اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

حينما يبدأ الحديث عن مفهوم الخلود الأنساني كما قدمته الشريعة الإسلامية فإن لنا وقفة مليئة بالفخر والأعتزاز نبدأها بحقيقة ثابتة وهي أنّ الأديان السماويّة بأجمعها إنّما شُرّعت من أجل تنقية النفوس وتطهيرها من كل دَرَن، وتخليص العقول من عبادة الطاغوت لكي تُحلّق نحو خالق الكون مؤمنة بعظمته وتدبيره، مُعترفة بوحدانيّته، شاكرة لأنعُمه مسلّمة بقضاءه سالكة صراطة.

الخلود في الشريعة الأسلامية منشأه إعادة الأعتبار لأنسانية الأنسان من خلال دعوته لفهم وتحليل الحقائق وإدراكها بعمق، وحثّه على استنهاض قواه الفكريّة واستخدام الثروة المعرفية الكامنة في أعماق ذاته والأبتعاد عن الجمود المُتحجّر والأنزلاق نحو حضيض الشهوات الحيوانية وهوى النفس الميتة، وأنّ التسامي هو المنفذ الوحيد  ليحلّق من خلاله خارج التناقض الحاصل بين محدوديّة الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني.

إنّ الطريق الذي رسمه الأسلام لنيل الخلود الأنساني أساسه التقدم الروحي، الذي يعتمد هو الآخر على توثيق العلاقة بينه وبين إدراك الحقائق المحيطة به في عالم الوجود، وأنّ أساس هذه العلاقة هي الفكر والمعرفة المُوجِدَة والمُعمِّقة للأرتباط بالذّات الإلهية.

من هنا لابُدّ لنا أولاً ومن أجل فَهمٍ مُعمّق لحقيقة الخُلود أنْ ندرك ماهيّة النفس الإنسانية ونوع الأرتباط بين العقل والجسد أو الروح والبدن، فنقول انّ قضية الخلود الأنساني هي قضية ميتافيزيقية لكنها في صميم المُعتقد الديني، وأنّ الفكر المفاهيمي والمَعرفة المُوجدة لعالم الخُلود الأنساني لا يمكن أنْ تتحقق إلّا بإدراك القِيَم الأخلاقية النابعة من منظومة الدين الأسلامي الذي أخرج الميول الأنسانية نحو الخلود من المنظور الميتافيزيقي الى حقيقة ادراكه من خلال عَقلَنة الأخلاق الأنسانية في عالم الوجود الدنيوي مع إرادةٍ وتصميم في استخدام الطاقات الكامنة في الذّات  من أجل بلوغ أعلى مراتب الكمال الأخلاقي مُستنداً على الوعي المفاهيمي، مع إرادة وتصميم في المضي والمواصلة.

إنّ الأنسجام التام بين إدراك الكمال الأخلاقي مع تمام الأرادة والتصميم في الاستمرار والمضي هي من أعلى مراتب الكمال الأنساني، وهو ذات الانسان الذي وصفه الله تعالى بخليفة الله في الأرض، وهو الطريق الأمثل للخلود الأنساني، ذلك الخلود الذي لا يَبلغه إلاّ القلائل. وكلما كانت مدارج الكمال أسمى كلما كان السير نحو معالم الخلود الأخروي أعمق.

لقد رَسَمت الشريعة الأسلامية مسارها وقدّمت الخلود بطريقة وضعت من خلالها البعد المادي والمعنوي للأنسان، وحثّته على المسار الأمثل تحقيقاً لنيل الخلود والأبدية، فكانت قِيَم التضحية والعطاء والفداء من أهم صفات الكمال الأخلاقي ومصداقاً للقاعدة الفكريّة والفلسفيّة المُوصلة لنيل الخلود الأنساني.

ولأنّ الخُلود السماوي ليس كالخلود الأرضي، فكراً ومضموناً ونتيجة، فالخلود السماوي أو الأُخروي يشترك في إحرازه الجسد والروح معا، فهو يَستعين بالجسد لنيل الخُلود الأبدي، وأمّا الخلود الأرضي فهو مادي هدفه الأول إبقاء ذكراه خالدة عبر التأريخ، لذلك نرى قِيَم التضحية والعَطاء غائبة في هذا النوع. ولأنّ الخلود هو مشروع إلهي لذلك نرى له تجليات وانعكاسات مادية أيضاً، فهو وإن كان سماوياً لكنه لا يلغي الخلود الدنوي، بل إنّ انعكاسه الدنيويّ يُمثّل نبراساً وعلماً يرسم للبشرية طريق الخلود بمعايير ربانيّة سماويّة.

ولأن القوانين والشرائع الدينية هي المُلهم الأكبر والطريق الأقصر لأدراك الكمال الأخلاقي، لذلك فلا قيمة للخلود الأنساني بعيدا عن البناء الأخلاقي والذي ينطلق من بُعدٍ رسالي ومدرسة إلهية تُربّى الأنسان وتُعمّق فيه الاستعداد للمواصلة بإصرار وثبات.

انّ العطاء الذي مَنبعُه الكمال الأخلاقي هو عطاء حيّ، بل وباعث للحياة، فهو عطاء مُتجدّد، تراه منسجماً مع البعد الكينوني والفلسفي لحقيقة الزمان، سواء كان الزمان داخل الذات الأنسانية او خارجها، يسير بحركة أرسطوية دائرية أو انشتانية لامتناهية باتجاه واحد.

العطاء هو الجوهر الأرسطويّ النّابع من الكمال الأخلاقي يُحمَل على الزمان الأرسطويّ ذو النّقلات المتعددة.

وهو الوقائع المبنيّة على الذرية المنطقيّة للفيلسوف رُسُل، ولأنّها تبعث على الحياة فهي تنتقل عِبر الأزمنة وفقاً للجزئيّة المنطقية.

وأياً كانت الرؤى والنظريات الفلسفية،  فالحقيقة الثابتة أنّ هذا العطاء قد اخترق غطاء الزمان لأنّه عطاء حي، ينبع بالحياة، متجدد، مستمر، سرمدي،  ماض نحو اللامتناهي، فكلّما حلّ بزمان او مكان بعث فيهما الحياة، وتجدد لينطلق مرة اخرى في سفر دائم لا ينقطع،  إنه سفر الخلود، سماوياً كان أم دنيويا.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

 

محمد العباسيقال تعالى "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (سورة الكهف).

هل من المعقول أو المقبول أننا وبعد ألف وأربعمائة سنة من نزول القرآن ونحن لم نزل نجادل في معاني كل كلمات كتاب الله ومقاصدها وحقيقتها ومغازيها؟  أفلم ينزل القرآن بلغة من أنزل الله وحيه بينهم؟  أم أننا اليوم قد ابتعدنا عن اللغة العربية الحقة وتغلبت عليها اللغات الدارجة والمحلية الممزوجة بخليط من المصطلحات المستوردة فأضعنا الطريق واختلطت علينا المفاهيم؟  يبدو جلياً أننا اليوم عندما نقرأ تفاسير القرآن فإننا لم نعد نقرأ كلام الله، بل نقرأ آراء المفسرين وهي رهن بالمستوى المعرفي لكا مفسِّر ومدى رجاحة عقله، وهي أمور قد لا تسمح باقتناص المعاني الحقيقية والصحيحة للقرآن.. حتى بات من الواضح أننا لم نعد نعي اللغة العربية ذاتها ونفتقر لأبجديات لغة القرآن وصار حال أصحاب اللسان العربي من حال الأعاجم.. وإن كان البعض سيجادلني بأن أشهر علماء وفطاحل اللغة العربية في التاريخ هم أصلاً من الأعاجم!!

ربما شغفت في السنوات الأخيرة بمتابعة المفكر "د. محمد شحرور" الذي توفاه الله منذ فترة قريبة، حيث كان شغله الشاغل إعادة النظر في الجوانب اللغوية عبر كتاباته عن القرآن والإسلام بالذات بعد عودته من موسكو، وحتى اتهمه البعض باعتناقه للفكر الماركسي (رغم نفي جميع مؤلفاته لذلك).. ففي سنة1990  أصدر كتاب "الكتاب والقرآن" الذي حاول فيه تطبيق بعض الأساليب اللغوية الجديدة في محاولة لإيجاد تفسير جديد للقرآن مما أثار لغطا شديداً استمر لسنوات وصدرت العديد من الكتب لنقاش الأفكار الواردة في كتابه ومحاولة دحضها أو تأييدها.. هذا وقد كسب "د. محمد شحرور" العديد من المؤيدين والمعارضين لأفكاره في العديد من البلدان، ولقد وجدت شخصياً في أقواله وتفسيراته وتحليلاته المرتبطة أو النابعة من النظرة اللغوية لجمل وآيات القرآن الكثير من المنطق من باب كوني متخصصاً في علوم دراسة اللغات.

فهل أضاع الناس الطريق والتبست عليهم مفاهيم اللغة العربية التي نزلت به القرآن الكريم على نبينا محمد (ص) حتى بدأ كل مفسر يدلو بدلو مختلف ويفتي في الدين ويتبعه من يتبعه من الناس إيماناً بعلمهم ولو من منطلق (العهدة على الراوي)؟   فلكم أن تتصورا كم المغالطات التي أخذنا بها منذ عهد الأولين وتمادينا فيها عبر السنوات ومارسناها ومشينا عليها مع من مارسوها من بعدهم، ومن ثم سايرنا من فسروها بنحو مختلف من تابعيهم ومخالفيهم، ولم نزل جيلاً بعد جيل، نتابع ونجيز أقوال المفسرين الجدد.. فقط لنكتشف كم الممارسات والمفاهيم الخاطئة أو المنقوصة التي تربينا عليها حتى عصرنا الحاضر.

لكم أيضاً أن تتخيلوا كم المعلومات التي تتعلق بأمور حياتنا وعقيدتنا وشرائعنا في قضايا تتعلق بالميراث والمحرمات والمنهيات والعلاقات الاجتماعية والربا والأحكام والشعائر والممارسات والحجاب والكثير من الشؤون التي ربما تعاطينا معها عبر قرون من الزمن بجهل منا وممن اتبعناهم من مفسرين وشيوخ ومفتين في الدين، بسبب بسيط يكمن في ضعف علمنا بقواعد اللغة العربية العظيمة التي أنزل الله بها آخر الكتب السماوية لتكون منهاجاً للعالمين.

لننظر معاً في أمثلة بسيطة لبعض مفاهيمنا التي أمضينا سنيناً نمارسها ولا نعي بالضرورة معانيها الحقيقية.. وسأبدأ هنا بقضية بسيطة ولكم أن تتصوروا أو تتذكروا مجمل الحالات الأخرى التي لابد وأنكم كثيراً ما شاغبت أذهانكم لغياب المنطق فيها، ولكن منعتنا الغيرة على الدين من السؤال أو التشكك في تفاسير المفسرين.. "الضرب".. هل القرآن يأمر بضرب النساء؟  هذا الشأن بالذات سمعنا فيه لغطاً وتفاسير وشروح.. فكثير من "المتشددين" الجدد يستفيضون في شرح أصول ضرب النساء عند أول مؤشر لنشازهن، وهم يؤكدون بأن "الضرب" هنا يعني نوع من العقاب الجسدي، كالصفع أو اللطم أو حتى بالعصا إن تطلب الأمر.. بل والبعض يشرح الفرق بين الضرب براحة اليد أو ظهرها، وهل يكون الضرب على الوجه أم بعض مناطق الجسد الأخرى كالكتف أو الظهر أو الذراع أو المؤخرة.. وإن استوجب الأمر استخدام العصا فيشرح غلاظة وسُمك وطول العصا ويبين أن الضرب لا يجب أن يترك أثراً على جسد الزوجة.. ويطول الشرح في طرح كافة القصص والأمثلة، ومختصر الكلام هو عن كم الزوجات اللاتي تم تعنيفهن عبر التاريخ بشتى الطرق، بناءً على تفسير واحد فقط لمعنى كلمة "ضرب"؟

أ.د. عبدالعزيز بايندر (موقع: حبل الله) يشرح الآية المعنية بهذا الموضوع بالتفصيل التالي: في الآية 34 من سورة النساء ورد ثلاثة أوامر ونهي واحد بشكل متتالٍ كما يلي: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً).. ضرب المرأة هل يعني إيذاؤها جسديا باللطم وغيره؟ أم إبقاؤها في مكانها أي عدم إخراجها من بيتها؟  لنفهم هذا جيدا تعالوا لنرى الآيات المتعلقة بالموضوع قسماً قسماً:

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ)

لأن النشوز هنا هو "قرار الافتراق" فما يجب على الزوج الذي يخاف من نشوز زوجته هو أن يتحدث إليها. لهذا كان الأمر الأول هو:

"فعظوهن"

أي قولوا لهن قولا حسنا.  والوعظ: هو التوجه بالأقوال الحسنة بهدف توجيه سلوك المقابل نحو الأحسن وذلك في مواضيع تسبب له الإزعاج القلبي.  الرجل يحاول إقناع زوجته الراغبة بالافتراق عنه بالكلام الجميل.

إذا أصرت المرأة على قرارها بالانفصال، فعلى الزوج أن يمتنع عن مجامعتها مع إظهار احترامه لقرارها.  والأمر الثاني في الآية متعلق بذلك.

"وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ"

هجر الزوج لفراش زوجته يوفر إمكانية أن تراجع قرارها كما يمنع إمكانية حملها في الوقت الذي ترغب فيه الافتراق عن زوجها.  في هذه المدة لا يمكن للزوج إخراجها من البيت، والأمر بـ"الضرب" متعلق بهذا.

"وَاضْرِبُوهُنَّ"

ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها.  لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة.  يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:

"فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً"

الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى "فإن أطعنكم"  بعد قوله  "واضربوهن"  يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي.  والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق (الناشز) من بيتها قبل البتِّ في قضيتها.

 

ونجد أن محدودية تفسيرنا لكلمة واحدة (الضرب) بمعنى واحد محدد ليس له تأثير على بعض ممارساتنا فقط، بل سيفسد علينا نجاعة شرح وفهم العديد من الآيات التي تحتوي على هذه الكلمة.. وقد تكررت الكلمة 58 مرة في القرآن، وكلها متشابهة في اللفظ فقط لكنها تختلف في المعنى حسب الجملة.. وأنصح هنا لمن أراد الاستزادة، البحث في الكتب أو المواقع الإلكترونية.

ولنأخذ هنا كلمة "رجل" أو "رجالا"..  وهي لا تعني بالضرورة الأشخاص الذكور كما قد نفهمها في جل أحاديثنا، بل في غالب آيات القرآن تعني من يمشون أو يقفون على أرجلهم.. ويشرح الأستاذ "نورالدين الغزالي" معاني الرجولة في القرآن في موقع (جماعة العدل والإحسان) بأن كلمة "رجل" في اللسان العربي ترجع إلى معنى "الترجل" أي أن يمشي الشخص على قدميه دونما استعانة بآلة ما "الدابة أو السيارة أو غير ذلك”".  وهذا يعني الاعتماد على النفس في الوصول إلى الغاية المطلوبة والهدف المقصود.. ويشرح لنا كيف تحدد لنا اللغة العربية مفهوم الرجولة في حقيقة واحدة هي: الاعتماد على النفس في الحركة وتحقيق المراد والوصول إلى الهدف المرجو، وهو ما يعني قوة الشخصية ومضاء العزيمة ووضوح الرؤية والهدف في فكر صاحبها.

أما في غالب المواقع التي يقصد فيها القرآن بكلمة الرجل المعني المتعارف بيننا كونها تعني الشخص الذكر وليس الأنثى، فنجد أن كلتا الكلمتان تأتيان في ذات الجملة (الرجال والنساء).. فمثلاً، حين يكون القصد هو الجنس الذكر المقابل لجنس الأنثى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً".

هذا بعض من حالنا نحن العرب مع لغتنا القرآنية العربية.. فماذا نفول في شأن غبر العرب؟  ماذا نقول عن كافة المسلمين ممن لا يجيدون اللغة العربية أصلاً، ورغم حفظهم للقرآن وتمكنهم من قرأته بشكل رائع أحياناً لا يفقهون من كلمات الله إلا النزر اليسير؟ وقد قابلت أسرة ماليزية رُزقت ابنتهم بتوأم ذكور، وأسمتهما "فضلو" و"فضلي"، من أصل كلمة "فضلُ" بالضمة و"فضلِ" بالكسرة، على أساس أنهما كلمتان مختلفان.. وفي حالة أخرى تكاد تكون مشابهة، فقد رُزق شخص إندونيسي بطفلة وجاءنا يبشرنا بفتاته التي أسماها "زانية"!! فناقشناه في سوء اختياره لهذا الاسم لما يحمل من معنى سيئ وغير مناسب.. لكن حجته كانت أنها كلمة من القرآن، لذا فهي لا بد وأن تكون كلمة طيبة!!  وفي شأن الأسماء التي يتخذها الكثير من أبناء الجاليات الهندية والآسيوية بشكل عام نجد تكرار الأسماء المركبة مثل "شمس الدين" أو "سيف الإسلام"، ولكنهم يكتبونها "شمسل دين" و"سيفل إسلام" ثم ينادونهم بالنصف الأول من الإسم "شمسول" وسيفول"، ولا يعلمون مدى الخطأ في هكذا أسماء.. بل ولدينا في البحرين عامل بنغلاديشي اسمه "مهين"، ولا بد أنه مأخوذ من الآية الكريمة "ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ"!  وهذا فيض من غيض !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عصمت نصارإنّ الباحث في فلسفة الجنس، سوف يدرك أن اللذة الجنسية لم تشغل مكانًا رئيسًا في المثيولوجيات، والآداب الشعبية والقصص الرمزية، والمسائل الشرعية، والتربية والأخلاق فحسب. كما أنها لم تتحوَّل إلى أيدولوجيات لتوجيه الأفكار، وتشكيل بُنْيَة المذاهب والأحزاب والفِرَق والجماعات فقط، بل اجتازت ذلك كلَّه، وأضحتْ - في ميدان السياسة - من أهم الآليات المحرِّكة للآراء والقرارات، من جهة، ووسائل الترغيب والترهيب للحكام والعلماء والساسة من جهة أخرى.

أجل لقد اقتحم البغاء، وتجارة الرقيق الأبيض، والجواري في قصور الحكام والوزراء، وأصحاب الجاه والسلطان، ميدانَ السياسة بقَدْر جعل المؤرخين وفلاسفةَ التاريخ يدرجون الانغماسَ في عالم المتعة الجنسية من أسباب انحطاط الأمم، وتدنِّي الثقافات، بل وهزائم الجيوش.

وتعد المحافل الصهيونية من أشهر الاتجاهات والنزعات الحديثة استثمارًا للجنس في شئون السياسة والصراعات والحرب. تلك النزعة التي يردُّها بعض المؤرخين إلى "شاؤول بن قيش" - قبل عصر السبي البابلي - وهو أحد أحبار اليهود الذين يعدّهم المؤرخ "جولويس هابر" المؤسسين الحقيقين للعقيدة الصهيونية اليهودية.

أمّا الصهيونية باعتبارها حركة سياسية فقد ظهرت ارهاصاتُها الأولى عام 1770م في كتابات "آدم وايزهاوبت" الذي حاول الربط بين الفِكر الماسوني والفِكر الصهيوني، وقد تأسَّستْ على شكل منظَّمة في أخريات القرن التاسع عشر، وعقدتْ أولَ مؤتمر لها في سويسرا عام 1897م، ثم ظَهَرَ كِتَابُ بروتوكولات حكماء صهيون عام 1901م على يد "ماثيو جولوفينسكي"، ثم قام "تيودور هيرتزل" عام 1904م، بوَضْع الخطوط الرئيسة للأيدولوجية الصهيونية.

والذي يعنينا في هذا المقام هو بنية المعتقَد الصهيوني الذي يمكن تلخيصه في (أن بني إسرائيل هم شعب الله المختار، وأن اليهودية هي الديانة الحقَّة، وأن المؤمنين بها لهم حق في سيادة العالم وانتزاعه من المغتصبين بشتَّى الوسائل، وأن أسفار التوراة ونصوص التلمود هما المَعِينُ الذي تُكتَسَبُ منه الشرعية لكل الأفعال والوسائل التي تمكِّنهم من السيطرة على العالم بأسْرِه).

ولمَّا كان الصراع هو القَدَر المحتوم، الذي يجب على الصهاينة انتهاجه؛ لتحقيق أهدافهم، فقد وجدوا - في التشكيك في العقائد والديانات، وزعزعة الثوابت الثقافية للأمم، والعمل على نشر الفوضى في المجتمعات، وإثارة روح الحقد، والبغض والكراهية بين الحكام، والتشجيع على الحروب - سبيلا لتحقيق أهدافهم، واتَّخذوا من المال والجنس والعنف آلياتٍ للتطبيق.

أما الأفعى - التي اتَّخذوا منها رمزًا في معظم محافلهم وأدبياتهم - فترمز إلى القوة والدهاء، وكيف لا وهى التي تلبَّسها الشيطانُ فوسوستْ لحواء لتُخرِج آدمَ من الجنة - وفقًا لنصوص التوراة - وهى صورة المرأة القادرة دومًا على إغراء الرجل وإيقاعه في شباكها وإخضاعه لرغباتها، وهى القبضة التي تحيط بالكرة الأرضية لتتحكَّم في مصائر أممها وشعوبها.

ولعلّ الأساطير العبرانية هى التي جعلت المحافلَ الماسونية تتَّخِذ من اللذة الجنسية سلاحًا رادعًا للترغيب والترهيب في آن واحد، ومن قضايا المرأة أداةً للتشكيك في أصول المعتقدات، وبثِّ روح التعصب والجمود في المذاهب الدينية، وليس أدل على ذلك من الاتهامات التي وُجِّهتْ إلى مريم أم المسيح، ذلك فضلا عن القصص الملفَّقة التي نُسجت في التوراة حول سِيَر الأنبياء في أسفار صمويل الثاني، الملوك، التكوين، الأمثال، القضاة، أرميا، حزقيال، هوشع. وطعونهم في سيرة النبي الخاتم ونسائه ومعاملته معهن.

والجدير بالإشارة في هذا السياق، أن معظم دوائر الاستشراق الصهيونية قد حاولتْ ضَرْبَ الإسلام من الداخل، وكان الشباب من الجنسين هو المستهدَف الأول، وذلك عن طريق إفساد الأذواق (الموسيقى الصاخبة، الأفلام التي تجمع بين العنف والإباحية، الصور العارية، والموضات، والظواهر الماجنة) بالإضافة إلى اللعب على وتر الرغبة الجنسية، التي يعدّونها من أكثر الموضوعات والقضايا تأثيرًا في الثقافة الإسلامية المحافظة - كما أشرنا - فراوحوا يحرِّضون الشبابَ في كتاباتهم على التحرُّر من الموروث الأخلاقي والقيمي والعَقَدي، الذي يميِّز بين الجنسَين في الملبس والسلوك في كل الميادين بحجَّة أن الإنسان المتمدِّن هو الذي يقود رغباتِه دون سُلطةٍ تراثية، أو عاداتٍ وتقاليدَ مستمَدَّة من الأديان، والرَّبط بين الحرية والمِثْلية الجنسية في مؤتمرات حقوق الإنسان؛ فالرغبة الجنسية فِعل إرادي يجب أن يمارسه الإنسان تبعًا لميوله وذوقه واحتياجه، وقد أسَّسوا بذلك ما نُطلِق عليه الاتجاه العلماني أو الليبرالي أو اليساري أو الوجودي أو الفوضوي.

أما الاتجاه الراديكالي الإسلامي، فقد دفعوه إلى التشدُّد والتزمُّت والكبت؛ بحجة أن الرغبة الجنسية هى الأساس الضابط والموجِّه للأخلاق. وعليه يجب عزل المرأة عن المجتمع؛ باعتبارها باب الداء؛ ومعاداة الفكر الأوروبي؛ باعتباره نتاج ثقافة إباحية فاجرة، والنظر إلى الجنس باعتباره شهوة حيوانية، إذا ما تمكَّنتْ من الفرد؛ جعلته عبدًا لها، الأمر الذي انعكس على كتابات كل الحركات الدينية المحافِظة، تلك التي أخرجت موضوعَ الجنس من ميدان البحث والعِلم، وألقَتْ به في سلَّة المُدنَّس والحرام، أضِفْ إلى ذلك، أن معظم الآراء - التي يردِّدها الاتجاه المحافِظ عن المرأة - مستمَدَّة من التلمود، بدايةً من اتهامها بالحمق والغباء ونقصان الدين، وعجزها عن الولاية والقيادة، وأنها في كل صورها أدنى من الرجل، بل أقرب إلى الحيوانات منها إلى البشر، وأنها مصدر للشر والدَّنَس، وأن مَهمَّتَها هي إمتاع الرجل جنسيًا، ولاسيما صغيرات السن، وانتهاءً بإباحة التلمود الكثير من الممارسات الجنسية الشاذة بين الجنسَين.

وقد أكَّدَ معظمُ علماءِ النَّفْس والاجتماع والأنثربولوجيا، على أن غياب الثقافة الجنسية في المناهج التربوية والدينية والأخلاقية في المجتمعات العربية أدَّى إلى تفشِّي العديد من الاضطرابات النفسية، والسلوك الشاذ بين الجنسَين، والإدمان، وزِنَا المحارم. ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل تطوَّرت آلياتُ الترغيب في الإباحية، والترهيب من الجنس، وذلك عن طريق أفلام الجماع، حيث خداع الفيديولوجيا الذي أصاب معظم الشباب بالإحباط عند محاولاتهم محاكاتها؛ فقادهم ذلك إلى تعاطي المنشِّطات والمخدرات، كما رغّبت المراهقين في كل أشكال الشذوذ الجنسي، ناهيك عن الممارسات الجنسية التي تجري في المجتمع الافتراضي من خلال شبكة الإنترنت.

وقد نجحت دوائر الاستشراق الصهيوني، عن طريق تلك الثقافة، في تقسيم المجتمع العربي الإسلامي إلى فريقَين: إباحي ومتزمِّت، وجعلت الرغبة الجنسيةَ حجر الزاوية في كل قضايا المرأة على وجه الخصوص، ومن أشهر المستشرقين الصهاينة المعنيين بمقارنة الأديان، هو المستشرِق الأمريكي "صمويل زويمر" (12 أبريل 1867 - 2 أبريل 1952) الذي ذهب في محاضراته إلى أن الهدف الذي تسعى إليه دوائر الاستشراق التبشيري الصهيوني والسياسي، منذ القرن العاشر الميلادي، هو التعرُّف على الآلية الفاعلة المتحكِّمة في سلوك الشباب المسلِم، وذلك لإفساده من الداخل، وتمزيقه إلى جماعات واتجاهات وفِرَق، وقد أدرك معظم الباحثين أن أيسر السُّبُلِ لإفساد الشاب المسلِم؛ هو إضعاف الوازع الأخلاقي، عن طريق تشكيكه في الثوابت التي يؤمن بها، أو دَفْعِه إلى التعصُّب للمتغيِّرات الدينية، مثل الآراء الفقهية، والعادات الموروثة، والمرْويَّات الضعيفة، والدلالات الظنيَّة للنَّصِّ، كما أضافوا أن القضايا الجنسيةَ - التي تبدأ بالحكم على المرأة وحقوقها، ووصفها بأنها عِلَّةُ الرذيلة والشرور، وأنها ناقصة عقل ودين، وأنها لا تصلح سوى للجماع - تُعَدُّ من أكثر الموضوعات إثارة للمتحرِّرين والمتزمِّتين معًا.

وهذا المنْحَى أقرب لما جاء في الاجتماع الأول للمحافل الصهيونية، الذي أقيم في سويسرا برئاسة "هرتزل"، وتحدَّد فيه أن مَهمَّةَ المحافل الصهيونية هى تمزيقُ الأمم إلى جماعاتٍ ومذاهبَ وشِيَع، وأحزاب متطاحِنة، واتخاذ من الممارسات الجنسية - بشتى صورها، والمنافسات الرياضية (الألتراس) - آليات لذلك، وعلى الرغم من تحريم التوراة والتلمود للمِثْلية الجنسية، إلا أننا نجد المحافل الصهيونية في العصر الحديث تشجِّع كل دروب الشذوذ الجنسي، ويؤكِّد ذلك رئاسة "ماجنوس هيرشفيلد" (1868م ـ 1935) لأول جماعة علمانية للشواذ جنسيًا، وقد نجحت مثل هذه الجمعيات في نَشْر أفكارها، التي تجعل من الرغبة الجنسية جزءًا لا يتجزَّأ من حقوق الإنسان والحريات الشخصية، الأمر الذي أجبر الكثيرَ من الحكومات الأوروبية على الاعتراف بزواج المثليين جنسيًا، وإنشاء كنائس ومعابد يهودية خاصة بهم. وفي عام 1988م أصدر الكينست قانونًا (بعدم تحريم ولا معاقبة) (يحول دون معاقبة) الشواذ من الجنسَين، وفي عام 1991م عُقِدَ في إسرائيل مؤتمرُ الشواذ الثالث.

وتضيف الباحثة اليهودية "دانييلا رايخ"، أنّ المحافل الصهيونيةَ قد اتَّخذتْ - من البغاء والدعارة والممارسات الجنسية الطبيعية والشاذة - أدواتٍ لاجتذاب الأنصار تارة، وإخضاع الخصوم لأهدافها تارة ثانية، وإفساد المجتمعات الدينية تارة ثالثة، والتجسُّس والتلاعُب في الملفَّات السياسية والأمنية تارة رابعة، والترفيه عن الجنود الإسرائيليين في الميدان تارة خامسة، الأمر الذي يبرِّر جعْلَ إسرائيل تجنيد النساء إجباريًا في الجيش منذ عام 1956م، وجَلْب أكثر من أربع آلاف فتاة سنويًا إلى إسرائيل للعمل بالدعارة، حتى بلغ عدد الداعرات المعتمدات فيها نحو عشر آلاف فتاة، وإلحاق الفاتنات من اليهوديات بجهاز الموساد حتى بلغت نسبتهن 20% من عدد العاملين به.

وتشير الباحثة إلى أن هذه الممارساتِ قد اكتسبتْ غطائًاً دينيًاً شرعيًاً بمقتضَى فتوى الحاخام اليهودي المعاصر "آري شافاط"، الذي ذهب إلى أن هناك قصصًاً من التوراة تحدَّثتْ عن نساء أغوين مقاتلين من الأعداء للحصول على معلومات قيِّمة، ومن ثمَّ فممارسة الجنس مع الأعداء أو الإرهابيين مباحة، ما دام الهدف منها الإيقاع بهم والحفاظ على أمن إسرائيل.

وقد استشهد الحاخام بقصة مضاجعة الملكة "إستر" مع الملك "أحشواريش" للإيقاع به، وافتراش "ياعيل" لقائد الجيوش الغاصبة "سيسري"؛ لاستنزاف أمواله ثم قطْع رأسِه. ذلك بالإضافة إلى نصوص التلمود التي جاء فيها: إن ممارسةَ الجنس مع الأعداء للسيطرة عليهم واجبٌ لحماية المجتمع الإسرائيلي اليهودي.

وقد صرَّحت "تسيبي ليفني" وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة بأنها مارست الجنس مع بعض القادة الفلسطينيين؛ لتسيِّسَهم تبعًا لأهداف إسرائيل، وأكَّدتْ أنها لم تفعل ذلك إلا بعد مقابلتها للحاخام الأكبر، الذي بيَّن لها أن ما سوف تفعله حلال وواجب، مادام في خدمة إسرائيل وأن تصويرها أثناء الجِمَاع لا يُعَدُّ فُحشًا؛ بل سلاحا يسلَّط على رقبة أعداء دولتنا.

وقد عملت "عليزا ماجين" منذ تولّيها منصب نائب رئيس الموساد الإسرائيلي على إقامة دورات علمية متخصِّصة لتدريب مَنْ يرغبن - من المجنَّدات في العمل الإستخباراتي؛ ليسهلَ عليهن الإيقاع بالعلماء، ورجال السياسة، والقادة العسكريين وغيرهم من الشخصيات ذات التأثير في المجتمع الدولي، موضِّحة أن الدعارة، أو ممارسة الجنس بكل أشكاله للإيقاع بالشخصيات المستهدَفة، بالترغيب، أو بالتهديد بعد تسجيل ما يحدث في غُرف النوم، لم يعد كافيًا، بل يجب تنمية مهارات ورفع كفاءة الغانيات بدرجة تمكِّنهن من جلْب المعلومات، أو غسْل الدماغ، أو القتل إن لزَمَ الأمر.

ومن المؤسف أن هذا السلاحَ (أي الرغبة الجنسية) أضحى مستخدَمًاً في معظم أجهزة المخابرات العالمية، ونعتقد أن البنية السردية السابقة لتوظيف الصهيونية للرغبة الجنسية في السياسة والدين؛ سوف تُعِين القارئ على التثبُّت من أنَّ جُلَّ الاتجاهات الراديكالية المتعصِّبة، وكذا الفوضوية المتحرِّرة؛ ما هى إلا ظلال أو عرائس تتحرَّك بخيوط، يحرِّكها حكماء صهيون المعاصرون، ولا ينبغي لأحد أن يسْخَرَ، أو يتهكَّم من هذا التأويلِ؛ لأن الواقعَ خيرُ شاهِدٍ لمَن له أعيُن ترَى وعقل يعي.

وللحديث بقيّة عن دور الرغبة الجنسية في إنشاء الفرق والديانات والنزعات الحديثة.

 

بقلم د. عصمت نصار

 

بليغ حمدي اسماعيلإنَّهُم يَذهبون إلى التصوف طوعاً، هذه هي حقيقة من يبحث عن معرفة الحقيقة، أو من يتماثل لفعل الإنسانية ويريد الجمع بين المعرفة والحقيقة بغير غموض أو شبه التباس، ومن أسرار التصوف أن الذين يعمدون الوصول إلى معارجه لا يتجرعوا مرارة الإخفاق وتعثرات النفس التي تصاحب الفشل في الحياة الاجتماعية، بل هو اختيار قصدي لا يعرف للتصنيف سبيلاً، أو مثلما يعاني إنسان ما متاعب الحياة ويتحمل عثراتها فيلجأ مباشرة صوب الاحتماء بأستار الدين كتوجه ظاهري فقط، أما أولئك الذين ذهبوا للتصوف ليس كطوق نجاة فحسب من فتنة الدنيا وكدرها فإنهم لم يغادروا الدنيا بمشاعرهم نحو نصوص السلف القدماء من أجل اجترارها بل تيقنوا أن بتصوفهم هذا يؤكدون إرادة تحقق العقل وكماله . بل إن معظم أقطاب الصوفية اعتبروا عن جهد وروية أن الإرادة هي جوهر الإنسان نفسه، وبمقتضاها يستطيعون إثبات وجودهم وكنههم، بل إن بعضهم طرح فكرة أن الإرادة هي سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مطلوبهم .

والصوفيون وهم يعلون الجانب الروحي ساروا في اتجاهين بغير اضطراب أو خلل؛ الأول اتجاه حب الحقيقة ليس كما أشار الفلاسفة اليونانيون بل فعل التحقق من الوجود، أما الاتجاه الثاني هو المعرفة في الوقت الذي ظن كثيرون أن التصوف وأهله مهمومون بالأقاصيص والحكايا والأساطير التي تكتفي بدغدغة المشاعر وتجنح نحو المشاعر فقط وتعمل على إثارة الجانب الوجداني لدى الإنسان . لذا كان بعض مهاجمي التصوف يشددون على جنوح بعض الصوفية ويركزون على قليل من شطحاتهم التي تنتفي مع الحال والمقام، وهذا ما دفع الكثير من الصوفية إلى تدعيم فكرة الإرادة التي تكبح جموح العاطفة المتأججة والتي تعلي من قدر الذوق وصولاً إلى الحدس والكشف .

وربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعراً أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة . وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالباً على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضاً أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات .

وإذا كان التصوف يعد ثورة روحية في الإسلام تتضمن عدة جوانب روحية كالفناء والإشراق والوجد والتوكل على الله، فإنه لم يغفل إعمال العقل وتدبره عن طريق فهم تعاليم الإسلام والوعي التام به، وإدراك حث القرآن الكريم على التقوى، ولنا أن نفرق دوماً بين لغتي التصوف الإسلامي الواردة في كافة نصوص المتصوفة وهي لغة الظاهر ولغة الباطن وخير دليل على تلك اللغتين كتابي الفتوحات المكية وفصوص الحكم لابن عربي . بجانب منهج المحاسبي في التصوف الذي عني بالمنطق والتحليل، وسعة الإدراك بين الأسباب ومسبباتها في تطور الحياة الروحية، وكذلك تحليله لأسس العبادة، يقول:: أساس العبادة الورع وأساس الورع التقوى، وأساس التقوى محاسبة النفس، وأساس المحاسبة الخوف والرجاء، والخوف والرجاء يرجعان إلى العلم بالوعد والوعيد، وفهم الوعد والوعيد يرجع إلى تذكر الجزاء، وتذكر الجزاء يرجع إلى الفكر والاعتبار". ويشير الدكتور أبو العلا عفيفي إلى أن الإمام المحاسبي عرف بهذا اللقب نظراً لطريقته في إخضاع الأعمال والأفكار للنقد والاختبار لمعرفة مدى صدقها ومراعاتها لحقوق الله، وتقتضي هذه الطريقة البحث عن معقولية العلم، كما تتضمن البحث في ماهية الإيمان والمعرفة .

وإذا تحدثنا عن الجوانب العقلية في التراث الصوفي الإسلامي فإن الرمز يعد أحد هذه الجوانب الأكثر حضوراً في نصوص المتصوفة، بل إن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبَّر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحياناً كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هرباً من الفهم الضيق وفقر التأوي الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدراً عالياً من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى . وربما أصاب مؤرخو التصوف الإسلامي حينما أشاروا إلى أن استخدام الصوفي للغة الرمزية جاء مناسباً للتعبير عن المواجيد والأحوال والمقامات التي لا تناسبها لغة اعتيادية كاجذب والاصطلاء والمحبة والوجد المطلق والفناء، في نفس الوقت الذي أشاروا فيه إلى أن استعمال الرمز قُصِدَ به الإشارة إلى حقائق روحية، وهذه اللغة الرمزية قد نالت من الصوفيين كثيراً حتى ألصق ببعضهم تهم الزندقة والخروج عن الدين .

والجانب العقلي في التصوف لا يقتصر بالبدهي على عالم المحسوسات وهو الملمح الأكثر شيوعاً عند فلاسفة اليونان ورجال المنطق الأرسطي خاصة، لكن عمل العقل لدى الصوفيين هو حراك ديدني لا يتوقف في الأمور الباطنية الروحية التي تصل بهم أو تساعدهم في الوصول إلى يقين للمعرفة، والمعرفة عندهم هو شهود للذوق والوجدان، وفي ظل الحديث عن العقل في التصوف الإسلامي نجد سجالاً واضحاً ومساجلات تزخر بها الكتب التي تناولت عن التصوف والتي تتحدث عن المعرفة وهي تتأرجح بين القلب والعقل، حتى خلصوا جميعاً إلى نتيجة مفادها أن القلب اسم جامع يتضمن العقل وعمله وتدبره وأن القلب لطيفة ربانية غير مادية يدرك بها الإنسان الحقيقة الوجودية، وميز الصوفيون وهم بصدد تناول طرائق القلب والعقل في الوصول إلى المعرفة واليقين حينما سموا إدراك العقل علماً وإدراك القلب معرفة وذوقاً وأطلقوا على صاحب الطريق الأول عالماً، بينما أطلقوا على صاحب الطريق الآخر عارفاً.

