تشمل مراقبة المكاييل والموازين، ومكافحة الغِشِّ التجاري.

ومن المدهش إنكار هذه الروايات عند بعض المنكرين لتاريخ الإسلام الحضاريِّ المشرق. يوَدُّ أحدهم لو اجتثَّها من كتب التراث اجتثاثًا؛ لأنه لا يُصدِّق أن الإسلام أرحب ممَّا في رأسه، ممَّا رُبِّي عليه، ولاسيما في شأن النساء! وتُقابل هذه الطائفةُ طائفةً أخرى- لا تقلُّ نُكْرًا- من المدافعين عن التراث، وعن أصنامه، باستماتة. ترى بطلها رافضًا نقد التراث، منافحًا عن صريح خطابٍ فيه غير سَوِي. والأغرب أن تكون هذه البطولة للمرأة نفسها، التي كثيرًا ما كان ذلك الخطاب لا يتوانى في قتلها، أو التشجيع على وأدها، وانتهاك إنسانيتها. ولا تفسير لهذه الحُمَّى الحضاريَّة إلَّا أحد أمورٍ ثلاثة: إمَّا أننا لا نقرأ تراثنا، وإمَّا أننا نقرؤه ولا نفهمه، وإمَّا أننا نقرؤه ونفهمه، لكننا لا نُقِرُّ منه إلًّا بما ننتقي ونهوَى، على منهاج "ويلٌ للمصلِّين..."، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لا نُقِرُّ منه إلًّا بما لا يتصادم مع تقديسنا المطلَق للسَّلف، على منهاج "إنَّا وجدنا آباءنا...".

كيف، إذن، يتذرَّع اليومَ المتذرِّعون بالمَحرم لحِرمان المرأة من العمل، أو المشاركة في المجتمع؟!

لقد كانت المرأة تُشارِك في الحروب، وليس في العمل اليوميِّ فقط؟ والله تعالى يقول: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا، ولِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ». فالاكتساب على الرجل والمرأة معًا. أم كيف يكون للمرأة نصيبٌ ممَّا اكتسبتْ وهي لا تعمل ولا تكتسب؟! وكيف يقول الخالق: «والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ»، (سورة التوبة، 71)، ثمَّ يقول مخلوقٌ: كلَّا، ليس للمرأة ولايةٌ على المؤمنين، ولا أمرٌ ولا نهي؟!

-2-

على أنه ينبغي أن لا يغيب عن الوعي الثقافي، في المعترك الاجتماعي، أن النِّسويَّة اليوم ليست بالحلِّ لقضايا المرأة، ولا للمناداة بنَيل حقوقها، التي لا خلاف فيها بين العقلاء المنصفين. من حيث إن النِّسويَّة، في جُلِّها، هي كالذكوريَّة تمامًا، تيارٌ إديولوجيٌّ، محتقنٌ. لا همَّ له سِوَى ترديد اسطوانات "الذُّكوريَّة"، و"الفُحوليَّة"، و"الأَبويَّة"، "والبطرياركيَّة"، و"المرأة المسحوقة".. إلخ.  وكوادر هذا التيَّار العربيَّة تمتاز، إلى ذلك، بغَلبة فريقَين بارزَين: متاجرِين بهذا الشِّعار- ولاسيما من الرجال، ولمآرب لا تخفَى تصبُّ في مصالح الذُّكورة- وذَوِي سذاجةٍ، بلا فِكْرٍ ولا نظر، حتى في قضايا المرأة واحتياجاتها ومصالحها. والمحصِّلة نِسويَّةٌ ضدّ النساء، في باطن الأمر. ويتَّصف المنتمون/ المنتميات إلى هذا التيَّار- بوعيٍ أو بدون وعي- بعقلٍ يُغفِي لديهم عادةً في خضمِّ الحماس وحُمُوِّ الوطيس؛ فتراهم قَسريًّا بالِغي التشنُّج، والتوجُّس، والاشتباه في أيِّ عبارةٍ أو لفتةٍ أو نقدةٍ للمرأة، ولو عِلْميًّا؛ وذلك ككلِّ تيَّارٍ ثوريٍّ متعصِّب، ينهض على الشحن العاطفي، والتوفُّز الذاتي، الذي لا يَدَع لحياديَّةٍ مجالًا، ولا لتجرُّدٍ عقليٍّ صوتًا.

من جانبٍ آخر، هو في عالمنا العربي تيارٌ ما انفكَّ بعقليَّة (النظرة الحريميَّة) إلى المرأة، وإنْ أنكرها وادَّعَى الثورة عليها. هو منغمسٌ فيها، وإنَّما يمارسها من وجهةٍ تتظاهر بعكس حقيقته. يبدو لديه كلُّ حديثٍ غير مُؤيِّدٍ لبعض سلوك المرأة، وأيُّ نقدٍ لإنتاجها، لا ينبع إلَّا عن ذُكوريَّةٍ طالبانيَّةٍ مُغرضة، ومؤامرةٍ مُبيَّتة؛ إذ كلُّ ما يتعلَّق بالمرأة لدَى هذا التيَّار أصبح ذا قداسة، له حَرَمُه المحميُّ من اللمس أو الاقتراب، وحصانةٌ من النقد، وتسامٍ عن المراجعة. فإذا كان الناقد رجلًا، فهو ذُكوريٌّ ظالم، ولا ريب، وإنْ كان امرأة، فهي عميلةٌ متخلِّفة. وليت الشِّعرَ كلَّه، أيُّ مؤامرةٍ ذُكوريَّةٍ تاريخيَّةٍ على المرأة، والرجل إنَّما هو صنيعة المرأة، ونتاج تربيتها ومدرستها؟! على يدَيها يولَد، وفي كنفها يربو، ويتلقَّن ما يرسم ملامح شخصيَّته ونفسيَّته ورؤيته للحياة والأحياء، الذَّكَر منهم والأنثى. إنَّ ما يُسمَّى "الأفكار الذُّكوريَّة" هو من غرس المرأة، إذن، قبل الرجل. وإنْ كانت ثَمَّة ذُكوريَّةٌ تاريخيَّة، فهي من إبداع المرأة قبل الرجل!

إن الاستهانة بدَور المرأة في العمليَّة التربويَّة هو وليد احتقار المرأة، من جهة، ووليد المغالطة لتبرئتها، من جهةٍ أخرى. ذلك أن الدَّور الاجتماعيَّ الفِعليَّ- لدَى أصحاب هذا الرأي المتكئِ على تأثير الذُّكوريَّة المطلَق في المجتمع- إنَّما هو نتاج القُوَّة العَضَليَّة في الحَراك الاجتماعي. في غفلةٍ عن أن المرأة، في تربيتها الأطفال وتنشئتها إيَّاهم، كانت قادرةً- لو شاءت- على قلب موازين القِيَم الاجتماعيَّة.  فلِمَ لَم تفعل؟ إمَّا لأنها خائنةٌ للفكر النِّسويِّ، بالفطرة أو الاكتساب، وإمَّا لأن ذلك الفكر محضُ نَزَق، منافق، خارج على طبائع الأشياء، وسُنن الطبائع. 

مهما يكن من أمر، فإن الكُلَّ- في هذا الشأن كما في غيره- يعرف الحل، لكنَّ الحلَّ، غالبًا، لا يريده الكُل!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.........................

(1)  تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي (القاهرة: مكتبة ابن تيميَّة، د.ت)، 24: 311.  

 

محمد عرفات حجازييتلقّى المشاهد العربي سنويًّا، فيضًا من الأفلام السينمائية، العربية والأجنبية، ليُقرِّر في كلّ مرة، رغم ضغوطات الحياة، الذهاب إلى السينما ومُشاهدة تلك العروض، في حين تُفضّل شريحة أخرى الانتظار ومُشاهدة تلك الأفلام من خلال الانترنت أو القنوات الفضائية.. ومن هنا نتساءل: ما الذي يُميِّز السينما عن التليفزيون أو الانترنت ويجعلها تأسرنا إلى هذا الحدّ؟

يرى ريجيز دوبري (1940ـ ) أنّ التليفزيون، كالكمبيوتر، هو أداة للتشتيت؛ فبرغم إضاءته من الداخل، إلا أنّهما لا يعكسان شيئًا. ولكونهما نادرًا ما يُطفآن، فهما يبقيان ـ بلا مُبالاة في غُرف مُتنوِّعة من كلِّ منزل ـ جزءًا من البيئة.

ويجعل مُشاهدو التليفزيون والانترنت ـ الفيلم تحت رحمتهم؛ بمُشاهدته كيفما ومتى ما يشاؤون، بمفردهم غالبًا، أو بصُحبة أفراد العائلة والأصدقاء؛ حيث يُمكنهم إيقاف الفيلم، أو إعادة مشهد مُعيّن وفق اختيارهم.

أبعد من ذلك، فلا يُشاهد الأفراد الأفلام على حواسيبهم الشخصية بطريقتهم الخاصة وحسب، ولكنّهم يُشاهدونها في نافذة واحدة من بين بضع نوافذ قد تكون عاملة في اللحظة نفسها (البريد الالكتروني؛ مدونة مفضلة؛ حالة الطقس... إلخ)، في حين تُشكِّل السينما نوعًا واحدًا فقط من محتوى البرامج المُتاحة لنظام "ويندوز". ما يعني أنّه بانتشار الشاشات الصغيرة، بكلّ أشكالها، يتحكّم المُشاهد في التجربة، بشكل أو بآخر.

وعلى النقيض ممّا سبق، يرى جان لوك غودار (1930 ـ ) أنّ السينما، بوصفها سينما، لا توجد إلا في فضاء عام؛ حيث يجلس جمهور مُتنوّع ساكنًا، بينما ترسل آلة العرض من فوق رؤوسهم صورًا تُصوِّر عالمًا مُكبّرًا. وأضاف ساخرًا: ينظر المرء لأعلى في السينما ولأسفل على التلفزيون.

إنّ الذهاب إلى السينما، بذاته، يُمثِّل نقلة دراماتيكية غير مُتاحة لمُشاهد التليفزيون في المنزل؛ إذ يتميّز العرض السينمائي بواقعية تتجسّد في: أحجام الممثلين التي تبدو كالحجم الطبيعي تقريبًا؛ التركيز والانتباه المُتواصل، وإن كان بوتيرة مختلفة بين بداية الفيلم ونهايته؛ إلى جانب انعدام الدعايات. كذلك فإنّ الشاشة المُسطّحة، ذات الحجم الضخم، كشاشات السينما، تفضي إلى بعدٍ ثالث كأنّه عُمقٌ أو زمن.

إنّنا ندخل الأفلام من خلال مجموعة من العتبات بدءًا من ديكور دور العرض والبهو الذي يحوي مُلصقاتها، مرورًا بالباب الذي يُفضي إلى قاعة العرض، لنجد مقاعدنا في ضوءٍ خافت بينما يبدأ عرض دعايات الأفلام التي تجتذب انتباهنا وتُركِّز رؤيتنا على الشاشة تدريجيًّا، وتُظلم القاعة كليًّا. وحتى في هذه المرحلة، يجب علينا المرور عبر شعار الاستوديو، وشارات البداية، ومجموعة من المُقدِّمات التمهيديّة النصِّية التي تُسمِّيها نظريّة السرد بدقّة "أدوات التأطير". هذه الأدوات هي عتبات السينما التي نعبر من خلالها في طريقنا إلى ما تحمله الشاشة وما لا تحمله.

وبدخولنا دور العرض، كغيرنا، فإنّنا نعبر لعالم آخر من خلال طقس يُصبح فيه التماهي شديدًا. نرتاح من أنفسنا لِبُرهة، ونتواصل مع رفاقنا، ومع الآخرين الغامضين المُحتجبين وراء نطاق إدراكنا، ونعود في النهاية لحيواتنا حينما ينتهي العرض، مُتجدِّدين حسب ما هو مُفترض، وهو ما يعني مرورنا بحالة من التطهُّر ـ أو قريبة جدًا منها. وهو ما جعل السرياليّون ينظرون إلى السينما على أنّها مهرب الحداثة من الروتين الفاتر للحياة في العصر الصناعي للقرن العشرين.

يكمن جلال السينما في التوقُّعات التي تُيرها وفي الجهد الإدراكي الذي تتطلَّبه. وقد حذّر جون لوي فورنييه (1938ـ )، من أنّ السينما هي نموذج حديث لـ "كهف أفلاطون" حديث يُحدِّق فيه الناس في الظلال، مُقيّدين بسلاسل الأيديولوجيا. لكن لأنّ المُشاهدين يختارون دخول هذا الكهف ـ بل يدفعون المال ليدخلوه ـ فبإمكانهم تحويل افتتانهم بالشاشة إلى نقاش بشأن ما يرونه مُنعكسًا هناك: رؤية للعالم، وجهة نظر عن كيفية العيش فيه أو كيفية تغييره.

إنّ الذهاب إلى السينما، يعني، الذهاب مع "الفيلم"، ومُلاقاة رؤيته للعالم برؤية من عندنا. وشاشة السينما، هي مكان اللقاء الذي تُعرض عليه شظايا من عوالم غير محدودة؛ إذ تمتزج مجموعة من الأصوات والصور (رغم أنّه تمّ التقاطها وتنظيمها من أجل هذا) وتنصهر مع الأفكار والمشاعر المجلوبة من المُشاهدين القادمين من الشارع. وبذلك يعمل الفيلم، تمامًا، بالطريقة التي يصف بها بول ريكور (1913ـ 2005م) الاستعارة؛ فحينما يُفاجئ خطاب موضوع في نطاق لغةٍ ما بتعبير جريء دخيل، فإنّ مُفردات نطاق لغوي آخر ومنظوره يجرفان الأول، مُظهرين جوانب جديدة للموضوع.

وبعد انتهاء الفيلم، فإنّنا، سواء كُنّا نُقّادًا مُحترفين أم مُشاهدين عاديّين، سنُدخل ما شاهدناه وفهمناه ضمن نطاق ما نُدركه ونعقله، ونُوطّن الفيلم داخلنا بأسهل ما يُمكننا. وبذلك، فإنّ مُشاهدة فيلم ما تتبع سيناريو مُحبِطًا: يبدأ بالأمل، والاستثارة، والوعد بشيء جديد بالفعل، مع بدايات الفيلم، وتنتهي بنا على قارعة الطريق وليس معنا سوى قصة أخرى، يُمكننا الحديث عنها، وتصنيفها، أو نسيانها ببساطة.

إنّنا نلعب دور صُنَّاع الفيلم بِمُشاهدتنا للفيلم نفسه؛ فنحن لا نستقبل كلّ ما يُعرض على الشاشة بقدرٍ مُتساوٍ؛ ولكوننا كائنات أخلاقية، نقوم بتصفية الفيلم عند مُشاهدته، وبذلك، فإنّ عرض الفيلم، يتجاوز ما تمّ تصويره وتنظيمه، والرؤية "عبر" ما هو موجود، ليكون العرض بذلك مُركِّزًا الرؤية لتجاوز ما هو مرئي إلى القدرة على الرؤية والوصول إلى الخيالي. وبالتالي، فإنّ عرض الأفلام على المُشاهدين له تبعات سياسية اجتماعية لا يُمكن التنبؤ بها.

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

صالح الطائيحدثتنا كتب التاريخ عن تفشي ظاهرة اللهو الماجن بين الخلفاء وأبنائهم وأقربائهم وأصدقائهم، وقادتهم وكبار جندهم، فضلا عن أصحاب رؤوس الأموال والأغنياء والطبقة المترفة من المسلمين، ومن المتعارف عليه أنه لا يمكن دراسة ظاهرة ما بمعزل عن العصر الذي نشأت فيه، مثلما لا يمكن دراسة عصر بمعزل عن الظواهر المجتمعية التي كانت فاشية فيه. ومن يتابع مجريات أمور المسلمين بعد عصر الخلفاء الراشدين سيجد توحدا باهرا بين تلك العصور وظواهرها بشكل يدعو للغرابة والدهشة. أما المدهش في الأمر فهو سرعة الانقلاب الذي حدث في مجتمع قريب عهد بعصر البعثة وزمن النبوة، وقد جايل وعاصر الكثير منهم نزول الوحي وعبقات أحاديث الرسول، بل وأسهم بعضهم في خوض الحروب الشرسة التي خاضها المسلمون لنشر الإسلام، من هنا، أكد "جوستاف فون جروبناوم" على انتشار ظاهرة المجون وتفشيها في العصرين الأموي والعباسي، وكان من عوامل ظهورها وانتشارها: الخلفاء أنفسهم والشعراء والجواري والغلمان والقيان ومجالس الخمر. وقد تبدت هذه الظاهرة في المجون والزندقة والخمريات والغزل بالمذكر، والغزل الفاحش(1). مع هذا التبدل الذي جايل نوعا من النهضة الفكرية والحضارية، كان أثر التطور الحضاري محدودا، فالأكثر تأثيرا منه كانت روح المؤامرة التي مرت بسهولة على الحكام المذهولين بالجنس واللهو، ممن أصعدهم إلى سدة الحكم نسبهم العائلي وليس الكفاءة والتحصيل العلمي، حتى أن كثيرا منهم لم يكونوا يحسنون القراءة والكتابة، ومنهم من لم يقرأ في حياته كلها كتابا واحدا، والحضارة كما هو معلوم تحمل في طياتها عوامل الانحلال، حيث كان أثر الغزوات والفتوح التي خاضها المسلمون تحت عنوان الفتح ظاهرا، ورغبة في إشباع نهم سيرورتهم الحضارية سببا في الانهيار، فقد ذُهل قادة الجند بالصور الأنثوية الجميلة والمبهرة والبراقة التي وجدوها في نساء وغلمان البلاد المفتوحة، فأكثروا من جلب هؤلاء إلى عاصمة الدولة، ووزعوهم ضمن مواصفات طبقية خاصة على الخليفة أولا ومن ثم الأقرب فالأقرب للخليفة وصولا إلى الطبقة الوسطى. وقد تعرض هؤلاء ـ نساءً وغلمانا ـ للاستغلال الجنسي البشع، وسلبت وامتهنت كرامتهم، وامتهنوا واهينوا وذلوا، وبيعوا في سوق النخاسة كالخراف، وهم الذين كانوا في بلدانهم سادة وأبناء سادة ونبلاء، وأبناء وبناة حضارة لها قيمها وسننها وعقائدها ودياناتها، حيث استعبدوا باستثناء من اعتنق الإسلام منهم، وحتى هؤلاء لم يرفعهم إسلامهم إلى مصاف المسلمين العرب، حيث أطلق عليهم اسم الموالي.

والموالي: جمع مولى، وللمولى معانٍ عديدةٍ، منها المولى في الدين وهو الوَليّ أي الناصر، وذلك في قوله تعالى: {ذلكَ بأنّ اللّهَ مَولَى الذينَ آَمَنوا وأَنّ الكافِرينَ لا مَوَلى لَهم}(2) والمولى: العصبة، ومن ذلك قوله تعالى: {وإِنّي خِفتُ المواليَ مِنْ ورَائِي}(3) أي ورثة الرجل وبنو عمه، وقال اللَّهَبيّ يخاطب بني أمية:

مَهْلًا بني عمنا مهلًا موالينا            لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

ومنها المولى الحليف، ومولى الحلف أو مولى الاصطناع، يقال له أيضًا مولى العَقد، فيكون بانتماء رجل إلى رجل بعقد، أو قبيلة إلى قبيلة أخرى بحِلف، والمولى المُعتَق: هو الذي انتسب بنسب مُعتِقِه ولهذا قيل للمُعتَقين الموالي. وذكر بعض أهل الأخبار، أن الموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ابن العم والقرابة.

خلافا لهذه المعاني، أُطلق الفاتحون العرب على من أسلم من غير العرب اسم المولى، وكان هؤلاء يضعون أنفسهم تحت حماية أفراد من وجهاء المجتمع أو بعض العشائر ليوفروا لهم الحماية والدعم، أما من يؤسر في الحروب، فيتحول إلى عبد، فإذا أسلم، اعتقه سيده، وهؤلاء كانوا يسمون موالي العتاقة، فهم حتى مع عتقهم بسبب إسلامهم، يبقون مرتبطين بساداتهم كنوع من التبعية أو العبودية المخففة.

ولم يقف الأمر عند العبودية وحدها سواء كان مشهرة أم مقنعة، إذ كان الأمويون متعصبين ضد الموالي، فاستغلوهم واضطهدوهم واحتقروهم، وقد أشار لذلك كبار قدماء المؤرخين مثل أبي الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني وابن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد، وأشار لها كبار المستشرقين مثل: فون كريمر، وفان فلوتن،  وإدوارد براون، كما أشار لها باحثون معاصرون كبار مثل: جرجي زيدان، وفيليب حتي، وحسن إبراهيم حسن، وعلي حسن الخربطلي وآخرون غيرهم.

وهذا بحد ذاته أشعر هؤلاء الموالي بالإهانة لأن المفروض بإسلامهم أن يرفعهم إلى مصاف إخوتهم في الدين من العرب، وهو الأمر الذي لم يحدث بتاتا، وهو ما أشعرهم بعقدة النقص التي زرعت فيهم روح الانتقام. فضلا عن ذلك، بقي أغلبهم ضمن طبقة العبيد والخدم ولم يرق إلى طبقة عامة الشعب. أما النساء اللواتي أسلمن، فتحولن إلى ملك يمين، وإناء متعة للمسلم، يعاشروهن معاشرة الأزواج، ويعاملوهن معاملة العبيد، يبيعوهن ويهدوهن ويمتعون ضيوفهم بهن، يضربوهن ويهينوهن ويجيعوهن ويعروهن، ولا يسمحوا لهن أن يتمثلن بباقي نساء المجتمع حتى بالملبس والمأكل، بل حتى بالحجاب الإسلامي المفروض على الحرائر، فعاشت طبقات الموالي أعلى مراحل الاستغلال الطبقي والاجتماعي، واستفحل بينهم الفقر الذي تزامن مع تشكل طبقة أرستقراطية مقربة من السلطة، استحوذت على أهم الموارد الاقتصادية مستغلة مكانتها لدى السلطة ونفوذها. وبالتالي عاش  أغلب الموالي منذ ساعات تواجدهم الأولى في المجتمع الإسلامي حياة استغلال جشع وذل وحرمان وعبودية وسخرة وانحطاط دائم بعث فيهم روح الكراهية والرغبة بالانتقام. فباستثناء نادرة منهم، كانوا يمتازون بالعلم والثقافة من الذين صعب على الحكام الجهلة والقادة الأميين تجاوز ما لديهم، فبزغ هؤلاء في المجتمع، واشتهروا وعلى شأنهم، ذل كل الموالي الآخرين وتعرضوا للاستلاب الجسدي والأخلاقي بشكل وحشي فيه الكثير من الغرابة.

من هنا حاول بعض من أهين وأستعبد منهم الانتقام إما عن طريق نشر الرذيلة في المجتمع وتلويث فطرته، وإما عن طريق الالتحاق بالثوار، فعلى مدى سنين طوال، نشبت الكثير من الثورات الشعبية ضد حكم الأمويين وتسلطهم وظلمهم، وكان الموالي بقسميهم المخلص والمنتقم هم السواد الأعظم في جيش هذه الثورات، التحق بعضهم لنصرة الحق، والتحق الآخرون لينتقموا لكرامتهم المسلوبة وأهلهم المسبيين، وقد ترجموا الكمد الدفين في طريقتهم البشعة التي قتلوا من خلالها الخليفة الأموي مروان بن الحكم، وطرق الإذلال التي مارسوها ضد الخلفاء العباسيين في العصر العباسي الثاني.

والملاحظ أن الخلفاء العباسيين الذين كانت أغلب أمهاتهم من الموالي، كانوا أخف وطأة من الأمويين على مواليهم، فقربوهم وأكرموهم ووفروا لهم الحماية، ومكنوهم من رقاب الناس، ذكر ابن قتيبة في تاريخه أن المنصور غضب لما سمع أن والي البصرة، مسلم بن قتيبة، عاقب واحدا من موالي الخليفة وعدَّ ذلك تجاوزا عليه، فقال: "علي تجرأ، لأجعلنه نكالا".

لكن ما يعاب على العباسيين هو انغماسهم في عالم الموالي إلى حد الترهل، حيث تقاطرت أخبار تناولهم الخمر وتعلقهم بالغلمان الحسان والجواري المستوردات خصيصا لحضراتهم، وتقريبهم بعض الموالي وتسليطهم على أحرار العرب بل على الشعب المسلم كله.

والجواري أنواع: منهن السراري للفراش ومنهن للخدمة وعمل البيت ومنهن لخدمات الحمام والإحاطة بالسلطان وملء المكان ومنهن لمرافقة زوجات الخلفاء، وفضلا عن القيان أو المغنيات. والغريب أن الأحاديث التي أوردوها حول هذه المسميات فيها الكثير من الغرابة مثل حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن رسول الله(ص)، قال: "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"(4). ومع ذلك ذكرت كتب التاريخ قصصا عن أعداد غفيرة وأنواع كثيرة من القيان اللواتي اشتراهن خلفاء المسلمين في عصري الامبراطورتين الاموية والعباسية، وأسهبت تلك الكتب في الحديث عما دار بينهن وبين الخلفاء إلى درجة صعب معها تصديق حدوث ذلك على أيدي خلفاء أطلق على أغلبهم لقب (أمير المؤمنين) ممن كان المفروض بهم أن يكونوا قدوة للأمة، بينما تجدهم قد ابتعدوا عن الدين وأوامره ونواهيه إلى درجة يصعب معها هي الأخرى أن تقنع بسيطا ساذجا أن هؤلاء كانوا مسلمين من أصله.

