لكلّ شعب من الشّعوب هويّته الاجتماعيّة و خصوصيّته الحضارية التّي تميّزه عن غيره وهو السّبب الملحّ لتأسيس أنثروبولوجي يضمن تفاعل الهويّات والأنساق الاجتماعيّة ضمن قيم مشتركة تأسّس لإيتيقا الحوار والتّعايش السّلمي بين الجميع في ظلّ الاعتراف المتبادل بالهويّة والاختلاف.

ما طرحناه صراحة يعتبر هلاميّا بالنّسبة للواقع الحياتي فبمجرّد أن نذكر" المركزيّة الأوروبية" يسقط هذا الحلم الجميل للخصوصيّة الثّقافية التّي اندثرت في الكونيّة الثّقافيّة نتاجا للممارسات العنصرية والهيمنة الاستعماريّة واحتكار الكونيّة من قبل الخصوصيّة القوميّة والثّقافيّة، على اعتبار أنّ أوروبا الدّاعية لحقوق الإنسان وحقوق القوميّات والأقلّيات تمارس الهيمنة الامبريالية والاستعماريّة والميز العنصري الذّين أثّروا في علاقة المجتمعات الغربيّة ببقيّة الأمم .

وعليه فلا مجال لنكران أنّ الكونيّة الامبرياليّة المحابية للمركزيّة الأوروبيّة تمثّل خطرا على العالم وتنذر بالانزلاق في الحروب والصّدامات .

فهل أنّ الاختلاف الثّقافي بين الأمم سيبقى رهينة التّفاوت في القوّة وتعميم إستراتيجيا السّيطرة؟ أم أنّه سيتّجه إلى تأسيس حضارة عالميّة تعترف بالجميع لتشكّل حضارة الإنسانية؟

أ- احتكار الكونيّة من قبل الخصوصيّة القوميّة والثّقافيّة وتبعاتها:

تعتبر مركزيّة المجتمعات الأوروبيّة النّاتجة عن الحداثة والتّقدّم العلمي والاجتماعي والسّياسي والاقتصادي السّبب الرّئيس الذي مكّنها من فرض تبنّي هويّتها الفكرية والحضاريّة التي تزعمها على سائر المجتمعات الأخرى ، بيد أنّ هذا الفرض التّعسّفي يعتبر فاقدا للشّرعيّة الأخلاقية على اعتبار وأنّه من المنظور الإيتيقي لكلّ فرد و شعب الحق في الوعي بكيانه القومي والتّاريخي من خلال خصوصيّته وتفرّده واستقلاليّته التّامة عن كل الشّعوب والحضارات الأخرى، فالأصل في ذلك هو الاعتراف بالتّنوع والاختلاف وهو الأمر الذي تتجاهله هذه المركزية الأوروبيّة لتفرض بذلك على غيرها تبنّي نماذج أخرى في التّفكير والسّلوك محابية لثقافتها الغربية تقوم على فرضيّة عدم التكافؤ والتّفاوت بين ثقافات قويّة متقدّمة وأخرى ضعيفة متأخّرة، تفرض عليها إلزاما التّنكّر لهوّيتها بكلّ مقوّماتها التّاريخية   الحضاريّة أو النّفسيّة الاجتماعيّة.

ممّا سيؤدّي إلى تدمير كلّي للمستويين الفكري والعلمي خاصّة، و كذلك آثار وخيمة على الشّعوب الأخرى ذلك لأنّ واقع المجتمع البشري متنوّع و مختلف في أعراقه ولغاته ودياناته ورموزه الأخلاقيّة والسّياسيّة والفنّية وغيرها .

ب- استراتيجيّات القوى لبسط النّفوذ الغربي:

إنّ تقدّم الغرب في العلوم والتّقنية والاقتصاد الذي أدّى إلى التّراكم الرّأسمالي أفضى إلى ظهور الاستعمار والتّصفية العرقيّة وحروب الإبادة للأقلّيات .

كما لا يخفى ظهور الهيمنة الامبرياليّة الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثّانية تحديدا، و بروز تنافس سياسي وعسكريّ و إيديولوجي من أجل السّيطرة على العالم وهي فترة توازن الرّعب النّووي أو الخوف من اندلاع الحرب العالميّة الثّالثة وقد سمّيت " بـالحرب البارة "، لكن انهيار جدار برلين وتراجع نفوذ الاتّحاد السّوفياتي أعطى من جديد التّفرّد الامبريالي للولايات المتّحدة لأمركة العالم والسّيطرة عليه ، ما يثبت أنّ أمريكا تمكّنت من نشر حلمها معتمدة لذلك جل الوسائل الفكرية والثّقافية كالقوة النّاعمة المتمثّلة مثلا في " سينما هوليود" والقوى الحربية كالأساطيل الحربيّة المنتشرة في محيطات العالم والقوى التّكنولوجيّة .

ختاما إنّ بلورة الهويّات والأنساق الاجتماعيّة القوميّة ضمن قيم مشتركة تؤسّس إيتيقا الحوار والتعايش السّلمي بين الجميع في ظلّ الاعتراف المتبادل بالهويّة والاختلاف أجدى من التّنظير للحروب الإستباقيّة والوصاية الإمبراطورية على القوميّات والشّعوب والأقليّات، فهذا ليس بالحلّ الملائم للغايات الإنسانيّة باعتبار أنّ هاته الجدوى تكمن في التّحقيق العقلاني للمصلحة بين منجزات الحداثة والأصالة في تجذّرها ضمن الذّاكرة الجماعيّة.

 

الباحثة سلوى بنأحمد

أكتوبر 2019

 

 

عصمت نصارلقد أشرنا في المقالات السابقة إلى أن قضايا فلسفة الجنس تتصل اتصالا مباشرًا بالكثير من المباحث العقيدية من جهة، والتراث الأسطوري من جهة ثانية، والأبحاث العلمية التجريبية من جهة ثالثة، والنظريات الجامعة بين السياقات العلمية والثقافات السائدة من جهة رابعة. وتعدُّ قضية وجود آدم وحواء على الأرض من أهم تلك القضايا التي يطرحها السياق الذي نحن بصدده ألا وهو الحكم على فعل الجنس بوصفه مقدسا أو مدنسًا، ولتشعب الركام المعرفي حول هذه القضية سوف نحاول في عجالة إيجاز ما طرح حولها للكشف عن ماهية الرغبة الجنسية التي قام بها آدم وحواء معًا متتبعين السياقات والبنيات الثقافية الموروثة التي جعلت من الممارسة الجنسية الأولى بين آدم وحواء خطيئة استوجبت العقاب باعتبارها دنس، وهى في الوقت نفسه ينظر إليها على إنها قدر إلهي محاط بالبركة والقداسة لأنه يحقق المشيئة الإلهية على الأرض.

تروي الأساطير السومارية الموغلة في القدم أن الملائكة وصغار الآلهة أعيتهم كثرة الأعمال المكلفين بها من قبل الآلهة الكبار  فسألوا الإلهة "نمو" (وهي الإلهة الأم الأولى التي أوجدت سائر الأرباب وهي تمثل الخضم المائي السرمدي الأزلي الأبدي المسئول عن الخلق والقدر، ومن أبنائها "آن" إله السماء و"كي" إلهة الأرض، وابنهما الإله "أنليل" إله الهواء وهو ابن السماء والأرض").

فرقت لدموع الملائكة تلك التي ملأت كفها واستشارت أبنائها فاقترحوا خلق كائن جديد من الطين مزود بقدرات فائقة ومجمل بصورة تشبه الآلهة ليحمل عبء تنفيذ الأوامر الإلهية التي لم تقدر عليها الملائكة (حمل الأمانة). وبالفعل اجتمع مجلس الآلهة وتعاونوا في خلق ابن الطين والماء بشرا (ذكرا وأنثى).

وتروي بعض الأساطير المستنسخة من أسطورة سومر أن الآلهة شكلت الإنسان من طين ودم إله العقل والذكاء والحكمة الذي يدعى "إيول" وعليه جمع الإنسان بين الجسد الترابي وقبس من نور الحكمة الإلهية (جسم وروح).

وفي رواية ثانية قيل أن الأنثى البشرية (حواء) قد خلقت من ضلع الذكر الأول (آدم) بعد التهامه بعض النباتات التي زرعتها إلهة الخلق. وإذا انتقلنا إلى الأساطير الكنعانية فسوف نجدها تروي: أن الإله "إيل" الرب الخالق قد أرسل (آدم) إلى الأرض ليتتبع الشيطان الذي طرد من الفردوس الأعلى لتمرده على الإله الأعظم وذلك عندما وضع السم في شجرة الخلد. غير أن الشيطان (حورون) رأى آدم وهو يبحث عنه، فتلبس جسمه حية فلدغت (آدم) فحرمه بذلك من صفة الخلود التي يختص بها الأرباب، فأسفت ربة الشمس لما وقع (بآدم) فوهبته أنثى على شاكلته غاية في الرقة والجمال ليضاجعها ويستمر نسله بذلك في الأرض عوضًا عن صفة الخلود التي فقدها.

وعلى الرغم من غرابة وقائع الأسطورة، فيمكننا أن نؤكد أن وجود آدم وحواء يخلو تماما من الخطيئة بل أن الرغبة الجنسية التي غرست فيهما كانت بمثابة رحمة وعوض لهما من قبل الآلهة، ومن ثم يصبح الجنس في هذا السياق فعلا مقدسَا.

ولا تختلف الأساطير البابلية عن الأساطير السومارية والكنعانية في الواقعات الرئيسة فتروي أن الإله "إينليل" - حامي ألواح القدر - الذي استجاب لشكوى صغار الآلهة من كثرة أعباء العمل وأمر "إنكي" بخلق إنسانا من صلصال ودم الرب "كينجو" زوج الأفعى الكبرى وممثل قوى الدهاء والشر ليكتب لهذا الإنسان الخلود عن طريق التنسال بالفعل الجنسي فجعله (ذكرا وأنثى).

وتروي الأساطير الزرادشتية أن كبير الآلهة أو الإله الخالق "أهرامزدا" قد خلق إنسانًا عاقلا جميلا على صورته النورانية روحًا بلا جسد وأطلق عليه اسم "غايومارت " وظل على هذا النحو 3000 عام،  ثم أراد الإله أن يصنع له جسدًا فصوره على هيئة شاب وسيم. الأمر الذي أثار غضبة  وحقد الشيطان "أهرامان" على هذا المخلوق الجديد الذي يفوقه حسنًا وجمالا فكاد له فوسوس للجنية العاهرة "جي" لإغوائه وفتنته بجمالها التي أمرته باقتطاف بعض الثمار من شجرة ملعونة قد قام "أهرمان" بتسميمها بسُم الأفعى الشريرة، فقتل "غايومارت" وهو في سن الثلاثين بعد مضاجعته لـ "جي" والتي حملت منه بطفلين هما "ماشي وميشيان" فغضب الإله "أهرامزدا" عليهما أيضًا وطردهما من معيته وجنته لانصياعهما لغواية الشيطان (الخطيئة الأولى).

وتشير الدراسات المقارنة المعاصرة إلى أن هذه الأسطورة الفارسية ترجع أصولها إلى أسطورة بابلية نقشت على جدران المعابد تصور رجل وامرأة جالسين متقابلين وبينهما نخلة مثمرة وتقف أفعى كبيرة وراء المرأة.

ويضيف المؤرخون أن هاتين الأسطورتين قد لعبتا الدور الرئيس في القصة التي وردت (آدم وحواء) في سفر التكوين ويبررون ذلك بتشابه الأحداث والوقائع ويؤكدون في الوقت نفسه أن عقيدة الخطيئة الأولى التي حملوا عواقبها للحية والمرأة التي روي أنها خلقت من ضلع أعوج، وعليه يمكننا أن نقرر أن الأثر الميثولوجي هو المسئول الأول عن قيمتي المقدس والمدنس حيال العملية الجنسية.

ولعل الأساطير المصرية التي  - يعدها معظم المؤرخين الأقدم والأعرق-  تجيب صراحة على السؤال المطروح: هل الإرادة الجنسية وفعل الجماع مقدس أم مدنس؟

فأسطورة الخلق في آثار عين شمس (التاسوع) وأساطير أشمون (الثامون) وكذا أساطير منف عن "بتاح" الإله المبدع الحكيم لا تحوي التفاصيل التي وردت في النسيج الأسطوري السومري، بيد أنها تؤكد أن خلق الإنسان ذكرا وأنثى سنة كونية استنها الإله الخالق "أتوم" من الخضم المائي الأزلي المقدس "نون" الذي يمثل قوة القدر، ولم تفرق الأساطير المصرية بين الذكر والأنثى في التكوين البشري لوجود كل منهما، فقد صنعهما صانع الفخار "خنوم" وهو الإله الجامع بين قوى العناصر الطبيعية والمسئول عن صنع الكائنات الحية من الذكور والإناث على دولاب الفخار من الصلصال وقد زودهما بتسعة عناصر هي (الجسم، القرين، الروح، العقل، القلب، الطاقة الروحية، الاسم، الجسد الروحاني).

وإذا ما انتقلنا إلى أقدم الأساطير الإغريقية التي تعرضت لقصة وجود الإنسان فسوف نجدها مختلفة إلى حد كبير عن الأساطير الشرقية، إذ إنها تحمل بين طياتها الكثير من الأفكار والمعتقدات اليونانية.

فتروي الأسطورة أن الإله "برومثيوس" - وهو من صغار الإلهة الأخيار المسئولين عن حكم الأرض ومن عليها من كائنات - قد أسف على حال البشر الذين سكنوا الأرض وما هم فيه من جهل وجمود عقلي، الأمر الذي أقعدهم عن الخروج من الكهف الذي ألقاهم فيه "زيوس" بعد خروج أسلافهم من العالم النوراني حيث السعادة والتأمل والتجريد، فصعد الإله "برومثيوس" الطيب إلى قمة جبال الأوليمب وسرق شعلة المعرفة وحملها إلى الكهف فأضاءت جنباته وأيقظت العقول الخملة فانطلق المسجونون - وهم من الرجال فقط - من الكهف ليتعرفوا على العالم الخارجي فأدرك "زيوس" فعلة "بورميثيوس" فصلبه فوق الجبل وأمر الجوارح من الطيور بأكل كبده الذي كان يجدده له كل صباح إمعانًا في تعذيبه؛ حتى جاء "هرقل" (وكان نصف إله وهو ابن زيوس من إحدى الإنسيات) فخلصه من قيوده وأنزله من فوق الجبل ففرح بعودته سكان الأرض - الذكور الذين أصبحوا بفضل نيرانه علماء ومبدعين - الأمر الذي أغضب "زيوس" فجمع آلهة الأوليمب ليفكرون في عقابٍ ينكل بـ "برميثيوس" والبشر معًا.

 

وانتهى جمعهم إلى صنع إنسية (حواء)  فقام الإله "هيفايستوس" إله النار والحدادة، بصناعتها من الماء والتراب (الطين) وزودتها الآلهة المجتمعة بالعديد من الصفات (الفتنة، والجمال، والعشق، وبعض الحكمة والدهاء، والجسارة، والتهور، والفضول) وأطلقوا عليها اسم "باندورا" فحاولت إغراء الإله "بريمثيوس" غير أنه تمنع عليها فراودت أخاه "إبيمثيوس" (العاقل العاشق للجمال) ففرح بها وافترشت له فسعدا بالحب والعشق والمتعة الجنسية زمنًا.

فأراد "زيوس" أن يكمل مكيدته فأرسل للعروسين صندوقًا سحريًا مرصع بأنفس اللآلئ والجواهر، وقد ارتاب "إبيمثيوس" في هدية "زيوس" وسأل أخاه "بريمثيوس" فنصحه بألا يفتح الصندوق ففعل، غير أن فضول "باندورا" كان يدفعها مرارا - طوال ساعات النهار في غيبة "إيبيمثيوس" - إلى فتح الصندوق لتكشف عما بداخله، ولاسيما بعد سماعها لأصوات تخرج من جوفه تعدها بالنعيم والسعادة والخلود، وذات يوم فتحت "باندورا" الصندوق؛ فحل الظلام على الأرض وخرجت منه كل أشكال الشرور والأحقاد والشهوات والعنف، فسارعت "باندورا" بغلق الصندوق وهرول "إيبمثيوس" إلى بيته؛ ليعرف حقيقة ما كان فأسف على فعلتها فطلب منه أخوه "بيرميثيوس" أن يفتح الصندوق ثانية ليطلق الأمل الذي لم يبقى سواه في الصندوق حتى يصبح هناك متسع على الأرض لعودة السعادة والوئام ثانيةً لبني البشر.

وإذا ما أردنا تحليل هذه البنيات الأسطورية؛ فيمكننا أن ننتهي إلى عدة ثوابت: أولها: أن وجود آدم وحواء كان قدرًا وفعلا إلاهيًا خالصًا. وثانيها: أن وجودهما على هذا النحو (ذكر وأنثى) يخلو تماما من الدنس. وثالثها: أن ليست هناك ثمة فارق بينهما في البنية الجسدية أو البنية العقلية إلا في التميز الجنسي العضوي فوجودهما الإنساني واحد. ورابعها: أن الغاية من وجودهما كانت معروفة ومقصودة من قبل القوة الخالقة ألا وهى إعمار الأرض وحمل الأمانة وتنفيذ الأوامر الإلهية. وخامسها: أن الرغبة الجنسية عندهما جينية لا اختلاف في قوتها عند أحدهما وأن العقل يوجهها بوصفها فعل إرادي.

وتشير إلى ذلك بعض المقاطع الشعرية التي وردت في الآثار السومرية تلك التي تحدثت عن الخصيان والعواقر والشيوخ غير القادرين على ممارسة الجنس باعتبارهم نماذج إنسانية غير كاملة. أما المواضع التي صورت (حواء) بأنها أعظم شهوة وأكثر شرًا وأقل ذكائًا من الرجل، وكذا الأحداث التي ألقت على عاتقها الخطيئة الأولى والإصغاء للشيطان. وكذا غضب الآلهة على الفعل الجنسي كل ذلك يمكننا رده إلى تطور الثقافة المنتجة للنسيج الأسطوري؛ فعشرات الأساطير قد تحرّفت وتبدلت تبعًا للقيم والمعارف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، ويتضح ذلك جليًا في نظرة الأساطير اليونانية إلى المرأة واتهامها بأنها أصل الشرور، ذلك على الرغم من تسليمنا بوجود بعض المؤثرات الكنعانية والأقاصيص البابلية التي عدلت وحرفت الأساطير السومارية والفرعونية في الفترة الممتدة من 2700 إلى 600 ق. م، وذلك بحسب ما ورد في الدراسات المعاصرة المقارنة بين القصص الأسطوري وأسفار التوراة.

وحري بنا الإشارة إلى أن قضية الخطيئة الأولى قد لعبت دورًا كبيرًا في بناء العديد من السياقات الفلسفية؛ نذكر منها النسق الغنوصي الذي اعتبر هبوط الإنسان على الأرض ما هو إلا عقابٌ استحقه على عشقه للمادة والأمور المحسوسة وانصرافه عن لذة التأمل العقلي. أضف إلى ذلك نظرة الفكر اليوناني بخاصة سقراط وأرسطو وأفلاطون، والفلسفة الغربية بعامة إلى المرأة تلك التي كانت تعتبرها إنسانًا ناقص لا يقدر على استيعاب الحكمة العقلية أو النهوض بأعباء السياسة والحكم وحماية المدينة، أما قضية اتهام (حواء) بالغواية وحادثة طردها مع (آدم) من الجنة وعقيدة الخلاص وغير ذلك من الأقاصيص التي حملتها الكتب المقدسة فسوف نتناوله بشيء من التفصيل فيما سيأتي من مقالات تالية. ولا يفوتني أن أنبه القارئ على ضرورة مراعاة خصوصية السياق السردي الذي لا يجوز إطلاقه أو تعميمه أو نقضه اعتمادًا على الموروث العقدي.

 

بقلم: د. عصمت نصار

  

مجدي ابراهيم (14)

للتوفيق نورٌ يقوم على المجاهدات، ولا يكون التوفيق محض صدفة بغير عزم وجهاد، ولا ننسى أن عربي، وهو من هو في رموزه وإشاراته، كان يحدثنا عن "نور التوفيق" وقد عقد في (مواقع النجوم: ص52) فصلاً كاملاً عن "توفيق العناية"، ومن أهم ما ذكره في مقامات الاختصاص أمرين.

الأول: الاشتغال بالعلم المشروع، الذي نذَب الشارع إلى الاشتغال بتحصيله. وآخرها قال فيه: "حيث يُوقف بك". فإذا تُمِّمت للعبد المقامات حُصِّلت في التوحيد الموحِّد نفسه بنفسه، الذي لا يصلح معه معقول. وإنْ نقصت له بعض الحضرات الوجودية، واللطائف الجُودِّية؛ فلا حياة مع الجهل ولا مقام. ومعناه أنه: لمَّا كانت مجاهدات أهل التوفيق تقوم على العلم؛ فقد وجب أن يجاهد العبد في التعلُّم كيما يكون في قلب التوفيق. والمجاهدة بالعلم غير المجاهدة بالجهل؛ لأن الجهل صفة البطالة والتعطيل، والعلم صفة صنَّاع الإرادة بالتوفيق.

بذل المجهود ونور التوفيق مقترنان لا يفترقان. ومن نور التوفيق نلمس خداع اللغة، وقصورها وعجزها عن التعبير عن الحقائق العليا، وقلة اقتدارها عن استيعاب الحقيقة المُجردة. وإنِّا لنشير ها هنا إلى لفظة جارية على ألسنة المتحدِّثين وأقلامهم مثالاً نسوقه على خديعة الألفاظ لمن لا يستطيع تجريدها عن الوقائع غاية ما يبلغه التجريد؛ فلننظر إلى ذلك الشيء الخفي الذي يمتدحه معناه ويضيق به لفظه، ويتقارب في المعنى كما يتقارب في المدلول، وليس لمعناه أو لمدلوله من لفظه إلاّ حرفان؛ فيه من المعاني والدلالات ما تتوارد عليهما مقومات الحياة بأكملها في صيغتها المُعَبِّرة أعمق تعبير وأشدِّه غوصاً في خفايا الشعور.

فما تراكمت المعاني وتواردت الدلالات على هذين الحرفين إلاّ لأن الحياة في خصوبتها وثرائها وتفجُّرها بغرائب المتناقضات تحمل لدى الإنسان الذي يشعر بمثل شعورها ويحسُّ بمثل إحساسها، كمَّاً غريباً ومتدفقاً من عجائب الصفات وغرائب الطباع والعادات.

فالشعور الذي يتبلور معناه في دلالته السلوكية هو شعور نابض بفاعلية الحياة هبط على صاحبه معنى رفيعاً سامقاً، ولو كان في لفظ بسيط. والإحساس الذي يتلوَّن في جوف صاحبه بألوان التعبير في لفظه ومعناه إنما هو إحساس دفين بعمق الحياة وخبراتها وخصوبتها في النفس الشاعرة والضمير الشاعر الحسَّاس، حيثما كان الشعور صفة من صفات الإنسان أو كان دليلاً على وعيه بما يحسّ ويشعر من بواطن الأشياء.

انظر لترى أن "الحُبَّ" هو ذلك الشيء الخفي يمتدحه معناه دون لفظه، ولا يهجوه من مبنى الدلالة غير سعة المعنى بجوار ضيق اللفظ. وذلك هو الشيء نفسه الذي يعرضنا لتضليل اللغة وضيق ألفاظها وتناهيها قياساً إلى سعة المعاني الواردة على اللفظ الذي لا يحيط بمعناه إحاطة السياج يحكم معناه ومبناه إذا شاء. حقاً إن الغرور يُوهمنا أشياء كثيرة، واللغات بين الناس من أهم أسباب الأوهام. فقد ظنناها حَدَّدت المعاني كل التحديد، ولو أن ذلك كان صحيحاً لارتفعت أسباب الخلاف؛ إذْ قد يتلاقى الرجلان عند صورة واحدة من المعنى، ثم يختلفان اختلافاً شديداً في تصور المعنى الواحد؛ لأنهما يختلفان في صحة الجسم وعافية الروح.

وهذا ما يجعلنا نلتمس للفظ مع هذا الخداع ميتافيزيقاه ! فنجد في كتب العارفين؛ قولاً يُراد منه:" أن الحب حرفان: حاء وباء؛ فالإشارة فيه أنَّ من أحَبَّ، فليخرج عن روحه وبدنه وقلبه، وكالإجماع من إطلاقات القوم أن المحبة هى الموافقة، وأشدُّ الموافقات الموافقة بالقلب، والمحبة توجب انتفاء المباينة، فإن المحب دائماً مع محبوبه.

فلنتأمل دلالة هذا القول، ولتفتح إنْ شئت ألفاظه حتى ليتسع معك المعنى فيعلو عن الواقع علو حقيقة لا علو وهم وخيال، ولك أن تتصور حال من يخرج عن روحه وبدنه وقلبه كيف يكون؟ إنْ لم يكن هو حال من يتجرَّد عن ذاته كليَّة ليبقى في معية من أحَبَّ.

لك أن تتصوَّر مثل هذا الكلام: أَلَهُ وجود واقعي أم هو من قبيل الخيال؟ وماذا عَسَاكَ فاعلٌ لو أنك علمت أنه حقيقة من حقائق الواقع لا تدركها حق دَرْكها إلّا إذا عشت فيها على الدوام حالة روحيّة، وعانيت معناها بمقتضى التجربة حقيقة وجودية؛ وإلّا إذا وسَّعت اللفظ وجرّدته عن مبناه، وبلغت به غاية التوسُّع طلاقة روحية من معدن علوي رفيع؟ ثم هل يبقى لهذا الذي يخرج عن روحه وبدنه وقلبه لفظٌ أصلاً حتى يوسِّعه أو يُضَيِّقُه ؟

لاشك إنها "حالة" يخرج فيها عن سحر اللفظ وفتنة العبارة، وما دام قد خرج عن رُوحه وبدنه وقلبه؛ فلابد أن يكون قد خرج عن لغته ولفظه وعبارته، خرج عن "الحَرْف والمَحْرُوُف"؛ ليكون أهلاً لخطاب المحبوب بلا عبارة، وبلا لفظ، وبلا لغة، وبلا حرف. إنها اللغة السَّكْرَىَ منتشية بذوق التقريب يتلقاها العارف على الصفاء في حضرة القُرب فلا ينطق بل يَتَوَلَّه ويغيب.

ولكن! كيف تخرج عن جسمك وأنت في جسمك، وكيف تخرج عن رسمك وأنت في رسمك، وكيف تخرج عن نفسك وأنت في نفسك، وكيف تخرج عن قلبك وأنت في قلبك، وكيف تخرج عن عملك وأنت في عملك، وكيف تخرج عن علمك وأنت في علمك، وكيف تخرج عن معرفتك وأنت في معرفتك، وكيف تخرج عن صفتك وأنت في صفتك، وكيف تخرج عن روحك وأنت في روحك؟ كيف؟! هنا تفعل الهمة فاعليتها لتفذ فيما تريد شريطة أن تكون الإرادة للمعالي.

لا خروج عن وعي العقل وتحليلات العلم وادّعاء المعارف إلّا بتجرِّد النفس عن العالم الحسيِّ. ولا خروج للنفس عن النفس إلاِّ بهزيمتها وقمْعها وإخضاعها وتكميمها والتعالي عليها وإسكات رغباتها بوسائل من تجريد الهمة. والخروج من النفس معناه تجاوزها للعقل وللعلم، وللمعرفة، وللحرف، ولكل شيء بدا من ظواهر الكون المادي، ثم العبور بها بعد التطهير إلى حيث ما يتجلَّى الله عليها، إلى فناء الصفة تمهيداً لغيبة الذات وَتَوَلُّهِاهَا مع الواحد؛ المطلق.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

حاتم حميد محسنتشير تقارير الباحثين الى ان الناس الذين سُئلوا عن سبب تحولهم نحو الايمان بالخلق يقولون انهم فعلوا هذا لأنهم يرونها البديل الوحيد للدارونية، التي يساوونها بالالحاد ويرونها لا تُحتمل. "الدارونية" بالنسبة لهم تعني "الدارونية الاجتماعية"، العشبة القوية القادرة على الحياة في الظل وفي الظروف الصعبة . لكنهم لديهم الكثير من الاسباب التي تدعم رفضهم هذا. في كتاب "نهر خارج عدن، "رؤية دارونية للحياة" يلخص ريتشارد دوكنز ما يراه في الرسالة الدارونية(ص.155):

"في هذا الكون من القوى العمياء والتكرار الفيزيائي، بعض الناس يصيبهم الأذى، بينما آخرون يحالفهم الحظ، وانت سوف لن تجد فيه اي تناغم او سبب ولا حتى عدالة. الكون الذي نلاحظه له بالضبط خصائص توحي بعدم وجود أي تصميم او هدف او خير او شر، لاشيء الّا اللاّفرق الأعمى والقاسي". هذا ما وصفه الشاعر A.E.Housman

لأن الطبيعة حمقاء، وبلا قلب، فهي سوف لن تهتم ابدا ولن تعرف".

الـ DNA لا تهتم ولاتعرف. هي تماما كما هي . ونحن نرقص على أنغامها".

ونجد الشيء ذاته في الصفحة الاولى من كتاب "الجين الاناني" The Selfish Gene، فيه يصرح دوكنز Dawkins "نحن لم نعد بحاجة للخرافة عندما نواجه المشاكل العميقة، هل هناك معنى للحياة؟ لأجل منْ نحن؟ ماهو الانسان؟"هذه الأسئلة كما يقول أجيب عليها بالنفي القاطع والأكيد عام 1859 مع نشر دارون كتابه أصل الأنواع. هذه هي الدوكنزية Dawkinsism وليست الدارونية، ولكن لاتزال يجب النظر اليها باهتمام شديد. لكي نبدأ، نحن يجب ان نسأل ماذا يعني القول ان الكون لا يحتوي على "الشر ولا على الخير". هذه الفكرة غريبة حتى بايولوجيا، لأن هذا الكون بالفعل يحتوي على العديد من الكائنات الحية بما فيها أنفسنا، وبالنسبة لأي كائن حي فان بعض الاشياء هي شر بالضرورة، واخرى خيّرة: كل مخلوق له حاجاته الطبيعية الخاصة به، لأجلها تكون بعض الاشياء مفيدة بينما اخرى تكون مؤذية. نحن البشر عندما نسمي شيئا ما "خير" او "شر"، فنحن لا نضيف سمات اسطورية غير طبيعية للكون، وانما فقط نقول الحقائق حول مدى تأثير تلك الاشياء علينا وعلى المخلوقات الاخرى. بالطبع، نوعنا البشري المتميز بالوعي يجعلنا نسجل تلك الحقائق بطريقة خاصة. انه يجعلنا وبشكل خاص واعين بالاختلافات، خاصة الاختلافات الثقافية. انه ايضا يدفعنا للاهتمام بمناقشة الحالات الخلافية، لكنه لا يخلق الحقائق.

لنأتي الآن الى معنى القول ان الكون لا يحتوي "على تصميم او هدف؟". هذا القول يصعب تصديقه لأن من الواضح ان الكائن البشري الذي هو جزء طبيعي من الكون له اهداف . هذه الهدفية ليست سمة خاصة بالانسان. انها سمة نشترك بها حتى مع الحيوانات. بالطبع، ما نستعمل من تخطيط عالي الوعي هو خاص بنا وغير مشترك لأنه تجسيد لقدرة أدمغتنا المتطورة. لكن الهدفية ذاتها – الكفاح المنهجي المستمر لتحقيق غاية معينة - هي بوضوح ليست خاصة بنا. الانسان حين يحاول الخروج من المأزق التي يمر بها بلاشك يستخدم وسائل مختلفة عن الثعلب او الجرذ، ويفكر في ذلك بطريقة مختلفة . لكن الكفاح ذاته – كتعبير عن الاهتمام، الجهد المتواصل والمكثف الموجّه نحو تلك الغاية - هو بالتأكيد ينطبق على الكل.الانسان الذي يشاهد الحيوان سوف لن يكون لديه ادنى شك بما يعمل، ولا بعلاقته القريبة من كفاحنا. ونفس الشيء ينطبق على البذور التي تنبت تحت الرصيف حين تأخذ طولا لا يُصدق كونها تنمو حول الرصيف او خلاله، وربما ترفعه من المكان عند الضرورة. وكما لاحظ ارسطو هناك استمرارية واضحة تنطلق من هدفنا الواعي كليا وتتجه مباشرة نحو عالم الحياة. ان تعبير دكنز بـ الجين الاناني كشيء هادف وقوي انما يبيّن استحالة وصف عمل الحياة بدون استعمال مثل هذه اللغة.

