تيسير عبدالجبار الالوسيمقتبس من المقال: “مهام حركات الإسلام السياسي وهي خارج السلطة، تواصل هز الاستقرار وطعن السلم الأهلي والهدف يكمن بفرض نظام ثيوقراطي، يقوم على أسلمة السلطة واجترار الخلافة أو الولاية من زمن غابر ومحاولة إحيائها مجدداً بالسطو على السلطة وأخونتها فهلا تنبهنا“.

حركات الإسلام السياسي تنشطر بين منظومتي اجترار شكلين لطغيان سلطتها تتجسدان في: الولي الفقيه والخليفة. وبهذين النموذجين الماضويين، ترفض تلك الحركات الظلامية أيّ شكل للدولة المعاصرة الحديثة وهويتها وآليات اشتغالها. ومن أجل فرض رؤية اجترار أيّ من ذينك النموذجين لا تقف عند استباحة متغيرات العصر وتقف بوجهها بل تستبيح الدين وتشوهه وتحاول أن تلوي عنق القراءات المعتدلة المتفتحة، لتضعها بقوالب نظام ولاية (الفقيه) أو (أخونة) الخلافة وتسيّد المرشد اللعبة…

لقد عمدت حركات الإسلام السياسي بجناحيها لاستغلال كل المنافذ المتاحة لوصولها إلى كرسي السلطة والسطوة. وهو ما جسّد حقيقتها في ارتكاب كل الموبقات لذاك الهدف ونفى إمكان توهّم أنها (تؤمن) بالديموقراطية ويمكن أن تدخلها وتمارسها.. والحقيقة الواضحة التي كشفتها التجاريب كافة أنها ما أن تصل لغايتها في السطو على السلطة حتى تفرض غربالها المخصوص في إبعاد كل أشكال الاختلاف بل التنوع السياسي والانفراد بالحكم بصورة طغيان دكتاتوري (ديني) جوهره فلسفة النظام الثيوقراطي بكل تفاصيله وتفاصيل مظاهره…

إنّ الإسلام السياسي ليس أكثر خبرة ومهارة في إدارة حملات الديموقراطية والنضال السياسي الحر في إطار التداولية بالنظام الديموقراطي ولكنهم هنا يعتمدون على استغلال مشاعر الإنسان وقيمه الروحية مع تلاعب وتشويه للديني منها ولغيره مستغلين معها فرص التلاعب بالصناديق بل بالعملية الانتخابية برمتها.. وهم يخربون مجمل بنى الدولة الحديثة لإقامة نظامهم الإسلاموي خلافة أم ولاية…

أليست التجاريب الإيرانية والتركية وسنة الأخونة المصرية بنموذج حي للتعارض مع الديموقراطية!؟ أما النموذجين العراقي اليمني فهو بين انقلاب حوثي اعتمد على استدراج إسلاموي مفضوح الخبث وبين سطوة ميليشياوية وعبث بمصائر البسطاء وتغييب للوعي في العراق أودى إلى فظاعات وأهوال فرضت سطوة إسلاموية شبه مطلقة حتى جاءت ثورة أكتوبر 2019 لتعلن آهات الشعب وفواجعه صارخة بسقوط الإسلام السياسي مافيات وميليشياتها…

مصر التي أشير إليها هنا، سرعان ما فضحت الجريمة الإسلاموية ومحاولات (الأخونة) ولقد أدرك الشعب ألاعيب الإسلام السياسي أولا بفضح التلاعب الخطير والجوهري بالانتخابات بصورة كلية شاملة أفضت للسيطرة على السلطات كافة.

فمثلا كانت هناك جهود مركبة مضاعفة لتمزيق القوى الشعبية التنويرية واستهداف للقوى الثورية الديموقراطية وهناك قطع طريق على جهود الثوار أنفسهم وتطلعات الشعب بالبديل الديموقراطي وكل ذلك مما تبرع به قوى الأسلمة الدعية؛ فضلا عن استغلال أوسع قدرات (إسلام سياسي) سلفي أخواني بتوحيد طاقاتهم وبما حظيت من دعم إقليمي تركي إيراني ودولي للظاهرة الأخوانية ومحاولات تقديمها للشعب على أنها نتيجة انتخابية وليست تلاعبا كما هي الحقيقة..

الجانب الآخر أن حكم السنة الوحيدة للأخوان انطوى على تركيز الجهد المتسارع في تشكيل العصابات المسلحة والعمل على تشويه تركيبة الجيش وعقد اتفاقات تمنح الأخونة جرعات وجودية فيما تبيع مصر للمآرب والأطماع الخارجية.. إنها سنة من تراجعات الأوضاع المدنية وخسارة مصر لأعز ثرواتها وفرص التنمية فيها…

إنَّ أبرز جهود الإسلام السياسي ولجت دروب قطع التنوير وفلسفته وإفشاء أوبئة (الأخونة) القائمة على غرس منابر الفتنة والتمزق وسطوة البلطجة في الحياة العامة ما طعن السلم الأهلي بمقتل.. وأول ما هلَّ من تلك السلطة تعريض مسيحيي مصر والنسيج الوطني للطعن والتخريب ..

إن وعي الشعب المصري كان عاليا مميزا بهيا فكانت حشود عشرات ملايين الحسم الشعبي قد نزلت الشوارع في 30 يونيو حزيران بعد إعداد مناسب للقوى استطاع تجاوز الانقسام والتمزق ودحر محاولات تفتيت الوحدة الوطنية، ليأتي الحزم الرادع بقبول الجيش الوطني للتحدي الأكبر هل يقف مع ما تمت تسميته (شرعية السلطة) وهي التي افتضح أمر التلاعب بها بنيويا كليا وجوهريا أم ينحاز للشعب بوصفه حامي السيادة الشعبية لا سيادة عناصر البلطجة واللصوصية الذين تسللوا ليركبوا ظهر الثورة ويقلبوا المجن!!!؟

لقد جاء الثالث من يوليو تموز بموقف وطني سيخلده التاريخ للجيش وانحيازه للشعب وصوت ثورته التي نادت بهزيمة نظام الثيوقراطية ومحاولات (الأخونة).. ولا نسى الدور الموضوعي التضامني للقوى الأممية من شعوب العالم ومنظمات الديموقراطية والتقدم وحركة التنوير التي شكلت يومها اللجنة الأممية للتضامن مع الشعب المصري ورفض الأخونة وهجومهم الإرهابي الضاري ضد الشعب وقواه الحرة…

إن الفكرة التي افتضحت بسنة الأخونة وجرائمها، أكدت أن الإسلام السياسي يوم يستطيع التسلل وسرقة السلطة يحولها لمناصب امتصاص الطاقات والثروات ويفرض نظاماً (ثيوقراطياً) ويلقي الديموقراطية خلف ظهره ليقدم وصفته ببخور قوى التخلف والخرافة والتجهيل وهي التجربة التي ظهرت في طهران ولاية السفيه وأنقرة السلطان الجديد الذي لم يرعوِ عن إرسال عشرات الآلاف إلى السجون ومئات آلاف من المفصولين من أعمالهم مع مصادرة القضاء والإعلام ليجعله أحادي المسار بخدمته على وفق ما يرغب ويتطلع إليه من تمهيد الطريق للفاشية الجديدة تسطو على مقاليد الدولة فتخربها وتحيلها لأدوات بين يدي السلطان والولي السفيه بتوجههما نحو أسلمة  سياسية دعيّة تمارس التقية واللعب بالعقول لتجتر نظاما يعادي شعوب الأرض وحركة السلام والتنوير والتقدم..

وإذا كان الإسلام السياسي في السلطة هو اجترار نظام ثيوقراطي وفرضه فإن الإسلام السياسي خارج السلطة لا يملك أكثر من فعالياته في التخريب وطعن السلم الأهلي وهزّ الاستقرار واي شكل للتعايش السلمي بين مكونات الجتمعات والشعوب والتسبب بالحروب والتمترس بخنادق الاقتتال المدعوم بأسانيد مفتعلة (التدين) وايدي معشلو الحرائق مطلقة بكل اتجاه وصوب..

وهذا ما شاهده المصريون بأمّ العين بمجابهة القى التكفيرية وجرائم عصابات الأخونة الظلامية من تفجيرات واغتيالات وطعن كما ذكرنا للسلم الأهلي.. وهو ذاته ما يدعمه مركز الأخوان الدولي في اسطنبول بدفعه لعشرات آلاف الإرهابيين من المرتزقة المخربين في سوريا ممن استطاع نقلهم إلى مركز إرهابي وبؤرة للتخريب أُتيحت لهم في طرابلس…

إن وجود تلك المجموعات المسلحة مفضوحة الأهداف ليس فيما ارتكبوا من جرائم ترهيب وترويع في طرابلس وبعض المدن حواليها فأهدافهم ليست محدودة بالاختطاف والاغتصاب والنهب والسلب ولا بالتقتيل أفراداً أو بإطار (غزوتهم) الإرهابية المعلن إسلامويتها بل هم يريدون تاسيس قواعد (الإرهاب الإسلاموي) وبؤرة للانتشار باتجاه كل من تونس ومصر والتسلل عبر الحدود إليهما..

أؤكد أن الإسلام السياسي بين فرض ثيوقراطيته إن كان بالسلطة غير آبه بكيف أتى إليها ولا بالآخر أيا كان فهدفه تكريس الثيوقراطية وفاشية الهوية لنظامه يُفرض على البلاد  وهو مجرد شراذم إرهاب وترويع وبلطجة عندما يكون خارج تلك السلطة يمهد للسطو عليها واستكمال جرائمه.. ولا احتمال آخر لوجوده كما برهنت كل تجاريب افسلام السياسي وفكره وما ارتكب ومارس بكل جغرافيا وجوده…

عليه كان حقا لشعوب المنطقة جميعا، موقفها في طرد تيار الإسلام السياسي وإخراجه من أية عملية ديموقراطية تُمارس إن توصلت غليها الشعوب بثوراتها وانتفاضاتها…

إننا بمجابهة مخاطر إقليمية ودولية تجابه عبث الأخونة وإسلامويتها السياسية بطابعها وهويتها الفاشية المعادية للسلم بالمنطقة والعالم.. وإذا كانت قدرات الإسلام السياسي لإيران وتركيا تمارس الابتزاز عبر ارتكاب الجريمة المروعة بحق شعوب المنطقة فإنها تواصل الابتزاز بمناورات تتستر على الغاية المفضوحة للنظامين..

وبكلتا الحالتين فإن الضغط بطالبي اللجوء الذين يهربون من بلدانهم اليوم ليس بسبب الدكتاتورية ودمويتها لوحدها بل لتفشي المجموعات الإرهابية المسلحة واستقوائها بالدعم اللوسجتي المباشر من النظامين، نظام: ملالي إيران وعصمللية أنقرة واسطنبول الأمر الذي يتهدد السلم ليس في المنطقة فقط وإنما يتهدد الأمن والسلم في العالم برمته…

إن بديل الشعب السوري ليس وقوعه بمصيدة الأخونة وإرهابيي داعش والقاعدة وكل الجوقات االإرهابية التركية والإيرانية ولكنه في الديموقراطية القائمة على السلام والتنمية وحماية الحقوق والحريات في نظام مدعوم دوليا لا مسيطر عليه بالاقتسام بين جوقة ولائية وأخرى أخوانية…

ولنتذكر أن نظامي الملالي ووليهم والعثمنة وسلطان خليفتهم ما زالا يسرحان ويمرحان في المنطقة بوساطة أدواتهما من (ميليشيات الإرهاب) الولائية والأخوانية وكلاهما إرهابيتان، تكفيريتان تجاه كل مؤمن بحرية الاعتقاد سليماً يقوم على منطق الدين لله والوطن للجميع…

فهلا تنبهنا على جريمة النظامين وأتباعهما وخديعة تم استغلالها من قبلهما في التسلل بالإرهابيين الممثلين لهما سواء بإسقاط القدسية على بعض عناصرهما أم بفرض بلطجتهما بوساطة ترويع الناس وارتكاب الفظاعات بحقهم وحتى ابتزاز المجتمع الدولي بمختلف ما أتيح لهما من أدوات كما بالاتجار والضغط بطالبي اللجوء…

لنكن على أهبة استعداد في تمكين مصر من استراتيجية حماية الأمن القومي وتعميد مساره ولندعم ثورة أكتوبر العراقية بهدف تطهير الوطن من بقايا الميليشيات الولائية وغير الولائية بكل أجنحة التخريب وافتعال الأهوال ولنتصدى للاختراقين: الإيراني التركي في وجود دولنا واستقلالها وسيادتيها الداخلية والخارجية..

لا مجال لإسلام سياسي بأي شكل وأي جناح اتبع ودار في فلكه، إذ أن الخلاص هو بديموقراطية نقية تقوم على وعينا بمعنى هوية الدولة الوطنية الديموقراطية وجدوى حرية قوى التنوير ووحدتها وجهد تطهير وجودنا من منطق الخرافة والتخلف، وفلسفتهما الظلامية فبتحررنا نبدأ مهمة التنمية والتقدم وبناء صروح الأنسنة والحياة الحرة الكريمة..

فهل وصلت الرسالة أم أن بعضنا مازال يحن على الذئب لمجرد أنه يرتدي فروة الحَمَل!؟ أغلب شعوبنا أدركت وامتلك وعي الكشف عن أعدائها قوى الإرهاب وميليشياتهم وإرهابهم ومافيات العبث واللصوصية والنهب والسلب ومصادرة حتى حيوات الناس بعد إذلالهم واستعبادهم..

ثوروا من أجل الكرامة والحرية ومن أجل الحقوق والحريات بمعنى الأنسنة والتنوير والديموقراطية ولا مكان لعبث استغلال مشاعرنا وعواطفنا روحية ثقافية قيمية فوعينا أعلى وابقى وكما تحرر المصريون بثورتهم وانحياز الجيش للشعب فإن شعوب المنطقة في الطريق لتلك الحرية ولن تقبل أن تأتي طهران وأنقرة لتحتلنا باسم الدين والقدسية وزيف ما وراء تلك الرسالة أم باسم القوة وبلطجتها وأذرعهما الإرهابية وستطرد شعوبنا تلك الزمر والشلل وتدحرهما بمجرد وعي الحقيقة..

 

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

 

 

سامي عبد العالالتملُّق لونٌ من المداهنة والمخادعة لأصحاب السلطة، وبالوقت نفسه يكشف افتعال الحيل لاقتناص مآرب أخرى. ولهذا يشكل مجسَّاً لردود الأفعال والاستجابة لنتائجه في الواقع. أي أنه قد يعدُّ سلوكاً فردياً، لكنه يختبر أبنية الدولة وسياساتها داخل نطاقها الكلي. ولا سيما أننا بسياق ثقافي عربي قائم على أنماط القرابة والطوائف والقبائل والعشائر والأحزاب مؤخراً. وهذا أحدث فوضى شوّهت المجال التداولي العام. فهل يستردُ التملقُ – حتى بفضل رياح الحداثة- أصول تلك المكونات وخلفياتها التراثية؟! إنَّ التملُّق ظاهرة عربية فرَّخ آثاره في السياسة والاعلام والثقافة.. إنْ لم يزدد اتساعاً.

القضية بالغة الأهمية، فلن يتم أيُّ تنوير حقيقي دونما تصفية الذهنيات السائدة. أي حزمة الخلفيات والطرائق الحياتية التي خيّمت على العقل في عصور التاريخ الثقافي للعرب. واستطاعت تكبيله وتحجم فرص التفكير الحُر أمام أفراده. التملُّق هاهنا معيارٌ لفوضى الحياة العامة والتسلق وضياع المعايير وقيم الفعل ونهب الرأسماليات الرمزية من ابداع وفنون وآداب واتجاهات فكرية أصيلة. لأن المتملق يأخذ موقعاً لا يستحقه وفوق ذلك يزيح الأجدر بهذا الموقع. والأخطر أنه يدمر الإنسانية، حين تدمر أفعالُّه تكافؤ الفرص وعوائدها على المجتمع. وليس أقل من إهدار المستقبل، لأن التملق سيكون الخطاب البديل لتطور الواقع.

لُغوياً يكشف المعجم مستويات الدلالة في كلمة التملق. فعل تملق: تودّدَ إلى آخر طمعاً فيه، تملق: تذلل له، تملق اللحمَ أي مضغه مضغاً حتى يسهل بلعُه.. واللغة توصِّف أن التملق هو التقرب والالتصاق عمداً نيلاً لما يطمع صاحبه. ولولا "الطمع في.." ما كان " التودد إلى..". والبذل هنا ليس حقيقياً، بل مخادعاً لدرجة المرور الناعم. يقال فلانٌ أكل فلاناً، أي بلعه في جوفه بالكلام المعسول والزلِّق. فالكلام الناعم أشبه بعمليتي المضغ والطحن. والمداهنة والحيلة والاحتيال أشياء لا تخفى وراء الاشتقاق، بل هي النسغ مما يفعل المتملقون، هي الديدن السري المعروف ضمنياً.

ولم يفُت اللغةُ أن تصدم متلقيها بغائر الدلالة حين تعتبر التملق نوعاً من التضرع فوق العادة. فالتضرع لا يكون عادةً إلا لخلوص العبادة. وكأن المتملق يتحرش بالإخلاص داخل الإنسان السوي، وهو يفعل بالتأكيد. ومع تعميم الفكرة، فإن التملق العام يمس كلَّ إيمان حي في نفوس أصحابه. وبالتحول إلى الحداثة جاء الإيمان بفحواه اللاهوتي إلى قيم الحق والحقيقة في شكل قانون لا يقبل المداهنة، فالقوانين السياسية ممارسة شفافة تستأصل التملق لأنه لن يجدي مهما يكن. كما أن القوانين قوة لا تميل مع المضغ، لأنها غير قابلة للابتلاع مهما يكن الفم الذي يلوكها والضروس التي تطحنها. وهكذا تبدو السياسة هي مزرعة التملق الخصبة للمزيد من غرسها القاحل.

في الأنظمة السياسية الفاشلةِ، يصبحُ التملُّقُ قُوْتاً يومياً لممالأة السلطة القائمة، يبلغ ذروته مع نمط الجهل الغالب وعلاقات التواصل ونيل المكانة المزيفة. يتخذه المسؤولون سلماً إلى ما يبتغونه. وقد عبّدُوا درجاته (أو بالأحرى دركاته) بلُعاب المصالح والغنائم التافهة. لتترسخ بالأفق العام -الفقير إنسانياً- الأساليب النفسية واللغوية والخطابية للانخراط في هكذا حال. تدريجياً يعتاد الأفراد تشرُب التملق كمَن يغرز ساقيه في الأوحال، لا هو يستطيع خروجاً ولا إزاحة ما يعلق بهما.

حينما يأخذ التملُّق مظهراً حياتياً، فهو أشبه بالحاجات الأولية (له أعراضه – أدواته - أشكاله الخطابية – مراوغاته - علاماته الجسدية والحركية). التملق سياسة المراوغين لبلوغ المآرب والمنافع الضيقة، يتقيأ ما في جوفه من حيلٍّ تُروِّج لذهنية الأفراد والسلطة طالما كانت مجديةً لخفاء أغراضها. فلن يُفلت الحاكمُ أيَّ تملُّقٍ إليه دون زيادة هيمنته وتقوية قبضته من الدولة. إنَّ تملقاً بمعناه السابق لا يتم بوجهٍ واحدٍ، دوماً له وجهان يغذيان بعضهما البعض (ذهاباً وعودةً )!!

وعليه يتأسس نظامٌ سياسي يدجِّن فئات المجتمع ويُخضِعها لضغوطه طالباً الدوران في شِراكه المنصوبة. ثمة تبادل للمنافع عبر المناطق الرمادية بين الزبائن (المتملقين) والسلطة. مصطلح " دولة المتملَّق" دال على أنَّ شخصاً أو أفراداً هم الظافرون بفرص العيش الرغد والعلاقات النافذة. يمتلكون ما يستحيل امتلاكه من خدماتٍ ومكانةٍ، تحتضنهم الدولة الفاشلة كما لو كانوا أبناءها الوحيدين. لأنَّ المتملِّق امتدادها الفاشل، هو قادر على اشعارنا بكونه الأهم ولا غنى عنه طوال الوقت. كأنه يحل محل القانون ويدعي نبوته الدنيوية بين الحاكم وشعبه.

ومع تجليات اللغة كما سبقت، علينا أن نسأل: كيف نفهم دور المتملق- ثقافاً وفكراً وسيطاً- لانتشار جماعات المصالح؟ ألم تستطع الحداثة وما بعدها أن تهدد المتملقين بالانفتاح وشفافية تداول الأفكار وحرية النقد والتفكيك من الأساس؟

هناك عدة معادلات شبه رياضية ثقافية:

- تملُّق + نفاق + حيل وألاعيب = مكانة وحظوة (حركة صاعدة).

- تملق + مصالح + قرب أو بعد = علاقات السلطة (حركة هابطة).

- تملق + ضياع الكفاءة والمعايير + دجل السلطة = ثقافة التملق (حركة أفقية).

- رئيس متملَّق + بيع أوهام + تخبط واستبداد = سياسات كاذبة (حركة مراوغة.

- شعب خانع+ نظام سياسي كذوب+ انعدام قدرات= دوائر التملق (الوضع السائد).

وتلك الدوائر ليست سطحيةً إلى تلك الدرجة، لكنها أشبه بخيط العنكبوت التي ينسجها المتملقون (من أعلى إلى أسفل والعكس). وهي ما تنتج في حقبة من الحقب ثقافةً جاريةً تكتسح مجتمعاً عبر مستوياته المتداولة. فيغدو التملق لغةً لها ابجدياتها ومعجمها السياسي والوظيفي والاجتماعي والطقوسي. ويأخذ في التراكم والترسب حتى يضيِّع آفاق العلاقات الحقيقية ويجعل أيَّ حوار فاقداً لمفاهيمه ودلالاته. وعلى المدى التاريخي يؤسس التملق لنماذج معرفية وحياتية من الجماعات البديلة التي تأخذ قدرات الدولة. ومن حين لآخر تستقطب أصحاب المصالح على ذات الدرب. وتبدو كما لو كانت تقضي الحاجات والمنافع (باللهجة الدارجة) لكنها جماعات تخرِّب مفاهيم السياسة وتفخخ بناء المجتمعات (كالأقرباء والأعوان والموالي عند ابن خلدون) بالنسبة للحكام على دائرة أعمق وأكبر.

ذلك نتيجة لما نراه يومياً في أروقة الأنظمة العربية حيث يمثل النفاق وصنع الدسائس أبرز آليات الشأن العام. أشياء يتعلمها المسئولون نتيجة الدربة والخبرة في بطن القطاعات التي يعملون بها. وإذا كنا نعرف ضعف القوانين وتطبيقها وفشل الكوادر للنهوض بالمجتمعات العربية، فالمتملقون هم أصحاب الرأي والغلبة والسلطة والاستشارة والفتاوى والأحزاب ورؤساء الهيئات التعليمية والثقافية... ماذا بقي من جثة الدولة لم ينتشروا فيها كانتشار الديدان في الجيف العفنة؟!!

لقد كوَّن التملُّق لاوعياً جمعياً، ولا سيما لدى جماعات المصالح ومافيا العلاقات السلطوية. وهو ما اسميته "ذهنية الاحتيال"fraud mentality . وإذ ذاك لا يعد التملق في ذاته عقلاً، بل ذهنية غير محددة المعالم وتتبلور داخل دوائر السلطة السائدة وتخدم أهدافها بكل شراسة. والذهنية نوع من الظواهر الهامشية المصاحبة لتطور المجتمعات والتغيرات التي تحدث عميقاً في بنية الأنظمة السياسية. فحينما لا تكون الأنظمة قابلة للاتساق مع نفسها وعاجزة عن تطبيق القوانين والاجراءات الموضوعية، تنشأ جماعات التربح للقيام بمهامها البديلة. حيث يفقد الناس السيطرة شيئاً فشيئاً على الواقع وانجاز الأهداف العامة. وهذا ما يجعل التملق مظلة تجتذب تحتها رجال دولة ومسئولين وباحثين وفنانين ومثقفين ورجال علم واعلاميين وخبراء استراتيجيين ومحللين...!!

أكيد ليس الأمر خبط عشواء ولا قفزات لضفادع ليلية في وجه الحياة الراهنة. فلم تكن القضية عبثاً- داخل انظمة سياسية فاسدة- حتى وصلت إلينا في شكل جيوش من المتربحين وأدعياء الثقافة والمعرفة والعلم والتدين. وللأسف هم أصحاب مناصب داخل أمعاء الدولة هنا أو هناك أينما تذهب. ثم يأتي من يخرج علينا ليلاً ونهاراً زاعماً محاربة الفساد وتجديد القوانين والآليات الديمقراطية. أية قوانين إذا كان التملق معياراً والمحسوبية نبضاً لمواقع الأفراد من السلطة؟!

ذهنية الاحتيال عقل بديل ينهب الفرص نهباً للتكسب والتربح والتزلف. قدرة شخصية مدهشة (نفسية وبيولوجية وحياتية) لكل صاحب سلطة عبر وسائط إرضاء أصحاب المكانة الأعلى. وفي هذا يتفنن المحتال لمغالبة الأمور وقلبها التهاماً لمزيد من المصالح. ولا يتوقف عن الالتواء كلما لزم الأمر حتى يشتم ما يتطلبه الحال فيسرع لتقديم خدماته فوراً. وذلك يتم بمقدرة نادرة في حركات بهلوانية تمهيداً لجني أرباحها. وهو عقل يصفر (أصوات الصفير) بكل ما يحويه جراب المسئولين من مآرب وألاعيب ودسائس وبدائل يحاربون بها غيرهم ضمن أروقة الأعمال والمؤسسات والهيئات.

وذهنية الاحتيال عقل رعوي لا يعرف سوى الاحتماء بالسلطة، بالكنف، عقل طفيلي يلعق باستمرار أقدام الأسياد الذين يظهرون فجأة من مرحلة إلى أخرى. ويسعى في غير مرة إلى تكليلهم بالهالات والألقاب والأوصاف وعبارات الدجل السياسي والأكاديمي والاجتماعي. ونظراً لانتظار مواقفهم دائماً، فلا يستبق إلى أخذ أية خطوة من تلقاء نفسه. إنه عادة فقاعة رد الفعل، بصقة على جدار مهترئ، خرقة بالية لفظتها الريح على طريق متوّحِل دون الخروج من المستنقع. لسبب بسيط أن العالم كله، الحقائق، التاريخ، الجغرافيا... هي تلك الحزمة الباهرة لما يفعل بمهارة. بل يستمرئ ويتلذذ الوقوف أرضاً بمحاذاة الأقدام والأحذية. لا يدرك أنَّ هناك قامات سامقة لا تنحني، لكونه –كما يظن- في الجنة الموعودة (جنة العبيط بعبارة زكي نجيب محمود).

لنتخيل: ما هو الإنسان الذي يحمل هذا العقل الاحتيالي؟ كيف نرسم شخصيته من دم ولحم، بحيث نقول ها هو المتملق يمشي على الأرض؟ وما هي الثقافة التي كونت خلفياته؟ لماذا ينمو- كحشائش برية قوية- في بيئات عربية تزعم الحداثة والتطور وممارسة الديمقراطية والعدالة وحرية الرأي؟!

العقل الاحتيالي يسكن جسداً اجتماعياً وسياسياً بعينه. ليست متحرراً حتى يعبر عن رأيه صراحة ولا يتحمل مسؤولية أفعاله. لكنه محمول بصورة بارزة على موضوع التزلف. وأغلبه لو أزيل موضوعه (الشخص المتملَّق- السلطة المتملَّقة) سيذبل المحتال وسيقع في حيص بيص. لكونه لا يقف واضحاً ولا يرتئي ممارسات العراء حتى لا يراه الناس عارياً. وإذا وَجد منفذاً لذلك، فلن يفعل، لأنَّه لا يعيش إلاَّ بالظلام وبين الأضابير القديمة وعبر الردهات الخلفية وعلى الجدران وبين العناكب والأطلال وآثار الخراب. هو بومة الشؤم التي تنعق مصالحها الضائعة وتجد ضالتها في التزلف والتضرع.

والجسد الاجتماعي الذي يغطيه ليس ولاؤه لأشخاص وإن كانوا يحملون أسماءه. فهم خلال هذه اللحظة أو تلك كائنات هشة مفرغة بفعل سياسي واجتماعي. يعلمون أنهم يمارسون نفاقاً لزجاً لينالوا الحظوة عن قصد وهم صاغرون. ولقد بات عندهم الصِغار نوعاً من التضخم الأجوف. أي يعيدون الاعتبار التافه لأنفسهم بممارسة القهر على الآخرين. حامل ومحمول من القهر الهابط على سواهم في مواقف الغلبة والضعة معاً.

فقد تراه أستاذاً جامعياً يُشار إليه – للأسف- بعبارات الفكر والثقافة والإبداع!! وهو ليس إلاَّ لاعقاً لأيادي المسئولين الكبار. ولا يفكر دون أن يفلتر جوانب عقله على مقاييس السلطة انتظاراً لنظرة تلقى إليه من فوق أو هبة تُعطى له. طمعاً في مكافأة أو منصب يتلاعب فيه بقوانين الدولة ومواردها أو رحلة  مدفوعة الأجر يدعو إليها أقرباءه وأعوانه أو يطبع نصوصاً ملفقة فكرياً على نفقة الدولة تحت بنود محاربة الإرهاب والتنوير. أحدهم قد يصل إلى رئاسة الجامعة وغيره نائبها، لكنهما يرشقان العالم في ياقات السلطة همساً بالأمجاد الفارغة وتوقيفاً للزمن حتى تمر كلمات التملق فوق عنقه. بينما يحتفيان ويمضغان لسانهما في وقت واحد إنْ كانا قد همهما – مجرد همهمة- في أيِّ شأن يغضب السلطة مهما صَغُر!!

وقد ترى اعلامياً لزجاً يثرثر عما يدور في كواليس السلطة والمجتمعات. وأنَّ احداثاً بعينها ستسير بالطريقة التي يرسمها وأنَّ العالم جميعه يتابع برامجه عن كثب لأن كلامه حقائق وأسرار بينما (هذا الاعلامي) مجرد كمية سائلة من الاوهام والأكاذيب والنفاق. بعض الإعلاميين هم " كائنات الزومبي " في عصر العولمة بامتياز. ينهشون لحم المشاهدين ووعيهم الغض أمام التطورات التي تشهدها المجتمعات العربية. وعندما يخدم مصالحه القريبة يأتي بمسؤول يبتزه أو يسند إليه انجازات غير موجوده أصلاً. ويعتبر ظهوره على الشاشة عربون مدفوع مقدماً لإنجاز الأمر.

أمَّا المثقفون، فحدث ولا حرج كشكل قميء من التملق العام، لقد تعلموا كل شيء في "سيرك التملق" الماكر، إنه لاعب رئيس في السيرك السياسي. لمجرد تملقه، يُعطى مساحات الكلام على أغلب الفضائيات والمنابر والمطبوعات والمقاهي. وهو يدرك كونه مستعملاً كدابة ليلية تقرض ما تبقى من معارف وأفكار حقيقية. لقد انشأت الدول العربية وظائف مبتكرة للمثقف. بدءاً من صناعته على أعينها، لأنه كان بيوم من الأيام متملقاً صغيراً في أحدى المؤسسات، وليس انتهاءً بقدرته الفذة بأن يكون مسخاً وبهلواناً بما يملكه من عبارات وحيل لتدجين مواطنيه والالحاح عليهم بالخضوع وقبول القهر.

والمثقفون أصحاب ذهنية احتيال نافذة. فليس عملهم تنويراً بالقيم العقلانية والفكرية والثقافية الناقدة على الأصالة. فهم نتاج مغاير لقيم اللصوصية والنهب الرمزي وفساد الأخيلة والتصورات والخطاب الديماجوجي. ولذلك تجد أحدهم يلتصق بوزير أو رئيس محولاً إياه إلى" إله صغير" في عالم لم يعد يعترف بالآلهة. وقد يسوقه على أنه البطل التراجيدي الذي لولاه لحلت لعنات الإرهاب والتخلف فوق رؤوس الشعوب المسكينة. المثقف في هذا الوحل مجرد قفاز للسلطة آخذا برجم كل من يقترب. وقد تناول على عاتقه مهمة المداراة والمناورة والخدمات السرية لمن يحتمي في كنفها.

ذلك برغم أن العالم الافتراضي والمعلوماتية وانتشار أبعاد العولمة أشياء أنهت تلك الوظيفة الاحتيالية. كما أن السلطة تحولت من مجرد عيون مباشرة إلى قدرة على الاتساق مع الآخر الذي قد لا يكون محلياً بالطبع. فالمعايير الذي يضيعها المتملق قد تكون مبدعة لدرجة أنها تقزم وتظهر هذيان التملق تحت أقدام السلطة.

إن التملق – من خلال الثقافة- عمل لا أخلاقي وغير إنساني، ولكن من حيل الثقافة أنها تختلط بالأبعاد الاخلاقية والأبوية. ويبلغ مكرها أن الاحتيال يأتي مع القيم الضرورية، حيت تتلاعب بصورتها وماهيتها البراقة في المجتمعات. ولذلك فإن حرية الفكر كفيلة بكشف إلى أي مدى كانت الدولة العربية مؤسسة على ما يناقضها من الجذور.

وبعد الربيع العربي، تخطى التملق حدود الثقافة المحلية ليصبح في خدمة أمراء النفط والغاز وممالك الصحراء ودولها. لقد سال لعاب المثقفين العرب الذين تنادوا لمساندة هذه الدولة أو تلك عبر قنوات اعلامية وندوات ومؤتمرات. حتى أن هناك من وضع كافة إمكانياته البهلوانية في خدمة الدولة التي يسكنها. ولم يكن أي مانع لديه من انشاء تنظيرات خاصة لها وخالف القناعات الشخصية التي يؤمن بها.

1- هناك مثقفون تبنوا قضايا مؤامراتية لدول تحارب اتجاهات العقلانية والحرية والديمقراطية. وترتعب من التطورات السياسية وتمنع حقوق الإنسان وعدالة القوانين.

2- هناك مثقفون أيدوا انشاء مجتمعات مغلقة( كمحميات صحراوية) تناهض الانفتاح داعين إلى الاستبداد والديكتاتورية وقاموا بتبرير ذلك على طول الخط.

3- هناك مثقفون أعادوا عقارب الساعة إلى الخلف وقوفاً بجانب التيارات الدينية السلفية. لأن الأهداف واحدة في مداها البعيد حين يلتقي أقطاب التملق لأصحاب السلطة.

4- هناك مثقفون أكلوا على كل الموائد من أنظمة إخوانية إلى أنظمة عسكرية إلى أنظمة عائلية وبدوية إلى أنظمة مخابراتية عابرة للقارات.

5- هناك مثقفون تملقوا بالقطعة بحسب من يدفع أكثر. فالخطاب قد يكون زائداً أو متماسكاً بقدر الأموال التي تدفع والخدمات التي تجنى من ورائه.

6- هناك مثقفون ظهروا عند الحاجة. وهم من أصحاب التملق لمرة واحدة ثم يتوبون عن ذلك ليزعموا بعد عملهم هذا كل الشرف والنضال. وهم أشبه بالراقصات والفنانين اللائي تحجبن وتأسلمن بعد ترك الوسط الفني.

7- هناك مثقفون تملقوا في الخفاء ضمنياً مع السلطة ولكنهم أمام الرأي العام أعلنوا الحياد وأنهم من أصحاب المواقف والآراء الحرة.

8- هناك مثقفون اقتنصوا فرص التربح من المناخ العام بالكتابة الاعلامية أو بتقديم برامج فضائية وافرة الأجر دونما اقتراب من نظامهم السياسي في شيء.

يبدو أنَّ أشكال التملُّق ستواصل مضغها للوعي، فالدولة العربية أخفقت في بناء مجتمعات حرة، بحيث لا يخشى الأفراد– مهما كانوا- الإدلاء بأفكارهم وآرائهم. وقد يغيب سلوك التملق لدى مرحلة أو أخرى، ولكن أسبابه العامة ستولد أنماطاً أكثر خداعاً من سوابقه. لأن تلك الحركة مضمونه بضمان غطائه العام الذي ظل باقياً في انتظار أي متملق قادم.

 

سامي عبد العال

 

عبد الحسين شعبان«الحكمة معرفة الناس»

«الفضيلة  حب الناس»

كونفوشيوس

في غمرة الصراع القومي- الشيوعي في العراق بعد ثورة 14 يوليو (تموز) العام 1958 وما أعقبها، سادت النزعات الإقصائية والإلغائية وهيمن الخطاب العاطفي والشحن العدائي والرغبة في التسيّد وفرض الاستتباع على الآخر، في حين غاب خطاب العقل والعقلانية والاعتراف بالتنوّع والتعددية. وهكذا تصدّعت الوحدة الوطنية المجتمعية بفعل الخلافات السياسية، بعد أن كانت متينة وقوية في مواجهة النظام الملكي، وانقسم المجتمع بين موالاة ومعارضة، الأولى تمجّد الحاكم الجديد وتتغنّى بالزعيم الأوحد والثانية تندّد به، بل وتعتبره أكثر سوءًا من العهد الذي سبقه.

وبسرعة خارقة وبغفلة من الزمن تحوّل حلفاء الأمس إلى خصوم وأعداء متناحرين في  الأزقة والحارات والساحات والمدارس والكليات  والدوائر الحكومية والثكنات العسكرية، وأحياناً في العائلة الواحدة والبيت الواحد، وكان كل طرف يتشبّث بمواقفه ويزداد تمترساً بمواقعه ويدّعي أفضلياته، بل وامتلاكه للحقيقة لاغياً كل إيجابية أو دور للآخر، محاولاً عزله واستعداء الشارع عليه .

ففي حين كان القوميون يردّدون شعارات مدوّية مثل: "فلسطين عربية، فلتسقط الشيوعية"  بعد أن كان الشعار فلتسقط الصهيونية و"وحدة وحدة فورية... لا شرقية ولا غربية..."،وترتفع الشعارات  المندّدة بالشعوبية، كان الشيوعيون، ولاسيّما في المهرجانات الكبيرة التي أقاموها يرفعون شعار: اتحاد فيدرالي... صداقة سوفييتية... ومع الصين الشعبية،  و"عاش السلام العالمي هو وحماماته... يسقط الاستعمار هو وعصاباته" وأتذكّر إحدى اللافتات التي ظلّت عالقة بذهني طيلة أكثر من ستة عقود من الزمن، وهي التي كُتب عليها " تايوان جزء لا يتجزأ من البرّ الصيني "، وكنت أشعر بالحيرة فما علاقتنا بمثل تلك الشعارات الغريبة، خصوصاً لمن كان بعمري وفي بدايات وعيه الأول؟

وأستطيع القول اليوم بقراءة ارتجاعية للماضي، أن تلك الشعارات والتناحرات  كانت تعبّر عن قلّة وعي القيادات والنخب السياسية، التي بدت ناضجة حين قررت التعاون في إطار "جبهة الاتحاد الوطني" التي هيّأت للثورة ولكنها حسبما يبدو فوجئت بنتائجها، لاسيّما في اندفاع حشود شعبية للمشاركة في عالم السياسة، بل وفي طرح الشعارات أحياناً وبلورة التوجهات، ساحبة القيادات خلفها، بدلاً من أن تسير هذه الأخيرة أمامها.

وإذا كانت الحركة الوطنية بأطرافها المختلفة  تُحسن المعارضة، لكنها لم تُحسن إدارة التنوّع والصراع في الوضع الجديد، خصوصاً بالزخم الشعبي الذي انفتح على الأحزاب والحياة العامة، فوقعت كل الأطراف صرعى قصر نظرها وذاتيتها، وكان ذلك على حساب تطوّر البلاد نحو التنمية والاستقرار والحياة المدنية الدستورية، ولعلّ مثل تلك الاندفاعات والشطحات والانزلاقات كانت تتعاظم لدى جميع القوى، الأمر الذي يعكس ضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية من جهة، ومن جهة أخرى الاغتراب عن الواقع الحقيقي والابتعاد عن الهموم اليومية للناس، خصوصاً وأن الصراع القائم في إحدى تجلّياته كان انعكاساً للصراع الأيديولوجي الدولي والإقليمي، لاسيّما الواقع تحت تأثيرات موسكو من جهة والقاهرة من جهة أخرى، فضلاً عن التداخلات المباشرة وغير المباشرة للقوى الامبريالية التي حاولت تسخين الصراع بصبّ الزيت على النار بأساليب الدعاية السوداء وعمليات التضليل والقوة الناعمة والوسائل الثقافية والحرب النفسية.

واللافت للمراقب والباحث أن ليس ثمّة ما يتصدّر تلك الشعارات والاحترابات، ولاسيّما الشرارات الأولى التي فجّرت الصراع من مشكلات عراقية مباشرة تتعلّق بأهداف الثورة ومبادئ جبهة الاتحاد الوطني التي تشكّلت في العام 1957 واختيار طريق التنمية والانتقال بالبلاد إلى إجراء انتخابات في ظل دستور دائم بتحديد فترة الانتقال، وكان دور العسكر في الهيمنة على مقاليد الأمور يتعزّز باحتراب الأحزاب الوطنية، التي فقدت بوصلتها، وإنْ ظلّ البعض متمسّكاً، لكن مثل ذلك كان على نحو محدود وضاع في زحمة الصخب السياسي والديماغوجيا الدعائية ومحاولات تأثيم الآخر وتحريمه وتجريمه وإدعاء امتلاك الحقيقة والأفضليات، ناهيك عن مسعى احتكار العمل السياسي والنقابي والسيطرة على الشارع بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

في بكين: استذكارات ومراجعات نقدية

لا أدري كيف خطرت ببالي تلك الاستذكارات  والاستعادات المصحوبة بمراجعات أولية نقدية وأنا في الصين ضمن وفد عربي رفيع المستوى لشخصيات فكرية وثقافية وممارسين سياسيين سابقين  في إطار دعوة من معهد العلاقات الدولية  التابع  لوزارة الخارجية للمشاركة في الحوار العربي - الصيني،علماً بأن المعهد  يقع على عاتقه تقديم  أفكار ورؤى وتصوّرات بخصوص السياسة الخارجية الصينية  لأعلى مراتب الدولة والحزب الشيوعي الصيني، وضمّ الوفد شخصيات من اليمن (رئيس الوزراء الأسبق  عبد الكريم الإيرياني) ومن الأردن (الوزيران السابقان سمير الحباشنة وجواد العناني ) ومن المغرب (السفير علي أومليل) ومن مصر  سفيرها السابق في الصين (محمد نعمان جلال) ومن الكويت أول رئيس لمجلس التعاون الخليجي (عبدالله بشارة) ومن الإمارات  العربية المتحدة  رئيس المعهد الدبلوماسي (السفير يوسف الحسن) ومن فلسطين المفكر والباحث الأكاديمي (محمد عبد العزيز ربيع) ومن العراق (كاتب السطور).

ومع أنني قدّمت بحثاً بشأن " الفلسفة التاوية- الصينية وصنوها الفلسفة الصوفية العربية - الإسلامية"، أثار اهتماماً صينياً كبيراً وتم  نشره باللغة الصينية، كما تم نشره في أكثر من مجال في العالم العربي والعراق، إلّا أن معظم جوانب الحوار ركّزت على ما هو راهني وسياسي أكثر مما هو فلسفي وتاريخي، ولم يأخذ الجانب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتاريخي والعلمي والتكنولوجي الأهمية التي يستحقها، حيث انصبّت معظم المناقشات من جانب الوفد العربي مع الجانب الصيني على طبيعة العلاقات التي بدأت بعض خيوطها تنسجُ مع نجاح الثورة الصينية في العام 1949 وهي الثورة التي عرفت بـ"مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة"، فضلاً عن تأثّر اليسار العربي أو بعض أجنحته بأطروحاتها، ولاسيّما تقسيم المجتمع إلى أربع طبقات وهي الفكرة التي نظّر لها ماوتسي تونغ، والتي وجد فيها بعض الشيوعيين واليساريين أقرب إلى مجتمعاتنا من التقسيم الطبقي الكلاسيكي: برجوازية وبروليتاريا أي عمال ومالكين أو مستغلين وأجراء.

لقد حاول الشيوعيون بشكل خاص واليساريون بشكل عام في تلك الفترة على أقل تقدير "أسطرة" أو "عبقرة" الزعيم الصيني ماوتسي تونغ ونظرنا إليه بخيلاء وفخر، فهو فيلسوف وشاعر وقائد وثوري ورائد ومفكر ومعلّم ومُلهم، تتحرّك الملايين لمجرد أن يرفع يده في ظل نظام طاعة عمياء كنّا معجبين به أيّما إعجاب، وتلك واحدة من مساوئ  الأفكار الشمولية والأنظمة التي تتأسس عليها والتي اقترنت باسم " الاشتراكية المطبقة"  والتي كانت قد غرقت فيها التيارات القومية والإسلامية لاحقاً، ولعلّ  كل فكر منغلق سيقود إلى الدكتاتورية شئنا أم أبينا، وتعكس جميع التجارب الكونية بطبعتها الماركسية أو القومية أو الإسلامية تلك الحقيقة بوضوح شديد.