ولمحمد بن عبد الجبار النفري كلام بليغ دال حينما أفرد للمعرفة موقفاً في كتابه المواقف والمخاطبات، يقول في موقف معرفة المعارف: " أوقفني في معرفة المعارف وقال لي هي الجهل الحقيقي من كل شئ بي، وقال صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شئ وترى قوله ليس كمثله شئ هو أقصى علمه ومنهى معرفته " .

ويقول أيضاً النفري في موقف معرفة المعارف: " وقال لي لمعرفة المعارف عينان تجريان عين العلم وعين الحكم، فعين العلم تنبع من الجهل الحقيقي وعين الحكم تنبع من عين ذلك العلم، فمن اغترف العلم من عين العلم اغترف العلم والحكمة، ومن اغترف العلم من جريان العلم لا من عين العلم نقلته ألسنة العلوم وميلته تراجم العبارات فلم يظفر بعلم مستقر ومن لم يظفر بعلم مستقر لم يظفر بحكم " . 

ويعتير القرن السابع الهجري هو قرن المعرفة والعقل بالنسبة للتصوف الإسلامي، حيث بلغ حديث العقل في النص الصوفي يبلغ شأناً كبيراً، وكما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إلى، التصوف في ذلك الوقت اتخذ بعداً نظرياً أوضح وأعمق مما كان عليه من قبل، وربما السبب في ذلك الشهود العقلي في سياق النصوص الصوفية هو تأثر التصوف الإسلامي بالكثير من التيارات الفكرية المنتشرة في ذلك الزمان في العالم الإسلامي .

مَنْهَجُ التَّصَوُّفِ و القَلْبُ السَّلِيْمُ

يرى أقطابنا من أهل التصوف في الإسلام أن حق الانشغال هو أن تنشغل بالله ذكرا وعبادة وطاعة، ويرون أن تمام الانشغال بالله مستقره ومستودعه الاستئناس والأنس واستدامة الطمأنينة، وهذا المقام يتحقق لذوي الوصل إذا ما استهدفوا قلوبهم بقطع العلائق والشواغل التي طالما أفسدت القلب بمثالب الحقد والغل والحسد وغمط الناس وازدياد العجب بالنفس التي تحض الإنسان على الاستغراق التام في الشهوات كالطعام والنكاح وحب المال، أو تلك النفس المستغرقة في الغيبة والنميمة والفجور في الخصومة . وإذا انشغلت بالله وحده لا شريك له كان الإقبال الإلهي عليك بدوام الذكر وراحة الطاعات، ونعيم العبادات وملازمة القرآن بغير انقطاع متصلا بلذة التلاوة وبصيرة التدبر

مَلامِحُ سَلامَةِ القَلْبِ:

وحينما تجاهد نفسك بقطع الشواغل والعلائق عنها تكون أيها العبد الراغب في الوصل والمحبة قد قطعت نصف الطريق، وبقي النصف الآخر متعلقا بالقلب الذي ينبغي أن يكون أكثر صفاء ونقاء، وهذا الصفاء تمام معنى السلامة التي جاء ذكرها في كتاب محكم أمين، يقول رب العزة والجبروت (إلا من أتى الله بقلب سليم) (سورة الشعراء ـ آية 89 )، قال سعيد بن المسيب: "القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض" ، يقول الله تعالى (في قلوبهم مرض) (سورة البقرة آية 10)، و قال ابن عثمان النيسابوري في تفسيره للقلب السليم: "هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة "، فالله لا يقبل إلا قلبا سلم من الكفر والشرك أولا، ثم قلبا جاء بعيدا عن شره الدنيا حتى يكون هذا القلب على استعداد مطلق ليقين الإيمان وتلقي أسرار الحكمة .

أما ابن عاشور في تفسيره للقرآن الكريم فيشير إلى القلب السليم بأنه الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي . وضدُّه المريض مرضاً مجازياً، والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم .

أما الإمام السعدي فيرى أن المقصود بالقلب السليم الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعا لما جاء عن الله.

وسلامة القلب أي صحته من الرذائل التي بالضرورة قد توقع بالمرء في شرك أكبر كان أم أصغر كالرياء والنفاق والموالاة، والسلامة للقلب تعني أيضا فراغه من كثرة الكلام في غير ذكر الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسولنا وحبيبنا وسيدنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم): " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكره الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " (رواه الترمذي) .

ولاشك أن هناك قلوبا كثيرة أوصدت أبوابها عن الحق وأصبحت بمنأى عن الاستقامة والهدى، ولكن من رحمة الله بعباده المؤمنين المسلمين أن جعلهم على حالة وصال دائمة بالتقوى والهداية، ففي حديث البخاري عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط أي نفر قليلون، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد لم يصدقه بشر، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ! ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم لعلهم قوم عيسى، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك " (مسند الإمام أحمد) .

والتصوف الإسلامي يقدم منهاجا رائعا لسلامة القلب في سياج رصين من القرآن الكريم والسنة والنبوية العاطرة، سلامة تصل العبد بربه وتجعل غاية العارف وجود معروفه كما سئل أبو يزيد البسطامي عن درجة العارف، فقال: " ليس هناكدرجة، بل أعلى فائدة العارف وجود معروفه " وسئل بماذا يستعان على العبادة ؟ فقال: "بالله، إن كنت تعرفه" ويقول عن العارف "من عرف الله فإنه يزهد في كل شئ يشغله عنه".

وإبراهيم بن أدهم صاحب الشخصية الأشهر في تاريخ التصوف وفقا لقصة توبته ذائعة الصيت والذي تركزت أقواله وآراؤه في الزهد حول مراقبة النفس وترك الدنيا والحزن على ما فاته من الطاعات يشير إلى أن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطيَ السكينة والوقار، والعلم الراجح والعقل الكامل . وإذا أردت أيها العبد الطائع إلى ربك أن تكون ذا قلب سليم فالتواضع توجيه أول لعظمة الله، وهي صفة كما يقول ذو النون المصري تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه؛ لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته .

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

عامر عبدزيد الوائليإذ كانت خطة الهيمنة: (الاقتصاديّة والسياسيّة والإعلاميّة)، تقوم على ضرب الاقتصاد، ولكنه ليس ضرباً للقمة العيش كما يتوقع البعض، فالتطور الاقتصادي العالمي، قد عزز إمكانيّة توافر الغذاء البسيط لأغلب الشعوب؛ إذا لم يتمّ استهدافه من قبل الاقتصاد، وهو اقتصاد الرفاهيّة الذي باتت شعوب المنطقة يتوقون له بتعطش شديد، هو اقتصادا لكم آليات والتطور المدني والحضاري. ومن هنا جاءت الأطروحة التي نحاول التوقف عندها، هنا العلاقة الرابطة بين الإعلام والاستهلاك، كما تمظهرت في النتيجة المتمخضة عنهما انها "ثقافة الاستهلاك"، والتي تحوّلت إلى سلوك يظهر بشكل واضح واتجاها تشتى في الثقافة والاجتماع.

وهذا يدفعنا إلى تأطير مقالنا في إننا نحاول أن نقارب ثلاثة أبعاد في الإعلام نجدها متقاربة بل متضامنة معاً، وهي:

الأول: أخلاقيات الإعلام ورهانات الواقع المعاش .

الثاني: صناعة الجهل جزء من إلهاء الناس .

والثالث: الإعلام ودوره في صناعة الاستهلاك وثقافته.

ومن الممكن أن نضع لها ثلاث كلمات مفتاحيّة تجعلها تبدو أكثر تقارباً وهي: (أخلاقيات الإعلام)، و(صناعة الجهل)، و(ثقافة الاستهلاك) .بالتأكيد هذه الكلمات قد تدفع المتلقي إلى إثارة مجموعة من الأسئلة المترابطة بين تلك المفاهيم .

ما هي الرابطة بين الأخلاق الإعلاميّة والجهل والاستهلاك؟ لاشكّ أنّ الرابط كبير بين غياب المعايير القيميّة عن المؤسسات الإعلاميّة يجعل منها مجرد مؤسسات تحاول أن تخدم قيم نفعيّة، وهذا هو هدفها الأول ولابد ساعتها من التآزر بين الجهل المصطنع والاستهلاك .

طبعاً هذا السلوك المجتمعي وما يقدمه من منظومة قيم ترتبط بالإعلام؛لأنه النبع الذي يخلق إشكالها على صعيد السلوك والممارسة، فالإعلام أصبح يمتلك حضوراً كبيراً في تخليق السلوكيات الفرديّة عبر خلق أشكال من السلوك وإشاعتها والتي من المعتقد أنها قائمة على إثارة النزوات والعواطف والتلاعب بها من أجل دفعها إلى تقليد نماذج اجتماعيّة من المشاهير كـ(أبطال كرة القدم أو الممثلين أو غيرهم من المشاهير) وقد حوّلهم الإعلام الاستهلاكي إلى نماذج صالحة للتقليد والاقتداء بها على صعيد الاستهلاك والاقتناء .

الأول: أخلاقيات الإعلام ورهانات الواقع المعاش .

العلاقة بين الأخلاق والإعلام علاقة أصيلة في الثقافة المعاصرة، إلا إن هناك تبايناً، فإذا كانت الأخلاق تنتمي إلى عالم الفلسفة والمثال، فإنّ الإعلام منخرط في عالم الواقع؛ فإذا كان هذا يبدو وكأنه تباين واختلاف بين الواقعي والمثالي؛ إلا أنّ القول بالفصل بينهما يجعل من الإعلام أداةً بين السلطة سواء أكانت السلطة السياسيّة أم رأس المال ، ساعتها يتحول الإعلام إلى أداة باطشة لصالح النظم الحاكمة ورأس المال، وأن يكون وسيلةً لتزييف الوعي أو هيمنة الخطاب السلعي الاستهلاكي في ظل هيمنة رأس المال، بدلاً من إنارة العقل، وترسيخ الاستبداد بدلاً من إشاعة الحريّة والديمقراطيّة.

ومن هنا ضرورة أن يكون "علم الأخلاق" هو علم يبحث في المثال، وما يجب أن يكون؛ سعيًا للارتقاء بعالم الواقع، وما هو كائن بالفعل.

وهناك من يريد أن يستبدل الأخلاق بالقانون بوصفه قريباً من الواقع فهو " يحاول أن يعالج الواقع عبر مجموعة قواعد التصرف التي تجيز حدود العلاقات والحقوق بين الناس والمنظمات، وتحددها، والعلاقة التبادليّة بين الفرد والدولة؛ فضلاً عن العقوبات لأولئك الذين لا يلتزمون بالقواعد المؤسسة للقانون". لكن هذا لا يكفي فلابدّ من وجود الأخلاق وهي بمثابة القانون فهي منوطة بالضمير؛ فالقانون يخاطب الظاهر والعلاقات الماديّة، بينما الأخلاق تخاطب الباطن والدوافع النفسيّة .

ومن ناحيَة ثانية فإن الترابط بين الإعلام وبينَ الأخلاقيات المهنيّة، ويتبين هذا الارتباط عن طريق الدور التربوي والتثقيفي الذي يؤديه الإعلام كونه جزءاً من وظائفه العامة والشاملة، لذا تمثّل الأخلاقيّات بصفة عامة إحدى الأبعاد المهمّة في مفهوم التربيَة والثقافة، إذ تدخل الأخلاقيّات المهنيّة في مجالي التربية والثقافة، وذلك من خلال غرس القيم المثاليّة والأخلاقيّات المهنيّة؛وقضاياها في المجتمع، وترجمتها الى سلوكيّات تمارس في الحياة، أي بتحويل الأخلاقيات إلى ثقافة سلوك داخل المجتمع.

ومن الممكن النظر إلى أخلاقيّات المهنة في الإعلام التي تكون بحاجة إلى تدريب حتى يكون الإعلامي بعيداً عن التحيز ودقيقاً في توصيفاتهِ الإعلاميّة؛ من أجل توافر التوازن في القضايا والآراء وعلى العكس من مجموعة واسعة من الآراء واستكشاف وجهات نظر متعارضة وضمان عدم إغفال أي فكرة مهمّة من أن تمثّل. من خلال السماح بحق الرد. وانطلاقاً من هذه الجنبة الأخلاقيّة يبدو أن العلاقة بين الأخلاق والإعلام علاقة عميقة؛ وهذا على العكس من رأي النقاد الذين يدّعون الفصل بين الاثنين؛ أمّا دعاة الوصل فيجدونهما مترابطين للأسباب الآتيَة:

الأوّل :أن الأخلاق من صفاتها: العموم والشمول، إذ من الصعب أن نجد مجالاً يمكن أن نقول عنه إن الأخلاق لا تشمله، ولا تعرف عليه سلطانًا.

الثاني:أن الإعلام تمتد خيوطه لتنسج علاقات متينة مع جميع فئات المجتمع والمراحل العمريّة المختلفة لأفراده؛ وما لم يرتبط الإعلام حينئذ بالأخلاق فإنّ نسيج المجتمع وقيمه سيكونان مهددَين بالانهيار من دون شك!

أمّا السبب الثالث، فهو أنّ صناعة الإعلام ترتبط بشكل كبير بالسلطة الحاكمة، وبخاصة في عالمنا العربي، وإذا تُرك الإعلام من دون أخلاقيّات وضوابط تنظم مساره، فإنه سيكون مطيّةً للنظام الحاكم وبوقًا له، إذ لا يقل تأثيره في تزييف الوعي عن سوط هذا النظام وبطشه المادي!

فمراعاة الجانب الأخلاقي ضروريّة؛ لكن أيضاً من الضرورة التمييز بين الرأي والواقع. وهذا يقتضي مناقشة الأمور بسلاسة وحياديّة على أساس المساواة والحياديّة.لكن مع التغيرات التي جاءت إلى الإعلام وما أثير من إشكاليات نحن في هذا المقال بصددها؛ إذ أصبح نطاق الاهتمام بأخلاقيات الإعلام أكثر اتساعا مع ظهور الإعلام الجديد ودخول أطراف جديدة ومؤثرة في المحتوى من عموم مستعملي الشبكة من غير الإعلاميين. وما يجري على الصعيد العالمي إذ يتم التلاعب وإعادة إنتاج كل شيء؛ فإذا ما نظرنا إلى صناعة الصورة، والصوت، والكلمةعلى أنها من فعل الفاعل الإيديولوجي الذي يمضي ليمارس أفكاره وأهواءه، في حقوله المفتوحة على قابليّات لا حصر لها في ظل تغول "الميديا" المعاصرة فهي الجسم التكنولوجي الذي تتحرَّك الأيديولوجيا من خلالهِ. وما ينطبق على ثنائيّة الأيديولوجيا والإعلام يصح كذلك على ثنائيّة الأخلاق والإعلام (وما دام الخطاب – والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك – ليس هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة وحسب؛لكنه هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها). (ميشيل فوكو، نظام الخطاب، 10.)؛ فهذه السلطة التي طوّعت المعرفة والتقنيّة من أجل فرض هيمنتها على الإعلام وجعلت منه أداة تغيير في السياسة، والاقتصاد، والفكر، والفن، والثقافة، بل أصبح لديها في حربها الناعمة هو محورها ومحركها ومحرَّضُها، في ما تختلقه وما تحوز عليه إذ يعبِّر عن رغبتها العميقة في تقنيات الاستحواذ والهيمنة .وهي تتخذ من آليات التجهيل وفرض القيم المغلوطة والمتدنية في المستوى المادي والفكري من أجل غواية الجمهور وإثارة غرائزه ثم اتخاذ هذه الإثارة والإقبال وارتفاع المشاهدة والمتابعة، بوصفه دليلاً للنجاح بحد ذاته . ( والتر ريستون، القضية والسيادة) حتى أصبحت تلك الرؤية كما تتجلّى في المسابقات والألعاب المتلفزة التي تلوح بإغراء الحصول على المال بسهولة؛ وصولاً إلى الأخبار التي تخضعنا إلى تأمل كوارث العالم بغباء؛مروراً بأفلام الصور المتحركة اليابانيّة، وهي كلها تنحو بانتهازيتها التجاريّة إلى جعل الجمهور كالأطفال، من دون تقديم ما يساعدهم على فهم نهاية الألف الثانية إلا بالجرعات التي تعالج الداء بالداء وبعد الحاديّة عشرة ليلاً (أي الأفلام الإباحيّة) . (روجيه غارودي، ثقافة اللامعنى).

أين كل هذا مما يقوله الخبراء في الشؤون الإعلاميّة إنّ الصحافة هي رسالة قبل أن تكون مهنة، وهي أداة مهمّة في بناء القيم المجتمعيّة السليمة؟

اعتقد إنّ هيمنة الخطاب الإعلامي الاستهلاكي وخطابه العنيف بكل أشكاله الاقتصاديّة والسياسيّة يجب أن لا يجعلنا نخفق في تشخيص الخطأ بل من الضرورة التأكيد على إن الإعلام يجب إن يكون مرآةً صادقةً في طرحها وتناول موضوعاتها، الأمر الذي قاد إلى منحها لقب أو تسمية(السلطة الرابعة) لما لها من دور مؤثر في بلورة الرأي العام وتوجيه اتجاهات المجتمعات وخياراتها، ولعل هذا يحيلنا إلى النقطة الثانية.

وهذا يقتضي إحداث ثورة في أخلاقيات الإعلام. لماذا نحتاج تغييراً جوهرياً في أخلاقيات الإعلام وليس العودة إلى القواعد الأساسيّة؟ على الرغم من أنّ العديد من الناس يتقبّلون حقيقة ثورة الإعلام؛ولكنهم ينكرون ما يستتبعه هذا الواقع، أي ثورة في أخلاقيات الإعلام.

رؤيّة جديدة لطبيعة أخلاقيات الإعلام. ثم أخلاقيات تطبيقيّة تحكم الممارسات الإعلاميّة.ثم أخلاقيات الإعلام العالمي، أي المبادئ والمعايير يجب أن تتعرف علىعالميّة الوسيلة الإعلاميّة وتحددها من حيث الوصول إليها والتأثير بها.

الثاني: صناعة الجهل جزء من إلهاء الناس

في ظل التحولات العلميّة الكبيرة التي جاءت بها الحضارة العالميّة في مجالات متنوعة والتي تمثل تحولاً كبيراً وناجحاً وثمة أيضاً تحول آخر في توظيف تلك المعارف إلى أهداف أخرى قد لا تكون أخلاقيّة بقدر ما هي معطوفة على استعمال واسع للتضليل والخداع وإن كان هذه المرّة تقوم بتوظيف المعرفة وملحقاتها من أجل غايات مفارقة برغماتيّة .

إذ يظهر التضليل كمصطلح مهيمن يصف سلوكيات ما، تدخل في صناعة الجهل تقترن كلمة "تضليل" في المعجم العربي بالشرّ والباطل. وورد في لسان العرب لابن منظور في مادّة (ضلل) "التضليل تصيير الإنسان إلى الضلال، والتضلالُ كالتضليل. ووقع فلان في وادي تُضُلِّلَ وتُضَلِّلَ أي الباطل. ويقال للباطل: ضُلٌّ بتَضْلال... ومُضلَّلٌ: لا يُوفّق لخير أي ضالّ جدّا. (شيللر(هربرت)، المتلاعبون بالعقول) .

فهذه يولد القناع المخادع الذي له آليّة في الصناعة المعرفيّة التي تعتمد من أجل تصنيع سلعي إعلامي، حتى بات الجهل والتضليل سلعة يوميّة تُنشر وتُساق على الجمهور، من حكوماتٍ وشركاتٍ وأصحابِ نفوذ.

إذ أنّ الصناعة تقوم باختلاق وقائع وقناعات مخادعة مصنوعة بحرفيّة من أجل التضليل والخداع والتجهيل .بل هي توجد رمز ووقائع تحل محل الواقع وتصبح ما فوق الواقع .فهي بالواقع ليست حقيقة بل اللا-حقيقة المطلقة، هي قناعها كما يرى بورديو. (مقدمة المترجم، جان بودريار، المصطنع والاصطناع)، وهذا الفعل القائم على توظيف المعرفة من أجل الهيمنة والتضليل فعل يستثير ثقافة المقاومة والوعي، التي بالضرورة تفترض بنا إن نبذل جهود ذاتيّة ووعياً يبحث عن الحقيقة بعيداً عن العاطفة والأمنيات. ولهذا سوف نحاول تعريف: (الوعي، الجهل إدارة الفهم):

أما الوعي Cognition: فهو كلمةٌ تدلُّ على ضمِّ شيء. وفي قواميس اللغة العربيّة وَعَيْتُ العِلْمَ أعِيهِ وَعْياً، ووعَى الشيءَ والحديث يَعِيه وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أَوْعَى من فلان أَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ. وبهذا فإن الوعي هو الفهم ومعرفة الشيء، وهو نقيض الجهل والأسلوب الأعظم في تحديد الجهل وتجريده من آثاره وممكناته المنفلتة، حتى لو كان مصدره طاغيّة أو ممّنْ يتباهى بجبروتهِ الأخرق.

أمّا " الجهلُ" Agnotology وهو نوعان: أحدهما جهل يصنعه الإنسان لنفسه، ويسمى الجهل الذاتي، والثاني جهل مفروض على العقل، أو ما يُدعى بـ ( التجهيل)، فهو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق عِلْميّة رصينة؛ الجهل يدرس غرس ثقافة الجهل أو الشك أو الوهم، ويجري من خلاله نشر بيانات خاطئة أو مخَطَئة أو غير كاملة.

فالجهل عنصر مضاد للعقل، بينما الوعي كلمة تعبر عن حالة عقليّة يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي إذ يمثل الوعي عند العديد من علماء النفس الحالة العقليّة التي يتميز بها الإنسان بملكات المحاكمة المنطقيّة، والوعي بأمر ما يتضمن معرفته والعمل بهذه المعرفة.

أمّا إدارة الفهم Perception Management: فهي عبارة عن نشر المعلومات أو حذف لمعلومات؛ لأجل التأثير في تفكير الجمهور والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح.، ولأنّ النشر والحذف يتطلّبان أساليب دقيقة ومعرفة تامة بعلم النفس والسلوك والإدراك. فإنّإدارة الفهم تعني: التجهيل المنظم أي علم الجهل وهو العلم الذي يدرس صناعة الجهل، ونشرهِ بطرق علميّة رصينة.

وبالآتي علم الجهل أو التجهيل أو هندسة الجهل أو إدارة الفهم كلها تقنيّات في اصطناع الحقائق المزيّفة فن المخادعة والتضليل من أجل غاياتٍ متنوعةٍ.

هندسة الجهل وعكسها (إدارة الفهم) تهدف لإشاعة الحيرة والشك والخداع بهدف تحقيق مكسب أو بيع سلعة أو نشر الجدل لاستنزاف طاقة البشر، جميع الدول أو المؤسسات اليوم، تريد أن تمتلك المعرفة ومصادر المعلومة، فالمعرفة قوّةٌ ومكانةٌ وجدارةٌ، وهي سلاح فعّال يضاهي أفتك الأسلحة وأقواها .

بعد توصيف المفاهيم الثلاثة يبدو إن الأمر قد كانت بدايته في التسعينات إذ يمكن اعتبارها بداية ظهور هذا الشكل من العلوم المخادعة أي الجهل أو إدارة الفهم وكانت هذه البداية مع شركة التبغ والتي تحاول نتائجهاأن تربط بين التدخين والسرطان وآثار التدخين على الجسم فكان لهذا أثره المدمّر في مصالحها لهذا قامت بالدعاية المضادّة إذ أخذت ترد بآليات الجهل السابقة الذكر وخصوصاً إدارة الفهم إذ اعتمدت في دعايتها على علماء: (الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع) من أجل إثارة الشكوك حول البحوث العلميّة، بل الأمر وصل إلى تزييف الوعي بدعم علوم زائفة .

أمّا على صعيد السياسة فقد استثمرت بعض السلطات المهيمنة عالمياًلتلك التجربة من أجل استثمار الممكنات العلميّة وإدارة الفهم من أجل الهيمنة فقد تم تضليل الرأي العام والزج به في الحرب العالميّة الأولى سابقاً وغزو العراق لاحقاً، بما كان يُعرف بالـ Creel Commission.هذا التضليل استراتيجي ومُمنهج بحسب أساسيات علم الجهل، وفي كتابه "معجم التضليل الإعلامي" خلص فرانسوا جيري إلى تعريف جامع لمصطلح التضليل الإعلامي، فهو: (مؤسسة جماعيّة لصياغة رسالة مفتعلة وتركيبها ونشرها، والهدف الرئيس من ذلك هو خداع المتقبل المستهدف من أجل تحقيق مكسب من الاستخدام الخاطئ الذي من المتوقع أن يقوم به)، (السنوسي (ثريّا)، أخلاقيات الصحافة في المشهد الإعلامي السمعي المرئي الخاص في تونس)، هذه الأطروحة تستند على قنوات ثلاث: (بث الخوف لدى الآخرين، إثارة الشكوك، وصناعة الحيرة).

القناة الأولى: بث الخوف لدى الآخرين/ وليس هناك أنصعُ مثالاً من الحكومات في تجسيد مبدأ إثارة الرعب لدى المواطنين لتمرير مصالحها وأجندتها. فتارةً، يتم صنع أعداء وهميين لتحشيد الرأي العام، وتارةً يتم ترعيب الجمهور بالقدر المظلم إذا لم يشاركوا في هذه المعركة تلك، وكأن الأرض ستفنى من دون هذا " الهجوم المقدّس ". لا غريزة بشريّة تنافس غريزة حب البقاء، ولذا من الممكن أن تبيع السمك في حارة الصيادين عندما تهدّد أمنهم وبقاءهم!

أما إثارة الشكوك فهو ثاني أعمدة التجهيل، ويتم توظيفه غالبا في القطاع التجاري والاقتصادي، وهذا بالتحديد منهج لكثير من الشركات. فبعد هبوط مبيعاتها بنسبة 25%، بدأت شركة كوكاكولا العالميّة بدفع ما يقارب 5 ملايين دولار لباحثين أكاديميين لتنفيذ مهمة تغيير فهم المجتمع حول أسباب السمنة، وذلك بتقليل دور المشروبات الغازيّة في انتشار السمنة وتوجيه اللوم إلى عدم ممارسة التمارين الرياضيّة! هذه " الأبحاث المدفوعة " يتم نشرها لإثارة الشكوك في ذهنيّة الفرد حتى يعيد تشكيل موقفه بما يتناسب مع أجندة هذه الشركات.

صناعة الحيرة: لأن كثرة المعلومات المتضاربة تُصعّب من اتخاذ القرار المناسب، إذ يدخل الفرد في دوّامة من الحيرة حتى يبدو تائهاً وجاهلاً حول ما يجري، ويزيد العبء النفسي والذهني عليه، فيلوذ بقبول ما لا ينبغي القبول به، طمعاً في النجاة من هذه الدوامة، وهذه تحديدا هي الغاية!

والثالث: الإعلام ودوره في صناعة ثقافة الاستهلاك

المقاربة هنا مكملة لما سبق وبهذا تكتمل أضلاع المثلث بهذا الضلع إذ تبقى الغاية التي هي حاضرة دائماً في المقاربات السابقة؛ فالتبضيع مضاد لما هو أخلاقي قوامه (الزهد والعقلانيّة والفضيّة) وان كان جزء من الاستبداد والتجهيل وخلق فاقة ثقافة تشجع على الاستهلاك والمجتمع الاستهلاكي كغائيّة نهائيّة وهي المخاطرة في الثقافة الاستهلاكيّة التي يسعى النظام العالمي الجديد إلى تعميمها: أولاً، ارتباط الهوس الشرائي أحياناً بالجانب اللاوعي .وثانياً، مظاهر الإنفاق والاستهلاك التفاخري القاتل .وثالثاً، التّداعيات الاجتماعيّة والنفسيّة لتفشي ظاهرة الاستهلاك في المجتمع والتي تتمثل في ارتفاع منسوب الحقد الاجتماعي، وتمزق الروابط الاجتماعيّة، والشعور المستمر بأنّ التملك هو أساس الحراك الاجتماعي . ورابعاً هذا يتعاضد مع القيم الاستهلاكيّة المترابطة مع القيم النفعيّة المتبقيّة التي تسهم فى إشاعة سلوكيّات شاذّة تتقاطع مع الخلق القويم .في مواجهة هذا التنظيم الذي تقوم به وسائل الإعلام خامساً لابد من دور تقوم به المؤسّسات والتربويّة والثقافيّة والإعلاميّة في مقاومة الإدمان على الاستهلاك والتبذير.

وجدنا أنّ غياب المعايير المهنيّة الأخلاقيّة لدى المؤسسات الإعلاميّة يجعل منها صانعة وداعمة باتجاه ثقافة الاستهلاك في عصر العولمة والفضاء المفتوح .وقد أسهمت تلك المناخات في نمو الثقافة الاستهلاكيّة وانتشارها، أنها أصبحت أكثر رواجاً وانتشاراً حين دخل العالم إلى مرحلة إلغاء الحواجز بين الشعوب وبناء سوق عالمي موحد أخذت من خلاله السلع المنتجة بوفرة دلالات رمزيّة تتجاوز بذلك قيمتها الماديّة لتكتسب قوّة تدفع نحو صهر العالم استهلاكياً ودمجه ثقافياً متجاوزة بذلك الجوانب الثقافيّة والتقاليد الاجتماعيّة للشعوب.و لم يعد الاقتصاد وحده هو المدخل الرئيسي لفهم سلوك المستهلك، فلقد أصبحت النزعة إلى الاستهلاك عنصراً ثقافياً مؤثراً .و الإعلام الحديث بما يملكه من التقنيّات الإعلانيّة ووسائل الدعاية المتنوِّعة، خلق تناسباً طردياً ما بين المستهلك وتدفق السلع إعلامياً . وباتت عمليّة التأثير الاستهلاكي في الأفراد والمجتمعات خاضعةً لمعايير معرفيّة يتحكم فيها من يمتلك وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال الحديثة والذكاء التقني .

إنّ امتلاك الشركات متعددة الجنسيات لتقنيّة المعلومات ووسائل الاتصال مكَّن هذه الشركات على إعادة تشكيل أذواق المستهلكين وترغيبهم في السلع المنتجة.. ودفعهم نحو نزعات استهلاكيّة لا حدود لها. فالإنفاق على سلعة برّاقة ملمعة لا يعني شيئاً للمستهلك المخدوع بقدر ما يعني له البحث عنها أو شرائها مهما كان سعرها حباً للتباهي والظهور أمام الأقران أو بحثاً عن مكانة اجتماعيّة مفقودة أو تعطشاً لتميز يحلم به .

وقد أصبحت عمليّة الترويج لثقافة الاستهلاك صناعة في غايَة الدقّة والسهولة في الوقت نفسهِ؛ نظراً لاعتمادها على وسائل متنوِّعة وشيّقة تحرِّك رغبات الشعوب وتثير في وجدانهم مشاعر الرغبة؛ لاقتناء السلع بصورة عشوائيّة.. لهذا قامَت فلسفة تأثير الاستهلاك في سيادة مفهوم المنافسة.وبالمقابل نجد المراقبين لهذه الظاهرة بين من يذهب إلى تبسيط الأمور مؤيداً الاكتفاء بترك الصحافة التي تعمل على راحتها في العصر الإعلامي الجديد ثم التصحيح إن لزم الأمر، ومن يذهب إلى التنظير والفلسفة إلى أبعد الحدود، داعياً إلى تغيير جذري في عادات العمل وقواعدهِ بما يواكب ثورة الإعلام، يُعدُّ موضوع أخلاقيات الصحافة والإعلام من أكثر القضايا المهنيّة جدلاً في أوساط ممارسي المهنة ومدرسيها والعديد من المعنيين . ويبلغ الاختلاف في طريقة التعاطي مع أخلاقيات الإعلام في العصر الجديد وجوهاً عدّة منها: إمكانيّة دفع المؤسسة الإعلاميّة أموالاً للحصول على معلومات حصريّة أم لا. ويترّدد هذا المعيار كثيراً على ألسنة الإعلاميين والمطالبين بدور أكثر . ويبدو هذا الدور القائم على توظيف الإعلام من أجل إشاعة ثقافة الاستهلاك ويتعاضد مع ثقافة الاستبداد والهيمنة وهما ينتجان التضليل الإعلامي وثقافة التجهيل وهندسة الجهل فالهدف المشترك واحد هو المنفعة والاستهلاك من دون حدود .التي ارتبطت: بالهوس الشرائي أحياناً وبالجانب اللاوعي .و مظاهر الإنفاق والاستهلاك التفاخري القاتل، التداعيات الاجتماعيّة والنفسيّة لتفشي ظاهرة الاستهلاك في المجتمع والتي تتمثّل في ارتفاع منسوب الحقد الاجتماعي، وتمزق الروابط الاجتماعيّة، والشعور المستمر بأن التملك هو أساس الحراك الاجتماعي. تعميق القيم الاستهلاكيّة المترابطة وإشاعتها مع باقي القيم النفعيّة التي تسهم في إشاعة سلوكيّات شاذّة تتقاطع مع الخلق القويم .

 

ا.د.عامر عبد زيد الوائلي

مركز التفكير النقدي

 

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

لقد وَرَد ذكر الخُلود في الكثير من الديانات والطوائف القديمة، ففي الحضارة الفرعونيّة وديانة المصريين كان الأعتماد بشكل كبير على فكرة الخلود التي عمّقت لديهم الشعور بالمجد والحرية والتميّز، خصوصاً أولئك الذين يمتلكون حالة سامية في الفكر والوعي.

ولعلّ أبرز ما يميّز الديانات المصرية القديمة أنّ لها أكثر من آلهة، كل واحدة كانت تمثّل الأقاليم الفرعونية، كالإله حور لإقليم شمال الدلتا، والإله ست لإقليم جنوب الدلتا. وأما (رع) فهو إله الشمس وهو الأله الرسمي للحضارة الفرعونية الموحّدة، وإن جميع الألهة للديانة الفرعونية القديمة إنكا، إنّما هي محاولات لفهم حقيقة الوجود والخلود أكثر من فهم ومعرفة الإله نفسه، لذلك مضى الفراعنة في عملية تحنيط الموتى من أجل عودة الروح أو ما أسمَوه القوّة الشاردة من الجسد لتحتلّ مكانها في الأجساد المحنّطة وفي اي زمن آخر لترجعها إلى الحياة مرة أخرى.

وأمّا الديانة الهندوسية فقد كانت تُؤمن بفكرة الخلود وأنّ الأرواح تُخلّد بعد فناء الجَسد، لتبدأ بالأنتقال من جسد الى آخر. ففي نصوص الاوبانيشاد (800-500 ق.م) وهو أهم النصوص التي تشرح فكرة الديانة الهندوسية في كتاب الفيدا، حيث تشير الى أنّ الحياة الدنيا إنما هي فترة من الزمن داخل جسد هذا الكائن أو ذاك. والبراهما في الديانة الهندوسية هو خالق  الكون بل وروحُهُ وجوهرُهُ ، وهو الثَّالوث ، الذي يتألَّف من "براهما": (الخالق) و"بشنو": (الحافظ) و"سيفا": (المُغْنِي)، وأمّا اتمان فهي الذات الفردية (النفس). وعليه فما جاء في اللاهوت الأحادية ووحدة الوجود الهندوسي كمدرسة أفايتا فيدانتا فإن الآتمان لا تنفصل عن البراهمان، وبالتالي يطلق على هذه المدارس الاثنائية، ففي عقيدة الكارما حيث التناسخ والوحدة والمساواة بين أتمان وبراهما، فإن أتمان ومن أجل الوصول الى مرحلة التناسخ والتحرر لابد له من الأرتقاء الى مستوى الوعي الكلّي للبراهما من خلال العزوف عن الترف الدنوي والسير في طريق الزهد والارتقاء بالوعي المعرفي من أجل بلوغ المعرفة الكليّة المُوصِلَة الى حالة انعتاق الذات من انغلاقية البدن، وليبلغ حالة ذوبان الذات (اتمان) في خالق الكون وموجهه وهو البراهما، ولتُصوّر حالة الاتحاد والذوبان هذه كالنهر الذي يصب في البحر.

ويَعتقد أصحاب الديانة البوذية بأن الخلود هو المصير الحقيقي، وأنّ الإنسان بعد موته يبدأ بمرحلة إعادة ولادته الى الحياة الدنيا مرة أخرى وعلى هيئة أخرى. والبوذيون يرون في الحياة عذاب وألم إذا ما قورنت بالراحة الأبدية لروح الإنسان بعد الموت وذلك حينما تكون أعماله حسنة، أمّا إذا كانت سيئة فإن روحه بعد الموت ستعود ويُحرم من الخلود والسير الى ما يُسمى بالنيرفانا والتي هي وصف لحالة التيقظ التي تَخمُد معها نيران العوامل التي تسبب الآلام كالشهوة، والحقد، والجهل، فلا يحدُث التخلص التام للكارما (عواقب الأفعال) الّا عند بلوغ مستوى النيرفانا، فالنيرفانا اذن هي مستوى الوعي المعرفي وحالة الأدراك التي من خلالها يتخلص الانسان من كل الكارما الخاصة به، ليصل عند الموت الى ما يسمى النيرفانا الكاملة، والتي تمثّل خاتمة سلسة متعاقبة من الموت والولادة يبلغ من خلالها الانسان أعلى مراتب الكمال من بعد ما يبدأ فيها الانسان برؤية حقيقة ذاته وليبدأ بتسلّق سلّم الكمال عن طريق ممارسة الزهد والتنسّك، فيصل في نهاية المطاف الى النيرفانا الكاملة.

وأمّا في الفكر الإغريقي فقد كان للخُلود شكل آخر، فرغم أنّ المدارس الفكريّة الإغريقية كانت متعددة ولكنّ أعظمها شأناً وأعمقها فكراً هي فلسفة أفلاطون؛ إفلاطون الذي يعدّه الفيلسوف الإنجليزي وايتهايد (Whitehead) في مقاله  Process and Reality: An Essay in Cosmology عام 1929 أنّه المؤسس الحقيقي للفلسفة الغربية، حيث كان يرى جميع الفلاسفة الغربيين وما كَتَبوا إنّما هي هوامش وحواشي وتعليقات لكتابات أفلاطون الفلسفيّة.

افلاطون هو صاحب نظريّة المُثل، والتي كانت مُنسجمة مع العديد من الديانات، فقد قَدّم هذه النظريّة بناء على الرؤى الغير مُنسجمة بين الفيلسوف بارمنيدس الذي يرى العالم عبارة عن وجود غير متغيّر، والفيلسوف هيرقليطس الذي يرى العالم بحالة من التغيّر المُستمر خصوصاً حينما قال قولته المعروفة: (أنك لا تستطيع الاستحمام في نفس النهر مرتين!!)، فكان لأفلاطون نظرة فلسفية تجمع بين الرأيين، وهي التي أسماها بالمُثل والخلود، وفيها قدّم الوجود بطبيعتين مختلفتين، الأولى عالم روحاني، خالد، مثالي، كامل، بعيد عن التغيير ولا يتأثّر بالزّمان وهو من صنع الخالق، وأمّا العالم الثاني فهو الذي نعيشه، وهو واقعي، متغيير، غير متكامل، يخضع للزمان، ملئ بالآلام والشرور. والجسد الأنساني ينتمي الى العالم الواقعي المتغيير، أمّا الروح فتنتمي الى عالم المُثل، العالم الأبدي، الذي لا يتأثر بالزمان. لقد كانت هذه النظرية هي المُرتكز والأساس والأنعطافة نحو الفكر الميتافيزيقي الإغريقي والذي أضاف الى الفلسفة الشيء الكثير.

وفي ديانات وادي الرافدين هناك تأكيد لوجود الآلهة كما ذُكر ذلك في أسطورة اتراخاسيس وأسطورة التكوين البابلية. ومن أجل بلوغ الخلود، فقد تمّ رسم صورة لعالم الأبدية اللامتناهي من خلال الملحمة الأسطورية السومرية الشعريّة كلكامش والتي تُصوّر رغبة الأنسان وميوله نحو الخلود، رافضاً المَصير الذي كان بانتظاره، فبدأ بالبحث عن الخلود. وهو عينه الذي سمّاه المصريون سخت عارو وهو ملتقى الأرواح والنعيم الأزلي.

وللبحث تتمّة في الجزء القادم إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

 مجدي ابراهيم(7): قبل التطرّق إلى ما هو أعمق من الكلمات، تجدر الإشارة إلى الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز؛ وذلك لأن ما هو أعمق من الكمات مجازٌ باللغة وتجاوز لها، فماذا يكون الفرق بين ما هو حقيقة وما هو مجاز؟

الفرقُ بين لَفْظيِّ الحقيقة والمجاز: هو أن "الحقيقة" فكرة مجرَّدة، قد تبلغ الغاية في تجرَّدها من المحسوسات، ولكن مادة الكلمة تُستَخْدم للدلالة على ما يُلمس باليد ويقع تحت النظر المحسوس؛ فيقال "انحقَّت" عقدة الحبل أي انشدَّت، وحقَّ بلغ حافة الطريق؛ فالحقيقة "فعيلة" من حق الشيء بمعنى ثبُت، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة. وفعيل في الأصل قد يكون بمعنى "الفاعل" وقد يكون بمعنى المفعول؛ فعلى التقدير الأول يكون بمعنى الحقيقة الثابتة، وعلى التقدير الثاني يكون معناها المثبتة. والحقيقة كما يُعرفها عبد القاهر الجرجاني:" كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع (أي في مواضعةٍ) وقوعاً لا تستند إلى غيره"؛ وهو تعريف يصدقُ كما يقول على كل لغة الأمر الذي يدل معه على أن قوانين هذا العلم عقلية عامة؛ فكما أن أرسطو وضع في كتاب "الخطابة" قوانين بلاغية عامة يمكن أن تطبق على العربية وغير العربية؛ كذلك فعل عبد القاهر فأقتنع بما عند أرسطو.

أما المجاز؛ فهو مُفْعَل من الجواز الذي هو التعدِّي، كما يقال جُزتُ هذا الموضع: أي جاوزته وتعديته، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع وهو راجع إلى الأول؛ لأن الذي لا يكون واجباً ولا ممتنعاً يكون متردداً بين الوجود والعدم؛ فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا.

والمجاز من جاز المكان أو جاز به غير معترض، ويُقال هذا جائز عقلاً أي غير ممتنع ولا اعتراض عليه، وهذه كلمة مجازية، أي يمكن أن تنطلق في هذا المعنى، أو أنها تحتمله مع معناها الأصيل. وكلمات: انطلق، وامتنع، واعترض، واحتمل، أمثلة أخرى لاقتران المعنى الأصيل والمعنى المنقول؛ فكلها تستخدم للمحسوسات وغير المحسوسات. ومادام هنالك علاقة منعقدة - كما أشار عبد القاهر الجرجاني - بين الكلمة في أصل معناها وما نقلت إليه كالشجاعة في الأسد؛ فإنها تعدُّ مجازاً.

وللمجاز قرائن مانعة من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون عقلية، وقد تكون حسيّة، وقد تكون عادية، وقد تكون شرعية، فلا تختص قرائن المجاز بنوع من هذه الأنواع دون الأنواع الأخرى، ولابد من وجود العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة. والعلاقة هى اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له، وذلك الاتصال أمّا باعتبار الصورة، كما في المجاز المُرسل، أو باعتبار المعنى كما في الاستعارة، وعلاقاتها المتشابهة وهى الاشتراك في معنى مطلق. وإجادة استعمال المجاز في اللغة هى التي تميز بين النظر الفاسد المعطوب وجلي النظر ودقيقه.

ولهذه المبادئ تفاصيل لا حصر لها في كتب البلاغة واللغة إن في القديم أو في الحديث، وينقل شوقي ضيف عن ابن تيمية في كتاب الإيمان: " أول مَنْ عُرِفَ أنه تكلم بلفظ المجاز هو أبو عبيدة معمر بن المُثني في كتابه (مجاز القرآن)، ولكن لم يَعْن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَي بمجاز الآية ما يُعَبِّر به عن الآية" (البلاغة تطور وتاريخ: ص 29).

                                                                          ***

 وظاهر من تجلية الفروق الفارقة بين الحقيقة والمجاز أننا نعوّل على الثاني دون الأول في مسألة تقدير الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ فيما عساه يعرف بما وراء اللغة؛ ليعني فتح اللفظ لدينا أنه لا توجد علاقة ضرورية تربط اللفظ بالضرورة بمعناه (الظاهري) أو دلالته الحسية، لكنما الأمر كله اصطلاح ممَّا يتفق عليه الناس أو يصطلحونه ويتواضعونه. ومن ثمَّ؛ صارت اللغة من حيث الوظائف والأهداف والمرامي، تُعرَّف تعريفاً وظيفياً أو غائياً، كأن يُعرِّفها ابن جنيّ في خصائصه:" أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم".

والإشارة هنا إلى أن اللغة اصطلاحية لا توقيفية. وفكرة توقيفية اللغة تبنَّاها أغلب الأشاعرة ومفادُها أن الله قد أوحى إلى الإنسان الأوّل، وأوقفه على أسماء الأشياء كلها، بكل اللغات، مباشرة أو بواسطة، بعد أن علَّمه النطق، والدليل على ذلك قوله تعالى:" وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىَ المَلَائِكَةِ"، وقد نجد نفس الإشارة لدى الصوفية رغم توسّعهم في دلالات المجاز، إذْ قال ابن عطاء فيما يرويه القشيري:" إنّ الله تعالى لما خلق الأحرف جعلها سراً له، فلما خلق آدم عليه السلام بثَّ فيه ذلك السِّر، ولم يبث ذلك السّر في أحد من ملائكته. فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلها الله صوراً لها. وصرح ابن عطا القول: بأن الحروف مخلوقة، وقال سهل بن عبد الله:" إنَّ الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعلٌ في مفعول".

ونحن نلاحظ على نصّ القشيري ملاحظتين إحداهما شكلية والأخرى جوهريّة. أمّا الأولى وهى الملاحظة الشكلية الخارجة عن موضوعنا: وهى أننا نجد محقق الرسالة يكتب في الهامش عند اسم ابن عطاء؛ أنه واصل ابن عطاء المعتزلي، وهو خطأ لا يدل على دُربة ولا خبرة، بل هو أبو العباس بن عطاء (ت 309هـ) أحد الصوفية الكبار الذين صحبوا الجنيد البغدادي، وأبي عبد الله بن خفيف، وأبي القاسم النصر آباذي، وفارس الدينوري والحلاج، ولو رجع المحقق لعبد القادر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق"؛ لعرف أن المقصود هو أبو العباس بن عطاء، وليس واصل بن عطاء المعتزلي.

أمّا الملاحظ الجوهرية في الموضوع؛ فهى أن الله كرم آدم عليه السلام تكريماَ لم تنله الملائكة حينما خلق الحروف فجعلها سّراً له تعالى، لكنه بث ما خلق فيما كرَّم، واختص آدم بهذا التكريم فعلمه الأسماء كلها، فهذا تشريف من قدره وهو كذلك تكريم؛ إذْ لم يبثّ في أحد من ملائكته هذه الأحرف. أما قول سهل بن عبد الله: إن الحروف لسان فعل لا لسان ذات؛ لأنها فعل في مفعول"؛ فهو فيما يَتَبَدَّىَ لنا أن الحروف مخلوقة للفعل، ومن أجل الفعل، أي من أجل الخلافة وتعمير الأرض. فكأنما الإشارة تقول من بعيد إن الله جعل آدم خليفة بمقتضى ما كرَّمه بخلق الحرف؛ لأن خلافة الأرض تقتضي الفعل، والفعل لا يتحقق بغير الحرف، إذْ الحرف تنوير للفعل: فاعلية ذوقية محضة وأداة للمعرفة والتنبه والإدراك والفهم ثم العمل من أجل هذا ووفق هذا.

ومَنْ فَقَدَ أداة الذَّوْق فَقَدَ البصر بالحَرْف، وفقد معه البصيرة على تذوق اللغة.

فالحرف إذن فعل في مفعول، فعل من الله في آدم، وهو محض تكريم. هذا ما توحيه لنا إشارة سهل بن عبد الله التُّسْتّري في عبارته تلك. وعلى النقيض من هذه الفكرة، فكرة توقيفية اللغة تأتي فكرة أن اللغة اصطلاحية كما تبنَّاها ابن جنّي وغيره من علماء اللسان العربي.

يعني فتح اللفظ لدينا مرة ثانية، البلوغ بمجاز اللغة إلى ما بعده: إلى شلل التفكير والتعبير، إلى ما بعده، إلى "العَمَى اللفظي والمعنوي"، في اتحاد التجربةِ بالمَقولةِ، وَالحَالةِ بالخطاب؛ أعني "العَمَى اللغوي"؛ لو صَحَّ هذا التعبير، إلى درجة يحدث فيها صمت مطبق يعجز عنه التفكير فضلاً عن التعبير، إلى ما هو "أعمق من الكلمات".

ونقطة الانطلاق في هذا: الإيغال في المجاز، بل قلب اللغة من طريق المجاز: قلب القالب وتحوِّل العبارة من المدرك المألوف إلى ما ليس فيه ألفْة. ولا غرابة، فكل مجاز ليس إلاّ تجاوزاً؛ بمعنى أن اللغة فيه تجوِّز نفسها؛ لأن الواقع الذي تفصح عنه يجوِّز نفسه عَبْرها ومن خلالها؛ فيتجاوز المرء المعاني القريبة المرئية إلى ما بعدها؛ ليصلنا المجاز بالبعد الآخر للأشياء، أعني بعدها اللامرئي، ومن ثمَّ كمنت شعرية المجاز في لا مرجعيته، على اعتبار أنه ابتكار وتجديد يتولد من طاقة داخلية باطنة؛ كـأنه بداية دائمة؛ ولا ماضي له. وهو، بوصفه طاقة تجديد لتوليد الأسئلة، يُجدِّد الإنسان في الوقت نفسه، فيما يجدِّد الفكر واللغة والعلاقة بالأشياء؛ إنما المجاز حركة نفيّ للموجود الراهن بحثاً عن وجود آخر.

هنا يَخْلِقُ المجاز عالماً من التجربة، يتجاوز اللغة كما يتجاوز الظاهر، ويهدم اللغة كما يهدم الظاهر، ويحيا من أجل الحياة في الباطن الكوني حين "يُموِّت" الظاهر الاجتماعي بمختلف مستوياته وعلاقاته، ولا غرابة كذلك، فإنّ أحد مظاهر انحطاط اللغة في العالم الحديث عَزْلها عن تجربة السامع والقارئ والكاتب ثم هيمنة لغة الظاهر عليها بالأعراف والمصطلحات.

إنّما للفظة العربية شاعريتها الموصولة بسليقة اللغة الشاعرة. وسليقة اللغة الشاعرة مسكونة بالمجاز، هى التي تجعل السامع العربي يسمع التمثيل المشهور في قول القائل: "رأيتٌ أسداً في الحِمَام !" (والحِمَامُ: قضاء الموت وقدره، والحُمامُ الرجل القوى الذي يَحمي الآخر)؛ فلا تتمثل لـه غير صورة البطل الشجاع كما يكون الإنسان المتصف بالبطولة والشجاعة.

ولا نزاعَ في أن سهولة استخلاص المجاز الشعري من "الألفاظ المحسوسة" لهى السليقة الشاعرة التي يُحَارُ لها أبناء اللغات المحرومة من هذه المزيَّة، فيختلط الأمر على نقادهم؛ فيما يقول الأستاذ "العقاد"؛ ويحارون كيف يوفقون بين الصور التي تنقلها إليهم الألفاظ المسموعة وتبقى في أذهانهم وأخيلتهم لاصقة بأجسامها المنظورة أو الملموسة بلا فكاك من قيود المُعْجَمَات. وبهذه السليقة الشاعرة تتصل المفردات اللغوية بأشكالها المحسوسة أو تنفصل عنها ولا تبقى لها في النهاية غير معانيها المجازية؛ لأنها مفردات في لغة شاعرة يعمل فيها الخيال والذَّوْق كما تعمل فيها الأبصار والأسماع.

وحين يستمع العربي إلى التشبيه لا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلاّ ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه. فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة، وكل رسوم قد تتنقل عنده إلى حروف تتألف منها كلمات. ومن أجل ذلك؛ سُميت اللغة العربية بلغة المجاز؛ لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى ما فوقها إلى حيث المعاني المجرَّدة.

ومن أجل ذلك أيضاً؛ لم يكن من المقبول أولاً، على كل ما تقدَّم، أن يظل الناظر في اللغة عند حدود الظاهر فقط دون أن يفتح من اللفظ ما من شأنه أن يَتَّسع لورود تلك المعاني؛ ليتجاوز اللفظ إلى ما ورائه، وليعْبُر من خلاله حدود المرئي المحدود إلى ما لم يرْ بالحواس ويلمس باليد ويقع تحت طائلة النظر المحسوس.

ولم يكن من المقبول ثانياً أن نقيِّد الألفاظ، فيما تشير إليه، بواقعها الحسيِّ وكفى، بغير أن يكون وراؤها طاقة مشحونة بالمعنى والدلالة، وإلاَّ صارت لغو كلام وفضول بطالة. لكنما اللفظ المفتوح عندنا يتخطى الواقع ويتجاوزه ويعلو عليه ليَنْفتح بدوره على اللَّاواقعي، وعلى اللانهائي في داخل الإنسان بُغية اكتشاف ما في طاقاته من تَعلقُّات بحقائق الباطن الكونيِّ.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

معراج احمد الندويإن الوعي هو الفهم والإدراك للأشياء والأمور والوقائع وتفاصيلها والأسباب الكامنة وراءها، والأحداث التي صاحبتها في إطار من المفاهيم والمقاييس والقناعات. الوعي هي حالة عقلية ونفسية يكون فيها المرء بحالة إدراك لذاته ولمحيطة الخارجي، الوعي هو إدراك الأحوال المعاصرة والعوامل المؤثرة في المجتمعات والقوى المهيمنة على العالم والأفكار المنتشرة وتصور السبل للعيش من خلال ذلك وكيفية تحقيق مشروعه ورسالته في ضوء كل تلك المعطيات. يتنوع ويتوسع الوعي في العديد من المجالات الاجتماعية والفكرية.

إن الأفكار في أي أمة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها الأمم والشعوب في حياتها، إذا كانت أمة ناشئة، وأعظم هبة يتسلمها الجيل من سلفه، إذا كانت أمة عريقة في الفكر المستنير، والأفكار هي وجود عملية التفكير عند الأمة في وقائع حياتها بأن يستعمل آخرها في جملتهم ما لديهم من أفكار يبدعون باستعمالها في الحياة، فينتج عندهم من تكرار استعمالها بنجاح طريقة تفكير منتجة.

وقد وردت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم التي تحض عل التفكير بقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾1  وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ ﴾2  وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾3

وقال سبحانه وتعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾4  وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾5

لقد خاطب القرآن الكريم العقل وحض على التفكير في الكون والحياة والوقائع والأحداث التي تجري حول الإنسان. فالتفكير المطلوب لا بد أن يكون مستندا لأساس فكري أو قاعدة فكرية حتى يكون تفكيرا منتجا، والذي يبدأ بالأحساس بالواقع احساسا فكريا، بكون الفكر مصدرا له، وليس هو مجرد الشعور بالواقع فيتجاوب معه الإنسان من غير نظر أو تفكير أي احساسا ناتجا عن فهم ومعرفة وادراك في إطار ما لديه من مفاهيم وقناعات ومقاييس، وهذا هو المكون للوعي الفكري.

إن مجرد فهم وادراك الواقع لا يكفي لإيجاد الوعي الفكري، بل لا بد من فهم وادراك المعالجات لهذا الواقع. والتفكير بالواقع سواء بتغييره أو تحسينه أمر ضروروي للإنسان والحياة، لأن التغيير هو الحركة والحركة هي الحياة، إذا توقفت الحركة تتوقفت الحياة، لذا كان لا بد لكل أمة من التفكير بتغيير الواقع والعمل على تغيير أحوالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾6

إن الوعي الفكري عبر الخطاب القرآني يتطلب فهم وادراك وتفنيد الأفكار والوقائع بحسب واقعها وموضوعها. لقد رسم الخطاب القرآني المنهج لتشكيل الوعي الفكري الجماعي للأمة، فالسير على منهج القرآن في العصر الحاضر يقتضي امتلاك الوعي الفكري.

إن الإسلام جاء مقيما وضابط للحياة البشرية، ولقد وضع القرآن الكريم أمثل الطرق التي يستطيع الإنسان أينما كان على مراحله الزمنية أن يسلكها، واليوم ما أصاب المسلمين من ضعف فكري، وما طرأ على الأذهان من ضعف فهم الإسللام وفقدان الأمة للوعي الفكري. والأمة الإسلامية لا ترتقي للمكانة التي أرادها الله لها إلا إذا اتبعت المنهج كما حدده القرآن الكريم في خطابه للأمة لامتلاك الوعي الصحيح على مبدأها وكيفية مواجهة الأفكار الأخرى.

إن الوعي على ما يدور من حولها وما تقوم به الأمم الأخرى من أعمال ما تتخذ من مواقف، فالأمة التي لها رسالة تحملها وتدعو إليها فهي أمة واعية متحركة نشيطة، لها أفكارها ومفاهيمها وقناعاتها، أما الأمة التي لا رسالة لها، فهي أمة ميتة تخلو من الوعي الفكري، ولا تدرك ما يدور حولها.

الوعي الفكري هو صمام الأمان للأمة ولحملة الدعوة في مواجهة موجات الغزو الفكري والثقافي. والأمة الإسلامية بعد أن سارت فترة من الزمن مبتعدة عن أفكارها ومنقطعة عن طريق تفكيرها في واقع الحياة، ضعفت أفكار الإسلام الصحيحة في نفوس أبناء الأمة مما أدى إلى الضعف الذي طرأ على الاذهان في فهم الإسلام ودب فيها الضعف الفكري.

إن الوعي الفكري الذي رسمه القرآن الكريم هو الوعي الذي يقوم على المبدأ الإسلامي وعلى فساد المبادئ الأخرى هو الذي يدفع لإقامة المبدأ الصحيح، وفيه كل معروف وإزالة المبادي الفاسدة وكلها منكر، وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا الشكل الراقي، قد حدده القرآن الكريم للأمة الإسلامية في زمان ومكان. وهذا لا يتأتي إلا بامتلاك الوعي الفكري كما رسمه القرآن الكريم.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا - الهند

.........................

الهوامش:

1- القرآن، سورة البقرة رقم الآية 219

2- القرآن، سورة روم رقم الآية 8

3- القرآن، سورة روم رقم الآية 21

4- القرآن، سورة يونس رقم الآية 24

5- القرآن، سورة رعد رقم الآية ٣

6- القرآن، سورة رعد رقم الآية 11

 

لقد وجد القانون منذ ان وجد المجتمع الانساني المنظّم. وعلى الرغم من فقدان كم لا يستهان به من نصوصه لكننا نستطيع ان نتأمل ونتساءل حول نوع القانون الذي اعتمده اسلافنا الاوائل. ولم يكن هنالك أي قانون مدوّن حتى ظهور الكتابة. والتي تركت اثار لا تمحى وسجل يستطيع المؤرخين المعاصرين اعادة بناء المؤسسات القديمة التي عاشت في تلك العصور. إذ تم اختراع الكتابة في حدود نهاية الالفية الرابعة قبل الميلاد في الشرق الادنى القديم وبذلك نجد ان هذا حدث وبعده بفترة تمتد الى مئات السنين ظهرت السجلات القانونية الاولى المعترف بها. وبناء على ذلك، يعدّ الشرق الادنى القديم موطن اقدم قانون معروف في العالم حيث انه يعود الى السجلات القانونية الاولية للحضارات القديمة الاخرى فيما عدا الشرق الاقصى المتمثلة في الهند والصين.

ومن ناحية اخرى يمثل الشرق الادنى القديم مهد نظامين قانونيين هما القانون العام والقانون المدني (حسب تصنيف القوانين في الوقت الحاضر). ويعدّ ذلك نواة القانون الحديث بصورة عامة الذي ترك اثاره وكان له الكثير من التأثيرات المرئية من الاثار المقدسة التي بقيت بعد انهيار الحضارات القديمة الا ان اثرها العميق بقي في عقول صنّاع القانون في الغرب والى يومنا هذا. وفي الحقيقة، نجد ان الترابط غير مباشر من خلال الانظمة الكلاسيكية للقانون العبري والاغريقي والروماني كما ان اثر هذه الانظمة في القانون الحديث وتقاليده معروفة جدا ويعتبر ارثا لحضارة قديمة تتضمن القانون الكلاسيكي والذي بدأ يظهر ثانية في الوقت الحاضر. ويمتاز قانون الشرق الادنى القديم في جميع الاحوال بنظام قانوني واحد وهو نتاج مجتمعات عديدة بلغات مختلفة وحضارات مختلفة ومزدهرة في فترة ما واندثرت بعد ذلك وحل محلها حضارات اخرى عبر الاف السنين والتاريخ الذي بين ايدينا يمثل اول محاولة لعرض مسح وتحليل شامل لقانونهم وهو نتاج عمل دؤوب لفريق من الباحثين يبلغ عددهم 22 باحثاً.

يغطي هذا التاريخ منطقة تقع من الناحية الجغرافية فيما يطلق عليها في الوقت الحاضر بالشرق الاوسط وهو موقع يمتد من ايران الى مصر ويتركز في قوس من الاراضي التي تعرف بالهلال الخصيب ويبدا بأول سجلات قانونية من بلاد سومر في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وينتهي في حدود نهاية القرن الرابع قبل الميلاد بعد غزو الاسكندر وجعل الشرق الادنى القديم جزء من العالم القانوني الاوسع للفترة الهيروغليفية – ان مثل هذه الاختلافات في كمية ونوعية المصادر يمكن ان تؤدي الى تقسيم دقيق للأنظمة القانونية وكما هي الحال في التاريخ القانوني الكلاسيكي او الحديث فان هذه المهمة ليست بالسهلة ويتناول كل فصل من الفصول معالجة مصادر من منطقة جغرافية امتازت بمصطلحاتها السياسية او الحضارية اكثر من المعاير الشكلية للنظام القانوني السائد مثل النظام العسكري. ويرتكز التقسيم حسب التسلسل الزمني على معاير سياسية او حضارية معروفة لدى المؤرخين او بكل بساطة لتوفر الارشيفات. وان الحاجة الى الاستمرارية والتواصل في المصادر تعني ان تاريخ الاحداث ليس ممكنا حيث ان هنالك العديد من اللقطات او سلسلة من اللقطات مبعثرة بصورة عشوائية في الزمان والمكان يمكن جمعها.

وضمن اطار كل فصل من الفصول تم تقسيم الموضوع الى فصول قانونية تغطي جميع الجوانب الاساسية والتركيبة للنظام القانوني باستثناء القانون الدولي التي تمت معالجته في فصول مستقلة وكذلك آلية العدالة مثل الادارة والمحاكم والقواعد القانونية التي تطبق من قبل هذه المؤسسات لفض المنازعات. وضمن اطار هذه الثوابت، تم تقديم كل القواعد القانونية سواء أكانت حقيقية ام مثالية. اما مسألة التطبيق العملي فقد تمت مناقشتها في هذه المقدمة وكذلك في الفصول اللاحقة.ومن جهة اخرى تم الاخذ بنظر الاعتبار المؤسسات التي لم تعتبر جزء من الانظمة القانونية الحديثة مثل المحاكم الالهية وكذلك الاجراءات الاثباتية العقلية حيث ان هذه الظواهر تعتبر جزء من الية العدالة الاعتيادية في هذه المجتمعات. ومن ناحية اخرى تم استبعاد القانون المقدس وبعبارة اخرى القواعد القانونية التي تعالج الطقوس العبادات والمهرجانات والعلاقات بين البشر والاله ماعدا ما يلقي الضوء على القانون غير المقدس وطالما ان الخارطة السياسية لهذه المنطقة كانت عرضة لتغيرات عديدة عبر السنوات الطويلة فقد اعتمد المؤرخ نظام التسلسل الزمني وذلك بتقسيمها الى مناطق حسب المدن في الامبراطورية الروسية وبلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ومصر وان هذا التقسيم تم استعماله هنا لجمع الفصول جغرافيا وتقسيمها الى ثلاثة اقسام بحيث انها تتزامن مع ثلاثة حضارات رئيسة وهي بلاد الرافدين وبلاد الاناضول والشرق الادنى سوريا وفلسطين ومصر، وثم ترتيب الفصول حسب التسلسل الزمني مع ربط المجالات الحضارية الرئيسية في كل من هذه الالفيات الثلاثة. ولا يعتبر التقسيم اصطناعياً بصورة كلياً طالما ان نهاية الالفية الثالثة والالفية الثانية شهدت فتور في تدفق السجلات وتبع ذلك تغيرات حضارية وسياسية كبيرة ومن ناحية اخرى فان نهاية الالفية الثالثة اتسمت بانتقال المملكة القديمة في مصر وذلك في نهاية السومريين كقوة حضارية في بلاد الرافدين. وشهدت نهاية الالفية الثانية ظهور قوى عظيمة هيمنت على المنطقة بما في ذلك التدمير الشامل للامبراطورية الحيثية لكي يحل محلها في الالفية الاولى تعاقب دول كبرى وهي بلاد اشور وبابل وفارس. ومن الناحية الحضارية تعتبر الالفية الاولى شاهدا على الظهور التدريجي للارامية كلغة واضحة وانتشار انظمة الكتابة الجديدة وذلك في الكتابات الابجدية في غرب اسيا وفي مصر.

وبصورة عامة يغطي هذا المسح معظم الانظمة القانونية بالاستناد الى اللغات المختلفة والى الحضارات والانظمة السياسية التي انتشرت عبر فترة زمنية تقدر ب (3) الاف سنة تقريبا ويعكس كل فصل الخبرة الخاصة ومنهج المساهمة الفردية ولكن في الوقت نفسه نامل بان النظام المعياري للتقسيم سوف يمكّن القارئ من اجراء مقارنة للمؤسسة القانونية عبر الانظمة المختلفة والفترات المختلفة.

وعلى ضوء هذا التنوع والحاجة الى التواصل يمكن ان تتساءل فيما اذا كان الشرق الادنى القديم يعتبر منتدى ملائم لهذا النوع من التخفيف الفكري سواء كان ذلك تقسيما فرعيا متجانسا في تاريخ القانون البشري فهل من الممكن الحديث عن قانون الشرق الادنى باي اطار ذا معنى؟

وحسب وجهة نظر المؤلف انه على الرغم من ان فكرته لا يشاطرها كل المؤرخين في الشرق الادنى القديم وحتى المساهمين في هذا وفي هذا الجزء فان الطبيعة المستقلة للانظمة المختلفة تعكس تواصل مهما في المفاهيم القانونية الاساسية عبر الالفيات الثلاثة. ومن دون الرغبة في التركيز والذهاب بعيدا عن النماذج التاريخية الحديثة مثل انتشار القانون الروماني او القانون العام الانكليزي وسوف نناقش ذلك كله وكل انظمة الشرق الادنى القديم التي تعود وبدرجات مختلفة الى الثقافة القانونية العامة والتي تختلف ربما كما هو موجود في الوقت الحاضر وعلى اقل تقدير فانها تشارك علم الوجود القانوني : وهي طريقة النظر الى القانون التي تعكس نظريتهم للعالم وتحدد افق صانع القانون. والمسألة هنا تتعلق بالناحية الاساسية لطبيعة المصادر القانونية القديمة.

وضمن صياغة تاريخ القانون نجد ان مصطلح (المصدر) له معنيين اثنين. ومن الناحية التاريخية يشير المصدر الى السجلات المدونة والتي يستطيع المؤرخ من خلالها الحصول على دليل للقواعد القانونية والمؤسسات القانونية. ومن وجهة النظر القانونية فان المصدر يشير الى المعايير المدونة وغير المدونة والتي منها تستقي المحاكم سلطتها من اجل اتخاذ قراراتها. (ففي القانون الحديث نجد التشريعات والمعاهدات وغيرها). ومن وجهة النظر التاريخية تعد المصداقية هي الاختبار الدقيق لنفاذ المصدر. وهكذا فان من الضرورة بمكان ان نعتبر المصادر في كل وجه من وجهتين النظر المذكورتين وهي السجلات التاريخية والسلطات القانونية.

ورد الكم الهائل من سجلاتنا من بلاد الرافدين على شكل الواح طينية مدونة باللغة المسمارية. ويكمن سبب ذلك في الظروف التي يتم فيها فخر هذه الالواح الطينية وجعلها مادة معمرة ومستديمة وعلى عكس ذلك فان تدمير المدينة بواسطة الحرق سوف يساعد على الاحتفاظ بهذه الالواح الى ان ياتي دور علماء الاثار لينقبوا عنها وقد تم التنقيب عن عشرات الالاف من السجلات القانونية بهذه الصيغة ويتم اكتشاف المزيد منها سنوياً. وهنالك ايضا توزيع على مدار الزمن حيث ان هذه الالواح موجودة خلال فترتين مهمتين وهي الفترة البابلية القديمة(من القرن التاسع عشر الى القرن السادس عشر)

والفترة البابلية الحديثة (من القرن السادس الى القرن الرابع قبل الميلاد)

وفي سوريا وبلاد الاناضول هنالك عدد متزايد من الالواح التي تحتوي على الكتابة المسمارية تم اكتشافها وتعود الى الالفيتين الثانية والثالثة ففي الالفية الاولى تم اعتماد مواد جيدة للكتابة الابجدية وهذا يجعلها تتوقف لكونها مصدر مهم للسجلات. الا ان هنالك بعض التعويض جاء من التورات التي تعتبر مصدرا رئيسا للقانون في سوريا وفلسطين في الالفية الاولى. وعلى كل حال تختلف عن السجلات الاخرى حيث انها مقتبسة من تقليد مخطوطات متواصلة وهنالك مشكلات خاصة تظهر لعدم كونها مصدرا معاصرا خاصة فيما يتعلق بالتسلسل الزمني والتطبيق العملي للقواعد القانونية التي تتضمنها.

اما سجلات مصر فقد جاءت بصورة اساسية على شكل البردي مع اضافات قليلة من الكتابات على النصب التذكارية والمعاير والاضرحة وبسبب الاحداث فان لم يبق الا اعداد قليلة منها.

ان التوزيع الوتري للمصادر يؤدي الى تشوه في السمة العامة لقانون الشرق الادنى القديم. الا ان كل التركيز سوف يكون لا محالة منصباً على بلاد الرافدين بسبب الوفرة الغزيرة للسجلات المتوفرة. حيث ان مصر ليس لها اقل كمية او تعقيدا من ذلك الا ان هناك العديد منها فقدت او انها موجودة في قطع مشوهة بحيث انها تعطي مزيدا من التشوه.

ومن الجدير بالذكر هنالك معياران متعارضان احيانا يمكن استخدامهما لتقديم مصداقية السجلات التاريخية. واولهما هو المعيار الذي يركز على تقديم الدليل المباشر او غير المباشر للمعاير القانونية وان التمييز ليس وقفيا وانما هي مسالة نسبية تعتمد على اصل الوثيقة (العامة او الخاصة) وفيما اذا كانت توضح معياراً حقيقياً او مبداً او مجرد انها تشير الى احدهما. اما المعيار الثاني فهو الادراك الذاتي الذي بواسطته تم تقديم القانون كمصدر. فان المصادر القديمة (وحتى الحديثة منها) ليست بالضرورة حيادية في تقديمها للمعاير القانونية وبصورة متناقضة فان التوضيح المباشر للقانوني يمكن ان يكون تشويها بسبب المصلحة الذاتية حيث ان قيمة الحكم للقانون هو هدف المصدر. واخيرا تم تقديم الانواع المختلفة للمصادر القانونية التي عثر عليها في الشرق الادنى القديم بصورة مباشرة.

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الأثار - جامعة الموصل – العراق

........................

المصدر:

Raymond Westbrook : The Character of Ancient Near Eastern Law، A History of Ancient Near Eastern Law، Brill Leiden-Boston، 2003

مقدمة كتاب ريموند وستبروك

 

عامر عبدزيد الوائليحدث هذا من خلال بناء المنظومات التخيلية أيّ السرد الأسطوري للإحداث فالرحلات التخيليه، أولا: الرحلات البشرية إلى العوالم التخيلية، ثانيا: رحلات الآلهة إلى العالم السفلي عقابا، ثمة الكثير من النصوص التي تحدث عن رحلات افتراضية تخيلية إلى عوالم مفارقة ميتافيزيقيا: الجنة، السماء، العالم السفلي / النار، هذه العوالم الافتراضية التخيلية التي تمكن الإنسان من الحديث عنها من خلال اللغة؛ على رغم من أنها عوالم مستحيلة في ضوء عالمنا إلا أننا حاولنا الحديث عنها من خلال مقولتي:

المطلب الأول، الزمان والمكان التخيليان:

أ- البعد التخيلي للزمان "الزمان المتخيل": إن الحديث عن الزمن المتخيل يفترض لدينا تأصيل أحد أهم البحوث في هذا المجال التي تتمركز حول الزمن البدئي الذي تناوله " مرسيا الياد" في كتابه "مظاهر الأسطورة " إذ يرى: أن الأسطورة هي تاريخ مقدس يروي عن الأصول والبدايات الأولى عن ألازمان التي ابتدرت منها الآلهة الكون بكليته وشتى تفاصيله . ولكن الأسطورة لا تتخذ من هذه الأصول والبدايات موقفا ذهنيا وصفيا . بل أنها تسعى دوما إلى استعادة الازمان المقدسة وزرعها في الزمن الجاري، من اجل الحياة في عالم نقي متجدد يشبه حالته عندما خرج من يد الخالق، ومن اجل إعادة تأسيس مستمر لهذا العالم وهذا ما اسماه بالزمن المقدس بقوله:" إن زمن الأسطورة هو " الزمن القوي "، " الزمن المقدس "، الزمن العجائبي الذي يخلق منه الشيء جديدا قويا، وبكل امتلائه . إن نعيش ذلك الزمان ثانية، إن نستعيده في أكثر ما يمكن من الأحيان، إن نشاهد من جديد الأعمال الإلهية، إن نلتقي الكائنات العليا ثانية، وان نتعلم منهم درسهم الخلاق، إن هذا لهو الرغبة التي تستطيع إن تقرأها واضحة في جميع التكرارات الطقسية للأساطير على وجه الأجمال، تكشف الأساطير عن إن للعالم والإنسان والحياة أصلا فائقا للطبيعة وتاريخا فائقا للطبيعة أن لهذا التاريخ معنى وقيمة وأنه نموذج يحتذي.

إن وظيفة الأسطورة هي حكاية تعيد الحياة إلى حقيقة أصلية وتستجيب لحاجة دينية عميقة، وتطلعات أخلاقية، وواجبات وأوامر على المستوى الاجتماعي، بل وحتى متطلبات عملية . في الحضارات البدائية، تملا الأسطورة وظيفة لا غنى عنها، تفسر وتبرز وتفتن المعتقدات تحامي عن المبادىء الأخلاقية وتعترضها تضمن فاعلية الاحتفالات الطقسية، وتنتج قواعد عملية لاستعمال الإنسان الأسطورة .

ويتناول الباحث أصولها وقوتها السحرية: إذ درس أساطير الأصول وأساطير نشأة الكون (كوسموغونيا) فكل أسطورة أصولية إنما تحكي تسوغ وصفا جديدا بمعنى أنه لم يكن موجودا منذ بدء العالم . الأسطورة تروي كيف طرأت تعديلات على العالم، وهل اغتنى أو افتقر .ويتناول تكرار ولادة الكون ؛ لاًن الكون هو النموذج الأصلي المثالي لكل وضع مبدع ولكل خلق وحسب، وإنما لأنه عمل اٍلهي أيضا، فهو مقدس اذن في بنيته نفسها . توسعا كل ما هو تام " ممتلىء " و منسجم، ومخصب، بكلمة واحدة: كل ما هو (متكون " Cosmise" كل شيء يشبه الكون، فهو مقدس . كذلك إن اتفاق عمل شيء مات أو بناءه حلقة أو تركيبة، إعطاءه الشكل أو الأخبار عنه وتشكيلة .. كل هذا معناه الإتيان بهذا الشيء إلى الوجود، ومن ثم منحه " الحياة " وجعله مماثلا للتنظيم المنسجم بامتياز Cosmise والكون هو العمل النموذجي للآلهة، هو قسمة أعمالهم .

وفي العودة إلى الأصول يقول: يشكل " الزمن الأصل " الذي هو زمن " قوي"، كما قد رأينا لا لشيء إلا لأنه كان على نحو من الأنحاء " الوعاء" أو الظرف الذي حصل منه " خلق جديد " . إما الزمن إلذى انقضى بين الأصل واللحظة الراهنة فليس زمنا " قويا" ولا زمنا "هاما"ماعدا الفترات التي يتحين منها الزمن البدئي، طبعا – ولهذا السبب لا يؤبه له ويصار إلى إلقائه وهكذا تعدو العودة إلى الأصول التي تسمح بإحياء الزمن الذي ظهرت فيه الأشياء لأول مرة، تكون خبرة ذات أهمية عظمى في المجتمعات القديمة .وفي هذا الزمن الذي يسميه قدسي أو باصطلاحنا أحد أنماط الزمن المتخيل يتناول فيه مظاهر محددة هي الفوائد أو الوظائف التي قوم بها ذلك الزمن وهي آلاتية:

تحديد العالم أيّ أساطير وطقوس التجديد حيث يتناول التتويج وولادة الكون (لدى مقدم حاكم أو سلطان جديد يصار إلى تكرار عملية ولادة العالم (كوسموغونيا) وهذا المفهوم كثير الشيوع عند الأقوام الزراعية .. حيث يغدو الملك مسؤولا عن استقرار الكون برمته وخصوبته ورفاهيته . وهذا يساوي القول إن كل تحديد عالي لا يتحدد مع الإيقاعات الكونية وحسب، وإنما مع الأشخاص والحوادث في التاريخ . والتجديد يتم بواسطة طقس العام الجديد هو في العمق، تكرار لولادة الكون (1) .

والعالم الجديد وولادة الكون في الشرق الأدنى القديم حيث كانت ملحمة الخلق (اينوما ايليش) في المعبد، وعلى حد تعبير فرانكفورت كانت " كل سنة جديدة تقتسم عنصرا جوهريا مع اليوم الأول الذي خلق منه العالم وابتدأت به دورة الفصول . إذ سكان الرافدين كانوا يشعرون إن (البدء) مرتبط عضويا و" غاية " تتقدمه، وان هذه الغاية من طبيعة (العماد) نفسه، الذي كان قبل الخلق .

نهاية العالم في الماضي والمستقبل . إن نهاية العالم على هذا النحو ليست بالنهاية الجذرية أي بالطوفان أو الدمار حرائق وهزات أرضية، بل هي نهاية للبشرية يعقبها ظهور بشرية جديدة لكن غمر المياه للأرض بصورة كلية أو حرقها بالنار كليا بقصة كونية .

يرتبط الطوفان (بآثار غضب الكائن الأعلى أو نتيجة شهوة كائن الهي) .. وهذه الفكرة القائمة على الدمار (إنها تعبر عن الفكرة القديمة نفسها، بانحطاط العالم تدريجياً يستوجب دماره وإعادة خلقه دوريا) (2)

ب- البعد التخيلي للمكان"المكان المتخيل":

هناك مكان أخر هو أبداع عقلي ذو طابع عاطفي انه المكان المتخيل أي المكان المرتبط بالخيال وقدرته الإبداعية على خلق عوالم بديله يحاول من خلال التعبير عن وجدانه وعواطفه ورغباته هذا المكان المتخيل .يقول عنه باشلار (إننا لا نعيش الصورة بشكل مباشر والواقع إن لكل صورة عظيمة عمق حلمي بعيد الغور يضيف إليه التاريخ الشخص لونا خاصا)(3)إن المكان ليس المكان العقلي الرياضي بل هو انعكاس صورة الأشياء المعاشة في ذات الإنسان الذي بدوره يعطيها صورة الأشياء وجدانية , وفي هذا يقول ادوارد سعيد إنه يصف (أي باشلار)فضاء المنزل-الموضوعي زواياه ,وردهاته ..مما يضفي عليه شعريا ..ذات قيمة تخيلية أو مجازية)(4) فان المكان هو انعكاس لذات وبعدها العاطفي واثر هذا على المكان في الوقت الذي يظهر في المكان بمعناه العلمي –العقلي متجانس متصل يصف مرسيا الياد(المكان الأسطوري) بعدم التجانس والانقطاع تظهر درا ستة عبر العلاقات الآتية:

المقدس إن الحياة غير ممكنة بدون نافذة نحو المتعالي فان مركز العالم ينطوي على المكان المقدس إذ يتم عن طريق ظهوره تنفتح (كوة)من الأعلى (العالم السماوي) أو الأسفل الأقاليم الدنيا ,, وعالم الأموات تصبح المستويات الكونية الثلاثة الأرض والسماء والأقاليم الدنيا متصلة بعضها ببعض وفكرة الاتصال معبر عنها أحيانا بعمود كوني يكون وسط العالم المسكون الذي ينشر حوله (5) إن المكان الأسطوري مكان ثانوي، غير متجانس ؛ لأن الأسطورة لا تستند إليه إلا من خلال العلاقة القائمة بينه وبين التخييل أو مع اللاواقع (6)، لذلك نجد ان العلاقة بين الأماكن لاتتم الا من خلال الارتباط بطرف ثالث هو الالهة. وهذا يقتضي وجود باب مفتوح يجعل الاتصال معها ممكنا. فعلى هذا الأساس (يجب أن يوجد (باب) صوب الأعلى، ويمكن منه أن تنزل إلى الأرض ويمكن للإنسان أن يصعد رمزيا الى السماء) (7) وبما أن للمكان خصوصية قد لا تفوقها العناصر السردية الأخرى في أي نص سردي آخر، فان للمكان الأسطوري – على الرغم من هامشيته – خصوصية تفوق الأماكن الأخرى، ولأهميته فقد احتفت النصوص الأسطورية به، وغالبا ماتفتتح الأسطورة بوصف أو ذكر مكان معين وتنطلق هذه الأهمية من منظورين:

الأول: إنه يأخذ طابعاً ميثولوجيا، فكان القدماء يعتقدون بأنه ينقسم على ثلاثة عوالم: السماء، والأرض، والعالم السفلي (8) .

الثاني: إنه مكان أزلي، بمعنى أنه المكان الأول الذي ظهر إلى الوجود وتفرعت عنه الأماكن الاخرى. فاذا سلمنا بأزليته، فهذا يعني أنه خيالي، وهذا يشير الى أن المكان – أي مكان كان له وجود فعلي في الواقع، لكنه يتحول الى مكان وهمي / خيالي بمجرد مايحيل الى عوالم مستحيلة أو ممكنة، بمعنى آخر أنه (ليس مكانا حقيقيا وإنما هو مكان متخيل مصاغ من ألفاظ لا من موجودات وصور) (9) فعلاقة الأسطورة بالمكان(علاقة البناء الفني برموزه أي أن الأماكن الحقيقية في هذا العالم لا وجود لها في الأسطورة؛ذلك أن المكان، أو البيئة الطبيعية رمز لما تحمله الأسطورة من المضامين والدلالات والمغزى، ولكنه ليس مكانا حقيقيا، كما انه ليس مسرحا طبيعيا لأحداث الأسطورة التي تجري خارج حدود المكان وخارج إطار الزمان) (10) هنا يقدم صفات للمقدس بالاتي:

الأولى: إنة اكتسب قداسته من حلول المقدسي فيه .

الثانية: إنه ينقسم إلى أماكن مقدسة هي المعابد والمدن

(فالشئ يبدو وكأنه وعاء " لقوة خارجية " تفرق عن محيط وتمنحه "معنى"و "قيمة " وقد تقيم هذه القوة في ماهية الشئ نفسه في صوره فصخرة تتكشف عن قدسية لأن وجودها بالذات هو تجلي للقدسي)(11) وكما يصف احد الباحثين هذه المظاهر البرانية للشجرة أو الصخرة آو عين الماء تقف قوة خفية تتوقف عليها حياة البشر والطبيعة القدسي)(12)

الثالث:هناك فرق بين المكان المسكون والمكان غير المسكون .

إن الحياة غير ممكنة في العماء التي تفقد الصلة بالمتعالي فالإقامة في كل (مكان تعني في الدرجة الأخيرة تطويبه)(13)هكذا تغدو لدينا أماكن مختلفة:

الأول - المكان المقدس: وقدسيته جاءت من حلول الإله فيه، وهو مكان جزء من المكان الدينوي .

الثاني بالمقابل هناك مكان أخرى متخيلة ؛ كونه وليد الرغبات والأماني في الحصول على مكان لا يتغير، فيه ديمومة وحياة خالدة، كان المكان "دلمو" أو"عدن" أو ارض الأحياء "غابة الأرز" وهذه اشاره إلى إنها الأرض التي يعيش فيها الخالدون ,أو المكان الذي يمكن للإنسان البشر الفاني ومن أهم مخاطر هذا الطريق هو إن الأسود تتولى حراسة ممراته وان التخلص منها يتطلب مساعدة إلهية كما نقرأ فى هذه الأسطورة على النحو الآتي:- ِ

وهكذا وصل جلجامش أخيرا إلى ذلك الجبل الكبير الذي يطلقون عليه "ماشو" الجبل الذي يحرس للشمس في شروقها وغروبها .ترتفع قمته إلى السماء ,وتضرب جذوره إلى العالم السفلي وعند بوابته يقوم العقربان بالحراسة (14)هذا الجبل هو العقبة بين جلجامش (حيث أمال أوروك) بين المكان المشتهى المتخيل "دلمو"فهو مانع دون الوصول إلى هناك فهو حاجز فاصل يحول دون الوصول إلى دلمو .وهو من ناحية أخرى - ا لرابطة بين العوالم الثلاثة عالم السماء المتخيل حيث "انو" كبير الآلهة وعالم الأموات العالم السفلي المتخيل ارض اللاعودة ,وفي الوسط اروك مركز العالم ؛ يصف مرسيا لياد:المكان المقدس بأنه واسطة بين الأرض والسماء (وهذا ما يظهر في رمزية "الجبل الكوني "حيث في ثقافات كثيرة تحكي عن جبال أسطورية)(15) وهناك مكان أخر في "دلو"انه "حديقة الآلهة"هي جنة عجيبة بمناظرها البهيجة وألوانها الزاهية ,وهي حقا تنقل المشاهد نقلة أسطورية هذا الجو المظلم الكئيب الذي عاشه جلجامش خلال رحلة عبور الجبل إلى جو من الإشراق والبهجة بعد إرهاق الساعات الطويلة في الظلمات المحيط بالجبل .وقد نقلت هذه الحديقة الأسطورية بأوصافها غير العادية تفسير تاريخيا واقعيا يجعلها حديقة أرضية تنتمي إلى العالم الذي نعيش فيه .ثم هناك مكان متخيل إن "بحر الموت" ينتقل جلجامش من "حديقة الآلهة "إلى موقع أسطوري أخر انه ذلك البحر الذي يحيط المكان بالصعوبات وتجعل أمنية الوصول عسيرة على الإنسان حتى لو كان مثل جلجامش الراعي السياسي البطل الشعبي .

إن يحصل فيه على الخلود ويقول جلجامش: لم انقش اسمي على الألواح كما مقدر لي لأذهبن إلى البلد الذي تقطع فيه أشجار الأرز ولا ثبتن اسمي في المكان الذي تكتب فيه أسماء عظماء الرجال ولاقيمن نصبا للآلهة حيث لم يخط اسم حتىّ الآن، هذا النص يقدم لنا توصيف لنوعين من المكان:

الأول المكان المرغوب به "دلمو " الجنّة: المكان المتخيل للحصول على الخلود وهي رغبة تداعب جلجامش مثلما تداعب كل القراء في خلود الذات وإبعاد عنها الاندثار والغياب، وهو أمر ليس مشتهى من قبل جلجامش فقط بل عظماء الرجال داخل ثقافته المندثرة، بالمقابل هناك مكان له صفة أخرى وهي كونه مكان فارغ خالي من أي ذكر للآلهة التي تمثلها "أوروك"الآلهة القومية فالإله يعني تعبير عن الشعب الذي يحميه، ومن ثم يغدو هذا المكان محل رغبة أوروك لحاجاتها إلى الأخشاب في بناء المعبد والقصر وأوروك عموما، مكان متخيل يحقق لها إشباع لحاجاتها , وذكر الاسم يعني تطويب لهذا المكان وتحويله من مكان للغيلان مثل "خمبابا"إلى مكان تسكنه اللآلهة وتضفي عليه التمدن (وتبدو الملامح الأسطورية في غابة الأرز أو أرض الأحياء ,في أنها أولا ارض بلا حدود جغرافية واضحة وبلا معالم حقيقية تدل عليها كما إنها أيضا ليست منسوبة إلى زمان ومكان معينين(16) وثمة مكان متخيل أخر في الطريق من أوروك إلى دلمو وهو يمثل انقطاع في المكان الدنيوي بحلول القدسي فيه فهذا المكان هو "جبل ماشو" من ألاماكن الأسطورية في الملحمة الجبل الذي وصل إليه جلجامش بعد إن قرر البحث عن "اوتونبشتم "وكان هذا الجبل يمثل عقبة أمام جلجامش عليه إن يتخطاها بالطريق المودي إلى الجبل فهو طريق محفوف بالمخاطر ولم يتمكن إنسان من الوصول إليه من قبل .

ياجلجامش لم يسلك هذا الطريق أيّ أحد مطلقا .

والتي لم يطرق أيّ أحد مسالك جبالها .

وتمتد أعماقها على مسافة اثنتا عشر ساعة مضاعفة .

(حيث) الظلام الكثيف ولا يوجد أي نور .

من مشرق الشمس المغرب الشمس .

العالم المتخيل الثاني "العالم السماوي":

هو "العالم السماوي"حيث مقر زعيم الآلهة "انو" هذا المكان يمثل هيمنة مطلقة لأنه عالم الآلهة السلطة المطلقة التي كل ما في الأرض هو صدى لها .

وإذا ما بحثنا عن العلاقة بين السماء والأرض لكانت هي تمثل المكان الذي شهد الحدث الأول فهو مكان متخيل كل ما حدث فيه يحاول تكراره في أفعاله الطقسية أفعال البشر وقيمتها لا يرتبطان بمعطياتها الفيزيقية الخام بل بما هي إعادة لفعل بدئي وتكرار لمثال مطيقي .. وما حياته إلا تكرار متصل لبوادر ابتدرها آخرون غيرهم) ، وأيضا للسماء استمرارية في سيطرتها لكل ما يدور على الأرض فهي المكان الذي يحل فيه الإلهة فهذه الآلهة هي الفاعل في الأرض ؛ نجده في ملحمة جلجامش (يحاول القاص انطلاقا من أرضية منبسطة (مدينة .... سهل) تنظيم إبعاد المعاش .

(جلجامش في ممارسة استبداده ... الشعب في شكواه ... الخ)

وتشكل التجربتان المعاشتان في المدينة وفي السهل أساساً أو نقطة انطلاق المغامرة الفضائية في القصة . بين المدينة والسهل لأيتم الاتصال بشكل مباشر عن طريق طرف ثالث يملك القدرة على الفعل الإلهي ... إن الأعلى أو عالم الآلهة هو عالم منفصل عن العالم الأرضي لكنه يرتبط به ارتباطا وثيقا بالمقاوة يشكل سقفا لهذا الأخير حيث يصعب على سكان الأسفل (المدينة) اقترافه أو حتى مجرد الوصول إليه إذ بين الأعلى والأسفل هناك عالم تحتله فعاليات الآلهة أو نِشاطاتها(17) وهذا ما يجسده اللاهوت العراقي في جعله يقف على رأس مجمع الآلهة الإله انو اله إلسماء وانو الآلهة ويليه في الأهمية الإله انليل اله إلجو ثم الإله انكي أيا إله الأرض) أنظر هذه التراتبية بين السماء والأرض بين الفعل والمنفعل .

فقد رسم ملامح السماء في أسطورة آدابا حيث يقدم لنا توصيف لذلك المكان المتخيل كما يقول "جيلبيرت دوران"إن كل هذه الرموز الطقوسية هي وسائل إلى السماء , فالكاهن كما ميرسيا اليالد ,عند ما يتسلق درجات السلم " يبسط ذراعية كما يفرد الطائر جناحية"ونسجل هنا التماثيل العميق بين الارتقاء والجانح فعندما يصل القمة يصرخ: (لقد وصل إلى السماء لقد أصبح خالدا) مبيناً هكذا أن الهم الأساسي لهذه الرمزية هو قبل أي شيء اخر نصب سلم بوجه الزمن والموت (18)أن هذا المخيال الذي تدفعه الرغبة في الخلود اعطانا ملامح عن ذلك العالم المتخيل السماء حيث الإله (انو Anu) نقول أسطورة إن (ايا) إله الحكمة قال لادابا بعد أن كسر جناح ريح الجنوب وجعل يطبق الوصايا الاتية عند ما يواجه "انو"بعد رحلته الى السماء .

وجعله يترك شعره منفوشا.

وحمله على ارتداء لباس حداد ,وقدم له هذه النصيحة .

يا ادبا انك ذاهب أمام "انو"الملك

وستتلك الطريق إلى السماء (19)

المطلب الثاني - من خلال السرد الأسطوري التخيلي

إنّ السرد التخيلي هو أحد الآليات التي تعتمدها الثقافة القديمة والحديثة، ونحن هنا إزاء بعدين، الأول: يعتمد على الأدب القديم، وقدرته على القيام بوظائف دينية ودنيوية يحاول من خلالها الأديب القديم إن يجد حل لما يحيط به من حوادث كونية واجتماعية وداخل فضاءات المقدس والدنيوي وامتداداتها، وما يحيط بهما، وهو إما: أدب للكالا(الكالا هم الكهنة الذين يرددون الأناشيد الدينية الطابع في المعبد) وأدب الدنيوي الذي هو أدب النار (فالنار هم الكهنة الذين يرددون الأناشيد الدنيوية الطابع في القصر) .ويتدرج تحت كل منهما مجموعة من فنون ذلك الأدب (20) هذا هو مفهوم السرد بإطاره القديم، أما السرد في التصور المعاصر فالسردية Naratology فرع من اصل كبير هو الشعرية ؛ Poeties (21)التي تعنى باستنباط القوانين الداخلية للأجناس الأدبية واستخراج النظم التي تحكمها، والقواعد التي توجه أبنيتها وتحدد خصائصها وسماتها فالسردية تبحث في مكونات البنية السردية للخطاب من راوٍ ومروي له، ولما كانت بنية الخطاب السردي نسيجا قوامه تفاعل تلك المكونات، أمكن التأكيد، إن السردية هي: (العلم الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي أسلوبا بناء ودلالة) (22) . وعلى هذا فان السرد وبعده الحكائي الذي يجعله قادر على خلق عوالم متخيلة عبر فعالية اللغة وقدرتها على خلق تلك العوالم وشد الملتقى إلى صدقها إلى الحد الذي يلمس بها الصدق ويتفاعل معها، وعلى هذا فإننا نحاول تحليل هذه الألية عبر تحليل بعدها السردي بوصفه يعتمد التخيل أساس في إيجاد حلول لما هو ميتافيزيقي أو اجتماعي ... الخ .

أن تحليل النصوص الأسطورية المستحيلة يغدو ممكننا من خلال الحديث الظاهراتي عن تلك المقولات، الأنا في مجال التحليل بهذا نجد إن العوالم التي تتحدث عنها الأساطير هي عوالم ممكن الحديث عنها من خلال أسلوبنا التحليلي، لكن هذه النصوص المكان الذي تقصده مختلف فالحركة مره إلى الأعلى وأخرى إلى الأسفل وثالثه إلى الغرب وأخرى إلى الشرق .وتختلف الرحلة بين تلك التي يقوم بها الإلهة وتلك التي يقوم بها البشرية وهي بالشكل الأتي:

العالم السمواوي له زمان ومكان بديان متعاليان (مقر الملكية السماوية حيث انو كبير الآلهة).

العالم السفلي أو الأسفل وهو مكان مظلم أيضا محكوم بزمان ومكان وقوانين صارمة وهو نقيض الحياة الدنوية .

العالم الارضي الخالد جنّة دلمو وهو أيضا محكوم بالزمان والمكان المتعاليان الخالدان .

بالمقابل العالم الارضي الذي نعيش به وهو عالم وسط بين تلك العوالم .

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

رئيس مركز الفكر النقدي

..............................

(1) مرسيا الياد، مظاهرالاسطورةص43-44.

(2) المرجع نفسه، ص 58,

(3) .يوسف شلحد، بين المقدس عند العرب، ترجمة: خليل احمد خليل، دار الطليعة، بيروت، ص 23 .

(4) نفس المرجع .ص.

(5) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 35 .

(6) قاسم المقداد، هندسة المعنى في السرد الأسطوري والملحمي دارالؤال، دمشق،: 60.

(7)  مرسيا الياد المقدس والمدنس: 28.

(8)  علم الزمان – المكان العدد عند قدماء العراقيين ,ص 108.

(9)  الخصائص البنائية للاقصوصة، ص 29.

(10) القراءة الاسطورية للتاريخ:7

(11) الأسطورة والتاريخ، دار الشؤون الثقافية لعامة، بغداد، ص92.

(12) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 39 .

(13) الأسطورة والتراث، المرجع السابق، ص 86 هذا التطويب نلمسه في أسطورة انانا وشجرة الخالوب، وهو أيضا ظهر في مرويات المستشرقين عن العوالم المجهولة الخالية .

(14) مرسيا الياد، المقدس والمدنس، ص 39 – 40

(15) قاسم المقداد، هندسة المعنى، ، ص 63 – 64 .

(16) جيلير دوران، الانثرولولوجيا، ترجمة: مصباح الصمد، ط1، بيروت، 1998، ص 101 .

(17) كلين دانيال، موسوعة علم الآثار، ترجمة: ليون يوسف، دار المأمون، ج 2، ط1، بغداد، 1990، ص 48 .

(18) مرسيا الياد، مظاهرالاسطورة، ص 22- 23. 

(19) المرجع نفسه، ص 36 .

(20) خز عل ألماجدي، أدب لكالا .. أدب الفا، ط1، 2001

(21) الشعرية:هي اسم جامع لكل ما يتصل بخلق وإنشاء الإعمال التي تتخذ من اللغة جوهرا واداةً لها، وتعتبر أخر فرع من فروع الدراسات الادبية يبحث عن قوانين الابداع الأدبي او الخصائص المجردة التي تصنع فرادة العمل الادبي ومن ثم تصنع ادبيته . ينظر:جابر عصفور نظريات معاصرة، دار المدار، دمشق، ط1، 1998، ص 219، ت دار تويقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 1990، ، ص 23.

(22) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مدخل إلى نظرية القصة، بغداد، 1986، ص

 

 

اكرم جلالبين محدودية الوجود الأنساني واللامتناهية في الوجود الكوني

قدّم رينيه ديكارت (1596 –1650)، صاحب المقولة الشهيرة: أنا أفكر، إذًا أنا موجود؛ الفيلسوف وعالم الرياضيات والفيزياء الفرنسي أطروحاته ورسم منهج في الفلسفة أقامه على أساس أسلوب التفكير الرياضي والهندسي. حيث وضّح هذه الرؤية من خلال ما يُعرف بقواعد المنهج الأربعة (البداهة، التحليل، التركيب، والأحصاء) والتي حددها في كتابه (مقال عن المنهج).

لقد بدأ ديكارت ومن سار على نهجه العصر الحديث بتحوّل في المنطق الأرسطي الذي يتبنى منهج الحمليّة، الى المنطق الرياضي الحديث والذي يعتمد على منطق العلاقات، وأنّ اللزومية الشرطية أو الانفصالية أو العطفية أو حتى التركيبية هي أدوات التفسير المنطقي الذي يسود العلاقات بين هذا الشيء أو ذاك، وأن الوجود لا يوصف بالواحديّة بل تعدديًّا، وذهب الكثير الى اعتبار أن جميع الفلسفات التي تعتمد العلم والعقلانيّة عليها أنْ تُسلّم بالتعدديّة في وصف الوجود.

ثم كان لمجئ برتراند رسل  (1873-1970) B Russell أثراً مهما من خلال وصول الفلسفة الذريّة المنطقية الى ذروتها، فقد مثّلت عصر إكتشاف العلم للماهيّة الذرية، وبذلك فإن النظرية الواحدية فقدت وَهَجَها ومقبوليّتها لدى الكثير من الذين يعتبرون الوجود عبارة عن مجموعة من الوقائع والحقائق التي ترتبط مع بعضها البعض بعلاقات.

والوقائع Facts هي أشياء لها كيفيات محددة وترتبط بعلاقات معينة، والواقعة الواحدة مبنيّة على أساس الذرية المنطقية، فالذرة هنا يمكن إدراجها على أنّها الشيء الكائن المحدد وفي الوقت المحدد، أي انّ له طبيعة زمانيّة ومكانيّة. وقد ترتبط واقعتان أو عدّة وقائع ليكون التصوير المبني لهذه المجموعة من الوقائع هو المنطق الجزئي.

وبناء على ما تقدم نستطيع القول أنّ هناك مرحلة انتقال جَرَت في فلسفة الوجوديات بَدَأت باعتبار الجوهر الأرسطي هو الأصل في المقولات الأرسطية وأنّ الزمان والمكان عنده هما أعراض للجوهر الواحد، الى مرحلة اعتبار الزمان والمكان هما الأصلان.

وبغض النظر عن الأتجاه، فلقد أتفق علماء وفلاسفة العصر الحديث علی أنّ الزمان والمكان هما القالب الذى فيه قد صُبّ هذا الكون (Cosmos) بأكمله وبشكل غاية في التناسق والأنتظام يفوق حدود التصور والخيال، وأن المادة في هذا الكون المترامي الأطراف تتحرك ضمن حدود الزمان والمكان اي تسير عبر المكان وخلال الزمان.

ثم أشار الفيلسوف اليوناني هيراقليطس ( 535 ق. م – 470 ق. م) قديماً الى انه لا يوجد شيء خارج حدود الزمان والمكان بقوله "لا شئ فى هذا العالم يستطيع ان يتجاوز مقاييسه، وهذه المقاييس هى الحدود المكانية والزمانية" .

أما الفيثاغورية فقد رأت أن العالم قد وجد أصلاً بفضل ماله من حدود زمانية ومكانية على أن مقولة «لا جديد تحت الشمس»، بغض النظر عن قائلها، إنّما هي دورة مقفلة بلا تطوّر أو تعبير واقعي، وهو كلام يجانب الحقيقة والواقع، بل ولا يتناسب مع النظرية الهيرقليطيسية،حيث أنّ كل ما تحت الشمس هو خاضع لنظام الصيرورة الكونيّ، أضف الى ذلك الحقيقة الواقعة التي أشار اليها ثيوكاريس كيسيديس في كتابه:  هيراقليطس - جذور المادية الديالكتيكية، مِنْ أنّ  الشمس ذاتها أيضاً متجددة، كما قال (ليست فقط جديدة كل يوم، بل هي جديدة في كل لحظة).

والحقيقة كما أشار اليها الفيلسوف هيراقليطس وهي ما من وجودٍ يبدأ من العَدَم، ولا من عدم ينتهي إليه الوجود. وعليه فحركة الكون هي حركة فعّالة متجددة، وأنّ الزمان والمكان فيه غير محدد بنهاية.

وفي جملة ما نقله افلاطون في كتابه: آخر أيام سقراط، وفي ص69، ما قاله سقراط عند دفاعه أمام المحكمة التي أدانته: (لا يوجد أي إنسان يعرف ما إذا لم يكن الموت أعظم بركة يمكن لها أن تحل على الأنسان، لكن الناس تخشاه وترهبه، كما لو أنهم كانوا واثقين من أنه أشد الشرور وأكثرهم وبالا. إن هذه الجهالة هي التي تعتقد أنها تعرف مالا تعرف.. ولما كتا لا أمتلك أية معرفة عما هو أت بعد الموت فأنا لا أمتلكه، لكنني أعرف حق المعرفة أنك إن تظلم لهو شر وخزي وعار).

وللبحث تتمّة في الأجزاء القادمة إن شاء الله تعالى

 

د. أكرم جلال

 

عصمت نصارليس هناك من شَكِّ في أن الجهل بالمقاصد يصرف المتلقِّي - دومًا - عن بلوغ الحقيقة واستيعاب مضمون الخطاب، لذا نؤكِّد أن تناولَنا بالنقد والتحليل للبُنْيَة العَقَديّة لبعض الفِرق المتأسلمة، لا يهدف إلى نقضها، أو فضح عورات أفكارها، أو النَّيل من سِيَر مؤسسيها، فإننا نوضِّح أن مثل هذا العمل - على بساطته وسهولته - لم نكن من الساعين إليه، في سياق حديثنا عن فلسفة الجنس، فهدفنا هو الكشف عن أثر الرغبة الجنسية في تأسيس وتوجيه الجماعات الجانحة، التي اتَّخذت من الدين ستارًاً لها. فليس هناك أدلُّ على احتلال الرغبة الجنسية موقع المركز - في كتابات هذه الجماعات وبرامجها وأيدولوجياتها وآلياتها - من خطاباتهم، التي ما بَرَحَتْ تردِّد أن ثوراتِهم الدينيةَ ضِدَّ (الفجور والعري والزنا والخلاعة والرقص والدعارة والاختلاط بين الجنسين) وأن قَتْلَهم لرجال الشرطة عقابٌ رادعٌ لما تلاقيه نساؤهم من اغتصابٍ في المعتقلات، وأن خلاص المجتمع من انحطاطه يتلخَّص في عودة المرأة إلى سِتْر البيت والحجاب، وتحرُّرها من غزو الثقافة الغربية الفاجرة، وأن الزواج المُبكِّر للشباب، وإنقاذ الأيامَى والعوانس من الحرمان الجنسي، هو أولى الخطوات لإصلاح أحوالهن.

فتشير عشرات الدراسات المعاصرة، إلى إن أولى الجماعات المتأسلمة التي اتخذت من المتعة الجنسية حافزًا لاجتذاب الأنصار، وتجييشهم بشكل جماعات إرهابية ضد النُّظم الحاكمة (الخلافة، الإمارة، الرئاسة) - وذلك عن طريق الاغتيالات أو حرب العصابات، التفجيرات، الحرق، السلب، النهب، السطو المسلح، قطع الطرق، التنكيل، التمثيل بالضحايا - هى فرقة الحشاشين التي ظهرت في القرن الحادي عشر، في أصفهان ببلاد فارس، على يد الحسن بن الصباح نحو عام 1094م، وقد اتخذت هذه الفِرق من الحصون والقلاع مركزًاً لنشر أفكارها الشيعية، المنتمية إلى طائفة الإسماعيلية النزارية، نسبة إلى نزار المصطفى لدين الله. ولا تختلف الأفكار الرئيسة المشكِّلة لِبُنْيَة هذه الجماعة عن مثيلاتها، وتتمثَّل في : (إمام ملهَم، غايته إصلاح المجتمع، أمره مطاع ونافذ، والخروج عليه كفر وضلال، تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر بالسيف، إنّ الجماعة تمثِّل الفرقة الناجية، ودونها أتباع الشيطان وأرباب الطاغوت، إن مكافأة فدائييهم الشهادة والسعادة وحور العين في جنة الخلد).

والذي يعنينا في هذا السياق هو القاعدة الرابعة؛ نعني (المكافأة)، أي الاستمتاع باللذة الجنسية، تلك التي اتخذ منها أئمة الحشاشين أداة لترغيب الشباب في الانضمام إلى عصابتهم، فيروي الكاتب والمؤرخ والرحالة الإيطالي "ماركو باولو" في حديثه عن أسطورة الفردوس، أنَّ سِرَّ اختيار الحشاشين سُكْنَى القِلاع، يرجع إلى مناعتها من الناحية العسكرية، وصلاحيتها كمعسكرات للتدريب، وتربية الأذهان أو تغسيلها وتكفينها، وترسيخ المعتَقد، وأخطر هذه المعتقدات هو مفهوم الجهاد، فالمجاهد الحق في عقيدتهم هو الذي يستجيب بلا نقاش أو جدال لما يؤمر به من تضحية وفداء، من أجل نصرة الله وتطبيق شريعته، والانتقام من أعدائه، وإهلاك خصومه، وسفك دماء المعترِضين والمعاندين، واستحلال أموالهم وأعراضهم، وأن أي تفكير - ولو لبرهة - في طبيعة الأمر؛ يُعَد كُفراً، وخروجاً عن المِلَّة، وعصياناً لله؛ يستوجب القتل، وذلك لأنه يُحيي خطيئة آدم وحواء من جديد.

وقد ابتكر (الحسن الصباح) آلية تربوية رسَّختْ عقيدةَ الاستشهاد بالمعنى السابق في أذهان الصِّبْيَة، وتتمثَّل في أن الإلهامات الإلهية، والتعاليم التي ينطق بها الإمام المهدي، تلك التي لا تُستوعَب بالحِس أو العقل، بل بالمجاهدات الروحيّة، وأكل بعض النباتات، التي تمكِّن الروح من الانطلاق، حيث الأوامر الربانية الناسخة للشريعة والمؤوِّلة لما قبلها من نصوص.

فرُوى أن الصِّبْيَة المُصطَفين للقيام بالأعمال الفدائية، يقدَّم لهم نبات الحشيش مطبوخًاً، أو مبخَّرًاً؛ حتى يغيبوا، ثم يتم نقلهم إلى حدائق - خلف الحِصن -  أشبه بالوصف الذي جاء في القرآن عن الجنان (العسل واللبن والأشجار الوافرة والنبيذ وحور العين والولدان المخلدون.....) ويدَعونهم يمكثون فيها بضعة أشهُر، ثم يُخرجونهم منها بنفس الطريقة، ثم يُعرَضون في ساحة الإمام؛ ليتلَقَّوا الأوامر التي تمكِّنهم - إذا ما أدَّوها على خير وجه - من العودة ثانية إلى أحضان حور العين، اللواتي أُخْتِرْنَ من بين السبايا والعبيد وما ملكت اليمين، وأوكِل أمرُهُن لغانيات محترفات؛ لتدريبهن على فنون الإمتاع والجِماع، وتلقينهن بعض التعاليم، التي تشجِّع الفدائيين الذين حُملوا إليهن على النِّزَال والقتال، وتلبية الأوامر الربَّانية، التي خرجت على لسان المهدي، أو الأمير أو المرشد أو القائد، وقد برعت الحوريات الفاتنات في إغواء من ارتمى في أحضانهن، وإقناعه بأن الكثير من ألوان المتعة والسعادة في انتظاره بعد أداء مهمته الانتحارية.

وقد تأثَّرت معظم الفِرق والجماعات الإرهابية بهذا الدَّرب وبذلك النَّهج، مع بعض التعديلات، تبعًا للثقافة المطروحة، والبيئة التي نشأ وتربَّى فيها الصِّبْية المجاهدون، وإذا ما راجعنا الأفلام التسجيلية، والوثائق المرويَّة، عن التعاليم التي يتلقَّاها الإرهابيون الفدائيون في حركة  حماس بغزة - التي تأسست عام 1987 على يد أحمد يس - وجماعة طالبان بباكستان - التي تأسست عام 1994 على يد المجاهد محمد عمر- وجماعة بوكو حرام بنيجيريا - التي تأسست عام 2002 على يد (أبوبكر الشكوى) - وحركة الشباب الإسلامية في الصومال - التي تأسست عام 2004 على يد "عدن هاشي فرح آيرو"-  وجماعة داعش في العراق - التي تأسست عام 2006 على يد أبو عمر البغدادي- وجماعة النصرة بسوريا - التي تأسست عام 2011؛ فهوس شباب الانتحاريين في حماس بزواجهم من حور العين لا يخفى على أحد؛ فهناك عشرات الأفلام التسجيلية تصوِّر الجهادي الانتحاري في الليلة السابقة على قيامة بالعملية الإرهابية في ثوبٍ أبيض معطَّر يتلقَّى التهاني من رفاقة وكأنه في حفلة عُرس، وقد كتب الكثيرون منهم على مواقع التواصل الاجتماعي رسائل لأصدقائهم يخبرونهم فيها بموعد حفل زفافهم على الحوريات بين الصِّدِّيقين والأبرار.

ومن أشهر ما كُتب في هذا السياق، ما نشرَتْه صحيفة (ليدر)، التي تصدر في تورونتو، عن اعترافات أحد الصِّبية المجاهدين المُنتمين إلى طالبان، والتي جاء فيها "أثناء الذهاب لأداء المَهمَّة، كان مدرِّبي يقود السيارة بسرعة جنونية، ويميل بها يمينًاً ويسارًاً دون مبرر، ولمَّا سألتُه عن ذلك؛ أجابني : حتى لا أصدم واحدة من الحوريات اللواتي يلوِّحن بأيديهن ويضحكن لك وهن عرايا فرحات باقتراب لحظة اللقاء والعودة، حيث السعادة الأبدية في جنان المجاهدين". وأضافتْ إحدى الناشطات في كراتشي وتُدعَى "تابندة سروش" (إنّ الفدائيين في طالبان - في فترة الإعداد  يمارسون الجنس بشراهة مع فتيات خُصصت لذلك؛ لتحفيزهم على الانتحار، وتفجير أنفسهم للظَّفر بأحضانهن ثانية في جنَّة الخالدين).

ويحدِّثنا "ناصر الحزيمي" على صحيفة الرياض اليومية عن (زفَّة الشهيد)، وهو الحفل الذي تقيمه الجماعات الإرهابية من أجل الانتحاريين في الليلة السابقة على انطلاقهم، تلك الزَّفَّة التي تؤكِّد كل مظاهرها للمحتفَى به بأن ليلة غده سوف يقضيها في أحضان حور العين، رائعات الجمال المتعطرات بالمسك، والمتزينات بأجمل ثياب العرس.

وقد صرَّح قادة "بوكو حرام" عقب اختطافهم لفتيات المدارس، أن غايتهم من ذلك هو تطبيق التعاليم الإسلامية، فالفتاة البالغة لا مكان لها سوى أحضان وفِرَاش الزوجية، وذلك تبعًاً للسُّنَّة التي خَلَقَ الله حواء من أجلها؛ امتاع الزوج وإنجاب الأطفال.

أمّا في الصومال، فقام المجاهدون بجلد الفتيات، اللواتي يرتدين مشدَّات الصدر؛ بحجة أن في ذلك غِشًّا وتضليلاً، وقد سخرَتْ إحدى الصحفيات من هذا السلوك، وقالت : "أجبرونا على ارتداء الحجاب والآن يأمروننا بهَزِّ صدورنا وأردافنا".

ومن أطرف الحلول المعاصرة لعقدة (حور العين)، التي تغلغلت في أذهان الانتحاريين في الجماعات الإرهابية؛ تصريح إحدى بطلات أفلام البورنو وتدعَى "ستورمي دانيال" في حسابها على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) "أنا على استعداد للتبرُّع بليالٍ حمراءَ ساخنةٍ، عوضًاً عن حور العين، شريطة ألا يقدِم الإرهابيون على تفجير أنفسهم، وأنا جادة في هذا العرض، وسوف أكون لمن يرغب من الانتحاريين حوريّة حقيقية، وليست وهميّة؛ وذلك لإنقاذ عشرات الأبرياء من شرّ الإرهاب".

ولا يخلو هذا السياق من الأفكار المبتَكرة، فقد نجح المعنيّون بوضع برامج تأهيل الانتحاريين من اختراع قصة مستنسخة من أكاذيب فرقة الحشاشين، وذلك بعد تجنيدهم للكثير من الفتيات للقيام بالعمليات الانتحارية، وخلاصتها أن الانتحاريات سوف يصبحن حوريات للنبي وصحابته، وأكابر الصديقين والتابعين والأئمة. الأمر الذي يستوجب إعدادهن لليلة الزفاف بإقامة حفل (ليلة الحنة والجلوة) قبل قيامهن بما كُلِّفن به. وقد زاعت هذه القصة بين أفراد جماعة النصرة وداعش وحماس.

أما أشهر أدبيات هذا المعتقد الإرهابي، فيتمثَّل في كتابَين أولهما بعنوان (عشق الحور العين بالأذُن قبل العين) بقلم يوسف بن إبراهيم الساجر، وقد تناول معنى حور العين، وذِكرهن في القرآن، ووصفهن وطاهرتهن وروائحهن ونضارتهن وكلامهن، وغنائهن ولباسهن وتفاصيل رسمهن، وثانيهما كتاب (مطالع البدور مع منازل السرور في وصف الحور العين) تأليف الشيخ : مجدي فتحي السيد، وقد أضاف على ما جاء في سابقه أحاديثَ السلف عن حور العين، ومهورهن، وطبيعة نكاحهن في الجنة، وأوضاع الحياة هناك.

وقد اعتمد قادة الجهاديين - في شتى الجماعات المعاصرة - على ما جاء في هذَين الكتابَين من معارف، وأضافوا عليها ما يؤكد أن السبيل للوصول إلى ذلك العُرس الرباني؛ هو طاعة الإمام أو المرشد والجهاد لنصرة الحاكمية الإسلامية، وتخليص البلاد والعباد من كل مظاهر الشِّرك والكُفر !

ولا يخلو هذا السياق أيضًاً من البِدَع الشرعيّة، وأشهرها ما أطلقوا عليه (جهاد النكاح)، وخلاصته دعوة النساء إلى جِماع المجاهدين؛ لإمتاعهم، وتشجيعهم على ممارسة القتال، وعلى الرغم من نفي قادة الجماعات الإرهابية لهذه البدعة، إلا أن الفتيات المتبرِّعات قد صرَّحن بأنهن قد مارسن الجنسَ مع المجاهدين في سوريا من عام  2013، ثم في بغداد مع إرهابي داعش.

وعلى شاشات التليفزيون المصري (قناة صدى البلد)، رَوَى العديدُ من الفتيات الإخوانيات ما كان يحدث على منصة اعتصام رابعة والنهضة، وجاء في حديثهن أن قادة الاعتصام استشهدوا بما كان يحدث في عصر النبي من أمر المجاهدين، وكيف كانوا يستمتعون بممارسة الجنس (زواج المتعة) أثناء الحرب؛ الأمر الذي يبيح لهم إشهار من تريد أن تتزوَّج على هذا النظام داخل الاعتصام.

وصرَّحتْ إحداهن على صفحات المصري اليوم (بتاريخ 13-9-2013) بأنها قد شاهدت الكثير من الزيجات في اعتصام رابعة العدوية، وأن أحد الأزهريين المنتمين للجماعة كان يقوم بمراسم العقد شفاهة، وبرَّر ما يفعل، بأن الشيعة الإثنَى عشرية - في إيران - مازالت تمارس هذا الشكل من أشكال الزواج حتى الآن.

كما صرَّحت السيدة صباح السقارى، القيادية بحزب الحرية والعدالة، على صفحات جريدة أخبار اليوم "إن جهاد النكاح ليس حلالاً إلا بوجوده في أرض الجهاد كرابعة العدوية أو النهضة، وهو يوجد بسوريا، وفرْض على كل مسلمة هناك، والآن أصبح بمصر؛ لأن مصر مغتصبة، ولابد أن ترجع لحِضن الإخوان مرة أخرى، وعلى المسلمات الذهاب لرابعة لجهاد المناكحة؛ لأنه أصبح فرْضًا. كما أكَّدتْ وجود حمَّامات، وشُقق، وجراجات مخصَّصة للمعتصمين؛ لممارسة جهاد النكاح، وعن توافر سيدات سوريات لعرض أنفسهن على من يرغب في ذلك  بـسعر50 جنيه في الساعة".

تلك كانت أهم أركان البناء السردي لأفكار الجماعات الإرهابية، وقد بيَّنَّا فيه موقع اللذة الجنسية منه، الذي تحوَّل من كونه رغبة أو متعة إلى أيدولوجية تحفِّز الانتحاريين من جهة، وآثامَ ترتكبها المجتمعات الكافرة التي تعاديهم من جهة أخرى.

وإذا كانت الموضوعية تقتضي الاعترافَ بوجود بعض مواطن الرَّيْبة والشك فيما أوردناه من أخبار، مثل جنة الحشاشين، وجهاد النكاح، فإننا نؤكِّد - مع ذلك - أن قياس الشاهد على الغائب؛ يجعلنا نسلِّم بصحة ما ارتبنا فيه؛ فالمشكِّكون في رواية "ماركو باولو" عن الجِنَان التي كان الحشاشون يعدُّونها خلف القلاع؛ ليتنعَّمَ فيها شبيبة الانتحاريين، فإننا نرى أن معظم اعتراضاتهم على مصداقية وجود تلك الجِنَان - ومنهم البحَّاثة صديقنا محمد عثمان الخشت - هو تلك الطبيعة الطبوغرافية في "قلعة ألموت" الوعرة التي يستحيل معها وجود جِنَان على النحو الذي ذُكِر في القرآن، فإننا نرُدُّ ببساطة أنه ليس من الصعب على عصابات الحشاشين أن يشيِّدوا نموذجًا مصغَّرًا للجنان خلف القلعة، فالصبي تحت تأثير المخدِّر ليس في إمكانه إدراك الأزمان والأماكن على حقيقتها، كما أن المحفِّز الأول ليس العسل أو اللبن أو الفاكهة، بل هو الجنس، وحور العين والعذارى الكواعب، الأمر الذي يتَّفق مع صفات المختارين للأعمال الفدائية، التي وردت في كتابات الحشاشين أنفسهم : (حديثو السن، يعانون الحرمان والعَوَز، والإحباط واليأس، والتمرُّد على الواقع، والطامعون في الخلاص من عذابات الحياة الدنيوية) بالإضافة إلى تأثُّر حسن الصباح بعالم المُثل الأفلاطوني، والفِكر الغنوصي الإيراني، ونظرية الفيض الأفلاطونية، وطبقات إخوان الصفا التربوية، وكلها تحدَّثت عن عالم الفردوس؛ حيث الكمال والجمال والجلال، ولم يكن في مقدور قادة وأئمة الحشاشين - كما ذكرنا -  إقناع أولئك الصِّبية بالمعاني المجرَّدة، بل بلذَّة قوية، تجعلهم يُقْبِلون على الموت من أجلها، وهم في زِيِّ العُرس وأخيراً إذا كانت "قلعة ألموت" غير صالحة لتشييد الجِنَان فيها، فإن قلاع الشام تختلف في طبيعتها عن تلك، ولعل مارك باولو رأى هذه الجِنَان في قلاع العراق وسوريا وتركيا، وليس في "ألموت" التي دمرها التتار.

أضف إلى ذلك كله، أن المكافأة الكُبرَى لأبرار الطبقة الأولى في عقيدة الحشاشين هى الجِماع في جنان الخُلد. فالأمير وزوجُه بعد ارتشفاهما عصير الفواكه المثلَّجة، قد انتشَيا بطعمها؛ فأقبلا على ممارسة الجنس، لتحبَلَ حوريةُ الإمام بإمام وليد، تقوم برعايته الكواكب والنجوم المتلألئة. وما يصدُق على الإمام يصدُق بطبيعة الحال على معيَّته بدرجات متفاوتة.

وقد ربط الباحث اليهودي "موشيه آمون" - في كتابه "الدين والإرهاب نموذجًا للغنوصية" - بين الأفكار الأسطورية والمدن الفاضلة بكل ما فيها من نماذج للكمال والجمال، والتحريض على الثورة لإزاحة السلطات القائمة، عن طريق العنف المُسلَّح وسفك الدماء، الذي يُعِدُّونه قربانًا من أجل الخلاص، فجُلُّ العصابات الدينية الإرهابية تستمدُّ تعاليمَها من الاعتقاد الغنوصي، الذي يصوِّر الثائرين والمتمردين على الواقع المادي بأنهم أقربُ إلى الملائكة في طهارتهم، وإلى الأنبياء والقدِّيسين في معارفهم وامتلاكهم الحقيقة المطلقة، ولمَّا كان من العسير - على قادة الفِرق الإرهابية - كما بيَّنَّا - تعليمُ الصِّبية هذه الأفكار، كان لزامًا عليهم تبسيطها في صُوَر حِسِّيَّة مباشِرة، تقْبَلها أذهانُهم، وتتناسب مع عواطفهم الملتهِبة؛ فنموذج حور العين كان الأقرب والأنسب.

أما هوس كل الجماعات الإرهابية بأيدولوجية الجنس؛ فقد أصبح جليًا، لا يمكن إنكاره، فها هي التصريحات الأخيرة لجماعة الإخوان المسلمين تؤكِّد على قنواتها التليفزيونية على ثلاث مسائل : أولها أن ما يمارسونه من جهاد ما هو إلا تجديدًا لثورة إسلامية إصلاحية وأخلاقية، قد سُلِبَتْ منهم على يد العسكر، تلك الثورة التي أرادت تخليص المجتمع من الفُحش (ولن يكون هناك أيُّ تنازلات أو رحمة، لأن الجميع تسابق في انتهاك العِرض والمال والجسد، وتعاونوا على قتل الأبرياء، واغتصاب النساء، وهتك الأعراض، واعتقال الآلاف، وتشريد ملايين الأُسَر، ونهب أموال الشعب بدون وجه حق).

وثانيها : قصة تُروَى على لسان إحدى السجينات تحرِّض فيها شبيبةَ الإخوان على الثورة والانتقام من العسكر؛ لتخليصها من السجن الذي تُغتَصَب فيه أربع مرَّات يوميًا، منذ اعتقالها في إحدى مظاهرات الحرائر.

وثالثها : تحذير المجتمع من بدعة تجنيد الفتيات؛ لأنها تهدف في المقام الأول إلى إمتاع العسكر بأجساد الفتيات أثناء عملهم في قتل المجاهدين في سيناء.

أمّا انتهاكات داعش، فحدِّث ولا حرج، بداية من اغتصاب نساء اليزيديين والكلدانيين والمسيحيين في العراق، ومرورًا بممارسة الجنس الجماعي مع الغانيات التُّركيات، اللواتي تطوَّعن لهذا الغرض، وأخيرًا جهاد النكاح الذي تحدَّثتْ عنه معظم الدوائر الغربية، وجماعات حقوق الإنسان على أنه ظاهرة.

ونخلص من ذلك، إلى أن الأيدولوجية الجنسية في الجماعات الإرهابية قد كشفَتْ عن زَيْفِ معتَقدها، وهمجية سلوك أربابها.

أمّا أوجه الشبه بين فرقة الحشاشين - باعتبارها الجماعة المؤسسة للأيدولوجية الجنسية - والعصابات الإرهابية المعاصرة فهذا لا يغفله أحد، ولا يمكن إنكاره.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل هناك قوة مخططة لهذه الأيدولوجية التي تفشّت في معظم الجماعات الراديكالية المتدينة؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه في المقالات التالية.

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

مجدي ابراهيملا بدّ للعبارة التي تحتوي على جملة تتكوَّن من مجموعة الألفاظ المشيرة إلى دلالات حسية، أن تؤدي فوق ما تشير إليه من محسوس غرضاً مفتوحاً يصعد على الواقع ويرتفع عنه كلما صعدنا مع اللفظ إلى ما ورائه. وليس يكفي أن تجيء إشارته إلى ما هو موجود في عالم الواقع ومتلبِّس بحقائقه المشخّصة تلبُّساً لا يزحزحه عنها قيد أنملة، بل من المحقق أن تجيء إشارته مرهونة بفعالية الكيان الإنساني، وبَمَجْلاه الكلامي، كيما يكون لفْظُهُ امتداداً وجودياً لهذا الكيان : روحاً وجسداً، معنى ولفظاً؛ لأن اللفظ المفتوح هو عينه اللفظ الذي يؤدي غَرَضَاً وجودياً فعَّالاً، ولا يقتصر نشاطه الفاعل على معناه القريب يشير إلى غاية دلالية موجودة في عالم الحسّ.

ومعنى فتح اللفظ هو تلمُّس ما وراءه من أنشطة فعَّالة هى التي يلتف حولها وجود الإنسان "الروحاني"؛ فإنّ هذا النشاط الروحي الفَعَّال لا يصدر عن الإنسان وهو مُقَيد بأوْهَاقه المادية، يعترك عوالم الحركة والإحساس بالمباشرة بل لابد وأنْ تسبقه قوة داخلية (يقظة روحية) هى بمثابة "الحافز الباطني" يجعله يندفع نحو "الفاعلية"، ومن ثمَّ يُقيمُ نشاطه الفاعل على نحو ما يتعامل به مع واقعه، تعاملاً يكون دليلاً على أن الخطاب الموجَّه إليه (والصادر عنه سواء) مبثوثٌ في أول مقام بثاً مباشراً في قواه الداخلية؛ لتكون حافزه للنشاط الفعَّال أو الفاعلية النشطة، يتحرك خلالها فتعمُّ حركته مناحي الحياة الحيّة في كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.

وَلعَلَّ الإشارة إلى "الحافز الباطني" الذي يرتد إليه نشاط الإنسان "الرُّوحاني" تعني النظر إلى ما لنصيب الوجدان والفكر في حياة اللغة؛ فإذا كان للمجتمع وللبيئة نصيبٌ في هذه الحياة من حيث كون اللغة اتّصالاً مع الآخرين وكانت تلك وظيفتها، إنْ في النشأة، وإنْ في التطور؛ فإن للوجدان والعواطف والأفكار والآراء نصيباً ملحوظاً في طبيعة اللغة كذلك. صحيحٌ أن الباحثين اختلفوا حول هذه الطبيعة اللغوية؛ أهى ترتد إلى ظاهرة نفسية خالصة، كما ذهب فريق بالأخذ بهذا القول، أم هى مجرَّد ظاهرة اجتماعية كما أخذ بهذا فريق آخر؟ ولكن من المؤكد أنها : "تعبيرٌ عن انفعالات ووجدانات وأفكار بواسطة دوالُّ وأصوات أقرّها المجتمع وأخذ بها؛ فكم ألهمت العواطف والوجدانات كبار الكتاب والشعراء صوراً ساحرة وتشبيهات بديعة وأخيلة فاتنة؛ إذْ لولا فيض الشعور بحركة الانفعال ما كان هنالك إبداع، وعلى الشعور يستند الفكر عندنا، لا العكس. ربَّما ينتهي التفكير دائماً إلى لغة، هذا صحيح، بل لا سبيل إلى المنطقي والسامي منه بدونها، لكن التفكير نفسه يستند إلى فورة الشعور ودفقة الوجدان، ولا يستند الشعور على الفكر أبداً، وقديماً قال أفلاطون :" إنّ التفكير كلامٌ  نفسيِّ "، وهو ما عبَّر الشاعر العربي بقوله :

إنَّ الكَلامَ لَفي الفُؤَاد وإنَّمَا        جُعِلَ اللّسَانُ على الفُؤادِ دَلَيلاً

كل ما هو في الباطن من حوافز شعورية، هو بمثابة الأصل الأصيل تقوم عليه عناصر اللغة كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور، رحمه الله، في "اللغة والأدب" :" وجدان وعاطفة، وفكر ورأي، وبيئة ومجتمع، ومدلولات ودوال".

قد تجيءُ مفردات اللغة رامية إلى دلالات حسيّة ومعان مجسَّدة، فإذا لم تكن لها من قوة رامزة إلى ما بعدها ترمز بها إلى غايات أعلى وأبعد من الواقع وأعمق أثراً من تجسيد الحسِّ على ما هو عليه، فلا أقلَّ من كونها تموت وتفنى بفناء ما ترمي إليه من وقائع وأحداث.

إنّما للفظة العربية شاعريتها، ومعنى كلمة "شاعريتها" أنَّ  لها ما وراءها المفتوح، به تتخطى الواقع وتتجاوز مفاهيمه ومراسيمه إنْ كانت لـه مفاهيم ثابتة ومراسيم دائمة بثبوت ودوام "الماهيات" التي لا تبلي بلاء ما يحدث في عالم الحس والتجربة: تتجاوز الواقع؛ لتتصل بالمعنى المجرَّد من وراء اللفظ، وهى مع كل "مجاز" للظاهر المحسوس تأتي مشحونة بالمعنى والدلالة، وبالكشف عن خبايا الشعور وبالتعبير عن أعمق حالات الوجدان، هذا إذا نحن شئنا للفظ أن ينفتح للتلقي والإرسال سواء؛ فليس قصاراه، كما تقدَّم، أن يشير إلى الحسِّ وكفى؛ ولكنه فوق ما يشير إليه من محسوس يرمي كذلك إلى غايات بعيدة غير محسوسة تتعدَّد فيها المعاني وتتنوع بمقدار ما في الشعور من رَهَافة وتذوق، وبمقدار ما في الطاقة الباطنة من تصوِّر وَخَيَال.

وعليه؛ فمن خطأ الرأي عندنا أن يُقال :"إن اللفظ مرتبط بالمعنى، والمعنى مرتبط بالشيء الذي يشير إليه كما يدل المعنى الاشتقاقي"؛ بحجة قصر اللفظ، لا فتحه ! على المعنى الاشتقاقي المشار إليه وكفي. وقد خطَّأ البلاغيون القدماء هذا الرأي؛ ومنهم عبد القاهر في "الدلائل" وتابعه الفخر الرازي في "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز"، واعتبروا فصاحة الكلام لا ترجع إلى اللفظ وإنما ترجع إلى المعنى، وأن دلالة الكناية والمجاز والاستعارة دلالة عقلية معنوية وليست هى بالدلالة الشيئية الحسية؛ وأنه لا يجوز عَوْدُ الفصاحة والبلاغة إلى الدلالة اللفظية. وإذا كانت المدلولات خاضعة لقوة الشعور بكل ما في الشعور من إحساس وعواطف وأفكار، وكانت (أي المدلولات) هى هى المعاني تستند على وجدان الشعور، صار لابد لها من "دوالِّ" تبرزها وتعبِّر عنها، ومن ثمَّ وجب التلازم الضروري بين الدالِّ والمدلول.

غير أنه مع هذا التلازم المشروع بل والضروري تجيءُ الألفاظ في الأصل صوراً ضئيلة جداً للمعاني. والمعاني إنْ هى إلاّ صور ضئيلة جداً للحقائق، والحقائق في عظمتها وجبروتها لا تدرك كل الإدراك ولا يُحاط بعظمتها كل الإحاطة؛ كالألم، على لذْغِه، لم يكن صورة كاملة للداء؛ وكالدمع، على حرارته، لم يكن صورة مقارنة لما في الأحشاء من تقلب وهياج.

ومن هنا، كان مجاز اللغة الشاعرة هو وحده المُعِين على تحليق العربي لإصابة الحقيقة بسليقته اللغوية والتعبير عنها، اتصالاً أو انفصالاً، بالمعاني الرمزية والمجازية. والمجاز كما يُعرِّفه عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز بأنه:" كل كلمة أرُيد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول، وإنْ شئت قلت : كل كلمة جُزْتَ بها ما وقعت له في  وضع الواضع إلى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعاً لملاحظة بين ما تُجُوِّز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها". وإنما يريد بالملاحظة العلاقة المنعقدة بين الكلمة في أصل معناها وما نقلت إليه كالشجاعة في الأسد.

وهناك أمثلة كثيرة على المجاز وأنواعه ضمَّنَها البلاغيون كتبهم، مثلما ذهب "الشوكاني" في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وكلهم في الغالب يقتبسون من عبد القاهر تعريفه للحقيقة والمجاز؛ كما يستلهمون منه كثيراً من أمثلته، فقد ذهب الرازي في "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" مثلما ذهب عبد القاهر، وتحدث عن المجاز في الإثبات أو في الإسناد، وهو المجاز العقلي في مثل "أنْبَتَ الربيع البقل" والمُنبت الحقيقي هو الله جَلَّ جلاله. وذهب عبد القاهر إلى أن صيغة هذا المجاز قد يأتي الفاعل الحقيقي معها في وضوح كما في المثال السابق وتجري على شاكلته الآية الكريمة :"فما ربحت تجارتهم"، فإن تقديرها فما ربحوا في تجارتهم، وقد لا تأتي معها ألبتة.

ومرَّدُ هذا كلُّه عندنا إلى التذوق والخيال، وإلى شاعرية اللفظ والمعنى على السواء. وسليقة اللغة، فيما يرى العقاد، في "اللغة الشاعرة":" هى التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود على الأثر إذا سمع واصفاً يصف حسناء بأنها : "بدرُ على غصن فوق كثيب". ولما كان ذهن السامع العربي تعوَّد النفاذ من الصور الحسِّية إلى دلالتها النفسية؛ فإنه لا يرسم في ذهنه قمراً وغصن شجرة وكومة من الرمل حين يستمع لتلك العبارة، لكنه يفهم من البدر إشراق الوجه، ومن الغُصن نضرة الشباب ولين الأعطاف، ومن الكثيب فرَاهة الجسم ودلالته على الصحة وتناسب الأعضاء".

اللغة العربية لغة المجاز ما في ذلك شك، كما قال ابن جنيِّ (ت392هـ) صاحب الخصائص: "أكثرُ اللغة مجاز"؛ وذلك لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى حدود المعاني المجرَّدة، وهى عندنا (أي المعاني المُجرَّدة) ليس لها حدود لو علّقناها على قوة الشعور ووفرة الباطن بفاعلية النشاط الروحي، وهذه المجاوزة أو "التجاوز"، أو التعدي إلى ما وراء، هو ما نعنيه نحن بــ " ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة"؛ على بساطة الرؤية والتصوَّر والإدراك.

فلا تكفي "اللفظة" لدينا أن تشير إلى واقع حسيِّ مرئيِّ محدود، حتى ولو كان الناس جميعاً قد تواضعوا عليه. ولكن على الرغم من إشارتها إلى واقع بعينه تجدنا مع فتح اللفظ ومع إيحاءاته، نفهم منه مدلولات لم نكن قد فهمناها من قبل عند اقتصار النظر على الدلالة الحسية ولا عند اقتصاره على فهم الذين تواطئوا عليه؛ لأننا إذْ ذاك كُنَّا انتقلنا مع اللفظ من موجود إلى مجهول، ومن صورة إلى معنى، ومن فيزيقا إلى ميتافيزيقا، ومن شهادة إلى غيب، ومن مرئي إلى لا مرئي، ومن دلالة ظاهرة إلى دلالة مبطونة، وممَّا هو معلوم لدينا بالضرورة إلى ما لم نكن نعلمه ممَّا لم يخطر لنا على بال.

 

د. مجدي إبراهيم

 

عبد الله الفيفييُورِد (الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمَّد، -503هـ= 1109م)، في كتابه "محاضرات الأدباء ومحاورات الشُّعراء والبلغاء"(1)، عن فائدة موت البنت وتمنِّيه، ما زعمَهما حديثَين نبويَّين، يقول الأوَّل: "نِعْمَ الخَتَنُ القَبْر!"- والخَتَن: الزَّوْج- ويقول الآخَر: "دَفْنُ البَنات من المَكْرُمات!" وهذا (الراغب)، طبعًا، هو صاحب "المفردات في غريب القرآن"، وما أدراك ما هُوَه!  ما يمنحه الموثوقيَّة والإجلال لدَى العوام.  ويبدو أن صاحبنا مُغْرَمٌ بـ"الغريب" في كلِّ شيء، وإنْ كان مكذوبًا! فيا للعجب ممَّا تَجِد كُتبَ التراث قد حُشِيت به من الغرائب والأباطيل، مع تمجيدها لدَى عامَّة الناس، ورفع أصحابها إلى درجاتٍ من التنزيه، بل ربما من التقديس!

وكان قبله (الثعالبي، أبو منصور، -429هـ= 1038م) قد عَدَّ هذين النصَّين، في كتابه "التمثيل والمحاضرة"(2)، من جوامع الكَلِم، وذلك في باب حُسن الاستعارات!

ولقد نبَّة بعض العلماء المعاصرين على أن هذين النصَّين من موضوعات الأحاديث، المختلقة على رسول الله.(3)  غير أن اللافت هنا ذلك الاحتفاء "العُذْريُّ" الواسع بمثل هذه النصوص، قديمًا وحديثًا، مع التماس النعوت البلاغيَّة لإضفائها عليها.  ما يدلُّ على أن الأفكار الجاهليَّة قد ظلَّت معشعشةً في الرؤوس، وما زالت، وإنْ لُبِّست بأزياء شتَّى.  بل الأغرب من ذلك إلصاق مثل هذين النصَّين بالحديث النبوي!  فما الدافع إلى ذلك كلِّه؟!  ليس سِوَى مشروعٍ قديمٍ لأَسْلَمَة الجاهليَّة، وإنْ بهذه الصورة الفَجَّة المفتضحة!  نعم، لو قيل إن النصَّين من أحاديث (أبي جهل)، لانطلَى ذلك على الناس، من دون حاجةٍ إلى عِلْمٍ بصحيح الحديث وموضوعه ومكذوبه.  مع أنَّ أبا جهل نفسه لم يُشهَر بوأد البنات!  ما يعني أن الإشكال ليس في العِلم بالحديث أو الجهل به، ولا في تقدير القيمة البلاغيَّة الكامنة خلف النصوص، حتى إنَّ الثعالبيَّ لم يَجِد مثيلًا ولا بديلًا، بل العِلَّة- قبل كلِّ شيء وبعده- في ثقافةٍ فاسدةٍ مفسِدةٍ مستحكمة، تُعجَب بالمضمون، فتُروِّج للنصَّ، نحلًا، وتحسينًا؛ حتى ليَصِحُّ في أصحابها قول (يزيد بن الطثرية):

أَتاني هَواها قَبلَ أَنْ أَعرِفَ الهَوَى ... فَصادَفَ قَلبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا

على أنه ليس قلبًا خاليًا هاهنا، إلَّا من الحقِّ والخير والجَمال.

المفارقة أنَّ (الراغب) قد أعقب ما ذكرَ آنفًا، وعلى الصفحة نفسها، بكلامٍ ينقض ما سبق، كان خليقًا أن ينبِّهه إلى خَطَل ما روَى، لو أنه كان يعقل ما يكتب، لا يعاني الكَمَهَ الثقافيَّ، أو لم يكن كمعظم هؤلاء المؤلِّفين من القدماء (حاطب روايات).  وهو قوله تحت عنوان «وأد البنات»:

"كانت العرب تَئِد البنات، إلى أن جاء النبيُّ، صلى الله عليه وسلَّم، فنهَى عن ذلك، وأنزل الله تعالى: "وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ؟"  ودخل قيس بن عاصم على النبيِّ، صلى الله عليه وسلَّم، فقال: إنِّي وأدتُ اثنتي عشرة بنتًا، فما أصنع؟ فقال: أعتق عن كلِّ موءودةٍ نسمة. فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: فما الذي حملك على ذلك وأنت أكثر العرب مالًا؟ قال: مخافة أن ينكحهن مثلك! فتبسَّم رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم، وقال: هذا سيِّد أهل الوبر [كذا!]. وقال قيس: ما وُلِدَت لي ابنةٌ إلَّا وأدتُها سِوَى بُنَيَّةٍ ولدتْها أُمُّها وأنا في سفر، فلمَّا عُدتُ ذكرتْ أنها وَلدتْ ابنةً ميتة، فأودعتْها أخوالها حتى كبرتْ، فأدخلتْها منزلي متزيِّنةً فاستحسنتُها، فقلتُ: من هذه؟ فقالت: هذه ابنتك، وهي التي أخبرتك أنَّني ولدتُها ميتة، فأخذتُها ودفنتُها حَيَّة، وهي تصيح، وتقول: أتتركني هكذا؟! فلم أعرِّج عليها! فقال، صلى الله عليه وسلم: مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم!"

وإذا كان الوأد- كما يقول كاتب هذا المقال أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي- قد انتهى في الممارسة بمنع الإسلام إيَّاه، فلقد استمرت فكرةُ الوأد في نفوس بعض العرب بعد الإسلام.  يفضح ذلك، على نحوٍ مباشر، ما يسوقه (الماوردي)(4) من أن (عقيل بن علّفة، -100هـ= 718م)، لمَّا خُطِبتْ إليه ابنته الجرباء، ارتجز:

إنِّي وإنْ سِيقَ إليَّ المَهْـرُ

ألفٌ وعِـبدانٌ وذَوْدٌ عَـشْرُ

(أحـَبُّ أصهـارٍ إِلَيَّ القَبْرُ!)

كما أورد قول (عبدالله بن طاهر، -230هـ= 844م):

لكُلِّ أَبٍ بِنْتٌ يُراعي شُـؤونَها ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُـمِدَ الصِّهْـرُ

فَبَعْلٌ يُراعيها، وخِدْرٌ يُكِـنُّها، ... وقَبْرٌ يُواريها، (وأفضلُها القَبْرُ!)

إلى غير هذه من النصوص الداعية إلى وأد البنات صراحةً، لدَى (الفرزدق)، و(البحتري)، و(أبي العلاء المعري).(5)  لكنَّنا لا نقرأ تراثنا، أو نقرأه ولا نفهمه، أو نقرأه ونفهمه ونعشقه بغثِّه وسمينه؛ لأننا لا نميز الخبيث منه من الطيِّب، أو لأننا- بالأحرى- ما برحنا بعقليَّات منتجيه، وإنْ تظاهرنا بخلاف ذلك.  وقديمًا فَهِمَ الشَّعبُ مِثْلَ هذه الحالة ببساطة، فقال: "اللِّي فينا فينا، مهما رُحنا ومهما جينا!"

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  انظر: الراغب الأصفهاني، (د.ت)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشُّعراء والبلغاء، (بيروت: دار مكتبة الحياة)، 1: 326. 

(2)  بتحقيق: عبد الفتاح محمَّد الحلو (القاهرة: الدار العربيَّة للكتاب، 1983)، 24.

(3)   انظر مثلًا: أبو شقة، عبد الحليم، (1999)، تحرير المرأة في عصر الرسالة، (الكويت/ القاهرة: دار القلم)، 1: 13.

(4) (1984)، أدب الدُّنيا والدِّين، شرح وتعليق: كريم راجح (بيروت: دار اقرأ)، 175. 

(5) انظر كتابي: (2006)، نَقْدُ القِيَم: مقارباتٌ تخطيطيَّـةٌ لمنهاجٍ عِلْمِيٍّ جديد، (بيروت: مؤسَّسة الانتشار العَرَبي)، 93- 96. 

 

عصمت نصارأمسكتُ بقلمي وشرعت في كتابة التمهيد لموضوع (أثر حواء الأرضيّة وحورية السماوية والمتعة الجنسية في الاتجاهات الدينية والسياسية الحديثة والمعاصرة) ورحت أراجع المصادر التي سوف أعول عليها في السرد والتوثيق، وما هى إلا دقائق معدودات ووجدتني أعدل عن ما انتويت، وعلة ذلك ترد إلى كثرة الاتجاهات والمذاهب والجماعات الدينية والسياسية التي لعب الجنس في بنيتها العقدية والفكرية الدور الرئيس، مثل الماسونية، والحشاشين، ويهود الدونما،  والبابية، والبهائية، وعبدة الشيطان، والتورانية، والإخوان المسلمين.

الأمر الذي يصعب عرضه في مقال واحد ووجدت في مكتبتي ما يعينني على كتابة موقف جماعة الإخوان المسلمين من الشهوة الجنسية، فتذكرت أن أشهر من تحدث في هذا الموضوع هو الجهادي الأشهر "سيد قطب" ذلك الذي اعتبره معظم المتأسلمين المعاصرين إمامهم الثائر وأستاذهم المعلم.

ولمّا كان الجنوح والجموح صنوان لا يفترقان - في هاتيك المذاهب والاتجاهات -، فقد وجدنا في كتابات "سيد قطب" عن المتعة الجنسية والعري خير تطبيق للأنساق المضطربة التي تنتقل من النقيض إلى النقيض دون مبرر منطقي، فلم يعنى "سيد قطب" خلال حديثه عن القيم الأخلاقية وأدرانها التي تصيب سلوك الفرد وعوائد المجتمع وثقافته سوى العري والشهوة الجنسية، فإذا سألته عن مكائد الغرب لإفساد المجتمع الإسلامي أجابك أنه الجنس والصور العارية والأفلام المثيرة للغرائز، فالأفخاذ والنهود والاختلاط بين الجنسين والإباحية في ممارسة الجنس وغير ذلك من القيم الغربية التي تدرجها ثقافة الأوربيين والأمريكان ضمن أخلاقيات الحريّة ما هى سوى سمومٍ دفعت بها الرأسمالية الغربية وجيشتها لغزو ثقافتنا الإسلامية لإفساد ديننا وتبديد ثرواتنا وإنهاك قوانا البدنية وإهدار طاقتنا الذهنية وإغواء شبابنا.

وكأن خطيئة حواء التي تحدثت عنها الأساطير هى معضلة المعضلات التي إذا ما تغلبنا عليها أو قهرناها تم لبني البشر الخلاص وعادوا سالمين إلى جنة الخلد، وقد ظل هذا الرأي المرجع الرئيس في كتابات وأحاديث معظم التيارات الجانحة الإسلامية المعاصرة، فلم يذكروا المرأة إلا في سياق حديثهم عن الفتنة والزنا والفجور والإثارة والشهوة والرذيلة، أما الحديث عن الجنس فهو من المحرمات التي لا ينبغي التطرق إليها حتى بين الزوجين، ولما لا؟! فالأنثى عندهم هى المطية التي يجب ختانها وحجبها عن المجتمع حتى لا تنفض عذريتها أو ينتهك عفافها، وهى لا تصلح بطبيعة الحال عندهم إلا للجماع وإنجاب الأولاد، ولا نغالي إذا ما قررنا أن هذه النظرة الحسية الجائرة هى الغالبة على ذهن عوامهم وخواصهم بدرجات غير متفاوتة، وليس أدل على ذلك من عشرات البرامج التليفزيونية التي تتحدث عن حجاب المرأة ونقابها ومضار الاختلاط بين الجنسين ومزايا الزواج المبكر من القاصرات، وبعض فتاويهم الشاذة التي تبرر بعض الأوضاع الجنسية المحرمة وتحرم في الوقت نفسه مطالبة المرأة بحقوقها الجنسية وحسن معاملتها في الفراش.

ناهيك عن تلك الأخبار المتواترة عن السلوك الجنسي السائد بين أفراد الجماعة وأسرهم تلك التي تقطع بوجود علاقات جنسية شاذة (السّحاق واللواط والممارسة الجنسية الجماعية) والحديث لا يخص التنظيم في مصر فحسب، بل في سائر الأقطار الشرقية والغربية، فمعظم معتقليهم وسجنائهم كانوا يمارسون اللواط، وكان بعض زوجاتهم في الخارج يمارسن السّحاق مع أقرانهن من عضوات الجماع، ذلك فضلا عن زواج المتعة والجهاد الذي كان يمارسونه بتوجيه من (صدر المرشد) - وهو المسئول عن معالجة الأوضاع الاجتماعية داخل الجماعة.

وتشير بعض المواقع الإلكترونية إلى وجود كوادر جنسية تستقطب الشواذ من الجنسين وضمهم إلى الجماعة وإخضاعهم بعد ذلك لسياسة المرشد لتحقيق أغراض التنظيم في شتى الميادين؛ الأمر الذي يبرر الكثير من العلاقات الجنسية المشبوهة بين أفراد الجماعة والعديد من الشخصيات السياسية الأوروبية والأمريكية والخليجية من الشواذ جنسياً.

ولمّا كان البحث العلمي لا يعتمد إلا على المصادر الموثوق في صحتها فلن نعول كثيرًا على تلك الأخبار التي تتردد بين الأفراد المنشقين عن تنظيم الإخوان المسلمين، فما أكثر الحكايات المُلفقة التي تصدر عن هذا التنظيم وعن خصومه أيضًاً والذي يعنينا في هذا السياق هو كتابات "سيد قطب" في هذا الموضوع؛ تلك التي كانت موضع تساجل بين "محمود عبد الحليم" عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، والشيخ "يوسف القرضاوي" عضو التنظيم حول علة انتقال كتابات "سيد قطب" عن الجنس والعري من الإباحية إلى التعصب والتزمت وغير ذلك من التعليقات التي جاء فيها أن "حسن البنا" قد ألتمس بعض العذر لما ورد في مقالات "سيد قطب" عن العري ودعوته للإباحية الجنسية وتشكيك شبيبة الإخوان في انتساب هذه المقالات إلى إمامهم وقدوتهم؛ الأمر الذي دفعنا للتثبت من الواقعات وتحليلها في ضوء دراستنا لفلسفة الجنس.

فقد بدأت كتابات "سيد قطب" في مقال له على صفحات جريدة الأهرام بعنوان "خواطر المصيف - الشواطئ الميتة" بتاريخ (10 يوليو 1938) ذلك الذي ذكر فيه أن شواطئ العراة أقل إثارة لمرتاديها من الصور العارية التي تنشر على أغلفة المجلات وأن ارتداء الفتيات للمايوهات والبرانس يثير شهوات الشباب أكثر من الأجساد العارية تماما  ". إنّ صورة واحدة عارية مما ينشر فى الصحف أفتن من شاطئ كامل يموج بالعاريات، لأن الصورة المصغرة تثير الخيال الذى يأخذ فى تكبيرها والتطلع إلى ما ورائها من حقيقة، وهذا هو الخطر، أما الجسم العاري فواضح مكشوف، وصعب على الكثيرين تصديق هذه الحقيقة، أما الذين ذهبوا إلى الشاطئ وهم مجردون من الرأي السابق فيها ومن التحفز لمرائيها، فيعلمون فى ذات أنفسهم صدق ما أقول ".

".... أطلقوا الشواطئ عارية لاعبة أيها المصلحون الغيورون على الأخلاق؛ فذلك خير ضامن لتهدئة الشهوات الجامحة وخير ضامن للأخلاق".

ثم نجده يكتب على صفحات مجلة الفكر الجديد عدد (يناير 1948) مقالا بعنوان "أفخاذ ونهود" عن العري وأثره على شبيبة المسلمين مبينًا أن الإثارة الجنسية التي يقدمها الغرب على صفحات المجلات حيث صور الفتيات ذات الأفخاذ والنهود والأرداف لا تقل خطورة على أخلاقيات المجتمع الإسلامي عن المخدرات " .. إنهم يعطونك في مجلاتهم صور أفخاذ ونهود، تلهو بها، وتحلم أحلاما شهوية خيالية، ليستمتعوا هم بالأفخاذ والنهود ذاتها لا بالصور الميتة على الورق!!" ثم يصف الجنس بأنه أحط الشهوات التي يسعد بها الكلاب والخنازير والحمير وفصل بين الحب والجنس باعتبار الأول قيمة روحيّة، والثاني دنس وشهوة.

ولا ريب في أن موضوع الشهوة الجنسية كان من الموضوعات الرئيسة التي خصّها "سيد قطب" بالكثير من مقالاته بعد عودته من أمريكا، ولاسيما عند تناوله أخلاقيات المجتمع الإسلامي فها هو على صفحات مجلة الرسالة العدد (959 سنة 1951) مقال بعنوان "أمريكا التي رأيت" يصف المجتمع الأمريكي بالبوهيمية والبدائية والانحلال، استنادًاً على العلاقات الجنسية التي يمارسونها في الشوارع وعلى الشواطيء دون تحرج، وكذا الإباحية في ممارسة الجنس تلك التي لا تخضع إلا للرغبة والقدرة والإعجاب المتبادل بين الذكر والأنثى " ... والأمريكي بدائي في حياته الجنسية، وفي علاقات الزواج والأسرة.

ولقد مررتُ في أثناء دراساتي للكتاب المقدس بتلك الآية الواردة في «العهد القديم»، حكاية عن خلق الله للبشر أول مرة وهى تقول: (ذكراً وأنثى خلقهم) مررت بهذه الآية كثيراً، فلم يتمثل لي معناها عادياً واضحاً جاهراً، كما تمثل لي في أثناء حياتي بأمريكا.

إنّ كل ما تعبت الحياة البشرية الطويلة في خلقه وصيانته من آداب الجنس، وكل ما صاغته حول هذه العلاقات من عواطف ومشاعر، وكل ما جاهدت من غلاظة الحس، وجهامة الغريزة، لتطلقه إشعاعات مرفرفة، وهالات مجنحة، وأشواق طليقة. وكل الروابط الوثيقة حول تلك العلاقات في شعور الفرد، وفي حياة الأسرة وفي محيط الجماعة. . إن هذا كله قد تجردت منه الحياة في أمريكا مرة واحدة، وتجلت عارية عاطلة من كل تجمل (ذكرًاً وأنثى) كما خلقهم أول مرة جسداً لجسد، وأنثى لذكر، على أساس مطالب الجسد ودوافعه، تقوم العلاقات وتتحدد الصلات، ومنها تستمد قواعد السلوك وآداب المجتمع، وروابط الأسرة والأفراد ...".

"... وتطلع عليك الفتاة كأنها الجنيّة المسحورة أو الحوراء الهاربة. ولكن ما إن تقرب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها مجرّدة من كل إشعاع، وحتى تشم رائحة الجسد المحترق لنكهة العطر الفواح. ثم تنتهي إلى لحم. مجرد لحم. لحم شهي حقاً، ولكنه لحم على كل حال ..".

"... وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوماً أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب. شاهدتها بوفرة، ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه .. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيّده قيد، ولا يقف عند حد. وللصداقات بين الجنسين، تلك التي يباح معها كل شيء، وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة، والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة ...".

ويترائى لي أن ذلك البون الشاسع بين كتابات "سيد قطب" الإباحية عن العري وجماليات الجنس في أخريات الثلاثينات وحديثه عن الجنس في نهاية الأربعينيات باعتباره أصل كل الرذائل الأخلاقية، لا يحتاج إلى تعقيب فالاضطراب واضح بين الخطاب المسكوت عنه في سلوكيات تنظيم الإخوان والخطاب المباح الذي يرتدي عباءة التشدد والتعصب والتدين المصاحب للنظرة المتعالية (الشيڤونية) من قبل أفراد جماعة الإخوان، فالكبت الجنسي الذي يتسم به سلوك الإخوان في عيون الأغيار يخفي ذلك الشغف والشبق والمجون والشذوذ المتفشي بينهم.

فاللذة الجنسية التي يضعها "سيد قطب" ضمن الشهوات المرذولة، نجده يسمو بها إلى درجة النعيم عند حديثه عن حور العين ذلك الحديث الذي جاء مقتضبًا إلى حدٍ كبير واقتصر على أنها لون من ألوان السعادة الذي لا يظفر بها إلا من سار على نهج الأوائل في العبادة وطاعة الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصف حور العين بأنهن العذارى اللواتي لم تمسهن يد، ولم تخدشهن عين، وهن الحسان العفيفات واسعات العيون، واهتم في ذلك الوصف بالجانب الجمالي الحسي وليس الروحي. وقد ورد ذلك في تفسيره لسورتي الواقعة والرحمن ثم استدرك ووصف الاستمتاع بحور العين على أنه أمتع ما يجول في خواطر البشر من متاع جميل.

وإذا ما انتقلنا من النظرة الجزئية إلى القراءة الكلية لأدركنا أن الجنس عند الجماعات السرية بوجه عام، والراديكالية الدينية منها على وجه الخصوص، كان بمثابة نقطة الانطلاق لاجتذاب الأنصار من جهة، وآلية لإخضاع بعضهم لتحقيق أهداف التنظيم من جهة أخرى، فالزواج المبكر والمتعدد بين أعضاء تنظيم الإخوان ميسورٌ ولا سيما في الطبقات الدنيا. أمّا في طبقة النخبة؛ فكان أكثر بساطة فالمصاهرة بينهم واجبة ولا يحق لعضو التنظيم أن يتزوج من خارج الجماعة في أغلب الأحايين.

وقد اجتذبت هذه الظاهرة الكثيرين من الشباب في المجتمعات الفقيرة، فما أصعب على شبيبة الطبقات الدنيا من الحصول على المسكن والزوجة الصالحة والعمل - الأمر الذي توفره الجماعة - وفوق ذلك كله الفوز بحور العين في جنة الخلد، ومقابل ذلك هو السمع والطاعة والولاء والانتماء.

وإذا ما انتقلنا إلى علة نظر الخطاب الإخواني إلى الشهوة الجنسية باعتبارها علة الفجور الأخلاقي، والعودة إلى الجاهلية البوهيمية، والباب الذي يدخل منه الشيطان لإفساد المجتمع الإسلامي؛ فسوف ندرك مدى تأثر هذا الخطاب بكتابات "فرويد" عن الجنس باعتباره أحد المحركات الفعالة الموجهة لسلوك الإنسان من جهة، ومسايرتهم للثقافة السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تخاطب الغرائز أكثر من مخاطبتها للعقول من جهة أخرى، فجعلوا من الزواج المبكر الذي يقدمونه طوق النجاة للشباب المتلهف على الممارسة الجنسية في سياقٍ يعصمه من الزنا وارتكاب الفاحشة.

أمّا توظيف الجماعة للجنس في خطاباتهم السياسية ومعالجة مشكلات أسرهم الاجتماعية والنفسية (العنوسة - الأيامى - التّسري- ملك اليمين - الشذوذ) فهو من الأمور التي تخضع إلى التطبيق وليس إلى التنظير، شأنه في ذلك شأن كل الجماعات السريّة التي سوف نتناولها في المقالات التالية.

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

مجدي ابراهيمبالخُلوصِ إلى جوهر الفكرة التي كنا بصددها في المقال السابق، يتعزّز الرأي لدينا في مدى انعكاس الكلمة على ثقافتنا العربية بحيث يمكننا القول إنه لمَّا فقدت الكلمات سلطانها شعرت "الذات العربية" بالغربة عن عالم مرهون في تبعاته بإصلاح القول والفكر والضمير قبل إصلاح الواقع وترقيع المادة وامتلاك الأداة؛ فمثل هذا الشعور اللعين بالغربة والاغتراب سببُه المباشر فقدان الكلمات سلطانها، وتردي اللغة في ضمائر أصحابها لتجيء حاملة من التلف والخراب والنكوص مقدار ما تحمل تلك الضمائر، تلك هى "لغة التمزق" التي أشرنا إليها في المقال الأول.

ومعنى أن تكون الكلمات مفقودة السلطان هو نفس المعنى الذي تجيء فيه الألفاظ مُغَيَّبَة عن الدلالة، شارعةً في الهبوط والنكوص والتردي، مجهولة الهُويَّة الفكرية ومصادر الثقة "بالمعنى" قبل "الحَرْف"، وهو نفس الأمر الذي يصم الثقافة العربية بوصمة العار والشنار : وصمة العنف والإرهاب؛ أعني وصمة الفُرقة والتشتت والافتقار الدائم إلى التوحيد، وإلى ما عَسَاهُ يصدر عن التوحيد من رؤية مُوحّدة. وهذه الوصمة المُعيبة وهذا الافتقار الدائم مردَّهما أغلب الظن إلى "شعور الذات العربية" بعد التشتت والتفرُّق حتى لا تكاد تهتدي إلى سبيل طالما تشعبت أمامها السبل وتفرَّقت؛ شعورها بالاغتراب عن عالمها، يمزقها مثل هذا الشعور إرباً إرباً، ويفتت بواطنها الداخلية التي من شأنها أن تحفزها أن تنهض من كل كبوة تكبوها، وهى مع هذا التمزق؛ تشعر شعوراً ممتعضاً بالاغتراب عن وجودها وهويتها وموطنها، وما ينبغي أن توجد فيه وتستوطن، وما لا ينبغي أن تكترث له أو تمتنع عن الاكتراث.

لغة التّمَزُّق من أسفٍ هى السائدة في بلادنا ! وشعور الذات العربية بالاغتراب هو من جنس شعورها بالفقدان، وشعور الفقدان صادرُ عن حالة قلق تعانيها "الذات العربية" حين تصطرع داخلها الرغبات؛ فلا هى اتجهت بكل قواها نحو المستقبل ولا هى أنجزت من المطامح ما يمكنها من معايشة الواقع كما يعيشه المتقدمون في مجتمعاتهم المتقدمة.

قلقٌ الذات هو قلق يتأرجح بين فرائض الواقع والمستقبل المأمول. وبين ضرورات الواقع وآمال المستقبل تقع هُوَّة سحيقة قلقة تهز شاعرية المثقف العربي، فلا هو إلى ضرورة الواقع وفرائضه ينتسب، ولا هو إلى آمال المستقبل على استعداد للإسهام في تحقيقها أو تحقيق بعض منها كيفما أتفق.

وعليه؛ فشعوره من ثمَّ بالتوتر الدائم إزاء الواقع وملابساته وظروفه أو شعوره بنفس هذا التوتر إزاء المستقبل هو من جنس شعوره بالاغتراب الذي هو شعور في المقام الأول بالفقدان : فقدان الهُوية، وفقدان الخاصّة الذاتية في مكونها الأيديولوجي، وفقدان القيم التي هى بمثابة "الثوابت".

ومن المؤكد أن الواقع العربي الحالي لا تسود فيه القيم الثوابت بحال بل إن قراءة هذا الواقع الراهن تطلعنا بتجاوز هذه القيم وتبديلها بقيم أخرى مستهلكة تتفق مع ما يعانيه واقع المجتمعات العربية من شعور بالفقدان أو شعور بالاغتراب، أحدهما أو كلاهما سواء. والأصل في ذلك كله، كما ترى، يرتد عندنا إلى فقدان الكلمات سلطانها، والتقليل من دور الكلمة في حياتنا الفكرية والثقافية أو في حياتنا الشعورية، وتسطيح فاعليتها التي تعكس صورة الثقافة وقيمها إنْ في مدارجها العليا وإنْ في حياة الأمم والشعوب اليومية، وسواء في حاضر هذه الثقافة أو في ماضيها، حتى أضحي المتحذلقون منا يتندرون منها ساخرين وبمن يتمسك بشرفها ولو فقهوا لعلموا أنها اللحن الخالد، وأنها السلطان الذي لا يعلو عليه سلطان متى استقامت قيم الحياة واعتدلت موازينها في غير عوج وانصلح ترتيبها في غير انحراف.

ويجدرُ بنا في هذا المقام : مقام سلطان اللفظ الحي الفاعل أن نتذكر كلمات الراحل عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الرائعة "الحسين ثائراً"؛ لنقف وقفة نستمع فيها إلى نغمة علويّة تتغنى "بسلطان الكلمة"؛ وبأخلاقها وقِيمَها وفاعليتها، وبشرفها خاصَّة، لتعزف على أوتارها لحناً نديّاً من ألحان الخلود.

أي نعم! قسطاس الحياة الحية كُلَّه كلمة.

" ما دينُ المـرء سوى كلمة

ما شرفُ الرجُلِ سوى كلمة

ما شـرفُ الله سـوى كلمة

أتعـرفُ ما معنى الكلمة؟!

مفتـاحُ الجنَّة في كلمـة

دخـولُ النَّارِ على كلمة

وقضـاءُ الله هو الكلمة

الكلمـةُ لو تَعْرف حُرمـة

زادٌ مَذْخور

الكَلِمَةُ نورٌ

وبعض الكلماتِ قبـور

بعض الكلمات قلاعٌ شامخةٌ يعْتصمُ بها النبُّل البشري

الكلمةُ فُرْقانُ بين نبيِّ وبغيِّ

بالكلمة تنكشف الغُمَّة

الكلمة نور, ودليلٌ تتبَعُه الأمَّة.

عيسى ما كان سوى كلمة؛ أضاء الدنيا بالكلمات وعلَّمها للصَّيَّادين؛ فساروا يهدون العالم!

الكلمةُ زَلْزَلَتْ الظالم

الكلمةُ حِصْنُ الحرية

إنَّ الكلمة مسئولية

إنَّ الرجل هو الكلمة

شرفُ الرجل هو الكلمة

شرفُ الله هـو الكلمة".

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محسن الاكرمينممكن أن تكون الرؤى القديمة تشدنا وتسيطر على مسام عقول التفكير، يمكن أن يشدنا الحنين إلى أحداث تاريخ ماض ونبتسم للحظات صغر التفكير والذات، يمكن أن نمجد الماضي بتمام حسناته ومشكلاته العويصة، و يمكن أن نبخس كذلك حاضرنا بشفط كل تنوعاته الجمالية و التحسينية.

 حين نبقي على وضعيات تدوير التفكير بحدود الذات والانغلاق المنزوي، حين نعمل على تصنيع بخار ضغط متكاثف على مواضع سلبية لتبخيرالذات علوا، فإننا نمكن رطوبة كهوف التجميد أن تعاكس سنة التغيير وتحدث توليفات متطورة للتيار السالب. إنه حتما سوء أداء وظيفة الارتداد النفسي والاجتماعي نحو توسيع خانات التقوقع حول منتصف الذات، إنها تكلفة العوز من تعرية الواقع و نقد عطب الانطلاقة الأولى، وتحييد تلك الفواصل غير المتوقعة ولا المحسوبة بتصميم مخارج نتائجها المفزعة.

 إنها حقا ثقافة الولع الزائد بالغيبيات والتخوفات الآتية من المستقبل المجهول، وماذا يخفي؟. إنها عدم قدرة الثقافة العالمة على التخطيط السليم لمنصات سلم التوافق الحضاري وتنميط قيم التغيير. إنه جهل الاستفادة من أثر ربح التفكير الايجابي بقيمة الذكاء الاجتماعي والإبداع التطويري لمسالك تملك عقد اجتماعي تمثل فيه مؤسسات الدولة دور بطاقة الحصانة، و كذلك تلعب بذلة حكم الوسط في تثبيت مؤسسات الحق والعدل وسد بوابة صندوق التحكم.

حقيقة لا نمتلك الآن ثقافة قادرة على تحصين العقد الاجتماعي المؤسساتي، لا نمتلك حلولا إجرائية وسهلة بالبساطة تمكننا من سد الفجوات المفزعة الكامنة "الساكنة" والمستحدثة. حقيقة أننا لم نجرب الثورة على الذات منذ البداية الانطلاقة الأولى، لم نستلهم بينات على تأثيث قدرات ذاتية للتخلص من استجابات الخنوع و التواكل، و كذا الطموح على هيكلة المؤسسات الاجتماعية غيرالعادلة. حقيقة أن الثقافة المتداولة لازالت تغترف من الماضي سر الكتابة بقلم الرصاص وممحاة رأس التحكم، وتوليفة بزّازة/ رضاعة "الريع حلال" والإكراميات الممتدة.

 الآن، وفي ظل التغيرات الاجتماعية المتفاقمة بالسرعة، وفي ظل طفرة رزمة التحولات المعلوماتية المتلاحقة، بتنا جميعا نعيش ضمن شاشة هاتف أصغر، وبات العالم بين أيدي الجميع بالمكاشفة العارية. الآن، تبقى العادات والتقاليد تحمل شوائب إضافات غير سليمة من ماضي الخرافة ولم نقدر البتة على تجديد نظام القيم بسلم التطوير والتغيير وصولا إلى بناء معادلة صائبة بـ"رمزية الفيزياء" تجمع بين الأصالة المميزة والمعاصرة الكونية. لم نستطع حتى تحرير الذات من تسلط حكم صور سلطة الماضي و التوجه نحو بناء فهم جديد للوعي الحديث و ابتكار ثقافة نظيفة. لم نقدر على محاربة شداد حراس قيم الاتكال والخنوع و مريدي " إكراميات الريع". لم نقدر على ربح حرب هادئة وبدون أسلحة سجال"البوليميك" لإنجاز ثورة مدوية على متخندقات الذات و الآخر المتشنج بالتنطع، وبعدها يمكن التأسيس لبداية تغيير الذوات ثم الالتحاق بتحقيق واقع التمكين والممكن...

نقد الذات وهجاء جرير والفرزدق

 حتى لا نمارس بذخ نقد "الهلاك" ونكون مثل جرير والفرزدق بشعر الهجاء والتنابز الفاضح، لا بد من تملك عمليات النقد تجاه الذات وتصويبها بسهام تجديد الرؤى الموضوعاتية نحو الآخر بالجمع السالم. ففي ظل سنوات التوافق والاحتكام للعقل الجمعي لم تبق لدينا أغلبية "زعيم" التفرد، ولا معارضة " كاريزما" الشراسة، بل بات الحديث بلغة سياسية موحدة و واحدة من اليمين إلى اليسار، ولم نستطع من خلالها الكشف عن مستند الجبهة "المعارضة" ولا "المساندة" للعقد الإجتماعي المؤسساتي. اليوم يجب أن نعترف أن تطور المجتمع أصبحت سكته متصلة بسرعة "تجيفيTGV"، وبعلامات واقفة في المنعرجات "خطر متنوع". هي إذا التحولات المتراكمة والتي ستتحرك مثل كرة الثلج القادمة من الجبل بحدة سرعة المنحدر وبمتسع التفاقم التراكمي.

 من اليوم لا بد أن نستوف آليات التفكير الإيجابي، واعتماد فقه مقاصد المواطنة في بناء تحولات نوعية و تراكمات موضوعية بغية التأسيس لحلم المستقبل. من اليوم يجب أن نبحث عن كل مخفضات سرعة التغيير" سياسية النفعية" والانجراف نحو الأزمات المتعددة. نبحث عن سدود قضائية لكل التغيرات السريعة غير المراقبة بـ "ردار Radar " القيم الاجتماعية ودولة الحق ومؤسسات القانون. من اليوم لا بد من مواجهة كمون / سكونية التغيير"التقية" والوثوق في الأداء الجماعي التطويري لإقلاع المجتمع من مدرج الإنصاف والعدل، لا بد من مواجهة عمليات التيئيس بتحقيق الكرامة واحترام إنسانية الإنسان، لا بد من مناصرة الثقة والصدق في المستقبل وشق مسارات التغيير المتمركزة على العقد الاجتماعي المشترك ودولة العدالة الفاضلة.

الثورة على الإحباط والتيئيس هي من بوابات استشراف المستقبل، و في بناء تركيبات الفعل "الرافع لسلطة الفاعل المدني والسياسي" ، يجب أن يمتلك الشعب آليات تصويب الإصلاح بالتسريع المريح وأكياس الأمان. يجب أن تكون الرافعات الأساس ركيزة تضع المراقبة والمتابعة في يد المجتمع المدني و الفاعل السياسي اللا- انتهازي.

 الثورة على الإقصاء والتهميش يجب أن يكون جوهريا وبلا عودة إلى متاهات التحكم وإحداث إكراميات "الريع حلال"، يجب نسف كل الفوارق الاجتماعية العمودية والتي تشكل هرم"خوفو" الآيل للسقوط، يجب أن تكون طريق التطور حلما جماعيا لا نخبويا.

صدق التغيير، ينبعث من بناء آليات تفكير للذوات بالايجابية، صدق البناء يكون بقبول الاختلاف والقفز عن سياسة الإقصاء. صدق الربح، حين تتم ضبط عقارب تحرك الذوات وفق التوافق و مد يد الصداقة للجميع. صدق القول، لن يتم إلا عبر العناية بتتميم ممرات التفكير الحر وتحكيم حكامة المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وكذا من خلال العناية بالذات والاعتراف بها كفاعل محرك للتغيير.

 إنها أصعب المسارات التي تتناول الانتقال من أنانية الذات المنزوية إلى نقيضها المنفتح على القيم والمعتقدات والثوابت اللازمة للعيش المشترك، إنها فسحة توطين الذاكرة المشتركة الجماعية بالاعتراف المتبادل حتى بين الهويات الفر دانية. فحين تنكسر الذوات و يسود الإحباط تنمو المواقف السلبية و تظهر الآثار الجانبية وتصبح الهزيمة واقعة تسيطر على الذات ونحو الآخر بالتوسع . لنختم بأننا سواء بالإفراد والجمع في حاجة ماسة إلى خلوة مع الذات بالمنظور الجماعي، خلوة غير صوفية تفتح الحوار مع "أنا" و"الآخر" بمتغير التموقع، وتساءل العقد الاجتماعي المؤسساتي بمتسع العدل والقانون والكرامة.

 

محسن الأكرمين

 

عامر عبدزيد الوائليما بعد الهويات القاتلة ومدخلية الدين في تشكيل الفضاء الهوياتي المنفتح (4)

الهوية الوطنية لأي شعب، ليس معطى ثابتا ومنجزا نهائيا. انها تتشكل في مجرى التطور التاريخي –الموضوعي، ومن خلال نضج أو انضاج المقومات " 

الهوية والذاكرة والسرد تحديد مفهومي: إن مفهوم الهوية في الواقع بالمعنى السائد اليوم، هو من مفاهيم الحداثة الغربية، التي ارتبطت بالسياق التاريخي لتطور مفهوم الدولة الحديثة في أوروبا، والذي واكب ظهور، وتشكل، ثم صعود البرجوازية (سكان المدن) في قلب أحشاء المجتمعات الإقطاعية في أوروبا. مما مهد الطريق لانبثاق مفاهيم جديدة حديثة تعاضدَ فيها الدولة ومفهوم الأمة وهي ما اصطلح عليها " بدولة الأمة ". فعندما نعود إلى الحفر الذي قام به (كلود دوبار) نجد انه رصد تحولات الفكر الغربي وما صاحبة من تغيرات فكرية وعقائدية إذ عرض إلى ثلاث نظريات هي: نظرية سياسية لدى (نورت اليأس) تمثل صيرورة حضارية، ونظرية رمزية لدى (ماكس فيبر) تمثل صيرورة عقلية، ونظرية اقتصادية لدى (ماركس) تمثل صيرورة ثورية. ويشير كلود دوبار إلى (أن مصطلح "هوية" أنموذج للكلمة المنحوتة التي يعكس عليها كل منا معتقداته ومزاجاته ومواقفه). (1)

إن مفهوم الهوية واحد من المفاهيم التي تتصف بالتأزم المفهومي اليوم في مشكلة اليوم في تعبيرها المضمر وهو المعلن عن الشرخ الذي تعانيه الدول نتيجة إلى انشطارها أو اندماجها المبني على الإكراه أو الإقصاء القائم على استعلاء قومي أو اثني من احد المكونات على غيرها تحت ذريعة الدمج في مفهوم دولة الأمة، مما يسهم في تسميم الفضاء العمومي لكونه مبنيًّا على الإقصاء وليس الشراكة المتساوية في الحقوق والواجبات أي تحقيق لمنطق العدالة في توزيع السلطة والحقوق والشراكة مما يسهم في خلق فضاء عمومي قائم على مبدأ العمومية بوصفه شرطا لكل علاقة من الآخر "وهو ما تسميه (حنة ارندت) "البعد السياسي التواصلي" الذي يخلق فضاء عموميا لكل وجهات النظر قائما على ما يسميه كانط " مبدأ العمومية بوصفه المبدأ الذي يتحكم بكل العملية السياسية "(2).

ومن هنا فالهوية من زاوية معيارية وتواصلية مرتبطة إلى حد بعيد بالإبعاد:الرمزية وحركية الأزمة والحراك الاجتماعي وهذه كلها تخوضها الأمة إثناء التأسيس إلى عقد اجتماعي جديد يراعي الشراكة وآليات التعايش على أساس افتراضات المعايير والقيم التي يصوغها الشركاء داخل الفضاء السياسي والثقافي يعيد الأمة إلى دور الفكر إلى جانب الفعل السياسي الذي غاب في اثناء الخطاب التوتاليتاري؛ لان الأزمة ليس سياسية فحسب، بل مجتمعية، أي فكرية، وقيمة، ومعرفية، ورمزية على صله بالمعتقدات التي يفترض أن تؤسس إلى تأويل جديد للنصوص في الجدال الدائر بين علماء الدين والمفكرين من ناحية والسياسيين من ناحية أخرى.

ومن اجل استعادة حيوية مفهوم الهوية عبر مقاربة معرفية، وأخلاقية، ودينية، والمواطنة المتساوية في الحقوق، والواجبات، كل هذا يستلزم المناقشة الديمقراطية كمعيار يصبح مقبولا من لدن الجميع حتى يتم ترجمته كرؤية إستراتيجية في رسم مستقبل الكيان السياسي والاجتماعي ويتجاوز الصدع الحاصل بين المكونات ضمن رؤية معاصرة تستثمر المنجزات المعاصرة في إشادة مفهوم جديد للهوية، والذاكرة، والعلاقة بينهما.

من هنا يمكن البحث في دلالة الهوية لغويا واصطلاحيا وهنا تختزن اللغة دائما، مكونا ثقافيا، فهي –رغما عنها – حاملة ثقافة وتأريخ، لأنها وسيلة المعنى الأساسية، والمعاني قيم، والقيم ثقافة؛ لذا فاللغة مسكن الكينونة على نحو ما يصفها مارتن هايدجر، بل إنها - كذلك – سكن الثقافة، والتاريخ والايدولوجيا(3) فالهوية لغة تحيلنا إلى معنى:(الحفرة البعيدة القعر)(4) ويبدو أن هذه الهوة العميقة في وعي العربي تمثل نظرته الوجودية التي تمثل في لغته. إما اصطلاحيا فهي تدل على الميزة الثابتة في الذات، إنها ميزة ما هو متماثل سواء تعلق بما تقيمه الذات من علاقة مع ذاتها، أم مع الواقع على اختلاف أشكاله. (5) ويبدو أن المفهوم الاصطلاحي يبقى مفهوماً منطقياً "جوهراني" كما عبر عنه بارمنيدس بصيغة "الكائن موجود، واللاكائن غير موجود " بوصفها تأكيدا على أن "هوية الكائنات التجريبية "، أيا كانت تلك الكائنات، هي " ما يبقى دون تغيير رغم التغييرات " وتشابه مع نفسه خارج الزمن وما يبقى على حاله. كتب بارمندس:" الصيرورة مستثناة من الوجود " الاستمرارية في الزمن هي ما سمي بالتماثل، وهي هنا مصممة بوصفها حقيقة "بحد ذاتها ". استكمل هذا الموقف الانطولوجي بموقف منطقي. فلوصف هذه الجواهر، لتعرف هذه الاستمرارية، ينبغي ب"فئات " بأنواع تضم كل الكائنات التجريبية ذات الجوهر المتماثل (eidos). هذا التصور ترجم في مذهب الهوية ويقوم على اعتقاد التطابق مع الذات أو مع الأصل أو البحث عن أصالة مفقودة، في النزعات الأصولية العرقية والدينية التوتاليتارية.

أما المقابل "الاسماني" فمفاده (ليس هناك جوهر، بل وجودٌ ممكن) وهو تصور يعود إلى هيراقليطس الذي كتب:" لا يمكن للمرء أن يسبح مرتين في النهر نفسه ". كما تنسب إليه عبارة:"كل شيء يسيل "، لا يوجد جوهر أبدي، بل كل شيء يخضع للتغير. (6)

فالهوية بدلالتها تحيلنا إلى العمق والفلسفية وإلى المماثلة بين التطابق الموحي بالثبات والمغايرة التي يوحي به مفهوم الهوية هو مصطلح يستخدم لوصف مفهوم الشخص وتعبيره عن فرديته وعلاقته مع الجماعات.

فالهوية (على المستوى الفردي تحديد إداري: بطاقة هويتي تحديد طول قامتي، عمري، سكني، فهي تعرف شخصا بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده. أما الهوية الجمعية، تدل على ميزات مشتركة أساسية لمجموعة من البشر، تميزهم عن مجموعات أخرى. أفراد المجموعة يتشابهون بالميزات الأساسية التي كونتهم كمجموعة، وربما يختلفون في عناصر أخرى لكنها لا تؤثر على كونهم مجموعة. فما يجمع الشعب الهندي مثلا هو وجودهم في وطن واحد ولهم تاريخ طويل مشترك، وفي العصر الحديث لهم أيضا دولة واحدة ومواطنة واحدة، كل هذا يجعل منهم شعبا هنديا متمايزا على الرغم من أنهم يختلفون فيما بينهم في الأديان واللغات وأمور أخرى. فهذا هو التصور الجمعي للهوية أي يمكنها أن تكون تصورا- إني اصنع لنفسي ضربا من الفكرة عما أكون - ويمكنها أن تكون مفهوما، مفهوم الهوية الفردية، المستخدم جدا في العلوم الإنسانية والاجتماعية. لكن التعقيد يتنامى إذا طبقنا مصطلح الهوية على الجماعة فالمصطلح مستخدم عندئذ بمعنى متراخ قريب من مفهوم التشابه (7) أو التماثل الذي يرضى دائما ميلا طبيعيا للفكر. . . فان الهوية (الثقافية أو الجمعية) هي بالتأكيد ضرب من التصور وكثيرة هي الأمثلة التي تبين على نحو متجدد باستمرار أن أفرادا يتخيلون أنفسهم وكأنه يقول بيندكت أندرسون (8) أعضاء جماعة وينتجون تصورات شتى لأصل هذه الجماعة وتاريخها وطبيعتها. ويخطر ببالنا على نحو مؤكد في مجال العمل السياسي، تلك الأطروحات ذات النزعة العرقية، والمشروعات ذات النزعة الإقليمية أو الاثنية، وبوسعنا، في مجال العمل الثقافي إن نرجع إلى الأقوال التي تنقلها مجموعات بشرية إقليمية، دول، متاحف وحتى مؤسسات بحث، فيما يخص غالبية ممارسات الإرث المشترك. . . إذ من المحتمل أن يشترك أعضاء مجتمع واحد في طرائق وجودهم في العالم (ايماءة، أساليب القول وأساليب الفعل الخ)، طرئق مكتسبة خلال التنشئة الاجتماعية المبكرة، طرائق وجود في العالم تسهم في تحديدهم، طرائق حفظوها في ذاكرتهم من دون وعي بها، لوجود أساس لحامل ثقافي أو " رأسمال معرفي ثابت ")(9)

هنا يظهر البعد الإيديولوجي للهوية، بين علاقة الجماعة بلغتها وثقافتها، وما تختزنه من تصورات إيديولوجية للجماعة نفسها، من هذا نفهم أن الانتقال من المفهوم الفردي للهوية إلى الهوية الجمعية، يبقى مجرد تصور مرده إلى الفعالية التخيلية، والتواصلية، التي يتم إقامتها بين الجماعة، والإرث الثقافي الذين أرادوا أن يكون معبرًا عنهما، الذي ترسب من خلال المؤسسات التعليمية، والدينية، والعادات، والتقاليد، ولا نعدم الاستعارة، والتثاقف مع الآخر، ولا نعدم الصراع ومحاولة التمايز عن الاخر باختراع أو تخيل هوية جمعية مختلفة يتم اصطناعها من خلال الإرث المشترك. ولعل هذا يحيلنا إلى توافق نسبي لدى الباحثين مفاده (أن هذه الهوية بناء اجتماعي، يتغير دائما ً، على نحو من الأنحاء، من حال إلى حال في إطار علاقة حوارية مع الآخر.)(10) فالهوية في علاقتها بالذاكرة تقوم فيها الذاكرة على إعادة بناء للماضي ينتقل من القوة إلى الفعل باستمرار أكثر مما هي إعادة أمينة لهذا الماضي؛لان الذاكرة هنا إطار أكثر مما هي محتوى، رهان جاهز دائماً، مجموعة من الاستراتيجيات، موجود قائم تكمن قيمته فيما أنصنع به أكثر مما يكمن هو عليه لان فكرة أن التجارب الماضية ستكون مستظهرة، محفوظة وتستعاد بتمامها، فكرة تظهر أنها "لا يمكن الدفاع عنها " هذا معناه أن الذاكرة تخضع إلى القراءة فيما تقرأه من الماضي بإسقاطات المعاصرة عليه فهي تبقى عملية بناء الحبكة بوصفها تركيبا أو تأليفا بين عناصر وإحداث وعوارض متنافرة في بناء محبك ينتج قصة لها محورها السردي أي أبطال يعبرون عن الهوية المنتجة وأنصار وأعداء هكذا يتصاعد الصراع الدرامي الإيديولوجي هذا الأمل يتم إيجاده من اجل مواجهة ظاهرة محو الهوية وضعفها أي أنها لحظة تروم مواجهة أزمة معاصرة تواجها الهوية (فالبحث في الذاكرة يعتبر عندئذ جوابا عن هويات أصابها الضرر وفقدت توازنها)(11)فهذا التصور التخيلي للهوية يعتقد بوجود هويات صافية (فمنطقها يقول إما المماهاة أو الحرب، إما أن تكون على صورتي ومثالي أو أقوم بنفيك وإدانتك.)(12) إن هذا يجعلنا نواجه أمرين:

الأول نسبية الهوية فالهويات الجمعية "هي تصورات متخيلة من الذاكرة "، وبالتالي التخلص من الخطابات العرقية التوتاليتارية.

 والأمر الثاني إيجابي انه يؤكد أن الهوية ممكن أن تكون مواجهة للازمات التي تعانيها البلدان التي تعيش حالة من حالات التأزم الاثني والطائفي والقومي ممكن علاجها من خلال تفكيك أوهام الهوية وأعادت إنتاج الهوية التوافقية الجامعة.

و لا شك في أن هذه الرؤية إذا ما تم تعزيزها بالتضامن (فالشرط الأول لقيام الجامعات وضمان فاعليتها هو علاقات التضامن الخاصة والعميقة بين أفرادها. والتميز عن الجماعات الأخرى هو الذي يسمح بخلق أرضية مناسبة لنشوء هذه العلاقة الخاصة داخل دائرة الجماعة الواحدة، وهي العلاقة التي تسمح بتجاوز العصبيات الجزئية ونشوء الأمة كإطار مدني وسياسي واسع ومتحرك للتضامن تتجاوز العصبيات الموروثة، وتؤسس لإرادة جماعية كبرى هي أصل التقدم الحضاري). (13)

فان التضامن يسهم في ظهور المفهوم الحديث لهوية الدولة والمواطنة يقوم على التعددية (كالهوية الوطنية أو الهوية الثقافية). يستخدم المصطلح خصوصا في علم الاجتماع وعلم النفس، وتلتفت إليه الأنظار بشكل كبير في علم النفس وعلم الاجتماع، فالهوية هي مجمل السمات التي تميز شيئا من غيره أو شخصا من غيره أو مجموعة من غيرها. كل منها يحمل عدة عناصر في هويته. عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى.

العناصر التي يمكنها بلورة هوية جمعية هي كثيرة، أهمها: اشتراك الشعب، أو المجموعة في: الأرض، اللغة، التاريخ، الحضارة، الثقافة، الطموح وغيرها، أي إنتاج مفهوم الأمة التي ينتمي إليها الجميع من عدد من الهويات القومية أو الوطنية تطور بشكل طبيعي عبر التاريخ وعدد منها نشأ بسبب أحداث أو صراعات أو تغيرات تاريخية سرعت في تبلور المجموعة.

 وقسم من الهويات تبلور على أساس النقيض لهوية أخرى. هناك تيارات عصرية تنادي بنظرة حداثية إلى الهوية، الهوية الوطنية لأي شعب، ليس معطى ثابتاً ومنجزا نهائياً. إنها تتشكل في مجرى التطور التاريخي - الموضوعي، ومن خلال نضج أو إنضاج المقومات والمقدمات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية. وقبل كل شيء صوغ وتحقيق معادلة المصالح المشتركة والمتداخلة والمتكافئة (ولو بشكل نسبي) بين الهويات الخاصة (الفرعية) لمكونات أي جماعة بشرية. تلك بعض المحددات الرئيسة، لتشكيل الهوية الوطنية الجامعة والدائمة، والمتجددة في مراحل الأزمات والانعطافات والاستحقاقات المفصلية التي تواجهها. وهي في كل ذلك (الهوية) تختلف عن تلك الروابط والصلات التي شهدتها الإمبراطوريات والممالك القديمة، التي غلب عليها طابع الإلحاق والضم والتبعية القسرية للأطراف من قبل المركز. بطبيعة الحال هناك اختلافات وتباينات بين التكوينات والتجمعات الإنسانية فيما بينها وفي داخلها، وفي سياقات تطورها التاريخي، وطبيعة خصائصها، ومستوى تجانسها الاثني، الديني، المذهبي، اللغوي، وهو ما يعرف بالدمج بين المكونات في هوية مشتركة في مفهوم دولة الأمة التي من ملامح تطورها النزعة القومية المستندة إلى إيديولوجيا عنصرية وإرادة هيمنة، إلى الإنكار المطلق للآخر والى محاولة إخضاع الآخرين جميعا بفضل عقلنة منهجية. ومع ظهور الأمم المتحدة 1947تزايد منتظم لعدد الأعضاء نحو 200 في عام 2000، وحتى ألان يبقى الشكل الهوياتي المسيطر هو الشكل الذي يجمع نحن محددة الموقع منظمة في دولة شرعية أو مجموعة ثقافية (اثنية – دينية أو قومية أو قليمية) تطالب باعتراف رسمي بالاستناد عموما إلى أشكال أسطورية من إعادة البناء تبرر ترسيخها الجماعاتي عبر اختراع تاريخ عرقي و" أنا" تجري مماثلتها بمجموعتها المحلية وبثقافتها. (14)والهوية اليوم شكل من إشكال العلاقة بين الفرد ومجتمعه. وبهذا انتاج مفهوم الدولة والامة في الفكر السياسي على أساس سياسيي وأخلاقي واجتماعي نجد أنها ارتبطت في ما يؤسس مقتضى كانط(الحازم لإمكانية أنا مستقلة، تبنى على المساواة والأخوة)(15) كان كانت يمثل التحول الحديث في مفهوم الهوية والممهد إلى الدولة الأخلاقية. وقد ظهرت الكثير من الأفكار النقدية تحاول إصلاح سلطة الدولة ومقاربتها مقاربة أخلاقية من اجل تحقيق العدالة في سلوكها المؤسساتي الذي كان كانط قد دمر(طموحات الفلسفة "الميتافيزيقية ") بصدد التفكير في الطبيعة النهائية في دائرة الفعل الأخلاقي والقيم و"الشرط الإنساني ".

ويرى كثيرون أن العدالة تظل مفهوماً مجرداً في عالم العقل لا يمكن تطبيقه في عالم الواقع؛ وأن ما يجري تطبيقه على مرّ العصور من عدالة اجتماعية وسياسية واقتصادية ما هي إلا محاولات يُقصد من ورائها الحفاظ على الحقوق التي أقرها القانون الطبيعي والأخلاقي.

الا ان هناك في اوربا تجربة معاصرة في مجال الهوية تستحق التدبر فهذه الحضاره الليبرالية قدمت مفاهيم عن المساواة ويقابلها التعددية الثقافية؛ وهناك اليوم تصور جديد تحقق في اوربا كما يصفه "ويل كيمليكان "تبدأ القصة الآوربية مع انهيار الشيوعية في وسط وشرق أووربا في العام 1989، الذي صاحبه عدد من النزاعات العرقية العنيفة. وهو ما وصفته المجلة البريطانية "New Stateman" إذ حمل عددها تموز العام 1992عنوانا هو:" معركة أوروبا؛ الحريق الهائل القادم في وسط وشرق أوروبا "، انما كانت تمثل شعورا منتشرا في كل مكان بين الملاحظين الأوروبيين. (16) كان هذا الحدث هو الذي دفع أوروبا الى ايجاد حلول لها، ومعه تغيرة سياستها اتجاه الاقليات وكما يقول الكاتب: "فكيف أصبح الغرب فجأة بطل الأقليات في أوروبا مابعد الشيوعية؟" ولم تكد المنظمات الاوربية تقر أن معاملة الأقليات موضع اهتمام دولي مشروع، حتى واجهت هذه المنظمات الأوروبية هذا السؤال: ما الذي تستطيع أن تفعله، أن كان في يدها أن تفعل شيئا، لكي تساعد على تحسين العلاقات بين الدولة والأقليات في بلاد ما بعد الشيوعية؟

وقد كانت الاجابة تتمثل في ثلاثة مسارات: تعميم أفضل الممارسات، وتشكيل الحد الأدنى من المعايير، والتدخل في حالات معينة (17) انا اجد ان هذه التجربة جديرة بالتثاقف معها في معالجة قضية التعددية الثقافية التي تسود الشرق الاوسط والعراق منه، وعلى هذا الاساس سوف احلل تحولات الهوية العراقية وتكوناتها ثم التثاقف مع التجربة الغربية في توصيف حل ما.  

II

مشروع الدولة بين نظرية الأمة ومجتمع متعدد الهويات

أولا: تحليل تكويني:

إن التحليل الذي يأخذ بنظر الاعتبار التكوين الذي مرت به الهوية العراقية وتحولاتها يدرك أن تعريف الذات حالة تعيشها الدول التي تعاني من تمزق، كان يفترض بها أن تكون الأمة بوصفها هوية جامعة إلى جانب الدولة؛ ولكنَّ الدولة – الحديثة - لم تفلح بسبب اعتناقها رؤية قومية طوباوية تعرقل بل تنفي الأمة الوطنية العراقية.

فقد بقيت هوية الأمة غائبة فأصبح العراق يعاني من مستويين من التمزق مترابطين إلى حد عجيب، على المستوى الأول على أساس العرق، أو الجنس والآخر المستوى الديني أو الاثني. إن الفوارق والصراعات بين تلك الجماعات تلعب دوراً مهماً في سياسة الدولة، ويتغير عمق هذا الانقسام مع الزمن دائماً ويحدث الصراع من حالة عدم تطابق الثقافة والجغرافية ومن أجل تطابقهما تقوم الإبادة الجماعية أو الهجرة الاضطرارية انظر الحروب الأهلية التي حدثت وتحدث من اجل تطابق الثقافة المهيمنة والجغرافية من حروب الاشورين والأرمن إلى الحرب الكردية والمقابر الجماعية (18).

لان الهوية لم تتجاوز بعد تلك الانشقاقات ولم تفلح الدولة- وهي الشكل المستعار من التجربة الغربية- في التأسيس إلى أمة واحدة لها ذاكرة موحدة تلك الذاكرة التي تحيلنا تكوينيا إلى تحولات كثيرة مرت بها هوية العراق الذي تعيش فيه ثلاثة أعراق واضحة وأخرى على شكل أقليات عرقية العرب والأكراد والتركمان واختلاف الحجم يؤثر على طبيعة العلاقة بين الأطراف حيث يأتي العرب أولاً ثم الأكراد ثم التركمان. ولكنَّ هذا التكوين يخترق دينياً بشكل مذهل حيث العرب شيعة وسنة والأكراد شيعة وسنة ومسيحيون ويزيدون، والتركمان شيعة وسنة أما الأديان فهي: الإسلام والمسيحية واليزيدية والمندائية (الصابئة)

بالإضافة إلى اقتران آخر ظهر بعد الحداثة، مجتمع مدني حداثي(مجتمع مدني) ومجتمع أهلي، ريفي قبلي تهيمن عليه العشائرية والطائفية.

الهوية الدينية والشرعية السياسية في العصور الوسطى:

مثل الدين المرجعية لفعل السياسي في العصر الوسيط إذ لابد من مسوغ شرعي للفعل السياسي لهذا كان الدين مرتبطًا إلى حد كبير بالشأن السياسي يؤثر فيه ويتأثر بما يثيره من تحديات مما جعل من الدين الفاعل في صياغة المجال السياسي العام سابقا والآن وهو أمر مفارق للوضع المعاصر غربيا (19) لكن الدين المكون الأول للهوية في الشرق وبفعله يتم صياغة الهوية للأمة.

إن العراق في الحقيقة عاش إعادة تحديد الهوية بعدة أشكال كان أولها عبر الاحتلال الخارجي أو الفتح: الفتح الإسلامي أعيد تحرير العراق من النفوذ الفارسي وأعيدت صياغة هويته عبر حدث الفتح ثم تحول إلى عاصمة ثم ولادة الشق الداخلي الإسلامي (شيعة / سنة) داخل الدولة، ومع هذا الانشقاق ولدت هويات عقائدية تشكل لكل منها صورة سردية أصلية وبلغة احد الباحثين (الأسطورية الأصلية)وعرفها (أنها تقلص من توسع الهوية الشخصية تمتلك ملامح مميزة يمكن استخدامها للتنبؤ بالعنف كأبعاد للتدخل وأيضا بوصفه علامات لتقييم مشاريع المساعدة والتنمية. . . وهي نظام مغلق متماسك، فان أي تغيير يطرأ على جزء من القصة يولد تغييراً في نظام المعنى برمته)(20) هذه الحبكة قابلة للتأويل والتوظيف السياسي فالصراع بين السنة والشيعة الذي ولد في ظروف تاريخية مفتوحة على أزمنة أخرى وآخرون ممكن إن يدخلوا فيه من اجل المشروعية السياسية والدينية للصراع على السلطة لان الدين يشمل السياسة ويمنحها مشروعية الحرب هكذا توسع الصراع خارج الأحداث التاريخية إلى الصراع بين السلاجقة الأتراك السنة والبويهيين الديلم الشيعة الزيدية وفيه تطورت الكثير من الكتب العقائدية التي استعادت لحظات الصراع والشرعية وأعيد تحديد ثقافته وتعمق الانشقاق مذهبياً إلى حد بعيد، ثم توسعت هذه الحبكة في الفكر والسرد للهوية حيث انخرط فيها تحديد الهوية بظهور الأتراك الصفوية التي تحولت من التصوف إلى التشيع الأمامي إذ سادت ثقافة متمايزة في صراعها مع العثماني وحيث عاش في العراق إحياء فكر متمايز آخر يعود إلى السلاجقة. . . وفي هذه الحالات كان التدخل الخارجي يستثمر الانشقاق الداخلي ويعمل على توسيعه وإضفاء مساحة حضور عليه.

التحول من دولة الملل والنحل إلى دولة الأمة:

هذه الأفكار الوسطية سرعان ما عايشت انشقاقا آخر فان هذه النماذج التاريخية هي خارج دلالة الهوية بمعناها الحديث الذي يعني تداخل بين مفهوم الدولة والأمة وهو ما لم يكن موجودا على الرغم من ان الدولة العثمانية التي كانت لها سمات الإمبراطورية وبعض ملامح الدولة الحديثة، فهي دولة الملل والنحل "العثمانية او المماليك والقاجارية. . " وهي تعتمد على البعد الذاتي والفردي للحاكم؛ ولكنَّها أرست ملامح عامة مشتركة تعبر عن نمط من أنماط الدولة القديمة وهي بنظر الفكر السياسي الغربي ان "منطق الدولة منطق التنظيم والتوحيد والتجريد والتعميم في حين أن منطق الإمبراطورية هو منطق التعدد والتجريبي والعادات والمجانية "(21)وقد تم تصنيف هذه الشعوب الشرقية تصنيفاً ينطلق من مركزية أوروبية يبدو المجتمع المركب الهوية في المنظور الدولة – الأمة الأوروبي كمجتمع بدون مجتمعات مدنية أو كرقعة "فسيفسائية " غير متمازجة اجتماعيا (22)، تقوم على وحدات عمودية منفصلة ومستقلة ذاتيا مقابل المجتمعات المدنية الغربية المتمازجة التي تقوم على التنضيد الأفقي وتجانس الهوية. يكون المجتمع الفسيفسائي هنا راكدا في استبداده الشرقي الأسيوي بقدر ما يكون المجتمع المتمازج ديناميكيا مفضيا إلى الحداثة فيغدو قدر الأوربيين أن يحكموا الأسيويين على حد تعبير هيجل. (23) ويبدو أن كلام هيجل كان تبشيرا بالاستعمار ولكنَّ الأمر أيضا من زاوية أخرى مرتبط أيضا بالدولة العثمانية وغيرها كانت في الحقيقة قد خسرت وجودها نتيجة موقفها من الحداثة والإصلاح وحالت من دون الإصلاح الحقيقي على الرغم من ان الدولة العثمانية قد اخذت بالإصلاح من خلال إصدار التنظيمات (1839- 1876م) كنوع من ترميم شيخوخة السلطنة العثمانية وإعادة الشباب الآفل لها، وطُرح في ذلك الوقت (1850م) شعار "العثمنة" لطوائف السلطنة وقومياتها بوصفه مفهوماً مطابقاً لصفة المواطنة، بهدف إعادة اللحمة إلى الاجتماع السياسي العثماني الآخذ بالتفكك على أسس ‏جديدة من خلال تقنين العدالة والمساواة بين المسلمين وغير المسلمين من أبناء السلطنة في الحقوق والواجبات من دون اعتبار للدين والعرق أو اللسان، بما في ذلك إلغاء الجزية عن غير المسلمين والسماح لهم بدخول إدارات الدولة والجيش على أمل ان يحد ذلك من تطلعاتهم الانفصالية المدعومة من المستعمر الأوروبي، وبحلول عام 1869 صدر قانون الجنسية العثمانية. (24) ولكنَّ هذه العملية التحديثية تعبر عن رغبة حقيقية لدى الدولة إذ يؤكد عبد الله العروي في استنتاج لافت في مدلولاته:" لو نجح إصلاح النهضة لما تم الاحتلال "بمعنى أن السبب الأول يعود إلى موقف الدولة الحقيقي التي لم تكن مع الإصلاح بل التحديث الذي يمنحها استمرارية التحكم وهي حالة استمرت إلى يومنا هذا في عالمنا (25) قد تبدو جلية في الهجرة المؤلمة التي تلخص حالة الضياع والسخط وأزمة الانتماء وفقدان الكرامة التي تعم غالبية الدول النامية جاءت عوامل متعددة ففشل الإصلاح الحقيقي الذي جاء بالاستعمار. وحتى الإصلاح جاء بفعل مؤثر خارجي إذ تم فرض عملية الإصلاح على الدولة العثمانية؛ حتى يسمح لها في العالم الجديد المكون من دول- الأمة، اذ كانت فكرة دولة الأمة قد ظهرت في الغرب لإقامة الدولة التي تعبر عن هوية كل مجموعة سكانية منسجمة لغويا وعرقيا وثقافيا ويضمها إقليم جغرافي واحد وهذا الشكل للدولة هو" الدولة - الامة "التي قد تم الاعتراف بها بشكل "دولة – الامة" بمعناها الحقوقي الراهن لاول مرة في معاهدة وستفاليا 1648وقد شكل الاعتراف قاعدة نشأ على أساسها نظام جديد في العلاقات الدولية الذي تقوم وحدته الاساسية على الدولة- الامة ذات السيادة، الذي ينهي عهود التسلط ويحفظ لكل امة حقها في الاستقلال وبذلك انتقلت الشعوب من صيغة رعايا السلطان أو الملك أو الإمبراطور إلى مواطنين في أنظمة دستورية ديمقراطية اذ حلت الانتخابات محل بيع المناصب او توليها بالوراثة او بالشراء وانتفت الطبقية وعاد القانون الى تنظيم الحياة العامة واعيد الدين الى مجاله ومنع الكهنة من التدخل في الشؤون السياسية؛ لكن عملية تحول الدول القائمة على الملل والنحل إلى دول الأمة كان فيه إقحام وتمزيق للجسد الاجتماعي والسياسي من خلال قومنة الدولة لهذا المجتمع الفسيفسائي، أي إعادة تنظيم هوياته وتعميمها وتجريدها وتوحيدها في هوية مركزية بهدف تحقيق التمازج والتجانس القوميين لن يتم إلا بتبادل السكان أو إبادتهم وتهجيرهم أو اقتلاعهم وتنظيم مذبحة كما فعل الأتراك بالأرمن ، لكن فشل الإصلاحات كان قد مهد إلى إثارة "المسألة الشرقية Question "(*) المتعلقة بالأقليات في الدولة العثمانية كرد فعل على سياسات الدولة العثمانية لقد اتبعت الدولة العثمانية سياسة الإذعان لمطالب الأوروبيين" مقابل الإبقاء عليها فقد منح العثمانيون امتيازات تجارية للأوروبيين، وفتحوا أبواب المشرق العربي أمام البعثات التبشيرية الغربية تحت ستار حماية الطوائف المسيحية الموجودة في كنف السلطنة العثمانية "(26)

ولكن الأمر تطور إلى الاحتلال الاستعماري حيث تمت إقامة الدول العربية القائمة على دولة –الأمة من هنا فالدول التي ظهرت بعد الاستقلال "دول أنظمة عسكرية وعشائرية وملكية " وهي الشكل السائد اليوم في عالمنا العربي حتى ظهور عاصفة الربيع العربي لقد فتحت الإصلاحات بابًا إلى الاستعمار لأنها لم تكن إصلاحا بل تحديث أجهزة الدولة من اجل بقاء الحاكم والتدخلات الغربية التي بعثرت الوحدة القائمة وحل الاستعمار.

ثانيا: تحليل بنية دولة الأمة وآليات صناعة الأمة على أساس قومي (من الملكية إلى الدولة التوتاليتارية)

1- المستوى الثاني من التمزق في الدولة التي لها ثقافة واحدة سائدة تضعها في حضارة واحدة ولكن زعماءها يريدون الانتقال إلى حضارة أخرى يقولون: (نحن في الواقع شعب واحد ننتمي كلنا إلى مكان واحد ولكننا نريد تغييره) (27)، أي إنهم مختلفون على أي حضارة هي حضارتهم الملائمة ومن الأمثلة العالمية تركيا وروسيا. وفي العرق نجد القوميين يقولون بكلام مشابه لكلام العرب ينتمون إلى الأمة العربية والأكراد إلى الأمة الكردية، فإن الهوية هنا نسجت على غرار الفهم القومي الحديث وتم اصطناعها مع انتقال المفهوم إلى الدولة العثمانية حيث نسج الطورانين الأتراك أصولهم القومية ونجد أن السرد هنا في إحياء الماضي عبر التذكر والحاضر عبر الانتباه إلى المشتركات والمستقبل عبر التوقع حتى يأتي الزمن القومي محبوكا قصصيا يعري التنافر ويحض على التوافق في كل زمنية للذات التي تعيش حالة قصوى في تشكيل تراجيدي للهوية يوحدها اتجاه الآخر المختلف، سواء كان العربي أم الكردي والذي أريد دمجه عبر التتريك؛ ولكنَّ هذا ولَّد وعيًا قوميًّا مقابلًا ينفي ويقاوم ويشعر بتمايزه عن الآخر.

2- لقد جاءت التحولات في الحكم الملكي على اثر ظهور التحديث والانفتاح على الغرب والتدخل البريطاني نفوذاً ثم احتلالاً أعاد تعريف العراق مستثمرا التكوين العرقي والمذهبي. . إلا أن الآخر المسيحي / استثار الهوية الإسلامية والعرقية في طرده وظهرت الدول العربية التي هي وريثة الثورة العربية ضد الاحتلال التركي ثم كانت لها ملك عربي أحد قادة الثورة وجاء أيضاً قادة الثورة على الرغم من أنها استجابة لثورة محلية قبلية عربية / كردية / عشائرية ومذهبية شيعة وسنة أي إنها ثورة وطنية محلية ضد الاحتلال. كانت محاولة من أجل إعادة تعريف الذات ورفض الآخر المسيحي الغربي. ولكنَّ الدولة الوطنية مارست إعادة تعريف الذات عبر التعريب وفرض مذهب معين وإقصاء وتحجيم أخر مع الأخذ بالحداثة الإدارية وآليات الحكم الحديثة على مستوى الإدارة. فأصبح التحديث تحولاً من القديم الاحتلال إلى الحداثة مع استنهاض الهوية العربية بإطارها الحداثي القومي لكن مع الاحتفاظ بالآخر والطائفية حاضرة في العمق. لكن لو قارنا هذا بالحالة العالمية نجد أن التعدد حالة عالمية ولكنَّ الدول الحديثة استطاعت أن تحقق الولاء وبالتالي اندماج المكونات مما أشاع حالة من الاستقرار على الرغم من التعددية والتنوع الاجتماعي فنتج عن ذلك صياغة علاقة مدنية تقوم على مفهوم المواطن المتساوي في الحقوق والواجبات أي هناك صياغة عقد اجتماعي يقوم (على قواعد وقيم تقيم التوازن. . . وتجاوز التناقضات)(28) فهذا الولاء الذي انتقل من قيم المجتمع الأهلي إلى قيم المجتمع المدني على وفق معايير الدولة الحديثة التي اكسبت الدولة المشروعية السياسية بوصفها المعبر عن الخير العام وهي تصيغ المجال العام وتحقق الولاء المعتمد على سياستها من خلال آليتين هما: التعليم والجيش، فأما التعليم فهو الذي يقوم بصياغة ثقافة موجودة عند الأفراد من مختلف التكوينات الاجتماعية واعتماد وتهيئة الفرد في المجتمع حتى يقوم بالعمل والاندماج في الدولة العراقية وهذا ما أشارت إلية ليورا لوكيتز بالقول:"إن عدم حماسة الشيعة والكورد للشعارات القومية المتعصبة يؤدي إلى الاستنتاج بأن المنهج التعليمي في العراق ذي التوجهات القومية العربية التي روج لها في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين المدرسون السوريون والفلسطينيون الذين كانوا يعملون في الحقل التعليمي في العراق، قد وقف عائقا ازاء وحدة الدولة الجديدة "(29)أ ما الجيش في الدولة الحديثة فغالبا ما تعتمد هذه المؤسسة التي يقع عليها دمج المكونات في صيغ واحدة تكون مهمتها الدفاع عن الأمة وصياغة وجودها وحمايته، أما في العراق فان الجيش العراقي يضم 61 ضابطا كبيرا كانوا في الجيش النظامي عشية انقلاب 1936، وكان 95% من هؤلاء الضباط ينتمي الى المسلمين السنة بينما كانت هذه الفئة تمثل انذاك اكثر من 46% من المجتمع. وكان 67% من المواليد بغداد، بينما لم تكن العاصمة تمثل أكثر من 8% من سكان العراق , وكان 82% قد تدربوا في الجيش العثماني وعملوا فيه على الرغم من انقضاء 16 عاما آنذاك على تأسيس الجيش العراقي من هنا نفهم الدور الذي لعبه الجيش في الصراعات الداخلية ضد الأكراد والأشوريين وهذا ما جعل موقف علماء الشيعة وشيوخ الأكراد وقادتهم يرفض التجنيد الإجباري. (30) وهذا ولد علاقة تلفيقية بين مفاهيم الفكر السياسي الحديث القائم في المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانية واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغيير الواقع عقليا فهي لا تطلب السلطة لذاتها, بل لأجل إنماء الإنسان وتحقيق أهدافه. بالمقابل المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة الجماعة المتميزة , بشوكتها بكونها سلطة واحده وجسما واحداً , ومصلحة واحدة , قوية التضامن والتماسك , يشد أفرادها بعضهم إلى البعض الآخر , شعور الانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في إفرادها التزاما قيميا فئويا نحوها (31)، ويعلل " علي الورد ي" هذا الفشل في حدوث الدمج الذي يرجعه إلى فشل قوات الاحتلال بسبب أمرين:

الأول: التدخل في نظام التمثيل العشائري الطبيعي، وتحويله بقوة التعيينات الإدارية والنقود.

والثاني: فشلهم في اجتذاب انتلجنسيا المجتمع في تلك الحقبة: الملائية والأفندية. الأولون بحكم المكانة السامية للمعرفة الدينية، والثانية بحكم ثقافته السياسية الحديثة (32)

 فلم تفلح الدولة في سياسة الدمج فالتعليم والتمثيل في دوائر إدارة الدولة هيمنت عليه الرؤية القومية وامتدادها الاثني وإزاحة المكونات الأخرى، فلا شك ان هذا الفهم للدولة سوف لا يسهم في الدمج والتعايش بل يعمق الصراع بين الأطراف المحلية على أساس المكون التقليدي الذي بقي حاضراً في العمق، لكن طغى عليه الصراع الشيوعي / مع الغرب، والقومي مع الغرب فظهرت الدولة الشيوعية بأشكال متعددة حتى استقرت بشكلها القومي / الشيوعي مع احتفاظها بالعمق بالمناطقية والطائفية والقومية مما جعل الآخرين خارجها قومياً الكرد طائفياً الشيعة وحزبياً الشيوعية والقوميون الذين أقصوا من السلطة كالآخرين.

والنتيجة: يبدو أن الجيوش الغربية التي وضعت نهاية للدولة العثمانية قد نشرت مفهومها الغربي للدولة تلك الدولة المستوردة في العهد الملكي أو الجمهوري قد اختارت بناء الأمة على أساس قومي عربي إسلامي وهو المفهوم الذي يقوم على الجانب القومي العروبة إلى جانب المذهبية السنية مما يجعل الأكراد خارجها على أساس قومي والشيعة خارجها على أساس اثني انطلاقا من تلك الرؤية التي تدعي النقاء وتمارس الهوية وكل من هو خارج ثوابتها يعد خائنا أو متآمرا لابد من نفيه وممارسة القوة بحقه ولعل هذه الرؤية هي ما جعل البلد يعاني من شرخ غياب هوية الأمة العراقية الموحدة، فكل الرؤية القومية كانت تقدم، بوصفها القاعدة الثقافية للدولة الوطنية لكن هذا التبني جعل الدولة في العراق تعيش انفصاما حادا بين كونها كيانا سياسيا يفرض عليها هوية قطرية وبين منظومة سياسية تفرض عليها هوية أخرى قومية حكمت بواسطة الشرعية الثورية ، بمعنى أن الدولة في العهد الملكي والجمهوري لم تفلح في تحقيق الاندماج بين المكونات الاثنية في بناء هوية امة. (33)

وهنا ظهرت حالة جديدة لهذه النتيجة تمثلت في تحول الدولة إلى دولة شمولية وانماز هذا المفهوم بالقسوة التي أخذت أثرها الموجع من الخطاب السياسي التوتاليتاري ليس له عمق علمي بل هو محض تنميط من اجل إقصاء الآخر وإزالته تحت وطأه قراءة إيديولوجية متعصبة عرقيا تنطلق من اصطفائية. تلغي التعددية وتعلي من التفرد العرقي بطابعه الجماهيري.

مما جعل الحديث عن الشمولية يعني فتح فضاء القسوة أينما كان ومتى كان وكيفما كان أنها القسوة التي تفجرت دماء وأرواحا وعنفا وخرابا لا حد له، تلك الشمولية القائمة على الرمز الشمولي التيوتاليتاري، لقد كانت الثقافة السياسية قد مهدت الطريق لظهور الشمولي وعاضدتها وتواطأت معها لأنها تنطلق من الفهم القومي الشمولي التوتاليتاري الذي خلق الشمولية وجد فيها تحقيقا للحلم اليوتوبي. فكل من يقع خارجها ماهم سوى متامرين عليها من سخرية القدر في الوقت الذي وضع فاضل البراك مدير عام الأمن الداخلي في العراق كتابا كان هدفه أن يدعم بالوثائق كيف أن "قوى الاستعمار والشيطان "عملت على زرع جواسيس ومخربين من داخل المدارس العراقية، اليهودية والإيرانية، واللوائح التي قدمها البراك في كتابه هي نفسها تلك التي كررها كتاب "نفط ودماء " المجهولون. لكن المفارقة عندما تبدلت حظوظ السيد البراك بعد حرب الخليج. أصبح مكروها من مستخدميه واعترف تحت وطأة التعذيب بأنه جاسوس يعمل لحساب روسيا وألمانيا. (34)

إلا أنها مارست تمزقا للمجتمع والدولة والتاريخ / الذاكرة كيف يمكن بناء هوية تعود إلى تصور ما للماضي وتوظيفه في بناء الهوية كل ذلك احدث تمزقا عنيفا، فلم يعد الماضي مادة قابلة للقراءة والتقويم والنقد، بل انه أصبح يتعالى على ذلك لأنه جزء من الرأسمال الرمزي المتصارع عليه وعلى تأويله مما جعله جزءاً لا يتجزأ من الأزمة.

كل هذا ولد أزمة هوية جعلت بعد الشمولية عرضة ونهبا للقوى المتطرفة توظف الخلافات وتعمق الانشقاقات وتوزع الدمار في كل الأركان مما جعل الواقع الوحشي يبدو متطرفا إلى حد كابوسي مثلما كان حال الشمولية وخطابها جزءاً من هذا الرحم الأتون الملتهب من الأفكار والمعتقدات التي ظهرت منها الشمولية وتغذيه بكراهيتها مما جعلها ثلمة وانكسارا وجرحا لا يندمل في أرواحنا بكل أطيافها قبل السلطة وبعدها أي عندما تحولت إلى مؤسسة حاكمة شمولية تعمل بالذهنية العرقية التي تريد تطبيقا في صناعة الهوية الصافية الخالية من الآخرين وتعمل على إزاحتهم عبر خطابها الإعلامي وآليات القهر الأخر التي تفننت في معسكراتها الصحراوية المتفننة بالقسوة وآليات العنف الرمزي عبرالآتي :

أعادة صياغة الفرد بالسلطة ذلك الفرد المرعوب وهو يستعيد التواريخ من الخيالات والمقابر الجماعية والعنف الثوري والحروب الخارجية أو تلك الداخلية كلها جعلت الفرد فردا خاضعا اتكاليا فاقد المبادرة والقدرة على الاعتراض على الخطابات المهيمنة.

إنها عملت على نسف الطبقة الوسطى وحولتها إلى مجرد جماهير لا تمتلك إلا الخضوع للسلطة لأنها مفتتة لا جامع يربطها ويعبر عن أهدافها فهي كذرات التراب تلعب بها رياح السلطة.

نشرت العنف والإرهاب عبر عسكرة المجتمع وخلقت مناخ الحرب والثأر والانتقام فالكل متهم إلا أن يثبت براءته كل هذا حدث بعد إن عملت على تفريغ الجيش من أي معترض وحولته إلى مؤسسة تخدم إغراضها في تطويع الشعب.

إنها أفشلت انجاز مشروع الهوية الوطنية القائم على الدمج التعددي وأقرت بدلا عنه شعارات قومية فعطلت إنتاج هوية وطنية عراقية تكون بمثابة الخيمة التي تحوي كل العراقيين، مما جعل الفرد على الرغم من هذه المدة الطويلة من التمدن يعود إلى هويات المجتمع الأهلي العشائرية والاثنية /الطائفية أي بدا الفرد عاريا أمام المجتمع الأهلي.

إنها خربت التعايش السلمي والأهلي وجعلت البلد ينام على قنبلة موقوتة هي الطائفية والهويات المتصارعة.

هذا جعل الخطاب الشمولي حاضرا بأثره المدمر الذي يأبى أن يزول لان ارثه حاضر بعمق من خلال المآسي والويلات والتهميش والكراهية العميقة الحضورالتي تأبى أن تكون قابلة للصرف والإحالة إلى تعايش وتسامح واعتراف بالمختلف وحقه بالمشاركة في الفضاء العمومي.

ثمة حاجة إلى ممارسة النقد لهذه الحقبة وأثارها الحاضرة في المشهد السياسي التي جعلت المشهد منتجا للفكر المأزوم والصراعي عبر إقرار أشكال أخرى للتعايش وقواعد جديدة للعمل داخل الفضاء العمومي كرد فعل بل فعل نقدي تجاوز الانكماش الاثني والإقصاء وإقرار نمط جديد من الهوية نجد أثارها اليوم في مجلس الاتحاد الأوربي دول قومية عابرة للقومية وحريات واسعة للأقليات، وقرار حرية التنافس السلمي على السلطة عبر الانتخابات.

III

آليات التعايش والحوار والاعتراف.. إشكالية التعايش ودور المثقف:

بعد التحولات التي حاولنا استعراضها فيما مضى من النص وهيمنة الخطاب الشمولي للهوية وهو خطاب حاول أن يجعل من الخطاب القومي ومضامينه المتداخلة من الانتماء ألاثني، ثم جاءت التحولات التي حدثت بعد تدخل الأجنبي واحتلاله البلد بعد سياسة احتواء طويلة استمرت حتى تحول البلد إلى حالة من الضعف التي جعلته في النهاية يصل إلى الاحتلال الأجنبي، هنا بين انهيار الاستبداد وانهيار جدار الخوف تم تعرية الفضاء العمومي بتعددية سياسة واثنية وقومية أنها خطاب التمثيل الظاهر عصري إحداثي فقد انكشفت الانهيارات عن روح صراعية أثنية بين خطاب يريد أن يعيد إنتاج الواقع السياسي على أساس اثني طائفي وقومي تنوعت الخطابات وتنوعت التدخلات الإقليمية وتفجر الحلم احتلالا وحربا أهلية وصراع طوائف خاضعة إلى مهيمنات دولية ومحلية وإقليمية تداخلت الخنادق وتشرذم البلد الذي كان يعاني اخصاء واحتباس سياسيا ودينيا نفجر كل هذا عنفا.

في ظل هذه الظروف لامحيص لكل مثقف عراقي من أن يتحسس أهمية الموقع والدور الذي إراد ويشعر بثقل المهمة التغييرية والتحديات التي تحيط به. في إبراز ملامح الهوية والواقع عبر نقد التمركزات وتعرية المسبقات ومساءلة البداهات، من اجل قراءة تحقق الإزاحة والصرف والإحالة والتوظيف والتحويل الذي يقود إلى التبديل والتجاوز من خلال خرق الساكن. يتحقق هذا من خلال قراءة تقوم على تبني مشاريع الوجود وقراءة المجريات وتأويل المصائر وتشخيص الأزمة تعقلا وتفهما وتدبرا وتأويلا وتحويلا في ظل ظروف يتفاقم بها العنف وآليات الاستبداد والجهل والإخفاقات التي تعطل الطاقات ويسود الفساد فتظهر الحاجة إلى إرساء فلسفة الأخذ بقيم اللاعنف التي تمثل عالميا باحترام: مبدأ الحرية، وحق الحياة، واحترام الكرامة الإنسانية من خلال محاربة التمييز على أساس ديني واعتقادي او عرقي يفضي إلى المساواة في الحقوق بين الشعوب، فتغدو كل الادعاءات والخروقات والاعتداءات على الدول وسيادتها باطلة وإرهاب دولة تعيق السلم العالمي وتعطل أسباب التعادل والسلم الكوكبي الذي لا يخلف إلا مزيدا من التخلف وخرقا لما هو جدير بالاحترام فان هذا يتطلب إعادة النظر بثوابت الثقافة وآليات النظر التي خلقت العنف والتمييز والإقصاء عبر ممارستها بنية تفاضلية تقوم على سرديات وتأويلات تفرز الإقصاء عبر تبنيها هوية مغلقة تعلي من شأن الذات وتسقط على الآخر الصور النمطية وتشجع على إقصائه. كل هذا حدث بفعل ثقافة تقوم على إرادة التمايز على الغير وهي لا تريد له أن يكون مثلها؛ لذا تعمل على تهميشه واقصائه وعلى الحط من مرتبته وقيمته. وهذا في حاجة إلى إعادة النظر عالميا ومحليا في ثوابت الثقافة وقيم النظر والتفاضل من اجل خلق التعايش السلمي بوصفه أصل العنف والقسوة والتطرف هو الطارئ وأن كان سائدا ومنتشرا. ومن هنا يأتي السؤال عن دور المشهد الثقافي في إدارة الأزمة المجتمعية والثقافية، ودوره في السياسة والسلطة والثقافة. وبكلام آخر نحن في حاجة إلى ثقافة قوية في دعم التحول السلمي وإقرار خطاب التسامح وقبول المختلف وترسيخ ثقافة التنوع والتعددية السياسية والثقافية، لكنَّنا يجب أن نتجاوز عوائق الماضي ومفاعيل ثقافة السلطة التي تم تطويرها لتغدو خاضعة لخطاب السياسي ومروجي الدعاية فيه مما أضفى على ذلك الخطاب المصداقية وهي حالة كانت قد عانت منها دول العالم الثالث كثيرا، حيث أجبرت الدولة الشمولية المثقف شاعرا أو قاصا أو ناقدا أو مفكرا أو فنانا على أن يكون معبرًا عن خطابها صانعا سرودها الرسمية وجزءا من الرأسمال الرمزي.

فما قيمة أن نتسارع على إقامة المهرجانات الثقافية وهي في جوهرها منغلقة الأثر على واقعنا الذي يعيش حالة من الاحتراب الإعلامي والموت المحقق الذي يحيط بالأبرياء على أسس طائفية وبوصفهم حالة من حالات الضغط على السياسيين أو صراع السياسيين والأكثرية تعيش حالة من الموت المستمر في حالة من الاحتراب لا مثيل لها يعيشها الشرق الأوسط التي أقل ما يقال عنها أنها حرب الكل على الكل من اجل إستراتيجيات بائسة تقودها أفكار أثنية وأنظمة صغيرة قبلية ورجال دين ومفكرون متقلبون من خندق إلى خندق وحركات مرتزقة تحرك من خندق إلى خندق إنها حالة جهنمية من العنف الطائفي الذي سوف يعيد بناء منطقة الشرق الأوسط على أسس طائفية بعد أن بني مع الموجة الكونيالية على أسس قومية وما تبعها من عنف وتطهير عرقي في البلقان وتركيا حيث حدثت مذابح حتى تتفق الجغرافية مع السياسة.

والمشروع الكونيالي الجديد كما بشر به كارتر يريد إعادة بناء المنطقة على أساس الاصطفاف الطائفي من جديد، وعرب الخليج يقومون بالمهمة بعد أن اخرجوا التحول العربي من مطالب العدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية والسياسية إلى حرب مبنية على أسس جديدة أثنية في ظل هذا العنف تقام مؤتمرات تقوم على الترف الفكري والبلد يعاني الفاقة في البناء والخدمات والصراعات العنيفة كل هذا يحدث من دون أن تقام ندوه حقيقية او مؤتمر يحلل الواقع بعيدا عن التسويق الشعاراتي والتبرير الإعلامي.

لماذا إذا نمتلك مراكز بحوث من دون أن يكون لها القدرة على التحليل المهني وتقديم الحلول إلى الجهات السياسية ومن دون أن تلتزم القوى الإعلامية الضوابط المهنية إلأمن الاجتماع والسلم الأهلي يتعرض إلى الاقتلاع حتى تصحو ثقافتنا وتمارس التحليل والعمل على التبشير في بناء فضاء عمومي حر سياسيا وإعلاميا وثقافيا.

 فنحن في حاجه ماسة إلى تأسيس تعاقد اجتماعي جديد كي نقف وننتقد العنف الجاري ونبش القبور وتهديم الرموز الوطنية والقتل الذي يرفض العرب أن يعترفوا به وكأننا ليس منهم وإذا كان العرب لا يعترفون بنا كأُمَّة فاعلة في المنطقة الأمة العراقية صاحبة المكانة الكبيرة في التاريخ والجغرافية والإستراتيجية فعلى الدولة العراقية أإن تقوم بالاهتمام بالتعاقد الاجتماعي وتأسيس الفضاء العمومي من خلال الآتي:

وضع خطة لمؤتمرات علمية واجتماعية ودينية تؤسس وتضع حلولا ومعالجات لما يجب أن يكون عليه الواقع العراقي وشروط العيش المشترك وآليات التعايش بعيدا عن العنف فنحن أُمَّة ديمقراطية نمتلك كل ما من شأنه أن يحول من دون أن نكون ضحية الاحتراب الإقليمي والدولي في المنطقة.

الابتعاد عن إثارة العنف سياسيا وإعلاميا ودينيا من خلال سلسلة قوانين تنضم السلم الأهلي وتحول دون تحول الإفراد إلى أكباش فداء من أجندات سياسية وإعلامية وجعل الدم العراقي مقدسا بل قدس الأقداس.

وضع خطط وآليات من أجل إعادة النظر في التاريخ والصراعات وإحياء روح النقد والمصارحة والتسامح والاعتراف بالحقائق وجعل التاريخ بعيدا عن السياسة بل محله البحث والتحليل الجامعي.

تفعيل المؤتمرات الثقافية من أجل ثقافة الدمج والتعايش والتأكيد على المشتركات.

انتهاج كل ما من شأنه وضع الحلول بعيدا عن الجبر والإذعان مما يحقق التعايش والبحث في كل الممكنات، فأمَّا أمة متعايشة أو فرق تحقق حماية الدم العراقي لا يمكن أن نسكت على القتل وكأن أمرا لم يحدث.

يفترض العمل على ترصين القضاء عبر إكمال القوانين وإعادة النظر بالقوانين التي لا تحقق اجماعا شعبيا عليها من الشركاء السياسيين والاجتماعيين والمثقفين وهيئات المجتمع المدني.

إقامة محكمة اتحادية يمكن الاحتكام إليها فيما يخرج عن النصوص تكون حكما موضوعيا بعيدا عن الانحياز.

بناء القوات المسلحة على أسس تكون خالية من التشنجات وبعيدة عن الصراعات بوصفها مؤسسةً مهنيةً.

رؤية واقعية وعقلية عن الوحدة والتجانس القومي والوطني في العراق من اجل تكامل الجميع في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني.

10- تحديد ماهية الدولة الشرعية أو الدولة البديلة، بوصفها المقدمة الضرورية والضمانة الفعلية لطبيعة التطور اللاحق ومجراه.

11- بناء الأوزان الداخلية للسلطة والمجتمع المدني عبر صياغة الرؤية العامة للفكرة الليبرالية في العراق، بوصفها أيديولوجية الوحدة المرنة للحرية والنظام، والديني والدنيوي.

12- تأكيد المسؤولية التاريخية والأخلاقية للنخب العامة والسياسية بشكل خاص، عبر ارتقائها إلى مصاف الإدراك الفعلي لمنظومة المبادئ المكونة لفكرة المرجعية الوطنية العراقية، بوصفها هوية المستقبل أيضا. (35).

13- أن تكون الهوية منسجمة مع معطيات الفكر السياسي والقانوني الحديث الذي يستند إلى قاعدة المواطنة بوصفها معيارا ً جوهريا ً ومبدأ قانونيا ً في تأمين المساواة في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الشعب ممن يحملون هذه الهوية.

14- أن تكون الهوية معبرة عن الواقع الراهن للشعب العراقي بوصفه كلا ً غير قابل للتجزئة. بمعنى أنها لن تكون تمثيلاً لتصور فئة ما دون غيرها. وهذا يجعلها هوية ً وطنية ً بحق وليست تعبيرا ً عن موقف سياسي ضيق. وأن تكون الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد على الأسس الواردة في المبدأين أعلاه، وأساسا ً راسخا ً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها من جهة واستعادة سيادة البلاد ومواصلة دورها الإقليمي والدولي من جهة أخرى. (36).

15- الشعور بالانتماء إلى ماضٍ مشترك يساعد على الاشتراك في الحاضر والاستمرار بالاشتراك في المستقبل يساعد على التأكيد على ان الهوية الاجتماعية وهي وعي الفرد بانتمائه الى جماعة تاريخية توفر له اطاراً وظيفياً لاشباع حاجته الى الامن النفسي، واطاراً مرجعياً لصياغة منظومة قيمية ثقافية تنظم ادراكاته للعالم وتفاعله معه وتقسيماته له، واطاراً نزوعياً للسعي نحو انجاز اهداف جمعية مشتركة دون ان يتعارض ذلك مع اهدافه الفردية الخاصة، فالهوية الاجتماعية هي نتاج للتجارب المشتركة ونمط الحياة المشتركة بين افراد تلك الجماعة التاريخية.

 إنَّ تاريخ بلاد الرافدين اتصف بانعدام الحروب العنصرية والاهلية بين الناس، وسهولة ذوبان الشعوب الجديدة في الشخصية الرافدينية المشتركة، برغم هذه الخصال الايجابية في طبيعة الشعب العراقي (37)).

إنَّ الدولة ظاهرة اجتماعية وتاريخية لا يمكن أن تنتج إلاّ على أساس الهوية السياسية، لذا فإنَّ الهوية هي جوهر التفاعلات التي يُنتجها تماهي مكونات الدولة في بوتقة (قانونية/ مؤسسية/ مدنية) صاهرة.

وكل هذا يفترض التأسيس له من اجل تحقيق العدالة التي لا يشعر معها احد بالغبن ويبحث عن الثائر من إخوته، وعن العدالة التي تحقق الإنصاف بعيدا عن حروب الشرق الأوسط التي لا تعود على امتنا المتنوعة الثقافات والمكونات بفائدة. فيجب أن يعلم أصحاب القرار في العراق اليوم أن العراق هو وماله هو من صنع أيديهم فالكل اليوم والأجيال القادمة سوف يدفعون الثمن ويجب أن يحدثوا تحولا بأنفسهم وان يخلقوا وجهة نظر مختلفة جذريا لواقعنا العراقي، ربما نستطيع عندئذ التأثير في العالم بعامة، في العلاقات الموسعة مع الآخرين. وإذا ما تقاعسنا سوف هم يفعلون. فعلينا أن نفهم أن العالم هو علاقتنا مهما كان ضيقا وإذا استطعنا أن نحدث تحولا جذريا في العلاقات ونقلناها من حالة الاختلاف إلى حالة الاتحاد والتعاون، عندئذ ننطلق بنشاط كي نحول العالم. فنحن في حاجة إلى إحداث ثورة قيم ويجب أن نبحث عن قيم حقيقية تحدث الثورة الجذرية والتحول او الانبعاث من الجوهري في فهم الذات وإدراك قوتها وضعفها، ومن اجل فهم الذات التي تعيش حالة احتراب بتأثير الآخرين من خارجها او الموتورين من داخلها يجب أن تتوفر النية للفهم وإدراك العوامل وتسويغ حالات الضعف ورفع الظلم وإحلال العدالة بوصفها إنصافًا مما حاق بأبناء العراق على اختلافهم، ويجب أن نفهم الذات لا أن نبحث عنها في تحالفاتنا الخارجية وأن لانجدها في تاريخ الكتب الصفراء بل في الحوار والتواصل والمكاشفة القائمة على النية، والبحث، والتحقق، فتحول العالم يبدأ من تحول الذات؛ لان الذات جزء من صيرورة العالم الكلية للوجود البشري الذي يتحرك بسرعة ولابد من يقظة ذهنية حتى ندرك مكانتنا فيه، بعيدًا عن المعتقدات التي تحدث التشذر والضعف فالأفضل أن نتحرر من أحقاد الماضي حتى نجد العالم قابلا للعيش ويمكن أن نجد لنا فيه مكانا مميزا لكافة تكويناتها الداخلية. إنَّ الدولة ناظم وإطار كلي ناتج من تمازج أربعة عناصر هي: الأُمة المكوّنة للجماعة السياسية، والقيم والقوانين المكوّنة للنظام، والإقليم المكوّن للوطن، والمؤسسات الإدارية المكوّنة للسلطات... وروح هذا الرابط وجوهره والناظم الكلي المسمى بالدولة هي الهوية التي تمثل حاصل التمازج والتناغم والإتحاد لعناصر الدولة الأربعة، وكلما تمازجت وتناغمت واتحدت هذه العناصر بعضها ببعض في الوعي والثقافة والتشريع والتطبيق. . كلما قويت الدولة وتجذّرت، فبقاء الدولة مرتبط بفاعلية الهوية وقدرتها على البقاء والتجدد والتطوّر. (38) 

التعايش بديل الوحدة

كل هذا يدفعني؛ من منطلق الحب لهذه المنطقة والانتماء اليها، والحرص على حاضرها ومستقبلها، والطموح لإعادة بنائها وتطورها ونموها علميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والقلق الشديد على حياة أبنائها واستقرارهم ومستواهم المعيشي وصحتهم الجسدية والنفسية؛ أن أوجِّهَ كلماتي الى أحبتي واصدقائي؛ بل حتى الذين يتخيلون أنهم منافسون ومصارعون وأعداء؛ من كل الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية؛ أوجهها بكل حسن نية وبراءة واستقلال فكري وسياسي؛ بوصفي أحد أبناء هذه المنطقة ومثقفيها لا أكثر.

 

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

.................................

(1) كلود دوبار، أزمة الهويات تفسير وتحول، المكتبة الشرقية، ط، بيروت 2009، المقدمة.

(2) المسكيني، او الزين بنشيخة، كانت راهنا، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، 2006، ص 34.

(3) حيدر سعيد، سياسة الرمز، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2009، ص31.

(4) ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د2، ص170.

(5) لالاند، اندريه: موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الاول، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط1، بيروت، 1996.

(6) كلود دوبار، أزمة الهوية تفسير تحول، ترجمة، رندة بعث، المكتبة الشرقية، ط1، بيروت، 2008، ص17- 19،

(7) وهنا يشير صاحب الدراسة الى تصور موريس هالبوكس:ان الذاكرة الجمعية مقتنعة ان الجماعة تظل هي نفسها لانها (أي الذاكرة الجمعية) "لوحة تشابهات "، الذاكرة الجمعية. انظر في هذا:جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة الهيئة السورية للكتاب، دمشق، 2009، ص25.

(8)"ليس ثمة متحد الا متخيلا " بينديكت اندرسون، المتخيل لقومي، باريس، دار نشر تلاكتشاف، 1996، ص20، بواسطة: نفس المرجع، ص26.

(9) المرجع السابق، ص27.

(10) المرجع السابق، ص3.

(11) المرجع السابق، ص4.

(12) علي حرب، فخ الهوية، ضمن كتاب مشترك:" تساؤلات حول الهوية العربية "دار البدايات، ط1، دمشق، 2008، ص26.

(13) برهان غليون، أزمة الهوية وإشكالية بناء الذاتية الحضارية، ضمن كتاب مشترك:" تساؤلات حول الهوية العربية "دار البدايات، ط1، دمشق، 2008، ص116.

(14) كلود دوبار، أزمة الهوية تفسير تحول، ص56.

(15) المرجع السابق، ص 51.

(16) ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية" سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع "عالم المعرفة ج2، سلسلة 378، الكويت 2011، ص13.

(17) نفس المصدر، ص14-15.

(18) لهذا قيل إن نظام إرهابي لا يقاس بخسائر حروبه بل بضحايا سلامه، انظر:كنعان مكيه، جمهورية الخوف، منشورات الجمل ط1، بغداد، 2009، ص71.

(19) لقد عاش الغرب في ظل الفصل بين الدين والدولة اذ لم يعد مصدر المشروعية بل العلم من هنا:1- تبرز ضرورة الاعتراف بالكنيسة والفصل لضمان تحرر الدين من الدولة. 2- تحرر الدولة من الدين. 3- تحرر المعتقد الفردي من الدولة والدين المنظم معا. انظر:خوسيه كازانوفا، الاديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2005، ص89.

(20) سارا كوب، تعزيز التعايش في النزعات القائمة على الهوية نحو توجه روائي، الفصل الرابع عشر من كتاب:تخيل التعايش معا، تحرير انطوانيا تشايز ومارثا ميناو، ترجمة فؤاد السروجي، الاهلية للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2006، ص390.

(21) انظر:عبد الله عروي، منطق الدولة، مركز الثقافي العربي، ط2، بيروت، الدار البيضاء، ص72-73.

(22) لعل هذه الحالة العراق مميز بها إذ إن طبيعة النسيج المجتمعي في العراق لا تشكل استثناء لما هو سائد في المشرق العربي بل في الشرق عامة، حيث القاعدة هي التعدد الفسيفسائي، بتمظهرات بالغة التنوع والتعقيد لماهيات أثنية ودينية وطائفية. انظر: علاء اللامي، اللامي، الظاهرة الدينية في العالم العربي، العراق أنموذجا، موقع كتابات، http://www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=2569

(23) محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، دار الحوار للنشر، ط2، دمشق، 2004، ص39.

(24) كان من المفترض أن يقضي نظام الجنسية على الامتيازات التي كانت تحظى بها الأقليات المسيحية المدعومة من الأوروبيين، فوقف مسيحيو السلطنة العثمانية ـ المفترض أنهم يجب أن يدافعوا عن المواطنة والمساواة ضد نظام الملة التمييزي - ضد نظام الجنسية والمواطنة، وساندتهم الدول الأوروبية الاستعمارية، فتراجعت السلطنة وأبقت الامتيازات بجوار الدولة، فيما رفض الشيوخ (في مقدمهم شيخ الإسلام) والمعممون قانون الجنسية لأنه يعني أن المسلمين لم يعودوا أصحاب السيادة في الدولة، وأنه بدلاً من أن نقلد الغرب الكافر على الغرب أن يقلدنا! ولقد كان أكثر القضايا تأثيراً في عدم ترسيخ الهوية الوطنية هي فقدان الثقة بين المسلمين والأقليات الدينية، خصوصاً المسيحية، فقد منح الخط الهمايوني امتيازات خاصة لأبناء الأقليات الدينية المسيحية بجوار المواطنة الأمر الذي عزز عدم الثقة بين الطوائف، وانفجرت أحداث عنف طائفي في بعض الأماكن المتفرقة من السلطنة (مثل أحداث دمشق).

في الجملة فإن النقاش حول الهوية الوطنية والهوية الدينية بدأ في عصر التنظيمات، وإذا كانت السلطنة العثمانية بدأت بقانون الجنسية (المواطنية) فإنها زرعت في الوقت ذاته الانقسام حول الهوية الوطنية والهوية الدينية وكرست انعدام الثقة بين الطوائف الدينية في المجتمعات التي تنضوي تحتها مع ارتباط التجمعات الدينية الطائفية بمشاريع سياسية خارجية اعتماداً على الرابط الديني (أوروبا المسيحية). لقد وسعت التنظيمات وطورت أوضاع الدولة العثمانية النقاش حول مفهوم المواطنة والمساواة الحقوقية في دولة الخلافة.

(25) كما يصف "حليم بركات " المجتمع الفسيفسائي كما يتجلى في لبنان اليوم معبرا عن نقاط رئيسة حسب قولة:"أولا – الميل نحو عدم اتفاق بين الفئات الدينية حول المرتكزات والأسس التي يقوم عليها لبنان ثانيا – الميل نحو عدم قيام حوار حقيقي وصريح بين هذه الفئات ثالث- الولاء للجزء يفوق الولاء للكل ويتصادم معه، رابعا –عدم توافر نظام تربوي موحد يعمل على دمج الفئات المختلفة في وحدة حقيقة، خامسا –عدم فصل الدين عن الدولة وحصول تزاوج بين أبناء الجماعات الدينية مما يساعد على ازالة المسافات الاجتماعية والنفسية القائمة سادسا –عدم توافر الاندماج الجغرافي اذ تتوزع الطوائف في مناطق مختلفة من لبنان ثامنا ضعف سيطرة الدولة، الخ انظر: حليم بركات، الهوية ازمة الحداثة والوعي التقليدي، رياض الريس، للطباعة والنشر، ط1، 2004، ص18. "

* ترتبط دراسة التدخلات الاجنبية في المنطقة العربية بالصراع العثماني – البيزنطي منذ القرن الخامس عشر، وما تركه فتح القسطنطينية في العام 1453 من آثار وتفاعلات أوجدت ما اصطلح على تسميته "المسألة الشرقية "هذه المسألة التي انطوت على تدخلات أوربية تحت شعار حماية الطوائف المسيحية في الشرق العربي والولايات الخاضعة للسلطة العثمانية، بما فيها بلاد البلقان وبعض مناطق القوقاز بالقرب من البحر الأسود. انظر: ص86. عدنان السيد حسين، البيئة الإقليمية والدولية الضاغطة، ضمن ملف: النزعات الاهلية العربية العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1997.

(26) المرجع نفسه، ص87.

(27) هذه الاستعاره اخذتها من:صموئيل

(28) غسان سلامة: المجتمع والدولة في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 1999، ص71-72.

(29) علي وتوت، في سؤال في الهوية عراق واحد. . عن أي جنون نتحدث ؟ضمن كتاب المواطنة والهوية الوطنية، نخبة من الباحثين، دار العارف للطباعات، ط1، بيروت، 2008، ص38.

(30) نفس المصدر السابق، ص38-39.

(31) انظر: عبد العزيز قباني، العصبية بنية المجتمع العربي، دار الأفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1997.

(32)علي وتوت، في سؤال في الهوية عراق واحد، 36.

(33) يبدو ان ظهور الدولة العراقية كانت قد تعارضت مع الواقع الذي كان في ظل الاحتلال العثماني دولة الملل والنحل اذ كانت التراتبية المسلمون فوق المسيحيين واليهود والصابئة، وهناك تراتبية طائفية: السنة فوق الشيعة، وهناك تراتبية الاثني: الكرج (الجورجيون) والترك فوق العرب والاكراد والفرس، وهناك ترتب المكانة بين مختلف الاحرار فوق الجميع. وهناك تراتب الوجاهة او المكانة بين مختلف الجماعات المهيمنة حيث يقف الباشوات الكرج وكبار ضباطهم وكبار موظفيهم سادة ايضا، ثم الجلبية أي التجار ذوو المكانة الاجتماعية البارزة، انظر:، ص18ثم ان التغير الذي حدث مع ظهور المدنية ادى الى معارض اجتماعية من قبل القوى المهيمنة وهي فئتان اجتماعيتان هما فئة (ارستقراطية) المسوؤلين القديمة وفئة التجار الجلبيين. فقد تشكلت الفئة الاولى من عائلات مرموقة من اصول تركية او قوقازية في الغالب شكلت احد العناصر المكونة لطبقة اصحاب الاراضي وادى مجيء الانكليز الى حصول تغير حاسم على اوضاعها اذ لم يكن من السهل على افرادها بعد ان كانوا في موقع القيادة ان يتكيفوا مع دورهم الجديد كرعايا

(34) كنعان مكية، القسوة والصمت، منشورات الجمل، ط1، كولونيا، 2005، ص6.

(35) ميثم الجنابي وإشكالية (أوزان الهوية الوطنية) - مازن لطيف، اورنينا للثقافة العامة » الأخبار » اخبار ومقالات

(36) باقر جاسم محمد، الحوار المتمدن - العدد: 1544 - 2006 / 5 / 8.

(37) امل هندي الخزعلي، افاق ستراتيجية: دور النخب العراقية فـي تفعيل الهويــة الوطنيــة المشتركــة جريدة الصباح البغدادية.

(38) حسين درويش العادلي، ابتكار هوية وطنية، الدولة العراقية. . بين تشظي وتخيّل وصراع الهويات

 

 

مجدي ابراهيمإزاء التأكيد من جانبنا على أن لألفاظِ اللغة ميتافيزيقاها، توقفنا في المقال السابق عند قول ابن خلدون: " إنّ أوضاع اللغة إنّما هي للمعاني المتعارفة"؛ حتى إذا لم نجد لفظاً نودعه معنى يحمله الوجدان الغائر الثائر على الدوام، فماذا عساه يكون الحال؟

هنالك يفعل المجاز لدينا فعله، فنروح فنستعير اللفظ من دلالته الحقيقة إلى دلالته المجازية: من التصريح إلى التلميح، ومن المباشرة إلى ما هو خفيّ مبطون، من مستوى الواقع المُقرّر المفهوم القريب إلى مستوى الدلالة الغائية البعيدة. من أجل ذلك؛ ساد بيننا التعبير الشائع بضرورة قراء "ما بين السطور"، فماذا تعني كلمة قراء "ما بين السطور" هذه؟

تعني أن هناك كلاماً غائباً نستوحيه من الكلام المكتوب بالفعل، فالكلام القائم في الواقع يرمز بألفاظه إلى دلالة غائبة هى المُراد بقولنا "قراءة ما بين السطور"؛ فإذا نحن تدبَّرنا الكلام الغائب (المعنى الخفيّ المبْطون) ذي الدلالة الرمزيّة كُنَّا كمن يكتشف الغاية الرامية من القول القائم بالفعل؛ فتكون قراءتنا، من ثمَّ، في هذه الحالة قراءة مثمرة هادفة ومنتجة، هى "الحالة الوجدانيّة" التي نستعير فيها اللفظ استعارة أقرب ما تكون في التصوِّر إلى الخِلْسَة المستترة، للتعبير عنها (أي عن الحالة) بلفظ يُقرِّب معناها، وييسِّر ولو بشيء ضئيل ممَّا يُراد من وراء اللفظ من مفهوم أردناه وتمثلناه هو بلا شك من قبيل الأذواق والمواجيد العارضة دوماً في طريق الوجدان، وحينئذ يصبح للألفاظ ميتافيزيقاها.

وعليه؛ فيكون من حقنا عند ذلك أن نطلق على مثل هذا اللفظ المستعار كونه يُوحي بمعني لحالةٍ غائبة خفيّة باطنة، اصطلاح "الميتافيزيقا"، ويكون من حقنا كذلك أن نطلق على مثل هذه "الحالة" الكاشفة لكل ما هو مجهول من دلالات اسم "ميتافيزيقا الألفاظ المفتوحة". ومن البديهي أن عبقرية اللغة العربية جاءت لتؤكد هذا "المجاز" كيما يكون قانوناً من قوانينها.

وليس علم اللغة في هذا الإطار إلا علم الألفاظ الدالة عند كل أمة على قوانين تلك الألفاظ كما كان الفارابي يقول، وهو علم يعطي قوانين النطق الخارج، أي القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عمّا في الضمير.

بيد أن عبارة اللسان عن كل ما في الضمير هذه، ليست تجعل اللغة لفظا وكفى؛ بل تجعلها معنى مفتوحاً ودلالة بعيدة فوق الدلالة القريبة. فاللفظ ليس بالخاوي ولا هو بالمجرد عن المعنى، وإنمّا اللفظ مفتوح؛ لأن من خصائص اللغة العربية أنها مثالية عميقة صريحة تحسب حساب الفكرة والخاطر والمثال، وتضعها في مكان الصدارة والاعتبار، الأمر الذي يدل من الوهلة الأولى على أنها لغة مفتوحة، وأن ألفاظها تحمل الطابع الميتافزيقي: تحمل المعنى والمثال؛ ففلسفة اللغة العربية تحديداً - كما يذكر الدكتور عثمان أمين رحمه الله - إذا هى كانت تعني بالألفاظ، فذلك من أجل المعاني؛ أي لكي يقع القول من نفس السامع موقعاً يهيئ له الحالة النفسية التي تحفزه إلى العمل. ومن ذا الذي يستطيع بعد تدّبر وتفكير أن ينكر ما لإعجاز القرآن بألفاظه ومعانيه من قدرة على استنهاض العزائم، والسعي إلى بلوغ المطالب.

ولم يكن ابن جنيّ في "الخصائص" بالذي يغفل هذا الدور الميتافزيقي تؤدّيه اللغة فقال في باب الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني :" فإذا رأيتَ العرب قد اصلحوا ألفاظها وحسّنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا ترينَّ أن العناية إذْ ذاك إنما هى بالألفاظ بل هى عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه وتشريف؛ فالألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم أشرف من الخادم؛ فإذا تحلى العرب ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها؛ فعناية بالمعاني التي وراءها، وتوصّلاً بها إلى إدراك مطالبها" (أ . هـ).

وممَّا يؤكِّد لدينا أن للكلمات ميتافيزيقاها، ننظر مثلاً إلى فكرة كفكرة "الموت" في الثقافات الإنسانية فنتتبَّعها منذ فجر الضمير، فإذا أمامنا أفلاطون وقد وضع تعريفاً جوهرياً للفلسفة قال فيه :"إنها التأمل الدائم للموت".

لقد كان يقين الموت المحتوم ولا يزال هو الشاهد القاسي على أن كل شيء يمضي، وأن كل موجود على الأرض يفني ويزول. وتردَّدت أقوال الأدباء والمفكرين والفلاسفة التي تفوق الحصر عن أن "ساعة الميلاد هى ساعة الموت"، " وأن الطفل يولد شيخاً ناضجاً للموت" ولِمَا تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة أن يولد !

وقد عبَّر "هيجل" عن هذه الأفكار أفضل تعبير حيث قال:" إنّ وجود الأشياء المتناهية؛ من حيث هو كذلك، ينطوي على بذرة الفناء يوصفها وجودها في ذاته، فساعة ميلادها هى ساعة موتها".

إنَّا لننظر إلى يقين الموت المحتوم، فلا نجد بعد النظر والتتبُّع غير كونه موصولاً بشرايين الفكرة الإلهيّة؛ فإذا هو واقع مُحقق على جميع الأحياء لا شك فيه، لكننا لا نعلم متى يقع ولا أين يقع؟ فوجُودنا الميتافيزيقي في الحياة مرهون بواقعيته وتحقيقه، وعندما يقع نُغَادرُ هذه الحياة في غير رجعة؛ فلا تكون لدينا صورة حيّة باقية إلّا من خلال الكلمات، الأمر الذي أتعب العلماء في طلب العلم ونشره : الخلودُ من طريق الكلمة، والبحث في المقروء والمكتوب عمّا وراء السطور والقشور.

وفي الحق أن كل هاجس من هواجسنا وكل عمل من أعمالنا ينطوي على وجهة نظر أو "موقف" من المواقف الميتافيزيقيّة؛ كما يقول بعض الوجوديين: إنّك إذا وقفت على شاطئ البحر ورأيت شخصاً يوشك أن يغرق في الماء؛ فأخذت تنظر إليه دون أن تصنع شيئاً؛ فليس معنى هذا أنك وقفت منه موقفاً سلبياً فحسب، بل معناه الأعمق أنك "اخترت" موقفاً معيناً أو صمَّمْتَ على أن لا تكون في جانبه".

إنمَّا الكلمة حقيقةً تعبيرٌ مباشر أو غير مباشر عن الأرواح والقلوب من وراء الأجساد والألفاظ، وهى كذلك تجسيد لحياة باطنة يعيشها طلاب هذه الحياة وذووها. وقد لاقت الكلمة في المسيحية وفي غيرها من الأديان؛ من حيث كونها لغة ومعنى، جسداً وروحاً، صراعاً بين الحرف والروح، ووجِد لها أنصاراً وأتباعاً : كيركجارد، وسبينوزا، وأونامونو، والكاثوليكية المحافظة، وصوفية الإسلام: أنصار الروح والمعنى.

والجميع اعتبروا الكلمة تجربة حيَّة وواقعاً معاشاً، ورفعوا مرتبة الروح والمعنى على الجسد واللفظ، ومنهم من أعلى من شأن الكلمة - أونامونو مثلاً - من حيث كونها روحاً ومعنى، على الحرف من حيث كونه جسداً ولفظاً؛ لأن الروح القدس تُوحي بالمعنى. وتصرَّف الصوفية المسلمون فواجهوا الفقهاء بأن علومهم مأخوذة من ميت عن ميت، أمّا علوم الذوق والعرفان فمستمدة عن الحي الذي لا يموت. فالصوفي يقول أخذت علمي عن قلبي عن ربي؛ وهو يقصد بذلك أن تكون التجربة الحيّة هى الأفعل في الذوق والشعور، وهى هى الأصدق قيلاً من الألفاظ السطحية والعناوين الظاهرة.

وعليه؛ فنحن لا نتعامل في الواقع ولا في الخيال مع جثث ميِّتة ولكننا نتعامل مع رفات حي ناطق بالحياة، هى الأرواح تجسَّدت في حروف وكلمات؛ فمن وراء هاته الكلمات التي يكتبها إنسان كُتِبَ لـه الخلود من خلال الكلمة، يمكن أن نفهم أن للكلمات ميتافيزيقاها، وأن البعد الميتافيزيقي فيها أسمى وأقدر على المواجهة الخفيّة الباقيّة، وهو أفعل كذلك في استخلاص الدلالة واستنباط الإشارة والاستبصار بالمجهول، وأنها لخالدة بخلود معناها ومرماها، بخلود ذلك الانطباع الذي تركه صاحبها في أذهان القراء وخَلَجَاتِ المُفكِّرين، وذلك حيث أدرك أن قسطاس الحياة كُلُّهُ "كلمة" لكنها ليست عدماً يقود إلى عدم بل خالدة على مقدار الخلود الذي يتبدَّى في أطواء الحياة نفسها.

خلودها هو الوجود الذي لا يصاحبه عدم، وأنت تلاحظ أن الموت الذي يخشى منه الجميع يتبطَّنُ الحياة جميعها : أناسٌ تذهب بالموت وتأتي الحياةُ بدماء جديدة. أطوارٌ تتقلَّب بين وجود وعدم، وأجواءُ تعصف باستقرار الآمنين ثم لا تلبث أن تعُيدَ لهم حياة الأبد وجوداً أفضل ممَّا عَصَفَتْ به لديهم غوائل الفناء.

وهكذا يدور الوجود بين فناء وعدم يقابلهما دوام وبقاء : صيرورةُ من التغيير، وإبداع من الخلق والتبديل، وتحوُّل وتقلُّب في "الشأن" الجاري وفق قهر الخالق، يؤكد لنا أن دوام الوجود مستمدٌ من دوام الباقي الخالد دون الزائل الفاني، وأن أصدق شيء، وأفْعَل شيء، يمكن أن ينطبق على هذه القوانين الكونية الجليلة هو "الكلمة"، فبالكلمة يُسْتَدُّل على تلك القوانين الكونية، وبالكلمة يُخلق التعبيرُ عن "الكون" وقوانينه في لغة واضحة ولفظ مفيد .. فهل بعد ذلك يُقال لنا، من وجهة نظر الوضعية المنطقية، إنّ للألفاظ وجوداً واقعياً وكفى في غير أن يكون لها وجود ميتافيزيقي يهدف إلى الخلود سواء في الحياة والواقع أو في العدم والفناء؟! والإجابة .. لا .. وألف .. لا !

على إننا لا نستطرد في مثل هذا التحليل، قبولاً أو رفضاً، قبل أن ننتقل إلى عنصر آخر نبيِّن فيه، على أقل تقدير، ولو فيما نراه نحن، مدى انعكاس صورة الثقافة العربية، حاضرها وماضيها، من خلال الكلمة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عصمت نصاركتابان لا يمكن إنكار فضلهما فى وضع الأسس والضوابط الموجّهة لرسالة الجامعات، فإذا ما عدنا إلى مطلع القرن العشرين سوف نتذكر توجيهات الأستاذ الإمام محمد عبده (١٨٤٩م - ١٩٠٥م) وخطابه الإصلاحي - الذى استحال إلى مشروع فى المجتمع المصري على يد تلاميذه - وجاء فيه ضرورة إنشاء جامعة - على غرار الجامعات الأوروبية الحديثة - تجمع فى بنيتها العلميّة بين الأصيل من المعارف التليدة والمشخصات الثقافية للهوية من جهة، والجاد والطريف من العلوم الجديدة فى شتى المعارف الإنسانية، وذلك تبعًاً لاحتياجات المجتمع وآماله وطموحاته من جهة أخرى، بعد تلكأ الأزهريين وعدم استجابتهم لدعوته للإصلاح الشامل للعملية التعليمية، والربط بين العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والطبيعية الحديثة بسياج يمنع عن بنيتها التعليمية الجمود والتعصب والشطط والتطرف ويدفع خريج المعاهد والمنابر الأزهرية - فى الوقت نفسه - نحو التجديد والتحديث وتلبية احتياجات الواقع ومناقشة قضايا المجتمع وإعادة بناء العقل الجمعي.

وقد ظلت كلمات الأستاذ الإمام فى هذا السياق حلمًاً يخطط له المجددون من تلاميذه، وقد تحقق ذلك شيئًاً فشيئًاً بدايةً من عام ١٩٠٧م، عقب إنشاء الجامعة الأهلية، ثم بعد ضم المدارس العليا وتنظيم لوائحها إلى ذلك الكيان الذى أضحى عام ١٩٢٥م الجامعة المصريّة التابعة لوزارة المعارف، غير أن تلاميذ الأستاذ الإمام لم يقنعوا بهذا القدر من تحقق الحلم، وذلك لأن غرضهم لم يكن تشييد البنايات والكليات بالرخام والحجر، بل تنبيه الأذهان وتوعية العقول وإعادة تشكيل معارف البشر وتدريبهم على حسن النظر والانتفاع بالعبر، وقد ذكر ذلك صراحة أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد (١٨٧٢م - ١٩٦٣م) فى الاحتفال بإنشاء الجامعة.

أما الكتابان فهما «رسالة الجامعة» لأحمد لطفى السيد، و«نحو جامعات أفضل» للدكتور عثمان أمين (١٩٠٥م - ١٩٧٨م) فعلى الرغم من صغر حجم الكتابين؛ فإن أثرهما كان وما زال عظيمًاً على كل من ينشد الارتقاء بجامعاتنا وتوجيهها إلى ما ينبغي الاضلاع به، فقد ذكر لطفى السيد فى كتابه «إنّ غرض التعليم الجامعي تثقيف العقل، لا ملء الحافظة، فالطالب الذى يعتمد على الحفظ المجرد والذى يعتمد على الأستاذ وحده بأخذ نظرياته قضية مسلمة من غير تفكير شخصي واقتناع ذاتي، كلاهما ليس طالب علم فى حقيقة الأمر، إني ناصح لكم : لا يحيد بكم عن قصد السبيل اضطراب بيئتنا خارج الجامعة فى هذا الانتقال الجامعي العنيف الذى نعانيه، فتتأثروا بصور من أخطاء تلك البيئات، ثم تجيئون لنا فى هذا المعبد العلمي بألوان من النظر تتكيف فيه الأغراض الجامعية مشوهة أو محرفة عن مواضعها، أنتم أهل علم ومعرفة، فليحذر أحدكم أن يجارى العرف العام خارج الجامعة فى فهم طبيعة الروابط بين الأساتذة والطلبة، وفى فهم أغراض التربية الجامعية والتعليم الجامعي».

وعليه؛ فرسالة الجامعة التى يقصدها لطفى السيد لا تنحصر فى تلقين العلوم لطلابها، ثم منحهم شهادات تؤكد حفظهم لما أخذوه عنها بدرجات متفاوتة، بل إنّ غايتها الحقيقية هى صناعة عقول وسواعد شبيبة مصر على وجه الخصوص فيزيلون عن مجتمعها الفاسد من العوائد، وينشرون بين أفرادها العلم وليس العكس، فيبرأون أهلها الجهل والمرض ويعمرون ويزرعون ويصنعون ويدافعون عن مصالح أمتهم ويبصرون أهلها بمنافع ومفاسد الأغيار، بدايةً بما يجب عليهم من استيعابه وهضمه من علومهم، ونهايةً بالذود عنها إذا ما لحقت بها شرورهم أو أكاذيبهم. والعمل على بعث الأمل فى الرأي العام وانتزاع روح اليأس أو التكاسل والتراخي أو ضعف الانتماء والولاء لها، والضرب على أيدى كل من يتجرأ على إفسادها أو سلب حريتها واغتيال أحلامها.

وأتذكر أنني أثناء العطلات الدراسية كان طلاب الجامعة يتطوعون للخدمات العامة ولا سيما فى السنوات السابقة للتخرّج، وكان معظمنا يوجه إلى الخدمات التى تتناسب مع تخصصه، فالبعض يلحق بالمصانع والورش أو المستشفيات أو هيئات النظافة أو تنظيم الأسرة وبرامج محو الأمية أو رعاية المعاقين.

وكان المقصود من ذلك الصنيع، هو غرس روح الألفة والتعاون بين الطلاب من ناحية وتعويدهم على أن النظر بلا عمل هراء ومضيعة للوقت من ناحية ثانية، والتأكيد على أن خريجي الجامعة يمثلون القوى الناعمة التى تحمل أسلحة العمران والمدنية والوعى وبث قيمة العزة والكرامة والحرية المسئولة فى مختلف طبقات المجتمع، وغير ذلك من فضائل وقيم وأذواق راقية قد عرف بها (الأفنديّة)  المنتسبين للجامعة من ناحية ثالثة.

أمّا الكتاب الثانى فهو «نحو جامعات أفضل» وممّا جاء فيه «إنه من الواجب على المثقف الحقيقي احترام نتاج الفكر أيًا كان وأخذ الحكمة متى وجدها. وعن أي لسان وفى أي كتاب، شريطة ألا يقبل فكرة دون تحليل وتمحيص، وإلا يغتر بعلمه، فالتواضع فضيلة لأزمة للمشتغلين بالعلم، وعلى طالب الجامعة ألا ينعزل عن الناس بحجة التأمل أو الدراسة، بل يجب أن تنبع أبحاثه - أدبية كانت أو فلسفية أو علمية - من المجتمع الذى يعيش فيه ملبية احتياجاته ومعبرة عن مشكلاته وساعية لحلها».

ويمكننا أن نستنبط من كلمات "عثمان أمين" أن دور الجامعات الأفضل وخريجيها هو خدمة المجتمع بالمعنى الحقيقي الدقيق لهذه الوجهة العملية، وهى بالضرورة على النقيض من أولئك الذين يبحثون عن وظيفة حكومية للتكسب منها غير عابئين بمردود ما يطلبونه على المجتمع، ولا ينبغي - فى الوقت نفسه - ترك احتياجات الأمة بمنأى عن اهتماماتهم. ولا ينبغي إلقاء اللوم على أولئك الشباب الذين يبحثون عن عمل حكومي لأنهم غير مدربين أو مؤهلين لسوق العمل الحر، والواجب على مؤسسات الدولة - بما فى ذلك الجامعات - تأهيل خريجيها لشغل الأماكن الشاغرة التى تحتاجها سوق العمل بالداخل أو الكفاءات للعمل بالخارج، ذلك بالإضافة إلى توجيه ملكاتهم النقدية للتصدي إلى الشائعات والأكاذيب المغرضة والفتن والمؤامرات التى تحتال لتفكيك الأمة. وذلك كله عن طريق تعويد الجامعيين على مناهج التفكير الناقد والمنطق الذى انتهجته فلسفة الكذب للتصدي إليها، وفتح أغراضها ومراميها أمام الرأي العام.

ولا ريب فى أن أكذوبة البطالة فى مصر للشباب دخلًاً فيها، وذلك لأن معظمهم اعتاد أسلوب التواكل وإلقاء التابعات على الدولة، كما أن انتشار الأغاني الرديئة والمواقع المنحطة والألفاظ البذيئة والعوائد السافلة التى أضحت ظاهرة بين شبابنا لا يمكن أن نعفى الجامعيين من مسئولية ذيوعها، وذلك لتقاعسهم عن حسن توجيه الأجيال التى تصغرهم من شبيبة المدارس، بل للأسف نجد بعضهم يروّج لها، ومن المخجل أيضًا أن نرى بعضهم ينتمى إلى جماعات التطرف والإلحاد والعنف والشذوذ ذلك فضلًا عن إصغائهم لتجار السياسة مؤكدين بذلك انعدام أثر الجامعة فيهم وأن ثقافتهم الحقيقية مستمدة من الشارع الشاغر من الضوابط والأخلاق.

ولا عجب أننا نرى فى مجتمعنا الآن نقيض ما جاء فى الكتابين، ويعنى ذلك أننا أهملناهما، بل إن الكثير منا يجهلهما تمامًا.

وما نرمى إليه من حديثنا السابق هو اضطلاع جامعاتنا بسابق رسالتها التى أنشئت من أجلها، فتعقد الجلسات الحوارية لمناقشة طلابها والموائد المستديرة لمحاورتهم مع المتخصصين للإجابة عمّا يدور من حولهم من أحداث شريطة أن تكون حرية البوح والوضوح والمصارحة هى السلطات القائمة دون غيرها فى هاتيك المقابلات.

وأعتقد أن المصارحة هى أفضل السبل للمصالحة، ولا سيما بين الشباب فهم مستقبل مصر المقبل، أولئك الذين ينبغي أن يشغلوا معظم الرأي العام القائد بعد تأهيلهم للقيادة لمؤسساتنا وحياتنا الثقافية.

أقول ثانية لشبابنا وأساتذة الجامعات وأصحاب الأقلام منا: حاوروا شبيبتنا قبل أن تنقضوهم أو بالعنف تقوموهم، وارتقوا بأذواقهم ورغبوهم فى الفضائل قبل أن تسفّهوا من شأنهم وتسخطوا على سلوكهم، ولا تنسوا دوركم ومقامكم فأنتم ورثة الأنبياء وأكمل الفضلاء.

 

د. عصمت نصّار