الهدف ليس اختياريا

الناس الذين يدّعون ان لا وجود هناك لهدف في العالم الطبيعي يبدو كأنهم يتصورون الهدف كشيء ما متفرد للانسان – بناء ثقافي اخترعناه ، او ميل لوضع خطة للمادة المحايدة العديمة الاتجاه. هذا الادّعاء قُصد منه معالجة الانقسام بين المادة والذهن بالنظر اليهما كلاهما كمادة. مادة من ذلك النوع الميت او كرات البليارد، لا تلك الحزم من الطاقة والامكانية العالية التغيّر التي يتعامل معها الفيزيائيون اليوم.

هذا النوع من المادية السطحية اثار آمالا كبيرة في القرن الماضي ولازال يحتضنه العديد من العلماء. لكنه الان يواجه مصاعب كبيرة حول "مشكلة الوعي"بالاضافة الى مشكلة هذا الموقف اللامعقول تجاه الهدف. مفهوم المادة اصبح محيرا كثيرا كمفهوم الذهن وربما اكثر.

لهذا بدأ بعض الناس يرون ان انقسام الذهن/المادة ربما يتم علاجه افضل بطريقة مختلفة – ربما بالطريقة التي اقترحها سبينوزا ، بان لا نسمح لها بالظهور منذ البداية. قد لا يوجد هناك نوعان من الوجود مختلفان جذريا، الذهن والمادة ، وانما هناك عالم واحد كبير له خصائص كل من الذهن والمادة، ومن ثم يمكن النظر اليه بشكل صحيح من هاتين الزاويتين بدون تناقض. عندئذ سوف لن يكون غريبا لو ان نزعة واحدة تعمل خلال الكل لكي يكون نوعنا من الهدفية الواعية هو فقط جزء واحد من الهدفية الموجهة للطبيعة.

هذا الحديث هو بالطبع خارج الموضة. لكن الإنكار المتزايد الحالي للهدف خارج الحياة الانسانية هو بالتأكيد لا يعدو أقل من طموح ميتافيزيقي. نحن نشعر امامه باقل دهشة فقط لأننا اعتدنا عليه . مع ذلك، المادية الاستبعادية او الحصرية ليست اكتشافا علميا وانما مذهب فلسفي متطرف، تماما مثل المثالية الاستبعادية.انها ليست اقتصادية فكريا لأن الاقتصاد المفاهيمي لا يعني استخدام أقل عدد ممكن من المصطلحات ، وانما إستخدام المصطلح الذي يعمل فقط، وفيه الافكار توضح حقا البيانات في السؤال. البرهان على حلاوة الاطعمة يحصل عند الأكل. من الصحيح ان مفهوم الهدف لم يُستخدم في الفيزياء ولكن الفيزياء ليس من مهمتها محاولة توضيح الحياة. اذا كان هدفنا هو فهم العالم الذي يتضمن انفسنا والكائنات الاخرى بافكارنا، سنحتاج الى مفاهيم توضح هذا. السلوك الهادف الذي يُعرّف ككفاح لتحقيق الاهداف، ليس مجرد شيء بنيناه نحن كاناس وانما شيء ما عالمي بين الكائنات الارضية. لكي نبتكر في هذا المجال بالتاكيد يتوجب علينا ان نكون كائنات غير مرتبطة باشكال اخرى للحياة، مخلوقات نستمد قدراتنا من مصدر خارجي . تلك كانت فكرة ديكارت عندما اعتبر الاذهان ارواحا خالصة غير مرتبطة بالاجسام وان الحيوانات اللاانسانية هي مجرد مكائن لاواعية. لكن هذا لا ينسجم مع تفكيرنا اليوم.

الاستفادة القصوى من اذهاننا المتطورة

لذا فان الهدف والقيم كالخير والشر ليست ألوانا تعسفية اصطبغ بها العالم بفعل انانيتنا . هي نمت في ذلك العالم وهي مظهر باطني له – انها خصائص طبيعية ناشئة، واشكال تظهر حالما يصبح سكان العالم معقدين لدرجة تدفعهم للحاجة لها. مثلما لا وجود هناك لخصائص طيران لحين بدء شيء ما بالطيران، ولا وجود لخصائص موسيقية حتى يبدأ شيء ما بانتاج الموسيقى، كذلك اساليب الحياة هذه لا توجد في عالم ميت. لكن ذلك لا يجعلها اقل واقعية او اقل طبيعية. الأهداف والقيم هي ايضا خصائص للتطور الذي يصبح باستمرار اكثر تعقيدا عندما تقوم به الكائنات ذاتها . هذه الخصائص لا تستلزم تدّخلا ما ورائيا غامضا. لكي نجد للكون معنى لا يتطلب ان نفك شفرة رسالة اضافية مبهمة مختفية وراءه، وانما ببساطة ان نجد بعض الاستمرارية بين أشكاله وأشكال حياتنا الخاصة وهي استمرارية تكفي لتؤكد ان وجودنا هنا له معنى.المسألة هي ليس ان هذا العالم ينتمي لنا، بل اننا ننتمي له. لا يجب علينا الاعتقاد انه صُمم لفائدتنا، او اننا نستطيع فهمه كليا. نحن نحتاج فقط لنراه كما رُتّب بطريقة تجعل وجودنا هنا مفهوم لنا. وبما اننا حقا جزء من هذا العالم، فهذا ليس مشروعا سخيفا . انه يوضح لماذا نميل طبيعيا للاستجابة لهذا العالم بمزيج من الحذر والثقة والاحترام الذي اثبت ملائمته لأسلافنا عبر دهور طويلة من التجارب الصعبة.

بعض الناس يرى اننا يجب ان نهمل كل هذه الميول الطبيعية لأنها جزء من طبيعتنا الانسانية المتطورة. ولكن طالما نحن اناس ولا نستطيع ان نصبح شيئا آخرا، من الصعب رؤية ما يحققه اهمال نزعتنا الطبيعية. فمثلا، طبيعتنا الانسانية هي ايضا مصدر لإيماننا المدهش بان الناس حولنا هم كائنات واعية، ليسوا روبوتات بلا وعي، لدينا نزعة للشعور الرقيق والتعاوني تجاه بعضهم . طبيعتنا الانسانية المتطورة هي ايضا مصدر لعقيدتنا بان العالم المادي لايزال هناك عندما ندير ظهرنا له، ولعادتنا الغريبة في الوثوق بشهادة الناس الآخرين (بما فيهم شهادة العلماء) مالم يكن هناك بعض السبب الخاص لعدم الوثوق بهذا. باختصار، ميولنا الطبيعية تزودنا فقط بصندوق ألعاب نمتلكه للحياة وللتفكير الدائم. بالطبع، نحن احيانا نحتاج لرفض الافكار التي تأتي طبيعيا لنا. لكننا لا نرفضها فقط لأنها تاتي من طبيعتنا التطورية. نحن نرفضها لانها تتصادم مع افكار اخرى تنال دعما افضل. ونحن دائما نحاول تسوية الافكار المتضادة ذات الاسناد الجيد. في الحقيقة، هذه التسوية هي مهمة مركزية لحياتنا الفكرية لأننا ايضا لدينا حاجة طبيعية لإحداث التكامل في شخصيتنا. نحن لانستطيع تجاوز عملية التسوية هذه عبر رفض افكار معينة فقط لكونها طبيعية.

الحلم بالصوابية وعدم الخطأ

من اللافت ان هذا النوع من الجدال المشكك نال التشجيع خصيصا في الموقف من الدين، كما لو ان الدين هو الجزء الوحيد غير الموثوق به من الامكانية الذهنية للانسان. فمثلا، دارون شرح في سيرته الشخصية كيف تطورت رؤاه حول الدين، اوضح بانه كان لايزال متأثرا بـ "الصعوبة الشديدة او استحالة تصور هذا الكون الهائل والمثير، بما فيه الانسان... كنتيجة لحظ أعمى او ضرورة. عندما افكر بهذا، انا اشعر مجبر للنظر للسبب الاول في انه يمتلك ذهنا ذكيا بدرجة ما مماثل لذهن الانسان، وانا استحق ان يُطلق علي صفة مؤمن ... ولكن لاحقا يبرز الشك، هل يمكن لذهن الانسان، الذي كما أعتقد انا تماما، قد تطور من ذهن بنفس الدرجة المتدنية لذهن أدنى حيوان، ان يوثق به في الوصول لمثل هذا الاستنتاج العظيم؟".

هذه الفكرة المثبطة قادت دارون ليبقى محايدا او لا ادريا. لكن هذا الشك بالتأكيد دفعه ليذهب أبعد. هو فقد الثقة بكامل سلسلة التعليل التي وصل بواسطتها لهذا الاستنتاج. في الحقيقة، جميع الافكار بما فيها الفكر العلمي الذي سبّب له الوسواس، كلها تأتي من نفس المصدر التطوري، شكواه حول ذلك المصدر تشير الى ان هناك طريقة من التجلّي تتجاوز مثل هذه العقبات. ماذا يمكن ان يكون ذلك الوحي؟ هذه بالتأكيد رؤية ميتافيزيقية مشتقة من التفكير الافلاطوني الما قبل التطوري، فكرة وجود خط ساخن مباشر للمعرفة متوفر فقط للمخلوقات المتسامية روحيا. ولكن كما اوضح هو ذاته، ان هذا مجرد حلم. نحن الان نعرف اننا لسنا ماكنة مصممة معرفيا لهدف وانما مخلوقات مركبة اكتسبنا قدراتنا الفكرية على طول الطريق كجزء من قدراتنا العامة في الحياة. هذا لايعني ان اذهاننا فقط مزيج بلا فائدة، تشكلت عشوائيا بمرور الجينات الثقافية. لكن قوة اذهاننا هذه محدودة. انها تجد من الصعب فهم بعض انواع الأسئلة دون اخرى. هي تجد الاسئلة حول الهدف وعلاقتنا بالعالم هي بالذات صعبة. وهناك عدد قليل جدا من الأسئلة في العلوم او في اي مكان اخر يمكن لاذهاننا ان تعطينا الجواب النهائي لها. 

اذاً ماذا يجب ان نعمل حول هذه النزعات الطموحة الغريبة لأذهاننا، مثل الميول التيليلوجية (الايمان بالمصمم العظيم) التي لاحظها دارون اعلاه؟ سيمون كونوي، كونه طرح الجواب الاختزالي الانيق علميا حول الهدف العظيم الشائع اليوم، يلاحظ:

"مع ذلك، هناك شكوك مؤذية ربما ناتجة عن بعض اخفاقات الخلايا العصبية، كمية اضافية من الناقل العصبي او اي شيء آخر، لكن الحقيقة تبقى وهي ان الانسان لديه احساس ساحق بالهدف. من الغريب اننا كمخلوقات نرتاح حين نجد انفسنا ضمن قالب تيليلوجي" (حل الحياة، انسان حتمي في كون وحيد، 2003، ص313).

يقول كونوي نحن نحتاج نسأل لماذا هذا وما اذا كانت فكرة التيلوس هذه فكرة زائدة (ص313). وكما يشير، مثل هذه الاشياء من المألوف حاليا تُوضّح باسلوب من السايكولوجيا التطورية، عبر القول ان العادات الدينية تبهج الناس، تمنحهم ميزة اختيارية عبر منع اليأس. لكن هذه الأجوبة حتى لو كانت دليلا كافيا لذلك، ستبقى بعيدة عن اصابة الهدف. الطريقة التي يخطئون بها ربما تُوضّح بشكل افضل عبر مثال مشابه. افرض ان العلماء يدرسون الحياة ويتسائلون كيف يفسرون ممارسة الموسيقا، التي يجدونها بلا معنى. باتباع العقائد السائدة هم يقررون ان الموسيقا تبهج الناس، وهم يستشهدون ببحث يدعم استنتاجهم. ولكن بأي معنى هم لديهم الأن توضيح كافي للموسيقا؟

المشكلة هي ان تحليلاتهم توفر فقط سياق خارجي او اطار سببي يمكن ان تحدث في داخله الظاهرة المحيرة وليس تحليلا داخليا. انها لاتبييّن ابدا ما تفعله الموسيقا في حياة الناس. اذا كان هؤلاء الباحثون تشجعوا بنجاحهم واستمروا في التحقيق بنشاطات انسانية اخرى محيرة، مثل كرة القدم ، هم يُحتمل ان يعطوا نفس التوضيح. وهكذا، كل هذه الفعاليات في الحقيقة لها نفس الوظيفة والتي تعني ان كل واحدة منها يمكن دائما ان تُستبدل بأي فعالية اخرى. هل هناك خطأ هنا؟ نعم. عندما نسأل حول مسألة ومعنى الفعالية مثل الموسيقا، نحن نريد فهم ما الذي يجعلها تستحق الآداء، وما مكانها في الحياة.

هذا السؤال يبرز من الداخل. نحن نستعمل مثال الموسيقا لأن دورها حقا يحير الناس. ليس من السهل توضيح ما تعمله الموسيقا لنا بعبارات واضحة. لكن لا احد يفترض ان الموسيقا لا تعمل اي شيء او انها تافهة ولا نحتاج للتعامل معها باهتمام. المشكلة هي انها مهمة جدا وانها منخرطة في حياتنا لدرجة لا يمكننا بسهولة رؤيتها ككل.

كيف نقارن هذا مع السؤال حول ميلنا الطبيعي نحو التيليلوجي؟ لسوء الحظ، تلك القضية متداخلة في تاريخ الصراع بين العلماء والكنائس. تلك الخلفية انتجت موقفا نظر فيه بعض العلماء للقضية كواحدة من الحروب القبلية – معركة في حربهم الباردة ضد الدين. أي فكرة عن الهدف الكوني او معنى العالم نفسه يثيرهم كخرافة خطرة تشوه العلم، لذا هم يتجنبونها. في كتابه (The Goldilocks Enigma ) يشير بول ديفس الى ان الفيزيائي الكبير ريتشارد فيمان قال ان "التراكم العظيم لفهم الكيفية التي يتصرف بها العالم الفيزيائي يقنع المرء فقط ان هذا السلوك له نوع من اللامعنى ". ستيفن وينبيرغ يأخذ نفسا عميقا مفجرا هذه العاطفة الى اقصاها، معلناً انه "كلما كان الكون قابلا اكثر للفهم، كلما بدا بلا معنى". وكما يلاحظ ديفس، وينبيرغ كتب هذا التعليق ليس بسبب انه ينكر وجود هدف للكون، وانما لانه يرى انه له هدف. مع ذلك، الشيء الشاذ هنا هو الاستنتاج بأن وينبيرغ ينطلق من عدم المعنى هذا. الشيء الوحيد الذي يبهجه في هذا المشهد البارد وحيث كل القيم المعيارية ثبت لامعناها، هي حقيقة ان الناس لازالوا يبحثون في الفيزياء الفلكية:

"اذا لم يكن هناك عزاء في ثمار بحثنا، فهناك على الاقل بعض العزاء في البحث ذاته. الرجال والنساء لايريحون انفسهم بحكايا الالهة والعمالقة... هم يبنون تلسكوبات وساتيلايت ومصاعد ويجلسون خلف طاولاتهم لساعات لامتناهية يفسرون معنى البيانات التي يجمعونها... الجهد لفهم الكون هو واحد من الاشياء القليلة التي ترفع حياة الانسان قليلا فوق مستوى الكوميديا، وتعطيه بعض نعمة المأساة".(ستيفن وينبرغ، الدقائق الثلاث الاولى، 1977، ص155)

ولكن اذا كان الكون أوضح سلفا انه بلا معنى، كيف يكون هناك معنى لدراسة عمله؟ ما هذا المعنى الذي يبحث عنه الباحثون؟لماذا هم يدرسون العلوم. من الواضح، ان وينبيرغ وافق على افتراض جاك موند بان الحقيقة العلمية تبقى باعتبارها المثال الوحيد المتبقي بعد الهيليكوست العام لكل القيم الاخرى، وان العلم لايزال يعطي معنى لكون الصدفة الخالصة. ديفس يشير الى ان هذا لا يعمل: "عمل العلوم يعني اكتشاف ما يجري في الكون -- الكون حول ماذا. اذا لم يكن حول اي شيء فلن يكون هناك سبب لإجراء التحقيق العلمي في المقام الاول .. لذا نحن ربما نقلب قول وينبيرغ ونقول انه كلما بدا الكون بلا معنى، كلما بدا ايضا غير قابل للفهم" The Goldilocks Enigma,2006,p.18.

هذه هي الصعوبة حول طبيعة الفهم تبرز من داخل العلم نفسه، وليس كنقد له من جانب جماعة دينية معزولة. انها مشكلة أثارها اخيرا الكثير من العلماء المرموقين. العديد منهم ، مثل ديفس، قام بهذا بالاشارة الى الصدفة الملاحظة التي لاحظها الفيزيائيون اخيرا في ظروف فيزيائية جيدة للكون ذاته والتي تخلق امكانية وجود حياة ذكية (او اي نوع من الحياة) .ان عدم احتمالية ملائمة الكون للحياة بالصدفة هي مذهلة جدا لدرجة تجعل من السخف الحديث عن وجودنا نتيجة الحظ، كما يقول فريمان ديسون. صراحة نحن لسنا مخلوقات غريبة كما اعتقد جاكس مونو، كوننا منعزلين في كون لانستطيع توقع فهمه. وكما يشير دايسون: "انا لا اشعر كغريب في هذا الكون. كلما فحصت هذا الكون كثيرا ودرست تفاصيل هندسته، كلما وجدت المزيد من الدليل على ان الكون لابد ان يكون بمعنى ما قد عرف اننا قادمون". (Disturbing the universe,1979,p.250).

هذا التفكير لايستلزم بالضرورة تبنّي اي موقف ديني معين. انه ببساطة يصرح بان المجال الميتافيزيقي والديني مرة اخرى مفتوح للعلماء لنقاشات جادة. اساسا، انه يشير نحو مجموعة من الفلاسفة مثل سبينوزا، ارسطو، كانط . لكن هناك الكثير من الاتجاهات الاخرى يمكن السير بها في هذا التفكير اكثر. ديفس كونه وصف صدفة الكون التي جعلت الحياة ممكنة وقيّم مختلف التفسيرات يستنتج:

"يبدو لي ان هناك مشروع حقيقي للاشياء – الكون هو "حول" شيء ما. لكني بنفس المقدار لايمكنني القاء كل المشاكل في حضن اله عشوائي، او أهمل كل الافكار الاخرى واصرّح بان الوجود بالنهاية هو اسطورة ...انا اعتقد حقا ان الحياة والذهن محفوران بعمق في نسيج الكون، ربما من خلال مبدأ الحياة المعتم" (The Goldilocks Enigma, pp.302-303).

ونفس الشيء في البايولوجي يرى سمون كونوي انتشار الالتقاء التطوري (مختلف المسارات التطورية لنفس الخصائص كالعيون والسيقان والاجنحة) تبيّن مجموعة اخرى من المصادفة مماثلة لتلك المكتشفة في الفيزياء، وهي ايضا يصعب اعتبارها كمجرد صدفة . هو يقول فكرة ان التطور عشوائي ونادي قمار، انما اسيء فهمها كثيرا. الالتقاء التطوري يكشف عن نظام واضح وايضا عن نوع لافت للابداعية:

"لكل هذه الوفرة والنزعة في التطور هناك قيود، الالتقاء هو حتمي، مع ذلك ومن المفارقة ان النتيجة الصافية ليست عودة عقيمة للافكار البالية، وانما هناك نزعة للتعقيدية المتزايدة. بعض الكوسمولوجيين يرغبون التأمل بان الكون مصمم ليكون وطن الحياة، ويضيف له بعض البايولوجيون "نعم ، وليس فقط ذلك وانما نحن نمتلك فكرة ماهرة حول ما كان يُحتمل الحدوث (Life’s solutions, pp.21 and 113). بالتاكيد نأمل انه بدلا من ان يشن العلماء حربهم الباردة يستطيعون في الحقيقة دفع هذا النوع من الحوار قدما.

 

حاتم حميد محسن

.............................

Purpose, meaning and Darwinism, Philosophy Now, issue71, Jan-Feb2009

 

 

رائد جبار كاظم(لقد عانى العراق منذ عهود بعيدة فجوة واسعة بين الشعب والحكومة، فالشعب يعتبر الحكومة كأنها عدوة له لا تأتي له بأية منفعة، وكثيراً ما يأتي الضرر منها.).. علي الوردي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. ص 7

(لا يخفى أن الحكومة االعراقية مصابة بعيوب وأدواء شتى، فهي قد أنبثقت من المجتمع الذي تعيش فيه وأستمدت طبيعتها منه، فاذا كان المجتمع مصاباً بالعيوب والأدواء فهي لابد أن تكون مثله مصابة بها).. علي الوردي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. ص304

العراق بلد عريق ومتعدد الهويات والثقافات والقوميات والديانات منذ قديم الزمان، مما أظفى عليه لوناً فسيفسائياً جميلاً يختلف عن كل الألوان الأخرى، فهو بلد لونه كألوان القوز قزح، وبستان جميل فيه من كل أنواع الزهور والعطور، ولكن مما يؤسف له هو عدم رعاية وحماية تلك التنوعات والأختلاف في بنية المجتمع العراقي، سياسياً وأجتماعياً وأقتصادياً وحياتياً، والتفريط بتلك اللوحة الجميلة والكيان التشكيلي النادر بين الدول والبلدان، والأدارة العنصرية والتعسفية من قبل الحكومات المتعاقبة على البلد ولدّ لوناً من عدم الأنسجام والتوافق بين المواطن والدولة، مما أضرّ بكيان الدولة وهيبتها، وأصبح من الصعب على الفرد القيام بواجباته داخل المجتمع والدولة باحترام وأريحية تامة، بسبب ذلك الصدام والصراع بين السلطة الحاكمة والشعب، وبسبب هيمنة تلك السلطة وتعسفها ومحاولة جعل الشعب جزءاً من متاعها الخاص بها أو المالك لها، وبسبب الأختلاف الأيديولوجي (الفكري والديني والسياسي والقومي) بين السلطة الحاكمة ومكونات البلد الاجتماعية، والسطوة التي يمارسها الحاكم من خلال تلك الأيديولوجيا (هويته) التي يتقوى بها هو ومن ينتمي لها على بقية أفراد البلد ومكوناته، ولدّ حالة من الأحتقان القومي والطائفي والعنصري في بنية المجتمع والدولة العراقية، ودليل ذلك واضح من خلال التاريخ السياسي والأجتماعي العراقي على مرّ العصور، فاذا كان الحاكم من قومية ما أو ديانة أو مذهب ما، نجده يسود وقومه وعشيرته على الأقوام والمكونات الأخرى، وهذا ما يجعل البلد كالبركان دائم الثورة والهيجان، ولذلك فالعراق بلد الثورات والفتن والتمرد على مرّ السنين. وما من مشكلة تهدد حياة ووجود الفرد والمجتمع العراقي طوال التاريخ مثل مسألة تعدد الهويات الأيديولوجية، التي تعد أس المشكلات والأزمات التي يتعرض لها  البلد، وهي قنبلة موقوتة يمكن تفجيرها في أي وقت من قبل ارادات شرانية متصارعة لا تريد بنا خيراً.

وأرى أن السبب المباشر والأساسي في شيوع ذلك النمط من السلوك السياسي المنحرف والمتسلط هو عدم وجود خطاب سياسي معتدل وهادىء وفاعل في المحيط العراقي، ما دامت الأحزاب والكيانات تتقوى بالعشيرة والسلاح ودول الجوار، دون الأحتكام للقانون والدستور والفكر السياسي المنظم، وهذا بدوره أدى الى عدم وجود هوية وطنية صادقة تحرك الفرد العراقي من شماله الى جنوبه، وانما يتحرك الفرد وفق هويته الطائفية والقومية والعنصرية ويتقوى بها على الغير، مما يجعل حرب الهويات هي الحرب الدائمة الأستعار في بلدنا، وهدف المقال هو مناقشة تلك المشكلة (صراع الهويات في المجتمع العراقي) والأثر السلبي الذي تتركه على السلم المجتمعي والأمن الثقافي، من خلال العنف المتبادل بين الدولة والمكونات الاجتماعية مرة وبين المكونات الاجتماعية والدولة مرة أخرى،  والوقوف على أهم الأسباب والظروف التي تؤدي الى هذا الحال، وبالتالي تردي وضعنا الأنساني والقيمي والأجتماعي في العراق من جراء ذلك الخطاب العنفي المتطرف، على الرغم من أننا نعيش في ظل نظام سياسي ديموقراطي يحترم الحقوق والحريات وتعدد الهويات والأختلاف في أصوله الفكرية والفلسفية، ولكن واقع الحال غير ذلك تماماً، والدور السلبي الذي تركه النظام الديموقراطي بعد التغيير 2003 في اشاعة نمط قيمي وسلوكي، سياسي واجتماعي وأخلاقي وديني متطرف مبني على أسس عنفية وكراهية شديدة بين أبناء البلد الواحد بمختلف ألوانهم، مما أضر كثيراً بالواقع والمجتمع العراقي وهدد السلم والأمن الأجتماعي والحياتي وبالتالي أنتقل أثر ذلك على الدول المجاورة وباتت مسألة الهوية الأيديولوجية بمختلف أشكالها تشكل خطراً كبيراً يقلق المجتمعات والشعوب العربية والاسلامية، وتعد قنبلة موقوتة يمكن تفجيرها في أي وقت من قبل تجار الحروب والقتل والأرهاب، بعكس المجتمعات الديموقراطية التي تسعى لنشر وتشجيع فلسفة الاختلاف والتعددية وخطاب التسامح والتعايش السلمي بين مواطنيها لتأمن ذلك السرطان المزمن والوحش الكاسر وخطاب العنف والكراهية الدموي الذي يهلك الحرث والنسل ويبيد العباد والبلاد.

تعدد الهويات وتنوعها للفرد أو للجماعة ليس أمراً سلبياً ولا يجب معاداته أو رفضه ومحاربته، بل يجب أحترامه وتقديره، لأنه حق طبيعي جداً لكل انسان وجماعة، فالانسان كائن متعدد الهويات منذ ولادته وحتى مماته، ولكن الأمر المكروه والمنبوذ هو تحول هذه الهويات الفرعية للفرد والجماعة التي هويات قاتلة ومدمرة لكينونة الناس وحياتهم، وتتحول الى لعنة على كل واحد منا، فحين يكون الفرد أو الجماعة قوية تسود وتصول وتجول بسلطة هويتها وتلاحق الآخرين للذوبان في تلك الهوية، وتكون عندها الهويات الآخرى تابعة ومتضررة من سطوة وسلطة من يمثل تلك الهوية القاهرة، بينما يعاني أفراد وجماعات الهوية المستضعفة والمقهورة من التشرد والتهجير القسري والسجن والقتل، وعندما يتاح لتلك الهوية المقهورة الفرصة للانتصار وتحقيق القوة تعمل على ابادة ابناء الهوية القاهرة والقوية سابقاً للانتقام من هذا المكون الهوياتي ومن ينتمي له، لتمارس نفس الدور الذي تم ممارسته من قبل تجاهها، وهذا ما يحصل بالفعل بين الشعوب، في فترات تاريخية وحقب متعددة، شهدناها سواء في العراق على وجه التحديد أو في مجتمعات العالم عامة، وهذا هو ما نخشاه على مجتمعنا العراقي من سيادة الهوية الفرعية لمكون ما وسيطرته وفرض هيمنته بالقوة وتهديده للسلم والأمن المجتمعي، في ظل غياب الهوية الوطنية، تلك الهوية التي تحترم كل الهويات وتقدرها، وتحافظ على الجميع تحت مكون الوطن ورايته الموحدة من أي خطر أو عدو داخلي أو خارجي.

في واقع الأمر أن لكل هوية من الهويات المتعددة والسائدة في المجتمع العراقي، نمط معيشي وسلوكي ونظام مستقل من العادات والتقاليد والتراث والقيم والتربية تختلف عن بعضها البعض، وتترك معتقدات هذه الهويات وأيديولوجيتها أثرها على أفراد وجماعات أبناء هذا البلد ومؤسساته الحكومية والمدنية، وترى لكل مكون هوياتي خصوصيته وهويته التي تشكّل كينونته وكيفية تحركه في هذا المجتمع، وتنعكس تلك العادات والتقاليد والتربية الهوياتية على شخصية الفرد والجماعة، ويكون مقدسِاً لها وشديد الولاء والأنتماء في حضنها، وهذا الأمر ليس بمعيب ولكن الأمر يكون عيباً وخطراً ويشكل تهديداً كبيراً للبلد ومكوناته الاجتماعية حين تتحول تلك الهوية الى نمط مرضي وعدواني كبير، حين تتحول الطائفة الى الطائفية والمذهب الى المذهبية والعشيرة الى العشائرية والحزب الى الحزبوية والقوم الى القوموية، حين تخرج الهويات من اطار محترم ومقدس الى ذئب مفترس ومكون متغطرس، وهذا ما نخشاه ونحذر من شيوعه في مجتمعاتنا التي خرجت من اطار العقلانية والانسانية الى اطار الشرانية والتوحش والنزعة التدميرية. وحرب الهويات وصراعها هو أخطر أنوع الحروب وأعنفها، فهي حرب دائمة الأستعار بين مكونات المجتمع الواحد، وأستقرار أي بلد مرهون بأستقرار مكوناته وأحترام هوياته بكافة فئاته وأطيافه وطوائفه من قبل المجتمع والدولة، وكذلك أحترام تلك الهويات والمكونات للأرض التي تعيش عليها، وتغليب منطق الحوار والتعايش المشترك على منطق العنف والتطرف والكراهية، فلا يمكن لمجتمع أو جماعة ما أن يعيش ويسود بمكونه الهوياتي على الآخرين ويحرمهم حقوقهم الهوياتية الأخرى، وكذلك لا يمكن للدولة أن تتسلط وتهيمن على مكونات المجتمع بهوية ذات وجه واحد وتترك باقي المكونات عرض الحائط، ويتم أستدعائهم فقط عند المحن والكوارث والحروب ليلقوا بهم بالمحرقة، وأنني أنظر لعلاقة الدولة بكوناتها وهوياتها وشعبها كعلاقة الأبوين بأفراد العائلة، فحين يكون الحب والحنان والأحترام سائداً بينهم يتحقق أستقرارهم وأمنهم وسلامتهم، وبخلافه يكون العنف والكره والانتقام هو سيد الموقف، وهذا هو أيضاً ما ينعكس على المجتمع ومكوناته الهوياتية وفقاً لطريقة العيش وسياسة العمل وطريقة الأدارة والسلوك، فالعلاقة متبادلة بين الأثنين، فلا أستقرار ولا أمان وسلام للدولة من دون أحترام مكوناتها وشعبها، في السراء والضراء، ولا وجود ولا حياة وبقاء لجميع المكونات والهويات وفئات المجتمع من دون وجود دولة قوية تحميهم من مخاطر الدهر ومحن الزمن، فقوة الدولة وحياتها بأحترام مكوناتها الاجتماعية وتنوعاتها، وقوة تلك المكونات وبقائها بالدولة القوية وهويتها الوطنية التي تحمي الجميع، وأحدهما يكمل الآخر، فهما كجناحي طائر يسيران جنباً الى جنب، ولا طيران ولا تحليق من دون توازن وأستقرار بين هذين الجناحين أبداً.

وخلاصة القول عن طبيعة المجتمع العراقي وأختلاف هوياته وتصارعها ما ذكره الدكتور علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي وهو (إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر. باستثناء لبنان . وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار !فهل من يسمع؟!) (علي الوردي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. ص 324.)

ونرى ان السبب المباشر لحدوث تلك المشكلة في بنية المجتمع العراقي يعود لمجموعة من الاسباب هي:

1ـ تعدد وأنقسام الخطاب السياسي للأحزاب والمكونات الأجتماعية ما بعد التغيير أدى الى تشظي الهوية الوطنية وتصدعها، وتأثير ذلك الخطاب سلباً على وحدة الشعب وتماسكه الاجتماعي والحياتي. والجدل المحتدم والمتبادل بين الدولة ومكونات الجتمع من جهة وبين المكونات والدولة من جهة أخرى، مما ولّد عنفاً مزمناً على مر التاريخ الاجتماعي والسياسي في العراق.

2ـ الفهم الخاطىء للديموقراطية من قبل الكثير من السياسيين وترجمته المنحرفة الى أرض الواقع، فالديموقراطية ليست صندق أنتخابات فقط، وانما سلوك وممارسة وعمل يخضع للرقابة والقانون، وهذا ما لم يحصل في العملية السياسية ما بعد التغيير.

3ـ غياب الفلسفة والفلسفة السياسية في رسم معالم ومسار ومسيرة الدولة والحكومة العراقية ما بعد 2003، اذ أن عدم وجود فلسفة فكرية وسياسية محددة تنظم بناء  الدولة أفقد العراق الكثير من ثرواته وطاقاته وخيراته وخبراته، وجعلنا نخسر الكثير من حقوقنا التي كنا نأمل الحصول عليها في ظل النظام الديموقراطي.