وعلى الرغم من قراءتي النقدية لتلك المرحلة وما تركته من عذابات كبيرة على الشعب الصيني، لكنني وقفت أمام ضريح ماوتسي تونغ  في المكان المهيب الذي يقبع به في ساحة تيان أنميمن أو " ميدان السماء"  الذي يقع في وسط بكين والذي تبلغ مساحته 440 الف متر مربع، وقد شهد بين 15 أبريل (نيسان) و4 يونيو (حزيران) العام 1989 تظاهرات واحتجاجات مطالبة بالإصلاح والديمقراطية سقط فيها بضعة آلاف من الضحايا، أقول نعم وقفت بكل دهشة وذهول أمام حشود الذين كانوا يتوافدون لزيارة ضريحه بغض النظر عن ما ارتبط باسمه من انتهاكات ومجازر وتدمير الآثار والمواقع الثقافية والدينية، خصوصاً في فترة الثورة الثقافية (1965-1976) .

وقد اشتهرت الآيديولوجية الاشتراكية بطبعتها الصينية التي حاولت تطبيقها في السياسة والاقتصاد والاستراتيجيات العسكرية التي اتبعها ما بات يُعرف بالماوية أو "تصيين الماركسية"، مثلما عُرفت الطبعة  السوفيتيية بـ "لنينة الماركسية"، نسبة إلى لينين، والتي أطلق عليها " اللينينية" وعمّم السوفييت لاحقاً هذا المصطلح لتصبح المادية الجدلية "بالماركسية اللينينية" حيث أضيف اسم لينين إلى اسم ماركس الذي مثل الحلقة الذهبية الأولى للمادية الجدلية، والطبعتان تم استنساخهما كبراديغم "نموذج" من جانب أحزاب وقوى شيوعية ومن بعض تجارب حركة التحرر الوطني.

وكانت معظم  وجهات النظر العربية في الحوار العربي- الصيني تحاول الضغط على الجانب الصيني، الذي ضمّ خبراء على درجة عالية من الخبرة والمعرفة ليس في شؤون العلاقات الدولية فحسب، بل في ظروف كل بلد عربي وظروف المنطقة بشكل عام، وبالصراع العربي- الإسرائيلي بشكل خاص وقسم غير قليل منهم تخرّج من جامعات عربية واكتشفت أن مدير وكالة شينخوا السابق كان قد تخرّج من كلية الآداب قسم اللغة العربية (جامعة بغداد)، وحدّثني كيف أنه كان يستذوق "العرق العراقي" (المسيّح والعصرية) ومازات الباقلاء واللبلبي والجاجيك، وكانت غالبية المشاركين من الجانب الصيني يعرفون اللغة العربية.

هل الصين دولة عظمى؟

وأفاض أعضاء الوفد العربي في إطروحات حول جدوى وفاعلية التعاون العربي- الصيني ومزاياه وفوائده، وذهب بعضنا أكثر من ذلك إلى القول أن على الصين أن تملأ الفراغ الذي تركه الاتحاد السوفييتي، بل عليها دعم الشعب العربي الفلسطيني باعتبار قضيته تمثّل قضية العرب المركزية، وأن المستقبل هو للعلاقة مع العرب وغير ذلك من الأطروحات، حول الجدوى الاقتصادية والفوائد التجارية، إضافة إلى التذكير بالعلاقات التاريخية.

وكان رأي الصينيين وكأنهم يتحدثون بلسان واحد هو: أننا "دولة نامية" ولسنا "دولة عظمى"، وأن لدينا مشاكلنا، فهناك أكثر من 150 مليون إنسان دون خط الفقر، ثم إننا لا نريد أن نلعب دوراً آيديولوجياً، فنحن غير قادرين عليه، بل لا نفضله ولا نرغب فيه، ولا نريد السير في سباق التسلّح المدمّر، ونريد التجارة مع الجميع، وبالقدر الذي نؤيد حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية، فإننا مع حلّ الدولتين ومع قرارات الأمم المتحدة، ونتعامل مع الطرفين، وإنْ كان لنا علاقة متميزة وخصوصية مع  م. ت.ف. والسلطة الوطنية الفلسطينية، لكننا نحرص على العلاقة مع "إسرائيل" أيضاً، وباعتقادهم أن هذه العلاقة قد تساعد على التوصل إلى حلّ سلمي مُرضي للطرفين.

ولم يكن الجواب مقنعاً لغالبية الشخصيات العربية حتى أن بعضهم تناوب على الكلام أكثر من مرّة لشرح وجهات النظر العربية، ولكن الصينيين كانوا يردّونه مرّة أخرى بذات المنهجية، مؤكدين أن من الخطأ مقارنتهم بالولايات المتحدة أو بالاتحاد الأوروبي أو حتى بالاتحاد السوفييتي السابق، وإذا كانوا قد حققوا آنذاك قفزة اقتصادية بُعيد رحيل الزعيم الصيني ماوتسي تونغ وانتهاء الثورة الثقافية  فإنهم لا يرغبون تبديدها على سباق التسلح والصراع الآيديولوجي، وهم ما زالوا لم يدخلوا " نادي الكبار"، بل ويضعون أنفسهم في "منتدى دول عدم الانحياز". وقد يكون الأمر تواضعاً من جهة ومن جهة أخرى تخلصاً من التزامات الدول الكبرى إزاء الغير.

قراءات وانطباعات

كنت قد قرأت في أواخر سنوات الخمسينات والستينات بعض ما كتبه ماوتسي تونغ وليوشاوشي بشأن حرب التحرير والثورة الصينية وبعض الإطروحات التي تتعلّق بالحزب، (وهي عبارة عن كراريس وكُتيبات نشرت في العام 1959 وما بعده)  وما زاد اهتمامي بالصين في فترة لاحقة هو صداقتي لثلاث شخصيات ذات مكانة ثقافية وفنية وإن كان في فترات متفاوتة، فقد سمعت منها آراءً ووجهات نظر وملاحظات أثارت فضولي أكثر بكثير مما كنتُ أعرفه، أولها - الشاعر كاظم السماوي، وثانيها- الباحث والمفكر التراثي هادي العلوي،لاسيّما كتابيه " المستطرف الصيني" وقبله "كتاب التاو"  وثالثها- الفنان رافع الناصري الذي درس الغرافيك في الأكاديمية المركزية في بكين وأقام معارضة في هونغ كونغ في العام 1963 وأصدر كتاباً بعنوان " رحلتي إلى الصين " وقد أهداني إياه قبل وفاته العام 2013، وجميعهم عاشوا في الصين وتعمّقوا في تجربتها الفكرية والفلسفية والسياسية والفنية، وعاصر هؤلاء فترات مختلفة من حياة الصين في ظل حكم ماو تسي تونغ.

وكنت قد أدرت حوارات مع القيادي الشيوعي عامر عبدالله  عن زيارته الصين ولقائه مع ماوتسي تونغ العام 1975 وتأثّره بالتجربة الصينية المعاصرة وبفلسفتها القديمة، وسألته عمّا قيل عن أننا بين عامي 1958 و 1960 لم نحسم موقفنا من الخلاف الصيني - السوفييتي، وكنت قد قرأت كتاباً للدكتور فيصل السامر (وزير الإرشاد الأسبق في العراق) والموسوم "الأصول التاريخية للحضارة العربية- الإسلامية في الشرق الأقصى" مثلما اطلعت في وقت لاحق على بعض ما كتبه الشيخ العلامة جلال الدين الحنفي والشيخ محمد حسن الصوري (صاحب جريدة الحضارة) عن الصين، وكان قد درّسا اللغة العربية في بكين في ستينات القرن الماضي،

كما تابعت ما كتبه عبد المعين الملوّح  الذي قام بترجمة كتاب "تاريخ الشعر الصيني المعاصر" وفؤاد محمد شبل وكتابه " حكمة الصين"، وهو دراسة تحليلية لمعالم الفكر الصيني منذ أقدم العصور ولعلّ الكتابات الأولى، التي اطلعت عليها رغم ما فيها من عنصر الإبهار إلّا أنها لا تسرّ كثيراً لشاب مثلي يتطلّع  إلى الحداثة وتتكوّن لديه إرهاصات تساؤلية أكثر فأكثر خلال احتدام الخلاف الصيني- السوفييتي .

ظلّ السماوي والعلوي يقيّمان  إيجابياً ما حققه ماوتسي تونغ ويعتبران فترته "ذهبية" لما حصل بعده في إطار نظرة كلاسيكية للماركسية ذاتها، لاسيّما ما يتعلّق بالرؤية الخاصة بالتطبيقات المبالغة في التشدّد والقسوة لعملية التغيير، التي اتبعتها، مثلما ينظران بعدم ارتياح لسياسات الانفتاح الجديدة، وأحياناً يضعان علامات استفهام حولها.

البراديغم الماوي والستاليني

لعلّ مثل تلك الممارسات التي سادت في الصين والبراديغم Paradigm  (النموذج الفكري) الذي اعتمده أثار تساؤلات كبيرة وعميقة عن مدى علاقته بالمادية الجدلية وطورها الذهبي الأول والمقصود أفكار ماركس ورفيقه إنجلز، وهل هناك " ماركسية" أخرى، إذا كانت المادية الجدلية قد ظلّت في المتحف وكان أتباع كل ماركسية يتندّرون على الماركسية الأخرى، فهذه الماركسية الصينية مثل البضاعة الصينية أيام زمان، أي المقلّدة أو غير الأصلية، حتى أصبح الحديث  عنها أقرب إلى " ماركسية من صنع الصين" Made in China.

ومقابل ذلك هناك وجه آخر لممارسات مماثلة كانت تمثّل النموذج الأول على المستوى العالمي، وهي تلك التي جرت في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى من "تجارب الأصل" التي انتقلت عدواها إلى " تجارب الفرع" في البلدان النامية والعديد من تجارب العالم الثالث وحركات التحرر الوطني بما فيها التجارب العربية، حيث ساد النموذج الشمولي " التوتاليتاري" الستاليني، دون النظر في عيوبه التي شوّهت المجتمعات والشعوب وأحدثت تصدّعات نفسية في شخصية الفرد لدرجة مريعة.

وإذا طالت التندرات التجربة الصينية في ظل الخلاف الصيني - السوفييتي، فثمة تندّرات صينية للبراديغم السوفييتي، حيث كانت تسخر من " اشتراكية الكولاج" وهي أكلة شعبية مجرية مشهورة جاءت في خطاب نيكيتا خروشوف الزعيم السوفييتي الذي خاطب المجريين: أنتم بفضل الاشتراكية تأكلون الكولاج، وذلك بعد مجازر قمع حركة الاحتجاج المجرية الهنغارية، بالدبابات السوفييتية العام 1956.

والبراديغم كمصطلح استخدم لأول مرة من المفكر الأمريكي توماس هان (1922-1996) المختص بالتاريخ وفلسفة العلوم، وهو يعني مجموعة قوانين وتقنيات وأدوات مرتبطة بنظرية معينة ومسترشدة بها، بهدف تطبيقها بجميع الوسائل على الواقع الاجتماعي، وهو ما حاولت النماذج الاشتراكية اعتماده وتطبيقه لإحداث التغيير المنشود دون مراعاة للوسائل المستخدمة.

هوسٌ ثوري وعمى ألوان

كان الهوس الثوري في أواسط الستينات على أشدّه في العراق والعالم العربي بعد هزائم ومرارات وتصدعات فكرية وسياسية، لاسيّما بعد صدمة 5 يونيو (حزيران) العام 1967، وكقاعدة عامة، وإن كان هناك استثناءات، ففي كل انكسار أو تراجع أو عزلة وابتعاد واحتجاز تتصاعد الموجة المتطرّفة ويزداد التعصّب ووليده التطرّف، وهكذا بدأنا نعيد قراءة كتابات ماوتسي تونغ، لاسيّما بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 الدموي والخسائر والانكسارات التي مُنينا بها،  وكان المركز الثقافي الصيني في بغداد يقوم بتوزيع الكراريس والأدبيات الملوّنة والمطبوعة بأناقة تثير الإعجاب، إضافة إلى " الكتاب الأحمر".

لم أتأثّر إلّا قليلاً بتلك الأطروحات، لأن ميلي بشكل عام كان يحمل بذرة لا عنفية، ولذلك فإن شعارات مثل " الإمبريالية نمر من ورق" و" كل شيء ينبت من فوهة البندقية" لم تكن مقنعة لي، وأنا أقرأ وأتابع ما كان يجري في العالم، حتى وإن كانت بوادر هزيمة الولايات المتحدة في فييتنام وانتصار حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنغ، ونجاحات بعض حركات التحرر الوطني  وإحراز العديد من شعوب آسيا وأفريقيا استقلالها، لكن بالمقابل هناك موجة من الارتدادات شهدتها الكتلة الاشتراكية أخذت تتكشّف على الرغم من أجواء التكتم والستار الحديدي المفروض عليها لقطعها عن العالم الخارجي وإن كنّا لا نراها أحياناً أو نعتبرها مجرد دعاية سوداء ومغرضة من جانب القوى الإمبريالية، فقد كانت الإصابات بعمى الألوان بالغة وشديدة.

ولعلّ أهم الأحداث:  انتفاضة برلين (1953) - المانيا الديمقراطية، حيث أضرب عمّال البناء احتجاجاً على زيادة ساعات العمل  فتحوّلت انتفاضتهم  إلى احتجاج سياسي ضد الستالينية وصنيعتها حكومتهم، بسبب الأوضاع المعاشية التي عبّروا عنها بأنها لا تطاق وقد انضم إليهم طلاب وشباب ومزارعون وقد تواصلت حركة الاحتجاج في عموم "ألمانيا الديمقراطية" على نحو متفاوت، الأمر الذي جوبه بالقمع وبتقديم عدد من المشاركين إلى محاكمات دريسدن الشهيرة، ولعلّها كانت أولى حركات الاحتجاج الواسعة ضد الهيمنة السوفييتية، وقد اضطر السوفييت بعد ذلك وبسبب عمليات الهروب الجماعي من "نعيم" الاشتراكية إلى "جحيم" الرأسمالية إلى بناء جدار برلين 1961 والذي تم هدمه 1989، وكان إيذاناً بانهيار الكتلة الاشتراكية.

كما كانت احتجاجات بوزنان العمالية - بولونيا (1956)، هي الأخرى تحدياً جديداً لنظام يزعم أنه يدافع عن مصالح العمال، حيث تظاهر العمال مطالبين بظروف عمل أفضل وتم قمعهم بشكل وحشي بالدبابات، وكان عدد القتلى بالعشرات، وهو ما استمعت إليه في العام 2014 بشكل مفصّل خلال دعوتي لإلقاء محاضرة في جامعة بوزنان.

أما انتفاضة المجر - هنغاريا فقد قادت إلى تدخل عسكري سوفييتي صارخ  (1956) وقد دامت من 23 تشرين الأول (أكتوبر ) ولغاية 4 تشرين الثاني (نوفمبر) احتجاجاً على  سوء الأوضاع الاقتصادية، فتم قمعها بوحشية، وسقط عشرات الآلاف من المحتجّين  خلال المواجهات الدامية وفي الإعدامات التي طالت لاحقاً عدداً منهم  بمن فيهم بعض قادة الحزب الهنغاري (الشيوعي) وفي مقدمتهم الأمين العام أمري ناج الذي لجأ إلى السفارة اليوغسلافية، لكنه سلّم نفسه لاحقاً وأعدم بعد سنتين بتهمة " الخيانة  العظمى".

نجدة أممية ولكن بالمقلوب

وجاء ربيع براغ باجتياح دبابات حلف وارشو البلاد (1968) للقضاء على حركة وليدة مطالبة بالإصلاح وبإضفاء وجه إنساني على الاشتراكية وإعطائها بُعداً ديمقراطياً، وهو ما كان يدعو له الكسندر دوبتشيك الأمين العام للحزب الشيوعي والذي أقصي من منصبه وعُزل من الحياة العامة عقوبة له، لكنه عاد في العام 1989 ليصبح لاحقاً رئيساً للبرلمان بعد الإطاحة بالنظام الشيوعي، حيث أصبح فاتسلاف هافل رئيساً للبلاد.

وكنت قد توقفت عند ربيع براغ في أكثر من مناسبة، حين قدّر لي زيارة تشيكوسلوفاكيا العام 1969 في الذهاب والإياب إلى بولونيا (كراكوف) لحضور اجتماع تحضيري لمناسبة ميلاد لينين، وقد شاهدت آثار ذلك وتلمّست مشاعر الناس في البلدين، وهو أدهشني كثيراً وأثار تساؤلات وحيرة في نفسي.

وأتذكّر أن الصديق لؤي أبو التمن كان قد أخبرني بعد زيارته لسفارة تشيكوسلوفاكيا إلى بغداد على رأس وفد لتهنئة المسؤولين على " النجدة الأممية" والمقصود بذلك "التدخل السوفييتي"(21 آب/أغسطس/1968) لقمع ربيع براغ، إلّا أنه فوجئ بردّ عنيف من الدبلوماسيين التشيكوسلوفاكيين في بغداد، بأن هذا ليس سوى "احتلال" أو "تدخل" بالضد من إرادة الشعب التشيكوسلوفاكي، وبقينا لفترة نعلّق على ذلك ونتبادل أطراف الحديث بيننا مشكّكين في بعض الروايات الرسمية التي تصلنا من جانب الدعاية الاشتراكية وصداها دعايتنا وبعض مصادر معلوماتنا، وبقينا نثير الأسئلة التي يسميها البعض الشغب المستمر والاعتراض الدائم.

وكم أحرجنا حين أعلن الرئيس أحمد حسن البكر تأييده لخطوة "التدخل الأممي" وذلك بقوله " المهم أن تبقى تشيكوسلوفاكيا اشتراكية" وهو تبرير استساغه من يريد الرد على بعض تململاتنا، ناهيك عن الاحتجاجات التي ارتفعت لمثقفين كبار من فرنسا وإيطاليا وغيرها للتنديد بالتدخل السوفييتي لقمع ربيع براغ.

أما نشاط حركة تضامن (اتحاد نقابة العمال البولونية) لاحقاً في بولونيا في الثمانينات بقيادة ليخ فاليستيا فقد كانت الأطول عمراً والأكثر تأثيراً، حيث شهدت بولونيا اضرابات متكرّرة إلى أن تم تغيير النظام في العام 1989، وذلك عن طريق لا عنفي، ابتدأ في مدينة غدانسك ولم تنفع معها الإجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومة، حتى تم فرض إجراء انتخابات (شبه حرّة) وتشكيل حكومة ائتلافية بقيادة تضامن وهكذا انتصر " فقه التواصل" على نزعات الانتقام والثأر، وهو ما حصل في هنغاريا أيضاً، في حين اتجهت ألمانيا الديمقراطية إلى " فقه القطيعة" باتحادها لاحقاً بألمانيا الاتحادية.

الأوروشيوعية

كان موقف الحركة الشيوعية في أوروبا الغربية إبان ربيع براغ قد اختلف عن موقفها من انتفاضة المجر، ففي الأخيرة لم تستنكر ما حصل من اجتياح سوفييتي، أما في العام 1968 فقد استثيرت على نحو شديد، وأعلن الكثير من قياداتها وملاكاتها رفضهم الشديد للتدخل السوفييتي وإدانتهم له، وقد كان ذلك بوادر انشقاق جديد في الحركة الشيوعية العالمية تحت عنوان فكرة الأوروشيوعية التي بدأت تلقى صدىً أكبر في أوساط الأحزاب الشيوعية الثلاث الإيطالي والفرنسي والإسباني تمايزاً لنفسها عن الموقف السوفييتي وما يسمّى بالمركز الأممي أو التبعية الأممية، بل إن انقسامات وانسحابات قد حصلت داخل هذه الأحزاب بسبب " التدخل السوفييتي" لسحق حركة الاحتجاج في تشيكوسلوفاكيا.

وللأسف لم يتم التوقف عن الأوروشيوعية ودراستها ونقدها من جانبنا، بل اتخذنا الموقف ذاته الذي اتخذ الحزب الشيوعي السوفييتي فشككنا بها واتهمناها بأبشع التهم وهي الطريقة السائدة في التعاطي مع الخلافات الفكرية في الأحزاب الشمولية، وبالقراءة الاستعادية لفكرة الأوروشيوعية فإنها تقوم على ركنين أساسيين:

الركن الأول - الالتزام بالديمقراطية البرلمانية وسيلة للوصول إلى السلطة وطريقاً سالكاً للنشاط والمشاركة السياسية، ولهذا لا بدّ من احترام هذه المؤسسة والحرص على تطويرها لتأتي بنتائج أفضل وتعبر عن مصالح الفئات الفقيرة والكادحة.

والركن الثاني- الاهتمام بالمصالح الأوروبية، وما يقرّب بينها ويساعد في تلبية طموحات شعوبها في السياسة الداخلية والخارجية وفي ما يتبعونه من برامج وستراتيجيات وممارسات، أي التخلي عن الانشغال بالمصالح السوفيتيية وهكذا وضع القادة الشيوعيون الثلاثة جورج مارشيه وبرينغوير (إيطاليا) وسانتياغو كاريّو (إسبانيا) فكرة الأوروشيوعية أواخر السبعينات، لكن انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلالها فيما بعد، ساهم في تخفيض رصيد هذه الفكرة من جهة وانصراف جمهور الناخبين عن المرشحين الشيوعيين في هذه البلدان من جهة أخرى.

إذا كانت الارهاصات الأولية قد أثارت تساؤلات لديّ بخصوص حقيقة أو عدم حقيقة ما يحصل، وفيما إذا كانت تلك الأحداث من صنع الخارج أم أنها شأن داخلي دون نسيان تأثيرات الصراع الآيديولوجي، إلا أن بعد معرفتي ودراستي وزياراتي لجميع البلدان الاشتراكية، كنت أتلمّس الأخطاء والارتكابات وحتى الجرائم بحق العمال والشغيلة قبل غيرهم دون إهمال بعض المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حققتها هذه الأنظمة، لاسيّما في ميادين التعليم والصحة والعمل والضمان الاجتماعي وغيرها، وإن اختلفت زاوية النظر لدّي لاحقاً، بشأن الحرّية القيمة الأساسية العليا للإنسان، ولا تختلف التجربة الصينية عن التجارب الاشتراكية الأخرى في هذا الميدان: حزب حاكم وآيديولوجيا واحدة وجهاز مخابرات متحكّم وأعلام موحد وغياب أي مظهر من مظاهر النقد أو حرّية التعبير.

تململات ونقد

ومع تلك التململات الجنينية الأولى، بدأت الانتقال بالتدرّج وليس دون معاناة وألم من الإيمانية التبشيرية الدعائية إلى التساؤلية العقلية المنطقية، ومن هذه الأخيرة إلى النقدية الحقوقية الإنسانية، في إطار جدل مع النفس ومع الآخر، مع نقد ذاتي ومحاولة للفهم أولاً ثم للإقناع والتغيير ثانياً، وهكذا استمرّ المونولوج الداخلي بنبرة أعلى  لينتقل تدرجياً من الجوّانية إلى البرانية ومن الأنا إلى الآخر، ومن الآخر إلى النحن، في منهج قرائي جديد للمادية الجدلية ومحورها الماركسية العقلانية غير الشعاراتية وربط ذلك بالواقع العربي والعراقي ومشكلاته وهمومه ومعاناته وتطلعاته، أي الانطلاق من الواقع وليس من النظرية، وتكييفها في ضوء البراكسيس وليس محاولة تكييف الواقع للافتراضات النظرية غير المختَبِرة أو المُمتحِنَة، لأنها ظلّت مجرد وعود وردية تجريدية لغايات نبيلة، لكنها كانت أقرب إلى الأحلام وأحياناً الأوهام قُدّم بعضها بصيغة مفصولة عن الواقع وغريبة عنه، بل ومسقطة عليه؛

حاول البعض الآخر ضمن قراءاته المبتسرة والدعووية  وفهمه المبسّط  والمحدود تقديم الماركسية بنكهة قروية أو ريفية أو بدوية خارج منطلقاتها الأساسية، ناهيك عن التطبيقات المشوّهة التي عرفتها الأنظمة الاشتراكية التي أفسدت محتواها المدني والإنساني والجمالي المتحضر والراقي.

ولعلّ هناك دائماً علاقة عضوية بين الوسيلة والغاية، فلا غاية شريفة وعادلة يمكن الوصول إليها بوسائل غير شريفة أو غير عادلة، فالوسيلة جزء من الغاية مثل البذرة من الشجرة على حد تعبير المهاتما غاندي، وإذا كانت الوسيلة منظورة وملموسة، فالغاية بعيدة المدى، ولا يمكن إدراكها إلّا بوسائل إنسانية أولاً وقبل كل شيء.

وإذا كانت محاولة يوسف سلمان يوسف (فهد) أمين عام الحزب الشيوعي العراقي الذي أعدم العام 1949 مهمة، لجهة قراءة الواقع وتقديم بعض الاجتهادات  الأولية انطلاقاً منه على الرغم من هيمنة العقلية الستالينية الإيمانية، إلّا أنه لم تجرِ محاولات لاحقة  ومعمّقة أكثر شمولية وانفتاحاً لتراكم عليها، بل على العكس ساد نوع من الركود والكسل اللذان أصبحا مهيمنين بشكل عام على القيادات الحزبية باستثناءات محدودة، وكانت غالبية الأنشطة  تدور في فلك المسلكية الحزبية والعمل الروتيني والإداري اليومي، أما التنظيرات فيتم ضخّها  عبر المركز الأممي وإلحاقاته للأحزاب الشقيقة في مرحلة الكومنترن أو بعده، سواء فيما يتعلّق بفكرة التعايش السلمي والتطوّر اللّارأسمالي  ودور "الديمقراطيين الثوريين" والتحالفات الطبقية والسياسية والموقف من القضايا القومية، ولاسيّما القضية الفلسطينية، في قراءة بعيدة في الكثير من الأحيان عن الواقع، وعن نبض الناس وانشغالاتهم.

يضاف إلى ذلك التعويلية والاتكالية التي اعتادت عليها الغالبية الساحقة من الإدارات الحزبية، التي عاشت حالة ترهل وتقليد  ومحاكاة للسائد، حفاظاً على مواقعها  الحزبية، لاسيّما والمنافسات المشروعة وغير المشروعة بين القيادات كانت سائدة ومحمومة، حيث كان البعض يبالغ بولائه وتبعيته "للخارج الأممي" للاستقواء على الداخل الحزبي" بتوصيات من الأول هي الأقرب إلى التعليمات وتحديداً بالتعويل  على موسكو أو الصين بالنسبة لبعض الجماعات المحسوبة عليه وتوجهاتها.

ولم يقتصر هذا الأمر على الحركة الشيوعية بل أن إدارات الحركة القومية العربية هي الأخرى لم تكن بعيدة عنه بجناحيها الأساسيين:  الأول - الحركة الناصرية التي بلغت أوجها في مطلع الستينات، لكنها بدأت بالانكماش والجمود والتشتت بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر العام 1970، بل إن بعضها لم يرتق إلى المرحلة المتقدمة الأخيرة من حياة عبد الناصر وتوجهاته التي ينبغي أن تؤخذ في سياقها التاريخي، ولم يعد الاكتفاء اليوم بشعارات عمومية لمواجهة مشكلات مستحدثة وعميقة. والثاني - حركة البعث التي تحوّلت في العراق من شعارات تحرير فلسطين والوحدة العربية والحرية إلى تمجيد وتقديس وتأليه "القائد الضرورة" التي أطلق عليه ميشيل عفلق وهو مؤسس الحزب "هبة السماء إلى الأمة وهبة  البعث إلى الشعب "  ومثل هذا الوصف لم يأتِ حين اتخذ قراراً جريئاً بتأميم النفط العام 1972، وفي ظلّ حماسة رومانسية مثلاً، وإنما جاء بعد إعدام نخبة من قيادات حزب البعث في العام 1979 دون محاكمة أصولية، وفي مقدمتهم عبد الخالق السامرائي، وحرب ضروس مع إيران دامت 8 سنوات دفع العراق ثمنها باهظاً1980-1988 ووحدانية إطلاقية في الحكم لم يعرف العراق لها مثيلاً.

وقد سألت القيادي البعثي السابق الصديق صلاح عمر العلي عن تفسيره لذلك، فروى لي خلفيات ذلك بقوله: زرت ميشيل عفلق في باريس العام 1989، برفقة طلال شرارة وهو أحد القيادات البعثية  اللبنانية سابقاً أيضاً، والتمسته  البقاء في باريس وعدم زيارة بغداد وإعطاء تصريحات يستغلها الحاكم  ويجيّرها لصالح مغامراته وارتكاباته، الأمر سيعطي انطباعاً بعدم رضائك عن سياسات الرئيس صدام حسين، ويضيف العلي: لقد وعدني ميشيل عفلق بذلك، لكنه بعد شهرين عاد إلى بغداد وأدلى بذلك التصريح (عن سابق إصرار) ويكاد يكون تصريحه الأخير الذي ختم به حياته السياسية، كاشفاً ضعفه المستمر.

أسوق هذه الأمثلة بهدف المراجعة الشاملة والنقد الذاتي للأفكار والممارسات الشمولية التي سادت لدى جميع القوى والقيادات، بعناوين معظمها مستمدة من كتاب لينين: ما العمل؟ أو ما سمّي بالمركزية الديمقراطية، ونظام الطاعة الفولاذي وخضوع الأقلية للأكثرية والهيئات الدنيا للهيئات العليا تحت عناوين وحدة الإرادة والعمل، وعدم التبشير بالآراء خارج نطاق التنظيم، ناهيك عن عقوبات غليظة، وهو الأمر الذي ساد لدى جميع الأحزاب الشيوعية التي كانت الطبعة الستالينية مهيمنة عليها.

وفي الأحزاب القومية والبعثية، كان شعار "نفذ ثم ناقش" الأساس الذي اعتمدت عليها، وهو مستوحى من ذات المنهج الشمولي الشيوعي وقد اتبعته الأحزاب الإسلامية أيضاً، بما فيها "حركة الأخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية الشيعية"، للتبريرات نفسها، ولاسيّما في ظروف العمل السرّي والخشية من اختراقات العدو، ولكن هذه العناوين ذاتها تحمل في طياتها توجّهات تسلطية وتسمح للقيادات باتخاذ قرارات نابعة من اجتهاداتها التي  قد تكون مدمّرة، فما بالك حين تكون تلك القيادات لا تتمتّع بالحد الأدنى من التفكير السليم والثقافة العامة والمعرفة بمجتمعاتها، ناهيك عن نزاهة أخلاقية وشعور عال بالمسؤولية، وهكذا تم التفريط بالكثير من الكفاءات المخلصة والمواهب الواعدة بادعاء فهم خاص للآيديولوجيا وتطبيقاتها التي شهدت جرائم كبرى وأعمال إبادة لا حدود لها.

بين بكين وموسكو وهافانا

لم تثرني الشعارات الصينية، خصوصاً تلك التي ارتفعت موجتها في حمّى الثورة الثقافية والتي لوحق فيها المثقفون وأحرقت كتبهم واقتيدوا إلى معسكرات الاعتقال وجرى تشويه سمعتهم، بل كنت أقرب إلى فكرة التطور والتراكم، خصوصاً السرعة الهائلة التي استطاع فيها الاتحاد السوفييتي إعادة بناء ما خربته الحرب والآمال التي عوّلت عليه بشأن التقدم العلمي والتكنولوجي، ووجدت في كلمة نيكيتا خروشوف (1960) من أن الاتحاد السوفييتي سيدخل مرحلة الشيوعية العام 1980 شيئاً كبيراً وعظيماً في السباق التاريخي بين الرأسمالية والاشتراكية، وهو ما كنت أميل إليه وشكل ركناً مهماً من تفكيري في تلك المرحلة، التي لا تخلو من رومانسية شبابية.

وكنّا نردّد حينها أن السمة الأساسية لعصرنا هي " الانتقال من الرأسمالية للاشتراكية"، لاسيّما بالتحالف مع "حركات التحرر الوطني" التي تقترب من معسكر الاشتراكية، وهو الذي سيتم عبره وبنضال الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية هزيمة الامبريالية باعتبارها حسب كتاب لينين "أعلى مراحل الرأسمالية" وذلك بالتعايش السلمي والصراع الفكري والمباراة الاقتصادية والمكاسب التي يمكن أن تتحقق للشعوب.

كما لم أستسغ حينها الشعارات التي اجتاحت الوسط الشيوعي واليساري خلال الموجة الجيفارية مع أنني من أشد المعجبين بجيفارا كأحد أبرز ثوريي القرن العشرين، وقد دونت ذلك في كتاب " كوبا- الحلم الغامض"، الصادر عن دار الفارابي، بيروت، 2011، بعد زيارتي لكوبا، مقدّماً قراءة جديدة بعيدة عن التمجيد لتجربة تستحق الدراسة ولشعب عانى الحصار ومحاولات الإذلال، لأكثر من نصف قرن من الزمان، ويبقى أمامه اليوم اجتياز معركتي الحرّيات والتعدّدية من جهة، والحصول على التكنولوجيا، التي بدونهما لا يمكن لكوبا الاستمرار إلى ما لا نهاية في أوضاعها الحالية.

وإنْ كنتُ قد عقدت صداقات حميمية مع العديد من الذين تأثّروا بالتوجه الجيفاري الثوري من العراقيين والعرب والفلسطينيين بشكل خاص في بغداد وعدد من البلدان العربية، وكنت أدخل بنقاشات طويلة مع العديد منهم، وقد ذكرت ذلك في أكثر من مناسبة، لكنه من الجهة الأخرى، كانت الآمال التي عقدتها على هذا التوجه الآخر تتبدّد ويطير بعضها، فقد كانت تراجعات الاشتراكية أمام الرأسمالية واضحة وصريحة حيث عانت الأولى من البيروقراطية والترهّل وشحّ الحرّيات وانتهاكات حقوق الإنسان ووصلت التنمية إلى طريق مسدود، خصوصاً وأن الكثير من الأرقام والمعطيات لم تكن صحيحة، بل مشوّهة وغير دقيقة وهو ما كانت تقدّمه أجهزة الدعاية الاشتراكية ووكالاتها الإعلامية وتقوم بنشره وكالة نوفوستي  وأنباء موسكو وغيرها.

وبنوع من المبالغة وسوء التقدير كنّا نتبنّى تلك المعلومات باعتبارها حقائق غير قابلة للشك، والهدف من ترويجها هو إثبات أفضلية وتفوق النظام الاشتراكي على النظام الرأسمالي، وكان البعض يغالي في نقد وتفنيد واتهام أي وجهات نظر أو معلومات مغايرة تحاول النيل من صحة أو دقة المعطيات المقدّمة من الدول الإشتراكية، ولاسيّما تلك التي تأخذ طريقها إلى الإعلام الغربي. وقد فوجئ جمهور الشيوعيين في بلادنا والعالم بأن التقرير الذي ألقاه خروتشوف بالمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي العام 1956، وهو المؤتمر الذي أدان الحقبة الستالينية وكشف بعض الارتكابات والجرائم التي قام بها الزعيم الذي كنّا نعتبره " أبو البروليتاريا" العالمية و"محرر الشعوب" والقائد الفذ، العبقري، وبطل الحرب العالمية الثانية.

وكم كانت الصدمة كبيرة حين اكتشفنا أن التقرير كان صحيحاً، بل هو أقل من الواقع بكثير؟ ولم يكن التقرير نسيجاً حيكَ من خيوط خارجية صنعت في المصانع الغربية، بل هو حقيقة ما كان يجري في الستار الحديدي ومعسكرات الاعتقال تلك التي تحدّث عنها لاحقاً المنشق سولجنستين  في رواية " أرخبيل كولاغ" حيث قضى فيها نحو 8 سنوات . يضاف إلى كل ذلك نهج الواحدية والإطلاقية وعدم الإقرار بالتنوّع والتعددية والرأي الآخر وحجب الأصوات المعارضة ومصادرة حق النقد وملاحقة المنتقدين واتهامهم، وقد دفع المثقفون قسطاً وافراً من ذلك.

ولعلّ ذلك وغيره وبمرور الأيام ما أخذ يطرح أسئلة داخلنا وتململات مباشرة أو غير مباشرة يجري التعبير عنها بأشكال مختلفة، لكن انشغالاتنا الداخلية طغت عليها وإن كانت قد استمرت معنا وارتفعت وتيرتها مع بعض حركات الاحتجاج التي بدأت في البلدان الاشتراكية، وأتذكر ميثاق العام 1977- Charter 77 الذي أصدرته مجموعة المثقفين التشيكوسلوفاك منتقدة الأوضاع السائدة  وشحّ الحريات، وقد كان ذلك شرارة أولى لحركة الاحتجاج الواسعة التي وصلت ذروتها بانهيار جدار برلين العام 1989، وتفكّك وتحلّل الكتلة الاشتراكية التي بدت هشّة وخاوية من الداخل، في حين كانت للناظر من الخارج تبدو قلاعاً محصنة على حد تعبير جون بول سارتر الذي سبقنا بنحو ثلاث عقود في رؤية هذه الحقيقة.

غورباتشوف : البريسترويكا في الوقت الضائع

لا شكّ أن سباق التسلح وتخصيص الولايات المتحدة تريلوني دولار له خلال ما سمّي بـ  حرب النجوم في مطلع الثمانينات، ساهم في الانهيار السوفييتي وعدم القدرة في مجاراتها، وقاد هذا إلى التراجع غير المنظم ولم تفلح محاولات غورباتشوف بشأن البريسترويكا والغلاسنوست لإعادة البناء والعلانية، فقد جاءت متأخّرة وغير متدرّجة ودون تهيئة واستعداد، ولم تكن مدروسة، بل كانت فوقية، في ظل غياب قناعات  للتغيير وفقاً لتراكم طويل الأمد ومستلزمات  مادية ومعنوية، وخصوصاً لشبكة الكوادر الحكومية والإدارية والحزبية والجماهيرية ووضع معالجات اقتصادية واجتماعية وثقافية وقانونية وتربوية ونفسية لتحقيق ذلك، علماً بأن الخراب كان قد انتشر والانسداد الاقتصادي والتنموي أصبح حقيقة ظاهرة والترهل الحزبي والحكومي والفساد المالي والإداري صار جزءًا من الروتين اليومي، فضلاً عن شح الحرّيات وقلّة الأجور وعدم تلبية حاجات الناس المتعاظمة تماشياً مع التطور الكوني، بحيث أصبح الإصلاح عسيراً، لاسيّما بوسائل قديمة.

يضاف إلى ذلك الاختراقات الكبيرة التي جرت من جانب القوى المعادية للإمبريالية في "حرب ناعمة" مدّت جسوراً عبرتها البضائع والسلع والأفكار والسيّاح على حد توصيفات المجتمع الصناعي - الحربي، الذي استخلص ذلك من "مجمّع العقول" أو "تروست الأدمغة" الذي عمل بمعيّة الرئيس كيندي والذي عبّر عنها الرئيس جونسون بحرب الجسور لتهيئة التغيير المنشود دون بزّات قتال واشتباكات عسكرية، بل بواسطة وسائل الحرب النفسية والآيديولوجية والدعائية، حتى سقطت التفاحة الناضجة بالأحضان.

طريق الحرير والحزام وفلسطين

كثير منّا بسبب حالات القنوط واليأس والتشاؤم من إصلاح الأوضاع،  وخصوصاً في ربع القرن الماضي عوّل على الصين التي ستربح المعركة وتتفوّق في مشروع التنمية المستدامة 2030 اقتصادياً على واشنطن وستبني طريق الحرير  الجديد " الحرير والحزام" الذي سيغيّر وجه العالم، وذلك في إطار تعويضية نفسية لفقدان القدرة على التأثير المتوازن بفعل اختلال المعادلة الدولية ومعاناتنا من صدمة الاستعمار وصدمات النكبة 1948 والهزيمة 1967 وضياع فلسطين  والانحياز الكامل من جانب الغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة لـ"إسرائيل".

وقليل منّا من أخذ ينظر إلى الصين من منظور مختلف، فهي في نهاية المطاف ليست الصين التي في رومانسيتنا اليسارية الطفولية السابقة أو التي ظلّت تدور في مخيّلتنا الحالمة بالتغيير ونظامها ليس هو الذي كنّا نعوّل عليه في مطلع الخمسينات، خصوصاً بدعم القضية الفلسطينية وقضايا الحقوق العربية، وهو حتى وإنْ تفوّق على الولايات المتحدة فما الذي سيفيدنا وإنْ كانت الفائدة غير مباشرة بإضعاف أعدائنا، لكنه من الجهة الأخرى  سيضعنا حين يعزز علاقاته مع عدونا  الأساسي "إسرائيل"، وهذا سيكون على حسابنا أراد أو لم يرد ذلك .

لم تتم مراجعة الكثير منّا للتجربة الصينية، فكيف يمكن غضّ النظر عن ارتكابات وإن أصبحت شائعة، واعتبارها مجرد مبالغات كثيرة، بل هي جزء من الدعاية السوداء للامبريالية، وهي ليست بعيدة عن الصراع الأيديولوجي، حيث يبقى "الإنسان مقياس كل شيء" على حد تعبير  الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس  والحرّية هي القيمة العليا ومن يقرأ رواية "بجعات بريّة- دراما الصين في حياة نساء ثلاث - 1909-1978 " لمؤلفته يونغ تشانغ، يدرك حقيقة المعاناة الإنسانية والواقع المرير الذي عانى منه الصينيون الذي تعرضوا لمحق إنساني حقيقي.

وإذا كان ذلك ماضياً، فبكين تنافس اليوم واشنطن وتتربّع على قمة الاقتصاد العالمي كثاني دولة  في العالم وفي سباق محموم معها إلى العام 2030، ولكن علينا أولاً وقبل كل شيء البحث عن موقعنا في هذا التقدم وكيف يمكن توظيفه في الكفاح الوطني العربي من أجل استعادة حقوقنا، ولاسيّما ارتباطاً مع بؤرة التوتر ومشروع الحرب المستمرة في المنطقة وأقصد بذلك "إسرائيل"؟

ما يلفت انتباهي اليوم هو التحوّل الكبير الذي طرأ على السياسة الصينية، وخصوصاً في موضوع العلاقة مع "إسرائيل"، فقد كانت الصين تعتبر "إسرائيل" قوة احتلال وسلطة اغتصاب وقاعدة متقدّمة للإمبريالية، كما تصفها، إلّا أن التغييرات التي حصلت على النطاق العالمي واختلال موازين القوى الدولية والتحوّلات الداخلية في الصين، ناهيك عن النكوص العربي وغياب الحد الأدنى من التضامن العربي، شجّع الصين وغيرها على المضي في هذا الاتجاه، علماً بأن للعلاقات العربية- الصينية تاريخ طويل، ولا أتحدث عن الماضي السحيق وطريق الحرير ووصول العرب والمسلمين إلى الصين، بل العلاقات المعاصرة.

يكفي أن نلقي نظرة سريعة على ذلك منذ نجاح الثورة الصينية في العام 1949، التي لقيت حماسة عربية شعبية، لاسيّما بعد لقاء الرئيس الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الرئيس الصيني شوان لاي في مؤتمر باندونغ الأفرو آسيوي، والذي كان نواة لتأسيس حركة عدم الانحياز العام 1961 ومجموعة الـ 77 لاحقاً، وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية المصرية- الصينية الرسمية في 30 مايو (أيار) 1956، أما العلاقات الدبلوماسية  السورية - الصينية فقد بدأت في 1 أغسطس (آب) 1956 وتطوّرت بوتيرة عالية . وكانت  العلاقات العراقية - الصينية قد بدأت باعتراف الصين يوم 16/7/1958 بالنظام الجمهوري في العراق وبعدها بيوم واحد اعترف العراق بجمهورية الصين الشعبية، علماً بأن الصين من بين الدول الأولى التي دعمت الثورة الجزائرية واعترفت بالحكومة المؤقتة بعد إعلانها في سبتمبر 1958 حيث أقيمت لاحقاً العلاقات الدبلوماسية الجزائرية - الصينية، كما وقفت إلى جانب الثورة في الجنوب اليمني، حيث أقيمت العلاقات الدبلوماسية اليمنية - الصينية في 24 سبتمبر (أيلول) 1956 مع الشطر الشمالي (جمهورية اليمن العربية) وبعد تحرير الجنوب تأسست العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجمهورية الصين الشعبية في يوم 1 يناير(كانون الثاني) 1968 .

وقبل ذلك كانت الصين قد ساندت مصر ضد العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي "الإسرائيلي"، واتّخذت مواقف مؤيدة للحقوق العربية في مؤتمر باندونغ لعدم الانحياز العام 1955 واعترفت في العام 1965 بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني وافتتحت مكتباً لها، ووقفت إلى جانب العرب ضد العدوان الإسرائيلي العام 1967.

