جواد بشارةهيكيلية الكون المرئي وبنيته الهندسية:

هيكلية الكون: كيف انتهت معادلة رياضية بسيطة بأن "تصف ما لا يوصف"

السبب الذي جعل الهياكل الضخمة التي تشكلت في بعض الأماكن في الكون بدلاً من غيرها تمثل دائماً تحديًا لعلماء الفلك. لأنه حتى الآن، فإن قدرتهم على فهم ونمو المجرات على مدى الـ 13.8 مليار سنة الماضية قد واجهت حدودًا رياضياتية. أظهرت دراسة كبيرة على مدى عشر سنوات أن المعادلة بسيطة بشكل مربك.

التاريخ بدأ في سومر كما قال صاموئيل كرامر حيث بدأت الكتابة هناك:

في فيلم أوديسة الفضاء للمخرج الفذ الراحل ستانلي كوبريك نرى في البداية المراحل البدائية للحياة والبشر البدائيين والصراع على الغذاء والماء من أجل البقاء وعندما تمتزج صورة العظمة التي رماها أحد القرود إلى السماء بمركبة فضائية تمثل انتقالة البشر من العصر البدائي إلى العصر الفضائي على نحو موجز ومكثف وعميق. تبدأ الحضارة البشرية العاقلة من الحقبة السومرية (هل هناك حضارات بشرية سبقتها ؟؟؟) قبل أكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

أصول الإنسان حسب النصوص السومرية القديمة السومرية، المعروفة أيضًا باسم "أرض الملوك المتحضرين"، انطلقت في بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي)، عام 4500 قبل الميلاد. وجد السومريون حضارة متقدمة جدًا، لديهم لغتهم الخاصة، والكتابة، والهندسة المعمارية، والفنون، وتفوقوا في علم الفلك والرياضيات.

كان دينهم نظامًا معقدًا، يضم عدة مئات من الآلهة، مع الطقوس وعلم الكونيات الخاص بهم. وفقًا للنصوص الموجودة، تم وضع كل مدينة سومرية تحت حماية إله. كان زمناً غارقاً في القدم عندما مزجت الآلهة حمضها النووي بالبشر، الذين كانوا خدماً لهم.

وفقًا للسومريين وأساطيرهم، فإن الكائنات الفضائية (كائنات من مكان آخر) كانت أول من شغل كوكب الأرض.

تظهر أسطورة الخلق التي شاهدها السومريون، على لوح من مدينة نيبور، وهي بلاد ما بين النهرين تأسست عام 5000 قبل الميلاد. حيث تم العثور على كمية كبيرة من الأقراص المسمارية، التي تشكل مصدراً حقيقياً للتوثيق لحياة هذا الشعب.

أطلق المؤرخ ثوركيلد جاكوبسن على أقدم نسخة من أسطورة الخلق السومرية اسم تكوين إريدو، وقد عثر عليها على لوح مجزأ وحيد اكتشف في نيبور، وقد كتبت باللغة السومرية وتعود إلى حوالي 1600 سنة قبل الميلاد. كما وجدت في نيبور أيضًا أساطير خلق سومرية أخرى تعود لنفس الفترة تقريبًا سميت بِـ: اسطوانة بارتون، المناظرة بين الماشية والغلال، المناظرة بين الشتاء والصيف. تقوم الآلهة آنو وإنليل وإنكي وننهورساج بخلق ذوي الرؤوس السوداء وتوفير ظروف مريحة للحيوانات لتحيا وتتكاثر. ثم تهبط الملكية من السماء وتنشأ المدن الأولى: إريدو وباد تيبيرا ولاراك وسيبار وشوروباك.

ثم نعلم بعد قسم مفقود من اللوح أن الآلهة قد قررت عدم إنقاذ البشرية من طوفان وشيك؛ حيث يعلم الملك وكاهن الغودوغ زي يو سورا بذلك (والذي يقابله في ملحمة جلجامش أتونوبشتم). أما في النسخة الأكدية اللاحقة فإن إيا أو إنكي باللغة السومرية يقوم بتحذير البطل أترا هاسس (الأكدي) ويقوم بإعطائه تعليمات حول كيفية بناء الفلك. وهذا القسم مفقود من الجزء السومري، ولكن وجود ذكر لإنكي وهو في حالة تخطيط ذاتي يعطينا فكرة أنها كانت نصيحته في النسخة السومرية أيضًا.

ثم يكمل اللوح واصفًا الفيضان كعاصفة هوجاء تتلاعب بالمركب الضخم لسبعة أيام وسبع ليال، ثم يظهر بعدها أوتو (إله الشمس) ويصنع زي يو سورا فتحة في المركب ويسجد للآلهة ويقدم ثورًا وشاةً كأضاحي.

ثم يكمل النص بعد انقطاع آخر، ويظهر هنا أن الطوفان انتهى وتغادر الحيوانات المركب ويسجد زي يو سورا أمام آن (إله السماء) وإنليل (زعيم الآلهة) الذين يمنحانه الحياة الأبدية والخلود ويأخذانه للإقامة في دلمون مكافأة على "حفظه الحيوانات والذرية البشرية". أما باقي القصيدة فهو مفقود.

وهنا نص مأخوذ من مغامرة العقل الأولى لفراس السواح:

إن الإله الذي أخرج كل شيء نافع

الله الذي لا مبدل لكلماته

إنليل الذي أنبت الحب والمرعى

وأبعد الأرض عن السماء

عندما لم يكن لأعلى فردوس اسم،

وأن الأرض أدناه لم تحمل بعد،

أبسو البدائي، الذي ولدهم،

والفوضى، تياموت، أم الاثنين،

انضمت مياههم.

لم تتشكل حقول ولا مستنقعات.

عندما لم يُدع أي من الآلهة إلى الوجود،

لا أحد منهم يحمل اسمًا أو مصيرًا؛

في الجنة، تم إنشاء الآلهة،

تم استدعاء لامو للوجود ...

ثم خاطبت الأم نمو (المياه البدائية) إبنها أنكى:

إجعل للآلهة خدماً

ففكر أنكى في الأمر وقال لأمه:

إن الكائنات التي ارتأيت خلقها، ستظهر للوجود

إمزجي حفنة طين من فوق مياه الأعمال

ثم كوني له أعضاءه

ولسوف تقدرين للمولود الجديد يا أماه، مصيره

وتعلق ننماخ عليه صورة الآلهة في هيئة إنسان

من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه لا يوجد إله، في هذا الوصف، يكون هو أصل الخليقة لأن الآلهة هم أنفسهم من هذه الخليقة. وفقًا للسومريين وأساطيرهم، كان الأجانب أو الغرباء أو الكائنات اللاأرضية الذين لديهم صورة ظلية بشرية هم أول شاغلي الأرض. يمكن لهذه الكائنات السفر عبر السماء بسرعة البرق في السفن على شكل صاروخ. بعد جعل الأرض صالحة للسكن، كانوا يعتزمون الاستقرار هناك لوفرة المعادن الموجودة في تربتها.

لكن الآلهة لم تسمح لهم وتدخلوا لمنعهم من فعل ما يريدون.

عندما يحب الرجال الآلهة

دعم العمل وعانى من تكريمهم

حزن الآلهة كان عظيما،

كان العمل ثقيلاً وزاد شدة.

رأت أنو، إلهة الآلهة، أن عملهم كان مهمًا للغاية. اقترح ابنها إنكي (أو Ea) إنشاء رجال لدعم جزء من المخاض. ما فعله بمساعدة أخته، نينكي. تم إعدام إله، ثم اختلط جسده ودمه بالطين، ومن هذا المزيج تم إنشاء أول إنسان.

لقد ذبحت إلهًا معًا

بشخصيته

أخذت عملك الشاق بعيدا

لقد جعلت مهمتك ترتكز على الانسان.

...

اختلط الإله بالطين والانسان

 ربط جوهرة بكينونة جديدة

و في النهاية التحم

اللحم والجسد

الذين نضجوا في الإله -

سيتم ربط هذه الروح من قبل أقارب الدم.

من المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا أن العقل مرتبط بالجسد، كما هو الحال في العديد من الأديان أو الأساطير الأخرى.

تم إنشاء هذا الرجل الأول في جنة عدن، وهي كلمة سومرية تعني "الأرض المسطحة". في ملحمة جلجامش، تذكر عدن كحديقة الآلهة وتوجد في مكان ما في بلاد ما بين النهرين بين نهري دجلة والفرات.

في البداية، لم يكن البشر قادرين على التكاثر. تم تعديلهم في وقت لاحق بمساعدة الآلهة إنكي ونينكي. وهكذا، تم إنشاء آدابا Adapa كإنسان يعمل بشكل كامل ومستقل. ومع ذلك، تم إجراء هذا "التعديل" دون موافقة شقيق إنكي، إنليل، وبدأ نزاع بين الآلهة. أصبح إنليل عدوًا للإنسان، ووفقًا للقرص السومري، خدم الرجال الآلهة وعانوا الكثير من الصعوبات والمعاناة.

هذه ليست قصة الخلق بالضبط، والتي تتضمن في الأصل قصة شجرتين من عدن، حيث يصل آدابا Adapa، بمساعدة أنكى Enki، إلى آنو Anu حيث يفشل في الإجابة على سؤال عن "خبز وماء الحياة". تتباين الآراء وتتأرجح حول هاتين القصتين الوجوديتين، ولكن يبقى شيء واحد واضحًا: الخلود مخصص للآلهة، وليس للبشر.

ملحوظة: الترجمات السومرية القديمة مأخوذة من كتاب ويليام براملي، آلهة عدن. كشفت نتائج هذه الدراسة العشرية عن توزيع الكثافة في الكون على مدى تسع مليارات سنة.

لا تزال الطريقة التي يتم بها بناء الكون تثير العديد من الأسئلة، حتى لو كانت النظريات تشرحها. لماذا نجد مجموعات من المجرات ذات كثافة مذهلة بينما يوجد فراغ في أماكن أخرى؟ إن المسألة في الكون موزعة بشكل غير متساوٍ. في نقاط معينة، نلاحظ ثغرات وفجوات في حالات أخرى، تظهر "جدران" أو "خيوط" حقيقية، والتي تعد من بين أكبر الهياكل في الكون. تتكون هذه الجدران، التي هي نوع من الأسلاك الطويلة، من المجرات أو مجموعات وحشود من المجرات التي تدور بالآلاف في مدار حول بعضها البعض.

من الانفجار الكبير إلى تكوين المجرات:

يخبرنا النموذج الكوني القياسي أنه منذ أكثر من 13 مليار سنة، تم توزيع المادة بالتساوي. لكن سلسلة من الأحداث جاءت لتعكير صفو هذا التجانس الجميل. خلال الانفجار العظيم، تم تحويل الطاقة إلى مادة. إنها بداية توسع الكون. في البداية، لا يبدو الأمر سوى حساء كثيف ويغلي حيث تسبح جزيئات الضوء والمادة والمادة المظلمة بسرعة قصوى. هذه الجسيمات، عن طريق الاصطدام، ستشكل نفسها جسيمات أخرى. في مواجهة الانخفاض السريع في درجة الحرارة، سوف يتباطأ كل شيء في النهاية. باستثناء جسيمات المادة المظلمة التي ستتجمد فجأة (تسمى هذه الحلقة "تجميد المادة المظلمة"). منذ هذه اللحظة، لن يتم إنتاج جزيئات جديدة من المادة المظلمة. من ناحية أخرى، فإن جميع تلك المكونات الأولية للكون المرئي من الانفجار الكبير Bing Bang، غدت على شكل إشعاعات أحفورية ميكروية منتشرة في الخلفية الكونية، ستؤثر على بنية الكون.

سيتم اتخاذ المزيد من الخطوات لاحقًا حتى يبدأ الكون في ملء نفسه بالنجوم، بعد 100 مليون سنة من الانفجار العظيم، تحت تأثير الجاذبية. في بعض الأماكن، تكون المادة المظلمة أكثر كثافة في النهاية لتثني الفضاء وتحنيه للداخل عند هذه النقاط بدلاً من تمديده للخارج - نظرًا لأننا لا ننسى، فإن الكون يتوسع باستمرار منذ توسعه بسرعة فائقة، منذ لحظة الانفجار العظيم. ثم يتم سحب المادة "العادية" إلى هذه التجاويف وسوف تتراكم هناك، وبالتالي تشكل النجوم الأولى. تدريجيًا، سوف تتجمع هذه النجوم في المجرات، ثم في العناقيد، وحتى في العناقيد الفائقة، دائمًا تحت تأثير الجاذبية. ولذلك فإن هذه الاختلافات في الكثافة هي التي تفسر سبب تشكل هذا الهيكل أو ذاك هنا بدلاً من مكان آخر.

 حدود المحاكاة الحاسوبية:

في العقود الأخيرة، تم إعادة إنشاء هذا التاريخ المضطرب بالكامل وعن طريق المحاكاة باستخدام برنامج قوي. التقليد الرقمي لهذه العمليات الفيزيائية، حتى الآن، هو أقرب شيء لتأكيد أن الكون قد تم تشكيله. كما سمح للجميع بالاتفاق: من التجانس الأساسي، أصبح الكون غير متجانس. "لسوء الحظ، فإن هذه المحاكاة الحاسوبية، مهما بدت جميلة ومعقدة كما هي، ولكن لها حدودها. إنها تحاول أن تقلد بأكبر قدر ممكن من التفاصيل جميع تفاعلات الجاذبية بين جميع أجزاء المادة، لكنها تخفي أي مبدأ أساسي يمكن أن يكون أكثر توضيحا، وكشف أكثر عما يحدث وما زال يحدث في مناطق مختلفة. في الواقع، هناك قصص يمكن فقط للرياضيات البحتة، وليس المحاكاة، أن تخبرنا بها، كما ورد في كتاب المستقبل لدانيال كيلسون. لكن الرياضيات البحتة لا تقهر في بعض الأحيان، خاصة عندما يتعلق الأمر بنمذجة نمو الهياكل على مدى 13 مليار سنة. على الأقل، هذا ما اعتقده دانيال كيلسون.

 

د. جواد بشارة

 

زهير الخويلدي"المجتمع الجماهيري لا يريد الثقافة بل الترفيه"

تفكر حنة أرندت في الأزمة التي يتعرض لها الوضع البشري في مجال السياسة والثقافة والتربية والحداثة بسبب الشمولية السياسية والامبريالية، فالحركات الشمولية هي منظمات ضخمة من الأفراد الذريين والمعزولين عن بعضهم، بينما تقوم الديكتاتورية دائمًا بتحويل الطبقات إلى جماهير، واستبدال الأحزاب بالنظام، وتحويل مركز القوة من الجيش إلى الشرطة، وتنفيذ سياسة خارجية تهدف إلى الهيمنة على العالم. 

الأزمة بمعنى انحلال القيم في العمل في المجتمع المعاصر ولكن أيضا الأزمة ثورة، واندلاع الحدث في الواقع. في "الاختراق بين الماضي والمستقبل"، وفقًا لعنوان مقدمة تشير أرندت إلى مهمة المثقف: التفكير "بدون حماية" لأحداث قرنه. القرن الذي شهد ظهور المجتمع الاستهلاكي، والاستيلاء على الفضاء وصعود الشمولية. لأنها تحتفل بالعمل والاستهلاك والنمو، تدمر الحداثة عالمنا المشترك. بالنسبة لحنة أرندت، فإن السخط السياسي يترك مجالًا للمصالح  الخاصة. على الرغم من أن تلميذة مارتن هايدغر أو كارل جاسبرز أو إدموند هوسرل، فإن أرندت تتعامل مع الفلسفة الغربية على أنها يجب أن تكون متمحورة حول الانسان الفردي، ضمن اطار التعددية السياسية. لقد رفضت حنة لقب فيلسوفة وفضلت أن تكون مجرد" أستاذة النظرية السياسية" وعبرت بذلك عن معارضة للفلاسفة الغربيين، ولا سيما ماركس وأفلاطون، نتيجة انتشار السياسة على أشكال النشاط الأخرى وخاصة النشاط الفكري والتجربة الإبداعية التي صارت مقولبة.

لقد تفطنت حنة أرندت الى أن السمة الرئيسية للإنسان الجماعي ليست الوحشية التي يتعامل بها مع غيره أو التخلف العقلي الذي عاني منه والجهل المعمم ولكن وقوعه في العزلة وعدم وجود علاقات اجتماعية طبيعية.

في كتابها وضع الانسان الحديث (1958)، تميز بين ثلاثة أنشطة، ثلاث درجات من نشاط فيتا: العمل والصنع والفعل. مع مراعاة الضرورة الحيوية، ليس للعمل وظيفة أخرى سوى ضمان بقاء الأنواع. إنتاج محض للأشياء المراد استهلاكها، والعمل شائع في المملكة الحيوانية بأكملها. الصنع والفعل فقط، اللذان يساهمان في بناء عالم مشترك، هما بالتحديد الأنشطة البشرية. الصنع لأنه يخلق أشياء دائمة - كائنات فنية أو ثقافية أو حرفية - لا يمكن استهلاكها. الفعل السياسي فن قطع دورة الأجيال واختراع البدايات وخلق التاريخ.

 ... من ناحية أخرى ساعدت الحداثة، التي تبدأ عند أرندت باكتشاف أمريكا والإصلاح واختراع التلسكوب،على قلب حجم النشاط البشري. من خلال رفع العمل، مثل كارل ماركس، إلى مرتبة نشاط بشري مناسب، جعل العصر الحديث النمو الاقتصادي عقيدة وعجل بظهور المجتمع الاستهلاكي. لذلك، لم يكن للبحث عن النمو أي أثر آخر سوى تسريع دورة إنتاج وتدمير السلع القابلة للتلف. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأوتوماتية بسبب التقدم التكنولوجي قد أعفت الأفراد تدريجياً من عبئهم، دون تقديم بدائل للعمل. تكتب أرندت: "ما أمامنا هو احتمال وجود مجتمع من العمال بدون عمل، أي حرمانه من النشاط الوحيد الذي تركوه. لا يمكنني تخيل أي شيء أسوأ من ذلك. في العمل، لا يتحد الإنسان مع العالم أو الناس الآخرين، بل يوجد بمفرده مع جسده، في مواجهة ضرورة الحياة الوحشية ولا يتمكن من الوعي بالصيرورة الإنتاجية والشعور بالحرية تجاهه.  

الكارثة الحقيقية تكمن في أن العمل الصامت لم يعد يسمى عمل لأن الفاعل الحقيقي غير موجود ومغترب، لكن نحن أحرار في تغيير العالم وتقديم شيء جديد فيه لأنه بدون هذه الحرية العقلية للاعتراف بالوجود أو إنكاره. لن تكون هناك إمكانية للعمل، وبدون حياة عامة مضمونة سياسياً، تفتقر الحرية إلى المساحة الدنيوية التي تظهر فيها. على هذا النحو يمثل هذا العلم في الصنع في الأتوماتية الصناعية العديد من الأخطار الأخرى. يعد اختراع التلسكوب في القرن السابع عشر وإطلاق أول قمر صناعي سبوتنيك من صنع الإنسان في عام 1957 جزءًا من الرغبة في "الهروب من السجن الأرضي"، للتحرر من قيود الحالة البشرية. بينما تشير إلى مخاطر الصناعة النووية، تعرب أرندت عن أسوأ المخاوف بشأن التقدم العلمي. إنه يخاطر، من خلال التراجع عن الروابط بين الإنسان والطبيعة، بتدمير ظروف الحياة نفسها بطريقة لا يمكن التنبؤ بها ولا رجعة فيها. من خلال جعل العمل أعلى الأنشطة البشرية، فإن الحداثة قد زرعت الارتباك أيضًا، كما يوضح أرندت، بين المساحة العامة والخاصة. المجال العام، المخصص عادة للمسائل السياسية، وجد نفسه غزا من قبل القضايا الاجتماعية، لصالح المصالح الخاصة لفئة اجتماعية معينة، في المقام الأول البرجوازية. ومنذ ذلك الحين، اختزل الجدل الديمقراطي إلى مسائل الإدارة والمحاسبة والبيروقراطية. تقدم أرندت مثالًا للسكن الذي يمكن معالجته من جانبين مختلفين. الأول، التفكير في الظروف التي يكون فيها الأشخاص الذين يحبون حيهم على استعداد للانتقال إلى مكان آخر هو سؤال سياسي. من ناحية أخرى، فإن السؤال عن مقدار المساحة والمرافقة التي يحتاجها كل إنسان ليعيش حياة كريمة هو سؤال حسابي لا يحتاج إلى مناقشة.

 إن الوجود الكلي لهذه الأسئلة الاجتماعية في الجدل العام والانسحاب إلى الحميمة هي التي تدمر تدريجيًا ما يسميه أرندت "العالم المشترك". ثم تترك الحداثة "وراءها مجتمعًا من الناس الذين حرموا من عالم مشترك يربطهم ويفصلهم في نفس الوقت، ويعيشون في انفصال وعزلة ميؤوس منها أو يضغطون معًا في كتلة جماهيرية. لكن ضد عدم القدرة على التنبؤ، ضد عدم اليقين الفوضوي في المستقبل، يكمن العلاج في القدرة على تقديم الوعود والوفاء بها. في المقابل تقول أرندت "نحن ننسق ما يجري في العالم ونتحدث عنه لأنفسنا، وفي هذا الحديث نتعلم كيف نكون بشراً" وتضيف حول ضرورة اكتساب درجة المواطنة بالنسبة للإنسان:"   أن تكون سياسيًا، أن تعيش في المدينة، يعني أن كل شيء قد تقرر بالكلام والإقناع وليس بالقوة أو العنف."

فماذا تقصد حنة أرندت بتفاهة الشر وتصحير الوجود؟ وماذا تقترح كبديل للتوقف عن ارتكاب هذه الحماقات؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المصدر:

مجلة العلوم الإنسانية، ملف المفكرين الاجتماعيين، عدد 30، مارس، افريل، ماي، 2013.

الرابط:

https://www.scienceshumaines.com/hannah-arendt-l-impasse-de-la-modernite_fr_30336.html?fbclid=IwAR0tZSRC2QXb6Vzo0tMFRuDKkUFOol_Xfpd1dixze1ajZWjGJexA0Bygqbo

تناولنا في مقال سابق اليات تحريك الشكوى امام المحكمة الجنائية الدولية وحددنا الحهات التي من حقها تحريك الشكوى استنادا الى المادة 13 من القانون الأساس للمحكمة والتي تنحصر في :

أ- أحد الدول الأطراف

ب- مجلس الأمن الدولي

ج-المدعي العام للمحكمة

وقبل ان ننتقل الى اليات قبول الشكوى او الإحالة يجب ان نؤكد على نقطة جوهرية وهي ان المحكمة الجنائية الدولية ليست في مرتبة أعلى أو ذات سيادة على الدول الأعضاء بها، كما أنها ليست بدرجة أعلى أو مرحلة أسمى من مراحل التقاضي في النظم القضائية الوطنية، بل هي قضاء تكميلي لا ينعقد له الاختصاص ما دام القضاء الوطني قادرا وراغبا في التحقيق ومحاكمة المشتبه بهم. وفي تعبير آخر، يكون للقضاء الجنائي الوطني الأولوية دائما على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولا تستطيع المحكمة ممارسة اختصاصها إلا عند انهيار النظام القضائي الوطني أو عند رفض أو فشل القضاء الوطني في القيام بالتزاماته القانونية.

ان النظام الأساسي للمحكمة قد منح الحق في تحريك الشكوى امام المحكمة لثلاث جهات الا ان هذا الحق مقيد باليات محددة أولها ان اختصاصها يقتصر على الاشخاص الذين يرتكبون أشد الجرائم خطورة وتكون موضع الاهتمام الدولي كما ورد في المادة (1) من النظام الأساسي، وهذا يحدده المدعي العام للمحكمة وبموافقة الهيئة التمهيدية . كما ان اختصاص المحكمة مكمل للولايات القضائية الجنائية الوطنية. لذلك فلا يمكن ان تقبل المحكمة حالة يجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوى دولة لها ولاية عليها، مالم تكن الدولة حقاً غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك.إذا كانت قد أجرت التحقيق في الدعوى دولة لها ولاية عليها وقررت الدولة عدم مقاضاة الشخص المعني، ما لم يكن القرار ناتجاً عن عدم رغبة الدولة أو عدم قدرتها حقاً على المقاضاة، كذلك لايمكن للمحكمة ان تقبل حالة شخص  سبق أن حوكم على السلوك موضوع الشكوى، ولا يكون من الجائز للمحكمة إجراء محاكمة طبقاً للفقرة (3) من المادة (20) . كما يمكن للمحكمة ان ترفض الإحالة إذا لم تكن الدعوى على درجة كافية من الخطورة

لكل من الجهات الثلاث يجب الالتزام بها فبالنسبة للدول الأطراف ولمجلس الامن الدولي فيمكن إحالة اية حالة إلى المدعي العام تعتقد أن جريمة  داخلة في اختصاص المحكمة "بموجب المادة (5) من النظام الأساسي" قد تم ارتكابها والتي تشمل :

أ‌- جريمة الإبادة الجماعية؛

ب‌- الجرائم ضد الإنسانية؛

ت‌- جرائم الحرب؛

ث‌- جريمة العدوان

حسب الأركان التي حددتها المواد 6 و 7 و 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذه الحالة يجب على الدولة المشتكية ان تحدد الحالة والظروف ذات الصلة وتكون مشفوعة بما هو متوفر من معلومات ومستندات مؤيدة للشكوى .

بالنسبة لمجلس الامن واستنادا الى الفقرة (1) من المادة (17) من الاتفـاق التفاوضي المعني بالعلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية و الأمم المتحدة، فإن الإحالة ترسل عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة مرفقة بنسخة خطية من قرار  مجلس  الأمن إلى المدعي العام، مرفقة بالمستندات والمواد الأُخرى  التي  تكون وثيقة الصِلة بقرار المجلس .

ولكن النظام الأساسي اعطى مجلس الامن الحق في إحالة أي حالة حتى لو شملت دول ليست طرفا في اتفاقية روما او قبلت باختصاص المحكمة فتعتبر جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خاضعه للاحالة من قبل مجلس الامن الدولي، فسلطة مجلس الأمن في الإحالة تستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومن ثم يكفي أن تكون الدولة عضوا في منظمة الأمم المتحدة ليصبح لمجلس الامن صلاحية إحالة جريمة وقعت على أراضيها الى المحكمة الجنائية الدولية . وإذا كان من الجائز لمجلس الأمن أن ينشىء محكمة جنائية خاصة للتحقيق في جرائم الابادة الجماعية والجرائم الإنسانية التي ترتكب في أي دولة عضو في الأمم المتحدة، فيكون مقبولا منحه سلطة الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة عن ذات الجرائم. كما ان السلطات الممنوحة لمجلس الامن تصل الى صلاحية فصل الدولة من العضوية كما ورد في المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة التي نصت على أنه "إذا أمعن عضو من أعضاء الأمم المتحدة في انتهاك مبادىء الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناء على توصية مجلس الأمن".

فإذا أحالت دولة طرف، اوإذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من الجرائم، يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت الدولة التي وقعت في إقليمها الحالة، او كانت الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها طرفاً في هذا النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة .

كما ان المادة 16 من النظام الأساسي منحت لمجلس الامن الحق في الطلب من المحكمة عدم البدء، أو المضي في تحقيق أو مقاضاة،لمدة إثنى عشر شهراً، على ان يتم ذلك بناء على قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها. فإذا اتخذ مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع  من الميثاق، قراراً  يطلب فيه من المحكمة،عدم البدء  أو المضي في أي تحقيق أو مقاضاة . يتم ارسال الطلب عن طريق الأمين العام  وفقا للفقرة (2) من المادة (17) من الاتفـاق التفاوضي المعني بالعلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية و الأمم المتحدة الى رئيس المحكمة ومدعيها العام، وعلى المحكمة التَقَيُّد بمقتضاه .

يتم ارسال طلبات الإحالة المقدمة من قبل الدول ومجلس الامن الى رئيس المحكمة، الذي يحيلها بدوره الى الدائرة التمهيدية للمحكمة . من حق الدائرة التمهيدية رفض الإحالة من مجلس الامن الدولي او رفض الشكوى المقدمة من قبل الدولة الطرف في اتفاقية روما اذا رات ان الحالة لاتقع ضمن اختصاص المحكمة، اما إذا رأت الدائرة التمهيدية، بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة، أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق وأن الدعوى تقع في إطار اختصاص المحكمة، ففي هذه الحالة تأذن بالبدء في إجراء التحقيق وتقوم بارسال الحالة الى المدعي العام في المحكمة لدراستها واتخاذ القرار بشأنها .

تحدد المادة (13) البند (ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية موضوع الإحالة، مقررة أنها تنصب على «حالة... يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم (أي من الجرائم المشار إليها في المادة الخامسة من النظام الأساسي) قد ارتكبت . وقد ورد لفظ «حالة» في المادتين (13) و(14) من النظام الأساسي. وينص البند الثاني من المادة الرابعة عشرة على أن «تحدد الحالة، قدر المستطاع، الظروف ذات الصلة وتكون مشفوعة بما هو في متناول الدولة المحيلة من مستندات مؤيدة». وتجدر الإشارة هنا إلى أن المادة الثالثة عشرة تتعلق ببيان حالات ممارسة الاختصاص، وتنصرف المادة الرابعة عشرة إلى إحالة حالة ما من قبل دولة طرف . ولكن المادة (12) من القانون الأساسي الخاصة بالشروط المسبقة لممارسة الاختصاص استخدمت تعبير (جريمة ) و(جرائم ).

لا تقتصر الإحالة المقررة لمجلس الأمن على حالة ارتكاب جريمة العدوان، وإنما تشمل الجرائم الأخرى الوارد النص عليها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي يكون للمحكمة الجنائية اختصاص النظر فيها، وهي: جريمة الابادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ولا يجوز لمجلس الأمن أن يحيل،على سبيل المثال، حالة تتعلق بجرائم الإرهاب أو الاتجار غير المشروع في المخدرات أو الهجرة غير الشرعية أو غسل الأموال أو الاتجار في النساء والأطفال أو الاتجار في السلاح أو مخالفة الحظر الدولي المفروض بواسطة مجلس الأمن على توريد السلاح إلى بلد معين، كما انها لاتشمل جرائم الفساد المالي والإداري ولا تزوير الانتخابات او مخالفة الدستور  . فعلى الرغم من خطورة هذه الجرائم، إلا أنها لم يرد النص عليها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

بالنسبة للمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية فقد أعطاه القانون الأساس صلاحية المباشرة بالتحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. حيث يقوم بتحليل جدية المعلومات المتلقاة ويجوز له، لهذا الغرض، التماس معلومات إضافية من الدول، أو أجهزة الأمم المتحدة، أو المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية، أو أية مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة، ويجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة . اذا توصل الى قناعة أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق، يقدم إلى الدائرة التمهيدية طلباً للإذن بإجراء تحقيق، مشفوعاً بأية مواد مؤيدة يجمعها ويجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى الدائرة التمهيدية وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات. إذا رأت الدائرة التمهيدية، بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة، أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق وأن الدعوى تقع على ما يبدو في إطار اختصاص المحكمة، كان عليها أن تأذن بالبدء في إجراء التحقيق.

يالنسبة للاختصاص الزماني للمحكمة الجنائية الدولية فهو وفقا للمادة (11) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا تختص المحكمة إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام الأساسي. وبالنسبة للدولة التي تصبخ طرفاً في النظام الأساسي بعد بدء نفاذه، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة . وتجدر الإشارة إلى أن النظام الأساسي قد دخل حيز النفاذ اعتبارا من أول يوليو سنة 2002 حيث نصت المادة  المــادة (126)  من القانون الأساسي على "1.  يبدأ نفاذ هذا النظام الأساسي في اليوم الأول من الشهر الذي يعقب اليوم الستين من تاريخ إيداع الصك الستين للتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.2. بالنسبة لكل دولة تصدق على النظام الأساسي أو تقبله أو توافق عليه أو تنضم إليه بعد إيداع الصك الستين للتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام، يبدأ نفاذ النظام الأساسي في اليوم الأول من الشهر الذي يعقب اليوم الستين من تاريخ إيداع تلك الدولة صك تصديقها أو قبولها أو موافقتها أو انضمامها ". ومن ثم، فإن اختصاص المحكمة يقتصر على الجرائم التي ترتكب في وقت لاحق على هذا التاريخ. وبناء على ذلك، لا تختص المحكمة الجنائية الدولية بنظر الجرائم التي وقعت قبل بدء نفاذ نظام روما من حيث المبدأ. بناء على ما تقدم يحق للمحكمة الجنائية الدولية أن تتخذ قرارا بعدم قبول الدعوى كلما تبين أن موضوع الإحالة يخرج عن نطاق اختصاصاتها... خاصة من حيث الموضوع والزمان والأشخاص، ولو كان مجلس الأمن هو جهة الإحالة. وعليه إذا أحال مجلس الأمن إلى المدعي العام حالة تتعلق بجريمة من جرائم الحرب ارتكبت قبل دخول النظام الأساسي فإن المحكمة لها الحق في عدم قبول الدعوى لخروج الموضوع عن نطاق اختصاصها الزماني.

من حيث الاختصاص المكاني، فان المحكمة تقبل فقط الحالات التي تقع ضمن الحدود الجغرافية للدول الأطراف في القانون الأساسي او الدول التي وقعت اتفاقيات خاصة مع المحكمة الا ان،مجلس الأمن يتمتع بسلطة الإحالة، أيا كان مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية الجناة فيها، أي سواء كانت الجريمة قد ارتكبت في إقليم دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة أو من أحد مواطني هذه الدولة أو كانت قد ارتكبت في إقليم دولة ليست طرفا. ففي هذه الحالة، يمتد الاختصاص المكاني للمحكمة الجنائية الدولية إلى أقاليم الدول غير الأطراف في النظام الأساسي، وبغض النظر عن قبول تلك الدول لاختصاص المحكمة. ويختلف نطاق السلطة المخولة لمجلس الأمن في هذا الشأن عن السلطة المخولة للدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة، والتي تقتصر على الجرائم المرتكبة في إقليم دولة طرف. وهكذا، عند إحالة مجلس الأمن لقضية أو حالة معينة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، متصرفا وفقا للفصل السابع، فإن المحكمة لا تتقيد بالشروط المذكورة في المادة الثانية عشرة من نظامها الأساسي، وهي ارتكاب الجريمة على إقليم دولة طرف أو بواسطة أحد مواطنيها، استنادا الى المادة (12) البند الثاني من النظام الأساسي للمحكمة، والذي ينص على أنه " في حالة الفقرة (أ) أو (ج) من المادة 13، يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحدة أو أكثر من الدول التالية طرفا في هذا النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة وفقا للفقرة 3" فهذا النص يحدد الاختصاص المكاني للمحكمة، مقررا اقتصار ممارسة المحكمة لاختصاصها على الجرائم المرتكبة في إقليم دولة طرف في النظام الأساسي أو على الأقل قبلت ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث، وذلك إذا كانت الإحالة إلى المحكمة من قبل دولة طرف أو كان المدعي العام قد باشر التحقيق من تلقاء نفسه. وبعبارة أخرى، فإن اختصاص المحكمة في هاتين الحالتين يتوقف على ارتكاب الجريمة في إقليم دولة طرف في النظام الأساسي أو في إقليم دولة تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها في شأن الجريمة قيد البحث. وقد سكت النص عن بيان الحكم في حالة الإحالة من مجلس الأمن وفقا للبند (ب) من المادة (13)، الأمر الذي يعني بمفهوم المخالفة أن تمارس المحكمة اختصاصها في هذا الفرض، سواء كانت الجريمة قد ارتكبت في إقليم دولة طرف في النظام الأساسي أو من أحد مواطنيها أو كانت قد ارتكبت في إقليم دولة غير طرف.

أن إحالة حالة معينة الى المحكمة سواء كان ذلك عن طريق مجلس الأمن، اوعن طريق الدول الأطراف في النظام الأساسي، لا يعني  ان المدعي العام ملزم بفتح تحقيق في تلك الحالة، وإنما تظل للمدعي العام سلطة تقدير البدء في الإجراءات من عدمه. وبعبارة أخرى، فإن الإحالة من مجلس الأمن لا تلزم المدعي العام بمباشرة التحقيق، بل يجوز له ألا يباشر التحقيقات إذا اقتنع أن الإحالة استندت إلى معلومات غير صحيحة أو أدلة غير كافية أو كانت مبنية على أهواء سياسية أو افتراضات غير واقعية. فقد نصت المادة (53) البند الأول من النظام الأساسي، " يشرع المدعي العام في التحقيق، بعد تقييم المعلومات المتاحة له، ما لم يقرر عدم وجود أساس معقول لمباشرة إجراء بموجب هذا النظام الأساسي. ولدى اتخاذ قرار البدء في التحقيق، ينظر المدعي العام في: (أ) ما إذا كانت المعلومات المتاحة توفر أساسا معقولا للاعتقاد بأن جريمة تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت أو يجري ارتكابها. (ب) ما إذا كانت القضية مقبولة أو يمكن أن تكون مقبولة بموجب المادة 17. (ج) ما إذا كان يرى، آخذا في اعتباره خطورة الجريمة ومصالح المجني عليهم، أن هناك مع ذلك أسبابا جوهرية تدعو إلى الاعتقاد بأن إجراء تحقيق لن يخدم مصالح العدالة. فإذا قرر المدعي العام عدم وجود أساس معقول لمباشرة إجراء، وأن قراره يستند فحسب إلى الفقرة الفرعية ج السابقة، كان عليه أن يبلغ الدائرة التمهيدية بذلك".

إذا تبين للمدعي العام بناء على التحقيق أنه لا يوجد أساس كاف للمقاضاة لعدم وجود أساس قانوني أو وقائعي كافية لطلب إصدار أمر قبض أو أمر حضور بموجب المادة 58 أو؛ لأن القضية غير مقبولة بموجب المادة 17 أو؛ لأنه رأى بعد مراعاة جميع الظروف بما فيها مدى خطورة الجريمة ومصالح المجني عليهم وسن أو اعتلال الشخص المنسوب إليه الجريمة أو دوره في الجريمة المدعاة أن المقاضاة لن تخدم مصالح العدالة: وجب عليه أن يبلغ الدائرة التمهيدية والدولة المقدمة للإحالة بموجب المادة 14 أو مجلس الأمن في الحالات التي تندرج في إطار الفقرة ب من المادة 13 بالنتيجة التي انتهى إليها والأسباب التي ترتبت عليها هذه النتيجة. يكون من حق الدائرة التمهيدية للمحكمة وبناء على طلب الجهة طالبة الإحالة، مراجعة قرار المدعي العام بعدم مباشرة إجراء ولها أن تطلب من المدعي العام إعادة النظر في ذلك القرار.

أما إذا ارتأى المدعي العام وجود أساس معقول لمباشرة التحقيق، ورأي بعد الشروع في التحقيق ضرورة القبض على أحد الأشخاص، فإن أمر القبض أو الحضور لا يصدر سوى من الدائرة التمهيدية بناء على طلب المدعي العام. وتصدر الدائرة التمهيدية أمر القبض بعد فحص الطلب والأدلة أو المعلومات الأخرى المقدمة من المدعي العام، متى قدرت وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص قد ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة وأن القبض على هذا الشخص يبدو ضروريا لضمان حضوره أمام المحكمة أو لضمان عدم قيامه بعرقلة التحقيق أو إجراءات المحكمة أو تعريضهما للخطر أو لمنع الشخص من الاستمرار في ارتكاب تلك الجريمة أو لمنع ارتكاب جريمة ذات صلة بها تدخل في اختصاص المحكمة وتنشأ عن الظروف ذاتها.

وهكذا، نخلص إلى أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يملك سلطة تقدير جدية الحالة المحالة من مجلس الأمن. ويخضع تقدير المدعي العام للمراجعة القانونية من قبل دائرة مكونة من ثلاثة قضاة طبقا للمادة (61)، ولمراجعة نهائية من دائرة الاستئناف بموجب المادة (82).

مما تقدم يتبين ان المحكمة الجنائية الدولية لها اليات في تحريك الشكوى واليات في قبول الإحالة يجب اتباعها وبعكسه يتم رفض الإحالة او الدعوى . وهذا يوضح قيام بعض الذين يستغلون اسم المحكمة وتصوير انفسهم وهم يقدمون أوراق الى مكتب المدعي العام في المحكمة ليدعوا انهم يحركون دعوى امام المحكمة الجنائية الدولية في حين ان المكتب يستلم الأوراق لتنتهي الى الرفض .

***

زهير جمعة المالكي

 

جواد بشارةوجهة نظر عالم الرياضيات والفيلسوف برتراند رسل

تصميم كوني حسب تصور برتراند رسل:

العلماء المعاصرون، إذا لم يكونوا معاديين أو غير مبالين بالدين، يتمسكون بمعتقد يعتقدون أنه يمكن أن يعيش وسط حطام العقائد السابقة، أي الإيمان بالغرض الكوني. اللاهوتيون الليبراليون يجعلونها أيضًا مقالهم الرئيسي في الإيمان. هذه العقيدة لها أشكال عديدة، ولكن جميعها تحتوي على فكرة أن التطور موجه نحو شيء ثمين أخلاقيا، والذي يبرر بطريقة أو بأخرى هذه العملية الطويلة. يرى السير جي آرثر طومسون، أن العلم غير كامل لأنه لا يستطيع الإجابة على السؤال: "لماذا؟ الدين، في رأيه، يمكن أن يجيب عليه. لماذا تشكلت النجوم؟ لماذا ولدت الشمس الكواكب؟ لماذا تبرد الأرض، وأخيراً لماذا ولدت الحياة؟ لأنه في النهاية، سيؤدي ذلك إلى شيء مثير للإعجاب. ماذا؟ لست متأكدًا تمامًا، ولكن أعتقد أنهم لاهوتيون وعلماء في نفس الوقت علماء أو علماء ذوو ميول دينية.

هذه العقيدة لها ثلاثة أشكال: الشكل الإلهي، شكل وحدة الوجود، والتي يمكن أن نسميها "المستجدة". الأولى، وهو الأبسط والأكثر أرثوذكسية، وهي تؤكد أن الله خلق العالم وأصدر قوانين الطبيعة لأنه تنبأ بأن الخير سينتج على المدى الطويل. ووفقًا لهذه العقيدة، فإن الهدف موجود بوعي في ذهن الخالق، الذي يبقى خارجًا عن خليقته.

في الصيغة الوحدوية لوجود panthéiste، لا يقبع الله ليس في خارج الكون، وهو ليس شيء آخر سوى الكون نفسه مأخوذاً برمته وكينونته ووجوده الكامل والكلي، وبالتالي لا وجود لعملية خلق. ولكن توجد في الكون قوة تقوم بتطوره وفق خطة مسبقة ومحكمة حيث يمكننا القول إن تلك القوة الخلاقة موجودة في جوهره منذ الأصل. أي الله هو في الحقيقة ليس سوى الكون المأخوذ في المجمل. لذلك لا يمكن أن يكون هناك أي فعل من أفعال الخلق الإلهي، ولكن هناك في الكون قوة تجعله يتطور وفقًا لخطة لديمومة الخلق والتطور الكوني إلى ما لا نهاية

في الشكل "الناشئ"، يكون التصميم أكثر عمقًا وعماء. في مرحلة محددة، لا يوجد شيء في الكون يتنبأ بالمستقبل، ولكن نوعًا من الابتذال يواكب التغييرات التي تؤدي إلى أشكال أكثر تطورًا، بحيث، بمعنى غامض إلى حد ما، البداية تعني النهاية.

دكتور بارنز، أسقف برمنجهام، يدعم النموذج الإلهي الإيماني، البروفيسور ج.س هالدان يسند ويؤيد النموذج الناشيء الوحدوي للوجود (وحدة الوجود) بينما يؤيد البروفيسور آلكسندر النموذج الفيلسوف بيرغسون والبروفيسور ليلويد مورغان ربما من أتباع النموذج الأخير ربما تظهر هذه المذاهب أكثر وضوحًا عندما يتم كشفها من حيث أتباعها.

يجادل أسقف بيرمنغهام أن "هناك في الكون عقلانية تناظرية للعقل العقلاني للإنسان"، وأن "هذا يقودنا للتجرؤ على التساؤل عما إذا كانت العملية الكونية لا تنحرف عن الروح ". الشك لا يدوم طويلا. ونتعلم على الفور أنه "من الواضح أنه يوجد هناك، في هذه البانوراما الشاسعة، تقدم، الذي كان تتويجه خلق الإنسان المتحضر. هل هذا التقدم نتيجة القوى العمياء؟ يبدو لي أن من الحماقة الإجابة بنعم "على هذا السؤال ... في. الحقيقة، الاستنتاج الطبيعي المستمد من المعرفة الحديثة، التي حصل عليها بالطريقة العلمية. وليس بمنهج خيالي علمي، ومردها أن الكون خاضع لإمبراطورية الفكر، لفكرة موجهة بإرادة نحو أهداف محددة. لذلك لم يكن خلق الإنسان نتيجة غير مسموعة تمامًا وغير محتملة تمامًا لخصائص الإلكترونات والبروتونات، أو، إذا كنت تفضل تعبير اللااستمرارية في الزمكان وإنما نتيجة لتصميم كوني. والهدف الذي يميل نحوه هذا التصميم هو النوعية والسمات التمييزية للإنسان. والمقصود بذلك في الحقيقة القدرات الأخلاقية والروحية للإنسان في أعلى درجاتها كما يشير التصميم الكوني الذي هو الأصل في وجود الإنسان.