4ـ غياب الخطاب الاعلامي الموحد، والتعدد المسرف لقنوات الاعلام والفضائات والصحف أذكى روح الانقسام والعنف والتطرف والكراهية بين مكونات البلد الواحد، بدلاً من تحقيق روح النقد والتقويم ورصد التحركات السياسية واعادة بنائها من جديد في ظل الجو الديموقراطي.

5ـ عدم وجود خطاب ثقافي وطني ينمي فكرة التعددية والتسامح ويشجع الهويات والمكونات على أحترام بعضها البعض، والتعاون الحقيقي بين الدولة والمجتمع والمواطن في تحقيق ثقافة المسؤولية التي تساعد البلد على النهوض والتقدم نحو فضاءات فاعلة في جميع مفاصل الحياة.

6ـ العراق بلد متعدد الهويات منذ آلاف السنين، ومما يؤسف له هو فشل الخطاب السياسي ما بعد التغيير في ترميم وأحترام تلك الهويات، وتعريف المواطن بفلسفة جديدة تؤسس لحق الأعتراف ونيل التقدير وكيفية التعايش المشترك بين القوميات والهويات الأخرى، وأن الهوية الوطنية هي الهوية الأولى التي تجمعنا والتي تحقق وجودنا الحقيقي على هذه الأرض الطاهرة.

7ـ تنامي الهويات الفرعية، من طائفية وقومية وعنصرية، وأنكماش الهوية الوطنية وتصدعها في ظل الخطاب السياسي المتطرف، وهذا ما نشهده في العراق بين مدة وأخرى، ولا يوجد ضامن حقيقي للحفاظ على البلد ومكوناته، ما دامت العملية السياسية تتحرك وفق مبدأ المحاصصة وتقسيم الكعكة والغنائم، وعدم الايلاء الحقيقي للمواطن وحقوقه وكيفة التوزيع العادل للثروات، ومحاولة التقوي السياسي بالمكونات الاجتماعية، مما أسس لدولة العشائر والمكونات بدلاً من الدولة الديموقراطية الحديثة التي تحتكم للرقابة والقانون.

8ـ أشاع الخطاب السياسي ما بعد التغيير روح العنف والكراهية بين مكونات الشعب ولم يسع سعياً حقيقياً للملمة جراح الملايين وتعويضهم ما فاتهم من حقوق وتقدير في ظل النظام البائد، ولي عنق الديموقراطية وتوجيهها الوجهة التي تريد الأحزاب ومصالحها وعدم الألتفات لمصلحة الشعب وهدر أمواله وثرواته.

9ـ تسلح الأحزاب والمكونات والعشائر بطريقة غير شرعية وقانونية، خلق حالة من الذعر والهلع لدى الناس مما أدى الى سفر وهجرة الناس من بلدهم، وهذا بدوره ادى الى موت الهوية الوطنية وقتل البلد ونهاية الديموقراطية في العراق.

10ـ مستقبل العملية السياسية والديموقراطية في العراق الى الأسوأ في قادم الأيام، بسبب ذلك الضعف والتلكؤ في أدارة البلد، والأنهيار الداخلي للمكونات الاجتماعية للبلد من جهة وتحكم القوى والأجندات الخارجية بالبلد والساسة من جهة أخرى، مما يجعل البلد في حالة فراغ وضياع لا مثيل له، والعودة الى المربع الأول كما يقال.

 

أ. د. رائد جبار كاظم

أستاذ الفلسفة في الجامعة المستنصرية

 

مجدي ابراهيم (13)

لم يكن الوعي الصوفي، وهو الوعي العالي ليس بالعادي، والحاصل دوماً في حال الفناء والموحي بلغة الخطاب، بالذي ينقل المُعطى الحسي كما ينقل دلالته المفهومة إلى لغة رمزية وكفى؛ ولكنه أيضاً يحوّله بوصفه مُدْرَكاً روحيّاً وشهودياً قام على خصوبة الخيال؛ إلى إشاراتٍ. وقد تقدّمت الإشارة إلى أن من الألفاظ ما هو مفتوح، تُجيزُه الرمزية في تجربة العارف بمقدار ما تجيزُه رُوح المجاز اللغوي، وتجيزُه بنفس الكيفية لغة الخطاب الصوفي، ويرمي من طريق الرمز إلى "ما وراء" بعد إشارته إلى المحسوس ودلالته المفهومة من أول لقاء.

فإذا نحن لم نُدْرك هذا الأمر، فقد يسهل علينا أن نرمي مَن يدركه ويتمثله بصنوف البهتان وما من عجب:" فمن لم يكن في مرتبتك من العقل، لم يذق مذاقك في الفضل" كما يقول الإمام محمد عبده؛ ظناً مِنَّا أن كل ما لا ندركه بحواسنا الظاهرة يقع في حكم العدم، بل ما لا تدركه أنت قد يدركه غيرك لو كنت مُنْصِفاً حقاً.

ومن ثمَّ، فقد وددت لو تقرَّر عندنا اليقين الدائم في أن اللفظة العربية وراؤُها قوة شاعرة وصلت إليها من ثورة الروح وفورة الشعور والوجدان. وأنه لعَسَفُ في الاتجاه واضح كل الوضوح، ولو فيما نراه نحن، ذلك الذي كان يهدف إليه اتجاه فلاسفة التحليل المعاصرين أمثال "جورج مور" (G.Moore  (1873- 1958)؛ وبرتراند رسل (B . Rusell ) (1872- 1970)؛ ولوفيج فتجنشتين (L.Wittgenstein) (1889 - 1951)؛ ومن العرب زكي نجيب محمود وعزمي إسلام، من ضرورة تقييد معنى "اللفظ" بدلالته الواقعية الحسيَّة وكفى؛ لأن المعنى عندنا أرفع وأسمى من أن نقصره على إشارات الواقع فيما يشير إليه اللفظ إلى شيء حسيِّ هو من دنيا الأشياء الواقعة بالفعل ولا يزيد؛ ربما أفادت دراساتهم في مجال العلاقة بين المنطق واللغة فقط، وازدادت على أيدهم الصلة بينهما فلم يَرَوْنَ في الفلسفة كلها إلا هذا الاتجاه: التحليل المنطقي للغة الجارية. ومن يقرأ "المنطق الوضعي" و"موقف من الميتافيزيقا"، للدكتور زكي نجيب محمود، و"مفهوم المعنى" و"اتجاهات في الفلسفة المعاصرة" للدكتور عزمي إسلام؛ يتبيِّن له وقوف الألفاظ وتحديدها، على ما تشير إليه من موضوعات جزئية أو مُفردات، أو حوادث (مثل هذا الكرسي، أو هذا الشيء الأحمر).

فاستخدام الرموز اللغوية لا ينفك بإشارته إلى فئات الموضوعات أو الحوادث (كفئة الكراسي، أو الأشياء الحمراء)، أو الكليات أو الخصائص أو الماهيات كالاحمرار أو الاستدارة.

كما أن هنالك من الألفاظ البنائية الوصفية تجيء الرموز اللغوية فيها مرهونة بتحديد الحواس، كما يقول الدكتور زكي نجيب محمود:" الرمز اللغوي؛ كلمة كان أو عبارة؛ إنْ دل على مجموعة من الصفات، فهو لا يقتضي بالضرورة أن يكون مُسَمَّاه موجوداً وجوداً فعلياً؛ إذْ قد يكون هنالك المسمى الذي تنطبق عليه تلك الصفات وقد لا يكون؛ فقل مثلاً "حصان أبيض ذو ذيل أصفر وغرة صفراء"، يكن لك بذلك بناء وصفي؛ لكن هذا البناء الوصفي لا يقتضي بالضرورة أن يكون الكائن الموصوف موجوداً بالفعل أو غير موجود؛ فالحواس هى التي تدلني إنْ كان لمثل هذه الكائن وجود بين الكائنات أو لم يكن".

ولربَّما مثلت الكلمات معاني هى الحالات العقلية أو الأفكار أو الصور الذهنية، وجميعها يتطلب تحديداً يرتدُ باللفظ إلى المحسوس والواقع، ولا يرتفع فوقهما أو ينفتح فيما وراءهما بحجة أن كثيراً من الكلمات تستخدم بطريقة تدعو للالتباس، والتباسها يعوق عملية الاتصال فضلاً عن كونه ينتهي إلى قبول حجج وبراهين فارغة من المعنى، هى في حقيقتها لا تبرهن على شيء.

ولمَّا كان استخدام اللغة وقواعدها يأتي من طريق الاتفاق العام على المعاني، وكانت المعاني تتمثل في كيفية استخدام الرموز اللغوية المختلفة؛ صارَ من الواجب التخلص من جميع الرموز "مشتركة المعنى" لاستبعاد كل التباس فيه ولتوخِّي الوضوح في الدلالة. ولكن هذا يتعارض مع أصول اللغة العربية وفنون البلاغة بمقدار ما يتعارض مع التخريج الذوقي للّغة بل صار يتعارض مع بلاغة العمل العقلي للغة العربية كونها مجازاً، وهو من بَعْدُ لا يعطينا الحق في تقييد المعنى مثل هذه القيود المُجْحفة، وإلاّ قضينا على الرمز، والإشارة، والمجاز، والتأويل، ثم العبارات الأخلاقية برمتها، واكتفينا بما نلمسه من دلالة اللفظ الظاهرة، وهو ممَّا لا يجوز في لغة العرب؛ إذْ الجائز لزوم الاشتراك لاتساع المعاني وعدم تناهيها. والمتناهي من الألفاظ إذا وُزِّع على غير المتناهي من المعاني، لزَمَ الاشتراك، كما عرفنا فيما تَقَدَّم من كلام الشوكاني.

لقد سقناً في السابق عدة أمثلة لنُدلِّل بها على أن هناك معنى بعيداً غير المعاني القريبة. وهذه المعاني البعيدة لها أهميتها "الفاعلة" على نشاط الألفاظ وروحانيتها من وراء معانيها، ومن ثمَّ لها كذلك أهميتها "الفاعلة" على نشاط الإنسان وتوجُّهاته: يتأثر باللفظ وما ورائه من دلالة روحيَّة تأذن بتوجيه الإنسان في أنشطته الحياتية الفاعلة، وتحوِّلُه "الكلمة"، باطنياً، يسمعها على الحضور، من حال في الحياة إلى حال، ومن طريق إلى طريق، ومن اتجاه إلى اتجاه.

وفيما العجب؛ فإنّ اللفظة التي تخرج من فيك رامية إلى معنى بعيد لهى أحرى بالعناية من لفظة تنقلها عن لافظ، كان قد نقلها بدوره عن لافظ آخر، وهى بالطبع لا تحمل غير تكرار غريب من معاني قريبة، ومبتورة، وَرَثَّة، وبالية:" فقد اعتادت الألسنة والأقلام؛ هكذا يقول الدكتور زكي نجيب محمود، أن ترسل القول إرسالاً غير مسئول؛ دون أن يطوف ببال المتكلم أو الكاتب أدنى شعور بأنه مطالب أمام نفسه وأمام الناس؛ بأن يجعل لقوله سنداً من الواقع الذي تراه الأبصار وتمَسَّه الأيدي". نعم .. (ليس الحسُّ هو المعنى).

نقول: نعم ! غير أن ضلالة هذا القول غير المسئول يرتدُّ فيما نرى إلى الحس والواقع، وهما مصدر تلك الضلالة ومبعثها بكل تأكيد، وماذا عَسَاهُ يكون الشأن في قول يُقال لا عمَّا تراه الأبصار ولا عَمَّا تمسه الأيدي؟ ضلال ! أليس كذلك؟ بالطبع لا؛ بل هو اليقين الذي لا شك فيه إذا اختلفت المنطلقات والتوجهات.

لمّا أن قرأ "العقاد" المنطق الوضعي لزكي نجيب محمود، أستوقف نظره هذه النقطة بالتحديد، إذْ "الفرق كبير جداً بين صعوبة تعريف المعنى وبين انعدام المعنى على الإطلاق، ليس الحسّ هو المعنى. فقد يكون المعنى شيئاً مستمداً من الحس أو مُفَسِّراً لعوارضه وأجزائه، وأمّا أن يُقال الحسّ والمعنى شيء واحد، فالواقع لا يثبته إنْ لم نقل بالقطع إنه ينفيه".

هناك معاني قريبة في متناول النظر التقليدي المحدود أو إن شئت قلت المحسوس، وهنالك معاني بعيدة خفية عن الظاهر الملموس، لكن مُجْمَل هذه المعاني البعيدة لا يمكن لنا تحصيلها ونحن نعترك الواقع ونغوصُ غَرقى في نكبات الحياة المتوالية دون أن نتجرَّد لحظة واحدة لما هو أسمى وأصفى؛ فالنظافة الجُوَّانيَّة لها في إثراء الباطن ووعي الدخائل تحقيقٌ مشروط للكلمة القويمة واللفظة الرامية إلى معنى بعيد.

وعن هذا الاختلاف في تصور المعنى الواحد يرى "زكي مبارك" إنك مثلاً لو قلت إنك تترجم القرآن ترجمة صحيحة فأنت صادق، ولو قلت إنك لا تترجم إلاّ ما فهمت فأنت صادق: أنت صادق في الأولى؛ لأن القرآن في الأصل جاء لهدايتك، فلم يكن له أن يحتجب وينتقب. وأنت صادق في الثانية؛ لأنه رمز لمعان يختلف في فهمها الناس بفضل ما يختلفون في دقة الفهم وقوة الإدراك (التصوف في الأدب والأخلاق: 104)؛ وليس من خطأ الرأي عندنا أن يُقال: إنّ الاختلاف في تصور المعنى الواحد لا يرتد إلى صحة الجسم وعافية الروح، كما زعم المرحوم زكي مبارك، بمقدار ما يرتد إلى اختلاف في التوجه الفكري والاحتكام إلى التكوين الثقافي والخلفية التاريخية والأيديولوجية.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محمد الورداشيألقى المفكر المغربي عبد الله العروي محاضرة بمناسبة فتح "كرسي عبد الله  العروي للترجمة والتأويل"، مساء يوم الأربعاء 8 يناير 2020 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- الرباط، حيث تطرقت المحاضرة إلى مجموعة من القضايا التي ترتبت عليها ردود أفعال وتعليقات كثيرة إن في مواقع التواصل الاجتماعي أو الجرائد والصحف الالكترونية والورقية، والتي تراوحت بين الاتفاق مع طرح العروي والاختلاف معه. وفي هذا الصدد، ارتأينا أن نقدم تعليقا حول أهم القضايا التي طرحت في المحاضرة. لقد ورد على لسان العروي أن الدولة الوطنية تتجه نحو مأزق الانتماء للقبيلة، دون أن يقدم تفصيلا حول الأسباب التي دفعت به إلى هذه النتيجة الصريحة، والتي تجعلنا أمام إشكالية مقلقة تدفع الباحثين عموما إلى محاولة وضع الإصبع على مكمن الخلل في الدولة الوطنية، فضلا عن كوننا لا زلنا عاجزين عن تحديد هوية الدولة في العالم العربي عامة، والمغرب على وجه الخصوص؛ فمن حكم القبيلة والعشيرة، إلى الدولة الوطنية، إلى الدولة القومية، يصعب القول إن هنالك هوية ثابتة وخالصة لهذه الدولة، ومرد الأمر إلى أننا نرى أن الدولة، في العالم العربي والمغرب كما أشرنا، تكاد تكون خليطا غير متجانس. ولئن كان العروي يرى أن ثمة نكوصا وتقهقرا نحو حكم القبيلة، فإننا نتساءل: ألا يمكن أن يتجه مسار الدولة الوطنية إلى دولة علمانية خالصة، أو دينية، أو تكنوقراطية، أو اللادولة حيث تكون الغلبة للحكم العشائري والقبلي والطائفي؟ أم أننا سنعود إلى ما دعت إليه جماعةٌ من الخوارخ، وهم الأزارقة، في عهد الدولة الأموية، من أن ليس ثمة حاجة لوجود دولة؟ وفي هذه السياق، نجد أن استشراف العروي يعود إلى الخلف عكس تصوره الحداثي الهادف إلى اللحاق بالركب الحضاري المتقدم، وهنا نتساءل: ما منطق تعامل الدول العربية مع التحديث؟ أهو منطق السماح الذي يتعامل مع الحداثة كترف فكري وثقافي واجتماعي، أم أن ثمة مناخا عربيا أنتجته الظروف الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثقافية يتطلب الحداثة؟ أما القضية الثانية، فهي إشارة العروي إلى خطورة الأمية الرقمية أكثر من نظيرتها الحرفية، متسائلا عن إمكانية القضاء على إحداهما بمجرد القضاء على الأخرى، تاركا السؤال حائرا بدون جواب محدد. بيد أننا نتساءل بدورنا عن أسباب هاتين الأميتين؟ هل هما ثمرتا الدولة الوطنية؟ هل هما سببا الدفع بهذه الدولة إلى التفكك والانحلال إلى حكم القبيلة؟ ألا يمكن القول، صراحة، إن الأمية الحرفية واستفحالها في المجتمع المغربي سبب في تفشي الأمية الرقمية، وأن هذه الأخيرة تحجب خطورة الأولى؟ إننا نعتقد أن هروب المجتمعات العربية إلى الأمام دون حل الإشكالات والأزمات الموجودة، لا ينتج عنه إلا تعتيم الوضع أكثر مما هو عليه، فالدول العربية ترى أن اللجوء إلى قطف ثمار الحضارة الحديثة المتقدمة، خاصة في المجال التقني والأداتي، ودون أن تقدم ثمنا على ذلك، قمين بالقضاء على تلك التحديات والإشكالات التي تعانيها وتتخبط فيها، ومن ثمة تكون النتيجة هي إضافة أمية رقمية إلى الأمية الحرفية؟. وهكذا، لا يمكن أن نفصل الحديث عن العالم الافتراضي على إشكالية الأمية المزدوجة؛ لأن هذا العالم من شأنه أن يعمق الجروح المندملة التي تؤلم الفرد العربي عامة والمغربي خاصة. وتبقى القضية الثالثة المتعلقة بالنقل من أكثر القضايا تحديا للباحثين، وتظهر ملامح أهميتها من خلال بعض ردود الأفعال والتساؤلات المعرفية المقلقة التي تزعج أكثر مما تهدئ. لقد أشار المفكر العروي إلى أن النقل لا يتم مرة واحدة فحسب، وإنما هو عملية مستمرة ومتجددة، مشيرا إلى الأهمية الكبيرة التي يوليها الغرب لهذه العملية. فمن خلال هذه القضية نستشف التالي: نجد أن المفكر العروي لا زال متمسكا بطرحه وموقفه حول إشكالية التراث والحداثة؛ لأننا نعلم أن هنالك اتجاهين مختلفين في التعامل مع الإشكالية، قديما أو حديثا، ولئن كان المفكر الجابري قد دعا إلى قراءة التراث العربي-الإسلامي، واستخلاص ما هو مفيد منه، ثم محاولة جعله مسايرا للحداثة والتحديث، فإن العروي دعا إلى الحسم مع التراث، والانخراط الفعلي في مشروع الحداثة الغربية؛ لأن الحضارة الإنسانية العالمية هي فسيفساء من الحضارات السابقة. فمن خلال دعوته إلى إعادة ترجمة ما تم نقله عن الغرب في فترات تاريخية معينة، نجد أنه يؤكد، وبشكل ضمني، على ممارسة ما يسميه بالماركسية النفعية، أي أن نتعامل مع الحضارة الغربية من منطلق المصلحة والمنفعة. والمتأمل في هذه النقطة، سيتوصل إلى أنه لا يستحضر، في النقل عن الآخر، منطق التابع والمتبوع، ولا منطق المغلوب المنهزم الذي ينقل عن القوي المنتصر. ونحن نعلم أن الحضارة الغربية، في نهضتها، قد نقلت عن الحضارة العربية المنتصرة، ما بنت به صرح نهضتها وعظمتها، ومن هنا، نعتقد أنه قد آن الأوان للتصالح مع أفكار العروي، التي ذكر في محاضرته أن أقل ما يقال عنها أنها أفكار خلافية، وأن نستجيب لدعوته إلى المزيد من الانخراط في مشروع الحداثة وليس ما بعد الحداثة، ومن ثم فإن المجتمع المغربي لم يعد في حاجة إلى إقامة وزن للاختلافات الأدلوجية في التعامل مع التراث والحداثة، وإنما آن الأوان لننفتح على مختلِف المشاريع الفكرية العربية على اختلاف مرجعياتها وأهدافها وتوجهاتها، وأن نتعامل معها من منطلق المنفعة والمصلحة، والشيء نفسه مع مشروع التحديث الغربي اعتمادا على الحوار الفكري والثقافي، وبعيدا عن الإحساس بالدونية أمام الآخر، ولا جلد الذات الجريحة المنكسرة. ختاما، نقول إن القضايا التي طرحها المفكر في محاضرته، هي دعوة صريحة إلى المزيد من الانفتاح والانخراط في مشروع الحداثة الغربية، كما أنها قضايا تخلق قلقا فكريا واجتماعيا في العقل المغربي، ما يتطلب منه بذل مجهود كبير نحو المستقبل؛ لأن هذه المحاضرة ليست نقطةَ نهايةٍ لفكر العروي، كما زعم الكثيرون ممن يتفقون أو يختلفون مع النتائج دون العودة إلى الأسس التي ترتبت عليها تلك النتائج، ولا إيذانا بضيق أفقه، كما تشدق آخرون، وإنما هي دعوة إلى التعاطي الإيجابي مع هذه الإشكالات والتحديات التي تقف حجر عثرة أمام تقدم المجتمع المغربي، والتي قد تكون إعلانا عن فشل مشروع الحداثة في المغرب. ونعيد تأكيدنا على أهمية مشروع المفكر، وباقي المشاريع الفكرية العربية والغربية، والتعامل معه من منطلق المصلحة العامة، لا من منطلق الأدلوجة والتأدلج الشخصي الفردي الدوغمائي

 

محمد الورداشي

 

قاسم حسين صالحتوثيق: عبر شركة "اجنحة الشام للطيران" السورية، هبط قاسم سليماني في الثانية عشرة الا ثلثا ليلا في مطار بغداد (الجمعة 3 / 1 /2020) قادما من دمشق، واستقبله ابو مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي ومعه محمد رضا رئيس تشريفات الحشد في سيارتين من نوع ميني باص "ستار اكس"، غادرتا نحو العاصمة بغداد من بوابة الخدمات دون المرور بالبوابات الامنية. وقبيل اجتياز السيارتين ساحة عباس بن فرناس وعلى بعد نحو 300 مترا منها تم استهداف السيارتين بهجوم صاروخي في وقت واحد وبلحظة خلو المكان في اجراء اميركي تكون فيها احتمالات تاثر المدنيين صفرا.. أدى الى مصرعهما وستة آخرين.

 وبرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه اتخذ هذه الخطوة من اجل منع حرب وليس اشعالها، لأن سليماني كان يخطط لهجمات وشيكة على دبلوماسيين وعسكريين أمريكيين في العراق وفي المنطقة، وان العملية هدفها ردع هجمات ايرانية مستقبلية بحسب البنتاغون، وانها "قانونية" تستهدف تهدئة الأوضاع بحسب وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، فيما توعدت ايران على لسان خامنئي بان انتقاما قاسيا سيلحق بالمجرمين المسؤولين عن الهجوم، وأن ايران ستنتقم انتقاما ساحقا من جميع المتورطين والمسؤولين عن اغتيال سليماني، نقلا عن وزير الدفاع الأيراني أمير حاتمي.وفي فجر الأربعاء (8 /1/2020) وبعكس هذه التهديدات والتوقعات، ردت ايران باطلاق اكثر من عشرين صاروخا على قاعدة عين الأسد في الأنبار واخرى في اربيل لم تسفر عن قتلى، وصفت بأنها كانت لرد ماء الوجه، وانها لا تروي عطش ايران للأنتقام بحسب الأيكومنست..غير انها كانت ، في تقديرنا، انتصارا عقلانيا للبراغماتيين الايرانيين على قارعي طبول الحرب.

 ودوليا وصفت روسيا الهجوم بأنه "جريمة قتل" و "خطوة متهورة" من جانب الولايات المتحدة، وبررته اسرائيل على لسان رئيس وزرائها نتنياهو بأن للولايات المتحدة "الحق" في الدفاع عن نفسها ، فيما وصفه جيريمي بوين محرر شؤون الشرق الأوسط في بي بي سي إن هذا الاغتيال الذي نفذ في بداية عام جديد وعقد جديد قد يتحول إلى علامة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، وقد يتبعها سلسلة أخرى من الأحداث الدموية، حذر منها متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان العالم "لا يستطيع" تحمّل حرب خليج أخرى.

 ولأن اغتيال قاسم سليماني شغل العالم كله، ووصف الحدث بانه قد يشعل حربا جديدة في الشرق الأوسط، وأنه قسّم الشعب العراقي بين مادح وقادح ومصادمات بين الفريقين وضحايا، فاننا وجدنا ان شخصية كهذه ينبغي ان تحلل سيكولوجيا بعيدا عن السياسة.

 استطلاع رأي:

 يعدّ استطلاع الرأي اجراءا مهما في الدراسات الخاصة بالمشاهير، وتحقيقا لذلك توجهنا بالآتي:

 (بهدف علمي بعيد عن السياسة، نقوم باعداد دراسة تستهدف تحليل شخصية قاسم سليماني.نرجو تحديد ثلاث صفات ايجابية وثلاث سلبية، بشكل موضوعي بعيدا تعتقد انها موجودة في شخصيته).

 جذب هذا المنشور في مواقع التواصل الاجتماعي (7566) متابعا وشارك في الأجابة (351) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون.

تحليل الاجابات

 تضمنت هذه الاجابات صنفين من الآراء: الأول يخص السلوك، التصرف من قبيل( نظرة عينه اتخوف.......) والثاني يخص صفات في الشخصية مثل (شجاع). ومع ان الأول لا يقدم اجابة مباشرة عن هدف الاستطلاع الا انه يقدم مؤشرات عن احد مكونات الشخصية (التصرف، ولغة الجسد).

 الصفات الايجابية:

 بلغت نسبة الصفات الايجابية في شخصية قاسم سليماني (64%) حددت اهمها بالآتي:

 الشجاعة، الذكاء، الأخلاص للمعتقد، التضحية للوطن، التواضع، الدهاء، الكياسة، الكتمان، الأقدام-الأقدام، الثبات الانفعالي، التحكم بالسلوك، دماثة الأخلاق، الطموح ، الحنكة،

وكانت اكثر الأوصاف شيوعا :

 ولاء مطلق لأيران ومشروعها في المنطقة*

* قيادي من الطرازالأول

* جسور ما يخاف الموت

* يجمع بين التكتيك والأستراتيجية

* له سحر خاص عند محبّي ايران

* لا يحب الظهور بالاعلام

* زاهد بالدنيا لا يمتلك قصرا

* له تأثير قوي على مقاتليه وأتباعه والمتعاطفين مع ايران

* له القدرة على صناعة الأحداث

* اذاق قوى الاستكبار العالمي الويلات، وقام بما عجزت عنه دول ومنظمات، وبما لم يستطع حكّام العرب بجيوشهم واموالهم مجتمعين.

الصفات السلبية:

بلغت نسبتها (34%) وتحددت اهمها بالآتي:

الطائفية والعنصرية، العدوان، الغرور، الأنصياع لسلطة الفقيه، الثقة الزائدة بالنفس، جبروت القوة، الميكافيلية، المغامرة، والتهور.

وكانت أكثر الأوصاف شيوعا:

* الاستخفاف بالشعوب والتدخل بشؤونها

* يستغل عقول الأميين والجهلة

* يريد لبلده ما لا يريده لبلدان اخرى

* يخلط بين الحرب والسياسة

* بربري قاتل

* انتهازي واستغلالي

التــحلـيـل

 تتعدد تعاريف الشخصية، واختصارا نوجزها بأنها تعني السلوك والأفكار والأنفعالات التي يتميز بها الفرد عن الاخرين. وتتعدد أنواعها ايضا بما يزيد على ثلاثين بحسب التصانيف ما اذا كانت طبية نفسية، اجتماعية، سياسية، دينية..

 ويفيد التاريخ الشخصي للسيد قاسم سليماني (11/3/1957-3/1/2020) بأن شخصيته هي من النوع الذي يصطلح على تسميته بـ(الشخصية الكارزمية).. فلنتوقف عندها لنأخذ عنها فكرة.

 الكارزما (Charisma) مشتقة من مفردة يونانية (Charizesthai) وتعني اظهار الانسان للأمور الصالحة، اشاعها عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر) في كتابه (القانون في الأقتصاد والمجتمع) وعرضها بمفهوم (السلطة الكارزمية Charismatic authority) التي تعني نمطا من التنظيم او نوعا من القيادة تشتق فيها دوافع السلطة من كارزما القائد وليس من السلطة القانونية او سلطة القيم والتقاليد، ثم صارت تطلق على الأنبياء، ثم على عدد من القادة البارزين مثل نابليون، لتصل الآن في اطلاقها على زعماء سياسيين واشخاص لهم قدرة استثنائية في التاثير على الآخرين.

الكارزما..صفة أم نمط؟

 يعتقد عدد من السيكولوجيين المعاصرين بان الكارزما ليست سمة ( ( Trait شخصية بل مهارات (Skills)، حددوها بـأربعة: (التعاطف، الثقة، الوضوح، واستثارة الآخرين)، أضاف لها آخرون اثنتين: (الجاذبية والقدرة على ابهار الاخرين). وبالضد، يرى آخرون بأن الكارزما نمط من انماط الشخصية تتضمن عشر صفات هي:(التمتع بمهارة التواصل مع الآخرين، النضج الدال على قوة الشخصية، التواضع، التعاطف، الثقة، نقاء جوهر الشخص، لغة جسد ايجابية، حسن الأصغاء، مراقبة الذات، وتحسين الذات).

 وفي رأينا ان الشخصية الكارزمية ينبغي ان تتمتع بصفات مميزة او استثنائية في كل مكّون من مكونات الشخصية الثلاثة(السلوك ، والأفكار ، والآنفعالات).

 قاسم سليماني.. شخصية كارزمية

 يحرز قاسم سليماني درجات عالية على مكوني السلوك والأفكار ودرجات منخفضة على مكون الانفعالات، فهو يمتاز بمعظم الصفات الايجابية المذكورة في اعلاه (الشجاعة، والذكاء الميداني، التواضع..)

وبغض النظر عن نوعية الأفكار فهو مخلص لمعتقداته ولوطنه واستعداده للتضحية من اجلهما.وبفضل هذه الصفات..حظي سليماني باعجاب وتقدير ملايين الايرانيين الذين رفعوا في تشييع جنازته علم الدولة الايرانية ولافتات حملت عبارات التكريم لشخصه والمطالبة برد حاسم ضد قتلته..لأنه ، في نظرهم، بطل قومي ورمز وطني و..اسطورة!، فيما وصفه المتظاهرون الايرانيون في طهران اثرحادث تحطم الطائرة الأوكرانية بأنه قاتل.

غير ان الرجل لم يحقق درجة عالية في مكون الانفعالات.. فهو تعوزه القدرة على التواصل اللفظي، ولم نشاهد له لقاءات جماهيرية وحوارات تلفزيزنية يتحدث فيها لنتابع ونتفحص تعابير الوجه ولغة الجسد، باستثناءت قليلة بينها فديو يظهر فيه بوجه انساني وانفعالات شاعرية عكس افعاله التي يصفها البعض بانها ارهابية وبربرية. ونفترض انه كان يظهر مشاعره الأيجابيه بصدق وعفوية على مقاتليه ليشيع فيها مزاجا سيكولوجيا من التضامن والثقة المتبادلة، وليتيح لهم التحدث بصراحة سيما وانه يتمتع بمهارة حسن الأصغاء.ونفترض ايضا، وهذه احدى اهم مواصفات الشخصية الكارزمية، ان يكون متمتعا بمهارة المرح والتعامل الودّي والمساعدة في تعامله معهم ليكون اكثر تأثيرا فيهم..وهناك من وصفه بأنه أبكى المرشد!

 هذا يوصلنا الى ان سليماني يتمتع بصفة القيادة الكارزمية (Charismatic leadership) التي تعني الطريقة التي يتم بها تشجيع انماط سلوكية معينة في الآخرين بأسلوب تواصل فاعل ومؤثر يعتمد الاقناع وقوة الشخصية. ولم يكن لينجح في تحقيق اهدافه ما لم يكن قد اكتسب عبر سنوات من الخبرة الميدانية، القدرة على استثارة دافعية مقاتليه وتطوير اساليبهم القتالية..واكثر ما كان يستثيره فيهم هو دافع البطولة الذي يجسّده امامهم في شخصيته بوصفه (الشخصية القيادية الكارزمية).