وماذا عن "إسرائيل"؟

فما الذي يدفع الصين لتوثيق علاقاتها مع "إسرائيل"؟ والتي ستكون على حساب حقوق الشعب العربي الفلسطيني، حيث ستتمادى "إسرائيل" في تعنتها وعدم استجابتها إلى حل سلمي وعادل أساسه حق تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية وعاصمتها القدس الشريف. ولعلّ هذا السؤال المحوري بحاجة إلى تفصيل وتفكيك.

وحسبما يبدو إن الصين تريد عن طريق علاقتها مع " إسرائيل" اختراق منطقة النفوذ الأمريكي من خلال أسواق تعويضية، خصوصاً حين استخدمت واشنطن العقوبات ضدها بفرض رسوم جمركية ثقيلة على البضائع والمنتجات الصينية للحيلولة دون انتشارها في السوق الأمريكية . وعن طريقها تريد بيع الروبوت " الإنسان الآلي"، إضافة إلى بعض تكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية وتوظيفها في قضايا التجسّس.

وبالعودة إلى تاريخ العلاقات "الإسرائيلية"- الصينية  فإن "إسرائيل" بادرت  إلى الاعتراف بالصين  في يناير(كانون الثاني)  1950، لكن الصين اكتفت بإرسال رسالة شكر باردة حتى وإن اعترفت بها، لكن العلاقات الدبلوماسية لم تنشأ إلّا في التسعينات، وهو الأمر الذي سارت عليه العلاقات الإسرائيلية- الهندية أيضاً، حيث حصل الاعتراف في الخمسينات، لكن العلاقات لم تقم إلّا في التسعينات أيضاً ويمكن القول أن العلاقات الصينية- "الإسرائيلية" مرّت بعدّة مراحل وهي:

المرحلة الأولى - الخمسينات والستينات والتي شهدت إحجاماً من جانب الصين على التعاطي مع "إسرائيل" الذي وصل ذروة تشدّده ضدها في الستينات.

المرحلة الثانية - السبعينات فقد بدأت بمدّ الجسور لتهيئة الأجواء لإقامة العلاقات الدبلوماسية لاحقاً وبدأت بعد قبول الصين عضواً في الأمم المتحدة التي استعادت موقعها في مجلس الأمن الدولي كعضو دائم العضوية.

المرحلة الثالثة - التسعينات، وهي مرحلة التطبيع الكامل وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية في يناير (كانون الثاني) 1992 كما سنأتي على ذكره. وبقدر ما كانت تتعزّز علاقة الصين بـ"إسرائيل" فإن الموقف من القضية الفلسطينية كان يأخذ بالفتور، بعد أن مدّت الصين الثورة الفلسطينية والعديد من قوى التحرر العربية بالسلاح والمساندة، وأتذكّر تصريح رئيس الوزراء الصيني والشخصية المؤثرة حينها بعد ماوتسي تونغ، شوان لاي على هامش مؤتمر حركة عدم الانحياز في الجزائر العام 1964 مخاطباً الفلسطينيين والعرب بالطبع: "فجرّوها ولو بعود كبريت، فقضيتكم عادلة" وهو ما كنّا نتغنّى به، لكن هذا الموقف تغيّر ارتباطاً بتغيّر الأوضاع.

جدير بالذكر أن الاستثمارات الصينية الكبرى في " إسرائيل" تعود إلى العام 2015، علماً بأنه في العام 2000 قام الرئيس الصيني جيانغ زيمين  بزيارة لـ "إسرائيل" ورداً عليها كلّفت "إسرائيل" إيهود أولمرت  وزير التجارة والصناعة "الإسرائيلي" الأسبق (قبل أن يصبح رئيساً للوزراء) بزيارة الصين  في العام 2004 على رأس وفد ضخم لم يسبق لـها أن أوفدت مثله إلى أي دولة في العالم، وضم الوفد أكثر من 200 شخصية قيادية للقطاعات كافة وبضمنه رجال أعمال معروفين، وحين أصبح أولمرت رئيساً للوزراء عاد وزار الصين في العام 2007.

وأود التنويه هنا إلى أن بنيامين نتنياهو كان قد زار الصين في العام 1998 أي قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، وقد كانت زيارته المهمة إلى بكين في العام 2013 بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ  الذي دعا في المدة ذاتها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أيار/مايو/2013) وطرح عليهما مشروعاً للتسوية السياسية وإعادة المفاوضات تألف من أربعة مقترحات، أولها - إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، ثانيها - احترام حق "إسرائيل" في الوجود وضمان الاحترام الكامل لأمنها واعتبار المفاوضات الطريق الوحيد لتحقيق السلام بين الطرفين، وثالثها- اتباع مبدأ الأرض مقابل السلام وفقاً لمقررات الأمم المتحدة ورابعها- حث المجتمع الدولي على تقديم ضمانات ضرورية لدفع عملية السلام، وأبرمت خلال تلك الزيارة العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية - الصينية، وكان ذلك بعد أن رفع العرب الحرج عن مثل هذه العلاقات مع تل أبيب وبدأ الأمر تدريجياً منذ اتفاقيات  كامب ديفيد 1978-1979 واتفاق أوسلو العام 1993.

وقد بدأ التقارب "الإسرائيلي" - الصيني العملي في العام 1971 حين صوتت "إسرائيل" لصالح قبول الصين في الأمم المتحدة، وفي عقد الثمانينات شهدت العلاقات خطوات تمهيدية لإقامة التمثيل الدبلوماسي، لاسيّما بعد لقاء شمعون بيريز مع نظيره الصيني تشيان تشي تشن (أيلول/سبتمبر/ 1988) في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت التسعينات هي مرحلة الانفتاح الدبلوماسي والاقتصادي على "إسرائيل" التي حصلت على اعتراف أكبر دولة في العالم من حيث عدد النفوس بعد أن بدأت علاقاتها تعود بالتدرّج مع الدول الاشتراكية السابقة (منذ منتصف الثمانينات) واستعادت " إسرائيل" علاقاتها مع عدد كبير من الدول الأفريقية التي تم قطعها إثر عدوان العام 1967 وحرب العام 1973 (حوالي 30 دولة)، وحصل ذلك في ظل التراجع العربي وبعد اجتماعات مدريد تمهيداً لاتفاق أوسلو 1993.

وهكذا بدأت تتعمّق العلاقات الصينية - "الإسرائيلية"  في مجالات علمية وتكنولوجية واقتصادية وعسكرية وأمنية وتجارية، حيث تبرعت الصين ببرنامجيات حديثة وتقنيات الكومبيوتر إلى " إسرائيل" وتطمح إلى الاستفادة من تطوير وتجهيز الطائرات المسيّرة التي تستخدم في الرصد والمتابعة والمراقبة والتصوير.

ولا يعني هذا أن الصين تهمل العلاقة مع العرب، حيث كانت الزيارة الأولى للملك السعودي عبدالله في  العام 2006 وقعت خلالها خمس اتفاقيات حول الطاقة وتعتبر فتحاً كبيراً في العلاقات الصينية - السعودية  التي احتفت بها كثيراً علماً بأن العلاقات الصينية - السعودية أقيمت في العام 1990، وبدأت زيارات عربية عديدة مصرية وعراقية، لكنها لم تستكمل أو لم تكن بمستوى العلاقات مع تل أبيب، ولقيت معارضة أمريكية، وهو ما بحاجة إلى منظور استراتيجي متوازن للعلاقات العربية مع الدول الكبرى وأساساً تعاون وتنسيق عربي لما فيه فائدة الجميع، لاسيّما إذا اتسم برؤية موحدة على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

آيديولوجيا التجارة

علينا أن ندرك أن مرحلة  الآيديولوجيا في الصين قد انتهت، على الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني ما يزال حاكماً ومهيمناً، بل مستأثراً بحق العمل السياسي والنقابي والمهني، وقد عقد مؤتمره الأخير في آب /أغسطس 2019، إلا أن العقل الصيني التجاري بالتلاقح مع التراث الفلسفي والثقافي غلب على الفكر الشيوعي، خصوصاً بإحياء تراث لاوتسه وكونفوشيوس وغيرهما، لاسيّما العودة الحميمة إلى الثقافة والتاريخ الصيني القديم، باعتباره ذخيرة فكرية وإنسانية محفّزة لأوضاع الحاضر، بعد أن شهدت الصين قطيعة أبستمولوجية (معرفية) معه  خلال الثورة الثقافية، وعاد الاعتزاز بالتراث والتاريخ الصيني كونه إثراءً للحاضر واستشرافاً للمستقبل، بعد أن تم تطليق مرحلة التزمت الآيديولوجي وأمراض اليسارية الطفولية، واستبدالها بمرحلة الانفتاح الاقتصادي والانتشار التجاري، والحديث بلغة المصالح وليس بلغة العقائد.

وإذا كان جيلنا  برومانسيته العالية ما زال يتذكّر الشعارات الصينية "الثورية" والتي تأثر بها العديد من تجارب الكفاح المسلح والحركات التحررية العربية والعالمثالثية، إلّا  أن علينا الإقرار بأن تلك المرحلة قد طويت تماماً ولم وتبقَ إلّا في كتب التاريخ وذاكرتنا المتعبة، فلم تعد القيادات الصينية ترتدي طواقم الملابس الخشنة والموحّدة والصالحة لكل المناسبات باعتبارها دليل "ثورية" مفرطة وطفولية يسارية ومساواة شكلية، فإنها اليوم في ظلّ ثقافة السوق والعرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والتمدّد التجاري ومنطق المصالح الذي يتقدم على كل شيء، أخذت تضاهي الغرب وأنظمته الرأسمالية بآخر صيحات الموضة العالمية وبحبوحة العيش والبذخ المفرط .

وإذا كان الماضي قد أصبح خلفنا بما فيه من مراهقة سياسية، فعلينا أن ندرك اليوم أن العالم لا يُدار بالعقائد والعواطف والتمنيّات، بل وفقاً للمصالح والمنافع والمنافسة، وهو ما ينبغي أن يكون ماثلاً أمامنا، فالسياسة كانت وما تزال وستبقى " صراع واتفاق مصالح" في أبسط تعريفاتها، أي علينا الاستفادة من دروس الماضي، فلم يعد ثمة مكان لذلك، حيث  تغيّر العالم كثيراً وتشابكت علاقاته وتداخلت مصالحه وانشطرت محاوره وتشكّلت كتل جديدة، فالماضي مضى ولا يمكن استعادته.          وعلينا كعرب أن نعي ذلك وندرك الواقع ونتفهم مستجداته وتبعاته وبالتالي التعامل منه.

علينا أيضاً أن نشخّص نقاط ضعفنا ونعالج أسباب تشتت مواقفنا وغياب الحد الأدنى من التضامن بيننا، ناهيك عن التعاون والتنسيق، وليس بإمكاننا اليوم استخدام سلاح النفط مثلما فعلنا بُعيد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 والذي كان تأثيره فعّالاً، وما تزال أصداؤه حتى الآن، وقد أحدثت تلك الصدمة، إضافة إلى انهيار سوق الأوراق المالية 1973-1974 أزمة كبيرة على المستوى الكوني، لاسيّما حالة الكساد والانكماش الاقتصادي التي أصابت العالم. وإذا أدركنا أن العالم تغيّر فعلينا أن نتغيّر أيضاً، وذلك باعترافنا أولاً وقبل كل شيء أننا نعيش في أزمة مستفحلة وأن بعض الأوراق التي كان بإمكاننا استخدامها في السابق لم يعد ممكناً استخدامها حالياً، وعلينا بعد ذلك تشخيص أسبابها وسبل الخروج منها، وتلك طريق لا يتسع لوهم جديد، بل ينطلق من الواقع.

 

د. عبد الحسين شعبان – مفكر عربي

 

مجدي ابراهيمتظهر الأصول الثوريّة كدعائم ثقافية في الأديان الكتابية على وجه الخصوص، وتحيطها الكتب المقدَّسة إحاطة مركزة؛ فالتوراة والإنجيل والقرآن مصادر أولية مرجعية لأصول الثقافة الثورية، لكن أشملها مصدراً وأصدقها أصلاً هو القرآن الكريم؛ لأنه أثبتها قيمة وأحكمها سياقاً وأكثرها اتساقاً وأحفظها علماً وإحاطة، وأقدرها قناعة للقارئ الموضوعي المقارن بين ودائع الكتب المنزلة المقدسة، والمستنبط ببصيرته الواعية مقدار الاتساق بين نصوصها وحروفها.

فالنقد اللغوي والتاريخي يبرز أحقية القرآن لصفة الصدق والشمول وفي أحكام العلم والإحاطة، وبخاصّةٍ فيما لو وضعنا في الاعتبار تحريف التوراة وتبديل الإنجيل، وأن العبث من طريق التحريف والتبديل يقدح في مرجعيتهما في حين يثبت مرجعية القرآن الكريم.

ويعدُّ النقد التاريخي للكتب المقدَّسة على وجه العموم أحد المناهج العلمية التي اتسمت بها الفلسفة الحديثة، كما يعتبر في المجمل من أهم مكاسب الحضارة الأوربية بالنسبة لدراسة التوراة والإنجيل، نتجت عن تأليه العقل في القرن السابع عشر، واخضاع الطبيعة له، فكما يكون هناك نظام للطبيعة، تكون هناك قوانين لضبط صحّة الرواية، ولا فرق بين الظاهرة الطبيعية والنص الديني : كلاهما يخضع للقواعد العقل. وقد حمل لواء النقد التاريخي واللغوي في هذا القرن ثلاثة : سبينوذا، وريشارد سيمون، وجان أوستريك. 

هنالك كان النقد في حدّ ذاته يمثل ثورة على الانحراف عقلية، على جمود تراءى في متون النصوص بوصفها مقدسة وهى لا تحمل في داخلها إلا الاضطراب. ولم يكن النقد التحليلي لكتب العهد القديم بالذي يغفل التناقض في أسفار المِقْرَا أو يتجاهل وجوده الظاهر من أول وهلة لا من جهة العلم أو العقل أو التاريخ. وقد كان سبينوذا بحق من أوائل الفلاسفة اليهود الذين وضعوا لأنفسهم منهجاً نقدياً لغوياً يقوم على دعائم النقد ومقارنة النصوص بعضها بالبعض الآخر, ومعرفة ظروف تدوينها واللغة التي كتبت بها, وعلى الفحص التاريخي اللغوي لكي يتم له تحقيق النصوص ومعرفة مدى صحتها واتساقها حيث قال: "عقدتُ العزم على أن أعيدَ من جديد فحص الكتاب المقدس بلا ادعاء وبحرية ذهنية كاملة, وألا أثبت شئياً من تعاليمه أو أقبله ما لم أتمكن من استخلاصه بوضوح تام منه. وعلى أساس هذه القاعدة الحذرة وضعتُ لنفسي منهجاً لتفسير الكتب المقدسة" (رسالة في اللاهوت والسياسة : ص 114)، وهو ما طبقه في نقده لأسفار الكتاب المقدّس، إذْ أظهر التناقض وأوضح إمارات الاضطراب.

ولئن كان النقد يمثل ثورة من جهة العقل التحليلي، إذ يظهر الاضطراب في النصوص، بفعل التدخل البشري؛ فإنّ أصل النص نفسه - قبل أن يُحرف - يمثل ثورة من جهة الوحي على كل وضع مقلوب؛ فثورة النقد العقلي إذن تصحيح لمسار ثورة الوحي، تواكبها وتماشيها كحذو النعل بالنعل، هى تكميل لها وتتميم، إذ كانت الغاية الهادفة التي يرومها قصد الإصلاح سواء من جهة الوحي أو من جهة العقل.

ولا يعني هذا، طبعاً، أن ثورة الوحي كانت ناقصة، فكملها العقل ثم تمّمها بعد نقصان؛ بالطبع لا، ليس هذا هو المقصود؛ فالتمام والكمال في الوسائل الإدراكية هو المقصود : في المناهج التي توصّل إلى المقاصد، إذْ العقل وسيلة شريفة لإدراك حقيقة الوحي، وإدراك صحة مقاصده. ومن هنا؛ كان التمام : بمعنى التماس المقاصد بالوسائل الشريفة.

ولم يشأ الفلاسفة المسلمون (ابن سينا، وابن طفيل، والسّهروردي المقتول) مثلاً فيما وضعوه من قصصهم الرمزية إلا أن تكون المقابلة بين مقاصد الوحي وصحة المقاصد العقلية في نهاية المطاف واحدة؛ لأن ثورة الوحي المقدّس في تصحيح الأوضاع المقلوبة هى نفسها ثورة العقل الذي يتخذ من النقد تصحيحَ مَسَار لغاية واحدة ولهدف واحد. وعليه؛ فاتفاق مقاصد الوحي مع عمل العقل النقدي، واستغراقه الدائم في البحث عن الحقيقة ومحاولة كشفها أمام البصائر والأنظار إنما هو شرعة مقبولة وهو شيء مُقرَّر فيما لو صحت هداية العقل بهدى البصيرة والإيمان. أمّا البصيرة العقيمة والإيمان الضعيف فهما اللذان يعطلان عمل العقل النقدي في الوصول على الغاية الصحيحة.

ولا يلزم من تقرير الصحة في ثورة الوحي أن تكون معارضة لعمل العقل النقدي؛ لأن هذا التعارض ينفي شرط الثورة كونها تغييراً جذرياً لواقع متردي، وينفي من ثمَّ قيامها في المجمل على مشروط العادة؛ باعتبار العقل النقدي فيها تصحيحاً لحركة الوعي ونقداً لاعوجاج كان بادياً في الفهم أو في التخريج أو في التصوّر أو في الاعتقاد، ثم اتخذ على شرط هذا كله، ضروباً منوّعة من عسف السلوك وضلالة الاعتقاد.

ولم يكن انحراف العقائد إلا رهانات مُحمّلة بقوى التحدي المناقض، نتجت من غياب البعد النقدي الذي يلزم عن مواكبة ثورة الوحي المقدّس، ولم يشترط فيها مسايرة العقل في أرفع عطاياه لثوابت الوحي، خلال عميلة التغيير والتصحيح؛ فالعقل تكميلٌ من هذه الجهة في ذلك المسار، وتصحيح.

وغيابه مشروط بشرط الانحراف عن ثورة الوحي المقدس، واتاحة الفرصة سانحة للكهانة المقدسة أن تعمل عملها الفاعل في المتاجرة بالدين واستلاب خصائصه؛ لتعطي لنفسها حق القداسة من دون ما هو مقدّس في ذاته، واتخاذه ذريعة ارتزاق، وتسويغ ما لم يكن سائغاً لا في العقل ولا في الشرع ولا في العلم ولا في التاريخ. ليس هذا فقط، بل تحريف الشرائع المقدسة وتبديل مقاصدها وإلباسها ثوب المنافع القريبة المرهونة بزمانها ومكانها، والقضاء على حيوتها وطلاقتها الروحية، والسّماح للحق المطلق أن يكون مقيداً بأوهام الرجال، عرضة لآفات الناس وأهواء التسلط والسيطرة والاستحواذ، ثم تشريع الشرائع فيما بعد لتصبح عقائد هي من وضع قادة الدين ورجاله لا من وضع الله تعالى. وهل نذكر حرف الكندي : ليس للدين رجال؟ لذلك كله، ومن أجل هذا كله؛ وجبت ثورة الوحي المقدس، ووجب للعقل أن يكون داعماً لها ومؤيداً، يترقبها رقابة منظمة، ليقها مغبّة الانحراف، لا يأتي حقيقة من علماء الدين، ولكن من عدماء الدين.

ولكن.. هل تسمى الثورة ثقافة؟

تصبح الثورية لا شك ثقافة حين يرتهن كل عنصر فيها بالوعي الإنساني، فتصاحب آفاق التفكير. إمَّا إذا نحن أخذنا الثقافة مجرَّد ترف عقلي ليس إلا؛ فلا حاجة بنا إلى إطلاق هذه الصفة على الثورية. وفي الحق؛ ليست الثقافة ترفاً عقلياً ولا هى بتحصيل حاصل ولكنها حركة الوعي دائم التفكير فيما هو حاصل؛ ليغيره بالصواب المقبول لا ليتمادى في خطأه المرذول.

وإذا قيل إنّ الثقافة عمل ذهني ليس إلا، بعيدٌ عن مصدر الوقائع والأحداث، وإنْ كان قريباً منها من حيث المعرفة، ليس بمستطاعه أن يغير من مجرياتها شيئاً في حين تكون الثورة مرهونة حرفياً وعملياً بتغيير الواقع، فإنّ هذا القول مردودُ عليه، إذ الواقع لا يتغير بداهة من تلقاء نفسه بل بمجموعة أفكار كبرى تشكل ثقافة سائدة بمقتضاها يحدث التغيير.

 وفي إطار تمثلاتها السياسية والاجتماعية وعقائدها الفكرية والروحيّة، تصبح أصول هذه الثقافة ثوريّة غير منازع؛ فما من ثورة مغيرة قامت إلا اتكأت على فكرة كبرى، تضمَّنت مجموعة من الأفكار المندرجة تحتها، فشكلت ثقافة سائدة، تجري على مقتضاها القناعات الجمعية. هنالك يكون التغيير محتوماً، ولا يمكن أن يتحتم التغيير وهو في معزل عن ثقافة سائدة، تشكلت من أفكار كبرى، وانتظمت مفرداتها وقوائمها حركة الوعي الجمعي العام. أمّا كون الثورية ثقافة، وفي القرآن الكريم؛ فهذا ممّا نقوم بتوضيحه في الصفحات المقبلة :                         

(1)

القرآن أصل الأصول الثورية الأول. وفكرة الثورة التي تحمل بين طياتها أسس التغيير، تتضمنه، وتنطلق منه، وتجيء خاصة ذاتية من خصائصه؛ ففي هذا الكتاب الثوري المبارك، معالم الثورة العارمة على ضروب الجهالة والتخلف والظلم والفساد، بمقدار ما هو ثورة كبرى على ضروب التقليد والرجعية والكساد.

هذا الكتاب ثوريُّ؛ لأن الثورة فيه هدفها أن تغيّر من عادات الناس وأخلاق الناس وطباع الناس، وتحولهم من طريق في الحياة إلى طريق، ومن منهج في العبادة إلى منهج. ولكن بماذا؟ ببلاغ من عند الله. ولا شرط لمثل هذا التغيير غير شرط "الثورة" في هذا البلاغ :"هذا بلاغ للناس"؛ هدفه الإنذار الذي يجيء فيه الإنذار بالعلم والعمل تغييراً لحياة الناس، وقلباً لأوضاع الحياة التي يعيشها آحادهم على سبيل العادة والألفة، لكأنما كانت حياتهم، في مجملها بموجب المألوف المعتاد، هى هي الحياة ولا حياة غيرها.

لم يكن هدف الإنذار البلاغي في القرآن إلا أن يقلب أوضاع الحياة التي يألفها الناس في سبيل حياة أفضل، أرقى ما فيها من ضروب الأفضليّة أنها تتغير وفق هذا البلاغ :"هذا بلاغٌ للناس" ثم ماذا؟ "ولينذروا به، وليعلموا إنما هو إله واحد، وليذكَّر أولوا الألباب". أول معالم هذه الثورة ومعطياتها الظاهرة تصحيح التوحيد، فكان من خصائص هذا البلاغ، الثورة على التعدديّة في الاعتقاد، إنّما هو إله واحد، حتى إذا ما جاء البلاغ تضمَّن أولاً ثورة في الإنذار على أن يكون الإنذار ضرباً من التغيير، يجيء فيه حكم الإنذار كفاية بما في القرآن من عظة وتذكير واعتبار، ومن هداية الناس بعد تعدد مفاهيم الضلال والإضلال.

وتلك بلا شك خاصيّة ذاتية للقرآن : أن تتحوّل فيه حياة الأرض من الدُّون إلى السماء والرفعة، وأن يتصل الفاني الزائل بالباقي الدائم، وأن تكون الغاية هنالك بعيدة بعيدة عملاً دائماً للإنسان مع الكدح إلى الله، فإنه ملاقيه. 

ففي هذا الإنذار تكمن الثورة على أوضاع بالية تتهتك فيها ضمائر البشر وتتفسخ فلا تستقيم، وتتفكك شخصياتهم مزقاً وآحاداً، وهم على هذه الأحوال والأوضاع، وليكن الإنذار تغييراً جذريّاً من الأساس، وقلباً مطلقاً لهذه الأوضاع بكل ما يمكن أن يكون فيها من وضوح واضح لمعالم الضلال، أو من فساد ظاهر لسائر الأحوال الإنسانية وجوانب الحياة المُعاشة في واقع الناس؛ يجيء الإنذار ليقلب في ثورة بلاغه للناس هذه الأوضاع والأحوال مُغيراً إيّاها من باطنها لا من ظاهرها وكفى، وهو لا يكتفي بإماطة الأذى عنها من خارج، بل يثور فيشمل أذاها الداخلي الذي من شأنه أن يتغلل في أعماق الذوات الفردية الخفية، فيسبب من ثمَّ لها مثل هذا التهتك الذي لا يعرف استقامة، ومثل هذا التفكك والانحلال.

فلئن كان الناس في هذا وذاك لا يشعرون بما يسود حياتهم بالعادة من فساد وتهتك بل يرتضون من هذه الحياة أوضاعاً وأحولاً اعتادوها وألفوها حتى صارت جزءً لا يتجزأ من شخصياتهم، بمقدار ما صارت عادة استمكنت في طباعهم وفي كل ما يألفون ويعتادون؛ فإنّ الإنذار هنا له خصائصه وأشراطه : وأولها تصحيح المفهوم النظري الذي اشتملت عليه ثورة البلاغ الذي هو الإنذار، فقد اشتمل الإنذار على العلم أولاً ثم ما يتبع العلم فيما بعد من تصديق، أي اشتمل على تصحيح العقيدة في إطارها النظري "وليعلموا إنما هو إله واحد"، وهذا التصحيح هو أول خاصيّة ثورية تضمنها الإنذار الذي هو بلاغ للناس.

فإذا جاء الإنذار لم يكن استقبالهم لمجيئه شيئاً عارضاً سطحياً، بل هو شيء يعز عليهم أن يتخلوا فيه ولأجله عن عقائدهم وعاداتهم وسائر ما ألفوا من أحوال واعتادوا من أوضاع. وما دامت هنالك ثورة منذرة يلزم عنها التغيير يتوجه بها المنذر على قلوب الناس؛ فلا مناص فيها من "رد الفعل"، يأتي على مقدار قوة هاته الثورة، وكذلك كانت دعائم اللجج وآفات المعاندة موصولة بشرايين التحجر والتصلب والنفور من كل صواب في هداية الطريق.

وحينما يكون "الإنذار" ثورة من ضمن ثورة كلية عارمة شاملة مغيرة هى ثورة البلاغ، لا تستغرب أن تجيء الثورة الجزئية مشروطة بشروط الثورة الكلية العامة؛ لأنك تلاحظ في ثورة الإنذار تطبيقاً لأركان الثورة الكبرى والعامة، وتدليلاً على ثوابتها وأهدافها، وعلى وجودها في الفعل والواقع، واستمراراً لخصائصها في تغيير وجه الحياة الباطن منها قبل الظاهر.

واستقبال هذه الثورة في مفتتح ركنها الأول "الإنذار"، لم يكن قط بالأمر الهين على أفئدة الناس، ولا هو باليسير على عواطفهم واعتقاداتهم ولا على مألوفاتهم وعاداتهم. ولم يكن من الغريب أن تمتلئ صفحات الكتاب العزيز بقص القصص الوارد عمداً، لاستجلاء مقومات هذه الثورة ومعاناة النفوس في ثقل تبعاتها؛ ليعلم من لم يكن يعلم أنها ثورة عارمة مُغيرة لآفات صارت عادات مستحكمة، وإنها لكذلك لثورة كاسحة ومدمّرة للباطل الذي شبت عليه النفوس آلفةً وعادةً ممّا كانت ألفته واعتادت عليه من الأمراض الباطنة والأهواء الدائمة، فتغييرها من ثمَّ لم يكن بالأمر الهين، ولم يكن كذلك بالشأن اليسير الذي يتقبَّل البلاغ مع ثورته التي تتطلب التغيير المنشود.

إنها لثورة؛ الإنذار فيها شرطها الأول، ثم ما يتضمّنه الإنذار إنما هو تفاصيل الاعتقاد الذي جاءت من أجله الثورة؛ لتثبته بعد أن تزيل من عوالق القلوب اعتقادات بالية إزالة تامّة؛ لتقرّ مكانها بعد الإزالة الكاملة ذلك الاعتقاد الجديد، وهو الذي جاءت الثورة لتقيمه وتؤكده. غير أنّ النفوس اعتادت ألا تحتمل مثل هذه الإزالة من أول وهلة، فإذا بها تعترض وتعاند وتتأبى وتستنكر كأقوى ما يكون التأبِّي والاستنكار.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

حاتم حميد محسنوُجدت العنصرية في الولايات المتحدة منذ العصر الكولنيالي، عندما مُنح الامريكيون البيض وبشكل قانوني حقوقا وامتيازات لم تُمنح للاقليات والأجناس الاخرى. الامريكيون الاوربيون وخاصة البروتسانت الانكلوسكسونيين البيض تمتعوا بامتيازات حصرية في مسائل التعليم والهجرة وحق التصويت والمواطنة وامتلاك الاراضي والاجراءات الجنائية طوال التاريخ الامريكي. اما المهاجرون من غير البروتستانت من اوربا وخصيصا الايرلنديين والايطاليين كانوا في امريكا عرضة للتمييز العنصري المرتكز على الاثنية حتى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كذلك بالنسبة، لجماعات مثل اليهود والعرب الذين واجهوا تمييزا مستمرا، وبالنتيجة فان اكثر الناس الذين ينتمون لهذه الجماعات لم يُصنفوا كبيض. الامريكيون الافريقيون واجهوا دائما قيودا على حرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. اما الامريكيون الاصليون فقد واجهوا تطهيرا عرقيا، واُجبروا على الرحيل وتحمّل المجازر والتمييز. كذلك الامريكيون الأسبان شهدوا تمييزا عرقيا مستمرا، ونفس الشيء ينطبق على الجماعات من جنوب وجنوب شرق وشرق آسيا .

مارست المؤسسات المتأسسة اثنيا وعرقيا التطهير العرقي والعبودية والفصل العنصري وتخصيص أماكن خاصة للامريكيين الأصليين والهجرة وقوانين اكتساب الجنسية. لقد جرى تحريم التمييز العرقي الرسمي في اواسط القرن العشرين وبمرور الوقت جرى اعتباره امرا غير مقبول اجتماعيا واخلاقيا. لكن السياسات العرقية بقيت تمثل الظاهرة الرئيسية واستمرت تلك الحالة العرقية متجسدة في اللامساواة السوسيواقتصادية. تشيرالبحوث الى وجود دليل واسع للتمييز العنصري في مختلف قطاعات المجتمع الامريكي الحديث بما في ذلك العدالة الجنائية والأعمال والاقتصاد والإسكان والرعاية الصحية والميديا. وحسب رؤية الامم المتحدة وشبكة حقوق الانسان الامريكية، فان "التمييز في الولايات المتحدة تغلغل في جميع مظاهر الحياة وامتد الى جميع الأقليات".

بعض الامريكيين نظروا الى باراك اوباما الذي عمل كرئيس للولايات المتحدة من سنة 2009 الى 2017 والذي كان اول رئيس أسود، كعلامة على ان الامة دخلت عصرا جديدا لما بعد العنصرية. انتخابات ترامب عام 2016 الذي شن حملة عنصرية ضد اوباما مؤيدا الحركة التي ادّعت زيفا ان اوباما وُلد خارج الولايات المتحدة، نظر اليها بعض المعلقين كرد فعل عنصري ضد انتخاب اوباما. وفي العقد الاول من القرن الحالي، استمر المجتمع الامريكي يشهد مستوى عاليا من العنصرية والتمييز. احدى الظواهر الجديدة كانت ظهور "حركة اليمين البديل"وهي عبارة عن تحالف للوطنيين البيض يسعى لطرد الاثنيات العرقية من الولايات المتحدة. في اغسطس 2017 حضرت هذه الجماعات تجمعا في مدينة فرجينيا، قُصد به توحيد مختلف الجماعات البيضاء. وفي اثناء التجمع قاد احد المتظاهرين العنصريين سيارته نحو جماعة من المحتجين المعارضين فقتل شخصا وجرح 19 آخرين.

مفهوم العرقية

العرقية هي شكل منظّم من الاضطهاد تطوّر لدى أعضاء عرق واحد لكي يضطهدوا أعضاء عرق آخر. المواقف المؤذية وُجدت بين الأعراق منذ الآف السنين لكن القمع العرقي المنظم ظهر اول مرة بعد عام 1600 جنبا الى جنب مع الرأسمالية. قبل هذه الفترة، لم توجد العنصرية في العديد من الثقافات، حيث كان العبيد عادة يؤخذون كنتيجة للانتصارات العسكرية. ولكن عندما اكتشف التجار الاوربيون ان تفوقهم التكنلوجي منحهم مزايا هائلة في افريقيا، بما في ذلك سفنهم المبحرة وأسلحتهم النارية، هم بدأوا بتبرير ممارسة العبودية باقناع انفسهم انه قبل الإمساك بعبيدهم الافريقيين واستعبادهم، لم يكن لدى هؤلاء العبيد ثقافة سابقة ومارسوا حياتهم كالهمج الرعاع، وهو افتراض زائف كليا. الامريكيون الاوربيون البيض الذين شاركوا في صناعة العبيد حاولوا تبرير استغلالهم الاقتصادي للناس السود عبر خلق نظرية "علمية" لتفوّق البيض وضآلة مكانة السود. أحد مالكي العبيد (توماس جيفرسون) دعا الى ايجاد علم لتقرير "الدونية" الواضحة للسود وهو ما اُعتبر مرحلة هامة في تطور العنصرية العلمية وكانت هذه بداية العنصرية المنظمة في الولايات المتحدة.

تجارة العبيد

بين عام 1525-1866 كان هناك مايقارب 12 مليون ونصف انسان اُختطفوا من افريقيا واُرسلوا الى امريكا عبر تجارة العبيد الاطلسية. عند الوصول الى الارض الجديدة، جرى استعباد 3.9 مليون شخص من بين الـ 10.7 مليون الذين نجوا من رحلة مروعة دامت شهرين . الكيفية التي يتذكر بها المجتمع الامريكي رعب العبودية تُعتبر هامة. ولكن كما تشير آخر الدراسات فان العديد من المناهج الدراسية تقدّم رؤية ناصعة لهذا التاريخ مركزة فقط على القصص الايجابية حول قادة السود مثل هاريت توبمان و فردريك دوغلاس.

كان لتجارة العبيد الاطلسية اساسا اقتصاديا، حيث كانت "التجارية" هي الايديولوجية المسيطرة بين النخب الاوربية الذين اسسوا سياسة وطنية طوال عصر تجارة العبيد الاطلسية، وهي ايديولوجية تقوم على الايمان بان السياسة الوطنية يجب ان ترتكز على تكديس القوة العسكرية والثروة الاقتصادية. كانت المستوطنات مصدرا للثروة المعدنية والغلات الزراعية التي يجب ان تُستعمل لمصلحة المستوطن. ان استخدام الاوربيين كعمال في المستوطنات كان امرا بالغ الثمن ولا يمكن ادامته، بالاضافة الى تأثيره الضار على عرض العمل المحلي للدول المستوطنة. بدلا من ذلك، استوردت المستوطنات عبيدا افريقيين كانوا متوفرين بكميات كبيرة وبأسعار رخيصة جعلت الزراعة في امريكا مربحة.

والى جانب الحوافز الاقتصادية المؤطرة للعبودية في امريكا، كانت ثقافة العالم الاوربي قد لعبت دورا كبيرا في استعباد الافريقيين. كانت الرؤية نحو الاوربيين تصفهم كجماعة للسلوك الانساني شملت كل شبه القارة. بينما الثقافات الامريكية الهندية والافريقية كان لها تعريف اكثر محلية لـ"الداخلي". وبينما لا وجود لثقافة فيها تفوق متأصل، لكن التقدم التكنلوجي الاوربي اصبح مصدرا لنشر الاعتقاد الذي اكّد رؤيتهم بان غير الاوربيين يمكن استعبادهم. ومع القدرة على نشر تجسيداتهم الفكرية للعالم، استطاع الاوربيون فرض عقد اجتماعي في القرن الثامن عشر قاد الى حركة انهاء العبودية "abolitionism"، لكن الدعوة الى ازالة الحواجز كانت عملية بطيئة جدا ولم تُستكمل حتى اليوم.

 قبل الحرب الأهلية، كان هناك ثمانية رؤساء يمتلكون عبيدا، وهي الممارسة التي نالت الحماية من جانب الدستور الامريكي. هؤلاء العبيد يوفرون الثروة للنخبة البيضاء، حيث كانت هناك تقريبا واحدة من بين كل اربع عوائل جنوبية تمتلك عبيدا قبل الحرب الاهلية. وطبقا لتعداد السكان في امريكا عام 1860 كان هناك حوالي 385 ألف مالك عبيد من بين السكان البيض الذين يُقدر عددهم بـ 7 مليون شخص .

اللامساواة المنهجية

لقد ترسّخ التفاوت العرقي والاقتصادي والتعليمي عميقا في المؤسسات الامريكية. ورغم ان إعلان الاستقلال يشير الى ان "كل الناس خلقوا متساويين"، لكن الديمقراطية الامريكية همشت تاريخيا جماعات معينة. "الديمقراطية تعني كل شخص يستطيع المشاركة، انها تعني انت تشترك بالسلطة مع اناس لا تعرفهم ولا تفهمهم وربما لا تحبهم"، كما ذكر هاري روبنشتاين من المتحف الوطني للتاريخ الامريكي في عام 2017.

تبرير العبودية في الولايات المتحدة

في الولايات المتحدة بررت العنصرية العلمية إستعباد الافارقة السود لتهدئة المعارضة الاخلاقية لتجارة العبيد الاطلسية. الكسندر توماس و صموئيل سيلين وصفا السود باعتبارهم يتناسبون بشكل خاص مع العبودية بسبب "تنظيمهم السايكولوجي البدائي". وفي عام 1851، في لويزينا كتب الفيزيائي صموئيل أ. كارترايت (1793-1863) بان محاولة العبيد للفرار هي مرض نفسي قابل للعلاج، فلو جرى اتّباع نصيحة طبية ملائمة بصرامة، فان هذا السلوك الذي مارسه العديد من الزنوج بالهروب يمكن منعه تماما". مصطلح "هروب العبيد" drapetomania اُشتق من الكلمة اليولنية drapetes. التعداد السكاني للولايات المتحدة لعام 1840 اشار الى ان العبيد المتحررين في الشمال عانوا من مرض نفسي بنسبة أعلى من أقرانهم العبيد في الجنوب.

في الوقت الذي كانت فيه امريكا في اتون حرب اهلية (1861-1865)، حفزت مسألة اختلاط الاجناس على دراسة الاختلافات السايكولوجية الواضحة بين القوقازيين والزنوج. الانثربولوجيون الأوائل مثل جوشيا كلارك و جورج روبينز و روبرت نوكس، سعوا الى اثبات علمي بأن الزنج هم نوع انساني مختلف عن الانسان الابيض، وان حكام مصر القدماء لم يكونوا افريقيين، وان الذرية المختلطة (نتاج الزواج المختلط) تميل لإبداء ضعف فيزيقي وعقم. وبعد الحرب الاهلية، كتب بعض الفيزيائيين الجنوبيين مناهج دراسية عن العنصرية العلمية مرتكزة على دراسات تدّعي ان السود المتحررين سيصبحون منقرضين لأنهم ليس لديهم ما يكفي لمتطلبات الناس المتحررين بما يعني ان الناس السود استفادوا من العبودية.

وفي التمييز العنصري الطبي، لاحظ هاريت أ . واشنطن وجود رؤيتين مختلفتين عن السود في القرن التاسع عشر: الايمان بانهم كانوا في مرتبة دنيا و "مليئين بالنقص من الرأس الى القدم"، وفكرة انهم لايعرفون الألم الحقيقي والمعاناة بسبب جهازهم العصبي البدائي(وان العبودية لذلك كانت مبررة).

لاحظ واشنطن انه "في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت العنصرية العلمية هي السائدة وجرى تبنّيها من أرقى العقول في الامة. نظريات طبية منطقية اخرى اكّدت على مساواة الافريقيين ووضعت صحة السود المتدهورة على مسؤولية مالكيهم، لكن هذه لم تنل قبول الفلسفة الطبية التي بررت العبودية، باعتبارها الطريقة المربحة للامة في الحياة. وحتى بعد نهاية الحرب الاهلية، استمر بعض العلماء في تبرير مؤسسة العبيد بالاشارة الى تأثير التضاريس والمناخ على تطور العنصرية. ناثانيال شالر، الجيولوجي البارز في جامعة هارفرد من 1869-1906 نشر كتابا بعنوان (الانسان والارض) عام 1905 وصف فيه الجغرافية الفيزيائية لمختلف القارات وربط هذه البيئات الجيولوجية بالذكاء وقوة الأعراق الانسانية التي سكنت هذه الاماكن. جادل شيلر ان مناخ امريكا الشمالية والجيولوجيا كانا مناسبين جدا لمؤسسة العبيد.

استمرت العنصرية العلمية في بدايات القرن العشرين وحالا اصبحت اختبارات الذكاء مصدرا جديدا للمقارنات العرقية. قبل الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، بقيت العنصرية العلمية شائعة في الانثربولوجي، واُستعملت كتبرير لبرامج تحسين النسل ومنع الانجاب الاجباري وقوانين ضد الزواج المختلط وقيود الهجرة في اوربا والولايات المتحدة. جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية لألمانيا النازية لم تعترف بالعنصرية العلمية في المجال الاكاديمي، لكن القوانين العنصرية المرتكزة عليها بقيت في بعض الدول حتى أواخر الستينات.

 

حاتم حميد محسن

 

عصمت نصارلم يرد "الصعيدي" من نقداته ومثقفاته لأصحاب المشروعات الإصلاحية والخطابات التوجيهية، كما أشرنا في المقالات السابقة، الترويج لمذهب أو الانتصار لرأي أو الحط من شأن من يناظرهم, بل كانت موافقاته وخلافاته حول مدى استيعاب المجددين للمقاصد الشرعية التي جعلها الأساس الذي يجب على المجددين التعويل عليه والعمل من أجل تحقيقه.

فقد أقر "محمد رشيد رضا (1865-1935م)"، و"محمد فريد وجدي"، و"أمين الخولي (1895-1966م)" على أصالة التجديد في الإسلام من حيث قابلية أصوله الشرعية والعقديّة للاجتهاد والتطور، وكذا سمات المجدد وطبيعة رسالته والكثير من أحكامهم على المجددين المعاصرين.

وقد وافق الصعيدي أيضاً جمهور علماء المسلمين في حكمهم على (البابية، البهائية، والقاديانية) وكان، في نقداته لهم، أقرب إلى الإمام "محمد عبده"، و"محمد رشيد رضا"، و"محمد فريد وجدي" الذين وصفوا هذه الفرق بأنها فرقٌ ضالة مضلة شأنها من الإسلام شأن الباطنية، غير أن الصعيدي قد تجنب التصريح بكفرها الذي أقرته لجنة فتوى الأزهر وبعض رجالات الدين ومنهم "سليم البشري (1832-1916م)"، و"الخضر حسين (1876-1958م)"، و"محمد الفحام (1894-1980)"، و"محمد خاطر (1913-2004)"، وغيرهم. وذلك لأنه يرفض تماماً اتهام الجانحين والملحدين والمتطرفين بالكفر مقتفياً بذلك سيرة أستاذه محمد عبده. الذي كان يرى أن : جنوح تلك الفرق يرجع الى فهم خاطئ لأصل الدين ومقصده شأنهم شأن المرضى والحمقى والجهلاء ومثل هؤلاء لا يُكفرون ولا يُقتلون بل يُقومون ما دامت أخطأهم غير متعمدة، وأن أقوالهم لا تؤثر على المجتمع ولا تحرض على العنف الذي يستوجب حين ذاك محارباتهم لخيانتهم وتعمد إفسادهم للمجتمع والدين.

ومضى الصعيدي مع جمهور العلماء في أن السبيل لمجابهة هذه الفرق ليس التكفير أو التنديد أو التحذير بل عرض كتبهم عرضاً نقدياً للكشف عن أباطيلها وفضح أغراضها.

ولم يكن خلاف "الصعيدي" مع الاتجاه المحافظ الرجعي وبعض المتشددين المعاصرين خلافاً على مفهوم وأسس التجديد أو المبادئ التي تحدد وظيفة المجدد، بقدر ما كان خلافه معهم حول المنهج المتبع وسبل تطبيق الغايات، ومن ثم حول مفهوم الأصولية الإسلامية.