إن هذا التبدل الرهيب يدل بما لا يقبل الشك أن الإسلام منهجا وعقيدة وسلوكا خضع إلى تغيير ممنهج منذ الأيام الأولى لعصر ما بعد البعثة، وان هذا التغيير تغوّل وتضخم كثيرا في عصور الدولتين الأموية والعباسية، وأن ذلك خلق إسلاما جديدا فيه الكثير من البعد عن الإسلام الأول، وأن هذا التغيير هو الذي تسبب في تضخيم روح التوحش لدى المسلمين، وهي الروح التي ورثها المسلمون كابرا عن كابر، وخلدت في أجنداتهم التربوية حتى وصلتنا، واستسغنا ممارستها على أبناء جلدتنا وعلى أهلنا بل وحتى على أنفسنا، ففشي بيننا القتل، وانعدمت الرحمة!.

 

صالح الطائي

...............................

الهوامِــــش

(1) جوستاف فون جروبناوم، حضارة الإسلام،  ترجمة: عبد العزيز جاويد، مكتبة مصر، القاهرة، 1956، ص121.

(2) محمد: 11.

(3) مريم: 5.

(4) سنن الترمذي، ج5/ص322ـ323

 

 

سامح عسكر جزء رئيسي في رفض خصوم نظرية التطور لها هو أنهم لا يتصورون شراكة بين أنواع مختلفة بعينها يراها في الحس البدهي كائنات متمايزة ومغايرة لبعضها البعض، فالعين لديه أبصرت حمارا لا يمكن أن يوجد بينه وبين الكلب صلة، هنا يكون الرفض قائم على أن حس ذلك الإنسان قاده (للتمييز) بين الكائنين سواء في الشكل واللون والسلوك وحتى مردود إسمه في نفسه المتوارث منذ آلاف السنين..

مثلا فانطباع لفظ الحمار في نفس الإنسان يشي فورا بحضور الغباء والصوت القبيح والرأس الكبيرة..وخلافه، كذلك فانطباع لفظ الكلب الأوّلي يعني النباح والعضّ والأكل من الجيف، خلافا لانطباع آخر حادث ثانوي وهو الوفاء لا يكون معيارا وتقييما للكلب لأنه يكون لاحق للانطباع الأول، لذلك فالإنسان يغضب إذا وصمته بالكلب والحمار لأن انطباعه عن هذين الكائنين جاء (بالتمييز) البدهي الأوّلي الذي كان فيه للشكل عاملا كبير، بينما لو قلت له أن وصفك بالحمار يعني الهدوء والطيبة أو وصفك بالكلب يعني الوفاء لن يقتنع وسيثور ضدك باعتبارك شخص متلاعب بعواطفه محتقرا لعقله..

هذا السلوك وتلك الرؤية هي التي أقصدها ب "معضلة التمييز" في نظرية التطور، لأن خصوم النظرية تعاملوا معها كما يتعامل الشخص الطبيعي الموصوف بالكلب والحمار، ذلك لأنه يرى نفسه مختلفا بشكل كلي عن الشمبانزي..فلا يمكن إقناعه بسلف مشترك بينه وبين ذلك المخلوق الذي يراه في حديقة الحيوان محبوسا في القفص ويرمي له الزبائن طعامهم وفضلاتهم أحيانا، وقتها يشعر بالامتهان..كذلك فانطباع لفظ القرد على نفس الإنسان وسماعه فورا يترجم بحضور القفز الدائم والصراخ مع الأسنان الكبيرة والفم الواسع، تأثيرات كلها تصبح دوافع لرفض أي كلام يجمعه مع ذلك المخلوق في صلة قرابة حتى لو كان علميا.

فمواقف هؤلاء بالأصل نفسية خلافا لو زعمت أن أصول البشرية مثلا تجمعهم بسلف مشترك مع "الطاووس" ذلك الطائر الجميل المنتفخ غرورا بقوته وبهاء منظره، ستقل حدة رفضه عن الحالة الأولى التي وصفته فيها بالقرابة مع الشمبانزي..رغم أن مستوى ذكاء الشبمانزي أكبر بكثير من مستوى ذكاء الطاووس ، لكن غضبه المذكور لن تراه في حال شبّهته بالطاووس لحضور الجمال والغرور اللائق والمقبول في النفس كأن الإنسان يحب أن يكون غبيا وجميلا في ذات الوقت لكنه يكره أن يكون ذكيا قبيح المنظر، ولا يعني ذلك أنه سيقبل فكرة جمعه بذلك الطائر علميا..لكنه في الأخير لن يغضب ولن يتعصب، فقط سيرفض هادئا واثقا أنه لا أحد في المجتمع العلمي يقول بذلك فلا شئ يهدده إذن، وبالتالي فعندما يغضب ضد التطور ويكافح للرد عليها بكل الوسائل الممكنة بالصدق كان أو الكذب، بالسلم كان أو العنف فهو في الحقيقة يشعر بالخوف من المجتمع العلمي من ناحية، ومن ناحية أخرى يرى نفسه أفضل شكلا وسلوكا ممن قالت النظرية بقرابتهم معه..

والدليل على ذلك أن نطلب من خصوم النظرية أن يسافروا عبر الزمن وتحديدا في العصر الكامبري وما لحقه بالانفجار الكامبري وقارة "بانوتيا العظيمة" هل سيقبلون فكرة أن كائنا رخويا بسيطا وصغيرا يشبه "الدودة" سيكون هو أصل الحياه والديناصورات؟.. بالحس البدهي لن يقبل، لأن معضلة التمييز لديه تشكلت عبر آلاف وملايين السنين بصورة ذهنية هي بالأساس نتيجة لمشاهدة اجتماعية للأشياء، ويمكن التفريق في ذلك بين المشاهدة العقلية وما ينتج عنها من متابعة سلوكيات وأشكال حية وبين ملاحظة جمادات كقبوله مثلا أن تكون جميع القارات الحديثة أصلها قارة واحدة تفككت قبل 600 مليون سنة اسمها "بانوتيا" ثم يمر عليها مئات السنين لتنقسم جزئيا وتصبح "قارة بانجيا"..وهكذا لا مشكلة لديه في قبول تلك الفرضيات العلمية.

أما أن يقبل كائنا متحركا بشكل وميزات معينة بآخر فسيرفض لحضور صور ذلك الكائن بصفات هي عارض للعقل أساسا كالشكل الثابت والمتغير مصحوبا بالسلوك وصفات أخرى كالصوت والنمو والتكاثر..إلخ، كل هذه تصنع صور ذهنية عند خصوم التطور تجعلهم مبدئيا يرفضون قاعدة المشاركة بين الأنواع أو بينهم جميعا سلف مشترك، وهذا ربما الذي دفع البريطاني "فيلمنغ جنكين" ت 1885 م في الشك بالتطور وكتب ما يعرف ب "كابوس جنكين" أو "الحجة الغارقة" المعارضة لمحور آليات التطور المعروف "بالاصطفاء الطبيعي" الذي يقول فيه أن اختلاف الصفات الوراثية بين الأنواع لا يمكن أن تحدث بالانتقاء الطبيعي وكتب في ذلك ما اعتمد عليه خصوم التطور بعد ذلك، وبدون سرد آراء جنكين لكنه في رأيي تأثر كما يتأثر كل خصوم النظرية بالصور الذهنية المترسبة في وعيه عن الكائنات واستنتج بذكائه العلمي أن الانتقاء وهم..

مثلما نشرت المجلة البريطانية للعلوم سنة 2004 تحقيقا عن حجة جنكلين الغارقة وفيه أن أن الرجل يفترض حدثا عنصريا كدخول رجل أبيض جزيرة للسود وعدم قدرة ذلك الرجل الأبيض على توريث ذكائه لأكثر من خمسة أجيال على الأرجح في حال تزاوجه من إناث الجزيرة السود، وتم اعتبار مثال جنكلين هنا عنصريا لظهوره في زمن ما قبل تحرير العبيد، لكن فرضيته كانت علمية مثيرة بالفعل ألهمت عديد من معارضي التطور – عن طريق التمييز ومعضلاته – بأن داروين كان مخطئا بقوله في الاصطفاء الذي لا يمكنه توريث الصفات لأكثر من 4 أو 5 أجيال لكن بنتائج داروين فهو يقول أن الوراثة تظل لآلاف الأجيال..

كانت حجج داروين وجنكلين بالعموم شكلية بالتمييز، لأن الدراوينية أيضا تأثرت بمعضلة التمييز فتم استخدام نفس هذا السلاح لهدمها، ولولا طفرة الجينوم الوراثي والتأكيد على حدوث الاصطفاء وبقاء الشفرة الوراثية ملايين السنين لتعززت حجة جنكلين وهدم الاصطفاء الطبيعي من جذوره..

وحديثا صارت معارضات كثيرة أيضا للتطور مبنية على نفس المعضلة وهي "التمييز" كقولهم أن ظهور اللافقاريات بدون سلف يعني إيجاد من العدم، أوالانتقال من عصر وحدة الخلية ما قبل الكامبري لتعدد الخلايا بعد الانفجار الكامبري لم يحدث بالانتقاء الطبيعي المقترح من داروين، فصورة الكائن وحيد الخلية مختلفة عن ذلك الكائن الذي يحمل 100 تريليون خلية كالإنسان، ما بالك وصورة وحيد الخلية لا شكل لهم رسوبي في النفس والعقل؟..لأن عظام أنواع ما قبل الكامبري ووحدة الخلية لا زالت مجهولة والأحافير عنها قليلة جدا أو شبه معدومة لفقدان العظام اللازمة للخلود عبر الزمن، مما استدعى المجتمع العلمي للبحث عن الأحافير بطريقة أخرى لا عظام فيها وهنا دخل الميكروسكوب علم الحفريات للبحث عن أنواع ما قبل الكامبري.

علميا انتهت كل هذه الشكوك بعد نهاية عصر ما سمي "بكسوف الداروينية" في عشرينات وثلاثينات القرن 20 أي العصر الذي تعرضت فيه النظرية التطورية لاختبار علمي وقاسي بشكوك قوية كادت تجعلها خرافة لولا ظهور علم الجينوم الوراثي – كما قلنا - الذي جاء بقشة الإنقاذ لداروين ونظريته بالكامل، فتحوّل المجتمع العلمي لتفسير الشكوك السابقة كملاحظات حسية خادعة سميتها هنا ب "معضلة التمييز" وهي المعضلة التي كانت وستظل الدافع الأكبر والأهم والمحفز النفسي لرفض التطور وقبوله حتى بين العلماء ، مما يعني أنه ما دامت تلك المعضلة دون فهم وتقريب وإنكار ذات وشكوك في الجانب المقابل سيظل الإنسان منكرا للعلم لحساب ثوابته الدينية وموروثه الاجتماعي.

وما يدعم معضلة التمييز أيضا خلط خصوم النظرية بين ارتقاء الأنواع بسرعة ووببطء ،فيظنون أن هناك زمن ثابت مطلوب للارتقاء حسب مؤيدي النظرية، وهذا غير صحيح فهناك أنواع لم تتطور وترتقي منذ عشرات ومئات الملايين من السنين كالصراصير، وبرأيي أن هؤلاء أغلبهم ليسوا من المجتمع العلمي لإدراك العلماء جيدا معنى الارتقاء الذي يتطلب تحديات بيئية وغذائية معينة ومدى استجابة النوع لها، فبقاء الصراصير مثلا طيلة هذه المدة يعني أنها مكتسبة أفضل وسائل وأساليب للبقاء خلافا لأنواع أخرى وجدت وانقرضت خلال مئات وآلاف السنين فقط، مما يعني أن تمييز الإنسان ليس حكرا على شكل النوع بل له علاقة بتصور الزمن اللازم للتطور..

ولأن الذهن البشري لا يتصور ماضيا للنوع مختلف فلن يتصور مستقبلا له أيضا، بمعنى أن من يعجز عن فهم كيفية تطور وارتقاء أسلاف البشر فلن يفهم مستقبله ومستقبل أحفاده من بعده، ولعل هذه الجزئية لها علاقة بالعاطفة الإنسانية..فالجد مثلا يحن لحفيده لكنه لو مات قبل أن يراه أو رآه طفلا رضيعا ثم اجتمعوا في زمن آخر لن يعرفه، ولا أتصور أن الجد وقتها يمكنه رؤية صفاته وسلوكياته الموروثه عند الحفيد ليشتبه أن ذلك الكائن من لحمه ودمه، هنا أيضا تدخل "معضلة التمييز" بثقلها لتثبت جهل الإنسان بجوهر المخلوق واعتماده على الشكل والتجريد الحسي اللازم للتمييز، هنا سيحصل على وضعه الاجتماعي اللائق على الأقل..وكأن معضلة التمييز اجتماعية لها تأثير متداخل في اتجاهات وتصورات البشر في كل العلوم والمعارف دون استثناء.

هنا نصل لكيفية تصديق العامة لرجال الدين في رؤيتهم للتطور، إنهم ينطلقون جميعا من رؤية حسية يحكمها التمييز دون دراية بالعلم مما يعني أنه مهما أنفق العلماء والباحثون من وقتٍ وجهد لإقناع العامة ورجال الدين لن يقتنعوا..خصوصا ممن تضرروا أو هددهم العلم في وظائفهم ومصالحهم سيكونوا حينها أشرس ما يكون، وسيتم إسقاط تلك الشراسة في أحفادهم لتصبح موقفا لهم من المعارف، مما يتطلب من الدولة جهدا كبيرا في تدريس النظرية والعمل على نشرها في التعليم والإعلام كما ينبغي وبمفردات وألفاظ منتقاه اجتماعيا على الأقل لعلاج هذه الصورة الذهنية التي تشكلت وتتشكل كل يوم جراء الغباء أو حُماتِهِ ورُعاتِه.

 

سامح عودة

 

إن الحُلم الحقيقي في حياة الإنسان ليس الذي يراه في المَنام، وإنما الذي يراه في الواقع . والحُلم منظومة اجتماعية تُفسِّر القيمَ المعرفية، وتستمد شرعيتها وجَدْواها مِن تكريس العلاقة بين قُدرة الفرد على الإبداع، وقُدرةِ المجتمع على احتضان إبداع الفرد . وإذا تكرَّسَ الحُلم في المجتمع كبُنية مركزية، فإن التفاعل بين الأنا والكُل سيغدو ظاهرةً فلسفية عامَّة، تمنع انقلابَ المعنى الإنساني على التطبيقات الاجتماعية، وتَحْمي المعنى الإنساني مِن إفرازات النظام الاستهلاكي المادي المُغلَق، الذي يَقتل رُوحَ الإنسان، ويُحوِّله إلى كَوْمة شظايا مُتناثرة في صخب الحياة اليومية، وتائهة في ضجيجِ الأحلام الضائعة والآمال المقتولة .

2

كُل حُلم إنساني هو بالضرورة سُلطة معرفية، تَقتل الوهمَ، وتُحيي الأملَ . وهذا الدَّور المِحْوَري للحُلم الإنساني ينبغي أن يُوظَّف للكشف عن الآمال المقتولة في داخل النَّفْس البشرية، لأن الإنسان _ في أثناء سَيْره في تفاصيل الحياة _ يَخسر كثيرًا مِن أحلامه وذِكرياته، وتَموت فيه كثيرٌ مِن القِيَم والمبادئ . ومِن أجل إعادة إنسانية الإنسان إلى قيمة المعنى، والإحساسِ بالوَعْي البَنَّاء، ينبغي عَقْد مُصالحة بين الإنسان وذاته، والوصول إلى حالة من السلام الداخلي، قبل البحث عن السلام مع عناصر الطبيعة، ومُكوِّنات البُنى الاجتماعية، والتصالح معها .

3

أسوأ كابوس يُمكن أن يحصل في المجتمع الإنساني، هو تحوُّل الإنسان إلى مقبرة مُتَنَقِّلة، ومدفن للآمال والطموحات والأحلام، وهذا هو الموت في الحياة، الذي يجعل الإنسان ظِلًّا باهتًا للذكريات المُتَوَحِّشَة والماضي المُوحِش والحاضر القاسي والمستقبل المجهول. وللإبقاء على شُعلة الحياة في قلب الإنسان بدون انطفاء، ينبغي تسخير القيم الاجتماعية المعرفية من أجل تأسيس الذات الإنسانية كحالة مِن الوَعْي المنهجي، الذي يربط بين السلام الروحي الداخلي والتوازن الاجتماعي الخارجي. وهذا يُمثِّل ضمانة أكيدة لمنع انحراف القطار الإنساني عن السِّكة الاجتماعية . ويجب على الإنسان _ أثناء رحلته في هذه الحياة _ أن يَستوعب العناصرَ الفكرية في مُحيطه الداخلي وبيئته الخارجية، تمامًا كالرُّبَّان الذي يجب عليه   _ لضمان إبحار السفينة بشكل آمِن _ أن يَستوعب حركةَ المياه في البحر، واحتمالية دُخول المياه إلى داخل السفينة، لأن هذا يعني الغرق الأكيد والهلاك الحتمي . وإذا عُرِفَ الشَّر مُسْبَقًا، يُمكن الوقاية مِنه بسهولة .

4

إذا أُجْبِر الإنسان على السَّير في حقل ألغام، فينبغي أن يُحافظ على هُدوئه واتِّزانه وتركيزه، ويبتعد عن نَدْب حَظِّه، أو لَوْم الظروف، أو شتم الألغام، لأن هذه أفعال طائشة لا فائدة مِنها، وهي تستنزف جُهدَ الإنسان، وتسرق إمكانياته الذهنية، وتَسلِب قُدرته على التَّحَرُّك والمُرَاوَغَة . ولا يَقْدِر الإنسانُ على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، إلا إذا امتلكَ مشاعره، وسيطرَ على عواطفه . وإذا انتشرَ الهدوءُ كحالة وجدانية واعية في داخل الإنسان، استطاعَ السيطرةَ على العناصر الخارجية . وإن السَّباح في عُرض البحر، ليس أمامه إلا مُواصلة السِّباحة كخيار وحيد، وإذا خاف أو ارتبكَ غَرِقَ، والتَّقَدُّمُ إلى الأمام أسهل مِن العَودة إلى الوراء، لأن الشاطئ الذي انطلقَ مِنه السَّباح صار بعيدًا جِدًّا عنه، ولا يُمكن العَودة إلى الخَلْف، وعقاربُ الساعة لا ترجع إلى الوراء. والحَلُّ الوحيد هو مُقَاوَمَة الأمواج حتى الوصول إلى بَر الأمان. والدربُ الموصل إلى الغاية النبيلة شاق، والطريق إلى قِمَّة الجبل لا بُد أن يكون صعبًا ومحفوفًا بالمخاطر، ولكنَّ لَذَّة الوُصول تُنسِي الإنسانَ عذابَ الطريق، والانتصار الحقيقي هو انتصار الإنسان على نفْسه، والتَّفَوُّق عليها، وتجاوزها .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

سامح عسكر لفت انتباهي عنوان كتاب الدكتور خالد منتصر الجديد "هذه أصنامكم وهذه فأسي" قلت أن قصة الكتاب وموضوعه انتهت من عنوانه، فلفظ الفأس يرمز للهدم والحفر إما للزرع أو لكشف الأساسات، وبهذا المدلول قد يقصد الكاتب أنه وجب عليه هدم تلك الأصنام أو الآلهة الشعبية والدينية.. ثم يبدأ بالحفر لكشف جذور وأسباب ودوافع ذلك التصنيم، وينتهي أخيرا بزرع اللبنة الأولى للفكر الحداثي الجديد..

أما الأصنام فهو لفظ بمدلول ديني يعبر عن آلهة بشرية وحيوانية ونباتية كان يعبدها القدماء ولم يفارقها لفظ الصنم إلى الآن بمعاني التحقير والازدراء، فقد استبدله العالم الحديث بلفظ "تماثيل" أو فنون مبدعة أصبح فيها الصنم معبرا عن شئ جيد مخالفا لما كان عليه في الماضي، وبالتالي أصبحت ضرورة استدعاء مدلول القدماء عن التأليه واجبة لمناقشة الإنسان المسلم الحديث المتأثر ضمنيا بأفكار القدماء لدرجة عجزه الكامل عن الخروج والإفلات منها لعوامل متعددة كالسياسة والاجتماع والاقتصاد والفكر..إلخ.

هنا يُثار السؤال الجوهري عن كيفية صناعة الصنم أو الإله، وبرأيي أن القصة تبدأ بوضع ذلك الكائن أو النوع أو الشخص في (تفاضل عددي) يحصل بعدها على القدسية بوصفه الأفضل دائما، ويعني ذلك أن القدسية الآن عند المسلمين مثلا لله فقط بوصفه الأول دائما، ثم تأتي قدسية الأنبياء وخصوصا النبي محمد ثانيا بوصفهم أفضل المخلوقات..هنا يقع الإنسان في خطأ تقديم هؤلاء في تفاضل عددي، فمعني أن يكون الله رقم واحد والرسول رقم اثنين..يعني تساوي في القيمة واختلاف في الدرجة..وهذا ما لم ينتبه له المسلمون الأوائل فوقعوا في شراك تأليه النبي بتقديس أحاديثه وبالتالي تفضيل وتعظيم رواتها وناقليها، برغم أن النبي هو مجرد بشر رسول لكن وضعه بعد الرب ينزع منه صفات النقص والقصور البشري ليعطيه صفات الكمال الإلهية .

 

بالضبط حين وضع المحدثوه كتاب البخاري بعد القرآن، كان مدخلا خادعا لمساواة القرآن بصحيح البخاري في القيمة لكنه مصحوب باختلاف في الدرجة، ولا ينتبهون كيفية وقع تلك المعتقدات على قلوب الناس..فكلما ذكر القرآن ذكر صحيح البخاري بعده..وهكذا حصل الكتاب على قدسية القرآن مثلما حصل الملك السعودي على قدسية الحرمين الشريفين بإضافة لقب الخادم لإسمه، وما حدث في نموذج خادم الحرمين هذا هو التفاضل العددي المقصود، لأن منظومات اللغة تؤمن إما بتجريد المعاني والسياقات أو شموليتها..فبالتالي عندما يذكر أحدهم أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد القرآن فهو عن شمول مسبق يوهم متحدثيه والمؤمنين به بأهميته، بينما لو تم تجريد السياق وشرحه وتحليله مثلا بالقول أن القرآن هذا كتاب متواتر لفظي منسوب للإله الواحد لا يضاهيه كتاب آخر، في نفس الوقت يعملون على وصف كتاب البخاري أنه اجتهاد بشري في الحديث ما حصل البخاري على تلك القدسية ولتناولنا كتابه كهامش معرفي مهم في تصور تلك الحقبة الزمنية فقط لا غير.

هذا التفاضل العددي سبب أًصيل في صناعة وخلق الآلهة، مثلما قالوا على الشعراوي مثلا أنه إمام الدعاه والمفسر رقم 1 تخيل هذا التفاضل بوضع الشيخ على رأس هرم الدين والسلطة المعرفية بالكامل ثم يسألوا كيف أصبح الشعراوي معصوما في مصر لا يقبل من منتقديه صرفا ولا عدلا ، حتى لو صدق معارضيه ونقاده يظل الشعراوي هو نمبر ون كما يزعم أحد الفنانين المشهورين مؤخرا ويحرص على إضافة هذا اللقب لإسمه كي يتم تقديسه بنفس الدرجة مما ينعكس بالتالي على أرباحه في الأفلام والمسلسلات.

ولأن التفاضل العددي مجرد سبب أو وسيلة في صنع الإله فيلزمه أسباب أخرى تحمي هذا التفاضل، فمهما كانت أحكام العقل هي مجرد آراء قد لا تكون لها قيمة دون سيف..فينشأ بالتالي جهاز حماية وضمانة لذلك التفاضل، فيحرص الصنم الحريص على تصنيمه وكذلك يحرص العامة والمنتفعين من التصنيم أن يكون ذلك الجهاز دينيا واجتماعيا معا، بمعنى أن القدسية المطلوبة للصنم يلزمها دعاية دينية تؤمن بأهمية ذلك الكائن وتقدمه للمجتمع عن طريق التفاضل العددي ليصبح هذا الكائن نمبر ون في مجالة، ورأيي أن تصنيم الشيخ الشعراوي والبخاري وغيرهم حدث بنفس الطريقة، مجرد نشاط ديني من مجموعة ما وضعت هؤلاء فوق قمة الهرم العددي من ناحية ممكن الوجود ثم وضعه ثانيا بعد واجب الوجود، فيكتسب القارئ والعامي صورا ذهنية عنه بالأفضلية المطلقة..

هنا يعمل العقل المطلق بنشاط مكثف فيرفض أي مقارنة بين هذا الصنم وغيره، مثلا لو أردت نقد الشعراوي فيلزمك أن تحصل على تفاضلا عدديا أعظم منه ،ومن الفئة التي وضعت الشعراوي فوق قمة الهرم العددي سابقا لأنهم الذين شكلوا جهاز حماية للشيخ بالتالي فلن يقبلوك كرمز مقدس لتزيح صنمهم المفضل، ويمكن ملاحظة آثار ذلك حين توجه نقدا للشيخ فيردون عليك بكلمة "من أنت" "هو الأفضل" "وهذا أعلم شيخ"..وهكذا، حتى أن هذا المنطق طال شيوخ السلفية كذلك فتراهم يصفون الشيخ الحويني بأنه "أعلم أهل الأرض" وكذلك الشيخ العريفي ومحمد حسان وغيرهم، فيتشكل بناء على هذا التصنيم جهاز حماية ينشط في بداياته كمنتفع فيعمل على يرث ذلك أتباعه كعقيدة..

وبتلك الطريقة نشأت المذاهب الدينية قديما وحديثا، مجرد شيخ أو فقيه يخرج ناقدا للقديم فيتصدى له جهاز حماية ذلك الصنم القديم في صورة دفاعهم عن أنفسهم ومصالحهم ثم يورثوا ذلك التصنيم لأحفادهم والمؤمنين بهم ليتحول ذلك الانتفاع إلى عقيدة، لذا فعندما يفشل ذلك الفقيه في نقده تجده مضطرا للبحث عن جهاز حماية له كي ينافس على الأقل ، فنراه بالأخير يتقرب إلى السلطة والأعيان لاحتكار خصومه ألوان الحماية الأخرى في المجتمع والدين، فإذا آمن به الحاكم ونصره يخضع المجتمع فورا ليبدأ بتفكيك جهاز الحماية للمذهب القديم ليصنع جهاز حماية جديد مجتمعي وديني..

ويمكن القول أن هذا حدث في عصر المتوكل العباسي الذي ثار على أجهزة حماية المعتزلة دينيا واجتماعيا ليفرض مذهب جديد بجهاز أمن جديد هو "أهل الحديث" أو جماعة الحنابلة الأوائل، فلم تمر عدة عقود حتى حصل ابن حنبل وكل رموز حقبة المتوكل الذين خدمهم الحاكم بحماية خاصة حتى تم تقديسهم لظهور جيل جديد رأى تلك القدسية المصطنعة على أنها حقيقية فعمل على الترويج لها حتى ترسخت على مر القرون..

الأصح في هذا السياق أن يؤمن الإنسان بالتكامل لا التفاضل..وبرغم أنهما قاعدتان في الرياضيات ولهما صلة بالأعداد لكن التكامل كمبدأ فكري رياضي يؤمن أن كل عملية حسابية يلزمها أجزاء وأرقام في سطح معقد لا يمكن حساب حجمه بالطريقة الطبيعية كالمنحنيات مثلا، من هنا يظهر التكامل ليحسب سطح هذه المنحنيات غير معلومة المساحة في الظاهر، وكأن التكامل جاء ليحل معضلات الفكر أو التحديات التي يلاقيها الإنسان في الطبيعة، وبالتالي يمكن استنتاج أن الرياضيات تثبت صعوبة الاستنتاج في ظل تحديات غير طبيعية، قس ذلك على الفكر البشري الذي عن طريق جهله بهذا الثابت الرياضي والمعرفي اعتقد أنه يمكنه التفكير بطريقة سليمة في الأزمات والحروب.

وبما أن تراث المسلمين كتب في ظل صراعات وحروب أهلية كثيرة فانتشر فيها منطق التفاضل العددي، هذا أفضل خليفة..هذا رقم 1 في الحديث، هذا رقم 1 في الفقه وشاع في تلك الحقبة الزمنية ذلك المنطق كوصف الإمام الليث بن سعد مثلا بأنه أفقه من مالك، وأن الفقهاء عيال على أبي حنيفة..وهكذا، كان المقصود تقديم هذه الشخصية كصنم في تفاضل عددي يرفعه لقمة الهرم المعرفي بشكل مطلق مما أدى لتقديس تلك الشخصيات في عصر مبكر جدا، بينما لو أدرك المسلمون معنى التكامل وأهملوا التفاضل لوصلوا لجوهر مشكلات هؤلاء الأئمة والفقهاء والخلفاء ولتم اعتبارهم مجرد بشر عاديين فعلا لا قولا.

نعود ونقول أن هذه المشكلات لم تكن تحدث لولا غياب العقل والتفكير المنطقي، فكل عصر يغيب فيه التفكير العقلاني يصبح عرضة للخرافة والظلم والجهل المركب بشكل مفزع فتنحط الأمم فورا وتكثر في أزمانهم الحروب والأزمات على أتفه الأشياء، مما يعني أن ظاهرة التفاضل العددي هذه التي هي عارض من عوارض صناعة الآلهة هي مجرد نتيجة لغياب العقل بالأساس.. وفي تقديري أن هذا التفاضل بما ينتجه من تفكير لاعقلاني هو عن أثر سياسي من جراء تدخل السلطة وانحيازها للجهل واحتقارها للعلم، فما من سلطة آمنت بالعلم وأخذت بأسبابه وحرصت على نشر والتشجيع عليه إلا وسادت تعاليم العقل والعلم في مجتمع النخبة..ولصار العوام غير ممانعين لما يحدث بل يستجيبوا لتلك النخبة بوصفها الأقدر على توجيه وتحريك الشارع..

 

سامح عسكر

 

بليغ حمدي اسماعيلجاءت كلمة "إدارة" من كلمة لاتينية تعني الخدمة، ومفادها الخدمة التي قد تعود على الفرد والمجتمع بالفائدة والمنفعة العامة، أما كلمة إدارة في المواضعة العربية الاصطلاحية فجاءت من الأصل " أدار الشئ" أي أحاط به وجعله يدور. وهناك ثمة مواضعات تشير إلى ماهية الإدارة وكنهها، منها ما أشار إليه فريدريك تايلور عالم المناهج التربوية الشهير بأنها هي أن تعرف بالضبط ماذا تريد، ثم تتأكد من أن الأفراد يؤدونه بأفضل وأرخص طريقة ممكنة . في حين أن جون مي يرى أنها تمثل فن الحصول على أقصى النتائج بأقل جهد . أما كيمبول فيعرف الإدارة بأنها جميع الواجبات والوظائف والمهام ذات العلاقة بإنشاء مشروع ما وتمويله وسياساته الرئيسة وتوفير كل الأدوات اللازمة لتنفيذه ووضع الإطار التنظيمي العام له.

وتعد الإدارة من أبرز الظواهر الإنسانية الواعية أي التي يقوم بها الإنسان عن قصد ودراية بما يفعله، وهو في ممارسته لهذه الظاهرة يقوم بعمليات رئيسة مثل التخطيط والتنفيذ والمراقبة والتحكم والتوظيف والتوجيه والتنسيق وأخيراً التقويم لما قام به .

ومحاولة إيجاد تعريف محدد لكلمة إدارة باتت من الأمور التي تكاد أن تكون صعبة المنال، وهذا يرجع إلى عدة عوامل منها أن الإدارة نفسها علم تطبيقي أكثر منه نظري، كما أنها تتضمن عدداً من العمليات الإجرائية الكثيرة والتي يصعب الفصل بينها عند التطبيق، بجانب كون الإدارة علماً اجتماعياً وأن العنصر البشري هو أبرز ما يمثله ومن ثم فيصعب التنبؤ بسلوك الفرد وما ينبغي فعله . ولعل الأمر الذي جعل تعريف الإدارة من الأمور الصعبة هو أن الإدارة نفسها تعتمد غالباً على الموقف السائد أو الظروف الراهنة بما تتضمنه من متغيرات وتغيرات طارئة .

ويفيدنا أن نشير إلى أن الإدارة في مجملها تمثل نشاطاً ذهنياً موجهاً ومخططاً لعدد من المهام والمسئوليات التي يحتاجها أي مشروع أو برنامج حتى يصل إلى تحقيق الأهداف المرجوة منه .

وكما وجد تعريف الإدارة قدراً من الغموض والتعدد، لقي تحديد عناصر الإدارة نفس القدر من تعدد المواضعة واختلاف التحديد، ولكن باستقراء معظم أدبيات علم الإدارة يمكننا تحديد عناصرها في خمسة عناصر رئيسة هي :

ـ التخطيط PLANNING   : ويشمل التنبؤ، وتحديد الغراض، وصياغة السياسات، وتحديد المتطلبات القبلية، وبناء البرامج، وتحديد إجراءات التنفيذ، ووضع ميزانية المشروع .

ـ التنظيم  ORGANIZATION : ويشمل تحديد وتجميع نشاطات المهمة، وكذلك تفويض المسئولية والسلطة والإشراف، وتوطيد العلاقات بين عناصر المشروع أو البرنامج.

ـ التنسيق COORDINATION  : ويشمل تحقيق التوازن، وتحديد مواقيت تنفيذ المهام، وتحديد التكامل .

ـ الحفز : ويشمل الاختيار، والاتصال ومهاراته، والمساهمة والتقييم، وتقديم الدعم والإرشاد، والتعويض، والتوجيه.

ـ الرقابة control  : وتشمل استخدام معايير الأداء والقياس وتفسير النتائج وتحديد مؤشراتها وتصحيح مسار العمل .

وتعد المعرفة من أبرز ملامح القرن الحادي والعشرين، وتكاد تشكل مركزاً محورياً في أجندات الدول المتقدمة وهي تسعى لبناء نهضتها، حيث إن الاستثمار البشري والتنمية القائمة على المعرفة حلت محل الاستثمار المادي والتنمية القائمة على الاقتصاد . هذا المعنى نفسه ما أشار إليه فرانشيسكو خافيير كاريللو في كتابه " مدن المعرفة "  Knowledge Cities، من جهة أن العالم المتقدم الآن يتسارع بصورة محمودة في استثمار الطاقات المعرفية للمواطن .

وأن فكرة حث المواطن على الابتكار والاكتشاف لم تعد من أفكار الترف والرفاهية، بل هي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات وتطورات هذا العصر . وأنه ثمة مصطلحات أصبحت أساسية في قاموس تقدم الأمم وتميزها الحضاري مثل مرافئ المعرفة، والطبقة المبدعة، وشركات المعرفة، ومحركات الابتكار، ومواطن المعرفة، واكتساب المهارة .

وفكرة التنمية القائمة على المعرفة تخطت الحيز التصميمي والتنظيمي والتخطيطي لتكون واقعاً مرئياً ملموساً، بدليل تشييد مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة، في الوقت الذي تبذل فيه دول أخرى لاسيما في أفريقيا جهوداً مضنية للحد من تفشي ظاهرة أمية القراءة والكتابة، بالإضافة إلى محاربة مظاهر التلوث البيئي والانتشار المحموم للأوبئة والأمراض.

ومن المواضعات التي برزت بصورة طاغية في الألفية الثالثة مواضعة إدارة المعرفة، وهي من المفاهيم الإدارية الحديثة التي أصبحت تلقى اهتماماً بالغاً سواء من قبل الدول المنتجة للمعرفة أو عقب ما حدث ببعض البلدان العربية من ثورات سلمية كانت قوامها المعرفة وكيفية إدارتها . ويمكن القول بأن مفهوم إدارة المعرفة بدأ منذ ظهور الإدارة العلمية، حيث تم وضع أسس ومرتكزات علمية لعملية الإدارة، وكما كان لمفهوم الإدارة من لغط واسع في تحديده، كان أيضاً ولا يزال لمفهوم إدارة المعرفة، إلا أن هناك محاولات جاهدة في تحديد تعريف واضح المعالم والخصائص له، وهذا ما أشار إليه كل من ألفيسون وكاريمان (2001م) حيث أشارا إلى أن إدارة المعرفة هي ظاهرة ديناميكية وغير محددة بشكل واضح ودقيق، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان وضع معنى واضح ودقيق ومحدد لها، وبالتالي صعوبة إدارتها كما تدار الأشياء الأخرى.

لكن بعد ثورة الاتصالات التي شهدها العالم في مطلع الألفية الثالثة وتوافر عدد لا بأس به من شبكات التواصل الاجتماعي أصبح ليس من الضروري إيجاد تعريف محدد لمفهوم إدارة المعرفة بقدر ما بات من الأهمية كيفية استخدامها بصورة مباشرة، ولقد نجحت الشركات عابرة القارات في استغلال إدارة المعرفة في تسويق منتجاتها وأيضاً البلاد المتقدمة في الترويج عن مميزاتها ومواردها بصورة شيقة جاذبة للمستثمرين والسائحين.

وبظهور مفهوم إدارة المعرفة بزغت ظواهر إنسانية جديدة متوافقة مع ظهورها مثل مدن المعرفة مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة، في الوقت الذي نقرأ فيه عن اختطاف أحد الأطباء لطلب فدية مالية من أسرته، وعن طفل تم تشويه وجهه من أجل خلافات تعود لوقت ثورة يناير، ورغم ما نحن فيه تبدأ دول أخرى في جعل قرننا هذا هو قرن التعلم، واستبدال التنمية المادية لتحل محلها التنمية القائمة على المعرفة.

وهذه المدن المعرفية أقامها رجال وحكومات ووزراء ورجال أعمال ليسوا كائنات من كواكب أخرى، بل هم بشر مثلنا، ولقد شاهدت شاهدت أفلاماً كثيرة على موقع اليوتيوب  you tubeعن مدن عجيبة مثل راجوزا، ومدينة معمل العقل بالدنمارك، ومعمل أفكار مومينتم في شمال زيلاند، ومدينة المعرفة في برشلونة، ومدينة المعرفة في بلباو .

ومن خلال ربيع الثورات العربية الذي هب على دول مثل مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا بزغ من جديد مفهوم إدارة المعرفة، حيث استطاع الثوار في هذه البلدان من تحويل المعلومات والرصيد الفكري إلى قيم لعملاء الائتلافات وأعضائها، وتحولت المعرفة حينئذ من فن وعلم إلى سيناريوهات لمواجهة الأنظمة السياسية بها، واعتبرت إدارة المعرفة مورداً رئيساً للتنظيم والتخطيط ومن ثم التنفيذ وكان ذلك عن طريق استخدام بعض الوسائط الإليكترونية مثل البريد الإليكتروني والفيس بوك وتويتر وغير ذلك من وسائط التواصل الاجتماعي .

وما شهدته بعض البلدان العربية من ثورات يجعلنا نحاول استقراء دور إدارة المعرفة في نجاح هذه الثورات، فإدارة المعرفة عبر وسائطها أتاحت انسياب المعرفة من المعارف إلى المستخدم، كما حفزت الإبداع والمشاركة في المعرفة، كما أنها ركزت على تفاعلات الجماعة المدعمة أكثر من بيئة المعرفة وهيكلها في قواعد بيانات ووثائق، كل هذا وكانت تكنولوجيا المعلومات والاتصال جزءاً رئيساً في إدارة المعرفة .

وإدارة المعرفة في عصر الثورات العربية التي شهدتها دول مصر وسوريا وتونس وليبيا واليمن مرت بمراحل يمكن توصيفها في ثلاث مراحل هي :

ـ مرحلة المبادأة : وهذه المرحلة تدرك المنظومة أهمية إدارة المعرفة التنظيمية والإعداد لجهود إدارتها وتشجيع الضغوط البيئية مثل العوامل الاجتماعية الاقتصادية المتغيرة والفنية والتنافس العالمي وحاجات المواطنين المرتكزة على المعرفة في تطبيق إدارة المعرفة. وفي هذه المرحلة من مراحل إدارة المعرفة تتطلب نشاطاً اجتماعياً بالمشاركة التطوعية لأعضاء التنظيم عندما شتركون في نفس الرؤية والأهداف .

ـ مرحلة الانتشار : في هذه المرحلة يركز الناشطون أو المدراء على كيفية بناء هذه القاعدة المعرفية بكفاءة وكيفية زيادة الأنشطة المرتبطة بالمعرفة، وتحاول المنظومة في هذه المرحلة البدء في استثمار وضع البنية الأساسية للمعرفة بهدف تسهيل وتحفيز أنشطة المعرفة مثل إيجاد وتخزين واستخدام المعرفة.

ـ مرحلة التكامل : ويتم في هذه المرحلة النظر إلى أنشطة المعرفة على أنها أنشطة يومية، وتركز الإدارة على تكامل المعرفة التنظيمية وعلى أنشطتها، وبالتالي فإن الأفراد العاملين يعتادون على ممارسة مثل هذه الأنشطة . وينصب الاهتمام الرئيس للمدراء في مرحلة التكامل على كيفية إحداث نوع من التكامل بين المعرفة الموزعة وتجميعها في منتجات معرفية وخدمات، وعمليات خاصة بالمعرفة .

وهناك عاملان رئيسان يتحكمان بصورة مباشرة في إدارة المعرفة أشار إليهما ويج وهما العوامل الخارجية  External factors، وتشير إلى العناصر البيئة التي تعمل في ظلها المنظمة أو المشروع أو الشركة والتي تؤثر في أعمالها ولا غنى للمنظمة سوى التكيف مع هذه المتغيرات والعوامل الخارجية والاستجابة لها، وأهم هذه المتغيرات العولمة، وزيادة حدة المنافسة . والعوامل الداخلية  Internal factors  وتتوفر هذه العوامل داخل المنظمة حيث تسهم في تطور إدارة المعرفة ومن أبرزها تزايد القدرات التقنية حيث أسهمت الإمكانات التقنية مثل الحاسبات والبرمجيات في تعدد مداخل إدارة المعرفة، وكذلك فهم الوظائف المعرفية حيث يتولى ذلك الأفراد المؤهلون علمياً وعملياً الأمر الذي يزيد من فاعلية إدارة المعرفة .

ولقد أصبح مصطلح الكونية من المواضعات الأكثر رواجاً في وسائط الإعلام المعاصر من صحافة وفضائيات وإذاعات مسموعة ومواقع ومنتديات إليكترونية، وبات من البدهي أن يحتل هذا المصطلح الحيز الأكبر من الجدال والنقاش في هذه الوسائط التي طفقت تفرد مساحات واسعة من الحوار وإبراز الخصائص والسمات وربما المناقب والمثالب له أيضاً .لكن رغم أن الوسائط الإعلامية ينبغي أن تنفرد بتقديم رسالات توعوية تهدف إلى نهضة وإعلاء العقول، إلا أن عدداً كبيراً من هذه الوسائل المعاصرة جعلت جُلَّ همها في النيل من الإسلام الحنيف .

فإذا كان الغرب قديماً استغل سلاح الاستشراق ومطاعن المستشرقين من خلال كتاباتهم وأبحاثهم  في النيل من الإسلام والمسلمين، فإنه عاد من جديد ليواصل حملاته المشبوهة ولكن من خلال أسلحة أسرع انتشاراً وربما أقوى تأثيراً مستخدماً في ذلك سحر وتحايل الصوت والصورة في التأثير على المشاهد والمستمع . وبالفعل استغلت بعض هذه الوسائط لاسيما الفضائيات المفتوحة لاغتيال الثقافات العربية والإسلامية، بدعوى أن العالم أصبح قرية صغيرة ومن ثم فينبغي أن تكون لهذه القرية بؤرة اهتمام واحدة ورئيسة متغافلة في ذلك القوميات ذات الخصوصية والطبيعة المنفردة .

وسرعان ما وضعت هذه الفضائيات العقل العربي في بؤرة اهتمامها، وبدأت في حملة غسيل الأدمغة التي استهدفت محو الهوية الإسلامية لدى المسلمين وإحلال الكونية والقضايا المتعلقة بالبيئة العالمية أكثر من الاهتمام بقضايانا الراهنة والمصيرية، ورغم أن هويتنا العربية الإسلامية تشكل حصناً منيعاً إلا أن هذه الفضائيات الفارغة من الهدف والرؤية والرسالة الصالحة بدأت في استدراج المشاهدين العرب بعيداً عن حصونهم المنيعة، ثم العمل على تدعيم شعور عدم الثقة في الهوية الإسلامية الرشيدة عن طريق تصوير رغد الحياة العلمانية الغربية في مقابلة هذا الصلف العربي ووحشة صحرائه المقفرة .

والمتابع للصحف الغربية يستقرئ بسهولة صورة الإسلام والمسلمين بعيون الغرب غير المسلم، فالشهر الماضي طالعتنا معظم الصحف البريطانية بمقالات مطولة ودراسات صحافية مصورة عن الإسلام، وتلك المقالات لا ترى فيه ـ أي الإسلام ـ تنوعاً ثقافياً، أو تعددية حضارية، بل تجعله العدو الأول للعولمة والكونية في شكلها الثقافي والاقتصادي.

ويمكن لمن يطالع الصحف البريطانية على الإنترنت أن يرى كيف يصور الإعلام المقروء المرأة المسلمة، فهو يرى في الإسلام نموذجاً متخلفاً متعصباً للذكورية على حساب الأنثوية،، وأن المرأة طبقاً للمجتمعات الإسلامية الشرقية تصبح سلعة للرجال، محتجبة منعزلة، تعاني التهميش والتمييز والاستبعاد الاجتماعي.

وليس بالعجيب أن نرى صورة المرأة هكذا في الصحافة الغربية، فبين قصص السينما المبتذلة، وبين البرامج النسائية التي تبثها بعض القنوات الفضائية العربية الفراغية (نسبة إلى الفراغ من المضمون) تقبع المرأة كياناً لا طاقة له، ولا وجوداً حقيقياً يميزها في المجتمع. ويظل وسط هذا الخطاب الإعلامي الذي ندعو جاهدين إلى تجديده وتطويره في جزيرة منعزلة عن المرأة نفسها، وهذا الخطاب الإعلامي  هو خطاب مدرسي في الأصل، فالموضوعات المدرسية المرتبطة بدور المرأة غائبة عن الحضور المجتمعي، وأدوار التلميذات والطالبات في بعض  مدارسنا التي تعاني الإهمال وهزلية التطوير التعليمي تقتصر على إلقاء الأناشيد المكرورة والمملة في بعض الأحايين . 

والفضائيات الغربية الموجهة وهي في سعيها الدءوب لزعزعة الهويات الدينية تعمل جاهدة على انتفاء الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية، عن طريق نقد الإنتاج الثقافي لهذا الوطن العربي الكبير، وإظهار أنه إنتاج ثقافي بائد لا ولن يتسم بالجدة والحداثة والمعاصرة، حتى يصلون بذلك إلى هدفهم الرئيس وهو التشكيك في قيمة مصادر الإسلام الحنيف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة . ولاشك أن هذا السعي الخبيث يشكل تقويضاً خطيراً للهوية العربية والإسلامية التي نمتاز بها، ولولا اهتمام بعض الهيئات والوزارات كالأوقاف والشئون الإسلامية والأزهر الشريف وبعض المؤسسات والمنظمات الدينية بتوعية الشباب وتكريس نزعة الاعتداد بالثقافة الإسلامية لفسد حال هؤلاء ولضن علينا معالجة أوجه القصور والخلل .

ونحمد الله أن الوطن العربي يحظى باهتمام واسع من قبل مؤسساته وأجهزته الرسمية للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، حيث إن الإعلام العربي الرشيد يعي جيداً أنه يقوم بمسئولية شاقة وقيمة وهي الحفاظ على الهوية بصورة مستدامة، مع مراقبة ما تبثه الوسائط الإعلامية الغربية من لغط حول الإسلام للرد عليها ودحض أفكارها المشوهة.

ومن هنا كان للإعلام العربي دور مهم في الالتزام بنقل المعارف والمعلومات والبيانات بالإضافة إلى التوعية المستمرة لحملات تشويه الإسلام وتدعيم أركان الثقافة الدينية لدى جمهور المستهدفين . الغريب في الأمر أن هذه الوسائط الإعلامية التي تدعي الكونية والعولمة والمنادة بثقافة واحدة يلتزم بها الجميع أن نجدها تفرض وصايتها الإعلامية على العقل الإسلامي، فهي تنادي بشئ وتقوم بعمل آخر، فهي تصر على احتكار نقد الخطاب الإسلامي، ونقد الرموز والقامات الفكرية الإسلامية .

والمستقرئ لما تبثه بعض هذه الوسائط من صحافة وفضائيات وإذاعات ومواقع إليكترونية يدرك على الفور زيف الشعارات التي ينادي بها هؤلاء الكوكبيون أو العالميون، ففي الوقت الذي يطلقون العنان لحرية الرأي والتفكير يقيمون سياجاً وعوائق ذهنية أمام الرأي الآخر، فإذا هم انتقدوا الإسلام والمسلمين فعلى الجانب الآخر يرفضون رفضاً شديداً في أن يظهر أحد المفكرين المسلمين في وسائطهم للحديث عن الإسلام وعن مبادئه الإنسانية .

وهذا الترصد الواضح من قبل وسائط الإعلام الغربية يجسد عن قرب حقيقة العداء القديم للإسلام والمسلمين، فهذ الغرب لا يزال يرى في الإسلام خطراً على مصالحه وتحقيق رغباته غير المنضبطة أخلاقياً، ويرى أن الإسلام بشرائطه وضوابطه الحاكمة يقف عائقاً منيعاً أمام إمبرياليته الاحتكارية التي لا تقبل التعددية، لذا فعمد عن طريق وسائطه تلك على الترصد بالمسلمين والتآمر على الإسلام من خلال اقتناص أي خبر أو جريمة أو فعل استثنائي قام به أي إنسان ينتمي عقائدياً فقط إلى الإسلام حتى يصوروا للعالم أن الإسلام دين يدعو إلى العنف والإرهاب والجريمة . 

وبهذه الصورة الإعلامية الموجهة ضد الإسلام ورموزه أيضاً فمما لا يدع مجالاً للشك هو وجود مؤامرة قصدية للتآمر على معالم الشريعة ونقدها، ولكن الخطر الحقيقي هو تقاعس بعض المؤسسات الدينية عن الرد على تلك الافتراءات التي لا تنقطع ليل نهار، وبل وأصبح بعض المؤسسات الدينية في بلداننا العربية مشغولة بالشأن الداخلي لبدانها دون التعريض لمثل هذه الحملات التي تشن ضد الإسلام .

ومن هنا ينبغي على كافة الوسائط الإعلامية الإسلامية والمؤسسات الدينية الرسمية وغير الحكومية في وضع خطة سريعة لمواجهة مثل هذه الحملات الغربية التي تشوه صورة الإسلام والمسلمين، وتجعل الإسلام وجهاً لعملة الإرهاب والتطرف رغم أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال وينبذ كافة صور العنف والتطرف والغلو في الدين والمعتقد . ولابد وأن تهرع جامعة الدول العربية ولجانها المعنية بالشئون الدينية والثقافية بالاهتمام بمثل هذه المؤامرات، ولا ينبغي أن نغرق حتى أذنينا في هوس الشأن السياسي فقط، فلابد من إعطاء أهمية كبرى لتوصيل صورة صحيحة للدين الإسلامي ومعتنقيه لكافة دول العالم .

ونحن بحاجة ضرورية إلى تطوير الخطاب الديني في الإعلام العربي، ليس هذا فحسب، بل وتطوير الإعلام الديني الرسمي ومناسبته للتحديات التي تواجه الإسلام نفسه، وربما أن معظم هذه التحديات والصعوبات كنا قد أوجدناها بأيدينا نحن، ومع كل هذا نتهم الغرب بالمؤامرة، ونقيم نظريات تفسرها وتؤولها، وإن كان هذا هو قول ومظان الإعلام الغربي عن الإسلام، فعليهم أن يدركوا بالفعل والقول معاً مكانة هذا الدين الحنيف ودوره الكوني والثقافي، ونقل محاوره الثابتة بالنص والعقل إليهم من خلال خطاب إعلامي عربي رصين.

ولعل عصرنا هذا في خمة ديننا عن العصور السابقة المنصرمة، فالوسائط الإعلامية أصبحت اليوم أكثر سرعة وانتشاراً عما مضى، وهذا كفيل بدوره في سرعة نقل شريعة الإسلام الحنيف إلى الغرب، وإلقاء الضوء على المصادر الصحيحة للإسلام المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة . وكذلك إلقاء الضوء على بعض القامات الفكرية في تاريخ الإسلام وما لهم من أدوار مشرقة في رفعة هذا الدين ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

حاتم حميد محسنحظيت الديمقراطية بالكثير من المديح كمعيار ذهبي لأنظمة الحكومات. العديد من الدول كافحت ايضا لتطبيق هذا النظام على الدول الاخرى على حساب الكثير من الارواح. النظم التعليمية تكرّس فكرة ان الديمقراطية هي المثل الأعلى للناس. انها اصبحت بمثابة الدين. الحقيقة هي ان الديمقراطية بمثابة النقيض للحرية وليس اليوتوبيا التي يحلم بها الناس.

وهم الحرية

ان مفهوم الديمقراطية عادة يمتزج بالحرية. وهو الوهم بان الدول الديمقراطية هي دول حرة لأن النظام الانتخابي يزود المواطنين بوسيلة لحماية حقوقهم بالتصويت لطرد المسؤولين من الحكم. هناك عدة عيوب تبرز في هذا الجدال. اساسا، ان المواطن يحتاج مساعدة زملائه الناخبين لتأمين حقوقه، جهده الخاص بذاته لا يكفي.كذلك، من الممكن ان يكون زملاء الناخب هم أعداء بدلا من ان يكونوا اصدقاء لحريته . انظر كم كانت المواساة قليلة للجماعات الاثنية والدينية في المانيا حين سُمح لهم بجمع الأصوات في انتخابات المانيا الفيدرالية عام 1933 لأن الحزب النازي والاحزاب المتحالفة معه كانت لديهم القدرة على كسب المقاعد الكافية في الرايخ لضمان تمرير "قانون التمكين" الذي أعطى السلطة لهتلر كدكتاتور. ان مفهوم "رضا المحكومين" قد تحطّم على يد موري روثبارد Murray Rothbard(1).

المصوتون والمستهلكون

هناك مشكلة اخرى في الديمقراطية. سلوك الافراد كمستهلكين ومستثمرين يختلف كليا عن سلوكهم كمصوتين لأن هيكل الحوافز مختلف كليا. في السوق الحر، يكون قرار المستهلك في الشراء او عدم الشراء لسلعة معينة بسعر معين هو عرضة لموافقة المنتج والبائع، لكن ذلك لا يتطلب موافقة أغلبية الناس او ممثليهم. تأثير قرار الشراء هذا على حياة المستهلك اكثر بكثير من قراره في التصويت على قضية معينة في الانتخابات.

في اقتصاد السوق، كل من المنتج والمستهلك يتعاملان بسلع مختلفة ويقرران من خلال التجربة والخطأ الاشياء التي يرغبها المستهلك اكثر. كل من المنتجين والمستهلكين يضعون نقودهم على نفس الخط عند إجراء هكذا ممارسة، اما اولئك الذين لا يرغبون بالمشاركة في الممارسة هم أحرار في الامتناع عن عدم الاستثمار المالي فيها . اولئك الرافضون ليس لديهم سلطة ولا حاجة للتصويت بكلمة (لا) على المنتج، عدا سحب نقودهم منه.

ان الاصرار على ان جميع المواطنين القاطنين في منطقة معينة يجب ان يخضعوا للسلطة القضائية لحكومة ديمقراطية واحدة سيخلق صراعاً بين المشاركين الذين عادة يعملون بأهداف متضادة. هم يدخلون في جدال حول اي "خدمة" يجب ان توفرها الحكومة (مثل هل هي تحقيق في تعامل بالمخدرات او تحقيق في جرائم قتل) وما مقدار تلك الخدمة. انه مختلف جدا عن المستهلكين ذوي الافضليات المختلفة الذين يختارون سلميا و بطرقهم الخاصة، كأن يذهب أحدهم الى مطعم ماكدولند والآخر الى بيرغركنك.

الناخب في الديمقراطية الذي يصوت لقوانين سيئة او لقائد غير كفوء له نفس قوة التصويت في الانتخابات القادمة. والشيء ذاته يصح على الناخب الذي يصوت على افضل القوانين والقادة الكفوئين نسبيا. لا توجد هناك آلية لتكريم فردي للمصوتين الحكماء او معاقبة السخفاء منهم. المكافئات والعقوبات في عدة حالات تُفرض على كل الخاضعين لسلطة الحكومة. المصوّت الذي هو ضمن أقلية يستطيع فقط الخروج من النظام بمغادرة البلد وهو خيار عالي الكلفة كون الناخب أنفق ماله ضمن النظام، هو لا يستطيع الربح من استثماراته حين يغادر البلاد مثلما يستطيع اصحاب الأسهم الأقلية في الشركة.

البحث عن ريع

وهذه ايضا قضية شائكة في الديمقراطيات لأنه في معظم الأنظمة الديمقراطية لاتُفرض علاقات تناسبية بين سلطة التصويت ومقدار المساهمات للنظام.

ان أغلبية المصوتين(الاكثرية) يمكنهم استعمال امتيازاتهم التجارية لفرض ضرائب على الأقليات الغنية نسبيا. هذا في تعارض مع الكيفية التي تُقام بها الشركات الخاصة والمنظمات. تلك المؤسسات الخاصة تخصص قوة تصويت وأرباح اسهم بطريقة ترتبط بكمية استثمار المصوت في النظام. اما في حالة البيروقراطيون فهم ليسوا فقط عمال للحكومة وانما مصوتون يسعون للحفاظ على مواقعهم عبر إعادة انتخاب الشاغلين للمناصب او عبر زيادة الضرائب لرفع رواتبهم الخاصة .ايضا، ان المسؤولين المنتخبين ليس لديهم حافز لتوفير افضل الخدمات الممكنة للناس. معظم المسؤولين المنتخبين هم فقط في المنصب لفترة قصيرة ربما 2 او 4 سنة. بمعنى هم فقط يستأجرون مناصبهم. لا حافز لديهم لترك المنصب الذي يشغلونه في مكان يُعتبر جيدا قياسا بما كانوا عليه سابقا . وبالتالي، يسعى المسؤولون المنتخبون لتعظيم سلطة مناصبهم لأجل مصالحهم الخاصة بدلا من مصلحة ناخبيهم.

عدم وجود منافسة

واذا كانت المنافسة في السوق تحسّن نوعية الخدمات، فان المنافسة ضمن النظام السياسي للدولة تقوم بالعكس. التحسينات تحدث فقط في الافعال اللااخلاقية: خداع، كذب، استغلال، سرقة، قتل. وبالتالي اولئك الذين هم الافضل في هذه المجالات يتفوقون في مثل هذا النظام السياسي. انه لا يعتمد على اولئك الحكماء بطبعهم، الاثرياء، الشجعان، او اي من ذوي الانجاز. بل في الديمقراطيات، كل شخص له الفرصة لممارسة السياسة كمهنة.

الشعار المناصر للديمقراطية كان "نحن نحتاج فقط انتخاب الناس المناسبين". هذا الشعار يتكرر في كل انتخابات. غير ان "الناس المناسبين"سوف لن يصلوا الى الحكم ابدا. حكمة الجموع عادة تُتخذ ذريعة، اي ان الرأي الجمعي لمجموعة من الافراد هو متفوق على رأي شخص واحد. عند تطبيق هذا على الديمقراطية سنجده أبعد ما يكون عن الحقيقة. الناخبون لهم القليل جدا من الحوافز لتعليم انفسهم في هذه القضية، او تحسين فهمهم للاثار المترتبة على الافعال السياسة. بعد كل هذا، لا توجد هناك مثبطات لعمل اختيارات خاطئة في صندوق الاقتراع. على عكس ما يحصل في السوق، الديمقراطية لاتوفر طريقة لتخصيص الموارد النادرة بفاعلية. هي فقط تتم عبر التصويت في صناديق الاقتراع دون اي عواقب. بكلمة اخرى، الحكومة هي سمسار في النهب، وكل انتخابات هي نوع من المزاد المُقام سلفا لبيع البضائع المسروقة.

الناخبون سوف يصوتون على تخصيص هذه الموارد التي تنسجم جيدا مع مصالحهم الخاصة بصرف النظر عن الحقائق الاقتصادية القائمة وتاثيراتها على المجتمع. وبالنتيجة، هناك فرصة للّاعبين لتعليم الجمهور كي يهيمنوا على الرأي العام. هؤلاء هم مختلف الكيانات مثل الاحزاب السياسية، مراكز البحوث، جماعات المصالح الخاصة، الشركات وغيرها. هذه الجماعات لها حصة كبيرة من الكعكة وسوف يستثمرون بقوة لكي يؤثروا على المخرجات السياسية كي تتلائم مع مصالحهم.

اغلبية تتعارض مع الحرية

الديمقراطية هي النقيض للحرية. ان اساس وحجر الزاوية في الحرية هو الملكية الخاصة، اما حكم الأغلبية فهو لا ينسجم منطقيا مع هذا المبدأ.ان ادارة الماكنة الاجتماعية للاجبار والقسر تأتي الى السلطة بواسطة الانتخابات التي بها يفرض صوت الاغلبية الهيمنة على الأقلية وامكانية مصادرة ملكيتهم. 51% من السكان يمكنهم السيطرة على الـ 49% الآخرين. انظر سكان الولايات المتحدة البالغين 322 مليون شخص. اي بمعنى 164 مليون يستطيعون إجبار الـ 158 مليون الآخرين للامتثال لأوامرهم. لكن الصورة ستكون اكثر قتامة لو عرفنا ان عدد الامريكيين المؤهلين للتصويت هو 218.9 مليون شخص، منهم فقط 146.3 مليون مسجلين للتصويت. في عام 2012 ذهب فقط 126.1 مليون شخص للتصويت. هذا يعني ان عدد المصوتين هو فقط 39% من السكان. وبالتالي فان شعار الاغلبية هو ليس الاّ مهزلة. وبالرغم من رسالة المبادئ الديمقاطية في المساواة والإنصاف، لكن لاشيء اكثر لاعدالة من هذه الصورة. الديمقراطية الحقيقية توجد بدلا من ذلك في السوق، حيث يكون اللاعبون الطوعيون احرارا من تهديد قوة الحكومة.

لننظر الآن في الحكام الديمقراطيين انفسهم. لقد رأينا سلفا ضبابية الفرق بين الحكام والمحكومين. أي، "نحن دائما نحكم أنفسنا" و "الناس هم الحكومة". الديمقراطية تعد بان اي شخص يستطيع ان يكون رئيسا او عضو مجلس شيوخ او عمدة عاصمة. هذا اُعتبر "خدمة عامة" ويُمارس بتقدير عال. هؤلاء المسؤولون المنتخبون اُعطوا حدودا محددة سلفا في فترة حكمهم للمنصب. في حالة الولايات المتحدة، هذه تكون لأربع سنوات محددة في دورتين فقط. وهكذا يكون المجموع الكلي 8 سنوات. بالاضافة الى هذه الفترات المحددة، المسؤولون المنتخبون ايضا اُعطوا سلطة على الموازنة العامة بدرجات متفاوتة. هذه الموازنات عادة تتم مصادرتها من الجمهور بوسائل مختلفة مثل الضرائب والتضخم. كذلك، هذه الموازنات تتقرر اعتباطيا طالما لا توجد آلية سعرية تسمح بتخصيص الموارد للمجالات الأكثر حاجة لها. فترات الحكم المحدودة مترافقة مع الموازنة العامة يخلق موقفا متفردا لهؤلاء المسؤولين. باختصار، هم وكلاء مؤقتون لمنطقة معينة تخضع لسيطرتهم مع عدم وجود اي مخاطرة على مواردهم الخاصة. الوكالة المؤقتة على الموارد (الملكية العامة) تتعلق بشكل رئيسي بدخل الوكيل الحالي دون الاهتمام بقيمة رأس المال. بالمقابل، مالك الموارد (الملكية الخاصة) يهتم بالدخل الحالي المشتق من الموارد، وقيمة راس المال المتجسدة فيه كانعكاس للدخل المتوقع في المستقبل. وبهذا، فان مصالح مالك الملكية الخاصة هي طويلة المدى، بينما مصالح الوكلاء المؤقتون هي قصيرة الاجل. ومن هنا فان المسؤولين المنتخبين ليس لديهم الحافز لعمل ما هو افضل لحياة الناس. بدلا من ذلك هم يعظّمون استعمالهم للنظام لمصالحهم الخاصة وبأسرع ما يمكن قبل انقضاء فترة حكمهم. وما هو اسوأ، هناك المناصب المنتخبة بدون فترات محددة جرى شغلها بسياسيين يجيدون اللعب في النظام وحيث يمضون كل حياتهم يتغذون من المال العام.

زيف السلام الديمقراطي

احدى الردود العنيفة ضد الديمقاطية هو الادّعاء المتعلق بنظرية الديمقراطية السلمية. اي ان الدول الديمقراطية لا تذهب للحرب ضد بعضها، ولذلك، كل العالم يجب ان يكون ديمقراطيا. من السخرية، ان الولايات المتحدة وهي النموذج العالمي للسلام، كان دورها في الشؤون الدولية مخالف تماما في ضوء عقيدتها بالاستثنائية الامريكية والتحمس لإثارة الحروب. التبرير للحروب الدائمة هو ان العديد من اللاعبين الدوليين هم غير ديمقراطيين ويقاومون الاصلاحات الديمقراطية، ولذلك، نحن يجب ان نخوض الحرب ضد تلك الدول لكي نحوّلها نحو الديمقراطية ونخلق سلاما دائما. نظرية السلام الديمقراطي تضع استنتاجاتها الواسعة ضمن فترة قصيرة من التاريخ الحديث مع حالات قليلة قبل القرن العشرين. في الحقيقة، الدليل الواسع الذي عُرض لدعم النظرية هو الملاحظة بان دول اوربا الغربية لم تذهب الى الحرب ضد بعضها بعد الحرب العالمية الثانية. ونفس الشيء، هناك حالات مثل اليابان وجنوب كوريا في اسيا. لابد من الاشارة هنا الى ان هناك خيط مشترك واضح يعمل في جميع هذه الدول. ذلك انها جميعها اصبحت جزءا من الامبراطورية الامريكية. هذا يثبته الدليل بحقيقة ان هناك قوات امريكية استقرت تقريبا في جميع هذه الدول. ما نراه هو ليس ان الديمقراطية لاتذهب للحرب مع بعضها وانما هناك قوة مهيمنة كالولايات المتحدة لا تسمح لمختلف قواعدها الكولنيالية لمحاربة بعضها. خلال هيمنة الاتحاد السوفيتي الاقليمية، لا احد من دوله ذهب للحرب ضد بعضها. مع ذلك، لا احد يدّعي ان الدكتاتورية الشيوعية لاتخوض الحروب مع بعضها البعض، وهكذا، تكون الدكتاتورية الشيوعية احسن خيار للسلام. هناك ايضا عدد قليل من النزاعات بين الدول الديمقراطية، مثل الغزو التركي لقبرص، حروب يوغسلافيا، الحرب بين الاكوادور وبيرو، الحرب بين الهند وباكستان، والحرب بين اسرائيل ولبنان.

نظرية السلام الديمقراطي تفترض ايضا ان الديمقراطية هي الحل الوحيد للسلام وان الدول غير الديمقراطية هي ليست سلمية.غير ان هذا لا ينطبق على الدول التي كانت غير ديمقراطية لكنها مارست سياسات ليبرالية وسلمية. هناك عدد هائل من الملكيات ما قبل الحرب التي لم تكن دكتاتورية ومارست سياسات سلمية اكثر من تلك الانظمة الديمقراطية في زمانها. مثال على ذلك، عهد هابسبورغ في المانيا والنمسا، او الامبراطورية العثمانية المتعددة ثقافيا. ان الديمقراطيات هذه الايام تبدو في حالة دائمة من الحروب، انه التمويل العام اللامتناهي لجيوب السياسيين ومراكز الصناعة العسكرية. بدلا من نظرية السلام الديمقراطي، انها يجب ان تسمى نظرية الحروب المبررة.

نقص المعرفة

اخيرا، ان ادارة نظام حكم الاكثرية هي مهمة صعبة. الديمقراطية اسوأ وسيلة لمثل هذه المهمة طالما معظم الناخبين تنقصهم المعرفة والخبرة ولم يقوموا ببحوث للوصول الى قرارات سليمة. انه مشابه لأداء عملية فتح للقلب بواسطة التصويت. العملية ستكون فكرة مروعة لو تسمح للناخبين يقررون كيف يجب ان يتصرف الطبيب بالعملية الجراحية. المريض بالتأكيد سيموت، ونفس النتائج نتوقعها عند محاولة ادارة نظام الحكومة.

 

حاتم حميد محسن

................... 

الهوامش

* المقال جزء من كتاب (الملكية الخاصة، القانون، والدولة) للكاتب Daniel Brackins، الصادر عام 2017، الكتاب يعرض طرحا دقيقا وصارما لنظرية حقوق الملكية وأصل الاخلاق.

(1) وهو مؤرخ واقتصادي امريكي من المدرسة النمساوية (1926-1995)، لعبت كتاباته دورا بارزا في تطوير التحررية الحديثة، يقول : منْ كان في روما اكثر شعبية من سبيروس ميلوس وهو يتأمل عبودية الشعب الروماني؟ منْ كان اكثر افتخارا في هذه الاحزاب القوية، الأتباع الهائلين، الهتافات والتصفيق والاحترام العالي، الغنائم والجوائز والمكانة من الدكتاتور الروماني ماريوس او الدكتاتور بومبي او القيصر او اوغسطس، وهم يطيحون بالدول ويقمعون البشرية، يذبحون نصف العالم ويضعون الأغلال في أعناق الآخرين؟ منْ كان اكثر دجلا واكثر إعجابا من بعض المصلحين الدينيين؟ كل هؤلاء الناس كانوا اعداءً للحرية وللحقيقة والسلام، كانوا طاعونا ووباءً في الارض، لكنهم خدعوا وحطّموا شعوبهم بموافقتهم(موافقة المحكومين). انهم بوحشيتهم المفرطة نالوا أعلى شعبية.

 

عدنان عويدمع قيام الخليفة المتوكل عام (232 هـ) بوضع تاج الخلافة على رأس القائد العسكري التركي "إشناس"، فقد العرب سلطتهم السياسية في دولة الخلافة، وتراجع كل ما يتعلق أو يرتبط بحياة العرب في مضمار هذه الخلافة اقتصاديا، وثقافيا. بينما راح الأعاجم تاريخياً بكل أشكالهم وتلاوينهم وانتماءاتهم، من (فرس وديلم وبويهيين وأتراك وسلاجقة ومماليك وتتر ومغول وأغز  وصفويين وعثمانيين)، يتقدمون ويفرضون نمط حياتهم وحضارتهم على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وإلى حد ما الاجتماعية، في الدولة أو الخلافة التي يمكننا أن نسميها آنذاك العربية الإسلامية مجازاً.

هنا بدأت الشعوبية تمارس نشاطها الثقافي/ القومي بجدية وحيويّة على الدولة والمجتمع.

إن الشعوبية في أساسها حركة قومية اعتمدت خطابها السياسي والثقافي سلاحاُ لها ضد العرب. وأبرز ما يميز مرحلة الحراك الشعوبي، هو ردود الفعل العربية تجاهها، إذ راحت النخب المثقفة العربية ومن يوالي العرب ولأول مرة في التاريخ العربي تعمل على تأكيد ذات العرب (قومياُ) بشكل واعٍ عن طريق إظهار سمات وخائص العرب في مواجهة الحركة الشعوبية التي أرادت النيل من هذه السمات والخصائص. وعلى أساس هذه المواجهة، راحت النخب العربية المثقفة تؤلف الكتب حول أهمة اللغة العربية ودورها كلغة للقرآن والفقه. كما أخذت تركز على الشخصية العربية وإبراز تمايزها ونبالتها أمام غيرها من الشعوب، وخاصة شعوب تلك الشخصيات المعادية أو الممثلة لتيار الشعوبية، كما كانت العودة إلى التراث العربي مثل الشعر والحكم والأمثال العربية، والبحث فيها عن أصالة العربي وقيمه. فهذا الجاحظ يرد في كتابه "البيان التبيين" وهناك "الأصمعيات والمفضليات" للأصمعي وللضبي. أما في كتب التاريخ، فكان هناك كتاب "المعارف" لابن قتيبة. وكانت هناك كتب الأنساب مثل" أنساب الأشراف وفتوح البلدان" للبلاذري.(1)

لقد كان لردود الفعل العربية في مواجهة الشعوبية دور بارز وإيجابي على العرب، فالكتاب الذين تصدوا للشعوبية، استطاعوا لفت الانتباه إلى مقومات الأمة العربية ودورها التاريخي وثقافتها وقيمها كما أشرنا أعلاه. وبذلك وضعوا الارهاصات الأولية للوعي القومي العربي، وكرسوا مفاهيم وقيماً تؤكد دور هذه الأمة التاريخي، مثلما استطاعوا باشتغالهم هذا، وما تضمنه من محرضات تتعلق بمسألة العروبة، تأكيد مقدرة هذه الأمة على لعب أدوار في تاريخها اللاحق، ولا سيما الحديث والمعاصر في مواجهة الغزو العثماني والأوربي. فمواقف العرب اللاحقة استطاعت عمليا تأكيد أصالة هذه الأمة والقدرة على استمراريتها رغم كل التحديات التي تعرضت لها عبر تاريخها الطويل.

لا شك أن وضعية الصراع بين العرب والشعوبيين تحت مظلة الخلافة في العصور الوسطى، أدت إلى انتصار الشعوبية سياسياُ، أما ثقافياً فقد ظلت اللغة العربية هي اللغة السائدة وبها وبخطها كتبت الشعوب الغازية أو المنضوية تحت مظلة الخلافة العربية الإسلامية.  أما جنسياُ فقد ظل العرب جنساً متفوقاً حتى في نظر قادة هذه الحركة من الشعوبيين الذين كانوا على هرم السلطة، بسبب انتساب الرسول للعرب. وهذا ما جعل "عضد الدولة" البويهي المسيطر سياسياُ على بغداد (367- 372) هـ ، يفرض على "أبي اسحق الصابي" أن يضع له نسباُ عربياً، ففعل ذلك تحت التهديد(2).

ومن الطرافة القول هنا: إن مسألة الانتساب للعرب أو لبيت الرسول، لازالت قائمة وبحيوية في تاريخنا الحديث والمعاصر، لدى المجتمعات العربية ورجال سياساتها. فهذا ابراهيم باشا الألباني عندما احتل بلاد الشام وقف يخطب بجمهور من استقبله في أول منطقة احتلها قائلاً: (أنا عربي وشمس مصر صبغتني بالصبغة العربية.). ولا نستغرب أن صدام حسين وعبد الناصر أكدا نسبهما لبيت الرسول... بل إن السيد حسن نصر الله أعلن أن الامام الخميني وكذلك الخامئني يعودا بنسبهما إلى العرب وإلى آل البيت حصراُ!!.   أما على مستوى العائلات العربية فما تزال تتفاخر بأنسابها، وغالباً ما تجد الكثير من هذه العائلات تحتفظ بشجرات أنسابها معتزة بها..

إن ضعف الدولة العربية الإسلامية وتمزيقها، وظهور الإمارات والدويلات شبه المستقلة، أو المستقلة كلياُ عن الخلافة في العصور الوسطى، ثم ما أفتى به بعض رجال الدين لسلطة الأعاجم من حيث قونونة أو شرعنة السيطرة على السلطة بـ "الغلبة" حتى ولو كان أعجميا، أو لو كانت البيعة بموافقة شخص واحد فقط، كما فعل الماوردي في "الأحكام السلطانية" وغيره من الفقهاء الذين اشتغلوا على هذه الأحكام، وذلك لخلق تسويات تجاري أمر الواقع العملي إقراراً لواقع الحال، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الشعور العروبي، كما جرى مثلاً في القرنيين الهجريين الثالث والرابع. فمع قيام الامارة "الطاهريّة" و"الصفاريّة" و"السمانيّة"، بدأ النثر والشعر يكتب باللغة الفارسية الحديثة. (3). فكان ذلك بداية ضعف الثقافة العربية والحس القومي العربي، وبالتالي التشجيع على ظهور هويات شبه مندثرة راحت تشكك بالعرب والإسلام نفسه. (4).

حقيقة إن مفهوم العروبة، قد مر بحالة من التطور والتبدل، ففي إطار الدولة العربية الإسلامية،  تطور مفهوم "الأعراب" من حالة اجتماعية، (قالت الأعراب آمنا)، إلى حالة "لغوية" كما في حديث الرسول: (العربي هو من تكلم العربية)، ثم إلى حالة "عقيدية" " أمة الإسلام"، وخاصة مع تعمق الدعوة الإسلامية وانتشارها.

لقد ظل مفهوم القومية سائباً ومتوتراً حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة الربع الأخير منه. ولكن بسبب السياسية المليّة للدولة العثماني تجاه الأقليات الدينية وخاصة المسيحية، ثم موقف الدولة العثمانية ذاتها من العرب مع ظهور النزعة الطورنيّة لديهم. ساهم في دفع الأقليات الدينية ومعهم الكثير من المثقفين العرب التنويريين أن يتجهوا باتجاهين لتأكيد ذاتها هما:

الأول: توجه بعض الأقليات نحو الفكر اليساري وتشكيل الأحزاب الشيوعية.

الثاني: وفيه توجه الكثير من النخب العربية من المسيحيين والمسلمين العرب نحو تبني الفكر القومي في صيغته المعاصرة التي طرحها الغرب مع صعود الطبقة البرجوازية في أوربة.

وهذا التوجه يحتاج منا النظر في آلية تشكله وتطوره ودرجة فهم حوامله الاجتماعيين له، ما بين من حركته العاطفة لهذا الاتجاه، وبين من سار لخدمة الغرب لاضعاف الدولة العثمانية. وما بين من فهم السيرورة والصيرورة التاريخيتين العقلانيتين لهذا المشروع.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...................................

* كل المقالات التي نشرتها حول الفكر القومي. يمكن الاستزادة بالعودة إلى كتابنا (إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط - ط1 دار المدى – دمشق – 1997.) وكذلك الطبعة الثانية – دار التكوين – دمشق – 2006.

الهوامش"

1- عبد العزيز الدوري – التكوين التاريخي للأمة العربية- دراسات الوحدة العربية – ط3- 1986 ص101 وما بعد.

2- المصدر نفسه.

3- المرجع نفسه ص99.

4- عبد الرحمن بدوي – تاريخ الحاد في الإسلام –مكتبة النهضة – 1945.

 

 

منذ بعض الوقت كتب أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة د. عمرو عادلي يقول أن الفساد والمحسوبية التي يقال أنها السبب المباشر وراء الاحتجاجات الأخيرة هي نتيجة أكثر منها سبب، نتيجة لأن كثير من دول المنطقة والعالم الثالث ذات اقتصاد ريعي يعتمد على مورد وحيد مرتبط بالخارج: نفط، مساعدات أو ديون خارجية، تحويلات العمال في الخارج الخ.. ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها أحد عن الاقتصاد الريعي في العالم الثالث، فقد استخدمه الاقتصادي الإيراني حسين مهدوي في مقالة عام 1970 ليشخص حالة الاقتصاد الإيراني وقتها الذي كان تحت هيمنة الشاه كما نعرف وليحاول أن يفسر لماذا لا تثور الجماهير الإيرانية على حاكمها.. حسب مهدوي هذا وآخرون فإن الريع المرتفع الذي تستولي عليه السلطة يسمح لها بناء شبكة من المحاسيب والمرتزقة تتيح لها استقلالية كبيرة عن القاعدة التحتية أو عن المجتمع واستقرارا مؤقتا رغم أنه يبقى عرضة لهزات كبرى بالطبع الخ.. كان آدم سميث قد سبق مهدوي وعادلي إلى القول بأن الريع هو الدخل الذي يحصل عليه الفرد دون أن يزرع أو يحصد، اي الدخل الذي يأتي دون بذل أي جهد أو عمل.. وجاء بعده جورج قرم ليقول أن الاقتصاد الريعي هو اقتصاد يعتمد أو ينحصر في ميادين وقطاعات ذات ربحية عالية "دون أي نشاط إنتاجي أو إبداعي يذكر".. وكالحديث عن أي شيء في هذا العالم، قد يتسبب الكلام عن الاقتصاد الريعي ببعض المشاكل لبعض الناس، في هذه الحالة لنا نحن.. قد يمكن اعتبار بلدان مثل السعودية وقطر والعراق والجزائر ولبنان تعتمد بشكل كبير أو كامل على مورد وحيد ومرتبط بالخارج بأنها دول ريعية أو ذات اقتصاد ريعي.. حتى دولة لم تتأسس بعد كالسلطة الفلسطينية وأخرى تقول أنها ما تزال في طور الثورة كالثورة السورية وكل ما حررته من سوريا، تعتمدان هما أيضا بالكامل على المساعدات الخارجية وفي كثير من الأحوال على ما يشبه التسول.. وقد يقول بعض من يحبون الاصطياد في المياه العكرة أن المساعدات الضخمة التي تحصل عليها مصر والأردن بسبب مواقفها وخدماتها العسكرية والسياسية قد تصنف على أنها موارد ريعية أيضا.. وإذا وضعنا كل هذا إلى جانب تشخيص ابن خلدون لدولنا على أنها دول عصبيات تصعد ثم تزدهر وتسقط أخيرا أمام عصبية أو عصبة منافسة، فقد يذهب نفس محبي الصيد في مياهنا العكرة إلى أن بلادنا ودولنا ليست إلا دولا ريعية تتنافس فيها جماعات مختلفة، أهلية، طائفية، سياسية، شعبية، عشائرية على السيطرة على الدولة التي هي مجرد غنيمة يريد الجميع الاستيلاء عليها وعلى مواردها لبعض الوقت قبل أن تنجح مجموعة أو جماعة أو عصبة أخرى في الاستيلاء عليها وهكذا.. الحقيقة أن كثير منا، مثقفين وناس عاديين، يشعرون بحساسية كبيرة من هذا المصطلح : الاقتصاد الريعي والدولة الريعية، قد يكون الإخوة والرفاق الأردنيون من أكثر هؤلاء الذين يرفضون إلصاق هذا المصطلح ببلادهم، وتجد كذلك مثقفين وصحافيين كويتيين يستنكرون تطبيق هذا التعريف على الكويت ويستخدم كثير منهم الاحتجاجات الأخيرة في العراق ولبنان والجزائر واحتجاجات أصغر في الأردن وغيره كبرهان على كلامهم.. طبعا نعرف جيدا أن كلام مهدوي لم يكن صحيح تماما ففي النهاية ثار الإيرانيون وجاؤوا كما نعرف جميعا بعصبة أخرى حلت مكان الشاه في الاستئثار بعائدات النفط وقمع احتجاجات المهمشين والمتضررين من الشكل الحالي لتوزيع تلك العائدات أو الريع، ما يسمى اليوم بنظام الملالي، ما كان الثورة الإيرانية قبل أربعين عاما.. لكننا خلافا للكثير من المثقفين من غير بني جنسنا وعشيرتنا نملك حلولا لكل شيء، إذا بدت مشكلة ما عويصة وغير قابلة للحل لصالحنا يمكننا بكل بساطة تجاهلها وإنكارها.... هكذا تحول اليسار العربي أو ما تبقى منه أو ما نتج عنه، من شعار : من كل بحسب قدرته ولكل حسب عمله، إلى شعار أكثر انسجاما مع واقعنا العربي : لكل حسب نصيبه "العادل" من الريع العام، نقطة انتهى.. هذا لا يعني أن أحدا ممن يعيشون في دول ريعية ويحصل أو يطالب بالحصول على نصيبه العادل من الريع العام، قد توقف عن شتم العاهرات ومدمني الكحول والمخدرات وكل من يعيش على كيفه أو على طريقة البوهيميين بأنهم طفيليون وقليلو الأدب والأخلاق، بالعكس تماما، هناك فورة أخلاقية عامة، الجميع تقريبا يتحدث عن قيمة العمل والعدالة والأخلاق والقيم والمجتمع كقديسين، كشيوخ، بذقون أو بكرافتات.. يذكرنا هذا بالعهد البريجنيفي عندما كان المهم هو أرقام الإنتاج المسجلة على الورق التي ترفع للقيادة، عندما كان العمال الروس يتصنعون أنهم يعملون بينما كانت دولتهم العتيدة تتصنع أنها تدفع لهم، في مثل ذلك الوقت حكم النظام البريجنيفي على الشاعر جوزيف برودسكي عام 1964 بالسجن خمس سنوات بتهمة التسكع والتطفل وعدم القيام بعمل مفيد اجتماعيا.. في الحقيقة إذا استثنينا صهر ماركس بول لافارغ، القرنسي من أصل كوبي والذي أنهى حياته منتحرا مع زوجته لاورا ماركس خوفا من الشيخوخة الأمر الذي أثار عاصفة من الاستهجان بين تلامذة ماركس ومريديه، وبعض الماركسيين الإيطاليين وغيرهم الأقرب إلى ما يسمى بالماركسية التحررية، فإن الماركسيين لم يدعوا إلى الامتناع عن العمل، بالعكس تماما.. رغم انتقاده للعمل في ظل الرأسمالية فإن ماركس عرف الإنسان حسب أسلوب الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة.. لسنا إلا منتجين، حتى غير المنتجين هم بالتأكيد ممن يعيشون على القيمة الزائدة المنتزعة ممن يعملون.. ليس الإنسان إلا جزءا من ماكينة الإنتاج أو علاقات الإنتاج.. مع ذلك يبدو من الصعب الحكم ما إذا كان من الممكن اعتبار استبدال اليسار العربي والعالم ثالثي شعاره القديم "من كل بحسب قدرته ولكل حسب عمله" بشعارخ الجديد "لكل حسب نصيبه العادل من الريع العام" على أنه تطور جديد في فكر وممارسة هذا اليسار أم لا، عندما حكم ماركسيون روسيا والصين وألبانيا عاشوا حياة الأباطرة والرأسماليين الذين اعتادوا على وصفهم بالطفيليين الذين يعيشون على عمل الطبقات الأدنى.. لكن ستالين ولينين وبريجنيف لم يكونوا وحيدين في محاربة المتسكعين والمتشردين والعاهرات ومدمني الكحول، كل من يوصفون بذوي السلوك المعادي للمجتمع.. النازيون أيضا اعتقدوا أنه يجب التخلص من كل من يشكل عبئا على الآخرين الذين يعملون بجد كالمصابين بالصرع والمرضى النفسيين ومدمني الكحول، كل من يرفض العمل لصالح المجتمع وكل من لا يستطيع أن يعمل.. حمل سجناء معسكرات الاعتقال والموت الجماعي النازية من ذوي السلوك المضاد للمجتمع أي رافضي العمل إشارة سوداء.. أما العاهرات فقد استخدمن للترفيه عن الجنود، ما عدا ذلك كان مصيرهن كمصير بقية أعداء المجتمع ورافضي العمل لصالحه.. اعتقد النازيون أيضا أن الشعوب التي لا تملك وطنا يجب إبادتها هي الأخرى كاليهود والغجر.. الفارق الأهم في حالة العاهرات ومدمني الكحول والمخدرات ومن يعيش أو يفضل حياة التشرد والتسكع على حياة العمل عمن يعيش على حصة تكبر أو تصغر من الريع العام، هو أن العاهرات والمدمنين والمتسكعين يوجدون ووجدوا على الدوام بغض النظر عن وجود اقتصاد ريعي أو لا، وأنه رغم أن الغالبية في الدول الريعية لا تعمل شيئا بالفعل لكن تلك الغالبية تشعر بأنها تملك الحق في محاكمة الآخرين أخلاقيا وحرمانهم من نصيبهم العادل في الريع العام لأنهم مدمنون أو متسكعون أو عاهرات وترفض بغضب أية مقارنة بينها وبين العاهرات والمدمنين والمتسكعين وأنه رغم كل الثورات وفي كل الثورات لا يحسب حساب هؤلاء في أي توزيع جديد للريع العام أو للدخل يهدف كما يقول أصحابه إلى توزيع أكثر عدالة.. وأن هذا التوزيع سينتهي عاجلا أم آجلا بتوقف الحكام الجدد عن العمل، هذا إن كانوا يعملون أصلا، وإلى حصولهم على الجزء الأكبر من الريع العام، بانتظار الثورة القادمة.. كما قال جورج أورويل، كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من بعضها الآخر

 

مازن كم الماز

 

عبد الحسين شعبانشكّل مؤتمر «فكر 17» الذي انعقد في الظهران مؤخراً تظاهرة حقيقية لمراجعة تيارات الفكر العربي والمفاهيم السائدة، وذلك في ضوء التحوّلات العميقة التي يشهدها عالمنا وازدياد حجم المعرفة العلمية المختلفة ونتائج ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام، الأمر الذي يطرح على المثقفين العرب أسئلة ملحّة راهنة ومستقبلية تتعلق بموقع الإنسان العربي من هذه التحوّلات وأي فكر عربي جديد يحتاج، خصوصاً أن الفكر هو انعكاس للواقع الاجتماعي والاقتصادي ودرجة تطور المجتمع.

وكان ثمة محاور اقترحتها مؤسسة الفكر العربي للنقاش والحوار تتعلق بالسياسات التربوية ودور العلوم الاجتماعية والإنسانية والثورة الصناعية الرابعة والمفهوم الجديد للتنمية والاقتصاد الرقمي، ومفاهيم الدولة والمواطنة والمشاركة وثقافة التسامح ودور الثقافة والمثقفين في بلورة رؤى وتصورات جديدة يمكن أن تشكل ملامح أولية لفكر عربي جديد، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع الأهلي في تجديد الفكر العربي.

وإذا كان ثمة مجتمع أهلي فإنه يختلط بغيره من المفاهيم، فهو غير المجتمع المدني، الذي نطلق عليه أحياناً اسم «القطاع الثالث» (أي بين القطاعين العام والخاص)، أو القطاع غير الهادف إلى الربح، أو المعفى من الضرائب أو «القطاع المستقل» أو المنظمات التطوّعية، ويقصد به أحياناً المؤسسات الخيرية وهذه التسميات جميعها تصف شيئاً واحداً، هو وجود مؤسسات غير حكومية مستقلة عن أجهزة الدولة، وإنْ كانت مختلفة ومتنوّعة في أهدافها ووسائلها.

وفي المجتمع الأهلي تنشأ العلاقات بصورة تقليدية ومتوارثة في الكثير من الأحيان عبر العائلة أو العشيرة أو الدين أو الطائفة أو القومية أو المنطقة الجغرافية أو غير ذلك. أما في المجتمع المدني فهي غير متوارثة، أي أن الانتساب إليها حرٌّ ووفقاً لخيارات الإنسان، وتخضع لمبدأ الانتخاب والتداول. وبهذا المعنى تختلف مؤسسات المجتمع المدني عن هيئات المجتمع الأهلي، ففي حين أن الأولى مفتوحة وحداثية، فإن الثانية محصورة بالعشيرة أو الطائفة أو المنطقة، أو غيرها ولا تقبل الانتساب إليها من خارج الدائرة الضيقة. وبهذا المعنى فإن مؤسسات المجتمع المدني تمتاز بالتنوّع والاختلاف والتعدّدية داخلها، أما الثانية فهي هيئات فئوية خاصة أي مقتصرة على مجموعة محدّدة بحكم رابطتها الخاصة ولا تسمح بالانضمام إليها إلّا لمن هم من نفس الصنف.

وهكذا تختلف هيئات المجتمع المدني عن هيئات المجتمع الأهلي من حيث الأهداف والوسائل:

أولها- أنها لا تستهدف الوصول إلى السلطة ولا تنخرط في الصراع الإيديولوجي والسياسي الدائر في المجتمع وأنها تضع مسافة واحدة بينها وبين السلطات من جهة وبينها وبين المعارضات من جهة أخرى، وهدفها دعم خطط ومشاريع التنمية والسعي للمشاركة في اتخاذ القرار وفي تنفيذه ومراقبة حسن الأداء للجهات الحكومية.

وثانيها- اقتراح مشاريع قوانين ولوائح وأنظمة وتقديمها إلى الجهات التشريعية والحكومات، ومناقشة ما يصدر عنها، سواء في إعدادها أو بعد صدورها.

وثالثها- الإسهام في بناء مواطنة سليمة ومتكافئة ودون تمييز لأي سبب كان من خلال نشر وتعميم قيم التسامح والسلام واللّاعنف والمساواة والعدالة والمشاركة والتعايش وقبول الآخر.

ورابعها- العمل على بناء قدرات الأفراد وتأهيلهم وتنمية مهاراتهم وتدريبهم ليساهموا مع مجتمعاتهم وفي مؤسساتهم المهنية والاجتماعية والنقابية للدفاع عن مصالح منتسبيها وعن مصالح المجتمع ككل، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية وتنمية روح الحوار والتفكير الحر والحق في التعبير.

وخامسها- تشجيع الجهود التطوّعية والمبادرات الفردية والجماعية، بما يعزّز التضامن والتكافل والتعاون والتساند بين جميع الفاعليات.

باختصار فإن المفروض في هيئات المجتمع المدني أن تصبح «قوة اقتراح» وشريكاً ومكمّلاً للدولة، وهذا يحتاج إلى توفر شروط وأسس قانونية واقتصادية - اجتماعية وثقافية واستقلالية مالية لكي تقوم بدورها، وذلك في إطار تلازم بين الدولة والمجتمع والمواطن والسوق، ولا يمكن تصوّر دولة دون مجتمع، كما لا يمكن تصوّر مجتمع دون دولة، أي قوانين وأنظمة ومؤسسات لحفظ النظام والأمن العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، ويفترض أن تسعى الدولة لتوفير مستلزمات العيش الكريم لمواطنيها وتهيئة الفرص المتكافئة أمامهم للتطوّر والمنافسة الحرة.

لقد أصبح وجود هيئات مجتمع مدني اليوم عاملاً أساسياً من عوامل نجاح التنمية المستدامة، في المجالات المختلفة، إذْ لا يمكن للدولة القيام بمهماتها دون مساعدة ومساندة ودعم منها. وهكذا فإن وجود هيئات للمجتمع المدني العربي، وهو أمر قائم، وتوسيع دورها الفعلي يفتحان الباب لشراكة جديدة في الحياة العامة لتفعيل وتجديد الفكر العربي ومنظوراته إزاء قضية التنمية الإنسانية الشاملة والمستدامة، إذْ لا يمكن إحداث تغيير فكري حقيقي دون مساهمة جادة من جانب المجتمع المدني، وذلك جزء من مسار كوني لا يمكن لأي مجتمع أن يعفي نفسه منه، وهنا يكمن التوازن والتكامل بين الدولة والمجتمع، فوجود هيئات للمجتمع المدني نشيطة وفاعلة وشريكة، يعني وجود دولة قوية ومواطنة حيوية ومتكافئة وفكر منفتح يتقبل الاختلاف.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية: أفق مغلق وبدائل محتملة (2)

سوف اتناول في حلقات لاحقة مختلف اشكاليات ومستويات الخلل في الفكرة القومية الكردية التي أدت إلى انتاج نمط ظاهري وآخر مستتر في تحديد السلوك العملي والفعلي للأحزاب القومية الكردية في عراق ما بعد الصدامية. والشيئ الأولي والأكثر وضوحا وجلاء هو اندماجها وتأييدها المطلق للغزو الأمريكي للعراق واحتلاله. والسبب يقوم في أن الحركة القومية الكردية تتسم من حيث صيرورتها وكيانها الحالي بضعف تاريخي ذاتي. الأمر الذي أدى إلى بلورة رؤية مشوهة يقوم مضمونها في أن الحصول على "حقوق قومية" ممكن فقط في ظل ضعف الدولة وهيمنة الفتن فيها. وتحول هذا الموقف السياسي الضيق، والذي يفتقد إلى أبسط مقومات الرؤية الاستراتيجية المستقبلية، إلى "فكرة" متغلغلة في الوعي السياسي اقرب ما تكون إلى غريزة عملية! بمعنى انها لم تعد تثق بعرب العراق وقواه السياسية والاجتماعية، أي بالرصيد التاريخ والثقافي لصيرورة العراق وكينونته الحالية. وينطبق هذا في الواقع على جميع الحركات القومية التي نشأت ليس في العراق فحسب، بل وفي إيران وتركيا وسوريا. وهذه قضية ومشكلة وإشكالية ومعضلة بقدر واحد. وسوف اتناولها في حلقات لاحقة.

ولكي لا تكون الأحكام نظرية ومجردة فقط، لهذا يمكن تأملها والحكم عليها من خلال عينات "كلاسيكية" كما هو الحال في العراق، أي في البلد الذي حصلوا فيه على حقوق قومية كبيرة ثقافية وإدارية منذ بداية سبعينات القرن العشرين، رغم كونهم ليس شعبا عراقيا أصليا (فالشعب الأصلي لا يدعو ولا يطالب ولا يسعى للانفصال، لأنه أصلي ومن ثم هو وطنه). وقد كانت هذه الانجازات من حيث الجوهر مرتبطة أولا وقبل كل شيئ بالقومية العربية وقواها لاجتماعية الحية والتقدمية (من وطنيين وليبراليين، وقوميين، وشيوعيين). وقد لعب الشيوعيون دورا حاسما في بلورة شعار الدفاع عن "الحكم الذاني للأكراد" بحيث وضعوه في صلب شعارهم الأساسي (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان). والذي جرى تحقيقه للمرة الأولى عام 1970، وتوسيعه للمرة الثانية عام 2005، أي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، بظهور فكرة "الفيدرالية".

فقد كان الشعار السياسي للحركة الشيوعية تعبيرا عن نزعة قومية لقومية صغيرة وأطرافية، ولا علاقة له بفكرة ومبادئ الأممية الشيوعية. وعموما هو شعار تبلور وتوسع بعد أن جرى "تكريد" القيادة السياسية للحزب الشيوعي. إذ تحول في نهاية المطاف إلى حزب قومي كردي وذيل مسلوخ للحركة القومية الكردية بشكل عام والبرزانية بشكل خاص. وهو أمر أقل ما يقال فيه هو اتصافه بالانحطاط السياسي والضعف العقلي والخراب الأخلاقي. ولم أعثر أنا شخصيا، بعد تتبع شعارات الأحزاب الشيوعية في جميع دول العالم وعلى امتداد تاريخها، على حزب وضع الدفاع عن قومية صغيرة وأطرافية في صلب شعاره الرئيسي (غير الجزب الشيوعي العراقي!) ولاحقا تبين بأن جميع "القادة" الأكراد هم اتباع البرزانية، ولا وجود لمسحة ونفحة ولو قليلة للأبعاد الوطنية العراقية والفكرة الشيوعية. وإذا كانت الحالة الأولى مثيرة بالنسبة للتأمل السياسي، فإن الثانية لا إشكالية فيها. إذ لا يمكن لأهل الجبل أن يفهموا ويدركوا معنى الشيوعية (الماركسية)، باستثناء بعض الشعارات البسيطة. بل لم تفهمها الكثير من الأحزاب السياسية الكبرى، بما في ذلك الألمانية. وعموما هي شعارات لم تكن بحاجة إلى ماركسية. لكنها مفهومة ضمن سياق ما يسمى "بالاندماج الخرب". وهذه هي في الأغلب صفة جميع الأقليات، بلا استثناء، في جميع دول العالم. وهي مشكلة فعلية.

إن هذه المقدمة ونتائجها أخذت بالوضوح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وشاركتهم بها مختلف القوى السياسية العربية (العراقية) من شيعية وسنية وليبرالية ومستقلة وشيوعية! وهو موقف يعكس هراء الزمن العراقي، وسخافة العقول، وتفاهة الضمائر، وانعدام الرؤية التاريخية المستقبلية.

غير أن "حصة البغل" كانت فيها للأكراد. ولا معنى للقول هنا بحصة الأسد، إذ عن أية أسود يمكن الحديث هنا؟ ولكي لا نخدش شخصية البغل، فلنقل "حصة الضباع"، أي القوى البهيمية التي تعيش على النفايات والفطائس.

فقد كانت مهمة الجميع الحصول على "حصة"، وجدت انعكاسها في نظام "المحاصصة". وهي "فكرة" كردية خالصة. فقد نقلت الأحزاب القومية (الطالبانية والبرازانية) المتحاربة والمتقاتلة والكارهة أحدها للآخر بمستوى الغريزة، اتفاقهم الدائم على "القسمة العادلة" لكل من يمكن الحصول عليه. فهي قوى لا تنتج، بل تعودت على الأخذ والسرقة. إنها تفتقد لروح العطاء. وهكذا كان الأمر على الدوام. وهي ظاهرة مرتبطة بطبيعة البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية. فالحصة هي بين "الزعماء" والعائلات والقبائل، ولا علاقة لها ببسطاء الأكراد. فهؤلاء مجرد "مادة" وخدم وعبيد محكومين بقوة غاشمة غدارة قاسية ووحشية لكل من يتجرأ ولو بالحد الأدنى من النقد الهامس وليس حتى العلني. 

فقد كانت فكرة المحاصصة "طبيعية" بالنسبة للقوى القومية الكردية. وجعل الاحتلال الأمريكي منها منظومة من خلال إدخال فكرة ومفهوم "المكونات"، وجرى رفعها الى مستوى المادة الدستورية والنظام السياسي والدولة. وقد كانت تلك عثة خطرة للغاية. وقد كتبت حينذاك العديد من المقالات والأبحاث النقدية والكتب، التي كانت ترمي بهذا الصدد، إلى بلوغ فكرة جوهرية وعملية في النفس الوقت، ألا وهي ضرورة إبعاد القوى الكردية عن المركز، والعمل على إخراجها مما يسمى بالعملية السياسية ما لم يجر ترتيب البيت العراقي (العربي)، أي المركز ونظامه السياسي الجديد. بنما جرى اعتبار ما كتبته انذاك "شذوذا" و"شوفينية" و"قومجية" و"عنصرية" و"بعثية" و"رجعية" وما شابه من كليشات غبية من جانب قوى "اليسار" والكردية. وهو أمر مفهوم، لأنهما كلاهما كانا من طينة واحدة في العراق آنذاك. فقد كانت هذه الفكرة تبدو غريبة وشاذة ولم يقاسمها إلا عدد قليل على عدد أصابع اليد. لقد كانت تلك الفكرة محكومة بفكرة البديل المستقبلي وليس بالفكرة القومية الضيقة. انهما كانت مهمومة بحقيقة الفكرة الوطنية العراقية. وقد وضعت فيها اكثر من كتاب(الهوية الوطنية العراقية) و(فلسفة الاستعراق- فلسفة الهوية العراقية) وكثير غيرها. وهي الفكرة التي شقت لنفسها لطريق بصعوبة بالغة، والأهم من ذلك توصل إليها "الشارع العراقي" بنفسه في الاحتجاج الشعبي والتمرد السياسي الحالي في مناطق الوسط والجنوب، أي في مناطق الأس والمصدر للروح العراقي الأصيل. بمعنى مطالبتهم بمحاسبة القوى القومية الكردية على كل ما اقترفته من جرائم وسرقة وتخريب للعراق.

إن إشكالية المحاصصة التي ادخلتها القوى القومية الكردية في اتساق تام مع الاستراتجية الأمريكية لتفتيت العراق قد لاقت موافقة الحركات والأحزاب الشيعية الكبرى. ومن ثم ساهمت في إرساء أسس المحاصصة (بوصفها ممثلة "المكون الأكبر"). ودافعت عنها بقوة لا تقل عن نظيرتها الكردية. ومن ثم دخلت بوعي أو دون وعي في "عرس الخيانة". الأمر الذي افسد كل تاريخها. بل يبدو من الصعب الآن الحديث عن وجود تاريخ عميق عريق أصيل فيها. من هنا انهماكها الرهيب في الحصول على كل ما يمكن الحصول عليه في كل مفاصل الدولة والثروات الوطنية. بحيث اصبحت هي محرك الخيانة الاجتماعية والوطنية. غير أن هذه قضية أخرى سوف اتناولها في حلقات نقدية حالما أعود إلى استكمال حلقات (العراق- نقد الواقع وتأسيس البدائل).

لقد جرى كل ذلك حسب المثل القائل "الطيور على أشكالها تقع". والأفضل القول "الغربان على أشكالها تقع". مع فارق واحد وهو أن الغراب ذكي وحاد الذاكرة. بل ان الغراب لا يشبه ابراهيم الجعفري أحد النماذج الأولية الفاقعة لهذه الظاهرة والحالة. فقد كان هو اخرس العقل، ثرثار اللسان، سخيف العبارة، فاقد للوجدان. والبقية اشكال متنوعة لهذه الحالة.

ان لكل هذه الظاهرة مستوياتها ومحدداتها ونماذجها وآثارها. لكنني اكتفي هنا بنقد احد ملامحها الأولية ما بعد الدكتاتورية الصدامية في مجال الصراع من اجل السلطة والزعامة. ومن ثم الصراع من اجل مصادر الثروة عبر السرقة المنظمة الجديدة (القديمة) للثروة الوطنية.

فقد ظهرت آنذاك حالة اغرب ما فيها هو مواجهة "الحلفاء" أحدهم للآخر كما لو انه العدو اللدود! وهي حالة فعلية، بمعنى أن القوى التي تحالفت بعد الانتخابات الديمقراطية الأولى في العراق كانت تسعى لاستكمال فوزها بالاستحواذ التام على السلطة. وينبع هذا الاستحواذ من طبيعة تركيبتها الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية. فقد كانت هذه القوى (الدينية الشيعية والقومية الكردية) تقليدية من حيث بنيتها الاجتماعية، ومراوغة في تطبعها السياسي، ومتقلبة في نزوعها الأيديولوجي. وإلا فإن من الصعب توقع التقاء واتفاق وتحالف قوى مختلفة تمام الاختلاف من الناحية الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية. فالقوى الشيعية هي دينية عراقية (عربية) بينما الكردية هي "دنيوية" (علمانية مزيفة) قومية كردية. وفيما لو تجاهلنا نوعية العربي في القيادات الشيعية الحالية، والعلماني في الحركات القومية الكردية، فإن مجرد التقائهما في تحالف بعد الانتخابات يشير إلى غلبة نفسية الاستحواذ على السلطة والمحاصصة. وكانت هذه النتيجة مرتبطة بطبيعة هذه القوى وخوفها من المستقبل وإدراكها لطابعها العابر ونزوعها نحو الغنيمة، بمعنى غياب الرؤية الوطنية العراقية العامة. وهو المعيار الذي كان لابد له من أن يكشف عن حقيقة ما جرى ويجري. لأن التجارب التاريخية للأمم جميعا تبرهن على أن الوطنية والتقدم والديمقراطية ليست شعارات بل وقواعد عمل. وأنها عطاء  لا أخذ. والخروج عليها هو خروج على الوطنية والتقدم والديمقراطية. مع ما يترتب عليه من تصادم وصراع يكشف حقيقة ما كان يخطط له في "الاتفاقات السرية". وهي اتفاقات جرى المحافظة عليها في لقاءات سرية بعد انتخابات علنية!! ووجدت هذه المفارقة انعكاسها في تحالف القيادات الشيعية والكردية، كما تجد تعبيرها في انفراطه الواضح واشتداد الصراع الذي سوف لن ينتهي إلا بانتهاء نموذج التحالفات الحزبية في العراق. والآن ضرورة القضاء على النظام السياسي الحالي واستبداله بنظام حيوي ومستقبلي ينهي وينفي ما هو موجود وما سبقه.

 لقد سلكت قيادات الأحزاب الشيعية والقومية الكردية حينذاك سلوكا مغامرا عبر تحالفها السري. وكشفت بهذا المعنى عن فقدانها للرؤية الحكومية ومنظومة الدولة من جهة، وتفريطا بقيمة اللعبة الديمقراطية وقواعدها وشروطها، من جهة أخرى. وقد كتبت بعد ظهور التحالف بين هاتين القوتين مقالا بعنوان (العلاقات الشيعية الكردية - زواج متعة أم حساب العد والنقد) أشرت فيه إلى أن وصول هذه القوى إلى السلطة بعد الانتخابات كان يحمل في ذاته تناقضا كبيرا لعل أشده يقوم في نتائجه التي هي اقرب ما تكون إلى كونها خطوة إلى الوراء في مجال المسار السياسي، مع أن الانتخابات كانت خطوة تاريخية هائلة إلى الأمام في مسار الحرية. وأكدت أيضا على أن "انتخابها" كان محكوما بمستوى الخراب الشامل في العراق. مما أدى بالضرورة إلى ارتقاء قوى عاجزة من حيث إمكانياتها وأيديولوجياتها على تحقيق مشروع الانتقال العقلاني إلى الديمقراطية. وكتبت بهذا الصدد، بأننا نقف أمام "تناقض سوف يطبع مجمل العملية السياسية في العراق في الأشهر القادمة. وبالقدر الذي يثير هذا التناقض حساسية بالنسبة للضمير والوجدان العراقي المعذب في انتظار تحقيق آماله الفعلية في البديل الديمقراطي، فإنه في الواقع اقرب إلى وهم الآمال الشعبية المتربية بنفسية التأمل العاطفي "للأمام المنتظر". لكنه تأمل يشكل الخطوة العملية الأولى لتذليل نفسية الوهم والتأمل الخادع. والقضية هنا ليست فقط في أن العراقيين سوف يدركون خلال فترة بسيطة أن "الإمام المنتظر" ليس أكثر من قوى سياسية محترفة في إتقان صناعة الوهم، بل ومتمرسة أيضا في لعبة الرذيلة السياسية المغلفة بلباس التدين والورع الكاذبين. وتجسدت هذه الظاهرة بصورة نموذجية في شكل ومضمون "المساومات" السياسية التي عملت من اجلها القوى "الفائزة" في الانتخابات. بمعنى أنها عوضا عن أن تتوجه إلى الناخب الفعلي، فإنها اختبأت وراء تاريخها المقدس "الشيعي" و"الكردي"، أي الطائفي والعرقي لتحيك منهما نموذجا جديدا لنفسية المؤامرة والمغامرة". وهو تقييم تتضح معالمه الآن بصورة جلية.

وقد استنتجت من تحليل طبيعة هذه القوى ونوعية "تحالفها" فكرة مفادها، بأن تحالف هذه القوى "يشير إلى أن القوة الفاعلة في أساليبها تقوم في غلبة المصالح الضيقة، أي المصالح التي لا علاقة جوهرية لها بفكرة البديل الديمقراطي في العراق". واعتبرت هذا التحالف ليس فعلا سياسيا محكوما بالمصالح الوطنية العليا للعراق، بقدر ما هو "عقد مؤقت اقرب ما يكون إلى زواج متعة محكوم بحساب العد والنقد. وشأن كل متعة مؤقتة عرضة للزوال السريع لأنها محكومة بمشاعر الغريزة ومتطلبات الجسد". وضمن هذا السياق يمكن فهم وتقييم الصراع الذي جرى آنذاك بين "رئيس الجمهورية" و"رئيس الوزراء".

فالصراع بين الطالباني والجعفري كان صراعا بين قوى حزبية وليس قوى الدولة، وذلك لأنه صراع لا يحتوي على أبعاد الرؤية الجمهورية (الدولتية) والحكومية (الوزارية). فمن الناحية المبدئية لا معنى لهذا الصراع وذلك لسبب بسيط وهو أن "رئيس الجمهورية" شخصية فخرية وغير منتخبة، بمعنى أنها شخصية شكلية لا تتمتع بتأييد شرعي. ومن ثم لا معنى لتدخلها في شئون الحكومة وعملها اليومي وسياستها الداخلية والخارجية. أما "تنشيط" ما فيها استنادا إلى "قانون إدارة الدولة" و"الاتفاقات بين الأطراف" فهو دليل على مستوى الخراب السياسي للرئاسة، التي لم تعد في الواقع أكثر من مظهر عراقي لحركة قومية صغيرة. وسبق وأن حللت أبعاد هذه الحالة ونتائجها وآفاقها بعد تعيين الطالباني رئيسا للجمهورية. وكتبت بهذا الصدد مقالا بعنوان ("انتخاب" الطالباني: مساومة تاريخية أم خيانة اجتماعية للقيادات الشيعية) أشرت فيه إلى أن  "انتخاب" الطالباني هي "ممارسة ديمقراطية" في سرقة الديمقراطية. وهو حكم مبني ليس فقط على "أن الطالباني كردي المنزع والمشرب، بل ولكونه شخصية لا يمكنها الحصول في ظل انتخاب طبيعي مباشر على أكثر من 5%، أو عشرة بالمائة في حال افتراض اتفاق الأكراد جميعا عليه (وهو أمر شبه مستحيل!). بعبارة أخرى، إن منح شخصية لا يمكنها أن تحصل على إجماع وشرعية أقلية قومية في العراق لرئاسة العراق، هو فعل لا علاقة له بالسياسة بالمعنى الاجتماعي والوطني والديمقراطي. وبالتالي فهو يتناقض مع المجرى الضروري لتكامل الدولة والمجتمع والنظام السياسي". كما انه تناقض كان ينخر هذا "التحالف" الذي لم يكن في الواقع أكثر من عناق الخناق! حيث أكدت آنذاك بأن ما يجري هو ليس اتفاقا أو تحالفا بل سلوكا لا على قاعدة، مصيره الانفراط بالضرورة. وكتبت بهذا الصدد، بأن "الأشهر القليلة القادمة والانتخابات المرتقبة سوف تكشفه بصورة تامة. إضافة إلى احتمال المفاجئات الدرامية العاصفة التي سوف تكنس القوى التي ترعرعت ضمن تقاليد المؤامرة والمغامرة. وهي تقاليد شبه سائدة عند اغلب الحركات السياسية المعاصرة في العراق وبالأخص الشيعية منها والكردية".

طبعا أن الاستنتاج المذكور أعلاه لا يحتاج إلى دراية كبيرة من اجل رؤية آفاقه. فهو اقرب ما يكون إلى حصيلة طبيعية لكل رؤية واقعية وعقلانية تنظر إلى معاملات السياسية بوصفها علما وليس جزءا من تقاليد الرؤية الحزبية التي ترعرعت في تاريخ العراق الحديث. فالمشترك بين قوى "التحالف" هو انعدام القاسم المشترك في كل ما له علاقة بالدولة والقومية والتاريخ والثقافة والمذهب، أي في كل المكونات التي تعتاش عليها هذه الحركات وسط الجماهير الفقيرة والمفتقرة والمسطحة في وعيها السياسي والاجتماعي. الأمر الذي جعل من الاتفاق الكردي الشيعي مؤشرا على الاغتراب الفعلي عن مصالح العراق الجوهرية والاشتراك في تمرير سرقته المؤقتة. ويدفع العراق والعراقيون ثمن باهظ لهذا الاغتراب، كما تدفع القوى السياسية التي مازالت تعمل وتفعل بمعايير المؤامرة والمغامرة ثمنه الباهظ أيضا، ألا وهو اندثارها الفعلي من مسرح الحياة العراقية.

فلكل فعل خاطئ نهاية! ونهاية "التحالف" بين قيادات الأحزاب الشيعية والأحزاب القومية الكردية هو بداية التاريخ السياسي الصحيح. لأنه سوف يجبر الجميع على "الاتفاق" و"التحالف" مع المجتمع أولا وقبل كل شيء. فالوفاق والتحالف الضروري والحقيقي بالنسبة للعراق المعاصر لا يمكن إرسائه على أسس الخروج المغامر على منطق الديمقراطية الاجتماعية، كما رأيناه ونراه في "زواج المتعة" بين القيادات السياسية الشيعية والقومية الكردية، وفي "انتخاب الطالباني"، بل في عقد اجتماعي سياسي جديد. فقد كشفت أحداث الأشهر القليلة بعد الانتخابات والسنين اللاحقة بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية عن ضرورة هذا العقد. إنها كشفت بما لا يدع مجالا للشك، بأن القوى الطائفية والقومية الضيقة في العراق لا تفعل في الواقع إلا على إنتاج الخراب. أما مصيرها النهائي فهو الخراب، بوصفه العد العكسي الجديد في المسار السياسي للعراق ما قبل الانتخابات القادمة. فهي المرحلة التي ينبغي أن تقدم الموجة الجديدة، ولتكن الناقصة أيضا، لكن الأكثر واقعية وعقلانية وعراقية في مواقفها من الإشكاليات الكبرى لمرحلة الانتقال من التوتاليتارية إلى الديمقراطية. وهو الطريق الضروري لتذليل العقدة الكردية في العراق

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

قاسم حسين صالحتناولت الحلقة الأولى تحليلا لسيكولوجية الجماهير في الانتفاضات وشخصّت ما انفردت به انتفاضة الفاتح من تشرين/اكتوبر2019 وانتهت بتنظير سيكولوجي جديد يضيف ويصحح ما قدمه غوستاف لوبون في كتابه (سيكولوجية الجماهير).

 في هذه الحلقة نستعرض ونحلل آراء اكاديميين ومثقفين واعلاميين وسياسيين ومشاركين في تظاهرات تشرين في استطلاع تضمن ثلاثة اسئلة:

1- ما الاسباب التي دعت الى قيام انتفاضة تشرين /اكتوبر 2019 بعد 16 سنة من استفراد احزاب الاسلام السياسي بالسلطة والثروة؟

2- ما الجوانب الايجابية فيها؟ وما سلبياتها؟

3- هل ترى انها ستحقق اهدافها؟ وان لم تحققها ما الذي سيحصل؟

تصنيف الأسباب

 تتعدد أسباب حدوث الثورات والانتفاضات عبر التاريخ، مضاف لهاعامل سيكولوجي يؤدي الى التصعيد، هو التفاعل الايجابي(التوليدي) بين هذه الأسباب، وهذا ما حصل في انتفاضة تشرين..وفي ادناه تصنيف لها مرتب بحسب تكراراتها في اجابات عينة الدراسة (537 فردا) وعلى النحو الآتي:

1- اقتصاد وخدمات

- تفشي البطالة وسوء الخدمات لاسيما البنى التحتية في العاصمة ومراكز المحافظات

- اهمال المصانع والاعتماد على الاستيراد

- سرقة المال وتحويله الى الخارج

- الاستيلاء على عقارات الدولة وامتلاك مسؤولين قصورا ومناطق مغلقة بعد امن كانوا لا يملكون مئة متر مربعا

- رواتب خيالية وامتيازات للطبقة السياسية وترك الشعب يتضور جوعا.

2- فساد مالي واداري

- انتشار الفساد في جميع مؤسسات الدولة، واطلاع الشعب على بعضها كالعقود الوهمية

- الاحزاب لها الوظائف والرواتب حتى بدون عمل

- تضخّم ثروات المسؤولين ولعب ابنائهم بالملايين بعد ان كانوا متسولي

3- اجتماعية ونفسية

- تضاعف حالات الانتحار بين الشباب وتزايد حالات الطلاق والتفكك الأسري

- شعور العراقي بالذل الذي استفز الوعي الجمعي باعماق الذاكرة العراقية بأنه عزيز وأنفة

- افق مسدود واحباط اغلبية مسحوقة ومطحونة وسرقة احلام الشباب

- الشعور بالأغتراب والأحساس بعدم الانتماء للوطن.

4- سوء ادارة

- تجاهل الحكومة لاعتصامات حملة الشهادات العليا ورش الماء الحار عليهم

- امتناع الحكومات المتعاقبة عن تقديم برامج لصالح الشعب والانشغال بتقاسم خيرات البلاد الوفيرة بين السلطات الثلاث

- عدم القيام بمعالجات آنية ووضع خطط علمية لتأمين مستقبل واعد للشباب.

5- تربية وتعليم

 - كثرة المدارس والجامعات الاهلية التي اثقلت كاهل الأهالي

- تدهور التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد والجامعات، وتولي المناصب الادارية فيها اشخاص ينتمون لأحزاب السلطة ولا يمتلكون الخبرة والكفاءة.

6- فكر ووعي

- زيادة وعي الشباب الذي جعلهم ينفرون من الطائفية والانفجارات والدم

- هيمنة احزاب اسلامية متخلفة لا تنسجم رؤاها مع تطلعات شباب بعقليات منفتحة.

7- عدالة وقضاء

- انتهاك سيادة القانون وعدم تطبيقه على المتنفذين بالسلطة لاسيما الفاسدين

- فساد بعض القضاة المحسوبين على احزاب السلطة، وخوف آخرين بفعل تعرّض عدد منهم الى الاعتداء والقتل والتهديد بالتصفية.

8- تدخل خارجي

- تشجيع بعض الدول الاقليمية للمتظاهرين وتزويدهم بالمال والسلاح لأهداف سياسية.

- زيارة السيد عادل عبد المهدي للصين التي اغاضت اميركا، وفتح المعبر بين العراق وسوريا ما يوحي بالهلال الشيعي تبعا لأميركا واسرائيل

 في ضوء ذلك، تؤكد نتائج الاستطلاع أن اسباب انتفاضة تشرين شملت مجالات حياة العراقيين كافة..بأسوأ حالاتها، وانها استمرت لست عشرة سنة في حال تنطبق عليه مقولة (الظلم اذا دام..دمّر)..وان حكومات ما بعد التغيير(2003) التي كانت جميعها بهوية شيعية هي الأفشل والأفسد في تاريخ العراق السياسي..اليكم بالنص وصف المستجيبين لقيادات أحزاب الأسلام السياسي التي استلمت السلطة:

 (قتلة، انانيون، ليس لديهم انتماء للوطن ولا حب للشعب، لا يمتلكون الكرامة..جبن خنوع تبعية مذّلة، سلطة تعتقد ان الوطن ملك صرف لهم، تعبث تقتل وتغض البصر عمن يقتل ويعتدي بقسوة حتى على الفتيات، يقتلون جياعا يطالبون بحياة حرة في وطنهم المستباح، حكومة خائنة للوطن والشعب، فقدانهم الثقة بانفسهم، يعتقدون ان الشعب راح يسحلهم، سلطة تعتبر نفسها ان لها الحق بقتل من يعارضها).

مؤشرات سيكولوجية:

تتحدد أهم الأسباب السيكولوجية التي اوصلت الحال الى انتفاضة تشرين بالآتي:

- ان الأشخاص الذين استلموا السلطة بعد (2003) اعتبروا انفسهم انهم ضحايا النظام الدكتاتوري، وان لهم الأحقية في الاستفراد بالسلطة والثروة معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة، فعاشوا برفاهية على حساب سبعة ملايين اوصلوهم تحت خط الفقر، واذلوهم..مع ان عائدات النفط بلغت تريليون دولارا(الف مليار دولارا)! تكفي لبناء دولة خرجت من حرب كارثية.

- نجم عن هذه التفاعلات السيكولوجية (تضخم أنا) و(غطرسة) اسهمت في تحويل الحاكم السياسي الى مستبد..ومنها تولدت لدى حكّام السلطة وقادة احزاب الاسلام السياسي قناعة بأنهم استعبدوا الناس روحيا، وانهم في حوارهم الداخلي يقولون لهم:تتظاهرون ضدنا، ترفوضننا، تشتموننا، تتهموننا بأننا نتحدث بالعدل ونحكمكم بالظلم، ونتباهى بالأمانة ونمارس الخيانة..فانكم ستبقون تنتخبوننا لأننا سادتكم وقدركم المحتوم ولا ارادة لكم حتى لو سقناكم الى جهنم، ولا تملكون من وسائل الهرب سوى انكم تغادرون حزبنا هذا الى حزبنا الآخر!.

- ان تقاسم مؤسسات الدولة بين احزاب الاسلام السياسي ورؤساء الكتل والفصائل المسلحة، وتحويلهم العراق الى بلد طارد للابداع والكفاءات، نجم عنه شعور الملايين بالحرمان من حقهم المشروع بالوطن، فوصلوا بعد تظاهرات استمرت من شباط 2011 الى آب 2018 الى الانفجار بحتمية سيكولوجية – اجتماعية ناجمة عن رفاهية خيالية لقلّة وفقر قاس لملايين، وفجوة فكرية وهوة عميقة بين حكّام بعقل سياسي مأزوم..منغلق..مسكون بالماضي، وعقل شبابي منفتح متطلع الى المستقبل، وانهما بهذا الحال..جبلان لا يلتقيان!

ايجابيات انتفاضة تشرين وسلبياتها:

 تتحدد أهم ايجابياتها بالآتي:

- احياء الشعور بالأنتماء للعراق بشعارها (أريد وطن)، واعادة الهوية الوطنية التي تراجعت بسبب الطائفية والمحاصصة التي اشاعت هويات فرعية قاتلة.

- احياء الشعور عند المواطن بأن الوطن للجميع بشعارها (نازل آخذ حقي)

- كسر حاجز الخوف من السلطة، وانها قالت للحكومة والاحزاب (قف هنالك شعب عراقي وليس العراق لكم وحدكم) واشاعة روح التحدي ضد حكومة وصفت رئيسها بأنه قاتل.