 قاسم سليماني.. شخصية جدلية

 تعدّ الشخصية القيادية الكازمية شخصية مثيرة للجدل (هتلر، ستالين، تشرشل، غاندي..مثالا) ، وتمثل شخصية قاسم سليماني أحد ابرز نماذجها في العصر الحديث.فهو من وجهة نظر ايرانية، بطل قومي ورمز وطني..بدأ في صياغة كارزميته في الحرب العراقية الايرانية 1980، ثم تعيينه قائدا لفيلق القدس في 1998، وقيادته لهذا الفيلق في محاربة داعش بالعراق عام 2014، ومحاربته للقوات الأمريكية بين عامي 2005و2011، وادارته للحرب في سوريا حيث كان هو الذي يدير امور الحكم فيها فيما بشار الأسد ليس سوى رئيس بلدية عنده بوصف مجلة وول ستريت.ولهذا فان شخصيته الكارزمية شغلت وسائل الأعلام الأيرانية فنظمت عنه الأشعار والأهزوجات الشعبية، التي تتضخم اكثر في العقل الجمعي الايراني وقد تعزف على وتر استعادة(الأمبراوطورية الفارسية) المدوزن على وتر تحقيق (الدولة الشيعية).

وهو، من وجهة نظر عربية، الاداة العسكرية التي تعزز النفوذ الفارسي بالمفهوم العراقي والشيعي بالمفهوم المذهبي بمواجهة انظمة حكم بواقع عربي وهوية سنّية.

وهو، من وجهة نظر اميركية، قاتل، مجرم، ارهابي يشكل خطرا على مصالح واستراتيجيات اميركا في الشرق الأوسط اشد من (ابن لادن و ابو بكر البغدادي) لأن وراءه اكبر دولة في المنطقة.

وعراقيا..انقسموا الى فريقين، الأول يرى فيه ما يراه الأيرانيون، وانه صاحب فضل عليهم اذ لولاه لسقطت بغداد بيد داعش، والثاني يرى انه هو المسؤول عن الطرف الثالث المتهم بقتل اكثر من خمسمائة من المتظاهرين الشباب.

 ما يعني ان الشخصية القيادية الكارزمية..كانت وستبقى جدلية، وان قاسم سليماني سيبقى، في تحليلنا السيكولوجي، شخصية قيادية كارزمية يقرّ بها المحبون والكارهون!..مع الأشارة الى أننا، ومن منظور انساني، ندين كل جريمة قتل تقع مسؤوليتها على قاسم سليماني، وندين ايضا جريمة اغتياله من قبل القوات الأمريكية..فما يهمنا هو اننا نريد وطنا بهيا سيد نفسه يبني حضارة جديدة في عراق تشهد له متاحف العالم بأنه كان وطن الحضارات، وأنه يمتلك الآن كل المقومات لأن يعيش اهله برفاهية.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

10 /1 /2020

*

 

بليغ حمدي اسماعيللم يأنف الملاحدة جهداً في حملتهم المسعورة ضد الإسلام والمسلمين، بل ودفعهم غرورهم العلمي أن ينكروا وجود الله، ولقد بذلوا جهوداً مضنية في الكيد والنيل من الإسلام والقرآن الكريم بوصفه دستور المسلمين، ويمكننا حصر بعض تلك المطاعن والمزاعم في مسائل وشبهات محددة، هي أن الإسلام ملفق من الديانات السابقة، وأنه يدعو إلى التواكل والسلبية، ويظلم المرأة ويهضم حقوقها، وأخيرا بأنه دين يحارب الفنون.

الشبهة الأولى ـ الإسلام ملفق من الديانات السابقة:

بادر الملاحدة والمستشرقون في سلب خصوصية الإسلام وانفراده المتميز المتمثل في القرآن الكريم، وادعوا أنه دين ملفق من كتب سماوية وعقائد دنيوية سابقة. ولنا أن نسأل هل كان معاصرو النبي محمد (ص) ومعارضوه في غفلة عن هذا وقت بزوغ فجر الإسلام؟. بالطبع كان هؤلاء موجودين، ولكن لم يستطع أحد منهم أن يذكر قرينة واحدة على قولهم هذا، بل لهم نقول إن الإسلام جاء بتعاليم ومبادئ وقوانين لم تشملها الكتب السماوية السابقة، بل الإضافة إلى ما تمتع به القرآن الكريم من مزية فريدة اختص بها وهي الإخبار عن الأمم السابقة، والحديث عن أمور غيبية حدثت بعد ذلك.

الشبهة الثانية ـ الإسلام يدعو إلى التواكل والسلبية:

لم يجد ملاحدة العصر الحديث من شبهات يلصقونها بالإسلام فادعوا كذباً بأن الإسلام عقيدة تدعو إلى التواكل والسطحية واللامبالاة تجاه المتغيرات الحياتية والمجتمعية، ومن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر معانيه وآياته الحكيمة يتأكد أن الإسلام دين يحث على العمل، ويدفع الإنسان نحو، والمطالع لآيات القرآن يدرك ويفطن الربط المستدام بين الإيمان والعمل، يقول الله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

والقرآن يحث المؤمنين على العمل حتى في أوقات الراحة، وأقصد يوم الجمعة، فيقول الله تعالى في ذلك: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله). فأين هذا التواكل الذي يلصقه الملاحدة بالإسلام والمسلمين؟ . والسنة النبوية لصاحبها (ص) تحث على العمل والسعي الدءوب غير المنقطع من أجل عمارة الأرض، يقول الرسول (ص): " إذا قامت الساعة في يد أحدكم فسيلة فإذا استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل". بل ونجد الرسول الكريم (ص) يضرب مثلاً أعلى في الدعوة إلى العمل حيث رفض انقطاع الناس للعبادة في المسجد واعتمادهم على غيرهم في المأكل والمطعم والمشرب والملبس، وامتدح من يعمل ويكد من كسب يده بشرف وأمانة وتقوى ومراقبة من الله تبارك وتعالى.

ولقد خلط أولئك الملاحدة بين التوكل الذي يعني تدبر الأمور والأخذ بالأسباب والتزود بالطاقة الروحية والعبادة، وبين التواكل الذي يعني الكسل وعدم الأخذ بالأسباب والوسائل المعينة. وكلنا يعرف كيف طرد الفاروق عمر بن الخطاب أولئك المتواكلين المنقطعين للعبادة في المسجد معتمدين على غيرهم في رعايتهم وقضاء شؤونهم، وقال عبارته المشهورة: " إن السماء لا تمطر ذهباً"، واستشهد في ذلك بحديث النبي (ص) الذي يقول فيه: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطانا ً" .

وليس هذا فحسب بل جعل الإسلام العمل المفيد من أسباب الثواب وزيادة الحسنات، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تتعلق بهذه المعاني ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)، كما أن السنّة الشريفة تضمنت العديد من النصوص التي تحث على العمل والكسب الحلال مثل قول الرسول (ص): "ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده"، وقوله (ص): "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفوراً له" .

الشبهة الثالثة ـ الإسلام يظلم المرأة ويهضم حقوقها:

تشير أصابع الملاحدة بالاتهام خفية وعلانية بأن الإسلام معاد حقيقي للمرأة، وأنه هضم حقها، وأغفل حقيقتها ودورها التاريخي قبل الإنساني. والمجال غير متسع لعرض وضع المرأة قبل الإسلام، وما كان عليه النكاح من صور أكثر وحشية وهمجية واحتقاراً لها من نكاح استبضاع، إلى نكاح الرهط، مروراً بنكاح صواحبات الرايات، انتهاءً بنكاح الشغار والبدل والضغينة.

ولا شك أن موقف المرأة كان صعباً في ظل التصور الإسلامي لبعض الصحابة، ورغم ذلك شاركت النساء في النضال اليومي للعيش والحياة الاجتماعية والاكتشاف اليومي لطبيعة الإسلام، فكن يعملن بالإضافة إلى اكتشاف أحكام القرآن والإسلام دون تمييز أو تهميش أو إلغاء، وهذا يدل على أن المرأة ليست هي العورة، بل إن العورة هي العورة، وهو ما فصله رسولنا الكريم (ص)، فكانت المرأة تغزل وتنسج وتبيع ما تصنعه وسط مرأى ومسمع الجميع، وهذا يؤكد طبيعة المجتمع المدني الذي لا يميز أي فرد عن بقية أعضائه.

ولو أن الإسلام قد قوض مكانة المرأة، وسعى إلى تغييبها حضارياً لما سمعنا أسماءً بعينها من نساء الإسلام الصالحات، كالسيدة خديجة، والسيدة صفية، والسيدة فاطمة، وزينب بنت جحش، وأم أيوب الأنصاري، وجهيزة، وأم حكيم، وغيرهن كثيرات. ولابد أن نقر حقيقة تاريخية وهي أن الإسلام أنصف المرأة الإنصاف كله، وأزال عنها ما لحقها من ظلم، وحررها من العبودية واستغلال جسدها، ورفع مكانتها وأعلى منزلتها، في الوقت الذي لم يعترف الغرب بحقوق المرأة إلا في القرن التاسع عشر بعد جهاد طويل.

وعجيب جداً أمر هؤلاء الذين يقصرون حقوق المرأة في حجاب رأسها، وارتدائها للبنطال، ومشاركتها العمل وسط الرجال، وذهابها إلى صلاة التراويح، وغيرها من القضايا الجدلية لصرف الأنظار عن سماحة الإسلام وإتاحة الحرية للمرأة في معاملات البيع والشراء، والاحتفاظ بمالها، وقد أجاز لها حق التملك،وساوى بينها وبين الرجل. والله تعالى يقول في ذلك: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).

والإسلام الحنيف لم يمنع المرأة من الجهاد والعمل، قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، والتاريخ الإسلامي يحفظ أسماء الصحابيات اللاتي جاهدن في سبيل الله مثل الربيع بنت معوذ التي قالت: كنا نغزو مع رسول الله نسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.هذا بخلاف ما صنعه الإسلام للمرأة من حق الميراث وكانت لا ترث، وكذلك تحريمه لوأد البنات وهن صغيرات.

لكن معظم الملاحدة من العصر الحديث يضيقون النظرة نحو الإسلام ويصرون على إظهار الفروق القليلة بين حقوق وواجبات كل من الرجل والمرأة، ونؤكد لهم أن هذه الفروق المعدودة كما ذكر شيخنا محمد الغزالي احترام لأصل الفطرة الإنسانية وما ينبني عليها من تفاوت الوظائف، فالأساس قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض).

وأكاد أجزم لهؤلاء الذين يؤكدون خفية وجهراً على أن الإسلام قد قهر المرأة، بأن أبين لهم أن الإسلام منح لها حق الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتدريس، بل ومجادلة الملاحدة والمارقين. لكن المحاربين ملتزمون بقضايا فتنة ذكر المرأة لاسمها، ووجهها العورة، وصوتها العورة، والكارثة أننا ابتلينا منذ فترة ليست بالقريبة بأناس لا يتدبرون القرآن، ويحرفون كلام رسول الله (ص) عن مواضعه، فيبذلون قصارى جهدهم في إحداث فتنة حقيقية سلاحهم فيها المرأة.

لقد بنيت حقوق المرأة في الإسلام على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق، وإنصاف سائر البشر معه، وهو أساس المساواة بين الحقوق والواجبات، وإذا كانت الدول المتقدمة اليوم تنادي بتمكين المرأة اجتماعيا وسياسياً ودينياً،فإن الإسلام منذ أربعة عشر قرناً وثلاثين سنة قام بها وخير دليل بيعة العقبة الكبرى، ومن العجب ترك الزمام لهؤلاء الذين يصرون على جعل المرأة كائن غير طاهر، وهذا باطل، وأنها كلها عورة، وهذا باطل، وأنها كائن ناقص ـ ومن منا يتسم بالكمال والتمام ـ وأنها عديمة التفكير ولهم جميعاً أردد قول الشاعر:

  إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدق ما يعتاده من توهم.

الشبهة الرابعة ـ الإسلام يحارب الفنون:

لايزال يصر الملحدون والمارقون عن الدين على أن الإسلام الجميل يحارب الفنون الجميلة ويرفضها ويحرمها تحريماً مطلقاً، ويشاركهم القول في هذا العلمانيون الذين لا يرون ـ لقصر نظرهم ـ في الإسلام خيراً.

والقرآن الكريم لم يغفل الحديث عن هؤلاء بتحدث عنهم بقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القران أم على القلوب أقفالها)، فالقرآن ملئ بالصور البيانية والجمالية فائقة الروعة والتصوير، ومن يتمعن في آيات القرآن الكريم يدرك حجم التناسق والإبداع والإتقان في التصوير، ومن هنا فلا يعقل أبداً أن الإسلام الحنيف يرفض الفن ويحاربه إذا كان الفن جميلاً ومقبولاً.

والإسلام في هذا وضع ضوابط وشروطاً مهمة ومحددة لقبول هذا الفن، فإن كان هدفه الإمتاع الذهني، وترقيق وترقية الشعور، وتهذيب النفوس والأحاسيس دون خلل أو انحراف أو إثارة للغرائز المحمومة والشهوات، فلا اعتراض عليه. والملاحدة والعلمانيون يستغلون سذاجة بعض الشباب البعيد عن دينه وينزلقون بهم في هاوية الحديث عن الفنون وصناعة التماثيل وإقامة المتاحف ولعب الأطفال المجسمة.

ويفاجئ علماء المسلمين هؤلاء الملاحدة بأن الإسلام أجاز إقامة المتاحف، وذلك على أساس أن الآثار سجل تاريخي يلزم المحافظة عليه لأنه من الضرورات العلمية. كما أجاز الإسلام الحنيف استعمال لعب الأطفال لتعليم الأطفال وتسليتهم .

وكلنا يحفظ بذاكرته الواقعة الشهيرة حينما دخل خليفة رسول الله أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) على ابنته عائشة زوجة الرسول (ص) ولديها جاريتان تغنيان وتضربان بالدفوف، فاعترض أبو بكر الصديق على ذلك، ولكن النبي رفض ما أبداه أبو بكر من احتجاج في هذا الصدد قائلاً: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد" .

ومن المؤسف في هذه القضية، قضية الإسلام والفنون، أن بعض المسلمين انجرف وراء ملاحدة هذا العصر واكتوى بنار الشيوعيين والعلمانيين وترك هموم وقضايا وطنه الحيوية وأصبح بوقاً لهؤلاء المارقين، ألم نعي أننا في مرحلة صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الإسلامية وعلينا أن نوحد جهودنا وطاقاتنا المهدرة من أجل خدمة الإسلام والرقي بالمسلمين؟ .

 

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عصمت نصارلم يلق «المنفلوطي» بمسئولية تثقيف المرأة وتربيتها على كاهل الوالدين فقط، بل جعل المجتمع بكل ما فيه من قيمٍ وعادات وتقاليد ونظم شريكًا في تلك المسئولية. ولم يساير الكتاب المحافظين الذين ردوا مجون النساء وفساد أخلاق بعضهن وميلهن للتبرج والخلاعة والميوعة إلى نقصٍ في عقولهن أو ميلٍ للذائذ المادية أو إفراطٍ في عشق للمتعة الجسدية.

بل كان الرجل على الرغم من إلحاحه على ضرورة التزام المرأة بفضيلة العفة وعدم إفراطها في التحرّر من قيود المخالطة طمعًا في مساواتها بالرجل في اختيار الأصدقاء والصحاب من الجنسين، كان يعتقد أن رقتها وعواطفها تؤثر على ذكائها الذى يمكنها من كشف معادن الرجال ونواياهم ويغلب حسن الظن فيهم.

فقد أكد «المنفلوطي» في غير موضع من كتابته على أن حيل الرجال للإيقاع بالمرأة في حبائلهم - باسم الحب تارة أو الصداقة العذرية - لا تنتهي، وذهب على لسان إحدى بطلات روايته (الضحية) إلى تبيان أن الساقطات أو الخليعات من السافرات لم تقدم على الفحش وممارسة الرذيلة بإرادتها بل دفعها إلى ذلك فساد المجتمع والثقافة السائدة، فتقول «ويح لكم يا معشر الرجال، ما كنت أطلب منكم باسم الفضيلة والشرف إلا رغيفًا واحدًا لغدائي وآخر لعشائي، فأبيتموهما علي، فلما طلبت منكم باسم الرذيلة جميع ما تملك أيديكم من مال بذلتموه لي طائعين مختارين فما أصغر نفوسكم وأخس أقداركم. ولقد كان في استطاعة أصغركم شأنًا، وأهونكم على نفسه وعلى الناس جميعًا أن يشترى منى جسمي وقلبي وحياتي بلا ثمن سوى الزواج منى وصيانة عرضي فلم تفعلوا، فها هم أولاء اليوم عظماؤكم وأشرافكم يجثون تحت قدمي جثى الكلب الذليل تحت مائدة سيده، فلا ينالون مني أكثر مما ينال منها. أحببتم المال حبًا جمًا فأبيتم إلا أن تتزوجوا ذات مال لتضموا طارفها إلى تليدكم، فابذلوا اليوم لامرأة مومس لا تمنحكم مالًا ولا حبًا جميع ما في أيديكم من فضة وذهب، حتى لا يبقى لكم شيء».

وأعتقد أن «المنفلوطي» في هذه القصة كان له السبق في مناقشة قضية عوز المرأة في المجتمع، فالمرأة الفقيرة واليتيمة والمطلقة والمغلوبة على أمرها في خدمة البكوات والباشوات، لم يحاول المجتمع حمايتها أو صيانة عرضها، رغم أن الديانة الإسلامية والمسيحية قد حثتا على رعايتهن وحمايتهن من مآلات العوز.

ويتعجب مفكرنا من قسوة ذلك المجتمع الذى يتشدق رجالاته بالحديث عن الشرف والعفة وحجاب المرأة وعدم سفورها، مع تجاهله ما ينبغي عليه أن يفعله تجاه تعليمها وحسن تربيتها ورعايتها وتأهيل العقل الجمعي لقبولها في سوق العمل والمشاركة الإيجابية في الأمور الحياتية. والأغرب أنه يرفض توبة التائبات منهن ويغالى المحافظون من قادة الرأي في ازدراء الساقطات ولعن المتبرجات ويقول «لو كان في استطاعة المرأة الساقطة أن تسترجع بتوبتها وإنابتها مكانتها في قلوب الناس وأن تمحو بصلاحها ما سلف من فسادها، لكانت هى أقرب النساء إلى التوبة والنزوع ولكن المجتمع الذى أسقطها وسلبها ذلك الرداء من الشرف التى كانت ترتديه، يأبى عليها أن يعيد إليها رداءها إن طلبته فلا بد لها من الاستمرار في سقوطها راضية أو كارهة وكذلك كان شأنها».

والجدير بالإشارة أن «المنفلوطي» لم يشارك في المساجلات التى دارت بين المثقفين حول قضية «السفور والحجاب» تلك التى حفلت بها صحيفتا (المقتطف والهلال) في مطلع العشرينيات من القرن الماضي (1920-1925). واكتفى بتلك الإشارات وهذه التلميحات الخاطفة - التى سوف نوردها بعد قليل - وذلك يرجع لحساسية عمله بدواوين الحكومة وخصومته مع أكابر الرجعيين الأتراك وعلى رأسهم «الشيخ مصطفى صبري (1869-1954)».

ويمكننا إيجاز موقفه من قضية تحرير المرأة في تلك الأقوال الموجزة التى أكد فيها : أنه يريد من المرأة المصرية أن تظل على عهدها المحافظ في لباسها على ألا تغالِ فيه فتنتقب أو تتبرقع وفى داخلها ميل للسفور وفى الوقت نفسه لا تتبرج شأن الأجنبيات، فتخالف بذلك ما تربت عليه وما ارتضته من آداب دينها ومجتمعها.

وأن تصبح ثورتها على الجهل والعوائد الفاسدة وتجتهد في أمرين أولهما المشاركة الإيجابية في تأسيس بيتًا تحسن فيه رعاية زوجها وتربية أطفالها دون جوّر من الرجل أو التنازل عن كرامتها.

وثانيها : أن تثبت للمجتمع أنها قادرة على الكسب والعمل الشريف، وأنها مؤهلة للمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، دون أدنى تفريط منها في حيائها أو عفتها وألا تسمح بتجاوز الآخرين من الذكور في آداب معاملتها.

ومن أقواله في ذلك «نحب حرية المرأة ولكننا نكره فسقها وفجورها ونأخذ مواد المدنية والرقى من الأمم المتمدنة ولكننا لا نقلدها ونحب أدب الغربيين وعلمهم ونعجب بأدبائهم وعلمائهم ولكننا لا نحتقر من أجل ذلك رجالتنا وتاريخنا».

«يجب أن لا ينفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن ينفتح لزوجها لتستطيع أن تعيش معه هانئة».

«يجب أن نحترم المرأة لتتعود احترام نفسها ومن احترم نفسه، فهو أبعد الناس عن الزلات والسقطات».

«لا يستطيع الرجل أن يكون رجلًا تام الرجولة حتى يجد إلى جانبه زوجة تبعث في نفسه روح الشهامة والهمّة وتغرس في قلبه كبرياء المسئولية وعظمتها».

وحسبنا أن نشير في هذا السياق إلى محاولة «المنفلوطي» الرائدة للتواصل مع الفتاة المصرية على وجه الخصوص بلغةٍ عاقلة بعيدًا عن لغة التلقين وأسلوب العنف الذى كانت تلاقيه من الأبوين ومن المجتمع عند التوجيه، وتشهد بذلك الأديبة اللبنانية «ماري يني (1895-1975)» التى وصفت مدى تأثرها بقصصه ومقالاته وما سرد فيها من أحداث، وتفاعلها مع المواقف الدرامية والقصص المأساوية والمواقف الاجتماعية التى كانت تعانيها المرأة الشرقية. كما بيّنت أنها كانت تُشكل الخطاب الواعي الحديث العاقل الذى كان يخاطب المرأة ناصحًا بلا إلزام ومناقشًا لقضاياها دون تعالٍ أو وصاية ذكورية فتقول «كنت لا أترك الكتاب إلا وأنا كتلة شعور تتجاذبها عوامل اليأس إلى حيث لا تجد لها مستقرًا تقف عنده، فيتمثل لي الشقاء بصوره المريعة وأظل تحت تأثيراته الموجعة منسحقة القلب، يائسة النفس إلى أن يحلني من هذا الموقف مشهد غريب الشكل والمعنى إلى سكينتي وهدوئى وراحتي». هذا هو (المنفلوطي) الذى يمتلك على قارئه شعوره، فلا يزال به إلى أن يجرده من شخصيته الحسيّة، ويحوله إلى شخصية معنوية غريبة كلها ألم ودموع. هذا هو الكاتب الذى يكتب ليصلح لا ليفسد والطبيب الذى يمد يد المواساة ليداوي لا ليسلب الجيوب».

وخليقٌ بي أن أتساءل هل في مقدور كاتباتنا قبل كُتَابِنا مخاطبة المرأة المصرية بلغة تُصلح من شأنها، عوضًا عما نراه من تمردٍ وقبحٍ في حديثها وسلوكها، وبخطابٍ يحد من عنتها وتبجحها، وأعتقد أنني لا أبالغ في زعمِ أن معظم شبيبتنا من الجنسين يحتاجون إلى كلمات «المنفلوطي».

وللحديث بقيّة في قضايا أخرى في خطاب «المنفلوطي».

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

سامح عسكر في سؤال لصديق عن معنى "روح القدس" في القرآن وهل هو جبريل أم لا؟

قلت: الشائع في كتب التفاسير هو جبريل لكن حدث الاختلاف منهم من قال هو الإنجيل أو دعاء سري كان يحيي به المسيح الموتى، لكن قوله تعالى "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا "[النحل : 102] لا يمكن يكون معناها إنجيل لأن الخطاب للرسول محمد، وكذلك ليس دعاءً سريا لأن التثبيت والحشد المعنوي يلزمه فهما وبساطة في القضية..

رأيي أن الخلاف فيها لا يضر والتعصب لمعنىً واحد يضر أيضا..

واجتهادي الشخصي أن كلمة "روح القدس" مرادفها "روح الله" وهي وصف لقدرة الرب الإلهية في الكون والتي منها خرجت النفس العاقلة للإنسان أصل التكليف، فيصبح بالتالي قوله تعالى "وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس "[البقرة : 253] يعني أيدناه بقدرتنا وحفظناه بعنايتنا العالِمه بأحواله، ولأن الكلمة أكثر ما قيلت في حق الأنبياء كانت في حق عيسى نفهم لماذا كان النبي عيسى أكثر الأنبياء معجزات وقدرات مختلفة لأنه في الحقيقة مؤيد (بروح الله) أي قدرته.

أما القول أنه جبريل فسيكون إشكالية عقدية، روح الله أو القدس يعني وجود اتصال بين جبريل والله من حيث الطبيعة أو الجوهر وهي نفس المشكلة الكلامية التي أحدثها الفقهاء من كلمة "روح الله" ومن أجلها قال المعتزلة أن القرآن مخلوق أي حادث فلو كان قديما برأيهم قدم الذات يصبح هناك اتصالا بين الله والمسيح في الجوهر لتساوي الذات الإلهية مع روحها في الرتبة..

فمعنى أن جبريل هو روح القدس إذن يوقعنا في عدة أخطاء:

أولا: الملائكة بنص القرآن عباد مكرمون لا فضل لواحد منهم على آخر، والجميع متساوي الرتبة لنفي التكليف وإجبارهم بالعبادة، أما التفاضل فمن سمات الاختيار وحرية الإرادة، هنا يصبح القول أن جبريل أفضل الأنبياء أو أنه روح الله / القدس يطرح السؤال مباشرة: ما الذي فعله جبريل ليستحق تلك المكانة؟

ثانيا: لو قلنا أن جبريل هو روح القدس سيكون حسب فهم جمهور الفقهاء هو قديم قدم الله نفسه، ولا يمكن حمل المعنى على المجاز..فروح الله ضمن سورة يوسف تعني رحمته وعفوه "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" [يوسف: 87] فهل إخوة يوسف قنطوا من جبريل والمسيح هنا أم من رحمة الله في الحقيقة؟

ثالثا: الله لا يفضل ملاكا على غيره إنما يصطفي منهم لوظائف كما في قوله تعالى "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير " [الحج : 75] والاصطفاء الوظيفي لا يعني تمييزا أو اختلافا في قدرات المصطفين، كما لو كنت مديرا لشركة مثلا وأردت فلانا أن ينجز مهمة..فهل هذا يعني أنه الأفضل مطلقا أم أن المهمة المطلوب إنجازها لا يلزمها سوى شخص واحد؟

الثابت أن صفات الله جميعها في القرآن هي صفات ذات وصفات فعل، والرحمة صفة فعل مضمنة في قدرة الله الأزلية، بالتالي فروح الله أو القدس هنا تفهم بمعنى القدرة الكلية للرب والتي قد تكون منها رحمة وهي المعنى المستفاد من نزول الرسالات في المعتقد الغنوصي الصوفي، أن الله أرسل أنبيائه رحمةً بالخلق وإرشادهم طريق الصواب من مرجعية الحب الذي فهمه هؤلاء من تمدد الكون ونمائه ورهن بقائه في العمل الصالح ودماره بالشرور..

مع ذلك توجد إشكالية في هذا التفسير، وهي أن القرآن في آيات أخرى يحكي نشاط الروح والملائكة معا كجواهر مستقلة، منها "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" [المعارج : 4] و"يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" [النبأ: 38] و "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر" [القدر: 4] أصبحت الروح هنا جوهر عاقل وليست صفة للرب، وأيضا هي جوهر مختلف عن الملائكة يعزز ما قلناه أنه ليس جبريلا وإلا قيل "تنزل جبريل ومن معه بإذن ربهم" وفي هذا المعنى حضور لغوي بتعريف الروح وعدم تركها نكرة..مما يعني أنها ذات مستقلة عن الملائكة هي ليست جبريل كما قلنا لكنها في ذات الوقت ليست قدرة إلهية..

عرضنا هذه الرؤية على المخالف قال: إشكالية توقفك في معنى الروح مجردا ونفيك أنها جبريل لا يستقيم لأن المعنى واضح في آية التحريم، قال تعالى "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة "[التحريم : 4] هنا تفريق بين جبريل والملائكة ليس إقرارا باختلاف النوع والجنس بل باختلاف الدرجة، وذكر جبريل مع الروح بالعطف لا يختلف عن ذكر الروح مع الملائكة بالعطف، وفي الآية قرينة أن الروح في الآيات الثلاث السابقة تعني جبريل، وأما دلالة ذكر هؤلاء جميعا فهو من ناحية تراتبية من حيث القدرة، فالله يقول أنه حفيظا بنفسه ثم جبريل والصالحين والملائكة، مما يعني أن جبريل له قدرة مختلفة عن بقية الملائكة والصالحين بالطبع..

قلت: هنا تعمقت الإشكالية حتى بلغت عقدة المرض في الظاهر، لكن في الحقيقة أن تراتبية القدرة أعلاه ذكرت على وجه الإجمال في ذكر القدرة الإلهية..فمما لا شك فيه أن قدرة جبريل والملائكة والصالحين هي من قدرة الرب، والقول بالتراتب هنا تعديد وتقسيم للقوة الإلهية لا يجوز شرعا وعقلا، فالإله القوي لا يتجزأ..وبالتالي آية التحريم تقول أن ما دون الله من قوى ستكون مولىً للظالمين هم جنود مجندة مصداقا لقوله تعالى "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها" [التوبة : 40] معنى الجندية هنا صفة لجواهر القوة السابقة التي هي مستقلة عن الله في الجوهر لكن قدرتها ممكنة الوجود يصبح بالتالي ذكرها نظماً في الآية بمعنى الجندية..

أما أن الروح هو جبريل فلا يمكن للمرة الألف لقوله تعالى "ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده" [النحل : 2] فمن هم الملائكة الذين نزلوا بجبريل على حد قولك؟..وإذا كان جبريلا أكثر قوة وقدرة فلماذا لا يكون العكس أي "ينزل جبريل بالملائكة من أمره على من يشاء"..إن المؤكد فورا أنه في حال تفسير الروح بالقدرة والقوة الإلهية المطلقة يصبح المعنى مستقيما واضحا، فالملائكة نزلوا بقوة الله وقدرته على من يشاء من عباده، وفي قوله تعالى "رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق" [غافر : 15] دليلا إضافيا على أن الروح ليس جبريل..وأنها في ذلك السياق تعني الرسالة والنبوات المدعومة بالقوة الإلهية التي تنذر الناس وتذكرهم بيوم القيامة..

أما قوله تعالى "نزل به الروح الأمين " [الشعراء : 193] فلو كان جبريلا هل يصح القول أنه تعرض لاختبار كي يثبت أمانته؟..فإذا لم يكن فعلى ماذا الوصف؟ إن جبريلا من الملائكة أم لا؟ فإذا كان..هل ينطبق عليه قوله تعالى "عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" [التحريم : 6]؟..أم أن السمع والطاعة هنا صفة لملائكة النار خصيصا وجبريل ليس منهم؟ وأما تفسير آية الشعراء فهو مرتبط بتفسير آية مريم "فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا" [مريم : 17] ويبقى السؤال ما الروح الذي نزل بالرسالة ووصف بالأمانة ومن الذي أرسل لمريم بصورة بشر؟

الجواب : في قوله تعالى "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا "[التحريم : 12] و "والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين" [الأنبياء : 91] هنا تأكيد مكرر أن روح الله ليست جبريل، بيد أن الروح المنفوخة ليست جوهرا مستقلا عن الله، بل هي قدرة..فإذا كان النفخ فعلا من الرب فهو صفة له، بالتالي لو كانت الروح جبريل لأصبح جبريلا صفة للرب..وهذا لا يستقيم، وتبقى إشكالية معنى الأمين كصفة للروح وبرأيي هي من الأمن لا الأمانة..الروح الأمين هي القدرة الإلهية الضامنة لأمن وأمان الناس ومرجعية الرسالات دوما..فالإصلاح يتطلب قوة حق عادلة تفرض الأمن الاجتماعي والإنساني هي المعين لمن يأخذ بأسبابها..