فالتجديد عند "أبي الأعلى المودودي (1903م-1979م)" وأنصاره يعني: تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصاً محضاً على قدر الإمكان، والمجدد هو صاحب البصيرة النفاذة والفكر المستقيم بلا عوّج، والقدرة على القيادة، والتوسط بين الافراط والتفريط، والتفرقة بين ظلمة الجاهلية ونور الإسلام، وذلك بابتعاده عن التلفيق بين النظم العصرية والثوابت العقديّة، ومحاربته البدع والشطحات، وتحديد مواضع الخلل في المجتمع الإسلامي، وإصلاحه عن طريق الضرب والشذب، والانقلاب الفكري الذي يرمي إلى طبع عقائد الناس ومشاعرهم ووجهة نظرهم الخلقية بطابع الإسلام، وإصلاح نظم التعليم والتربية وإحياء العلوم والفنون الإسلامية، وبعث العقلية الإسلامية الخالصة من جديد، وفتح باب الاجتهاد الذي يعني فهم كليات الدين واتجاه الأوضاع المدنية والرقي العمراني في عصره، ورسم طريق لإدخال التغيير والتعديل على صورة التمدن القديم الموروث الذي يضمن للشريعة سلامة روحها وتحقيق مقاصدها، ويُمكِن الإسلام من الإمامة العالمية والكفاح المسلح ضد القوى السياسية المناهضة للإسلام، والاستيلاء على السلطة لإعادة بناء الخلافة الإسلامية ثم إخضاع العالم لهذا النظام.

ويرى أنصار هذا الاتجاه - ومنهم جماعة الاخوان المسلمين والسلفية الجهادية - أن المجدد الحق هو الذي يستطيع أن يحقق كل الغايات، وهو نائب المهدي المنتظر الذي سوف يأتي في آخر الزمان بعلمه وقدرته على الموائمة بين علوم الدين والدنيا، وبالجهاد الذي يحقق عالمية الإسلام.

وقد وضع هؤلاء "ابن تيمية 1263-1328م" في صدر المجددين الذين فهموا المعنى الحقيقي للتجديد في الإسلام - وفق وجهة نظر أصحاب ذلك الاتجاه - وذلك لحملته على العلوم الفلسفية والبدع الجاهلية وخرافات الصوفية وأكاذيبها، وتحريضه المسلمين على إرهاب التتار بالسيف.

ويمكننا أن نتبيّن أن "عبد المتعال الصعيدي" و" أبا الأعلى المودودي" قد اعتمدا في دعوتهما للتجديد على الثوابت الشرعية والأصول العقدّية، وينحصر خلافهما في تفسير هاتيّك الأصول وفهمها، الأمر الذي انعكس بوضوح على موقفهما المتباين من العلوم العقلية والأفكار الفلسفية والنظم المعاصرة والتعامل مع ثقافة الآخر.

"فالصعيدي" يفضل سبيل المسايرة والمصالحة بين الثوابت الإسلامية والمتغيرات الحضارية بغض النظر عن مصدرها، والتجديد الهادئ والإصلاح الموافق لمنطق الدعوى الإسلامية، ولم يشترط على التعامل مع الآخر سوى عدم المساس بالأصول التي تحافظ على الهوية الإسلامية.

في حين نجد أن "المودودي" ومن بعده سيد قطب ( 1906 – 1966م ) والجماعات الإرهابية, تفضل طريق الصراع للدفاع عن الأصول والثوابت، مؤكدة أن إحيائها بعد تنقيتها من أثر الجاهلية، سوف يمكن المسلمين من سيادة العالم وإعادة بناء حضارتهم من جديد.

ورغم اتفاق الصعيدي معهم في أحقية الإسلام دون غيره من الملل والنحل؛ ليكون دستوراً للعالم، فإن كلا منهما قد اتخذ سبيلاً مغايراً للآخر لتحقيق هذه الغاية؛ إذ ذهب "الصعيدي" إلى أن الأصولية الشرعية هي التي ترشح الإسلام لعالميته، وذلك يرجع لما فيها من مبادئ سامية بداية من التسامح وانتهاء بالعدالة والسلام والأمر بالمعروف بغير منكر، والنهي عن المنكر بالمعروف، الذي تنشده جميع الأديان وجل الفلسفات المثالية الراقية. وعلى النقيض من ذلك نجد "المودودي" يتخذ من القوة العسكرية والجهاد المسلح للوثوب على السلطة السياسية ضرباً لاجتياح المجتمعات الجاهلة -على حد تعبيره- وذلك لتحقيق ما يُسمي (بالحاكمية والخلافة الإسلامية وأستاذية العالم).

"فالصعيدي" -كما بينا - يرغب في الحوار، أما "المودودي" فيحرض على الصراع، ومع أن كليهما ينادي بقيام ثورة تعمل على الموائمة بين الأمور الشرعية ومقتضيات أمور العصر الذي يعيشون فيه، إلا أن "الصعيدي" قد انتهج نهج "ابن رشد" لتحقيق ذلك، أما "المودودي" فآثر اقتفاء نهج "ابن تيمية" والوهابيين.

والجدير بالإشارة أن عبد المتعال الصعيدي قد نبّه الى خطورة آراء أبي الأعلى المودودي على الشبيبة، وبين أن جنوحه سوف يؤدي إلى ظهور عشرات الجماعات المتطرفة التي تغلب منطق الإرهاب والعنف والتطرف على غيره من النهوج الإصلاحية.

وحسبي أن أشير إلى أن منهج الصعيدي في التجديد لا ينحصر في هذه النماذج بل نجده في سائر القضايا التي تصدى لها.

(وللحديث بقية)

 

د. عصمت نصار

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي مصر المحروسة ظهرت بعض الأصوات تنادي بضرورة إلغاء تدريس مادة التربية الدينية بالمدارس وبالأحرى على لسان المفكر مراد وهبة الذي يوصف في مصر بأنه آخر الفلاسفة، بغض النظر عن عقم الفلسفة العربية الراهنة وعدم جدواها المعاصرة بصفة عامة وفشلها المستدام في علاج مشكلات الإنسان المصري والعربي على السواء، وتناول الإعلام المصري بوسائطه المتعددة ما بين مسموعة ومقروءة ومرئية هذه الدعوة بقدر من التردد والتأرجح، حتى وصل الأمر إلى مناقشات مجلس النواب المصري، فهناك من يرى أن مادة التربية الدينية تؤدي إلى التطرف والإرهاب والعنف والتنمر المدرسي، ويرى آخرون أن تدريس التربية الدينية ضرورة لأنها تتوافق مع رؤية مصر 2030 وهي بناء الإنسان، والدين وحده كفيل بتحقيق هذا الهدف النبيل .

والذين يرددون شعارات أراها بليدة ومكرورة وخائبة بأن مادة الدين بالمدارس تكرس للانفصال وعدم المساواة بين المسلم والمسيحي لم يلتفتوا أن ما يتم إقراره بالكتب الدراسية التي تحتاج إلى تطوير في المضمون والشكل والإخراج والتقديم لا تشر بأية صورة إلى تلك العلاقات المنفصلة أو حالات الاستبعاد الاجتماعي أو الإقصاء والتهميش الذي يشيرون إليه .

وكل الظن أن هؤلاء يتحدثون عن مناهج التعليم الأزهري الذي هو بالضرورة لايخص سوى أهل الإسلام المنضمين لتلك المعاهد الأزهرية، وأكاد أشك أن تلك المناهج تحض على كراهية الآخر أو تمس عقائد المخالفين بالسوء والبغضاء . وجميل ما ذكره النائب المصري محمد الغول بعد رفضه لهذا المقترح الأكثر عجبا لأن إلغاء تدريس التربية الدينية حسب وصفه سيخلق جيلا كاملا ملحدا لا يعرف شيئا عن مبادئ دينه سواء الإسلامية أو المسيحية.

وفي سياق متصل بهذا الموضوع، أشارت النائبة دينا عبد العزيز عضو مجلس النواب المصري، في تصريحات لـصحيفة "اليوم السابع" القاهرية  إلى أن مادة الدين لا تسبب في فصل الارتباط الوجداني، مشيرة إلى أن الدين بطبيعته يعمق الارتباط الوجداني ويرتقي بالإنسانية، ولكن أسلوب وطريقه التدريس والشخص القائم بالتدريس هي المشكلة التى يجب حلها . وأكاد أتفق مع هذا الرأي الذي شارف على الصواب واليقين، بأن المشكلة الحقيقية تكمن في إجراءات التدريس وطريقة تقديم المحتوى وما يتعلق بكفاءات المعلم وقدراته وإمكاناته المعرفية والدينية والمهنية .

ومجمل دعوة المفكر المصري الدكتور مراد وهبة كما جاء في حديثه مع صحيفة اليوم السابع القاهرية هو أنه لا بد من استبعاد تدريس المادة الدينية من المدارس، لأنه في هذه الحصة يدخل المدرس، ويغلق الباب خلفه، ويقوم بالتدريس للطلبة، سواءً كانوا المسلمين أم المسيحيين، وأنت لا تعرف على الإطلاق ماذا يقول للطلبة، ولكن بحكم الفصل المكاني يجد الطالب نفسه أمام الفصل الفكري، لأن الطالب المسلم يجد زميله المسيحي فى فصل آخر، والعكس.

وهذه الفكرة قديمة بل أصبحت من كلاسيكيات الطرح الفلسفي المناهض لتدريس التربية الدينية، وكادت تستحيل من القضايا التراثية التي لا يكترث بها سوى أصحابها فقط، ويكفي لفصل القول في هذه القضية أنني درست بالمرحلة الابتدائية في إحدى المدارس المسيحية الكبيرة والتي كانت تضم أيضا كنيسة كبيرة تتبع الطائفة الإنجيلية وكان مدير المدرسة أحد القساوسة آنذاك وكان زملاؤنا من المسيحيين يغادرون الفصل في حصة التربية الدينية ونمكث نحن به، ورغم ذلك لم يخرج منا متطرف أو إرهابي أو ملحد أو حتى مدعٍ للنبوة، لذا فالفكرة وحدها قاصرة وباقية بعقول هؤلاء الذين يرددون أفكارا أصبحت منتهية الصلاحية في زماننا هذا، وهذا أيضا يدفعنا للحديث مجددا عن فساد العلمانية وفقر الفلسفة العربية التي لم يعد لها مكان وسط الفلسفات والطروحات الذهنية العالمية ؛ لانفصالها عن واقع الإنسان العربي من ناحية، ولأنها لم تعد كفيلة وجديرة بحل مشكلات الإنسان.

فحينما نجد صوتا يردد بأن المؤسسة الدينية الحالية تعد سببا لوجود الإرهاب، فالواقع يفترض علينا يقين الإشارة بأن الفلسفة التائهة التي تقدم عبر المقالات والدراسات والندوات هي التي أصابت عقول الشباب بالتخبط والحيرة والقلق، وأن النزعات الفلسفية الشاردة هي التي دفعت الكثير من هؤلاء الشباب لعدم الالتفات لرجال الدين من المخلصين للعقيدة سواء الإسلامية أو المسيحية.

ولقد أشار المفكر المصري الطاعن في السن الدكتور مراد وهبة بأن المؤسسة الدينية ليست مواكبة للعصر، فلو كانت مواكبة ما كنا لنرى أى شكل من أشكال الإرهاب.وأعتقد أن المفكر المصري يقصد المؤسسة الدينية المسيحية، لأن المؤسسة الدينية الرسمية في مصر الأزهر الشريف وكذلك وزارة الأوقاف المصرية تقومان بجهد واضح منذ سنوات ليست بالبعيدة للتطوير سواء على مستوى الدعوة أو المناهج الدراسية وأخيرا صدور وثائق رسمية معتمدة لتجديد الخطاب الديني، فضلا عن الجهود المبذولة بين الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين بإصدار كتب تنويرية لتصحيح المسار الحالي .

وأخيرا هذه الأصوات وغيرها تشير إلى أن كليات التربية هي التي تحض على التطرف نظرا لوجود بعض الأفكار الإخوانية بها، وأن التطوير لن يحدث إلا إذا تم تطوير كليات التربية نفسها وتطهيرها من الفكر الإخواني والأفكار التي تبدو متطرفة، وفي هذا الشأن غفلت هذه الأصوات عن حقيقة واقعية بأن الجامعات المصرية وتحديدا تم تطهيرها من الكيانات الإخوانية أعضاء تنظيم حسن البنا الذي لم يعد له وجود بالفعل لا لكونه إرهابيا بالقدر الذي صار فيه هذا الفكر غير مناسب لمرحلة تسعى فيه مصر رئيسا وحكومة وشعبا وجيشا للبناء وعبور المستقبل وإعادة الوصول إلى منصات التتويج في مجالات الحياة .

وبات من الصعب بل فشلت كافة المساعي الإخوانية في عرقلة العمل والتطوير بكليات التربية، هذا ليس من باب السرد فحسب، بل أظن أن دراستي الأخيرة التي نشرت بمجلة إحدى كليات التربية وكان موضوعها تطوير مقرر الدين وقضايا العصر لطلاب كلية التربية في ضوء أبعاد تجديد الخطاب الديني والتوجهات المعرفية المعاصرة، كفيلة بدحض هذه الدعوة وتلك الأفكار ..

لكن، هل نجحت الفلسفة العربية الراهنة، أعني المعاصرة في مواجهة الاستيطان الصهيوني الغاشم ؟، وهل الفلسفة التي تدعي اليوم بأنها عربية خالصة استطاعت تفكيك الجغرافيات الفلسفية القديمة لتأتي بطرح جديد يمكن معالجة واقعنا الحالي ؟ الإجابة تأتي دوما بالنفي، لأن مشكلة هذه الفلسفة الحقيقية هي غياب الوعي بمعطيات الحاضر، دونما أدنى عناء بمحاولة تحسين الواقع أو حتى بناء المستقبل .

وغياب الوعي المستدام لدى الفلسفة العربية الراهنة هو الذي دفع أصحابها إلى ممارسة كافة أشكال الإقصاء أو الدمغ أو التهميش وأحيانا الإدانة والاستبعاد لكل رؤية مغايرة لإحداثيات الفلسفة التي لا تعبأ بالتجديد رغم كون الفلسفة تنويرا للعقل والمجتمع، حتى باتت فلسفتنا العربية اليوم سيرة محفوفة بالغموض والحيرة لا تصل بالمواطن العربي إلى مرافئ اليقين. لاسيما وأن السلطة الفلسفية اعتمدت محاور تشبه الشراك المفخخة التي لا تخرج عن أفلاك الثنائية، وهي العقل والنقل، والخلق والقانون، والسلم والحرب، والجبر والاختيار، والخير والشر، وأخيرا العلم والدين، وكأن الفلسفة العربية الراهنة التي نتجت عن إرهاصات عربية أصيلة قديمة، أو منتوج غربي خالص، استمرأت الدور الباهت الذي لا يقضي ويفصل بالحق اليقين .

وكم من مصيبة آنية نجدها في سرديات الفلسفة العربية تحاول من جديد تأويل مشكلة الألوهية، والحديث عن العلل الأولى وطروحات الفارابي وابن سينا مما يدل بقوة وشدة على نضوب العقل العربي الذي في الأساس يسعى جاهدًا إلى التنوير والتجديد. ولايزال الحديث في مجمله العقيم يتناول مباحث الوجود والممكن، والعالم، وأصل الماهية، وأن النفس الكلية هي الواسطة بين عالمين؛ عالم الخير والعقل، وعالم الإنسان أو عالم الحس والشاهد، وهي جميعها بمنأى عن واقع المواطن العربي الإيجابي الذي يهرول من أجل التمكين والوصول إلى منصات التتويج المعرفية .

ولطالما أرهق دارسو وأساتذة الفلسفة في معاهدنا الأكاديمية العربية أنفسهم بالبحث عن كنه الوظيفية الفلسفية بعد العبقري العربي الوليد بن رشد، وهذا الإرهاق الذي يتبعه الإحباط وربما الاكتئاب من صعوبة الوصول إلى يقين معرفي للإجابة مفاده أن الفلسفة باختزال شديد واختصار غير مخل بالمعنى هي فن تكوين وإبداع ووضع مفاهيم من شأنها ضبط إيقاع تفكير الفرد والمجتمع على السواء . وما شأنهم الضارب في القدم بحكم الدراسة والتخصص ثم التمكين المهني النظري سوى استيراد الأفكار وإعادة صياغتها وتحديدا في مصر منذ النصف الثاني من القرن العشرين ما عرف بالتمصير الذي أخل بالضرورة بالنظرية الأصلية التي نجمت وفق سياقات سياسية واجتماعية ونظم فكرية ترتبط بمجتمعاتها الوافدة .

ومنذ وفاة النابه العربي ابن رشد والفلسفة العربية لاتزال مغرورقة في تفاصيل التنظير لطروحاته الفلسفية دون عناء البحث عن إيجاد فلسفة تبدو واقعية للمواطن العربي الاعتيادي الذي ينفر بالضرورة من فعل القراءة والتأويل وإعمال العقل، لذا فإن كل الكتابات التي تواترت بغير اتفاق بعد رحيل ابن رشد عن دنيانا مجرد ارتحال اضطراري لتفسير ما خطه الفيلسوف الكبير بغير طرح فكرة الوظيفية أو التطبيق أو حتى هاجس القابلية للتداول المجتمعي،  مما أفقد الفلسفة العربية مكانتها الطبيعية التي تحققت بدمغ التاريخ الذي لا يكذب ولا يزيف الحقائق على يد الفارابي وابن سينا وإن كانا قيد ورهن أرسطو وكتابه ما بعد الطبيعة . وربما أجنح بعيدا حينما أظن أن الفلسفة اليوم هي كابوس المعرفة، بعدما كانت لقرون بعيدة ضاربة في القدم فن تكوين وإبداع وصنع المفاهيم من أجل تطبيقها، لكن اليوم وإن تشدق دارسو الفلسفة بكنه علومهم هي مجرد استيراد أفكار ونظريات ومن ثم إعادة صياغتها بصورة تقريرية قد تبدو سخيفة مطلق الأمر .

وكارثية الفلسفة العربية هي الاستغراق المستدام في الأفكار الماركسية التي باتت منتهية الصلاحية وغير جديرة لا بالطرح الفكري أو بالتنظير، أو حتى بنقد تلك الأفكار لأنها بحق أفكار فاشلة وبليدة كشفت عن مرض أصحابها ونوازعهم التحريضية لمجرد التحريض فحسب، وظلت الفلسفة العربية وهي تسبح في بحر الماركسية تفتش عن وجه لخطابها دونما جدوى، ففي كل سطر نجد ملمحا أو رائحة ماركسية لايمكن الفكاك من أسرها، حتى استقر الأمر بهذه الفلسفة المكرورة بالإيمان المطلق بفكرة توطين التيارات الفلسفية الغربية والاكتفاء بنقلها .

ورغم أن أصحاب الفلسفة العربية المعاصرة طالما تشدقوا بمصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة، وصولا إلى ما عُرف بالحداثة السائلة، إلا أن الطرح الفلسفي العربي جاء بعيدا عن واقعنا الراهن المزدحم بقضايا الإنسان ووجوده لا من أجل البقاء بل من أجل الفعالية والإيجابية، وهو ما لم يتحقق في فلسفة العرب المعاصرة، وظل السؤال دائم الاجترار هو : هل يمكن صياغة فلسفة عربية أصيلة في القرن الواحد والعشرين؟ .

ورغم اتهام الفلسفة العربية الراهنة وأصحابها بأنهم قطاع طرق جدد يسطون على الأفكار الفلسفية العالمية، إلا أن نظرة الفلسفة العربية للفلسفة الغربية نفسها تبدو خاطئة وبحاجة إلى تغيير للمسار أو تحسين لهذه النظرة الضيقة، ومجمل الصيحات المعاصرة الراهنة التي تنادي بتجديد الفلسفة هو خطاب بديل للفكر الكسول الذي اعتاد إعادة التأويل لنصوص فلسفية قديمة لا إيجاد رؤية جديدة يمكن توظيفها لا مجرد نقدها .

ولاشك أن الذي أفقد الطرح الفلسفي العربي المعاصر هو الاستغراق أيضا في الاستعارات والتشبيهات، وتناول القضايا الفلسفية من زاوية المباحث البلاغية الأكاديمية لاسيما عن توظيف أية نظرية فلسفية غربية . وإذا كانت هناك ثمة تشكيلات سياسية تمثلت ولا تزال في الماركسية السجينة أو الليبرالية المتوحشة، والأخيرة هي التي شكلت فلسفة الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا، فإن إسهامات الفلاسفة العرب المعاصرين غدت صورة مضللة للواقع الفعلي الذي نحياه،حتى يمكن توصيف الفلسفة العربية الآنية بعودة الإمام الغائب .

والفلسفة العربية الجديرة بالاهتمام حقا هي الفلسفة الإسلامية لأصحابها الأوائل ؛ لأنها فلسفة مرتبطة ومتزامنة بالسلطة الزمنية والمكانية آنذاك، لذا حينما نجد عشرات الباحثين والفلاسفة يعيدون سرد النموذج الفلسفي لابن رشد لدرجة وصلت حقا إلى التقديس العاطفي، فإن هذا يفقدهم الدور الريادي والقيادة الفكرية لمجال الفلسفة إذ يصبحون مجرد أدوات لإعادة تفعيل أو تقديم نموذج فلسفي ارتبط بشدة بالسلطة الزمنية التي انقضت.

وأية عبثية تلك التي تريد تغيير العالم وفكره وتحسين حياة المواطن بفلسفة عقيمة، لا أعني وأقصد فلسفة العبقري ابن رشد، إنما أعني تلك التبريرات التي تدفع الفلاسفة العرب لإعادة نمذجة فلسفة ابن رشد مرة أخرى في ظروف مغايرة ومختلفة بالكلية .

ويؤمن كثيرون من رجال التنوير أن الفلسفة العربية المعاصرة غائبة وهي ليست تلك المحاضرات الأكاديمية التي تقدم بالجامعات والمعاهد المتخصصة، فهي غائبة لأنها بمنأى عن الاشتباك بالأحداث الجارية المتسارعة والمتصارعة أيضا، لذا اتهمت هذه الفلسفة كثيرا بأنها صناعة الوهم . ومن الصعب حقا أن تجد الفلسفة العربية اليوم مكانا لها في منطقة علاج القلق من المستقبل، وإذا ما حاولنا بغير جهد تفكيك الخطاب الفلسفي العربي الراهن لوجدناه متناقضا تماما عن الواقع الموجود والمعاش، وهذا يدفعنا من جديد لطرح السؤال الرئيس لفائدة الفلسفة، والذي أظن إجابته تكمن في كلمة واحدة هي الوعي .

ولأنني بصدد محاكمة عاجلة وسريعة للفلسفة العربية الراهنة التي يمكن توصيفها بالبليدة تارة، وبالمكرورة تارة أخرى، أعتقد أن الفلسفة كطرح ثقافي في المقام الأول بعيد عن حاضر الثقافة العربية الذي أصبح مرتبطا بقوة بوجهات أكثر قياسا وملاحظة واستخداما كاللغة، والترجمة، والفنون، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، حتى فلسفتنا العربية اليوم أصبحت تعاني حالات واسعة من الغياب عن القضايا المصيرية مثل الهوية، والتعليم، والعقلانية الاجتماعية، والدراما، انتهاء بالحريات .

وقلما تجد غير المتخصصين بمتعة وهم يطالعون الكتابات الفلسفية الحالية، لأنها باختصار فلسفة لم تنجح في حل إشكاليات الحياة بمختلف صورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لأنها في حقيقة الأمر فلسفة تدعو في مجملها إلى التشاؤم والاعتزال والانزواء بعيدا عن مشكلات العصر، وفي ظل قارئ محدود الوقت ولا يمتلك رفاهيته تصبح الأصوات الفلسفية العربية غائبة عن المشهد العربي الراهن .

ومن مشكلات الفلسفة العربية الغياب الواضح عن المنصات الرقمية الإلكترونية وكأنها وجدت لتبقى حبيسة الثقافة الورقية فقط، وهذا يدفعنا من جديد لطرح سؤال مفاده : متى تصبح الفلسفة العربية واقعا وتطبيقا وليست مجرد تنظير وترميم لنظريات بائدة ؟ .

هذا فضلا عن ظاهرة ثقافية تخلخل كيان الفلسفة العربية، وهي ظاهرة غياب مفهوم الجماعات الفلسفية أو الكيانات الفلسفية الجمعية ذات الهَم المشترك، وهذا دليل كافٍ على غياب الوعي لدى المشتغلين بالفلسفة أنفسهم وأنهم لايزالوا مرضى سريريين لحب الحكمة، لذا أطالب بتأميم الفلسفة التي لا تفيد البشر في أحوالهم المعاصرة بالقدر الذي تتحدث فيه ـ الفلسفة ـ عن أمور باهتة فائتة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

سليم مطروفك التشابك بين (مرجعية النجف) و(دولة ـ مرجعية ايران)!

- ان فساد ولا وطنية الاحزاب الشيعية، يستمد أخلاقه وعقليته من واقع المرجعيات الشيعية!

- من دون اصلاح المرجعية، يستحيل اصلاح واقع شيعة العراق والعرب والعالم!


منذ تحويل المرجعية الشيعية الى مركزية بزعامة (مرجعية عليا في النجف) لكل شيعة العالم(1)، وهي تعاني من امراض وتشوهات كبيرة معروفة تم تحليلها ونقدها من قبل العديد من المراجع والباحثين. من اخطرها واكثرها تداولا:

1ـ بدائية وفوضوية تكوين وعمل المرجعيات لغياب المؤسسة والتنظيم الديني، لصالح النفوذ الايراني،

2ـ لا شرعية استيلاء المراجع على اموال الشيعة(الهبات والخمس)،

3ـ بدائية نظام الحوزات( المدراس) التي تشيع ثقافة التحجر المعرفي وتجاهل الواقع والوطن، بصورة لا تختلف عن ثقافة شيوخ الظلام والسلفية السنيّة.

لقد جهد العديد من رجال الدين الشيعة في مختلف البلدان، مثل العراق ولبنان وايران والاحساء والبحرين، الى الدعوة للاصلاح. ومن اشهرهم العراقي (السيد محمد باقر الصدر) واللبناني (السيد محمد حسين فضل الله)، بالاضافة الى شخصيات قديمة وحالية مثل السادة (كمال الحيدري، ومرتضى الجزائري)(2) ومن اشهر واهم محاولات الاصلاح في العصر الحديث، تأسيس (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: عام 1967) في لبنان، كمؤسسة شيعية وطنية تضم رجال دين وشخصيات مدنية، بجهود (السيد موسى الصدر). ولكن هذه التجربة انتهت بالموت البطيء بسبب تدخلات (اتباع ايران: حزب الله وحركة امل).(3)

هذه خلاصة المشاكل مع الحلول المقترحة المتداولة:

اولا، مشكلة غياب المؤسسة والتنظيم في تكوين ونشاط المرجعيات

ان الشيعة هم الطائفة الدينية الوحيدة في العالم التي لا زالت تعتمد على تقاليد بدائية جدا تُغيب اي تنظيم مؤسساتي قانوني واضح، ببناء هرمي ومسئولين متخصصين ورقابة مالية.. الخ. مثل مؤسسات الافتاء السنية، والكاثوليك(الفاتيكان)، والارثوذكس، واليهود.... !!(طالع تحت الملحق التعريفي بنماذج من المؤسسات الدينية: الازهر، الاقباط، الكاثوليك، الارثوذكس، اليهود..)

ان هذا الوضع الغريب جدا، سهّل حالة الفوضى وسيطرة الافراد والجماعات المتنفذة، وعمليات التآمر والصراعات الشخصية بين المراجع التي تصل الى حد الخيانات الداخلية والاغتيالات، امثال:(محمد الاخباري، وباقر الصدر، وصادق الصدر)، بالاضافة الى فوضى وفساد الاحزاب الشيعية المدعومة من مختلف المراجع المتنافسة.(4)

ان عملية اختيار (المرجع الاعلى) تعتمد على اكذوبة (إختيار الاعلم: أي رجل الدين الاكثر علما وتفقها). فحسب العديد من المراجع المعروفة، امثال (السيد محمد باقر الصدر) و( الشيخ فضل الله) و(السيد كمال الحيدري) و(السيد مرتضى الجزائري)، ان (شرط الاعلمية) غير صحيح فقهيا بالاضافة الى عدم تطبيقه تاريخيا.(5) إذ ان اختيار المراجع خضع دائما الى العلاقات الشخصية واستخدام الاموال وضغوط الحكومات وبالذات (ايران) منذ (شاهات الصفويين: منذ عام 1501) وحتى الآن، بالاضافة الى (الدور الانكليزي) المستمر منذ سنوات طويلة، فليس صدفة ان (انكلترا) هي مقر اقامة ابناء المراجع واستثماراتهم المليارية!(6)

كذلك ان مرجعيات الشيعة في تكوينها ونشاطها لا تعترف ابدا بوجود شيء اسمه (واقع وتاريخ) فليس هنالك (اوطان) لها دولها وشعوبها وتواريخها ولغاتها ومصالحها ومتغيراتها؟! لو قارنا مثلا مع حال "الفاتيكان"، فرغم انه مؤسسة عالمية يجري انتخاب "البابا"، رسميا وجماعيا، عبر البرلمان (مجلس الكرادلة)، الذي يتكون من ممثلي (كرادلة واساقفة) الفروع الوطنية في العالم.(7)

ان هذه "التجريدية الكونية الشيعية" المحتقرة للخصوصيات الوطنية، تتعامل مع شيعة العالم، كأنهم: (شعب وحيد موحد) يعيشون في كوكب سحري هائم في الكون، لا يواجهون فيه سوى مشاكل الوضوء والنجاسة وشروط التوريث والحيض.. الخ..

بالحقيقة ان هذه (العقيدة الكونية التجريدية) الرافضة لمتغيرات التاريخ وخصوصيات الواقع الوطني وتنوع الشعوب والدول، لم تستمر حتى الآن نتيجة الصدفة والاهمال والتناسي، بل هي مغذات ومدفوعة، لانها تخدم الهدف الخفي والاكبر:

التعامي عن التناقض السائد منذ قرون بين (المصالح الوطنية) للطوائف الشيعية، وبالذات بين

(شيعة العراق والبلدان العربية) مع (مصالح الدولة الايرانية) التي لا تكل منذ قرون، عن الكفاح لحد الافساد والاغتيال والتخريب، من اجل فرض نفوذها على (المرجعيات والحوزات) لخدمة طبيعتها التاريخية التوسعية الاستحواذية. يكفي التذكير بالدور التخريبي الايراني في العراق بواسطة ميليشياتها واحزابها الفاسدة .(8)

في كل الاحوال ان التباعد والخلاف بين (النجف) و(قم) قد اصبح واقع حال في السنوات الاخيرة، ولم يعد بالامكان التغاضي عنه. اوضح دليل، رغم نفوذ المراجع الايرانية في (مرجعية النجف) وعلى راسهم المرجع الاعلى الحالي (الايراني، والذي رفض الجنسية العراقية حتى الآن رغم اقامته منذ اكثر من سبعين عام)، نقول رغم ذلك، فان ايران قد شكلت لها مرجعها الرسمي الخاص بها، تحت عنوان (ولي الفقية)، و(مرشد الثورة): (السيد الخامئني)، وسيطرتهم الرسمية الكاملة على (مرجعية قّم)!(9)

الاصلاح المطلوب لمؤسسة المرجعية، يكون بعدة خطوات متكاملة:

1 ـ الاقرار بوجود مرجعيتين: (النجف) و(قم). (مرجعية النجف) لشيعة العراق والبلدان العربية، ثم (مرجعية قم) لـ(شيعة ايران وبلدان آسيا المجاورة لها). (ملاحظة مهمة: لا نعني الانتماء العربي بالمعنى العرقي، بل كل من يحمل جنسية بلد عربي، فقد يكون كرديا او تركمانيا او فيليا او شبكيا، او حتى ايرانيا او هنديا يحمل جنسية بلد عربي..).هذا يعني، تحويل المرجعية الى مؤسسة منتظمة مثل المؤسسات الدينية في العالم. وهنالك نماذج عديدة لتنظيم الطوائف في العالم.(طالع الملحق نهاية موضوعنا)

2 ـ بالتكامل مع هذا الاصلاح المؤسساتي لقمة المرجعية العليا، يتم ايضا تكوين (مؤسسات دينية فرعية) في كل بلد في العالم فيه طائفة شيعية تنتمي لبلد عربي، ومرتبطة بـ(مرجعية النجف). وذلك من اجل احترام الخصوصيات الوطنية لكل طائفة شيعية في أي بلد عربي او اجنبي. وتقوم الطائفة باختيار رسمي وجماعي لقيادتها التي تتكون من رجال دين وشخصيات مدنية شيعية من ابناء البلد. ولنا افضل مثال على هذا، تجربة (المجلس الشيعي في لبنان) التي ذكرناها اعلاه.

3ـ تنظيم عملية اختيار وتكوين (المرجعية العليا في النجف) كما تجري في غالبية الطوائف الدينية في العالم، باجتماع ممثلي المؤسسات الفرعية الوطنية ومعهم ممثلين مدنيين من شخصيات الطائفة، لتقوم بانتخاب او الاتفاق على المرجع الاعلى وباقي اعضاء (مؤسسة المرجعية العليا) التي تتكون من مراجع دينية وشخصيات مدنية: (مثلا، قد يتم اختيار المرجع الاعلى من شيعة الاحساء او البحرين او لبنان، من شيعة عرب اوربا او افريقيا او امريكا، ولكن يجب ان يقيم بعدها في النجف)، ويتم الاتفاق على وضع نظام وقواعد تفصيلية بهذا الخصوص.

ثانيا، مشكلة مخالفة القانون والاخلاق بادراة اموال الشيعة (الهبات والخمس) التي تتعدى المليارات:

إذ يستحصل عليها المراجع كتملك شخصي يورثونه لأبنائهم وخارج رقابة وضريبة الدولة. اشهر الامثلة: ابناء المرجع السابق (الخوئي) واستثماراتهم المعروفة في انكلترا، وكذلك ابناء المرجع الحالي: (محمد رضا وشقيقه) واموالهم الطائلة في انكلترا. (10)

الاصلاح المطلوب:

يكون ذلك بتكليف (المؤسسات الشيعية الفرعية الوطنية)، بالاشراف على جمع اموال الخمس والتبرعات من شيعة البلد.. وتقوم بارسال نسبة معينة فقط من (المال الشيعي الوطني) الى (مرجعية النجف العليا) من اجل ادارة المؤسسات المركزية، والقسم الاكبر يبقى في نفس البلد ليصرف على خدمة شيعة البلد، تحت اشراف جماعي ومراقبة حكومية.

ثالثا، مشكلة الفوضى والبدائية في المدارس الدينية (الحوزات):

إذ لا زالت تحتفظ بأعتق اسلوب دراسي في التاريخ : بلا مدارس ولا صفوف، بل في المساجد وحتى في المقابر! وكذلك اللغة قد تكون ممزوجة عربية وفارسية ولغات اخرى. وبلا اوقات محددة بل حسب المزاج. وليس هنالك اية امتحانات ولا شهادات. مع تداول نفس المناهج والكتب العتيقة الموروثة منذ قرون طويلة، والمنقطعة تماما عن العصر. فلا دروس تاريخ ولا جغرافيا ولا اية معارف حديثة، وكأن العالم لم يتغير منذ اكثر من الف عام. وكثيرا ما يحصل ان يزود الطالب بشهادة شخصية من مرجعه الديني ليحق له التدريس في بلدته او بلاده، فالمهم خصوصا هو مدى قدرته على جمع اموال الشيعة هناك!؟ (11)

اوضح مثال على التجهيل المعرفي، مثلا لو ان ان رجل الدين الشيعي درس تاريخ الدول الشيعية: (الفاطمية والبويهية والحمدانية والقرمطية) التي تقاتلت بينها وتحالفت ضد بعضها حتى مع الصليبيين، ثم تاريخ (الدولة الصفوية) التي فرضت التشيع على الايرانيين بقوة السيف والقمع الوحشي، لما امضى وقته بالصراخ بـ: مظلومية الشيعة)!؟(12)

فأي عقل وضمير يسمح لرجل دين ان يقود ابناء طائفته وهو يجهل بل يتجاهل عن قصد وترفع، تاريخ البلد وجغرافيته ودولته وطوائفه الدينية وقومياته واحزابه، ولا يهتم بغير جمع المال وتهييج النحيب على الشهداء والنقمة على الطائفة المتهمة!

الاصلاح المطلوب:

ويتلخص بكل بساطة بالاستفادة من اساليب التدريس في العالم اجمع، بما فيه (جامعة الازهر)، زالتخلص من هذا المنهج العتيق جدا جدا، القائم على ثلاث مراحل: (1 ـ المقدمات، 2ـ السطوح، 3ـ بحث الخارج).

ويكون (الاصلاح الحوزوي) بجمع المدارس الدينية الفردية البدائية المتبعثرة في مساجد ومقابر النجف وكربلاء، في (جامعة واحدة او اثنتين) يعتمد منهجها على: الدراسات الفقهية والتاريخية والقانونية والفسلفية، بالاضافة الى تاريخ وجغرافية وميراثات الشعوب وبالذات البلدان التي تتكاثر فيها الطوائف الشيعية.

من الخطيئة ان يقود فقيه شيعي ابناء طائفته وهو يجهل تماما تاريخ وجغرافيا البلد وجذور وضعه السياسي والاجتماعي والديني والقومي.

كذلك التخلص من الفوضى في عملية صعود رجال الدين في المرتبة الدينية، وحمل الالقاب التي لا تحصى، مثل (شيخ، حجة الله.. وآية الله، مرجع)، بسبب غياب اية شروط رسمية علنية وجماعية متفق عليها. (13) ويكون ذلك بتحويلها الى القاب قانونية مرتبطة بالمستوى الدراسي والتحصيل العلمي، بالاعتماد على انظمة جامعات العالم. (14)

*  *  *

ملحق تعريفي بنماذج من مؤسسات الطوائف الدينية في العالم

. اية مطالعة سريعة لجميع الاديان والطوائف في العالم، يلاحظ انها جميعها تمتلك تشكيل مؤسساتي علني ورسمي ينظم هرميا رجال الدين ويشرع استخدام الاموال حسب القوانين المعروفة:

تنظيم الطوائف المسيحية

بصورة عامة يمكن تقسيم الكنائس المسيحية في العالم الى ثلاثة تيارات مختلفة ومتصارعة:

ـ الكاثوليكية، والارثوذكسية، والبروتستانية. وطبعا في كل تيار هنالك طوائف وخلافات وانقسامات عديدة.

مجمع نيقية اول محاولات تنظيم المسيحية

عام 325م) وتحت اشراف الامبراطور الروماني(قسطنطين)عقد مؤتمر (مجمع نيقية ـ في تركيا حاليا)، حيث اجتمع ممثلوا الطوائف واغلبهم من الشرق(العالم العربي الحالي)، من اجل التوحيد العقائدي والتنظيمي. وقد قرروا الاعتراف بخمسة مراكز قيادية كنسية كل منها يقودها (بطريك، اي أب ألآباء. كذلك يحمل لقب: بابا): أنطاكية، القدس، الاسكندرية، القسطنطينية(اسطنبول)، وروما. . وكل واحدة من هذا (الكنائس الكبرى ـ البطريكية) تشمل اقليم بكامله، أي منطقة من من عدة بلدان. وكل منها يقودها مجمع من رجال الدين الكبار(اساقفة) يشرفون على حسن سير الكنيسة، كذلك انتخاب (بطريك جديد) في حالة موت السابق.

تنظيم الكنيسة القبطية:

وهي كنيسة مستقلة يتزعمها(بابا الاسكندرية)، وتشرف على كنائس(ابريشيات) البلدان التالية: مصر والسودان والحبشة وليبيا.(استقلت كنيسة اثيوبيا القبطية عام 1959) و(كنيسة ارتيريا عام 1993). ويشرف على ادارة الكنيسة مجمعان، ديني مقدس، ومليّ مدني:

1ـ المجمع المقدس: يتألف من 102 عضو، من الأساقفة والمطارنة ورؤساء الأديرة داخل مصر وخارجها إضافة إلى الكنائس التابعة. وترتبط بالمجمع 29 لجنة متخصصة بالامور الدينية والادارية والاجتماعية.

2ـ المجلس الملّي، وهو مجلس مدني يتكون من 24 عضوا، 12 منتخبًا، و12 من النواب الأقباط في الدولة المصرية. وقد تأسس هذا المجلس المدني، بقرار من ملك مصر (الخديوي إسماعيل) عام 1874 وباقتراح من الشخصية القبطية والسياسية المعروفة(بطرس غالي)، للمراقبة المدنية لنشاط الكنيسة والحد من الفساد المنتشر فيها.

انتخاب البابا القبطي الجديد

تجري عملية الانتخاب من بين عدة مرشحين، من قبل لجنة مشتركة من اعضاء (المجمع الديني)، و(المجلس الملي). ومن شروط المرشح للكرسي البابوي: أن يكون قبطيا مصريا أرثوذكسيا، ولا يقل عمره عن 40 سنة، ويكون من الرهبان البتوليين (الزهاد المنذورين للعذرية) الموجودين في الأديرة، وان لا تقل مدة رهبنته عن 15 سنة. وقد تولى حتى الآن (117) بابا. علما بأن هنالك دائما توجد بين المثقفين الاقباط حركة نقد لعملية الانتخاب وشروط الترشيح لمنصب البابا. وفي عام 2015 اصدر الرئيس السيسي لائحة جديد لكيفية انتخاب البابا، لتحل محل لائحة 1957، وتحتوي على 36 مادة.

انتخاب بابا الكنيسة الكاثوليكية:

يتم انتخابه بعدة مراحل من قبل لجنة تتكون من (120 كاردينال) (من هم دون سن الثمانين) يمثلون مختلف الكنائس الكاثوليكية في العالم. (15)

الكنائس الارثوذكسية

تتكون حاليا من عدة كنائس وطنية مستقلة لديها لجنة تنسيقية شاملة: القسطنطينية(تركيا)، الإسكندرية(الاقباط)، أنطاكية(سوريا ـ الشام)، القدس(فلسطين)، موسكو(روسيا)، صربيا، جورجيا، رومانيا، بلغاريا..

بالاضافة الى كنائس وطنية خارجة عن اللجنة التنسيقية: اليونان، قبرص، ألبانيا، بولندا، التشيك و سلوفاكيا، أمريكا

وكنائس ارثوذكسيةوطنية شبه مستقلة: فنلندا، إستونيا، أوكرانيا، مولدوفيا،غرب أوروبا، يسارابيا، أوهريد، اليابان، الصين، خارج روسيا، سيناء/ جبل آثوس(اليونان)..

بالاضافة الى هذه الانقسامات الوطنية، هنالك مشاكل عديدة كبيرة بينها، بسبب تداخلها التاريخي وحقوقها بملكيتة بعض الاديرة والكنائس في العالم، مثال(مشكلة سيطرة الكنيسة اليونانية على الكنيسة الفلسطينية)(16)

تنظيم اليهود في اسرائيل

ينقسم اليهود من الناحية المذهبية الى (اشكناز) وهم يهود اوربا الشرقية، و(سفاراد) وهم يهود العالم العربي وعموم الشرق. ان كلمة (حاخام تعني حكيم)و(رابان، تعني الرب، ربّان السفينة، رب البيت..). ينتشر الحاخامات في المدن والمؤسسات الرسمية والشعبية، ووزارة الشؤون الدينية، والأحزاب الدينية، والكيبوتس الديني. ولكل مدينة ومستوطنة حاخامها، ولكل حزب وطائفة لجنة حاخامية. وهناك حاخام اكبر للمؤسسة العسكرية. وكلها تحت اشراف (دار الحاخامية الكبرى، أي دار الافتاء، المرجعية العليا) وتتكون من الحاخامين الأكبرين: الأول يمثل طائفة (الأشكيناز)؛ والثاني يمثل(السفارديم)؛ مع وجود عشرة أعضاء مقسمين بالتساوي بينهما، وهما يتناوبان كل عام على القيادة كل عام، ويتم انتخابهما كل خمس سنوات من لجنة تتكون 80 حاخام، و70 ممثل عن الشعب، بالإضافة إلى حاخامات ثلاث مدن رئيسية؛ والحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي . (17)

 

سليم مطر ـ جنيف

.................

مصادر الدراسة ثم الملحق

ملاحظة: جميع المصادر(المقالات والدراسات) اما اننا وضعنا رابطها الخاص، او يكفي وضع عنوانها المدون في غوغل كي تظهر.

اما من يرغب بتفاصيل ومصادر اكثر بخصوص موضوعات دراستنا هذه، فيكفيه وضع أي عنوان في المبحث كي يجد العديد من الكتابات عنها.

(1) ـ ليس هنالك اتفاق واضح على تاريخ تحول المرجعية الى مركزية. هنالك من يرجعها الى ايام المراجع الاولى(المفيد، والطوسي ، والحلي) وهنالك من يرجعها الى (الشيرازي) الذي اختار سامراء)..