الأسقف يرفض وحدة الوجود رأينا ذلك، لأنه إذا كان العالم هو الله، فإن شر العالم موجود في الله ونابع منه؛ وأيضاً لأننا "يجب أن نؤمن أن الله ليس في حالة تشكل، على عكس الكون". فهو يعترف بصراحة بوجود الشر في العالم، ويضيف «إن وجود كل هذا الشر يحيرنا، وهذه الحيرة أو هذا الغموض هو الحجة الرئيسية ضد الإيمان المسيحي.» وبصدق يثير الإعجاب، فانه لا يحاول أن يثبت أن لنا أن حيرتنا غير منطقية.

حديث دكتور بارنز يثير نوعين من الأسئلة: تلك التي تتعلق بالتصميم الكوني بشكل عام، وتلك الأكثر تحديدًا التي تتعلق بشكله الإيماني سنعود للأول، ولكن يجب أن نقول هنا بضع كلمات بشأن الثاني. ينطبق مفهوم التصميم بشكل طبيعي على المنشئ البشري. الرجل الذي يريد منزلا لا يستطيع (إلا في ألف ليلة وليلة) أن يرى صعوده أمامه بمجرد أنه يرغب به: يستغرق الأمر وقتًا وعملًا حتى تتحقق رغبته. لكن العلي القدير لا يعرف هذه القيود. إذا كان لدى الله حقًا رأي جيد في الجنس البشري (وهو افتراض غير مرجح جدًا، في رأيي)، فلماذا لا يبدأ بخلق الإنسان، كما هو الحال في سفر التكوين؟ ما هي أهمية وجود كائنات حيوانية كالإكثيوصورات ichtyosaurs، الديناصورات dinosaures، الدبلودوكس،diplodocuss المستودونات mastodontes العملاقة التي تشبه الفيلة ما قبل الماموث، إلخ. والتي كانت تسكن الأرض قبل البشر؟؟؟ يعترف الدكتور بارنز نفسه في مكان ما بأن سبب وجود الدودة الشريطية هو لغز بحد ذاته. ما هو الدور المفيد الذي يلعبه داء الكلب la rage والسعار hydrophobie؟ هذا لا يعني أنه من المحتم أن قوانين الطبيعة تنتج حتمًا الشر والخير، لأن الله هو الذي أصدر قوانين الطبيعة. يمكن تفسير الشر الناتج عن الخطيئة كنتيجة لإرادتنا الحرة، لكن مشكلة الشر في عالم ما قبل الإنسان لا تزال قائمة. أنا بالكاد أصدق أن الدكتور بارنز يتقبل الحل الذي اقترحه وليام جيلسبي، والذي يقول إن أجسام الحيوانات الفرائس مسكونة من قبل الشياطين، حيث الخطايا الأولى كانت سابقة لخلق الله للكائنات غير الحية، الجمادات، ومع ذلك من الصعب تخيل شيء آخر كإجابة مرضية منطقيا. الصعوبة قديمة، لكنها ليست أقل واقعية. إذا كان الشر الموجود في الكون ليس بسبب الخطيئة كليًا، فيجب على الخالق القدير لهذا الكون أن يكون سيئًا، ولو جزئياً على الأقل.

كما يقول دين إنجي: "نحن نعظم مشكلة الشر بأخلاقنا الضيقة، والتي عادة ما نفرضها على الخالق. لا يوجد دليل على أن الله هو كائن أخلاقي فريد، وما نطيعه من قوانينه وأفعاله يشير بقوة إلى أنه ليس كذلك. " أشكال وحدة الوجود وظهور عقيدة التصميم الكوني أقل تعرضًا لهذا الاعتراض.

يقدم تطور وحدة الوجود هذه التنوعات، حسب تنوع الوجود الذي يهتم به؛ سواء كان ذلك ما طرحه البروفيسور ج. س. هالدين، الذي سنتناوله والذي له ارتباط بهيغل، ومثل كل ما هو هيغيلي، ليس سهلاً للغاية فهمه. لكن وجهة النظر هذه كان لها تأثير كبير منذ مائة عام وأكثر، لذلك من الضروري فحصها. بالإضافة إلى ذلك، تميز البروفيسور هالدين نفسه من خلال أعماله وأبحاثه في مختلف المجالات التخصصية وقام بتوضيح فلسفته العامة من خلال البحث التفصيلي في الفيزيولوجيا على نحو خاص، والتي يبدو أنها تظهر له على أن علم الأجساد الحية يحتاج لقوانين أخرى غير قوانين الفيزياء والكيمياء وهذه الحقائق تضفي وزناً لمفاهيمه العامة.

وفقًا لهذه الفلسفة، لا توجد في حقيقة الأمر مادة "خاملة" ولا مادة حية بدون عنصر من الوعي؛ وللمضي قدمًا، لا وجود لوعي لا يكون إلهياً بشكل أو بآخر. فالتمييز بين الظاهر والواقع متضمن أصلاً في أفكار البروفيسور هالدين، وإن لم يشر هو بنفسه لذلك ولكن هنا، كما عند هيغل، باتت بمثابة قضية درجة وليس نوع، فالمادة الحية هي أكثر وضوحاً بقليل من المادة الخاملة والوعي البشري هو أكثر وضوحاً أيضاً إلا أن الحقيقة الوحيدة الأكثر واقعية أو الواقع الأكثر كمالاً وتمامية هي الله، أي الكون المدرك على أنه إله. يدعي هيغل أنه يقدم أدلة منطقية لهذه المقترحات والمفاهيم لكننا سنتركها جانباً في الوقت الحاضر لأنها تتطلب مجلداً خاصاً بها لوحدها ونكتفي ببعض الاقتباسات من حديث البروفيسور هالدين التي أدلى بها لإذاعة البي بي سي البريطانية: «إذا حاولنا أن نقوم بتفسيرات ميكانيكية وجعلها الأساس الوحيد لفلسفتنا في الحياة، فسوف يتعين علينا التخلي تمامًا عن معتقداتنا الدينية التقليدية والعديد من المعتقدات العادية الأخرى. ". لكن لحسن الحظ، يعتقد البروفيسور هالدين أنه ليس من الضروري شرح كل شيء بطريقة ميكانيكية، أي بالفيزياء والكيمياء. بل وحتى إن ذلك ليس ممكنناً، لأن علم الأحياء يحتاج إلى مفهوم العضويات. ومن وجهة النظر الفيزيائية فغن الحياة ليست أقل معجزة دائمة. "إن الانتقال الوراثي أو الموروث ينطوي نفسه على في سمة مميزة للحياة، كوحدة منسقة تسعى دائمًا للحفاظ على نفسها وعلى تكاثرها. "" إذا افترضنا أن الحياة ليست متأصلة في الطبيعة، وأنه لا بد من وجود حقبة سابقة للحياة. فالوارد هنا هو افتراض غير مبرر ما يجعل ظهور الحياة غير مفهوم بحد ذاته. يغلق علم الأحياء الباب بطريقة حاسمة أمام تفسير ميكانيكي أو رياضياتي محض لتجربتنا الحياتية التي خضناها وعشناها: وهي مهمة جدًا فيما يتعلق بأفكارنا في مسائل الدين. "إن العلاقات بين السلوك الواعي والحياة مماثلة للعلاقات بين الحياة والآلية الميكانيكية. " بالنسبة إلى التفسير النفسي السيكولوجي، فإن الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بسيطة: فهو يحتوي في آن واحد الماضي والمستقبل. "مثلما تتطلب البيولوجيا مفهوم الكائن الحي العضوي، فإن علم النفس يتطلب هو الآخر الشخصية. من الخطأ الاعتقاد بأن الشخص يتكون من روح بالإضافة إلى جسد، أو افتراض أننا نعرف الأحاسيس فقط وليس العالم الخارجي، لأنه في الواقع، إن البيئة المحيطة بنا ليست خارجية عنا، المكان والزمان لا يعزلان الشخصية بل يعبران عن نظام داخل الشخصية، بحيث يتم احتواء ضخامة المكان والزمان هناك كما رآها كانط. " إن الشخصيات ليست متنافرة تستبعد إحداها الأخرى. وهذه حقيقة جوهرية وأساسية وفق تجربتنا. أن التمثيل المثالي في الاستقامة والعدالة والمحبة والجمال موجود دائمًا في نظرنا، ويشكل اهتمامنا، ولكن ليس فقط مصلحتنا الشخصية علاوة على ذلك، فإن هذا المثال مثالي وفريد، على الرغم من احتوائه على جوانب مختلفة.» من هنا، نحن مستعدون لاتخاذ الخطوة التالية، من الشخصيات الفردية إلى الله.

"الشخصية ليست فردية فقط. في هذه الحقيقة ندرك وجود الله: فـ الله موجود ليس فقط ككائن خارجي عنا، ولكنه فينا ومن حولنا كشخصية الشخصيات. " "إنه فقط في أنفسنا، في مُثُلنا العاملة للحقيقة والعدالة والإحسان والجمال وفي الأخوة التي نتج عنها، نجد الوحي الإلهي. نتعلم أن الحرية والخلود ينتميان إلى الله وليس إلى أفراد بشريين ليسوا "حقيقيين" على أية حال. إذا تمت إبادة الجنس البشري، فإن الله سيبقى هو الواقع الوحيد، كما هو منذ الأزل وإلى الأبدية، وفي وجوده، فإن ما هو حقيقي فينا سيستمر في الحياة. آخر فكرة تأملية معزية. من حقيقة أن الله هو الواقع الوحيد، يستتبع ذلك أن الفقراء لا يجب أن يكونوا غير راضين عن فقرهم. من السخف محاولة التقاط ظلال غير واقعية في اللحظة العابرة، مثل الترف والفخامة يمكن أن تكون الحياة الحقيقية، الحياة الواقعية للفقراء أكثر إرضاءً من حياة الأغنياء ". بالنسبة لأولئك الذين يتضورون جوعًا، سيكون من المريح أن نتذكر "أن" الحقيقة النهائية القصوى هي الحقيقة الروحية أو الشخصية التي نحددها من خلال وجود الله ". تثير هذه النظرية العديد من الأسئلة. دعونا نبدأ بالأوضح: بأي معنى لا يمكن اختزال علم الأحياء إلى الفيزياء والكيمياء، أو علم النفس إلى علم الأحياء؟ فيما يتعلق بروابط "علم الأحياء بالفيزياء والكيمياء، فإن رأي البروفيسور هالدين ليس رأي معظم المتخصصين.

لنمعن في هذا الطرح الذي يستحق الإشادة به وإن لم يكن حديثاً جداً، كرأي معارض في " المفهوم الميكانيكي للحياة" لجاك لويب المنشور سنة 1912، والذي أعطت بعض الفصول الأكثر إثارة فيه، نتائج التجارب على التكاثر، والتي. يعتبره البروفيسور هالدين غير قابل للشرح وفقًا لمبادئ الميكانيك. من المسلم به أن وجهة النظر الميكانيكية كافية للكشف عنها في الطبعة الأخيرة من الموسوعة البريطانية، حيث كتب غودريش M. E. S. Goodrich، في قسم "التطور" مايلي: "إن الكائن الحي، من وجهة نظر المراقب العلمي، هو بالتالي آلية فيزيائية كيميائية كاملة ومعقدة، ذاتية التنظيم والإصلاح الذاتي. من وجهة النظر هذه، ما نسميه! "الحياة" هو مجموع عملياتها الفيزيو-كيميائية physico-chimique، على سبيل المثال، مشكلة سلسلة مترابطة، دون توقف ودون انقطاع ودون تدخل من أي قوة خارجية غامضة. "

سننظر عبثًا في جميع أنحاء هذه المقالة للحصول على أدنى اقتراح لوجود في المادة الحية، لعملية لا يمكن اختزالها للفيزياء والكيمياء. يؤكد المؤلف أنه لا توجد حدود واضحة بين المادة الحية والمادة الخاملة: "لا يمكننا تحديد حدود مطلقة بين الأحياء وغير الحية. لا توجد مادة عضوية أو كيميائية حية خاصة، ولا يوجد عنصر حيوي خاص يختلف عن المادة الخاملة، ولا يمكن للمرء اكتشاف عمل أي قوة حيوية خاصة. كل مرحلة من مراحل العملية يتم تحديدها حسب المرحلة السابقة لها وهي تحدد أيضاً المرحلة اللاحقة لها. أما فيما يخص أصل الحياة، يجب الافتراض أنه في الحقب البعيدة، عندما أصبحت الظروف مواتية، تم تكوين مركبات معقدة إلى حد ما من مختلف الأنواع. وقد كان هناك عددًا كبيرًا من تلك التكوينات والمركبات المعقدة غير مستقر تمامًا ويتحلل في أقرب وقت ممكن؛ البعض الآخر يمكن أن يكون مستقرًا ومثابراً ومستمراً، فيما تنحو نحو تركيبات أخرى لإعادة تجميع بمجرد تحللها وللتشكل والتجمع بعد تفككها وتحللها مباشرة. بمجرد إطلاقه على هذا المسار، يميل المركب أو الخليط المتنامي إلى الاستمرار بشكل دائم، ويمكن أن تتحد مع أو تتغذى على مركبات أقل تعقيدًا. هذه النقطة، وليس فكرة البروفيسور هالدين، هي التي يمكن اعتبارها الأكثر انتشارًا بين علماء الأحياء اليوم. يتفقون على أنه لا توجد. الحدود الصافية وواضحة بين المادة الحية والخاملة؛ ولكن، بينما يعتقد الأستاذ هالدين أن المواد التي نسميها "خاملة" هي في الحقيقة يتم إعادة تنشيطها، إن غالبية علماء الأحياء يعتقدون أن الحياة في الواقع هي آلية فيزيائية كيميائية.

مشكلة العلاقة بين علم وظائف الأعضاء الفيزيولوجي وعلم النفس السايكولوجي أكثر صعوبة. هناك سؤالان متميزان: 1- هل يمكننا الاعتراف بأن سلوكنا الجسدي يرجع فقط إلى أسباب جسدية؟ 2- ما العلاقة بين الظواهر العقلية والأفعال المتزامنة للجسم؟ السلوك الجسدي مرئي من الخارج: يمكن للآخرين تجاهل أفكارنا أو توقعها من خلال سلوكياتنا، ولكن لا يمكن أن يدركها إلا أنفسنا. هذا ما تقول به الفطرة السليمة، ومن ناحية الدقة النظرية، لا يمكننا مراقبة أفعال الأجسام، ولكن فقط بعض التأثيرات التي تؤثر عليها؛ ما يلاحظه الآخرون في نفس الوقت يمكن أن يكون مشابهًا، ولكن يختلف دائمًا تقريبًا عما نلاحظه نحن. لهذا السبب ولأسباب أخرى، فإن الفجوة بين الفيزياء وعلم النفس أقل اتساعًا مما كان يعتقد من قبل. يمكننا أن نعتبر أن الفيزياء تمهد لما سنراه في ظروف معينة: بهذا المعنى. فهي فرع من علم النفس، لأن رؤيتنا هي ظاهرة أو حالة ذهنية أو عقلية ".حظيت وجهة النظر هذه بأهمية في الفيزياء الحديثة، بسبب الرغبة في عدم التأكيد على أي شيء غير مادي لا يمكن التحقق منه، ولأن التحقق هو دائمًا ملاحظة يقوم بها الإنسان ليوثق ظاهرة تأتي تحت مجال علم النفس: كل هذا ينتمي إلى فلسفة هذين العلمين بدلاً من ممارستهما ؛ فتطبيقهما وتكنيكيهما يظلان متميزين، على الرغم من التقارب بين موضوعاتهما.

دعونا نعود إلى السؤالين المطروحين في بداية الفقرة أعلاه: إذا كانت أفعالنا الجسدية لديها جميعاً أسباب فيزيائية، فإن عقلنا يفقد كل أهمية له كسبب. فقط من خلال الأفعال الجسدية يمكننا الاتصال والتواصل مع الآخرين، أو التأثير على العالم الخارجي: أفكارنا مهمة فقط إذا كانت تؤثر على ما يفعله جسمنا. لكن بما أن التمييز بين العقلي أو الذهني والفيزيائي ليس سوى مسألة تسهيل، يمكن أن يكون لأفعالنا الجسدية أسباب تقع بالكامل في نطاق الفيزياء، ومع ذلك يمكن للظواهر العقلية والذهنية أن تكون من بين هذه الأسباب. لا يمكن صياغة السؤال العملي من حيث الروح والجسد. يمكننا أن نصيغه هكذا: هل أعمالنا الجسدية تحددها قوانين فيزيائية كيميائية؟ إذا كانت كذلك هل هناك مع ذلك علم النفس مستقل يدرس مباشرة

 الظواهر الذهنية، دون تدخل للفكرة الاصطناعية أو المفهوم الاصطناعي "للمادة"؟

لا يمكننا الإجابة على وجه اليقين على أي من هذين السؤالين، على الرغم من وجود حجج لصالح إجابة إيجابية على السؤال الأول. البراهين ليست مباشرة: لا يمكننا حساب تحركات رجل مثلما نحسب تحركات كوكب المشتري. لكن لا يمكن للمرء أن يحدد حدودًا واضحة بين الأجسام البشرية وأشكال الحياة الدنيا؛ لا توجد فجوة في أي مكان يمكن أن تدفعنا إلى القول: هنا الفيزياء والكيمياء يتوقفان عن كونهما كافيان. وكما رأينا، لا توجد أيضًا حدود واضحة بين المادة الحية والمادة الخاملة. لذلك يبدو من المرجح أن الفيزياء والكيمياء تحكمان في كل مكان.

فيما يتعلق بإمكانية علم نفس مستقل، لا يمكننا حتى الذهاب إلى هذا الحد الآن. حاول التحليل النفسي، إلى حد ما، لخلق مثل هذا العلم، ولكن لا يزال بإمكان المرء الشك في نجاح هذه المحاولة طالما أنها تتجنب تداخل الأسباب الفسيولوجية. من ناحيتي، أميل إلى (ليس بدون تردد) لظهور العلم الذي سيشمل في نهاية المطاف الفيزياء وعلم النفس بينما يكون متميزًا عن كليهما؛ كما هما موجودان حاليًا. إن تقنية أو تكنولوجيا الفيزياء ولدت تحت تأثير معتقد، اختفى اليوم تقريباً، يتعلق بالواقع الميتافيزيقي للمادة. الميكانيك الكمومي أو الكوانتي له تقنية مختلفة تتخلص من الميتافيزيقيا الكاذبة. أما التقنية الفيزيولوجية فقد ولدت تحت تأثير جزئي لاعتقاد بالواقع الميتافيزيقي للروح أو النفس. أما بخصوص الفيزياء والسيكولوجيا فسوف يتحرران نهائياً من أخطائهما المزمنة وسوف يذوبان بلا شك في رحم علم موحد، بعبارة أخرى

عندما تكون الفيزياء وعلم النفس. تحررا تماماً ونهائيا من هذه الأخطاء القديمة، ستندمجان بلا شك في علم واحد، وهو العلم الذي لا يدرس العقل ولا المادة، ولكن الظواهر التي لن توصف بأنها "جسدية" أو "عقلية". وفي الوقت نفسه، يبقى السؤال عن الوضع العلمي لعلم النفس قائماً ومطروحاً.

ومع ذلك، فإن آراء الأستاذ هالدين حول علم النفس تطرح سؤال أكثر محدودية والذي يمكن أن نجيب عليه بوضوح أكبر. ويؤكد أن المفهوم المميز لعلم النفس هو "الشخصية". هو لا يعرّف هذا المصطلح، ولكن يمكننا أن نعترف بأنه يفهم من خلال هذا المبدأ الموحد الذي يربط جميع عناصر نفس الروحية، من خلال جعلها تتفاعل مع بعضها البعض. هذه الفكرة غامضة. إنها تحل محل "الروح"، طالما أن مفهوم الروح لا يزال يعتبر قابلاً للدفاع عنه. إنها تختلف عن الروح في أنها ليست كيانًا بسيطًا، ولكنها نوع من نوعية التفرد. أولئك الذين يؤمنون بوجود الشخصية يعتقدون أن كل شيء تحتويه روح جون دوران لها نكهة أو سمة جوندورانية Jeandurandesque، مما يعني أنه لا يوجد مثل هذا يمكن أن يوجد في عقل شخص آخر. إذا كنا نحاول إعطاء حساب علمي لروح جان دوران، فلا يجب أن نكتفي بالقواعد العامة، مثل تلك التي تنطبق بالتساوي على جميع أجزاء المادة: يجب أن نتذكر أن الأحداث في السؤال يتعلق بهذا الفرد، وما هم عليه بسبب كل ماضيه وشخصيته.

هذه الفرضية لها شيء جذاب، لكني لا أرى أي سبب لاعتبارها صحيحة. من الواضح، بالطبع، أن رجلين في نفس الوضع يمكن أن يتفاعلان بشكل مختلف، بسبب الاختلافات بين ماضيهما، لكن الشيء نفسه ينطبق على قطعتين من الحديد، أحدهما ممغنط والأخرى غير ممغنطة. نفترض أن الذكريات محفورة في الدماغ، وتؤثر على السلوك بتعديل بنيته المادية. تنطبق اعتبارات مماثلة على الصفات الشخصية. إذا كان هناك شخص غضوب وآخر بارد الطبع ومتبلد الحس، فيمكن أن يُعزى الفرق بشكل عام إلى الغدد، وفي معظم الحالات، يمكن إزالتها باستخدام الأدوية المناسبة. لا يوجد سبب علمي للاعتقاد بأن الشخصية غامضة وغير قابلة للاختزال: هذا الاعتقاد مقبول بشكل عام لأنه يمس احترامنا لذاتنا.

لنأخذ هذين البيانين مرة أخرى:

التفسير النفسي، الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بسيطة: يحتوي على كل من الماضي والمستقبل؛ "المكان والزمان لا يعزلان الشخصية: إنهما يعبران عن ترتيب داخل الشخصية. فيما يتعلق بالماضي والمستقبل، أعتقد أن البروفيسور هالدين يفكر في أشياء مثل حالتنا الذهنية عندما نرى مجرد صاعقة بانتظار الرعد. يمكننا القول إن الصاعقة أو البرق هو الماضي  والرعد هو المستقبل يشتركان معاً في رسم حالتنا النفسية الحاضرة وكلاهما جزء من حالتنا العقلية الحالية الراهنة لكن يجب ألا نضيع في متاهة الاستعارة. إن ذاكرة البرق ليست برقًا، ووجه الرعد ليس رعدًا. لا أعتقد فقط أن الذاكرة والشعور ليس لهما آثار جسدية. أفكر في الجودة الفعالة للتجربة الذاتية: أن ترى شيئًا، أن نتذكر شيئًا آخر؛ السمع شيء، والاستشعار شيء آخر. علاقات الحاضر مع الماضي والمستقبل، في علم النفس كما في أي مكان آخر، هي علاقات السبب والنتيجة، وليست تداخل. (لا أقصد بالطبع أن النذير أو الشعور المسبق هو سبب الرعد، ولكن من تجارب البرق السابقة متبوعة بـصاعقة قبل البرق

ينتج، بالاشتراك مع البرق الحالي الشعور المسبق بالرعد). الذاكرة لا تطيل وجود الماضي: إنها فقط إحدى الطرق التي يكون فيها للماضي آثاره.

فيما يتعلق بالفضاء، فإن السؤال مماثل، ولكنه أكثر تعقيدًا. هناك نوعان من الفضاء: المكان الذي يحتوي على الخبرة الشخصية لكل شخص، والفيزياء، التي تحتوي على أجساد أشخاص آخرين، وعلى الكراسي والطاولات الشمس والقمر والنجوم، ليس فقط كما تنعكس في مشاعرنا الشخصية، ولكن كما نفترض أنها موجودة في نفسها. هذا المخرج الثالث من الفضاء افتراضي، ويمكن إنكار وجوده، منطقياً، من قبل أي شخص مستعد للاعتراف بأن العالم يحتوي فقط على تجاربه الخاصة. لا يذهب البروفيسور هالدن إلى هذا الحد، وبالتالي يجب أن يعترف بوجود مساحة تحتوي على شيء آخر غير تجاربه الشخصية. فيما يتعلق بالفضاء الذاتي، هناك الفضاء البصري، الذي يحتوي على كل تجاربنا البصرية؛ هناك مساحة اللمس؛ هناك، كما أشار وليام جيمس، "حجم" وجع المعدة وما إلى ذلك. إذا اعتبرت كشيء في عالم من الأشياء، فإن جميع أشكال الفضاء الفرعي موجودة في الداخل. السماء المرصعة بالنجوم التي أراها إنها ليست سماء الفلكيين البعيدة، ولكن تأثير النجوم علي. ما أراه هو في داخلي وليس خارجاً عني. إن نجوم علم الفلك توجد في الفضاء الفيزيائي المادي وهو خارجي بالنسبة لي، لكنني لا أعرف وجوده إلا عن طريق الاستنتاج والحدس، وليس عن طريق تحليل مشاعري الخاصة. ادعاء البروفيسور هالدين أن الفضاء يعبر عن نظام داخل الشخصية، صحيح عندما يكون المقصود به مساحتي الشخصية أو فضائي الشخصي وليس الفضاء المادي الفيزيائي.

فتأكيده الذي يقول إن الفضاء لا يعزل الشخصية لا يكون صحيحاً إلا إذا كان الفضاء المادي الفيزيائي هو أيضاً موجوداً في داخلي. وما أن يتم تبديد هذا الارتباك أو الخلط، يتوقف موقفه عن كونه قابلاً للدفاع عنه.

البروفيسور هالدين، مثل جميع تلاميذ هيغل، يريد أن يظهر أن كل شيء في مكانه. لقد أظهرت للتو (إذا كان يمكن للمرء أن يعترف بمنطقه) أن ماضي ومستقبل كل شخص يتعايش مع حاضره، وأن الفضاء الذي نعيش فيه هو في نفس الوقت داخلنا. ولكنه يذهب أبعد من ذلك ليثبت أن ((الشخصيات ليست حصرية بشكل متبادل ولا تستبعد إحداها الأخرى)). يبدو أن شخصية كل فرد تتكون من مُثُلهم، وأن مُثلنا هي نفسها تقريبًا. أقتبس مرة أخرى من كلماته: "إن العمل المثالي مع الحقيقة والعدالة والمحبة والطيبة موجود دائمًا في نظرنا ... بالإضافة إلى ذلك، هذا المثال فريد من نوعه، على الرغم من أن له جوانب مختلفة. من هذه المثل المشتركة، ومن الأخوة التي تنجم عنها، لدينا الوحي من الله. >>

مثل هذه العبارات، يجب أن أعترف، تجعلني عاجزاً عن الكلام، وأتساءل من أين أبدأ. لا أشك في كلام البروفيسور هالدين عندما يقول إن "مثال الحقيقة والعدالة والإحسان والجمال" موجود دائمًا في عينيه: أنا متأكد من أنه هكذا، لأنه يؤكد ذلك. ولكن، إذا كان الأمر يتعلق بأن تنسب وتعزى الفضيلة وبدرجة استثنائية للبشرية جمعاء، فيبدو لي أن رأيي يساوي رأيه. أرى، من جهتي، أن الكذب والظلم والشر والقبح لم تمارس وتطبق فقط فحسب، بل يتم اعتبارها مثالية. هل يعتقد حقا أن لدى هتلر وآينشتاين نفس المثل الأعلى، على الرغم من أن لهما جوانب مختلفة؟ يبدو لي أن كلاهما يمكن أن يهاجم الآخر بتهمة التشهير. بالطبع، يمكن للمرء أن يقول إن أحدهما هو الوغد، ولا يتوافق مع المثل الأعلى الذي يؤمن به في الواقع. لكن هذا الحل يبدو لي مناسبًا للغاية. المثل الأعلى لهتلر يأتي بشكل رئيسي من نيتشه الذي بالنسبة له كل شيء أظهر صدقية تامة حتى تم حل المسألة بأسلحة أخرى غير تلك المتمثلة بالديالكتيك الهيغلي، لا أرى كيف سنتمكن من معرفة ما إذا كان الله يجسد مثال يهوه أم الوطن. أما بالنسبة لفكرة أن النعمة الأبدية لله يجب أن تكون مريحة للفقراء، فقد كانت مدعومة دائمًا من جانب الأغنياء، لكن الفقراء بدأوا يتعبون منها. ربما لم يعد من الحكمة أن تظهر فكرة ربط فكرة الله بالدفاع عن الظلم الاقتصادي.

تعاني عقيدة وحدة الوجود في التصميم الكوني، تمامًا مثل المذاهب اللاهوتية، وإن كانت بطريقة مختلفة إلى حد ما، من صعوبة تفسير الحاجة إلى تطور في الزمن. إذا كان الزمن، في نهاية الأمر، غير واقعي (كما يعتقد جميع الوجوديين)، فلماذا تأتي أفضل الأشياء في تاريخ العالم، أخيرًا، وليس أولاً؟ ألن يكون الترتيب المعكوس مناسبًا تمامًا؟ إذا كانت فكرة أن الأحداث لها تواريخ هي وهم مستثناة من الله، فلماذا يختار الله أن يضع الأحداث السارة في النهاية والأحداث غير السارة في البداية؟ أنا اتفق مع العميد إنجي على الاعتقاد بأنه من المستحيل الإجابة على هذا السؤال.

إن العقيدة "الناشئة"، التي يجب أن نفكر فيها الآن، تتجنب هذه الصعوبة وتدعم بشكل قاطع واقعية الزمن. لكننا سنرى أنها تواجه صعوبات كبيرة بالمثل على الأقل.

الممثل الوحيد لوجهة النظر الناشئة من جملة المحادثات الإذاعية التي أخذت منها الاقتباسات السابقة، هو البروفيسور ألكسندر. الذي بدأ بالقول إن المادة الخاملة والمادة الحية والروح عملوا على ظهورهم بالتعاقب، ويستمر: «والحال إن هذا التطور يشكل ما نستطيع تسميته بالنشوء والانبثاق، منذ أن قدم السيد لويد مورغان أو أعاد تقديم هذه الفكرة وهذا المصطلح. تنبثق الحياة من المادة، وتنشأ الروح من الحياة. الكائن الحي هو كائن مادي أيضًا، لكنه يتشكل بطريقة تقدم جودة ونوعية جديدة، وهي الحياة ... ويمكن قول الشيء نفسه عن الانتقال من الحياة إلى العقل. إن الكائن الموهوب بروح هو كائن حي أيضًا، لكنه تطور بطريقة معقدة، منظمة بطريقة جيدة في بعض أجزائها، وخاصة في نظامها العصبي، وفي الدماغ تحديداً، أنها موهوبة بالروح أو إذا كنت تفضل، بالوعي ".

ويضيف أنه لا يوجد سبب لتوقف هذه العملية عند حدود النفس. على العكس تماما، تقترح نوعية جديدة للوجود خارج الروح، والتي ستكون بمعنى الروح بالنسبة الحياة، أو الحياة بالنسبة للمادة. إنها هذه الصفة التي أسميها اللاهوت أو الصفة الربانية، وإن الكائن الذي يمتلكها هو الله. لذلك يبدو لي أن كل شيء يشير إلى ظهور هذه الصفة، ولهذا السبب أقول إن العلم نفسه، إذا تم وضعه في مستوى عالي، يتطلب ألوهية. فالعالم،"يميل نحو اللاهوت" أو ينحو نحو الإلوهية، لكن "الإلوهية، بطبيعتها المميزة، لم تظهر بعد في المرحلة الحالية من وجود العالم". ويضيف أن الله بالنسبة له "ليس خالقًا، كما هو الحال في الأديان التاريخية، بل مخلوق". هناك تقارب وثيق بين أفكار البروفيسور ألكسندر وأفكار برغسون للتطور الإبداعي. يؤكد بيرغسون أن الحتمية خاطئة، لأننا نرى ظهور مستجدات حقيقية، أثناء التطور، والتي

لا يمكن توقعها أو حتى تخيلها مسبقاً. المستجدات الحقيقية، التي لم يكن من الممكن توقعها أو حتى تخيلها مقدمًا مع إنها ممكنة الوجود. هناك قوة غامضة تدفع كل شيء نحو التطور. على سبيل المثال، يتلقى الحيوان الذي لا يستطيع الرؤية نوعًا ما من المظهر الغامض للبصر، ويبدأ في التصرف بطريقة تؤدي إلى ظهور العيون. في أي لحظة، يظهر شيء جديد، لكن الماضي لا يموت أبدًا، ويتم الاحتفاظ به في الذاكرة (لأن النسيان هو مجرد مظهر). لذا فإن العالم يزداد ثراء باستمرار، وسوف يصبح في النهاية. مكان ممتع للغاية للعيش فيه. الشيء الرئيسي هو تجنب الذكاء، الذي ينظر إلى الوراء وهو ثابت: ما يجب استخدامه هو الحدس، الذي يحتوي على الدافع نحو الحداثة الإبداعية.

يجب ألا نتخيل أننا مُنحنا أي سبب للاعتقاد بكل هذا، باستثناء بعض الأجزاء من البيولوجيا الزائفة، التي تذكرنا بلامارك. يجب اعتبار برغسون شاعرًا؛ وفقًا لمبادئه، يتجنب أي شيء يمكن توجيهه إلى الذكاء البسيط. •

لا أتظاهر بأن البروفيسور ألكسندر يقبل فلسفة برغسون بأكملها، ولكن هناك تشابه بين أفكارهم، على الرغم من أنهم حققوها بوسائل مستقلة. على أي حال، تتفق نظرياتهم في إصرارهم على أهمية الزمن، وفي الإيمان بظهور مستجدات يمكن التنبؤ بها أثناء التطور.

الصعوبات المختلفة تجعل فلسفة التطور الناشئ غير مرضية. ربما يكون المبدأ الرئيسي هو أنه من أجل الهروب من الحتمية، فإنه يجعل أي توقع مستحيلاً، ومع ذلك فإن أنصار هذه العقيدة يتنبأون بوجود الله في المستقبل. هم بالضبط في وضع قشرة برغسون، الذي يريد أن يرى، على الرغم من أنه لا يعرف ما هي الرؤية. البروفيسور ألكسندر على أن لدينا وعيًا غامضًا "بالإله" في بعض التجارب المعيشية، التي يسميها " nouménales " أي الانطباعات التي توسم صفاته وتجاربه. يقول إن الانطباع الذي يميز هذه التجارب هو "سر الغموض، لشيء يمكن أن يرعبنا أو يدعمنا في حالة عجزنا، ولكنه يختلف في أي حال عن كل ما نعرفه عن الأصوات. بحواسنا أو بالانعكاس أو بردود الأفعال. لا يعطي أي سبب لإيلاء أهمية لهذا الانطباع، ولا يفترض، كما تتطلب نظريته، أن تقدم العقل يجعله عنصرًا أكثر أهمية للوجود. وفقا لعلماء الأنثروبولوجيا، قد يعتقد المرء عكس ذلك تمامًا. يلعب الإحساس بغموض قوة غير إنسانية صديقة أو معادية دورًا أكبر بكثير في حياة المتوحشين منه في حياة البشر المتحضرين. لقول الحقيقة، إذا تم تحديد الاتصال بهذا الإحساس، فإن كل "حالة معروفة من التقدم البشري تنطوي على انخفاض في الاتصال. وهذا لا يشبه ما يسمى بالحجة" التطورية "لصالح الإله الناشئ.

الحجة، على أي حال، غير عادية وضعيفة جدا. قيل لنا أن هناك ثلاث مراحل للتطور: المادة والحياة والروح. نحن ليس لدينا سبب لافتراض أن العالم قد انتهى أو توقف عن التطور، وبالتالي فمن المحتمل أن تكون هناك مرحلة رابعة في المستقبل وربما خامسة وسادسة وما إلى ذلك، كان يمكن للمرء أن يفترض ذلك. ولكن لا: مع هذه المرحلة الرابعة، يجب اكتمال التطور. والحال لا يمكن للمادة أن تكون قد توقعت الحياة، ولا يمكن أن تكون الحياة قد توقعت الروح، لكن الروح يمكنها أن تتوقع بشكل غامض المراحل التالية، خاصة إذا كانت روح بابوان Papon أو هوتنتوت Hottentot. من الواضح والبديهي أن كل هذا ليس سوى

التخمين الصريح. قد يكون ذلك هذا صحيح، ولكن ليس لدينا سبب نسبي للاعتقاد بذلك. إن فلسفة النشوء محقة تمامًا في القول بأن المستقبل لا يمكن التنبؤ به، ولكن، بعد أن قالت ذلك بدأت فورًا في التنبؤ بالمستقبل. الناس أكثر ترددا في التخلي عن مفردة "الله" فقط للفكرة التي مثلها هذه الكلمة حتى الآن.

أنصار التطور الناشئ مقتنعين بأن الله لم يخلق العالم، ويكتفون بالقول إن العالم يخلق الله. ولكن، بصرف النظر عن الاسم، فإن هذا الإله ليس له أي شيء مشترك تقريبًا مع هدف العبادة التقليدية.

فيما يتعلق بالتصميم الكوني بشكل عام، في أي شكل من أشكاله، يمكننا توجيه انتقادين. أولاً، أولئك الذين يؤمنون بالغرض الكوني ما زالوا يعتقدون أن العالم سيستمر في التطور في نفس الاتجاه كما كان من قبل؛ ثانياً، يجادلون بأن ما حدث بالفعل يوضح النوايا الحسنة للكون. كل من هذه المقترحات مفتوحة للنقد.

فيما يتعلق باتجاه التطور، فإن الحجة مستمدة بشكل رئيسي مما حدث على الأرض منذ ظهور الحياة. الآن أصبحت أرضنا ركنًا صغيرًا جدًا من الكون، وهناك أسباب للاعتقاد بأنها ليست نموذجية بأي شكل من الأشكال مقارنة بباقي الكواكب. يرى السير جيمس جينز أنه من المشكوك فيه جدًا أن هناك حاليًا حياة في أي مكان آخر في الكون. قبل ثورة كوبرنيكوس، كان من الطبيعي أن نفترض أن مقاصد الله كانت مرتبطة بشكل خاص بالأرض، لكن هذا الافتراض أصبح غير قابل للتصديق اليوم. إذا كان الغرض من الكون هو خلق الروح، يجب أن نعتبره غير قادر تمامًا على ذلك، إذا لم ينتج الكثير منها في مثل هذا الوقت الطويل. من الممكن بالطبع أن تظهر في مكان آخر، ولكن ليس لدينا ظل من البرهان العلمي. قد يبدو من الغريب أن الحياة تحدث عن طريق الصدفة، ولكن في مثل هذا الكون الواسع، يمكن أن تحدث مثل هذه الحوادث.

وحتى إذا قبلنا الفكرة المبهجة إلى حد ما بأن الغرض الكوني أو التصميم الكوني كان مقترناً بكوكبنا الصغير خصيصًا، فلا نزال نجد أن هناك سببًا للشك في أن هذا هو ما يهدف له تمامًا كما يدعي اللاهوتيون. الأرض (إلا إذا استخدمنا ما يكفي من الغازات الخانقة لتدمير الحياة كلها) لديها فرص لكي تبقى صالحة للحياة لفترة طويلة من الزمن، ولكن ليس إلى أجل غير مسمى. ربما سيطير غلافنا الجوي إلى الفضاء؛ ربما المد والجزر تكبحان الأرض وتجعلانها تدور دائماً في نفس الجانب نحو الشمس، بحيث أن نصف الكرة سيكون حارًا جدًا والآخر باردًا جدًا؛ ربما (كما في حكاية أخلاقية بقلم ج س هولدان، سوف ينهار القمر ساقطاً باتجاه الأرض. إذا لم يحدث أي شيء من هذا النوع على الإطلاق، سنباد على أي حال وتمحى البشرية عندما تنفجر الشمس وتتحول إلى نجمة قزم بيضاء وباردة، كما يخبرنا جون بأن ذلك سيحدث في غضون ألف مليار سنة، على الرغم من أن التاريخ الدقيق لم يحدد بعد وما يزال غير دقيق تماما.

يعطينا تأخير ألف مليار سنة بعض الوقت لتحضير أنفسنا، ويمكننا أن نأمل أنه بحلول ذلك الوقت سيحقق علم الفلك والأدوات والأجهزة والأسلحة والتكنولوجيا تقدمًا كبيرًا. ربما اكتشف الفلكيون نجمًا آخر محاطًا بكواكب صالحة للسكن، وقد يتمكن حرفيوهم من أن يرسلونا إليها بسرعة قريبة من سرعة الضوء؛ في هذه الحالة، إذا كان جميع الركاب صغارًا عند المغادرة، فقد يصل بعضهم قبل أن يموتوا في سن الشيخوخة. ربما يكون هذا مجرد أمل ضئيل، لكن دعنا نعرف كيفية احتوائه.

ومع ذلك، فإن هذه المركبات الفضائية التي تبحر داخل الكون، بين النجوم والمجرات، حتى إذا كانت مصنوعة بأكثر التكنولوجيات العلمية اتقاناً وكمالاً، فلن يكون بوسعها إطالة الحياة إلى ما لا نهاية. يعلمنا المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية أن الطاقة، على العموم، تنتقل دائمًا من الأشكال الأكثر تركيزًا إلى الأشكال الأقل تركيزًا، وأنه في النهاية، ستأخذ كل الطاقة شكلًا يكون فيه أي تغيير جديد مستحيلاً. عند هذه النقطة، إن لم يكن قبلها، يجب أن تتوقف الحياة. دعونا نقتبس من جون مرة أخرى: "بالنسبة للأكوان مثل البشر، فإن الحياة الوحيدة الممكنة هي السير نحو القبر. وهذا يقوده إلى بعض التأملات التي تتعلق بالكامل بموضوعنا:

"إن القرون الثلاثة التي مرت منذ أن عانى جيوردانو برونو من الاستشهاد لأنه يؤمن بتعدد العوالم قد عدّل مفهومنا للكون إلى حد جعله غير معترف به تقريبًا، ولكنه لم يجلب لنا المزيد أو يقربنا من فهم العلاقة بين الحياة والكون. يمكننا دائمًا محاولة تخمين معنى هذه الحياة، التي تبدو نادرة جدًا. هل هو الأوج الذي تميل إليه كل عملية الخلق، والذي لم يتم تحويل آلاف المليارات من السنين من المادة في النجوم والسدم غير المأهولة، وإهدار الإشعاع في الفضاء الفارغ المهجور؟ من التحضير المكلف بشكل لا يصدق؟ أم أنها نتيجة ثانوية عرضية، وربما غير مهمة، للعمليات الطبيعية التي تميل نحو هدف آخر أكثر إثارة للدهشة؟ أو، للنظر في طريقة تفكير أكثر تواضعًا، يجب أن نعتبرها نوعًا من المرض الذي يصيب المادة في شيخوختها، عندما تفقد درجة الحرارة العالية والقدرة على إطلاق إشعاع عالي التردد التي تدمر بها مادة أصغر وأكثر قوة الحياة على الفور؟ وإلا فإننا سنجرؤ على رفض كل التواضع

هل سنجرأ على التخيل أن هذا هو الواقع الوحيد، الذي يخلق الكتل الهائلة من النجوم والسدم، والآفاق الفلكية البعيدة المدى لفترات طويلة بشكل مذهل من الزمن الفلكي، بدلاً من خلقها؟ ما قرأناه للتو، في رأيي، يكشف الاحتمالات المختلفة التي يقدمها العلم، بموضوعية وبدون تحيز. هناك الكثير مما يمكن قوله، من وجهة نظر منطقية، لصالح الاحتمال الأخير، والذي بموجبه يكون العقل هو الواقع الوحيد، وفضاءات وأزمنة علم الفلك التي أنشأها. لكن أولئك الذين يتبنونها، على أمل الهروب من استنتاجات مؤلمة، لا يدركون ما ينطوي عليه. كل ما أعرفه مباشرة هو جزء من "ذهني"، والاستنتاجات التي استنتج من خلالها أن هناك أشياء أخرى ليست مقنعة بأي حال من الأحوال.

لذلك يمكن أن يحدث أنه لا يوجد شيء خارج عقلي. في هذه الحالة، عندما أموت، سيختفي الكون. ولكن، إذا اعترفت بوجود أرواح أخرى بخلاف روحي البشرية، فيجب أن أعترف بوجود الكون الفلكي بأكمله، لأن الدليل مقنع تمامًا في كلتا الحالتين. وبالتالي، فإن الاحتمال الأخير لجون ليس النظرية المريحة بأن عقول الآخرين موجودة، ولكن ليس أجسادهم: إنها النظرية التي تقول أنا وحدي في عالم فارغ، وهو في طور الابتكار بفضل مخيلتي الخصبة، الجنس البشري، العصور الجيولوجية للعالم، الشمس، النجوم والسدم. على عكس هذه النظرية، حسب علمي، لا توجد حجة منطقية صحيحة: ولكن، على عكس أي شكل آخر من أشكال العقيدة القائلة بأن العقل هو الواقع الوحيد، هناك حقيقة أن دليلنا على وجود عقول الآخرين يأتي من دليلنا على وجود أجسادهم. أشخاص آخرون، إذا كانت لديهم أرواح، لديهم أجساد؛ يمكن للمرء أن يكون نفسه روحًا غير مجسدة، ولكن فقط إذا كان المرء وحده في الوجود.