مثلا كل من يأخذ بأسباب القوة اللازمة لفرض الأمن ويسعى لحماية الناس يكن له ذلك، مثل قوله تعالى على لسان ابنة شعيب على موسى "إن خير من استأجرت القوي الأمين" وهي لم تختبر بعد أمانته بل قوته في خدمتهما، وعليه فلفظ الأمين يعني الذي يوفر لها الأمن ، حتى لفظ الأمانة الوحيد المذكور في القرآن ليس بمعنى الأمانة في صدق الوعود والعهود..بل من الأمن وخلافة الله في أرضه ببنائها وعمارها في قوله تعالى "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" [الأحزاب : 72] والسؤال الفوري: لو كانت الأمانة هنا بمعنى الصدق والوفاء وحفظ العهود..فهل السماوات والأرض والجبال مكلفين عاقلين ليحملوها؟..فإذا لم يكن.. على ما إذن عرضها الله عليهم؟

هنا يصبح تكليف الله للإنسان بحفظ أمن الكوكب معقولا، فهو الذي حمل الرسالة ببناءه وحفظه، لذا كان جوهر الرسالات هو الإصلاح البشري ووقف جميع الشرور ونتائجها المحتملة على أمن البشرية والكائنات، وعليه أصبح كل فعل شرير مؤذٍ للطبيعة والكائنات مخالف لجوهر الرسالة حتى لو حدث ذلك تحت اسم الإسلام..!

نعود لتفسير روح القدس بقوله تعالى في سورة الشورى"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا "..[الشورى : 52] هنا الروح ظهرت طاقة إلهية تمكن الإنسان من العلم والهداية لطريق الرب، بينما تفسير الروح بجبريل كما هو شائع هو طاقة إلهام لفظي فقط لا طاقة وعي وإدراك، فجبريل عند الفقهاء هو مجرد رسول أمين لا مُعلّم متمكن، وبالتالي نخلص لنتيجة نهائية أن روح القدس جاءت غير معرفة لسبق تعريفها بالروح سابقا إما نسبا لله وإما مجردة وتعني في كل أحوالها ب (الطاقة – القدرة – القوة) الإلهية التي تتشكل في أحوال متعددة حسب السياق..

فروح القدس التي أيد الله بها عيسى هي قوته وقدرته المطلقة الإلهية في إحياء الموتى وعلم الغيب وخلق الكائنات من الطين..وغيرها، وفي ذلك خصيصة مفردة ووحيدة لعيسى لا تكون لأحد غيره، والدليل أن تأييد هذه الروح في القرآن لم يأتِ سوى لعيسى، فلو كان روح القدس جبريل فقد نزل به على سائر الأنبياء فلماذا خص التأييد والدعم بتلك الروح على نبيٍ واحد بتلك المؤهلات والمعجزات، أما الروح الأمينة التي نزلت على النبي بالرسالة فهي أمر الله بالتكليف والأمن لما يعلمه الله في مستقبل الرسول بتحرش وأذى القرشيين له في حال إعلانه الدعوة، ويؤكد ذلك قوله تعالى "والله يعصمك من الناس" [المائدة : 67] دلالة على أمانة وقوة الروح الإلهية وقدرته في حفظ أنبيائه لكي يطمئنوا ويعلنوا عن دعوتهم بشجاعة..

أختم أن مفهوم الروح هو مفهوم ديني قديم منذ الأديان البدائية الأولى..ففي حضارة المصريين القدماء عرفوه باسم "با" ورسموه على شكل طائر يغادر الجسد بعد وفاته..من هذا التفسير ورث المتدينون معنى الروح بأنها سر الحياة، أما العلم فلا يعرف لفظ الروح ولا معناه المتداول بل يقول أن أسباب الموت مادية بحتة، وتعدد أشكال الموت من إغماء لموت إكلينيكي لموت نهائي له تفسيراته المعتمدة والمفهومة في الطب، وبناءً عليه توصلوا لعلاجات مختلفة وأمصال تنقذ المرضى، وبرأيي أن تفسير الروح القرآنية بهذا الشكل وما يتعلق بها من "روح القدس وروح الله" يخلص إلى عدم تعارض مفهوم الروح القرآني مع العلم..لكن لا يعني ذلك ذكره في مقام الإعجاز كما يفعل دراويش ومخرفي هذا المجال..

أما روح القدس في الأديان المسيحية واليهودية..ومعاني الروح في بقية الأديان وتصور البشرية لها فأرجئه لمناقشة أخرى، ويبقى هذا الاجتهاد قابلا للصواب والخطأ.

 

سامح عسكر

 

مجدي ابراهيم(10) لننتقل إلى مثال يُوَضِّح افتراق دلالة الظاهر عن دلالة الباطن في لغة الخطاب الصوفي، وكشف غَوْر المعنى الباطن من مُوحيات اللغة الظاهرة؛ لا بل أبعد غوراً ممَّا تعطيه دلالة الباطن: كان الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ) يقول:" مراكز النفس أربعة: مركز للشهوة في المخالفات. ومركز للشهوة للطاعات. ومركز في الميل إلى الرَّاحَات. ومركز في العجز عن أداء المفروضات: (فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).

يبدو في الظاهر أن سياق الآية لا علاقة لـه قطعاً بما يقوله الإمام الشاذلي، وانفصال العلاقة معناه التباس الدلالة. غير أن وجه الإشارة يجيز مثل هذا التخريج ولا يمنعه، ولنذكر مساق الآية الكريمة أولاً ثم نحاول تخريجها بما تفرضه علينا لغة الإشارة، وتكشفه لنا لغة المجاز. ولنقرأ سياق الآية ثانية في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (سورة التوبة: آية 5).

إنَّا لنفهم من سياق الآية أنه إذا انقضتْ أشهر العهد الأربعة: فاحْبِسوا المشركين في المكان الذي يَتَحَصَّنون فيه، وأقعدوا لهم في كل طريق وممرِّ ومكان، كونوا لهم وعليهم وفيهم رُقباء، فإنهم العدو فاحذروهم وأقيموا لهم بالمرصاد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة فلا تتعرضوا لهم بقتال ولا نزال، ولا تأسروهم ولا تقطعوا لهم طريقاً، خلّوا سبيلهم إذا التزموا التوبة، ويجيء التعقيب " إن الله غفور رحيم ". هذا ظاهر ما يُساق من فهم الآية؛ فما علاقته أصلاً بمراكز النفس كما أورده شيخنا وما علاقة مراكز النفس به؟!

لا توجد علاقة من حيث الظاهر أو هكذا تبدو الرؤية لكل ذي نظر عجول، وعند التأمل يظهر لك الفارق بين دلالة العبارة الظاهرة، ودلالة الإشارة الباطنة. فالعلاقة هنا علاقة تشابه بين قتل المشركين كافة كمَا دَلَّت عليه الآية، وبين جهاد النفس في مراكزها الأربعة، والتشابه هو بالطبع:" الأساس الدائم للمجاز أو الاستعارة أو المماثلة". هنالك يَبْرُز أساس المجاز كونه يأتي لنقل كلمة عن مدلولها الأصلي (الحقيقي) إلى مدلول آخر لعلاقة المُشَابَهة أو غير المُشَابَهَة فتجيءُ "المعاني الإضافية" مُرتبة في نفس صاحبها لتخرج بدقائق الكلام من باطن النفس إلى ظاهرها اللفظي، مع ما يُضَاف إلى هذا كله من تخريج ذوقي هو أساس علم الإشارة.

وعلى إشارة الباطن يلزم للمجاهد لنفسه أن يقعد لها كل مرصد، وأن يقاتلها حيثما وجدها، لا بل يقتّلها تقتيلاً أينما ذهبت له بالعداء مذاهبها كقتال المشركين حيثما وُجدوا؛ فهى "العدو" على التحقيق، ولمَّا كانت عدواً وجب حَصْرها بأسلحة الجهاد المعروفة عند القوم، وحَبْسها في مراكزها الأربعة وتضييق خناق هذه المراكز عليها بالمراقبة والتَّرَصُّد حتى تفيء - مع القعود لها كل مرصد - لأمر الله. تلك هى لغة الخطاب الصوفي في خصوصيتها.

ويُلاحظ أن الشيخ مع ذلك لم يكمل الآية: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ)؛ لأن العهد بالنفس هو النكوص والتردِّي وممانعة الاستقامة. ومن أجل ذلك أخذ من الآية جزءها الذي تحتمله الإشارة: أعني "القرينة المجازية"، وقد يكون الجزء الباقي له إشارة أخرى ليس المقام ممَّا يناسبها قرينة ومجازاً.

وحين يكون الحَذر واجباً، واتهام النفس في جميع الأحوال أمراً مفروضاً. وحين يكون الحكم عليها بالعلم الظاهر(الشَّرع) المؤيَّد بحقائق الباطن ممَّا يستوجبه قانون الطريق وترومُه قصداً إشارات العارفين، قال الشيخ أيضاً في موضع آخر:" موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسُّنة، وإنْ أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، وأشك عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت وهى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا".

مرة أخرى نقابل نفس المشكلة: "التباس الدلالة"؛ لا علاقة كذلك من حيث الظاهر بين كلام الشيخ وبين ما تعطيه الدلالة الظاهرة في الآية القرآنية: فالتي:"لم تقدروا عليها"؛ هى مَغَانم غزوة حنين بعد الفتح كما جاء في التفسير. وأحاط الله بها، أي جعلها تحت قبضته وحَفِظها لكم. وفي "معاني القرآن" للفرَّاء:" قد أحاط الله بها، أحاط لكم بها أن يَفْتَحها لَكم ".

وإذن؛ فما الذي استشفه مولانا إشارةً من هذا المعنى ليجريه علاجاً للنفس؟ هو بغير شك الأمر الباطن في معرفة النفس حين لا تنقاد إلى الوسطية والاعتدال إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير: فالعجز عن جهادها والخلود بها إلى أرض الشهوات وإتباع الهوى، وقلة مساعدة النفس بالتحلي بالفضائل وركونها دوماً إلى هواها، وانتصارها على صاحبها، وغفلتها عن الله، ورقابة الله لها في كل لحظة؛ هى التي: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا)؛ فلزم اللجوء والافتقار في شأنها إلى الله على الدوام. ذلك هو خطاب الصوفي في لغته: إشارة بعيدة ورمز لمَّاح.

ومثالٌ أخير: وقف أحدهم عند قوله تعالى: (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)؛ فقال: إنما قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات"، واقتضاه هذا أن يفرِّق بين "الفهم" و"العلم"، وذلك لإمكان القول إن الفهم في الكلام على قسمين: أحدهما، مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهب من غير مادة لا يُقال فيه فهم، وإنما يقالُ فيه علم.

وأما المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاص في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين: إحداهما: أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان أكتسبه عن مادة. والثاني: لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه؛ ولا يدري: هل أرادها كلها أو أراد بعضها؛ فمثل هذا لا يُقال في حقه إنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى العلم بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام علي رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون؛ لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم، فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلاّ وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم.

هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام. ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق: آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، ولقوم يتفكرون، ولقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهى، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل؛ لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه.

وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات: نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكُّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا أنظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم؛ فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق.

وعندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه؛ وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانية الصلة الروحية، وهو ما يسمى بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصة ينفرد بها؛ هى أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق؛ ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا محدود. 

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصارإذا ما انتقلنا من الحديث عن تطور الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية والنفسية عن الجنس إلى الوقوف على المعنى الاصطلاحي (Philosophy of Sexuality) في الموسوعات والكتابات المتخصصة؛ فإننا سوف ندرك أن جميعها يتفق على أن مبحث فلسفة الجنس هو المعني بدراسة الوجود الإنساني من حيث بشريته ذكر وأنثى ومناقشة المعارف المباشرة للحديث عن أصله (وجد الإنسان ذكر وأنثى، أو ذكر ومنه الأنثى، أو أنثى وخرج منها الذكر). ثم الحديث عن مفهوم الجنس باعتباره نشاط إنساني يجمع بين الإرادة الإنسانية والذوق والتفكير واللذة الحسية والحاجة الطبيعية وسلوك للإنجاب والتكاثر، ومن ثم يتعرض إلى دراسة العديد من البنيات الثقافية والنفسية والاجتماعية والفسيولوجية.. عند تحليله لأشكال الممارسة الجنسية (الزواج، البغاء، المثلية الجنسية، الشذوذ والمجون)، وذلك للكشف عن العلل والأسباب والظواهر والآثار المصاحبة لهذه الأشكال، وانعكاس ذلك كله على طرائق التفكير.

وتطرق مبحث فلسفة الجنس كذلك إلى مناقشة القضايا ذات الصلة مثل: الحب، السعادة، التفكير الإبداعي، التفاؤل والتشاؤم، العنف، الإيمان والإلحاد، الرهبنة والتبتل. فتعرفه Internet Encyclopedia of Philosophy بأنه المَعني بدراسة الجنس باعتباره سلوك بشري نابع من إرادة حرة ومدفوع بلذة ورغبة حسية؛ الأمر الذي جعل من فلسفة الجنس سبيلا لتحليل المفاهيم والقضايا والمعارف ذات الصلة بكل أشكالها ونقد تطبيقاتها قياساً على ما وضعه الفلاسفة من مبادئ حاكمة وقيم ضابطة لممارسة الجنس بين الذكر والأنثى، وإلى مثل ذلك ذهبت موسوعة (Routledge Encyclopedia of Philosophy ) فهي تؤكد أن فلسفة الجنس من الفلسفات التطبيقية التي تعنى بتحليل المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة المباشرة؛ عنايتها بالوقوف على دلالتها في الممارسة شأنها في ذلك شأن فلسفة العلم والفن والقانون.

ومن أهم الكتب المعاصرة التي تناولت فلسفة الجنس بالتعريف السابق كتاب (The Philosophy of Sex) لنيكولاس باور، ووراجا حلواني، وآلان سوبل، وكتاب (Philosophy of Sexuality) لدون ماريتا.

وحريُّ بنا  في هذا السياق أن نؤكد على القضية الرئيسة التي طالما ناقشتها الكتابات المعنية بالجنس بوجه عام ألا وهى أخلاقيات الجنس، فإذا كان الجنس سلوكاً إنسانياً لا تدفعه الغريزة - كما زعم فرويد - فإنّ هناك قيم ومبادئ وأعراف حاكمة له، وفي هذا السبيل تنزع معظم الدراسات التاريخية؛ فتوضح أن الآداب والأخلاقيات الحاكمة لممارسة الجنس في الحضارات القديمة كان جميعها يخضع للأعراف والعادات والتقاليد الطبقية الاجتماعية الصارمة، وذلك قبل ظهور الأديان السماوية وما صاحبها من ضوابط شرعية؛ فالحاكم كان يرغب في معاشرة الأميرات لإنجاب نسل يحافظ على نبل العصب ونقاء العرق ويجوز له أن يستمتع بالجواري الفاتنات أو من يشعر تجاههن برغبة من عوام الشعب، وكان يحظر ذلك على الأميرات فهن لا يطلبن المتعة إلا من أزواجهن تبعاً للأعراف والتقاليد، ودون ذلك يعد خيانة تستوجب العقاب. أمّا الجنس عند العوام والطبقات الدنيا فكان يحكمه المال والاقتصاد، فالرجل له حق الاستمتاع بالمرأة نظير إنفاقه عليها، والعكس صحيح، وقد تولد عن ذلك الوضع العديد من الممارسات منها: تعدد الزوجات، وانتخاب المرأة للفحول من الرجال القادرين على إشباعها جنسياً، وظهور تجارة الرقيق الأبيض والبغاء (المتعة لمن يدفع الثمن)، والخيانات الزوجية التي كانت تستوجب القتل للنساء فقط.

وعلى النقيض من ذلك كله كانت العلاقات الجنسية بين طبقة المعدمين وجماعات العبيد لا يحكمها سوى الرغبة والمتعة والإرادة، فلا أعراف ولا قيود ولا ضوابط تمنع شيوعها، ولا سيما في الثقافة الهندية والصينية والقبائل الأفريقية والفارسية والرومانية وخصوصاً في مصر قبل عام 2000 ق . م، وذلك تبعاً لذيوع الفكر الديني وعقيدة الثواب والعقاب في العقل الجمعي المصري.

ولم تطرح في هذه الآونة قضية ممارسة الجنس مع المحارم (الأب والابنة والأخت، الأم والابن والأخ) ولم تحرم هذه العلاقة إلا في الثقافة الهندية، ولم يذكر المؤرخون أو علماء الاجتماع علة وجود هذه الظاهرة في سائر الثقافات ثم تحريمها وعودتها في أحقاب تاريخية مختلفة.

وكان الكنعانيون والسريان والأراميون يحرمون زواج الإخوة من الأم فقط، وتعد قوانين حمورابي من أقدم الشرائع الوضعية التي تناولت القضايا الجنسية ولا سيما علاقة الزواج وضوابطها وشروطها والطلاق وحقوق المرأة في الاستمتاع وإباحة استمتاع الرجل بالجواري مع عدم الاعتراف له إلا بزوجة واحدة، ويكمن الظلم في هاتيك القوانين فيما ورد من عقوبات على جريمة الخيانة الزوجية والبغاء، فلا يعاقب الرجل إذا خان زوجته إلا بتعويض مالي يدفعه لها إذا ما اكتشفت خيانته. أما الأنثى إذا خانت فجزاؤها الإلقاء في الماء مع عشيقها، إذا ما اعترفت عليه وثبت قيامه بممارسة الجنس معها، كما يجوز للرجل رهن زوجته عند دائنيه، الأمر الذي فتح الباب لتجارة النساء.

وإذا ما انتقلنا إلى الدعارة وهى تلك التي تختلف بطبيعة الحال عن الإتجار في الجواري أو استئجارهن، فالدعارة هي الوطأ والجماع مقابل المال بغض النظر عن التوافق الذوقي والمشاعر والرغبة والشهوة؛ فكانت المرأة تمارس الجنس جسداً فقط وكل ما يصدر منها من أقوال وأفعال مجرد أداء حرفي مصطنع.

أمّا عن تاريخ البغاء فقد عجزت الكتابات التاريخية عن تحديد بداية ظهوره، فقيل أنه يرجع إلى تاريخ سحيق في عصر نبي الله نوح! في غرب آسيا، وترجع علة ظهوره إلى فساد الأخلاق وكثرة النساء وقلة الرجال والفقر وظهور عصابات السبي واسترقاق القبائل الضعيفة على يد الأقوى، وقد انتقل إلى شتى أنحاء العالم بعد أن تفرق الناجون من الطوفان أولئك الذين أخذهم نوح في سفينته، إذ انطلق ابنه سام وذريته إلى آسيا، ويافث إلى أوروبا، وحام إلى إفريقيا.

ويحدثنا هيرودوت عن تاريخ الدعارة مؤكداً أنها بدأت في معية كهنة المعابد الذين اخترعوا الطقوس وأسسوا الكثير من المعتقدات في الحضارات التليدة، فكانت العذارى في بابل لا يصح زواجهن إلا بعد وطأهن من أحد عابري السبيل خلف المعبد نظير قطعة من الفضة، ذلك فضلاً عن العذراوات المصطفات فقد دأب الكاهن الأكبر في بابل اصطحاب من تروق له إلى المخدع الذهبي في أعلى برج بابل ليباركها الإله الذي حلّ في جسده، وكانت الفتاة تسعد بهذا الجماع طمعاً في فوزها بالبركة والجماع المقدس، غير أن الكتابات التاريخية الحديثة تشكك في رواية هيرودوت وحجتها في ذلك أن قوانين بابل كانت أقرب إلى المحافظة منها إلى الإباحية، الأمر الذي يبرر توقيعها أشد العقوبات على الغانيات والزانيات، كما أن سلوك الكهنة مع النساء كان محاطاً بالسرية بالقدر الذي يحول بين رحالة مثل هيرودوت والاطلاع على ما كان يحدث في مخدع كبير الكهنة.

وأغلب الظن أن حديث هيرودوت عن الدعارة في بابل يرجع إلى مشاهداته لما كان يحدث بين العوام في بيوت الهوى التي كان يخصصها كبار التجار والأثرياء من الإقطاعيين للبغاء، وذلك لاستثمار جواريهم وعبيدهم.

ولم يعرف البغاء في مصر القديمة، فالأنثى المصرية كانت تتخذ من الربة (إيزيس) العفيفة مثالاً وقدوة، ومن ثمّ لم ينتشر البغاء إلا بين الغرباء والعبيد، أمّا الحرائر فكانت تقطع أنوفهن إذا ما ارتكبن جريمة الزنا، وكان يقطع العضو الذكري للرجل إذا ما اغتصب أو وطأ إحداهن عنوة، فالرابطة الزوجية عند المصريين - بمختلف طبقاتهم - كانت تدرج ضمن الطقوس المقدسة.

وإذا ما انتقلنا إلى بلاد اليونان فسوف نجد أن الإرهاصات الأولى لظاهرة البغاء كانت متفشية بين العبيد والفقراء والمدينين والغرباء، فقد أباحت قوانين إسبرطة لنسائها تعدد الأزواج، وفي أثينا كان الرجال يتسرون بالنساء ويتخذون خليلات من البغايا، ويمارسون الجنس الجماعي، ولا سيما في الأعياد حيث الخمر والرقص واللهو الماجن (عيد يونسيوس)، وعرفت أثينا البغاء الرسمي منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت تخصص له بيوتاً يعلق عليها نموذج للعضو الذكري من الخشب أو الجلد أو القماش، وكانت النسوة يجلسن عاريات بالداخل ينتظرن الزبائن، وكانت تستأجر الأنثى لمدة معينة مقابل مبلغ يدفع مقدماً لمن يدير البيت، وللبغايا في أثينا طبقات تتحدد بمقتضاها أجورهن، أدناها (البروناي أي العاريات) من طبقة العبيد والخدم، وأوسطها (عازفات القيثارة) الراقصات المغنيات، وأعلاها (الهتايراي أي الرفيقات) اللواتي يمارسن الدعارة في بيوتهن، وكان معظمهن من الأثينيات والأرامل أو اللواتي فشلن في حبهن أو خدعن من قبل عشاقهن، ومنهن مثقفات وفيلسوفات من أمثال سافو - صاحبة أكبر مدرسة لتثقيف الغانيات - واسبازيا وتارجليا وتاييس وأركيانسا معشوقة أفلاطون، وثيوريس خليلة سوفوكليز وداني وليونتيوم اللتان علمتا أبيقور فلسفة اللذة، وفريني معشوقة المثالين اللذين صوروها عارية لتعبر عن جسد أفروديت ربة العشق واللذة الجنسية عند اليونان، ولئيس التي كانت تعرف بين الغانيات بالفتنة والثراء، ورغم ذلك كانت  تفترش لديوجين بلا أجر وذلك لولعها بالفلسفة.

وقد أرخ (بلوتارخ) لسير الشهيرات منهن، ذلك على الرغم من نظرة الازدراء التي كانت توجه إليهن من قبل المحافظين الأثينيين، فقد حرموهن من حقوق المواطنة والصلاة في المعابد باستثناء معبد أفروديت.

وكانت الفقيرات والجواري والإماء في بلاد فارس يمارسن الدعارة تبعاً لإرادة من يملكهن من الأثرياء أو يدفعهن أزواجهن إلى ممارسة البغاء طمعاً في المال، وعلى النقيض من ذلك نجد المرأة الزرادشتية التي كان لا يسمح لها الخروج من بيتها إلا للمعبد أو القبر، وكان يحكم على الخائنات منهن بالانتحار أو بالسجن والجلد. أما الرجال فكان لهم مطلق الحرية في ممارسة الجنس مع البغايا والعبيد، وحرمت المانوية الجنس عن طريق البغاء أو الزواج بحجة أن النساء هن أصل الشرور، وأن الاختلاط بهن عن طريق الملامسة ينقل إلى أجسادهم الدنس والشياطين، وعلى النقيض من ذلك ذهبت الديانة المزدكية إلى الإباحية ومشاع الجنس فلا بغاء ولا زواج، فممارسة الجنس لذة ومتعة فلا ينبغي أن يفرض عليها قيود سوى الإرادة والاتفاق، الأمر الذي جعل مزدك يوقع عقوبة القتل على من يرتكب جريمة الاغتصاب أو الإكراه أو الإتجار أو الاستئثار في الجنس؛ لأن مثل هذه الأفعال يحرض عليها إله الظلمة والشرور.

ولم تكن المرأة الهندوسية أفضل حالاً من سابقتها، إذ كان الرجال ينظرون إليها على أنها مكمن الشرور، وهى الفتنة المتجسدة لإغراء الرجال ودفعهم إلى وطأهن لسلبهما الفضيلة والعقل وإضعاف قوتهم البدنية، وكان الرجال يمارسون الجنس مع زوجاتهم بغير إسراف حتى لا تلهيهم شهوة الجماع عن قراءة الفيدا، وأداء الصلوات المقدّسة تلك التي كانت محرمة تماماً على الهندوسيات.

وللعذرية شأن كبير في الثقافة الهندوسية، فالعذراوات فقط هن اللواتي يعقد لهن الزواج فور بلوغهن ويحرم عليهن ممارسة الجنس مع غير أزواجهن حتى بعد ترملهن، وظلت عادة حرق المرأة مع جثمان زوجها حتى عام 1830م؛ الأمر الذي يقطع بعدم وجود ظاهرة البغاء بين الهندوسيات، وجاءت تعاليم بوذا ومهافيرا تؤكد على أن الإسراف في ممارسة الجنس يفسد العقل ويدنس الروح، وعلى العكس من ذلك ذهب حكيم الصين (لاوتسي) فالجنس عنده بلا قذف يزيد الجسد قوة ويدخل على النفس السعادة ويهيأ العقل للتفكير المستقيم والإبداع، وذلك لأن في العلمية الجنسية تطبيق للطبيعة الإنسانية (التاو) القانون الأزلي الوجودي، ومن أقواله في ذلك: (إنّ الإنسان هو أعظم الخلائق التي فطرتها السماء، ومن بين كل الأشياء التي حققت ازدهارا للإنسان، لا شيء يضاهي الممارسة الجنسية)، وقد اتسمت الأخلاق الصينية بإعلائها لفضيلة العفة، فيرى كونفشيوس أن العلاقة الجنسية المستقيمة هى التي تجمع بين ذكر وأنثى متحابين في فراش الزوجية، فهذا التناغم الجنسي إذا ما تحقق في الأسرة والمجتمع بات الأمل في تحقق السلام على الأرض وشيكاً، وعلى الرغم من قسوة العادات والتقاليد الصينية تجاه المرأة بشكل عام، إلا أن القيم الأخلاقية التي دعى إليها (لاو تسي وكونفشيوس) في هذا السياق تعلي من شأن كرامة المرأة وتجرم التحرش بها وكذا الخيانة الزوجية والمثلية الجنسية.

أما الدعارة فكانت محصورة - شأن معظم الحضارات السابقة - في طبقة العبيد والغرباء، وكان الصينيون يميزون بين البغايا الداعرات والفاتنات المثقفات اللواتي يجدن العزف على الآلات الموسيقية والغناء ويتحدثن في الثقافة العامة والفلسفة، وفرق الصينيون كذلك بين المحظيات والسراري من جهة، والزوجات (بنات العائلات) من جهة أخرى، وبالجملة كان الجنس في التراث الصيني وسيلة للإنجاب فحسب.

كما أباح الرومان تسري النساء بالرجال والعكس (boy friend \ girl friend).

 

وتذهب معظم الكتابات الماركسية إلى أنه من العسير تحديد نشأة الدعارة من حيث المكان أو الزمان؛ وذلك لأن هذه المهنة ما زالت مرتبطة بعاملين:

أولهما: العوز والفقر الذي يدفع الأنثى إلى الإتجار بجسدها، وذلك لأنها مهنة لا تحتاج إلى خبرات أو مهارات خاصة.

وثانيهما: رغبة وشهوة الرجال وعدم قناعتهم بأنثى واحدة، وعلى الرغم من وجود نظام شيوع النساء في بعض المجتمعات البدائية، فلم تختف هذه المهنة من تلك المجتمعات.

غير أن بعض الدراسات المعاصرة ترفض هذا التفسير الاقتصادي لظاهرة الدعارة، بحجة أن أول من امتهن هذه المهنة إناث طبقة العبيد والرقيق، وكن يكرهن على ذلك من قبل سادتهن التجار، كما أن بعض الغانيات كن يمارسن البغاء طمعاً في الثراء من جهة، والانتقام من الرجال باعتبارهم الذين دفعوهن إلى بيع أجسادهن من جهة أخرى، ذلك فضلاً عن  وجود الدعارة بين الطبقات الوسطى، وكذا بين المثقفين وكبار رجال السياسة، فالدعارة لم تعد مجرد وطأ بأجر، بل استثارة الغرائز للسيطرة على العقول، وجلب المعلومات والتجسس وتسهيل الصفقات وإبرام الاتفاقيات، وصفوة القول أنها أصبحت آلية من آليات التوجيه الذهني وتفريغ الطاقات المكبوتة ومعالجة الفشل واليأس وذلك على حد تعبير علماء النفس.

أمّا الدعارة المقننة، فلم تظهر إلا في القوانين الرومانية في عصر الإمبراطور جستنيان، وكذا في كتابات القديس توما الإكويني الذي وصف البغاء بأنه (شر لا بد منه لمنع الاغتصاب والتحرش الجنسي)، وعلى الرغم من تحريم الإسلام للبغاء إلا أن دور الدعارة التي كانت تجمع بين الجواري والعبيد والمحظيات، كانت منتشرة في شتى أنحاء الولايات الإسلامية، غير أن البغاء لم يقنن إلا في عهد العثمانيين الأتراك، الذين جعلوا له شرطة خاصة بتنظيمه، وتحصيل ضرائبه، والإشراف على المواخير.

وقد أطلقوا على دور الدعارة (كارخانات)، وأصبح البغاء في انجلترا منذ بداية القرن السادس عشر مهنة تمارس رسمياً تحت إشراف الحكومة، وقد أباحت القوانين للرجل بيع زوجته واشترطت موافقتها على المشتري.

أما القرن الثامن عشر، فيعد العصر الذهبي لتقنين الدعارة في انجلترا وفرنسا وفي بلاد المغرب العربي وألمانيا وهولندا وكندا، وكانت الدعارة تمارس في مصر مع دخول الفرنسيين المدن الكبرى، واستمر حال دور الدعارة حتى منتصف القرن التاسع عشر، وفي مطلع الثمانينات من نفس القرن ومع دخول الإنجليز حاولت الحكومة ضبط أو تنظيم هذه المهنة ومنح رخص وشهادات صحية لمن يمارسن الدعارة، ولم يقنن البغاء في مصر إلا عام 1905م لأسباب صحية وتم إلغاؤه عام 1949م.

أما في السويد فقد كافحت الحكومة هذه المهنة واجتهدت في إعادة تأهيل الغانيات ومعالجة اللواتي يعانون من اضطرابات نفسية أو أمراض فسيولوجية وذلك في تسعينيات القرن العشرين.

ويمكننا أن نثبت ممّا سبق ثلاث حقائق:

أولها: أن الجنس الإنساني سلوك إرادي يخضع في أدائه إلى البنية الثقافية التي يعيش فيها الإنسان، شأنه شأن طريقة تناول الطعام والشراب.

وثانيها: أن البغاء سلوك منحرف دفعت إليه المرأة، بل وأجبرت عليه بفعل الفقر أو القهر أو الجهل أو الانحراف الأخلاقي، مثله مثل العادات المرذولة والسلوك الماجن، أي لا يرتبط بطبيعة المرأة، ولا دخل للأرواح الشريرة ولا لوسوسة الشيطان ولا الشّره الجنسي فيه.

وثالثها: أن هناك علاقة لزومية واضحة بين الممارسات الجنسية السليمة والنضج الحضاري والارتقاء الثقافي والاستقامة الأخلاقية.

وبذلك نؤكد على ما أشرنا إليه في المقال السابق، ألا وهو: أن الجنس سلوك أخلاقي عند البشر، ودون ذلك من انحرافات يعدُّ انحطاطاً خلقياً أو مرضاً عضوياً، وعليه فنحن في حاجة إلى دراسته دراسة فلسفية؛ للكشف عن الممارسات الجنسية المنحرفة في مجتمعاتنا ليسهل على التطبيقيين معالجتها بعد ذلك.

 

د. عصمت نصار

 

سامح عسكر منذ فترة أشرت إلى فلسفتي الخاصة بالصورة وقلت أن عقل الإنسان كالكاميرا يتأثر بالأشياء حسب جودته ووضعيته، وكذلك حسب جودة وطبيعة الشئ في ذاته، وشرحت بعضا من ذلك على وعد بتشريح تلك الرؤية في المستقبل، واليوم أطرح جانبا مهما في فلسفة التصور له امتداد مؤكد في علوم النفس..

ظاهرة الباريدوليا تعني استجابة العقل لأشكال وأنماط في الكون تحدث بطريقة غير منظمة، فيراها العقل منظمة وبناءً على ذلك يسلك تأويل تلك الرؤية حسب رغباته ومعتقداته المسبقة، فشكل سحابة مثلا في السماء في صورة صليب يراها المسيحي فورا رسالة من الله بصحة معتقده، وشكل الله أو محمد في حبة فاكهة وخضروات يراها المسلم دليلا على صحة معتقده، رغم أن هذه الأشكال تكونت بطريقة عشوائية ربما نعلم كيف تكونت وربما لا نعلم..فصورة الحصان مثلا أو وجه الإنسان في السماء أو معالم شئ مميز ومعروف كالشجرة يمكن أن نراها في السماء من اجتماع عدة نجوم، لكن في ذات الوقت لا نعلم كيف اجتمعت هذه النجوم بهذا الشكل ولماذا هو تحديدا..