طالع مثلا:

ـ راجع كتاب: الكتاب: المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية/ جودت القزويني/دار الرافدين، بيروت

ـ راجع دراسة مهمة مفصلة : المرجعية الدينيَّة بين الواقع التَّقليديّ وطموحات المأسسة/ هيثم مزاحم

http://arabic.bayynat.org/ArticlePage.aspx?id=20601

(2) ـ عن دعوات رجال الدين الشيعة لاصلاح المرجعية راجع، دارسة:

ـ هيثم مزاحم: المرجعيّة الدينيَّة بين الواقع التَّقليديّ وطموحات المأسسة/ بحث منشور في الانترنت

ويورد : (لعلّ أبرز المناقشات حول تطوير المرجعيَّة ومأسستها، تعود إلى خريف العام 1960م وشتاء العام 1961م، حيث انطلقت نقاشات بين الفقهاء والعلماء في إيران حول اختيار مرجع التّقليد ووظائفه، وذلك إثر وفاة المرجع السيّد البروجردي في آذار 1960م، وطرح فكرة خلافته، والخشية من تدخّل حكومة شاه إيران في اختيار مراجع التقليد وتحديد وظائفهم. وكان من أبرز الذين طرحوا هذه الفكرة، وكتبوا أبحاثاً حول تطوير مرجعية التقليد، وآليّة اختيارها، ووظائفها، وتحويلها إلى مؤسَّسة، السيد محمود الطالقاني (1979م)(8)، والسيد مرتضى الجزائري، والشيخ مرتضى مطهَّري (1979م)، والشيخ محمد مهدي بهشتي (1980م)، ومهدي بازرگان(1989م). وقد صدرت هذه الآراء في كتاب يحمل عنوان "دراسة حول المرجعيَّة والمؤسَّسة الدّينيّة". وقد لاقى الكتاب نجاحاً هائلاً، واعتبر أهمّ كتاب يصدر في إيران منذ صدور كتاب النائيني المعنون "تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة")

ـ كذلك يرد : ان (السيد مرتضى الجزائري) قد اقترح قيام (مجلس شورى الفقهاء)، يتألَّف من كبار الفقهاء المعاصرين، لبحث جميع المسائل والمشكلات، واعتماد رأي الأكثريّة بعد المناقشة.

(3) ـ عن المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، ابحث عن العنوان. كذلك عن مقالين خبريين مهمين:

ـ لبنان: المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تحت نفوذ حزب الله وأمل

ـ انتخابات «الشيعي الأعلى» في لبنان.. بين تربيطات «أمل» وسطوة «حزب الله»

(4) ـ عن الصراعات والفضائح بين المراجع الشيعية، طالع مثلا هذا الفيديو الذي يكيل فيه ابن المرجع السابق الاتهامات الخطيرة بالعمالة ضد المرجع الحالي:

 https://www.youtube.com/watch?v=P1zqR9XiYV0

ـ عن دور الصراعات الاقليمية والدولية في وضع الطوائف والقوميات في العراق، طالع مقالتنا:

ـ الدور الامريكي في الصراع الطائفي في الشرق الاوسط!

http://salim.mesopot.com/index.php/hide-feker/80-2017-03-01-13-28-38

(5) ـ عن اكذوبة(الاعلمية)، ابحث عن عنوان دراسة مفصلة وجيدة:

ـ نظرية الأعلميَّة في الفكر الشيعي وأزمة اختيار الولي الفقيه/ محمد السيد الصياد

(6) ـ عن ابناء الخوئي والسيستاني، فيديو شهادة من رجل دين شيعي:

https://www.youtube.com/watch?v=WiiJ1M3KIoQ

كذلك فلم:

https://www.youtube.com/watch?v=w-zGwefqgzE

كذلك ابحث عن :

مقال سليم الحسني: بدايات اتصال جواد الخوئي بالمخابرات الأميركية

ومقال: دولة السيد محمد رضا السيستاني/ سليم الحسني

كذلك مقال: مخاطر” السيد محمد رضا السيستاني” .. ما لا تعرفه عن هذه الشخصية

(7) ـ عن انتخاب البابا، ابحث خصوصا في ويكبيديا، عن عنوان: المجلس المغلق

(8) ـ عن نفوذ ايران بين الشيعة العرب:

طالع فيديو حوار غني مع باحث ايراني:

https://www.youtube.com/watch?v=GSjWrnsKVDw

ـ كذكلك طالع فيديو:

 https://www.youtube.com/watch?v=FDKnAuvZvUI

(9) ـ عن المنافسة بين مرجعية النجف ومرجعية قم، طالع مقال:

ـ لمن الحسم..صراع المرجعيات الشيعية بين (النجف) العراقية و(قم) الإيرانية/ صلاح وهبه

(10) ـ عن ابن السيد السيستاني، ابحث عن مقالة:

مخاطر” السيد محمد رضا السيستاني” .. ما لا تعرفه عن هذه الشخصية / سليم الحسني

(11) ـ دراسة توضيحية جيدة عن اسلوب ومناهج التدريس في الحوزات:

https://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/21/book_29/09.htm

(12) ـ لمعرفة تواريخ وصراعات الدول الشيعية: الفاطمية والحمدانية والبويهية والقرمطية، ابحث عن عناوينها خصوصا في ويكيبيديا.

(13) ـ عن مشكلة اصلاح الحوزات، طالع دراسة:

ـ د.حسان عبد الله / إصلاح الحوزة الشيعية.. كسر الجمود والانفتاح على العصر

(14) ـ عن مشكلة الالقاب والمراتب عند الشيعة، هنالك دراسة مفصلة غنية للمفكر اللبناني (حيدر حب الله)، بعنوان: (الألقاب العلمائية (آية الله العظمى..): جولة في تاريخها، وتطوّرها، والمواقف المختلفة منها)، يقول فيها:

ولابدّ لي أن أشير هنا إلى أنّ أغلب هذه الألقاب لا تمنح بطريقة رسميّة في المؤسّسة الدينية، بل تستخدم بطريقة عرفيّة غالباً، فليس هناك صكّ يصدر بكون شخص معيّن آخوند أو مرجع ديني أو مرجع ديني أعلى أو غير ذلك، ولا هي شهادات رسميّة تمنح لشخص نتيجة وصوله لمرحلة محدّدة على الطريقة الأكاديميّة التي يُعمل بها في المؤسّسات العلميّة والجامعيّة الأخرى في العالم، بل هو عُرف يحظى بقوّة القانون الرسمي أحياناً، ولهذا تجد أنّه من الممكن أن يُطلق على شخص أنّه (آية الله) وهو لا يستحقّ هذا اللقب أساساً، والعكس هو الصحيح.

(15) ـ عن انتخاب البابا، ابحث عن عنوان: المجلس المغلق

(16) ـ طالع (مشكلة سيطرة الكنيسة اليونانية على الكنيسة الفلسطينية):

- بطريركية القدس الأرثوذكسية: تاريخ مختصر للسيطرة اليونانية/هنادي قواسمي

(17) ـ طالع التفاصيل عن الحاخام الاكبر، طالع دراسة في وكالة وفا الفلسطينية:

http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=9581&__cf_chl_jschl_tk__=6ce6d294c299e32bb470ae9b9a7bf785098244cd-1581851160-0-AaN16nkjCCtOu9Ngubl7bB28d95L5D-V-u2GQJhBoXZUnFLoqoZ1fSjmwqMsgOtHwL6QSP9PSs0fJsEu0mh5fH5Ae0usnL8ttilY-PFet1hIjjgwk-XDbcK1NYyckQexbDJqcv1yzgHhZeeWzVoypAhwMPGt8pKTQsmD2Lq4ujdFyQumG0vj7EyPoO2bRfWHesIxmbEIMd-Dsh10mqe2SMntJ47tNQFP6b4LAkdcjaOLDTWIIN_vbF6xkm1VkgYQ5gdzRQgrj7Ul-m6woMPu8389tv6LU6CU6bSJ-blb_NNi

 

يَكْثُرُ الحَديثُ في هذِهِ الايامِ عن النُخبَةِ ودورِها في نهوضِ المجتمعاتِ وتقدُّمِها واستقرارِها، وتُعقدُ الندواتُ لمناقَشَتِها، وتُؤلَفُ الكُتُبُ والابحاثُ لِتَسليطِ الاضواءِ على هذا المُصطَلَح.

النُخْبَةُ ليستْ مصطَلَحاً ابتَدَعَتْهُ العُصُورُ الحديثةُ، ولا هو من ابتكارِ المُفَكِرِينَ المعاصرينَ، بل هو قديمٌ قِدِمَ المجتمعاتِ رافَقَها منذُ بدايات تكونِها المجتمعيِّ. افلاطون الفيلسوفُ اليونانيُّ المعروف تَحَدَثَ عَنْ أَهَمِّيّةِ وجودِ نُخْبَةٍ من الناسِ النابهينَ تقودُ المُجتَمَعَ، وهذه المجموعةُ النابهةُ هي الفلاسفةُ.

وَتَحَدَثَ سيمون بار عن الصفوَةِ ويعتبرُ أوَلَ من وضعَ الخطوطَ العامَةَ لِتَحليلِ الصفوَةِ حيثُ صَوَّرَ المُجْتَمَعَ بِهَرَمٍ تعلو قمتَهُ صَفْوَةٌ سِياسِيَّةٌ، وان هذه الصفوةَ ضرورةٌ لِكُلِّ مُجتَمَعٍ." انظر: د. المنوفي، كمال، اصول النظم السياسية المقارنة".

كانَ الماركِسِيونَ يَتَحَسَسُونَ منْ مُفرَدَةِ النُخْبَةِ ؛ لانها مشحُونةٌ بحمولةٍ بُرجوازيَّةٍ. وكانوا يستخدمون بَدَلَها مفرداتٍ اخرى، كالطليعة المستخدمة في تُراثِ لينينَ، وكمصطلح "المُثَقَفُ العُضوي" الذي كان يستخدمه " انطونيو غرامشي". كما استُخدِمَ لفظُ "المثقف" للدلالة على النخبة.

وقد أخّذَ الباحِثانِ الايطالِيّانِ موسكا وباريتا التميّز عن بقيةِ افراد المجتمع في تعريفهما للنخبةِ، حيثُ عرفاها بانها: (مجموعة قليلةٌ من الاشخاصِ توافرت لديها شروطٌ موضوعيّةٌ كالثروةِ والقُدرةِ، وشروطٌ ذاتِيَّةٌ كالمواهب والملكات تجعلها متميزة عن باقي افراد المجتمع. أمّا "لازويل" فقد أخَذَ في تعريفها القدرة على التأثيرِ، فهي عنده: ( الطَبَقَةُ التي تتميز بقدرتها على التأثيرِ اكثر من غيرها معَ جَنيِها لنتائجَ ملموسةٍ بفعلِ هذا التاثير).

والارستقراطِيّةُ عندَ افلاطون وارسطو هي أفضل الحكوماتِ، وهي عندهما لاتقوم على اساسٍ طبقي بل على اساسٍ قِيَميٍّ فهي عندهما (حكم الاقليّةِ الفضلى) لامجرد حكم اقلِيّةٍ.

ويمكن ان يصاب حكم الارستقراطية بالفساد فيتحول الى الحكم الاوليغارشيِّ.

المعنى اللغوي للنخبة

النُخْبَةُ في اللغَةِ هي: المُختارُ من كلِّ شيء، ونُخْبَةُ المُجتَمع المُختارونَ من المجتمع الذينَ لهُم مُؤهلاتٌ مُعَيَّنَةٌ. وَنَخَبَ الشّيءَ: اخَذَ احسنَهُ وأفضَلَهَ. وفي اللغةِ الفَرَنسيّةِ اصلُ اشتقاقِ كلمة (نخبة) من: قطف واختار وجمع.

ومصطلح النخبة استُخدِمَ في علم الاحياء فيما يعرف بالانتخابِ الطبيعيِّ.

النُخبَةُ في القُرآنِ الكريمِ

استخدم القرآنُ الكَريمُ مفردةً أُخرى للتعبير عن النخبة، وهي مفردةُ الاصطفاء، والاصطفاء في اللغة لهُ أكثرُ من معنىً، منها: أَخذُ صفوةِ الشييء، ومنها: التفضيل، وقد استخدمها القرآنُ الكريمُ للتعبير عمن اصطفاهم الله كصفوة خلقه وافضل من اصطفى من عباده. يقولُ الله تعالى:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) ال عمران: الاية: 42.

(وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَار، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَار،ِ ( الايات:45-46).(قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ). الاعراف: الاية:144.

)إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).ال عمران: الاية: 33.

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). البقرة: الاية:247.

في هذه الآياتِ الكريماتِ تحدثَ اللهُ تعالى عن اصطفائهِ لنُخبةٍ من البشر هم صفوة الخلق اختارهم الله وانتخبهم، ومن ينتخبه الله ويصطفيه لابد ان يكون صافياً خالصاً لاشائبةَ فيه معصوماً طاهراً من كل شائبة ومعصية. وهذه الصفوة من البشر اصطنعهم الله على عينه ؛ فهم صناعة ربانيّة، (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي).طه: الاية: 39.

وهم تحت رعاية ونظر الله تعالى في كل حركاتهم وانشطتهم:

(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ).هود: الاية: (37).

(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ).الطور: الاية:48.

النخب تصنع، والقادة يصنعون، ولكن النخب الالهيّةَ تُصنَعُ على عينِ الله، لانهم صفوة الخلق الذين طهرهم الله واصطفاهم على العالمين.

أمّا النخبُ البشرية فهي تصنع تحت اعين البشر ورعايتهم، وهناك عواملُ كثيرةٌ تتدخلُ لصناعة النخب البشرية. قد تأتي النخب عبر القُوَّةِ كما في الانقلابات العسكرية، وقد تأتي بالتعيين، وقد تاتي بالانتخابات كما في النظم الديمقراطية، وقد تاتي بالوراثة كما في النظم الملكيَّة.

في الانتخاباتِ نحنُ نختارُ نخبنا، ولكنّنا لانملكُ العلمَ الكُلِّيِّ المحيط؛ ولذلك كثيراً مانُجانِبُ الصواب في اختيارنا وانتخابنا لنخبنا؛ ولذلكَ نحنُ نجددُ الانتخاباتِ لتلافي اخطائنا. اما الله العليم بكل شيءٍ فلا خطأَ في اختياره، ولاحاجةَ الى تجديدِ الاختيار.

الجماعات البشرية التي لها نفوذ وتأثير هي نخب عند البشر ومقاسات البشر، تترك بصماتها على الاجيال والمجتمعات، ولكنَّ الله لم يسمها نخباً في كتابه الكريم. الملأ نخب من الناس لها تأثير ونفوذ وتمتلك الثروة ومراكز القوة ولكن الله لايسميهم صفوة، لان الصفوة من الخلوص والصفاء وهؤلاء ليسوا كذلك، وهذه النُخَبُ يمكن ان تكون فاسدة ويمكن ان تكون صالحة. والملأُ: هُم اشرافُ القومِ وعِلْيَتُهُم الذينَ يملؤونَ العيونَ أُبَّهَةً والصُدورَ هيبةً.

هذه النخب البشريّةُ سواءً كانت صالحةً أو طالحةً، ورد الحديثُ عنها في كتاب الله:

(قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). الاعراف: الاية: 60.

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). الاعراف: الاية: 66.

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ). الاعراف: الاية: 75.

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ).الاعراف: الاية: 88.

(قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ).الاعراف: الاية:109.

(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ).هود: الاية: 27

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). يوسف: الاية: 43.

وملكة سبا استشارت نخبتها المفضلة واصحاب الرأي عندها في شأن رسالة النبي سليمان عليه السلام كما حكى لنا القرآنُ الكريم.

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ). النمل: الاية:29.وطلب سليمان (ع) من ملئهِ ان يأتوه بعرش بلقيس:

(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).النمل: الاية: 38.

وانطلق الملأ من قريش يحثون بعضهم بعضا في مواجهة تحدي الرسالة الجديدة في مواجهة اصنامهم:

(وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ).ص:6.

ومن الجماعات التي لها تأثيرها في حياة الناس، والتي تركت بصماتها السلبية في حياة الناس والاجيال، ( المترفون)، وهم نخبة في نظر الناس، وهم عليةُ القوم في نظر الناس، ولكن الله سماهم (المترفينَ). والمترفون ليست المعادل الموضوعي للاغنياء، الغنى حالةٌ ايجابيّةٌ اذا أحسّنا توضيفها، والاستفدةَ منها، والتَرَفُ حالةٌ اجراميةٌ، وموقفٌ رافضٌ للمشروع الالهي، وحركةِ الانبياءِ عليهم السلام.

التَرَفُ لُغَةً

التَرَفُ لغةً كما جاء في لسانِ العرب لابن منظور هو: التنعم، والترفه بالنعمة، والتتريفُ حُسنُ الغذاء.. والمُترَفُ: الذي ابطرته النعمةُ وسعةٌ العَيش، واترفته النعمةُ اي: اطغتهُ.وقال الطريحي في مجمع البحرين... في قوله تعالى: (واترفناهم) اي: نعمناهم وبقيناهم في الملك، ومثل قوله تعالى: (اترفوا) اي: الذين نعموا في الدنيا بغير طاعة الله. والمترف: المتروك يصنع مايشاء. ونفس الكلام اورده الراغب الاصفهاني في مفرداته.

ومما جاء في القران الكريم عن المترفين ومخططاتهم الاجرامية:

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ).المؤمنون: الاية: 33.

والترفُ قادَ قارونَ الى التنكُرِلِنِعَمِ اللهِ وجحودِها، وينسب ما آتاه الله من فضله لقدراته العلمية وعبقريته:

(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ).القصص: الاية:78.

والمترفون الجاحدون ينكرون كلَّ آيَةٍ نازلةٍ ؛ لانهم اغلقوا منافذ تفكيرهم فلايريدون ان يؤمنوا:

(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ). الانعام: الاية:111.

ومنطق المترفين واحد هو الجحود والكفر يقول الله تعالى عنهم:

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ).سبأ: الاية: 34

والترف ليس الغنى، الغنى حالة ايجابيّة، ولكن الترفَ حالةٌ شيطانية، ومشروع اجرامي بالضد من مشروع الانبياء الاصلاحي:

(إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ). الواقعة: الاية: 45.

(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ). هود: الاية: 116.

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).الاسراء: الاية: 16.

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ). المؤمنون: الاية: 33.

وفي الختام هناك فرقٌ بين النخبة والصَّفوَةِ من البشرالذينَ ينتخبُهم اللهُ ويصطفيهم ؛ فهولاء بشرٌ كاملون مختارون ومصطَفَون، والنخب التي يختارها البشرعلى اساس المظاهر والاعتباريات، فهذهِ نُخَبٌ تحددها مقاساتُ البشر القاصرة. القران اطلق على هذه النخب الفاسدة لفظة الملأ باعتبارهم يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة، مقاسات البشر قائمة على الظواهر. والصنف الثاني من النخب من حكامٍ ونخبٍ فاسدةٍ اطلق عليهم القرآن مصطلح (المترفين)، هؤلاء لديهم مشروعٌ اجراميٌّ بالضد من مشروع الانبياء الاصلاحي، لم يطلق عليهم القران نخباً وانما سماهم مترفين.

والمترفون له منطقٌ خاصٌ بهم، هو منطق الاستعلاء والاستخفاف بالاخرين ومنطق الفوقية، منطق المترفين هذا تحدث به فرعون المترف:

(فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ).طه: الاية: 64.

(قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).الاعراف: الاية: 127.

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ). الزخرف: الاية: 54.

 

زعيم الخيرالله

 

 

مصطفى غلمانالقيمة المضافة للإعلام ليس التحقيق المفرط للهزيمة. يكفي أن يقوم مغاوير المال والاعمال بغزوة عكسية، ليرتطموا بعدالة الطبيعة، ويخرجوا كأي مسخرة تدلفها نصوص سيناريست يريد الانتقام لنفسه، من عالم الأحلام والفزاعات النفسية؟

لقد نفذت ذخيرة الإعلاميين المغاربة، من أصحاب الشكاوى اليومية، والمآسي المحاذرة، وأضحى وجودهم الائتماني موقعا للتداعي والمراهنة. الأصوات التي تنقص في الحلقة المفقودة، يمكن أن تخف موازينها، في الدقيقة التسعين، وتصبح ريشة في مهب التداول الاعتباري للتصبيغ والتغليف والتحامل. تماما كالحالة السياسية للانتخابات التي تفرض أقنعة واحتمالات وبيع وشراء وهروب بالصناديق إلى أعلى الاكمة !

يحدث ذلك في مغرب 2020، حيث يستيقظ الإعلام على فجيعة الإغلاق الوبائي، دون إرادة اختيارية، دون مرجعيات اعتبارية للتماسك المهني أو الأخلاقي، وبسرعة جنونية تصطدم الإرادات المخدومة، ويلتحم السقوط الاحتيالي، بالسوريالية السوداء، ثم تسمع جوقة العميان، يستمنون على جسد ميت لا روح فيه ولا صدى نفس!

فجأة، يتقرر تنزيل مخطط استعجالي لإنقاذ الصحافة المكتوبة بقيمة 200 مليون درهم . وأخرى تخصيص 75 مليون درهم لتحمل تكاليف كتلة الأجور بهذه المقاولات الصحافية لمدة ثلاثة أشهر (يوليوز وغشت وشتنبر).

لكن الأقرب إلى متاهة الغابة تخصيص 75 مليون درهم كدعم مباشر لأداء فواتير مموني المقاولات الصحفية، فضلا عن همزة آخر لحظة، بعدما تبين الغي من الرشد.

كمن كان يدرأ الشك باليقين، ويتعسف على مشاكلة الوقت، حتى يتمكن من القفز على منظار الظرفية الحساسة والصعبة التي تمر منها بلادنا.

لكن أفضل الأمرين، ألا يكون التوجيه المالي، والمحاصصة فيه، نوعا من الشوفينية الملتبسة، والانفرادية المشوهة، التي تستقطب وتعزل وتتحالف، لأجل تعميق ايلام الجراحات، عوض النفخ في رماد واقع مسلوب الارادة، مهضوم المحجة. بل متآمرا على تحريف قيم الصحافة والاعلام، ومبرمجا لاستهداف شعائره، بتشويهها ومناكفتها.

لقد أوقدت فيدرالية الناشرين المغاربة، تلك الصحوة الموقوتة، بعد أن استدرجت لمعركة الأخلاق، واستبيحت بنيران صديقة، لتكون طعما لكورونا، زمنيتها ومحوريتها المحايثة للموجهات والمطلوبات والانتظارات الغامضة؟

كانت فيدرالية الناشرين، في شقها المتنور والملهم لنظرية التباري الحر بين فكي قروش الثيران النازحة، كانت أكثر استيعابا للاستثنائية المهنية، التي شاغبت امواجها هدفية سفينة نوح، في استشعار الخطر، قبل الغرق، وفي الالتحاق بالمآل الجديد، قبل حدوث الفاجعة.

وكنا نحن الشهود، المغامرون، القابضون على جمر النكبات نخوض معارك الكرامة في زمن اللامعنى، عرايا إلا من عدالة مرتعدة، وقمصان ظل، نتخفى خلف مرايا الغميضة واللعب على كراسي منذورة للمؤامرات والطعان.

سنكون في مؤخرة القطيع، ضدا على كل شيء. مهما قلنا، ومهما احتمينا باليوطوبيات ومحاذير الاصطفاف، مهما اجتزأنا حقائق الاستعادات التي نبحث عن قيمها الضائعة بين النوسطالجيات والتواريخ المغصوبة، بقوة فعل السياسة والماركوتينغ، والتربصات الفتنوية المقامرة برسالتنا الأخلاقية ومقاصدها الواعية براهنية اللحظة وتأسيساتها المضمرة. إن أجمل شيء يمكن أن يعيد الإعلام الجديد إلى سكته الصحيحة، بالإضافة إلى هذا الإيمان الناصع، بالوجود الاعتباري للرسالة الأخلاقية التي يناجزها الصوت الاعلامي الديمقراطي المستقل والحر، هو تباته على الحق في تقديم أنموذج مثالي، للوظائف الثقافية والاجتماعية والوطنية، التي يمكن أن تستوعب مخزون المآلات وتضبط بوليصة الامتداد في أدوات التنمية وامتداداتها على أكثر من صعيد، في السياسة كما في الاقتصاد. في الاختيارات الديمقراطية، كما في البواعث التأسيسية لمنهجيتها، وتقييماتها للخطط والإستراتيجيات.

في البنايات الكبرى لقيم التواصل وتجسير أنظمة التأسيس الإعلامي واستمراريته.

في مساهماته لقراءة التجربة المتعثرة لمنظومتنا التعليمية التعلمية. واستيعابه للأدوار الحقيقية التي تشكلها الطفرات الهوياتية اللغوية والثقافية والاجتماعية للتربية في مدرستنا.

إن أكبر التحديات التي تواجه المقاولة الإعلامية اليوم ، ليس فقط تمتين مساراتها المالية والتنظيمية، لكن، أيضا وأيضا استمرارية زخم حضورها في الذات الأخلاقية المجتمعية، بكل حمولاتها التربوية والثقافية والتوعوية. غير بعيد عن انتظارات الإخبار والرقابة، بجانب طبيعة العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المتأصلة في المجتمع، حيث تعتمل طبيعة ودور وسائل الإعلام في تدعيم الديمقراطية، وتعزيز قيم المشاركة السياسية وصنع القرار السياسي، انطلاقا من المقومات العامة التي تتأسس عليها القيمة المفهومية للحرية والشكل الديمقراطي، انطلاقا من أجوبة تمثل الاتجاهات المختلفة داخل المجتمع، وحمايته من الاختراقات والحواجز القيمية والثقافية المختلفة، وتأصيل الظروف الملائمة للتوعية والمعرفة وتوحيد هدفية المعلومات والحصول عليها، والمساهمة في توجيد قاعدة مجتمعية تروم حوافزا لما يسمى بديمقراطية الاتصال والتواصل، بالإضافة إلى براديجم التأثيرات ذوات الاتجاهات على مستويات الرأي العام وصناعة القرار والمراقبة والمتابعة المحايدة والإيجابية.

فهل نفعل ونتفاعل؟؟

 

د. مصطفى غَلْمَان

.............................

* على هامش الجمع العام الاستثنائي للفدرالية المغربية لناشري الصحف بالدار البيضاء 3 يوليوز 2020

 

راغب الركابيتُصنف الأصولية بصيغتها العامة بأنها ذلك الشيء الذي يقوم به أو عليه، والتركيبة المعجمية للكلمة تخلو من تعريف محدد ومعلوم، لكن ما ذهب إليه الشريف الجرجاني في التعريفات يقترب من المعنى الذي ذهبنا إليه وتصورناه، فهي عنده مكونة من - الأصل الذي يبتنى عليه غيره -، ولا يبتعد المعنى الدلالي للكلمة في الكتاب المجيد عما ذهبنا إليه، قال تعالى: [كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء] - إبراهيم 24، وقال تعالى: [ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها..] - الحشر: 5 .

ومع تطور اللسان العربي في استخدام الكلمة بانَ التميز في طبيعتها المادية بين كونها مفهوماً عاماً وكونها مفهوماً دينياً، والتميز هنا نسبي في طبيعتها، وثمة مقاربة تبدو واضحة بلحاظ المتكلم، وقيل إنما الأصولية: - هي قواعد مرجعية يستفاد منها في إستنباط أو إستنتاج الأفكار -، وهذا القول وجد في الترجمة اليونانية لسفر حزقيال 11: - (.. وكانت أصولها تحته، فصارت كرمة، وأنبتت فروعا) -، وفي إنجيل لوقا حيث قال: - (.. وهؤلاء ليس لهم أصل ..) -، ومنحنى إشتقاق كلمة أصولي يؤدي إلى ما هو:

1 - مطلق أو عام فيما تقوم عليه الأبحاث والدراسات والأفكار 2 - وخاص فيما يقوم عليه الديني من الفقهي والكلامي .

والجذر الفلسفي للكلمة يرتبط بقيمة المعلومة التي يُراد إيصالها، وكذلك الأسس التي تنتجها من خلال الإيحاء المعلوماتي الذي يرسخ مفهوم القناعة والثقة، والذي يستمد عنصر قوته من أسسها الموضوعية التي قامت عليها، وبحسب تعريف أوكسفورد يمكن وصف ما تقوم به الأصولية (هو الدفاع ضد كل فكر ما يشكك أو يتبنى طروحات مخالفة لأسسها)، والدفاع هو واحدا من الأشياء التي لفتت الإنتباه إليها، كموقفها المناقض للداروينية التي أعتمدت على الطبيعة وما تُقدمه من حقايق بايولوجية، ولهذا وصفها المقرر روبير بالقول: - بأنها تلك الفكرة التي أدت دورا مزدوجاً في نسف فكرة الخلق والخطيئة - التي أعتمدها سفر التكوين في قصته المشهورة عن الخلق والخطيئة (القصة الساذجة)، في الفكر الديني العتيق لا تقدم الأصولية المسح الإيبستيمولوجي المطلوب لمسألة الخلق، وفي المقابل تبنى العلم حذف وتعطيل الفكرة القائلة بوجود (حواء) كمشارك في أصل الخلق الأول، ومعززاً مفهوم - آدم - بإعتباره أسما للجنس لا أسماً للنوع، بمعنى أدق يكون آدم المخلوق المشارك الجامع والذي يحمل الصفات الثنائية للتركيب السالبة والموجبة المنفصلة أي القطبين المنفصلين الذكر والأنثى .

وفي هذه الحالة لا يبدو الإدعاء الإعلامي المماطل الذي تبثه مدارس الظل، والتي تدعي فيه بان سمات الأصولية تبلورت في بداية القرن العشرين، إدعاءا ذي بال طالما يراد منه وضع الأسم والصفة في غير موضعهما وفي الجهة المناوئة لمنطق التطور، فالعودة إلى الأصول لا يعني التمسك الحرفي بالنصوص كما تدعي الموسوعة الكاثوليكية، وإنما هي تعبير عن حماية للنص بحسب التفسير العلمي العقلاني، فمثلاً حين تركز الأصولية العلمية على مبدأ التوحيد وبان الله واحد أحد، فهي تسلب من أولئك القائلين بتعدد الآلهه حجتهم ودعواهم، كما أنها تؤكد على الإيمان وبان البشر مهما سمو في الذات أو في المعنى لن يقربوا أبداً من حد الألوهية، وفي السياق التفصيلي ذاته يلزم نفي فكرة الرجعة أو عودة بعض المؤمنين إلى الدنيا بعد الموت، فكلا التصورين باطلين حين يوضعان في الميزان في قياس السبب والعلة المُرادة من الرجوع والعودة، كما إن الثقة الزائدة بعودة المسيح ورجعة الإمام علي إلى دار الدنيا ليُحاكم أعدائه وقاتليه مصدر هذه المعلومة الوهم والتوهم الذي تسرب عن طريق التلقين والأخبار الكاذبة، ومحاكاة المؤسسات ذات الإتجاهات الخاصة والتي تظل تدفع بالحجج والبراهين حول ذلك المعنى مع علمهم إنها مجرد تخيلات وهرطقة ..

ويعزز هذه الرؤية الميثيولوجية للمعنى ما تبناه مؤتمر نياجرا سنة 1895 م، الذي أعتبر الإصولية وماتقوله وتتبناه شيئاً مقدسا معصوما، وعممت تلك الرؤية على كل موضوعات الكتاب المقدس، من قضية الخلق وولادة المسيح وعودته إلى دار الدنيا إلى مجمل قضايا الشريعة، هذا ولم تظهر اللغة العربية تعميماً محدداً ومعروفاً للمصطلح، إنما تبنته رواية ونقلاً عن البيئة التي أُنتج فيها، وهذا تأكيد بإن المسلمين لم يتداولوا هذا المصطلح لا في الصدر الأول ولا في المراحل اللاحقة توالياً، كما لم يكن هذا المصطلح من المحددات البيانية للتعريف بهويتهم أو خطابهم العام، وحين شاع تداول هذا المصطلح وإستخدم جاء منسوخاً ولذا تحمل تبعات ذلك النسخ الذي جاء مشوهاً ممسوخاً، وبالتأمل لم نجد هناك ثمة إجحافا مقصوداً حين الزج بهذا المصطلح بالعنوان السلبي في الدائرة الإسلامية، لأن المسلمين بالفعل والقول مارسوا هذه السلوكيات ولذلك وضعوا في دائرة الإتهام، يأتي هذا بعد صعود وتنامي حركة المنتظمات الإسلامية السياسية، ولكن لا يجب تعميم الإنكار السلبي عن متعلقات الفعل من قبل حركات الإسلام السياسي .

 فكان لها ذلك الدور المعتم حول مفهوم الإسلام والمسلمين، ودعونا نستذكر معاً وسوياً أفعال وممارسات وشعارات وخطابات تحريضية وتعبئة وتحشيد، كل تلكم الأعمال تسهل عملية الزج بهم في هذه المتاهه التي عبرت عن نفسها في أكثر من موقف، وليس من الحكمة التوقف عند التسمية فالأصل هو ما ينطوي عليه عملها إذ لا مشاحة في الأسماء والمصطلحات، فلقد أثبت المشرع الإسلامي هذه الميوعة في سلوكه، حين سمح لخياله الذهاب بعيداً من خلال تقديس النصوص والشخصيات، هذا التقديس الذي أنعكس على سلم الأولويات فلم يعتن بقرءاة النصوص قراءة علمية وأخذ عن الغير الكثير من مناهج البحث، وتلقى الكثير من المفاهيم والممارسات التي حيّدت دوره ليكون صداً لغيره، وقد مارس المشرع الإسلامي نفس ذلك الأسلوب في إضفاء الأهمية على النصوص البشرية وقائليها، محنطين العقل ودوره في التنقيب والبحث والتجزئه، ولم ينفع الدفاع الذي يبديه بعض الكتاب عن السماحة والوسطية والنظر للغير بروح إيجابية، هذه التطبيقات إعلامية محظة ليس لها رصيدا معرفيا دقيقا، بل ان الشواهد والشواخص تحدثنا عن صفة ترسيخ المقدس وجعل النصوص والفقهاء والسلاطين فوق الحقيقة وأهم منها .

 ويجادل البعض في صحة الإختلاف ويذهبون بذلك مذاهب شتى، لكن الحقيقة تقول إن الإختلاف ولد إنتكاسات وتراجع لا مثيل له بل وتقاتل وسفك دماء، ولازلنا نعيش نكبته في كل عصر وحين، وضغوطات الإختلاف دائما الحديث عنها بصيغة الحاضر والماضي والإستحضارات التي يظن كل فريق انه صاحب السطوة والحق، حتى تقوقع القوم حول مقولات مفترات منها مقولة - الفرقة الناجية - تلك الصنيعة التي توظف بحسب الواقع ومن بيده القدرة ضد المخالفين .

وفي ذلك يسود المقدس النوعي والمقدس النصي الذي صنعوه في المخيال معممين سطوته وجبروته على العقل ومدركاته، في الكتاب المجيد حين يتحدث عن اصل الخلق، يبسط المعنى كثيراً حول مادة الصنع وطريقته حتى ويكأنك تعيش الفكرة، تحت مظلة المسألة الطينية ويغضب الكتاب عن الرادين لها من وجهة نظر التمايز أو الطبيعة، هذا على مستوى العموم وحين يخصص البعض ببعض الميزات يربطها بالجانب الروحي والتذليل من عقبات الغير في مواجهة اصل الإيمان والعبادة، فجملة - فضلتكم على العالمين - إشارة لهذا المعنى ليس من حيث نوع المادة ولا خصوصيتها، ولكن بالعلاقة مع الله والامتثال لعبادته دون غيره، وهذا على غير ما جاء في سفر اشعيا أو الحكاية التلمودية عن نوعية الأجناس البشرية، لكن هذه السفسطة وجدت اذان صاغيه لدى فرق اسلامية بعينها فتحدثت عن هذا التنوع مكتسبة لهم صفة نوارانية مقدسة معصومة وهكذا، طبعا لم ينشأ هذا ويتولد في الفكر العربي البسيط ولكنه نشأ بفعل التلاقي مع الأخرين والأخذ عنهم فكرة تقديس النص، والأخذ بحرفيته، وكذلك تقديس أقوال رجال الدين، والذي يهمنا في الأصولية هنا ليس كونها مصطلحاً وحسب، بل مفهومها السائد المتداول في وعينا العام، ذلك المفهوم الذي أرتبط بفعل - أصل وأصيل - ومنه تأصيل وأصالة، وهكذا فهو اصولي: والذي هو صفة وصف من دون تحديد لموقف فكري محد ومعين، لكنه مع الأيام غدى ذلك المعنى المُراد لدى دارسي أصول الفقه وأصول الدين، وهذه صفة محمودة غير مذمومة، وهي تنتمي لهذا الجذر الذي يُقسم في وعينا التصور والمفهوم إلى:

أصولية عقلية: وهي تلك التي تقيم متبنياتها وبراهينها على العقل، وهذا النوع غالب في أدب الكتابة والإعلام الإسلامي لدى طوائف المسلمين من السنة والشيعة .

أصولية سلفية: وهي تلك التي تقوم وتعتمد على الأخبار ومخلفات السلف من مرويات وأجتهادات وأفكار .

 والنوع الأول أصحابه يدعون إنهم يؤمنون بالإجتهاد وبالفكر وبالعلم كطريق لفهم النصوص والأشياء، وهذه الدعوى فيها الكثير من الوهم والتحايل على الحقيقة، ذلك أن من أشراط الإجتهاد الموضوعية هو السماح للعقل أن يعمل بحرية ومن غير مثبطات سواء أكانت تراثية أو تاريخية، أو من مقولات وأراء مخالفة للواقع، كذلك ومن لوازم الإجتهاد إفساح المجال للحوار العقلي في النقض والإبرام من غير حدود أو سقوف مسبقة ومفترضة، وكذا من لوازم الإجتهاد القبول بالرأي الأخر مهما أختلف أو تباعد، وفي هذا لا فرق واضح بينه وبين النوع الثاني، أعني لا فرق بين الأصولية العقلية والأصولية السلفية التي هي في الأصل تعطيل للعقل وحدود مداركه، وهي تعلن مكابرة ودون حياء سد أبواب التعقل وما ينتج عنه وما يؤول إليه، وهي تدعوا للإيمان القسري الجبري الإكراهي، أعني إن السلفية تسد أبواب المعرفة المنطقية والفلسفية القائمة على الدليل والبرهان، لأنها تظن في ذلك أنها تحترم النصوص وتقدسها وتحميها، موهمة أتباعها أنها أنما تريد ان يكون اللاحق موافقاً ومرتبطاً بالأصل دون تشوية أو تعرية ولهذا تتمسك بمفهوم السمع والطاعة السلبيين .

إن تقسيم الأصولية إلى عقلية وسلفية هو تقسيم أفتراضي أو قل منهجي من أجل الفهم والإدراك التبسيط، وإلاَّ فتاريخ الأصولية بشقيها نشأ وترعرع في ظل أدب الكلام والإيديولوجيا، وكانت الشرارة المعلومة بالنسبة لنا هي تلك الصرخة التي أطلقها واصل بن عطاء وتبعه جمهور ممن ضاقوا ذرعاً بالسمع والطاعة لدى مدرسة البصري، هذا ما يوحي به العصر العباسي الثاني ومناصرته للفقيه أحمد بن حنبل، وذلك رداً على ما ذهبت إليه المعتزلة، والمعتزلة: هي فرقة كلامية ظهرت في بداية القرن الثاني أواخر العصر الأموي، وقد أزدهرت في البصرة ولعبت دوراً رئيسياً في العصر العباسي على المستوى السياسي والديني، فأعتمد أصحابها على العقل ورفضوا الأخبار بالعقل والتي لم يرد فيها شرع مقبول - الموسوعة الدولية-

هي أذن فرقة أصولية إعتقادية عند المسلمين كانت تعتمد العقل كدليل وحجة وبرهان، لكن الحنبلية كافحت هذا التوجه وحاربته وأنتصرت في بعض الجولات، مع صعود خلفاء آمنوا بذلك، وقد تبنى الفكر الحنبلي فقهاء مسلمين منهم ابن تيمة الجزري والذي تنسب اليه الجهادية المعاصرة وكذلك تلميذه ابن القيم الجوزي، وهؤلاء جميعاً أشاعرة من جهة المذهب الكلامي والإيديولوجي، وأما الحركات المعاصرة من القرن العشرين وإلى يومنا هذا فقد تبنت أفكار أبن تيميه وتلامذته كمحمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب، والأخوان المسلمين بمصر، وهؤلاء كان أثرهم في نشر الأفكار المتطرفة الراديكالية عبر كتابات سيد قطب وحسن البنا والهضيبي وغيرهم، التي تدعوا لمحاربة العلمانية والجهاد ضد الحكومات الوطنية .

وكانت لكتابات أبو أعلى المودودي أثرا في تنامي الفكر المتطرف، كما لعب الرئيس السادات دورا غير مباشر في صناعة الإرهاب والتطرف، من خلال السماح لكثير منهم بالنشاط والحركة حين فتح لهم الأبواب في عملية غبية معروفة في حينها، ولأن السلفية الجهادية لا تؤتمن على حال فقد كان منهم أن قتلوه يوم 6 أكتوبر 1981 رداً للجميل الذي فعله، ثم أزداد نشاطهم ونفوذهم مع نجاح ثورة آية الله الخميني في إيران الذي حفزهم من باب التقابل، فنشأت حركات متنوعة وكثيرة، ثم جاء الإحتلال السوفيتي لأفغانستان ليدعم ويطور هذه الحركات على نحو واسع مع تشجيع من الدول العربية الخليجية وبالتعاون مع المخابرات الامريكية في حينه، وعلى أثر ذلك ومن خلاله تكونت منظمة القاعدة من شباب عرب ومن غيرهم، وكانت للقاعدة ممارسات ارهابية شديدة في كينيا نيروبي وفي السودان وفي السعودية، حتى جاءت لحظة التدمير الكبير يوم 11 سبتمبر 2001 بتدمير برجي التجارة في نيويورك وضرب وزارة الدفاع البنتاغون، وعلى أثر ذلك شنت أمريكا بعهد جورج دبليو بوش الأبن حربا في أفغانستان دمرت دولة طالبان ومنظمة القاعدة تلك الحرب التي لم تنته بعد، ومن ثم الخطيئة الكبرى حين دخلت قوات أمريكا العراق بحجة البحث عن أسلحة دمار شامل ومساعدة الإرهابيين من قبل صدام حسين، منذ ذلك الحين تنامى دور الأصولية والإرهاب حدا منقطع النظير، وقد شجع على ذلك التناقض الشيعي السني في الإسلام، ومع تبلور فكرة إقامة الحكومة الإسلامية تبنى فرع من الأصولية العراقية مبدأ إقامة الخلافة الإسلامية وهكذا نشأة - داعش - كمنظمة وكخلافة أمتدت على أراض واسعة من العراق وسوريا، وتحكمت بمصادر الطاقة، وقد شجعتها بعض الحكومات الخليجية وتركيا لأغراض محلية وأهداف متناقضة، طبعاً لا يفوتنا التذكير بالخطأ الإستراتيجي الذي قام به أوباما حين شجع على ما سمي بالربيع العربي، الذي ساهم عن عمد أو بدونه بنشر حالة الإرهاب وتوسيع دائرته في كل المنطقة العربية من افريقيا الى اسيا صعودا الى اوربا وامريكا .

 

راغب الركابي

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: نشر الأستاذ الدقيق الحريص الدكتور الفاضل صادق السامرائي سلسلة مقالات مهمة ومحفزة عن تخلفنا وتأخرنا كانت الأخيرة منها تحت عنوان:

(هل نحن مجتمعات متخلفة أم متأخرة؟!!) بتاريه 05/07/2020 الرابط

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam/947860

رغم أهمية ما ورد فيها ووجود الكثير من علامات التعجب والاستفهام فيها لكنها مع الأسف لم تدفع الكثير من الأساتذة للمساهمة فيها و مناقشتها من خلال التعليقات او الإشارة اليها في مقالات...لقد تركت على الأخيرة تعليق ختمته ب:(هناك ضرورة للعودة الى الموضوع)...وهنا اعود اليها. فتحية للأستاذ الدكتور صادق السامرائي وأقول:

التخلف حسب اعتقادي/تصوري/تفسيري/تحليلي هو التوقف عن مواكبة مسيرة الحياة في التقدم. او هو السير باتجاه عكس مسيرة البشرية.

قيل ان هذا المصطلح ظهر للتداول أو انتشر بعد ان نالت بعض الدول استقلالها. وهذا مرتبط بما اُطلق ويطلق عليه بالعالم الثالث او الدول النامية (النائمة) والحقيقة انه كان مع البدايات الاولى لحركة الانسان مهما كانت الحياة بسيطة وعلامات التفريق بين المتقدم والمتخلف صعبة فقد كان منهم من تميز وتقدم واخرتوقف حيث هو.الفرق بين من ضرب حجرين ببعضهما فجدحا فأشعل النارالتي انارت للبشرية الطريق منذ تلك اللحظة ولليوم ومنها كل التطور الذي نعيشه اليوم وبين من هرب عندما جدحا .الفرق بين من توقف عند بيضة الدجاجة فسلقها واكلها وبين من كسرها وفقدها.

التخلف كلمه /مصطلح/ مفهوم  جُمِعَ /جَمَعَ التالي (رأي شخصي):

ت: تلف...تيه ... تكبيل.... تخدير...تبعيه

خ: خوف ...خمول ...خيانة ...خلل...خطر...خراب

ل: لغو... لعنه ...لهو ...لو ...لا ...لطم

ف: فوضى ... فراغ ... فساد...فشل...فقر

التخلف ليس مرض معدي او وراثي وليس للجغرافية او التاريخ تأثير فيه انما هو خلل نتج عن اسباب تلك الأسباب مواد محليه وبأيدي محليه وتؤثر محليا ولا تُصّدَرْ ولا تُستوردْ لكنها تحتاج الى عوامل مساعدة بسيطة لتنشيطه وهي مهمه ومؤثره قد تُستورد او تُبعثْ من الخارج ومن صفاتها او ما يميزها انها متعددة الاستعمالات حتى تُلاقي قبول في نقلها والتجارة بها وهي مواد تستخدم في مجالات حضارية متعددة سواء تقنيه او غذائية او ثقافية ويحتاج الى ظروف حضن لا نتاجه وتسويقه وتشجيع الادمان عليه وادخاله في صلب الحياة اليومية...ويحتاج الى موزعين ومسوقين ودعاية لترويجه.

ألتخلف حالة خطيره قد تكون فعالة او سابتة(من السبات) موجودة في كل بقعة او اتجاه جغرافي وفي كل المراحل التاريخية وكل المجتمعات...انتشارها او تأثيراتها تعتمد على الجهود المبذولة في دراستها والتوعية بخطورتها واضرارها على الفرد والمجتمع حاضرا ومستقبلا.سواء كانت تلك الجهود مجتمعيه/رسمية عامه او فرديه.

التخلف ينمو ويتناسل ويتحرك ويطور اشكال جديده مقاومة لمضادات التخلف ربما كما فيروس كورونا المستجد المتجدد لذلك يحتاج الى حملة مكافحة (رقابة وتحذير/وقاية وعمل مختبرات ومراكز بحوث لمعرفته وتتبعه ومحاولة إيجاد علاج له او لقاح لتفاديه اي تجديد في كل شيء والأهم تجديد الاهتمامات وتعزيز المناعة للوقاية منه وإزالة او تحجيم اضراره... يكون تركيز تلك البحوث والدراسات على النشء الجديد ليولد وينمو معافى.

كذلك يمكن تشبيه التخلف بمرض شلل الاطفال الذي يمكن الوقاية منه ولكن لا يمكن معالجة من اصيب به الذي سيبقى عليلاً ويحتاج الى من يعينه في كل مراحل حياته ليكون في كل ما يعيش تابع لمن يعينه.

التخلف من سماته او مُلازِماته هي التبعية للغير محلياً واقليمياَ ودولياَ لآن المتخلف قلق ومتخبط ولا يعرف ما يدور حوله. التخلف فشل في استخدام الموارد المتاحة أو المتواجدة أو الموجودة وفشل في التواصل مع الغير وفشل في الاستفادة المتبادلة مما يكون في الحياة ماضي وحاضر ومستقبل.

أول خطوة في طريق محاربة التخلف او الوقاية منه هو الاستخدام الأمثل أو الإدارة بكفاءة عالية للموارد البشرية والموارد الطبيعية والوقت.

إدارة الموارد البشرية الكفؤة تبرز من خلال التدريب والتعليم وتعزيز الوعي بأهمية اللحاق بركب التطور وتعني الاهتمام بالإنسان واشراك كل الشرائح في ذلك وحسب قابلياتها واهم شريحة في المجتمع هي الشباب والمرأة...وبالذات المرأة التي على مقدار مشاركتها في حركة المجتمع تتحدد نسبة التطور فيه والمشاركة لا اقصد بها التواجد الشكلي مثل(الكوتات)او (السلعة)...انما لكي يتطور المجتمع يجب ان تتعلم المرأة لتصبح معلمه/فاعلة/خبيرة في كل مجال والمجتمع الباحث عن التطور يخصص الميزانيات العالية لتطوير وتأهيل المرأة وتحررها حتى لو كان ذلك على حساب الرجل الذي يمثل العضلات الغبيه في المجتمعات المتخلفة...تعليم المرأة وتأهيلها يعني تأهيل الرجال والنساء مستقبلاً... اما تعليم وتأهيل الرجل فقط سيعني حتماً الإقلال من تأهيل رجال ونساء المستقبل لأنهم سيجهدون انفسهم بأمور كثير تستنفذ جزء مهم من طاقاتهم وتُحّجٍمْ ابداعاتهم ان وجدت والتي كان يمكن للمرأة ان ترفع عن كاهلهم الكثير فيستريحوا ويريحوا..

أما الموارد الطبيعية فتعني الارض وما فوقها وما تحتها وما يحيط بها وتهيئة الكادر القادر على التنقيب عنها و عن منافعها و تعزيز تلك المنافع و رسم الاستراتيجيات لدوام تعزيز تلك المنافع وتعظيمها... والوقت يعني احترام اجزاء الثانية والشروق والغروب والرقود والنهوض والحضور والانصراف.

 وأعظم وأدق تعبير عن ذلك الاستغلال الامثل للعناصر الثلاثة او الدعوة الى ذلك هو القول المأثور التالي:(أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا) بعيدا عن تشويه هذا القول بربطه بالدين مع ان الدنيا و الاخرة مفتوحتين الى ما لا نهاية بالنسبة لكل الأديان و المعتقدات و هاتين الكلمتين الشاملتين الوحيدتين التي تشترك فيها كل الاديان و العقائد بالتمام والكمال والدقة المتناهية ...ان من يريد العيش ابدا عليه التفكير بالحياة وتحسينها صحيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا والبحث لترجمة القول حرفيا باتجاه خلود الحياة. والعيش ابدا يعني العيش بهناء وود ومحبه وتنظيم وعنايه ليس للفرد الواحد محدود فترة الحياة انما للأجيال وهذا العمل لا يمكن ان يكون فرديا مغلقا وانما عاما شاملا...فما قيمة ان يحافظ الانسان على بيئة نقيه في محيطه الضيق في حين يقوم الاخرين بتلويثها...وهذا العيش او هذه الأبدية سواء الحرفية لغويا او رمزيا لها تعني ان يكون الانسان منتج متحرك مواكب للتطور متفاعل وباني وطَمُوحْ. اما الجزء الثاني وهو الموت غدا...يعني عليك احترام الوقت والانجاز في التوقيتات ورسم الخطط ونبذ كل شيء سيء من إهمال وتهرب من المسؤولية وإضاعة الوقت واشاعة الاتكالية والعيش على الهامش بما لا ينفع لان الباقي من الوقت امام كل انسان قليل ولم يتعدى الغد...وعليه ان يترك أثر جيد في هذه الحياة حتى يعيش بعد الموت المحتم على كل حي كما يعيش بيننا المضحين والمكتشفين والمخترعين والمتفانين في خدمة البشرية الاحياء رغم مغادرتهم منذ مئات وعشرات السنين. والغد ليس بمعناه الحرفي اي بمعنى اليوم التالي مباشرةَ وانما المستقبل...أي عليك ان تترك أثراً تعيش به بعد موتك يتّذكركَ به الغير ويفيد في استمرار الحياة الصحيحة الجميلة واول الاعمال التي يجب ان يقدمها من يريد ان يعيش ابدا او من يموت غدا هو الاداء الجيد والمساهمة الإيجابية في الحياة لأنها من تحفظ قيمته ان عاش ابدا او مات غدا.

هناك من يصنف التخلف الى اصناف او حقول ليقول تخلف علمي او اقتصادي او اجتماعي او شخصي ولكن كما اعتقد لا يمكن عزل او فصل او تجزئة التخلف.

يقال ان هناك وعي متخلف وان هناك تخلف وعي ولا اعرف ما المقصود بهاذين المفهومين الغير مفهومين فما الفرق بين وعي متخلف وتخلف في الوعي إذا كانت النتيجة هي التخلف سواء فرد او جماعة.

والتخلف هو سيطرة القوة (مادية ومعنويه) التي تمنع العقول من تحقيق ما تريد حيث يُقمع المبدع الذي يعرف ما يريد لكنه يُمنع من تحقيق ذلك

المتخلف اي الموصوف بالتخلف (شخص او مجموعة او شعب) هو متحرك متخبط لا يعرف السير بالاتجاه الصحيح ولا يشعر بذلك وقد اكتفى بتلك الحركة (السورة) الدوامة التي تلفه وتفقده توازنه لتجعله يترنح بشكل مستمر أو واقف يتفرج على من يسبقه وهو أما لا يعرف ما يجري او يبكي ويندب حضه او يعلس فضلات ما اجترته الاجيال يتلذذ بما بقي منها وهو غير نافع لم يلتفت او ينتبه او يلاحظ ما يحيط به لأنه مستأنس بأن هناك من يحيط به لكنه لا يميز هل هم من كانوا يحيطون به بالأمس ام ان أولئك انطلقوا وجاء غيرهم لينطلق.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

قاسم حسين صالحتحليل سيكوبولتك

 يعدّ (فشل العملية السياسية في العراق) هي السبب في كلّ ما اصاب العراقيين من فواجع وما حلّ بالوطن من خراب، وان من واجب الأكاديميين تشخيص اسبابها، ليس بمقالات تميل الى الذاتية وان كانت رصينة، بل بدراسات تستوفي شروط المنهج العلمي من حيث الصدق والموضوعية.

تناولت الحلقة الأولى تحليلا لنتائج دراستين (2016 و 2020).. ونخصص هذه الحلقة لمناقشة النتائج والتوصيات التي تهم حكومة السيد مصطفى الكاظمي والمعنيين بالشأن السياسي بهدف دعم عملية الأصلاح وتأمين نجاحها.

مناقشة النتائج

 احتل (التعصب او عدم النضج السياسي) المرتبة الاولى في اسباب فشل العملية السياسية في العراق، وهو تشخيص صائب.ولفهم ذلك نوضح ان المعنى العلمي للتعصب يعني (النظرة المتدنية لجماعة او خفض قيمتها او قدرتها او سلوكها او صفاتها ليس له اساس منطقي).

وما حصل بعد 2003 ان العملية السياسية صنفت العراقيين الى (نحن - الشيعة) التي تبالغ وتعظّم ايجابياتها وتغمض عينها عن سلبياتها، و(هم – السنّة ) الذين يضخمون سلبياتها ويغمضون عيونهم عن ايجابياتها.. وتبادل الأدوار بينهما على مدى سبعة عشر عاما.

 ومع ان الغالبية المطلقة من السياسيين العراقيين مصابون بهذه (العلّة)، فانها متضخمة اكثر عند السياسيين من الطائفتين السنية والشيعية.وبهذ المعنى فأننا نصف السياسي العراقي، سيكولوجيا، بانه (احول عقل).. وهو خلل ادراكي يؤدي الى استقطابات تعصبية تعمل على اشاعة الكراهية بين افراد الجماعات الطائفية والقومية على صعيد الناس، وخلق الازمات على صعيد السياسة، وتغليب مصالح الطائفة او الجماعة على صعيد الثروة الوطنية.

 واحتل (عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية) المرتبة الثانية. وسيكولوجيا، يتفق علماء النفس على ان الشعور بالانتماء حاجة اساسية لدى الانسان، لأنها تمنحه الأمان والحماية وتجنبه الشعور بالاغتراب النفسي والاجتماعي والسياسي.ويترتب على (الانتماء) التزام متبادل هو ولاء الفرد للجهة التي ينتمي لها(أسرة، طائفة، دولة.. .) مقابل حماية تلك الجهة له.ويكون الولاء هنا مرتبطا بالهوية المصحوب بنوعين من الشعور:التباهي، حين تكون الجهة متمتعة بالهيبة والقوة والاعتبار، وبنقيضه.. التباهي العصابي حين تكون تلك الجهة ضعيفة.وطبيعي أن الانتماء لجهتين في آن واحد يكون اقوى للجهة التي تتمتع بالاعتبار والتباهي بهويتها، واقوى للجهة التي تؤمن له حاجته الى البقاء.

 هذا يعني ان معظم السياسيين العراقيين من مزدوجي الجنسية، لاسيما امريكا، بريطانيا، كندا، السويد، يكون ولاؤهم للعراق ضعيفا، مقارنة بسياسي عراقي وطني ليس لديه انتماءان، او جنسيتان. فضلا عن ان المستجيبين اشاروا الى ان السياسيين يعانون من (عقدة الدونية لانهم عاشوا على الرعاية الاجنبية والعيش على فتات موائد اسيادهم)، وانهم (ما ان حدثت الازمة الحالية فان معظم النواب ذهبوا الى اوطانهم البديلة).

 في المرتبتين الرابعة والخامسة جاء السببان:

 - اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية، و

- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة.

 السبب الأول يفيد بان السياسي العر اقي لا يمتلك ارادته الوطنية، بل هو يعمل او يخضع او ينفذ توجيهات دولة خارجية يرتبط بها سياسيا او مذهبيا او قوميا او مصلحيا.ويتفق المحللون السياسيون على ان اقوى ثلاثة دول كان لها دور رئيس في العملية السياسية العراقية هي اميركا وايران والسعودية.واذا استثنينا اميركا بوصفها دولة محتلة تهمها مصالحها والموقع الاستراتيجي للعراق بوصفه الدولة الاولى التي سيبدأ منها تغيير خارطة الشرق الأوسط، وانها هي التي جاءت بهم ولا تهمها هوية السياسي العراقي، فان ايران والسعودية يذكيان الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في العراق، وان السياسي العراقي اضطر الى ان يسند ظهره الى الدولة التي تحميه في اوقات الازمات.ويعني هذا ان غياب الارادة السياسية الوطنية السيادية كانت احد اهم اسباب فشل العملية السياسية في العراق، والسبب الرئيس في اعادة انتاجها للأزمات.

 اما السبب الثاني فهو سيكولوجي خالص، اذ يرى السياسيون الذين كانوا في المنافي زمن النظام الدكتاتوري، ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة تعويضا لهم عن التضحيات التي قدموها سواء كانت تصفيات جسدية لأقرباء او اعضاء في تكتل او حزب معارض ينتمون اليه، او مادية ترتب عليها معاناة حياتية قاسية.

 وفي هذا خطئان كبيران، الأول: انهم ينظرون الى الناس الآخرين انهم كانوا من الخانعين او الراضين على النظام السابق الذين لا يحق لهم المطالبة بما سكتوا عنه من ظلم وهدر كرامة وحياة قاسية.والثاني:ان تفكيرهم هذا يقودهم الى ما يؤمن لهم البقاء في السلطة ويضمن لهم مصالحهم الاقتصادية والاعتبارية.. وهذا يفسر احد اسباب فشل الحكومة في ادارة شؤون الدولة.

 التوصيات

 في ضوء النتائج اعلاه، نوصي بالآتي:

 أولا: للمعنيين بالشأنين السياسي والأعلامي:

- اصدار تشريع او قانون يرتّب عقوبات مادية ومعنوية، بما فيها السجن ضد كل سياسي تتضمن خطاباته تحريضا طائفيا او تعصبا عنصريا او عشائريا.

- قيام وسائل الاعلام ورجال الدين والمؤسسات التربوية ومنظمات المجتمع المدني باشاعة ثقافة المواطنة والتسامح والسلام بين مكونات المجتمع العراقي.

- اجراء استفتاء بشأن اصدار قانون ملزم لا يسمح فيه لمن يحمل جنسيتين الترشيح لعضوية مجلس النواب، او تولي مسؤولية حكومية بمنصب مدير عام فما فوق، بدءا من الأنتخابات القادمة.

- اشاعة الوعي الانتخابي بين الناس وافهامهم بأنهم كانوا أحد الأسباب في توالي الخيبات والحياة البائسة التي عاشوها لأنهم جاءوا باشخاص اتفق الجميع على ان غالبيتهم فاسدين، وان الطريق لحياة كريمة يكون باعتمادهم معايير الكفاءة والنزاهة والولاء للعراق في الانتخابات القادمة.

- قيام القوى العلمانية والوطنية وشباب التظاهرات بتوحيد صفوفها على وفق استراتيجية سياسية واضحة منطلقة من حقيقة ان قوة السلطة الحاكمة تكمن في فرقة هذه القوى، وان توحدّها يشكّل ضغطا على سلطة فاشلة سياسيا لأنها مؤلفة من احزاب لا تملك استراتيجية لبناء دولة.

- اقامة دورات ثقافية لأعضاء مجلس النواب تتضمن موضوعات في سيكولوجيا التعامل مع الازمات واخرى في الصحة النفسية.

ثانيا:خاصة بحكومة السيد الكاظمي:

 - فرض سلطة الدولة بما يؤمن امتلاكها الأرادة الوطنية وقرارها السياسي واعادة الهيبة للعراق.

- اعتماد الحكمة في التعامل مع مرحلة حرجة وخطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها مواجهة مع قوى خارجية واحتراب طائفي سياسي.

- دعوة السيد الكاظمي الى احاطة نفسه بمستشارين في الاختصاصات كافة، يقولون له الحقيقة لا ما يحب ان يسمعه.. كسابقيه!

- تأمين انتخابات نزيهة وشفافة باشرف الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الانسان، بوصفها هي طريق الخلاص من الازمات وتوالي الخيبات.

- و.. القيام باصلاحات تزيل التشكيك وتولد اليقين لدى العراقيين، بما فيها تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة الفاسدين الذين وصفتهم المرجعية بـ(الحيتان)، واسترجاع المليارات التي نهبوها، وتأمين حياة كريمة في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية. 

 شكر وامتنان:

يتقدم الباحث بجزيل الشكر والامتنان لكل الذين شاركوا في الاجابة على هذا الاستطلاع في عاميه (2016 و2020).. فبدونهم ما كانت هذه الدراسة.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

كُل إنسان يعيش حَيَاتَيْن معًا: حياة في داخل جِسمه، وحياة في داخل جِسم المجتمع. وسعادةُ الإنسان مُتوقفة على العلاقة بين الحَيَاتَيْن، فإن كانت هذه العلاقة متوازنة، وقائمة على التصالح مع الذات، والوئام مع أفراد المجتمع، شَعَرَ الإنسانُ بالسلام الداخلي، الذي ينعكس بصورة إيجابية على عناصر الطبيعة وتفاصيل العلاقات الاجتماعية. وإن كانت هذه العلاقة مُضطربة، وقائمة على الصراع مع الذات، والصِّدام مع أفراد المجتمع، شَعَرَ الإنسانُ بالتمزُّق الداخلي، الذي يتحوَّل معَ مُرور الوقت إلى انهيار للحقائق والمشاعر، مِمَّا يَجعل الإنسان لُعبةً هامشية في مسرح للدُّمى، وبدلًا مِن أن يكون الإنسانُ هو صانع الأحداث، واللاعب الأساسي في مركز الحضارة، يُصبح مَلعوبًا به، وشيئًا مِن الأشياء، ودُميةً تُحرِّكها الأصابعُ الخفية مِن وراء الستار . وهذا المصيرُ الكابوسي يجعل الإنسانَ فاقدًا للثقة بِنَفْسه، وعاجزًا عن بناء ذاته، والمُساهمة في نهضة مُجتمعه . وبالتالي، لا يَستطيع الإنسانُ قيادةَ الأحداث، وتَوجيه دَفَّة الوقائع، لأنَّه ببساطة لا يَملِك عناصر القُوَّة التي تَفْرِض على الآخرين احترامَه وتقديره والاستماع إليه . وكُل إنسان لا يَقْدِر أن يَكون مَتبوعًا، سيكون تابعًا، وإذا كان عاجزًا عن إنتاج الفِعْل، سَوْفَ يتلقَّى أفعالَ الآخرين، ويُصبح رَدَّةَ فِعْل . وهذا الأمرُ في مُنتهى الخُطورة، لأنَّه يُفْقِد الإنسانَ صَوته الخاص، فيصير رَجْعَ صدى، ويتحوَّل الأصلُ إلى نُسخة مُزوَّرة، وتَؤُول الهُوِيَّةُ الإنسانية الإبداعية إلى هاوية سحيقة بلا تاريخ ولا جُغرافيا. والمشكلةُ المُنتشرة في الأنساق الاجتماعية هي أن يَعتقد الإنسانُ أنَّه يُدافع عن وُجوده الشخصي . وفي حقيقة الأمر، هو يُدافع عن وجود الآخرين المُسيطر على هُويته ومشاعره ومصالحه. لذلك، يجب أن يَسأل كُلُّ إنسان نَفْسَه، بدون تحايُل عليها: هل صَوتي المُسيطر على كياني هو صَوتي الخاص أَم مُجرَّد صدى لأصوات الآخرين؟. وهل أنا اللاعب أَم المَلعوب به؟. وهل أنا حجر على رُقعة الشِّطْرَنج أم اليد التي تُحرِّك الحجر وترسم خطواته؟. والعاقلُ قد يَخدع الآخرين، ولكنَّه لا يَخدَع نَفْسَه .

إنَّ الصِّراع على احتكار البناء الإنساني الحضاري عملية صعبة وخطرة، لأنَّها لُعبة صِفرية، لا مَجال فيها للتعادل، ولا تَقْبَل اللونَ الرمادي. والإنسانُ أمام خِيَارَيْن لا ثالث لهما: إمَّا أن يَكون سَيِّدًا مالكًا لأمره وسِيادته، وقادرًا على إطعام نَفْسِه وحمايتها مِن الأخطار، وإمَّا أن يكون خادمًا لغَيره، يمدُّ يَدَه للآخرين، لأنَّه لا يَمْلِك مِن أمره شيئًا، ولا يَستطيع تَوفير مُتطلباته اليومية، وحاجاته الأساسية . وهذا المنظورُ الشخصي هو الأساس السياسي الحاكم على العلاقات بين الدُّوَل، والدُّوَلُ مُنخرطة في محرقة حقيقية وحروب مُستمرة ذات أشكال متعددة، لإثبات الوجود، وفرض الهيمنة، والوصول إلى أسواق جديدة، والاستحواذ على مناطق نفوذ مُؤثِّرة، وصناعة وُكَلاء وأدوات، لأنَّ الدُّوَل (اللاعبين الأساسيين والرؤوس الكبيرة) لا تُقَاتِل بِنَفْسها، وإنما تُقاتِل بأدواتها، وتستخدم أذرعها، وتبتز بأوراق الضغط، ولا يُوجد لاعب يَرمي الجوكر في أوَّل اللعبة. وأصعب الحُرُوب هي التي لا يُطلَق فيها الرصاص، لأنَّها تستهدف قتل الرُّوح، أمَّا الحروب التقليدية فتهدف إلى قتل الجسد . وقَتلُ الرُّوح أسوأ بكثير من قتل الجسد .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

وتُسَمى أيضاً عائلة اللغات الكارتفيليَّة أو الإيبيريَّة

تتكَوَّن هذه العائلة اللغوية من أربعة لغات متواجدة جميعها في جمهورية جورجيا هي: اللغة الجورجيَّة، اللغات السانِيَّة بفرعيها اللازيَّة والمنغريليَّة واللغة السوانيَّة

يتكلم بلغات هذه العائلة قرابة ال 5,5 مليون إنسان كما هو موضح أدناه.

يعتقد علماء اللغات بأنَّ أصل لغات هذه العائلة يعود إلى لغة قديمة اسمها اللغة الكارتفيليَّة تطوَّرَت منها العديد من اللهجات وتباعدت المجاميع السكّانيَّة التي تتكلم بها عن بعضها البعض حتى تبلورت منها مجموعة اللغات المشار إليها أعلاه، فإستقلت في البدأ اللغة السوانيَّة التي تطورت بشكل بعيد جداً عن تطور بقيَّة اللغات الكارتفيليَّة، ثم تبلورت ومع مرور الزمن اللغة السانيَّة التي إنقسمت لاحقاً إلى لغتين مستقلتين هما اللغة اللازيَّة واللغة المنغريليَّة، وبقيت اللغة الجورجيَّة كإمتداد للغة الكارتفيليَّة. ورغم هذه التطورات بقيت الكثير من الخصائص والمواصفات المتشابهة فيما بينها والتي تشير إلى الجذور المشتركة لهذه المجموعة اللغويَّة.

اللغة الجورجيَّة

اللغة الجورجيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

ومنها اللغة الجورجيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: الجورجيون يسمون لغتهم الكارتفيليَّة (Kartvelisch) ويرغبون أيضاً في إطلاق هذه التسمية على بقية اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة لإعتقادهم بأنَّ هذه اللغات إنطلقت من رحم اللغة الجورجيَّة القديمة (الكارتفيليَّة)، وبنفس الوقت يُستَخدَم مصطلح اللغة الكارتوليَّة (Kartuli) كمرادف لمصطلح اللغة الجورجيَّة.

إنتشر أيضاً مصطلح الغروزينِيين واللغة الغروزينِيَّة (Grusinisch) على الجورجيين ولغتهم، وهذه التسميَّة أطلقها الروس عليهم.

تأريخها نشوئها وتطورها:

للجورجيين تأريخ عريق يمتد إلى آلاف السنين ق.م..  تَعَرَّضَ الجورجيين في النصف الثاني من القرن الأخير قبل الميلاد إلى غزو الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وخضعوا لسيادتها قروناً طويلة وإعتنقوا عن طريقها الديانة المسيحيَّة بعد إنْ أصبحت هذه الديانة الدين الرسمي للإمبراطوريَّة. وتَعَرَّضوا كغيرهم من شعوب القوقاز في الأعوام 642/643 و 654/655 و735/736 من القرن السابع الميلادي إلى الغزو العربي الإسلامي وتبعه الغزو الفارسي ومن ثم الغزو العثماني وترتب على ذلك هجرة مجاميع كبيرة منهم صوب الغرب وإنعكس هذا التباعد بظهور إختلافات واضحة في تطور لغتهم عكسته التباينات الظاهرة في لهجاتهم.

بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر وقعت جورجيا تحت تأثير الغزو التتاري الذي رافقته حالة شبه إنعدام لإستخدام اللغة الجورجيَّة وترتب عليه  حالة ضعف وتدهور شديدين في اللغة. في القرن الخامس عشر تعرَّضوا مجدداً إلى الغزو العثماني وفي القرن السابع عشر إلى الغزو الفارسي وفي القرن التاسع عشر كانوا تحت رحمة القيصريَّة الروسيَّة.

تأثرت اللغة الجورجيَّة قديماً باللغتين العربية واليونانيَّة بفعل علاقات جورجيا التجاريَّة مع هذه الدول وكان لهذا التأثير آثاره الواضحة على ثروتها اللغويَّة، كما تأثرث لاحقاً باللغة الفارسية بفعل الغزو الذي إعتمدته الإمبراطوريَّة الفارسيَّة لمناطق القوقاز، إلا أنَّ التأثير الأكبر حصل في القرن العشرين تحت سطوة اللغة الروسية، اللغة الرسميَّة للإتحاد السوفيتي، الذي كانت جورجيا واحدة من مجموعة جمهوريّاته سابقاً. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ التواجد الكثير للأقليّات القوميَّة في جورجيا وإنتشار الكثير من اللغات التي تنتمي إلى مجاميع أو عوائل لغويَّة غير قوقازيَّة يشكل عدد الناطقين بها 16% من مجموع السكان مثل اللغة الأذريَّة 6.5 %  واللغة الأرمنيَّة 5.5% واللغة الروسيَّة 1.5% وأقلِّيات أخرى 2.5% يشكل عامل ضعف على تطور اللغة الجورجيَّة.

رغم كل هذه التأثيرات الخارجيَّة فقد تَطَوَّرت اللغة الجورجيَّة بشكل متسارع، والتطور الأهم الذي طرأ عليها كان في القرنين الأخيرين. وبشكل عام يمكن القول بأن هذه اللغة مَرَّت بثلاث مراحل تطور مختلفة هي:

ــ الأولى من القرن الرابع حتى القرن الحادي عشر. تم الإتفاق على تسمية اللغة الجورجيَّة في هذه المرحلة باللغة الجورجيَّة القديمة. مع بدايات القرن الثامن وإرتباطاً بتحول المناطق الجنوبيَّة الغربيَّة من جورجيا إلى مركز إقتصادي وثقافي مهم تطورت معه ظاهرة نمو مدن مثل آرتانودشي وكوتايسي أصبحت لاحقاً مراكز مهمة لتطور اللغة الجورجيَّة. أتت هذه الفترة ثمارها مع بدايات القرن الحادي عشر.

ــ الثانية من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن عشر حيث ظهرت ملامح جديدة لتطور اللغة الجورجيَّة عكستها بعض المخطوطات الأثريَّة التي تم العثور عليها لهذه الفترة، وتسمى لغة  هذه المرحلة باللغة الجورجيَّة في المرحلة الوسطى.

ــ الثالثة وهي الأهم من القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر، حيث تطوَّرَت اللغة الجورجيَّة وتكاملت ملامحها بشكل واضح، وصار يطلق عليها اسم اللغة الجورجيَّة الحديثة. وكما تَطَوَّرت اللغة تَطَوَّرت معها أيضاً أبجديتها وأشكال كتابتها.

مخطوطاتها الأثريَّة:

تم العثور على الكثير من اللقط الأثريَّة للغة الجورجيَّة تعود إلى القرنين الرابع والخامس للميلاد. أهم آثارها اللغوية يعود إلى عام 494 م. تم العثور عليه جنوب العاصمة تبليسي، والأثر الأكثر أهميَّة هو نسخة دستور جورجيا المسيحيَّة الذي كُتِبَ عام 897 م. ورواية *الرجل في فروة النمر* للأديب الجورجي شوتا روستافيلي في القرن الثاني عشر وترجمة الكتاب المقدس *الإنجيل* من اللاتينيَّة إلى الجورجيَّة، الذي أنجز عام 1213 في زمن الملكة تامارا، أوَّل ملكة لمملكة جورجيا.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة الجورجيَّة في موطنها الأصلي جمهورية جورجيا، وفي جمهوريَّة روسيا الفدراليَّة في مناطق قيصلار ومُصدُق، وتركيا في مقاطعة شافشيتي أمرشيفي، وأذربيجان في منطقة ساينغيلو، وإيران في منطقة فِيرِيدان، وبين الأقليات الجورجيَّة في جمهوريات كازاخستان وأوزبيكستان وأرمينيا واليونان ودول أخرى.

عدد الناطقين بها:

تأتي اللغة الجورجية في مقدمة اللغات القوقازِيَّة من حيث عدد الناطقين حيث يتكلم بها أكثر من 4.2  مليون مواطن أغلبهم في جمهوريَّة جورجيا وهم يتركزون في العاصمة تبليسي والآخرون ينتشرون في الدول التالية: 150 ألف في روسيا، 50 ألف شمال شرق تركيا، 13 ألف شمال أذربيجان، 10 ألف في كازاخستان ، 5 ألف في أوزبيكستان ، 5 ألف في إيران، 2 ألف في أرمينيا و غيرهم في شمال اليونان ودول أوروبيَّة أخرى. يتكلم باللغة الجورجيَّة كافة أبناء الأقليات الأخرى المتواجدة في جورجيا ويتعاملون معها كلغة أُم بقوة القانون ويتعلمونها في المدارس ويستخدمونها في حياتهم اليوميَّة ويدونون بها آدابهم وتراثهم.

لهجاتها:

للغة الجورجيَّة الكثير من اللهجات منها:

1- مجموعة اللهجات الغربيَّة وهي:

ــ اللهجة الإِميريَّة (imerische) في القسم الشرقي من محافظة كوتايس

وكذلك في مناطق باطوم وآرتويين، و

ــ اللهجة الراتشيَّة (Ratschisch) و

ــ اللهجة اللَيتشخوميَّة (letschchumischer) و

ــ اللهجة الغروزيَّة (Gurisch) و

ــ اللهجة الأتشاريَّة (Atscharisch) و

ــ اللهجة الإمرشيفشيَّة (imerchewischer) في تركيا وغيرها.

2- مجموعة اللهجات الشرقيَّة وهي:

ــ اللهجة المثيوليَّة (Mthiulisch) في منطقة غوري، و

ــ اللهجة الكارتليَّة (Kartlich) و

ــ اللهجة الكاشِيَّة (Kachisch) في مقاطعة كاشيشن و

ــ اللهجة الإنجليلوِشيَّة (Ingliloisch) شرق العاصمة تيبليسي، و

ــ اللهجة الفيرايدانِيَّة (Fereidanisch) في أصفهان في إيران، و

ــ اللهجة الشفزوريَّة (Chewsurisch) و

ــ اللهجة البشافيَّة (Pschavisch)  و

ــ اللهجة التوشيَّة (Thuschisch) و

ــ اللهجة الآخاريَّة (Achrisch) وغيرها.

3- مجموعة اللهجات الجنوبيَّة وهي:

ــ اللهجة المسكهيَّة (Meskhisch) و

ــ اللهجة الدشاواشيَّة (Dshawachisch) بالإضافة إلى

ــ اللهجة التوشيَّة (Thuschisch) في المناطق الجبليَّة. وهناك أيضاً

ــ اللهجة الموخَوِيَّة (Mochewisch) و

ــ اللهجة الأتشاريَّة (Atscharisch) و

ــ اللهجة الغوريَّة (Gurisch) وغيرها.

يذهب المؤرخون إلى أنَّ هذه اللهجات ما هي إلا نتيجة لإنصهار الكثير من الأقليّات القوميّة التي كانت تتواجد في محيط العاصمة تبليسي والتي كانت لها لغاتها الخاصة بها، إلا أنهم تعايشوا مع الجورجيين وإنصهروا داخل الأكثريَّة الجورجيَّة و تعلمت أجيالهم المتعاقبة اللغة الجورجيَّة وأصبحت لغاتهم في تعداد اللغات المنقرضة، وهذه القوميّات هي الأميريين والمثييوليين والشفروزيين والبشافيين والتوشيين والإنجليلوشيين وغيرهم ومن هنا جاء هذا السيل من اللهجات.

مكتوبة أم غير مكتوبة:

اللغة الجورجيَّة هي أولى اللغات القوقازيَّة التي تم تدوينها. يختلف علماء اللغات بخصوص الفترة الزمنيَّة التي كُتِبَت بها اللغة الجورجيَّة كما أنهم يختلفون في أصل الخط الذي كتبت به هذه اللغة إلا أنهم يتفقون على أنَّ هذه اللغة كُتِبَت  منذ وقت مبكر وبأشكال مختلفة يرجع البعض منها إلى ما قبل الميلاد. في القرن الخامس الميلادي كُتِبَت بأبجديَّة وُضِعَت  خصْصيِصاً لها بالإعتماد على الأبجديَّة الآرامِيَّة التي إعتمدت بدورها على الأبجديَّة الأوغريتِيَّة  وتم تصميم حروف هذه الأبجديَّة بشكل يشابه حروف الأبجديَّة اليونانيَّة. يضن البعض الآخر بأن هذه الأبجديَّة وُضِعَت بالإعتماد على الأبجديَّة اليونانِيَّة. تَطَوَّرت هذه الأبجديَّة وتمت إضافة العديد من الحروف إليها لتستوعب الأصوات الإضافيَّة المتواجدة في اللغة الجورجيَّة. إستمرت عمليَّة التطور لتُرافق التَطَوَّرات التي حصلت على اللغة الجورجيَّة ذاتها ومَرَّت أيضاً بثلاث مراحل:

ــ المرحلة الأولى، بدأً بتأريخ وضعها في القرن الخامس الميلادي وإستمر إستخدامها حتى القرن التاسع. كانت الأبجديَّة تسمى في هذه المرحلة أبجدية آسومتافرولي (Asomtawruli) أو مرغفلوفاني (Mrgwlowani)، وتسمى أيضاً أبجدية الحروف المدوَّرة. يذهب البعض إلى أنَّ هذه الأبجدية وُضِعَت قبل هذا التأريخ.

ــ المرحلة الثانية من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر، حيث تم تطوير الأبجديَّة القديمة وكذا نوع الكتابة لتصبح حروفها حادة ومستقيمة، أطلق عليها اسم أبجديَّة نُسخوري (Nuskhuri) أو كوتخوفاني (Kutchowani).

ــ المرحلة الثالثة منذ القرن الحادي عشر وحتى الآن. تم تطوير الكتابة الجورجيَّة بعد محاولات دمج النوعين السابقين للكتابة مع بعضهما البعض للتوصل إلى نموذج جديد أطلق عليه في البدأ مصطلح خُوزوري (Chuzuri) تمت فية العودة إلى الأشكال المقوَّسة للحروف وتطويرها وألغيت الفروقات بين الحروف الكبيرة والصغيرة.

أطلِق على هذا النوع الجديد من الأبجَدِيَّة لاحقاً اسم أبجدِيَّة مخدرولي (Mchedruli) وتسمى أيضاً "الأبجدية الكارتفيليَّة" إرتباطاً بالإسم القديم للغة الجورجيَّة وهي الأبجدية المستخدمة في الوقت الحاضر وتتكون من 33 حرفاً يُعَبِّرُ كل حرف فيها عن صوت بعينه. تعتبر أبجديَّة مخدرولي نموذجيَّة حيث أنَّ من ينطق الكلمة بشكل صحيح يتمكن من كتابتها بشكل صحيح أيضاَ.  إنحسر إستخدام النوعان الأول والثاني من الكتابة في القرون الأخيرة في المجال الكنسي فقط لتدوين النصوص الدينية.

تُسْتَخْدَم أبجدية مخدرولي لكتابة اللغة الجورجيَّة وتُكْتَب بها أيضاً اللغات السانيَّة بفرعيها المينغريليَّة واللازِيَّة في جورجيا، بالإضافة إلى اللغة الأبخازِيَّة منذ عام 1938 وحتى عام 1954، كما كُتِبَت بها أيضاً اللغة الأوسيتِيَّة (Ossetisch) للفترة من عام 1937 وحتى عام 1954، واللغة الأوسيتِيَّة تُصَنَّف ضمن مجموعة اللغات الإيرانِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة، أي ضمن عائلة اللغات الهنديَّة الأوربيَّة وهي اللغة الرسميَّة للإقليم المسمى "شمال أوسيتيا ـ آلانيا" (شبة جمهوريَّة مستقلة في جمهورية روسيا الإتحاديَّة) المتاخم للحدود الشماليَّة لجورجيا، بالإضافة إلى منطقة أوسيتيا الجنوبية الواقعة شمال جورجيا.

لغة رسمية أم غير رسميَّة:

اللغة الجورجيَّة هي اللغة الرسميَّة في جمهورية جورجيا ويتكلم بها أكثر من 80% من مواطني هذا البلد، وكذلك اللغة الرسميَّة لجمهوريَّة  "شمال أوسيتيا ـ آلانيا" كما أنها اللغة الرسميَّة لمنطقة أوسيتيا الجنوبية الواقعة شمال جمهورية جورجيا.

معاصرة أم منقرضة:

اللغة الجورجيَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة أم غير معزولة:

اللغة الجورجيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة أم واسعة الإنتشار:

اللغة الجورجيَّة لغة تنتشر في أكثر من بلد كما مشار إليه أعلاه.

الكود الدولي للغة الجورجيَّة:

ISO 639-1: ka, ISO 639-2: geo/ kat , ISO 639- 3: kat

 

اللغات السانِيَّة

وتضم كل من اللغتين المنغريليَّة واللازيَّة

اللغة المينغريليَّة

اللغة المنغريليَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

اللغات السانِيَّة/ ومنها اللغة المنغريليَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تُسَمى اللغة المنغريليَّة عند الناطقين بها مارغالوري نينا (მარგალური ნინა margaluri nina)  وكانت تسمى سابقاً الإيفريَّة أو الإغريسيَّة.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

اللغة المنغريليَّة هي لغة المنغريلييون المتواجدون في مناطق أوديشي وغورين الواقعة غرب جمهوريَّة جورجيا إلى الشمال من نهر ريوني وإلى الغرب من نهر زقالي وفي مدينة أوتشامشيرا عند البحر الأسود جنوب شرق أبخازيا. خضعت هذه المناطق تحت سيطرة الجورجييون منذ نهاية القرن الحادي عشر للميلاد.

في سنوات 1928 حتى 1938، أي في بدايات تشكيل الإتحاد السوفيتي، إنتعشت اللغة المنغريليَّة وظهرت بعض الصحف والمطبوعات الخاصة بها التي كُتِبَت بالإبجديَّة الجورجيَّة وذلك بعد إن حصل المنغريلييون على حكم ذاتي في مناطق تواجدهم. اللغة المنغريليَّة شديدة الشبه باللغة اللازِيَّة حيث تطورت كلتا اللغتان من اللغة السانيَّة أو كما تسمى أيضاً اللغة الكولشيَّة المنبثقة من اللغة الإيبيريَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة المنغريليَّة لكونها كانت إلى عهد قريب لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة المنغريليَّة في المناطق الشمالية من نهر ريوني وفي الوديان العميقة شمال غرب جمهوريَّة جورجيا، أي في مناطق زغديدي، خوبي، سيناكي، آباشا، مارتويلي، تشخوروسكو، زالندشيشا، غالي، أوتشامشيري، غولريبشي و سوخومي على سواحل البحر الأسود.

عدد الناطقين بها:

يتكلم باللغة المنغريليَّة  أكثر من 800 ألف مواطن من المنغريليين في غرب جورجيا وبالتحديد في منطقة منغريليا على السواحل الشرقيَّة للبحر الأسود.

لهجاتها:

هناك ثلاث لهجات مميزة للغة المنغريليَّة هي:

ــ اللهجة السيناكيَّة (Senakisch) في الجنوب الغربي، و

ـ لهجة سامورساقان (Samurzaqanisch) في شرق أبخازيا و

ــ لهجة زغيد سيمورزاقان (zugidisimurzaqanisi) في الشمال الغربي

ويطلق عليها أيضاً لهجة سامورساقان.

مكتوبة/ غير مكتوبة:

اللغة المنغريليَّة لغة غير مكتوبة ولا توجد أبجدية خاصة بها وتُكتب في الوقت الحاضر كغيرها من اللغات الكارتفيليَّة بالأبجديَّة الجورجيَّة.

رسمية/ غير رسميَّة:

 

اللغة المنغريليَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/  منقرضة:

اللغة المنغريليَّة لغة معاصرة إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الجورجيَّة في مناطق تواجدها. لم تحضى هذه اللغة بالإعتراف من قبل الحكومات المختلفة في جورجيا، ومن جهة أخرى يجري التعامل معها وكأنها إحدى لهجات اللغة الجورجيَّة.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة المنغريليَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة أم واسعة الإنتشار:

المنغريليَّة لغة محلِّيَّة تتواجد في المناطق الشمالية الغربيَّة من جورجيا في محافظة كوتايس حتى منطقة باطوم.

الكود الدولي للغة المنغريليَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: xmf

اللغة اللازِيَّة

اللغة اللازِيَّة:

اللغة اللازِيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/ وتسمى أيضاً

عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

اللغات السانِيَّة/ ومنها اللغة اللازِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة اللازيَّة عند الناطقين بها باسم *لازوري  نينا* (ლაზური ნენა lazuri nena)، وتسمى أيضاً اللغة التشانيَّة (Tschanisch) أو اللغة الكولخيَّة (kolchisch)، وغالباً ما يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن اللغات السانيَّة (المنغريليَّة واللازِيَّة) بالإضافة إلى اللغة السوانيَّة لتمييز هذه اللغات عن اللغة الجورجيَّة.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

ترجع المعلومات التأريخيَّة التي تم الحصول عليها بخصوص اللازيين إلى بدايات القرن الخامس للميلاد أي في فترة قيام المملكة اللازيَّة. خضعت هذه المملكة للسيطرة العثمانيَّة في القرن السادس للميلاد وفي القرن العاشر تم إلحاق مناطقهم بالمملكة الجورجيَّة. تطورت اللغة اللازِيَّة من رحم اللغة السانِيَّة في القرن السادس كما تطورت شقيقتها اللغة المنغريليَّة أيضاً. اللغة اللازِيَّة شديدة الشبه باللغة المنغريليَّة فقد تطورتا من لغة واحدة. تتضمن اللازيَّة الكثير من المفردات اليونانيَّة والتركيَّة وتتميز بغنى منظومتها الصوتِيَّة. اللغة اللازِيَّة واقعة تحت تأثير اللغة الجورجِيَّة، ولسيادة اللغة الجورجِيَّة كونها اللغة الرسميَّة في جورجيا ولغة الثقافة والسياسة والتعليم فإنَّ اللغة اللازِيَّة معرَّضة لخطر الإنقراض. يتواجد معظم اللازييون في جمهوريَّة جورجيا ويتكلمون اللغة الجورجيَّة كما تتواجد أعداد منهم في تركيا، وتتعرض اللغة اللازِيَّة في تركيا لنفس المخاطر التي تواجهها في جورجيا وذلك بفعل سيادة اللغة التركيَّة هناك.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة اللازِيَّة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة اللازِيَّة شمال غرب جمهوريَّة جورجيا في محافظة آرتويني على الضفاف الجنوبيَّة الشرقِيَّة للبحر الأسود وفي أقصى الشمال الشرقي لتركيا في محافظة ريسا.