- فضح عمالة وخيانة وضعف وجبن المسؤولين الرؤوس في الدولة العراقية

- فضح تدخل دول الجوار بالشان العراقي.

- احياء قيم اخلاقية اصيلة استهدفتها حكومات التغيير بتحويلها الفساد من فعل كان يعد خزيا الى شطارة.

- شعور جيل الكبار من العراقيين بالفخر ان لديهم جيل شباب يمثل( رفعة راس) بتعبيرهم، وانهم بامكانهم بناء عراق يوفر الكرامة لأهله ويعيد اعتباره عربيا ودوليا.

وتتحدد أبرز سلبياتها بالآتي:

- استشهاد مئات الشباب وجرح اكثر من عشرين ألفا.

- تاخر الاقتصاد والدراسة، سرقة ممتلكات عامة وخاصة، تخريب مباني حكومية وأهلية، وتلوث بيئي.

- عدم وجود قيادة موحدة لها.

- اشاعة الفوضى وانقسامات بين الناس بين مؤيد ورافض لها.

- اثارة العداء بين المتظاهرين وافراد القوى الأمنية مع ان بين اكثرهم صلات قربى وصداقات.

ما الذي سيحدث:

 انقسم المستجيبون بين من رأى ان التظاهرات ستحقق اهدافها في استعادة وطن، وبين من توقع ان الفوضى ستعم العراق وستحصل تدخلات خارجية تؤدي بالنتيجة اما الى التقسيم او وضع العراق تحت الفصل السابع.

ونرى ان العامل السيكولوجي له الدور الرئيس في حسم الموقف بين قوتين:احزاب الاسلام السياسي الشيعي والمتظاهرين..الأولى تمتلك السلاح والقوى الأمنية وفصائل مسلحة يدفعها انكسارها النفسي وسقوط اعتبارها الأخلاقي الى التمسك بالسلطة وممارسة اساليب التودد الظاهري والوعود بتحقيق اصلاحات وبث مندسين بين المتظاهرين للقيام باعمال تخريب واختطاف نشطاء، وقتل متعمد في مجازر آخرها، بعد الناصرية والنجف، قيام ملثمين مساء الخميس (6/12/2019) يستقلون سيارات دفع رباعي بقتل 13 عشر متظاهرا في محلة السنك والخلاني..ما يعني ان هذه الأحزاب ستستميت من اجل البقاء في السلطة.

اما المتظاهرون فانهم يمتازون بالأصرار على مواصلة المشوار في تصعيد سيكولوجي بمشاركة العشائر في تظاهراتهم، وتأييد المرجعية والأمم المتحدة ومواطني المحافظات الغربية..ما يعني ان فرصة الوساطة التي كنا اقترحناها لحقن دماء العراقيين قد فاتت، وأن المستقبل، اذا استثنينا التدخل الدولي وأيران، سيشهد موقفا حاسما اما مجزرة رهيبة ترتكبها من بيدها السلاح، او اضطرار البرلمان الى حلّ نفسه ودعوته لاجراء انتخابات جديد باشراف دولي، او اعلان المتظاهرين تشكيل حكومة جديدة والتوجه بتخطيط مدروس جماهيريا ومحليا ودوليا..نحو الخضراء!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس الجمعية النفسية العراقية

 

 

بليغ حمدي اسماعيليقول روبيرت انتوني في كتابه الماتع "ما وراء التفكير الإيجابي" نصًا: "لديك القدرة على العزف، لكنك بحاجة إلى فهم الموسيقى" وفي ضوء سياق العبارة فإن الكاتب العربي في ظل تسارع القارئ المعرفي بحاجة أيضا إلى فهم جيد لخصائص هذا القارئ وطبيعته المتجددة بفضل الجموح المعلوماتي وطغيان المعارف إلكترونيا . وأن ما يسرده من وقائع باتت صالحة لأزمنة بائدة قد تتسم بالبلادة أيضا .

هذا التوجه هو ما دفع الآلاف من الشباب إلى احتكار ثمة أسماء بعينها دون غيرها في القراءة، وأصبح هؤلاء الكتاب هم الاختيار النهائي لديهم بغض النظر عن ما يقدمه الكاتب من أفكار أو رؤى جديدة، فقط لأن بعض هؤلاء الكتاب استطاع في لحظة ضعف لدى القارئ أن يقتنص كل عواطفه واحتياجاته وأحلامه المؤجلة والمؤججة أيضا والقابلة للاشتعال، فأصبح هذا القارئ المسكين أسيرا مطلقا لدى الكاتب .واستحال حال الكاتب في علاقته بالقارئ إلى علاقة البشر بالنهر كما قال روبيرت أنتوني في كتابه " يذهبون إلى النهر وهم يشعرون بالسعادة، لكن النهر لا يبالي بهذا أو ذاك ويستمر في التدفق" . 

وما كان يظنه الكاتب من ثوابت راسخة في قواعد الكتابة لم تعد كفيلة اليوم في تحقيق مقاصده التي سعى من أجلها، لاسيما في ظل الأفلام الوثائقية التي قد تدحض أفكاره وتزعزع ما جاء به في كتابه من معلومات وحقائق أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي هي وحدها صاحبة القرار الأخير في قبول أو رفض طرح الكاتب .

وأصبح المحك الرئيس في قبول الكاتب اليوم هو الإقناع والقدرة على المحاججة، لذلك قد يبدو منطقيا طرح بعض أسئلة عن قناعاتنا القرائية السابقة، من مثل : هل نجح محمد حسنين هيكل بكتابه الأكثر شهرة " خريف الغضب " في إقناعنا بأن ما خطه من سطور كفيلة بأن تجعلنا نتجه صوب أفكاره بعيدا عن التعاطف مع رئيس وزعيم شعبي ووطني خالد هو بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات؟ . وهل أفلح نزار قباني في دواوينه الخمسين أن يفقدنا عذرية اللغة من خلال طرحه الشعري الذي فجر اللذة أكثر مما فجر الإحساس باللغة ذاتها ؟ . حتى ونحن نقرأ الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي في رواياتها وكتبها " ألسود يليق بك "، مرورا بـ "عابر سرير" و" نسيان "، و" عليك اللهفة "، انتهاء بكتابها اللذيذ " شهيا كفراق " هل استطاعت أن تقربنا بخطى وئيدة باتجاه المشاعر المحايدة البعيدة عن تطرف العاطفة ؟ .

وغيرهم كثير، مثلما صنع روبيرت أنتوني في كتابه " ما وراء التفكير الإيجابي " من طاقة إيجابية ودافعية للتفكير والحياة على السواء، ربما تيقن أنه خلق مساحات من الطاقة والحيوية لدى قرائه المريدين .

باختصار إن كل ما يصنعه الكاتب من محاولات قد تبدو بائسة بالنسبة له وحده، هو في الحقيقة عالم استثنائي يقفز بالقارئ إلى عنان السماء حتى يظن هذا القارئ أن كاتبه هو ملكه وحده، وأن ما صنعه نجيب محفوظ في حكاياته هي الشوارع التي تخص القارئ الفلاني وحده، وهي تلك المقاهي الشعبية التي يجلس عليها ذاك أيضا بمفرده أو بصحبة أقرانه من بسطاء الشعب .

وإذا كانت القراءة إحدى نوافذ المعرفة وأداة من أهم أدوات التثقيف التي يقف بها الإنسان على نتائج الفكر البشري، فإن الكتابة تعد مفخرة من مفاخر العقل الإنساني، بل إنها أعظم ما أنتجه هذا العقل، حيث سجل الإنسان نشأته ومسيرته وغايته، وأخذ يبدأ مما سجله منطلقا لآفاق جديدة، ولم يعد كما كان من نقطة الصفر، وهذا ما جعل علماء الأنثروبولوجي يشيرون إلى أن التاريخ الحقيقي للإنسان إنما يبدأ حين اخترع الإنسان الكتابة، والتي تعد أبرز وسائل الاتصال الإنساني .

ويُعد اختراع الإنسان للكتابة أهم مراحل تحول الإنسان الحضاري، وأخطرها أثرا في حياته، وأولى النقلات النوعية التي منحته صفة الإنسانية عبر التواصل الذي حقَّقه هذا الكائن مع سائر الموجودات من جهة، ومع البعد الزمني والتاريخي لأسلافه وأحفاده من جهة أخرى، حيث إن هذا الاختراع مكَّن الإنسان من التوسع المعرفي، كما أن اختراعه للكتابة أعانه على الإفادة من تراكم المعرفة والخبرات بعد عملية تدوينها مع حسن الاستفادة منها في مجالات متعددة، ومما يؤكد أهمية الكتابة باعتبارها حدثا تاريخيا وثقافيا في حياة الإنسان هو التصنيف التاريخي الذي أعطاه علماء التاريخ والجيولوجيا للمراحل التي قطعها الإنسان في حياته عبر العصور ـ قبل اختراع الكتابة وبعدها ـ حيث يطلق على بعض الحقب التاريخية عصور ما قبل التدوين أو عصور ما بعد التدوين .

ولكن في ظل الهيمنة الروائية التي تطغى على مساحات الفنون الأدبية الأخرى كالشعر والمسرحية وبالطبع المقالات والدراسات السياسية شديدة التخصص، تصبح الكتابة خطرا كبيرا على العقول والمدخرات النقدية والأفئدة والعواطف والعيون أيضا . وربما تلك المخاطر هي التي دفعت الكثير من الروائيين الحقيقيين ومدعي الفن القصصي أيضا إلى اختيار موضوعات قصصية ومشاهد سردية تدغدغ تلك القلوب، وتقوض تلك المدخرات وتعبث بالعيون من خلال توصيف دقيق قد يبدو بعض الشئ سفيها وقبيحا لعلاقات جسدية مستباحة، أو مزاعم باطلة لحريات غير مقيدة، وهذا ما يمكن رصده بسهولة من خلال عشرات العناوين البائسة لغويا وفكريا ومضمونا أيضا تستقطب عيون القارئ قبل عقله .

ورغم هذا التوجه المبتذل، تعد الكتابة مفتاحا للعلوم وأداة التعليم والتعلم، ومن خلالها يتمكن الإنسان من الخروج من ضيق الجهل إلى فضاءات العلم والمعرفة، وعن طريقها يطلع على عالم الصفحة المطبوعة وما فيه من معلومات ومعارف وخبرات . ويؤكد الكتَّاب والمفكرون على أن الكتابة هي المرآة التي يظهر فيها كل عناصر القدرة اللغوية لدى الفرد، وهي المقياس الذي لا يخطئ أبدا في تحديد القدرات الفكرية . ولا شك أن الكتابة استحالت اليوم عملية ضرورية للحياة المعاصرة للفرد وللمجتمع على السواء، لاسيما وأنها أصبحت مكونًا رئيسًا من مكونات الثقافة وضرورةً للتواصل الإنساني .

وتمثل الكتابة نقطة البداية والنهاية في العملية التعليمية، بل هي القاسم المشترك بين تعليم كل المواد الدراسية، فبداية العملية التعليمية تكون بكتابة الدرس في دفتر تحضير المدرس، ثم كتابة عناصره، أو أمثلته على السبورة أو أي وسيلة مساعدة، ثم كتابة ذلك في كراسة المتعلم، وبعد ذلك يستخدم المتعلم الكتابة في مذاكرة ما درس، وفي فهمه أو حتى حفظه، ولن يستغنى عن الكتابة في إجابته عن الامتحانات، .

وإذا كانت الممارسات الكتابية تسير في مسلكين اثنين ؛ أولهما كتابات إبداعية تعبر عن المشاعر والأحاسيس والعواطف ممزوجة بفكر الكاتب وخبراته، وتتميز باختيار الألفاظ الموحية والتعبيرات المؤثرة في وجدان المشاعر وتؤثر في النفوس، وثانيهما الكتابات الوظيفية التي تعبر عن الممارسات اللغوية والمهام الكتابية اليومية عبر المواقف اللغوية، والأنشطة الكتابية التي تشيع في المجتمع بكل فئاته ومستوياته بهذا المعنى وهذا الاعتبار أعمال تحريرية وظيفية تشيع في الاستخدام اللغوي اليومي بين الطلاب باعتبارهم يعيشون الحياة الجامعية، وباعتبارهم يعيشون حياة اجتماعية عامة . وتعد ممارسة الطالب للأنشطة الكتابية الوظيفية بمجالاتها ومهاراتها أمرًا لازمًا وضروريًا في التربية المقصودة ؛ حيث يتدرب عليها الطلاب على أساسٍ لغويٍّ تربوي موجه يسمح لهم بالانتقال من مستوى المعرفة إلى مستوى الممارسة والسلوك الهادف، حتى يتمكن الطلاب من ممارسة ناجحة تسمح لهم بالتفاعل المثمر داخل مجتمعاتهم .

ولأن هدف الكتابة الوظيفية قضاء المصالح وإنجاز الأعمال، فإنها تحتاج إلى قدر من التأثير والإقناع بهدف الاستمالة والحصول على التأييد وتغليب الإيجابية عند إبداء الرأي، ولأن الكتابة الوظيفية تمثل انعكاسًا حقيقيًا للحياة الراهنة باعتبارها شكلا لغويًا يتطلب الدقة والتحديد والوضوح والمزيد من الإقناع وإقامة الحجة بإيجاز بليغ، فإن الكتابة الإقناعية الحجاجية كإحدى أنماط الكتابة الوظيفية وفقا لتصنيف الغرض أصبحت ضرورةً ملحةً في الأيام الآنية ؛ كونها تعتمد اعتمادًا مباشرًا على استخدام الأدلة والبراهين والإثباتات والشواهد استخدامًا دقيقا، بحيث يكون البرهان قاطعًا في الدلالة على ما يبرهن به عليه .

وتشهد مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن حراكًا سياسيًا واجتماعيًا ومعرفيًا، هذا الحراك يستهدف بالضرورة التطوير والتغيير وإحداث تنوير في كافة المناحي، وهذا الحراك أيضا يتطلب تعزيز الرأي وتدعيمه بمجموعة من الأدلة والمبررات والبراهين، ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بتعليم طلابنا في المرحلة الجامعية الكتابة الإقناعية الإحجاجية وتنمية مهاراتها لديهم، لاسيما وأن الكتابة الإقناعية لطلاب الجامعة تمثل فرصةً ذهبيةً للتفاعل الاجتماعي الإيجابي بينهم، وذلك من خلال المناقشة الحجاجية الأكاديمية، وتبادل وجهات النظر المختلفة ومناقشة الادعاءات والأدلة والشواهد.

وتعد الكتابة الإقناعية الحجاجية من أهم أنواع الكتابة الوظيفية ؛ لقدرتها على تنمية مهارات التفكير التحليلي والناقد، وتعميق تفكير الطلاب وتدريبهم على استخدام بروتوكولات التفكير المنطقي كما تساعد الفرد على اتخاذ القرارات المناسبة في حياته، كما أن الكتابة الإقناعية الحجاجية تقدم للغة إسهامات بالغة الأهمية ؛ حيث ينظر إليها باعتبارها وسيلة من وسائل الارتقاء باللغة " فعندما يجلس الفرد ويمسك بقلمه ليكتب ما يود كتابته فإنه يجوِّد الفكرة ويعمقها بهدوءٍ، وينتقي مفرداته ويعيد صياغة جمله وتراكيبه، ويحاول استخدام البلاغيات والجماليات اللغوية ويختار المفردة الموحية واللفظة المناسبة، وهو في كل ذلك إنما يرتقي بمستوى الوعاء اللغوي لفكرته، وأيضا يرتقي بمستوى فكرته لتناسب الوعاء اللغوي .

والكتابة الإقناعية الحجاجية كما يوضحها كروويست نمط كتابي يتبنى قضية معينة قابلة للنقاش ويعرضها ما بين الرأي المؤيد والرأي المعارض ؛ بهدف إقناع القارئ ليتخذ أحد الجانبين، وهي عملية كتابية تعتمد على ادعاءٍ ما لمعالجة إحدى القضايا الجدلية، ثم تدعيم هذا الادعاء والربط بين الادعاءات والبيانات فيما يسمى بالمبررات، وتقديم الآراء المضادة ثم دحضها بالأدلة والبراهين .

ويتفق كثير من علماء اللغة في أن الكتابة الإقناعية تتفرع من الكتابة المعرفية، وفيها يستعمل الكاتب العديد من الطرائق والوسائط اللغوية والفكرية لإقناع القارئ بوجهة نظره مثل المحاججة، وإثارة العطف، ونقل المعلومات بطريقة تؤثر لصالح موقف معين، واستخدام الأسلوب الأخلاقي، ويرجع هذا الرأي إلى تشارلز روجرز ورونالد لنسفور في كتابهما " الكتابة فن اكتشاف الفن والمعنى " ، حيث ميزا بين ثلاثة أنواع رئيسة من الكتابة وهي : الكتابة التعبيرية، والكتابة المعرفية،والكتابة الإقناعية الحجاجية، في حين أن هورست يشير إلى أن الكتابة الإقناعية الحجاجية تعد شكلا من أشكال الكتابة المعرفية الوظيفية التي ترتكز على مناقشة قضية معينة ويتم من خلالها عرض مجموعة من الحجج والآراء المدعمة بالشواهد وآراء أخرى مضادة ؛ بهدف إقناع القارئ ليتخذ أحد الجانبين، مع أخذ الجانب الآخر بعين الاعتبار والاهتمام .

وقد تزايد الاهتمام بالكتابة الإقناعية الحجاجية ؛ نتيجة قناعة التربويين بأهميتها، ففي ضوء ما تفرضه متطلبات العصر من توجهات ديموقراطية تدعم التعبير عن الرأي وما يتطلبه ذلك من قدرة على الإقناع تبرز ضرورة هذا النمط من الكتابة، فهي أداة يحتاج أن يتقنها كل فرد داخل المجتمعات الديموقراطية . فضلاً عن كونها أكثر ارتباطا بإعمال العقل وإيجابية التفكير، ولعل هذا النمط الكتابي يعكس صورة حقيقية للتماثل بين اللغة والتفكير حيث يتطلبان نفس العمليات الأساسية مثل التجريد وتكوين الفئات والتصنيف والتحليل . ولاشك أن الكتابة الإقناعية الحجاجية تعد نمطًا جديدًا من أنماط الثقافة المغايرة، فالكاتب يضع في النص المكتوب مجموعة من العوامل التي تساعد في إقناع الآخر عبر تقنيات حجاجية وفعاليات لغوية، تلك الفعاليات التي ترتبط بالتوجه العقلاني الذي يسخر كل طاقاته للإقناع والتأثير ودحض الآراء المخالفة .

ولقد لقيت الكتابة الإقناعية الحجاجية اهتمامًا متزايدًا في الدراسات والبحوث والندوات والمؤتمرات ؛ من حيث بيان أهميتها، أو تنمية مهاراتها، أو تحليل آلياتها وتقنياتها الأسلوبية، ونالت أيضا قدرًا من الاهتمام بإعداد برامج وخطط لتنمية مهاراتها المختلفة .

وفي ضوء نتائج الدراسات اللغوية التي استهدفت الكتابة الإقناعية الحجاجية ظهرت ثمة دواعٍ تلخص ضرورة الاهتمام بها وتنمية مهاراتها، كونها تمكِّن الفرد من التعبير عن ذاته، والدفاع عن وجهات نظره وتعديلها على نحو يجعلها أكثر وضوحًا واتساقًا وفهم الأمور بصورةٍ أفضل . ولقد جاءت فلسفة الكتابة الإقناعية الحجاجية من كونها كتابةً تكرِّس تنمية مهارات التفكير الاستدلالي والارتقاء بعمليات الذكاء، باعتبارهما هدفًا أصيلا لعملية التعليم، وتغيير دور المتعلم من مجرد متلق سلبي للمعارف والمعلومات إلى متفاعل يتسم بالإيجابية، يتأثر بهذه المعارف ويؤثر بها، من خلال قيامه بمهام المعالجة والتجهيز واستخدامه للعمليات العقلية وعمليات بناء المعرفة.

وفي ظل تسارع البحث في مجال الكتابة الإقناعية الحجاجية وضرورة تنمية مهاراتها ظهرت عدة مداخل رئيسة لتساعد في تنمية تلك المهارات، كما بزغت فكرة الكتابة للتعلم، التي تعني أن يكون موضوع الكتابة ذا معنى ومغزى لدى المتعلم، بالإضافة إلى محاولة العمل على خلق علاقة بين الخبرة الجديدة وخبرات ذات قيمة لدى المتعلم، والكتابة للتعلم كفلسفة تقوم عليها الكتابة الإقناعية الحجاجية تسهم في تحسن الأداء الكتابي من خلال توجيهات مستمرة وعمليات يمكن استغلالها بصورة إيجابية، ومن ثم تنظيم الذهن وترتيبه، حيث تجعل المتعلم يظهر وعيًا كبيرًا بمسئوليته في جعل تعلمه ذي معنى ودلالة، وتجعله مراقبًا لأدائه الكتابي، وينظر إلى المهمة اللغوية باعتبارها تحديًا يرغب في مواجهته، كما تسهم في زيادة دافعيته وانضباط إجراءات تعلمه، وهذه التوجيهات يمكن توصيفها بمدخل عمليات الكتابة.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمد سعد عبداللطيفمع بدایة عام 1861م تم فصل الدین عن الدولة فی المجتمعات الغربیة۔۔ بدأت بعض الطوائف المسيحية بتقبل المثليين جنسيًا، ودعمهم على عدة أصعدة، وبالرغم من ذلك ما تزال أغلبية الطوائف المسيحيَّة ترى أن الممارسة الجنسية المثلية ممارسة غير اخلاقيةوخطيئة.

تاريخيًا كان للمسيحيَّة دورٌ في نشر التعصب ومعاداة المثليين جنسيًا في المجتمعات الأوروبيَّة وبعد إعتناقهم للمسيحية، جرّم" الامبراطور تیودوسیوسُ" المثلیة الجنسیة استناداً الی تعالیم "العهد الجدید"لها وإدانتها له۔ وقد تم تطبیق عقوبات بذلك بحق( المثلیین ) كان للمسيحيَّة دورٌ في نشر التعصب ومعاداة المثليين جنسيًا في المجتمعات الأوروبيَّة قدیماً ۔۔واستمر الوضع على ما هو عليه حتی عام 1861م  ندد آباء الكنيسة بالنشاط المثلي الجنس كونه يتعارض مع تعاليم الكتاب المقدس، ويظهر ذلك من خلال كتابات كل من (قیریانوس و ترتليان ۔وأمیوأمبروسياستر، كما ندد كل من توما الأكويني، وهايدغارد بنجين، "ومارتن لوثر " بالنشاط الجنسي المثلي وأعتبروا هذا النوع من النشاط الجنسي ضد الطبيعة وغير أخلاقي.

بدأت بعض الطوائف المسيحية بتقبل المثليين جنسيًا ودعمهم على عدة أصعدة، بالرغم من ذلك ما تزال أغلبية الطوائف المسيحيَّة ترى أن الممارسة الجنسية المثلية ممارسة غير اخلاقية وخطيٸة۔۔لكن هناك بعض وجهات نظر مسيحية ليبرالية تدعم المثليين جنسيًا ولا تعتبر الزواج المثلي الأحادي أمراً سيئاً، وهم عمومًا أقلية.
 فبعد ظهور نظام العولمة ظهر في الغرب تقنیين الجنسية المثلية للشواذ في بعض الكنائس، واحتواء هؤلاء الشواذ والاعتراف بهم ولكن كانت لكل كنيسة ومذهب مواقف مختلفة فالكنيسة (المصرية) اصدرت بيان رفض وإدانة الشذوذ الجنسي استناداً الي تعاليم" السيد المسيح "وهناك كنائس مثل (المذهب الكاثوليكي) في "الفاتيكان" كان يمسك العصا من الوسط،، بعد رحلة البابا الي البرازيل" وهي اكبر دولة بها شواذ حیث یوجد فی مدینة "ریودی جانییروا "حوالي 20% شواذ وطالب برعايتهم وقبولهم داخل المجتمع ۔ مع عدم إعتراف الكنيسة بحقهم في الزواج من اللوطيين او السحاقيين، رغم ان المجلس (المللي العالمي) لم يصدر بيان بهذا الشآن وبعد الإعتراف الفضائح علي شاشات التلفزة العالمية، من حالات التحرش الجنسي ضد الاطفال والشواذ داخل بعض الكنائس في العالم من راهبات وراهبين وقساوسة، كانت الكنيسة تعيش حالة من الإنتكاسة الآخلاقية، في مطلع "الالفية الجديدة" فبعد ان اصبح العالم قرية صغيرة، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي بدأ يظهر تجمعات وجمعيات لهؤلاء الشواذ ونواديهم الخاصة بالدعوة للوقوف وقفات احتجاجية للمطالبة بحقهم والاعتراف بهم داخل المجتمعات وتُعرف أيضا بأسماء مثل حي المثليين، أو مكان المثليين هي منطقة جغرافية ذات حدود معترف بها حيث يعيش أو يتردد عليها عدد كبير من المثليات، المثليين، مزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسيا. غالبا ما تضم قرى المثليين عددؑا من المنشآت الموّجهة للمثليين، مثل النوادي الليلية، الحمامات، المطاعم، المحلات ۔ والمكتبات. من بين قرى المثليين الأكثر شهرة نذكر (سوهو) في لندن،"برمنغهام" في إنجلترا، الكنيسة" ووليسلي" في تورونتو، تشيلسي" بمانهاتن" في نيويورك ومنطقة "كاسترو" بسان فرانسيسكو, تشويكا" بمدريد, "شونبيرج" ببرلين, شارع" القناة" بمانشستر "ولوماريه بباريس ".

في أمريكا الشمالية أيضا مثل مقاطعة" لوس انجولاس" في غرب هوليوود، دوبونت" سيركل" بواشنطن ووسط مدينة" أتلانتا".وأصبح مصطلح جغرافي ودیمغرافی ۔۔

هذه المناطق قد تمثل واحة صديقة لمجتمع المثليين في ما قد يعد مدينة معادية لهم أو ببساطة كونها تحتوي على نسبة عالية من السكان المثليين . وتنتشر في التجمعات الحضارية، وقد تمكن بعض المثليين من الاستفادة من المساحات الخاصة باعتبارها وسيلة لتعكس القيمة الثقافية وخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة من الأفراد في ما يتعلق بالمجتمع ككل.

العالم الإسلامي ليس بعيداؑ عن هذا العالم ۔ فقد ظهر منذ اکثر من ثلاث عقود فی دولة عربیة خلیجیة ۔ ظاهرة المطالبة بالجنس الثالث ۔ وظهورهم فی نوادي فی دول عربیة وکان من الغریب فی انتخابات تونس الآخیرة مرشح یعلن انة من المثلیین ۔ ویطالب بحقهم والإعتراف بهم فی تونس ۔رغم وجود دول إسلامیة وأعضاء فی منظمة( المٶتمر الإسلامی) مثل نیجیریا، ومالیزیا ۔وموزمبیق ۔والبوسنه تطالب بحق الشواذ المثلیین ۔ وهناك دول ومنظمات حقوقیة تطالب بعض الدول الإسلامیة والعربیة بالإعتراف بهم ۔ فعلت جماعة( البهائيين) في مصر كتابة خانة الديانة في البطاقات الشخصة۔۔ رغم ذلك من نصوص وآيات في كل الكُتب السماوية تحكي عن (اللوط) وعن القرية التي اهلكنها من اهل "لوط" عندما دخلوا علي آهل قریة ضيوف وأرادوا فعل الفاحشة رغم انة عرض عليهم بناتهم التي لم يدخل عليهم رجل من قبل اي عذراء رفضوا وفعلوا الفاحشة مع الرجلين فآهلك القرية۔ رغم ذلك هناك كنائس تعترف بحق الشواذ وتآني بنص من التوارة" بين النبي" داوود" واخر انة كان يحبة ويمارس معة الفحشاء، وللإسف هناك دول غربیة تعترف بالزواج من المثلیین وکانت هولندا ۔أول الدول ۔وبلجیکا ۔وکتدا ۔وفرنسا ۔والدانمارك والبرازیل ۔والارجنتین ۔ وجنوب افریقیا ۔ودول أخري ۔ نحن نعيش عالم بلا آخلاق بعد ان ضاع معني كلمة حب ۔ وكان البديل هو الجنس اي كان ذكراؑ او انثي، والمسؤولية ..هل الانسان مخير .او مسير ...

لقد خلق الله الإنسان حرآ وكرمنا بني آدم ۔ عن مخلوقات كثيرة وقد تغني الناس والشعراء والادباء والفلاسفة بالحرية ..فقال آحد ادباء الغرب إذا فقدت كل شيء ماعدا الحرية .فانت لاتزال غنياً ..وهناك فلاسفة ومدارس تفسر معني الحرية مثل "ديكارت وقانت، والمعتزلة" في مفهوم الحرية .واتفقوا جميعاً علي ان الحرية مرتبطة بالمسؤولية الإنسان ليس مخيرا في بلد الذي ولد فية۔ ولا من جهة الجنس ولا في نوع شكلة وملامحة ولا فصيلة دمة ولا في اختيار اسرتة ولا فيما ورثة عن تلك الاسرة برغم من كل ذلك هو مخير عن تصرفاتة وتغیير مستواة الاجتماعي ۔ والاخلاقي ..فالحرية الشخصية مقيدة بحرية الآخرین والمعتقدات الدینیة ۔۔

"محمد سعد عبد اللطیف"

کاتب وباحث فی الجغرافیاالسیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة ۔۔

 

محمود محمد عليلا شك في أنّ للإعلام تأثير واضح في تسيير مجريات الأمور في الحياة العامة، فبعد أن تطورت التكنولوجيا أصبحت وسائل الإعلام متوفرة في كلّ وقت وحين ولا يمكن لأي شخص أن يبتعد عن تأثيرها سواءً كانت تلفازاً، أم مذياعاً، أم صحيفة، وقد تم إطلاق مصطلح السلطة الرابعة على وسائل الإعلام في المجتمعات نتيجة تأثيرها القوي في اتخاذ القرارات، فهي فعلياً لا تتخذ القرار كما في السلطة التنفيذية، ولا تستطيع تشريع القوانين والأنظمة كما في السلطة التشريعيّة، إلا أنّها من خلال تسيير وجهات النظر للمواطنين تضغط على بقيّة السلطات للتشريع واتخاذ القرارات، ومن الأدوار التي لعبت فيها وسائل الإعلام دوراً بارزاً في التأثير في الناس ما يسمى بالحرب الإعلامية.

والحرب الإعلاميّة هي عبارة عن بث الأفكار، والإشاعات، والمعلومات الخاطئة والمغلوطة وغير السويّة بين الناس من خلال الفضائيات، والإذاعات، والإنترنت، والجرائد بهدف تغيير وجهات النظر وتسييرها باتجاه ما هو مطلوب منها، وتحقيق التضليل الإعلامي، والتلاعب بالرأي، والوعي العام، وسلوك المواطنين، وتعدّ الحرب الإعلاميّة من أخطر أنواع الحروب نظراً لتأثيرها في نفسيّة متلقي المعلومة وعمل غسيل دماغ لما يؤمن ويقتنع به مما يجعله يغيّر الواقع اتباعاً لما تلقى وترسّخ في عقله، كما أنّها تعدّ حرباً باردة لا يمكن التنبؤ بنتائجها ونهايتها، وفي بعض الحالات لا يمكن معرفة المسؤول عنها، كما تأتي الحرب الإعلاميّة مرافقة لبقية أنواع الحروب سواء كانت عسكريّة، أم اقتصاديّة، أم سياسيّة، وقد تكون في حالة السلم بهدف فساد عقول الشباب والأمة، ونشر الفوضى والإرباك بين صفوفهم.

وتؤدي الحرب الإعلاميّة إلى التأثير في نفسيّة المستمع، وتثبيط عزيمته، وسلب الإرادة منه وبالتالي سهولة السيطرة عليه، فكم من حرب تم تحقيق النصر فيها بسبب ما تم بثه من أفكار ومعلومات بين الجنود، ونظراً إلى أهمية الحرب الإعلامية امتلكت القوات العسكرية محطات خاصة بها لتبث ما تريد من معلومات بين المواطنين وبين الجنود للتحكم في سير الأمور، ومن جهة أخرى قد يكون للحرب الإعلامية نتائج إيجابية من خلال رفع معنويات المواطنين والجنود في أرض المعركة، وبالتالي حماية أموالهم وممتلكاتهم من سيطرة العدو عليها، لكن في هذه الحالة يجب توخي الدقة والحذر عند بث المعلومات؛ لأنّها يجب أن تكون حقيقيّة وقريبة من الواقع حتى لا تكون النتائج سلبية عند معرفة المواطنين والجنود بالحقيقة والواقع، لذلك على الأمة، والدول، والمجتمع التنبّه إلى خطورة هذه الحرب الإعلاميّة، وترسيخ المبادئ، والقيم، والأفكار السليمة عند المواطنين والجنود العسكريين؛ لتحصينهم ضد أي هجمات قد تكون مستترة تحت غطاء العلم، أو التثقيف، أو المساعدة من الخارج

وقد شهد مسلسل ممالك النار والذي يذاع الآن علي قنوات MBC  أكبر حرب إعلامية تمر بها المنطقة العربية الآن، فهذا المسلسل يتناول فترة سقوط دولة المماليك علي يد الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول، ويسلط الضوء علي حياة السلطان المملوكي طومان باي الذي انهزم أمام السلطان العثماني في معركة الريدانية التي جرت في مصر عام 151م، 922هـ .

وهنا وجدنا الدولة التركية تشن هجوما عنيقا علي المسلسل وتتهمه بأنه يتضمن العديد من المغالطات المنهجية والمنطقية، كما لم تكن الدولة التركية والتي كانت تقوم منذ سنوات طوال وهي تكلف الخزانة التركية بملايين الدولارات في الإنفاق علي مسلسلاتها التاريخية أن تري مسلسل بهذه الضخامة وذلك الإنفاق مثل مسلسل " ممالك النار"، فلم تكن تتوقع أن دولة مثل دولة الإمارات العربية الشقيقة يمكن أن تنافسها في الساحة، ولهذا تعجبت من ردة فعل أروغان الغاضبة من مسلسل " ممالك النار"، والذي وصلت تكلفته إلي 40 مليون دولار، وهذا المسلسل قد أحدث ضجة كبيرة ومتابع بشكل استفز الدولة التركية، والذي جعلها تقلل من قيمة المسلسل وأهميته وتبرر غضبها بمحاولة تسيس قصته وهدفه وهذه المحاولة لست غريبة علي دولة تركيا، فقصة ممالك النار تكشف حقائق خلال حقبة شهدت تزييف للتاريخ وتعتيم علي الجرائم التي مارسها العثمانيون خلال فترة حكمهم علي الشرق الأوسط .

والجدير ذكره أن مسلسل ممالك النار هو من تأليف مصري وإنتاج إماراتي ويعرض خلال الأيام علي قناة MBC  السعودية وربما يكون هذا هو ما يغضب أردوغان ونظامه، فكل يوم يطل علينا أحد المقربين السياسيين الأتراك والتابعين لنظام أردوغان ويهاجم المسلسل وكان آخرهم المستشار ياسين اقطاي Yeni Şafak مستشار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، هجوما على مسلسل "ممالك النار"، حيث نشر المقالين على موقع "يني شفق التركي"، الأول بتاريخ 27 نوفمبر تحت عنوان: ما الذي يخدع مسلسل "ممالك النار"؟، أما الثاني والمنشور بتاريخ اليوم 1 ديسمبر فيحمل عنوان: تبددون أموالكم بلا طائل"؟.

وعونا نركز علي المقال الأول وهو كما قلنا بعنوان "ما الذي يخدع به مسلسل ممالك النار"، وهو يطرح سؤال طويل وعريض قد طرحه علي نفسة يقول هذا السؤال: م الذي يخدع به مسلسل ممالك النار، وقد أجاب ياسين اقطاي فقال: " يمكن أن تعتبر المسلسل الذي يحمل اسم ممالك النار، الذي بدا عرضه علي MBC  التي تمتلكها السعودية ويقع مقرها في الإمارات، حملة مضادة تهدف لخفض تأثير المسلسلات التركية التي اكتسبت أهمية أسطورية في العالم العربي بل وفي العالم كله بمرور الوقت، وأما التصريحات التي جعلتنا نضع هذا التقييم للمسلسل فتستند لما قاله منتج المسلسل بنفسه بهذه المناسبة عندما قال أنه سيفشي أسرار إدارة الدولة العثمانية المليئ بالوحشية، وفي الواقع فإن المسلسل يستهدف بشكل مباشر الدولة العثمانية ، وكذلك الجمهورية التركية الحالية ممثلة في الدولة العثمانية، واعتقد أن هذه هي المرة الأولي التي يشهد فيها الإعلام الرسمي العربي هجوما علنيا بهذا المستوي يستهدف تركيا.

كما وصف الكاتب أيضا إيقاف MBC  السعودية لعرض مسلسلات بأنه بوجهة النظر المريضة التي تمنع العرب من فتح صفحة جديدة مع تركيا ومعانقتها وفي هذا يقول : إن الاهتمام الذي حظيت به المسلسلات التركية في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وانتشار تأثيرها إلي هذا القدر يبرهن في الحقيقة إلي أي مدي اشتاق العرب لمعانقة إخواتهم من الأتراك، وأبرز ما يعبر عن هذا الاشتياق نذكر علي سبيل المثال لا الحصر الإقبال الشديد علي مسلسلات مثل قيامة أرطغرل والسلطان عبد الحميد وكوت العمارة بل وحتي سائر المسلسلات الدرامية الأخري الشهيرة، ولايتطرق أي من هذه المسلسلات لأي مسألة عليها خلاف بين العرب والأتراك، بل إنها لا تسعي حتي للرد علي مثل هذه الدعاية المغرضة فهذه المسلسلات لا تستهدف الأنظمة العربية الحالية، كما لا تحمل أي هدف أو بعد يرمي لمعاداتها أو تحريض الشعوب ضدها، لكن علي الرغم من ذلك فإن قناة MBC  السعودية اخترت كأول مشروع ضخم يهدف لخفض تأثير هذه المسلسلات مسلسلا يستهدف الدولة العثمانية بشكل مباشر، وهو الأمر الذي يحمل الكثير من المعاني .

ويستطرد المؤلف كلامه فيقول: ... وفي النقيض ترس شخصية طومان باي بطل مسلسل ممالك النار لا تحمل وصفا سوي إظهار مقاومة وحشية ومسكينة أمام الدولة العثمانية، أي – في الواقع – أمام وحدة المسلمين ونهضتهم، فكيف لهم ان يصنعوا من شخصية كهذا بطلا يقدمون من خلاله رسالة إلي الناس اليوم ؟ ولنفترض أنهم قدموا رسالة من ثلاث أو خمسة أسطر، فكيف ستتلقي الشعوب العربية أو سائر الشعوب الأخري هذه الرسالة ؟ هل سينظر الناس إلي هذا النوع من الرسالة ويحذفون من عقولهم الرسائل التي قدمها مسلسل قيامة أرطغرل أو المؤسس عثمان؟ وهل سيحجم هذا المسلسل حقاً تأثير هذه المسلسلات؟ يالها من محاولة مسكينة !

ويبدو أن أتباع  أردوغان في حالة غضب شديد من مسلسل ممالك النار، فقبل يومين خرج أيضا مستشر تركي سابق وهو الدكتور عمر قورقماز كبير مستشاري الرئيس أردوغان وقال لصحيفة ترك برس بأن المسلسل لا يهاجم تركيا فقط بل يهاجم الإسلام والتاريخ الإسلامي .

وهذا الهجوم قد أجاب عليه كاتب المسلسل سليمان عبد الملك عبر حسابه علي تويتر وقال : كل وقائع التاريخ المسلسل حقيقية من الانقلاب إلي قتل الأخوة والأطفال والتفاصيل مأخوذة من مصادر عربية وتركية وإنجليزية موثقة . وفيه وقائع أفظع وأقسي لا تصلح للنقل إلي الشاشة علشان محدش يضحك عليكو ويقول إنه تزوير ومغالطات .

وبعشرات التغريدات، هاجم رواد موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، ياسين أقطاي وغيره وجاءت التعليقات - التي نستعرض أبرزها- في معظمها مشيدة بالمسلسل، ومؤكدة أنه لا يعرض سوى الصورة الحقيقية للدولة العثمانية: "ممالك النار ينقل الصورة الحقيقية للدولة العثمانية تعودتم تنقلون التاريخ حسب روايتكم فقط. شكرًا لمن قام على مسلسل ممالك النار لأنه بيّن الحقيقة"، "أهنئ من قام على هذا المسلسل فالصراخ أعلاه يؤكد أن المسلسل ضربهم في مقتل بل أتى على الجرح"، "مسلسل يسرد الحقيقة الموجعة لكم، والذي لم تتوقعون أن يظهر مثل هذه الأعمال يوماً"، "صراخكم طرب".

وكتب آخرون "مسلسل يعمل فيكم كده.. من كثر صياحكم تحمست اتابع المسلسل رغم اني مو من متابعي المسلسلات"، "إن شاء الله لن يكون العمل الاخير الذي يفضح جرائمكم.. إن شاء الله ستكون هناك سلسلة من الأعمال الفنية لفضح جرائمكم حتى تصل لعصر إبراهيم باشا"، "المسلسل فضح حقيقة الدولة العثمانية الغازية والدموية، الصياح دليل على أن المسلسل نجح في إزالة الغشاوة عن المغيبة عقولهم حول حقيقة الدولة العثمانية الغازية وجرائمها في الوطن العربي".

كما جاء في تعليقات المغردين المستمرة منذ نشر المقالين: "من كام سنة بيجملوا تركيا بالدراما من مهند ونور ووادي الذئاب وارطغل وعبدالحميد وقيامة إسماعيل، وفجأة مسلسل واحد بس يهدم كل ده ويوجعهم في قلب إسطنبول"، "المسلسل لا يخدع إنما يعري ويكشف جرائمكم التي خدعتم بها البعض باختلاق أكاذيب ونسبها لأشخاص مجرمين من الاحتلال العثماني على أنها إنجازات وانتصارات لخدمة البشرية. الكذب حباله قصيرة".

مهاجمو أقطاي أكدوا أنهم ليسوا بحاجة لمسلسل حتى يعرفون تاريخ الدولة العثمانية الإجرامي، وكتب بعضهم "يكفي الجرائم التي ترتكبوها في شمال سوريا والعراق وفي المناطق الكردية داخل تركيا لشرح هذا التاريخ الإجرامي"، "تاريخكم مزور والمسلسل يظهر الحقيقة كما في كتب التاريخ الحقيقية كما ان معظم مصادره من كتبكم فلماذا الانكار"، "مسلسل فضح حقيقة تزويركم للتاريخ يا غزاة".

وأرسل المغردون تعليقاتهم على حساب أقطاي، ووجهوا لهم كلماتهم ردًا على تأكيده أن المسلسلات التركية لا تتطرق لأي مسألة عليها خلاف بين العرب والأتراك، ولا تستهدف الأنظمة العربية الحالية، ولا تحمل أي هدف أو بُعد يرمي لمعاداتها أو تحريض الشعوب ضدها، قائلين "ممالك النار هو رد على مسلسل ارطغرل الذي تم إخراجه على ما يريد أردوغان، وهذه البداية يا أقطاي باقي ما شفت شي"، "هذا المسلسل أعطى صورة حقيقية لأطماع الاتراك في الوطن العربي من مئات السنين وغزوهم لمصر والشام، وهي ديار مسلمين، وإسقاط دولة المماليك دليل قاطع أن دولة بني عثمان ابعد ما يكون ان تسمى خلافة إسلامية بل دولة غازية حتى سليم الأول سمى نفسه الغازي وأول غزواته على المشرق الإسلامي".

والسؤال الآن لماذا كل هذا الغضب التركي من مسلسل ممالك النار؟

اعتقد أنه ربما أن المسلسل يمثل نقطة تحول رئيسية في طبيعة دراما العلاقات التركية – العربية طالما دأبت تركيا علي توظيف القوي الناعمة؛ ولا سيما الدراما التركية التي لعبت أدوار رئيسية في خدمة السياسة التركية، فضلاً عن الاقتصاد التركي علي مستوي السياسة فقد ساهمت الدراما التركية في تحسين صورة تركيا وتحسين صورة التاريخ التركي – الاستعماري – الاحتلالي لبلدان الشرق الأوسط باعتباره فتح إسلامي لهذه البلدان زيف الحقائق التاريخية، ومن ثم جنت تركيا عوائد سياسية ربما زادت من شعبية السياسية للأتراك والدولة التركية وجنت بالتبعية عوائد اقتصادية ضخمة بلغت إلي نصف مليار دولار ومن ثم فهي صناعية سياسية وصناعة اقتصادية الآن، والمسلسل بلا شك قد أحدث تحول في طبيعة العلاقة، فلأول مرة يبادر الطرف العربي ويكون له رواية أخري غير الرواية التي طالما سردها الأتراك، هناك الآن لأول مرة دول عربية من خلال مسلسل عابر للحدود العربية لا يعبر عن هوية وطنية حتي وإن كانت من إنتاج إماراتي أو غيرها، ولكن ربما يعبر عن مجموعها هؤلاء في دراما استطاعت أن تمزج وتُجري تنسيق واضح بين مملثين عرب من كل البلدان ومخرجين عرب وأجانب ومن ثم فهي تمثل نقلة متأخرة ولكنها أيضا مهمة في إطار العلاقات العربية – التركية، فلأول مرة يستطيع الطرف العربي أن يلعب دور المبادر وليس فقط المستقبل للرواية التاريخية للأحداث سواء كانت الأحداث الجارية أو الأحداث التاريخية .

 

د. محمود محمد علي

 

قاسم حسين صالحتعدّ تظاهرات الفاتح من تشرين/ اكتوبر 2019 حدثا غير مسبوق في تاريخ العراق السياسي من حيث حجم التظاهرات والضحايا الذين زاد عددهم على اربعمائة شهيدا واكثر من (18) الف مصابا.. ومطاولتها ضد عنف مفرط من سلطة استخدمت الرصاص الحي والمطاطي وقنابل استهدفت رؤوس وصدور المتظاهرين في نظام يعتمد دستورا يقر فيه انه ديمقراطي.

فما ألأسباب التي انفردت به هذه الأنتفاضة (الثورة)؟ وما تحليل ما حدث وسيحدث من منظور علم النفس والاجتماع السياسي؟.

العراقيون.. يصححون غوستاف لوبون

يعدّ عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون (1841-1931) افضل من حلل الآنتفاضات والثورات في كتابه (سيكولوجية الجماهير) عبر متابعته للثورة الفرنسية والاحداث التي شهدتها اوربا في القرنين الثامن والتاسع عشر..ففيه قدم علما جديدا وفهما استثنائيا لما يحكم سلوك الجماهير حين ينتفضون او يثورون ضد سلطة استبدادية.. نلخص اهمها بالآتي:

- يرى لوبون ان شخصية المتظاهر تتلاشى كفرد حين يكون بين الجماهير، فلا ينفعه ذكاؤه ولا علمه من اتخاذ قرارات منطقية سليمة، بل سيتحمس لأفكار بسيطة بفعل التحريض والعدوى للعواطف والأفكار.

- وأنّ هذه الجماهير تتحكم بها الأوهام ولا تبحث عن الحقائق، وانه يتم اقناعها والسيطرة عليها بسهولة من خلال وعود مضخمة او العزف على اوتار حساسة تستهدف لاوعي تلك الجماهير كأن يكون وترا دينيا، او طائفيا، او عرقيا.

- وان الجماهير لا تبحث عن الحقيقة علميا وعمليا كما يفعل الفرد بل تعتمد البساطة في السعي لتحقيق اهدافها.

- وأن العاطفة الدّينية هي التي أشعلت الانتفاضات الكبرى، وأنها تمتلك قوّة مخيفة تجعل الجماهير تخضع لها بشكل أعمى، فتمضي بعزم لحماية تلك العاطفة، وتعدّ كلّ من يرفضها عدوّا.

- وأنّ الجمهور يضعف ويفقد قوّته دون قائد، ويريد ان يكون له زعيم يقوده ويمتثل لأوامره، لأن ما يهيمن على الجماهير ليس التوق الى الحرية بل الخضوع الغريزي لزعيم يقودها.

تصحيح مقولات لوبون

بالرغم من ان مقولات او (تنظير) لوبون تنطبق على التظاهرات والانتفاضات التي حدثت في العالم العربي بما فيها تظاهرات العراق من شباط 2011 الى تظاهرات آب 2018، فان احداث تشرين 2019 وفرت لنا اضافة معرفية جديدة (تنظير) يقدمها العراق لعلم النفس العالمي.. نوجزها بالآتي:

لم يكن لجمهور المتظاهرين قائد او زعيم.. بل انه رفض ذلك، ولم تضعف قوته بل ازدادات بالرغم من أن الحكومة ازدادت قسوة في تعاملها مع المتظاهرين وصلت حد ارتكاب مجازر بشرية في الناصرية والنجف، ولم تشعل العاطفة الدينية انتفاضة تشرين، بل العكس فان جمهورها سخر من أحزاب دينية ورموز دينية تعد مقدسة ومزق صور رجال دين، ولم تخدعها وعود وتسويفات السلطة، ولم تتحكم بها الأوهام، ولم تتلاشى شخصة الفرد ويلغى ذكاؤه بل ان بين الشباب من ابهر الكبار بوعيه الثقافي ونضجه السياسي..ما يجعلنا نصحح، تنظير غوستاف لوبون بتنظير عراقي جديد نصوغه في الآتي: 

(حين تستفرد السلطة بثروة الوطن وفرص العمل، وتستهين الحكومات بمطالبات الجماهير، فان الظلم والاستهانة يوحّدان المحرومين في انتفاضة جماهيرية يتصدرها شباب يواجه عنف السلطة بصمود فيلتف حوله الكبار ليضعوا السلطة امام ثلاث خيارات: اما الرضوخ لمطالب المنتفضين، واما الوصول الى حل توفيقي، واما حرب كارثية تنتهي بانتصار ارادة الشعب).

- التحليل في الحلقة الثانية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس الجمعية النفسية العراقية