فمثلا عندما نرى وجها في السماء مشكلا من عدة سُحُب يصبح السؤال: لماذا لم يتشكل على صورة قطة؟..هل توجد قوانين لتنظيم تلك الأشكال؟

هذه الأسئلة تظل محبوسة في النفس وتخرج بمعتقدات وأحيانا هلاوس تتضخم وتعلو كلما كان المعتقد - أثناء الرؤية - قويا والنفس هادئة تشعر بالاطمئنان والقرب من الآلهة، ثم تنخفض حدتها كلما كان التدين والإيمان والاطمئنان للعقيدة في معدله الأدنى، وهذا يفسر مثلا لماذا تعلقت بعض الشعوب القديمة بالأحلام والرؤى المنامية باعتبارها رسائل إلهية حقيقة وليست مجرد تفاعلات كيميائية ونفسية مؤثرة في العقل النائم ليرى ويعتقد بأشياء لم تحدث، من هنا اعتبر البعض أن الباريدوليا في هذا السياق كانت المصدر النفسي والعلمي للخرافات وأعمال الدجل والكهانة، وما انتشار المعبرين للرؤى ومدعي الغيب والتنبؤات المستقبلية إلا ترجمة لتأثير الباريدوليا عليهم سواء في الحس أو المنام..

ومع ذلك تظل أحوال الصورة معلقة حتى يأتيها أربعة أنواع من المحفزات:

أولا: المحفز العشوائي..ويعني وجود حركة عشوائية لا تتوقف تعمل بقوانين معلومة ومجهولة، ولأن قدرة العلم بتلك القوانين في أيدي فئة محدودة من الأذكياء والتجريبيين فيعتقد العوام أنه لا ثمة قوانين تنظم هذه الحركة العشوائية إلا سلطة إلهية ماورائية تريد أن ترسل له رسائل معينة، ويتساوى العامي في ذلك مع رجال الدين الذين يحرصون على الجهل بمعتقدات وعلوم الآخرين خشية الوقوف على زيف معتقداتهم الشخصية..وما يتعلق بذلك من تهديد لمصالحهم أحيانا.

وأما العالم ببعض هذه القوانين فهو يؤمن في داخله بتنظيم تلك الحركة وفقا للقانون الذي يعلمه وبالتالي فلا سلطة هنا للباريدوليا عليه..لكن في حال جهله بقوانين أخرى لعشوائية تلك الحركة يحدث له ثلاثة أمور، الأول: يتسرب إلى نفسه الشك ثم يتوقف مدعيا جهله بشجاعة وصدق، الثاني: يتسرب إلى نفسه الشك ولتأثير العرف والمجتمع والدين عليه يخضع لتفسيرات العوام لتلك الحركة، ومن هؤلاء ظهرت فئة انشغلت بالعلم فترة ثم انتهت للخرافة والدجل ..أو بيع هذه العلوم والتجارة بها لمصالح شخصية، الثالث: يؤمن أنه ما دام قد فهم القوانين المعلومة لديه فيمكنه العلم بالمجهول..وقتها فلا تأثير للباريدوليا عليه مطلقا لجزمه بإمكانية العلم ولو على سبيل الاحتمال.

المحفز العشوائي هنا يعمل في إطار تشكيل صورة (لحظية) مؤثرة في الكاميرا العقلية، فيعمل الذهن على ترجمتها وفقا للكاميرا اللحظية له أيضا، فلو كان مُتعبا مُجهدا أو غير آبه أو يصيبه الملل والتعب النفسي فلا يهتم بحقيقة تلك الصور، وفي حال كان غاضبا مثلا أو في صراع على حقيقة معتقداته يندفع فورا بتأويل تلك الصور على أنها رسالة دعم إلهية، ومن هؤلاء ظهرت منامات الشيوخ قديما..فالرؤية الخاصة بهؤلاء كانت تكثر بشدة في ظل الصراعات المذهبية والتنافس الاجتماعي على نيل قلوب ورضا العامة وأحيانا في أجواء تنافس سياسي، ويمكن قراءة نصوص هؤلاء وفقا لفلسفة الصورة بالوقوف على ألفاظ ذات مدلول دفاعي أو متهجم على الآخر مما يدل على ثمة وجود خطر يتهدد الشيخ في تلك اللحظة.

ثانيا: المحفز المنتظم..وهذا يلزمه علم مسبق بالتنظيم وأحيانا إرادة مسبقة بالعلم..مثلا عندما يريد شخص ما أن يقرأ صحيفة بها عدة أخبار فهو يعلم جيدا أن هذه أخبار تهمه لكن لا يعلم تفاصيلها ومستجداتها، هنا يكون مهيأ نفسيا لاستقبال معلومات وصور تشكل قناعات لديه أو تسد فراغات عقلية أو تمده بمعلومات هامة، أما الإرادة المسبقة بالعلم فكمن يقرأ في كتب الرد على فلان وعلان ممن يكرههم..هنا يصبح أكثر قابلية للإيمان بالصور المكتسبة عنده من القراءة، وفي كلتا الحالتين تشكل الحالة المنتظمة للصورة مؤثرا خارجيا على الذهن.

لكن تبقى وضعية التقاط الكاميرا العقلية لهذه الأخبار والصور المنتظمة عامل مساعد في تشكيل القناعات أو نفيها، فقد يقرأ الإنسان خبرا عن سفاهة أحد الكتاب ثم ينتقل للجريدة المشار إليها فيجد مقالا لنفس الكاتب السفيه يتضمن هجوما حادا غير عقلي على أحد مكروه في الذات العالِمة والمتصوِرة، والزمن الفارق بين الصورتين – صورة الخبر وصورة المقال – شبه معدوم كلحظات الانتقال في الإنترنت مثلا أو قليل نوعا ما، وكلما كانت المدة الزمنية في الانتقال قليلة كلما كان الاستنتاج النهائي بفساد هذا الكاتب أو الشك في عقليته وفقدان التعاطف معه كبيرا، والعكس قد يكون صحيح، مع طول المدة الزمنية في الانتقال تصبح فرصة الكاتب للإفلات من مقص الرقيب للذات العالِمة والمتصوِرة أكبر..ويحدث ذلك في ظل احتمالات تغير الصورة الملتقطة ذهنيا في كل مرة.

ويبقى هذا المحفز المنتظم أصلا في الشك بالمصادر لما يتضمنه من انحياز نفسي وأيدلوجي للذات العالِمة والمتصوِرة، فمصادر المعلومات مثلا لتلك الذات مختلفة عن مصادر معلومات لذوات أخرى عالِمة والاعتقاد بصحتها والاستنتاج بناءً عليها يُكثِر من أخطاء رجل القش كثيرا وما يترتب عليه من أخطاء أخرى في نفس السياق كالتوسل بالاستثناء وبالمجهول والأغلبية وأكثر ما يشاع في تلك الغلطات المنطقية هو الاستدلال الدائري الناجم عن التعصب للموروث المسبق ولشخص الذات العالِمة والمتصوِرة أحيانا، وغالب صراعات الإعلام تحدث على هذا النمط لما يبنوه في الحقيقة من قناعات مزيفة مبنية على ما قلناه من محفزات منتظمة إما بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان.

ثالثا: المحفز الثابت..وهذا على نوعين، جزئي وكلي، فالثابت الجزئي هو المادة والمحسوس الثابت في حيز من الفراغات والمُجرد من أشباهه ، كحجر صحراوي مثلا على شكل كأس..لو لم يكن مجردا من أشباهه لم يكن كأسا، ولم لم يكن ثابتا في فراغ ما أمكن تمييزه، وهذا الثبات الجزئي للصورة مصدر للعلم ومؤثر في الكاميرا العقلية على طريقة الباريدوليا، كالشجرة التي تتشكل على وضع جنسي معين بين قضيب ومهبل، قد يراها المصاب بالباريدوليا رسالة ماورائية بقدسية وأهمية الجنس أو كرسالة له شخصيا للقيام بكذا وكذا، وفي اعتقادي أن تلك الظاهرة كانت سببا جزئيا في الاعتقاد بقدسية أعضاء الجنس عند القدماء، بيد أن آلهة الجنس القديمة لم تتشكل في أذهان الناس لمجرد فكرة التكاثر وأهميتها في الحياة..لكن أيضا برسائل ماورائية عن طريق صور بمحفزات ثابتة أو عشوائية كما سلف شرحه.

أما المحفز الثابت الكلي فيعود لتعريف الكلي المنطقي أولا للوقوف على حقيقته، وهو الذي كان اتصافه في الذهن وعَرَضه أيضا في الذهن، مما يعني أن هذا المحفز لا يكون محسوسا ولكنه متخيلا كالآلهة مثلا غير المرئية أو التي تقبع في ذهن البشر ضمن الميتافزيقا، أو الذي ينطبق صدقه على أكثر من واحد كمفاهيم الإنسان والحيوان مثلا..فالمحسوس من الحيوان هو جزئي لأنه محسوس..أما لفظ الحيوان واتصافه في الذهن يبقى ثابتا كليا بمدلوله، فمثلنا نعتقد أن الحيوانات غبية من الطبيعي إذن أن نراها كذلك فماذا لو رأينا حيوانا يفعل فعلا ذكيا أقرب لسلوك الإنسان؟..ألا يمكن تفسير سلوك هذا الحيوان بطريقة الباريدوليا؟..وألا يمكن تعميم هذا المحسوس من الحيوان على مفهومه الكلي بحيث نعتقد أن كل الحيوانات لديها قابلية للتصرف بنفس الذكاء؟

أعتقد أن ذلك كان مصدرا أساسيا للاعتقاد بقدسية الحيوانات قديما، وبالطبع سيكون امتداد وشروحات ذلك في نظرية الطوطم والتابو لسيجموند فرويد مما لا يتسع المقام لذكره، لكني أختصر ذلك بأن صورة المحفز الثابت الكلي برغم أن تأثيرها من أعراض الغباء وضعف الاستنتاج اللازم للتجريد والفصل لكنها تظل مصدرا أصيلا للمعتقدات الحسية والشعورية بالخصوص حين نقرأ نصوصا تاريخية وأدبية ودينية، فالنص لما يحمله من تعميم أحيانا وعدم فصل بين الكلي والجزئي هو محفز ثابت يؤثر في الذات العالِمة المتصوِرة ويُكسبها قناعات بحجم وطبيعة وكيفية هذه الصور التي تشكلت في عقل كاتبها الأول، وهذا سر من أسرار الجمود والتكلس عند المقلدين بيد أن الصورة الأولى المتخيلة في ذهن الكاتب الأول لحظيا لا يمكنها البقاء بنفس الشكل وبنفس الأجواء عند أقرانه ممن عاشوا معه في الزمكان..ما بال إذن من يقلدونه في زمكانٍ آخر..

رابعا: المحفز المتغير..ويعني الصور والمحسوس غير الثابت كتقلبات الطقس والمناخ مثلا أو الأصوات المتغيرة في القوة والجمال وشكل الإنسان عبر الزمكان وأحوال البشر الاجتماعية..إلخ ، تكون صورة المحسوس المتغيرة هذه محفز على الاعتقاد فيما لو انتقل الإنسان من الثراء للفقر مثلا وتفسير ذلك بالعقاب الإلهي أو عدل الطبيعة، بينما الصورة المتغيرة تلك لها قوانينها الخاصة التي تسري بمعزل عن ذلك العقاب والعدل المتخيل، وبهذا المحفز تكثر الخرافات والدجل بتغير أشكال الناس من القوة للضعف ومن الجمال للقُبح تكون الصورة اللحظية وقتها للذات العالِمة المتصوِرة محكومة بقوة عليا فوق كل القوانين التي خدعت نفس الذات العالِمة من قبل بدوام الحال أو صعوبة التغيير ومُحالِه.

هذا المحفز برأيي يظل أقوى تأثيرا وأشد تعقيدا من كل المحفزات الأخرى بالخصوص إذا اكتسب بعض صفات (العشوائية والنظام) بيد أن عشوائية تشكيل الصور تحفظ مجهوليتها لكن يبقى مدلولها وتأثيرها في النصوص عظيما بقدر ذلك الجهل، ودافع ذلك ما قلته في محاضرتي عن الشعراوي في موقع يوتيوب أن رجل الدين يكسب قداسته بسرعة بوسائل مختلطة من التعقيد والتبسيط، المحفز المتغير هنا يعمل بنفس أسلوب الأخبار والأفكار المعقدة ويؤثر في الذهن والنفس بذات الطريقة، بيد أن علم الإنسان بنظام الصور وقوانينها يفقدها الأهمية والقدسية لديه بما يلزم ربطها بعوالم الميتافيزيقا..

فعلم السلفي الجهادي مثلا بصورة الجنة الملتقطة لحظيا من الشيوخ عن الحور العين يكون مرتبط بفكرته المسبقة عن الحور العين واستعداده النفسي لقبول المبالغات بشأنها، فالحور العين يعمل ضمن (نظام الثواب) والمتع الحسية الموجودة في الجنة، مع ذلك تبقى صورة هذه الحور متغيرة في الذهن بحيث تعالج مشكلة الملل..ورجال الدين في تلك الجزئية يبرعون في تغيير هذه الصورة النمطية عن الجمال في ذهن السلفي، فيُكثِرون من أخبار تغير هذا الجمال ليصبح متجددا ومقبولا من النفس البشرية، وتلك البراعة لرجال الدين مكتسبة من صور لحظية عن الحور العين في عقل رواتها الأوائل الذين واجهوا أسئلة وشكوكا معتادة عن طبيعتها والاحتمالات الواردة في هيئاتها ووظيفتها ثم قدرتها الحقيقية على الإمتاع الدائم..

سيكون النص الديني وقتها والروائي شارحا نفسه بنفسه أنه وكلما انشغل الكاتب الأول – بصفته ذات عالِمة متصوِرة – بشرح هوية وأشكال الحور العين فهو عن معايشة لحظية لهذا الكاتب للجمال، بيد أن القدرة على شرح الشئ تعني معايشته ذهنيا في الحال، وكلما كانت الذات العالِمة الأولى فاقدة حسيا للجمال تشتاق إليه فتبرع في تصويره بنفس حجم ومقدار ذلك الفقدان، لذا فالشعراء والأدباء والكتاب ممن يقعون ضحية للاضطهاد المجتمعي - سواء لأفكارهم أو أشكالهم - يكونوا أكثر قدرة على التعبير عن ذلك الجمال الشكلي والفكري والعدالة المفقودة بإقناع ومنطقية، بذلك يمكن التنبؤ بمصير كتابات خرجت في ظل أزمة أو اضطهاد ومظلوميات تصبح الكتابات وقتها مصنع لصور لحظية صادقة عن ذلك الجمال والعدل المفقود.

من هنا تأتي خطورة وضعف الاستبداد والظلم البشري، فالمحفز المتغير يعالج في الحقيقة بعض آفات المحفز الثابت الذي يحرص المستبد على بقائه عن طريق إعلام محكوم وصور لحظية مسبقة أراد المستبد أن تدوم، لكنه في الحقيقة يجهل أن تلك المحفزات الثابتة تعمل ضمن منظومة محفزات أشمل في ذهن الإنسان، والدليل على ذلك هي قوانين المواطنة وحقوق الإنسان جميعها خرجت باستيعاب نتائج محفزات سابقة كانت ثابتة ، إضافة للوعي بخطورة بقاء تلك المحفزات والصور على الحياه والعدل المنشود، وبالتالي نرى أن حركة التاريخ مثلما تنتج مستبدين ظالمين أشرار تنتج أيضا معتدلين وعادلين أخيار، فينتقل تاريخ البشرية من صراع لمعايشة ومن كراهية لتسامح..وهكذا..

أما عن خطورة الاستبداد في هذا السياق فلأن الثائر على المحفز الثابت بمحفزات متغيرة وبصورة اللحظية الخاصة تتكدس لديه مشاعر الانتقام والتصميم على تغيير أوضاعه، فيواجه المستبد – الذي في العادة يكون هو الأقوى – تلك المحاولات، ويخطئ في مواجهتها بقدر عدم استيعابه للمحفز المتغير والصور اللحظية المكتسبة لدى الناس ، فمثلا كلما كان يجهل حقيقة كونه ظالما وأن ما حرص على إشاعته في السابق كان محفزا ثابتا أراد تصديره للوعي البشري بقوته يمتلك هو الآخر محفزا متغيرا عن الثائرين ضده بحيث يراهم أشرارا فوضويين، وبتأثير الباريدوليا يبدأ في وضع خصومه في أنساق وأنماط معينة، فلو كان هذا المستبد متدينا سيتهم خصومه بالكفر وبالتالي يكتسب صورة الكفر (الكلية الثابتة) في ذهن الكاتب الأول وعلى الأرجح يكتسب أيضا تطورات تلك الصورة عند أتباع ذلك الكاتب ومقلديه فتكون عرضة للشيطنة وتأويل كل أفعالها بالشر لسبق اكتسابه صور لحظية في أجواء صراعات سابقة..

وفي حلقة مختلف عليه مع الأستاذ "إبراهيم عيسى" ضربت مثال على ذلك باتجاه توماس هوبز في قوله بأصالة الشر ولجوءه لتحجيم ذلك الشر بقيود دولة قانونية أو دكتاتورية متحكمة وأكثر قدرة على الضبط، هنا يكون هوبز يصبح مكتسبا لأعراض المستبد في رؤية خصومه بمحفزات ثابتة أراد تصديرها للوعي البشري بفقدان الخصم معنى وحجية نشاطه ومطالبه، وما كان هوبز ليقول ذلك لولا تلك الحروب الأهلية التي حدثت في عصره في انجلترا وأكسبته ميولا لكراهية تداول السلطات وأهمية الاستقرار السياسي على المجتمع وحركة الفكر، وكلما قرأ هوبز وتأثر لكتاب ذات صور لحظية عن همجية الناس وجرائمهم وانفلاتهم الديني والأخلاقي في ظل الحروب كلما كره فكرة التداول بالأساس ورأى في مقابلها أن الدكتاتورية سلوكا معقولا ومقبولا بضوابط فلسفية قابلة للطرح والمناقشة هروبا من الظلم..لأن هوبز مهما كان هو فيلسوف ولم يفكر بطريقة رجال الدين في ربط أفعال الناس بالسماء والمؤكد أن طريقته عندي في دعم المستبد تختلف في جوهرها وكثير من تفاصيلها عن طرق رجال الدين..

بخلاف جان جاك روسو الذي رأى أصالة الخير في نفس الإنسان، وأن مشكلة فرنسا ما قبل ثورتها في القرن 18 كانت اجتماعية بفوارق مهولة بين الطبقات، هنا يكتسب روسو صوراً لحظية عن مجتمعه تقول بظلم أقلية نافذة ومالكة للثروات والسلطات لأكثرية ضعيفة لا تملك شئ، بالتالي فالصورة اللحظية لكاميرا عقل روسو قالت ببداهة حدوث الأقلية على أصل الأكثرية القديم، وتعززت تلك الصورة بجهل وغباء وظلم الطبقة الحاكمة وسلوكيات بعض رجال الدين في عصره، طبيعي أن ينظر إليهم أن مصدرا للشرور ، وبالمحفز المتغير الذي رأى عن طريقه عمل تلك الأقلية في منظومة تدمير ممنهج للحياة سواء في الفكر والاقتصاد والسياسة رأى أن العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم هو الأمثل، ومن تلك الصورة وصل الإنسان لفكرة الدساتير عموما باعتبار أن شعوب القرون الوسطى لم تعرف قوانين مكتوبة وواضحة تضمن هذه العدالة الاجتماعية.

ستكون الباريدوليا في هذا السياق تعمل لتفسير صور وأصوات ومحسوسات مختلفة لها حضور اجتماعي وسياسي وديني..إلخ، فالخرافة والزيف والكذب لا يتعلقون فقط بالدين بل في جميع أحوال الناس..حتى في طعامهم، بمعنى أن الكاميرا اللحظية لعقل الإنسان كانت متشبعة مثلا بحالة الجوع ، يصبح ذلك محفزا ثابتا لقبول أطعمة كانت مرفوضة من الذات العالِمة المتصوِرة، حتى لو كان هذا الطعام رديئا فتكون له القابلية النفسية وفقا لمقدار ذلك الجوع، وبهذا السياق يمكن معرفة كيف تغير النظام الغذائي للبشر..فالأوائل كانوا يأكلون اللحوم نيئة لأن مقدار الجوع كان كبير مثلما يوجد الآن عند الحيوانات، أما بعد اكتشاف النار وزيادة قدرتهم على الصيد توفر الطعام بشكل أكبر فانخفض مقدار الجوع مما أوجد للأوائل قابلية ورغبة في تنويع ذلك الطعام فعرفوا الطهي.

وبفلسفة الصورة هذه يمكن تطبيقها أيضا على الحيوان، فالكلب الذي يأكل اللحم عندما يُستأنس وتُخصص له منازل وأطعمة دون جهد منه يصبح أكثر قابلية على تغيير نمطه الغذائي..ليس مرة واحدة بالطبع فقد يستغرق ذلك آلاف السنين، لكن المؤكد أن هذا الكلب وأجياله اللاحقة إذا وجدوا طعامهم بطريقة أفضل وبمقادير أكبر سيتحول في المستقبل لكائن نباتي عشبي إذا قرر الإنسان ذلك، إنك من الآن ترى بعض القطط والكلاب يأكلون الخبز وبعض أنواع الخضروات..فهل هذا يعني أن مستقبلهم يصبح هكذا؟..مع حفظ أن تطور عقل الإنسان حدث توازيا مع تطور نظامه الغذائي مما يعني أن سلوكيات القطط والكلاب تصبح أكثر ذكاءً مع تطور نظامهم الغذائي أيضا، ومن هذا المدخل يرى بعض النباتيين آكلي اللحم كبشر متوحش لم يغادر بعد أسلافه في عصور الصيد.

وبالمحفز المتغير تظهر صورة اللاحمين عند النباتيين كأشرار ومصدر تهديد للطبيعة، ففي رأيي أن جمعيات الرفق بالحيوان بمساعدة الشعوب النباتية الأسيوية ساهمت كثيرا في حماية الطبيعة وحفظ الأنواع من أنانية وظلم البشر، فالصورة اللحظية عند النباتي وقتها تكن متأثرة بعوامل فكرية ونفسية كثيرة منها بداهة ضعف الحيوان مقابل قوة الإنسان، وسلوك بعض الحيوانات سلوكا ذكيا أو اكتسابها صفات أخلاقية كالوفاء عند الكلاب والوداعة عند القطط مما يفسر لماذا هذين الكائنين بالذات هما أكثر استئناسا من البشر، ذلك بسبب الصور اللحظية لكاميرا الذات الأولى العالِمة المتصوِرة عنهم والتي كانت مفتقدة للوفاء والوداعة مما يدل أن عصر استئناس البشر للحيوان ظهر بالتوازي مع كثرة صراعاته ومظالمه، فكلما كان أكثر عنفا كلما بحث عن أي كائن مسالم ووديع أو به قليل من تلك الصفة..

إن الباريدوليا في الأخير هي وهم لذا فالترجمة اللاتينية للكلمة تعني مدلول الزيف والوهم والخداع، أو هي خيال حسب الرغبة ومؤثرات الواقع، من هنا نشأت الحاجة للتفريق بين العقل والخيال عند فلاسفة الأنوار كرينيه ديكارت الذي قال بضرورة الفصل بين الإدراك والخيال..بمعنى أن إدراك النصوص يجب أن يحدث بالعقل لا بالخيال، وبمفهوم ديكارت عن العقل فهو يقصد الشك، وبهذا المنهج رأى ديكارت الفلسفة بشكل عام أنها تقوم على أسس شكية، ولو طبقنا هذا على أشكال الطبيعة والمحسوسات المنتجة لصور مفهومة ومنظمة إضافة لتبسيط وفهم فلسفة الصورة نحصل على أسلوب لرؤية الكون والنصوص بشكل عقلي تحليلي وعلمي يمكنه التفكير بشكل صحيح وربما التنبؤ بشكل علمي صحيح أيضا..

 

سامح عسكر

 

مادونا عسكرتكمن هوّة عظيمة بين العلم والعبادة كتلك الموجودة بين الكمال والنّقص. وملايين السّنين الّتي مضت والأخرى الآتية تسهم في اتّساع هذه الهوّة ما لم يتيقّن الإنسان أنّ الوجود الإلهيّ الخارج عن الزّمان والمكان، مغاير تماماً للوجود الإنسانيّ. وكلّ فكر يؤكّد علمه بهذا الوجود الإلهي أو يحتكر الحقيقة لشخصه أو جماعته يعيق التّأمّل وتطوّر الفكر ونموّه بحكم السّيطرة على العقول وإشغالها بصراعات تافهة مع أنّها تبدو مصيريّة. وهي تافهة وسطحيّة قياساً على الرّؤية التّأمّلية بهذا الوجود، والأكوان المحيطة بنا، وحضور الإنسان الهزيل في هذه الأكوان، وعدم قدرته على استيعابها، ورؤيته الملتبسة لها. ولئن كان الاستيعاب العقليّ والفكريّ للوجود المادّيّ ضعيف فلا ريب أنّ القدرة على استيعاب الوجود الإلهيّ أضعف، بل معدوم إلّا من خلال التّصوّرات العقائديّة الّتي بالكاد تقدّم تمتمات عن الحضور الإلهيّ. وبقدر ما يعي العقل أنّه عاجز عن إدراك هذا الحضور بتمامه، وبقدر ما يقتنع بأنّ الدّخول إلى عالم الوجود الإلهيّ اختبار شخصيّ وعلاقة عميقة لا يمكن تفسيرها أو تأكيدها بالأدلّة القاطعة، لأنّ الدّليل مشخّص ومرتبط بين الإنسان والله، تتهاوى الصّراعات والنّزاعات الّتي يقودها الإنسان بشكل عام باسم الله.

لعلّ انكباب العقل على محاولة إدراك الجوهر الإلهيّ وإصراره على معرفته اليقينيّة يضلّ عن الطّريق الصّحيح الّذي يقود إليه. ولعلّه ليس مطلوباً من الإنسان أن يعرف جوهر الله أو الاجتهاد في فهم هذا الحضور الإلهيّ فهماً عقليّاً. وإنّما المطلوب محاكاته في العمق بلغة أخرى غير تلك الّتي يتوجّه بها الإنسان إلى الله وكأنّه يعرفه تماماً. يقول القدّيس يوحنّا فم الذّهب: "ليست طبيعة الله غير مدركة وحسب، بل عنايته بنا وتدابيره فوق إدراكنا". الإنسان أمام محيط واسع جدّاً وعميق جدّاً، وما هو إلّا نقطة لا تقوى على استيعاب المحيط بأكمله. فالنّقطة تعي ذاتها بقدر ضئيل، لأنّها تدرك كينونتها الظّاهرة. وأمّا إدراكها الكامل والعميق لذاتها غير ممكن لأنّها مرتبطة بالمحيط. وبقدر ما تتوغّل في عمقه تستشفّ بعضاً من كينونتها. ما يذكّر بنصّ لمحيي الدّين بن عربي في الفتوحات المكّيّة:

لو علمته لم يكن هو،

ولو جهلك لم تكن أنت:

فبعلمه أوجدك،

وبعجزك عبدته!

فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ

وأنت أنت: لأنَت ولَهُ!

فأنت مرتبطٌ به،

ما هو مرتبطٌ بك.

الدّائرة مطلقةً

مرتبطةٌ بالنّقطة

النّقطة مطلقةً

ليست مرتبطة بالدّائرة

نقطةُ الدّائرة مرتبطةٌ بالدّائرة.

الـ "هو" الّذي لا يحدّه اسم أو حضور أو زمان أو مكان، الخارج عن محدوديّة الفكر الإنسانيّ يتعارض وأيّة صورة أو تصوّر يمكن تكوينه عنه. إنّه الـ "هو" الّذي ليس مثله شيء. وإذا كان هو الّذي هو لا يشبه أيّ شيء يمكن من خلاله الاستدلال عليه فالتّصوّر عنه يبقى ملتبساً أو ناقصاً. فالعلم به ليس علماً به بل بتصوّر شخصيّ عنه. والتّأكيد على اليقين المعرفيّ عنه يتنافى وقدرة الإنسان الفكريّة على تحديد جوهره أو طبيعته، لأنّ النّاقص لا يحدّد الكامل. وبحكم أنْ ليس مثله شيء تنبغي محاكاته بتجرّد فكريّ وقلبيّ. ويعتمد هذا التّجرّد على البحث التّأمّلي في الكائن الّذي ليس مثله شيء بعيداً عن كلّ شيء ندركه بالحواس أو بالعقل بحكم المحدوديّة والنّقص. هذا الوجود المتفلّت من كلّ شيء والحاضر والحاضن لكلّ شيء يفترض محاكاة متفلّتة من كلّ شيء. ولعلّ الأنا الإنسانيّة العميقة لا الظّاهرة قادرة على هذا التّأمّل، لأنّ في هذه الأنا ما هو أبعد من كينونتها الظّاهريّة، وفي عمقها وجود يخترق الحدود، وهو الوجود العالم بها. ولو كان غير عالم بها لما وجدت.

لو علمته لم يكن هو،

ولو جهلك لم تكن أنت:

فبعلمه أوجدك،

وبعجزك عبدته!

عبد الإنسان الله انطلاقاً من ضعفه وعجزه ما لا يقوده إلى العلم به. وأمّا الّذي اختبره في أعماقه، في الأنا المتفلّتة من الحدود سلك سبيل الذّوبان فيه. فعرفه بقدر ما عرفت الأنا حضوره في عمقها. وأمّا "هو" فبعلمه أوجد الإنسان، وعلمه عشق بذاته يفوق الإدراك. لذلك فالإنسان مرتبط به بحكم العلم الإلهيّ الّذي أوجده. لكنّ الله ليس مرتبط بالإنسان لأنّ الله هو العشق/ المحيط الحاضن لذرّة عشق، الإنسان. 

الدّائرة مطلقةً

مرتبطةٌ بالنّقطة

النّقطة مطلقةً

ليست مرتبطة بالدّائرة

الذّات الإنسانيّة مرتبطة بالذّات الإلهيّة من حيث حرّيّة العشق، فالعشق غير مشروط وغير مقيّد وغير خاضع لظروف ولا يتضاءل، بل إنّه يمضي ويستعر حتّى تضيق الذّات بذاتها. فالعشق الإلهيّ فيض في العمق الإنسانيّ يعمل في أغوار النّفس ويجذبها إليه. فدائرة العشق مطلقة مرتبطة بذرّة العشق/ الإنسان. وعمق الإنسان ذي النّفحة الإلهيّة مطلق مرتبط بالمعشوق الإلهيّ. (نقطةُ الدّائرة مرتبطةٌ بالدّائرة).

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عصمت نصارتعددت الآراء حول ماهية الجنس، فالفلاسفة الروحيون يعتقدون بأن الجنس فعل دنس، في حين يؤكد علماء الأنثروبولوجيا أن الأعضاء التناسلية والممارسة الجنسية كانت عند الشعوب البدائية وفي الثقافات التليدة ينظر لها على أنها جزء أصيل من العبادات المقدسة والطقوس الدينية، فيحدثنا فيليب كامبي عن الجنس بوصفه الصورة الأولى للمقدس فيذكر أن الشعوب البدائية منذ أكثر من 36 ألف، عام كانت تعبد المرأة وتقدس عضوها التناسلي وتنقشه وترسمه على جدران المعابد، وذلك باعتباره أصل الحياة وسر وجود البشر والصورة الإنسانية التي ترد إليها كل الموجودات بما في ذلك الذكر الأول (آدم) الذي خلق من طينها، ويحشد كامبي في كتابه "العشق الجنسي والمقدس" عشرات الأساطير من الشرق والغرب ليبرهن على أن الأنثى وليس الذكر هي أصل الوجود بأسره (ربة السماء وربة الأرض) وأن كلتاهما قد وجد ليس عن طريق التناكح، بل عن طريق آخر غير معروف، والأم الأولى هي إيزيس المصرية وأفروديت اليونانية وفينوس الرومانية وأورانيا الفارسية.

ويضيف كامبي أن العلاقة بين ممارسة الجنس بين الذكر والأنثى عند الشعوب البدائية لم تكن مرتبطة بإنجاب الأطفال، إذ كان المعتقد السائد أن إلهة الخصب والنماء هى التي تضع بذور الأجنة في أحشاء النسوة، فيحملن ذكورا وإناثا، وذلك عن طريق بعض المأكولات أو الاستحمام في الماء المقدس - الذي قد اغتسل فيه أحد فحول الرجال، وإلى مثل ذلك ذهب أرسطو - أو الريح أو حرارة الشمس وشعاعها أو النار معبودة الفرس، ويعني ذلك أن ممارسة الجنس كانت مجرد رغبة ولذة واستمتاع بشهوة حسية.