عدد الناطقين بها:

يتكلم  باللغة اللازِيَّة  قرابة 250 ألف إنسان من اللازيين في جنوب غرب جورجيا وشمال شرق تركيا.

لهجاتها:

تتواجد في اللغة اللازِيَّة الكثير من اللهجات وخاصة في تركيا ومنها لهجة شوبا (Chopa) ولهجة آتينا (Atina) ولهجة آرشافي (Vice-Archavi).

مكتوبة/ غير مكتوبة:

تكتب اللغة اللازِيَّة في جورجيا بالأبجديَّة الجورجيَّة، أما في تركيا فإنها تُكتب حديثاً بالأبجديَّة اللاتينيَّة بالإعتماد على الأبجديَّة التركيَّة.

رسمية/ غير رسميَّة:

اللغة اللازِيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها لا في جورجيا ولا في تركيا، وتبعاً لذلك فإنَّ الأطفال اللازييون يتعلمون في المدارس إمّا اللغة التركية أو اللغة الجورجِيَّة إرتباطاً ببلدان تواجدهم.

معاصرة/ منقرضة:

اللغة اللازِيَّة لغة معاصرة إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغتين الجورجيَّة والتركيَّة في مناطق تواجدها.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة اللازِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار:

اللغة اللازِيَّة لغة محلِّيَّة يتكلم بها اللازييون في منطقة أدشاريو شمال غرب جورجيا على الضفاف الشرقيَّة للبحر الأسود وشمال شرق تركيا. لم يعترف الأتراك باللازيين كونهم أقليَّة قوميَّة ويتعاملون مع لغتهم كونها واحدة من لهجات اللغة التركيَّة.

الكود الدولي للغة اللازِيَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: izz

اللغة السوانيَّة أو السوانتِيَّة

اللغة السوانيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/ التي تسمى أيضاً

عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/ ومنها اللغة السوانيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة السوانية عند الناطقين بها *لوشنو نين ლუშნუ ნინ lušnu nin*.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

يمتد تأريخ اللغة السوانيَّة إلى ما قبل التأريخ وقد تمت الإشارة إلى السوانيين في كُتُب اليونان في القرن الأول للميلاد كونهم شعب يتمتع بثقافة وإنضباط خلاف ما كانوا عليه  في قرون قبل الميلاد، حيث كانوا يوصفون كومهم رعاة متوحشين وقُطّاع طرق.  ينتشر السوانيون في منطقة مستيا على ضفاف نهري إنغوري ولنتوشي وعلى ضفاف نهر تشنيش ـ زقالي في منطقة سوانيتيا ويمتهنون تربية المواشي وقد تمكنوا من الحفاظ على لغتهم بفعل تمكنهم من الحفاظ على إستقلاليتهم ودفاعهم عن مناطق تواجدهم رغم تعرضهم للغزوات المتكررة من قبل العرب والفرس والأتراك، ولعدم إختلاطهم بالأقوام المجاورة لهم. أنَّ ما تم العثور عليه من بعض الآثار المتعلقة بالسوانيين يمتد تأريخها إلى بدايات القرن العاشر للميلاد فقط. يتواجد السوانيون عند السلاسل الجبلية في جمهوريَّة جورجيا في قرى متنائية وعلى مرتفعات شاهقة. بعد عام 1924 تم إلحاق القسم الأكبر من مناطق تواجدهم بجمهوريَّة جورجيا ومنذ ذلك الحين أصبحت لغتهم تحت تأثير اللغة الجورجيَّة وهي مهددة بالإنقراض نتيجة لذلك. تشتهر اللغة السوانِيَّة بغزارة مفرداتها مقارنة ببقية لغات القوقاز.

هناك صعوبة في التفاهم بين السوانييون والجورجييون بسبب التطورات الواسعة التي طرأت على هاتين اللغتين وما ترتب عليها من إختلافات بنيويَّة جوهريَّة كبيرة. كما تختلف اللغة السوانيَّة عن اللغتين المنغريليَّة واللازِيَّة وهناك صعوبات في التفاهم بين الناطقين بهذه اللغات لذلك يلجؤون إلى اللغة الجورجيَّة كونها لغة تفاهم مشتركة فيما بينهم. يتعلم السوانيون اللغة الجورجيَّة في المدارس ويتعاملون معها كلغة أم. كان السوانييون في فترة الأتحاد السوفيتي يتعلمون أيضاً اللغة الروسيَّة كلغة أم بالإضافة إلى اللغة الجورجيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة السوانيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة السوانيَّة في وديان منطقة سوانيتيا ومنطقة تشنيزقالي شمال جورجيا في الشمال الغربي للمرتفعات الجنوبيَّة للقوقاز وفي مناطق ألبروس ومستيا على الضفاف العليا لنهري أنغوري ولنشي.

عدد الناطقين بها:

يتكلم باللغة السوانيَّة قرابة ال 40.000 مواطن من السوانيين.

لهجاتها:

تعددت لهجات السوانين لآسباب تتعلق بتباعدهم عن بعضهم البعض وبفعل تقسيم مناطق تواجدهم في القرن الأخير بين دول الجوار المختلفة. أهم هذه اللهجات هي:

* اللهجات السوانيَّة العليا وهي: ــ بالِش العليا (Oberbalisch) و

ــ بالش السفلى (Niederbalisch) في سهل أنغوري، و

* اللهجات السوانيَّة السفلى وهي: ــ اللنتيشيَّة (Lentechisch) و

ــ اللاشيَّة (Laschchisch) في سهل تشنيزقالي

بالإضافة إلى اللهجة التشولوريَّة في الجنوب.

مكتوبة/ غير مكتوبة:

اللغة السوانيَّة لغة غير مكتوبة، ولا توجد أبجدية خاصة بها، وهناك محاولات لكتابتها بالأبجديَّة الجورجيَّة. يستخدم السوانيون كغيرهم من الناطقين باللغات الكارتفيليَّة اللغة الجورجيَّة لتوثيق لغتهم.

رسمية/ غير رسميَّة:

اللغة السوانيَّة هي لغة غير رسميَّة وغير معترف بها لا في جورجيا ولا في تركيا.

معاصرة/  منقرضة:

اللغة السوانيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة السوانيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار:

اللغة السوانيَّة لغة محليَّة مهددة بالإنقراض لهيمنة اللغة الجورجيَّة في مناطق تواجدها. يعتبر الجورجييون اللغة السوانيَّة إحدى لهجات اللغة الجورجيَّة وليس كلغة مستقلَّة، ويضن السوانييون بأنَّ لغتهم أعرق من اللغة الجورجيَّة وأنها ذات تراث عريق يمتد إلى الألف الأوَّل ق.م. وإنَّ ثروتها اللغويَّة غنيَّة بمفرداتها التأريخيَّة.

الكود الدولي للغة السوانيَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: sva

 

د. محمد شطب

 

محمود محمد عليعندما قام الدكتور فهمي جدعان حقيقة بدراسة قضية خلق القرآن دراسة نوعية، استطاع حقيقة أن يفكك كثيراً من الصور النمطية والنماذج النمطية التي تسود حول هذه المرحلة التاريخية  والقضايا المحيطة بها، ولا سيما في حقيقة في عصر رواجان روايات تاريخية ودينية معينة ذات منظور ديني خاص، واتجاه ديني معين.

كان جدعان يري أن المعتزلة هم المتهمون حقيقة بهذه المحنة، وكانوا في تواطؤ مع السلطة، وهنا نجد جدعان يقول: لقد رد البحث المعاصر إلي المعتزلة قدراً عظيما  من " الاعتبار" الذي يليق بهم . لا بل إن بعض الكتاب المفعمين بروح " العقلانية"  قد أسرفوا في إسباغ الثناء والمديح عليهم حتي لقد تصور بعضهم ان النكبة  التي لحقت بهم قريبا من منتصف القرن الثالث الهجري، وبعد ذلك، إنما كانت نكبة للإسلام نفسه آذنت بأفول العصر الذهبي له ..

وأنا أؤيد ما قاله فهمي جدعان؛ لا سيما وأن للمعتزلة لهم أصول خمسة، وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فأصل التوحيد لا شئ يشبه الله، فالله لا نظير له وهو الواحد الأحد بلا نظير ولا شريك..  والذين يقولون إن القرآن قديم  والقرآن غير مخلوق .. هذا يعني أن القرآن يشترك مع الله في صفة معينة، وهي صفة القدم، فعندما تقول إن القرآن قديم، فقد أشركت بالله، والإشراك بالله عند المعتزلة معناه الكفر؛ وهنا نجد فهمي جدعان يقول:" ومن الثابت أن القول بالقرآن مخلوق يرجع إلي عهد بعيد جدا عن مبدأ "الامتحان" الذي شهره المأمون في عام 218 هـ، وأن القضية في مبدئها قضية " جهمية"، تجد أصداء قوية لها في بعض الأقوال المنسوبة إلي الإمام الشيعي  جعفر الصادق (ت 148/765م) الذي يعزي إليه أنه أجاب عن السؤال: القرآن خالق أم مخلوق؟ بالقول ليس خالقا ولا مخلوقا، يل هو كلام الله .

إذن المعتزلة لم يكونوا أول من قال بقضية خلق القرآن ولم يكونوا وحدهم، هنا حقيقة اتجاهات ومذاهب وأشخاص كان لهم حضور قالوا بأن القرآن مخلوق، فالمعتزلة هم جزء من مجموعة ومنظومة قالت بذلك، ولكن المعتزلة حقيقة هي التي قدمت الاستدلالات والحجج المتينة القوية والجدالات لتأسيس هذه القضية، مقارنة بالمذاهب أو الاتجاهات الأخري التي كانت تتعرض للتضييق والمحاربة ؛ وهنا يقول الدكتور عبد الكريم الوريكات (الأستاذ بقسم أصول الدين بالجامعة الأردنية): إن فهمي جدعان يحاول ما استطاع أن يبعد هذه النهمة عن المعتزلة، لكن للأسف الشديد المحنة أكبر دليل علي قول المعتزلة وتبني المعتزلة  وتأصيل المعتزلة بل وممارسة المعتزلة لهذه العقيدة بالقول والفعل؛ كما يقول حسن حنفي: إن قضية خلق القرآن ليس رأي المعتزلة وحدهم ولكنه رأي جميع فرق المعارضة حتي تسمح لنفسها بأن تعارض وأن تفسر وأن تفهم وأن تواجه السلطان بعلماء السلطان ومن ثم فهو رأي سياسي بالأصالة ...

وهنا نجد فهمي جدعان يقول:" وحياة المأمون ملحمة من الملاحم مبدؤها الصراع علي الملك الذي كان بينه وبين أخيه محمد الأمين، وقد تفجر هذا الصراع حين أقدم المأمون وهو بخرسان علي خلع الأمين والدعوة إلي نفسه في عام 195هـ . ونجح طاهر بن الحسين ذو اليمنيين، في قتل الأمين ـ وحمل رأسه إلي أخيه بخراسان ، فبايعه الناس بالخلافة وتم ذلك في سنة 198هـ .

من الملاحظ هنا جعل فهمي جدعان  القسم الثاني من الفصل الأول مختصاً بتفسير العلاقة بين المعتزلة والخلفاء العباسيين الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق. والمعتزلة الذين ثبت اتصالهم بهؤلاء الخلفاء أو بالمأمون على وجه التخصيص هم أهل الطبقة السادسة والسابعة من المعتزلة يأتي علي رأس هؤلاء ثمامة بن الأشرس (ت 213 هـ) ويليه أبو الهذيل محمد العلاف (ت 235 هـ) ثم أبو أسحق إبراهيم بن سيار النظام (ت 231 هـ) وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (ت 225 هـ) وكذلك أبو موسى عيسى بن صبيح المردار راهب المعتزلة ت (226 هـ) وأستاذ الجعفرين:جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ولاستكمال صورة الروابط بين المعتزلة والمأمون لا بد من الإشارة إلى صلة هذا الخليفة بثلاثة رجال ينسبون كلهم،أو بعضهم إلى المعتزلة هم الجاحظ (ت 255 هـ) وبشر المريسي (ت 218 هـ) وأحمد بن أبي دؤاد (ت 240 هـ) وكتاب طبقات المعتزلة جعل أحمد بن دؤاد والجاحظ من الطبقتين السادسة والسابعة باستثناء بشر المريسي فلا علاقة له بالمعتزلة يقينا مع أن الدكتور جدعان لم يشر إلى ذلك . وكتاب المحنة يبين علاقة هؤلاء بالتفصيل مع المأمون من (ص 65- ص 98) من خلال العرض يتبين وخاصة العرض من خلال علاقة ثمامة والمأمون أن المأمون ليس معتزليا وهذا ما أكده الكتاب انظر (ص 65 – 69) وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

أما القسم الثالث من الفصل الأول وهو آخر قسم في هذا الفصل فأنه مكرس لفحص علاقة أحمد بن أبي دؤاد في المحنة فأحمد بن داؤد متقلدٌ أسمى مناصب الدولة منصب قاضي القضاة ومهام قاضي القضاة جسيمة أولها اختيار القضاة وعزلهم وبالتالي الإشراف على عملية فصل الخصومة سواء بين طرفين مشخصين أو بين طرف مشخص وآخر هو حق الطاعة أو حق الإسلام أو حق الأمة الإسلامية ولا بد من أن ينهض بأعباء وظيفة ولهذا كان لا بد من أن يكون المرجع في الامتحان، وإذ يقوم بذلك فإنما يقوم به حسب مذهبه.

ويذهب الدكتور جدعان إلى أن ابن أبي دؤاد لم يكن متعطشاً للدم والسلطة والقسر، ولا شك انه كان ذا عرق نبيل أبي النفس كريماً، وليس أدل على ذلك من موقفه من أهل الكرخ حين رقق المعتصم حتى أطلق له مالاً قسمه على الناس، فضلاً عن مال عنده،ويخرج الدكتور جدعان في كتابه المحنة قائلاً " والمدقق في وقائع المحنة يتبين بوضوح أن أحمد بن أبي دؤاد كان يحاول دوماً التخفيف من حدتها والبحث عن الوسائل المجدية من أجل ذلك " وينفي الدكتور جدعان أية علاقة لأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي (ت 240 هـ) والذي أعجب به المعتصم إعجابا شديداً فقدمه وأوسع عليه، ومع هذا فلا علاقة له بالمحنة ومع رحيل المعتصم سنة (227 هـ) وتولي الواثق (227- 232 هـ) لا يشك الدكتور جدعان أن علاقة احمد بن أبي دؤاد بالواثق هي نفس علاقته بالمعتصم أي علاقة الوظيفة لا غير، فلماذا يتحمل المعتزلة ولم يكونوا خلفاء الدولة، بل أن أكثرهم على عدم ولاء للدولة إلى حد القطيعة، والذين اتصلوا بخلفاء الدولة إنما اتصلوا بحكم الوظيفة، أو بحكم الإعجاب بهم . أو بحكم حضور جلسات الجدال في أيام المأمون، ولم يكن ما أصاب ابن أبي دؤاد وأهله من محن على يدي المتوكل، راجع إلا لأنهم كلهم سواء بالاهتمام بالحفاظ على سلطتهم السياسية وفي سبيلها ولا جلها يكون ما يظهر من مواقف عقدية، وذلك حسب قول أمين نايف ذياب ..

ويعنون فهمي جدعان الفصل الثاني ويستغرق الصفحات من (111- 187) وهو هنا يؤرخ للمحن كواقع تاريخي (المقصود بالمحنة امتحان الفقهاء والقضاء وأهل الحديث بل والشهود بمقولتهم في القرآن) ومن تعرض لمثل هذا الامتحان من الكثرة منهم من يذكر التاريخ ومنهم من لا يذكره فعلام ارتباط المحنة بأحمد بن حنبل دون غيره ؟ مع أن المصادر التاريخية تجمع على أنه لم يجلد أكثر من (68) سوطاً على ثلاث فترات لقد استطاع الأعلام الحنبلي الميكا فيلي أن يضخم صورة تلك المحنة بحيث ارتبطت بأحمد بن حنبل، والقارئ للمحنة (كما جمعها ابن عمه وتلميذة حنبل بن اسحق) يدرك الفجوات الواضحة والكثير في سياق هذه المحنة، وهذا وحده كاف كدعوة للدخول إلى دراسة دواعي المحنة ورجالها الفصل الثالث في كتاب المحنة الذي يستغرق الصفحات من (187 – 263) وهي دراسة تركز على رسائل المأمون في محاولة لاكتشاف الدواعي من خلال الوعي على المعطى التي تقدمه تلك الرسائل ولاكتمال الصورة، وجه الكتاب النظر إلى الممتْحَنين من حيثُ واقعهم العقدي وواقعهم العملي، ولقد ركز المأمون في رسائله على بيان الصور القاتمة في واقعهم العملي، وقد بلغ عدد من توجهت الدراسة إليهم أربعون شخصاً يتوزعون على العراق والشام ومصر ويتوزعون من ناحية أخرى على أهل الحديث وأهل الرأي والفقهاء وواحد منهم هو عم الخليفة المدعو إبراهيم بن المهدي ليس من هؤلاء .

وفي آخر الفصل الثالث يحاول الكتاب بناء صورة لفكر المأمون وعقيدته مع أن المادة المتيسرة لمثل هذه الدراسة قليلة ولا تفي بالغرض، ويتعرض من خلال الهامش ص (233- 235) لنظريات تفسر الدواعي التي أدت إلى قيام المأمون بجعل الإمام الثامن للشيعة الاثنا عشرية وليا لعهده، ويخرج الكتاب بصورة عقدية وفكرية وواقعية تخالف ما استقر في الأذهان عن المأمون وليس من وجاهة نقل صورة عن الممتحنين من مصادر تعد في موقع التحيز لهم .

أما الفصل الرابع وهو أهم فصول الكتاب بل تعتبر الفصول السابقة مقدمة له والذي يعنونه الدكتور باسم تسويات لحساب التاريخ ص (267 – 290) فهو يكشف عن واقع دور المعتزلة في المحنة، معلناً أن لا علاقة للمعتزلة في هذه المحنة، ويكشف حقيقة أهل الحديث ـ وخاصة أبو مسهر الدمشقي وأحمد بن حنبل ـ وقيام سلطة لهم من خلال العامة موازية للسلطة، بل والتهديد الفعلي لها، وأنهم أصحاب هوى أموي، وقد شارك أبو مسهر بالذات في الثورة مع السفياني (195- 198 هـ) ورغم القضاء على ثورة السفياني ومرور عقدين عليها إلا أن المأمون يكشف عام (217 هـ) أثناء زيارة لدمشق استمرار الهوى الأموي فيها مما جعله يدرك الخطر، خطر أهل الحديث إدراكاً واقعياً ويشعر قارئ هذا الفصل بمقدار كبير من الإثارة، وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

ويختم الكتاب في الفصل الخامس بعنوان جدلية الديني والسياسي ص (293 – 359) ليرى أن قضية المحنة محكومة بالصراع على سلطة، وهي هنا بالتأكيد الصراع بين الديني والسياسي، ولكن الدكتور لا يبين لنا الفروق الواضحة بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني، وهل من الحكمة أن تتكون حدوداً فاصلة بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي؟! ؛ وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

إذ لا شك أن أحدهما يؤثر في الآخر على وجه ما، وإذا كانت غاية الديني الآخرة من خلال الالتزام بالدين، فإن غاية السياسي الإسلامي السلطوي الآخرة من خلال إحسان العمل السياسي، طبعا المقصود السياسي الراشد، لقد نقلنا الدكتور في كتابه القيم ضمن رحلة شيقة في التاريخ من خلال المراجعة للمحنة ومحاولة الوصول للأسباب المختفية وراءها وهذا ما يحاول الكتاب إبرازه وبيانه جلياً واضحاً لحساب التاريخ كما قرر الدكتور في مدخله والكتاب بعد ذلك ملئ بالحوادث المتشابكة والمعقدة ويحوي قائمة طويلة من أسماء الإعلام بلغت (718) اسماً منها ما يذكر عشرات المرات، أما المراجع العربية فقد بلغت 164 مرجعا وبلغت المراجع غير العربية 27 مرجعا وقام بفهرسة لأسماء الفرق وأهل المقالات والمذاهب الإسلامية أو غير إسلامية وبلغت (45) فرقة منها ما ذكر عشرات المرات ولم يفهرس للاماكن وللآيات والأحاديث والأشعار .

والفكرة المحورية التي أرادها فهمي جدعان في دراسته القيمة هذه هي بيان صراع السلطة السياسية مع سلطة موازية تعتمد على العامة هي سلطة الديني أي سلطة أهل الحديث خاصة. فهما أي السلطة السياسية والسلطة الدينية طرفاً المحنة ومع الإشارة للعلاقة ما بين ثورة السفياني (195- 198) وسلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للوقوف أمام الفوضى في بغداد أثناء صراع الخليفتين الأمين والمأمون، وإذ تتوجت أعمال أهل الحديث بثورة أحمد بن نصر الخزاعي ومقتله بيد الواثق على تلك الصورة سنة (231 هـ) انتهي خطر أهل الحديث، ولهذا أصبحت الأجواء مهيأة لإعلان الانقلاب والعودة لرأي أهل الحديث في المسائل العقدية التي آثارها المعتزلة وخاصة مسألة خلق القرآن ولهذا ما أن توفي الواثق حتى أعلن أخوه المتوكل قراره بمنع المناقشة والمجادلة في تلك المسألة وغيرها، مع إبقاء أحمد بن حنبل وهو من أهم مراكز الخطر على الدولة العباسية في حالة سجن شرف في سامراء دون تمكينه من العودة لتحديث العامة تلك التي شكلت قلقا دائماً للمأمون .

والختام اللائق بهذا العرض القاصر عبارة أوردها الدكتور جدعان في بداية مدخله للكتاب إذ قال " وليس يخفى على أحد أن مسألة محنة خلق القرآن قد احتلت مكاناً فسيحاً في مصادرنا العربية وفي حياتنا الثقافية الاتباعية والحقيقة أن الذي بتابع الوقائع وينظر إليها من أجل الفهم فإن عليه أن يعد نفسه لحالة من الإعياء الشديدة.

وأخيراً هل في فتح هذه المسألة من جدوى أو نفع لأحد والجواب؟ إن الضرورة تحتم فتح هذه المسألة ليس لإشكاليتها العقدية في موضوع العدل، ولأهميتها في موضوع التوحيد وليس لحساب التاريخ أيضاً بل لضرورتها كمشكلة لا تزال تثير الشقاق بين الفرق الإسلامية المتواجدة والموزعة على العالم العربي ولقد كانت هذه المشكلة محوراً من محاور التكفير للإباضية في رسالة من ابن باز لطالب عربي يدرس في الولايات المتحدة مما حدا بالشيخ أحمد الخليلي أن يقوم بإصدار كتاب يعالج المسائل الثلاث: الرؤية وخلق القرآن وخلود العصاة من زاوية خلافية.

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- أمين نايف ذياب: قراءة عجلى في كتاب المحنة " للدكتور فهمي جدعان " (مقال).

2- محمد يسري: محنة "خلق القرآن"... الخلاف العقائدي الذي استغله العباسيون لتعزيز سلطتهم (مقال).

3- محمد العبدالكريم: جدلية الديني والسياسي (مقال).

 

هاني عبدالفتاح شورةتراثنا فى فقه الخطاب الدعوى تراث أصيل ، ضارب بجذوره فى عمق الثقافة الاسلامية، وقد تم التأسيس لهذا الخطاب بقوله تعالى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيل وهو اعلم بالمهتدين) ولو لم يكن هناك مرجع فى الخطاب الدينى سوى هذه الأية لكانت كافية فى بيان ماهية الخطاب الدينى المتوازن ولكانت ايضا فاضحة لواقع كثير من الخطباء الذين يعتلون المنابر او يطلون على شاشات التلفاز او تأتينا أصوتهم عبر أثير المذياع أو من يكتبون فى الصحف والدوريات فى وقت اصبح فيه الخطاب الدعوي خطابا ميكافيلليا لا يعبء بحال المخاطبين بقدر ما يعبء بالحصول على اعجاب الجماهير . بالعودة الى قوله تعالى من سورة النحل "ادع الى سبيل ربك ....." نجد ثمة اجماع بين جمهور المفسرين انها نزلت على النبى –صلى الله عليه وسلم-  بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمر الله –عز وجل- له أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، اذا فهذه الاية انما نزلت لتوجيه المسلمين الى صيغة وطبيعة الخطاب مع غير المسلمين وان كان الامر كذلك فانها بين المسلم والمسلم أولى .

نلحظ فى هذه الاية ايضا ان الضابط الاصيل فى الخطاب الدعوى ركيزته "الحكمة" ويكفينا ان نقف عند معناها اللغوى فهو كفيل بتقريب الصورة الى الاذهان فالحكمة – بكسر الحاء والكاف – مأخوذة من كلمة الحكمة – بفتح الحاء والكاف- وهى الحلقة التى توضع فى فم الدابة فتمنعها من العبث اثناء سيرها، وقياسا لهذا المعنى اللغوى على حال الخطباء او العاملين فى حقل الدعوة بشكل عام معناه ان يكون لدى الداعيه بصيرة نافذه تجعله يحدد الاولويات قبل الخوض فى اطروحته، ثم يحدد الاسلوب الذى يتناسب مع حال المخاطبين وخلفياتهم الثقافية حتى لا يتحول خطابه الى مجرد جعجعة لا طائل من ورائها ولا فائدة.

على مدار اعوام طويلة مضت كدنا ان نصاب بحالة من الغثيان وذلك لانحراف الخطاب الدينى عن مساره الصحيح اما الى تشدد بغيض يتنافى مع الطبيعة السمحة للاسلام  وينم عن سوء فهم للنصوص، واما الى ميوعة لا يرجى من ورائها سوى اتباع الهوى، والاسلام برىء من هذين النوعين الذين لا يقل احدهما خطورة عن الاخر، مما جعل تنقية التراث ضرورة ملحة للتخلص من حالة التشويش التى لا ينجو منها المثقف او العامى، ولا يخفى ان تجاهل هذا المطلب قد يعطى ذريعة للمتطرفين لارتكاب أعمال تتنافى مع روح الاسلام بدعوى موافقة ما يرتكبون لاحداث او اخبار اوردتها كتب التراث كما هو الحال عندما احرقت داعش – دولة الخلافة الاسلامية –(المزعومة)!! فى العراق والشام – الطيار الاردنى معاذ الكساسبة حيا بدعوى ان ابا بكر الصديق تعامل بذات المنطق مع المرتدين بشاهد احراقه للفجاءة السلمى الذى اتى اليه يطلب سلاحا ورجالا لمحاربة المرتدين فجهز الصديق معه جيشا فراح يحارب المسلمين والمرتدين معا ويسلب اموالهم، فأرسل الصديق من خلفه جيشا فأوقعه فى الاسر ثم أمر باحراقه حيا  وهذا الرواية لا تصح على الاطلاق لان ما جاء فيها يتنافى اولا مع السمات الشخصية لابى بكر الصديق الذى كان يوصف بأنه رجل رقيق لا يميل الى العنف والشاهد فى ذلك ان النبى صلى الله عليه وسلم  استشاره فى غزوة بدر فى أمر الاسرى فما كان منه الا ان قال  "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا" ثم ان رواية احراقه للفجاءة السلمى هى رواية باطله مدار سندها -كما يقول علماء الحديث- على "علوان بن دَاوُدَ البجلي" وهو رجل مطعون في روايته، قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: "قال البخاري: علوان بن داود- ويقال بن صالح- منكر الحديث". كما علق الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد على هذه الرواية بقوله: "رواه الطبراني وفيه علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه". وروى العقيلي في "الضعفاء الكبير" عن يحيى بن عثمان أنه سمع سعيد بن عفير يقول: "كان علوان بن داود زاقولي من الزواقيل" والزواقيل هم اللصوص، اذا فهذه الرواية مدسوسة على كتب التراث ولعل من دسها كان يقصد الصاق هذه التهمة بابى بكر الصديق لحاجة فى نفسه، وعلى الرغم من ذلك اعتبر الدواعش هذه الرواية من المسلمات حتى يبرروا فعلتهم التى لا يقبلها عقل ولا يتلقاها قلب سليم، مما يجعل تنقية التراث من اولى اولويات اصلاح الخطاب الدعوى ولا خلاف ان المنوط بالقيام بهذا الواجب هو الازهر الشريف وذلك لانه هو المؤسسة الرسمية وايضا لانه يمتلك اليات الوسطية التى تمكنه من القيام بعمله على اكمل وجه وذلك بنص القانون الذى يقرر فى مادته رقم 103 لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها نصوصه، ألزم مجمع البحوث الإسلامية وحده بهذه المهمة، حيث أصبح «مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية التى تقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى، وتجليتها فى جوهرها الأصيل والخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة، وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة".

واختيار الازهر للقيام بهذه المهمة ليس اختيارا عشوائيا، وانما هو اختيار دقيق لما هو ثابت من تمسك الازهر بمبدأ الوسطية التى هى جوهر هذا الدين، والتى كان من اسوأ نتائج تجاهلها افراز فريقين متصارعين كلاهما يريد ان يجر الازهر الشريف الى دائرة الصراع ويستميله الى جانبه حتى يضفى على مشروعه شيئا من الشرعية، يتفق هذان الفريقان فى شىء ويختلفان فى اشياء، وربما كان القاسم المشترك بينهما هو الخلط بين المقدس والتاريخى مع وجود حالة من التشويش فيما يخص مصطلح "التجديد"   وتحديد اولوياته، الفريق الاول هو فريق المحافظين او ان شئت فقل الأصوليين الذين يرون التراث مقدسا على الجملة لا يصح التخلى عن شىء منه، بل يتأولون للضعيف حتى يصير قويا، ويساندون المعوج حتى يبدو للعيان مستقيما، ويبدو ان توجه الاصوليين نابع من تلك الحالة النفسية التى تنتاب البشر فى تعلقهم بماضيهم وحنينهم واشتياقهم اليه الى درجة عدم قبولهم بالتخلى عن اى من اجزائه مهما كان قاسيا او مخالفا! فكل انسان ينظر الى ماضيه متندرا عليه مكنا له الاجلال والاحترام الذى قد يتحول مع الوقت الى تقديس لا يقبل المفارقة او التخلى، وقد اوهم هذا الفريق قطاعا عريضا من الناس ان ثمة عداوة بين الدنيا والاخره وبين الدين والعقل، وقد كان من نتائج هذه الحالة الشعورية لدى الاصوليين النظر الى مقولة التجديد على انها مقولة سيئة السمعه، وان ما خفى من مضامينها اسوأ بكثير مما يبدو للعيان، مع ان التجديد هو سنة الحياة، وقد شاءت ارادة الله عز وجل للبشر ان يدركوا هذه السنه دون عناء، فالشمس حين تنشر شعاعها كل صباح لتغمر الكون بالنشاط والحركة، وحين يتمطى القمر كل ليلة ليعلن حالة السكون والاسترخاء، وبقليل من التامل لجريان النهر الذى لا ينزله المرء مرتين لهو أقوى دليل على أن التجديد هو قانون الوجود، وبالبحث فى جذور هذا الاتجاه ومنطلقاته الفكرية اضافة الى مبرراته وجدنا كلاما نفيسا لوزير الاوقاف الاسبق الدكتور حمدى زقزوق -رحمه الله- حين أرجع منطلقات هذا التيار الى الظروف التى عاشتها الامة الاسلامية بعد أفول شمس الحضارة فى الاندلس اضافة الى الاطماع الاستعمارية فى العالم الاسلامى وفى ثرواته، ومن شدة خشية التيار المحافظ على الدين من الضياع تمسك بالقديم وعض عليه بالنواجذ، واغلق الابواب والعقول حتى لا تستقبل أى جديد ثقافى وافد قد يزعزع اركان العقيدة ويتسبب فى ضياع تراث الامة، ويعمل على محو شخصيتها، وقد كان لهذه العزلة الثقافية وهذا الانغلاق الحضارى اثار سلبية عمقت الانغلاق الفكرى والتخلف الحضارى وتجلى ذلك بوضوح فى العديد من المظاهر التى تعبر جميعها عن مدى تخلف الفكر الدينى فى محيطنا الاسلامى الى يومنا هذا.

وقد كان من ابرز مظاهر هذه الحالة اغلاق باب الاجتهاد وتعطيل العقل،ولا يخفى ما للاجتهاد من منافع فى تجديد حركة الحياة ووصل الحاضر بالماضى، والعمدة فى الدلالة على هذا المعنى ما صح ان النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا سأله يريد ان يطمان الى سلامة العقل المسلم فى التعامل مع النصوص فقال " بماذا تقضى اذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله قال : فان لم تجد فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله قال فان لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو. والسؤال : ما هو الحال اذا عرضت للامة الان مسألة لم يأت بيانها تفصيلا  فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل المطلوب الاخذ باجتهاد معاذ بن جبل رضى الله عنه! ام الاخذ باجتهادات اهل الزمان من العلماء الراسخين فى العلم، مع مراعاة طبيعة الزمان والمكان!

من مظاهر هذه الحالة ايضا اختزال الاسلام فى الشعائر التعبدية مع المبالغة فى الحديث عن الغيبيات والمبالغة فى التبديع ايضا، اضافة الى التقليد الاعمى للسابقين مع ان الاسلام كما يقول الاستاذ محمد عبده " أنحى علي التقليد، وحمل عليه حملة لم يردها عنه القدر، فبددت فيالقه المتغلبة على التفوس، واقتلعت اصوله الراسخة فى المدارك، ونسفت ما كان له من دعائم واركان فى عقائد الامم، صاح بالعقل صيحة ازعجته من سباته، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها، وجهر بأن الانسان لم يخلق ليقاد بالزمام، ولكنه فطر على ان يهتدى بالعلم والاعلام، أعلام الكون ودلائل الحوادث.

وفى ذلك اضرب مثالا لقضية اخذت من جهد المسلمين اكثر مما اعطت وانشغل الناس بها عما هو اسمى فى ادارة حركة الحياة وعجلة الانتاج، وكانت محل خلاف كبير يذدرى الناس بعضهم بعضا بشانها وهى قضية اسبال الثياب، وهى من القضايا الفرعية التى ما كان ينبغى الانشغال بها والاستغراق فى استقصائها، وانا هنا اذكر تعليقا لثلاثة من اقطاب الاصولية فى العصر الحديث فى مؤلف لهم يشرحون أحاديث رياض الصالحين للنووى (رحمه الله)، وهم يعلقون على بعض احاديث النبى (صلى الله عليه وسلم) التى جاءت فى شأنها، فأوردوا فى هذه المسالة جملة من الاحاديث اذكر منها :

- ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال ما اسفل من الكعبين من الازار ففى النار. رواه البخارى

- ما رواه  ابو ذر (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال: فقراها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات قال ابو ذر خابو وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. رواه مسلم.

 - ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا ينظر الله يوم القيامة الى من جر ازاره بطرا .متفق عليه.

- ما رواه ابن عمر (رضى الله عنه) ان النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة فقال ابو بكر الصديق يا رسول الله ان ازارى يسترخى الا ان اتعاهده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انك لست ممن يفعله خيلاء. رواه البخارى

- ما رواه ابو هريرة قال بينما رجل يصلى مسبل ازاره قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء فقال اذهب فتوضا فقال له رجل يا رسول الله مالك امرته ان يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال انه كان يصلى وهو مسبل ازاره وان الله لا يقبل صلاة رجل مسبل. اخرجه ابو داوود وهو ضعيف.

وحديثا ابن عمر وابى هريره كانا كافيان تماما لانهاء المسالة واغلاق بابها وذلك لوضوح علة النهى فى الحديث وهى الخيلاء و البطر ومع ذلك ففى شرحهم لهذه الاحاديث تم المرور سريعا على حديث ابى بكر، مع الاكتفاء بتضعيف قول النووى رحمه الله بتحريم الاسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء، ولم يتم الالتفات الى رواية ابى هريرة على الاطلاق، ثم جاء التعليق الصادم وانا انقله هنا نصا كما جاء فى الجزء الثانى من الكتاب ص 562 الفقره الخامسه " والصحيح انه حرام – اى الاسبال- سواء كان لخيلاء ام لغير خيلاء، بل الصحيح انه من كبائر الذنوب لان كبائر الذنوب : كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصه، ففيه الوعيد بالنار اذا كان لغير الخيلاء، وفيه وعيد بالعقوبات الاربع اذا كان خيلاء، لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، لولا يزكيه، وله عذاب اليم" ثم جاء التعليق على الرواية الثانية لابى هريرة وهى رواية المسبل فى الصلاة ومع القطع بضعفها، الا ان الشارحين الثلاثة افردوا لها صفحة ونصف، ليختموا حديثهم فيها بحالة من الحسرة على ضعف هذا الحديث بقولهم " وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا فى النزاع، لكنه ضعيف....!

فهل هذا من الاسلام الذى اتى بالتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم؟ وهل هذه هى الصورة التى نريد ان ننقلها عن هذا الدين، انه دين يتوعد اتباعه يوم القيامة بالعذاب الاليم لاى سبب سواء من باب العبادات او العادات ! لا شك ان مثل هذه الاطروحات تسىء الى هذا الدين العظيم، وهى لا شك كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذب فى اختلاق النصوص وكذب تحميل النص الصحيح ما لا يحتمل.

العجيب فى الامر ايضا ان بعض المعاصرين يحاول أن يقصر فهم وتدبر القران على سلف الامة (رضى الله عنهم) دون غيرهم، مع تعطيل لحركة التفسير وقصرها على تلك المؤلفة فى القرون الاولى بحجة ان السابقين قد استقصوا القران ومعارفه ولطائفه، ولم ينقصوا منها شيئا!! وقد أطلق هؤلاء قولا،جعلوه قاعدة عامة وهو قولهم: ما ترك الاول للاخر" مع ان هذا يتعارض مع كون العقول تتفاوت فى تلقيها وادراكها وتحليلها والنبى (صلى الله عليه وسلم) يقول "من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين وانما انا قاسم والله يعطى ولن تزال هذه الامة قائمة على امر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى امر الله" صحيح البخارى،  كما أن تلك الدعاوى من شأنها ان تجمد القران الكريم عند زمان محدد ووقت محدد وهذا يتعارض مع طبيعة التطور المكانى والزمانى الذى يتطلب تفسيرات بل وحلول لكثير من المشكلات المعاصره .

اما الفريق الثانى فهو الذى يمثل تيار الحداثة، وهذا التيار تكون فى ثلاث حقب متباعدة:  الحقبة الاولى تزعم لوائها جلال الدين السيوطى وهو من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري وله أرجوزة مشهورة سماها "تحفة المهتدين بأخبار المجددين" بين فيها أسماء المجددين من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري وغيره كثيرون واما الحقبة الثانية فمثلها جلال الدين الافغانى وتلميذه محمد عبده والشيخ شلتوت والفليسوف الجزائرى مالك بن نبى وهو يستحق التوقف عنده قليلا فقد كانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة، سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك،وهو أول باحث يحاول أن يحدد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجا محددا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

 لهؤلاء المجددين -السالف ذكرهم- فى شأن التجديد جهد عظيم يستحق الرجوع اليه والاهتداء به، واما من اتى من بعدهم وهم الذين يمثلون الحقبة الثالثة فجهودهم اقل من أن تذكر فى هذا الموضع ومحاولاتهم محاولات هزيلة وخبيثة فى كثير من الاحيان ولا تستحق الالتفات اليها او الوقوف عندها، اضافة الى ان هذا التيار يلقى مقاومة ورفضا على نطاق واسع، فالسواد الاعظم منه من غير ذوى الاختصاص، ويكفى فى العزوف عن اطروحاتهم اعتقادهم انه ما من سبيل لتصحيح المفاهيم الا باضرام النيران فى كتب السنة بل فى كتب التراث جميعا بلا استثناء، وان نجعل القران هو الحكم الوحيد فى ادارة عجلة الحياة، وهذا لا شك اجتراء كبير، وسوء فهم لوظيفة السنة النبوية المطهرة فى تقريب البعيد وتوضيح الغامض، وحجتهم فى هدم التراث المقارنة بين مجتمعات مسلمة مازالت فى طور النمو ومجتمعات غربية اخترقت الفضاء دون الحاجة الى صحيح البخارى ومسلم، ولا يعنيها الفارق بين الوضوء التيمم، وهذه المقارنات هى مقارنات جائرة لا اظن الغاية من ورائها المقارنة بين مجتمعين بقدر ما هى مقارنة بين ايمان والحاد، وبين تحرر مطلق وقيود مشروعه، والدليل فى ذلك ان هذه المجتمعات المتهمة بالتخلف والرجعية هى ذاتها التى وضعت اول لبنة فى طور التنمية البشرية، وان هذه المجتمعات المسلمة هى التى انجبت الخوارزمى الذى لولاه لما استطاع من يدعى ذلك كتابة او طباعة الورقة التى يقرأ منها عن تخلف المسلمين ورجعيتهم.

ختاما فان التراث هو بالأساس منتج بشرى قد يخضع فى كثير من الاحيان للانطباعات الشخصية أو الانفعالات الداخلية او لطبيعة العصر الذى أنتج فيه، ونحن لا ننكر أن فى تراثنا سواء التفسيرى او الحديثى أو الفقهى أو حتى التاريخى كثير مما يجب العناية بمراجعته وتنقيته مما علق به خاصة بعد القرون الثلاثة الاولى نتيجة لحركة الصراع المذهبى والفكرى التى انهكت قوى المسلمين وشغلتهم عن حركة التطور والعمران لقرون متعاقبة، وكان نتيجة لذلك هذا الكم الهائل من المرويات الضعيفة والموضوعة والمكذوبة التى لا تقل شانا عن النفايات الخطرة التى يجب التخلص منها واهالة التراب عليها. والتراث في نظر الإسلام غير مقدس، فالفقه والتفسير، وكذلك العلوم المتعلقة بالقرآن والسنة، كل ذلك ليس بمقدس؛ لأنّه من فعل البشر. ومن هنا فكل ما هو تراث قابل للمراجعة وغير متسم بالعصمة، على خلاف النّص القرآني الكريم، والسنة الشريفة، ونفى القداسة عن التراث لا يعني الاستهانة والاستخفاف به، او ان نطرحه جانبا، بل ان الواجب هو العناية به وتنقيته مما علق به، ولا نخفى ان محاولات فردية كثيرة جرت فى هذا المضمار تاليفا وشرحا وتحقيقا، لكن يبقى العمل المؤسسى هو الحل الناجع من خلال تشكيل هيئة مستقلة من العلماء الربانيين الذين يتميزون بروح التجديد المنبثقة عن أصالة في الفكر والانتماء. تضم هذه الهيئة كافة التخصصات الشرعية والادبية والمدنية تحت مظلة الازهر الشريف، يكون دورها التوسع فى حركة التحقيق والمراجعة، واصدار الموسوعات العلمية، وان تكون الخطط البحثية لجميع الاقسام بالكليات الشرعية والادبية –للعشر سنوات المقبلة على الاقل- هى شرح وتحقيق التراث وتنقيته مما علق به، مع تحقيق للوقائع التاريخية، وتشخيصها، وتوصيفها، ومناقشتها، وربط الحاضر بالماضى بغية خلق حالة من الوعى لدى الانسان تمنحه القدرة على التحرر من سلبيات التاريخ وتساعده في التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدس.

 

دكتور/ هانى عبد الفتاح شوره

أكاديمى مصرى

مدرس بكلية التربية

 

علي اسعد وطفةتوطين المعرفة وتأصيلها خليجيا عربيا؟

تكمن قوة أمة ما في قدرتها الإبداعية وهذا قول لا يختلف عليه مفكران في العالم المتحضر، فعندما تباشر أمة من الأمم فعلها الإبداعي ستكون قادرة بالضرورة على تسنم مركب الحضارة في أرقى تجلياتها. أما التقليد فهو انتحار كما يقول مارفا كولنز. فالأمم التي اعتمدت الابتكار منهجا هي الأمم التي تسود عالم اليوم، وتفرض هيمنتها الحضارية فيه، ويقابل ذلك أن الأمم التي تعتمد التقليد الجامد للغرب، والاستهلاك السلبي للمعرفة العلمية، ما زالت حتى اليوم تتخبط في الدرك الأسفل من الحضارة الإنسانية. فلم يعد المال تلك القوة التي تفرض الحضارة كما تؤكد كل الدراسات والبحوث العلمية ولم يعد العنصر الحاسم في التحضر والتقدم إذ تنحى وترك مكانه للإبداع والابتكار والإنجاز في العلم والمعرفة العلمية والتكنولوجيا. ولم يعد يكفي اليوم نقل المعرفة والتكنولوجيا لتشكيل الحضارة بل أصبح توطين المعرفة بالإبداع والتجربة هو السبيل الأعظم للنهضة الحضارية والقوة الاقتصادية. فالدول التي تمتلك الثروات الاقتصادية الخام لم تحقق ثراء وقوة اقتصادية مثل أغلب الدول النامية المنتجة للنفط والذهب والغاز، وبالمقابل فإن الدول التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية هي الدول التي انتفضت وسادت وتطورت بفضل العلم والمعرفة والابداع في البحث العلمي مثل سنغافورة وماليزيا وفنلندة والسويد واليابان وهونغ كونغ والصين.

هذه الدول التي حققت مجدها الاقتصادي ونهضتها الحضارية هي الدول التي استفادت من تجارب الغرب فتعلمت منه وأضافت إلى المعرفة بالمعرفة الإبداعية واعتمدت الابتكار منهجا وطريقة إلى المجد الحضاري. وهذا هو الفارق بين الدول التي تقدمت وبين الدول العربية التي تخلفت لأنها لم تعتمد العلم والابتكار وتوطين المعرفة منهجا حضاريا. ونجد هذه المعادلة واضحة في فلسفة مالك بني نبي عندما يحاول تفسير الفرق بين نهضة اليابان وسقوط العرب في المستنقع الحضاري بقوله: « إن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ ووقفنا نحن العرب والمسلمين موقف الزبون، واليابان استوردت من الحضارة الغربية المعارف بوجه خاص واستوردنا نحن منها البضائع الاستهلاكية". ففي التقليد مقتل الأمم ومصرع الحضارات لأن التقليد يشكل حضارة المستنقعات بينا يؤدي الإبداع وتوطين المعرفة إلى تفجير الطاقات والينابيع الثرة للحضارة لأنه وكما يقال في الإبداع تكمن حياة الأمم وتسطر أمجادها وفي التقليد يرتسم موتها وفناؤها.

إن أحد أهم وأخطر عوامل تخلف المجتمعات العربية يكمن في مجافاة العلم ونبذ الإبداع ورفض العمل على توطين المعرفة العلمية. فالعرب يستوردون المعرفة، يستجلبون الحضارة، ينقلون التكنولوجيا، ويستهلكون العلم بصورة سلبية وهم في ذلك يمتلكون قصب السبق، ولكنهم قلما ينتجون المعرفة، أو يبدعون العلم، أو يبتكرون التكنولوجيا، أو يوطنون المعرفة، وقد اعتمدوا بدلا من ذلك التقليد الأعمى والاستنساخ الجاهل لمعطيات العلم والمعرفة ضمن أطر ضيقة تفرضها الحاجة رفضا لتوطين المعرفة وتشكيلها وإبداعها. فالعالم المتقدم كان قد ارتهن بالمعرفة توطينا وإبداعا وخلقا وابتكارا. نعم قامت الدول التي تقدمت مثل اليابان وكوريا وسنغافورة والصين بنقل المعرفة ثم بتوطينها ثم بإبداعها وابتكارها وتطويرها وعملوا الليل وصلا بالنهار على مدى سنين في ميدان الابتكار والإبداع فاستطاعوا أن يرسموا مجد حضارتهم وقوتهم المعاصرة. أما نحن العرب فقد استوردنا واستهلكنا معطيات المعرفة والتكنولوجيا بصورة سلبية حتى أصبنا بالثمالة العدمية، فسقطنا في مستنقعات الاجترار العلمي والاستهلاك العدمي للحضارة. وهنا يكمن سر من أسرار تخلفنا الكثيرة التي تترابط وتتماسك ويشد بعضها بعضا لتشكل حصنا حصينا للتخلف الوجودي والسبات الحضاري.

العالم العربي مع الأسف لم يتفاعل مع العلم والتكنولوجية على نحو يؤدي إلى توطينهما أو تطويرهما. " وعلى الرغم من توفر الفرص الحيوية للاستثمار في المعرفة والإبداع في العلم والتقانة فضل العرب خيار الاستهلاك ثم الاستهلاك حتى النخاع وما أتقنوه هو فن الشراء و الاستهلاك السلبي ومنهج التقليد والاستنساخ الساذج لكل ما هو قادم من الغرب وقد أدى ذلك بالضرورة إلى تهميش خيار التصنيع من أجل الشراء الأفضل، وقد أدى ذلك بمقتضى الحال إلى توليد فجوة معرفية رقمية حضارية هائلة تفصل العالم العريب عن العالم المتقدم " ومثل هذه الفجوة الحضارية ليس من السهل ردمها، و ليس من الممكن تجاهلها، فوجود هذه الفجوة يحتم العمل الجاد و المؤسس من أجل التجاوز وفق خطط استراتيجية واضحة "[1].

فاستيراد التكنولوجيا والمعرفة العلمية لم يؤدي إلى توطين المعرفة وتطوير البحث العلمي، وهناك أسباب عدة لذلك كما ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية منها: "الاعتقاد الخاطئ بإمكانية بناء مجتمـع المعرفـة من خلال استيراد نتائج العلم دون الاستثمار في إنتاج المعرفة محلياً والاعتمـاد فـي تكـوين الكوادر العلمية على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمـة معرفيـاً دون خلق التقاليد العلمية المؤيدة لاكتساب المعرفة عربياً .[2]

لقد دفعت بنا النزعة الاستهلاكية المتمثلة في النقل الجامد للمعرفة والتكنولوجيا إلى نوع من التبعية المخيفة للغرب والدول المتقدمة فوقعت الدول العربية في مدارات الهيمنة التي تفرضها الشركات «الاستشارية» العالمية التي تفكر وتدرس وتستشرف بالنيابة عنا، " وتكلفنا أضعاف ما يمكن أن نحققه من دعم مراكز الفكر الوطنية ومنظومة البحث العلمي وتطويرها، وأيا كان الوضع فيما يتعلق بمستويات الإنفاق الراهن على الأبحاث والتطوير لدينا وما يراه متخذو القرار، فإن المؤكد حاليا أن العالم المتقدم اتخذ قرارا دائما بزيادة إنفاقه في هذا المجال الحيوي، ليس لأسباب ترفيهية وإنما باعتبار هذا التوجه هو قاطرته ليس فقط إلى التنمية المستدامة بل إلى السيادة الاقتصادية " [3].

لقد أصبح استهلاك المعرفة العلمية سلبيا، ونقلها دون توطينها، وجلب التكنولوجيا دون إبداعها، واستنساخ التجارب الغربية دون نقدها منهجا وطريقة في دول الخليج العربي كما هو الحال في العالم العربي. لقد أضعفت سياسات الدولة الخليجية التنموية المجافية للمعرفة العلمية وتيرة تطوُّر البحث العلمي المحلي في مجتمعاتها؛ وذلك عندما "اندفعت إلى الاعتماد على أعداد هائلة من الشركات الأجنبية الوافدة في تنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية، وعندما منحت تلك الشركات ما تسمى (مشاريع امتلاك المفتاح)، أي منح الشركات كامل المشروع من البحث إلى التخطيط فالتنفيذ ومن ثم الصيانة" [4]. وكان حريا بهذه السياسيات أن تعتمد على مؤسسات البحث المحلية ومشاركتها في البحث والتطوير كي تحقق التراكم المعرفي المطلوب ولتكون قادرة على تطوير خبراتها وإمكاناتها، وبالنتيجة فإن حرمان مؤسسات البحث الوطنية فرص البحث والمشاركة إعلانا بالقضاء على مختلف المحاولات الوطنية في تحقيق التراكم العلمي المطلوب والتوطين المعرفي المرغوب وبدلا من التوجه نحو الإبداع والـأصيل والتوطين توجهت هذه المؤسسات البحثية والباحثين نحو تمثل الخبرات الأجنبية لتنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية. [5]

ومع الأهمية الكبيرة لما سجلته دول الخليج العربية الخليجية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنعا يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات وجودة عالية، " وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية لا تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية المعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة" [6].

فالباحثون في دول مجلس التعاون الخليجي – كما هو الحال في العالم العربي - يواجهون تحديات كبيرة تتمثل في تهميش دورهم العلمي وعدم الثقة بأبحاثهم ومنشآتهم البحثية، "وتتمثل هذه المشكلة في انعدام الثقة بهم وعدم الاستفادة من أبحاثهم وتوصياتهم التي بنيت على أسس علمية. فالحكومات الخليجية غالبا ما تلجأ إلى الخبراء الأجانب والمؤسسات العلمية في البلدان الغربية وتقدم لها الأموال الطائلة في من أجل الحصول على الدراسات والبيانات دون أن تعير اهتماما كبيرا للباحثين المحلين ودون أن تعطيهم فرصة للعمل العلمي والنشاط الفكري الذي يشكل بدوره تجربة تراكمية تصب في مصلحة الدولة الوطنية. وقد أدى هذا الأمر إلى حالة من الركود العلمي والتراجع المعرفي وتردي البحث العلمي في دولنا الخليجية إلى الحضيض، وما يلفت الانتباه في هذا السياق " أن هؤلاء الخبراء الأجانب في نهاية المطاف يلجؤون إلى الباحثين والمتخصصين في الجامعات الخليجية وذلك لعلمهم اليقين بدراية هؤلاء الباحثين بأمور المنطقة وقربهم من المتغيرات التي تحدث في المنطقة[7].

ويرى اليوم كثير من الباحثين أن الاعتماد على استيراد كل مظاهر الحياة، ابتداء من الإبرة إلى الصاروخ، ومن الرغيف إلى الماء المعلب، هو أحد أسباب تخلف العرب وتهالك التنمية في مجتمعاتهم". وفي هذا يقول عبد العزيز المقالح: " بأن الواجب يدعونا إلى أن نكون على درجة عالية من الصراحة، وأن نواجه أنفسنا بالحقائق، وإن كانت مؤلمة ومريرة، وإذا أردنا البدء في التغيير ينبغي أن لا نغضب أو نثور إذا قيل عنا إننا أمة مكوّنة من مجموعات من الكسالى والعجزة، نريد أن ننام في دعة ونصحو، فنرى كل شيء في انتظارنا من السيارة اليابانية إلى الثلاجة البريطانية، ومن الجبنة الهولندية إلى الثوم الصيني"! [8].

فهناك مؤسسات علمية وجامعات أجنبية نشطة في دول الخليج العريب، وهي تسعى إلى تحقيق الربح بالدرجة الأولى، ومثال ذلك المعهد الفرنسي للبترول الذي قام بإنجاز 156 عقدا بحثيا للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، وقد وصلت أرباح هذا المعهد بنشاطاته داخل الخليج أن يحقق أرباحا وصلت إلى 18 مليار فرنك فرنسي[9]. وهذه الدخول الجبارة والمبالغ الضخمة التي تجنيها الشركات الأجنبية في مجال الاستثمار العلمي كان يمكن أن توظف لصالح التنمية باعتماد مؤسسات علمية عربية لتقوم بمثل هذه الأبحاث أو على الأقل بالتعاون مع المؤسسات العلمية الغربية لتحقيق ما يسمى بالتراكم المعرفي المحلي أو الوطني الذي يشكل بذاته طاقة تنموية ضرورية للمجتمعات المحلية.

وتشير بعض الدراسات إلى أن مؤسسات الدولة، ومؤسسات القطاع الخاص، في معظم البلدان العربية، تتوجه في تلبية حاجاتها، من المعارف والتقنيات في ميادين الإنتاج والخدمات، إلى جهات أجنبية دون أن تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المحلية ودون أن تعنى بالمؤسسات العلمية الوطنية ودون أن تستأنس بالجامعات التي يمكنها أن تؤدي دورها الفعال في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والخدمية[10].

ويقوم اليوم الباحثون العرب بإثارة هذه الظاهرة الاستهلاكية ويقدمون كثيرا من المقترحات والتوصيات الكفيلة بمعالجتها، وهم يركزون اليوم على التعاون والتنسيق بين القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، "وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة فيما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي، وإيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، وتوفير البيئة المناسبة من التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها" [11].

وأخيرا وليس آخرا فإن توطين المعرفة العلمية في دول الخليج العربي وفي الدول العربية بعامة يتطلب تجاوز النظرة التي لا ترى في العلم والتكنولوجيا أكثر من سلعة تستورد وتشترى وتستجلب، وهذا الأمر يتطلب نقلة حضارية في النظرة إلى العلم والبحث العلمي بوصفهما نابضا حضاريا، كما يتطلب العمل على بلورة استراتيجية فعالة ونشطة في مجال البحث العلمي والتطوير؛ وهذا يعني بالضرورة إعادة تشكيل الرؤية الجديدة إلى الإبداع العلمي وتوطينه وتأصيله بوصفه القوة الجبارة التي تنهض بها الأمم وتتقدم على مدارج الحضارة الإنسانية.

 

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

.....................................

هوامش المقالة:

[1] - فؤاد محمد عيس السني، أين نحن العرب من اقتصاديات المعرفة، مجلة الأسواق، العدد 120، جدة، المملكة العربية. السعودية، 2005، ص 29.

[2] - برنامج الأمم المتحدة، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003م، نحو إقامة مجتمع المعرفة،  عمان : المكتب الإقليمي للدول العربية، المطبعة الوطنية، 2003.

[3] - خالد عباس طاشكندي، مستقبل الإنفاق على البحث العلمي!، العربية الجمعة 13 نوفمبر 2015. http://bitly.ws/8GLw

[4] - رسول محمد رسول، إشكالية البحث العلمي في منطقة الخليج العربي: من سلطة التوظيف الأيديولوجي إلى نخبويَّة تداول المعرفة، مجلة آراء حول الخليج، مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر 2007، (صص 30-31) ص 31.

[5] - رسول محمد رسول، إشكالية البحث العلمي في منطقة الخليج العربي: من سلطة التوظيف الأيديولوجي إلى نخبويَّة تداول المعرفة، مجلة آراء حول الخليج، مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر 2007، (صص 30-31) ص 31.

[6] - نبيل علي صالح، البحث العلمي في دول الخليج العربي :الواقع والآفاق، مركز الخليج مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر، 2007، (صص 32-37) ص 36 .

[7] - أحمد علي مراد، هموم البحث العلمي في دول مجلس التعاون الخليجي، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2007 (صص 50-52) ص 51.

[8] - عبد العزيز المقالح، واقع البحث العلمي في الجامعات العربية، مركز الجزيرة للدراسات 9 نوفمبر 2009، شوهد 16/2/2020.

http://studies.aljazeera.net/ar/issues/2009/201172224912109548.html#1

[9] - أحمد السيد تركي، البحث العلمي في دول الخليج بين الأفاق والتحديات، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2009، (صص 97-99)، ص 99.

[10] - عبدالله عبد الدائم،  استراتيجية تطوير التربية العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1995م، ص138.

[11] - أحمد السيد تركي، البحث العلمي في دول الخليج بين الأفاق والتحديات، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2009، (صص 97-99)، ص 99.

 

 

محمود محمد عليلا شك في أن الحديث عن المفكر والمبدع فهمي جدعان متشعب جداً، فهو واحداً من المفكرين العرب الليبراليين الذين تعاملوا مع الفلسفة بروح تجديدية منفتحة، وهو من الباحثين الجادين الذين لا يثيرون الجدل بكتاباتهم بقدر ما يثيرون الإعجاب ويدفعون إلي التأمل، حيث يمتلك القدرة علي النفاذ إلي بواطن الأمور، وهو رائد من رواد التنوير وعملاق من عمالقة الثقافة العربية.

قال عنه الأستاذ جمال الدين فالح الكيلاني:" يربط المفكر العربي الدكتور فهمي جدعان الأفكار والتمثّلات الفلسفيّة في مشاغله كافة بمعين الوجدان، ونهر الحياة، وقوة الأمل، فهذه في نظره من المحدّدات التي يعوّل عليها من أجل تعبيد السبيل أمام الأجيال القادمة، والحيلولة دون إنتاج المزيد من الآفاق المسدودة. ويعتقد جدعان أنّ المثقف يحتاج، كي يفهم الواقع ويحلّله ويوجهه، إلى المفكر وأدواته العلميّة والفلسفيّة المنضبطة والضابطة؛ لأنّ التعويل يكون على «قول» المفكر، لا على «رغبة» المثقف. ويدافع جدعان، عن حتميّة البرمجة الوجدانيّة «الصحيّة»، النبيلة، النّزيهة لأبنائنا، اليوم وغدًا، ففي نظره أنّ غياب هذه القيم والمبادئ، التي ينبغي أن تقترن بها التربية الوجدانيّة المبكّرة، هو الذي يفسّر التدلّي والتخلف والعقم الذي يغلّف ويتلبّس هذه الأجيال المتأخرة من شعوبنا العربيّة".

وفهمي جدعان ( مع حفظ الألقاب) هو  مفكر أردني من أصول فلسطينية، من مواليد سنة 1940م، في بلدة عين غزال الفلسطينية، درس الفلسفة في جامعة السوربون وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام سنة 1968م، عمل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الكويت والجامعات الأردنية، وشغل منصب عميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، ونال عضوية مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس بالفترة من 1980 حتى 1984، له آراء جدلية حول الإسلام السياسي  حاصل على جوائز عديدة، كما تم اختياره لعنوان الشخصية الفكرية لعام 2013 من قبل بعض المؤسسات الثقافية في بلده.

من أهم إنجازاته وأعماله : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، والمحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، والطريق إلى المستقبل: أفكار – قوى للأزمنة العربية المنظورة، والماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية، ورياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة، وفي الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، والمقدّس والحرية، وخارج السِّرب – بحث في النِسْوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية.

علاوة علي بحوثه الكثيرة نذكر منها : الكتاب والحكمة، والطريق الملك، ومعنى السلفية، والعالم بين حدين، ونظريات الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، والمعطيات المباشرة للإشكالية الإسلامية المعاصرة، ونظرة طائر": بانوراما الفلسفة العربية، والفارابي: مدخل إلى تجربة العلم والفعل عنده، وهوميروس عند العرب، والمرْكَب والمجاز، ونظر في التراث، وفكرة التقدم عند المفكرين العرب في القرن التاسع عشر، وابن خلدون في الفكر العربي الحديث، والإسلام وأوروبا: الثقة المفقودة، والإسلام وتحولات الحداثة، والمستقبل العربي في ضوء قيمة التواصل، وهواجس الأزمة وأحكام الفعل، والثقافة الكونية والنظم الثقافية العربية، والحضارة المعاصرة ومُشْكِل البدائل، والديمقراطية من منظور تنويري، وفي العدالة والشورى والديمقراطية، والسلفية: حدودها وتحولاتها، والطاعة والاختلاف بين الواجب وبين الحق في الإسلام، وأسئلة المستقبل، والحركات الإسلامية المعاصرة.. الخ..

وفي هذا المقال نود أن نناقش موقف فهمي جدعان من المسائل الخطيرة التى وقعت فى التاريخ الإسلامي ما سمى بقضية "خلق القرآن"، والتي كان ضحيتها عدد من رجال المجتمع فى العصر العباسي؛ خاصة فى عصر الخليفة المأمون، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وهذا ما يناقشه كتابه "المحنة: بحث فى جدلية الدينى والسياسي فى الإسلام" والصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في مايو 1989م.

ويبدو أن محاولة عرض كتاب ما " لا يمكن أن تقوم مقام قراءته " ولهذا غالباً ما يكون عرض كتاب يشكل صعوبة لا يسهل تذليلها، وإذ قمت بقراءة كتاب المحنة للمرة الثانية للقيام بمهمة عرضه، والإشارة إلى مواضيعه، فإنني أعترف صراحة: أنَّ عرض كتاب المحنة يكاد يكون مستحيلاً، لتماسك مادته، وشدة كثافتها، وما تثيره مادة الكتاب من طلب للبحث والاستقصاء خارج الكتاب، فهذه القراءة هي مجرد محاولة للدخول إلى الكتاب.

فبعد أربع سنوات من البحث، قدم فهمي جدعان دراسته التي حملت عنوان المحنة".. بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، حيث صدرت عن دار الشروق بعمان – الأردن، ويقع كتاب المحنة  في أربعمائة وثماني وأربعين صفحة ، أتت من القطع المتوسط، قسمه المؤلف علي مقدمة ومدخل وخمسة فصول، عرض فيها وقائع محنة خلق القرآن في إطارها الزمني وتصاعدها حتي انتهائها علي يد الخلفة المتوكل ليثير البحث نقاشاً واسعاًً بين المهتمين بالتاريخ الإسلامي ومحنة خلق القرآن والتي اُعتبرت إحدى أهم الجدليات في تراث المسلمين ؛ حيث يقول فهمي جدعان في حقها :" وأنا إذ أُعاود النظر في هذه القضية المعقدة، أُدرك منذ البداية أنني أخوض معركة البداهات هي خصمي الألد فيها، وأنني أسير تماما في الاتجاه المعاكس لمجري التيار، وذلك عند  أمرين أثنين علي الأقل : الأول : أنني أري أن أنأي بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية " الامتحان" التي نسبت إليهم، وأن أرد الأمور إلي نصابها في هذا الشأن لحساب التاريخ "... الثاني : وهو الأخطر والأجل، أنني أريد أن أنظر في مسألة المحنة لا بما هي قضية كلامية أو اعتقادية خالصة، وإنما بما هي حالة أبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطان أو الأمر من وجه، وبين الطاعة أو الإجابة من وجه آخر.

ولذلك يرى فهمي جدعان أن قضية "محنة خلق القرآن" هي واحدة قضايا الفكر الإسلامي التاريخي القابعة في كهف الغرابة والليل الطويل، وأن النظر السديد يقضي بإزاحة الستار عن وجهها وبتجريد دلالتها البعيدة لا في إطارها العقيدي والتاريخي المعاصر لها فحسب، وإنما أيضاً في حدود بنية الفكر الديني والسياسي الذي يمد جذوره في عصور الإسلام الأولى وينشر فروعه في أعصرنا العربية والإسلامية الحديثة والمعاصرة. فكان ذلك مشروع هذا البحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام.

لقد بدت للباحث أن الأمور مختلفة كل الاختلاف عن كل ما قيل في مسألة خلق القرآن، وهو يزعم أن مجموعة من الأخطاء قد وقعت، وأن النظر ينبغي أن يرجع من جديد في دلالة الواقعة برمتها. وهو في هذا الكتاب يعاود النظر في هذه القضية المعقدة، مدركاً منذ البداية أنه يخوض معركة "البداهات" هي خصمه الألد فيها، وأنه يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار، وذلك عند أمرين اثنين على الأقل: الأول، أنه رأى أنه ينأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية "الامتحان" الذي نسبق إليهم، وأن يرد الأمور إلى نصابها في هذا الشأن "لحساب التاريخ". الثاني: وهو الأخطر والأصل، أنه أراد أن ينظر في مسألة المحنة لا بما هي قضية كلامية أو اعتقادية خالصة، وإنما بما هي "حالة" تبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطة أو الأمر من وجه، وبين الطاعة أو "الإجابة" من وجه آخر، في دولة هي "دولة الخلافة"، لا شيء يحول دون اعتبارها أكمل ممثل تاريخي لما وصل إليه "الملك" في الإسلام، بتعبير آخر أراد أن يرفع الغطاء عن المعقولة السياسية لما يسمى بـ"بمحنة القرآن".

لم يأت الكتاب ليؤرخ للمحنة أو ليعالج الوجه الكلامي الخالص أي ليجيب على مسألة خلق القرآن بالنفي أو الإثبات وإنما جاء الكتاب ليزيح الستارة عن وجه المحنة ويوجه الأنظار لدلالاتها السياسية ومن هنا أستمد موضوع الكتاب قيمته إذ يتجاوز البدا هات الخاطئة التي استقرت في الأذهان من مجرد نطق اسم أحمد بن حنبل أو المعتزلة أو خلق القرآن، إذ ما أن ينطق بها أيُ من الناس حتى تستدعي صورة حدث تاريخي درامي صورة احمد بن حنبل المحدث فقط وقد قطع حجة خصومة المشهورين بقوة الجدل والحجاج ولم يجْد هؤلاء الخصوم إلا أن يتحولوا إلى جلاوزة يمسكون السوط يلهبون جلد احمد بن حنبل وتشبع السياط من جلده دون أن يتزحزح عن موقفه قيد أنمله إذ هو ثابت كالطود الأشم ! . ويعلن الدكتور فهمي منذ البداية في المدخل (ص 12) أنه يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار وذلك عند أمرين اثنين على الأقل.

الأول : أنه نأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية الامتحان التي نسبت إليهم وأنه يَرُدُّ الأمور إلى نصابها في هذا الشأن لحساب التاريخ، والثاني أنه يريد أن ينظر في مسألة المحنة كحالة تبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطة أو الأمر من وجه وبين الطاعة من وجه آخر في دولة هي دولة الخلافة لا شيء يحول اعتبارها أكمل ممثل تاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام. ويقتضي التاريخ التحفظ على المحور الثاني وخاصة اعتبار الخلافة المركزية الممثل التاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام إذ تتضمن هذه العبارة إسقاط المحور التاريخي المتمثل في العديد في المحاولات لإزاحة هذا الملك العضوض ومع أن الكتاب في فصله الثالث " الدواعي والرجال " يشير إلى بعض من هذه المحاولات ولكنه لا يربط هذه المحاولات في الأسس الفكرية التي يستند عليها. ومع أن الدكتور جدعان أعلن بداية انه غير معني ببحث الوجه العقدي في قضية خلق القرآن إلا أنه اضطر في المدخل الذي استغرق الصفحات من (11- 44) أن يتعرض للأقوال المتعددة في مسألة خلق القرآن متعرضاً للرأيين اللذين يستحيل التوفيق بينهما على وجه ما وعرض أربعة آراء أخرى تشكل مواقف متوسطة أساسية متوقفاً عند حدود العرض مما يجعل القارئ محتاراً لا يدري بعد أن ادخله الكتاب إلى صميم هذه المسألة ما رأي الدكتور في تلك المسألة، ولقصور حيثيات المسائل المعروضة يبقى القارئ في حالة من الفراغ حول هذه المسألة، إلاَّ القارئ الذي له موقف مسبق في هذه المسألة .

وهنا يذكر الدكتور نارت قاخون (الباحث في التاريخ الإسلامي) : كتاب المحنة للدكتور فهمي جدعان هو نتاج سنوات من البحث في تجلية مسألة مهمة جدا مرتبطة بتاريخنا الإسلامي، وعنوانها " المحنة "، وقد صدر في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ، وتُلقي بقبول حسن عند جمهرة من الباحثين ولا سيما المختصين في الشأن الفكري .

وقد هاجم الكتاب الدكتور عطا الله المعايطة ( أستاذ العقيدة والمذاهب والأديان بالجامعة الأردنية) حيث  قال : من القضايا التي نتعجب منها أن هؤلاء الذين يكتبون بهذه الطريقة من أمثال جدعان في هذا الكتاب أنهم يناصرون المتناقضات، وإذا جاءوا عند علماء السلف وقفوا لهم بالعداء، وهذه الطريقة لاشك أنها طريقة انتقائية ظالمة ليس لها ميزان عادل وهذا مع الأسف الشديد ما رأيته في كتاب فهمي جدعان"...

ويقول الدكتور إبراهيم عوض (أستاذ النقد بجامعة عين شمس): كتاب الدكتور فهمي جدعان بالمناسبة هو محاولة لتبرئة أهل الاعتزال من تحمل هذه التبعة، ومن الممكن أن يكون كلامه صحيحا، لكننا نعرف أن عددا من أهل الاعتزال كتبوا في خلق القرآن كتباً يدافعون بها عن هذه الفكرة وعلي رأسها طبعا الجاحظ"...

طرحت الدراسة أفكارا جديدة  تنسق السائد والمتداولة حول محنة خلق القرآن وتقلب الطاولة علي ما شاع في الحقل العلمي حول تلك المحنة من روايات رآها فهمي جدعان ضعيفة، اعتمدها الباحثون كنوع من الكسل العقلي والركون إلي السهل والمتداول ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

المراجع

1- فهمي جدعان : المحنة؛ بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام (كتاب)

2-قناة الجزيرة: خارج النص- "المحنة".. بحث في جدلية الديني والسياسي (يوتيوب).

3- أحمد إبراهيم الشريف: قرأت لك.. المحنة.. لماذا اشتعلت فتنة خلق القرآن؟  (مقال) باليوم السابع المصري.

 

 

عصمت نصارأمّا عن مدراس التجديد المنشودة، فيحدثنا عبد المتعال الصعيدي أنه ينبغي ألا يقتصر جهدها على التغني بفضائل الإسلام وعظمة حضارته وورع رجاله وعدلهم، بل يجب تخطى ذلك كله إلى دراسة متأنية لواقع المسلمين للكشف عن علة جمودهم ومعوقات نهوضهم، ووضع برنامج إصلاحي للتغلب على هذه المعوقات متخذًا من الأصول الشرعية سبيلًا للتغلب عليها، موضحًا أن الثورة والقوة التي يجب أن تتحلي بها مدرسة الإصلاح لا تعني التغيير المفاجئ أو الوثوب على السلطة لفرض الرأي، بل هي روح النضال التي لا تهادن الرجعية ولا تمالئ أصحاب السلطة، الأمر الذي يشير إلى نقضه لمشروع الإخوان المسلمين.

أما القوة المرجوة، فتتمثل في كثرة الأنصار الذين يعملون على تطبيق خطة الإصلاح، وذلك لن يتحقق إلا بالخطاب المستنير الذي يرشد الجماهير ويوعيهم ويجيّشهم لخدمة غاياته، ويعمل على إقناع الرأي العام القائد بحسن نواياه والمنفعة العامة التي سوف تعود على المجتمع باسره من تطبيق مساعيه.

ونجده على الرغم من تسليمه بأنه لا كهانة ولا عرافة في الإسلام، إلا أنه يؤكد على ضرورة وجود صفوة من علماء المسلمين يقومون على عقائده وشريعته ليجددوها ويبصروا بها الناس، مستشهدًا بقوله تعالى "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (التوبة :122)، وقد كان الصعيدي من أوائل دعاة إنشاء مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى لحكماء الإسلام واتحاد علماء المسلمين أيضًا. ويشترط الصعيدي ألا تنحصر هذه السلطة في طائفة أو جماعة بعينها، وألا يكون لهم سلطان أو سطوة إلا النصيحة والإرشاد.

وهو يعيب في ذلك على "خالد محمد خالد" ( 1920م - 1996 ) تلميحاته التي وصف بها بعض الجامدين والمتعصبين في الإسلام بأنهم كالكهنة.

ويكره في الوقت نفسه من الشيخ "محمد الغزالي (1917م-1996م)" إدانته "لخالد محمد خالد" والتشكيك في نواياه تجاه الإسلام، مؤكدًا على ضرورة تحلي المجددين بالاعتدال في نقداتهم ومساجلاتهم والعزوف عن آفة التعصب في التصريح بآرائهم وذلك لإتاحة الفرصة للحوار بينهم وبين خصومهم، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع محمد فريد وجدي     (1878م – 1954م) الذي سوف نتناول مشروعه لاحقًا باعتباره أحد المجددين في معيّة المحافظين - مبينًا أن التجديد مثل قارب النجاة، دفته الإصلاح ومجدافيه التسامح والتعقل، ويقول "إن للإسلام رجال دين علماء لا كهنوت، وأنه يجب أن يكون لهم حق إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالدين، وأن الذي يجب أن يُصلح ويُقَوم فيهم هو جمودهم لأنه هو الموجود الآن فيهم لا الكهانة" .

ويمكننا أن نلاحظ من العرض السابق لحديث "الشيخ الصعيدي" عن معنى التجديد وسمات المجدد، وحكمه على المجددين العديد من الأمور منها، ما هو خاص بمنهجيته في معالجة هذه القضية وبعضها يعكس تأثره ببعض معاصريه، والبعض الأخر يكشف لنا عن علة موقفه من بعض قضايا التجديد الأخرى. فأولها : يبيّن أن "الصعيدي" كان أقرب إلى الاتجاه العقلي الانتقائي أو إن شئت قل (الاتجاه المحافظ المستنير) منه إلى الاتجاه السلفي المعاصر، وذلك في تحديده معنى التجديد، وصفات المجدد، وتجويزه ظهور المجددين في أمة الدعوة شأن أمة الاستجابة، ذلك فضلًا عن حرصه على مقارنة حال المسلمين ومجدديهم وحال غيرهم من الأمم المعاصرة لهم وذلك خلال تقييّمه لأعمال المجددين في كل جيل.

فذهب إلى أن حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري كان يسير من السيئ إلى الأسوأ، وذلك على أثر استدانة "آل عثمان"، وإهمالهم شئون الخلافة، وانحطاط نظم التعليم في الولايات، وترّدي القيّم والمبادئ الأخلاقية والروحية، وتفكك الروابط الاجتماعية وظهور الحركات الانفصالية والمليّة، التي ضاقت بعنصرية الاتراك واعياها تعصبهم واستبداد حكامها الأمر الذي انعكس على طبيعة التجديد والإصلاح في هذا القرن، فلم يظهر سوى دعاة إصلاح ديني أقرب إلى السلفية منهم إلى التحديث.

في حين كان المجتمع الغربي على النقيض من ذلك الجمود والتشرذم تمامًا، حيث التقدم على الصعيدين العلمي والفلسفي والثراء الاقتصادي والثقافي، وظهور النهضوّيين والتنويرييّن الذين أعادوا صياغة العقلية الأوروبية، أضف إلى ذلك دعوة فلاسفة هذه الحقبة إلى الثورة على الاستبداد وتحقيق العدالة والمساواة والسلام بين الشعوب، وحرية الفكر والاعتقاد.

وخلص من هذه المقابلة إلى أن أمة الإسلام كانت أحوج إلى تجديد "إسحاق نيوتن 1643-1727م"، و"مونتسكيو 1689-1755م"، و"فولتير 1694-1778م"، و"روسو 1712-1778م"، و"ديدرو 1713-1784م" بعد تهذيب آرائهم ونقدها وغربلتها وتطهيرها ممّا يتعارض مع الثوابت الشرعية. وبيّن أن ذلك أفضل من مسايرة جمود الفقهاء السلفيين الذين مكنوا الأوروبيين - بجمودهم وجهلهم بأصول الحضارة الحديثة - من الانقضاض على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها، وظهور في الوقت نفسه الجماعات الجامحة والفرق الجانحة والفلول الماجنة، ذلك فضلاً عن تساؤل جمهور المثقفين عن علة تأخر المسلمين وتقدم غيرهم وكيفية اللحاق بالأمم الراقية وإحياء مجد الحضارة الإسلامية التليد. ويقول: " كان المسلمون في هذا القرن أيضًا ينتظرون مجدده من بين الفقهاء الذين لا يعرفون شيئاَ سوى الفقه وما إليه من العلوم، فعاشوا بين تقليب أوراقه، يجهلون دنياهم الجديدة، وما فيها وتجهلهم هذه الدنيا، لأنهم يعيشون في دنيا قبلها مع إنهم كانوا يحتاجون في هذا القرن إلى مجدد يعرف دنياه الجديدة، ويعرف ما جد في العصر الحديث من علوم ومعارف لينفع المسلمين بها، وينهض بهم كما نهض غيرهم في هذا القرن" .

ويضيف "الصعيدي" أن أوروبا كانت تدعو إلى الحكومات الدستورية منذ أخريات القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادييّن، وشاغلة بالمخترعات الحديثة والأسلحة الفتاكة، وعلى النقيض من ذلك كان الخلفاء مشغولين بتثبيت عروشهم وقمع الحركات الانفصالية، وصدّ الهجمات الأوروبية وإحاكة المؤامرات ضد أحرار الفكر، وصياغة الفتاوي التي تحرّم العلوم والفلسفات الغربية، وتبرر في الوقت نفسه انتحال بعض النظم العسكرية والقضائية الأوروبية الحديثة. كما بيّن الصعيدي أن المجددين في القرن الثالث عشر الهجري لم ينجحوا أيضًا في النهوض بالأمة الإسلامية، وذلك لأن بعضهم عُنيّ بالتجديد في الأمور المدنية وأهمل الشئون الدينية، (ويقصد هنا مشروع رفاعة (1801-1873م) وعلي مبارك (1823-1893م) في مصر وجماعة الاتحاد والترقي في تركيا)، والبعض الأخر جنح عن الأصول الشرعية والمبادئ العقلية وأضحى عاملًا من عوامل التبديد وليس التجديد (ويقصد هنا الفرقة البابية والفرقة البهائية وعبدة الشيطان وجل التيارات العلمانية المتأثرة بالفلسفات المادية والأيدولوجيات الإلحادية)، والقليل منهم هو الذي عرف الطريق الصحيح وراح يدعو العامة والخاصة للموازنة بين القديم والجديد والموائمة بين الدين والعلم (ويقصد هنا مدرسة الشيخ حسن العطار (1766-1835م) ثم مدرستي الأفغاني ومحمد عبده)، غير أن الرجعييّن ورعونة الحكام وجهل الجمهور حال بين أولئك المجددين وبين تحقيق رسالتهم.

وظل هذا الضعف سائدًا في القرن الرابع عشر الهجري، وزاد عليه خضوع معظم الولايات الإسلامية إلى الهيمنة والسيطرة الأوروبية، واستجاب المسلمون للنعرات القومية التي روّج لها المستعمر، ذلك فضلًا عن تفشي الطائفية والحزبية المليّة في الرأي العام، وانشغل قادة الفكر بألاعيب الساسة وانصرفوا عن رسالتهم الإصلاحية، وراحت الطرق الصوفية ترتع وسط عالم الكسالى والمتنطعين والجامدين، فزيّفت وعي الجمهور وصرفتهم عن البحث في أمور دينهم ودنياهم.

مؤاخذات الصعيدي ونقداته لمخالفيه في التجديد:

انتهى عبد المتعال الصعيدي إلى أن تمزق الأمة الإسلامية، وأفول نجم حضارتها كان أمراَ محتومًا، إذ بلغ الغرب في مطلع القرن العشرين الميلادي ذروة قوته العسكرية واستقرت فيه ثقافة الروح العلمية والفلسفية، التي تدفع المجتمع إلى النهوض والرقي، فقضت سنة الحضارات بخضوع المسلمين إلى الاستعمار الروسي في أسيا وبعض بلدان أوروبا، والاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي في أفريقيا وشبه القارة الهندية   .

كما ذهب إلى أن مجددي ذلك القرن قد انقسموا إلى أحزاب واتجاهات عجزت جميعها عن إعادة البناء وإصلاح ما أفسده الجهل والجمود والتخلف، "فمصطفى كامل 1874-1908م"، و"قاسم أمين 1863-1908م"، و"محمد فريد وجدي 1878-1954م" قد حاولوا الإصلاح في جانب وأهملوا الجوانب الأخرى، بينما غلب على كتابات "طه حسين 1889 - 1973م " النكوص والتردد وعدم القدرة على التأليف بين الأصيل من الثوابت والحديث من المتغيرات.

الأمر الذي جعل الكثيرين من المحافظين وضعه في قفص الاتهام ونعته بالجنوح والتجديف والشطط أحيانًا. ويضيف أن معظم كتاب القرن العشرين قد أهملوا توعية الأجيال الشابة من خطر الغزو الفكري وأكاذيب المستغربين والمتشيعين للفلسفات المادية الالحادية. ويقول "ويمكننا بعد هذا أن نحكم بأن الأقرب إلى التجديد الإسلامي في هذا القرن هو من كان يجمع بين الثقافة القديمة والحديثة، وينادي بالإصلاح الشامل لأمور الدين والدنيا، وهذا لم يتوفر في واحد من هذا القرن من أوله إلى يومنا هذا كما توفر في الشيخ محمد عبده" وكبار تلاميذه.

أما المتفرنجون؛ فلم يكن شرهم أقل من الجامدين، فقد دعوا إلى تقليد الغرب دون تمحيص أو الإبقاء على الشخصية الإسلامية.

ولا غرو في أن هذه المقابلات والتحليلات التي قام بها "الصعيدي" للواقع الحضاري للمسلمين في العصر الحديث تكشف عن منهج عقلي في النقد، وثقافة موسوعية ودراية بفلسفة الحضارة، رشحته لاعتلاء منبر المستنيرين في النصف الثاني من القرن العشرين، وأفصحت عن انتمائه لمدرسة الإمام "محمد عبده" ذلك الذي وصفه بالإمام والمعلم ورائد الإصلاح والتجديد الذي يجب السيّر على سنته في إصلاح الدين والدنيا، وإنهاض المسلمين.

ولا يؤخذ على "الصعيدي" إلا عدم درجه "رفاعة الطهطاوي" ضمن المجددين وذكر إياه عرضًا، رغم مناقشة "رفاعة الطهطاوي" لقضية التجديد والمجددين من جل نواحيها - التي أشرنا إليها سلفًا - إذ تحدث باستفاضة عن "كتاب السيوطي" وحديث المائة الذي استشهد به وصفات المجدد وعدد المجددين في القرن الواحد، ذلك فضلًا على اشتراطه الاجتهاد في المجدد - وكذا تجاهله لجهود "محمد إقبال (1877-1938م)" رغم اتفاقهما في العديد من القضايا، وتوسعه في عرض فكر "الباب ميرزا على محمد (1819-1950م)"، و"البهاء ميرزا حسين على (1817-1892م)"، و"ميرزا غلام أحمد القدياني (1835-1908م)" دون تبرير إلا رغبته في فضح حقيقة هذه الاتجاهات الهدامة التي افتتن بها بعض المسلمين، ولاقت قبولًاً لدى الأمريكيين والأوروبيين، وكذا نقض الصعيدي فكرة المهدي المنتظر التي تبناها المتواكلون، ووقفوا عليها بعث مجد المسلمين ونهضتهم بعد كبوة لا يعلم مداها إلا الله.

أمّا المأخذ الثاني فيبدو في تأثره بالسابقين عليه وموافقته لبعض معاصريه، التي لم تكن على سبيل المسايرة والتقليد بل كانت وليدة نظرة تحليلية نقدية تعبر عن رؤية صاحبها الخاصة.

فلعل نقداته لبعضهم كانت وراء غضبة الأزهريين عليه والمفكرين الحداثيين أيضًا، فعلى الرغم من تصريحه بإعجابه "بجمال الدين الأفغاني" نجده يعيب عليه بعض النواحي في نهجه الثوري في الإصلاح ويخالفه في حكمه على "السيد أحمد خان (1817-1898م)"، إذ حسبه "الأفغاني" من أذيال الإنجليز وواحدًا من الذين ارتدوا عن دينهم وخلطوا بين الأديان بغية توحيدها شأن الماسونيين وحرفوا الكلم في تأويله للقرآن، ودعوا إلى مسايرة أوروبا وتبني فلسفتها المادية، في حين جعله "الصعيدي" من المجددين الذين يُؤخَذ منهم ويُرَد عليهم.

وقد خالف "الصعيدي" الإمام "محمد عبده" - الذي أكد بانضوائه تحت رايته وانتهاج ضربه - وذلك في موقفه الناقض من "محمد على باشا (1767-1849م)"، اذ كان يرى فيه - الأستاذ الامام محمد عبده - القائد التاجر والزارع والجندي الباسل والمستبد الماهر والحاكم الظالم، الذي قهر المصريين وانتهك كرامتهم، وذهب إلى أن نجاحه في العمران لم يكن سوى نجاح المستعمر الذي يعمل من أجل مصلحته، وتوطيد أركان ملكه وليس من أجل المصريين. كما أن خلفائه من بنيه لم يحسنوه معاملة المصريين، بل كانوا مثل الاتراك في جحودهم وتعاليهم.

ورغم ذلك كان "الصعيدي" يرى أن موقف "محمد على" الداعم لخطاب النهضة ومشروع التحديث قد دفع الرأي العام القائد وشجع الرأي العام التابع لنجاح حركة التجديد التي اضطلع بها "حسن العطار"، و"إبراهيم باشا" وغيرهما من المصلحين في شتى الميادين. وبرر عزوف محمد على عن إصلاح الأزهر يرجع إلى عنت شيوخه ورفضهم لمشروع حسن العطار وخوفهم من غضبتهم وتهييجهم للرأي العام. كما نجد الصعيدي يتفق مع "محمد إقبال"، و"عباس محمود العقاد" (1889-1964م) في مؤاخذاتهما على "محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)" ودعوته، ذلك لأن ما جاء به لم ينهض بالبلاد ولم يُحَدِث المجتمع، ولم يُخَلِص الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الجزيرة العربية من جموده.

كما يأخذ محمد إقبال والعقاد على محمد بن عبدالوهاب عزوفه عن العلوم الغربية الحديثة، وتعويله على الميراث الفقهي في التأويل وحده، وقصره باب الاجتهاد على شرح الأحكام الشرعية، واستناده على الأحاديث في الفتوى دون تمحيص لها وإهماله متطلبات الحياة العصرية. ويوافقهما في تقييمهما لحركة "السيد أحمد خان" وثورة "كمال أتاتورك". ويخالف في الوقت نفسه أحمد أمين (1886-1954م) في إدراجه الحركة الوهابية ضمن الحركات النهضوية الإسلامية.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. عصمت نصار