لقد وصلت الآن إلى السؤال الأخير في مناقشتنا حول التصميم الكوني، وهو: ما حدث حتى الآن هل يوضح النوايا الحسنة للكون؟ السبب المسمى للاعتقاد بذلك، كما رأينا، هو أن الكون أنتجنا. لا أستطيع أن أنكر ذلك. لكن هل نحن حقا رائعون بما يكفي لتبرير مثل هذه المقدمة الطويلة؟ يصر الفلاسفة على القيم: وفقًا لهم، نعتقد أن بعض الأشياء جيدة، وبما أنها جيدة، فيجب أن نكون جيدين جدًا للحكم عليها على هذا النحو. لكن هذه دائرة مفرغة. قد يكون وجود كائن آخر لديه قيم أخرى يجد قيمنا فظيعة بما يكفي لإثبات أنها مستوحاة من الشيطان أو إننا ملهمون من قبل الشيطان. • ألا يوجد شيء غريب في مشهد البشر يحملون مرآة أمامهم لهم، وإيجاد ما يرونه فيه مثاليًا بما يكفي لإثبات أن التصميم الكوني يميل نحوه منذ البداية؟ لماذا، على أية حال، تمجيد هذا الإنسان؟ ماذا عن الأسود والنمور؟ إنهم يدمرون أو يفتكون بعدد أقل من الحيوانات أو الحياة البشرية منا نحن البشر، وهم أجمل بكثير منا. ماذا عن النمل؟ إنهم يديرون المجتمعات التعاونية بشكل أفضل بكثير من أي فاشي. ألن يكون عالم العندليب والقبرة والغزلان أفضل من عالمنا الإنساني المليء بالقسوة والظلم والحرب؟ أتباع التصميم الكوني يبالغون في تقييم الحالة الرائعة لما يسمى بذكائنا، لكن كتاباتهم تجعلنا نشك في ذلك. إذا التقيت الكلي القدرة أو العلي القدير، مع ملايين السنين للتجربة، فلن أفكر في التباهي بالإنسان نتيجة لجهودي.

الإنسان، كحادث فردي في زاوية نائية، واضح: خليطه من الرذائل والفضائل هو في الواقع ما يتوقعه المرء من أصل محظوظ. لكن الاكتفاء الذي لا يسبر غوره فقط هو الذي يمكن أن يرى في الإنسان دافعًا يعرفه كل شيء سيحكم على الخالق. لم تكن ثورة كوبرنيكوس قد قامت بعملها حتى علمت الرجال تواضعًا أكثر مما نجده في أولئك الذين يعتقدون أن الإنسان هو دليل كافٍ على الغرض والتصميم والمصير الكوني.

يدعي فريق من علماء الرياضيات والفيزيائيين الألمان أن الكون كله قد وهب الوعي، أي هو حي واع وعاقل ومطلق.

لقد توصل الباحثون إلى هذا الاستنتاج المذهل بعد تطبيق نموذج نظرية المعلومات المتكاملة، والذي يحاول شرح ما هو الوعي ويؤكد أن الأشياء غير الحية، مثل الآلات أو الجسيمات الذرية، قد تمتلك هي الأخرى وعياً أيضًا.

باستخدام الرياضيات، يأمل الباحثون أن يكونوا قادرين على التنبؤ بمدى وعي نظام معين. هذا ما يسمونه "التأثير غير العقلاني للرياضيات"، ويمكن أن يكون "بداية ثورة علمية. "حسب يوهانس كلاينر، عالم الرياضيات في مركز الفلسفة الرياضية في ميونيخ.

تستند نظرية المعلومات المتكاملة إلى قيمة تسمى Phi. يمثل هذا معدل الترابط في العقدة، على سبيل المثال والتشابك والترابط في شبكة الاتصالات العصبية في الدماغ التي تبلغ مائة مليار عصب، أو حتى الاتصالات بين الإلكترونات والكواركات في الذرة. تمثل هذه القيمة مستوى وعي العقدة المدروسة. تتمتع القشرة الدماغية بقيمة وعي عالية لأنها تحتوي على تركيز كثيف للغاية للاتصالات العصبية. لكن حساب phi معقد للغاية.

يشرح العلماء أن حساب قيمة phi للدماغ البشري سيستغرق وقتًا أطول من الوقت منذ إنشاء الكون. هذا هو السبب في أن الباحثين الألمان نشروا في فبراير دراسة تحاول تبسيط هذه العملية.

هذه النظرية بعيدة كل البعد عن إقناع المجتمع العلمي ككل، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تعقيدها ولكن أيضًا وقبل كل شيء بسبب الآثار المترتبة على الكون عندما يكون الوعي فوق كل شيء ومع ذلك، نظرًا لكونها صعبة التظاهر فيما يتعلق بالدحض، فقد ينتهي الأمر بالرياضيات الفلكية للنجاح في ثورتهم العلمية.

 

د. جواد بشارة

.......................

* كل الاقتباسات والترجمات في هذا النص مأخوذة من كتاب العلم والدين لبرتراند رسل الترجمة الفرنسية منشورات غاليمار – فولويو1971

 

وتأخذ التطبيقات العملية لأفكار (داروين) وغيرها مجالاً في عدد من الحالات التي تنظر الى الاجناس الاكثر تخلفاَ على انها مجتمعات تشابه التجمعات الحيوانية، التي يجب إبادتها كما يحصل في بعض الاماكن المتفرقة من العالم، فضلاً عن تصريحات " دونالد رافسفيلد " وزير الدفاع الامريكي الاسبق وشامير ورئيس معهد وايزمن الصهيوني وغيرهم، الذين يدعون الى إبادات بشرية لتخفيف الضغط السكاني والغذائي . ولا تلتفت هذه الافكار الى هذه التجمعات بنظرة انسانية قيمية موضوعية ترى في الاستعمار سبباً لتخلف تلك الشعوب، وان الاستعمار (النخبة) الحاكمة التي لديها الثروة والسلطة والقدرة على تحريف الاتجاه الانساني للحضارة هي المسؤولة عن هذا الانحراف.

ومع كل هذه الافكار والنظريات (داروين، ونيتشه، ووليم جيمسي) يأتي (دي لآبوج) بتصورات تدعو الى تفوق الجنس الآري واعتباره الجنس الارقى القادر على الصراع والبقاء، وإبادة الآخرين.!!

وقد بلغت هذه الافكار حداً دعت فيه الى ان الطريقة الوحيدة لكي يكون (الأنثروبولوجيا) اكثر حيادية هو تحريره من القيم الاخلاقية الانسانية لتبرير غزو الشعوب وإبادتها، فيما تلامس هذه الافكار اطار التناقض والصراع والتفاوت الثقافي بين الاجناس البشرية على انه  قائم على اساس ومكونات (بيولوجية - وراثية - بيئوية) تجعل من تكون هذا الثلاثي جنساً متفوقاً له حقوق ومزايا ومكانة تُحرم منها الاجناس الاخرى التي تختلف وتتميز ثقافياً وحضارياً عنها لتحدد بالتالي من هو الادنى ومن هو الاعلى في سلم التطور الحضاري لشعوب الشرق والغرب، مما يرتب مفهوماً عنصرياً يشمل المستويات الاجتماعية والسياسية  والاخلاقية في هذا الجانب هو وراثي محض . وتبنى هذه الافكار على ذلك انه لما كانت الحضارة والاصول العرقية كما تتصورها شيء واحد، فان التخلف الحضاري أمر وراثي.!!

والعنصرية في هذا التصور الذي تعكسه هذه النظريات والافكار هي الرؤية العنصرية للامبريالية الامريكية والغربية وخلفهما الصهيونية التي ما تزال تعمل بفعل رؤاها المادية من اجل تحطيم منظومات القيم الروحية للشعوب بمسميات غير مباشرة تضع الجنس الابيض في قمة السُلَم الحضاري المتقدم، اما بقية البشر، فتضعهم في الاسفل بسبب، كما تزعم هذه النظريات والافكار، المكونات (البيولوجية – الوراثية – البيئوية).

إن مجموعة المقولات التي تروجها الامبريالية والغربية والصهيونية في العالم ومنها افكار (صموئيل هنتنغتون)، هي مقولات فكرية وضعت لتعلق حالة التماس والاحتكاك والتصادم، ولم توضع في اطار فهم المعنى الانساني لمنظومة القيم والافكار والثقافات وما يستوجب من تلاقي في الافكار والنظريات والحوار الثقافي والانساني المعرفي لفهم طبيعة التناقضات في قوانين الكون والطبيعة والمجتمع.

وتؤكد الافكار المطروحة حالياً والتي تضمنتها دراسة حديثة نشرتها مجلة (نيتشر ساينتفيك ريبورتس) في شهر مايس 2020 كتبها الدكتور "جيراردو أكينو" و"البروفسور ماوروبولنيا"، تشير الى (ان الكرة الارضية كانت يغطيها 60 مليون كيلومتر من الغابات تخزن الكاربون وتنتج الاوكسجين . الآن تراجعت مساحة الغطاء الى نحو 35 كيلو مترا مربعا، الأمر الذي أدى الى خلل في توازنات الطبيعة . وتنتهي الدراسة - وهنا بيت القصيد- الى ان النمو السكاني المتسارع وقلة الموارد وقطعْ الغابات سيؤدي الى انهيار كارثي. وإن الانهيار الكارثي في عدد السكان بسبب استهلاك الموارد هو السيناريو الاكثر ترجيحاً للتطور الديناميكي القائم على المعايير الحالية التي تكفل بقاء الحضارة الانسانية اقل من 10% في السيناريو الاكثر تفاؤلاً .. فماذا نستنتج من هذه الدراسة البحثية الحديثة؟:

أولاً- ان هناك زيادة متسارعة في النمو السكاني يجب ايقافها .

ثانياً- هناك شحة في الموارد لا تتناسب مع الزيادة المضطردة للنمو السكاني.

ثالثاً- ان ايقاف الزيادة السكانية يتم من خلال (الكوارث الطبيعية والحروب المفتعلة)، وإن هذه الحروب تؤدي الى كوارث بشرية وبيئية وانسانية.

رابعاً- تقع هذه الكوارث في قلب نظرية (الفوضى الخلاقة) التي انتجتها امريكا والصهيونية العالمية من خلفها.. ولذا فأن الأمبريالية لا تستطيع العيش من دون حروب وتدخلات خارجية وإثارة موجات من الفوضى المتداخلة التي تتحكم بها إدارة ضبط الصراعات ومنع الخروج عن المسارات.. بمعنى التحكم بالفوضى من خلال اطرها وإحكام السيطرة على اطرافها .. وهذا يؤكد أن لا حضارات تتقاتل في ما بينها ولا صراعات حضارية تحدث، إنما تحدث في مخيلة البعض من المفكرين وبعض الفلاسفة وبعض السياسيين الذين يشكلون نخب القيادات التي تخطط للحروب والفوضى في العالم .

فالحضارات الاصلية تتطلع نحو بعضها البعض منذ عصور فجر التاريخ وتتلاقى وتتفاعل. والحضارة العربية - الاسلامية عَلَمَتْ الحضارة الغربية الكثير من المفاهيم الفلسفية والقيمية والنظمية الرفيعة، فهي في هذا الحال لم تكن عدائية ولا منغلقة، فهي معطاءة أغنت الحضارات البشرية بما تملكه من تراث بشري وانساني. وإن طبيعتها في هذا الجانب إنسانية  لا تفرق بين الاجناس على اساس اللون الابيض والاسود والاصفر.

كما ان الحضارات الاصلية في العالم يعاني الانسان فيها من مشكلات مشتركة مستعصية مثل كثرة الفقراء وقلة الاغنياء،  والهوة التي تفصل بينهما وما يترتب تباعا على ذلك من فوارق كثيرة ناجمة عن هذا التفاوت الذي يتسع مع حجم الهوة، فضلاً عن منطق القوة المبرر من قبل الغرب الذي انطلق ليسود على شكل عداء للانسان والانسانية(Anti Humanism)، دون ان يكترث بالهوية والخصوصية الثقافية للآخر، وتجريد الانسان من انسانيته وبالتالي مساواته بكائنات الطبيعة الاخرى واسقاط جوهره الانساني وجعله ذا بعدٍ واحد يتعذر عليه تجاوز واقعه او بُعْده المادي .

ومن هنا جاءت مؤتمرات السكان والمرأة وفلسفة زيادة السكان وإختلال التوازن بين عدد السكان والغذاء، والتخلف والمرض ومسألة الإجهاض والدفاع عن الشواذ جنسياً والتمحور حول الأنثى وحقوق الحيوان او الحق المطلق لأي فرد في ان يفعل ما يشاء، والعمل على إسقاط الدور الانساني للأنسان وتحويله الى انسان قادر على تغيير قيمه وأحكام دوافع اللذة لديه وان تكون دوافعه واحتياجاته واستجاباته مادية صرفة.

يتبع رجاءً ...

 

د.جودت العاني

01/08/2020

 

 

اللغات الداغستانيَّة

1.2. اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة

1.1.2. اللغات الأفاريَّة

1.1.1.2. اللغة الأفاريَّة أو الأواريَّة

اللغة الأفاريَّة:

اللغة الأفاريَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/ اللغات الداغستانيَّة /

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأفاريَّة/ اللغة الأفاريَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة الأفاريَّة عند الناطقين بها آفار بلوماتس (awar blomaʦʼː).

تأريخها، نشوئها وتطورها:

يظن البعض من الباحثين بأنَّ الأفاريين ينحدرون من أصول منغوليَّة وإنهم زحفوا بإتجاه آسيا الوسطى ومنها إلى أوروبا. كانت الأقوام الأفاريَّة تشكل إئتِلافاً من عدة قوميّات لكل واحدة منها لغتها الخاصة بها، وقد إنصهروا مع بعضهم البعض وألَّفوا شعب الآفاريين وتحالفوا لحقاً مع الأقوام السُلافيَّة. لعبت هذه الأقوام دوراً فاعلاً في الحياة الأوروبيَّة في النصف الثاني من الألف الأوَّل للميلاد حيث أقاموا إمبراطوريتهم الكبيرة ـ الإمبراطوريَّة الأفاريَّة ـ التي شملت العديد من الدول الأوربيَّة بحدودها الحاليَّة من هنغاريا والشيك والسلوفاك وسلوفينيا ورومانيا وأجزاء من بولونيا والنمسا وكرواتيا وصربيا وبوسنيا وهيرتسيغوفينا وبلغاريا.

إستمرت سيطرة الأفارييون على هذه المناطق أكثر من 200 عام وكانوا في القرن الثامن للميلاد يمثلون مركز الثقل بين الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة والمملكة الفرنكيَّة الناشِئة في المانيا، ولم يستطيعو الصمود أمام الهجمات التي شنها كارل الكبير على رأس القوات الألمانيَّة الناهضة لتكوين مملكته، وأدى إندحارهم إلى ضياع سلطتهم وإنهيار هيبتهم وترتب عليه تبعثرهم وتقهقرهم. اللغة الأفاريَّة لغة الأقوام الأفاريَّة التي إمتهنت الترحال على السفوح الجبليَّة والتنقل بين مختلف الوديان والبلدان. تمكنوا منذ بدايات القرن السادس من النزوح من مناطق وسط آسيا والوصول إلى مناطق شرق أوروبا حتى هنغاريا. تَعَرَّفوا على الكثير من اللغات وأغنوا لغتهم بالكثير من المفردات حتى صار من الصعب على علماء اللغات التأكد من عائديَّة لغتهم. (لم يحسم علماء اللغة أصل أو عائديَّة هذه اللغة والأقوام الذين يتكلمون بها بشكل نهائي بعد، فمنهم من يُنْسِبُها إلى اللغات المنغولية وآخرون إلى لغات التورك وقسم آخر إلى كونها لغة منعزلة لا تمت بصلة إلى لغات أخرى) .

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد مخطوطات أثريَّة تذكر للغة الأفاريَّة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة الأفاريَّة في كل من داغستان وأذربيجان وتركيا.

عدد الناطقين بها:

يتكلم باللغة الأفاريَّة أكثر من 780 ألف إنسان معظمهم في داغستان وقسم آخر في أذربيجان، بالإضافة إلى 10 ألف في تركيا.

لهجاتها:

للغة الأفاريَّة لهجات مختلفة أهمها

ــ اللهجة الزكاتاليَّة (Zakatalisch)، اللهجة الأنكوشيَّة (Ancuchisch)،

ــ اللهجة الكراخِيَّة (Karachisch)، اللهجة الهدشِيَّة (Hidisch)،

ــ اللهجة الأندلاليَّة (Andalalisch)، اللهجة الكاخيبيَّة (Kachibisch)،

ــ اللهجة البتلوشِيَّة (Batluchisch)، اللهجة الأوستاوارِيَّة (Ostawarisch)،

ــ اللهجة الهُنزاخِيَّة (Hunzachisch) واللهجة السَلاتاوِيَّة (Salatawisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة:

كُتِبَت اللغة الأفاريَّة لأوِّل مَرَّة في القرن الخامس عشر بالأبجديَّة الجورجيَّة، أبجديَّة مخدرولي. إستُبْدِلَت هذه الأبجديَّة بالأبجديَّة العربية في القرن السابع عشر بفعل الغزو الإسلاميَّ والسيطرة الفارسيَّة على مناطق القوقاز. نهاية القرن الثامن عشر وبعد تغلغل روسيا القيصريَّة وسيطرتها على مناطق القوقاز حاول المبشرون من الكنيسة الروسيَّة وضع أبجديَّة جديدة للغة الأفاريَّة بالإعتماد على الأبجديَّة السيريليَّة وقد تمكن السيد "بيتر كارلوفيتش أوسلار" عام 1861 من وضع أبجدية جديدة وجرى العمل بموجبها وتم السماح بإستخدام اللغة الأفاريَّة في العلاقات اليوميَّة. عام 1928 وعلى أعقاب مؤتمر باكو حصلت محاولات للإنتقال إلى الأبجدية اللاتينيَّة، كما حصل مع بقية لغات هذه المجموعة، إلا أن تلك المحاولات توقفت بعد إن تم إلحاق مناطق القوقاز بالإتحاد السوفيتي سابقاً والعودة إلى إستخدام الأبجدية السيريليَّة منذ عام 1938 ولا يزال إستخدامها قائماً.

رسمية/ غير رسميَّة:

اللغة الأفاريَّة لغة رسميَّة في داغستان في مناطق جُنيب وآفار.

معاصرة/ منقرضة:

اللغة الأفاريَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة الأفاريَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار:

تنتشر اللغة الأفاريَّة في داغستان وأذربيجان و تركيا.

الكود الدولي للغة الأفاريَّة:

ISO 639-1: ---, ISO 639-2: ava, ISO 639-3: ava

 

د. محمد شطب

 

سامي عبد العاليرتبط الوهمُ عادةً برأس المالِ في ثقافةٍ لا تشغلها إلاَّ الرغبات السائدة (استهلاك- فساد- مشروعات مزيفة- طقوس أيديولوجية- أنظمة مستبدة- لاهوت اقتصادي- حريات كاذبة). ولهذا إذا حدَدَ المالُ مجالاً معيناً، فإنَّ أوهامنا تعطيه سطوتَّه الأوسع. أخطر شيء يصاحب الاقتصاد: هذا التخييل الغرائزي للمصالح إذ لا يكفُ عن المزيد. وفي عملية اجتماعية ليست بعيدةً عن الأسواق، يجري الغنى كرغبة نهمةٍ بشكلٍ فاحشٍ. ليصبح المجتمعُ صراعاً شرساً حول امتلاك تلك الرمزية لمكانته تحولاتها. فأينما يتنقّل رأس المال يستقطب تقديراً اجتماعياً فائضَ الخواء لدرجة ضياع المعايير الإنسانية. أقرب ما يفعل أنْ يرسِّب قواه الخفيةَ في أنماط الممتلكات والمظاهر والسلوك العام. ويصبح صاحبة ذا سلطة من هواءٍ لا يُسمع صفيره إلاَّ القابضون على بعض الجوانب القيمية الآخذة في التلاشي.

وضع كهذا أشبه بصراعات الآلهة في الأساطير اليونانية القديمة فوق جبل الأوليمب. وليس لنا (نحن المجتمعات العربية والشرقية) من مهرب إلا أن نكون عبيداً بأشكال براقة متأخرة. رأس المال أحد جبال الأوليمب الباقية منذ بداية الأنظمة الاقتصادية حتى اللحظة. وهو في مداه الأبعد وسيط medium يبلور الحركة الاجتماعية ويذيبها. وليست تجليات الانحراف في السياسة والثقافة والفكر الديني بمنأى عن الوسيط السابق. وظهر ذلك جلياً لدى قطاعات المجتمع العربي ولدى الجماعات والطوائف الدينية. حيث دخلت مضمار السياسة وعينها على التلاعب بعجلة الاقتصاد لصالح المآرب والوصول إلى مواقع السلطة.

علينا أن ننتقد طبيعة هذه الأوهام المتولدة عن وجود الرأسمال مع الإرهاب وسياسات الدول الفاشلة. وعلينا معرفة كيف تنشأ الأوهام داخل الاقتصاد وخارجه؟ ولماذا تتسعُ إلى درجة يصعب السيطرة عليها؟

اقتصاد الرغبات

تاريخياً أطلقت الحقبة الحديثة رغبة الثراء الاستعماري العابر للقارات من الخاص إلى العام (شركات ودولاً). لقد جرى نهب الثروات بلوغاً إلى الأصول الطبيعية للشعوب. وصاحبت ذلك عمليات تدمير موازية لأبنية المجتمعات المستعمَّرة حتى قاربت على الاختفاء. ولم تشفَ المجتمعات المستعمَرة من ذلك النهب الاقتصادي إلى الآن. وإذا كشف ذلك عن شيء، فقد أظهر التحول السياسي للرغبات على نطاق الجماعات البشرية. لقد أعاد الإنسانية إلى دائرة القبيلة جمعياً، وأرجع الأفراد إلى كائنات غرائزية نهمة مرة أخرى. حينما كان الصراع بارزاً للأقوى ومحسوماً له ولو بحد السيف. إن فرضية دارون القائلة بالبقاء للأقوى تصح إزاء هذا الاستيلاء الاقتصادي على مقدرات الأمم والشعوب.

النموذج الاستعماري لم يخبو، لكنه أخذ تنويعات ما بعد حداثية ومن جنسها العامل على خريطة السياسة العالمية. طرح نفسه مرةً باسم التنمية المستدامة، ومرةً بأحزمة المساعدات العاجلة، وغيرهما بأساليب اقتراض تشترط برمجة الاقتصاد المحلي وفق أهداف تناقضُ قضاياه. واستطاعت قوى الرأسمالية عالمياً نصب فخاخ الاستدانة بالهيمنة على حركة التجارة والشركات القافزة للحدود والمنظمات الاقتصادية الدولية. هكذا ظل الرأسمالُ ذا طبيعة جيوسياسية تقتحم الهويات وتنتهك موروثات المجتمع. كان ما يهمه في المقام الأول هو بلوغ مآربه بمساعدة قراصنة الأموال بصرف النظر عن مساعدة الفقراء.

إنْ كان ذلك على مستوى الدول، فإنَّ ثمة حيلاً بديلة على صعيد الأفراد. أكبر ما نجحت فيه الرأسمالية ليس تأسيس الأسواق ولو كانت مبهرة إلى حدِ القداسة. لكنها جعلت نمط الاستهلاك رغبة شبه كونية لا ترتوي بل تطلب المزيد وتلهب جميع الغرائز. كانت الأسواق تتويجاً لحركة الليبيدو الفرويدي. هذا البعد الشهوي الذي ينضحُ برغبات سحيقةٍ لدى الإنسان. وهي حركة تخترقُ جميع مظاهر السلوك فردياً وجمعياً، فليس ارتياد الأسواق أقل شأناً من ارتياد الأندية الرياضية أو ركوب حلبة المصارعة السياسية واستعمال كافة الألاعيب لسحق المنافسين. وليس ذلك أيضاً بأقل من اقتصاد الإرهاب والجماعات الدينية عندما يتاجر بالبشر والأدمغة. بالمثل ينضم إليه انتشار الإيديولوجيات وترهل الوعي حول انشطة الغوغاء والتغييب الشعبي في العبادات والطقوس والأغاني.

لدينا ثلاثي عتيد تتأرجح عليه الأوهام: الاقتصاد (رأس المال)- الأيديولوجيا (الأفكار– الخطابة- السياسة)- الدين( الخطاب- الطقوس- الطوائف- الجماعات والتنظيمات). ليس من رأسمالٍ تتوزع أسواقُه على غرائز الجموع دون عنايته بهذه العناصر. عنايةٌ ما بعدها عناية لأنَّها تمدَّهُ بشريان الحياة الضروري لازدهاره. فالاقتصاد هو جسد الرغبة الواضح تطلعاً نحو الثراء والتملك والظهور، ويأتي بأشكال عدة مثل الاعلام والأعمال وشيوع الرفاهيات الاجتماعية. ثم تغلفه الأيديولوجيا فيغدو صدَّفةً براقةً يخاطب مصالحَ الجموع ويناور على رغباتها الوقتية، طالباً من مؤيدها الدعم والانفاق لبروزها في كافة الجوانب. فيأتي الدينُ توثيقاً لها بختمٍّ سماويٍّ لا ينازعه فيه منازعٌ.  وتصبح الاقتصاد من ثم تحت تصرف فقهاء الأيديولوجيا أو مريدي الصراعات على نطاق أوسع.

وهذه أزمة المجتمعات العربية والاسلامية. أنَّها لا تستطيع نقد الأوهام ككيانات رأسمالية مادية، لأنَّها تشكلت في طباقٍ ثقافيةٍ بنفس التكوين السالف. من أدنى الأفعال الاقتصادية وصولاً إلى مشروعات كبرى محاطةً بهالة السلطة أو الاستبداد أو الأدلجة الدينية. المهم أنَّ الثلاثي يلاصق الاقتصاد كممارسة عمليةٍ. وقد يحيله إلى وظائف ثانويةٍ بديلاً عما يؤديه من تطور المجتمعات وتشكيل حياة مفتوحة. إنَّ نقداً لا يأخذ بغربلة الاقتصاد من جانبٍ كهذا لن يؤدي وظائفه وسيختفي تأثيره الحي لحساب قوى أخرى. وسينخرط الاقتصاديون في خدمة أمٍّ بديلةٍ غير التي أنجبتهم. أمٌّ لن تعاملهم إلاَّ خدماً تحت مظلة القهر والتسلط. وستمص قواهم بعد القاهم كعلّب فارغةٍ على قارعة التاريخ.

أرصدة الوهم

الوهم هو ارتباط رأس المال بخاصية نفسية ثقافية توفرها الأيديولوجيات سياسياً ودينياً. خاصية تجعله مستحوذاً على آفاقٍ للتداول لا يوجد فيها حقيقةٌ. ويرتبط بما ورثه من أفعال في جميع الأبنية الاجتماعية التي ساندته وضخمت وجوده وأعطت أصحابه الغلبة والسطوة. فالنقود لها شيء من الباقي يساوي- ويتجاوز- قيمتها الفعلية. هذا الجانب يتغاير من مجتمع لأخر تبعاً لثقافته السائدة، وطبقاً لعمليات التواصل داخل مجالاته العامة بمصطلح يورجين هابرماس (كما حلل ذلك بصدد نشأة البرجوازية الأوروبية). بالتالي لا تجري النقود كما هي بالفعل، بل ثمة خميرة أخرى قابلة للسريان باسمها. أي العوائد الاجتماعية والسياسية التي ينالها الاثرياء... ماذا عن هذا الباقي rest the؟ كيف يمارس دوره الرمزي خارج حدود الاقتصاد؟

لو تصورنا مشروعاً اقتصادياً عملاقاً كما يروّج له وسط ثقافة القطيع، فإنَّه ينقلب من مشروع اقتصاديٍّ إلى مشروع مقدس. وقد رأينا ذلك في دول الربيع العربي قبل وبعد الثورات كمشروع النهضة لدى الاخوان المسلمين وأغلب مشروعات الدول الوطنية التي تتخذ من ضحالة الوعي وقوداً للترويج لها. ومن كافة الأطياف كانت البرامج الاقتصادية ضروب من العلامات الإلهية تمنُ بها السلطة على الشعوب. ما يحدث هو التالي: أنَّ هناك جانباً غير مرئي في كل اقتصاد يجر أرباحاً رائجة ثقافياً. فالنقود ليست فقط وسيطاً مادياً بين عناصر التبادل التجاري، لكنها غارقة في ميتافيزيقا الوهم لدينا ككائنات انسانية لا تعيش حياتها بشكل حقيقي وتتمتع بحرية أصيلة. الباقي هنا رواسب لآثارٍ تدَّخرها النقود مع أي توقع مرغوب. وعليها يلّحُ التوقُع بفاعلية الاعتقاد الأيديولوجي أو الديني خلال المواقف المتباينة إلى درجة الترقب.

وربما تأتي الأرصدة الافتراضية للعملات بفضل جنى المكاسب الرمزية داخل المجتمع. وهذه هي البذرة الأولى للنقود، لأنَّها اقتصاد مضاعف منه فيه (نقدي- رمزي). فإلى جانب قيمتها التبادلية (البيع والشراء) تُضاف إليها القيم الثقافية الأخرى. ولعلَّ ذلك يرجعُ إلى عنصر الهبة والقداسة القديمتين في "اقتصاديات المقدس". حيث ورثته المجتمعات المعاصرة عبر استعمالات السياسة للموارد المادية والرمزية بشكل لا يخلو من الأوهام والخطاب اللاعقلاني. لقد كانت القرابين والنذور والأضاحي شكلاً بدائياً لتلك العملية. القُربان ليس مجرد مادة للتقرب من المقدس ولكنه نوع من التمارين الشعائرية لعبادته رغبةً ورهبةً. وتلك التمارين تأخذ الديانات بنشر وجودها على أكبر مساحة اجتماعية ممكنةٍ.

القرابين كانت حَقنّاً للاقتصاد برصيد رعوي يُستثمر في شعائر وهباتٍ بلا مقابلٍ. لكن المقابل كان تضخماً لكهنة الآلهة وسدنة المعابد. استفحلوا على حساب السماء من جهة وفوق أكتاف المقهورين من جهة أخرى. ونشأت أسواق الآلهة لتروج الأوهام  بدءاً من غفران الخطايا واتمام المآرب وحماية القبيلة وليس انتهاءً بجلب الحظوظ ودفع المكروه. هذه العملية أساسها تجاري صرف مغلفة بهذا الغلاف العام. لأن البيع والشراء كانا يتمّان بأساليب تتوسط الأطراف ويدخل فيها التفاوض والحوار بدلاً من الخنوع والعبودية.

هنا تنتقل النقود من اقتصاديات المال إلى اقتصاديات الثقافة. فتكُف الأولى عن السريان المادي، لأنَّها فعلياً لها قيمة كبرت أم صغرت تنتهي عند حدود العملية الاقتصادية. غير أنَّ قيمتها الثقافية لا تتوقف تاريخياً. ستتضاعف في مواقع تاليةٍ، ستكون محل استثمار في الطقوس والظواهر والتبادل الرمزي. وأقرب الوسائط التي تحتضن هذا التضاعف كانت الطوائف والجماعات الإسلامية على سبيل المثال.

ليس من جماعة إسلاميةٍ لا تمثل وسيطاً اقتصادياً للمرابحة السياسية والعولمية (هناك استثمارات للإخوان في أكثر من دولة أوروبية وغير أوروبية). من هنا كان بإمكان القوى الكبرى تحويلها إلى بنك استعماري راهن. الإخوان كانوا صكاً سياسياً يجذب استثمار المصالح والمآرب الصراعية بين الشرق والغرب. وفي وقت اعتقاد الجماعة بخدمة السماء كان اقتصادها يتخذ دوراته الرأسمالية في بنوك ألمانيا وأمريكا وفرنسا. وهذا نوع من غسيل الأموال عولمياً للحكم باسم الله محلياً. وجاءت مشروعاتُّهم الاقتصادية هي عبادة بديلة، صارت طقساً عولمياً لا يترك أيَّة مساحةٍ لإله التوحيد. ولم يسلم الدين من بورصة التداول فطرح كخطاب وظيفي functional discourse تجاه المعارضين.

ولهذا كان الاقتصاد الاسلامي مبنياً على رأسمال الوهم بتطبيق الشريعة. بينما الأمر برمته رأسمال ليس لهم فيه إلاَّ الاسم فقط. لأنَّ التضخم الأيديولوجي (أفكار الجماعة) هو الأساس سواء من قبل الأعضاء أم من جانب الجماعات الفرعية التي تواليهم. وجرت المرابحةُ بمنطق المراهنة على كيان ميتافيزيقي بضمان غير موجود أصلاً. وفي هذا ظهرت شركات توظيف الأموال التي سرقتها الجماعات تحت حماية الرأسمالية الغربية. بل وفرّت لرموزها مساكن فخمة في مدن  شاهقة تحت السحاب الأوروبي والأمريكي الشهير.

هذا مثالٌ لمرابحة أيديولوجية على رأسمال الجماعة وهو ابتزاز لنهب الأموال وتحويلها للخارج تحت عنوان الانفاق في سبيل الله. وكيف يعملون ضد الدول والمجتمعات الوطنية بعنوان اقتصادي مجهول الهوية. لقد هضمته الرأسمالية العالمية في بطنها المظلم، جعلته جزءاً من مشروعاتها المهيمنة. ولنا أنْ نندهش: كيف يلتقي المشروع الاسلامي والرأسمالية العالمية في وضع إباحي مخل بآداب الدين وبسمات المزاج الشرقي. إنَّ غياباً للوعي بالحقائق لدى الجماعات الدينية يجعل الوهم يتضخم بحجم العالم. ولم تعد تلك الجماعات – بعد فشل مشروعاتها بقادرة على الانسحاب من دائرة القوى الرأسمالية الكبرى، لأن دورها مازال محفوظاً لاختراق المجتمعات واستعمال الدين لجني المكاسب السياسية.

الرأسمالية لها قدرة مرنة على التلاعب بأي شيء حتى الديانات. وباستطاعتها بناء المساجد والكنائس والمعابد باسم الشيطان الذي يأتي بسيولة نقدية كلما رغبنا. بل ستقف في أول صفوف الصلاة بعد رفع تمتمات وتراتيل الشعائر. ونحن نحسبها تصلي واضعة جبينها فوق أرض الله، لكنها تتحين الفرصة للانقضاض. إن من يترك اقتصاده نهباً لأوهام من هذا القبيل سينتهي إلى كوارث ثقافية واجتماعية طويلة الأمد. ولهذا كان اقتصاد الجماعات الاسلامية الصورة الما بعد حداثية للقرابين الوثنية القديمة. وقد استغلت الرأسماليةُ هؤلاء السدّنة الجدُّد لتصنع لهم الآلهة بكل دأبٍ ودقةٍ ولو في شكل وعود بحكم الدول وصناعة الأحداث الكبرى.

استهلاك الغرائز

مع مظاهر العولمة، تحول الموضوعُ الاقتصادي من المواد التبادلية إلى الباعث عليها. لقد فهمت الرأسمالية الدوافع المتوحشة التي تشد القطعان البشرية إلى الاستهلاك. كان التركيز على شقين... أولاً: الإبهار الغرائزي الذي يغلف السلع والمنتجات. ثانياً: الدفع بما ينشط الحوافر واللهاث خلف الرغبات السائلة.

لقد غدا الشقان صناعةً رأسماليةً ثقيلة. فلم تكُن لتنتظر إقبال قطعان المستهلكين عليها بل ابتكرت وسائل لاصطياد القطيع تلو القطيع في كل أرجاء العالم. وهذا في الحقيقة كان وجهاً براقاً تقف وراءه أيديولوجيا السوق، لكنه كان وجها غرائزياً سحيقاً هذه المرة. لأنَّ الغرائز ما هي إلاَّ مصالح تخفي حيوانية التبادل. وهذا بدوره يأخذُ مظاهره المدهشة بحيث تتصفى غلظتّه الشكلية مستبقياً مضمونه الرمزي على السطح.

ثمة اتصالٌ خفيٌّ بين الغرائز لخدمة الأيديولوجيا. فغريزة الموت تتعاضد مع غريزة حفظ الذات. الاثنتان تتوجهان لإشباع الجوع الرمزي تجاه المثال المنشود. وهذا الأخير لا يشبعُ مهما يكن موضوعه. لقد اشتغلت عليه الرأسمالية طويلاً وغذته بالرموز الثقافية من أديان ومذاهب ونحل وجماعات ولهجات مختلفة. وجعلته شرِّهاً إلى حدِّ الإطلاق الميتافيزيقي. لأنَّ موضوعه الأصلي مفقود بين السهوب المقدسة والمعابد والأضرحة والنحل والتنظيمات الدينية. وهو نفسه الذي يوجه بوصلة القيم لدى المجتمعات التوحيدية مع اختلاف العناوين.

والفرد بإمكانه أنْ ينفق الغالي والنفيس لخدمة الجماعة الدينية التي ينتمي إليها. فكيف لا يشتري أيقونة تحمل رموزها؟ والأيقونة نتاج رأسمالي ليس لجماعته فيها إلاَّ الشعار. هو في هذه الحالة ينفق جميع ما يملك لقاء سلعة، هي جهادية لكنها بصناعة مختلفة تمام الاختلاف.

كانت الأسواقُ تحت مظلة الجماعات الاسلامية أسواقاً لاهوتية برغبة الموت والاستهلاك معاً. فإذا كان أعضاؤها يجاهدون في الحروب تاركين أجسادهم الفانية، فلماذا لا يموتون في أسواق الشراء أيضاً؟! والأسواق بأنواعها تؤدي نفس الوظيفة. فالإنفاق بالروح هو ذاته إنفاق الأموال. وكم حرصت الجماعات الاسلامية على إقامة أسواق لسلع أجنبية تحت شعارات أيديولوجية فقط. فبدت كما لو كانت عرضاً تجارياً لمقدس يومي.

إنَّ مقولة "الزيت والسكر" المرتبطة بنشاط الإخوان بمصر كمقابل لأصوات الناخبين لم تكن فارغةَ المحتوى. هي شكل آخر من السوق الجهادي المغلف بالغرائز حتى النخاع. وبدلاً من استعمال السيف لجأ هؤلاء إلى مادتين لا ينقصهما إلاَّ الدقيق لصناعة الكحك (أقراص المعجنات). والأخيرة تستعمل لدى المصريون في النذور وجلب الرحمات إلى الموتى والتصدُّق على الفقراء. وبجوار الأضرحة تصبح رغبة في التعلق بالمقدسات والتبرك بالأولياء. كان مبني الجماعة المشهور ضريحاً جديداً لمقدساتها التاريخية مع حسن البنا وأتباعه. بهذا المعنى كانوا يعلقون صور المرشدين السابقين!!

هذه السياسة هي سياسة الغرائز حين تتلاقي في مناطق مجهولةٍ تاريخياً لكنها حداثية جداً داخل الأسواق المعاصرة. فما كان من المصانع والشركات إلاًّ تصنيع كحك اخوانيً في أغلفة قشيبة. وكان للإخوان إعطاؤه البعد الرمزي بجنى الأصوات الانتخابية بواسطته. إذن صراع الرغبات يحدد تحولات الأسواق السياسية والدينية. لكن من الذي يتحكم في هذه الآلية وتلك البضائع؟ أليس ثمة أخطبوط أعظم من كل ذلك؟

أحد مظاهر العولمة انتشار الوجبات السريعة (التاك أواي) ذات المذاق الحار والألوان البراقة والروائح النفاذة. وربما لا يخلو منها شارع من شوارع المدن العربية. وبحوارها تقف  مآذن المساجد وتدق أجراس الكنائس وتنتصب زوايا الصوفية والمرابطين ومقرات الجمعيات الدينية والشرعية. إنها رأسمالية الحياة اليومية التي تعتمد على طقوس الاستهلاك بروائح الدين النفاذة. فعن طريق توظيف الدين سياسياً يكون استهلاك المقدس في وجبات تملأ البطون الخاوية نتيجة الإفقار المتعمد. وعن طريق جاذبية الوجبات السريعة ننجرف إلى ثقافة استهلاكية لا تنتهي.

لقد أضحت المجتمعات العربية مجتمعات دودِيَّة، تقتاتُ على شيئين متلازمين: المقدسات (من الأفكار حتى التنظيمات) والسلع الرائجة عولمياً (من الكلينكس إلى المنتجعات السياحية). ومن هنا استطاعت الثقافات الشائعة تخليط بهارات الدين وبهارات (التاك أواي). وبنفاذ الأطعمة الحراقة نفسها كان الإرهابُ الدموي نافذاً إلى كافة مناحي المجتمعات الاسلامية. وفي دلالة لهذه المحصلة انخرطت الجماعات في استثمار أموالهم الطائلة عبر أسواق الأغذية والملابس والإلكترونيات وناج العالم الافتراضي. فهم بتوجس تنظيمي يعرفون ألعاب الرأسمالية العالمية ويتكالبون عليها ليلاً ونهاراً.

لكنهم أسسوا بديلاً موازياً: رأسمالية النذور والوقف والتبرع للمقدسات وضرائب الانتساب للجماعات. أي رأسمالية طفيلية لم تستطع ابتكار أساليب انتاجية ولا إبداعية حقيقية تفيد المجتمعات وتطورها. لكنها اعتمدت على حرارة الرغبات واستهلاك العقول. وذلك مقابل أفكار تراثية أخذت ألواناً سلعية على الأرصفة وبين البنايات الحديثة، حتى غدا الجسد (سواء للرجال جلباباً ولحية وبنطالاً قصيراً وبالنسبة للمرأة نقاباً ولوناً أسود) هو فائض القيمة الحقيقي. وهذا يفسر النزوع الشكلي الذي أولاه أعضاء الجماعات جلَّ عنايتهم دون الجوهر.

فعلاً كل مظاهر الحياة العربية تشي بالاستهلاك حتى الرمق الأخير. وغلبة هذا النمط يدمر أفكار الأجيال المتوالية حول العمل والانتاج والتنمية الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية إجمالاً. نحن بإنشاء رأسمالية مزيفة ندس خميرة  الوهم في جميع الدقيق (الحياة). ونشيّد ملكوتاً شبه مقدس لآلهة اقتصادية جددٍّ جرياً مع العولمة. بينما الانتاج الفعلي لم يتحقق، لأن شرط الوهم هو الاستهلاك الذي لم نبرحه، بل نحن أكبر زبائنه المخلصين!!

 

سامي عبد العال

 

جواد بشارةوجهة نظر عالم الرياضيات والفيلسوف برتراند رسل

لا ينبغي الخلط بين الحتمية مع النظرية الجبرية التي تؤكد أن الأحداث المستقبلية خارج سيطرتنا بالكامل بل وحتى خارج سيطرة الله إن كان موجوداً رغم أن الأديان تعتبر الله هو الوحيد العالم بالغيب ولقد تناولت الأديان السماوية باستفاضة مسألة الجبرية والقضاء والقدر خاصة في الإسلام، ولكن لهذا مبحث آخر ليس مكانه هنا.

ظن كثيرون أن صياغة نيوتن لقوانين الميكانيكا قد أنهى مفهوم الإرادة الحرة لأن الكون الذي رسمته نظريته هو أشبه بساعة عملاقة تعمل على نحو آلي على امتداد زمن صارم محدد سلفاً غير قابل للتبديل ومستمر نحو الأبد وإن البشر ليسوا سوى موجودات مسلوبة الإرادة لاحول لها ولا قوة مسجونة في الالية الكونية، حتى أن بيير دي لابلاس تجرأ على القول أن لاشيء سيكون مجهولاً بعد الآن والمستقبل سوف يصبح كالماضي حاضراً في عيوننا. لقد سادت هذه الرؤية لقرون طويلة ثم نسفتها الفيزياء الحديثة التي أتى بها آينشتاين وماكس بلانك الأول مع نسبية الزمكان والثاني مع ميكانيك الكموم الكوانتوم وغرائبه.

هل الكون قابل للتكهن؟ بالرغم مما قدمته ميكانيكا نيوتن من منجزات وتطبيقات وآليات ما تزال صالحة إلى اليوم إلا أن التقدم الحديث في الصياغات الرياضياتية التي تصف النظم الميكانيكية كشفت عن أن بعض القوى مسؤولة عن عدم الاستقرار الحاد في تطور أنظمة معينة ما يجعل مفهوم التكهن فاقد المعنى. لاسيما في حالة حدوث تغيرات، ولو طفيفة، في الشروط الأولية الأساسية لنظام آلي عادي ما يعرض النظام الميكانيكي العادي لاختلافات في شروطة الأولية الأساسية لينعكس ذلك في تغيرات طفيفة في السلوك تتفاقم وتتطور إلى مستوى ملموس ومؤثر في النظم الفائقة الحساسية. وكذلك فإن عامل الكم يشكل حجة قوية ضد التكهن تبعاً لمبادئه الأساسية التي تقول بأن الطبيعة دائمة التقلب أصلاً وهو الأمر الذي صاغة هايزنبيرغ في مبدئه الشهير عن الريبة وعدم اليقين واللادقة . فهناك دائماً حتمية قابلة للاختزال في تشغيل نظم مشتقات الذرة في العالم المجهري وما دون الذري حيث تقع أحداث ليس لها أسباب واضحة المعالم. يجب علينا النظر للكون باعتباره ممتداً في الزمن وفي المكان أو الفضاء اللامتناهي رغم جهلنا فيما إذا كان للتمدد الزمني روابط صارمة بين السبب والنتيجة

الحتمية من وجهة نظر برتراند رسل:

مع تقدم المعرفة، فإن التاريخ المقدس المذكور في الكتاب المقدس، بشطريه العهد القديم أو التوراة، والعهد الجديد أي الأناجيل الأربعة المعتمدة، واللاهوت المعقد للكنيسة القديمة والعصور الوسطى، فقدا أهميتهما في نظر معظم الرجال والنساء الذين حرروا أنفسهم من الروح الدينية. لقد جعل النقد الكتابي، بالإضافة إلى العلم، من الصعب الاعتقاد بأن كل كلمة في الكتب المقدسة صحيحة. يعلم الجميع، على سبيل المثال، أن سفر التكوين يحتوي على روايتين مختلفتين ومتناقضتين للخلق، من قبل مؤلفين مختلفين. يقال الآن أن هذه الأسئلة ثانوية. لكن هناك ثلاثة مفاهيم أساسية: الله، الخلود والإرادة الحرة، أو حرية الاختيار التي تظهر في ثنايا تلك النصوص. وتشكل جوهر المسيحية، بقدر ما لا ترتبط بالأحداث التاريخية. هذه المذاهب هي جزء مما يسمى "الدين الطبيعي". في رأي القديس توما الأكويني والعديد من الفلاسفة المعاصرين، يمكن إظهارهم دون مساعدة الوحي، عن طريق العقل البشري وحده. لذلك من المهم أن نسأل ما الذي يقوله العلم عن هذه المفاهيم الثلاثة. رأيي الشخصي هو أن العلم لا يستطيع إثباتها أو دحضها في الوقت الحاضر، وأنه لا توجد طريقة خارج العلم لتوضيح أو دحض أي شيء. أظن ولكن هناك حجج علمية لها ترتبط بمفهوم الإحتمالية 'probabilité، خاصة فيما يتعلق بحرية الاختيار أو الارادة الحرة ونقيضها الحتمية.

جرى حديث كثير عن تاريخ الحتمية، وحرية الاختيار أو الإرادة الحرة. لقد رأينا أن الحتمية قد وجدت أقوى حليف لها في الفيزياء، والتي يبدو أنها اكتشفت قوانين تحكم جميع حركات المادة وجعلت من الناحية النظرية من الممكن التنبؤ بها. ومن الغريب أن الحجة الأقوى ضد الحتمية في الوقت الحاضر تنبع أيضًا من الفيزياء. ولكن، قبل النظر في الأمر، دعونا نحاول طرح المشكلة بأكبر قدر ممكن من الوضوح.

الحتمية لها طابع مزدوج: فمن ناحية، هي مبدأ عملي لاستخدام الباحثين العلميين. ومن ناحية أخرى، إنها نظرية عامة حول طبيعة الكون. أفضل ممارساتي يمكن أن تكون راسخة، حتى لو كانت النظرية العامة خاطئة أو مستخدمة أو غير مؤكدة. لنبدأ بالقاعدة. ثم سنرى النظرية فيما بعد.

ينصحنا هذا المبدأ بالبحث عن القوانين السببية، وبعبارة أخرى قواعد تربط الأحداث المنفصلة معًا في الزمن. في الحياة اليومية من الشائع أننا نتصرف وفقًا لقواعد مثل هذه، لكن القواعد التي نستخدمها تضحي بالدقة لصالح البساطة. إذا ضغطت على المفتاح، سيضيء المصباح الكهربائي - ما لم يتعطل الموصل؛ إذا قمت بفرك عود الكبريت، فإنه سولد شعلة نار - ما لم ينفصل رأس العود قبل فركه؛ إذا طلبت رقمًا عبر الهاتف، فسوف أحصل عليه - ما لم أكون قد أعطيت رقم خاطئ. هذا النوع من القواعد غير مناسب للعلم، الذي يريد شيئًا لا يتغير. الأمر المثالي تم تثبيته من قبل علم الفلك النيوتوني، والذي يسمح، بفضل قوانين الجاذبية، بحساب الماضي والمستقبل للكواكب على مدى فترات غير محددة. كان البحث عن القوانين التي تحكم الظواهر أكثر صعوبة في الحالات الأخرى، لأن المرء يواجه تشابكًا أكبر في الأسباب بمختلف أنواعها، وعودة دورية أقل انتظامًا للظواهر. ومع ذلك، فقد اكتشفنا قوانين سببية في الكيمياء والكهرومغناطيسية والبيولوجيا وحتى في الاقتصاد السياسي. إن اكتشاف القوانين السببية هو جوهر العلم، وبالتالي ليس هناك شك في أن العلماء ينصحون بالبحث عنها. إذا كانت هناك منطقة لا توجد فيها قوانين سببية، فإن هذه المنطقة لا يمكن الوصول إليها من قبل العلم. لكن المبدأ القائل بأن العلماء يجب أن يبحثوا عن القوانين السببية واضح مثل أن جامعي الفطر يجب أن يبحثوا عن الفطر.

القوانين السببية، في حد ذاتها، لا تعني بالضرورة تحديدًا كاملاً للمستقبل في الماضي. إنه قانون سببي في أن يكون الأبناء البيض منحدرين من أهل بيض، ولكن إذا كان قانون الميراث هذا هو الوحيد المعروف، فيسكون بالكاد بإمكاننا التنبؤ بأي شيء عن أبناء الآباء البيض. فالحتمية، كنظرية عامة، تؤكد أن التحديد الكامل للمستقبل استناداً إلى الماضي ممكن دائمًا، نظريًا، إذا عرفنا بما فيه الكفاية عن الماضي والقوانين السببية. ووفقًا لهذا المبدأ، ينبغي للباحث الذي يلاحظ ظاهرة أن يكون قادرًا على اكتشاف الظروف السابقة والقوانين السببية التي جعلت هذه الظاهرة لا مفر منها. وبعد اكتشاف هذه القوانين، يجب عليه، عندما يلاحظ ظروفًا مماثلة، أن يكون قادرًا على استنتاج أن ظاهرة مماثلة ستحدث.

من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ذكر هذا المبدأ بدقة. عندما نحاول القيام بذلك، نحن قادرين على التأكيد على أن مثل هذا الشيء ممكن "من الناحية النظرية"، دون أن يعرف أحد ما يعني قولنا "نظريا" أو " من الناحية النظرية". وغني عن القول إن هناك "قوانين" تحدد المستقبل، ما لم نضيف أننا نأمل في إيجادها. من الواضح أن المستقبل سيكون ما سيكون عليه، وبهذا المعنى تم تحديده بالفعل: يجب أن يعرف إله كلي العلم، مثل الإله الأورثوذوكسي، من الآن كامل المسار الزمني المستقبلي من أجل التوصل إلى أنه؛ إذا كان هناك إله كلي العلم، فهناك حقيقة حالية، وهي معرفته المسبقة، والتي يمكن للمرء أن يستنتج منها المستقبل. ومع ذلك، يبقى هذا خارج ما يمكن التحقق منه علميا. إذا أردنا عقيدة حتمية لتأكيد شيء ما يمكننا إثباته على أنه محتمل أو غير محتمل، يجب علينا إعطاء بيان فيما يتعلق بإمكانياتنا البشرية. وإلا فإننا نخاطر بمشاركة مصير الشياطين في الفردوس المفقود الذين يفكرون بمنطق الغاية العليا، بمنطق العناية الإلهية، والضمير، والإرادة، القدر، المصير الثابت والمحدد، الإرادة الحرة، المعرفة المسبقة المطلقة، ولم يجدوا نهاية، وظلوا ضائعين في المتاهات الملتوية.

إذا أردنا أن يكون لدينا عقيدة يمكن اختبارها، فلا يكفي أن نقول إن مجمل الطبيعة يجب أن تحدده القوانين السببية. قد يكون هذا صحيحًا، وهذا أمر ممكن اكتشافه: على سبيل المثال، إذا كان ما هو بعيد أكثر تأثيرًا مما هو قريب، فسنحتاج إلى معرفة أكثر التفاصيل عن النجوم البعيدة قبل أن نتمكن من التنبؤ بما سيحدث على الأرض. إذا أردنا أن نكون قادرين على اختبار عقيدتنا، يجب أن نكون قادرين على إعطائها عبارة أو معلومة تتعلق بجزء محدود من الكون، ويجب أن تكون القوانين بسيطة بما يكفي للسماح لنا بإجراء الحسابات. لا يمكننا معرفة الكون كله، ولا يمكننا التحقق من القوانين المعقدة لدرجة أن حساب عواقبها تتطلب مهارة أكثر مما نأمل. يجب أن تكون القدرة الحاسوبية اللازمة قادرة على تجاوز إمكانياتنا الحالية، ولكن ليس تلك التي من المرجح أن نكتسبها قريبًا. هذه النقطة واضحة إلى حد ما، ولكن من الصعب ذكر مبدأنا بحيث يكون قابلاً للتطبيق عندما تتعلق بياناتنا بجزء محدود فقط من الكون. يمكن أن تنفجر الأجسام الخارجية دائمًا ويكون لها تأثيرات غير متوقعة. في بعض الأحيان يظهر نجم جديد في السماء، ولا يمكن التنبؤ بهذه المظاهر من بيانات تقتصر على النظام الشمسي. وبما أنه لا يوجد شيء أسرع من الضوء، فلا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نحذر من ظهور نجم جديد.

يمكننا محاولة الالتفاف على هذه الصعوبة بالطريقة التالية. لنفترض أننا نعرف كل ما يحدث في بداية العام بداخل كرة التي نشغل مركزها. نعترف، بشكل أكثر دقة، أن هذه الكرة كبير للغاية بما يكفي للضوء ليستغرق سنة واحدة فقط للانتقال من سطحها إلى مركزها. في هذه الحالة، بما أنه لا يوجد شيء أسرع من الضوء، فإن كل ما يحدث في مركز الكرة خلال العام يجب، إذا كانت الحتمية صحيحة، أن يعتمد فقط على ما تحتويه الكرة وما يحصل فيها في بداية العام، نظرًا لأن الأجسام البعيدة ستستغرق أكثر من عام لتؤثر في المركز. لا يمكننا، في الواقع، أن نمتلك بياناتنا قبل نهاية العام، لأن الضوء القادم من سطح الكرة سوف يستغرق سنة للوصول إلينا في مركزها. ولكن، عندما ينتهي العام، يمكننا أن نكتشف بأثر رجعي ما إذا كانت البيانات التي لدينا ثم أيضاً مع قوانين السببية يمكنها أن تشرح كل ما حدث على الأرض خلال هذا الوقت. حتى نتمكن الآن من ذكر الفرضية الحتمية، ولكن أخشى أن هذا البيان سيكون معقد إلى حد ما. هذه الفرضية هي كما يلي: هناك قوانين سببية قابلة للاكتشاف، مثل، مع قوة حوسبة كافية (ولكن ليست خارقة)، رجل يعرف كل ما يحدث داخل كرة معينة في لحظة معينة يمكن للحظة أن يتوقع كل ما سيحدث في وسط هذه الكرة خلال الوقت اللازم للضوء للانتقال من سطح الكرة إلى مركزها.

يجب أن يكون مفهوما أنني لا أدعي تأكيد أن هذا المبدأ صحيح: أنا أؤكد فقط أن هذا هو ما يجب أن نفهمه من مفهوم "الحتمية"، إذا أردنا أن نكون قادرين على إثبات الحقيقة أو الباطل.

لا أعرف ما إذا كان هذا المبدأ صحيحًا، وبصراحة، لا أحد يعرف. يمكننا أن نعتبره نموذجًا مثاليًا يقترحه العلم، ولكن لا يمكننا اعتباره، باستثناء سبب مسبق، ليس صحيحًا بالتأكيد ولا كاذبًا بالتأكيد. عندما نفحص الحجج المقدمة مع الحتمية وضدها، قد نجد أن الفكرة التي لدينا كانت أقل وضوحًا من المبدأ الذي توصلنا إليه.

لأول مرة في التاريخ يتم مهاجمة الحتمية من قبل العلماء لأسباب علمية. نشأ هذا الهجوم من دراسة الذرة بطرق جديدة لميكانيكا الكموم الكوانتوم. تم إطلاقها من قبل السير آرثر إدينجتون، بالرغم من أن بعض أبرز علماء الفيزياء (من بينهم آينشتاين) لا يتفقون معه، إلا أن منطقه لا يخلو من القوة، ويجب أن ندرسه، متجنبين قدر الممكن الاعتبارات التقنية.

وفقًا لميكانيكا الكموم الكوانتوم، لا يمكننا أن نعرف ما يمكن لذرة أن تفعله ضمن البيانات المعطاة: لديها سلسلة من الاحتمالات المحددة بوضوح وتختار في بعض الأحيان واحدة، وفي بعض الأحيان تختار أخرى. نحن نعلم في أي نسبة من الحالات سيحدث أحد هذه الاختيارات، وما هي النسبة من الثانية والثالثة وما إلى ذلك. لكننا لا نعرف أي قانون ينتقص من الاختيار في حالة فردية. نحن في نفس وضع الموظف في مكاتب التذاكر في محطة قطار ليون Gare de Lyon، الذي يمكنه أن يكتشف، إذا أراد، ما هي نسبة المسافرين المتوجهين إلى غرونوبل وما هي نسبة المتوجهين إلى نيم، وما إلى ذلك، ولكنه لا يعرف؛ الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الاختيار في حالة ما وإلى ذاك الاختيار في حالة أخرى. ومع ذلك، فإن التشبيه ايس مكتملاً، لأن موظف السكة الحديد لديه لحظاته من الفراغ، حيث يمكنه اكتشاف الأشياء التي لا يذكرها الناس عند أخذهم تذاكرهم.

ليس لدى الفيزيائي إمكانية من هذا النوع، لأنه في لحظات فراغه، ليس لديه فرصة لمراقبة الذرات؛ عندما لا يكون في مختبره، يمكنه فقط ملاحظة سلوك الكتل الكبيرة والعديد من مليارات الذرات. وفي المختبر، تكون الذرات أكثر اتصالًا بقليل من الأشخاص الذين يأخذون تذاكرهم في عجلة من أمرهم قبل أن يغادر القطار مباشرة. لذلك فهو لا يعرف أكثر مما يعرف الموظف إذا كان يقضي كل وقت فراغه في النوم.

حتى الآن، يبدو أن الحجة ضد الحتمية، المستنتجة من سلوك الذرات، مبنية كليا على جهلنا الحالي، ويمكن دحضها غداً عند اكتشاف قانون جديد، وهذا صحيح إلى حد ما. فمعرفتنا التفصيلية للذرات حديثة جدًا، ولدينا كل الأسباب للاعتقاد بأنها ستزداد. لا يمكن لأحد أن ينكر أنه من الممكن أن نكتشف قوانين جديدة، الأمر الذي سيوضح لماذا تختار الذرة مثل هذه الإمكانية في حالة وإمكانية أخرى في حالة أخرى. في الوقت الحاضر، لا نعرف أي فرق كبير بين السابقتين من الخيارين، ولكن قد نكتشف أحدهما غدًا. إذا كانت لدينا أسباب قوية للاعتقاد في الحتمية، سيكون لهذه الحجة وزن كبير.

لسوء الحظ بالنسبة للحتميين، فإن النظرية الحديثة للنزوة الذرية تذهب إلى أبعد من ذلك. لقد امتلكنا (أو كان بإمكاننا امتلاك) كتلة كبيرة من الأدلة، من الفيزياء العادية، وتميل إلى إظهار أن الأجسام تتحرك دائمًا وفقًا للقوانين التي تحدد حركاتها المستقبلية تمامًا. يبدو، مع ذلك، أن كل هذه القوانين لا يمكن أن تكون إلا إحصائية، فالذرة تختار ما بين، الإمكانيات الممكنة وفقًا لنسب معينة، وهي كثيرة جدًا لدرجة أن النتيجة لها جهاز من الانتظام المطلق، عندما تكون المسألة متعلقة بأجسام كبيرة بما يكفي ليتم ملاحظتها بالطرق القديمة. افترض أنك عملاق لا يستطيع رؤية الرجال على نحو منفرد. وأنك تعتقد بأنك تستطيع رؤية ليس أقل من مليون دفعة واحدة: بالكاد يمكنك أن تدرك أن باريس تحتوي على مواد في النهار أكثر من الليل، لكنك لن تتمكن من إدراك ذلك، إلا في يوم لم يأخذ فيه السيد دوبون ترامه المعتاد. لذلك تأخذ حركة المادة نحو باريس في الصباح، وفي الاتجاه المعاكس في المساء، لظاهرة أكثر انتظامًا مما هي عليه في الواقع. يمكنك تعزي ذلك بدون شك إلى قوة خاصة تنبعث من الشمس، وهي فرضية تؤكدها حقيقة أن الحركة تتباطأ في الطقس الضبابي. وإذا تمكنت لاحقًا من رؤية ع الأفراد، فستجد أن النمط أو الانتظام أقل مما توقعت. ذات يوم، السيد دوبون مريض. وفي يوم آخر يكون السيد دوراند هو المريض. لا يتأثر المتوسط الإحصائي، ولا تظهر الملاحظة على نطاق واسع أي فرق. ستكتشف أن كل الانتظام الذي لاحظته يمكن تفسيره بقانون الأعداد الكبيرة، دون افتراض أن لدى السيدين دوبونت ودوراند سبب مختلف عن النزوة لعدم الذهاب إلى باريس في الصباح. هذه هي بالضبط الحالة الراهنة للفيزياء فيما يتعلق بالذرات. إنها لا تعرف أي قانون يحدد سلوكها بالكامل، والقوانين الإحصائية التي اكتشفتها كافية لمراعاة الانتظام الذي لوحظ في تحركات الأجسام ذات الأبعاد الكبيرة. بما أن المنطق لصالح الحتمية يستند إلى هذه الحركات، يبدو أنه قد انهار.

بالنسبة لهذه الحجة، يمكن للشخص الحتمي أو المتبني للحتمية أن يحاول الإجابة بطريقتين مختلفتين. يمكنه أن يفعل المنطق التالي: بعض الظواهر بدت في السابق أنها لا يتبع أي قانون؛ ومع ذلك، فقد ثبت منذ ذلك الحين أنها تتبع وتطيع قواعد معينة. عندما لا تزال هذه القواعد غير معروفة، يتم تفسير ذلك من خلال التعقيد الكبير للموضوع. إذا كان هناك، كما يعتقد العديد من الفلاسفة، أسباب مسبقة للاعتقاد في عهد القوانين الطبيعية، فإن هذه الحجة ستكون جيدة؛ ولكن، إذا لم تكن هذه الأسباب موجودة، فإنه يتعرض لرد فعل فعال للغاية. إن انتظام الظواهر واسعة النطاق تنجم عن قوانين الاحتمالية، دون الحاجة إلى افتراض أي انتظام في سلوك الذرات. فيما يخص الذرات المأخوذة منعزلة فإن النظرية الكمومية أو الكوانتية تفترض قانون الحتمية: من بين الخيارات الممكنة المقدمة للذرة، هناك احتمالية معروفة من قبل أحدهم، واحتمالية آخري معروفة من قبل شخص ثانٍ وهكذا على التوالي. من قانون الاحتمالات هذا، يمكن للمرء أن يستنتج أن الأجسام الكبيرة ستتصرف بشكل شبه مؤكد كما تنبأت به الميكانيكا الكلاسيكية. وبالتالي فإن الانتظام الذي يتم ملاحظته في الأجسام الكبيرة هو فقط موحد وقريب، ولا يسمح لنا باستنتاج أن هناك انتظامًا مثاليًا في سلوك كل ذرة.

الجواب الثاني الذي يمكن أن يقدمه الانسان الحتمي هو أكثر صعوبة في تفسيره، وليس من الممكن الحكم على صحته أو تقدير صلاحيته. قد يكون هذا بسبب ذلك: أنت تتقبل أنه إذا لاحظت اختيارات عدد كبير من الذرات المتطابقة ظاهرياُ في ظروف مشابهة على ما يبدو، فإنك تلاحظ انتظامًا معينًا في تواتر مختلف التحولات المحتملة. وينطبق الشيء نفسه على الولادات: لا نعرف ما إذا كان المولود الجديد سيكون فتاة أو فتى، أنثى أو ذكر، لكننا نعرف أنه في بريطانيا العظمى، يولد حوالي 21 فتى مقابل 20 فتاة. وبالتالي هناك نسبة منتظمة من الجنسين في السكان، ولكن ليس بالضرورة في كل أسرة. في حالة الولادات: يعتقد الجميع أن هناك أسبابًا تحدد نوع الجنس. في كل حالة؛ نعتقد أن القانون الإحصائي يعطي النسبة

من. 21 إلى 20 يجب أن يكون نتيجة للقوانين التي تنطبق على كل حالة على حدة. يمكننا أيضًا أن نجادل أنه إذا كان هناك انتظام إحصائي للكتل الكبيرة من الذرات، فذلك لأنه توجد قوانين تحدد ما ستفعله كل ذرة. وإذا لم توجد مثل هذه القوانين يمكن للحتمي أو المتبني للحتمية أن يقول إنه لن تكون هناك كذلك قوانين إحصائية.

ليس للسؤال الذي تطرحه هذه الحجة علاقة خاصة بالذرات، ولمناقشته، يمكننا أن نطرد من أذهاننا هذه القصة المعقدة الكاملة لميكانيكا الكموم الكوانتوم. لنأخذ اللعبة المعروفة لوجهي العملة النقدية. نحن على يقين من أن تناوب القطعة يخضع لقوانين الميكانيكا الكمومية، وأنه بشكل دقيق ، ليست "الصدفة" هي التي تقرر ما إذا كانت تسقط جهة الوجه أو جهة الكتابة للعمل المرمية في الهواء. لكن الحساب معقد للغاية بالنسبة لنا، لذلك لا نعرف ماذا سيحدث في حالة معينة. قيل لنا (على الرغم من أنني لم أر قط مثالاً مقنعًا على ذلك) أنه إذا قمت برمي قطعة نقدية في كثير من الأحيان، فسوف تسقط في كثير من الأحيان على نحو متوازن تقربا للوجهين. كما يقال لنا أيضا أن ذلك غير مؤكد، ولكنه من المرجح للغاية. يمكنك رمي قطعة نقدية عشر مرات متتالية ورؤيتها تسقط على جهة الكتابة في كل مرة. لن يكون مفاجئًا إذا حدث مرة واحدة في 1024 مجموعة من عشرة. ولكن عندما يتعلق الأمر بأعداد أكبر، فإن ندرة سلسلة "وجه الكتابة في العملة" تصبح أكبر بكثير. إذا قمت برمي عملة معدنية 1،000،000،000،000،000،000،000،000،000،000،000 فستكون لديك فرصة للحصول على مجموعة من 100مرة جهة الكتابة للعملة ولكن ليس على نحو متتالي. على الأقل هذه هي النظرية ولكن الحياة أقصر من أن تتحقق من تجربتها •

قبل وقت طويل من اكتشاف قوانين الكوانتا أو الميكانيك الكمومي لعبت القوانين الإحصائية دوراً مهماً في الفيزياء. على سبيل المثال، يتكون الغاز من عدد كبير من الجزيئات التي تتحرك بشكل عشوائي في جميع الاتجاهات بسرعات متفاوتة. عندما يكون متوسط السرعة مرتفعًا، يكون الغاز ساخنًا؛ عندما يكون صغيرًا أو منخفضاً، يكون الغاز باردًا. عندما تكون جميع الجزيئات ثابتة، تكون درجة حرارة الغاز صفرًا مطلقًا. لأن الجزيئات تطرق باستمرار على بعضها البعض، تلك التي تسير أسرع من المتوسط أولئك الذين يسيرون أسرع من المتوسط يتم تباطؤهم، وأولئك الذين يسيرون أبطأ تسرع. هذا هو السبب، إذا كان هناك غازان في درجات حرارة مختلفة على اتصال فإن الأكثر برودة يسخن والأكثر سخونة يبرد، حتى تكون درجات الحرارة متساوية. لكن كل هذا محتمل فقط. يمكن أن يحدث، في غرفة ذات درجة حرارة موحدة في البداية، تتحرك جميع الجسيمات السريعة في اتجاه واحد، وجميع الجسيمات البطيئة في الاتجاه الآخر؛ في هذه الحالة، بدون سبب خارجي، سيصبح أحد جانبي الغرفة ساخنًا والجانب الآخر باردًا. يمكن أن يحدث حتى أن يتجمع كل الهواء في نصف الغرفة، والنصف الآخر يبقى فارغًا. هذا هو. أكثر احتمالا بكثير من سلسلة من 100 "جهة المكتوب في العملة «، لأن عدد الجزيئات مرتفع للغاية. لكنها ليست مستحيلة.

الجديد في ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم ليس ظهور القوانين الإحصائية، بل فكرة أنها يمكن أن تكون أساسية وجوهرية بدلاً من اشتقاقها من القوانين التي تحكم الحالات الفردية. هذا مفهوم. صعب للغاية، وهو أكثر صعوبة، في رأيي، مما يدرك أنصاره. وقد لوحظ، إلى جانب لعدة أشياء مختلفة، ما يمكن للذرة أن تفعله، وكل ذرة، تفعل ذلك في حدود نسبة محددة من الحالات. ولكن، إذا كانت الذرة المعزولة بدون قانون، فلماذا هذا الانتظام في حالة الأعداد الكبيرة؟ يبدو أنه يجب أن يكون هناك شيء آخر يجعل التحولات النادرة تعتمد على مجموعة من الظروف المحدودة. يمكننا إجراء قياس، دقيق تمامًا أو مقارنة وتشبيه في الواقع. في حمام السباحة، هناك خطوات تسمح للسباح بالغوص من الارتفاع الذي يشاء. إذا كان مستوى الارتفاع عالي جداً، فبوسع الغواصين الاستثنائيين فقط أ، يختاروا المستوى الأعلى. إذا قارنا الفصول، فسيكون هناك انتظام معين في نسب الغواصين الذين يختارون الدرجات المختلفة؛ وإذا كان هناك مليارات الغواصين، فيمكننا أن نفترض أن الانتظام سيكون أكبر. ولكن من الصعب معرفة سبب وجود هذا الانتظام إذا لم يكن لدى الغواصين سبب للاختيار. يبدو أن بعض الغواصين المتميزين يتعين عليهم أن يختارون درجات عالية للحفاظ على النسبة؛ لكنها لن تكون مجرد نزوة نقية وبسيطة.

نظرية الاحتمالات ليست في حالة مرضية جداً بل مقبولة إلى حد ما، سواء من الناحية المنطقية أو الرياضياتية. ولا أعتقد أن هناك أي كيمياء يجعلها تستمر في إخراج الانتظام في الأعداد الكبيرة، من نزوة نقية وبسيطة في كل حالة معينة. إذا كانت قطعة النقود المرمية اختارت بالفعل أن تسقط على جانب الكتابة أو جانب الوجه، فهل لدينا أي سبب يجعلنا نعتقد أنها ستختار جهة واحدة في كثير من الأحيان؟ ألا تستطيع النزوة أن تؤدي دائمًا إلى نفس الخيار؟ هذا مجرد اقتراح، لأن السؤال غامض للغاية بحيث لا يمكن ذكر أي شيء بشكل قاطع. ولكن، إذا كان هذا الاقتراح أقل قيمة، فلا يمكننا أن نعترف بأن انتظام الظواهر المرصودة له أي علاقة بأعداد كبيرة، ويجب أن نفترض أن القوانين الإحصائية لسلوك الذرات مستمدة من قوانين لا تزال غير معروفة وهي التي تحكم سلوكها الفردي.

بهدف الوصول إلى استنتاجات مقبولة عاطفياً، بدءاً من حرية الذرة (إذا قبلنا وجود مثل هذه الحرية)، فإن إدينغتون مضطر إلى تقديم افتراض، كما يعترف بنفسه، بأن هذا الافتراض حاليًا ليس سوى مجرد فرضية خالصة. ويود أن يحمي الإرادة الحرة البشرية، التي يجب أن تكون قادرة على إحداث حركات جسدية على نطاق واسع بخلاف تلك التي تنتج عن قوانين. فهو يريد أن ينقذ حرية الاختيار لدى الإنسان أو إنه يرغب في حماية الإرادة الحرة البشرية، والتي يجب أن تكون قادرة على إحداث حركات جسدية على نطاق واسع بخلاف تلك التي تنتج عن قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، والحال إن تلك القوانين، كما رأينا، لم يتم تعديلها بواسطة نظريات ذرية جديدة: الفرق الوحيد هو أنها تشير إلى احتمالات قوية بدلاً من اليقينيات.. يمكن للمرء أن يتخيل أن هذه الاحتمالات قد تم إحباطها بنوع معين من عدم الاستقرار الذي بفضله يمكن لقوة صغيرة جدًا أن تولد تأثيراً كبيراً. يتصور إدينغتون أن هذا النوع من عدم الاستقرار موجود في المادة الحية، وخاصة في الدماغ. ففعل الإرادة يمكن أن يقود الذرة إلى اتخاذ خيار واحد بدلاً من آخر، الأمر الذي من شأنه أن يدمر التوازن الدقيق، وبالتالي ينجم عن ذلك نتيجة واسعة النطاق، مثل قول شيء واحد بدلاً من الآخر. نحن لا يمكننا أن ننكر أن هذه إمكانية مجردة أو عبثية، لكنها أقصى ما يمكننا التنازل عنه. من الممكن أيضًا، وفي رأيي، الأكثر احتمالية أننا سنكتشف قوانين أخرى جديدة من شأنها أن تزيل أو تلغي ما يسمى بحرية الذرة. وحتى مع الاعتراف بحرية الذرة وتقبلنا لهذا المفهوم، ولكن لا يوجد دليل على أن التحركات واسعة النطاق من الأجسام البشرية خالية من هذه العملية من الوسائل التي تجعل الميكانيكا الكلاسيكية قابلة للتطبيق على تحركات أجسام ذات أبعاد ملموسة. إن محاولة إيدنغتون التقريب بين الإرادة البشرية الحرة مع الفيزياء، وإن كانت مهمة وجذابة، وإن ليس بالإمكان، دحضها في الوقت الحاضر، إلا أنها لا تبدو لي مقبولة أو معقولة بما فيه الكفاية لكي تفرض تغييراً للنظريات بشأن المسائل السائدة والمدروسة قبل ظهور الميكانيك الكمومي أو الكوانتي.

علم النفس وعلم وظائف الأعضاء، بقدر ما يتعلقان بمسألة الإرادة الحرة البشرية تجعلها تبدو غير محتملة أو قليلة الاحتمال. الأبحاث حول الإفرازات الداخلية، تقدم المعرفة حول عمل مختلف أجزاء الدماغ، دراسات بافلوف عن ردود الفعل المشروطة، ودراسة التحليل النفسي لتأثيرات الذكريات والرغبات المكبوتة، ساهمت في اكتشاف القوانين السببية التي تحكم الظواهر العقلية. لم يثبت أي من هذا استحالة الإرادة الحرة؛ ولكن أصبح من المحتمل جدًا أنه إذا حدثت أفعال قوة الإرادة دون سبب، فيجب أن تكون نادرة جدًا.

يبدو أن الأهمية العاطفية المتعلقة بالحرية تستند إلى حكم قائم على ارتباك معين في الفكر. يتصور الناس أنه إذا كانت للإرادة أسباب، قد يضطرون إلى القيام بأشياء ليس لديهم رغبة في القيام بها. بالطبع، هذا خطأ: الرغبة هي سبب الفعل، حتى لو كان للفعل أسبابه. لا يمكننا أن نفعل ما نفضل عدم القيام به، ولكن يبدو أن هناك القليل من المزايا في الشكوى من هذا القيد. من غير المريح رؤية إحباط رغباتنا، ولكن ليس من المرجح أن يحدث إذا كان لدينا أسباب أكثر مما لو لم يكن لدينا. والحتمية لا تبرر الشعور بالعجز. تتمثل القوة في القدرة على الحصول على التأثيرات المرجوة، ولا يمكن لاكتشاف أسباب نوايانا أن يزيدها أو يقللها أهمية.

الناس الذين يؤمنون بحرية الاختيار أو الارادة الحرة، سيؤمنون دائمًا أيام في نفس الوقت، في حجرة أخرى من أذهانهم، أن أفعال الإرادة لها أسباب. يعتقدون، على سبيل المثال، أنه يمكن غرس الفضيلة من خلال التعليم الجيد، وأن التعليم الديني مفيد جدًا للأخلاق. يعتقدون أن العظات جيدة، ويمكن أن تكون التحذيرات الأخلاقية مفيدة. من الواضح الآن أنه إذا لم يكن للأفعال الفاضلة أي أسباب، فلا يوجد شيء على الإطلاق يمكننا القيام به لتشجيعها. لدرجة أن الرجل يعتقد أنه في مقدوره أو في سلطة أي كان أن يشجع السلوك المرغوب فيه لدى الآخرين، يؤمن بالدوافع النفسية وليس بالإرادة الحرة. عمليًا، تستند جميع تقاريرنا المتبادلة إلى افتراض أن الأفعال البشرية تنتج عن ظروف سابقة. الدعاية السياسية، قانون العقوبات.

إن نشر الكتب التي تدعو إلى هذا الخط أو ذاك من العمل ستفقد سبب وجودها إذا لم يكن لها تأثير على ما يفعله الناس. أنصار عقيدة الإرادة الحرة لا يدركون عواقبها. نقول: «لماذا قد قمت بهذا الفعل؟" ونتوقع الإشارة في الجواب إلى معتقدات ورغبات تسببت بهذا الفعل. إذا كان الشخص لا يعلم هو نفسه لماذا تصرف على هذا النحو، ربما سنبحث له عن أسباب في لا وعيه وفي اللاشعور ولكن لا يخطر على بالنا أو ذهننا فكرة أن قد لا يكون هناك سبب وراء ذلك الفعل أو التصرف. لا شيء يشبه فعل الإرادة؛ هو شكل من أشكال المرض العقلي لعدم القدرة على القيام بأشياء بسيطة دون قرار مسبق. على سبيل المثال، يمكننا أن نقرر السير إلى مكان معين: نحن نعرف الطريق، نضع قدمًا تلو الأخرى تلقائيًا لغاية صولنا؟ يبدو أن الإعلان الأولي فقط هو "الإرادة". عندما قررنا بعد دراسة متأنية، كان لدينا احتمالان أو ثلاثة، أحببت؟ أو أقل جاذبية وربما أكثر أو أقل صدًا الاستجابة للمعتقدات والصحة • في النهاية كانت أكثر

 رغباتكم تسببت في فعل واحد. إذا كان الرجل لا يعرف نفسه لماذا تصرف كما فعل، فقد نبحث عن سبب في حياته، غافل، أو خفي، لكنه لن يخبرنا أبدًا أنه لا يمكن أن يكون هناك سبب.

يقال إن اقتباسات الاستبطان تتيح لنا معرفة الإرادة الحرة مباشرة. بقدر ما يستبعد هذا وجود الأسباب، فهو خطأكم ممتلئ. ما نعرفه هو أننا عندما لقد اتخذنا خيارًا كان بإمكاننا اختيار الآخر إذا أردنا ذلك. ولكن لا يمكننا أن نعرف، من خلال الاستبطان البسيط ما إذا كانت إرادتنا للعمل لها أسباب. عندما نأخذ نصيحة محامي أو طبيب أو ممول، وأن نتبع تلك النصيحة اعلم أن النصيحة هي سبب عملنا ''. ولكن على العموم لا نكتشف أسباب الأفعال بالاستبطان والحدس بل نكتشفها، كشأن باقي الأحداث، بمراقبة وملاحظة سابقاتها وببحثنا عن قانون يربطها معاً. لا يكتشف المرء أسباب الأفعال التي قام بها يكتشفها المرء، على غرار الأحداث الأخرى، من خلال مراقبة أسلافهم والبحث عن قانون الربط بين الأحداث.

يجب أن يقال أيضًا أن مفهوم "الإرادة" غامض جدًا، وربما سيختفي من علم النفس، إذا غدا هو بدوره علميًا. معظم أفعالنا ليست مسبوقة بما يشبه فعل الإرادة، إنه نوع من أنواع المرض النفسي أن تكون عاجزاً عن القيام بأشياء بسيطة بدون قرار مسبق. قد نقرر الذهاب إلى مكان ما ونكتشف أننا نعرف الطريق عندا سيكون سيرنا تلقائياً القرار الأساسي وحده هو الذي يعكس الإرادة أو ينطوي على إرادة وعندما نقرر بعد تأمل عمق ستتولد في أذهاننا إثناخ أو ثلاث إمكانيات كل واحدة منها جذابة أو منفرة، وأخيرا ستبدو إحدى هي الأكثر جاذبية من الأخريات وتتفوق عليها وعندما نحاول اكتشاف الإرادة بواسطة الاستبطان أو الحدس، نجد شعورًا بالتوتر العضلي، وأحيانًا عبارة حاسمة تقول: "أريد أن أفعل هذا.. «ولكن من جهتي، لا يمكنني العثور في داخلي حتى على أية ظاهرة عقلية غريبة يمكنني أن أسميها "الإرادة". " .

سيكون من السخف بطبيعة الحال والعبثي أن ننكر التمييز الأفعال الإرادية والأفعال اللاإرادية، أو التفريق بين العمل "الطوعي" و "اللاإرادي" وطبيعة العقة بينهما. فضربات أو نبضات القلب

لا إرادية تمامًا؛ التنفس، التثاؤب، العطس، وما إلى ذلك، هي لا إرادية، ولكن يمكن (في حدود معينة) يتم التحكم بها من خلال أعمال إرادية. حركات الجسم مثل المشي والكلام، طوعية وإرادية بالكامل. العضلات المنشطة في أفعال إرادية هي من نوع مختلف عن تلك التي تتحكم بظواهر لا إرادية مثل نبضات القلب. الأعمال الطوعية يمكن أن يكون سببها سوابق" عقلية والمقصود بالسوابق "العقلية أو الذهنية" فئة من الظواهر المتفرقة، مثل "أفعال التبجح "أعمال الإرادة". يقال إن عقيدة الإرادة الحرة ذات أهمية في المجال الأخلاقي سواء لتعريف "الخطيئة" أو لتبرير العقاب، وخاصة العقاب الإلهي. سيتم مناقشة هذا الجانب من السؤال لاحقاً عندما نتعامل مع تداعيات العلم على الأخلاق.

. يبدو أنني وجدت نفسي مذنباً أولاً لإدانتي للحتمية ومن ثم ضد الإرادة الحرة أو حرية الاختيار. لكن، في الواقع، كلاهما هي عقائد ميتافيزيقية مطلقة تتجاوز ما يمكن التحقق منه علميا. البحث عن قوانين سببية، كما رأينا، هو جوهر العلم. وبالتالي، بمعنى عملي بحت، يجب على رجل العلم أن يعترف دائمًا بالحتمية كفرضية عمل. لكنه ليس مضطرًا للتأكيد على وجود قوانين سببية، إلا إذا اكتشفها بالفعل: حتى أنه سيكون موقفاً متهوراً من جانبه. ولكن سيكون من الحكمة التأكيد بشكل إيجابي على أنه يعرف منطقة لا تتصرف فيها القوانين السببية. سيكون هذا التأكيد غير حكيم نظريًا وعمليًا على حد سواء: نظريًا، لأن معرفتنا لا يمكن أن تصبح كافية أبدًا لتوضيح مثل هذا التأكيد؛ عمليا، لأن الإيمان بعدم وجود قوانين سببية في مجال معين يثبط البحث، ويمكن أن يمنع اكتشاف هذه القوانين. يبدو لي أن هذا التحايل المزدوج هو الحقيقة، مثل الكثير من أولئك الذين يؤكدون أن تعديلات الذرات ليست حتمية تمامًا، كما هو الحال بالنسبة لأولئك الذين يؤكدون عقائديًا وجود الإرادة الحرة. في مواجهة هذه العقائد المتعارضة، يجب على العلم أن يظل تجريبي بحت، وعدم تأكيد أو نفي أي شيء فيما وراء ما يتضح أو يثب بالأدلة.

الخلافات الأبدية، مثل تلك التي تتعلق بالحتمية والإرادة الحرة تنشأ من الصراع بين شغفين قويين، لا يمكن التوفيق بينهما. الحتمية لها ميزة أن القوة تأتي إلينا من اكتشاف القوانين السببية؛ تم قبول العلم، على الرغم من تضاربه مع التحيزات الثيولوجية والأحكام اللاهوتية المسبقة، لأنه أعطى السلطة. كما أن الاعتقاد في المسار الطبيعي للطبيعة يعطي شعورًا بالأمان: فهو يسمح لنا، إلى حد ما، بتوقع المستقبل وتجنب الأحداث السارة. عندما نُسبت الأمراض والعواصف إلى قوى الشر المتقلبة، كانت مرعبة أكثر مما هي عليه اليوم. ولكن، إذا كان الرجال يرغبون في الحصول على سلطة على الطبيعة، فإنهم لا يحبون أن الطبيعة لها سلطة عليهم. إذا كانوا مضطرين للاعتقاد أنه حتى قبل وجود الجنس البشري، كانت القوانين تعمل بالفعل على إنتاج نوع من الضرورة العمياء ليس فقط الرجال والنساء بشكل عام، ولكن أنفسهم، مع كل هوسهم الصغير، يقولون ويفعلون في نفس الوقت ما يقولونه ويفعلونه، يشعرون أنهم جردوا من شخصيتهم، عبثا، غير مهم، عبيد الظروف، غير قادرين على الابتعاد عن الدور المسند إليهم من قبل الطبيعة منذ البداية. يحاول البعض الهروب من هذه المعضلة من خلال افتراض وجود الإرادة الحرة لدى البشر والحتمية في كل مكان آخر، والبعض الآخر من خلال محاولات معقدة متطورة للتوفيق بين الإرادة الحرة والحتمية. في الواقع، ليس لدينا سبب لاعتماد أي من الفرضيتين، ولكن ليس لدينا أي سبب لافتراض أن الحقيقة، مهما كانت، من المرجح أن توحد الجانبين، أي الإرادة الحرة مع الحتمية، في الواقع لا نمتلك أي دافع أو حافز لتبني هذا المفهوم أو ذاك، هذه الفرضية أو تلك، وإن الحقيقة، مهما كانت طبيعتها أو ماهيتها من شأنها ان تنتصر للأفضل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحديدها فيما يتعلق برغباتنا.

 

د. جواد بشارة

 

بليغ حمدي اسماعيلذاعت شهرة ألبرت آينشتاين في العالم واعتبره الكثيرون مخلوقا خارقا للطبيعة يمثل أقصى ما يمكن للعقل البشري أن يصل إليه، كونه عالما شاملا في مجالات الفيزياء والرياضيات وعلوم الفلك، ومنذ أن قلب الاستثنائي ألبرت آينشتاين قوانين الفيزياء بنظريته داحضا مجمل أفكار نيوتن استحال أيقونة للعبقرية ومجالا خصبا لعلماء الدماغ والأعصاب لاكتشاف وسبر أغوار هذا العقل المتدفق، وفي نفس سنة الثورة المصرية في يوليو 1952 عرض عليه الكيان الصهيوني رئاسة إسرائيل خلفا للرئيس حاييم وايزهان، لكنه رفض بشدة معلنا للصهاينة وللعالم أيضا أنه رجل علم، لا رجل دولة .

وبرغم أن ألبرت آينشتاين أوصى صديقه المقرب " أوتوناثان " بحرق جثته وإلقاء رمادها في نهر " ديلاور " بالولايات المتحدة الأميريكية، إلا أن العلماء تحديدا الطبيب " توماس هارفي" قرر سرا الاحتفاظ بدماغه من غير معرفة عائلة آينشتاين طمعا في الوصول إلى سر عبقرية هذا العالم المحير الذي أجاب عن سر اكتشافاته الفيزيائية والرياضية بعبارة تبدو بليغة قائلا: " إن الأفكار تأتي من عند الله " .

والقضية التي تعنيننا ليست أسرار التلافيف الزاوية بدماغ آينشتاين وليست أيضا كون المناطق القذالية الأدنى من نصفي كرة الدماغ التي كانت أعرض بـ 15 في المئة من المعتاد، لاسيما وأن آينشتاين ـ نفسه ـ أعلن نصا: " ليست لدي مواهب خاصة، أنا فقط أحب الاستطلاع بشغف " . وهذا بالضرورة يتفق مع ما صرح به تشارلز داروين من قبل قائلا: " " لقد قلت دوما إنه عدا الأغبياء، فإن الناس لا يختلفون كثيرا في الذكاء، إنهم فقط يختلفون في الحماس والعمل الجاد".

وكان موت ألبرت آينشتاين وقرار الاحتفاظ بدماغه فتحا جديدا لاستمرار الهوس العلمي صوب استشراف المستقبل ، واعتبار البحث عن أسرار العبقرية دافعا قويا وإيجابيا في معظم الوقت لدى علماء الكرة الأرضية، وهذا بالضبط ما سعى إليه الدكتور جاك جالانت أستاذ الفيزياء بجامعة كاليفورنيا ـ بيركلي، حيث يعمل هو وفريق رائع ومتميز من العلماء المساعدين لمحاولة الوصول إلى قراءة أفكار الآخرين، وفي ضوء ذلك صمم جالانت مختبرا كبيرًا لتصوير أفكار الناس، حتى أمكنه ذلك بأن يصرح قائلا: " نحن نفتح نافذة على الأفلام في دماغنا " .

ـ الشيفرة الدماغية السرية:

المهم إن الدكتور البارع جاك جالانت صمم برنامجًا استثنائيا يشبه قصص الخيال العلمي التي نتناولها في بلداننا العربية كأقراص مخدرة من أجل الهروب من مكشلات الحياة اليومية، هذا البرنامج باستطاعته فك شفرة ما ينظر إليه المرء، ويستطيع أيضًا فك الصور الخيالية التي تدور برأس هذا المرء، وبهذه التقنية السحرية يكون من الممكن الحصول على محادثة تحدث بالتخاطر، ليس هذا فحسب، بل إن البرنامج العلمي الخصب يمكِّن المصابين بالسكتة الدماغية المعاقين من الحركة تماما من الحديث والتكلم من خلال (مخلّق) صوتي يدرك أنماط الدماغ للكلمات المختلفة .

هذا الهوس العلمي الذي دفع العالم جيري شيه أن يستخدم تقنية  ECOG  مع مرضى الصرع وليس العاديين ليتعلموا الطباعة بواسطة الدماغ، وهذا ما يخبرنا به الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء الدكتور كاكو بأنه يتم إطلاع المريض على سلسلة من الحروف الهجائية، ثم يكلف هذا المريض بالتركيز ذهنيا على كل حرف، وفي الوقت نفسه يجل جهاز الحاسوب الإشارات التي تصدر من الدماغ وهو يمسح كل حرف، وتصبح طباعة أي حرف ما على الشاشة بمجرد التفكير فيه .

وآخر ما يفكر فيه العلماء هذه الأيام الآنية هو صناعة خوذ لقراءة الأفكار وقت الحروب والمعارك، فباختصار شديد التكثيف يكون الضابط أو الجندي وقت المعركة مشغولا بمهمته العسكرية، وهو أكثر انتباها لأصوات البنادق والمدافع وتنقل عيناه صور القتلى والصرعى، ورغم ذلك لا يستطيع أن يتواصل مع بقية زملائه من الجنود مما تصعب مهمته، لذا فكر العلماء مؤخرا بتزويد خوذته العسكرية بجهاز صغير لقراءة أفكار زملائه للتخاطر عن بعد وسط هذا الضجيج والصخب .

وبالفعل قدم الجيش الأميركي منحة تقدر بقيمة 6,3 مليون دولار إلى العالم جيروين شولك الذي يعمل بكلية ألباني الطبية من أجل تصميم خوذة تعمل بتقنية ECOG  تسمح بوضع شبكة من الأقطاب فوق المخ المفتوح مباشرة، وبهذه التقنية تتمكن الحاسبات المخزنة من إدراك أحرف صوتية و 36 كلمة منفردة داخل العقل المفكر تمكن الجندي من التخاطر عن بعد مع زملائه من الجنود وقت اشتعال المعركة .

ـ العقول الفائقة:

ومن أحدث الكتب التي تناولت أسرار العبقرية وكيفية عمل الدماغ من الزاوية الفيزيائية بعيدا عن طروحات علم النفس التقليدية كتاب (مستقبل العقل .. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته) للعالم الفيزيائي ميشيو كاكو الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، ويعمل حاليا أستاذا للفيزياء النظرية بجامعة سيتي في نيويورك، ومؤلف العديد من الكتب العلمية ذائعة الشهرة والانتشار مثل كتب (الفضاء المفرط )، و(ما بعد آينشتاين)، و( فيزياء المستحيل )، و(فيزياء المستقبل). ويشير كاكو  إلى أن العقل والكون هما أعظم سرين من أسرار الطبيعة كلها، ومع التقدم الواسع والمتسارع في تقنيات العلم تمكن العلماء من تصوير مجرات تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية، والتصرف بالجينات التي تتحكم في الحياة، وتفحُّص المسار الداخلي للذرة، لكن يفجؤنا كاكو بحقيقة أن العقل والكون مازالا يفلتان منا، ومازالا يثيران دهشتنا، مؤكدا أنهما ـ العقل والكون ـ الجبهتان الأكثر غموضًا وإثارة في العلم .

والأكثر إثارة ودهشة هو ما حير العلماء من صعوبة إيجاد تفسير لأصحاب العقول الفائقة التي تنفذ عمليات عقليا استثنائية لاتزال ترهق عقول هؤلاء العلماء لدرجة أنهم قرروا ـ ربما حيرة ـ بأن أصحاب هذه العقول يعانون من التوحد وخصوصا " متلازمة أسبيرغر " كحالة نفسية مميزة للتوحد،ومنهم من أوصى بأن هؤلاء يعانون من "متلازمة  العارف المكتسبة"  ومنهم من استقر به الأمر للإعلان بأن ذوي هذه العقول الاستثنائية من أصحاب المرض العقلي والاضطراب الذهني .

لكن المهم في هذا الصدد هو حجم التحديات الذهنية التي تعرض لها أصحاب العقول النافذة الفائقة، فالدكتور بينجامين راش درس شخصا باعتبار أنه معاق عقليا، لكنه اندهش تماما حينما طلب من مريضه حساب عدد الثواني التي يعيشها إنسان يبلغ من العمر سبعين عاما وسبعة عشر يوما واثنتي عشرة ساعة، فكانت إجابته التي استغرقت فقط تسعين ثانية 2210500800 ثانية .

ليس هذا فحسب، بل إن هناك طبيبا آخر هو الدكتور " دونالد تريفيرت " حاول دراسة عمل عقل هؤلاء العارفين الفائقين بشكل أكثر دقة، فجاء بعارف فائق كفيف سئل سؤالا بسيطا في أول الأمر: " لو وضعت حبة قمح واحدة في المربع الأول لقطعة شطرنج، وحبتان في القطعة الثانية وأربعة في التالية ثم تابعت مضاعفة عدد الحبات بعد ذلك، فكم حبة قمح ستكون لديك على أربعة وستين مربعا؟ . واستغرق أمر معالجة العمليات الذهنية للإجابة عن هذا الؤال خمسا وأربعين ثانية فكانت 18446744073709551616.

ولم ينته الهوس العلمي لدى العلماء الفيزيائيين عند هذا الحد فحسب، بل إن " كيم بيك " فاجأ العالم بأنه يحفظ غيبا اثني عشر أل كتاب، ويستطيع تسميع سطر سطر منه بل كلمة كلمة وفقا لأي صفحة بهذه الكتب، واستطاع حفظ كتاب بنصه في غضون نصف ساعة، هل هذا مدهشا فقط ؟ لا فالدهشة الحقيقية أنه يقرأ صفحتين في وقت واحدة مستخدما كل عين في قراءة صفحة مختلفة في نفس الوقت .

ـ استشراف الأنظمة التعليمية العربية:

هذا يدفعنا مرة أخرى إلى ألبرت آينشتاين الذي استحال أيقونة للعبقرية والذكاء الخارق من أجل إلقاء سؤال يمثل حجرا في المياه الراكدة: هل يمكن تعليم العبقرية؟ الإجابة تعول على الأنظمة التعليمية التي ينبغي عليها أن تطبق بفاعلية مقاييس جديدة للذكاء غير الاعتيادية الرتيبة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ضرورة اهتمام القائمين على الأنظمة التعليمية العربية بتنمية مهارات التفكير مثل الناقد والإبداعي والابتكاري، وتكريس ثقافة ما وراء المعرفة من أجل اللحاق بهذا الهوس العلمي المحمود صوب سبر أغوار المستقبل.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

 

جواد بشارةتعقب الطاقة المظلمة: هل يمكننا إذن تخيل أجهزة تجريبية قادرة على تقييد نماذج الطاقة المظلمة المختلفة بشكل أفضل؟ يتميز هذا النهج بالضغط السلبي. هذا الأخير يعادل في الواقع التوتر، تمامًا مثل الأشياء المرنة والينابيع وألواح المطاط، عند الضغط عليها، يتم توجيه ضغط سلبي إلى الداخل.

يظهر أنه عندما يكون الضغط أقل من ثلث كثافة الطاقة، فإن قوة الجاذبية تتغير وتصبح منفرة. المعلمة الرئيسية هي معادلة الحالة، والتي تشرح العلاقة بين ضغط p للطاقة المظلمة وكثافة طاقتها ρ في الشكل p = w ρ c2، حيث w هي معلمة اعتمادًا على طبيعة الطاقة. للحصول على طاقة طاردة، يجب أن يكون w سالباً وأقل من - 1/3.

كما شهد لوميتر Lemaître في عام 1934، فإن الثابت الكوني أو الفراغ الكمي يتميز بـأن w = - 1، وبالتالي فهو طارد للمادة بشدة. الأشكال الأخرى للطاقة المظلمة، مثل النماذج المثالية، لها قيم تتراوح بين - 1 و - 1/3. يتميز الشكل الأكثر تطرفا للطاقة البغيضة، المسمى "طاقة الأشباح" بـ w <- 1. تسمح المرونة النظرية أيضا لمعادلة الحالة بالتغير بشكل تعسفي بمرور الوقت.

وضع علماء الفلك برامج رصد طموحة قد تقيد القيم المحتملة لـ w، وبذلك نماذج الطاقة المظلمة المختلفة. القيمة  الحقيقية للثابت الكوني أمر في غاية الأهمية بالنسبة لعلم الكونيات لأن المستقبل الطويل جدا لكوننا يعتمد بالكامل عليه. إذا تبين أن المعلمة w قريبة جدًا من - 1، فإن نظرية النسبية العامة وثابتها الكوني ستأخذ في الاعتبار معدل تمدد الكون ووجود الطاقة المظلمة. من ناحية أخرى، فإن قيمة مختلفة بشكل كبير قد تعني إما وجود شكل آخر من أشكال الطاقة المظلمة أو الحاجة إلى مراجعة نظرية النسبية العامة ... يعتمد تطور الكون بشكل أساسي على الكثافة الكلية للمادة والطاقة التي يحتويها. عندما يقوم علماء الفيزياء الفلكية بجرد جميع أشكال المادة والطاقة، فإنهم يواجهون عددًا من المضاعفات. هيمنت أشكال مختلفة من الطاقة بدورها على مسار التطور الكوني وفرضت ديناميكياتها، أي الاختلاف مع مرور الوقت لعامل المقياس المكاني R، يمكننا على سبيل المثال تحديد نصف قطر الكون المرئي. هناك أربع مراحل. الأولى، التي ما زالت افتراضية، هي الفترة القصيرة للغاية للتضخم، حيث كان من الممكن أن يتوسع R بشكل كبير. خلال هذه الفترة تم إنشاء المادة. في المرحلة الثانية، سيطر الإشعاع، ولكن مع انخفاض كثافة الطاقة مع R - 4 بينما زادت R، تم استبدالها في المرحلة الثالثة بالمادة التي تنخفض كثافتها فقط مثل R - 3. ولأسباب مماثلة، كانت الطاقة المظلمة في المرحلة الرابعة تستغرق أكثر من 7 مليار سنة وتهيمن على الكون الحالي. بات تأثيرها الأهم هو تسريع التوسع، ولكن بسرعة أقل من خلال التضخم. لا أحد يعرف إلى أين سيقودنا ذلك، لأننا لا نعرف طبيعتها الحقيقية أو ماهيتها ولا نعرف قانون الاختلاف مع مرور الوقت. ومع ذلك، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات.

ستسيطر الطاقة المظلمة المستمرة بشكل متزايد على توازن الطاقة في الكون، وسيستمر التوسع الملحوظ في الفضاء في التسارع حتى يصبح أسيًا. ستنكسر الهياكل غير المتصلة بالفعل بالجاذبية وستنتقل أجزائها بعيدًا عن بعضها البعض بسرعات واضحة أكبر من سرعة الضوء. سوف يمنعنا التسارع في نهاية المطاف من مراقبة أجزاء كبيرة من الكون هي مرئية اليوم. ومع ذلك، ستبقى الهياكل المرتبطة بالجاذبية، مثل المجرات والأنظمة الكوكبية، كذلك. لذا فإن النظام الشمسي أو مجرة درب التبانة سيظلان في الأساس كما هما الآن، في حين يبدو أن بقية محتويات الكون تفر منا. هذا السيناريو المسمى التجلد الكبير "Big Chill" أو الكون الجليدي هو الأكثر معقولية أو احتمالية في الوضع الراهن لمعرفتنا ومعلوماتنا العلمية.

مع تناقص كثافة الطاقة المظلمة في المستقبل (هذا هو النموذج المثالي)، يمكن أن تصبح المادة مهيمنة مرة أخرى. سوف ينمو الأفق الكوني، ويكشف عن جزء أكبر من الكون. سوف تسود الثقالة الجاذبة مرة أخرى ولن يتوقف التوسع عن التسارع فحسب، بل سينعكس وسيتقلص الكون ككل ليختفي في "أزمة كبيرة"، الانكماش الكبير يمكن أن يحدث بعد 18 مليار سنة.

إذا زادت الطاقة المظلمة بمرور الوقت، أو إذا كانت تهيمن عليها طاقة الأشباح البغيضة للغاية، فسوف تتسع المساحة بمعدل متزايد باستمرار، وسيتم تسريع نفسها. في هذه الحالة، ستكون النتيجة "Big Rip" التمزق الكبير، والذي سيحدث عندما يصبح التسارع لانهائي بعد وقت محدود. كل المادة في الكون، حتى الذرات، سوف تتمزق بسبب تمدد الفضاء. وفقا لأقصى سيناريو، سيحدث هذا الحدث في "بالكاد" بعد 22 مليار سنة. أولاً، سيتم فصل المجرات عن بعضها البعض وستذوب العناقيد. قبل حوالي 60 مليون سنة من التمزق الكبير، ستكون الجاذبية أضعف من أن تحافظ على تماسك مجرتنا، التي ستنتشر؛ قبل ثلاثة أشهر، سيتمزق النظام الشمسي. في الدقائق الأخيرة، سيتم تمزيق النجوم والكواكب، وقبل 10-19 ثانية، سيتم تدمير الذرات والأنوية نفسها، تاركةً الكون فارغًا بدون بنية.

هل نحن إزاء نهاية علم الكونيات التقليدي وبدء علم كونيات ثوري جديد؟ هذا مايعتقده الكثير من العلماء.

نهاية علم الكونيات:

إن تمدد الكون يمحو وراءه آثار الانفجار العظيم، لدرجة أن علماء الكونيات في المستقبل البعيد سيشكلون رؤية لتاريخ كوني مختلف تمامًا عن تاريخنا.

قبل 100 عام، كانت مقالة " من أجل العلم «حول تاريخ الكون وبنيته خاطئة تمامًا. في عام 1911، اعتقد العلماء أن مجرتنا تتكون من الكون بأكمله أي هي الكون. لقد رأوا ذلك على أنه "الكون - الجزيرة"، مجموعة من النجوم المعزولة محاطة بفراغ لانهائي. نحن نعلم اليوم أن مجرة درب التبانة ليست سوى واحدة من 400 مليار أخرى في الكون المرئي. في عام 1911، تصورنا الكون الأبدي والثابت. لم يشك أحد في أنه ولد من بقعة كبيرة كثيفة وساخنة، الانفجار الكبير، وتوسعت منذ ذلك الحين. لم تكن لدينا فكرة أن العناصر الكيميائية تم تصنيعها خلال اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، ثم في قلب النجوم. إن توسع الفضاء وانحنائه المحتمل بسبب وجود المادة لم يحدث في أذهان الفيزيائيين. كان لا بد من اكتشاف الإشعاع الأحفوري المنتشر، وهو صورة شبحية للحظات الخلق الأخيرة، لانتظار تطوير تقنيات راديو مصممة ليس لاستكشاف ضخامة المكان والزمان، ولكن للهاتف.

لقد تغيرت بعض مجالات المعرفة البشرية في القرن بقدر تغير علم الكونيات، وقد غيّر هذا التطور رؤيتنا للعالم بشكل عميق. ولكن هل يجب أن تعكس علوم المستقبل دائمًا معرفة تجريبية أكثر مما كانت عليه في الماضي؟ في المقاييس الزمنية الكونية، قد يكون الجواب لا. نحن نعيش بلا شك في الحقبة الوحيدة في التاريخ الكوني عندما نتمكن من اكتساب فهم دقيق للكون.

لقد كان اكتشافًا ساحقًا، تم إجراؤه قبل أكثر من عشر سنوات، أثار تفكيرنا. أظهر فريقان منفصلان من علماء الفلك أنه على مدى الخمسة مليارات سنة الماضية، تسارع توسع الكون، الذي كان يعتقد أنه موحد، في الواقع. سيكون مصدر هذا التسارع في التوسع شكلًا جديدًا من الطاقة ذات طبيعة غير معروفة، والتي تتصرف على عكس الجاذبية: الطاقة المظلمة (انظر الطاقة المظلمة وبدائلها، بقلم G.Börner ، الصفحة 100). يشير معدل تسارع التوسع الكوني إلى أن الفراغ الكوني يحتوي على طاقة أكثر بثلاث مرات تقريبًا من جميع الهياكل والمجرات والعناقيد والمجموعات الفائقة للمجرات، بما في ذلك المادة المظلمة. ومن المفارقات أن ألبرت أينشتاين افترض أولاً وجود هذا الشكل من الطاقة بإضافة مصطلح في معادلاته للسماح للكون بأن يكون ساكنًا وهو: الثابت الكوني.

الطاقة المظلمة لها تأثير كبير على مستقبل الكون. مع غلين ستاركمان من جامعة كيس ويسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو، اكتشف أحد العلماء وهو لورنس كراوس (L.Krauss) آثارها وتأثيرها على مصير الحياة في الكون. التكهن ليست جيد. يصبح الكون المتوسع والمتسارع في توسعه، عاجلاً أم آجلاً غير مضياف للغاية: على الرغم من أن الحد الذي لا يمكن لأي إشعاع أو مادة أن يصل إلينا - الحد المسمى "أفق الحدث" - يتراجع بمرور الوقت، فإنه ينمو بسرعة أقل من الكون الذي لا يتمدد. يعني هذا الاكتشاف أن الكون المرصود لا يحتوي إلا على كمية محدودة من المعلومات، وبالتالي فإن معالجة المعلومات (والحياة) لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

قبل وقت طويل من هذا القيد من حيث المعلومات يشكل مشكلة، فكل المواد المتوسعة في الكون قد تم سحبها إلى ما وراء أفق الحدث. تمت دراسة هذه العملية من قبل أبراهام لوب وكينتارو ناجامين من جامعة هارفارد بواسطة عملية محاكاة حاسوبية. لقد أظهروا أن المجموعة المحلية من المجرات (درب التبانة وأندروميدا وسلسلة من المجرات القزمة) ستندمج في النهاية وتشكل مجموعة ضخمة من النجوم. ستختفي كل المجرات الأخرى في طي النسيان خارج أفق الأحداث. ستستغرق هذه العملية حوالي 100 مليار سنة، والتي قد تبدو لفترة طويلة، ولكنها قصيرة جدًا مقارنة بالخلود! كون يتجاوز إلى حد كبير أفقنا.

ما الذي يمكن لأحفادنا البعيدين - أو كائنات أخرى - الذين سيعيشون في هذه الكتلة الفائقة أن يفهموا من تاريخ الكون؟ للإجابة على هذا السؤال، دعونا نعود إلى أسس فهمنا الحالي للكون. الركيزة الأولى هي نظرية النسبية العامة لأينشتاين. لما يقرب من 300 عام، كانت نظرية نيوتن للجاذبية الكونية بمثابة الأساس لكل علم الفلك تقريبًا. تصف وتتنبأ بحركة الأجسام من مقياسنا إلى المجرات، ولكنها لم تعد كافيا لوصف الكون على نطاق واسع جدا. عالجت نظرية النسبية العامة هذا التحدي. بعد وقت قصير من نشر آينشتاين في عام 1916 لمعادلات النسبية العامة، حل الفيزيائي الهولندي ويليم دي سيتر المعادلات لنموذج مبسط للكون، يدمج الثابت الكوني. بدا أن أعماله تعيد إنتاج رؤية الكون المهيمن في ذلك الوقت: جزيرة - مجرة مغمورة في فراغ ثابت كبير.

أدرك علماء الكون بسرعة أن هذا الجمود كان تفسيرًا خاطئًا. في الواقع، كان عالم دي سيتر De Sitter يتوسع باستمرار. كما أظهر الراهب والعالم البلجيكي جورج لوميتر Georges Lemaître لاحقًا، فإن معادلات آينشتاين تتنبأ بعدم وجود الكون الثابت والمتجانس اللانهائي. مثل هذا الكون يجب أن يتوسع أو يتقلص. من هذه الملاحظة ولدت نظرية الانفجار الكبير، كما صرنا نسميها لاحقًا.

الركيزة الثانية أقيمت في 1920، عندما سلط علماء الفلك الضوء على توسع الكون. أول من لاحظ مثل هذه التأثيرات كان فيستو سليفر Vesto Slipher. قام هذا الفلكي الأمريكي بقياس سرعة حركة المجرات القريبة من خلال فحص طيفها الضوئي. مثلما تصبح صفارات الإنذار تقترب أكثر حدة، فإن الضوء المنبعث من النجوم التي تقترب من الأرض يقصر طوله الموجي. وبالتالي يتم تحويله إلى اللون الأزرق. على العكس من ذلك، تمدد موجات الضوء من الأجسام التي تتحرك بعيدًا، وبالتالي تتحول نحو الأحمر. من خلال قياس تحول مماثل في الضوء المنبعث من المجرات البعيدة، تمكن سليفر Slipher من تحديد أن كل هذه المجرات تقريبًا تتحرك بعيدًا (لقول الحقيقة، في ذلك الوقت، كان من غير الواضح ما إذا كانت هذه البقع الضبابية من الضوء مجموعات من النجوم المستقلة أو غيوم بسيطة من الغاز تقع في مجرتنا). بدا أننا في مركز حركة توسع عالمية.

لا يُعزى اكتشاف توسع الكون بشكل عام إلى سليفر، ولكن إلى عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل. لم يحدد هابل سرعات المجرات القريبة فحسب، بل حدد أيضًا مسافاتها. استنتج استنتاجين يبرران سمعته السيئة. أولاً، أظهر هابل أن هذه المجرات بعيدة جدًا بحيث يجب أن تكون مجموعات مستقلة من النجوم، تشبه مجرتنا. ثم اكتشف علاقة بسيطة بين مسافة المجرات وسرعة هروبها: وتتناسب هذه السرعة بشكل مباشر مع بعدها. مجرة واحدة ضعف ما تتحرك أخرى مرتين بسرعة. تشير هذه العلاقة بين المسافة والسرعة إلى أن الكون يتوسع (في الواقع، في سياق النسبية العامة، لا ينتج الانزياح الأحمر من سرعة التنقل الفعلي للمجرات، ولكن من التوسع من المساحة التي تحملها). الأركان الأربعة للانفجار الكبير:

تم تحسين قياسات هابل منذ ذلك الحين، مؤخرًا من خلال ملاحظة المستعرات العظمى البعيدة، مما أدى إلى اكتشاف أن التوسع يتسارع (وبالتالي فإن علاقة التناسب هذه لم تكن دائمًا ثابتة بمرور الوقت).

الركيزة الثالثة للنموذج الكوني هي الخلفية الكونية الإشعاعية الميكروية المنتشرة، وهو إشعاع ضعيف بالميكروويف اكتشف بالصدفة عام 1964 من قبل الفيزيائيين أرنو بينزياس وروبرت ويلسون من مختبرات بيل، أثناء دراسة مصادر التداخل الراديوي. تم تحديد هذا الإشعاع بسرعة على أنه من بقايا أقدم ضوء منبعث في تاريخ الكون. لقد كان تأكيدًا على أن الكون مر في مرحلة كثيفة وساخنة وأنه قد برد وخفف منذ ذلك الحين.

الركن الأخير من الانفجار الكبير هو تركيب النوى البدائي. كان الكون البدائي، الحار جدًا والكثيف جدًا، في ظروف مثالية لحدوث الاندماج النووي. عندما كانت درجة حرارة الكون تتراوح بين مليار وعشرة مليارات درجة، يمكن أن تندمج أخف النوى الذرية لتشكيل نوى أثقل. هذا التوليف من النوى الذرية يمكن أن يعمل فقط لبضع دقائق، قبل أن تصبح درجة حرارة الكون منخفضة للغاية. اقتصر التخليق النوى على العناصر الأخف. تم إنتاج معظم الهليوم في الكون في ذلك الوقت من نوى الهيدروجين (البروتونات)، تمامًا مثل الديوتريوم، أو الهيدروجين الثقيل. تتوافق قياسات نسب الهيليوم والديوتريوم مع تنبؤات نموذج التخليق النووي. هذا يدعم النظرية ويجعل من الممكن تحديد وفرة البروتونات والنيوترونات في الكون بدقة.

التوسع يمحو مساراته خلفه:

هل أعمدة المراقبة هذه خالدة؟ وبعبارة أخرى، ماذا سيرى علماء الفلك في المستقبل عندما يمسحون السماء في 100 مليار سنة؟ بالعين المجردة، سيرون نفس الشيء تقريبًا مثل اليوم: نجوم مجرتنا. ستستهلك أكبر النجوم - ألمعها - كل وقودها النووي، لكن مجموعة من النجوم الأصغر ستستمر في إضاءة سماء الليل. سيظهر الفرق الكبير من خلال المقاريب القادرة على الكشف عن المجرات خارج مجرتنا: لن يروا أيًا منها! ستكون المجرات المجاورة قد اندمجت مع درب التبانة لتشكيل مجرة ضخمة واحدة، وستختفي جميع المجرات الأخرى تقريبًا، بعد أن تجاوزت أفق الأحداث. لن يكون هذا الاختفاء مفاجئًا، بل تدريجيًا، بسبب النمو التدريجي للتحول الأحمر.

عندما تصبح جميع الأجسام الأخرى في الكون غير مرئية تمامًا من مجرتنا، لن يعيد أحد اكتشاف توسع الكون. ستختفي كل المادة في الكون الآخذ في الاتساع خلف الأفق، وكل ما سيبقى مرئيًا سينتمي إلى مجموعة ضخمة من النجوم المرتبطة بالجاذبية. بالنسبة لهؤلاء الفلكيين في المستقبل، سيبدو الكون المرئي بشكل مدهش مثل كون - الجزيرة في أوائل القرن العشرين: مجموعة كبيرة واحدة من النجوم، ثابتة وأبدية، محاطة بمساحة فارغة.

تظهر تجربتنا الخاصة أنه حتى مع المعلومات، يصعب تطوير نموذج كوني جيد. بين عامي 1940 ومنتصف الستينيات، على سبيل المثال، عندما اعتمد صرح علم الكونيات في الرصد فقط على اكتشاف توسع الكون، تمسك بعض الفلكيين بفكرة الكون الأبدي في اقتراح نموذج الكون الثابت وكان آينشتاين موافقاً على ذلك. في هذا السيناريو، يتم إنشاء المادة مع توسع الكون، بحيث، بشكل عام، لا تتغير كثافته بمرور الوقت. أثبتت هذه الفكرة أنها طريق مسدود، لكنها توضح أن المفاهيم الخاطئة يمكن أن تتطور في غياب بيانات الرصد المناسبة.

ما هو الدليل الآخر على الانفجار الكبير الذي سيحصل عليه علماء الفلك في المستقبل؟ هل ستسمح لهم الخلفية الكونية الميكروية باستكشاف ديناميكيات الكون؟ للأسف لا. مع توسع الكون، تمتد أطوال موجات الإشعاع المنتشر ويخفف الإشعاع. عندما يبلغ عمر الكون 100 مليار سنة، فإن متوسط طول الموجة للخلفية المنتشرة سيكون بترتيب متر - وهو ما يتوافق مع موجات الراديو بدلاً من الموجات الميكروية - وستكون شدته 1000 مليار مرات أقل. سيكون من الصعب للغاية اكتشافه. ستكون خلفية إشعاعية منتشرة لا يمكن ملاحظتها أو رصدها في المستقبل البعيد، ستصبح خلفية الميكروويف الكونية غير قابلة للرصد. في مجرتنا، تمتلئ المساحة بين النجوم بالغاز المتأين. لا يمكن أن تمر الموجات الراديوية منخفضة التردد عبر هذا الغاز: فهي تنعكس أو تمتص (بنفس الطريقة التي تنعكس في بعض الأحيان على الأرض بواسطة الأيونوسفير - بين 60 و800 كيلومتر فوق مستوى سطح البحر)، مما يسمح لاستقبال البث الإذاعي بالتضخيم البعيد بعيداً عن مصادره).

لا يمكن لجميع موجات الراديو بترددات أقل من كيلوهرتز واحد - أو ما يعادل أكثر من 300 كيلومتر - دخول مجرتنا. علم الفلك الراديوي تحت الكيلو هرتز يغدو من المستحيل داخل مجرتنا. في الوقت الذي يبلغ فيه الكون حوالي 25 مرة من عمره الحالي، سيكون طول الموجة للخلفية المنتشرة قد تجاوز 300 كيلومتر. هذا الإشعاع غير قابل للكشف لسكان مجرتنا. وقبل ذلك، فإن التفاوتات الصغيرة في درجة الحرارة في الإشعاع المنتشر، والتي وفرت معلومات مهمة لعلماء الكونيات، سوف تكون ضعيفة للغاية بحيث لا يمكن دراستها.

ستخضع مراقبة المجرات البعيدة لنفس القيود. سوف تجعل الأطوال الموجية المتزايدة للإشعاع المنبعث من هذه المجرات من الصعب ملاحظتها وستجعلها تختفي تدريجياً. سيصبح تحولهم إلى الأحمر بلا حدود مع اقترابهم من الأفق. حسب حساب لورنس كراوس L. Krauss و ج ستاركمان G. Starkman أنه سيتجاوز 5000 لجميع المجرات في غضون 100 مليار سنة (في الوقت الحالي، فإن المجرة البعيدة المعروفة لديها انزياح أحمر يبلغ حوالي ثمانية، والقاع الانتشار الكوني، من حوالي 1100). في غضون 10000 مليار سنة، سيصل التحول الأحمر لهذه المجرات إلى قيمة لا تحصى وهي 1053! في ذلك الوقت، سيتم تحويل الأشعة الكونية الأكثر نشاطًا إلى اللون الأحمر بحيث يكون طول موجتها أكبر من حجم الكون المرئي.

سوف تغرق العناصر البدائية في الكتلة. هل يمكن لعلماء الكون في المستقبل البعيد اكتساب المعرفة عن الانفجار العظيم بملاحظة وفرة العناصر الكيميائية المختلفة؟ مرة أخرى، على الأرجح لا. تستند صورة التخليق النووي البدائي الذي رسمناه إلى حقيقة أن نسبة الديوتريوم والهيليوم في الكون لم تتغير كثيرًا منذ إنتاجها، قبل 13.8 مليار سنة. على سبيل المثال، يمثل الهيليوم الذي يتم إنتاجه أثناء عملية تصنيع النوى البدائية 24 في المائة من الكتلة الكلية للمادة. على الرغم من أن النجوم تنتج الهليوم داخلها من خلال تفاعلات الاندماج النووي، إلا أنها لم تغير هذه النسبة بأكثر من نسبة مئوية قليلة منذ ذلك الحين. اقترح فريد آدامز وغريغوري لافلين من جامعة ميشيغان في آن أربور أن هذا الكسر قد يرتفع إلى 60 في المائة بعد عدة أجيال من النجوم. في المستقبل البعيد، سيغرق الهيليوم البدائي بعد ذلك في الهيليوم الذي تنتجه الأجيال المتتالية من النجوم.

حاليا، العلامة الأكثر موثوقية لدراسة التخليق النووي هي الديوتريوم. تأتي القياسات الأكثر دقة لوفرة الديوتريوم البدائي من مراقبة السحب الهيدروجينية المضاءة بواسطة النجوم الزائفة، ومصادر مشرقة وبعيدة للغاية، والتي سيتم تغذيتها من خلال الثقوب السوداء الهائلة. ومع ذلك، في المستقبل البعيد، ستكون هذه السحب الهيدروجينية، مثل الكوازارات، قد انتقلت إلى الجانب الآخر من أفق الحدث، أي إلى ما وراء الأفق الكوني، وبالتالي ستضيع وتغدو غير قابلة للقياس. يمكن ملاحظة الديوتريوم المجري فقط. ومع ذلك، تدمر النجوم الديوتريوم خلال دورة حياتها، لذلك لن تبقى سوى نسبة صغيرة. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو لاحظ علماء الفلك في المستقبل الديوتيريوم، فلن يربطوه بالضرورة مع الانفجار الكبير: التفاعلات النووية التي تنطوي على جزيئات حيوية كونية، يشتبه اليوم بأنها مصدر محتمل لجزء صغير من لاحظ الديوتيريوم، ربما سيشكل أصلًا أكثر احتمالًا أو مقبولية. بالتأكيد، في المستقبل، لن تمثل وفرة العناصر الخفيفة دليلاً مباشراً على الانفجار الكبير، ولكن بفضل هذا، ستختلف كوزمولوجيا المستقبل عن علم الكونيات منذ قرن على نقطة واحدة على الأقل: سيتمكن الفلكيون والفيزيائيون النوويون من استنتاج أن النجوم تحصل على طاقتها من التفاعلات النووية. وحتى إذا تخيلوا - خطأ - أن كل الهليوم المرصود هو نتاج أجيال سابقة من النجوم، فيمكنهم استنتاج حد أعلى لعمر الكون. وهكذا يمكن لعلماء المستقبل أن يستنتجوا أن الكون ليس أبديًا. لكن الأنساب من المادة سيظل محاطًا بالغموض.

ماذا عن الفكرة الكامنة وراء هذه المقالة، التي تتنبأ بها نظرية النسبية العامة لأينشتاين بأن الكون يتوسع؟ يجب أن يتمكن رجال المستقبل البعيد، مثلنا، من اكتشاف نظرية النسبية العامة من القياسات الدقيقة لظواهر الجاذبية التي تحدث في نظام النجوم الخاص بهم. لكن استخدام هذه النظرية لبناء نموذج كوني يعتمد على مراقبة الهياكل العظيمة للكون.

بدون التجانس، من المستحيل تطبيق النسبية العامة:

تتنبأ نظرية آينشتاين بتوسع الكون فقط على افتراض أنه متجانس على نطاق واسع - وهي فرضية يعارضها البعض أيضًا (انظر علم الكونيات غير المتجانسة، بقلم T. Clifton و P. Ferreira، الصفحة 106). على أي حال، بالنسبة لأحفادنا البعيدين، سيبدو الكون غير متجانس! كما ذكرنا، سيشبه كون جزيرة دي سيتر De Sitter المعزولة. ستنهار هذه المجرة في النهاية إلى ثقب أسود. سيكون هذا مصير الكون المرئي.

ألن يكون هناك طريقة لنسلنا لنرى توسع الكون؟ في الواقع، لا يزال هناك تأثير خفي للنسبية العامة يمكن أن يخون هذا التوسع: يجب أن ينبثق أفق الحدث عن إشعاع يتوافق مع درجة حرارة منخفضة بشكل غير عادي، حوالي 10-30 كلفن. حتى لو اكتشف الفلكيون المستقبليون هذا الإشعاع، فمن المحتمل أن يعزوه إلى مصدر محلي آخر للضوضاء. يمكن للمراقبين الطموحين أيضًا إرسال مجسات خارج مجرتنا واستخدامها كنقاط مرجعية للكشف عن التوسع الكوني. يبدو أن وجود فكرة مسبقة غير مرجح بالفعل، ولكن وضعها موضع التنفيذ أمر غير واقعي: ستستغرق المسابر مليارات السنين، على الأقل، للوصول إلى مسافة بحيث يؤثر التوسع بشكل كبير على سرعتها. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا للمسافة، سيحتاج المسبار إلى طاقة مماثلة لطاقة النجم لإبلاغ نتائجه.

وبالتالي، فإن مراقبي المستقبل سوف يتنبأون بلا شك بأن مصير الكون سينتهي في شكل انهيار محلي - أو "أزمة كبيرة"، بدلاً من التوسع إلى الأبد تحت تأثير الثابت الكوني. بدلاً من الموت بلطف، سيموت كونهم المحدود مثلما يحدث مع تحطم الطائرة.

تقودنا هذه الانعكاسات إلى استنتاج غريب للغاية: قد تكون نافذة الوقت التي يمكن خلالها للمراقبين الأذكياء تخمين الطبيعة الحقيقية لكوننا الآخذ في التوسع محدودة. إذا استمرت الحضارات المستقبلية في الوصول إلى أرشيفاتها التاريخية القديمة، فقد تكون هذه المقالة جزءًا منها. أنهم يعتقدون أنها قصة أخرى. أما بالنسبة للحضارات التي لا تحتوي على مثل هذه المحفوظات، فسيُحكم عليها بالبقاء في جهل الانفجار الكبير إلى الأبد.

ولكن ما الذي يجعل الكون الحالي خاصًا جدًا؟ اقترح العديد من العلماء أن حقيقة وجود الحياة تساعد على الفرز بين الأكوان الممكنة والقضاء على تلك التي لا تتوافق مع وجودنا. يفسر هذا "المبدأ الإنساني الأنثروبي" المصادفة الزمنية التي نوقشت هنا (انظر كون آخر ممكن؟، بقلم أ. ريازويلو، الصفحة 114). ومع ذلك، نقترح تفسيرًا مختلفًا.

من ناحية، من المحتمل ألا تكون هذه هي المرة الأولى التي يتعذر فيها الوصول إلى المعلومات حول الكون من خلال التوسع المتسارع. إذا حدثت فترة وجيزة من التوسع المتسارع، أو التضخم، في الكون البدائي، كما يعتقد اليوم، فإن جميع الأنماط والهياكل المتعلقة بالمادة والطاقة الموجودة تقريبًا كانت لا رجعة فيها تمحى في الكون المرئي الحالي. في الواقع، كان أحد الدوافع الأولية لنماذج التضخم هو التخلص من الشذوذ الكوني، مثل الأقطاب الأحادية المغناطيسية، التي ربما كانت موجودة بكثرة في الماضي.

من ناحية أخرى، على الرغم من أننا محظوظون للعيش في عصر تؤدي فيه الملاحظات والمشاهدة والرصد بشكل طبيعي إلى نظرية الانفجار الكبير، فإن جوانب أخرى من الكون ربما أصبحت غير قابلة للرصد اليوم. ماذا فقدنا بالفعل؟ لا يوجد ما يقال أننا لن نكتشف يومًا ما - هذه الرؤية المتفائلة، لأننا أيضًا لم نتمكن من تحقيقها أبدًا - أن فهمنا الكامل للكون على ما يبدو يترك شيئًا مطلوبًا أو مرغوباً.

هل تعلم؟

أدى تعاقب أجيال من النجوم إلى زيادة التعقيد الكيميائي للكون تدريجيًا. كانت النجوم الأولى تتكون من الهيدروجين والهيليوم، وهما العنصران المهيمنان في الكون. من خلال الاندماج النووي لأجيال من النجوم، يسمح اندماج الهيدروجين في ذرات أثقل (وجود أكثر من بروتونين في نواتهم) ما أدى إلى ظهور ذرات الكربون أو النيتروجين أو الأكسجين أو ذرات السيليكون.

 

د. جواد بشارة

 

صلاح حزامكانت قضية الحق والعدالة في السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، موضع نقاش لم ينقطع على مدى التاريخ الانساني المدوّن .

كتب عنها فلاسفة الاغريق والرومان وكتب عنها الفلاسفة والمفكرين الاوربيين ولكن لم يتم الاتفاق على مفهوم ومعيار يأخذ به الجميع .

لكن التطبيق الفعلي كان هو منطق القوة وفرض الارادات بعيداً عن قواعد الاخلاق او الرحمة وحتى بعيداً عن القانون الدولي.

لم يتفق البشر على مرجعية معينة يحتكم اليها الخصوم لتحديد الطرف الذي معه الحق.

وفي كتاب رائع بعنوان: الأخلاقيات والحرب من تأليف ديفيد فيشر، نجد استعراضاً ممتازاً لتطور مفهوم القوة والعدل والاخلاقيات في الحروب وفي فرض الهيمنة والنفوذ لعل ماجاء في كتاب المفكر الاغريقي ثيوسيديس عن الحرب البولينيزية، والذي تضمن عرضاً قوياً لمبدء "الواقعية المطلقة"، يمثل التأسيس لمبدأ اصبح ثابتاً في العلاقات الدولية.

عندما اراد الاثينيون احتلال جزيرة ميلوس، وجهوا الدعوة الى اهالي الجزيرة للدخول في حوار وحددوا شروط الحوار بأنهم لن يستخدموا كلمات رقيقة لتبرير عملهم على أسس أخلاقية لأن مايريدونه هو "مناقشة عملية" مع اهل الجزيرة.

واوضحوا لهم ان المناقشة العملية تعني ان مستوى العدالة يتوقف على المساواة في القوة.

بمعنى آخر، ان يقوم القوي بعمل ماتبيح له القوة ان يفعله. ويتعين على الضعيف ان يتقبل مايجب عليه عمله.

وهكذا فأن المناقشة سوف لن تكون حول الاخلاق بل حول ممارسة السلطة.

وقدم الاثينيون النصيحة لاهل الجزيرة بأن القاعدة الآمنة تقضي :

"بأن يقف المرء امام المماثلين له في القوة وأن يتصرف باحترام تجاه الاعلى منه وان يهدد من هم ادنى منه."

وعندما رفض اهل الجزيرة ذلك تم تدميرهم وتدمير جزيرتهم وابادتهم.

وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر تيار الواقعية الحديثة للرد على ماظهر من توجهات قانونية اخلاقية (قادها جورج كينان) للتعامل مع المشاكل الدولية، والتي أُعتبرت غير واقعية وتؤدي الى الفوضى لانها سمحت للنازيين باعادة تسليح المانيا وشن الحرب العالمية الثانية.

كان التوجه الجديد يلزم وجود مقاربة اكثر قوة، وقاده : هانز مورغنتاو.

وكان هناك اعلان واضح بأن رجال الدولة يفكرون ويعملون وفقاً لغاية تُعرف بأنها القوة.

وان الذي يحرك الرجال جميعاً هو " توق شديد للغاية للقوة". وان عالم السياسة هو حقل القوة وأن القضايا الاخلاقية تمثل رفاهية لايمكن لرجال السياسة الانغماس فيها "ولايمكن لأي رجل دولة ان يعرض دولته للخطر خدمة للعدالة".

ومادار من احداث في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية من حروب وغزوات واسقاط نُظم بالقوة ومحاصرة وعقوبات وتدخُّل في شؤون الدول، كل ذلك كان وفق منطق الواقعية الحديثة او منطق الحق يساوي القوة.

وأصبح تعريف السياسة بكونها : فن الممكن، اي السلوك والتصرف بواقعية.

اليوم تحاورت مع احد الاصدقاء الشباب الواعدين وهو طالب دكتوراه علوم سياسية، وكان الكلام حول التفكير السياسي السائد في العراق وكيفية فهم سياسيينا لقيود السياسة والعلاقات الدولية.

قلت له ان على الطبقة السياسية العراقية ان تدرك محددات وقيود السياسة الدولية وان تكون واقعية في تقدير مخاطر سلوكها وان تتوقف عن حالة الإنكار والتجاهل لما يدور داخل وخارج البلد.

أن الفهم القبلي والمنعزل سوف لن يقود البلد الى الخير والنماء.

هنالك دول عظمى وتكتلات كبيرة مثل الاتحاد الاوربي والصين وروسيا والهند تخضع للضغوطات وتكيّف سلوكها وفق منطق توازن القوى وحقائق التفوق الاقتصادي والعسكري .

العراق تحدّى امريكا والعالم في العام ١٩٩٠، وماذا كانت النتيجة؟ تدمير العراق تماماً ومن ثم احتلاله.

الآن البعض يحاول اعادة نفس التجربة ويتوقع نتائج مختلفة وهذا هو الغباء بعينه

 

د. صلاح حزام

 

 

احمد راضي الشمريتتوالى هجرة العرب والمسلمين الى الغرب منذ عقود طويلة. ومع استقرارهم هناك، يحرص الجيل الأول على نقل الثقافة الأم، وخصوصاً اللغة باعتبارها الوسط الناقل للثقافة، الى الأجيال الناشئة بدوافع شتى لا يسعها المقال. وللثقافة كما تعلمون معانٍ وأبعادٍ ومظاهر مختلفة ومتعددة تتفاعل مع بعضها وتؤثر في الثقافة بنسب متفاوتة وطرق متعددة. وتعتبر الثقافة من الأمور المعقدة- أي إنها تحتاج إلى فهم عميق، ومن مظاهر تعقيدها أنها تؤثر في الإنسان وتوجه تصرفاته وسلوكه بوعي أحيانا و بدون وعي أحياناً أخرى. ومن هنا فإن التعاطي معها ومحاولة استنساخها أو نقلها الى الآخرين يجب أن تتسم باتباع الطرق العِلمية والمهنية وشيئ من الحرفية والخبرة لكي تنجح عملية النقل. وتعد اللغةُ وسطاً جوهريا في نقل الثقافة إلى الاجيال الناشئة، إذ تعتبر اللغة من أبرز مظاهر وعناصر الثقافة وأهم وسيلة تنتقل الثقافة من خلالها. ولكن اللغة ليست حروفاً وكلمات وأصوات فقط؛ بل إنها نظام دقيق يتعلق بالواقع ويمتد اليه ويتأثر به ويتفاعل مع تفاصيل الناس اليومية وله روابط وثيقة بكل مايمت للمجتمع والحياة بصلة. ويتم اكتساب اللغة عادة وتعلمها من خلال طرق متعددة غير الدراسة والتعليم، منها قراءة الكتب والروايات والجرائد والمجلات ومنها التواصل المباشر ومنها متابعة الأخبار ومشاهدة الأعمال الإبداعية على اختلاف مصادرها ومواردها ومناشئها وكذلك الإنصهار بنشاطات المجتمع اليومية من أفراح وأحزان ومناسبات أخرى.

وأود أن أذكر هنا أن الموضوع/المقالة هو تجربة أو ملاحظات ذاتية شخصية لاتحتكر الحقيقية ولا تريد استهداف شخص ما أو مؤسسة معينة ولا تريد أن تلقي باللوم على أحد. ولكن الدافع للكتابة هو أن أُبرز لمن يريد أن يرى وجوهاً أخرى للتجربة وأن يراها بشكل مختلف لكي يكون عنده خيار أو اتجاه بديل إن أراد ذلك.

من الملاحظ إن الجالية العراقية الإسلامية، التي أكون منها، ركزت بشكل كبير وجوهري على حفظ الجانب الديني من الثقافة العراقية وأولته إهتماماً أساسيا من دون باقي النشاطات، وبالتالي فان اللغة تأثرت كثيرا بهذا الامر وباتت في كثير من جوانبها، عند الجيل الناشئ، متأثرة ومنفعلة بالجانب الديني،. وليس سراً اليوم بأن نقول أنه لايوجد في الجالية على أرض الواقع أي مؤسسة أو منظمة أو مركز، غير ديني. وليس سراً القول بأن نسبة كبيرة جداً من النشاطات السنوية هي نشاطات دينية، أو أن لها علاقة مباشرة بالدين بشكل أو آخر. ومن هنا فان اللغة عموماً، و برامج تعليم اللغة التي تم تقديمها للجيل الجديد خصوصاً هي في جوهرها لغة دينية تركز على تعليم النصوص الدينية، وأحيانا الفقهية على ما فيها من صعوبة للأطفال. ولا تغادر اللغة الدينية هذا المضمار الا نادراً حيث إن للأجواء الدينية طقوسها الخاصة ومحاذيرها المتشعبة التي تلزمها على الحركة ضمن حدود معينة. وحتى لو توسع الأمر وشمل استنساخا لبعض المناهج التدريسية المستعملة في داخل العراق، لكن يبقى تأثير تلك المناهج محدوداً وذلك نتيجة لسيطرة اللغة الدينية على الأجواء، وعندي من تجربتي أمثلة على هذا الأمر.

ولست أحاول هنا من التقليل من أهمية الجانب الديني/الروحي، فهو بلا شك جانب مهم للكثيرين منا ومنهم أنا شخصياً. كما أن المراكز قدمت خدمات معتبرة كانت قد ساهمت بسد احتياجات الكثيرين ولبت رغباتهم وحققت مطالبهم وذلك شيئ عظيم وخدمة مرجوة لها أهميتها. وكما تمت الإشاره أعلاه، فبالإضافة الى الخدمات الروحية والدينية قدمت هذه المراكز، على سبيل المثال لا الحصر، خدمة تعليم اللغة العربية في يوم واحد وهو يوم عطلة نهاية الاسبوع. وهذه الخدمة وإن كانت لساعات قليلة إلا انها ساهمت في تعلم أولادي من خلالها أساسيات اللغة وهي خدمة ثمينة تعتبر أساساً مهماً لا يمكن الإستهانة به.

إلا أن للثقافة وواسطتها الكبرى اللغة مفاهيماً عريضة واسعة وشاملة تتعدى الجانب الديني وتكبُرَه وتعتبره ركناً واحداً فقط أو جانباً فردياً له ماله من الأهمية طبعاً، بحسب المجتمعات وطبيعتها. وتتأثر اللغة بمظاهرٍ ثقافية أخرى مهمة وقريبة منها، كما أسلفنا، ومنها الأزياء والملابس الشعبية والمأكل والمشرب والإحتفالات الثقافية والعادات الإجتماعية. وتتأثر كذلك بالفن وأشكاله المتعددة من تمثيل وتلفزيون ومسرح وغناء ورسم ونحت ورقص وفلكلور وتراث. هذا بالاضافة الى النكتة الإجتماعية الساخرة والفكاهة وطريقة التعليق وسرعة البديهية أو عدمها والأمثال الشعبية والأساطير والروايات الخيالية والقصص وتعاويذ الأطفال وترنيمات الأناشيد الخ. وقد يُضاف إلى ذلك أيضا أبعاداً أخرى منها البعدين التأريخي والحضاري للأمة، حسبما تتعاطى معهما المجتمعات، ولا شك أن مجتمعنا العراقي في الداخل كان يولي هذين البعدين اهتماما ملحوظا ويحشرهما في لغته ولهجته الدارجة بشكل ثقيل. كل هذه الامور تؤثر في اللغة وتتفاعل معها وتعمل على ديمومتها واستدامتها.

فلا يمكن للثقافة العامة لمجتمع ما أن تنتقل عبر وساطة اللغة من جيل الى جيل دون الإنتباه الى هذه المظاهر أو العناصر الثقافية. ولا يمكن لها أن تنساب عبر الأجيال باستخدام لغة محدودة دون أن يختبر الجيل الجديد هذه المظاهر الثقافية ويفهمها ويدرك ماهيتها ومكانتها من اللغة خصوصا ومن والثقافة عموما. ولو حصل تقصير ما فإن تجربة الجيل الناشئ ستكون محدودة ومقتصرة على ما اقتصرت عليه. كما لا يمكن لأي لغة متكاملة من العبور عبر الأجيال مالم تتكرس ممارساتها بطرق منتظمة ومستمرة ومتواصلة وبشكل تضميني شامل . ولا شك بأن نقل الثقافة عن طريق اللغة في المغتربات هو مشروع كبير وعمل شاق وضخم له ماله من المنغصات والتحديات والمعوقات، ومن تلك والمعوقات ثقافة المجتمع المضيف بالدرجة الأولى. إلا أن نقل الثقافة عن طريق اللغة هناك قد يتعثر بشكل كبير إذا لم يكن هناك اهتمام جدي ملحوظ بمظاهر اللغة الثقافية كاملة وبما يؤثر في اللغة ككل دون إهمال اي مظهر منها، بما يتلائم طبعاً والثقافة الأصلية في الداخل.

ولقد كان لشدة التركيز على تطبيق وإعمال الجانب الديني من الثقافة وتأثر اللغة بهذا التركيز، دون الاهتمام بالمظاهرالأخرى، آثاراً واضحة على الجيل الناشئ في المغتربات. فمع الإقرار أن لكل جيل خصوصيته وصفاته نتيجة لما يتأثر به من بيئته المباشرة، إلا أن الملاحظ إن الاجيال الناشئة في المغتربات تجد صعوبة بالغة في التواصل مع أقرانها في الداخل. فمع كون اللغة واللهجة مشتركة طبعا، غير أن التواصل بين الجانبين يتميز غالبا بالصعوبة وعدم الفهم أو إساءته في أحيان كثيرة. أضف الى ذلك تطور المصطلحات والتعابير الكلامية عند الداخل والتي لا يستطيع ابناء الخارج فهمها بسهولة عوضا عن التفاعل السريع الذي تقتضيه الحالة في العراق. وبينما يعيش ابناء الداخل انكشافاً شاملا لكل المؤثرات التي تساهم في إثراء اللغة في الحياة اليومية من مدرسة وتلفزيون وواسطة نقل وحديث الجار والصديق، يقبع الجيل الناشئ في المغتربات مع فرصة أسبوعية واحدة لا تتعدى ساعتين أو ثلاثة إجمالا. فكيف يمكن لهذا الجيل أن يستطيع التواصل مع ثقافته بشكل فاعل، ولو بأدنى حد ممكن من الفاعلية؟

ومع تمكن الكثير من أبناء الجالية العراقية الإسلامية من فهم اللغة والنطق بها، بفضل المراكز الدينية، إلا أن ذلك لا يبدو كافياً بحد ذاته لضمان الإتصال الثقافي والتواصل الحواري/الكلامي مع أقرانهم من الداخل. إذ يتضح من خلال بعض التجارب إن الأمر لايكون مقتصراً فقط على تعلم اللغة بشكل محدود والنطق بكثير من كلماتها، بل يحتاج الى ماهو أبعد من ذلك. فلطالما يقع الأولاد في مشاكل تتسبب في قطع التواصل والإبتعاد عن الأقران نتيجة صعوبة في إيجاد وسيط لغوي فعال خال من الصعوبة. فطريقة الكلام ومادته وتفاوت الثراء اللغوي عند الطرفين لا يشجع على التفاعل الكلامي والتواصل المستمر بين الطرفين. هذا بالإضافة الى أن اللغة في الداخل تكون في تطور ونمو مستمرين وتتأثر وتزدهر وتتكاثر بالأوساط الأخرى المحيطة والمؤثرة،  بينما تقف اللغة هنا جامدة مقصورة على المجال الديني بشكل عام ولوقت قصير محدود.

ومن هنا تأتي أهمية فهم العنصر اللغوي في الثقافة العامة باعتباره وسطاً فاعلاً يحتاج إلى فهم ملائم وينبغي أن يتم التعامل معه بشيء من الواقعية والإبداع وأن يصار إلى مقاربته بشكل شمولي. ولابد من وقفة تقييمية جادة لكل المشاريع المتواضعة التي تعنى باللغة في جاليتنا. ومن هنا فإني أرى، وحسب تجربة ذاتية، ان يصار الى الانفتاح على ما كل ما يمكن له أن يثري العنصر اللغوي عند الجيل الناشئ ويحافظ على نموه وتطوره وازدهاره. بل ولا بد من الحرص أيضا على استدامة هذا الإزدهار من خلال فهم المسألة علميا وتجريبياً ومحاولة الإستفادة من تجارب الغير وباقي الجاليات التي تتعاطى مع عذا الأمر يأهمية ملحوظة.

ومن ضمن الخطوات المهمة في هذا الشأن يكون الانفتاح على الفن بكل أشكاله وعلى الثقافة العامة وعلى والتراث وكل ما يتعلق بهذه الأمور من أجل إثراء اللغة عند الجيل الناشئ وبالتالي حفظ التواصل الثقافي وزيادة فرص الإطلاع التي قد تساهم في إثراء اللغة ومفرداتها. فلابد لهذه الأجيال من أن تتعلم اللغة عن طريق المشاهدة والإستماع الى الفن المحلي بكل أشكاله الملائمة وأن ترتبط بتراثها الثقافي بكل ألوانه أذا ارادت أن تكون متصلة بالثقافة ألام وتتحدث لغتها دون عائق.

فمشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحضور المسرحيات وسماع الأغاني والإستماع الى الموسيقي والإنصات الى النكتة والفكاهة وتعلم سرعة البديهية كلها أمور تساهم في إثراء اللغة عند الجيل الناشئ، ولذلك تحتاج كل عائلة أن تهتم بها كما تهتم بباقي ألأمور. إذ إن هذه الامور ستساعد كثيرا في كشف مساحات جديدة من اللغة لاتستطيع المراكز الدينية والبرامج المحدودة فيها، لوحدها، أن تحققه.

ويتحقق التعرض لهذه الاشياء والتفاعل معها والتأثر بها عن طريق عدة وسائل من أبرزها وجود مراكز ثقافية واجتماعية تقوم بدور النشر والترويج المتواصل للثقافة الأم عن طريق إقامة المهرجانات والاحتفالات والفعاليات الثقافية ذات الطابع الفني والتشجيع على حضورها، حتى وإن كانت لثقافات مقاربة من داخل البلد أو لبلدان عربية مجاورة. هذا بالإضافة إلى المواظبة على مشاهدة الأعمال الفنية ذات العلاقة بالبلد/اللغة الأم من تلفزيون وسينما ومسرح وغناء ومعارض الرسم والنحت والأعمال الإبداعية الأخرى. إن الدور الذي يمكن لهذه الوسائل الآنفة أن تلعبه في تقوية المركب اللغوي وشد الجيل الناشئ بالثقافة الأم كبير وله آثار مباشرة وربما تكون سريعة في أحيان كثيرة.

 ومن هنا يأتي دور المؤسسات الأخرى التي تتكامل مع المراكز الدينية وتتعاضد معها من أجل العمل على تنمية مهارات الحديث والكلام وتقوية الإرتباط اللغوي وتعزيز الثقة الذاتية بالقدرة على فهم اللغة والتحدث بها بشكل سهل ومتقن. فَلَإن استطاعت المراكز الدينية من وضع الحجر الأساس للغة عند الجيل الناشئ، فإن الدور التالي والعبء الباقي يقع على المراكز الثقافية الأخرى في تحمل هذه المسؤولية. ولكن "الفراغ المؤسساتي" الذي تشهده الجالية العراقية الإسلامية وغياب المراكز الأخرى ذات الطابع الإجتماعي والثقافي لاينذر بطالع جيد لمستقبل اللغة عند الأجيال الناشئة.  فلقد أحدث هذا الفراغ وعلى مدى ربع قرن فجوة ثقافية كبيرة أدت الى إنفصال وربما إنفصام بين ثقافة ولغة المغتربات وبين الثقافة الام.

لقد آن الأوان أن تُشحذ الهمم وتُشمَّر السواعد من قبل المهتمين بهذا الشأن ومن قبل أصحاب الخبرة والمهنيين ومن له اهتمام بالجانب الإجتماعي والثقافي للجالية العراقية الإسلامية. وخصوصاً من له خلفية معتدٌ بها فيما يتعلق بالثقافة والفنون أو ممن له رغبة بالإستثمار في المراكز الإجتماعية وما يعرف بال النوادي الإجتماعية (social clubs)  والتي قد تساهم في سد الفراغات الثقافية وتعضيد التواصل الثقافي من خلال طرق متعددة بالاضافة الى دورها الفعال في الترويح عن النفس والصحة العقلية والبدنية بشكل عام .

 

أحمد راضي الشمري.

30/07/2020

 

سامي عبد العالفي غياب النقدِ الجذري، يتلاعب الوهمُ بالفكر كما تتلاعب الريحُ بأشرعة السُفن. ويتسلل إلى فضاء العقل من باب خلفي نتيجة الإيمان الساذج بلا رويةٍ. لذلك يتطلب الوعيُ قدرةً يقظةً على التساؤل وغربلة المعتقدات. أقرب الأمثلة إلى ذلك: أوهام الأيديولوجيات الدينية (كما لدى الإخوان والسفليين) التي تنتج الآراء كمسلَّماتٍ تُضفِي قداسةً على الأشياء مجاناً. حتى أنّها أسهمت في شيوع العنف نتيجة الطاعة العمياء لأمراء التنظيمات وانتشار فتاوى التكفير واستباحة الآخر.

من الأهمية بمكان في إطارٍ كهذا: أنَّ نناقش بـ" أدوات فلسفيةٍ " أبرز تصورات الإسلام السياسي ارتباطاً بالوهم. وهي مقولة " أستاذية العالم" التي وردت كثيراً في أدبيات الإخوان المسلمين وتمَّ تداولها بأشكال متباينة داخل عبارات اليقين الكلي والحقيقة المطلقة وهيمنة الاسلام على الديانات الأخرى. فهي مقولة خرجت دون عودة حيث الارتباط بالفكر المتطرف. تحديداً سأضع المقولة تحت التساؤل في محاولة لتفكيك معناها وجدواها وكشف الغاية من الخطاب الذي يبررها.

تدخل مقولة "أستاذية العالم" بأثرها السياسي "سلة الأخيلة الحركية" التي تضبط ساعة هذا التنظيم أو ذاك نحو تعميم العنف. ولا يفوتها الانغماس في تاريخ السرد الديني الذي يغطي على تشوّه الوعي بصورة العالم وتحولاته. ولعلنا ندرك أنَّ السرد كخيال حكائي ينتج حياة كاملة يعيشها أصحاب الأيديولوجيا بديلاً عن الواقع، فهو يلقي بسرابه على الماضي والحاضر والمستقبل. ولا تكتسب هذه العناصر أهميتها إلاَّ بالنسبة إليه. السرد نوعٌ من التنويم البلاغي للاستحواذ على كل شيء دون موضوع بعينه، فقد يكون السارد شخصاً عينياً (شيخاً أو قائداً أو أميراً أو مرشداً للتنظيم)، لكنه يرتدي عباءة الأشباح المارقة من التحديد.

الشعار والصراع

بناءً على الخلفية الشائكة بين الدين والسياسة، تندرج " أستاذية العالم " كشعار أطلقه حسن البنا المؤسس الأول للإخوان المسلمين، وقَصَدَ به هدفاً مرصوداً لا مجازاً هو: أنْ يصل الإخوان إلى مرتبة أنْ يكونوا جيلاً استثنائياً يعلِّم البشرية من أقاصي الأرض إلى أدناها، وأن يتبوؤوا مكانة عليا فوق أكتافها لا يهبطوا منها دون تدمير كل شيء. أي: أنَّهم سيكونون أساتذة حضارة لا يعرفون معناها ويعيشون ثقافة لا يعاصرون تطورها الراهن. وهنا تبلغ شأفةَ الطموح الخيالي درجة اعتبار العالم موضوعاً لأستاذية هو (أي حسن البنا) لبنتها الأولى، ثم جماعة الإخوان كغلافٍ رئيس، ثم الخلافة الراشدة كغلافٍ حصين لا يُخترق. لتتوالى الأجيال تنظيمياً على المنوال ذاته.

الوضع كالتالي: المؤسس الأول (حسن البنا وتباعاً المرشدون)، الأجيال المتتالية (رجال التنظيم ورموزه)، جسد الجماعة (المؤمنون العضويون) هيكل التنظيم (الفروع والخلايا والأسر) تمهيداً للدولة الإسلامية الكبرى التي تفتح قوس الإسلام إلى مداه. وبالتالي فالأستاذية خريطة تنظيمية رمزية تمارس دور الهداية والإرشاد والتوجيه والقيادة والتخطيط بالنسبة للعالم كله. يوجه البنا بوصلة أتباعه: إنَّ غايتكم أوسع، إنَّكم تريدون من هذا الشعب أمة نموذجيةً لتنسج على منوالها الأمم الشرقية جميعاً، وتريدون من هذه الأمم وحدة إسلامية تأخذ بيد الإنسانية جميعاً إلى تعاليم الإسلام[1].

تعرية المقولة السابقة تُوضح انطواءها على الكراهية إزاء العالم لا مجرد نمط من التعليم والقيادة والمثال المرن. هي تعدُّ جيناً وراثياً يحمل كلَّ أخطاء وانحرافات التيار الإسلامي في اختصاره للحياة والحقائق والتاريخ عبر شخصه الاعتباري. قصداً تشير المقولة إلى بارادايم يوتوبي paradigm utopian[2] يختزل العالم في صورة نمطية تساوي ما يعترف به الإخوان فقط تجاه الأغيار، وكأنَّ كلَّ أجناس البشرية وتنوعها المذهل من صنفٍ آخر يجب ملاحقته وتهذيبه وهدايته.

وهو اعتراف ضمني بكون العالم يغط غطيطاً في جاهلية حاضرة على حد تعبير محمد قطب (جاهلية القرن العشرين) [3]. والاختزال صورةٌ من العنف المبطن بالنظر إلى سواهم بوصفهم تلاميذ، إذن العالم مجرد جغرافيا تعليمية ممنوحة مجاناً لأعضاء التنظيم. وعليه أنْ يمتثل امتثال طاعة – دون أسبابٍ - إلى خلافة الجماعة المتعاقبة. وكأن الخنوع هو البضاعة التي يبذلها غير المسلمين للجماعة حتى ينالوا النجاة والإفلات من حراب الكراهية.

الامتلاء المزَّيف

الوهمُ لدى التنظيمات الإسلامية احدُ إفرازات المقدس في الفضاء العام، إذ يُشكِّل استعماله المتضَّخِم وَقُوداً سريَّاً ضمن ما تَعْتقِد وتُمارس. عندئذ لا تتغذى على أثره العقول فقط، بل رؤى العالم والاجتماع والتاريخ. الأوهام تحديداً كالخميرة المختلطة بحواشي اللغة والفهم والتلقِي رشْحاً في متون العبارات المتداولة. وقياساً على مصفوفة فرنسيس بيكون[4]، فالوهم الذي نحن بصدده ينضم إلى أوهام المسرحtheatre of the idols المعْنيَّة برسم صورتي العالم والحياة بحسب الأهواء واليقين الفارغ من محتواه. وإنْ لم تكن هناك مبالغةُ، فلربما الأمر أبعد من ذلك، إنَّه يكشف: كيف يمارس " العضو الحركي " حياته داخل التنظيم الديني؟ وبأية أشياءٍ سيُؤمن؟ وماذا ستكون صورةُ المستقبل لديه ؟ وما مصير العالم؟!

لأنَّ ما يُقام على سرديات جماعيةٍ أساسها غير عقلاني (السرديات الكبرى بلغة فرانسوا ليوتار)، سيفرز مزيداً من الدفع باتجاه الامتلاء المزيف. وبعض الأوهام لا تكتفي بوجودها الطلق، أنما تكمل المشهد بصورٍ من لونها. فالجزاء الرمزي من جنس العمل إذا كان مرتبطاً بمرجعية رمزيةٍ كالدين حين يُستعمل في غير موضعه. وكذلك دلالة الشعارات من جنس التضخم المفترض حين ينفخ في منطوقها، وعندما ينجر وراءها الأتباعُ والمناصرون بلا طائل. حيث يسبب الوهم تشوُّهاً حسيَّاً نتيجة الإيمان المبالغ فيه بأفكار ليست كما هي على وجه الحقيقة.

بالتقريب يعطي الوهمُ illusionالأشياء المُعْبَر عنها فائضاً من القوة غير المباشرة، وهي إضافةٌ خياليةٌ فوق الحاجة إلى حدِّ الخداع. إنَّ أوصافاً لاهوتية تستعملها الحركات السابقة مشبعةٌ بهذه السمة، بدءاً من تصوراتها الكونية العامة ورؤاها للعالم وانتهاءً بأسماء جماعة أو أخرى: النُصرة، جماعة الجهاد، أنصار الشريعة، الجماعة الإسلامية المقاتلة، السلفية، السلفية الجهادية، التكفير والهجرة[5].

كذلك الوهم يعلق العبارات اللاهوتية المسيَّسة (الأسماء – المقولات – الشعارات – الخطابات) في هواء دون عنايةٍ بالسياق ولا بقُواه الفاعلة. فإذا كانت العبارات تُعين هدفاً كما ترى، فإنَّها تُضمر كماً من الالتواء الساذج. بحيث تناطح وجوداً موهُوماً، سواء أكان مُقزَّماً أم فعلياً يغفل الإسلاميون حجمه. وعليه ستأتي ممارسات هؤلاء المتطرفون مجافية للإنسانية، كما أنَّها عنيفة بقدر امتلائها بالفراغ في تكوينها الحي... وقد تنتهي إلى تعامل أبلَّه مع القوى العالمية التي تحركها!!

توضيحاً لهذا، يُطلِّق أقطابُ الإسلام السياسي على أمريكا وصف " الشيطان الأكبر"، بينما هم يدركون (أو لا يدركون) أنَّ الدولة المذكورة تستخدمهم كالقفاز لأجل أغراضها في المنطقة العربية الإسلامية. وأنَّ أمريكا تخترق الحركات السابقة، وترسم لها (محطات) هي من صميم الوضع التنظيمي لأية جماعةٍ. وتكشف العبارة الواصفة فشل تقديرٍ بعيد التأثير، لأنَّ الحركات الإسلامية بعتادها الجسدي العاري (الأحزمة الناسفة – القتال بالجسد – هياكل التنظيم - الخطابات الدموية الغرائزية) تعادي إمبراطورية عسكرية عابرة للحدود. وباستطاعة الأخيرة التلَّهي بصراعاتها كالألعاب الالكترونية. وفي أقل الأحوال مثلها مثل القرود ترقصُ رقصات البهلوان أمام وحش عولمي مفترس اسمه امريكا!!

تفكيك المقولة

ثمة تناقضات تغمر المعاني التي تُصدِّرها فكرة " استاذية العالم "، فلا تستطيع إخفاء مضمونها اللاهوتي. مضمون يتوكأ على أبعاد غير إنسانية تدهس من يقف في طريقها. وتتحين الفرصة للقفز فوق أكتاف المخالفين لتوجهاتها. في أغلب الأحيان هي ضد أي سياق جديد، فالكهانة البدائية لا نهاية لها ولو في أهاب إسلامي يرفضه الاسلام ذاته.

أولاً: تترك المقولةُ نبرة أسطوريةً ذات طابع كلي. فلا توجد دلالة محددة لصيغة (أستاذية العالم) ترتبط بالواقع. ولئن احتاج الفهم سياقاً نصياً يجعل الكلام واضحاً، فالغموض آتٍ من كون اللغة – بهذا الطرح - سحرية لا تختلف عن لغة القبائل البدائية في مخاطبة الكائنات والنجوم والآلهة. بل يصعب تصنيف الكلام في حيز اللغة المعروفة. فهل المقولة عبارة أم جملة أم كلمتان منفردتان وتجتمعان وظيفياً. ثم عندما نريد توضيحاً ينبغي ربطهما حتى يتسق الوضع.

ومن تلك الزاوية تعد المقولات الإسلامية الحركية تكتيكاً استعارياً Metaphorical technics يفرِّغ مضمونه العنيف في خريطة المآرب المبتغاة. وإذا كان الخطاب المبرر لها غير قابل للتصنيف، فلأنَّه مسيَّس بمجمله. إنَّه من فصيلة شعارات: الإسلام هو الحل، لا شرقية ولا غربية... إسلامية.. إسلامية، القرآن دستورنا، العالم الكافر، التمكين، أسلمة المجتمع، أخونة المؤسسات، العودة للعصر الذهبي، السلف الصالح.

لنلاحظ أنَّ " المقولات الحركية " شفرات لنصوص كاملة تجر بعضها أمام أية محاولة للقراءة (بما فيها مؤلفات التكفير وفقه إراقة الدماء والصراع وجز الرقاب وسبي النساء وتدمير المجتمعات وهندسة العقول والمشاعر للجهاد) . وهي تضمر ترسانة تأويلية تناصب أفق العقل العداء خشيةَ الإفلات من أنيابها الدلالية. حتى إذا جاءت في موضع التراشق بين الفُرقاء كانت بمثابة شفرات تفك ألغاز التنظيم ومعتقداته. إنَّها بمفهوم كارل ياسبرز – مع الاختلاف الفلسفي بالطبع – شفرات ورموز وجودية existential cods يُقرأ في ضوئها الإنسان معاني أخرى للمواقف والأفكار[6].

ثانياً: أستاذية العالم عبارة عن صك ممنوح مجاناً لكل إخواني للتعامل بتعالٍ تجاه الآخرين. المفترض- هكذا تؤكد المقولة - أنت الأستاذ، أنت السيد (تأويل للآية: يا أيها الذين آمنوا لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إنْ كنتم مؤمنين)، أنت المالك للمقدس، أنت الوارث للأرض. وهنا ليس يخفي على القارئ ظلالها الدجمائية dogmatic التعصبية التي يتعثر فيها الإسلاميون بمجرد أنْ يخاطبوا آخرين.

وسرعان ما يتحول مضمون المقولة إلى سكين لإلغاء أي محاور، وهي لا تختلف في خشونتها عن أية أداة إرهاب يلاحق بها المتطرفون خصومهم. والحقيقة أنَّ حسن البنا المؤسس الأول للإخوان هو من سبق إلى صنع " المتفجرات اللفظية "[7] في يد التنظيم. وكانت عباراته كحال السابقة محض هراوة غليظة تدق رأس الآخر. وليس صحيحاً أنه كان متسامحاً أو داعية مفوَّهاً يربي الرجال قبل الأفكار كما قيل عنه بصدد (مذكرات الدعوة والداعية) . لقد كان يدرك مساحات الوهم لدي قطعان التنظيم، فما كان منه إلاَّ أن أدرك " العُشب الشعوري" الذي يمد هذا الوهم بأسباب الحياة، ضارباً في عمق الصراع الخفي بين الثنائيات (الكفر/ الإيمان، الغرب / الشرق، الفضيلة / الرذيلة) .

والمعروف أنَّه طالما تحل اللغةُ محل الواقع بحجم المنطوق الدلالي للعبارات الكبرى macro phrases، فالباقي (الناقص) من المساحة يخضع للانقياد الجماعي. أي ينشأ الحشد الفوضوي بمجرد أن يُفْرغ الكلام ذهنية أعضاء التنظيم. فالتوازن يميل حينئذ لصالح ما يُطلق من أوامر لا إلى واقعٍ. وتدريجياً يستبدل الواقع ذاته بأحاسيس ورغبات جماعية لها الأولوية فوق أي شيء. ومع التربية العامة داخل التنظيم الديني تتجسد الرغبات في أشكال بديلة هي مآرب التنظيم ومصالحه بصرف النظر عن صحتها أو نجاحها من عدمه[8].

بدليل أنَّ حسن البنا نفسه أُطلِّق عليه لقب (الأستاذ الإمام)، وربما لا يجد القارئُ مفراً من التعجب إزاء وصف كهذا. أيُّ أستاذ إذا كان القائم به منغلقاً على كهف التنظيم كحاضنةٍ لذهنيات صماء؟! وبخاصة أنَّه لم تخلو أجيال الإخوان على التوالي من هذه الذهنيات. حتى بلغوا الذروة حين آلت إليهم السلطة عقب رياح الربيع العربي عام ألفين وأحد عشر كما جرى بمصر على سيبيل المثال. حيث وجدوا أنفسهم في سدة الحكم جاهلين تمام الجهل بطبيعة المجتمعات التي يحكمونها. وكان ذلك مدعاة للتخبط والاستبداد والتلاعب بتوظيف المقدس وتسييس الغرائز الجمعية واستغلال أحلام البسطاء ومعتقداتهم.

وبآلية التبرير الذاتي داخل كلِّ جماعة مغلقةٍ، كان التأويل جاهزاً وحتمي اليقين، حين اعتبر الإخوان وصولهم إلى كرسي الحكم مكراً إلهياً لتمكينهم من زمام السلطة في كل دولة على حدة (الآية: ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) . وكأنَّ دورة التاريخ آلت إليهم بطريقة هيجل (مكر التاريخ)، فتأتي الفرصة لتنصيب جماعة انتظرت ثمانين عاماً تحت الأرض للخروج بالأعلى. وعلى غرار أستاذية العالم لم يدركوا أنَّ العالم ليس كما هو في سنواته القريبة إنما يتغير بأسرع مما نتوقع، وأنه لا يسير وفقاً لمعادلات بعيداً عن سياقه.

ثالثاً: مقولة الأستاذية لا تُفهمنا عن أي عالمٍ تتحدث. وهي لحظة خيالية نتيجة التشبع بالرغبة في طقوس الوهم. أحياناً عندما تصبح الثقافة الدينية معتمدةً على سلطة الصوت، فلن يكون مقدار اليقين إلاَّ أمواجاً صوتية ليس أكثر. وسيكون رجع الصدى هو المحدد لطبيعة التصورات التي يطرحها صاحب المقولة وتباعاً الناطق والمردد لها.

ولذلك كانت مشكلة الإخوان ومازالت هي الترديد الأعمى لمقولات مرشديهم بلا نقد. وباتت التقاليد الصوتية أهم من الوقائع والأحداث. لكن ليست هذه هي القضية في حد ذاتها، إنما القضية فيما تؤدي إليه من ذهنيات عاجزة عن تفهم الاختلاف وقبوله. لقد كان أعضاء الإخوان- كأعضاء الجماعات الإسلامية الأخرى - أحجاراً على رقعة الشطرنج يتم التلاعُب بها سواء أكان بواسطة قوى داخلية أو قوى عولمية خارجية. والتنظيم الديني أيا كانت مسمياته قريب الشبه جداً بكتلة كاتمة للصوت ضد التنوع والتحرر. إنَّ قانون جاذبيته ليس لتحولات التاريخ، إنما لنشاط اللغة المتضخم. ومن السهولة بمكان أنْ تصبح الشعارات والعبارات بمثابة الثقل الرمزي الذي يزن به العقل ذاته بأساليب غير عقلانية بالمرة.

رابعاً: قد يُفهم من المقولة هذا التماهي بين الإسلام والجماعة طالما أنَّ الأخيرة هي التي ستُصدِّر أستاذية العالم[9]. لكن هذا الخلط ضد الإسلام نفسه، لأنَّ الدين اعتقاد خارج الأشكال والرسوم المشخَّصة. وفي حالة الادعاء بامتلاكه فقد تم القضاء على فكرة الإيمان والحياة والدين ذاته. ناهيك عن بث الفكرة الخطأ بكون الإنسان عاجزاً عن التفكير خارج القوالب الجاهزة.

الإخوان حملوا - بهذه السمة - بذور أغلب الجماعات الدينية المنشقة عنها. وكانوا الحاضنة الضرورية بحكم التكوين الفكري والمفاهيمي لتنظيمات أشرس مثل داعش والقاعدة وجبهة النصرة وبوكو حرام. وطالما كان للرحم مواصفات عنيفة، فماذا نتوقع من الأجنة اللاحقة ؟ فالأعضاء كانوا يدخلون الجماعة بحساسية أستاذية العالم، وحينما لم يجدوا ضالتهم المنشودة، كان خروجهم إلى تنظيمات أكثر عنفاً هو الاحتمال الأقرب. لأنَّ شحناً دلالياً للخطابات الشفاهية لن يفرِّخ إلاَّ مفاهيم شمولية كقنابل موقوتةٍ. وسيبحث حاملُّوها عن بشر جدد يفجرونهم تطبيقاً للحقل الدلالي للمفاهيم، مثل الجهاد ودار الحرب والقتال. تطبيقاً لذلك كان البنا يتساءل دوماً إزاء أعضاء جماعته: " هل أعددتم أنفسكم بحق لتكونوا القُربان التي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانتها؟ "[10]

خامساً: تنطوي مقولة أستاذية العالم على تضييع المعايير. لأنَّها تستند إلى مرجعية تخالف موضوع الحكم (العالم) . فالمعيار لاهوتي بينما الموضوع إنساني حضاري له قدراته الجديرة بالاعتبار. والأمر شبيه تماماً بمن يقيس المادة الصلبة بمقاييس الماء السائل. ولذلك سيكون الناتج مزيداً من إساءة الفهم لطبيعة المادتين. من جانب تالٍ، فإنَّ المقولة هي الخصم والحكم نظراً لكونها ذات بُعد قيمي بالمقام الأول. وفي تلك الحالة، سيكون الحكمُ أخلاقياً بينما قوانين التغير والتطور معرفية وعلمية ومادية. أي هما من جنسين مختلفين، وبالتالي لن يلتقي معنى المقولة مع ما تطرحه من أفكار (أي المعنى مناقض للمنطق) .

سادساً: إنَّ غذاء مقولة أستاذية العالم هو ذلك" الحشو العاطفي" لا أكثر. ومن ثمَّ فإنَّ رومانسية الفهم بطريقة الإيمان الديني هي البذر الميتافيزيقي لأغلب شعارات الإسلام السياسي. بما فيها مقولات التعالي اللاهوتي (الإسلام يَجُب ما كان قبله، تأويل الآية: ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) على سائر الديانات الأخرى[11]. لكن الانتقال غير المبرر هو القفز من اللاهوت إلى الحضارة والثقافة. أي أنَّ كل ما دون الإسلام لا قيمة له، لينسحب الأمرُ على الحضارة والمعرفة العلمية. والقفزة بالتالي غير منطقية، تربط ما لا يجتمعان معاً (الدين والحضارة) ولا يفترقان معاً.

ونحن نعِي أنَّ أفكاراً مبنية على رومانسية الرؤية قد تنقلب إلى نقيضها تماماً، لأنَّها بُنيت على غير أساس إلاَّ من امتلاءٍ نفسي داخلي. وهذا يفسر الكراهية البالغة لكل ما هو غربي من قبل الإسلاميين. وهي كراهية تمثل ردود أفعال لما يُعبَّأون به من هوام الشعارات والمقولات حتى الثُمالة.

سابعاً: أستاذية العالم هو الوجه الآخر للتكفير، فمادام الغربُ ضالاً ويحتاج أستاذية من نوع خاصٍ يلبيها الإخوان المسلمون، فإن تلمذته تلمذة فسوق وعصيان وخروج عن الملة. فهم تلاميذ خارج حدود الشريعة ... أي هم كفار يعوزهم مرشدٌ للدخول إليها. ومن باب أولى طالما أنَّ الغرب كذلك، فهناك من الإسلاميين من يكّفر المخالفين في الدين والثقافة والفكر.

إذن الأستاذية هي آلية لإعادة الغرب إلى حظيرة الإسلام بشروط تنظيم الإخوان، أي إعادته وهو صاغر مُذعن لشروط تأهيله وتهذيبه وإصلاحه. إنَّ الوضع أشبه بلعبة الأطفال عندما يصطادون الحشرات والزنابق وتأهيلها مرة ثانية للطيران. وضع يدعو للسخرية لأنَّ أستاذية العالم تجهل أية لعبة تنخرط فيها إلى ما لا نهاية. كما أنَّ الجماعات الدينية لن تمتلك المؤهلات الحضارية الإنسانية - على افتراض صحة ذلك - للدخول في مسابقة تعليم العالم الحياة والتمرن على طقوس دينية للتعاطي مع الإله كيفما يريد المسلمون.

ثامناً: على المدى البعيد ستحول مقولة الأستاذية أقاليم العالم إلى ساحات حرب وقتل وتدمير كما فعلت داعش وهذا ما حدث ومازال يحدث. كانت ممارسات الدواعش تطبيقاً حرفياً لأستاذية دموية من صنفٍ عتيد في التراث. ومن هُزال التخيل وجود (مجتمعات) متقدمة تعطي نفسها وأسرارها مجاناً لأستاذية باسم الدين. ولاسيما أن أستاذية الإخوان ستذهب إلى عقر ديار الغرب. وبالنتيجة سنعود إلى عصور غابرة من " نفير الحروب " المتبادلة في الأزمنة الأولى، وستُحيي صراعاً أجوف بين الشرق والغرب دون مبرر[12].

تاسعاً: تجسد المقولة حالة " القابلية للانخداع الذاتي "، وهي تُتاح نتيجة الفهم الساذج لمجريات الأمور، وانعدام القدرة على بناء المفاهيم والثقافة العقلانية. فالقوانين الفكرية التي تمخر عباب الزمن لن تتأتى بمجرد إطلاق الوعود، لأن حصانتها الخاصة خارج طرق عملها وبمنأى عن السياق. فالضمان المقدس للتصديق والتمكين كلُّحمة في ذهنية الإخوان، كفيل بإفشال أية أستاذية لو تحققت. ولذلك فإنَّ أخطاء الإسلام السياسي قاتلة، لأنَّ نسبة الوهم داخلها أكثر من الحقيقي وهو ما ينعكس على طريقة معالجتها. فالأخيرة تحتاج البدء من نقطة الصفر، إعادة التأسيس بخلاف مجمل البناء القابل للانهيار في أية لحظة.

عاشراً: تعني مقولة أستاذية العالم التراتب المنافي لتنوع البشر والاختلافات بينهم. فليس هناك ما يُسمى بأستاذية تأخذها جماعةً صاعدة فوق شعوب أدنى. وإلاَّ فالسؤال الرئيس كيف ستتحقق الفكرة؟ ما هي آلياتها؟ وهل يصح في مضمار الحضارة إدراج شعب كأستاذٍ لآخر أم أنَّ شُروطاً موضوعية أسست لبناء تقدم حضاري؟

في تلك الحالة لا تُسمى الأستاذية كذلك إلاَّ بمدلولها الإقصائي. لأنَّ هناك تنوعاً بشرياً يدعو الإنسانية للمشاركة في التطور بخلاف كل ما يميزهم عن بعضهم البعض. وليس أوضح من دعوة الحضارة الغربية المعاصرة لشعوب العالم للإسهام في تطوراتها. إذ يصعب القول إنّ أوروبا و أمريكا فقط هما المحتكران لها. فهناك أدباء وعلماء ومفكرون - من كافة المجتمعات - استطاعوا أنْ يعيشوا مناخ التنوع، فأسهموا بطريقة أو بأخرى في نهر الحضارة العالمية. كما أننا كشرقيين لسنا منفصلين عن الحضارة الجارية، إنما نحيا عبرها ونحن جزء من وجودها المترامي الأبعاد.

حادي عشر: مقولة (استاذية العالم) إساءةُ فهم وقراءة لنصوص الدين الاسلامي. فالآية التي تقول (وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين) تنفي أن تكون هناك هيمنة نموذجية يطلق عليها استاذية بمعناها اللاهوتي. والخلط المعيب لا تخطئه العين بين مفهوم الإيمان القابل للاتساع والانفتاح بلا حدود، وليس مفروضاً أن يأتي كما نؤمن نحن ولا يتحقق كما نتصور وهذا مرهون بحرية الأفراد الشخصية على الاعتقاد من عدمه، وبين شروط الحياة التي تتأسس بحرية المجتمعات وابداعها وقدرتها على بناء حضارة متطورة.

إنَّ تعميم الآية هو تعميم بقدرة الانفتاح والتسامح دون قهرٍ ولا عنف، حتى لو لم يكن هناك من يؤمن بما يؤمن المسلمون. والدعوة عامة في إطار مخصوص لا يبلُغ كل العالم وإن تطلع إليه. نسيان تلك التفرقة يجعل الجماعات الاسلامية يحملون هوس ربط الآخرين بما تستطيع من صراع معهم. ويدفع المتدينون لحمل مسؤولية لا تقع على عاتقهم قبل أنْ يتركوا الآخرين وشأنهم.

 

سامي عبد العال

...........................

[1]- حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، مكتبة آفاق للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الأولى 2012. ص 294.

[2]- إذا كان البارادايم يمثل- داخل التاريخ العلم - نموذجاً موجِّهاً لمجال المعرفة نحو تفسير الظواهر وحل المشكلات. كما يقول توماس كون، حيث يشكل انهياره ثوره في عالم المعرفة بموجب أنه لا ينهار إلا بفضل نموذج جديد new paradigm أكثر تطوراً وقدرة على التفسير.

Thomas S. Kuhn, the Structure of scientific Revolutions, International Encyclopedia of Unified science, Volume 2, University of Chicago, Second Edition, 1970. P152.

لكن مع وجود الدين يكون النموذج يوتوبياً لأنَّه اسكاتولوجي، أي سيكون ذا طابع أخروي غسقي. فأستاذية العالم المترتب عليها وجود نموذج إسلامي مكتمل سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً ستكون مادة نهائية لختم ميتافيزيقي لا رجعة فيه، ويساوي فكرة (نهاية التاريخ وخاتم البشر) .

فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى1993. لكن توقيع الإخوان على هذا النموذج سيتم بموجب امتلاك الأخرة والإله والجنة والنار. وهو من تلك الجهة يمثل دجما حاكمة للأفعال الجزئية ويهدر السياق ويغدو صالحاً لكل زمان ومكان.

[3]- مشكلة هذه المقولة لدى أقطاب الحركات الإسلامية: أنها أداة لتجريد الغرب من كل تاريخه الذي يشمل الثقافة والفن والأدب ونمط الحياة والسينما والإبداع الفكري والفلسفات ونظريات النقد. وعندما يصف الإسلاميون كافة تلك الأشياء بالجاهلية، فقد أرجعوا الحضارة الغربية المزدهرة إلى درجة الصفر. بل هم يهدفون ضمناً إلى نزع أنيابها كي تمسي لقمة سائغة أمام جحافل الجهاديين والاستشهاديين. ولذلك حاول محمد قطب التنظير للجاهلية كمصطلح قابل للتواتر طالما أنَّ موضوعه غير الإسلامي متوافر ولاسيما داخل الثقافة الغربية. الحضارة الغربية ليست إسلامية ولن تكون. إذن هي تجدد دلالة الجاهلية المعاصرة وتنتج ضرباً منها في صلب القرن العشرين. محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، دار الشروق القاهرة الطبعة الثانية عشر 1992. (أنظر: الفصل الأول) .

[4]- اهتم بيكون بتصنيف الأوهام التي يقع في خداعها العقل الإنساني، فتحدث عن أربعة أوهام أو أصنام idols لا يستطيع العقل أن يتخلص منها بسهولة دون نقد جذري لطبيعة التفكير. والأوهام هي: أوهام الكهف Idols of the Cave (المعرفة الذاتية)، أوهام القبيلة Idols of the Tribe (المعرفة والمعتقدات الجمعية)، أوهام السوق Idols of the Market Place (المعرفة المتداولة)، أوهام المسرح Idols of the Theatre (رؤى العالم والحقائق) . وفي هذا الإطار كانت فلسفة بيكون مرحلة مهمة لتقدم الفكر العلمي وظهور الحداثة الغربية كما أشار كل من باولو روسيRossi وتشارلز ويتنيWhitney . وقد حلل المؤلفان كيف أخرج بيكون الفكر الغربي من المرحلة الأسطورية إلى الحداثة، وهي مرحلة يحتاجها كل فكر أسطوري كما هو شائع لدى الأيديولوجيات الدينية.

- Rossi, Paolo, Francis Bacon: from Magic to Science, Translated by Sacha Rabinovitch, Chicago: University of Chicago Press, 1968. P23.

- Whitney, Charles, Francis Bacon and Modernity, New Haven, CN: Yale University Press, 1986. Pp 143 - 150.

[5]- الأسماء الواردة من قبيل ضرب الأمثلة لا الحصر. وبالتوازي لا توجد جماعة إسلامية واحدة تخلو من وهم يمرح ويعربد بأدمغة أعضائها. لأنها تتكون على عَجلٍّ بين يوم وليلةٍ كأنها مرسومة سلفاً دون ترددٍ. وهي تتبني دوماً مآرب حركيةً على الأرض نتيجة فتاوى خاطفة ونتيجة صراع بنيوي في المفاهيم والآليات وتسييس الطقوس والشعائر. كما أنَّها تُعلن منذ يومها الأول حرباً على المجتمع إنْ لم يكن العالم كله. ومع وجود الواقع الافتراضي الذي يضاعف التأثيرات الصوتية تأتي الرسائل من الجماعة الوليدة تواً كما لو كانت عربةً حربيةً تجرها خيول الموت من زمن سحيق.

[6]- الرموز من وجهة نظر ياسبرز تتجلى عبرها أسرار الوجود وجوانب المعرفة الإنسانية ولا تقل أهمية في عملية التفكير والمعرفة والتعالي عن أي شيء آخر.

Karl Jaspers, Truth and Symbols, translated by Jean T. Wilde, William Kimmel, and William Kluback, New York ;Twayne Publishers, 1959.

[7]- حقيقةً، يتعامل الإسلاميون مع الكلمات كأنَّها رصاصات محشوة بكم من الحدة والنفاذ، كما أنها لا تخلو من اليقين القاطع حين يضفي عليها المتحدث صوتاً أزلياً من التنغيم والتصويت الخاصين. ولذلك كان أغلب القيادات الإسلامية خطباء حركيين يعولون على الأصوات في استمالة أتباعهم وليس على أي شيء آخر. وتلك الخاصية لا تتوقف عند وظيفة التبليغ المتعلقة بالخطاب الديني إجمالاً، بل نوع من الإرهاب اللفظي (عنف اللغة) الذي حاصر متلقيه. ولذلك قد يشعر كلُّ من يدخل في حوار مع أحد أعضاء الجماعات الإسلامية بالعنف الواقع عليه. وكأنه يريد أن ينتهك وجوده الرمزي (إملاء الفهم والخطاب) إيذاناً بانتهاك وجوده.

[8]- المؤكد أنَّ الفرد داخل الجماعات الإسلامية ليس حُراً ولا يستطيع أنْ يتنصل من حالة الحشد (القطيع herd) . بل قد يصل إلى اعتبار الجماعة هي عالمه الوحيد لا شيء سواها. وبالطريقة ذاتها سرعان ما تهرس الجماعة الأفراد بما يخدم أغراضها، أي أنهم سيكونون ضحاياً لما يشاركون فيه ولما يخطط لهم. ثمة من ينتمي إلى جماعات إسلامية ولا يعرفون أغراضها التي تتداول بين فئة مخصوصةٍ منهم.

[9]- المدهش أنَّ كل جماعة إسلامية باختلاف مسمياتها تدفع هذا التوحيد بينها وبين الإسلام إلى نقطته الأقصى دون التحسب للعواقب التي ستعود عليها بالدرجة الأساسية. فمن المنطقي ألاَّ تستطيع ذلك. وهذا يعود إلى طبيعة الدين ذاته, فمن المستحيل تحويله إلى برنامج عمل كلي وشامل. لأنه سيصبح عندئذ قابلاً للتجاوز أو بالأدق سيخضع لشروط إنتاج الواقع بينما الدين تجربة خاصة باحتمال المطلق بقدر ما لا يكون. وهذا جوهر الدين كمفارقة غير متاحة للقياسun-measurable تحت نمط واحد من الاعتقاد. ومن جهة أخرى فإنَّ كل جماعة دينية مجرد تأويل تاريخي للمطلق، مجرد جسد فيزيائي محكوم بقوانين الاختلاف والتناقض. إذن كيف سيتم إدماجُها في كتلة جماعية تعكس اعتقاداً أحادياً؟

[10]- حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ص291.

[11]- تذهب حيل الخيال بالإسلاميين مذهباً لا رجعة فيه وهم يقبلون ذلك بشكل غير مقصود أحياناً. لأنَّ هناك خلطاً لاوعياً بين الواقع وتصوراتهم عنه. وابرز ما يميز الجماعات الدينية كونها تطرح نفسها (بطريقة الغلبةِ والغزو) قبل أنْ تفعل شيئاً وقبل أيِّ تأسيس لأي مجتمع إسلامي أو ما يسمى كذلك. وبالتالي سيظل ما يأتي لاحقاً مرهوناً بنزعة ماضوية تُضفي مزيداً من الغموض على الواقع. وفي هذا الإطار تختفي الأسس والقواعد الواضحة لبناء المجتمعات ولصناعة التاريخ بما هو تطور وتغير. وهذا ناجم عن إضفاء القداسة على شخصيات ورموز وحقب خفيفة الوزن بمعايير التاريخ ذاته. ولهذا يمثل التقديس آلية ضرورية لإنتاج تلك الممارسة. ولنلاحظ أنَّ التقديس جزءٌ لا يتجزأ من أساليب التفكير لدى الجماعات الإسلامية.

[12]- مقولة الغرب والصراع مع الشرق أحدى أهم المقولات التي بُنيت عليها أفكار الجماعات الدينية. حتى أن هناك تنظيرات ومؤلفات بأكملها تدلوا بدلوها في هذه القضية. وهي محسومة بالنسبة لشيوخ الجماعات وأعضائها من أول السطر باعتبار الغرب كافراً واستعمارياً ويناصب الإسلام العداء المزمن وأنَّ كل إبداع وكل تقنية غربية مقصود بها القضاء على الإسلام. وفر هذا كانت المؤامرات المجانية التي يبذلها الغرب هي الأساس في أي صراع. وليت القضية تقف عند هذا الحد إنما ظهرت فتاوى إزاء الغرب مثل: الجانب الجهادي ووجود القوات الأجنبية في دار الإسلام ومقاومة الغزو الثقافي والتعاون مع أمريكا والتجسس لصالحها أو لصالح المسلمين والاتفاقيات الدولية المبرمة مع الدول الوطنية والتبادل التجاري والصفقات الاقتصادية.

 

مهاد: في زمن كورونا وقعت الواقعة وساد النحيب. والتفت الساق بالساق فأين المساق؟ وقد تحددت المواجهة في كثير من الربوع باعتبارها جزءا من التسوية والحل للحيلولة دون السقوط في مثبط الشلل. أو في ديمومة قد تعيق نمط الحياة.

في تدوينات ما بعد حدث كورونا تأويل لا متناهي يسود تفاصيلها. في تفسيرها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وقد كان البحث في انعكاسات الوباء شبحا مخيفا قاد الأقلام إلى بحث مضني. بيد أن ثمة بعض المناحي الغائرة قلما تم الالتفات إلى وقع الجائحة عليها. أقصد أسئلة جديدة تلوح في الأفق حول طبيعة الهوية التي يتحدد من خلالها وعبرها الفرد في مرحلة التعليم عن بعد. وفي مرحلة الارتكاسة الباثولوجية التي عرفها النشاط الثقافي على أصعدة مختلفة.

- السوشال ميديا والوسائط متنفسا ثقافيا

في زمن كورونا حتمت الأقدار خوض تجربة التفاعلية. وخلق قنوات يجري عبرها الصوت ويتسلل من خلالها النقد. لمحاربة الإطباق وكسر الصمت. مستغلين بذلك المتاح والأمكن في أكوان التكنولوجيا غير أنها بالقدر الذي استطاعت أن تزيل ضيم الانتكاسة فقد ولدت إشكالات مرحلية يجب التنبؤ فيما بعد كورونا إلى جسامة هذا الركوب على مرحلة العطب في آليات الإنتاج الأكاديمية ومسارات الفعل الثقافي الحقة.

قد تفيد التفاعلية مرحليا لكنها قد تهدد حقا وقد تنشأ عنها فئوية... وقد نتساءل في مراحل لاحقة عن هويتها الأكاديمية ووجودها العلمي.

السوشيال ميديا بما حملت من تجارب آنية في ظرف يسعى فيه الكل إلى تحقيق النسبي. يجب أن تخلق مسافة جمالية وتؤكد وجودها كبيئة بحث بديلة. لا أن ترسخ أقدامها في مصاف الريادة.

البانوراما التي تلوح في الأفق هي الهوية الافتراضية والوجود السبرنطيقي بديلان للهوية الثقافية والوجود الأكاديمي. لكن ضمنية المعطى يقود إلى التساؤل حول شروط الانتخاب والأهلية. هل أصبح بامتلاكنا تحديد هويتنا افتراضيا وبشكل طوعي؟

- الهوية الافتراضية. ممكنات وحدود

إذا أصبح الوجود السبرنطيقي حاجة ماسة لتحقيق الذات. فهو بداية معادلة شاقة ومغامرة محفوفة. تتهدد الدينامية الفيزياىية من جهة وبالتالي تضعف الوجود المادي.  ومن جهة أخرى يعبرها مشط السلطة. وترد بالتالي إمكانية ضعفها بموجب القوة.

تم قبول الفكرة واحتضانها ونوقشت الأطاريح والرسائل. كما اعدت الندوات وأقيمت المؤتمرات، بله عن عمليات التعليم والتعلم. وطبعا الكل كان خلف شاشاتنا الصغيرة.

لقد أوتيت التجارب نفعا وكانت لها مزايا كثيرة. وقد عمت الفائدة وعوملت المرحلة بما لميكرو-تكنولوجيا من إيجابيات وفوائد.  بيد أن السؤال حول جدوى الاقتداء بالنموذج وجعله يطفو كآلية تسري في وجودنا لتصل إلى المطلق.

الفرد بما هو كائن متحول حتى هويته المترحلة تتوقد تحت صفيح ساخن وتشهد تقلبات. وكان للأزمة في هذا التقلب دور طلائعي. الأزمات كما تحدث تغيرات في الوجود فهي تعمل في الشخصية وتخفق المسافة وتؤثر في التمثل والتطلعات.

نقاشات الهوية الافتراضية في زمنية الوباء  تبقى عالقة على مستوى من التجريد ما لم يتم فحصها تحث مجهر يحدد مشكلات الفئوية التي نتجت عنها. ومشكلات الأدوات والميكانيزمات التي لم تعمم. وحتى يقودنا بالتالي تحول الأزمة إلى انفتاح جديد لا مشروط يسع للجميع ويكون مرآة تصرف هموم القيود وضغط العجز. لمزيد من العطاء في شوط زمني ماكر  يمتد في شأنه جدل صاعد ونازل.

١ - اشتباكات القدرة المعلوماتية والجودة العلمية

لدينا شريحة ضليعة في التقنية المعلوماتية لكنها لا تكف عن حشر ذاتها في غير تخصصها. ولدينا شريحة متخصصة لكنها لا تتعامل مع التقنية. وبالتالي حصول هوية افتراضية يحدد وجود الأشخاص الاستثنائي قد لا يخلو من مفارقات.

٢ - الاستسهال وفظ الجوهر

نواة الأشياء قلادة ثمينة مذهبة لا تساوي ثمن. وقد لوحظ في زمنية العمى هذه استسهال واضح في التعاطي مع المعلومة ومع البحث الآكاديمي. وقد لا يخلو هذا الفظ من سياسات الزبونية التي تموضع ذوات كثيرة في غير سياقاتها البحثية. لربما كانت الظرفية فرصة سانحة للظهور. لن تتاح في الواقع الفيزيقي ولن يضمنها الوجود البحثي الواقعي.

٣ - تراجع النخبة والصمت المريب

يعزى تراجع النخبة المثقفة إلى عطب ما في مقومات التفاعل الشبكي. أو إلى اعتباره تسللا من من نوافذ ضيقة. لكنه يظل تراجعا غير مبرر يضمن مساحة أكبر ولفا أكثر لفئة سيقت نحو البروز.  كما أن الصمت يبعث بالتشظي. وقد كانت الحاجة إلى أن يرسخ المثقف الفاعل لا الشبكي أقدامه ويرسو في ميناء هذا التشكل الهوياتي..

- آفاق وتطلعات

يجب مهما كان الوضع. مراعاة هذا الفضاء الشبكي الهجين. هذا الفضاء الثالث بلغة هومي بابا. والسعي الي خلق وجود شبكي متخصص يتحدث فيه ومن خلاله ذوي الاختصاص في كل حقل على حدة. وإلا فالأزمة ستتولد عنها أزمات. نحن نتعايش في المرحلة مع أزمة هوية افتراضية يجب أن ترسى دعائمها وفق المداخل العلمية المتعاقد حولها. وإلا فحصيلة التواجد خلف الشاشات قد تنتج عنها أوهام زائفة واعتقادات جزافية تجاه المواضيع. صحيح أن مستقبلنا التكنولوجي يفرض ذاته منذ الآن لكن تظل الحاجة إلى تنظيم الهيكلة الافتراضية في شقها الأكاديمي أمر لا محيد عنه لتأمين المعلومة على الأقل والاعتراف بالصوت الحق في زمن الوفرة واللا متناهي.

 

محمد ايت احمد

 

سامان سورانيبما أن التصوف الفلسفي هو عبارة عن نظرية فلسفية أو الأساس المیتافيزيقي، من خلالە يسعی الصوفي وقت الصحوة تفسير أو تعلیل مایجده أثناء الوجد أو في حالة السکر.

يوصف التصوف بأنه طریق خالص لإشباع العاطفة و تغذية القلب وتصفية النفس بالمجاهدة والرياضة والإنتقال بها من حال أو مقام الی حال و مقام آخر والترقي بها للوصول الی مايسمی بوحدة الشهود أو الوجود (أي القول بأن هذا العالم المختلف في الأشكال ليس سوی مظهر من مظاهر متعددة لحقيقة واحدة هي الوجود الإلهي) أو الفناء والحلول (أي نزول إله في شخص من الاشخاص) والاتحاد (أي شيوع الألوهية في العالم كله).

الصوفي الذي يجيد فن النزوح صوب المتعاليات، يخوض غمار تجربته الروحیة بحثاً عن الوجود، فهو لایترك مجالا للتمنطق بل يکتفي بالتخيل، والعودة الی الذات کما يراه فيلسوف الظاهرياتي/الفينومينولوجي إدموند هوسرل، صاحب كتاب "تأملات ديكارتية"، هو سعي الإنسان ليصبح حقاً فیلسوفاً، يحاول في داخل ذاتِــه قلب جميع المعارف المسلّم بهــا إلى حدِّ الآن.

إن الوجود، عند  الفیلسوف الوجودي الدانمارکي، سورين كيركجورد، الذي آﻣن ﺑﻘدرة اﻟﻌواطف واﻟﻣﺷﺎﻋر اﻹﻧﺳﺎﻧﯾﺔ ﻋﻟﯽ ﻗﯾﺎدة اﻟﻌﺎﻟم ﻟﺑر اﻟﻧﺟﺎة، هو أن يختار الإنسان ذاته، فالواقع هو أن الإنسان لا يختار إلا نفسه، فكل اختيار "خارجي" إنما يكون مرتبطاً باختيار داخلي، بنسبة شيء أتبعه فأحقّق ذاتي.

ففي زمن تکالب الناس علی الثروات والشهوات وفساد الأخلاق وإنحطاط المجتمع مع وجود الإقتصاد اليائس المؤدي الی إضمحلال الفضائل الأخلاقية ينسحب الصوفي بروحه المتعالية علی المادة الی داخلە وعالمه الكبير المختص بالحرية والخيال و لذة السؤال عن المجهول بهدف بلوغ الغايات السامية والحقيقة المتعالية، حیث الأمن والجمال ونزعة الحب الكوني.

إن إلإيمان بحقيقة الوجود الفردي بل بمعنى الوجود هو البديل عن الفراغ واليأس والمعاناة والقلق ويتفق الفیلسوفان الفرنسي جان - بول شارل ايمارد سارتر، صاحب کتاب "الوجود والعدم"، والألماني مارتن هايدغر، صاحب کتاب "الوجود والزمان" بأن كل فرد يتميّز بالـ"فرادة"، التي تجعله قادراً على الاختيار والعيش بحريّة وإرادة.

صحیح بأن التصوف شاع قبل الإسلام في الأديان والأمم كلها، في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون، لکن يمکن أن نقول، أنه نتاج مشرقي لايخلو من الغاية وغايته دائماً روحية،  أصلە هو العكوف علی العبادة والإنقطاع الی الملأ الأعلی والاتصال به والفناء فيه والإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها.

إذن الصوفية في أصلها رياضة نفسية تخلق في الإنسان إرادة فعالة وتخلق للمجموع المتصوف شخصية ثابتة. فهي ترمي الی إثبات الناحية الإجتماعية في وجه القوی الإجتماعية والطبيعية أحيانا، لذا يمكن أعتبارها ناحية جليلة من نواحي علم النفس.

في البناء الثيوصوفي يتجلی الحب كـ"ثيمة" مرکزية فيجعل من الإله کما المرأة موضوعا لە،  لذا لا نری وجود للصوفية من دون حب أو محبة والمحبة عند أهل التصوف هي أصل الموجودات. الحب کحالة قصوى من حالات الشرط البشري، وشكل من أشكال ممارسة الإنسان لذاته وبقائه، هو أسمى وأرقى أنواع العلاقات في الوجود، يتأتى نتيجة صفاء القلب ونقائه مما فيه من شوائب مختلفة الألوان.

أما الحب لدی المتصوفة فهو نابع من الصفاء أي صفاء القلب ونقاء أسراره، فيذکر بأن قلب الصوفي لا يعرف إلا الحب ولسانه لا يلهج إلا بلغة الحب وصدق من قال بأن "لقلوب العارفین عيـون ترى ما لايراه الناظرون".

ما أحوجنا الیوم إلى لغة الحب ونحن نعيش في زمن الكورونا والکراهية والعنف والحروب.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

تعرف عقدة اوديب على انها عقدة نفسية تصيب الطفل الذي يتعلق باحد والديه المخالف له بالجنس، فالذكريميل الى امه ويرتبط بها الى درجة تجعله يكره والده لانه يشاركه والدته، مما يؤدي الى الحقد عليه واعتباره ندا له، وكذا الحال بالنسبة للبنت التي تميل لابيها وتلك يطلق عليها"عقدة الكترا".

يقصد باوديب الاقدام المتورمة، وتدور احداث الرواية حول الملك اليوناني الذي تنبا له احد العرافين ان ابنه سيقتله ويتزوج زوجته ويحل مكانه، وعندما ولدت زوجة الملك امر الملك ان تدق اقدام الطفل في مسامير او ان يرمى عند قمة جبل، لكن الخادم راف به وباعه الى راعٍ في محيط الجبل، وبمرور السنين تبناه ملك اخر وعاد الى بلاده وتشاجر مع ابيه الملك وقتله دون ان يعرفه، ثم اشترك بحل لغز مقابل زواجه من ارملة الملك ليوس"والدته" فحل اللغز وتزوج امه وعندما اكتشف الحقيقة فقع عينه فيما شنقت والدته نفسها.

يقول عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد"ان عقدة اوديب تظهر عند الطفل في الفئة العمرية3- 9، ثم وبعد نضوج الطفل يبدا بالبحث عن شريكة تشبه والدته.

وحقيقة الامر ان تعلق الطفل المبالغ فيه بوالدته يرجع الى اسباب منها على سبيل المثال:

- غياب الاب المتكرر عن البيت وانشغاله عن اداء مهامه التي تتحول تلقائيا للام التي تقوم بالدورين معا مما يؤدي بالتالي الى الاستغناء عن الاب تدريجيا، وتحويل العاطفة برمتها للام.

- تعلق الام المبالغ فيه بطفلها والذي ينشا عن اسباب عديدة منها على سبيل المثال، شخصية الام الميالة الى الحرص المرضي المبالغ فيه"الوسواس" الذي يصل الى حد المرض، مما يجعلها ملاصفة للطفل اينما يذهب، فينشا نوع من الارتباط المرضي بينهما.

- حرمان الام من الانجاب لسبب اولاخرلمدة طويلة من الاولاد، ثم انجابها بعد معاناة طويلة يجعلها كذلك تتعلق بالطفل الذي ينعكس عن تعلقه هو الاخربها.

- احتضان الطفل ونومه مع والدته لفترة تتعدى المدة العمرية لذلك، فتلجا الام للنوم مع طفلها محتضنته طوال الليل وبعض سويعات النهار، وعندما يفطن الطفل الى هذا الحضن الذي ترعرع فيه واعتبره ملاذه الامن الذي لايستطيع النوم بدونه، وقد وصل الى عمر قريب من المراهقة او وصل فعلا الى المراهقة، فيكون من الصعب على الطفل ان يستغني عن هذا الحضن الذي منحه كل شئ، والذي سيدفع ضريبته تلكؤ وفشل في المستقبل.

- معاملة الاب القاسية للابن وعدم اخذه الحنان الطبيعي الكافي لاشباعه، مع وجود معاملة طيبة وافراط بالعاطفة من قبل الام، يجعل الطفل يميل اوتوماتيكيا للام ويرتبط بها ارتباطا وثيقا ، بل انها تكون الدينمو والحبل السري الذي يتنفس منه الحياة، مما يجعله يكافح في سبيل الاحتفاظ بهذا الحضن مهما كلف الثمن ، بل ان ذلك يجعله كارها لوالده الذي بات شريكا له في هذا الحضن الذي يعتبره ملكا له وحده، ويبدا بخلق المشاكل بين ابويه، بل انه يفرح عندما يتخاصمان، لانه بذلك ستكون الغلبة له، وقد يلجا الى تحريض والدته للانفصال عن ابيه، او انه يحاول ان ياخذ دور الاب في حال غيابه ، ويتصرف كرجل بالغ لاشباع غريزته.

ان المبالغة برعاية الطفل واحتضانه والتعلق به من قبل الام، وعدم اعطاءه مساحة كافية للتعبير عن رايه واخذ دوره الطبيعي وحسب تدرجه العمري الصحيح، والتدخل بكل صغيرة وكبيرة، لاغية دوره كانسان يتطور وليس طفل ابديا، لهي حالة مرضية بامتياز ينعكس سلبا على شخصية الطفل الملاصق لامه رافضا وجود الاب كارها له، بل انه قد يلجا الى ايذاءه معنويا عن طريق نفوره منه، وماديا عن طريق سرقة او تدمير اشياء الاب الخاصة خلسة، ومايلبث ان يتطور الامر عندما يكبر الصغير ويبلغ وتبدا رحلة البحث عن زوجة وشريكة لحياته التي يجب ان تكون نسخة من والدته ، قلبا وقالبا وان صادف ووجد شريكة تشبه والدته بشكلها، فالاكيد انها لاتشبهها بسلوكها ، وتبدا المعاناة فالزوجة التي تزوجها لم تملا الفراغ الذي تركته والدته في نفسه، لان الزوجة لها شخصيتها المستقلة ولاتقبل باي شكل من الاشكال ان تكون نسخة مكررة من الام التي تحتل مركز الصدارة في حياته بلامنازع، بل ان تصرفات الزوج الدائمة المقارنة بطهي والدته، وترتيب والدته، ورعاية والدته....، يشعل الغيرة في نفس الزوجة التي تجد نفسها مكتوفة الايدي بل عاجزة عن اداء مهماتها بطريقتها الخاصة، كارهة تلك الام التي باتت لعنة على حياتها، حتى وان كانت بعيدة ماديا، هذا الزوج الذي لايتوانى عن الاتصال بامه لاتفه الامور لاستشارتها متجاهلا دور الزوجة ووجودها في حياته.

ان تربية الطفل مهمة صعبة، لان لكل طفل شخصيته الخاصة التي تختلف من اخ لاخروالتي يجب مراعاتها والتعامل معها باساليب تربوية بسيطة تضمن نشوء الطفل في بيئة صحية سليمة، وعلى المربي مراعاة ماياتي:

- اعتماد مبدا المساواة بين الاخوة دون تمييز لاي سبب كان .

- زرع الثقة بنفس الطفل للاعتمادعلى نفسه في تدبير اموره منذ نعومة اظفاره، لكي يتمكن فيما بعد من تدبير اموره وعدم اللجوء لوالدته في كل صغيرة وكبيرة.

- الاحترام المتبادل والمودة بين الوالدين وتقاسم الادوار دون جذب اوشد ينعكس ايجابا على نفسية الطفل الذي سيعرف ماله وماعليه فيما بعد.

- غرس محبة الاب- حتى وان كان غائبا- وكل افراد الاسرة بنفس الطفل

لكي تكون الصورة واضحة امامه دون انحياز.

- الحرص على استقلالية الطفل وجعله مستقلا بمنامه واكله وترتيب اموره بنفسه .

- الاعتدال والوسطية والابتعاد عن المبالغة والتطرف في التربية هي الطريقة المثلى لتربية الطفل.

واخيرا علينا مراعاة الطفل كانسان عاقل وليس كانسان جاهل لايفهم، لانه يفهم اكثر منا احيانا..

 

مريم لطفي

 

محمد الربيعي التلقين آفة غزت مناهج التدريس، فلم يعد للاستاذ دور إلا النقل الآلي للمعلومات سواء عن طريق الالقاء او الكتابة على السبورة، وهو مصيدة للطالب من ناحية جعله سلبيا اثناء الدرس، وحضوره الدرس لا يزيد ولا ينقص ولا يضيف جديدا على ما يوفره الكتاب المدرسي لغرض الحصول على اعلى الدرجات في الامتحانات (1). لقد لعب التلقين والحفظ دورا أساسيا في بناء المناهج منذ تأسيس المدرسة الحديثة والتي تمثلت  تاريخيا بالمقرر الدراسي الذي يجب على الطالب تعلمه مما ادى الى التركيز على كمية المعلومات التي يتضمنها الكتاب التدريسي من دون مراعاة الاهداف ومخارج التعلم  للمادة التعليمية ، وبعدم مراعاة عمر الطالب، وباعتبار المدرس هو الحجر الاساسي والتلميذ المتلقي السلبي في العملية التعليمية  فأصبحت العملية التعليمية، سواء في المدرسة او الجامعة عبارة عن تلقين المعلومات  تلقينا اعمى غير واع، وقيام الامتحانات على تذكر المعلومات واجترارها.

وفي مقابل التلقين يعتبر التفكير النقدي بديلا للكسل العقلي الذي يسببه التلقين، ويُعرّف بكونه القدرة على تحليل الطريقة التي نفكر بها، وتقديم الأدلة على الأفكار، بدلا من مجرد قبول المنطق الشخصي كدليل كاف (2). ويمكن الحصول على العديد من الفوائد كنتيجة لاتقان مهارات التفكير النقدي، مثل التحكم بشكل أفضل بوسائل التعلم والاتصال الخاصة بنا لأجل التعرف على وجهات النظر الأخرى.

التفكير النقدي هو، باختصار، توجيه ذاتي، وانضباط ذاتي، ومراقبة ذاتية، وتفكير تصحيحي ذاتي (3). وهو يفترض مسبقا موافقة على معايير صارمة للتمييز، وإرادة واعية لاستخدامها. وهو ينطوي على التواصل الفعال وقدرات حل المشاكل والالتزام للتغلب على النزعات الذاتية والتسلطية.

السؤال الذي احب طرحه هنا هو: ما هو الوضع الحالي للتفكير النقدي في التعليم العالي العراقي؟

للأسف، تظهر المشاهدات ثلاث حقائق مزعجة، لكنها بالكاد تكون جديدة:

- يفتقر معظم أعضاء هيئة التدريس بالجامعات وعلى جميع المستويات إلى مفهوم جوهري للتفكير النقدي.

- لا يدرك معظم أعضاء هيئة التدريس أنهم يفتقرون إلى مفهوم جوهري للتفكير النقدي، ويعتقدون أنه ليس مهما طالما "يفهم" الطلاب الدرس.

- المحاضرة، والحفظ عن ظهر قلب، وعادات التذكر قصيرة المدى لا تزال هي القاعدة في التدريس الجامعي والتعلم اليوم.

تمثل هذه الحقائق الثلاثة مجتمعةً عقبات خطيرة أمام الإصلاح المؤسساتي الأساسي وطويل المدى، فلا يمكن تبديل طرق التدريس الا عندما تستند اهداف ومخارج التعلم والاختبارات على تحقيق مضامين التفكير النقدي وسيتم تحقيق ذلك فقط عندما يدرك المسؤولون وأعضاء هيئة التدريس طبيعة ومضمون وقوة مفهوم التفكير النقدي، وكذلك عند اكتساب نظرة ثاقبة إلى السلبيات والآثار المترتبة على فقدانه، ويبقى السؤال المهم بدون إجابة وهو هل هم قادرون على تحقيق اصلاح اكاديمي فعال. فعندما يكون لدى أعضاء هيئة التدريس فكرة غامضة عن التفكير النقدي، أو اختزاله إلى نموذج تخصص واحد (كما هو الحال في تدريس التفكير النقدي من خلال نموذج "المنطق" أو "مهارات الدراسة")، فإنه يعوق قدرتهم على تبديل طرق تدريسهم، أو الى زيادة ممارسات التدريس والتعلم الفعالة.

تؤكد الجامعات العالمية على أهمية التفكير النقدي خصوصا الجامعات الامريكية باعتباره محور التعلم، والواقع ان التفكير النقدي اصبح في نواح عديدة مرادفا للتعليم العالي ونجد هذا التأكيد في اعلانات الجامعات وفي صفحاتها الالكترونية. وادناه عينة صغيرة من الأهداف والرسائل توضح هذا التأكيد على أهمية التفكير النقدي كما هو معلن عليها من قبل الجامعات:

"تسعى الجامعة إلى تعزيز في طلابها المراقبة الدقيقة والتفكير النقدي والإبداع والتأمل الأخلاقي والتعبير الحر". (Fordham University)

"تعزز الجامعة الاستفسار الفكري والتفكير النقدي، وإعداد الخريجين الذين سيكونون قادة فعالين ..".

(Towson University)

"توفر الكلية للطلاب المعرفة ومهارات التفكير النقدي والخبرة الإبداعية التي يحتاجونها للتنقل في بيئة عالمية معقدة". (College of Liberal Arts, University of Nevada)

في عام 2006، صُنف تقرير رئيسي صادر عن اتحاد يضم أكثر من 400 صاحب عمل في الولايات المتحدة "التفكير النقدي" باعتباره أكثر المهارات المرغوبة لدى أصحاب العمل الجدد. وقد احتل مرتبة أعلى من مهارات "الابتكار" و "تطبيق تكنولوجيا المعلومات". ومن المثير للدهشة أن 92.1٪ اعتبروا التفكير النقدي مهماً، لكن 69.6٪ من أصحاب العمل اعتبروا طلبة المدارس العليا "ضعيفاً" في هذه المهارة الأساسية. واليوم يدرك أصحاب العمل بشكل متزايد أن ما هو مطلوب في الخريجين ليس الكثير من المعرفة التقنية والمهنية، ولكن المهارات التطبيقية، وخاصة مهارات التفكير النقدي. ويقال أن هذه المهارات مهمة أيضاً داخل الشركات نفسها باعتبارها محركات لفهم الموظفين وصنع القرار.

يطرح كل من كرستين فيردي وجون فيردي (4) خطوات عملية يمكن اعتمادها لمساعدة الطلاب على تطوير مهارات التفكير النقدي، والتي يمكن تطبيقها في الجامعات العراقية، تستند كل من المهام على الرغبة في تعزيز بعدين من السلوك العلمي الذي يعتقدان أنه أمر حاسم في التفكير النقدي: استعداد للتساؤل والتحقيق والتشكيك، بدلا من قبول الأفكار والأساليب والبيانات من الآخرين. في المقررات التي تؤكد على التفكير النقدي، يجب أن يكون الطلاب على بيّنة من أن المواقف  والمهارات يمكن تطويرها على حد سواء من خلال التفكير الذاتي والتفاعل مع غيرهم من الطلاب.

هناك العديد من الطرق التي يمكن بها تكييف المناهج والمقررات مع متطلبات مختلف الظروف التعليمية. على سبيل المثال يقدم للطالب مقالة او كتابا او فصلا في كتاب او فيديو ويطلب منه ان يحللها نقديا. كما يمكن للطالب تعلم الوصول إلى استنتاج خاص من خلال إعداد موقفه الشخصي على قضية مثيرة للجدل في احدى مواضيع المقرر. وينبغي أن تكون ورقة تحليل الطالب جزءا رئيسيا من العمل في المقرر. والطريقة الاخرى لتشجيع التفكير النقدي هي السيمنارات النقدية. هذه السيمنارات قد تكون حول أفكار او نتائج من مقالة مختارة من مجلة علمية (والتي يجب على الطالب الدفاع عنها أو مهاجمتها). ويشدد المؤلفون على أنه عند تصميم مواضيع التعلم لتعزيز التفكير النقدي، ينبغي للمرء أن يسعى إلى الطرق التي تمكّن الطلاب من ممارسة التفكير النقدي بدلا من مجرد مراقبة ذلك.

 

ا. د. محمد الربيعي

..........................

مصادر:

1- الربيعي، محمد (2015) مأساة التلقين والحفظ في نظام التعليم العراقي. جريدة المدى، عدد 3516

2- Critical Thinking – Training Materials – corporatetrainingmaterials.com‎

https://corporatetrainingmaterials.com/course/Critical_Thinking

3- Doane University. Benefits of critical thinking. Website: http://www.doane.edu/facstaff/resources/cetl-home/31812

4- Furedy C. and Furedy J. J. (1983) Ways to promote critical thinking in higher education. The Higher Education Research and Development Society of Australasia NEWS, Vol. 5, no. 1

 

محمد كريم الساعديفي ظل التغيرات الحاصلة على مستوى العالم في ظل التحول الرقمي والرؤى الجديدة التي ترى بإن عالم ما قبل التحولات الرقمية هو يختلف عن عالم ما بعد التحولات الرقمية من حيث الأخلاق والقيم والفكر والتعليم والاقتصاد والأمور الأجتماعية التي حكمها التباعد الأجتماعي وغيرها من الأمور التي تدخل في أعادة النظر بالكثير من المفاهيم والأخلاقيات الخاصة على مستوى الفرد و الجماعة، أو حتى على مستوى فاعلية المجتمعات بصورة عامة في هذا المجال .

وكذلك في ظل المتغيرات التي أصبحت ملحة في أيجاد البديل النوعي في التعامل الحضاري والثقافي في الحياة اليومية، وقابلية توظيف أدوات أصبحت أكثر ضرورة في وقتنا الحاضر، ومن هذه المفاهيم وأدواتها الفاعلة هي الرقميات والاستفادة من وسائل الاعلام في انتاج صور جديدة قابلة للتوظيف في ظل هكذا ظروف فرضت الانغلاق التام والانعزال النفسي والاجتماعي على مختلف قطاعات المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية الإعلام في أخذ دور فاعل في انتاج وتسويق طرائق التعامل مع هكذا ظروف وكل حسب قطاعه ووظيفته .

ومن هذه المقدمة ننطلق في معرفة مفاهيم في الاعلام والتحول الرقمي وهي: الإعلام: "الإعلام (بالإنجليزيّة: Media) مجموعة من قنوات الاتّصال المُستخدَمة في نشر الأخبار أو الإعلانات الترويجيّة أو البيانات، ويُعرف الإعلام بأنّه الوسيلة الاجتماعيّة الرئيسيّة للتواصل مع الجماهير. من التعريفات الأخرى للإعلام أنّه المعلومات التي تُنشر بواسطة الوسائل الإعلاميّة، مثل الصّحافة والإذاعة والتلفزيون، كما أنّ الإعلام يكون بمجموعة من الوسائل التي تُؤثّر على نطاق كبير من الأفراد، كالإنترنت والمجلات"(1).

الإعلام المستقل: "يشير مفهوم وسائل الإعلام المستقلة إلى أي شكل من أشكال الوسائط، مثل المذياع أو التلفاز أو الصحف أو الإنترنت، البعيدة عن النفوذ الذي قد تفرضه مصالح الحكومة أو الشركات. ويشتمل هذا المصطلح على تطبيقات متنوعة. وغالبًا ما يستخدم هذا المصطلح كمرادف لمصطلح الإعلام البديل داخل الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة، وذلك للإشارة إلى الوسائط التي تختلف على وجه التحديد عن وسائل الإعلام السائدة. وفيما يتعلق بالتنمية الدولية، يستخدم مصطلح الإعلام المستقل في مجال تنمية وسائل الإعلام الجديدة، وخاصة في الأماكن التي تشهد القليل من التواجد الإعلامي القائم".(2)

الإعلام الحكومي: "الإعلام الحكومي أو الإعلام المملوك للدولة هو إعلام الاتصال الجماهيري  والذي تسيطر عليه في النهاية و/أو تموله الدولة. وقد تكون هذه المنافذ الإخبارية الوسيلة الإعلامية الوحيدة أو قد تكون في المنافسة مع إعلام يسيطر عليه القطاع الخاص" (3).

وظائف الإعلام

يعتمد الإعلام على مجموعة من الوظائف التي ترتبط بطبيعة الدور الخاصّ فيه ضمن المجتمع؛ إذ يحرص على مُواكبة حاجات الأفراد الفكريّة والماديّة، وتختلف وظائف الإعلام بين المجتمعات، ممّا أدّى إلى قيام مجموعة من المُفكّرين الإعلاميّين بتحديد أهمّ وظائف الإعلام، ومنها:

- تعزيز الإعلام: من خلال تزويد الأفراد بالمعلومات المُهمّة والضروريّة؛ حتى يتمكّنوا من فهم المجتمع والعالم، والتصرّف والتواصل بطريقة سليمة.

- تحقيق التنشئة الاجتماعيّة: عن طريق توفير المعرفة المُناسبة للأفراد؛ ممّا يُساهم في تعزيز تفاعلهم مع المجتمع، ومشاركتهم في الأحداث العامّة، ويُؤدّي ذلك إلى تطوّر وعيهم الاجتماعيّ.

-  دعم الدوافع: أي الأهداف المجتمعيّة المُباشرة عن طريق تشجيع النّشاطات الخاصّة بالأفراد.

- الحوار: عمليّة تبادل الأفكار حول مجموعة من الحقائق، من أجل مُناقشتها وتوضيح وجهات النّظر المُختلفة، ومُحاولة الوصول إلى اتّفاق حول القضايا المطروحة.

-  التربية: من خلال تعزيز التطوّر العلميّ والثقافيّ، ونشر المعرفة في المجتمع.

- الإعلان والدعاية: عن طريق المُساهمة في دعم الأنشطة الاقتصاديّة، من خلال استخدام الإعلان والتسويق للخدمات والسلع.(4)

أنواع الوسائل الإعلامية:

- الإعلام الوسائل المرئيّة، وتتمثل بالتلفاز والقنوات الفضائية والسينما.

- الوسائل السمعيّة، كالمذياع.

- الوسائل التقليديّة، كالجرائد والمجلات والدوريات والمنشورات والملصقات بمختلف أنواعها.

- وسائل إلكترونيّة، كالمواقع الإخبارية الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المحادثة المجانية، والمنتديات.

التحول الرقمي : "التحول الرقمي هو التغير المرتبط بتطبيق التكنولوجيا الرقمية في جميع الجوانب الاجتماعية. أحد أمثلة التحول الرقمي هو الحوسبة السحابية. فهي تقلل من الاعتماد على الأجهزة المملوكة للمستخدم وتزيد من الاعتماد على الخدمات السحابية القائمة على المشاركة. تعمل بعض هذه الحلول الرقمية على تعزيز إمكانات منتجات البرامج التقليدية (مثل Microsoft Office مقارنة بـ Office 365) في حين أن الحلول الأخرى قائمة على السحابة تمامًا"(5) 

وفي هذا المجال نركز على الاعلام الحكومي في كيفية التعامل مع ظروف خاصة فرضتها الأسباب الصحية التي يمر بها العالم، ومن بين هذه المؤسسات الحكومية التي دورها فاعل في تحقيق متطلبات النهوض بالمرحلة وعبور مرحلة الخطر المحدق هي وزارة الشباب والرياضة والتي تتعامل مع قطاعات واسعة من الجمهور على أعتبار أنها تستهدف فئات عمرية مختلفة من الشباب في مختلف المجالات ومنها ايضا قطاع الرياضة التي هي من القطاعات المهمة التي من الصعوبة معها تحقيق التباعد الاجتماعي الذي فرضته جائحة كورونا، ومن هنا يأتي دور الاعلام في هذه الوزارة بمؤسساتها العامل مع قطاع الشباب في مختلف نشاطاته الثقافية والمعرفية، وايضاً الرياضة .

وننطلق في النظرة الى أن في السابق كان العمل الاعلامي في مؤسساتنا الحكومية يعتمد على الوسائل التقليدية في استهداف الفئات المطلوبة من خلال الاجهزة التقليدية واليوم أصبحت عملية التحول ضرورية نحو أفق جديد،أي "تتحول إلى حواسيب ذكية وأجهزة أكثر تطورا تختصر الوقت وتضغط على المعلومة، في تطور مذهل ساهم بشكل كبير في ترقية الحياة على كل المستويات، إلا أن لهذا التحول الإيجابي تأثيراته السلبية التي باتت تشكل هاجسا كبيرا لدى مستخدمي الأجهزة الذكية والجيل المتطور من الحواسيب، وعندما نتحدث عن المخاوف، فهي ناتجة عن التحديات المصاحبة للتحول الرقمي من جهة والأمن السيبراني الذي يتأثر بشكل كبير بهذا التحول".(6)

ما هي متطلبات التحول الرقمي في مؤسساتنا الحكومية

التقنيات: إذ يتم بناء التحول الرقمي باستخدام منظومة من الأجهزة، وأنظمة التشغيل، ووسائط التخزين، والبرمجيات التي تعمل ضمن بيئات تقنية ومراكز معلومات تسمح باستخدام جميع الأصول بكفاءة تشغيلية غير منقطعة. كما يستلزم ضمان مستوى خدمة مناسب لأفراد المؤسسة وعملائها ومورديها عبر فِرق مهنية مسؤولة عن إدارة المنظومة التقنية والبنية التحتية للشبكة سواء أكانت هذه المنظومة محلية أو سحابية.

البيانات: يفترض أن تقوم المؤسسات بجهود إدارة وتحليل البيانات بشكل منتظم وفعال وذلك لتوفير معلومات وإجراءات نوعية موثوقة وكاملة مع توفير وتطوير أدوات مناسبة للتحليل الإحصائي والبحث عن البيانات والتنبؤ بالمستقبل. كما يجب متابعة البيانات بشكل مستمر لضمان استمرار تدفقها والإستفادة منها بشكل يتماشى مع أهداف المؤسسة وتوقعاتها.

الموارد البشرية: تُشكل الموارد البشرية جانباً حيوياً يصعب على المؤسسات تطبيق التحول الرقمي بدونه. إذ يتوجب توفير كوادر مؤهلة قادرة على استخدام البيانات وتحليلها لاتخاذ قرارات فعالة، كما يتطلب تخطيط الرؤى وتنفيذها كفاءات بشرية وخبرات علمية وعملية مع إيمان بالتغيير والتطوير.

العمليات: وهي عبارة عن مجموعة من النشاطات أو المهام المرتبة و المترابطة التي تنتج خدمة معينة أو منتجا معين للمستفيدين. يجب على المؤسسات إرساء بناء تقني فعال يسمح بتطوير العمليات على الصعيدين الداخلي والخارجي وذلك لضمان التطبيق الأمثل للتحول الرقمي، ويتضمن ذلك الموائمة الداخلية والخارجية في إنجازات العمليات مع وجود رقابة في إنجاز العمليات والذي يعتبر أحد المفاتيح الرئيسية في المدخلات والمخرجات للمنظمة(7).

ميزات التحول الرقمي:

- "إعادة تشكيل الطريقة التي يعيش ويعمل ويفكر ويتفاعل ويتواصل بها الناس، اعتماداً على التقنيات المتاحة، مع التخطيط المستمر والسعي الدائم لإعادة صياغة الخبرات العملية.

- تحسين الكفاءة وتقليل الإنفاق، وتطبيق خدمات جديدة بسرعة ومرونة.

- تحقيق تغيير جذري في الخدمات المقدمة للأفراد في مجالات الصحة والتعليم والسلامة والأمن، وتحسين تجاربهم وإنتاجيتهم.

- تغيير نماذج العمل وتغيير العقليات.

- الاستفادة من التقنيات الحديثة لتكون أكثر إدراكاً ومرونة في العمل وقدرة على التنبؤ والتخطيط للمستقبل.

- تمكين الابتكار بشكل أسرع لتحقيق النتائج المرجوة والسير نحو النجاح.

- توفير استراتيجية لخلق قيمة تنافسية أعلى، وفرق عمل متطورة، واستدامة ثقافة الإبداع".(8)

ما هي خصائص الواجب توفرها في اعلام المؤسسات الحكومية في ظل التحول الرقمي؟

- إيصال رسالة توعوية الى الجمهور المستهدف بكفاءة عالية من خلال رقمنة انظمة الاتصال .

- استعراض أهم التحديات والاتجاهات المتباينة بالرغم من اختلافها وكيفية ايصالها بطرق مفهومة الى الشباب في مختلف القطاعات على وفق المتغيرات الرقمية .

- التعامل الناضج والسرعة الكبيرة في نقل المعلومات وإيصالها الى القطاعات الشبابية .

- الترويج للاهتمامات الخاصة بالأفراد والجماعات الخاصة بقطاعي الشباب والرياضة بالرغم من تباينها في المجتمع أو برغم تعددية حضورها على مستوى التفاعل مع هذه الوسائل المرقمنة واليات التواصل من خلالها .

- العمل على التأثير في الرأي العام للشباب وقطاع الرياضة ودعم المواقف التي تتطلب الاستخدامات الرقمية.

- تشجيع الأفراد العاملين في هذين القطاعين الشباب والرياضة وتحفيزهم على التطلعات وإيجاد الدوافع لهم من خلال الدفع بهم نحو الاتصال الرقمي الجديد.

ما تأثير دور الإعلام الحكومي في ظل التحول الرقمي:

- تحديد الجمهور الذي من الممكن أن يشتغل على وفق الوسائل الرقمية وإيصال المعلومات والأخبار وكل ما يتعلق بها إلى الجمهور العام، بصورةٍ مُجرّدة، ودون تحيُّز.

- ايجاد مساحات افتراضية تعمل على صياغة روح المساهمة وخلق النقاشات والحوارات المختلفة، مع نُخب المجالات المتعددة، ضمن حيّزٍ إعلاميٍ مُعيّن، يأخذ على عاتقة الاشتغال على وفق التغيرات الرقمية.

- العمل على تنشيط الوعي والبحث عن القضايا، التي لا يعرف عنها العامّة الكثير، من خلال العمل على تطوير مفاهيم التحول الرقمي وبث طرق استخدامها في المجتمعات ما بين الشباب.

- أيجاد رأيٍ عام في قطاعاتها العاملة بين فئات الشباب والرياضيين في مجال التحول الرقمي، والتأثير في الرأي العام؛ فتطرح وسائل الإعلام عن طريق الفضاء الرقمي المناقشة مختلف القضايا، وتنتقي إحداها للتركيز عليها، وإثارةَ رأي عامٍ حولها، وفي بعض القضايا يتخذ المجتمع نظرةً أو رأياً عامّاً، فيختار الإعلام بعدها، القيام بدوره لتصحيح وجهة نظر الناس وقناعاتهم، والتأثير بهم على نحوٍ مُغاير.

ما فوائد التحول الرقمي في حال استخدمت في الإعلام الحكومي؟

- العمل على تطوير أمكانيات التواصل بطريقة أكثر إيجابية بدلاً عن الطرق التقليدية في الاعلام التقليدي.

- انتاج رؤى جديدة في التفكير الذي ينطلق من عمليات أكثر فاعلية في الوسائل الرقمية.

- محاولة تطوير الممكنات العقلية بدلا من الطرائق القديمة التي لا تتلاءم مع روح العصر.

- العمل على ايجاد بدائل تقلل من الأخطاء في العمل،أو هدر الوقت العام من خلال الاعتماد على نوافذ جديدة في هذا المجال.

- الخروج من الروتين القديم في تسيير الاعمال والبحث عن الطرق الجديدة في مجال أنجاز العمل اليومي.

- أستخدام وسائل تتلاءم مع روح العصر الرقمي وترك الطرائق القديمة مع أدواتها التي لا تتلاءم مع المنجز الجديد .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

......................

المصادر

1- (موقع موضوع: تعريف الإعلام).

2- (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).

3- نفسه.

4- (موقع موضوع: تعريف الإعلام)

5- (ويكيبيديا الموسوعة الحرة ).

6- (منى شلبي: التحول الرقمي يقضي على الاعلام الورقي، شبكة النبأ المعلوماتية).

7- (المدونة : التحول الرقمي كيف ولماذا؟)

8- (المنصة الوطنية الموحدة : التحول الرقمي).

 

 

قاسم حسين صالحتنويه: هذا الموضوع سيثير استياء وربما غضب المتطرفين من المتدينين وغير المتدنين.وعليه نرجو كلا الفريقين التحلي بالصبر وسعة الصدر. فالكاتب هنا اشبه بحكم في لعبة كرة القدم، غير انه يدير لعبة فكرية، الكرة فيها هي "الكلمة"، والرابح فيها هو من يلعب بنزاهة. صحيح ان بعض "الضربات" الفكرية قد يعدّها الآخر تجاوزا، لكن اصول اللعبة تسمح لكل فريق ان يستخدم كل مهاراته الفكرية. والهدف الأساسي هو امتاع الجمهور " القرّاء" والتعلم المعرفي من كلا الفريقين، لاسيما جيلا يعاني من ارباك فكري وعدم استقرار نفسي، وصولا الى ان نعيش حياة اجمل ونتعامل بسلوك مهذّب رغم اختلافاتنا في الفكر والدين، بعيدا عن التهديد والتشهير التي يلجأ اليها من تعوزه الحجة وأولئك الذين يقعون ضمن صنف ذوي التفكير الجامد من كلا الفريقين.

*

ننطلق من حقيقة أن منطقتنا هي مهبط الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والأسلام. ومع أن جوهر هذه الأديان يدعو الى السلام والمحبة وتقديس قيمة الحياة، فانها أكثر مناطق العالم اثارة للحروب، وصناعة الموت!

فلماذا؟

هل أن كل أرض يهبط عليها دين تكون بعد ألف سنة أكثر بقاع العالم صراعا واحترابا وتنغيصا للحياة؟.

هل السبب في الدين؟.. أعني لو لم ينزل على الناس دين من السماء لكانوا عاشوا في سلام؟

لو كان السبب في الدين لما آمنت به الملايين، بل لظهر حزب او جيش او منظمة او ميليشيا تدعو الى الالحاد ومحاربة كل دين.. ولقاموا بثورة ليتخلصوا منه كما يفعلون مع الأنظمة الدكتاتورية والسلطات التي تحتكر الثروات لنفسها .

ستقول: ان السبب ليس في الدين بل في السلطة التي توظّف الدين لخدمة مصالحها وضمان بقائها.. وهذا صحيح . فتاريخ المنطقة يحدثنا أن السلطات التي حكمتنا على مدى أكثر من ألف واربعمائة عام، كانت بالمطلق ظالمة ودكتاتورية وخالقة أزمات وصانعة حروب.. حكمت بأسم الدين، وأن الثورات التي قامت ضدها ثارت ايضا باسم الدين!. فاذا كان الدين واحدا فكيف يكون له تفسيران متناقضان؟ وكيف يكون له ممثلان (جبهتان) متعارضان أحدهما: خير وعدل وسلم، والآخر: شرّ وظلم وسفك دماء؟.

ولنفترض أننا عزلنا السلطة عن الدين، فهل في هذا ضمانة أكيدة لأن تكون السلطة عادلة؟.

وهل يمتلك الناس، جماهيرنا، شعوبنا، ثقافة دينية.. أفهمتهم الأديان من خلالها أن الدين علاقة خاصة بين الأنسان وربّه؟، وأن جميع الأديان صح، وجميع المذاهب صح؟ وأن كل الطرق تؤدي بالصالحين من هذه الأديان والمذاهب والفرق الى الجنّة؟ وأنه ليس للجنّة طريق واحد خاص بدين معين أو مذهب معين يقول: الجنّة لنا والنار للآخرين؟.

وهل النار يدخلها الملحدون فقط، أم يدخلها ايضا مؤمنون فسقوا وظلموا وأكلوا المال الحرام، وأحلّوا ما حرّمه الله عليهم؟. وبالمنطق نفسه، ألا يمكن أن يدخل الجنّة ملحدون ما ظلموا أحدا ولا فسقوا ولا ارتكبوا ما حرّمه الله؟. واذا جاء الدور على ماركس يوم القيامة، ألا يمكن أن يقول له الله: انك أحق بالجنّة من " علماء " دين أثاروا الفتنة وسفكوا دماء أبرياء وتولوا السلطة فنهبوا المال العام، وأنك دعوت الى تطبيق أهم مبدأ في أدياني: العدالة الاجتماعية.. وأن باب الجنّة مفتوح لك، ولكن فقط أن تعترف بي الآن؟. أليس العمل الصالح مقدّس عند الله أكثر من الصلاة بأنواعها في الأديان الثلاثة؟ أم أن الذي يقول مثل هذا الكلام يحق لرجل الدين اصدار أمر بانهائه، ويحق لرجل السلطة اعدامه.. وربما حرقه؟.. وتاريخنا يؤكد ذلك!.

ولماذا يفتي علماء دين بشرعية قتل آلاف الأشخاص على فكرة رأوا أنها تخدم الناس وليس على جرم اقترفوه، فيما يدين ذلك بشدّة دين آخر مع أن " مصدر " الدينين واحد؟.

ولماذا اذا ظهر دين جديد نسف الدين الذي قبله، أو ألزم أتباع الدين القديم أن يؤمنوا بالدين الجديد؟ أو أن يكون له منهم موقف معاد؟ أو ينكر عليهم بعض ما يؤمنون به، مع أن مصدر الدينين واحد؟.

وهل هذه الحقيقة المعاشة فعلا، تجعل البعض يفترض أن " الدكتاتورية " و" الطغيان " جاءتا اصلا من الأديان؟ وأن " مصدر " الأديان هو في حقيقته " دكتاتور " و"طاغية "؟، أم أن الذين بشّروا بأديانهم أسقطوا عليه ما بانفسهم ليبرروا افعالهم عند استلامهم السلطة، بما فيها قتل الخصوم؟. أم أن اضفاء صفة " الدكتاتور " على " مصدر " الدين هي حاجة نفسية في الطبيعة البشرية الى سلطة تكبح جماحها، التقطتها نباهة من بشّر بدينه بهدف خلق معادل نفسي ( سادية الدكتاتور مقابل مازوشية الانسان ) عزف على وتر اللاشعور الجمعي للناس، فاستجابوا في حالة من انبهار تفضي الى الطاعة؟ .

واذا كان " مصدر " الاديان واحد، كانت اخلاقها اذن واحدة، فلماذا الصراع بين الاديان والدعوة الى الحوار بين اتباعه؟بل لماذا القتل والتمثيل بالقتيل بين اتباع المذاهب وهم ينتمون لدين واحد؟!.

وتساؤلات أجرأ:

لماذا يركّز دين معين على صفات: القوة، والجبروت، والبطش.. .فيما يؤكد دين آخر على صفات: المحبة، والرعاية، والتسامح.. .ويوازن دين ثالث بين هذين النوعين من الصفات في " الله "؟.

واذا كان " الله " واحدا"، فلماذا كوّنت الاديان صورا" ذهنية مختلفة عنه، مع انها من عنده بحسب اتفاقها؟.

على اية صورة هو "الله" في حقيقته: الاولى؟ الثانية؟ ام الثالثة؟. أم ان هذه الصفات انعكاس سيكولوجي لشخصية من أتى بالدين ــ النبي؟. وهل أن الذي اضفى على "الله" صفات القوة والجبروت والبطش، هو شخص عدواني يميل الى السيطرة على الناس وحكمهم بالقوة؟ ام ان هذا النبي يمتلك نباهة استثنائية مكّنته من فهم سيكولوجية أهل زمانه، فأضفى على من دعاهم لعبادته صفات تضمن استجابتهم لدعوته؟. وقل الشيء نفسه عن نبي آخر اضفى على " الله " صفات ايجابية، ونبي ثالث اضفى عليه صفات بشرية تمزج بين الايجابية والسلبية .

هل الصورة التي اوصلها هذا النبي او ذاك عن الله تمثل فعلا" حقيقة الله؟ ام انه (كوّنها) هو لتخدم مصالحه ومصالح جماعة محدودة؟.

وبمن يؤمن غالبية الناس: هل بـ " اله " قوي، جبّار، متكّبر، يخافون منه ويخشونه ام بـ " اله " محب للحب والجمال والموسيقى؟ ام بـ " اله " واقعي لديه من الصفات ما لدى البشر؟.

ولماذا توزع الناس في ايمانهم بـ " الله " على هذه الصور الثلاث المتناقضة، مع انه واحد؟ هل لطبيعتهم السيكولوجية؟ ام لمصالحهم؟ ام لما يتمتع به النبي من كاريزما؟. وهل ان اختلاف منظورات الاديان بخصوص طبيعة الله نجم عنه اختلاف منظوراتها بخصوص الطبيعة البشرية؟ ام العكس.. اي انهم اسقطوا على الله تناقض الصفات في الطبيعة البشرية؟.

واذا كان الدين في جوهره " ايديولوجيا " فهل هذا يعني ان هنالك دينا" بايديولوجيا منفتحة وآخر بايديولوجيا منغلقة مع انهما من مصدر واحد؟.

وهل هذا يعني ان التطرف نشأ من الدين الذي يتبنى ايديولوجيا منغلقة، ترى انها الاسلوب الامثل لحل مشاكل الناس والحياة، وتأمرهم على ان يؤمنوا بها حتى ولو بالقوة؟.

وهل ان تطور الالحاد الى " ايديولوجيا " جاء نتيجة فشل الدين في حل مشاكل الناس والحياة، وانه قدّم نفسه بوصفه الحل الامثل لجعل الحياة امتع والناس اسعد؟ ام ان ايديولوجيته فشلت وانتهى به الامر الى صناعة الموت ايضا"؟ .

انك ان تؤمن بـ "ايديولوجيا" وتتطرف في ايمانك بها، فان نوافذ عقلك تنفتح للخارج فقط لتصدّر افكارا"، ولا تنفتح للداخل لتستقبل افكارا"، وان " جدران غرف " الافكار في عقلك .. اسمنتيه، لا تسمح للقيم بداخلها ان ترشح وتتفاعل فيما بينها، الأمر الذي يضطرك الى ان تتصرف بعنف ضد من يختلف معك في الرأي، وتعطي الحق لنفسك باستباحة الآخر. فهل هذا يعني ان الشخصية الدينية المتطرفة والشخصية العلمانية المتطرفة مريضتان نفسيا"؟ وانهما سايكوباثيتان تحديدا"، مع انهما تختلفان ايديولوجيا" وعقائديا"؟.

ان التطرف في الدين يزّين لصاحبه الزعم انه وحده على حق، وينعت من يخالفه الرأي: بالكفر، والمروق، والزندقه، والفسوق..، وان التطرف بالعلمانيه يجعل صاحبه يزعم انه وحده على حق، وينعت من يخالفه الرأي: بالرجعيه، والتخلف، والانغلاق، والدوغماتيه، والايمان بوهم. ومع تناقضهما العقائدي، فان كليهما يزدريان الغير، وكليهما عدوانيان حاقدان منتقمان، يبيحان لنفسيهما حق اخضاع الآخر واباحة سفك دمه ان رفض. فاذا كان الدين من الله، فهل يعقل ان يأمر بقتل اناس هو خلقهم ليعيشوا؟ واذا كان العلماني الالحادي رأى ان " الله " وهما"، وان العقل هو الحقيقة، فلماذا يرتكب الجريمة نفسها مع انه يعدّ نفسه الاكثر وعيا" والأرقى نبلا"؟.

واذا كنت ترى ان الدين سفسطه او هلوسه فان التطرف فيه يكون حالة من حالات المرض العقلي، ويكون صاحبه معذورا" اذا ارتكب جريمة قتل، فأي عذر تعطيه لمن يؤمن بالعقل ويعمل بمنطقه اذا ارتكب الجريمة نفسها؟.

وما علاقة الدين بالثقافة؟ هل هو الذي انتجها أم هي التي انتجته وصنعت التطرف فيه؟. وهل يختلف دين عن دين آخر بنوعية الثقافة التي يشيعها؟ وقل الشيء نفسه بخصوص الالحاد والايديولوجيات العلمانية .

ان النوع يخلق ضده النوعي، فالتفكير الخرافي خلق التفكير العلمي، والدين خلق الالحاد (قبل نشوء الدين لم يكن هنالك الحاد) . واذا كان التطرفان الديني والالحادي ضدين نوعيين، فالى مـ سيفضيان؟ هل ستبقى صناعة الموت ازليه، مادام المؤمنون وغير المؤمنين يجدون فيها الوسيلة الوحيدة للبقاء؟.

أخيرا: ماذا اُثارت فيك هذه التساؤلات؟ وبماذا تصف من أثارها؟

خذ راحتك وقل ما شئت.. فموعدنا في الحلقة القادمة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

سامي عبد العال" وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ..."( البقرة 115)

" وحدُهم الحمقى يغتصبون المقدسات بعناوين مقدسة ... "

" يستحيل قلب المقدس إلى مقدس آخر، لأنه نص ... "


تخرج المقدسات من حيز المكان الغُفْل لتدخُل التاريخ، ولا توجد دون هذه السمة التي تعدُّ ضروريةً للدين. ولئن كان هناك ما يُميزها جذريَّاً، فهو روح المعتقدات وتجلياتها السرية بشكلٍّ مُعلّن. أي تبدأ بالحضور الروحي داخل الفرد ثم تأخذ لدى الجُموع حال الممارسة، على غرار إقامة الشعائر والاحتفاء بالرموز وحضور المراسم والصلوات. وهذه الأشياء بالإجمال تمثل عمقاً فائق الوصف، فلم يكن وجودُ المقدسات على الصعيد البشري إلاَّ بمبررات ميتافيزيقيةٍ غير قابلة للتملُّك (الحصر، الاستئثار، الانفراد، التخصيص).

وحتى لو وُجدت مذاهب تغطي تلك المساحة من التدين، فكيف يتم تملُكها وهي لا تدخل حيز الأفراد بقدر ما تنأى نحو العُلو الكلي؟! فالدين يتميز بكونه تجارب عامة، تنزل من أجل الناس كافة في ضور الرسالة المبتغاة. إنَّ الملكية ضربٌ من الاستحواذ الخارجي الذي يجهض قدرتنا على بلوغ ما نؤمن. لدرجة أنَّ ما يحول دون امتلاك أية مقدسات ليس هو الإقرار بكونها معروفة سلفاً، بل عملية الانفراد بها بواسطة قداستها، أي عند احتكار المقدس فيها. فهي تجتمع بالتاريخ وتنفتح عليه في كل لحظةٍ وتُحلق- بعيدا أو قريباً- بحسب رمزيتها. ذلك هو السبب وراء أنَّ جميع المقدسات لها طابع التعالي الروحيspiritual transcendentality ، وأنَّ المؤمنين يدركون أهميتها رغم أنَّهم قد يقدسون بعضها فقط.

و"الاستثناء" كلمة يصح استعمالها بهذا الصدد تحت شرط قصور لغة التعبير عن نقل كافة المعاني المعطاة لها. المقدس هو عدسة مجمعة لمعان تتوافر على زخم نوعي. والمقدسات بالنسبة للبشر "استثناء" حتى في الطقوس والتواجد بساحتها. وإلاً لما سُميت بذلك، وكأننا نقول إن هناك مساحات من وجودنا المكاني غير قابل للمساس به، ولا يجب اعتبارها اعتيادية. وهي دوماً تحت التوقيف المقبول عموماً بذات النبرة التي تخص الدين. ليس كل من هب ودب يجترح عليها لأنها جزء من بناء التدين. فالمقدس يرتبط بأطياف الرهبة والخشوع بفضل دلالة الوجود الروحي، بحيث لا يستطيع المؤمن الإتيان بأي فعل مناوئ للسياق. لأن الخشوع لون من التبجيل الذي لا يتفلت من حالة الايمان التي تحدد تقدير الفعل إجمالاً. ولذلك تتميز المقدسات بعملية الأداء، فالأداء (على غرار الصلوات والتراتيل والحركة والسيمياء العام) يمثل تعبيراً عن هالة الحضور المتعال، ينطبق ذلك على المعابد والكنائس والمساجد باختلاف الديانات. وبالإمكان اكتشاف أن كل تاريخ لها هو عالم من الكلمات التي تدبج تسود سطور الوجدان وتصورات الناس.

المواقع نصوص

مواقع العبادة - في الديانات - طقوس وأفكار وتاريخ مثلها مثل النصوص. لو أجيز القول، فهي لغة مكانية وأثرية مشبعة بدلالات المقدس. تماماً هي تحمل أعمق العواطف والمشاعر لدرجة اعتبارها جزءاً من الإنسانية. مهبط لروح العلاقة مع الله واتساع ميتافيزيقي يليق بحرية العبادة لا غير، ساحات لرفع الزفرات والأدعية إلى السماء. ولذلك يستحيل محوها في شكل مسجد أو العكس: من مسجد إلى كنيسة أو من كنيسة إلى مسجد. في تلك الحالة، تصبح مواقع العبادة نوعاً من تراكم المعتقدات، تشكل تاريخاً روحياً في الحياة.

إنها تندد بهؤلاء الذين يستحيلون ساحتها من دينٍ إلى دين آخر. ولن يفعل هؤلاء سوى إثارة حنق المؤمنين بجميع الديانات. كما فعلت الدولة التركية العثمانية بقلبها الاستعماري الغابر، فعلت في لحظة نكاية تاريخية تعيد أمجاد زائفة من وراء الغزو ونشر الإسلام بالسلاح وهو في حلٍّ عن عثمانية الدماغ الملوث حتى النخاع. ما تداعيات ذلك فكرياً وفلسفياً؟ وكيف يكون الموقع المقدس مقدساً؟ وهل يمكن تغطية المقدسات بمقدسات أخرى على أنقاضها؟

كل موقع للعبادة عبارة عن " توقيع إلهي وإنساني" عام جداً، يظن أصحابه أنه غير قابل للتكرار، لكنه في الديانات قد يكون توقيعاً داخل توقيع، إيمان داخل إيمان، أثر عبر أثر سابق أو لاحق. لأنَّ الايمان ليس مفرداً في التاريخ وإن كانت له تجربته الخاصة على صعيد الإنسان. يبقى مخصوصاً في تنوعه وتعدده، ويظل بالتوازي متعدداً في خصوصيته... تلك المفارقة التي تلخص تراث الروح عبر عصوره الممتدة.

المكان المقدس مليء بما قيل وما كتب في أضابير التراب الآتي من سحيق والذي شهد كل علاقاته بالإنسان. فالمؤمنون يعتقدون أنهم قد كتبوا علاقاتهم الميتافيزيقية والروحية بمداد الرجاء الذي تشربته الأرض يوماً ما، في شكل سجود أو تراتيل أو أدعية أو شعائر جماعية. أين تذهب هذه الأشياء عندما تنفض الجموع التي تمارس طقوساً؟ إنها تبقى كالكربون في ذرات الأرض، لغة سرية تعلق بذرات المكان والهواء والأنفاس وحبات التراب والغبار المحيط بالمكان. لأن الطقس يختلط ويخرج بكامل وجود البشر، من الرموز والكلام حتى ينكتب في هيئة جسد مختمر بحال العالم الخاص. ويكلله الروح بوافر القدرة على الأسرار والبراح النفسي لأصحابه.

النص (أو المكان) في هذا الوضع هو مجموعة حفريات دلالية متطامنة داخل بعضها البعض، مثل التوراة والإنجيل والقرآن، فليست هذه الكتب نصوصاً فقط، بل أمكنة، بلغة معاصرة: هي جغرافياً الروح الهائم في مناطق العالم وأقاليمه. والاسلام لم ينكر هذا التلاقي، هناك نصوص وآيات تكاد تتماثل بين الديانات الثلاث سواء أكانت متعلقة بالأنبياء السابقين أم بالحياة والاخلاقيات أم باليوم الأخر. ويصعب فهم القرآن دون معرفة التوراة والأناجيل ويصعب فهم الأناجيل دون سبر أغوار التوراة والقرآن فيما يعرف بالتناصintertextuality . وهو ظاهرة لغوية تاريخية حين لا يوجد نص من عدم، بل هو يقع دلالياً ومعرفياً بين (داخل) عدة نصوص. والعبادات تتناص كذلك، فهناك صلوات في اليهودية وفي المسيحية والإسلام مع وجود الفروق بحسب طابع الايمان في الديانات.

ولأنَّ الطقوس المكانية ممارسة تكرارية، فقد جعلتها العبادة مكتنزة بكل تنوع في وحدتها. وليس سهلاً فصل المشاعر والتصورات والخواطر عما يجعلها متوجهة إلى المقدس. وإذا كانت تُسمى دور العبادة العامة، فلأنَّ كل البشر المؤمنين يطرحون ما يثقل كاهلهم معاً في أداء جمعي. والتمييز ليس وارداً طالما سيكون الهدف خارج الذوات. وهذا يبدو واضحاً في مواقع الحج والأعياد والمناسبات، حيث يتجرد البشر مما يفرقهم متوجهين نحو ما يجعل الحياة ممتلئة الدلالة.

الحب والدين

يبرز ابن عربي في "ترجمان الأشواق" هذا المعنى، معنى أن تكون صور العبادة المكانية نصاً. ليس بالنص الهش، لكنه نص مكتوب بنبضات القلب والتحلي بتنوعه التاريخي. إن ما يميز الإنسان هو استيعابه للمعتقدات لا بطريقة الاقصاء بل بقدرته على مواكبة ثرائها، حيث طواف الروح كما تهوى وتعشق:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن

أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

(محي الدين بن عربي، ديوان ترجمان الأشواق، تحقيق عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت – لبنان الطبعة الأولى 2005، ص 62)

إنكار الصاحب لم يكن مقصوداً لذاته من حيث التنافر الإنساني، لكنه تجاهل لصاحب روحي في إقليم اعتقادي آخر. فالتدين الاعتقادي يتوزع على خريطة المجالات التي تغطيها الديانات بين مؤمن وآخر، وابن عربي لم ير ديناً قريباً مما يعتنق. هذا قبل اليوم الذي يمتد باتساع الحياة فيما تحول إليه. والدنو يبدو أنه تقارب شكلي. وكأن الفكرة أنَّ الشكل يباعد بين الديانات حتى ولو كان أصحابها قريبين من بعضهم البعض. وقبل التوجه إلى الأبيات تحت البيت الأول، تتمايز الفكرة تمايزاً كزبد البحر. فالصراع بين المؤمنين باختلاف أقاليمهم الروحية إنما هو إقصاء وتباعد. ولذلك استعمل ابن عربي لفظ "الإنكار"، فالإنكار اعتراف وتغييب رغم الحقيقة التي يعبر عنها موضوعه. وهو موقف معرفي لا أكثر، ويتدخل الجانب الإنساني من باب خصوصية الأفراد وروحانيتهم.

لكن بعد اليوم، أي مع اتساع الوجود الروحي الثري، هناك قدرة على التنوع. ورغم كونه تنوعاً روحياً (اعتقادياً) غير ملموس، إلاَّ أنَّ ابن عربي يحيله إلى سيمياء الصورة. أي يعيد كتابة الروحانيات بلغة المكان، اللقطة، الطقس، الأداء. والأخطر أنه يراوح بين الصورة والحرف في عملية يصعب محوها. وكل ذلك جعل من قلبه كراساً لتدوين المعاني وايراد الصور فوق بعضها البعض كحال النصوص الإبداعية الكبرى التي تطوي تواريخ وعصوراً ودلالات مفتوحة.

وكلُّ صورةٍ لا تأتي منفردة بذاتها، لأن سياق الاعتقاد والحب يقبلان أية صورة مغايرة. حيث لا حقيقة لها من جهة الاقصاء، فهي تأخذ كامل مكانتها في مشهد القلب. يقدم ابن عربي قلبه ليقبل كل صورة ممكنة من أقصى المعتقدات إلى أدناها. ويستفيد المعنى من الخيط الدلالي في لفظة (القلب)، فالقلب هو التقلب والاختلاف والتباين بين الفينة والأخرى. وعلى ذلك يلون المتصوف قلبه لا توحداً بانغلاق الفكر، إنما برحابة الروح وتحليقها بأي مكان فسيح.

القلب هائم كسطور كتبت في سرية النفس، مرعى لغزلان... كلأ الحب عن كسب ليأكل منه كل حيوان وطير وإنسان. والغزلان رمز الوداعة والتسامح والجمال. فكيف لا تكون قلوبنا واسعة كالطبيعة لمثل الكائنات الهشة؟! وإذا كانت الغزلان ترعى بحرية، فلماذا لا يكون الإنسان؟! إن القلب غذاء الآخر دوماً في التصوف، ليس يقف حصراً على صاحبه الذي يشعر بأنه نبض الكون والعالم. ولذلك سيكون النص نص من لحم ودم في وسع القلوب إلى كل شيء.

ومع تعدد الصفحات، يتسع القلب لأديرة الرهبان.. فلم يقل ابن عربي: إن قلبه يتسع إلى الرهبان بل إلى المكان المقدس (الدير) وهو مكان للخلوة والجلوة والاعتكاف للرب. وكأن القلب ينص على المسيحية طوال الوقت ويعبر عما يكتنفها من طقوس العبادات. وهو أمر وارد في القرآن، فلا يصح إيمان به دون الاعتراف بالأديان السابقة.

في الحقيقة لا تنطبع الصورة قلبياً بطريقة آلية، إنما عن طريق الأنفاس والخطرات والمعاني. هل ابن عربي يدرك ذلك جيداً؟ بالقطع هو يعرف فحوى الديانات وصورها التي ستنطبع بها أنفاسه. لأننا كبشر لا ندرك المقدس دون هذه الانطباعات الأولية التي لم تزدد وجوداً بل تزداد قوة أو ضعفاً. ويتقلب المعنى من الدير (المكان) إلى بين الأوثان، لم يتدرج ابن عربي، بل يدمج الصور معاً. وكعبة طائف تنطبع على كل طائف خارج حدود الديانات وداخلها. كعبة طائف هو أي طائف، كأنه يردد مقولتي: " أيا كان" و" مهما يكن".. فالإنسان يأتي بالمقام الأول أيا كان هذا الإنسان. لم يعد يفصله عن أخيه الإنسان أية حواجز أيديولوجية حتى القلب فقد جاء كمسكنه.

والقلب نفسه محل ألواح توراة، من جانب كونه كتاباً، فما لم يكن هناك إيمانٌ عميق بالتنوع الاعتقادي لن يكون القلب سوى مضخة كراهية. على طريقة المثل الشائع" صباح الخير يا كنيسة.. اللي في القلب في القلب"، كلام ابن عربي يمسح معاني الكراهية من بيت الداء ذاته (القلب)، وليكن هناك تنوع بلا حدود.

الحب هو الحبر السري الذي يكتب به ابن عربي، حب ممنوح لكل البشر دون استثناء، وهو تحويل المقدسات إلى نصوص غائرة في عمق ما نؤمن. أي يجب اعتبار موروث الاعتقاد كتاباً واحداً، ليس بمعنى التداخل المفرط لما نؤمن، بل لكون الحقيقة متداخلةً لدرجة التماهي، كما أن الروح تحلق هنا وهناك ولا تتوقف.

تناص المكان

بخلاف هذا الوضع جرى تحويل كنيسة أيا صوفياً إلى مسجد. وتمَّ اعتبار المكان سلبياً، إن قرار تحويل الكنيسة التاريخية إلى مسجد هو عمل أـيديولوجي لا يعترف بالنصوص ولا بثراء الموروثات الدينية. والتناص لا يلغي ما سبق، بل تظل معناه فاعلاً في المكان المقدس. حتى على صعيد الجانب الحضاري المعماري، وهذا له علاقة بالبناء الروحي الداخلي.

جميع مسارات المساجد والكنائس أو العكس تتألف من هذا التضافر الديني، وهو المعنى الخاص لتضافر النصوص بمعناها ما بعد الحداثي. فلقد كان موقع مسجد آيا صوفيا كنيسة في عصر الامبراطورية البيزنطية، وكم كانت الكنيسة فضاء تشكيلياً لقيم العمارة وأيقونات المسيحية في ذلك الوقت. ونحن نعرف أنَّ الدين كرؤية روحيةٍ للعالم يتجلى في فنون وآداب تلتقط مواقع الإنسان فيها. فالفنون يصعب محوُها بحكم رسوخ المكان (الكنيسة موجودة تحت المسجد، أو هي المسجد ذاته) وأرواح الفنون تتلاقى وتضيف إلى بعضها البعض. ومازالت الفنون البيزنطية والأيقونات المسيحية تزين جدران مسجد آيا صوفيا حتى اللحظة. ماذا ستمثل نقوشها؟!

إنها نصوص مكتوبة داخل الرسوم والصور والروحانيات المجسدة، نظراً لكون النقوش ألوان من الرؤى الجمالية للعالم والأشياء، حتى أن كامل الصلوات الدينية الاسلامية ستجري تحت نظر الايقونات المسيحية، وستحضر جميع العبادات مع أنهم لم تفقد دلالتها. بل بموجب التناص ستشكل ذاكرة مكانية- نصية في أقل الأحوال للإحالة إلى أزمنة سابقة.

آيا صوفيا باللاتينيةSancta Sophia  أو(Sancta Sapientia )، أو جامع آيا صوفيا بالتركية:. Ayasofya Camii ‏ تاريخياً عُرف في العصر العُثماني باسم الجامع الكبير الشريف لآيا صوفيا، بالتركية العثمانية: آيا صوفيا كبير جامع شريف وكنيسة آيا صوفيا في العصر البيزنطي، هي دار عبادة تاريخية تقع على الضفة الأوروبيَّة في مدينة إسطنبول وقد استُعملت كاتدرائيةً لبطريركية مسيحية أرثوزكسية وكاتدرائية رومانية كاثوليكية ومسجداً عثمانياً ومتحفاً علمانياً.

ورغم اختلاف الطقوس ما بين المسيحية والإسلام، إلاَّ أن كلمة صوفيا ترسم بينمها سياقاً من الإنسانية. صوفيا هي الإملاء الصوتي اللاتيني للكلمة اليونانية " الحكمة" وعلى الرغم من الإشارة إليها أحياناً باللاتينية(:Sancta Sophia  سانكتا صوفيا) أو "القديسة صوفيا"، إلا أنها لا ترتبط بالقديسة صوفيا الشهيدة. الاسم الكامل  باللغة اليونانية: Ναός της Αγίας του  εού Σοφίας) )، أي "ضريح حكمة الله المقدسة". احتوت الكنيسة على مجموعة كبيرة من القطع الأثرية والأيقونات. وهذا يعود إلى الإيمان خلف فكرة أن يكون الإنسان حكيماً، فالدين قائم على التدبر والتأمل ووضع عناصر الحياة في مكانها المناسب. وتلتقي الحياة مع الفكر بوصفه محبة الحكمة والسير على غراراها. ومن الحكمة الاعتراف بالآخر الديني، حتى ولو كانت مقدساته طِباقاً دلالية تحت ما نعتقد. والتراثات الدينية تثبت ذلك، ليس بمنطق الإقصاء بل التداخل والتماهي. إن المشترك ممتد وكل الديانان متون نصية على هذا المشترك. تأتي إحداها ليعل الصورة ويضيف إليها ويجعلها أكثر وضوحاً. تختلف الترتيبات والأفكار لكنها تندرج على هذا السياق العام.

بجانب ذلك، قد بُنيت الكاتدرائية المسيحية بالمكان في عام537 م، في عهد الامبراطور الروماني جستينيان الأول، وكانت في ذلك الوقت أكبر مبنى في العالم وأول من استخدم قبة معلقة بالكامل. اعتُبر المبنى جوهرة العمارة البيزنطي. وقيل أنها "غيرت تاريخ العمارة.  ووصفها عدد من الكُتَّاب بأنها "تحتل مكانة بارزة في العالم المسيحي"، وبأنها "أعظم من جميع الكنائس المسيحية". ويُشير المؤرخون إلى أنَّ آيا صوفيا اعتُبرت رمزاً ثقافياً ومعمارياً وأيقونة للحضارة البيزنطية والحضارة المسيحية الأرثوذكسية. وذلك ليس قابلاً للإزاحة جانباً، لأن الرمزية لا تغيب إلا توطئة للظهور مرات تالية. ليس أقلها ما أثارته عملية اعلان كون أيا صوفيا مسجداً. حيث شعر المسيحيون بفقدان شيء غالٍ وأنه يستوجب الحداد كما لو كانوا قد فقدوا درة الحياة لديهم.

لأنَّ المكان المقدس يحتمي بذاته لا بشيء آخر، معتمداً على رصيد التقديس لدى أصحابه وعارفيه. ولذلك لم يفعل مسجد آيا صوفيا سوى إحياء تراثه المسيحي مرة ثانية وليس العكس. فلم ينجح قرار اتخاذه مسجداً إهالة التراب عليه، لأن تراثاً كهذا يستحيل نزعه من الوجدان الشعبي للمؤمنين قبل وبعد نزعة من التاريخ. فالتاريخ كتب وظل حياً وليس يمكن قتله في هيئة مقدس آخر. لأنَّ الحِداد توقيف للحياة في شكل تذكُر متواصل للماضي، هو طقس كوني إنساني، إنها مشاعر الحداد التي تسمى بالنكبة كما حدث عندما حولت جحافل المسيحية مساجد المسلمين في الأندلس إلى كنائس ومرابض للخيول.

ويتواصل التناص على نحو صراعي، عام 1261 فتح المسلمون القسطنطينية تحت الراية العثمانية عام 1453 وبقيادة السلطان محمد الثاني، فحُوِّلت الكاتدرائية إلى مسجد. وفي عام1935 حُوِّل المسجد إلى متحف  في يوليو عام 2020، قضت المحكمة الإدارية التركية العليا إلغاء وضع المبنى كمتحف وإعادة العمل به كمسجد. بينما كانت الكنيسة مُكرسة لـ" حكمة الله"، وهي من ألقاب الأقنوم الثاني في الثالوث وذكرى الشفاعة مكرس في يوم25 ديسمبر عيد الميلاد، وهو ذكرى تجسدَّ الأقنوم الثاني يسوع المسيح.

المقدس الجديد لا يمحي حتى الملابسات التي كانت لسابقه. يقول التراث إن كنيسة آيا صوفيا شهدت حرمان البطريرك ميخائيل الأول سيرولاريوس رسمياً من قبل هامبرت من سيلفا كانديدا، المبعوث البابوي للبابا ليون التاسع في عام 1054، وهي حركة تُعتبر بداية الانشقاق بين الشرق والغرب المسيحي. هذا وقد دُفن دوق البندقية الذي قاد الحملة الصليبية الرابعة ونهب القسطنطينية عام 1204، إنريكو داندولو، في الكاتدرائيَّة ذاتها.

كل ذلك التناص يبقى فاعلاً في صور المكان الثقافية، ويستند تفسيره إلى دلالة الخلفيات المتوارية، ليس سردية زمنية فقط بل سردية تتداخل وتتعامد وتتماهي بمؤمني المسيحية والاسلام معا, لن يكون الفريقان بعيدي التفكير عن بعضهم البعض.

وثيقة الشطب

يشطب المقدس الجديد (المسجد) الموقع القديم (الكنيسة) حين يأخذ صورته، فالذي حدث هو (إعادة كتابة ( rewriting على آثار لم تمحَ على طريقة قراءة النصوص. لأن الشطب عملية وضع خط فوق الحالة المراد شطبها دون إلغاء من الأساس.  ولنلاحظ أن الشطب مزدوج، فهو يطمس السابق ويبرزه. والسلطان العثماني السابق( محمد الفاتح) والحالي (أردوغان) لم يدركا ذلك وهو ما يثير الكوامن خلف المظاهر.

في عام1453 فتح المسلمون القسطنطينية بقيادة السلطان العثماني محمد الثاني الذي لقب بالفاتح، فأمر برفع الآذان في الكنيسة إيذاناً بجعلها مسجداً جامعاً. انتقل مقر بطريركية القسطنطينية المسكونية إلى كنيسة الرسل المقدسة، والتي أصبحت كاتدرائية المدينة. ورغم أن بعض من أجزاء مدينة القسطنطينية كانت بحالة سيئة، فقد تم الحفاظ على الكاتدرائية بأموال مخصصة لهذا الغرض. غُطيت اللوحات الفسيفسائية الموجودة بداخل الكنيسة بطبقةٍ من الجص طيلة قرون استخدام المبنى كمسجد، ومع الوقت أُضيفت السمات المعمارية الإسلامية لآيا صوفيا، مثل المنبر، وأربعة مآذن، والمحراب. استمرَّت آيا صوفيا المسجد الرئيسي لإسطنبول مُنذ تحويلها حتى بناء جامع السلطان أحمد القريب، والمعروف أيضاً بالمسجد الأزرق، في عام1616 .شكل نمط العمارة البيزنطية لآيا صوفيا مصدر إلهام لبناء العديد من المساجد العثمانية الأخرى، بما في ذلك المسجد الأزرق ومسجد سليمان القانوني وجامع رستم باشا وجامع قلج على باشا.

وهذا دليل أنَّ المقدس المشطوب يظهر من جهة ويهيل التراب على المعتقدات السابقة من جهة أخرى، ولم يكن في بدايته إلا اغتصاباً للمكان. فقد جاءه السلطان الفاتح على صهوة الصراع بين المسيحية والإسلام.

1-  فالحرب كانت مشتعلة بين العثمانيين (باسم الإسلام) والبيزنطيين (باسم المسيحية). كانت آيا صوفيا هي ساحة هذا الصراع وتجلياته. ونحن نعرف أن صراعاً عسكرياً كهذا يدخل كل الآفاق بين الشرق والغرب.

2-  الجانب الرمزي يستحيل محوه لأنه يظل لصيقاُ بالشطب. فإذا كان المسجد قد بدا كذلك فالكنيسة حاضرة بشكل أو آخر. لأن الرموز لا تموت، بل تزداد قوة كلما تام اقصاؤها.

3- الثقافة هي الشكل الباهت المتأخر بعد ضياع الأصول، والمسجد سيحول المكان إلى ثقافة تعترف بتنوعها. رغم أن أردوغان والأتراك المعاصرين لم يقصدوا ذلك.

ظلّ المبنى مسجداً حتى عام 1931، عندما أغلق أمام المُصلين طيلة أربع سنوات. وأعيد افتتاحه في عام1935 كمتحف لجمهورية تركيا العلمانية الوليدة. كانت آيا صوفيا اعتباراً من عام 2014 ، ثاني أكثر المتاحف زيارة في تركيا، حيث جذبت ما يقرب من 3.3 مليون زائر سنوياً. وفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية، كانت آيا صوفيا أكثر مناطق الجذب السياحي زيارة في تركيا في عام2015 وعام 2019 .

4- المسجد عندما كان متحفاً ليس اعتداءً على فكرة المسجد في الاسلام ولا الكنيسة في المسيحية، بل حفظاً لتراث مازال حياً ويتيح الاطلاع على التاريخ واعتراف صريح بالتنوع الاعتقادي. وكانت فكرة المتحف فكرة ذكية جداً كنوع من التذكار التاريخي وعلامة على التعايش وإعادة تمثل الماضي.

5- إعادة فتح المسجد في آيا صوفيا زاد المساجد مسجداً رغم أنَّ الاسلام لا تنقصه المساجد، بل تنقصه القلوب والضمائر والقدرات. والأخيرة هي المقدسات الحقيقية الغائبة عن المسلمين. فالإسلام أقرَّ أن الأرض جميعاً مسجدٌ وطهورٌ، إذن العمل على بقعة معينة باعتبارها مسجداً هو اغتصاب ليس أكثر. عمل مناقض لجوهر الإسلام، فلم يرض المسلمون الأوائل إقامة الصلوات في الكنائس- وكانوا يستطيعون ذلك- مخافة أن تعد اغتصاباً غير مبرر. ليست الكنائس غنائم حربيةً حتى تدهسها سنابك المصلين خلف أئمة الأيديولوجيا والسياسة. وهذا تشريع انساني فذ لروح كوني يقارب فكرة الحياة وتنوعها. إن تحرير المكان (باعتباره نصوصاً) حتى من (الذات) أمر مقدَّر تاريخياً، لكن (للأسف) فقده بعض المسلمين نتيجة ضيق الأفق.

 

سامي عبد العال