وذهب "ول ديورانت" في موسوعته الشهيرة "قصة الحضارة" إلى أن الإنسان البدائي لم يفكر في الجنس  من زاوية الحرام والحلال أو المقدس والمدنس، وذلك لأن الإنسان (ذكر وأنثى) كان يمارس الجنس بمقتضى إرادته ورغبته في اللذة والمتعة والسعادة وليس لإنجاب الأطفال، لذا لم تفرض على العملية الجنسية في القبائل البدائية أي قيود اجتماعية أو دينية أو خلقية، وفي هذه الحقبة أي قبل ظهور الحضارات لا نكاد نجد أثراً للدعارة إلا على نطاق ضيق جدا تمارسه بعض الفاتنات من أجل الحصول على ما يعينهن على إعالة أولادهن أو آبائهن العاجزين أو شراء القرابين المستحقة للآلهة حتى يظفرن بالمغفرة والخلاص والبركة، وقد كان لشيوع النساء وحرية ممارسة الجنس أثر كبير في ظهور العديد من الدلالات والمفاهيم المغايرة لما نعتقد فيه الآن، فالزوجة الصالحة في المجتمعات البدائية هي التي أثبتت التجربة قدرتها على الإنجاب. أما العذراوات المحتفظات ببكارتهن لا يقبل عليهن الرجال بحجة أنهن غير مجربات، الأمر الذي دفع بعض القبائل إلى جعل فض البكارة وظيفة يختص بها الفحول من الرجال قبل زواج العذراوات، ومع ظهور الملكية الفردية أضحى للبكارة والعفة قيمة أخلاقية يتشبث بها الرجال قبل الزواج؛ فالأنثى العذراء هي التي تمهر ويرغب في الزواج منها (باعتبارها ملكية خاصة)، والجدير بالإشارة أن معظم البرديات والنقوش والآثار القديمة كانت تؤكد أن فضيلة العفة والبكارة كانت قاصرة على الإناث دون الذكور، فالأنثى العفيفة هي التي لا تمارس الجنس قبل الزواج، أما الذكر فلا جناح عليه إذا ما مارس الجنس منذ قدرته على أداءه، فقد ترتب على ذلك ذيوع ظاهرة أخرى ألا وهي حجاب المرأة وعزلتها ومنعها من مخالطة الرجال بعد بلوغها، وصنعت بعض القبائل للعذراوات لباساً بأقفال حديدية ليحولوا بين الرجال وممارسة الجنس معهن، أضف إلى ذلك ارتداء المرأة ما نطلق عليه الآن النقاب أو الخمار الذي يحفظ جسد المرأة من عيون الرجال، واستحال العري الذي كان يصاحب شيوعية النساء إلى ملابس فضفاضة ترتديها النسوة المؤهلات للزواج، وأضحى العري من نصيب العاهرات والعبيد.

أما الزنا فكان له مفهوم مغاير أيضاً؛ فالرجل البدائي كان يمارس الجنس بحرية كاملة قبل الزواج وبعده، وعندما أصبحت الأنثى تباع وتشترى وتمهر عند الزواج؛ فأصبحت ملكاً لسيدها أو زوجها، وبالتالي لا يحق لها ممارسة الجنس مع سواه إلا بإذن منه (خلال الدعارة أو الإهداء أو الإعارة للأصدقاء) ودون ذلك كله يصبح فعل المرأة زنا، وكذا اعتداء الرجل على المتزوجات أو العذراوات العفيفات، وكان يحق للرجل تطليق زوجته إذ ما رغب عنها جنسياً، فالمتعة وحدها هي التي كانت تدفع الرجل للإبقاء على زوجته.

وتؤكد معظم الكتابات على أن الشعوب البدائية كانت تمارس الجنس رغبة في المتعة، وليس لإنجاب الأطفال كما كان شائعاً، فكثير من الأمهات كن يستخدمن حائلاً من الأعشاب حتى لا يتكرر حملهن وكان بعضهن يقتلن أطفالهن للتخلص منهم ناهيك عن قتل الآباء لأولادهم المعاقين والإناث.

غير أن الأنثروبولوجيين يؤكدون أن ظاهرة قتل الأطفال من قبل آبائهم لم تكن شائعة إلا بين الفقراء ودونهم كان ينعم الأطفال في القبائل البدائية برعاية وحب ودفء أبوي أفضل من حال أطفال المدنيات والمجتمعات الراقية .

وتؤكد البرديات الفرعونية القديمة أن ممارسة الكهنة للجنس في المعابد يرجع إلى بنية أسطورية عميقة تجعل من تلك الممارسة طقساً شريفاً تمنح الآلهة بمقتضاه البركة والسعادة للعذراوات، وتروي إحدى الأساطير أن الإله (أتوم) الممثل لصورة الإله الخالق قد أوجد العالم عن طريق (الاستمناء) في يده، وقد نتج عن هذا الماء المقدس زوجين من الآلهة، ومنهما تولدت آلهة المدن والمثل العليا والعناصر الطبيعية وسائر الموجودات، وذلك كله عن طريق الجماع الجنسي بين الإله الذكر الأول شو (الجو) والإلهة الأنثى الأولى تفنوت (الرطوبة)، وقد صور الإله (بس) فوق الأسرة وعلى أدوات التجميل، وذلك لأنه كان يطرد الجن والأرواح الشريرة بعيداً عن المحبين والعشاق والنائمين والجميلات الفاتنات، لذا ارتبط اسمه بالمتعة الجنسية وحماية الحوامل، أما الإلهة (حتحور) فكانت المعنية بشئون الممارسة الجنسية المقدسة التي كانت تجرى في المعابد، حيث الراقصات العاريات اللواتي يؤدين حركات إيقاعية تعبر عن حبهن للحياة وطلبهن للمتعة والسعادة، وكان ينقشن على أردافهن وأثدائهن وفروجهن رسومات بالحنة (تاتو)، وفي نهاية الحفل يصطحبن الكهنة إلى المخادع لينلن البركة من خلال الوطأ المقدس، وقد جمعت  الأساطير المصرية عدة صفات للإلهة (حتحور) كان لها عظيم الأثر على تشكيل العقل الجمعي تجاه المرأة، فقد صورتها الأساطير على أنها الأم الحنون والزوجة الوفية والابنة العفيفة والجمال الرحيم المتجسد في صورة فاتنة، وهي أيضاً اللبؤة الشرسة الغيورة على زوجها وأولادها، وواحدة من الجنيات التي تنفث النيران وتحرق كل من يعترضها، وهي كذلك رمز العواطف الدافئة والنور والضياء وشعلة الحب المتأججة التي يتجمع حولها العشاق، وربة الخصوبة والدلال والفتنة؛ فهي التي تمنح الجمال الأنثوي للإناث عند بلوغهن، ومن الأساطير أيضاً ما تصور الإله (آمون) في صورة ذكر قوي ممتع في الفراش المقدس أثناء جماعه مع الملكات البشريات اللواتي كن يشعرن بمائه الطاهر النقي العطر يسري في فروجهن ليستقر في أحشائهن.

ويمضي الحديث عن عالم الآلهة في الأساطير السومرية؛ فنجد الجنس يشغل مكانة الصدارة بين الممارسات المقدسة؛ فالإلهة عشتار (آلهة الحب والخصب) تمثل كل العواطف والأحاسيس التي تجمع بين الذكر والأنثى لاستمرار الحياة، فتتصل بأخيها ابن الحق والقوة تموز لتنقذه من عالم الموتى وتعيده إلى الحياة التي تجمع بين الجمال والحق في سياق واحد، وتروي الأسطورة أن عشتار قد وجدت تموز مشغولاً في حماية قطعان الغنم فراحت تراوده وتثيره بجمالها الفتان؛ الأمر الذي جعل الدماء تجري في عروقه وأصبح له عضواً ذكرياً، وجمع بينهما فراش دافئ تعانقت فيه العديد من الأحاسيس والمشاعر (الشهوة الجسدية، الرغبة والمتعة الجنسية، الحب) ومن ساعتها أبت عشتار أن  تكون لغيره من الرجال، وعلمت جميع النسوة أن المتعة الجنسية التي تطفيء ظمأ الشهوة لا تكفي لبلوغ السعادة، بل يجب أن يسبق هذه المتعة الحب والود والارتياح النفسي.

وذات يوم جرح خنزير بري تموز فأرداه قتيلاً فبكته عشتار وتألم من بكائها كل الإناث في عالم البشر والحيوان، وراحت عشتار تبحث عن سبيل لإخراجه من عالم الموتى، فتوسلت لأختها ربيبة ذلك العالم فغارت من فتنتها وجمال جسدها فسجنتها ليذبل قوامها ويستحيل جمالها إلى قبح، فعلمت النسوة البشريات بما حدث فرغبن عن الرجال وكاد الجنس البشري أن يفنى،  وتوسلن إلى ربة عالم الموت لتخرج عشتار من حبسها ففعلت إلا أن عشتار أبت أن تخرج بمفردها وبعد إلحاح وقرابين وتوسلات من عالم البشر استجابت ملكة عالم الموت لطلب عشتار وأخرجت الحبيبين معاً لتؤكد قيمة الوفاء بين الزوجين.

وإذا ما انتقلنا إلى اليونان؛ فسوف نجد العديد من الأعياد الدينية المرتبطة بأداء العملية الجنسية باعتبارها طقساً مقدساً منها عيد ديونيسيوس الذي كان يجتمع فيه الشباب والشابات ليشربن النبيذ ويرقصن وينشدن بعض الأغاني المثيرة للمتعة الجنسية حتى يتأهل الجميع للاستمتاع بالعلاقة الحميمة التي كانوا يمارسونها وهم عرايا تماما دون حياء أو خجل وكيف لا؟ فما يفعلونه ما هو إلا طقس مقدس، وقيل أن النسوة كن يرقصن متشحات بجلد غزال وكان الرجال يرتدون أقنعة على وجوههم تبعاً للنسيج الأسطوري الذي كان يجعل من هذا العيد موسماً تحل فيه أرواح الآلهة في أجساد البشر، فتهب النسوة الفتنة والجمال والخلاعة والخصوبة وغير ذلك من الصفات التي ترغب فيهن الرجال، كما تنعم على الذكور بالفحولة والقوة الجنسية التي تفوق قوة الثيران وقدرتها على ممارسة الجنس.

وتربط العديد من الموسوعات بين الطقوس الديونيسيسية والجنس الجماعي المصاحب للخلاعة والمجون في عيد باخوس ذلك الذي كانت تجتمع فيه النسوة؛ ليمرحن بين الأشجار أو الجبال، وإذا ما حل الليل تسابق الشباب إلى هذا المكان لمشاركتهن الرقص وشرب النبيذ ثم العلاقة الحميمة، ولم يخل ذلك الطقس الماجن من العنف، فتروي الأساطير أن حلول الإله باخوس في أجساد المحتفلين بعيده مرهون بسفك دم طفل أو بذبح غزال رضيع وأكل لحمه وشرب دمه على ضوء المشاعل.

ومن الأعياد الدينية عند الرومان نذكر عيد اللوبيركال وكان يمارس فيه الجنس الجماعي وذلك يوم الخامس عشر من شباط وهو يوم ميلاد الإله لوبوركوس رب الحقول والقطعان، ولم تعتقد النسوة آنذاك أن افتراشهن للعديد من الرجال بعد جلد ظهورهن بسيور مصنوعة من جلد تيس  هو علة حملهن، بل كن يؤمن بأن هذا الحمل هبة من الإله المحتفى بذكراه، ومن ثم كانت اللذة الجنسية هي الطقس المقدس في هذا العيد كما هو الحال عند الفينيقيين واليونان، فالممارسة الجنسية الجماعية التي كانت دون أي قيود قد جعلت النسوة اللواتي حملن في هذا اليوم لا يعبئن  بتحديد الرجل الذي ينسب إليه من ينمو في أحشائهن، ولم يطالبهن المجتمع بذلك أيضاً.

وقد انتقل هذا الطقس إلى بعض النحل المعاصرة وعلى رأسها نحلة عبدة الشيطان والإيموز.

للحديث بقية لإثبات ان الفارق بين المقدس والمدنس في الجنس يرجع إلى الثقافة السائدة والعقل الجمعي، ولا سيما في حقبة ما قبل الشرائع السماوية.

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

 مجدي ابراهيم(8) ومن المعلوم لدينا أن التفسير الإشاري للقرآن الكريم قام به طائفة من الصوفية، وهو يتأسَّس على الإيحاء والرمز والإشارة، نجده عند سهل بن عبد الله التُّسْتَري (ت283هـ) وأبي عبد الرحمن السُّلمي (ت412هـ) في حقائق التفسير، ثم تطور في استخدام الرمز والإشارة وأوغل فيهما عند القائلين بمذهب وحدة الوجود (Pantheism) ابن عربي، وصدر الدين القونوي، وعبد الرزاق القاشاني؛ لكن أظهر تفسير وأشهره وأكثره حذراً وحيطة واعتدلاً، هو تفسير أبو القاسم عبد الكريم بن هَوازن القشيري النيسابورى (ت465هـ) صاحب الرسالة في علم التصوف، وهو المسمى بـ "لطائف الإشارات"، حققه الدكتور إبراهيم بسيوني، وصدر عن الهيئة المصرية للكتاب في ثلاثة مجلدات (أكثر من 2000 صفحة). وكانت طريقة القشيري في التفسير فيما يبدو لنا هى أن يعمد إلى تقسيم الآية إلى مستويين: إلى ما تعطيه دلالة الظاهر (أي العبارة) فيشير إليها ويوضح معناها، وهذا هو المستوى الأوَّل وهو مستوى تقليدي يمكن لأي مُفسّر أن يقوم به.

أما المستوى الثاني؛ فهو مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ وهذا ليس لأحدٍ إلا لأهل الخصوصية من المُلهَمين الأصفياء. وفيما يخصّ اللغة الرمزية؛ فبيان أهمية الرموز في التفسير الإشاري يعني كيف يتمكن الصوفي من تحويل المرئي (الليل، القمر، الرياح) والمقروء (الآيات القرآنية مثلاً) إلى رموز تشير إلى تجارب روحيّة؛ فمنازل القمر مثلاً تشير عند القشيري إلى انتقال المريد من مقام روحي إلى آخر وهو ما يعبر عنه المتصوفة بالتلوين وضده التمكين. أما الرياح؛ فإنها تشير إلى الرجاء الذي يسبق العطاء الإلهي كما تسبق الرياح المطر.

خذ مثلاً على مستوى "الدلالة الخاصَّة" في الإشارة المستنبطة من العبارة، إذ يُردف الدلالة الظاهرة بدلالة السِّر والإشارة (دلالة الرمز)؛ خذ هذه الآية الكريمة :"إنّ الذي فرض عليك القرآن لَرَادُّكَ إلى معاد" (القصَصَ: آية 85) قال :"لرَادُّك إلى معاد" في الظاهر، إلى مكة، وقد كان الرسول عليه السلام كثيراً ما يقول: "الوطن، الوطن" فَحَقّق الله سُؤله، هذا ما يدل عليه ظاهر الآية. أمّا في السرِّ والإشارة وهو المُراد بفتح اللفظ عندنا؛ فإنّه "فرض عليك القرآن" أي يسَّر لك قراءة القرآن، والمعاد هو الوصف الذي كانت عليه روحك قبل حلول شجك؛ أي سجنك ولوعة حُبَّك؛ من مُلاذعات القرب ومطالعات الحق (لطائف الإشارات, م3؛ ص83). والتأويل الروحي الذي يقدِّمه القشيري هو المُراد بعودة الروح إلى الوطن الحقيقي وأوْبتها مرة أخرى إلى عالم الخلود في حُضن الطبيعة الكلية. قال: " فإنّ الذي ينصّبك بأوصاف التفرقة بالتبليغ وبسط الشريعة لرَادُّك إلى عين الجمع والتحقق بالحق والفناء عن الخلق" (لطائف الإشارات: م3 ص84).

معنى هذا؛ ولو فيما نراه نحن؛ أنه لمَّا كانت الغاية التي لا غاية بعدها عند الصوفية هى التحقق بالوحدة في عين الجمع، وكان الرسول صلوات الله عليه لابد له من العودة بعد الفناء إلى الصحو للتبليغ وبسط نظام الشريعة، صار "ردَّ المعاد" هو التحقق بعين الجمع بالفناء عن الخلق؛ ولهذا كان صلوات الله عليه يقول :" لي وقت مع ربي لا يسعني فيه غير رَبِّي". والإشارة ترمي إلى التفرقة بين عروج الأنبياء وعروج الأولياء: عُروج النبي غير عروج الوليِّ : لابد للنبي من العودة للتبليغ. والولي إذا بلغ مقام القرب لا يريد العودة منه أبداً، وهو ما عبَّر عنه وليُّ هندي هو "عبد القدوس الجَنجوهي" حيث قال :" صَعَدَ محمد النبي العربي إلى السّموات العلا ثم هبط إلى الأرض .. قسماً بربي ! لو بلغت هذا المقام لمَّا عدت منه أبداً". النبيُّ مُلزم بالتبليغ ولا هكذا حال الولي. فالتفسير الإشاري إذن له سياقه المتصل مع الحالة الباطنة الكاشفة بما هى عليه من توجه وشروق في نفس صاحبها.

هَبْني ذكرتُ لك هذه الآية المباركة سبيلاً استشهد به في هذا السياق أن من الألفاظ ما هو مفتوح يرمي إلى "ما وراء" بعد إشارته إلى المحسوس ودلالته المفهومة من أول تعامل معها: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا)؛ فماذا عَسَاكَ واجداً؟ قد تجد هناك أولاً "الإيمان بالله"، وهناك ثانياً، عدم الخوف عندما يتحقق الإيمان، لا من البخس ولا من الرَّهَق. وما هو البخس وما هو الرَّهَق؟ البخس يشير في دلالته الواقعة تحت طائلة الحسِّ والإدراك العادي، إلى النقص في الثواب والرَّهَق هو الظلم اللاحق بزيادة السيئات؛ لكأنما الآية تقول: " من يؤمن بربه حق الإيمان، لا يخاف نقصاً في ثوابه إذا أحسن، ولا يخاف ظلماً يلحقه بزيادة السيئات عليه؛ وهو معنى الرَّهَق المذكور.

هذا ما يعطيه ظاهر اللفظ بما وردت به الآية، فهل كل ما تحمله الآية من مضمون هو ذاك؟ .. كلا ! لا نرى ذلك بعد تحقق معنى الإيمان بمستواه الأعلى؛ لأن هذا المستوى الأعلى نفسه هو عينه الذي يجعلنا نفتح ألفاظ الآية وننتقل من مستوى الظاهر فيها إلى مستوى الباطن، ومن الشكل البرَّانيِّ إلى المضمون الجوَّانيِّ، ومن مستوى المعرفة الظاهريّة إلى مستوى الدلالة الرمزية، ومن الصورة الحقيقية إلى الاستعارة المجازيّة !

ومن هنا؛ قامت قيامة الناس ولم تقعد على قوم أرادوا أن يصرفوا الخاطر عن الظاهر في كل حال ويطلبوا الباطن في جميع الأحوال؛ لعلم هؤلاء الناس أن الظاهر في كل الأحوال قد يؤدي الغرض المطلوب وكفى. فإذا أرادوا بادئ الرأي أن يفسروا آية ما، فَسَّروها بشرط ظاهرها البرَّانيِّ دون النفاذ إلى أسرارها الباطنة، وزادهم تفسيرهم للظاهر تحكماً لا مشروعاً؛ لأن حالتهم الوجدانية الباطنة، أعني "تجربتهم" مع الواحد الحق، لم تتسع إلّا لتأدية الغرض المطلوب على مستوى الظاهر وكفى، ولأنهم : (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

ومن هنا أيضاً، قد نجد ضروباً كثيرة من التفسير الإشاري للقرآن الكريم قامت به طائفة من أتقياء المسلمين؛ فكان علامة بارزة لا ريب فيها على شاعرية اللغة العربية وثراء ألفاظها ومعانيها وارتقاء الوعي بها وتجاوزها بالمجاز، وتجاوز المجاز فيها إلى حيث يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً.

ولنا أن نقف وقفة تحليلية ذوقية عند القشيري؛ لنراه يُبْرز ذلك في مقدّمة تفسيره الإشاري (لطائف الإشارات) أو يفصِّله على نحو من الأنحاء؛ ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة، والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ قطعة من روح صاحبها في التخريج الذوقي؛ فإجمال التفسير الإشاري خاصَّةً عند القشيري إنما هو إشارة مُسْتخرجة على الاستنباط من العبارة، أي استنباط الإشارة من العبارة واستخراج خفي الرمز من ظاهر الدلالة، حيث يقول القشيري مخبراً عن أولئك المُلهمين من الأصفياء ما مفاده: إنّ الله :" أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمَّنه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بما لوَّح لأسرارهم من مكنونات؛ فوقفوا بما خُصوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم. الحق سبحانه وتعالي يُلْهمَهم بما به يكرمهم؛ فهم به ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يفصحون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون".

هذا ما يقول به القشيري ومنه يتبيَّن؛ أن التفسير عامة، والإشاري منه خاصة؛ إنمّا هو تفسير إلهامي من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب واختصاص من عند الله، لا يُقال فيه سوى ذلك، ولا يُتصَّور أن  يقال فيه أقل من ذلك.

على أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي؛ وذلك لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى، فليس يمكن لغير من أختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه. فأنت تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحوياً أو أدبياً إذا توَفَّرْت لذلك وعكفت عليه، وكان لديك استعداد مُلائم، وخصصت الاستعداد بعنايتك، بعد أن شهدت له من نفسك قبولاً ومن استعدادك وروداً. أما أن تكون مستنبطاً للإشارة من العبارة مستخلصاً لخفيِّ الرمز من ظاهر الدلالة، فهذه خصوصية فريدة لا بد أن يسبقها اجتباء إلهي.

كذلك؛ يمكنك أن تكون عالماً في أي فرع من فروع المعرفة كان، دون أن يصحب ذلك عمل، أما أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر؛ فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق، وتخليتهما عن كل الشواغل الدَّنيَّة، وتحليتهما بكل الأوصاف السَّنيَّة.

ومن هنا ظهر أن من أخصِّ خصائص التفسير الإشاري؛ كما يحدِّده الدكتور إبراهيم بسيوني، في منهج القشيري في التفسير، هو: " الاعتماد على استنباط خفايا الألفاظ؛ مُفْرًدة أو مركبة؛ دون التوقف عند حدود ظواهرها المألوفة ومعانيها القاموسيّة، وإنما ينظر إلى اللفظة القرآنية على أنها ذات جوهر يدق على الفهم العادي، وأهل التجريد وحدهم هم الذين يُتاح لهم، بفضل الله، العلم الذي يكشفون به عن هذا الجوهر. وهناك رباط وثيق بين هذا العلم وبين العمل؛ إذْ لا يحظى به إلا من جَرَّد قلبه من كل سانحة، وصفَّىَ نفسه من كل كدورة، وتهيأ بكل الهمَّة لهذه المهمة الجليلة : دراسة كلام الحق جل ذكره؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".

وإلى جانب ذلك، فمن يدرس ظاهرة "الشطح" في التصوف خاصَّة، يتبيِّن له كيف تلوح الإشارة في عباراتهم، وكيف يبدو الرمز فيما يدلّون عليه، وكيف يلعب المجاز دوره في تشكيل لغة المتصوفة، واختصاص هذه اللغة بخصائص العلاقات الكاشفة بين" الذات أو الأنا الصوفية والآخر، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والمجهول، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والغيب المحجوب، أو بين الذات أو الأنا الصوفية والكون، وكلها علاقات يقتضيها المجاز وتجوَّزها "الحالة" الروحية الباطنة لتجربة الصوفي : ولغة الحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ) الرمزية الغارقة في الغموض والتباس الدلالة، فيما يشير نيكولسون، إنْ هى إلاّ تعبير عن تلك "الحالة" الحُلوليَّة الباطنة يُعانيها الصوفي في تجربته وتجوِّز "المجاز" وتستوحي قرائنه واستعاراته.

وما يجري على الحلاج في هذا الصدد يجري من هذه الجهة كذلك على البسطامي، وعلى النفريِّ، وعلى ابن عربي، وغيرهم وغيرهم، على اختلاف تجاربهم وأذواقهم ومواجيدهم.

ولنقف وقفة عند هؤلاء الصوفية الكبار كيما نشير إلى أذواقهم في هذا المجال، فقد جمع السَّهْلجي في كتاب : النور من كلمات أبي طيفور أقوال البسطامي التي تظهر أحواله وتبين مُنازلاته الروحية، فيما تجوز اللغة وترتفع بها عن العبارة القريبة واللفظ المعتاد.

ولنقرأ للنِّفَريِّ هذه الكلمات :"... لن يفلح المتصوف ما لم يُخلِّف الحرف وراء ظهره؛ لأن الشك يسكن في الحرف، والكيف يسكن في الحرف؛ فالحرف فجُّ إبليس. الحرف لا يعرف الله، والله يخاطب الحرف بلسان الحرف، والحرف أعجز من أن يخبر عن نفسه، فكيف يخبر عن الله؟

والوليُّ لا يسعه حرف. إذا ثبت الحرف للصوفي، فما هو من الله، ولا الله منه. والحرف لا يلج الحضرة، وأهل الحضرة يعْبرون الحرف ولا يقفون فيه.

الخارجون عن الحرف هم أهل الحضرة، والخارجون عن أنفسهم هم الخارجون عن الحرف". (محمد بن عبد الجبار بن الحسن النِّفَّري: الأعمال الصوفية، مراجعة وتقديم سعيد الغانمي: ص53). وإذا فهمنا كلمات "النَّفَّري" عرفنا كيف تموت اللغة ويُحكم عليها بالإبادة لدى الصوفي، تماماً كما يموت الصوفي حين يخرج من علمه وعمله ومعرفته وصفته ونفسه واسمه ورسمه؛ كذلك تموت لغته، يموت الحرف والمَحْرُوُف.

عندما يخرج الصوفي من الحرف (اللغة) والمَحْرُوُف (ما يُخْبرُ عنه الحرف)، يُلقي العبارة وراء ظهره، ويلقي المعنى وراء العبارة، ويُلقي الوجد وراء المعنى، ويدخل إلى الله فقيراً ممَّا سواه، هنالك يتلقى معنى آخر، ولغة أخرى، وعبارة أخرى وإشارة مختلفة.

أما ابن عربي؛ فهو نسيج وحده وهو أكثر من وظَّف اللغة توظيفاً يخدم أغراضه في مذهب وحدة الوجود، وأكثر من قلب اللغة وفتح ألفاظها وبثَّ فيها معانٍ بعيدة التناول، وَوَسَّع، وتجوّز، وأشكل، وألغز، وأغرق في الرمز إلى ما لا تحيط به العقول المحدودة، فهو يُعدُّ بحق من أخصب الصوفية الفلاسفة فكراً ورؤية وخيالاً خلاقاً في ميدان صناعة المصطلح وتوظيفه صوفياً وفلسفياً بين عالمي الغيب والشهادة.

ومن طريف ما يرويه الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله، شكواه حين كلّفه أستاذه "نيكولسون" أثناء أطروحته للدكتوراه عن "التصوف الفلسفي عند ابن عربي" بقراءة "فصوص الحِكَمْ"، فقرأه عدة مرات؛ فوجد صعوبة في فهم كلام ابن عربي وتحديد مقاصده لغموض لغته، فعَادَ إلى أستاذه شاكياً قِلّة فهمه لألفاظ الرجل وافتراقها عن معانيها، واتصال الألفاظ بمعانٍ رمزية مغلقة أو إنْ شئت قلت معاني "مفتوحة" ليست ممَّا تقوى عليه عقول أهل الظاهر في كل حال، على الرغم من استقامة الجملة، وبيان العبارة مُفردة في ظاهرها؛ فأوْصَاهُ بترك "الفصوص" والعكوف على "الفتوحات"، ففعل، فاستجابت هنالك قريحته للغة ابن عربي بعد دوام الصبر وشدة المعاناة؛ فعاد إلى "الفصوص" شارحاً ومعلِّقاً، وهو مجهود خالد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لو لم يدرس الدكتور عفيفي طيَّب الله ثراه؛ في ميدانه سوى هذا الكتاب فقط، لكانت دراساته وتعليقاته كفيلة بخلوده على وجه الزمان.

وعَقَدَ الدكتور أحمد الجزار مقارنات طويلة بين ابن عربي وابن سبعين في دراسته عن :"التصوف؛ مفهومه ومنهج دراسته عند التفتازاني"؛ لبيان معنى الوَحْدَة من وجهة نظر كل منهما، فبينما الوحدة عند ابن عربي وحدة وجود أبان عنها مضموناً لا اصطلاحاً؛ بسبب أنه لم يستخدم في مؤلفاته اصطلاح وحدة الوجود، وإنْ كانت مصنفاته طافحة بالمذهب جملة وتفصيلاً؛ تجيء الوحدة عند ابن سبعين وحدة مطلقة لا تقر ولا تثبت إلا وجوداً واحداً هو الله فقط وكل ما عداه من ضروب الوجود وهم أو مراتب زائلة. ويستدلّ برسالة "الإحاطة" لابن سبعين حيث قال:" فلا وهم إلا الوهم ولا إله إلا الله، بل ليس إلا الأيس فقط، وهو الله الله الله الله الله الله؛ هكذا ورد وهكذا وجد، وهكذا رسم وهكذا قسم، وهكذا كان وهكذا هو"؛ ومع ذلك تظل الوحدة بين ابن عربي وابن سبعين غير مقطوعة الصلة، وعليه يثبت أحمد الجزار أن كل من يجعل وحدة الوجود ووحدة الشهود والوحدة المطلقة هى مجرد تسميات لمسمى واحد كما فعل أحدهم، يكون خاطئاً؛ بسبب أن الفارق دقيق بين تلك المذاهب فيما بنيت عليه أصلاً مهما تقارب أصحابها في بعض الأفكار (الفكر المصري المعاصر؛ والتصوف؛ ص 184-192).

ولا غرابة أن نجد لابن عربي اصطلاحاته الخاصة ولغته الرمزية الخاصة فيما يَخُص فتح اللفظ أو نقله بالدلالة من حقل معرفي إلى حقل آخر. والشروح التي توافر عليها تلاميذه كالقاشاني في "اصطلاحات الصوفية"، و"رشح الزلال في شرح الألفاظ المُتَدَاولة بين أرباب الأذواق والأحوال" وهو للقاشاني أيضاً, واصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية لابن عربي نفسه كما جمعها مُلحق تعريفات الجرجاني، فضلاً عن المعجم الصوفي الضخم للدكتورة سعاد الحكيم والخاص باصطلاحات ابن عربي (الحكمة في حدود الكلمة). هذا فضلاً عن إشارات بعض الباحثين الغربيين إلى مكانة اللغة الإشارية في تصوف ابن عربي

)Abhayananda (s): History of Mysticism the unchanging Testament p,269(.

كل هذا وغيره الكثير، يؤكد مغايرة اللغة الصوفية عن سواها، وعليه تصبح لغة تفترق تماماً عن لغة الظاهر التقليدية المشحونة بالأعراف والمصطلحات، الميتة فيما تعبّر عنه أو تشير إليه؛ لأنها لغة خارجة عن نكرة لا عن معرفة. أمّا لغة رجال الله فهى منازلة روحيّة بامتياز.

ولم تكن لغة صادرة عن كدّ الذهن في المقروء والمكتوب بل عن علوم تخرج من قلوب العارفين بسطوات الإدراك، ليس للأفكار فيها حظ ولا نصيب بل حظها أنها علوم صفاء بالأذكار. ولذا كان "النفري" يصوّر كل هذا، بمشهد من الحق وكأن الحق يقول لقلوب العارفين : " أنصتوا، وأصمتوا، لا لتعرفوا، وإنْ ادّعيتم الوصول إليّ؛ فأنتم في حجابٍ بدعواكم، ووزن معرفتكم كوزن ندمكم، فإنّ عيونكم ترى المواقيت، وقلوبكم ترى الأبد، فإن لم تستطيعوا أن تكونوا من وراء الأقدار فكونوا من وراء الأفكار".

 (وللحديث بقيّة)

 

د. مجدي إبراهيم

 

عامر عبدزيد الوائليملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على اثني عشرة لوحا طينيا اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. الألواح مكتوبة باللغة الأكادية ويحمل في نهايته توقيعا لشخص اسمه شين ئيقي ئونيني الذي يرى بعض الدارسين أنه كاتب الملحمة التي يعدها بعض آخر أقدم قصة كتبها الإنسان.

سيعتقد أن النسخة الأكادية من الملحمة التي تم العثور عليها مستندة على نسخة سومرية يرجع تاريخها إلى 2100 سنة قبل الميلاد. بعد سنوات من اكتشاف الألوح للاحد عشر تم العثور على لوحة أخرى يعدها بعضهم تكملة للملحمة وبعض الآخر يعده عملا مستقلا وقصة أخرى؛ لأنه كتب بأسلوب اخر وفيه لايزال أنكيدو على قيد الحياة. تم ترجمة الملحمة لأول مرة إلى الإنكليزية في سنوات تلت عام 1870 من قبل جورج سميث الذي كان عالم آثار متخصص في المرحلة الأشورية في التاريخ القديم والذي توفي عام 1876.

قد كتب عن هذه الملحمة دراسات لا تعد ولا تحصى، وأُشبعت نقداً وتمحيصاً ومعالجة، ومع ذلك مازلنا نتابع بين الحين والآخر دراسات جديدة عنها، ونقرأ روايات وقصص ومعالجات إبداعية مستمدة من وحيها، وأعتقد أن السّر في هذا الاهتمام والإعجاب يعود إلى أن هذه الملحمة مازالت متلفَّعة بغطاء الخيال، ومعتمرة طاقية الأسطورة، وتشخّص واقع الإنسان ومشكلاته الأبدية، التي يتمحور حولها السؤال الأزلي: ما الغاية من الحياة؟! ولماذا نموت بعد أن جئنا إلى ساحة الحياة ومشينا في دروبها؟! وهذه الأسئلة لا إجابة قاطعة عنها.. الأدب الحقيقي هو الذي يعالج ما يعجز عنه العلم، ويواجه أزمات الإنسان النفسية، ويداوي آلامه، ويضيء آماله.. من هنا يمكننا أن نعرف سر هذا الاهتمام العالمي بملحمة جلجامش التي تحلّق بنا في فضاءات بعيدة عن الواقع المأساوي، إلى عالم مثالي زاخر بالخير والحق والجمال...

لقد مزجت هذه الملحمة الحقيقي بالأسطوري، والواقع بالخيال، وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة، وخيالها متسربل بالرمزية.. هي واقعية من حيث تناول الإنسان حياة وموتاً، وهي رمزية لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة، وأسطورتها ذات مرامٍ بعيدة.

بداية الملحمة

تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش ملك أورك - الوركاء الذي كانت والدته إلهاً خالداً ووالده بشرا فانياً ولهذا قيل بأن ثلثيه إله والثلث الباقي بشر. وبسبب الجزء الفاني منه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالدا. تجعل الملحمة جلجامش ملكا غير محبوب من قبل سكان أورك؛ حيث تنسب له ممارسات سيئة منها ممارسة تسخير الناس في بناء سور ضخم حول أورك العظيمة.

ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل وحي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات؛ أي أنه كان على النقيض تماما من شخصية جلجامش. ويرى بعض المحللين أن هناك رموزا إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن الذي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجيا بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصية أنكيدو.

لا يعرف الناس ولا البلدان، عليه ثياب كسوموكان

يرد الماء مع الحيوان

رآه الصياد فامتقع وجهه هلعا

كان خائفا مشلولا ساكن الحركة

في قلبه اضطراب وعلى محياه اكتئاب

وقد سكن الروع افقه

فوجهه كمن مضى في سفر طويل

 

كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش؛ فأمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها؛ وبهذا تبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضا ومدنيا. حالف النجاح خطة الملك جلجامش، وبدأت خادمة المعبد -وكان اسمها شمخات، وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار - بتعليم أنكيدو الحياة المدنية؛ ككيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن. ولما عرف أنكيدو بهذا قرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة ليجبره على ترك تلك العادة. يتصارع الاثنان بشراسة؛ فهما متقاربان في القوة، ولكن الغلبة في النهاية كانت لجلجامش، حيث اعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح الإثنان صديقين حميمين.

الرحلة الاولى

هدفها البحث عن المجد والشهرة، أي مقاربة في السياسة والتاريخ  يتم خلالها التطرق إلى اسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيله التي تمثل الثروة والسلطة وحاجات اوروك إلى القوة والمجد والثروة حيث الغابات والثروة الطبيعية (غابة من أشجار الأرز) التي ممكن تزود اوروك بحاجاتها، لأن العام القديم عالم تحيط به عوالم السحر والأسطورة نجد أن الغابة يحرسها وحش هو خومبابا، فيقتله وينال الشهرة . يبدو أن هذه الرحله التي تتعلق بمصالح المدينة نالت موافقة من قبل أهل اوروك ممثلين هنا "مجلس الشيوخ " في اورك يجتمع للنظر في سفر جلجامش وانكيدو إلى غابة الأرز.

في الساحة العامة اجتمع الشيوخ

أنت شاب، والشباب كثير الحماسة

أنت طموح وطموحك ذهب بك بعيدا

سمعنا بان خمبابا لا كسائر الخلائق

أسلحته ثقيلة لا تقهر

لخمبابا زئير كهدير الطوفان

النار تنبعث من فمه، يتنفس موتا

لا احد يجرؤ على الوقوف في وجهه (ملحمة جلجامش)

وهذه الرحلة تسردها الملحمة إذ تبين أن جلجامش يحاول دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالدا؛ فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة، وهو مخلوق ضخم وقبيح اسمه خومبابا. ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كانت المكان الذي تعيش فيه الآلهة ويعتقد أن المكان المقصود هو غابات أرز لبنان.

فالصراع في ( غابة الأرز)، يبدأ جلجامش وأنكيدو رحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة شمش إله الشمس الذي كان أيضا إله الحكمة عند البابليين والسومريين وهو نفس الإله الذي نشاهده في مسلة حمورابي المشهورة وهو يناول الشرائع إلى الملك حمورابي وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه متخوفا من فكرة قتل حارس الغابة يطمأن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة.

عند وصولهما الغابة يبدآن بقطع أشجارها فيقترب منهما حارس الغابة خومبابا ويبدأ قتال عنيف ولكن الغلبة تكون لجلجامش وأنكيدو حيث يقع خومبابا على الأرض ويبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه ولكن توسله لم يكن مجديا حيث أجهز الاثنان على خومبابا وأردياه قتيلا. أثار قتل حارس الغابة غضب إلهة الماء أنليل حيث كانت أنليل هي الإلهة التي أناطت مسؤولية حراسة الغابة لبخومبابا.

بعد مصرع حارس الغابة الذي كان يعد وحشا مخيفا يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الإلهة عشتار التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش ولكن جلجامش يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضبا شديدا فتطلب من والدها آنو، إله السماء، أن ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء لكن أنكيدو يتمكن من الإمساك بقرن الثور ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله.

بعد الحديث عن المقدسين، تنقلنا الملحمة صعودا نحو الأعلى، إلى حديث آخر أكثر جرأة وحساسية، عن الكائنات التي يجب الحديث عنها ـ بشكل دائم ـ بكل إجلال واحترام، لقد كان وما زال تناول المسائل الدينية يحمل الحفيظة والحساسية للجميع، والتطرق إليها بالنقد والتجريح يولد النفور وربما العداء، إلا أن جلجامش لا يعرف حدودا للمحرمات، وكل من يخطيء يجب محاسبته، ومواجهته بكل جرأة، وان لا نترك هذا الخاطيء يمر مرور الكرام، واقفين ساكنين أمام أخطائه وزلاته، حتى لو كانوا من الالهة، وها هو جلجامش يقابل الربة عشتار بالتجريح والشتائم والضرب، لأنها حاولت الإيقاع بالإنسان لأهوائها ورغباتها:

تعال يا جلجامش وكن عريس

هبني ثمارك هدية

كن زوجا لي وأنا زوجا لك

سأمر لك بعربة من ألازورد، وذهب

عجلاتها من ذهب وقرونها من كهرمان

تشد إليها عفاريت العاصفة بغلا عظيمة

وملفوفا بشذى الأرز بيتا

قبلت المنصة قدميك والعتبة

وانحنى لك الملوك والحكام والأمراء

يضعون غلة السهل والجبل أمامك، تقدمة

ستحمل عنزاتك توائم ثلاثة، ونعاجك مثنى

سيبز حمارك أثقال البغال

وخيولك تطبق الآفاق شهرة جريها

أما ثيرانك فلن يكون لها تحت النير نظير

بعد مقتل الثور المقدس يعقد الآلهة اجتماعا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقا مقدسا فيقرر الآلهة على قتل أنكيدو لأنه كان من البشر أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة فيبدأ المرض المنزل من الآلهة بإصابة أنكيدو الصديق الحميم لجلجامش فيموت بعد فترة.

رحلة جلجامش في بحثه عن الخلود

بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لا يريد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أورك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات. حول هذه الفكرة يقول الدكتور علي القاسمي: "جَزَعُ جلجامش بعد موت صديقه الحميم أنكيدو، هو شعور ينتاب كل إنسان لدى فقدان عزيز عليه.. أما إطاحة جلجامش للأسوار الحصينة، ونزاله مع الثور السماوي الهائج، وصراعه مع الجنّي «خمبابا» الذي اعترض طريقه في غابة الأرز، إنمّا ترمز إلى هدم الإنسان للحواجز التي تعيق تواصله مع أخيه الإنسان، وإلى الصراع بين الخير والشر."

فضلاً من حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لابد من أن يموت يوما ؛ لأنه بشر والبشر فانٍ ولا خلود إلا للآلهة.

بدأ جلجامش في رحلته للبحث عن الخلود والحياة الأبدية. لكي يجد جلجامش سر الخلود عليه أن يجد الإنسان الوحيد الذي وصل إلى تحقيق الخلود وكان اسمه أوتنابشتم والذي يعتبره بعض الدارسين مشابها جدا أن لم يكن مطابقا لشخصية النبي نوح  (ع) في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام. وأثناء بحث جلجامش عن أوتنابشتم يلتقي بإحدى الآلهات واسمها سيدوري التي كانت آلهة النبيذ وتقوم سيدوري بتقديم مجموعة من النصائح إلى جلجامش التي تتلخص بأن يستمتع جلجامش بما تبقى له من الحياة بدل أن يقضيها في البحث عن الخلود وأن عليه أن يشبع بطنه بأحسن المأكولات ويلبس أحسن الثياب ويحاول أن يكون سعيدا بما يملك لكن جلجامش كان مصرا على سعيه في الوصول إلى أوتنابشتم لمعرفة سر الخلود فتقوم سيدوري بإرسال جلجامش إلى الطَوَّافٌ أورشنبي، ليساعده في عبور بحر الأموات ليصل إلى أوتنابشتم الإنسان الوحيد الذي استطاع بلوغ الخلود.

الرحلة الثانية

هدفها البحث عن الخلود أي مقاربة في اللاهوت يتم خلالها التطرق الى اسرار الكون والآلهة والعوالم المتخيله في دلمو حيث أرض الخلود أو العالم السفلي زار انكيدو الثاني عبر الحلم ويزور جلجامش عبر الرحلة دلمو ويلتقي بالخالد صاحب الاسرار اوتنابشتم شبيه بشخصية الخضر في التراث الاسلامي أو نوح في الممونة التوراتية.

بداية الدرب الذي سار فيه جلجامش وعر وصعب، ويتطلب جهدا مضاعفا لاجتيازه، ومع هذا استطاع أن يقطع جزءا لا بأس به من هذا الدرب، على الرغم من وجود الجبال الشاهقة وما يتبعها من وديان سحيقة، استطاع تجاوزها والاستمرار في دربه، لكن لم تقتصر الصعوبات على طبيعة الطريق وحسب بل كان هناك عوائق أخرى تتمثل بوجود الأسود المنتشرة في الطريق، فيشعر بالخوف ـ وهنا إشارة إلى إنسانية جلجامش، وأيضا على الوحدة التي يعيشها , إلا أنه يتخلص من خوفه ويقضي عليه ويستمر في مسيره إلى أن يصل إلى جبل ماشو، وهذه الجبال عظيمة ليست كباقي الجبال، فهي التي تحجب الشمس في غروبها وشروقها عن العالم ـ وهنا يعطينا النص الملحمي فكرة الشروق والغروب التي كانت سائدة في العصور الرافدية القديمة ـ

عندما يجد جلجامش أوتنابشتم يبدأ الأخير بسرد قصة الطوفان العظيم الذي حدث بأمر الآلهة وقصة الطوفان هنا شبيهة جدا بقصة طوفان نوح، وقد نجى من الطوفان أوتنابشتم وزوجته فقط وقررت الآلهة منحهم الخلود. بعد أن لاحظ أوتنابشتم إصرار جلجامش في سعيه نحو الخلود قام بعرض فرصة على جلجامش ليصبح خالدا، إذا تمكن جلجامش من البقاء متيقظا دون أن يغلبه النوم لمدة 6 أيام و7 ليالي فإنه سيصل إلى الحياة الأبدية ولكن جلجامش يفشل في هذا الاختبار إلا أنه ظل يلح على أوتنابشتم وزوجته في إيجاد طريقة أخرى له كي يحصل على الخلود. تشعر زوجة أوتنابشتم بالشفقة على جلجامش فتدله على عشب سحري تحت البحر بإمكانه إرجاع الشباب إلى جلجامش بعد أن فشل مسعاه في الخلود، يغوص جلجامش في أعماق البحر في أرض الخلود دلمون (البحرين حاليا) ويتمكن من اقتلاع العشب السحري.

قال جلجامش له اوتنبشتم

ها أنذا جئت له لاوتنبشتم

الذي يلقبونه بالبعيد

طفت جميع البراري والقفار

اجتزت الجبال الشاهقة

عبرت جميع البحار

لم ينعم وجهي بالنوم الهنيء

قتلت الدب والضبع والأسد والنمر

والأيل والوعل وجميع حيوان البر

أكلت لحومها، اكتسيت بجلدها، وها أنا

وقد كان كلام جلجامش يعكس موقف لاهوتي يبين موقف الانسان من قرار الآلهة بموت الإنسان وخلودها، إذ يبين موقف رافض إنساني عبر عنه جلجامش بكلمات (جافة وقاسية من إنسان من المفترض أن يفنى، والخالد بهذه الوضعية لا يستحق ما هو عليه من هالة وعظمة، وجاءت كلمات جلجامش مكررة "شكلك عادي واراك مثلي" لتوحي لنا بان اوتنابشتم أصيب بالاندهاش من طريقة مخاطبته، ولهذا أعاد على مسمعه عين الجملة، لقد أراد جلجامش بذلك أن يزيل التميز والتفرقة بين البشر، فإذا كان شكل اوتنابشتم مثل شكل جلجامش، فيجب أن يكون هناك مساواة بينهما، فلا يكون هناك من يفنى ويموت وآخر يبقى خالدا وإلى الأبد).

عودة جلجامش إلى أورك

بعد حصول جلجامش على العشب السحري الذي يعيد نضارة الشباب يقرر أن يأخذه إلى أورك ليجربه هناك على رجل طاعن في السن قبل أن يقوم هو بتناوله ولكن في طريق عودته وعندما كان يغتسل في النهر سرقت العشب إحدى الأفاعي وتناولته فرجع جلجامش إلى أورك خالي اليدين وفي طريق العودة يشاهد السور العظيم الذي بناه حول أورك فيفكر في قرارة نفسه أن عملا ضخما كهذا السور هو أفضل طريقة ليخلد اسمه. في النهاية تتحدث الملحمة عن موت جلجامش وحزن أورك على وفاته.

 

د. عامر عبد زيد

رئيس مركز دراسات الفكر النقدي

 

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

حينما يبدأ الحديث عن مفهوم الخلود الأنساني كما قدمته الشريعة الإسلامية فإن لنا وقفة مليئة بالفخر والأعتزاز نبدأها بحقيقة ثابتة وهي أنّ الأديان السماويّة بأجمعها إنّما شُرّعت من أجل تنقية النفوس وتطهيرها من كل دَرَن، وتخليص العقول من عبادة الطاغوت لكي تُحلّق نحو خالق الكون مؤمنة بعظمته وتدبيره، مُعترفة بوحدانيّته، شاكرة لأنعُمه مسلّمة بقضاءه سالكة صراطة.

الخلود في الشريعة الأسلامية منشأه إعادة الأعتبار لأنسانية الأنسان من خلال دعوته لفهم وتحليل الحقائق وإدراكها بعمق، وحثّه على استنهاض قواه الفكريّة واستخدام الثروة المعرفية الكامنة في أعماق ذاته والأبتعاد عن الجمود المُتحجّر والأنزلاق نحو حضيض الشهوات الحيوانية وهوى النفس الميتة، وأنّ التسامي هو المنفذ الوحيد  ليحلّق من خلاله خارج التناقض الحاصل بين محدوديّة الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني.

إنّ الطريق الذي رسمه الأسلام لنيل الخلود الأنساني أساسه التقدم الروحي، الذي يعتمد هو الآخر على توثيق العلاقة بينه وبين إدراك الحقائق المحيطة به في عالم الوجود، وأنّ أساس هذه العلاقة هي الفكر والمعرفة المُوجِدَة والمُعمِّقة للأرتباط بالذّات الإلهية.

من هنا لابُدّ لنا أولاً ومن أجل فَهمٍ مُعمّق لحقيقة الخُلود أنْ ندرك ماهيّة النفس الإنسانية ونوع الأرتباط بين العقل والجسد أو الروح والبدن، فنقول انّ قضية الخلود الأنساني هي قضية ميتافيزيقية لكنها في صميم المُعتقد الديني، وأنّ الفكر المفاهيمي والمَعرفة المُوجدة لعالم الخُلود الأنساني لا يمكن أنْ تتحقق إلّا بإدراك القِيَم الأخلاقية النابعة من منظومة الدين الأسلامي الذي أخرج الميول الأنسانية نحو الخلود من المنظور الميتافيزيقي الى حقيقة ادراكه من خلال عَقلَنة الأخلاق الأنسانية في عالم الوجود الدنيوي مع إرادةٍ وتصميم في استخدام الطاقات الكامنة في الذّات  من أجل بلوغ أعلى مراتب الكمال الأخلاقي مُستنداً على الوعي المفاهيمي، مع إرادة وتصميم في المضي والمواصلة.

إنّ الأنسجام التام بين إدراك الكمال الأخلاقي مع تمام الأرادة والتصميم في الاستمرار والمضي هي من أعلى مراتب الكمال الأنساني، وهو ذات الانسان الذي وصفه الله تعالى بخليفة الله في الأرض، وهو الطريق الأمثل للخلود الأنساني، ذلك الخلود الذي لا يَبلغه إلاّ القلائل. وكلما كانت مدارج الكمال أسمى كلما كان السير نحو معالم الخلود الأخروي أعمق.

لقد رَسَمت الشريعة الأسلامية مسارها وقدّمت الخلود بطريقة وضعت من خلالها البعد المادي والمعنوي للأنسان، وحثّته على المسار الأمثل تحقيقاً لنيل الخلود والأبدية، فكانت قِيَم التضحية والعطاء والفداء من أهم صفات الكمال الأخلاقي ومصداقاً للقاعدة الفكريّة والفلسفيّة المُوصلة لنيل الخلود الأنساني.

ولأنّ الخُلود السماوي ليس كالخلود الأرضي، فكراً ومضموناً ونتيجة، فالخلود السماوي أو الأُخروي يشترك في إحرازه الجسد والروح معا، فهو يَستعين بالجسد لنيل الخُلود الأبدي، وأمّا الخلود الأرضي فهو مادي هدفه الأول إبقاء ذكراه خالدة عبر التأريخ، لذلك نرى قِيَم التضحية والعَطاء غائبة في هذا النوع. ولأنّ الخلود هو مشروع إلهي لذلك نرى له تجليات وانعكاسات مادية أيضاً، فهو وإن كان سماوياً لكنه لا يلغي الخلود الدنوي، بل إنّ انعكاسه الدنيويّ يُمثّل نبراساً وعلماً يرسم للبشرية طريق الخلود بمعايير ربانيّة سماويّة.

ولأن القوانين والشرائع الدينية هي المُلهم الأكبر والطريق الأقصر لأدراك الكمال الأخلاقي، لذلك فلا قيمة للخلود الأنساني بعيدا عن البناء الأخلاقي والذي ينطلق من بُعدٍ رسالي ومدرسة إلهية تُربّى الأنسان وتُعمّق فيه الاستعداد للمواصلة بإصرار وثبات.

انّ العطاء الذي مَنبعُه الكمال الأخلاقي هو عطاء حيّ، بل وباعث للحياة، فهو عطاء مُتجدّد، تراه منسجماً مع البعد الكينوني والفلسفي لحقيقة الزمان، سواء كان الزمان داخل الذات الأنسانية او خارجها، يسير بحركة أرسطوية دائرية أو انشتانية لامتناهية باتجاه واحد.

العطاء هو الجوهر الأرسطويّ النّابع من الكمال الأخلاقي يُحمَل على الزمان الأرسطويّ ذو النّقلات المتعددة.

وهو الوقائع المبنيّة على الذرية المنطقيّة للفيلسوف رُسُل، ولأنّها تبعث على الحياة فهي تنتقل عِبر الأزمنة وفقاً للجزئيّة المنطقية.

وأياً كانت الرؤى والنظريات الفلسفية،  فالحقيقة الثابتة أنّ هذا العطاء قد اخترق غطاء الزمان لأنّه عطاء حي، ينبع بالحياة، متجدد، مستمر، سرمدي،  ماض نحو اللامتناهي، فكلّما حلّ بزمان او مكان بعث فيهما الحياة، وتجدد لينطلق مرة اخرى في سفر دائم لا ينقطع،  إنه سفر الخلود، سماوياً كان أم دنيويا.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

 

محمد العباسيقال تعالى "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (سورة الكهف).

هل من المعقول أو المقبول أننا وبعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن ونحن لم نزل نجادل في معاني كل كلمات كتاب الله ومقاصدها وحقيقتها ومغازيها؟  أفلم ينزل القرآن بلغة من أنزل الله وحيه بينهم؟  أم أننا اليوم قد ابتعدنا عن اللغة العربية الحقة وتغلبت عليها اللغات الدارجة والمحلية الممزوجة بخليط من المصطلحات المستوردة فأضعنا الطريق واختلطت علينا المفاهيم؟  يبدو جلياً أننا اليوم عندما نقرأ تفاسير القرآن فإننا لم نعد نقرأ كلام الله، بل نقرأ آراء المفسرين وهي رهن بالمستوى المعرفي لكا مفسِّر ومدى رجاحة عقله، وهي أمور قد لا تسمح باقتناص المعاني الحقيقية والصحيحة للقرآن.. حتى بات من الواضح أننا لم نعد نعي اللغة العربية ذاتها ونفتقر لأبجديات لغة القرآن وصار حال أصحاب اللسان العربي من حال الأعاجم.. وإن كان البعض سيجادلني بأن أشهر علماء وفطاحل اللغة العربية في التاريخ هم أصلاً من الأعاجم!!

ربما شغفت في السنوات الأخيرة بمتابعة المفكر "د. محمد شحرور" الذي توفاه الله منذ فترة قريبة، حيث كان شغله الشاغل إعادة النظر في الجوانب اللغوية عبر كتاباته عن القرآن والإسلام بالذات بعد عودته من موسكو، وحتى اتهمه البعض باعتناقه للفكر الماركسي (رغم نفي جميع مؤلفاته لذلك).. ففي سنة1990  أصدر كتاب "الكتاب والقرآن" الذي حاول فيه تطبيق بعض الأساليب اللغوية الجديدة في محاولة لإيجاد تفسير جديد للقرآن مما أثار لغطا شديداً استمر لسنوات وصدرت العديد من الكتب لنقاش الأفكار الواردة في كتابه ومحاولة دحضها أو تأييدها.. هذا وقد كسب "د. محمد شحرور" العديد من المؤيدين والمعارضين لأفكاره في العديد من البلدان، ولقد وجدت شخصياً في أقواله وتفسيراته وتحليلاته المرتبطة أو النابعة من النظرة اللغوية لجمل وآيات القرآن الكثير من المنطق من باب كوني متخصصاً في علوم دراسة اللغات.

فهل أضاع الناس الطريق والتبست عليهم مفاهيم اللغة العربية التي نزلت به القرآن الكريم على نبينا محمد (ص) حتى بدأ كل مفسر يدلو بدلو مختلف ويفتي في الدين ويتبعه من يتبعه من الناس إيماناً بعلمهم ولو من منطلق (العهدة على الراوي)؟   فلكم أن تتصورا كم المغالطات التي أخذنا بها منذ عهد الأولين وتمادينا فيها عبر السنوات ومارسناها ومشينا عليها مع من مارسوها من بعدهم، ومن ثم سايرنا من فسروها بنحو مختلف من تابعيهم ومخالفيهم، ولم نزل جيلاً بعد جيل، نتابع ونجيز أقوال المفسرين الجدد.. فقط لنكتشف كم الممارسات والمفاهيم الخاطئة أو المنقوصة التي تربينا عليها حتى عصرنا الحاضر.

لكم أيضاً أن تتخيلوا كم المعلومات التي تتعلق بأمور حياتنا وعقيدتنا وشرائعنا في قضايا تتعلق بالميراث والمحرمات والمنهيات والعلاقات الاجتماعية والربا والأحكام والشعائر والممارسات والحجاب والكثير من الشؤون التي ربما تعاطينا معها عبر قرون من الزمن بجهل منا وممن اتبعناهم من مفسرين وشيوخ ومفتين في الدين، بسبب بسيط يكمن في ضعف علمنا بقواعد اللغة العربية العظيمة التي أنزل الله بها آخر الكتب السماوية لتكون منهاجاً للعالمين.

لننظر معاً في أمثلة بسيطة لبعض مفاهيمنا التي أمضينا سنيناً نمارسها ولا نعي بالضرورة معانيها الحقيقية.. وسأبدأ هنا بقضية بسيطة ولكم أن تتصوروا أو تتذكروا مجمل الحالات الأخرى التي لابد وأنكم كثيراً ما شاغبت أذهانكم لغياب المنطق فيها، ولكن منعتنا الغيرة على الدين من السؤال أو التشكك في تفاسير المفسرين.. "الضرب".. هل القرآن يأمر بضرب النساء؟  هذا الشأن بالذات سمعنا فيه لغطاً وتفاسير وشروح.. فكثير من "المتشددين" الجدد يستفيضون في شرح أصول ضرب النساء عند أول مؤشر لنشازهن، وهم يؤكدون بأن "الضرب" هنا يعني نوع من العقاب الجسدي، كالصفع أو اللطم أو حتى بالعصا إن تطلب الأمر.. بل والبعض يشرح الفرق بين الضرب براحة اليد أو ظهرها، وهل يكون الضرب على الوجه أم بعض مناطق الجسد الأخرى كالكتف أو الظهر أو الذراع أو المؤخرة.. وإن استوجب الأمر استخدام العصا فيشرح غلاظة وسُمك وطول العصا ويبين أن الضرب لا يجب أن يترك أثراً على جسد الزوجة.. ويطول الشرح في طرح كافة القصص والأمثلة، ومختصر الكلام هو عن كم الزوجات اللاتي تم تعنيفهن عبر التاريخ بشتى الطرق، بناءً على تفسير واحد فقط لمعنى كلمة "ضرب"؟

أ.د. عبدالعزيز بايندر (موقع: حبل الله) يشرح الآية المعنية بهذا الموضوع بالتفصيل التالي: في الآية 34 من سورة النساء ورد ثلاثة أوامر ونهي واحد بشكل متتالٍ كما يلي: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً).. ضرب المرأة هل يعني إيذاؤها جسديا باللطم وغيره؟ أم إبقاؤها في مكانها أي عدم إخراجها من بيتها؟  لنفهم هذا جيدا تعالوا لنرى الآيات المتعلقة بالموضوع قسماً قسماً:

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ)

لأن النشوز هنا هو "قرار الافتراق" فما يجب على الزوج الذي يخاف من نشوز زوجته هو أن يتحدث إليها. لهذا كان الأمر الأول هو:

"فعظوهن"

أي قولوا لهن قولا حسنا.  والوعظ: هو التوجه بالأقوال الحسنة بهدف توجيه سلوك المقابل نحو الأحسن وذلك في مواضيع تسبب له الإزعاج القلبي.  الرجل يحاول إقناع زوجته الراغبة بالافتراق عنه بالكلام الجميل.

إذا أصرت المرأة على قرارها بالانفصال، فعلى الزوج أن يمتنع عن مجامعتها مع إظهار احترامه لقرارها.  والأمر الثاني في الآية متعلق بذلك.

"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ"

هجر الزوج لفراش زوجته يوفر إمكانية أن تراجع قرارها كما يمنع إمكانية حملها في الوقت الذي ترغب فيه الافتراق عن زوجها.  في هذه المدة لا يمكن للزوج إخراجها من البيت، والأمر بـ"الضرب" متعلق بهذا.

"وَاضْرِبُوهُنَّ"

ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها.  لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة.  يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:

"فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً"

الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى "فإن أطعنكم"  بعد قوله  "واضربوهن"  يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي.  والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق (الناشز) من بيتها قبل البتِّ في قضيتها.

 

ونجد أن محدودية تفسيرنا لكلمة واحدة (الضرب) بمعنى واحد محدد ليس له تأثير على بعض ممارساتنا فقط، بل سيفسد علينا نجاعة شرح وفهم العديد من الآيات التي تحتوي على هذه الكلمة.. وقد تكررت الكلمة 58 مرة في القرآن، وكلها متشابهة في اللفظ فقط لكنها تختلف في المعنى حسب الجملة.. وأنصح هنا لمن أراد الاستزادة، البحث في الكتب أو المواقع الإلكترونية.

ولنأخذ هنا كلمة "رجل" أو "رجالا"..  وهي لا تعني بالضرورة الأشخاص الذكور كما قد نفهمها في جل أحاديثنا، بل في غالب آيات القرآن تعني من يمشون أو يقفون على أرجلهم.. ويشرح الأستاذ "نورالدين الغزالي" معاني الرجولة في القرآن في موقع (جماعة العدل والإحسان) بأن كلمة "رجل" في اللسان العربي ترجع إلى معنى "الترجل" أي أن يمشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما "الدابة أو السيارة أو غير ذلك”".  وهذا يعني الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود.. ويشرح لنا كيف تحدد لنا اللغة العربية مفهوم الرجولة في حقيقة واحدة هي: الاعتماد على النفس في الحركة وتحقيق المراد والوصول إلى الهدف المرجو، وهو ما يعني قوة الشخصية ومضاء العزيمة ووضوح الرؤية والهدف في فكر صاحبها.

أما في غالب المواقع التي يقصد فيها القرآن بكلمة الرجل المعني المتعارف بيننا كونها تعني الشخص الذكر وليس الأنثى، فنجد أن كلتا الكلمتان تأتيان في ذات الجملة (الرجال والنساء).. فمثلاً، حين يكون القصد هو الجنس الذكر المقابل لجنس الأنثى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً".

هذا بعض من حالنا نحن العرب مع لغتنا القرآنية العربية.. فماذا نفول في شأن غبر العرب؟  ماذا نقول عن كافة المسلمين ممن لا يجيدون اللغة العربية أصلاً، ورغم حفظهم للقرآن وتمكنهم من قرأته بشكل رائع أحياناً لا يفقهون من كلمات الله إلا النزر اليسير؟ وقد قابلت أسرة ماليزية رُزقت ابنتهم بتوأم ذكور، وأسمتهما "فضلو" و"فضلي"، من أصل كلمة "فضلُ" بالضمة و"فضلِ" بالكسرة، على أساس أنهما كلمتان مختلفان.. وفي حالة أخرى تكاد تكون مشابهة، فقد رُزق شخص إندونيسي بطفلة وجاءنا يبشرنا بفتاته التي أسماها "زانية"!! فناقشناه في سوء اختياره لهذا الاسم لما يحمل من معنى سيئ وغير مناسب.. لكن حجته كانت أنها كلمة من القرآن، لذا فهي لا بد وأن تكون كلمة طيبة!!  وفي شأن الأسماء التي يتخذها الكثير من أبناء الجاليات الهندية والآسيوية بشكل عام نجد تكرار الأسماء المركبة مثل "شمس الدين" أو "سيف الإسلام"، ولكنهم يكتبونها "شمسل دين" و"سيفل إسلام" ثم ينادونهم بالنصف الأول من الإسم "شمسول" وسيفول"، ولا يعلمون مدى الخطأ في هكذا أسماء.. بل ولدينا في البحرين عامل بنغلاديشي اسمه "مهين"، ولا بد أنه مأخوذ من الآية الكريمة "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ"!  وهذا فيض من غيض !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني