ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (10)

وبما أن قضية الأرض في العراق هي قضية مفتعلة، بمعنى انه لا تاريخ فعلي فيها ولها، من هنا تراكم العبارة الوجدانية والأسطورية في الخطاب القومي الكردي. كما لا يعني بروزها و«تكاملها» في الوعي السياسي القومي الكردي سوى الاضمحلال شبه الكامل للرؤية الوطنية العراقية. وبلغت هذه الحالة ذروتها فيما يسمى بقضية كركوك و«الخارطة» الكردية بشكل عام وفي العراق بشكل خاص!!

فمن الناحية التاريخية والثقافية والشرعية والوطنية ليست «خارطة كردستان» و«قضية كركوك» سوى رغبات وأحلام قومية عادة ما تميز أوهام الحركات القومية الصغيرة. ومن ثم لا علاقة لها بالعراق من حيث كونه تاريخا وهوية وجغرافيا ودولة. إذ تشير هذه الأحلام والرغبات إلى طبيعة النفسية والذهنية المتحكمة في الخطاب السياسي القومي الكردي في العراق وأثره بالنسبة لآفاق تطور الفكرة الوطنية. واكتفي هنا بتحليل شعار «كركوك قلب كردستان وقدس الأقداس» بوصفه شعارا نموذجيا يمكن من خلاله تشريح أبعاد الفكرة الوطنية العراقية في الوعي القومي الكردي الحالي (وسوف اتناول أصل مدينة كركوك وتاريخها في مقال لاحق).

إننا نعثر في فكرة «قلب كردستان» على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي، الأول وهو أن كركوك ليست عراقية. والثاني أنها محتلة. والثالث أن الأكراد لا علاقة لهم بالعراق، بمعنى أن قلبهم ليس في العراق. والرابع، أن الأكراد بلا كركوك هم أشبه ما يكونوا بإنسان بلا قلب، أي بلا شريان الدم. بعبارة أخرى، إننا نرى في هذا الشعار المضمون الخفي لهاجس الأرض «الكردية» «المحتلة»، وشريان النفط الضروري لحياة الأكراد المستغل من جانب قوى غريبة عنه.

والشيء نفسه يمكن قوله عن الشطر الثاني المكمل للشعار، أي لفكرة «قدس الأقداس». إذ نعثر فيها أيضا على أربعة جوانب مختبئة في الوعي القومي الكردي ومتحكمة بآلية لاوعيه السياسي. الأول وهو أهميتها «المقدسة» بوصفها أرض «الآباء والأجداد». والثاني أنها مسروقة من قبل أقوام دخيلة هم العرب والتركمان. والثالث، أنها «كعبة» القومية الكردية الجديدة. ورابعا، أهميتها الروحية بوصفها «قدس الأقداس»!

إننا نقف أمام مجموعة من العناصر الخفية التي تنتج وتعيد إنتاج الوعي العرقي للحركات القومية الكردية في العراق. وهو وعي لا تاريخي وأسطوري وفارغ من ابسط مقومات الرؤية الواقعية والعقلانية. فمن الناحية التاريخية السياسية كان الهدف الأرقى والأعلى والأسمى للحركات القومية الكردية قبل «اقتطاع» بعض من العراق التاريخي الكائن في جسد السلطنة العثمانية المتهرئ، هو السليمانية. وقد جرى اجتزاءها في بادئ الأمر بهيئة «حكمتدارية» جرى دمجها بالعراق الحديث لاحقا. بمعنى أن الحد الأقصى للرغبات القومية الكردية قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة لا يتعدى منطقة السليمانية. وهي رغبة محكومة بواقع سياسي وجغرافي وثقافي وديموغرافي آنذاك. إذ لم يكن للأكراد محط رجل لا في أربيل ولا دهوك. أما كركوك فإنها كانت في «غيب» الانتشار الكردي ضمن أراض العراق بوصفهم مواطنين فقط.

والقضية هنا ليست فقط في انه لا كردية في كركوك، بل والعراق بمعناه العربي (الذي كان يضم إلى جانب العراق الحالي أجزاء كبيرة من تركيا الحالية). كما لا يوجد أثر للأكراد حتى ضمن مفهوم «عراق العجم». فالأكراد من الناحية التاريخية هم قوم الجبل. ولا علاقة لهم بالمدن. والتاريخ الكركوكي (العراقي) لا كردية فيه لا بالمعنى الدولتي ولا الحقوقي ولا الثقافي ولا السياسي ولا الفني ولا المعماري على مدار آلاف السنين. أي منذ أن ظهرت إلى الوجود بوصفها مدينة عراقية. أما الانتشار الجديد للأكراد فيها زمن الدولة العراقية الحديثة فقد كان مرتبطا في اغلبه بانتقال «المساكين» الفارين والهاربين من سطوة الأغوات والفقر والقهر إلى أطراف المدن العراقية العديدة بما فيها كركوك. وهي عملية بدأ زخمها بالاندفاع منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أي ضمن مسار وتطور الدولة العراقية. ونفس الشيء يمكن قوله عن أربيل ودهوك (وأسمها الاصلي نو هدرا الاشورية البابلية الاصل) وغيرها من المناطق والمدن العراقية. فهي مدن عراقية أصبح أسلوب الإبادة الجماعية والقتل والتشريد الهمجي لسكنتها العراقيين الأصليين (الآشوريين) بدأ من زمن بدر خان وأتباعه (أربعينيات القرن التاسع عشر) حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، طريقا لتغليب العنصر الكردي فيها. ومن ثم فإن كل ما جرى بهذا الصدد هو جزء من تاريخ الدولة وليس القومية. ومن ثم فإن وجود أكراد في منطقة ما لا يعني أنها «منطقة كردية»، وإلا لانقلبت جغرافيا الأمم والأرض! فالجغرافيا القومية هي أولا وقبل كل شيء تاريخ ثقافي وحضاري ولا شيء آخر. فالإفريقي المنقول زمن العبودية إلى أمريكا لا يفترض في وعيه أن يرى في أمريكا افريقستان! انه يمكن أن يكون مواطنا أمريكيا من أصول افريقية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأكراد في أراض العراق. كما يمكن قوله عن أي شخص آخر بغض النظر عن أصوله القومية.

إن وجود أو انتشار الأكراد في مختلف مناطق العراق هو أول وقبل كل شيء دليل على قلب العراق الكبير ومعرفته لقيمة القدس والمقدسات في قبول البشر بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. ولا معنى لتحويل قلب العراق الفعلي تجاه الأكراد والقومية الكردية إلى قلب «كردستاني» لا علاقة له بالعراق. أما مطابقتها مع «القدس» فهو اشتراك في ما لا ينبغي الاشتراك به. والقضية هنا ليست فقط في أن مضمون «قدس الأقداس» الكردية موجه ضد العرب، والقدس فلسطينية (عربية)، بل ولارتقاء مضمون القدس في الوعي القومي العربي إلى مصاف المقدس الإسلامي. أي أنها ليست قومية فقط. بمعنى أنها عربية وإسلامية. والأكراد مسلمون، فمن أين للأكراد المسلمين شهية العبارة النصرانية، وكيف يمكن الاشتراك مع يهود الصهيونية في العمل من اجل أسطورة لا توراة فيها ولا عهد قديم ولا قواسم مشتركة؟! إضافة إلى أن ما يدعوه القوميون الأكراد «بكردستان الجنوبية»، أي شمال العراق ما هو في الواقع سوى أرض عراقية آشورية تراكمت فيها منذ آلاف السنين ثقافات عراقية وعربية لم يكن للأكراد فيها أثرا ولا مأثور ولا مآثر!!

إن سيادة الرؤية الخرافية والأسطورية والدينية المزيفة عن كركوك بوصفه «قدس الأقداس» الكردية، يحتوي في أعماقه على قوى تخريبية لا تعمل في ميدان الفكر القومي إلا على صنع مختلف نماذج الغلو والانغلاق العرقي، مع ما يترتب عليه من مواقف لا تتسم بأدنى مقومات الواقعية والعقلانية والوطنية. ومن ثم لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى مآس لا يدفع ثمنها في نهاية المطاف سوى الشعب الكردي وليس «قياداته التاريخية».

إن امتزاج الرؤية الأسطورية بالدينية المزيفة في الشعار السياسي هو الوجه الآخر لضعف الحركة القومية وانسداد أفقها التاريخي. أما النتيجة فهو انحدارها من منطق الرؤية الوطنية الثقافية إلى نفسية القومية العرقية، ومن الرؤية الواقعية والعقلانية إلى الأحلام الطوباوية واللاعقلانية. الأمر الذي نعثر عليه في التمسك شبه الوثني على سبيل المثال بما يسمى المادة 58 من «القانون المؤقت». وهو قانون لا يتمتع بأية صفة شرعية، مع ما فيه من تناقضات تنبع من فكرة «المؤقت» في «القانون»!! إضافة إلى لغته العربية الركيكة التي تدل على أن من كتبه لا يلم باللغة والقانون على السواء. أما في الممارسة السياسية فإنه عادة ما يجري اختزال كل مضمون «القانون المؤقت» إلى المادة الثامنة والخمسين (ولاحقا 140)!! وهو مؤشر على ما أسميته بهاجس وحافز الأرض والثروة، أي كل ما يتجسد في نفسية الغنيمة!! ولا تحتوي هذه النفسية على أي قدر من الأبعاد الوطنية (العراقية). أما المطالبة بإرجاع العرب إلى أماكن سكنهم الأصلية في العراق، فإنه مؤشر إضافي على هذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن كركوك لم تكن جزء من منطقة الحكم الذاتي، بل وفي حق كل عراقي العيش فيها، كما يحق لكل مواطن العيش في كل بقعة من أرض العراق بغض النظر عن أصوله القومية وانتمائه الديني. إن من حق المواطنين العراقيين الأكراد المطالبة بالرجوع إلى مناطق سكنهم التي شردتهم أو رحلتهم أو طردتهم السلطات منها، لا تحويل القضية إلى مطالب بأرض قومية لا وجود لها. إضافة لذلك أن سلوك السلطات لا يخلو من إجحاف بحق فئة ما أو بحق الأغلبية أو حتى بحق الجميع أحيانا، إلا أن هذا يبقى مجرد جزء من تاريخ السياسة وليس من تاريخ القومية. وبالتالي ليس هناك من حق لأي طرف في العراق أن يطالب بترحيل أو إرجاع أو طرد أو ما شابه ذلك من عبارات لمن كان هو نفسه ضحية السياسة المجرمة لنظام بائد. إن الحد الواقعي والرؤية العقلانية بهذا الصدد تقوم في المطالبة باسترجاع الحقوق المدنية للإفراد وليس تحويل فكرة الحق إلى مطالب قومية عرقية. إذ أن فكرة إرجاع «العرب» من كركوك إلى أماكن سكنهم الأصلية تعني بالضرورة أن كركوك ليست عراقية. وهو مطلب غير معقول. لاسيما وانه مطلب سوف يدفع بالضرورة فكرة إرجاع الآشوريين إلى أماكن سكنهم الأصلية في شمال العراق بعد موجات الإبادة الهائلة التي تعرضوا لها قبيل الحرب العالمية الأولى وبعدها وفي العراق الملكي ومن جانب الأكراد بالأخص. كما انه يمكن أن يدفع شعار إرجاع الأكراد إلى مناطق سكنهم الأصلية، أي إلى مناطق الجبال وشهرزور، أي إلى ما وراء الحدود العراقية، كما فعل صدام مرة! ولماذا يحق للحركات القومية الكردية أن تكرر باسم حق تقرير المصير تكرار نفس جرائم الصدامية؟!

مما سبق يتضح حجم الانحطاط الفعلي في الفكرة الوطنية عند الحركات القومية الكردية، وتغليب الهمّ العرقي على الهمّ العراقي. ونعثر على هذا الواقع في انتشار الشعار الأسطوري وغير العقلاني ومختلف الخرافات "التاريخية". مع أن تجارب الأمم جميعا تبرهن على أن الفوز الفعلي هو لقدس العقلانية والواقعية، أي للنظام الديمقراطي الاجتماعي والمواطنة المكفولة بقوة القانون وليس بقوة القومية المزيفة والادعاء الأسطوري عن «أرض الآباء والأجداد»، أي ممن لا وجود لهم! بمعنى أن الفوز الحقيقي يقوم في استتباب منظومة الفكرة الوطنية وليس بعث العبث القومي العرقي. لاسيما وأن تجارب الأمم الحية الكبرى، القديمة منها والمعاصرة تبرهن على حقيقة لا مجال للشك فيها ألا وهي أن الرؤية العرقية هي مصدر السلوك العنصري، أما نهايتها فهو الانحطاط القومي الشامل والهزيمة التاريخية. وهي خاتمة سوف تتحول بالضرورة إلى بديهية سياسية في العراق.

***

ميثم الجنابي

 

محمد الورداشي"ليس هناك حقائق، فقط تأويلات".

 لقد شغلت فلسفة نيتشه الباحثين لمدة طويلة ولا تزال، ويعزى هذا الاهتمام المنصبُّ عليها إلى كونها فلسفةً متعددةَ المواضيع والمجالات الإنسانية، فضلا عن المنهج الصارم في الاشتغال على القضايا الفلسفية القديمة. والمتأمل لفلسفة نيتشه، سيجد أنه لم يأت بشيء جديد فيما يتعلق بموضوعات فلسفته، وإنما تميز بطرحه الجديد وتناوله لقضايا طرحت في فترات تاريخية قبله. ومن بين القضايا التي اهتم بها الباحثون والدارسون لفلسفة نيتشه، نجد نظرية العود الأبدي، حيث إن لها جذورا لدى الفلاسفة اليونانيين، وملخصها هو أن الأحداث والوقائع التي وقعت سَتُكرر بالطريقة والكيفية نفسيهما دون زيادة أو نقصان. بيد أن نيتشه حاول تغيير الغاية من هذه النظرية، من خلال تعديلات أضفاها عليها ثم نسبها لنفسه بطريقة مضمرة. لكن، ونحن نقرأ كتابه المعنون ب "هكذا تكلم زرادشت"، مع استحضار ما قدمه في كتبه السابقة من إشارات، وضعنا تصورا أوليا، وهو أن هدفه الأساس هو بلوغ الإنسان المتفوق، في حين أن نظرية العود الأبدي لا تتفق وهذا الأمر؛ لأن ما كان يهدف إليه نيتشه هو بناء الإنسان العادي، والذي يقع بين الحيوان والإنسان الراقي، حتى يرتقيَّ إلى درجة إنسان أعلى، لكن الإنسان العادي سيستجيب لسنة العود الأبدي لا محالة. وحتى نقارب هذا التناقض، ينبغي أن نعود إلى الجزء الذي خصصه نيتشه لهذه النظرية من كتابه سالف الذكر، وذلك بالوقوف عند لغز الراعي والأفعى؛ إذ لا يمكن لقارئ الكتاب أن يفلت من الوقوع في متاهات فكه وتأويله. وهنا، سنكتفي بسؤال واحد، محاولين الوقوف عند الإجابات التأويلية التي يمكن أن نستنتجها من قراءتنا، والسؤال هو: ما الغاية من لغز الأفعى والراعي؟ هنالك تفسيرات وتأويلات كثيرة لهذه القصة الرمزية؛ لأن ثمة عددا كبيرا من الدارسين ذهبوا إلى أنها تلخص وجودية نيتشه، أي أن الإنسان يصنع قدره بنفسه بعدما يتفوق عليها، ولعل هذا ما يستنبط من ظاهر القصة. وهكذا، سنحاول عرض التأويلات التي قدمناها لهذه القصة بناءً على قراءتنا المكرورة، محاولين ترجيح أحدها تأسيسا على مؤشرات وردت في صفحات الكتاب بشكل متناثر.

- التأويل الأول:

الراعي: زرادشت،

الأفعى: العود الأبدي،

 الإنسان الذي سيصاب بهذه المصيبة: المُعرض عن العود الأبدي،

ما فات: الاشمئزاز منها،

وما سيأتي: الإنسان المتفوق.

 - التأويل الثاني: الراعي: زرادشت، الأفعى الحالكة: الوصايا القديمة لأهل الصلاح والعدل، تفل دافعا برأس الأفعى إلى بعيد: تحطيم الألواح القديمة، شهوة الضحكة: حب الحياة ورفض الموت. - التأويل الثالث: الراعي: العقل في مرحلة الجمل، الأفعى: الواجب، الصوت الآمرُ بالعضِّ: العقل في مرحلة الأسد، جلله الإشعاعُ: العقل في مرحلة الطفل.

- التأويل الرابع: الراعي: زرادشت، الأفعى: الاحتقار العظيم للإنسان الصغير، حيث ورد قول زرا: "وا أسفاه إن الإنسان سيعود، سيعود الإنسانُ الصغير دورا فدورا إلى الأبد" (ص227). الصوت الداخلي: الانتصار على الذات بإرادة القوة، ونرجح أن الصوت هما حيوانا زرادشت، أي النسر والأفعوان، حيث "صاح الحيوانان: انقطع عن الكلام... لأحد قبلك" (ص 227)، شددت عبثا: القضاء على الإنسان الصغير، ليس من عالم الإنسان، أي الأبدية. ولم يعد راعيا ولا إنسانا معناه: نبي أتى من عالم الأبدية؛ إذ جلله نور أي رسالة العود الأبدي، ومرد هذا إلى كون النسر (القوة) والأفعوان (الأبدية) هما الصوت الذي أعلن لزرادشت بأنه النبيُّ المعلِنُ تكرار عودة الأشياء إلى الأبد. فكيف أرضى الموت، أي تكرار الإعلان عن هذه الرسالة والقيام بهذه المهمة بشكل أبدي، وكذا التبشير بالإنسان المتفوق. وبعد، فإننا نرجح التأويل الأخير؛ لأن نيتشه كان يهدف إلى بلوغ درجة الإنسان المتفوق على ذاته، ومن ثم سيعمل على بناء الفرد العادي، لكن بعد تخليصه من أمور عدة تثقل كاهلَهُ، منها: الدين، والإرادة السجينة، والاعتماد على الآخر، والتحسر على الماضي؛ لأن "الزمان لا يعود أدراجه". وبهذا يتأهل الفرد لكي يستجيب لنداء نيتشه: "يجب عليك أن تصير من أنت" (ص242). ونافل القول إن نيتشه كان يرى نفسه إنسانا متفوقا على ذاته، ومن ثم صار نبيا ومنذرا بمجيء الإنسان المتفوق الذي سيتكرر عبر العود الأبدي (ثمة احتمال أن يكون قد ظهر في العصور القديمة) لأنه اعتقد أن هنالك أجيالا مبدعة ستأتي بعده، وستتشرب وصاياه وتعاليمه، وتبشر بها ثم تنذر بمجيء الإنسان المتفوق؛ أي أجيال أخرى مبدعة بعدها. وهكذا ستتم لنيتشه غايته وحلمه، وذلك لكون وصاياه الجديدة لبناء فردانية قوية ستتكرر عبر الأزمنة وبشكل أبدي. لقد أراد نيتشه أن يولد بعد موته، وهذه نبوءته من خلال وضع الإنسان الأعلى داخل دورة العود الأبدي، ولعل هذا ما جعله حيا بفكره إلى يومنا هذا، ومن ثم تتحقق نبوءته: "هنالك أناس يولدون بعد موتهم"، ففكره صمد، ولا يزال، أمام عواصف التأويل وهنا مكمن قوته ومتانته. 

 

ذ. محمد الورداشي

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (9)

تكشف تجربة سنوات ما بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية عن تحجر وتخلف سياسي هائل للحركة القومية الكردية تجاه الفكرة الوطنية العراقية. بمعنى السير في اتجاه معاكس لمنطق الدولة العصرية وآفاق الاندماج السياسي الثقافي في العراق. ومن خلاله تقديم نموذج يمكنه أن يشكل ضمانة تكامل المنطقة والأكراد. ويستطيع العراق انجاز هذه المهمة في ظل ظروفه الحالية وآفاق تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. إلا أن السائد في أعماق الحركة القومية الكردية، كما تكشف عنه مجرى الأحداث السياسية وطبيعة مراوغتها بعد الثامن من نيسان عام 2003 وحتى اليوم، عن بقاء بل وتعمق وترسخ ضعفها البنيوي، الذي لم تستطيع التحرر منه. بمعنى إننا نقف أمام نفس «السياسة» المميزة للحركات القومية الكردية في مراحل ضعف الدولة واضطرابها الداخلي. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية سوى المساهمة الفعالة في عرقلة إمكانية إرساء أسس الديمقراطية الاجتماعية والشرعية. إذ لا معنى لأساليب الابتزاز والسرقة والغنيمة السائدة في سلوك ونفسية الحركات القومية الكردية في العراق غير ذلك. وهي نفسية تعكس مستوى التطور الاجتماعي وتقاليد الإقطاعيات المتخلفة والعائلات القبلية والأغوات. كما تعكس ضعف وتخلف البنية الاجتماعية والسياسية للحركة القومية الكردية عموما. ويجعل هذا الواقع منها عبئا ثقيلا على العراق وخطرا جديا على آفاق تطوره الحر. فإذا كان الجانب الخاص بالحركة القومية الكردية هو جزء من ذاتها القومية، ومن ثم تتحمل تبعات ما تقوم به، فإن بقاءها في العراق يجعل منها طرفا في صراعاته الداخلية. ومن ثم نقل اغلب عناصر الخلل المميز للفكرة العرقية إلى ساحة الصراع السياسي العراقي.

وهو واقع يجعل من المشروع العرقي الكردي في العراق مشروعا تخريبيا بالنسبة لبناء الهوية الوطنية العراقية. وهي نتيجة مرتبط بنفسية وفعالية «الأقوام الصغيرة» التي لم تندمج في كينونة الدولة وثقافة الأمة الكبرى، والتي عادة ما تكشف عن نفسها زمن الانقلابات الحادة وضعف المركزية. ذلك يعني أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفرزه الحركة القومية الكردية الحالية في ظروف العراق المعاصرة هو:

- نفسية العرق

- وذهنية الانفصال

- وأيديولوجية الانعزال.

وهي نفسية تخريبية بالمعنى السياسي والاجتماعي والقانوني، برزت وتعمقت وترسخت وتوسعت بعد انهيار الدكتاتورية الصدامية. فمن الناحية المنطقية كان ذلك يفترض الاشتراك الاجتماعي الفعال من جانب القوى الكردية بمعايير الرؤية الاجتماعية والوطنية، إلا أننا عوضا عن ذلك نرى استفحال نفسية الغنية والاستحواذ والتقوقع. بحيث تحول العراق بالنسبة لها إلى مجرد بقرة حلوب، لعل «مطالب» الحركات القومية الكردية الحالية بعد انتخابات 2005 دليل قاطع عليها، أنها مجرد «كركوك + مناطق جغرافية + مناصفة الخزينة + زائد تعويضات + ميليشيات مدفوعة الأجر + قرار انعزالي بكل ما يمس فكرة سيادة الدولة»!!! وهي مطالب أما سخيفة أو مجافية لأبسط مقومات الرؤية العقلانية والواقعية. بل أخذنا نسمع من بعض القيادات الكردية كلاما عن فضيلة ومنة بقاءهم في العراق على العراق!

ومن الممكن العثور على هذه المفارقة في مختلف الصور والممارسات والنماذج، مثل أن نرى رئيسا كرديا للعراق ووزراء أكراد في الحكومة المنتخبة من بين الحزبين السياسيين القوميين «الحليفين»، وفي نفس الوقت يعملان على تنظيم «مظاهرة جماهيرية» في اربيل والسليمانية ودهوك تدعو للاستقلال عن العراق!! وهي «مفارقة» يمكن فهمها بمعايير الرؤية السائدة بين الأحزاب السياسية في العراق الحالي، التي لا ترى في السياسة أكثر من قواعد متنوعة للاحتيال والمراوغة والحصول على مكاسب وما شابه ذلك. بمعنى أنها لا ترى في السياسة علما مهمته بناء الدولة. وإذا كان هذا النمط من السياسة هو القائم وراء مظاهرات الدعوة للانفصال في ظل الظروف الحالية للعراق، وفي ظل هذا المستوى من مشاركة القوى القومية الكردية في السلطة، وقبيل إعلان «الدستور الدائم»، فانه أمر يشير إلى قضايا أكثر تعقيدا وعمقا مما يبدو للوهلة الأولى. بمعنى أن من الضروري البحث عنها في نوعية ونمط الذهنية السياسية والأيديولوجية للحركات القومية الكردية الحالية في موقفها من الفكرة الوطنية العراقية. وهي نوعية تكشف عنها ما يمكن دعوته بتناقض الهمّ العرقي والفكرة العراقية في الخطاب القومي الكردي.

فمما لا شك فيه، إن الخطاب السياسي للأفراد والجماعات والأحزاب والدول هو المؤشر الظاهري لحقيقة ما تستبطنه. بمعنى إننا نستطيع العثور فيه على ما تريد قوله أو إيصاله أو الإفصاح عنه. وهو أمر طبيعي أيضا بوصفه الصيغة المناسبة لإبلاغ أبعاد «الرسالة» السياسية وأهدافها المعلنة والمستترة. وتعّبر هذه الحالة عن مستوى ارتقاء الدعاية والممارسة السياسية التي تجعل من الكلمة أداة فعالة في الصراع السياسي. وعندما نطبق ذلك على أوضاع الحياة السياسية في ظروف العراق الآنية، فإننا نقف أمام حالة مزرية من تدني الخطاب السياسي تعكس بدورها انحطاط التقاليد السياسية بشكل عام والثقافة السياسية بشكل خاص. إضافة إلى تقليدية الأحزاب السياسية بالمعنى الفكري والأيديولوجي والاجتماعي.

وهو تدن له مستواه الخاص والمتميز في الحركات القومية الكردية في العراق. حيث نعثر فيه على تجزئة واضحة للفكرة القومية الجزئية (الكردية) والوطنية العامة (العراقية) تصل حد الاختلاف والصراع والتضاد أحيانا. والسائد فيه هو خلوه وفراغه من الهمّ الوطني العراقي العام. ومن الممكن فهم هذا الفراغ ضمن المسار العام الذي تعرض له العراق والدولة بعد «عاصفة الصحراء». إلا انه تعرّض إلى تحول وتغّير جديد في مجرى الانقلاب العاصف في حياة العراق السياسية، وما استتبعه من «رجوع القوى الكردية» إلى «أحضان» العراق بوصفهم قوة "قومية" منظمة لها مشروعها الخاص.

ففقدان الهمّ الوطني العراقي العام، الذي كان أيضا نتاجا لسياسة الدولة المركزية القديمة، حالما يتحول إلى طرف في الصراع السياسي، فإنه لا يمكنه العمل بمعايير «الاعتدال والبراجماتيكية»، أي يصعب عليه العمل بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية. بل عادة ما نراه يخضع لضغوط مقدمات أيديولوجية. وليس هناك من مقدمات أيديولوجية للحركات القومية الكردية تتعدى مضمون المشاريع الكردية و«الكردستانية». وهو أمر بدأت ملامحه تتضح بعد كل حركة «إلى الأمام» في أوضاع العراق العامة.

فقد كانت مشاركة القوى القومية الكردية بعد سقوط الصدامية وظهور ملامح الانتقال الأولى إلى الديمقراطية، ايجابية وفعالة بالنسبة لإعادة بناء «العراق الجديد». إلا أنها سرعان ما أخذت تتحول تحت تأثير الخراب الهائل للعراق وانهيار قواه الاجتماعية والسياسية وسقوط السلطة المركزية إلى مجرد سلسلة مطالب قومية. ويختلط في هذه المطالب الشرعي وغير الشرعي. ومع كل حركة «إلى الأمام» بدأت معالم المطالب السياسية تتحول شيئا فشيئا صوب الرؤية القومية الضيقة. مما يشير بدوره إلى استفحال الأبعاد العرقية المتراكمة في مرحلة «الاستقلال» القصيرة وتحولها إلى نمط عملي تجاه العراق بشكل عام. مما جعل من المواقف والممارسة السياسية الكردية شيئا اقرب إلى الرؤية النفسية منها إلى الرؤية العقلية. بمعنى غلبة المزاج والوجدان على المواقف والسلوك والمطالب، كما نراه في انتشار مختلف عبارات التهديد مثل «الرد العنيف» و«الانسحاب» و«الانفصال» وما شابه ذلك أثر كل «أزمة» مهما كان حجمها! ولم يتغير هذا النمط من الخطاب حتى الآن. ففي أحد خطب البرزاني في (21-03- 2012) بمناسبة عيد نوروز لا نسمع غير الوعد والوعيد، عوضا عن أصداح الأفراح! ووراءه تظهر ملامح برزاني طرزاني من هذا الزمان! وهو نموذج "كلاسيكي" لا يمكن تحليله بدقة إلا بمعايير ما يمكن دعوته بانتروبولوجيا الأغوات والشقاوات! 

طبعا، إن ردود الأفعال المشار إليها أعلاه ليست مجردة عن طبيعة العلاقات الكردية الكردية وصراعها الخفي، إلا أنها تشير، ضمن معايير الحياة السياسية العراقية ككل، إلى استمرار غياب الهمّ الوطني العراقي، الذي نتج عن طبيعة الشرخ القومي المتراكم في مجرى الحرب العراقية الإيرانية وبلغ ذروته بعد انتهاء «عاصفة الصحراء». إذ لم يعد الهمّ العراقي هاجسا ضروريا في الرؤية القومية الكردية. بمعنى استبدال الهمّ الوطني العراقي العام بأولوية المشروع الكردي و«الكردستاني». وهو أمر طبيعي أيضا في حال النظر إليه ضمن سياق العلاقات القومية والسياسية التي ميزت زمن الدكتاتورية الصدامية. ومن ثم يمكن النظر إلى ردود الأفعال الكردية على أنها جزء من بقايا الخلل المترسبة في الوعي السياسي القومي اثر التدمير والتخريب الذي قامت به الدكتاتورية على كافة الأصعدة وفي كافة الميادين.

غير أن استفحال الهمّ الكردي القومي على الهمّ العراقي الوطني هو الصيغة الأولية لردود الفعل المترتبة على طبيعة ومستوى الفراغ السياسي الذي حدث في العراق بعد انهيار الدولة المركزية. كما يمكن فهم هذا التحول بمعايير الانتقال المفاجئ للأقلية القومية إلى هرم السلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحالة على مثال عشرات التجارب السياسية التي مرت بها الكثير من دول العالم المعاصر. لكنه «استفحال» وهمي لا محالة في تبدده اللاحق، وعادة ما يمر بطريق الآلام من اجل أن تتكامل الرؤية السياسية بمعايير الواقعية أو العقلانية، أو تضطر أصحابها إلى الخراب والهزيمة. وهي الحالة التي تقف أمامها الحركة القومية الكردية. بمعنى السير «إلى الأمام» في تغليب الهموم القومية الكردية على العراقية مع ما يترتب عليه من ردود فعل سياسي وقومي محتمل، أو السير صوب الاندماج الوطني العراقي بمعايير الرؤية الواقعية والعقلانية. ومن ثم العمل من اجل اجتياز مرحلة الانتقال الصعبة صوب الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهما تياران يتنازعان الحركات القومية الكردية في العراق. إلا أن الغلبة مازالت فيه لحد الآن للتيار الأول، والذي أكثر من يمثله تيار الحركة البرزانية. ولكنه يتخلل بدرجات متفاوتة كافة الحركات القومية الكردية الحالية في العراق. وهو أمر جلي في اشتراك أو إجماع مختلف الحركات القومية الكردية بإشكال وصيغ متباينة على «مطالب قومية» متزايدة ومعزولة عن الهمّ العراقي العام. بمعنى خضوعها من حيث المقدمات والغايات إلى أولوية المشروع الكردي و«الكردستاني».

 لكن حالما تكون هذه «المطالب القومية» جزء من «اللعبة السياسية» في ظروف الانتقال الصعبة والخطرة إلى الديمقراطية والدولة الشرعية، فإنها لا تصبح جزء من قضية قومية كردية، بل عراقية عامة. بمعنى أنها لم تعد قضية جزئية بل قضية عامة، وذلك لما لها من أثر مباشر وغير مباشر على آفاق تطور العملية السياسية والعلاقات القومية في العراق ككل. لاسيما وأن حصيلة «المطالب القومية» الكردية لا تتعدى في الواقع غير قضية الأرض والثروة! فهما الحافزان القائمان وراء الخطاب السياسي العلني والمستتر. وهما حافزان يمكن تتبعهما في كل الممارسات «المعتدلة» و«البراجماتيكية» للقوى القومية الكردية، بما في ذلك في الموقف من الدستور. فقد قبلت القوى القومية الكردية «العلمانية» بالمواد الدينية مقابل الحصول على «جميع المكتسبات». وليس المقصود بها من حيث الجوهر سوى الإبقاء على «خلاف الأرض» في العراق!! من خلال المواد المنقولة من «القانون المؤقت» إلى «الدستور الدائم»، واقصد بذلك ما يسمى المادة 58. بعبارة أخرى إن الهمّ الباطني والوحيد للقوى الكردية «العلمانية» هو المادة 58، أي كركوك وليس غيرها، تماما كما كان الحال في الموقف من «قانون الحكم المؤقت»، أي أن الجوهري فيه بالنسبة لها هو المادة 58. وفي كلتا الحالتين لا توجد في الواقع سوى نفسية الغنيمة بالأرض، المميزة لنفسية الحركات القومية الكردية على امتداد وجودها الحديث في شمال العراق.(يتبع....)

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

بليغ حمدي اسماعيللا تزال فكرة مواجهة التطرف الفكري والديني تؤرق الأنظمة السياسية ومن بينها النظام المصري بالضرورة، لأن ظاهرة التطرف كما تفطنها أصغر بناتي تشكل معضلة وعائقا أمام عجلات التنمية والاقتصاد والحلااك الاجتماعي الإيجابي، ولهذا فكرت مصر في تشكيل لجنة وطنية لمواجهة التطرف الفكري لاسيما في جنوب مصر، والحق أقول إنني شاركت في إحدى جلساتها بمقر صندوق التنمية الثقافية منذ أكثر من شهر وقدمت خطة لا أدعي أنها تتسم بالتكامل والشمول لمواجهة الظاهرة لكنها على الأقل تفي بمواجهة التطرف الفكري في الجامعات لا عن طريق قمع الحريات أو استلاب الآراء الطلابية بقدر ما هي تسعى لتفعيل واستغلال طاقات ومهارات الطالب الجامعي بغرض إشراكه في تحريك تلك العجلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية .

وخطورة ظاهرة التطرف الفكري تتمثل في كونها مهادًا للإرهاب الذي يعصف بالأخضر واليابس، وظاهرة الإرهاب هي بالفعل التي تقوض المجتمعات المدنية التي ترنو إلى التقدم أو التطور فيأتيها هذا الوحش الكاسر ليقضي بآمالها وأحلامها .

ولعل أبرز أسباب انتشار الراديكالية قهر الحوار وقمع الحريات، لذلك ارتبط التطرف الفكر بالعنف السياسي، وبدا إن أية محاولة للإفراط في التفكير الجانح هي خطوة رئيسة للتطرف ومن ثم الإرهاب الذي تجاوز تخوم الكلمة وحدودها إلى إرهاب الجسد والإيذاء البدني .

ولا شك أن هناك علاقة وطيدة بين التطرف الفكري وتمكين العقل، حيث إن المتطرف غالبا كما تشير كافة الدراسات النفسية والاجتماعية المتأصلة في هذا المجال إلى أنه لا يتسم بسعة الأفق بل بالضيق، وهذا ما يجعله فريسة سهلة القنص للتيارات الراديكالية التي تسعى إلى إحداث حالة من الفوضى والتمزق السياسي تحت ستار الدين غالبا، واستغلال الصراعات السياسية . والكارثة أن مجتمعا كالذي نعيش في كنفه يتسم بالثقافة والتنوير إلا أن دور المثقف نفسه صوب إحداثيات التطرف والعنف والإرهاب بات باهتا وأضعف من أن يشار نحوه بقليل من الضوء .

فالمثقف المصري لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير، وظل المثقف المصري ينتظر أية إحداثيات جديدة في المشهد السياسي والديني دون أن يبدأ في حركة التثوير المرتقبة والمنتظرة منهم فكانت النتيجة ظهور تيارات مناوئة تستهدف تقويض المنطقة كلها تحت رعاية أمريكية بعدما اقتنعت الإدارة الأمريكية بعدم جدوى التدخل المباشر وخصوصاً المكابدات التي لحقت بالقوات الأمريكية في العراق وكذلك ما تكبدته من خسائر اقتصادية أرهقت ميزانيتها عقب نجاح الثورات العربية تحديداً في مصر وتونس فكان من الأفضل لديهم الالتجاء إلى تدعيم فصائل قصيرة العمر تاريخياً من أجل زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفتيت القوى التي يمكن أن تناهض الكيان الصهيوني ومصالح الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن أصحاب الفكر الراديكالي بحاجة ماسة إلى مراجعات فقهية وأخرى مجتمعية، فإن أدوار المثقف والمفكر العربي اليوم أصبحت بحاجة إلى ثمة مراجعات فقهية من زاوية إعادة النظر إلى أحداث المشهد السياسي المعاصر، وليس الاكتفاء بالتعليق على الأحداث، وعلى سبيل المثال إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد فكر وخطط ودبر فإن رهان نجاح هذا التنظيم مشروط بمدى مشاركة المثقفين الوطنيين في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف بواقعية، والبقاء في حالة مشاركة مستدامة مع الحدث وليس الاقتناع بمقعد المشاهد السلبي.

وإذا حاولنا رصد الفكر المتطرف وأسباب انتشاره المتسارع فإن الرائي يدرك على الفور شيوع فكرة نظرية المؤامرة المتأصلة لدى أولئك معتنقي الفكر المتشدد، وأصحاب النظرية أنفسهم يرون ضرورة السخط على كافة الأوضاع في المجتمع بدءًا برئيس الدولة انتهاءً بأصغر موظف في الدولة يحمل بطاقة تموينية .

وما أخطر على الدولة المصرية التي تبادر إلى تثبيت أركانها بثبات المواطن نفسه من الرفد الغربي لصناعة الكيانات السرية المتطرفة، والهدف الأساسي لهذا الرفد الغربي هو تفتيت الداخل وتقويضه وزعزعة أركانه . وبمراجعة فكر بعض المتطرفين وفقا لتصريحاتهم الصحافية ولقاءاتهم الفضائية وجدت أنهم تعرضوا لمبادرات موجهة من قبل أمراء التيارات المتطرفة كان سعيها التشكيك في نصوص الفقهاء المعتدلين المتقدمين والمتأخرين على السواء، وصولا بهم إلى الاقتناع بفكرة التعالي عن كل النظريات والفلسفات والتيارات الفكرية المتباينة .

ومخطئ من يظن أن الأمم حينما تنكسر أو تنحدر قيمها الفكرية والاجتماعية وتنحسر في قوقعة الأفول يبزغ التطرف وينتشر الإرهاب والعنف، بل إن معظم الحضارات المشرقة والمتقدمة يكثر أعداؤها بصور محمومة، وتاريخنا الإسلامي كفيل بسرد حقائق تفيد أن معظم التيارات والطوائف المتطرفة تسارعت في انتشارها وقت الصعود الحضاري .

ومن أجمل وأمتع ما قرأته من توصيف لأصحاب الفكر المتطرف هو ما قدمه الدكتور طريف شوقي في مقالته الماتعة التي استهدفت بناء استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري، فلقد قدم توصيفا لمحددات الفكر المتطرف يمكن من خلالها فعلا مواجهة هذا الفكر لآليات ومحددات واقعية فعالة . فلقد قدم ثمة محددات لأصحاب الفكر المتطرف منها ضعف التحكم الانفعالي، ونقص المهارات النقدية، وبزوغ المفهوم غير الواقعي عن الذات، وضعف الارتباط الوجداني والعاطفي، والغياب النسبي للتنشئة النقدية في الأسرة . وغير ذلك من محددات أراها وربما يراها غيري أيضا كفيلة بوضع استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري والديني .

لكن الأهم من هذا كله ما قدمه الدكتور طريف من أساليب واقعية لمواجهة التطرف يمكن إجمالها في الانفتاح على الخبرات المتنوعة وتحليلها، وحث الفرد على البحث عن أصل المسائل الفقهية، وتدريب المواطن على عمليات المحاججة . وفي الأخيرة لقد قدمت بحثا في نهايات 2015 استهدف تدريب الطلاب الجامعيين على استخدام تقنيات الكتابة الحجاجية الإقناعية وهي نمط ضروري ومهم لمواجهة أصحاب الفكر الأحادي الذي لا يقبل الحوار ولا يعترف بالاجتهاد ولا يفطن لحقيقة الحجاجية .

والأجدى من كل هذا أيضا أطمح أن تسعى اللجنة المشكلة لمواجهة التطرف الفكري إلى تركيز الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى لحظة الكتابة الآنية على إبراز الدور النقدي الإيجابي لدى الفرد . ولذلك هناك ضرورة لتمكين العقل وتنمية مهاراته لدى الأفراد وحث الجامعات على استحداث مقررات للتفكير الناقد والإبداعي وصولا إلى ما نسعى إليه من خلال عنوان باب المقالة الشهرية لصاحب هذه السطور ألا وهي إدراك وفطنة ما بين السطور .

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

 

محمد الورداشيإن الغاية التي كان يطمح لها نيتشه هي بلوغ درجة التفوق بالفرد الإنساني عامة، والفرد الألماني على وجه الخصوص. وهذه الغاية اقتضت منه أن يمر بمراحل عدة متتالية؛ لأن هذه النقلة لا تقتضي القفز على الإنسان العادي وصولا للإنسان المتفوق، بل إنها تتطلب بناء الإنسان العادي ليرتقي إلى المنزلة المتفوقة حسب نيتشه. إذن، كيف عمل نيتشه على بناء الفرد العادي؟ لقد نهج نيتشه مجموعة من المراحل التي تؤهل الإنسان من درجته الحالية إلى درجة أسمى وأرقى: لقد اعتبر نيتشه المسيحية حجر عثرة في طريق الإنسان إلى التفوق، لهذا اعتبر أن الإله قد مات، بل كل الآلهة قد ماتت ولم تبق من غاية للبشرية سوى بلوغ الإنسان الراقي. ومن هنا، يأتي النقد اللاذع الذي وجهه للمسيحية لكونها تقدم " فعل الرأفة تجاه جميع الفاشلين والضعفاء"(1)، فضلا عن كونها تحارب في الإنسان كل الغرائز التي تحبب إليه الحياة باعتبارها" غريزة تنام، وبقاء، وتجميع للقوة، وغريزة اقتدار"(2). وهكذا حاول نيتشه أن يخلص الفرد من السيطرة الكنسية المسيحية، وجعله قادرا على قول كلمة لا في وجه كل الواجبات التي يراها سلاسل وأغلالا، ومن ثم يجب التفوق عليها، وكذا رد الاعتبار إلى الجسد وملذاته وشهواته التي تحبب الحياة. فعوض البقاء على إرادة الحق التي يدعو إليها الكهنة ويعملون على إخضاع الفرد لها، يدعو نيتشه إلى إرادة القوة المبدعة والخلاقة لقيم جديدة منحوتة على ألواح جديدة، ومن هنا نقده للأخلاق المسيحية التي يراها أخلاقا للعبيد والحثالة من الناس، وقضاء على الأخلاق الأرستقراطية القوية التي هي أخلاق السادة الأقوياء. فالمساواة، مثلا، التي جاءت بها المسيحية قد قضت على النبالة والأرستقراطية، وعلى كل كريم موجود على وجه البسيطة. كما أن نيتشه يريد أن يحقق للفرد خلاصا أرضيا لا خلاصا أخرويا كما تعد بذلك الديانات السماوية عامة، والمسيحية خاصة. - إن الخطوة الثانية لبلوغ الإنسان الراقي، هي نقد الحداثة المريضة التي أنتجت إنسانا مريضا، وسلاما متعفنا وتسوية جبانة، حسب نيتشه. وبالتالي فإنه مطالب بتخليصه منها عبر فكر فلسفي يقيم للفرد اعتباره ويرد له إنسانيته التي فقدها في فترات تاريخية معينة. - كما أنه صنف المجتمع إلى طبقات، بحيث يحتل المسيطرون عقليا الطبقة الأولى، ثم يليهم المتصفون بالرجولة الجسدية، وأخيرا عامة الناس "الشاندالا" والأراذل الذين لا يتوقون إلى الترقي والتفوق. ولعل تقسيم نيتشه لطبقات المجتمع، نجد له شبيها لدى صاحب المدينة الفاضلة. حيث قسم أفلاطون، قبل نيتشه، سكان المدينة الفاضلة إلى فلاسفة وحراس وعمال. إذن فما الدور المناط بكل طبقة عند كل من أفلاطون ونيتشه؟ لقد كان أفلاطون يشدد على ضرورة بقاء كل طبقة في حدودها الخاصة مقدما لكل واحدة شروطا معينة. فالذين يحكمون، حسب أفلاطون، هم الفلاسفة الحكماء، في حين أن نيتشه يرى أن في الطبقة الثانية ملكا وحراسا و... مطالبون بتنفيذ أوامر الراقين عقليا" الذين يرون الواجب امتيازا؛ لأنهم يستخفون الأحمال التي تسحق الآخرين"(3)، كما أنهم اليد اليمنى للملك. إذن فمهمة المسيطرين عقليا هي التفكير والتوجيه، والأقوياء جسديا ينفذون فحسب. لكن لدى أفلاطون نجد أن الفلاسفة اختصوا بالحكمة، والحراس بالشجاعة، والعمال بالتحكم في النفس، أي أن على الحكماء والحراس كبح شهوات وجماح غرائز العمال، بيد أن نيتشه يرفض كل دعوة إلى كبح الشهوات وقمع الغرائز التي تحبب الحياة للفرد على وجه الأرض، وهنا نقطة الاختلاف الأولى مع أفلاطون. كما أن هذا الأخير، وفي ظل تأكيده على استقلال الطبقات، يدعو إلى الجمع فيما بينها لتحقيق ما يسمى بالعدالة. بيد أن نيتشه يرى أن "الفصل بين الطبقات الثلاث ضروري لحفظ المجتمع، ليكون ممكنا قيام أفراد راقيين، ووجود رقي"(4)، فضلا عن كونه لا يقيم اعتبارا للطبقة الثالثة" طبقة المستعبَدين"، وإنما يجعل من واجب المسيطرين عقليا تقديم يد العون والمساعدة للمتوسطين؛ لأن هذه الطبقة منها أيضا: التجارة والفن و...، وأصحابها هم أواسط القدرة والرغبات، و"حضارة رفيعة مشروطة بالأواسط"(5)، وذلك لكونهم شرطا وضرورة لتواجد الراقين المتفوقين. لكنّ ثمة سؤالا يطرح نفسَه هنا: ما موقع الكهنة من تصنيف نيتشه لطبقات المجتمع؟ يجيب نيتشه قائلا: "الكاهن هو طبقتنا المنحطة "الشاندالا" ويجب أن يكون مبعدا محظورا، ميتا من الجوع، منفيا إلى أي قفر كان"(6). ومن ثم يبدو لنا جليا أن نيتشه يقصي كل عقيدة في بنائه للفرد الراقي؛ لأن العقيدة (الدوغما) حسب تصوره، هي سجن وحجر عثرة أمام تأسيس الفرد لعقيدته الذاتية الراسخة القائمة على الشك المتحرر المدقق. فالنظر إلى العقائد وإقصاؤها من دائرة الأخلاق، قد دعا إليه فلاسفة كثيرون قبله، نذكر منهم جان لورن دالمبير، الفيلسوف الفرنسي الذي رأى أن المسيح هو واعظ أخلاقي، والعقيدة قد أسسها آباء الكنيسة، لهذا دعا إلى تأسيس دين إنساني عقلاني، تكون فيه الأخلاق هي أسّ الدين لا العقيدة. وهكذا يؤسس نيتشه قيمه وأخلاقه الذاتيتين على العقيدة الذاتية المشدودة إلى حب الأرض وعلى خلاص أرضي، لا على عقيدة دينية ما. في كتابه "عدو المسيح" نجده يقدم نقدا لمفكرين من أمثال روبسيير وسان سيمون، ومنه فإن الاختلاف بين هذين الفيلسوفين ونيتشه، يتجلى في دعوة روبسيير إلى عبادة الكائن الأسمى، وسان سيمون في المسيحية الجديدة. فهؤلاء الفلاسفة قد آمنوا بضرورة التمسك بسلطة روحية، وكذا ضرورة ممارسات طقوسية تعبدية مشتركة، وهذا ما ينتقده نيتشه الذي يدعو إلى عقيدة ذاتية وخلاص أرضي. وعلى سبيل الختم، يمكن القول إن نيتشه فيلسوف أخلاقي حتى وإن كانت منهجيته تقوم على الهدم والتقويض للسائد في عصره، ولكن ذلك يعزى إلى كون كل بناء جديد يسبقه تقويض وهدم للقديم. حيث قال: " كم سيستحيل علينا آنذاك أن نحيا دون أن نضع قيما"(7). كما أنه سعى إلى تخليص الإنسان الأوربي من وسواس المرض المسيحي "الذي يصيب أولئك الأفراد الوحيدين الذين يعذبهم الأحاسيس الدينية والذين سيستحضرون دائما آلام وموت المسيح"(8).

 

ذ. محمد الورداشي

.....................

(1)عدو المسيح ص 26 ت جورج ميخائيل ديب.

(2) نفسه ص 30.

(3) نفسه ص 168.

(4) نفسه ص 169.

(5) نفسه ص 170.

(6) نفسه، ص 190 "البند الخامس" ضد المسيحية.

(7) إنسان مفرط في إنسانيته، ت محمد الناجي، ص 36.

(8) نفسه ص 46.

 

باسم عثمانلم يكن أبو حيان التوحيدي صوفيا بالمعنى الدارج للكلمة، وهي مسألة ينبغي ألا تعد معيارا للحكم على مصداقية ومشروعية رؤيته الصوفية معرفيا وقيميا، ان الغفلة عند التوحيدي لا تعني العدم المعرفي المحض، وانما حضورا معرفيا إزاء الموضوع، لكنه حضور الجهالة والغياب والعجز عن ادراك الحقيقة، او ادراكها إدراكا وهما زائفا ينطوي على الشبهة والضلالة والمخايلة، بمعنى ان الموضوع يستتر محتجبا بظاهره الخارجي المموه والذي يستلب الوعي ويغيبه عن لب الموضوع وحقيقته الخفية الكامنة في عمقه، وكونه حجابا على الحقيقة وان كان يومئ اليها من طرف خفي بوصفه احد إمكانات الوجود.

يقول التوحيدي:" أيها الغائص في الدهشة، اما لك من صرعتك نعشة؟ يا هذا...دع عنك ما جنا عنه عاجل عيانا، اما تمتعض من وقوعك في فخ الهوى وحبالة الشهوة، وشرك الشيطان بسبب ظاهري لا ثبات له، وزبرج لا صنعة فيه، وعارض لا غيث معه؟ لكنك في سكرتك عامه، وفي صحوتك من خمارك والهْ، والندامة والحسرة يجتمعان في العواقب.... يا صريع الشهوات في الشهوات، يا خائضا في الشبهات على الشبهات، معتقلا في الجهالات بعد الجهالات، متى يكون انتباهك؟.. اسأل نفسك، من هذا العاجل المحشو بالتمويه، ولا تجنح في كل ما تراه عينك الى ظاهره، بل غص على خفيته ودفينته، فهناك اللب والحقيقة".

من الواضح ان النزعة الأخلاقية الكلاسيكية ذات الطابع الديني تسيطر على النص، حيث يتبلور مفهوم الغفلة المعرفي في سياق السقوط القيمي للإنسان، حيث يغيب عن حضوره الروحي الخالد، أي ينحاز انحيازا مطلقا لطبيعته المادية، حيث تستسلم الروح وتخضع خضوعا مطلقا لهيمنة الجسد فتنحسر داخل حدوده وقوانينه، قوانين اللذة والالم و الاحتياج المادي المحض، قوانين الضرورة المقيدة، بل التغير والزوال والعدم بالمعنى العبثي، حيث لم يبزغ فجر الوعي ولا التحديد الذاتي الذي يعبر عن القرار الارادي الحر للفرد المتميز، انها لحظة الانزلاق، اذ يسقط المرء في عمق ظلمة الجسد مستعبدا لهواه، مملوكا لشهوته الدنيوية، اسيراً لشياطينه القارة في اعماقه، لاهثاً وراء المتع العدمية اللحظية، مغترباً عن مملكة الروح حيث معانقة الوجود في حضوره الأصيل و المنطوي على العلو والحرية والخلود.

حصار الروح...

ان حصار الروح داخل قبضة الجسد يعني اختزال إمكاناتها وطاقاتها المعرفية والقيمية المتميزة والخلاقة، وفقا للتصور الكلاسيكي الوسيط، الذي يعتبر الروح (النفس الناطقة العاقلة)، أي مركز الوعي والادراك، وبذلك، ينحسر الوعي فاقدا فضاءاته البرحة عقليا وخياليا وحتى حسيا، لان اسير ظلمة الغفلة لا يعي ذاته الإنسانية كمعنى وجودي كلي الحضور، أي: لا يتحقق معرفيا بكونه فضاء جامعا للحقائق الوجودية( الإلهية بالأصالة)، او بوصفه مختصرا وجيزا او انسانا كليا جامعا فيما ارتأى (اخوان الصفا)، وتابعهم بصورة ما (التوحيدي)، ثم الصوفية من المتأخرين (كابن عربي) ومن تلاه.

بالطبع، إذا كان الوعي يختزل حضوره الذاتي في الفضاء المادي، فانه لا يبتذل ذاته فحسب، بل يبتذل كل الكائنات من حوله، ومجموع العلاقات التي تربطه بها، وهنا، الوعي يتمثل ذاته داخل فضاء الضرورة المقيدة ولا يستثني من هذا علاقته بالمطلق.

وهذا يعني، حصر الوعي داخل حدود الاستخدام او في ظل علاقات عارضة متغيرة وزائلة، تنتهك حضور الذات كما تختزل حضور الأشياء والاخرين اختزالا مؤذيا، ومن ثم، فضاء الغفلة هو فضاء للاستنفاذ العدمي النفعي، حيث تنتفي إمكانات الجدل الحيوي الخلاق معرفيا وقيميا بين الذات وذاتها، ما يقود الى امتلاء الذات بالفخاخ التي ترصد المرء فتخدعه وتغيب وعيه غيابا تاما عن ادراك الحقيقة في مختلف تجلياتها، وهو نمط من أنماط إعادة انتاج القمع والاذلال، لذلك، الوعي المنتهك حضوره دوما تستبيحه الذات، نافية له ومدمرة لهيمنته، اذ تسعى لاقتناصه كفريسة سهلة وتضلله، وتهيمن عليه فلا تمنحه حقيقتها او تتكشف له، بل تخايله دافعة به الى أعماق الغفلة والجهالة.

ولعل التوحيدي حين وصف الغافل بالمغيب المصروع، أراد ابراز مدى ما أصاب الذات من تدهور وانهيار، فغدت وجودا عدميا مبتذلا، فاقد الإرادة والعقل والمسؤولية، ومن ثم الحرية والكرامة، ويطلق التوحيدي على هذه الحالة تعبيرا كاشفا هو:" فسولة النفس".

هذا الوعي الغافل واليائس ينطوي على نوع من انواع القلق السلبي، قلق القدر والذي هو مركب من الضرورة والصدفة، وهو يعني سيطرة قوى عمياء بلا قانون او نظام او غاية، تلقي بالذات في حمأة العالم و بهرجته، لتفقد هويتها وتفر من مواجهة مصيرها، انها حالة السقوط في اللامبالاة واوهام الأمان في أحضان اليومي وتفاصيله المشتتة. وتستسلم هذه الذات اليائسة والقلقلة للاندراج داخل حدود القطيع، وتغدو رقما لا شخصية متفردة ومتميزة، وتخضع تماما لمعايير القطيع وقيمه دون مناقشة، ولعل معايشة هذا الإيقاع المتغير لعلاقات هذا الفضاء اللاإنساني هو ما يمنح الذات امانها الزائف، اذ تواجه الياس والقلق القارين في داخلها دون ان تعيهما، او مواجهة التهديد بالتهديد دون وعي مأساوي للمسالة، حيث انه وعي عبثي لا يعي قدر عبثيته، والتوحيدي يعبر عن هذا بقوله:" وحين يبلغ العجز اخره.... ويسترق الياس ظاهره وباطنه، أي لا رأي لمكذوب؟ إرادة مشوبة.... وعلاقات متهمة... وطمأنينة زائفة."

فضاء الغفلة وسقوط الذات...

اذا كان فضاء الغفلة هو فضاء التشيؤ والابتذال والياس والقلق اللاواعيين، فانه كذلك فضاء الوحشة المطلقة والاغتراب الحاد، حيث الهلاك والغرق في مساحات عدم التواصل وسوء الفهم المتبادلة بين الذات وذاتها، فحين تغيب الذات عن معناها الإنساني فأنها تغترب عن حقيقتها الوجودية الاصلية، وعن مراياها العاكسة والكاشفة للحقائق الكونية والالهية بوصفها فضاء جامعا لهذه الحقائق، حيث تسقط الذات في الرؤية الجزئية المنغلقة، فتتشظى مراياها المعرفية ولا تستطيع التقاط ذلك المعنى الكلي المتجلي في الجزئيات الكونية،

وهكذا، تغترب الذات عن ذاتها، لأنها لا تمتلك الوعي القادر على التقاط حقيقتها الذاتية والكلية الكامنة، وبلغة الصوفية:" تعجز الذات حين تسقط في الغفلة عن قراءة الموجودات من حيث هي مجال للحقائق الإلهية الخلقية، بمعنى رموز واشارات لا بد ان تخضع للتأويل"، او كما يقول التوحيدي: "رمز وراءه رمز، واشارة فوقها إشارة.".

في هذا السياق، يلتهم العجز المعرفي والسقوط اللاواعي في عمق المحدود والجزئي إمكانات الذات المعرفية، وتنحصر علاقاتها بالحقائق الإلهية والكونية في إطار حدود الضرورة التشريعية بالمعنى السلبي لها: كعبد السوء، الذي يرجو مباهج الربوبية ونعيمها، ولكنه يضيق بأوامرها ونواهيها، ويتحايل عليها مساوما بالعبادة الزائفة، مقايضا على الاخرة، " مقايضة عبيد الدرهم والدينار"، كما يطلق عليهم " ابن عربي".

ينطوي فضاء الغفلة على مفارقة أساسية تكمن في كونه فضاء للانتهاك، وهو دعوة لممارسة الحرية والانفلات والتمرد خارج إطار وحدود المعايير والقيم السائدة، ومن خلال وضعيتها اللاواعية والعبثية الى حد كبير، تمارس لذة الانتهاك كلذة وهمية زائفة تحول صاحبها لأضحوكة ومثارا للتهكم والسخرية ما تجعله مصدرا للتهديد الفعلي للأخر وقيمه ومعاييره المستقرة والثابتة.

يحكي لنا (اخوان الصفا) في رسالتهم ما يلي:" ذكروا انه كان رجلا من ارباب النعم متدينا، وكان له ابن متجاهر بالسكر، وكان الرجل كارها لذلك فيه، فقال له يوما، يا بني:" انته عن السكر حتى اعطيك شطرا من مالي وعقاري، وافرد لك دارا وازوجك بحسناء من احدى بنات ارباب النعم".

قال ابنه:" يا ابت، وماذا يكون؟؟!"

قال الاب:" تعيش فرحا مسرورا ملتذا ما بقيت".

قال ابنه:" ان كان الغرض هو هذا، فهو حاصل لي".

قال الاب:" كيف ذلك؟؟!"

قال ابنه:" لأني إذا سكرت، وجدت نفسي من الفرح واللذة والسرور، حتى اظن معه، ان ملك كسرى كله لي، واتخيل في نفسي من العظمة والجلال حتى أرى العصفور مثلا قدر البعير".

قال الاب:" ولكن ان صحوت لا ترى ذلك حقيقة!!"

قال ابنه:" اعود فاشرب ثانية، حتى أسكر، فأرى مثل ذلك".

وهكذا تمارس الذات سقوطها وغيابها بلا توقف، مندفعة اندفاعا عبثيا نحو الهاوية المظلمة، وتحيا غفلتها ملتذة بالوهم الذي هيمن عليها، فأصبحت أسيرة في قبضته يستلبها كيفما يشاء.

ان مخلوقات الوهم المنفلت خارج اطار القوانين الواقعية والعقلية هي إمكانية مفتوحة للا نهائي الحضور ولا قيود تحدها، انها رهن ارادتنا الجموح وشططنا المستحيل، حيث تتحقق كل احلامنا بيسر شديد داخل هذا العالم السحري اللذيذ. ان لذة الوهم هي لذة امنة وفضاءاتها مليئة بالوعود الجميلة غير المكلفة، لكن الاستغراق فيها الى درجة الاستغناء بها عن اللذة الواقعية، انما يدل على تعبير نزعة عبثية يائسة وان كانت لا تعي يأسها واحباطها.

ان فتح باب الممكنات الذاتية دون إرادة فاعلة وواقعية لتحقيق هذه الممكنات، هو نفي لحضور الذات وإعلان لعدمها، وبل يمكننا القول: انه نفي وسلب لحضور موضوع الرغبة، اذ يدمج الموضوع في الوعي ويفقد حضوره وشرطه الخاص ككيان مستقل مفارقٍ ومغوٍ وواعدٍ ولكنه مهددٍ في ان واحد،

لذلك، لا بد لنا ان نميز بين أوهام القطيع اليائس وسيطرة الوهم المضلل الزائف من ناحية، وبين الحلم الواعد للخيال المتمرد والخلاق والكامن في عمق تجربة الانتهاك، بوصفها تجربة تمرد إيجابي ابداعي الطابع من ناحية أخرى.

 

د. باسم عثمان - كاتب وباحث

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية: أفق مغلق وبدائل محتملة (8)

لقد حاولت البرهنة في المقال السابق، على أن تقييم مواقف الحركة القومية الكردية من العراق والانتماء الوطني، يكشف عن أنها لا تتعدى في الواقع أكثر من «تكتيك» الرؤية «المعتدلة» والرياء «النفعي» المميزة للنزعة الانفصالية الكردية. وهي نتيجة يمكن رصدها في التربية الدفينة للحركات القومية الكردية وبروزها «السياسي» في عبارات الابتزاز الفارغة التي تملأ مواقف الحركة البرزانية وخطابها السياسي على امتداد عقد من زمن "الرجوع إلى العراق". وتبرز هذه المواقف بوضوح مع كل «انتصار» و«تقدم» صغير في «تجسيد الأحلام الكردية». واكتفي هنا بالإشارة إلى موقف واحد من بين عشرات المواقف المشابهة التي تصب في نفس الاتجاه، ألا وهو القول، بأن ما «يمنع» الأكراد عن الانفصال عن العراق هو «الظروف غير المناسبة»، التي يكررها في "كل مناسبة" غير مناسبة!! فقد قال مسعود بارزاني في لقاء جمعه بعدد من ممثلي الطلبة والشباب بمنتجع صلاح الدين، بأن السبب القائم وراء عدم إقدامه على إعلان الدولة المستقلة هو انتظار ما تفرزه التطورات اللاحقة التي «قد تقلب الموازين والوقائع»! وقال بهذا الصدد «أود أن أبلغكم هنا وكونوا على ثقة بأننا نتطلع إلى اليوم الذي نعلن فيه من داخل البرلمان الكردستاني دولتنا المستقلة ليتحقق حلمكم هذا»! لكنه استدرك لاحقا بالقول «إذا عدنا لما قبل عشر سنوات سنجد أن ما تحقق الآن قد لا يكون الإنسان حلم به، ولا ندري ماذا سيحدث بعد عشر سنوات من الآن من تطورات قد تقلب الموازين والوقائع». و«أن ما تحقق في الدستور العراقي لنا كشعب كردي تعتبر مكاسب كبيرة رغم أنها لا تلبي جميع طموحاتنا. وما تحقق كان بفضل من دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتحالفة معها وكذلك بدعم الأمم المتحدة». و«أن هذه المكاسب مثبتة في الدستور، وهي أضمن لنا من إعلان دولة مستقلة قد لا تحظى بهذا الدعم الدولي الموجود الآن وبالتالي قد نجازف في أمر نفقد من خلاله ما تحقق لحد الآن من الدعم الدولي». وفي مجال تحالفاته السياسية اللاحقة، فإنه ربط ذلك بما اسماه بموقف «الكتل والقوى من الفدرالية والديمقراطية والتعددية والمطالب الكردية في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وخانقين والسنجار وغيرها».

إننا نقف أمام صيغة «كلاسيكية» للنزعة الانفصالية المراوغة والمليئة بنفسية المغامرة والمقامرة والمؤامرة، باختصار بكل الرذائل السياسية التي لا مخرج لها من حيث الجوهر سوى الخيانة الفعلية للفكرة الوطنية. فالعراق بالنسبة لهذا النمط من التفكير السياسي العرقي هو أما مجرد بقرة حلوب، وأما أداة لبلوغ أهداف خاصة وأما «شريك» للسرقة!! وفي مجملها تعكس حقيقة الموقف غير الوطني للتيار البرزاني الذي اتصف تاريخيا بالاستعداد للاتفاق مع مختلف الأطراف الأجنبية والخارجية في صراعها مع العراق وضد مصالحه الوطنية العليا. وذلك لأن القوة الوطنية الحقيقية ينبغي أن تضع على الدوام فرقا بين صراعها وحتى عداءها للسلطة السياسية القائمة وبين المصالح الوطنية الكبرى للدولة والوطن. إلا أن عبارات البرزاني تكشف حقيقة نوايا ونمط تفكير هذا التيار. ففيها نقرأ فقدان الرؤية الوطنية العراقية، بل ومعاداتها في عبارته القائلة:«وما تحقق كان بفضل من دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتحالفة معها وكذلك بدعم الأمم المتحدة». وفيما لو أزلنا كلمة «الأمم المتحدة» بوصفها عبارة دبلوماسية، وكان بإمكانه أن يقول «إسرائيل» لولا الفضيحة، فإن ذلك يعني ليس فقط تجاهل العراقيين العرب وغيرهم في الصراع ضد الأنظمة الدكتاتورية من اجل صنع عراق ديمقراطي يتمتع به الجميع بحقوق متكافئة، بل واستهجان لهم أيضا. ويعبر هذا الاستهجان عن نفسية الغنيمة وليس الشراكة الوطنية. وهي فكرة جلية في ما اسماه باشتراط التحالف مع القوى التي تستجيب لمطالبه «بالفدرالية والديمقراطية والتعددية والمطالب الكردية في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وخانقين والسنجار وغيرها». لكنه لم يوضح مقابل أي شيء؟ وقد تكون الإجابة مقابل «البقاء في العراق»! إذن لماذا كل هذا الضجيج والدعوة لإقامة الدولة المستقلة. أم أن ذلك يفترض الحصول على «الأراضي المتنازع عليها» بوصفه اليوم الذي يمكنه أن يكون «يوم إعلان الدولة المستقلة من داخل البرلمان الكردستاني»! إذن لماذا هذه المطالب؟ أم إننا نقف أمام نموذج "كوردي" متميز في فهمه للاعتدال والنفعية؟ وهو اعتدال ونفعية مهمتها البرهنة «للحلفاء» الجدد (الأمريكيين) بالاستعداد الدائم لخدمة مصالحهم. كما تعكس هذه النفسية طبيعة الذهنية السياسية للحركة البرزانية التي كان اغلب تاريخها السياسي زمناً للارتماء بأحضان القوى الخارجية. ونعثر على هذه النفسية المستبطنة في عبارة البرزاني القائلة «قد تقلب الموازين والوقائع»، التي تجعل من الممكن «إعلان الدولة المستقلة». وهي عبارة تسقط كل معنى «الاعتدال والنفعية» وفكرة «نحن وطنيون عراقيون» وليس «انتحاريين قوميين».

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام خليط غير متجانس من الأفكار والمواقف يعكس بمجمله خلل الفكرة الوطنية العراقية في الفكر القومي الكردي المعاصر، والذي تمثله بصورة نموذجية الأبعاد الدفينة لكلمة «قد تقلب الموازين والوقائع». ويمكن فهم المعنى الباطني لهذه العبارة في الفكرة المباشرة التي طرحها البرزاني مرات عديدة في الفترة الأخيرة والقائلة، بأن الأكراد سوف يعلنون استقلالهم في حال نشوب حرب أهلية بين العرب في العراق. وفيما لو أهملنا شرارة «الحرب القبلية» المحترقة تحت غطاء البرزانية والطالبانية بين الأكراد، أي استحالة الاتفاق على «دويلة واحدة» بين الأكراد أنفسهم، دع عنك كل الجوانب الأخرى، فإن مضمونها الفعلي يشير إلى طبيعة النقص الجوهري في الفكرة الوطنية عند الحركات القومية الكردية الحالية.

وتعكس هذه «الفكرة» المزاج الدفين للتيار البرزاني. حقيقة أن ذلك ليس معزولا عن الصراع الدفين بين التيار الطالباني والبرزاني، إلا انه يشير من الناحية الموضوعية إلى طبيعة الخلل الفعلي في الرؤية الوطنية العراقية، وصعود الرؤية العرقية والمزاج القومي المشوه، أي كل ما وجد انعكاسه في الاعتقاد القائل، بإمكانية أن تكون الحرب الأهلية في العراق وسيلة بلوغ «الدولة المستقلة» للأكراد. وهو مزاج يعبر عن طبيعة «الاعتدال والبراجماتيكية» البرزانية بصدد الفكرة الوطنية العراقية.

إن ربط إمكانية ما اسماه بالحرب الأهلية بين الشيعة والسنّة، هو تعبير عن نفسية دفينة تعكس النزعة القبلية السائدة في التيارات القومية الكردية الحالية في العراق. بمعنى إننا نعثر فيها على تحريض ومساومة من نوع فاحش. والقضية هنا ليست فقط في عدم معرفة ماهية وحدود «العراق» و«الاستقلال» و«الدولة الكردية» في عبارة البرزاني، بل ولما فيها من جهل بماهية الحرب الأهلية وخصوصيتها وأثرها المحتمل في العراق والمنطقة، ومن ثم بالنسبة لمصير «الدولة الكردية». فالحرب الأهلية، كما هو معروف، هي أولا وقبل كل شيء حرب بلا قواعد. من هنا يصعب تحديد مداها الزمني وحدودها الجغرافية. كما يصعب تحديد أثرها وأساليبها، وذلك لأن آلية فعلها تفتقد لأية معايير عقلانية وواقعية. أنها محكومة بقواعد الثأر والانتقام. ومن ثم لا تصنع في مجرى اندلاعها سوى قوى همجية غير عقلانية. والحرب تنتهي بالضرورة، ومن ثم فالأكراد بحاجة إلى قوى للاتفاق معها. وعندما تلتقي قوى لا عقلانية من الطرفين فإن النتائج المحتملة هي «حرب حتى الرمق الأخير» وما يرافقه بالضرورة من تدخل خارجي دولي وإقليمي بالأخص. وهو تدخل لا يرحم الأكراد أو أي كيان آخر. فالطبيعة لا تحب الفراغ، والمصالح الاقتصادية والسياسية للدول الإقليمية هي اشد عنفا في الظروف التاريخية الحالية من الطبيعة، لأن الأخيرة لا تعرف الهمجية، لكنها تعرف "الثأر". بينما الدول الإقليمية تعرف الثأر والهمجية بقدر متساو. وهي نتيجة تجعل من المستحيل بالنسبة «للدولة الكردية» المعلنة الابتعاد عن آثارها، بما في ذلك عن آثار الصراع «السني الشيعي». والقضية هنا ليست في ما يسمى بالانتماء السنّي للأكراد، لأنه في الأغلب غطاء دعائي يستعمل عند الحاجة. لكن «الحاجة» في الحرب الأهلية عادة ما تكون لكل شيء. لهذا سوف تستهلك بالضرورة كل شيء بما في ذلك الصواب والخطأ والحقيقي والدعائي. فالحرب الأهلية آلة خشنة لا يمكنها التهام السنّة والشيعة العرب، بل والبرزانيين والطالبانيين "السنّة" الأكراد أيضا. أما النتيجة فهي إشراك الجميع في حروب بلا قاعدة، والقاعدة الوحيدة فيها ستكون لنفسية وذهنية «القاعدة» الزرقاوية سابقا وأشكالها المتنوعة الآن وآخرها "داعش"، أي لهمجية بلا حدود.

إن همجية بلا حدود تعني في ظروف العراق الحالية همجية عراقية عامة، أي حرب أهلية في عموم العراق. ولا يمكن حينها الاختباء وراء خطوط «المناطق الآمنة». إذ لا أمان آنذاك لأي كان، كما انه لا مصدر لتمويل الأمان والميليشيات واحتياجات الناس العاديين للعيش البسيط من «نفط مقابل غداء». وعندما تتلاشى معادلة النفط والغذاء، فإن المعادلة البديلة هنا هي الشحن العنيف للصراع والمواجهة الإقليمية. ولابد وأن ينتهي هذا الصراع بشكل ما من الأشكال. أما بفوز طرف على آخر أو بطريقة «التوافق»، بمعنى الاتفاق. ففي حالة فوز احد على آخر، فإن الفائز يكون بالضرورة مستكبرا وغاضبا ومتلذذا بالانتصار، تحدوه الرغبة الجامحة في القضاء عل كل «خصم» و«غدار» و«خائن» وما إلى ذلك من صور سوف يجري صنعها وتصنيعها وتسويقها بصورة سريعة. وفي حال التوافق والمساومة بين «السنّة والشيعة» العرب، فإن الأكراد سوف يكونوا الطرف الوحيد في «الغدر» و«الخيانة» و«العداء». الأمر الذي يؤدي أما إلى حرب «أهلية» على مستوى قومي، وهو ما لا تعارضه القوى الإقليمية. على العكس قد تكون أكثر استعداد لتشجيعه ودعمه. كما أنها الرغبة التي سوف تتحمس لها اغلب «الأقليات الكردستانية» إن لم يكن جميعها. وسوف تجعل هذه الحالة من الأكراد القوة الأضعف والأكثر محاصرة. فضعفها التاريخي هو الأشد قسوة في الظروف الحالية من كل تاريخهم الحديث. وذلك لأن «التشتت» السابق في المنطقة وصراعاتها الداخلية كان يجعل من الأكراد عموما «ورقة ضغط» أو «ورقة لعب». وتحول بعد الاحتلال الأمريكي للعراق إلى ورقة في أيدي أمريكية أمينة! وهو تحول من الشرذمة في المصالح إلى وحدة متينة في الإستراتيجية. ولا علاقة جوهرية بين المصالح الكردية والأمريكية إلا من حيث استعدادها على خدمة «المصالح الحيوية» للولايات المتحدة. وبما أن القوة الكردية ضعيفة بحد ذاتها، وقوية نسبيا في معترك المصالح الإقليمية المتناحرة، فإن وضعها كاملة في قبضة المصالح الأمريكية كان يعني إضعافها آلاف المرات قياسا بالسابق. فالولايات المتحدة قوة جبارة، وبالتالي فإن ضعف القوى الكردية هو أيضا الوجه الآخر لهذه المعادلة التعيسة.

مما سبق يتضح، بأن الآفاق البعيدة المترتبة على فكرة الحرب الأهلية هي إضعاف شنيع للأكراد وإفقادهم شبه التام لأي إسناد فعلي. مما يجعل منهم قوى قابلة للالتباس بزي «القوى الانفصالية» مع ما يترتب عليه من عنف مركب ضدهم ونشاط إقليمي مشترك للقضاء عليهم. لاسيما وأن الحركات القومية الكردية قد «نجحت» فعلا في استعداء دول المنطقة. ولم يبق في الواقع ملجأ لها غير العراق. وفي العراق حرب أهلية! غير أن هذه الصورة المكثفة أعلاه، أي الأقل دموية ومأساة مما سيجري في الواقع في حال نشوب حرب أهلية، كان ينبغي لها أن تثني رجلا عاديا من الحديث بفكرة مثل تلك التي أطلقها البرزاني. فالعاقل يصاب بالدهشة لتصريحات من هذا القبيل. ومن يسعى لبناء دولة ينبغي أن يكون على الدوام حذرا للغاية في الهواجس والوساوس، دع عنك في الكلام والعبارة. وأن يكون متحررا تماما من ثقل المفاهيم المبشرة بالحرب الأهلية. وهو تحرر يفترض الارتقاء من مقارنات السياسة المبتذلة والأحداث التاريخية القديمة والمعاصرة إلى آفاق المصالح الواقعية والعقلانية الوطنية العامة. وذلك لأن «كردستان» ليس كوسوفو، والعراق ليس يوغسلافيا، والشرق الأوسط ليس وسط أوريا.

إننا نعثر في الأفكار المبشرة بالحرب الأهلية، التي تقدم وقت الضرورة على أنها تحذيرا منها!! هو الوجه الآخر للانحدار والانحطاط العرقي للحركات القومية الكردية. مع ما يترتب عليه من نفسية الابتزاز والحصول على غنيمة. وبالتالي الاضمحلال الفعلي للفكرة الوطنية العراقية فيها.

طبعا أن هذا الانحدار ليس معزولا عن مكونه الذاتي القائم في ضعف التكامل القومي للأكراد. فالأكراد قوم وليس قومية، أي أنهم لم يمروا بعد بتجربة الصيرورة التاريخية المعقدة لفكرة الشعب ثم القومية ومن بعدها للأمة، إضافة إلى غياب أو انعدام الدولة وتاريخها الثقافي المستقل. بمعنى عدم وجود قومية دولتية لها تاريخها الخاص المؤثر والفعال في بلورة تقاليد سياسية وثقافية مستقلة وطويلة الأمد على المستوى الإقليمي. وهو ضعف جلي على خلفية كون الأكراد هم من سكان المنطقة ولهم جذور متداخلة مع الفرس والأتراك وقواسم دينية ولحد ما ثقافية مع العرب. ووجد هذا الضعف انعكاسه أيضا في البنية الاجتماعية القبلية والجهوية الراسخة بما في ذلك في الوعي القومي والسياسي المعاصر. وهو ضعف حصل على امتداده في التجزئة السياسية للأكراد في دول عدة من جهة، وتجذر التجزئة الذاتية في «منظومات» مغلقة من جهة أخرى. مما أدى بدوره إلى بلورة اغلب عناصر الاستلاب الثقافي المميز للحركات القومية الكردية الحالية تجاه ارثهم المشترك مع الفرس والأتراك والعرب. وهو نقص متجذر بصورة عميقة في الوعي القومي السياسي الكردي بهيئة عناصر عرقية تصعب معها الفكرة الثقافية للاندماج السياسي، أو الفكرة السياسية للاندماج الثقافي. وفي هذا تكمن عناصر الخلل في الفكرة الوطنية الكردية تجاه العراق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

عبد السلام فاروقكلام قديم جديد: حول عقم النخبة المثقفة عن أن "تلد" فكراً جديداً يواكب موجات التطور الهادرة التى تجتاح العالم من أدناه إلى أدناه. وعن حاجة تلك النخبة إلى أن " تئد" أفكارها القديمة وتعيد تقديم ذاتها بفكر مغاير مواكب لما هو قادم من تغيير . أو أن تفسح المجال لمن يستطيع!

 منذ أواخر القرن العشرين، ومع تحولات السياسة العالمية فى أعقاب حرب العراق والتهاب الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط، وانحسار اليسار أمام عنفوان التيار الليبرالى الهادر. بدأت مناقشات جدلية بيزنطية تدور فى دوائر وحلقات مفرغة من النقد والنقد المضاد حول ما يُدعَى "موت الأيديولوجيات" و"نهاية المثقف"، والسبب هو تداعِى دور المثقف وانهيار ثقة الجماهير فى النخبة الفكرية التى تتقدم الصفوف دون أن تقدم شيئاً.. تبلورت تلك المناقشات والأفكار فى عدة إصدارات مهمة كان أولها كتاب "صور المثقف" لإدوار سعيد، وكتاب "أوهام النخبة" لمؤلفه "على حرب" وكلاهما صدر فى عام 1997، وأثار الكتاب الأخير ردوداً واسعة من طوائف المثقفين والنخبويين المدافعين عن مواقعهم كقادة للرأى والفكر، حتى بعد ثبوت خواء مشروعهم الفكرى وانعدام قدرته على طرح حلول واقعية أو حتى نظرية مقنعة للناس.

 اليوم تعود المناقشات بشكل تدريجى وعلى استحياء، لكنها أقوى وأشد وقعاً من سابقتها التى اقتصرت فى السابق على منتديات الخاصة من المثقفين، بينما هى الآن تدور فى عقول أصحاب القرار، بل وعلى ألسنة العامة !

فلماذا تعود تلك الفكرة للظهور الآن؟ وما مآلاتها؟ 

انهيار الإيديولوجيات ..

أثبتت التجربة أن النضال الفكرى تجاه أباطرة الكربوقراط والرأسمالية الموجَّهة تحت غطاء صاروخى نووى نضال عبثى لا يفيد فى قليل أو كثير . وأن قوة الفكر تفتقر إلى فكر القوة، والقوة هنا هى قوة المادة والإمكانية والمنتَج والثروة. لهذا نرَى كيف أن التنين الصينى لا يعتمد فى مواجهة الإمبريالية الغربية والفكر المهيمن على الأسواق العالمية لدى الشركات الأمريكية العابرة للقارات سوى فكرة الطفرات الاقتصادية بمشاريع عملاقة كمشروع طريق الحرير الذى سيغير وجه التجارة والاقتصاد فى العالم كله. والحرب التجارية التى يشنها ترامب ضد الصين ليست إلا إرهاصات ذعر مستقبلى من هذا المشروع التجارى العملاق!

 السؤال الذى يعاود فرض نفسه بإلحاح: ما دور المثقف العربي فى هذه المعمعة ؟

دور المثقف باعتباره قارئ متحقق مدقق لا للواقع وللفكر الحديث فقط، بل هو قارئ بالأساس للمستقبل ومتنبئ بالأخطار المحدقة بمجتمعه استناداً لمعارفه الواسعة وقراءاته المتجددة، إنه يلعب دور أجهزة الاستشعار المناخية والجيولوجية، لكنها قراءة لجيولوجيا السياسة ومناخ الفكر الاجتماعى والاقتصادى والتنموى. مثل هذا الدور أين هو الآن فى بيئتنا الثقافية العربية المنشغلة بالنظر خلفها أو تحت قدميها ؟ أين المهتمون باستقراء الواقع انطلاقاً منه نحو الغد بدلاً من المهتمين بجيوبهم وأحوال ذويهم تحت شعار “أنا ومن بعدى الطوفان"؟!!

 الانفصال الذى حدث بين الطليعة والجمهور لم يحدث من فراغ، ولا حدث فجأة بين يومٍ وليلة. بل هو تدهور تراكمى مرجعه أن الجمهور لم يعد يثق فى رؤية النخبة ولا فيما تقدمه من أفكار مستهلكة بالية أو سريالية مغرقة فى الخيال والوهم. وفى خضم الواقع الاقتصادى الضاغط يكون من الطبيعي جداً أن يتخلى الجمهور عن نخبته الطليعية، لأنها بادرت بالتخلى عنه وعن متطلباته وتطلعاته.

القدامَى والجدد.. لا يوجد كشف نهائى!

قد يتبادر سؤال مُلحّ لدى المنتمين للثقافة وهم ليسوا من النخبة: مَن يمتلك كشف تعيين المثقفين النخبويين؟ وهل النخبوية هنا مصطلح أكاديمى أم بيروقراطى أم براجماتى؟ وهل يمكن للنخبة أن تعيِّن نفسها بنفسها وتكتسب صفة النخبوية قسراً فتفرض نفسها على الواقع الثقافى فرضاً؟ وكيف يحدث هذا؟ وما السبيل لإجراء عملية "إحلال وتجديد" لهذه النخبة؟!!

إن شجرة الثقافة العربية العتيقة لم تعد كالسابق، اختنقت الشجرة الأم وكادت ثمارها تنعدم وسط شبكة معقدة شديدة الالتفاف والتشابك من نباتات متسلقة دخيلة . وانقسمت الصورة إلى جيل قديم يحن إلى زمن سابق لعبت فيه مصر دوراً ريادياً فى مجال الثقافة، جيل يكاد يختنق ويأفل أمام جحافل المتسلقين وأشاوس المنتفعين الراغبين فى هدم كل ما هو جميل ليبقوا هم وما يقدمونه من قبح وخواء. والخطورة تكمن لا فى كونهم يمثلون صورة خاطئة ومغلوطة عن الثقافة المصرية، مجرد واجهة زائفة لحقيقة تستحى أن تعلن عن نفسها . لكن مكمن الخطورة الحقيقية أن النخبة الثقافية المهيمنة على الساحة الفكرية بإمكانها التحكم فى قنوات التدفق الفكرى بحيث تغلق جميع المنافذ التى تهدد وجودها . ما يعنى أن المنافسة غائبة بالضرورة، لأن الغث هو الذى يسود فوق ما هو أشد ضحالة، إنها منافسة بين أشباه المثقفين وأدعياء الفكر، حيث لا يبقَى فى الواجهة إلا ما يؤكد وجودهم وأحقيتهم فى هذا الوجود، وأنهم البديل الوحيد للفكر والثقافة . والسبب أنهم حجبوا أى بديل حقيقي ليبقوا هم .

غير أن الواقع الثقافى المفكك المتداعِى يشى بأن الأرض باتت قابلة لانغراس بذور جديدة جيدة وخصبة عساها بشئ من الإصرار والجهد المخلص أن تنمو وتثمر كأشجارٍ سامقة عالية القمة لا تعبأ بكمأة اللبلاب المتسلق المتهالك.

مناورات النخب

العقبة الكبرى التى واجهت محاولات تخليق نخبة ثقافية بديلة هى أن شيوخها ورموزها من أساطين التفلسف وكهنة الفكر امتلكوا أدوات الالتفاف وأسلحة المناورة ضد أى محاولة لزحزحتهم عن الساحة .

فبينهم مَن تمرَّس على الجدليات النضالية الفلسفية التى تبدأ من حيث تنتهى! باستطاعته أن يثبت الشئ وعكسه بسهولة ويسر ليثبت وجهة نظره ويؤكد خطأ الآخرين، ولديه من مفردات القاموس الفلسفى المغرق فى التعقيد ما يجعله قادراً على الدوران بالأفكار فى دوائر مفرغة تنهك مَن يقع فى شرَك الجدل معه!

صنف آخر من النخبة يبدو كالدب الشرس المدافع عن حماه والمتحفز ضد أى عدو يهدد منطقة نفوذه..وله فى ذلك المنحَى أسلحة وأنياب ومخالب. مبدؤه العام الإقصاء درءاً للمتاعب وإيثاراً للسلامة، لا يخاطر بالدخول فى أى منافسة من شأنها أن تكشف ضعف منطقه وزيف موهبته وضحالة ذاكرته المعرفية. يروج لسلعته الثقافية مهما كانت كاسدة بكل وسيلة، ويذود عن مكتسباته ومكانته بكل ما يملكه من قوة عقلية وبدنية. مثل هذا الصنف لا يمكنه السماح بوجود منافسين أو مناهضين لمشروعه الثقافى المزعوم، ولا يمكن مناقشته فى إمكانية وجود تنوع فى الحقل الثقافى لإحداث التوازن، مثل هذا الصنف هو الأسوأ والأكثر انتشاراً والأشد مقاومة لأى محاولة لتغيير بنية الهيكل الثقافى.

إن أسوأ خصال النخبة المثقفة أنها نخبة نرجسية متعالية تنظر للعامة والدهماء نظرة احتقار رغم ادعاء الدفاع عن الحريات والحقوق والمبادئ العليا. فهم الطليعة المختارة المصطفاة، وهم صفوة الصفوة وخاصة الخاصة، يرون أنفسهم أنبياء هذا العصر المبشِّرين بالعدل والقيم والحرية، العارفين بأسرار الحقيقة ومجاهلها، المدركين لمصالح الجماهير الكادحة أكثر من الجماهير أنفسهم! فهم الأعلم والأقدر والأوعَى والأسبق. إنها كذبة كبرى وفرية عظمى تنغمس فيها النخبة حتى الثمالة، يعيشونها فيصدقونها ويتلبسون بها!

لا تنتظر من المثقف النخبوى مناقشة موضوعية أو قدرة على تغيير ذاته ومراجعة نفسه وإعادة تدوير أفكاره الآسنة. لأنه مقتنع وموقن بأفضليته ونخبويته التى تجعل من مناقشته إياك انتقاصاً لمكانته!

إعادة بناء المجتمع الثقافى

عالم نجيب محفوظ الروائى زاخر بحكايات مصرية تراثية جسدت الشخصية المصرية البسيطة بكل ما فيها من مزايا وعيوب. غاصت رواياته فى دروب القاهرة وأحيائها، وغصّت بنماذج اجتماعية شتّى . واستأثر نموذج حرافيش القاهرة بالنصيب الأوفر من الوصف والإضاءة والتركيز، لأنه يمثل تجليات الشخصية المصرية بكل تناقضاتها وتعقيداتها المتراكمة عبر التاريخ .

المجتمع المصري يتميز تاريخياً بأنه مجتمع هاضم لكل الثقافات، حتى الثقافات الاستعمارية التى قامت باحتلاله لعدة عقود، هضمتها الشخصية المصرية وأعادت إفرازها وإنتاجها فى شكل فنون وأدبيات متباينة منوعة الاتجاهات والمشارب.

المُلاحَظ اليوم أن المجتمع المصري يعيد اكتشاف وتدوير نفسه بدءاً من القاع. فالفنون الشعبية الآن هى الأكثر رواجاً وانتشاراً، واللغة الشبابية المرنة هى الأكثر تداولاً أو "تلاسناً"، والعامية فى الأدب والرواية هى الأشد قَبولاً والأكثر مبيعاً. ما يبدو فى أنظار البعض فوضَى وارتباك هو عَين الانتظام والترتيب. فالمجتمع يقوم بعملية هضم جديدة يلوكُ فيها كل ما هو جديد، ليطرد ما لا يستساغ ويُبقِى ما يحب.

ومن بين المهام التى يقوم بها المجتمع اليوم مهمة الإزاحة الذكية والنبذ الهادئ للمجتمع النخبوى. بدأ الأمر منذ نحو عقد من الزمان مع ازدياد الوعى وانخراط الناس فى الواقع والأحداث. بدأ أولاً بسلاح التجاهل والانصراف عن الاستماع للخطاب الثقافى المكرر. ثم أتت موجة الأدب العامى والفن الشعبوى كتعبير عن رفض العامة للأدب النخبوى. إنه إعلان صامت له مغزى وصدى وتأثير. مفاده أن المجتمع يبحث عن أدب جديد وفن مختلف وطرق أخرى للتعبير لا يملك المثقفون المحنطون القدامَى شيئاً من أدواتها وآلياتها.

حرافيش القاهرة هم اليوم بناة المجتمع الثقافى النخبوى . أذواقهم الفنية والأدبية هى التى تفرض كلمتها على الساحة الثقافية الفارغة من أى مضمون الخالية من أى رؤية أو مغزى أو هدف. هؤلاء الحرافيش هم الأقدر على إزاحة النخبة المثقفة ونبذها على الطريقة المصرية.

نكون أو لا نكون..تلك هى المعضلة

مخطئ مَن يتصور أنه البديل المناسب للنخبة . فالحل الأمثل لإزاحة النخبة هو هدم مبدأ النخبوية من الأساس . لأنه مبدأ عنصري يخلق فروقاً طبقية بين أفراد المجتمع الواحد فيحوّل مجتمع الصفوة إلى ملائكة وأنبياء وبشر فوقيون يعيشون فى بروجهم العاجية بعيداً عن العامة والغوغاء. فيتحوّل الجمهور بالتبعية إلى قطيع يُساق .

مجتمع بلا نخبة هو مجتمع يعترف بالاختلاف والتنوع ويبغض التمايز والطبقية. واعتراف المثقفين أنهم لا يحتكرون الحقيقة ولا يملكون صولجان المعرفة ولا مفتاح الخلاص والنجاة هو بداية الطريق إلى خلق نخبة من صفوف الجماهير أنفسهم، حيث تصير النخبة والجمهور شيئاً واحداً لا تمايز فيه ولا اختلاف.

ثمّة أسس خمسة لبناء مجتمع ثقافى جديد سليم الرؤية والنزعة والاتجاه.. تلك الأسس هى:

1- المثقفون القُدامَى: عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الأدبية من أجل الاعتراف بفشلهم الذريع فى إنتاج رؤية فكرية يبتلعها الجمهور وينقاد لها. ومن منطلق هذا الاعتراف يعيدون تقديم أنفسهم بإسهام جديد وثوب عقلى وفكرى مواكب للتغيرات الجذرية المجتمعية المعاصرة.

2- المثقفون الجدد: لديهم الحق فى ملء الساحة الثقافية لإزاحة النخبويين القُدامَى.. هذا حقهم، فالجيل القديم لا يريد أن يسلِّم الراية للجيل الجديد من المثقفين، وعلى الجيل الجديد أن ينتزع الراية انتزاعاً. ثم ينضم للجمهور وينطلق معه نحو بناء مجتمع ثقافى سليم الجسد والعقل.

3- المسئولون: لديهم الفرصة السانحة لتحقيق إرادة جمهور يئس من نخبته الثقافية الهشة ويتطلع لظهور وجوه جديدة وإنتاج أفكار متطورة مسايرة للعصر. المسئولون وحدهم قادرون على تحويل الفوضى الفكرية والمجتمعية إلى منظومة متكاملة فاعلة.

4- المفكرون والنقاد: من غير النخبة، لا بد لهم من الانخراط فى خلق حالة من النقاش الجاد حول تلك القضية الحيوية. والاستعداد للاشتباك الفكرى مع النخبة المثقفة التى لا بد أنها ستدافع عن مكتسباتها بكل قوة.

5- الجمهور: قادر دائماً على أن يكون رقماً ثقيلاً كبيراً فى معادلة الفاعلية والتأثير. ولا بد أن يختار الجمهور مَن يمثله ثقافياً فى مرحلة فارقة من تاريخ الأمة.

 

عبد السلام فاروق

 

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية: أفق مغلق وبدائل محتملة (7)

إن «صعود» الفكرة القومية الكردية في ظروف العراق قبيل وبعد سقوط الدكتاتورية الصدامية لم يكن في الواقع سوى صعودا للفكرة العرقية، أي سقوطا غير مباشر. وتلازمت هذه النتيجة بدورها مع الانحراف الذي ميز تاريخ الدولة العراقية الحديثة. لكنه يعكس في الوقت نفسه واقع الانحطاط الفعلي في مواقف الحركات القومية الكردية من الوطنية العراقية.

بعبارة أخرى، إن صعود الفكرة العرقية هو الوجه الآخر لسقوط الفكرة القومية الكردية نفسها. ويجد هذا الانحدار تعبيره وانعكاسه في ضعف أو انحطاط الفكرة الوطنية (العراقية) فيها. وتشير هذه الحالة إلى طبيعة ومستوى الخلل الفعلي في الفكرة الوطنية العراقية بشكل عام عند الأغلبية. 

إن انحدار الفكرة القومية الكردية صوب المكونات والنماذج العرقية هو أيضا النتاج الملازم للجهل بطبيعة الفكرة الثقافية في الفكرة الوطنية العراقية. من هنا ليس بإمكان الفكرة العرقية القومية أن تؤدي بعد مائة سنة من «النضال المرير» إلا إلى مرارة شبيهة بتلك التي تذوقها عرب العراق من صدامية «ثورية» «علمانية» «قومية» «تحررية» «وحدوية». وهي نتيجة يصعب الآن تصورها من جانب أولئك الذين يمرون بمرحلة الطفولة أو المراهقة القومية. إلا أن التاريخ يجبر بما في ذلك اشد الناس جرأة وحرية على الخضوع للفكرة القائلة، بأن من الممكن تجاهل التاريخ ونتائجه والشك بإمكانية التعلم من عبره، لكنه سوف يعاقبهم على فعلتهم هذه بالضرورة!! ولا تعني استعادة تجارب الفشل أو إعادة تجربتها من جديد سوى عدم الاستفادة من تجارب الماضي وهو عين الغباء، أو الاستفادة منها لمصالح جزئية وعابرة وهو عين الحماقة. أما البقاء ضمن دوامة الغباء والحماقة، فإنه لا يصنع حكمة!! ويمكننا العثور على هذه الحالة عند اغلب القوى السياسية "العراقية" بأشكال ومستويات متباينة. مما يشير بدوره إلى عدم النضج السياسي والوطني. وعموما يمكننا القول، بأن كثرة الغباء ليست مؤشرا على أصالة، لكنها تحتوي دون شك على بلادة متأصلة. وهي البلادة الناتئة في جهل مختلف القوى القومية لطبيعة الهوية العراقية وقيمتها الفعلية بالنسبة لرقي القوميات فيه جميعا، بما في ذلك بالنسبة للأكراد.

غير أن دراما القضية الكردية في العراق، اعرق من ذلك بسبب لا عراقيتها من جهة، وبسبب ضعفها الذاتي من جهة أخرى. وفيهما تراكمت تاريخيا مقدمات الانحراف صوب العرقية، وكذلك بفعل السياسية الهمجية التي اتبعتها السلطات المركزية على امتداد عقود طويلة تجاه الأقليات القومية، وبالأخص في زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

وإذا كان نصيب الأقلية الكردية أكثر شهرة فلأنها مازالت الأكبر من بين الأقليات القومية في العراق. فعندما نقوم باستقراء تاريخ العراق الحديث، فإننا نرى بأن «القضية الكردية» كانت إحدى قضاياه الملتهبة وقت السلم والحرب والصعود والهبوط. إلا أنها تستفحل بشكل أشد مع كل انعطاف حاد وانقلاب مفاجئ في تاريخ الدولة والمجتمع. وتشير هذه الظاهرة إلى أن القضية الكردية اقرب إلى «المرض» منها إلى قضية حيوية بالنسبة لتنشيط عمل الدولة ومؤسساتها. غير أن ذلك لا يعني مسئولية الأكراد الذين جرى حشر بعض منهم بصورة اصطناعية (واقصد بذلك الجزء الشرقي من شهرزور التاريخية، أي منطقة السليمانية. مع ان لهذه القضية تعقيدها التاريخي والسياسي والجغرافي الخاص أيضا) في بلد لا علاقة صميمية لهم به بالمعنى التاريخي والثقافي والقومي. لكن هذا الحشر الذي شكل بمعنى ما التعبير الطبيعي عن ضعف الأكراد التاريخي والقومي قد أدى إلى نتائج إيجابية كبرى بالنسبة لهم في مجال الحياة القومية والمدنية. بمعنى الاشتراك النشط نسبيا في الحياة المدنية، ومن ثم الانتقال من ثقافة الجبل إلى ثقافة السهل، ومن البداوة إلى المدينة. ويمكن مشاهدة نتائجها العديدة في مختلف مجالات الحياة، بما في ذلك انتشارهم في المدن العراقية حتى أقصاها جنوبا، وارتقائهم التدريجي من مهن الفئات الرثة إلى مختلف المهن الرفيعة ومراكز الدولة. ويعكس هذا الانتقال والتحول أولا وقبل كل شيء الاندماج التدريجي والصعب بالحياة المدنية المعاصرة. وهو اندماج يعود الفضل التاريخي فيه للعراق كدولة. وهو أمر جلي في حال إجراء مقارنة سريعة بين واقع الأكراد قبل «دخول» الدولة العراقية والآن، وبين حالهم في العراق من حيث مستوى الرقي الثقافي والمدني وتطور الوعي القومي مقارنة بمناطق سكنهم الأصلي في إيران وجزئيا في تركيا الحالية.

ولا يفترض هذا الواقع مطالبة الأكراد بتعويض يقابله، انطلاقا من أن كل ما جرى في تاريخ العراق الحديث هو جزء من تاريخ الدولة. لاسيما وأن تاريخهم في العراق الحديث لم يكن سلسلة انتصارات، بل وهزائم أيضا، وليس مجرد كتلة هائلة من السعادة، بل ومن التعاسة أيضا، كما انه يحتوي على قدر كبير من العزة القومية والمهانة التي تماثلها. وتعكس هذه الحالة واقع وتاريخ العراق الحديث يوصفهم جزء ممن فيه. إلا أن هناك جملة من الوقائع المتكررة في هذا التاريخ توصلنا إلى ما يمكنه أن يكون حقيقة من حيث أبعادها السياسية، ألا وهي «انتفاض» و«مشاكسة» القوى القومية الكردية مع كل انعطاف أو ضعف في الدولة العراقية. مما يشير إلى أن الأكراد لم يندمجوا في بنية الدولة العراقية. بحيث يرتقي هذا التكرار إلى مصاف «القانون». ولعل الأحداث التي لازمت انهيار التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي فسحت المجال للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر أمام إمكانية بناء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي بوصفهما الضمانة الكبرى لحل كافة المشاكل على أسس اجتماعية سياسية، تبرهن من جديد على طبيعة الخلل الوطني (العراقي) في الحركة القومية الكردية. ويبرز هذا الخلل بوضوح في سياسة المغامرة والمؤامرة والابتزاز، التي بلغت ذروتها في سيادة نفسية الغنيمة والاستيلاء على الأرض، مع أن مضمون الحركة الاجتماعية الديمقراطية يفترض الارتقاء إلى مصاف تأسيس فكرة الشرعية والمواطنة. فهي الفكرة التي تضمن للجميع حقوقا متساوية، باعتبارها الغاية النهائية من كل نضال حقيقي وإنساني.

لكننا نقف أمام ظاهرة بقاء الحركة القومية الكردية في العراق ضمن شروط تكونها التاريخي الضيق، الذي يدفعها أكثر فأكثر صوب التجوهر العرقي. ويشير هذا بدوره إلى قضيتين:

- الأولى وهي هيمنة البقايا العرقية في الفكرة القومية الكردية، وضعف بل وانعدام التأسيس العقلاني للفكرة القومية الكردية،

- والثانية هي ضعف الاندماج السياسي والثقافي والاجتماعي بالعراق.

وقد تكون الأساليب التي جرى تجريبها في انتخابات 2004 واستعمال نتائجها كما هو جلي في «قائمة المطالب» الكردية تعكس تفاعل هاتين القضيتين في «تكتيك» و«إستراتيجية» النخب القومية الكردية. فعوضا عن العمل بمعايير الدولة الشرعية الديمقراطية والمجتمع المدني، نرى «إنذار» المطالب «التي لا يمكن التنازل عنها» مثل تقاسم الثروة والحصول على مدن عراقية وأراضي وما شابه ذلك، بمعنى بروز المضمون الفعلي والدفين لنفسية الغنيمة. وهي مواقف اقرب ما تكون إلى نفسية الشحاذين منها إلى سلوك سياسي لنخبة وطنية. وبالأخص حالما يجري الحديث عن «مناصفة» بالثروة!! بين 13%  (او أقل من ذلك) مع البقية الباقية 87%. (أو أكثر). ولا يقبل بهذه المناصفة عقل سليم ولا فطرة سليمة ولا ما دعاه البارازاني في «مقالته» المنشورة بعد أشهر من ذلك في الواشنطن بوسط من «أن الأكراد براغماتيون ومعتدلون»!! إذ تتسم هذه الصيغة بقدر كبير من الفجاجة في التعبير عن «روح» الاعتدال والنفعية "للأكراد البراغماتيين والمعتدلين"، كما لو أننا نقف أمام شعب فوق التاريخ ومتوحد ومتكامل في كل شيء!! أما في الواقع فإنها تشير إلى نفسية «أهل الجبل»، بمعنى الطيران بعيدا عن إشكاليات وتعقيدات المسار التاريخي لحياة الدولة ورهانات المستقبل. إضافة إلى ما فيها من ابتعاد عن ابسط مقومات الاعتدال والنفعية اللتين تفترضان ليس «المطالبة» و«الأخذ» بل والعطاء أيضا. أما العبارة التي قالها بهذا الصدد «نحن نعلم بأن لدينا حقوقا، ولكننا نفهم أيضا بأن لدينا مسؤوليات. نحن وطنيون، ولسنا قوميين انتحاريين»، وأن اتهامهم بالانفصال هو نتاج «النظرة الشوفينية التي ترى الشرق الأوسط منطقة متجانسة، وترفض قبول التنوع الموروث»، فإنها لا تعني شيئا بمعايير الرؤية الوطنية العراقية الفعلية، وذلك لأنها جزء من ممارسة اللعبة «البراجماتيكية».

إن الرؤية الوطنية الحقيقية هي من طراز أرفع وأسمى مما في مقاييس الرؤية النفعية أيا كان مستواها. وذلك لأن المعايير النفعية تبقى في أفضل الأحوال جزء من معترك الصراع السياسي الجزئي وليس الوطني. ولا معنى لفكرة البارازاني مما اسماه «بإعادة ربط كردستان بالعراق» بوصفه دليلا على هذه الرؤية الوطنية. فقد كانت «كردستان» مكبلة بالعراق وليس مربوطة به. بمعنى إن «استقلالها» كان مربوطا بالحبل السري العراقي. وفيما لو تركنا الجدل العلمي الدقيق حول مضمون هذه العبارات وغيرها مثل ما اسماه البارازاني بضرورة أن يستوعب «الشرق الأوسط جميع سكانه ولغاته وأديانه»، بوصفها مغازلة خفية لإسرائيل (وهذه ليست فرضية بل موثقة بما في ذلك فيما نشرته الموساد والدعاية الإسرائيلية أيضا)، فإننا نقف أمام تضخيم يتصف بالسذاجة للدور الكردي في المنطقة. وتتحدد اغلب مقومات هذه السذاجة بالضعف الفعلي للأبعاد الوطنية العراقية في الفكرة القومية الكردية المعاصرة وسلوكها العملي. كما نراها في قوله «لقد اخترنا طريق الالتزام بالتعهدات لأننا، مثل الولايات المتحدة(!!)، نريد أن ينجح العراق في تجنب عودة رعب الماضي. لذلك كنا منهمكين في السياسات الوطنية العراقية». أو أن يقول بأن «رؤية بوش للديمقراطية» التي تعطي للجميع «الكرامة والحرية» هي الفكرة والطريقة التي «يشاطره فيها الأكراد». وأن «الولايات المتحدة لم تتردد أبدا في مساعيها لمساعدة العراقيين على بناء ديمقراطية تؤدي إلى الاتفاق في الرأي والإجماع. لقد دفع الشعب الأمريكي السخي دوما ثمنا مأساويا، حياة أفضل رجالهم ونسائهم، من اجل رفع راية الحرية والديمقراطية، وهي التضحية التي نشعر بامتنان عميق لها». هكذا وبكل اختصار!! إننا نقف أمام تجاهل مطلق للشعب العراقي وتضحياته، بما في ذلك من سياسة اللعبة الأمريكية على امتداد عقود طويلة، والحرب العراقية الإيرانية، والعراقية الكويتية، وقمع الانتفاضة الشعبانية والحصار والغزو الأخير، التي جلبت للعراق وبنيته التحتية والروحية خرابا مأساويا. لقد تحولت الولايات المتحدة بين ليلة وضحاها من شيطان مارد إلى مصدر الحرية والكرامة والديمقراطية والنزاهة وتقديم أغلى أرواح أبناءها من اجل حرية العراقيين والديمقراطية والكرامة فقط! ولا شيء آخر!! وهي رؤية «معتدلة وبراجماتيكية» تتصف بقدر هائل من الرياء السياسي والعبودية المجانية. والقضية هنا ليست فقط في أن الإمبراطوريات لا تحب المنافسين ولا الأكفاء فحسب، بل ولا تمنح حبها للآخرين إلا بوصفهم تابعين أو عبيدا، أي تبدي "الكرم" المسروق من جهود وثروة الآخرين، والممزوج بالازدراء! والإمبراطوريات عموما لا تحب ولا تحترم غير نفسها ومصالحها. بما في ذلك أكثرها وأكبرها ديمقراطية. وإن مجرد إلقاء نظرة على تاريخ الولايات المتحدة وسياستها الواقعية يوصلنا إلى إدراك هذه الحقيقة. أما الارتقاء إلى مصاف «الحليف»، فإنه يفترض الارتقاء إلى مصاف القدرة العلمية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية القادرة على جعل الدولة تقول أحيانا كلمة «لا» أو «كلا» أو حتى «نعم». أما الحركة القومية الكردية فإن ما يراد منها هو مجرد الإيماء بآيات الإجلال والتعظيم. وهو شيء يشم المرء رائحته «الزكية» من هذا السيل العارم لكلمات المديح والإطراء المتناثرة في «اعتدال وبراجماتيكية» الأكراد الذين يمثلهم خطاب البارازاني( يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنانبي

 

بليغ حمدي اسماعيلمَدْخَلٌ اضْطِرَارِيٌّ: أسرع طريقة للتحرش بالنص الصوفي غير القابل للاستطراد لأنه بالفطرة نص اختزالي مكثف هو مباغتته بطرح الأسئلة التي يمكن من خلالها تفكيك النص وتفتيت عناصره إلى مكونات أولية يسهل من خلالها اقتناص مضامين ومعاني هذا الطرح الديني الذي يغلب على إحداثياته الرمز والإشارات والتنبيهات. هذا هو المدخل الطبيعي في التعامل مع الصوفي الأشهر الحسين بن منصور الحلاج شخصية ونصاً على السواء، فسرعان ما تحول تاريخ الحلاج وطرحه الصوفي ومناجاته الاستثنائية من وجع شخصي إلى حكاية شعبية يمكن توظيفها سياسياً واجتماعياً، الأمر الذي جعل من قصة الحسين بن منصور الحلاج أيقونة مستدامة للرمزية .

وثمة علامات تبدو ذات أهمية ونحن بصدد الحديث عن الحلاج شخصاً ونصاً لأنها تمثل مفاتيح طرحه الصوفي الذي لايزال يلقى رواجاً بالدرس والتحليل والاطلاع العام، منها أنك تتناول ذاتاً إنسانية ومشاعرها وأحلامها وأمنياتها غير الطامعة في الإحباط، وأن هناك تقنيات صوفية لم يمتلكها كثيرون من الذين قرروا الإبحار في التصوف، لكن بقي الحلاج وحده الذي استطاع أن يمتلك شفرة التعبيرة عن حالات الحب والوجد الصوفي وخير من أجاد في التعبير عن قلق التصوف في الوصول إلى يقين مستقر .

وبعين الطائر تستقرئ اتساعاً لرؤية العالم في نصوص الحلاج، وهي نصوص تضطرك طوعاً إلى التسليم بقدرة النص على التشكل وامتصاص العديد من أشكال التعبير، بل إنه بات ضرورياً اعتبار سرديات الحلاج المصدر الأصيل لما عرف بشعر الحداثة في العالم العربي . ومخطئ من يتناول نص الحلاج قاصراً على كونه أحد أقطاب التصوف الإسلامي فحسب، بل من ضرورات تلقي مثل هذه النصوص الاستثنائية الوعي التام ببراعة التركيب الفني التي تشير إلى إحالات ذاتية .

باختصار وقبيل الولوج إلى أكوان وعوالم الحلاج ينبغي التنويه إلى أننا بصدد رجل واحد ونص مركب يستنطق من خلاله بؤر الحياة التي تتقاطع أشعتها الكاشفة، وهو نص بتوصيف الإنسانية يمارس حق التطلع إلى قدر التحقق الأمر الذي جعل من الحسين بن منصور الحلاج شخصية أسطورية .

الحَلاَّجُ .. سِيْرَةٌ ذَاتِيَّةٌ:

هذه سيرة رجل استحق أن يملأ الدنيا ويشغل الناس أكثر مما افتتنوا بأخبار وحكايا شاعر العربية الأمجد أحمد ابي الطيب المتنبي،فهو أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج البيضاوي، لقب بالحلاج لأسباب تستدعي التأويل وإدهاش التفكير، فيقال إنه كان يكتسب قوته بحلج الصوف صنعة أبيه، ويقال إنه قعد على دكان حلاج وبه مخزن قطن غير محلوج، فذهب صاحب الدكان لحاجةٍ فرجع فوجد القطن كله محلوجاً، فاشتهر بذلك . أما صاحب اللقب نفسه فيقول مؤولاً إنه يعني " حلاج الأسرار " لدرايته بها واطلاعه عليها .

وَوُلِدَ الحلاج في بلدة طور، وهي بلدة تقع شمال شرق مدينة البيضاء في بلاد فارس، وزعم كثيرون أنه من نسل الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، وارتحلت أسرته إلى العراق ثم استقرت في مدينة واسط على نهر دجلة، وهنا نشأ الحلاج بالعراق متعلماً للعلوم والمعارف الدينية خاصة علوم القرآن الكريم . ويكفي للحلاج أنه تتلمذ على يد سهل التستري وأبي عمر المكي وأبي القاسم الجنيد وهم أبرز أقطاب التصوف الإسلامي على مر عصوره وفتراته .

ولقد تعددت أسفار الحلاج متنقلاً من خراسان إلى العراق ثم إلى مكة المكرمة، ثم جاء إلى بغداد لينشر فكره وطرحه الصوفي نثرا وشعرا في كل بقاعها بغير كلل أو ملل، وكثرت الحكايات والأسمار وطرائف القصص عنه فترة إقامته في بغداد، منها ما ذكره ابن الوردي بقوله: " قدم الحلاج بغداد متزهدا متصوفا، يخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس، ويمد يده في الهواء ويعيدها مملوءة دراهم أحدية يسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه، وما صنعوه في بيوتهم " .

هكذا الحلاج سيد الصوفية بحوادثه وإحداثياته الأكثر دهشة وغرابة، حتى اختلف الناس فيه واعتقد كثيرون الحلول فيه، ونال من التأويل ما لم ينله متصوف آخر، وما أقرب الاختلاف حول شخصه كالاختلاف في السيد المسيح ( عليه السلام ) لذا تعددت الأحاجي عنه فقيل هو ولي الله، وقيل: هو ساحر، وقيل إنه كان يجمع ثلاثين يتيما ويصنع لهم أجود طعام ويطعمهم في في بيته ويكسوهم .

والحلاج نفسه يتعرض لاتهام الناس له بالكفر قبل أن يؤخذ قهرا وكرهاً إلى القتل والصلب، فها هو يحدث إبراهيم بن فاتك حينما استمع الأخير إلى مناجاته لربه سراً في خلوة له ويقول: " يا بني، إن بعض الناس يشهدون علي بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون علي بالكفر أحب إلي وإلى الله من الذين يقرون لي بالولاية " . فقال ابن فاتك: يا شيخ ولم ذلك ؟ . فقال: " لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي، والذين يشهدون علي بالكفر تعصباً لدينهم، ومن تعصب لدينه أحبّ إلى الله ممن أحسن الظن بأحدٍ " .

وابن سريج يقول في الحلاج مبرئاً إياه من تهمة الكفر: " أما أنا أراه حافظاً للقرآن عالماً به، ماهراً في الفقه، عالماً بالحديث والأخبار والسنن، صائماً الدهر قائماً الليل، يعظ ويبكي، يتكلم بكلام لا أفهمه، فلا أحكم بكفره " .

وإذا كان المتصوفة يشتهرون بمصنفاتهم فإن الحلاج وحده طاقة كتابة، وتبدو من الصعوبة حصر مصنفاته، إلا أن ابن النديم في كتابه الفهرست والكردي في كتابه الانتصار، أوردا بعضا من مصنفاته في التصوف وعلم الحرف والسيمياء والكيمياء والطلاسم والعزائم والرقى، ومنها كتاب طاسين الأزل والجوهر الأكبر والشجرة الزيتونة والنورية، والأحرف المحدثة والأزلية والأسماء الكلية، والظل المدود والماء المسكوب والحياة الباقية، وحمل النور والحياة والأرواح، والأبد والمأبود، وسر العالم والمبعوث، والغريب الفصيح، والنقطة وبدء الخلق، وموائد العارفين، والذاريات ذروا، والكبريت الأحمر .

تَكَلَّمَ الحلاجُ .. فأفَاضَ وَجْداً:

يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إلى أن الحسين بن منصور الحلاج تكلم في العديد من الموضوعات الصوفية مثل ميثاق الأزل وعنصر المحبة بين الله والإنسان المخلوق، ومن خلال طرحه استطاع الحلاج أن يؤصل لحقيقة هي أن الطريق الصوفي هو مسيرة نحو الله من خلال مراحل صوفية متعددة تبدأ بالتوبة وهي في دستور التصوف حال ومقام والزهد حتى أعلى الدرجات الروحية . ويرى الحلاج أن المحبة هي أعلى تلك الدرجات وهي القوة التي تدفع الإنسان في مسيرته الصوفية من أولها إلى آخرها موجهة إياه نحو الله .

ويرى الحلاج أن أعلى درجات المحبة تحصل عندما يترك الإنسان ذاته بالكلية فيفنى عن ذاته في محبوبه الأعلى، حتى لا يرى لنفسه وجوداً مستقلاً عنه، بل لا يرى في الوجود إلا الله، وهذا ما جسده شعراً بنظمه:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا

وسئل عن أسماء الله فقال: " أسماء الله من حيث الإدراك اسم، ومن حيث الحق حقيقة "، وحينما استخبر عن المعرفة ومقامها أوجز العبارة بقوله: " إذا تخلص العبد إلى مقام المعرفة أوحى الله إليه بخاطره، وحرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق " .

والحلاج في نصوصه الشعرية والنثرية يحتاج إلى معجم استثنائي خاص ينبغي على المستقرئ لتلك النصوص أن يستعين به لفك شفراتها التي غالبا تتسم بالغموض اللغوي والدلالي، وأغلب التأويلات التي تعرضت لنصوص الحلاج لاسيما قبيل قتله وصلبه أفادت القارئ بأنه ناظم شعري لنفسه وناثر لغوي لذاته، وربما يصدق عليه قول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش " وكن نرجسياً إذا لزم الأمر " وهو ما يفسر حضور الأنا بشهود وقوة في نصوصه، وربما إذا اتفق رجال التصوف الإسلامي بأن المناجاة النرجسية تسمى الحضرة الشخصية، فإن أصدق ما ينطبق على حالات الحلاج يسمى المرآة، لأنه يوحي لمستعرض نصوصه الذاتية بأنه يواجه ذاته لا الآخر . يقول الحلاج:

لبيك، لبيك، يا سري ونجوائي * لبيك لبيك، يا قصدي ومعنائي

أدعوك، بل أنت تدعوني إليك فهل * ناديت إياك أم ناديت إيائي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي * يا منطقي وعباراتي وإيمائي

ويقول الحلاج أيضاً متفرداً بصيغة حضور الأنا ما أورده إبراهيم بن فاتك عنه حينما دخل عليه يوماً في بيت له على غفلة منه ورآه قائماً على هامة رأسه يقول: " يا من لازمني في خلدي قرباً، وباعدني بعد القدم من الحدث غيبا، تتجلى علي حتى ظننتك الكل، وتسلب عني حتى أشهد بنفيك، فلا بعدك يبقى، ولا قربك ينفع، ولا حربك يغني " .

ويورد علي بن مردويه قول الحسين بن الحلاج مناجياً ربه بعد فراغه من الصلاة: " اللهم، أنت الواحد الذي لا يتم به عدد ناقص، والأحد الذي لا تدركه فطنة غائص، وأنت في السماء إله وفي الأرض إله، أسألك بنور وجهك الذي أضاءت به قلوب العارفين، وأظلمت منه أرواح المتمردين، وأسألك بقدسك الذي تخصصت به عن غيرك، وتفردت به عمن سواك أن لا تسرحني في ميادين الحيرة، وتنجيني من غمرات التفكر، وتوحشني عن العالم، وتؤنسني بمناجاتك، يا أرحم الراحمين " .

وبحجم ومسافة حضور وشهود الأنا والذات في نص الحلاج بقدر ما واجه من انتقادات فقهية لشطحاته المدهشة المُغرِبة على حد وصف جوزيبي سكاتولين و ماسينيون، فكثير من نصوصه اغرورقت في الحلول والاتحاد والامتزاج بين اللاهوت والناسوت، ورغم المقاربات النقدية التي دافعت عنه وعن نصوصه مبرئة إياه من تهمة الحلول والاتحاد والكفر إلا أن النصوص تبقى شاهدة على تحول قصته من وجع صوفي شخصي إلى حكاية شعبية تتداول بين الناس في شتى بقاع الأرض .

وفي الشطح سطور وصحف طويلة ضاربة في القدم، ولا يمكننا أن نعتبر الشطح حالاً أو مقاماً، لكن يمكن توصيف الشطح بأنه هيئة، فالشيخ أبو نصر السراج يقول في سؤال الشطح: ما معنى الشطح ؟ فيقال: معناه عبارة مستغرقة في وصف وجد قام بقوته، وهاج بشدة غلباته، وبيان ذلك أن الشطح في لغة العرب هو الحركة " .

والشطح كما يقول ابن الساعي في كتابه أخبار الحلاج هو نقطة مأخوذة من الحركة لأنها حركة أسرار الواجدين إذا قوي وجدهم فيعبرون عن وجدهم ذلك بعبارة يستغربه سامعها فمفتون هالك بالإنكار والطعن عليها إذا سمعها، وسالم ناج يرفع الإنكار عنها .

والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي سلطان العارفين يقول في معرفة الشرح في كتابة الفتوحات المكية:

الشطح دعوى في النفوس بطبعها * لبقية فيها من آثار الهوى

هذا إذا شطحت بقول صادق * من غير أمر عند أرباب النُّهى

ويقول الحلاج في بعض من شطحاته في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح:

" يا أيها الناس أغيثوني عن الله (ثلاث مرات)، فإنه اختطفني مني وليس يردني عليّ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة، وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما، والويل لمن يغيب بعد الحضور، ويهجر بعد الوصل " .

ويزيد من الشطح وجداً قائلاً ما ذكره عبد الكريم بن عبد الواحد الزعفراني عنه: " لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت، وإني لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار، ولو دخلت الجنة لانهدم بنيانها "، ثم أنشد يقول:

عجبت لكلي كيف يحمله بعض * ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضي

لئن كان في بسط من الأرض مضجع * فقلبي على بسط من الخلق في قبضِ

حَدُّوتَةُ الحَلاجِ:

تنبع شهرة الحلاج حتى أيامنا الراهنة من سخونة وتسارع نهاياته، ويظل مشهد النهاية بالنسبة للحلاج مصدراً ورافداً خصباً وثريا على مستويات متعددة بدءاً من التفسير والتأويل مروراً برصد الواقع الثقافي من زاويته التأريخية انتهاءاً بتأثير مشهد النهايات على الذائقة الأدبية المبدعة والتي يمكن الإشارة إلى ذروة وجودها الإبداعي في مسرحية الشاعر المصري صلاح عبد الصبور الموسومة بـ " مأساة الحلاج " . بل إن معظم النقاد العرب يؤكدون ليل نهار بأن الحلاج ونصوصه هما رافدا شعر الحداثة شرقاً وغربا بامتداد الوطن العربي كله .

ومخطئ من يظن بأن الحلاج سار إلى حتفه الأخير مباشرة أول مرة، فأخبار الحلاج تفيد بأن دعوته أثارت مقاومة شديدة سياسية ودينية وصوفية أيضاً، فقصر الخلافة اتهمه بالتآمر على الدولة والدعوة سراً إلى مذهب القرامطة المرفوض آنذاك . ورجال الدين رأوا أن أفكاره تعد خروجاً سافراً عن أحكام السنة والجماعة بل ومنهم من أعلن بأن الحلاج نفسه يمثل خطراً على المسلمين . أما الصوفية وهو فيهم فأخذوا عليه أنه أفشى السر الصوفي إلى العوام وهم في نظرهم وقتئذ لا يفقهون رمزية التصوف ولا الخطاب الصوفي لأنه نص استثنائي خاص .

وبناء على ذلك وبطلب شخصي من الوزير ابن الفرات أصدر الفقيه ابن داوود الظاهري فتوى ضده بالقبض عليه سنة 297 هـ، لكن الحلاج كما تروي أخباره نجح في الهروب إلى الأهواز، لكنه بعد ثلاث سنوات قبض عليه وأمر الوزير علي بن عيسى ترك الكثير من الحرية في التعامل مع الناس، لكن بعد سبع سنوات طلب الوزير حامد من القاضي المالكي أبي عمر بن يوسف فتوى أخرى ضده، وبعد محاكمة طويلة أحل دمه وحكم عليه بالإعدام، وفي ظل حكم الخليفة المقتدر تم تنفيذ الحكم، وفي يوم 24 من ذي القعدة سنة 309 هـ حمل الحلاج إلى باب خراسان من بغداد حيث تم قطع يديه ثم صلب فضرب عنقه ثم حرقت أشلاؤه وألقي رمادها في نهر دجلة وكانت تهمته أنه ادعى حلول اللاهوت في ناسوته في كثير من عباراته ومن أشهرها قوله: أنا الحق .

والمقتدر هو جعفر بن المعتضد الذى تولى الخلافة وهو صبى فى الثالثة عشرة من عمره، وحينما تم اختياره قيل عنه: هو صبى لا يدرى أين هو ، وأول ما فعله هذا الصبى هو ذبحه لأحد القضاة لأنه أطاع ضميره حين قالوا له: تبايع للمقتدر، فقال: هو صبى ولا تجوز المبايعة له.

ولأن الخليفة الإسلامى صبى صغير تحكمت فيه أمه ـ وهى امرأة رومية غير عربية ـ وفى دولته وفى مصير الخلافة الإسلامية كلها، والتجربة التاريخية أثبتت أن كثيراً من النزاعات السياسية فى الدولة الإسلامية كان مصدرها أم الخليفة. فكانت تولى وتعزل وتسجن، والخليفة فى غفلة من أمره، ولقد لبث هذا الخليفة على عرش خلافة الدولة الإسلامية العظيمة زهاء خمسة وعشرين عاماً تحت جناحى أمه، والأدهش أنه لم يخرج مع جيشه إلى مرة واحدة قتل فيها، ويعلل المؤرخون هذا إلى خوف أمه عليه من الخطر، كما أنه كان كثير الشراب. وأظنك عزيزى القارئ تتعجل نهايته ومصيره، فقد قامت الثورات ضده وضد خلافته التى لا تفيق، حتى ذبح بالسيف، وسلبت ثيابه وترك مكشوف العورة، إلى أن مر رجل من الأكرة به فستر عورته ببعض الحشائش.

والحقيقة أن تاريخ التصوف الإسلامي لم يعرف نهاية مثيرة للجدل حتى وقتنا الراهن لإحدى شخصياته كما في قصة الحسين بن منصور الحلاج، فمنذ أن قتل وصلب وحرق اشتعلت نيران الاختلاف والاتفاق حول فكره وحول مشهد النهايات الأكثر إثارة ودهشة وأعمق تأويلاً ورصداً .

مَشْهَدُ النَّهَايَاتِ:

إن مشهد نهاية الحسين بن منصور الحلاج هي التي دفعت الكثير من المهتمين بالشأن الصوفي إلى البحث في البدايات واللهاث حول أخباره والحكايات التي تروى عنه وجمع نصوصه وكتبه المتنوعة، وإذا كانت بدايات الحلاج هي وجع صوفي وحالات ومقامات تخص صاحبها، فإن النهايات استحالت حكاية شعبية تروى وتقص في مناسبات مختلفة لمآرب شتى. ولعل المستقرئ لنصوص الحلاج قبيل قتله يدرك على الفور أنها خلاصه تجربته الروحية الصوفية، لأنه أدرك أنه بلا شك مفارق، وأنه بذلك لا يسع سوى أن يسجل تجربته التي بدأها في بغداد بمقولته التي أثارت حفيظة السلطات وقتها والتي أعلن من خلالها حبه الفائق لله ودعاه بأن يجعل من حياته آية حبه له بين الناس، لدرجة أنه رأى أن موته سيكون لصالح أمته، ولم يكن يعلم ان بموته اشتعلت فتن التأويل وتأججت نيران توصيف موقف حتفه .

والحلاج في مشهد النهايات يبوح بغير تلميح لأول مرة، فهو وقت التصريح والمكاشفة، هذا ما نلمحه من خلال بوحه الأخير، ومما ذكره قاضي القضاة أبو بكر بن الحداد المصري من قول سمعه من الحلاج في الليلة التي قتل في صبيحتها أن الحلاج قام واستقبل القبلة متوشحاً بردائه قائلاً: "نحن بشواهدك نلوذ وبِسَنَا عِزَّتِكَ نَسْتَضِئ لِتُبْدِى لَنا مَا شِئْتَ مِنْ شَأْنِكَ وأنْتَ الذِى فِى السَّماءِ عَرْشُكَ وأَنْتَ الذِى فىِ السَّمَاءِ إلَه وفِى الأرضِ إِلَه.. تَجَلَّى كَمَا تَشَاء مِثْلَ تَجَلِّيكَ فىِ مَشِيئتِكَ كأَحْسنِ صُورَةٍ والصُّورَةُ هِىَ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ الذِى أفْرَدْتَهُ بالعلمِ (والبيَانِ) والقُدرَةِ وهَؤَلاءَ عِبَادُكَ قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِى تَعَصُّباً لدِينكَ وتَقَرُّباً إليْكَ اغْفرْ لَهُمْ ! فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لِى لما فَعَلُوا ما فَعلُوا ولَوْ سَتَرْتَ عَنِّى مَا سَترْتَ عَنْهُمْ لما لَقِيتُ مَا لَقِيتُ فَلَكَ التَّقْديرُ فِيما تَفْعَلُ ولَكَ التَّقْدِيرُ فيِما تُرِيدُ " .

ولما كانت ليلته قال له خادمه أبو العباس الرازي: أوصني، فقال الحلاج: " عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك " .

 

د.بليغ حمدي إسماعيل

 

عدنان عويدكثيراً ما يحدث الخلط برأيي بين المسألة النِسويّة والجندرة بالنسبة للمرأة، الأمر الذي تضيع فيه قضية المرأة الأساسية على اعتبارها إنساناً من لحم ودم، لا تختلف عن الرجل إلا في السمات والخصائص البيولوجية، وبعض السمات النفسية التي ولدتها هذه السمات البيولوجية من جهة، ثم الاقصاء والاضطهاد اللذين تعرضت لهما تاريخياً، وبناءً على ذلك ظلت قضية المرأة تدور على محور وحيد هو تحرير المرأة وإعطائها حقوقها، أي حل قضية اختلافها عن الرجل، أمام من يعتبرها ضلعاً قاصراً أو كشاردة الإبل.

نقول: إذا كانت القضية النِسويّة تدور حول تحقيق العدالة للمرأة بينها وبين الرجل، ومن حيث رفع الحيف والظلم عنها، أي من حيث اعتبارها ناقصة عقل ودين، ومن حيث ضعف مكانتها الاجتماعية في الأسرة والمجتمع، وبالتالي ضرورة العمل على تخليصها من العادات والتقاليد البالية التي وضعت فيها تاريخياً، والعمل على تحريرها اقتصادياً، وتحرير جسدها من كونه باباً للدعاية التجارية، او سلعة لتحقيق اللذة الجنسية، وكذلك العمل على مشاركتها في الحياة العامة للدولة والمجتمع. فإن قضية الجندرة هي أعمق من ذلك بكثير. فالجندرة تركز هنا بالنسبة للمرأة على العمل من أجل اثبات أنها والرجل خلقا من نفس واحدة، وأنها من الناحية الاجتماعية شريك حقيقي  للرجل في بناء الأسرة والدولة والمجتمع، وأن لها قدرات عقلية ربما تضاهي الرجل أو حتى تتفوق عليه في بعض المجالات الحياتية، ومن الناحية السياسية هي مواطنة لها حقوق وعليها واجبات، شأنها شأن الرجل، وبالتالي  يجب أن تنال حقوقها وتؤدي واجباتها، وأن تساهم في المؤسسات السياسية والقانونية والخدمية للدولة. إن الجندرة تعني أيضاً، الكشف عن القدرات العقلية لديها كي تمنحها المساهمة أو الاشتغال في مجالات البحوث العلمية بكل مستوياتها إن كانت على مستوى العلوم الطبيعية، كالميكانيك والذرة والهندسة والرياضيات وغيرها، أو على مستوى العلوم الإنسانية كالاشتغال على علوم الفلسفة والتاريخ والجغرافية والدين والقانون وغيرها.

ختاماً نقول: لا شك أن هناك تداخلاً بين المسألة النِسويّة والجندرة بالنسبة للمرأة، ولكن تظل الجندرة أكثر أهمية وشمولية وقدرة على الغوص في أعماق قضية الجنس النسوي، للوصول إلى ما يثبت جذرها وجوهرها الإنساني الذي غيب منذ آلاف السنين بسبب سيطرة عالم الذكورة واضطهاده لها حتى فقدت تاريخياً هذا الجوهر الإنساني، وأصبحت هي ذاتها تشعر بأنها أقل مكانة من الرجل، وأن الرجل يظل بالنسبة لها هو الحامي والسند والقاني كما يقول المثل الشعبي..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

محمد الورداشييُعدُّ نيتشه فيلسوفا منَ الفلاسفة القلائلِ الذين أثروا في العالمِ المعاصرِ بأفكارهمُ الجرّيئة، والتي تقومُ على النقد، والتقييمِ قبل التقويمِ وإعادةِ البناء. لهذا نَجدنا، ونحن نحاولُ الوقوفَ عند هذا الفيلسوف، مُطالبين بطرحِ سؤالين أساسَيْن:

- ما الغايةُ من العودة إلى نيتشه في هذه الظرفية؟

- وهل يمكننا الحديثُ عنْ تجربةٍ صوفيةٍ في فكره الفلسفيِّ المتأخرِ؟

إنّ ما يجعلنا نعودُ إلى فلسفة نيتشه، في الوقت الراهن، هو كونُنا في أَمَسّ الحاجةِ إلى إنسانٍ متفوقٍ عقليا، وجسديا، وروحيا، ومتسلحا بالعلم، ومتحررا من قيود وأغلالِ التفكيرِ العقلانيِّ، قديما وحديثا. وحتى نتبينَ معالمَ الطريق، فإننا سنقفُ عند الجانبِ الصوفيِّ لديه، مُحاولين مقارنتَه بالتجربة الصوفيةِ الإسلامية.

فمن خلالِ تأملِنا لفكرِ نيتشه المتأخر، نجدُ أن ثمةَ حسا صوفيا ظاهرا فيه. ويعزى هذا الزعمُ إلى أن المتصوفةَ المسلمين قدْ بدأوا رحلتَهمُ الصوفيةَ بتحليلِ أوضاعِ المجتمعِ الذي عاشوا فيه، فضلا عن قياسهم لدرجة التدينِ في نفوس الأفراد. ولمّا وجدوا أن هنالك غاياتٍ دنيويةً كثيرةً قد شغلتِ القلوبَ عنِ الإيمانِ الحقيقيِّ، قرروا الفرارَ بأنفسهم إلى الخلوة، تاركين وراءهم كلَّ ملذاتِ وشهواتِ الحياة، زاهدين في المجتمعِ بأناسه وغاياته، وذلك طلبا للمعرفة الإلهية والارتقاءِ إلى الملكوت الأعلى عن طريق التجربة. وفي هذه النقطة، نجد أن نيتشه، أيضا، قد حلل وضعيةَ المجتمع الذي عاش فيه، ودرجةَ الانحطاطِ التي تسببت فيها أزماتٌ كثيرةٌ، فقرر الخلوةَ واعتزالَ أناسِ عصرِه باعتبارهم مرضى الحداثة، وجبناءَ خاضعين مستعبَدين من قبلِ نظامٍ أخلاقيّ للعالَمِ تتساوى فيه فئاتُ المجتمع، ويقومُ على إرادةٍ إلهية، حسب الكنيسةِ المسيحية، ما دفع به إلى تقديمِ نقدٍ للنظم الأخلاقية المسيحية. بيد أن غايتَهُ لم تكن غايةً دينيةً بالدرجةِ الأساس، بل كانت غايةً فرديةً وإنسانيةً في الآن.

أما الغايةُ الفرديةُ، فإنها تتجلى في التشكيكِ في كلّ المعتقداتِ والتقاليدِ من أجل بناءِ عقيدةٍ ذاتيةٍ راسخةٍ قائمةٍ على الشّكّ المُتحرر المُدقق، ولن يبلغَ الفردُ هذه الدرجةَ من القوة والنقد والتقييم، إلا عن طريقِ الانتصارِ على الذات، وتعويضِ إرادةِ الحق بإرادة القوة المبدعةِ لقيمٍ جديدة.

في حين أن الغايةَ الإنسانيةَ تظهرُ في خلقِ مجتمعٍ متفوق، حيث يحتلُّ فيه المسيطرون عقليا المكانةَ الأولى، ثم يليهم أولئك المتصفون بالرجولة الجسدية، وفي الأخير، تأتي عامةُ الناسِ الذين لا ينتمون لأيّ من الصنفين الأولين؛ لأنهم يألفون الاستكانةَ إلى القيم السائدة، قيم العبيد، ولا يسْعَون إلى بلوغ القيم الأرستقراطية، أي قيم السادة.

إذن، فالغايةُ التي يصبو إليها نيتشه ليست هي نفسها التي سعى إليها المتصوفة؛ لأنه كان يهدف إلى خلق إنسانٍ أعلى متفوقٍ مبدعٍ لقيمٍ جديدةٍ خاصةٍ به، وهم، أي المتصوفة، كانوا يهدفون إلى بلوغ المعرفة الإلهية. كما أنهم يَروْن أن السفرَ الروحيَّ العرفانيَّ يبدأ من الزهد في ملذات وشهوات الحياة، وترفها سواء أكان في المأكل أم الملبس أم المسكن، في حين أن نيتشه يدعو إلى ترسيخ كلّ القيم التي تشجعُ الفردَ على الحياة، وتُعلي من قيمة الجسدِ الذي هُمِّشَ طويلا في التعاليم المسيحية. لذلك فإن نقصَ التغذيةِ (التقشف والشظف في العيش)، واعتبار الجسد عدوا وشيطانا وغواية، مجردُ تعذيبٍ للجسد وحطّ من شأنه، حسب نيتشه. والمرحلةُ الثانية، عند المتصوفة، هي التحلي ومجاهدةُ النفسِ رياضيا ووجدانيا، لكن هذا خلاف لما نجده عند نيتشه، حيث إنه يدعو إلى التحلي بإرادة القوة المبدعة. وبعد التخلي والتحلي، تأتي مرحلة التجلي، بحيث يتجلى للمتصوفة الوصالُ والتجلي الرباني. بيد أن ما يلي المرحلتين الأوليين، لدى نيتشه، هو تجلي وبلوغُ الإنسان الراقي الذي ستكون مهمتُه هي إبداع وخلق قيم جديدة، إنه الإنسان التوّاق إلى المستقبل؛ لأن الماضي لا يعود ولن يعود، لذلك فإن طاقتَه ستتوجه صوبَ الإبداع، فضلا عن الثورة على كل قديم بال.

لقد وضع نيتشه تصورا للبشرية يراه هدفا مستقبليا لها، وهو أن تتفوق الإنسانية على ذاتها عبر ذاتها؛ لأنها مطالبةٌ بإعادة إبداع قيمها الجديدة في كل الأزمنة. وهذه مهمةُ العقولِ الحرة التي تأبى السلاسلَ والأغلال، أي الواجبات القديمة. وأصحابُ هذه العقولِ سيأتون في العصور القادمة، مُشهرين مطرقتَهم في وجه السائد، وداعين إلى القيم الجديدة التي سيبدعونها. كما أن المجتمعَ هو الذي سيفسح المجالَ لظهور هذه العقولِ المتفوقة، وذلك من خلال الفصل بين طبقاته، مما ينتج عنه ظهورُ أفراد راقيين واستثنائيين.

بناء على ما سبق، يمكن القولُ إن نيتشه كان يحمل همّ المجتمع الألماني أكثرَ منِ اهتمامه بالإنسانية جمعاء، ومن ثم فإننا مطالبون، في مجتمعاتنا العربية، بتشجيع المبادرة الفردية، وإفساح المجال لذوي الكفاءة حتى يثبتوا كفاءاتِهم ويطوروا أنفسَهم، ثم الأخذ بيد الذين يأتون بعدهم من حيث الذكاءُ؛ لأن رُقي المجتمع لا يأتي إلا بالعمل على ارتقاء أفراده. وهكذا نصل إلى أن ما جعلنا نعود إلى نيتشه هو كون فلسفته مشدودةً إلى المستقبل؛ لأن العودة إلى الماضي دون تجاوزه تحجب علينا النظرَ إلى الحاضر، وبالتالي إلى المستقبل، فضلا عن استحضاره لمصلحة الأجيال التي ستأتي بعده، وستنهض بمجتمعها بناء على الأسس التي وضعها في فكره الفلسفي. كما أن الخلقَ والإبداعَ يبقيان عملا فرديا، وضرورةً مجتمعيةً تراعي المصلحةَ العامة.

أما التصوفُ، فإنه السبيلُ الفعّالُ لإعادة بعث روح الإيمان في الفرد العربي؛ لأن ما يُلاحظ من تَدين، في عصرنا الحالي، هو تدينٌ شكليٌّ أكثر منه روحاني. ولعل هذا التراجعَ يُعزى إلى إبداعنا في الشكليات وممارسةِ الطقوس التعبدية على حساب الروحانيات، كما أن للتصوف الإسلامي قيما إنسانيةً نبيلة، كالتعايش بين الأديان، وحب الآخر باعتباره إنسانا، وغيرها من القيم التي تجعل عودتنا إليها محاولةً لإقامة جسرٍ بينها وبين القيم التي تطمحُ الإنسانيةُ إلى بلوغها.

 

  محمد الورداشي - باحث وناقد

 

 

نبيل عودةيشكّل محمد أراكون في الفكر العربي ظاهرة فريدة، إذ جعل من الفكر مقياساً انسانياً، بعيداً عن حالة اللاتفكير التي باتت مميزاً لجميع مجتمعاتنا العربية.

لم أقرأ إلاّ القليل من طروحات أراكون، وقرأت عنه أكثر مما قرأت له، خاصة على الشبكة الانترنيتية، والسبب صعوبة (وبالنسبة لي استحالة) إيجاد مؤلفاته في مكتباتنا العربية الغارقة بكتب تقليدية، هزيلة وسطحية، لدرجة أن كتب الأبراج، وكتب الخرافات والخوارق، أصبحت أكثر تسويقا وربحا من أي كتاب فكري أو ثقافي، ويبقى أملي أن يترجم أراكون للعبرية لأستطيع الابحار في فكره. لكن للأسف لم أجد مؤلفاته حتى اليوم، وهو امر مستهجن بثقافة لم تترك موضوعا ثقافيا فكريا فلسفيا لم تنقله للغة العبرية. ربما هو تجاهل مع سبق الاصرار على فكر عربي متنور؟

رغم ذلك البعض الذي عرفته من كتابات قرأتها عنه، فتحت لي آفاقاً فكرية، وأعادت لي بعض الثقة بقدرة العقل العربي على الإبداع، إذا ما أنقذ من حالات التسيب التي تسود مجتمعاتنا في كل مرافقها.

النموذج الذي يقدمه الراحل الكبير أراكون، للأجيال العربية الناشئة، أن تعتمد العقل منهاجاً تستنير منه، وأن تبتعد عن مظاهر الجمود والنقل والمحاكاة والتلقين، مقبرة كل فكر ومقبرة القيمة الإنسانية للشخص نفسه.

في الكثير من طروحاته، انتقد المناهج المغلقة، خاصة في الدين. ودعا إلى أنسنة الفكر لتصبح معايشة المجتمعات المختلفة، وخاصة المجتمعات الأرقى تطورا ممكنة ومتاحة، للتعلم منها ومن تجاربها وتطورها.

أراكون اختار لكتابه الأخير عنواناً دالاً: "الأنسنة في الإسلام -مدخل تاريخي نقدي" ويؤسفني ويحزنني أن هذا الكتاب الذي صدرت ترجمته في اللغة العربية، مفتقد، كالعادة، في مكتباتنا، وربما لو عرض لما اقترب منه قراء الأبراج وفكر الخوارق. وكل ما استطعت معرفته هو من مقالات كتبها مفكرين عرب عن أراكون، ولولا وجود الشبكة العنكبوتية لما تسنى لنا أن نطلع على مضمون مقالاتهم أيضا.

أراكون حدّد معالم الانغلاق في الفكر العربي، بأنها بدأت تبرز منذ القرن العاشر وتتجذر بشكل ملحوظ في القرن الحادي عشر حتى يومنا هذا، بل يشير إلى أن الانغلاق أصبح أكثر عمقاً وشراسة، وهو يرجع ذلك إلى  أن الثقافة العربية لم تكترث بوجود الأنسنة، رغم أهميتها، ومن هنا نجد أراكون يجعل من بحثه الانسنة هدفاً فلسفياً في أبحاثه وربما في مشروع حياته.

بالطبع أتجاهل الدخول المباشر لبعض التفاصيل، حتى لا أثير نقاشاً عدوانياً في مضامينه.

يقول أراكون في لقاء أجرته معه صحيفة عربية، نحن المغاربة وكذلك المشارقة لدينا مرجعيتان، هي العربية الكلاسيكية من القرن العاشر والثانية هي الحداثة الأوروبية، ويدحض أراكون موضوعة الاستعمار وتأثيرها على الفكر الأوروبي، لأن الاستعمار لحظة تاريخية لم تؤثر على الفكر الأوروبي.

من وجهة نظر أولية، أعتقد أن تأثير الاستعمار كان إيجابياً على تطوير العلوم والثقافات في أوروبا، وقاد إلى تطوير العلوم والتكنلوجيا والثقافة أيضا، بصفتها جهازا في تسويق سيطرته وسيادة ثقافته على ثقافات المجتمعات ضعيفة التطور، ولا شك أن الثقافة أساسا شكّلت الواجهة الإعلامية للاستعمار في مرحلة صعوده، وهذه الظاهرة نجدها في كل الفتوحات والحروب الاستعمارية أو التي غلفت بسط سيطرتها ونفوذها برسالة الهية. وقد انتبه لهذه الظاهرة وأكّدها المفكر الفلسطيني الكبير، المرحوم إدوارد سعيد في كتابه "الثقافة والإمبريالية". لكن جعل الظاهرة الاستعمارية معياراً لنبذ الحضارة الغربية فهذا خطأ قاتل، هذه الظاهرة حملت جوانب متناقضة عدة، بينها الايجابي وبينها السلبي. السلبي تلاشى أو يتلاشى باستمرار، وظلّت الظواهر الإيجابية هي السائدة والحاسمة في الرقي الحضاري، وتشكل مضمون الحضارة والأنسنة في المجتمعات الغربية اليوم.

ليس صدفة أن أراكون اشتكى من عدم وجود ظواهر إيجابية في ذاكرتنا، ربما نتيجة نوع الفكر (أو الحضيض الفكري) الذي ساد العهد العثماني. ولم يتردد أراكون في نقد المقولات الدينية الثابتة، والتنويه بأن الزمن تجاوزها.

ومن الجدير ذكره، أن أراكون لاحظ إشكاليات اللغة العربية وعجزها عن التعبير عن بعض المصطلحات، مما جعله رغم ثقافته العربية الواسعة، يكتب بالفرنسية، حتى لا تخونه التعابير.

وهي ظاهرة شبيهه بما يواجهه الباحثين والمفكرين والكتاب والمترجمين العرب في إسرائيل، ولا أعرف ما هو الوضع في العالم العربي، إلا من بعض الترجمات غير المفهومة والمبهمة التي تصلنا، حتى عندما تُنقل بعض الكتب في ترجمات عربية، لا يمكنني نقد لغة مترجمها وإلمامه الموسوعي بلغة الضاد،  كما حدث مع كتاب "الإستشراق" لإدوارد سعيد مثلا، الذي تحتاج لغته العربية إلى ترجمة للغة عربية مفهومة حتى لقراء مثقفين ثقافة عالية، وكنت أظن أن المشكلة شخصية،  حتى اعترف لي أكاديميون عرب انهم لم يفهموا النص العربي أيضا، واضطررت لقراءة الكتاب بترجمته العبرية الرائعة، وآمل أن لا يشتمني أحد لصراحتي!!

أراكون انتقد بثقة مطلقة ما سمّاه رفض الإسلام للحداثة وتعامله معها بحذر شديد وخاصة في وقتنا الراهن، حيث بلغ الرفض أشده وظاهرة هذا الرفض تتجلى حسب رأيه... في تنامي الإرهاب والعنف الديني بشكل ملموس، ويعبر عن خوفه من أننا ننغلق فكرياً أكثر وأكثر.

ألعديد من الكتّاب العرب رأوا في طروحات أراكون نزعاً للقداسة عن القرآن وكل ذنبه أنه أخضع النصوص الدينية والتراث الديني للتحليل والدراسة وفقا للمناهج الدراسية العلمية الحديثة، معتمدا المساءلة العقلية. واتُّهم أنه يقلد الفكر والثقافة الغربية، وغيرها من الثرثرات التي لا تعي مسألة عالمية الفكر وعالمية الحضارة بغض النظر عن مصدرها، إذ لا قومية للعلوم ولا دين للفلسفة، ولا طائفية للفكر.

وكل حديث عن اختلاف البيئة، هي هرطقة لا أساس عقلاني لها. ووصل الأمر ببعض التافهين أن يعزوا أنفسهم بأنهم لم يخسروا كثيراً برحيل نصر حامد أبو زيد المفكر الإسلامي القدير، وبالتالي لم يخسروا كثيراً برحيل المفكر الكبير محمد أراكون، ويبدو أن غياب كلّ المفكرين العرب لا يؤثر على مجتمع التخلف والتلقين.

حسناً لو كانت الراحلة روبي (أطال الله عمرها وغنجها) لشعر العالم العربي بحزن وأسى وأعلن الحداد لستة أشهر قمرية كاملة.

يبدو واضحاً أن فكرنا ما زال خاضعاً لخزعبلات زغلول النجار واكتشافاته العلمية التي رغم كثرتها لم تغير الواقع العربي بل زادته تخلفاً وفقراً.

يقول هشام شرابي: "شئنا أم أبينا يستمد الفكر العلماني النقدي مفاهيمه ومصطلحاته وأبعاده من التجربة الأوروبية للحداثة بمفهومها الشامل وقد وجدت هذا الأمر جليا في مراجع أراكون". نفس الأمر ينطبق على دراسات جميع المفكرين العرب البارزين وفي مختلف المواضيع التي تتناولها أبحاثهم.

هل هذه صدفة؟!

لم أجد ما يستحق الذكر في ردود التيارات الرافضة للحداثة والعقلانية، والمتمسكة بالجمود الفكري والديني، كل ما لديهم هو تكرار ممل لمقاطع جاهزة، نجد ما ينفيها من نفس المصادر التي استقوا رفضهم منها.

ألمضحك أن البعض يدعي أن الحداثة الغربية، لم توفر السعادة والطمأنينة للإنسان، بتجاهل كامل لواقع الإنسان العربي، واقع 140 مليون إنسان عربي تحت خط الفقر، واقع نسبة أمية رهيبة خاصة بين النساء تتجاوز ال 60%. وواضح أن خط اللافقر العربي يعتبر أدنى بكثير من خط الفقر في المجتمعات الغربية.

من هنا أستصعب فهم تهم الإلحاد التي تُطيح بمفكرين عرب من مستوى أراكون ونصر حامد أبو زيد والقائمة طويلة.

ولولا مساحة الحرية في الغرب، التي انطلق الفكر العربي حرا في أجوائها، لما استطاع الفكر العربي أن يخرج من قرونه الوسطى!!!

 

نبيــل عــودة

 

بليغ حمدي اسماعيلأصبح السؤال الأكثر احتداماً في البحث عن إجابة عنه هو: هل نجحت النخب الدينية بعد انتفاضات الربيع العربي المزعوم في التقريب بين وجهات النظر لدى عموم المسلمين في البلدان العربية التي اشتعلت بها هذه الانتفاضات لاسيما مصر وتونس؟. وباستقراء بسيط وسريع للطروحات الفكرية والأيديولوجية التي دارت حول هذا السؤال ولم تتناوله بصورة قصدية مباشرة نستطيع إقرار حقيقة مفادها أن التناول لم يخرج عن سياج الحديث المطلق دون عمق في ضرورة الالتحام بسدة الشريعة ورغبة عموم المصريين والتونسيين في تطبيق شعار الإسلام هو الحل الذي لم يعد حكراً على جماعة الإخوان المسلمين وحدها بل صار الشعار طرحاً جماعياً لكافة الفصائل والتيارات الدينية، ولكن هذا الطرح لم يستعرض إجراءات ووسائل تطبيقه وتغلغله في نسيج المجتمع .

لذا اجتهد الكثيرون في الالتحاف بهذا الطرح الأيديولوجي وتقديمه بصورته الخام مع التقاط بعض التفاصيل الفرعية المرتبطة به والتي من شأنها باعدت كثيراً بين هؤلاء العموم وبين الطرح الديني ذاته .ولكن الأمر الذي لابد من الإشارة إليه بغير مواربة أو استحياء فكري هو أن هذا الطرح العام للنخب الدينية ساهم في تأزيم الموقف الاجتماعي، وازدياد استعار اللغط السياسي الذي أدى إلى زيادة انقسام المسلمين إلى فرق وجماعات، ولخطورة الموقف كان بعض صور الطرح الديني طعاماً شهياً يغذي الشحن الطائفي أيضاً.

على النقيض من دور النخب الدينية في التواجد الشرعي لها بين عموم المسلمين، فشلت هذه النخب في جذب المواطن وسلب عقله بمنطق أن الدين سلاح سريع وخطير في دغدغة مشاعر المرء، لكن خلو خطاب النخب الدينية من المصطلحات السياسية التي صارت من مفردات لغة المواطن اليومية مثل الثورة الشعبية والحرية وتداول السلطة والفصل بين السلطات كانت من أبرز العوامل التي باعت بين النخب الدينية وبين المواطن .

في الوقت الذي نجحت فيه بعض الفصائل السياسية ذات الطابع الديني كجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب الحرية والعدالة والنور والبناء والتنمية والإصلاح في استلاب المجتمع بخطاب سياسي ذي هوية دينية، مبرزة أن مشكلة تأخر المجتمعات الإنسانية ومنها المجتمع المصري هو البعد عن الدين ومبادئه وتعاليمه، وتجريده من البدع وتبرئته من الخرافات رغم ما شاب عملية الدعاية الانتخابية الخاصة بهم من خرافات وادعاءات افتراضية هي بالأساس بعيدة عن الدين الإسلام الحنيف .

ونحن بإزاء المشهدين المختلفين للطرح الديني بين مشهد النخب الدينية وبين التيارات السياسية الدينية نستطيع أن نقرأ كيف تعامل كل منهما مع المواطن ومعارفه وأيديولوجياته الفكرية الحاكمة له، فالنخب الدينية تعاملت مع معارف المواطن الدينية بطريقة عرضية سطحية مثل سرد الرقائق والقصص المسلية أكثر منها الداعمة له والاعتماد المباشر على النقل والرواية والحكاية رغم ما تتمتع به هذه النخب من حرية مطلقة في الظهور وتناول التراث الإسلامي بغير اتهامات مسبقة توجه إلى أقطابها .

أما التيارات السياسية الدينية التي برزت بقوة جنونية عقب انتفاضات الربيع العربي  فنجحت في التعامل مع معارف المواطن الدينية بطريقة رأسية أي التي تعتمد على النقد والتحليل وتأويل التراث بما يتوافق أولاً مع مرجعية تلك التيارات، وما يجد صدى وقبولاً في التلقي لدى المواطن ذاته . وبالرغم من أن كافة الكتابات والطروحات الليبرالية اتفقت على هجوم التيارات الدينية السياسية والدفاع عن النخب الدينية المتمثلة في الأئمة والشيوخ وأساتذة الشريعة واللغة العربية بالجامعات، إلا أنه من الصدق أن نقول بأن هذه النخب وطرحها الديني خلق حالة من الفصام بين المواطن المثقف وواقعه، وأن هذا من شأنه أفرز تخلفاً فكرياً، وبات واضحاً حاجة هذا الخطاب أو الطرح الديني لتجديده وإصلاحه وبناء قدرات المواطن المفكر والنقدي.

ومأساة النخب الدينية في الوطن العربي أنها اقتصرت على الحكمة والموعظة الحسنة التي تدعو إلى الخير والرشاد فحسب، دون التماس طريق مباشر بينها وبين المواطن وواقعه وعالمه المعاش والافتراضي أيضاً،وهذه المأساة هي التي دفعت بالنخب الدينية إلى الشعور بالكمال والاكتمال المعرفي والغرور الديني . في الوقت الذي أمسكت فيه التيارات والفصائل السياسية بزمام المبادرة نحو الاتصال الفعال مع المواطن من خلال الخطب والندوات والمنشورات والمطبوعات الدينية المجانية والتي حاصرت المواطن في كل بقعة يرتادها لذا كان طبيعياً أن تجد هذه التيارات وطرحها الديني والفكري قبولاً لديه.

ولم تدرك النخب الدينية الرسمية أن واجباتها ومسئولياتها أكثر شمولاً من النخب السياسية والثقافية، وهي بذلك القصور في إدراك تلك الواجبات لم تفهم متطلبات المجتمع والمواطن بالقدر الكافي فكان خطابها الديني مجرد رصد لإحداثيات المشهد السياسي دون تحليله أو تأويله، واقتصر دورها على التسليم المطلق بما تقرره الميادين الثائرة فقط، أما طرح التيارات الدينية السياسية فبدا مختلفاً كل الشئ، كان ثائراً كثورة الميادين، وكان محفزاً ودافعاً للمواطن نحو المشاركة في صناعة الحدث السياسي .

ولو قارنا بين إمكانات ومقدرات النخب الدينية الرسمية وبين التيارات الدينية السياسية لاكتشفنا على الفور أن تلك النخب الرسمية تمتلك أدوات مؤثرة في تكوين المجتمعات وفي التأثير فيها، ورغم ذلك وجدناها بعيدة تمام البعد عن تجديد الفكر الديني، أو عن ممارسة النقد العلمي للتراث أو صياغة مشروع حضاري، اللهم سوى فئة قليلة من هذه النخب التي اجتهدت بصورة فردية دون حراك جماعي ممنهج ففقد جهدها وسط تخاذل جمعي واستعلاء وغرور وابتعاد القدر الأكبر من النخب الدينية .

وإذا كان المواطن قد وقع في شَرَك وفخ القضايا الدينية الثانوية والهامشية مثل تفسير الأحلام ومشروعية النقاب واللحية وإخراج الجن من الجسد وهل العولمة حرام أم حلال، فإن النخب الدينية كانت فريسة سهلة المراس لهذه القضايا، فبدلاً من أن تهتم بتصحيح مسار العقل لدى المواطن نحو هذه القضايا وجدناها أكثر تناولاً لمثل هذه الفتاوى السطحية والساذجة، مما ساعد على انتشارها وهيمنتها على واقع وقلب وعقل المواطن .

وكم هو محزن حقاً أن التحول الديموقراطي المصاحب للانتفاضات الشعبية لم يصب النخب الدينية في مصر وتونس وليبيا واليمن، وأن الاهتمام بالشأن العام لم يكن أمراً ضرورياً لديها، وكان الحديث الرائج ولا يزال لدى النخب المثقفة هو حديث عام وعائم أيضاً مفاده الحرص على وحدة الصف وعدم الفرقة وهم بذلك لا يعلمون أن تلك الانتفاضات  قامت في الأساس عن طريق توحيد صفوف المواطنين  في المطلب الجماعي واختلافهم الفطري في الأيديولوجيات الفكرية، لكن النخب الدينية تتعامل مع مواطن الانتفاضة  كما كانت تتعامل معه قبلها، وهي في ذلك لم تدرك بعد أن ثورة الشعوب علامة فارقة في حياتها .

حتى في تعامل النخب الدينية والتيارات الدينية السياسية مع الملف الطائفي ندرك الخلل والقصور الواضح في الرؤية والطريقة، فالتيارات الدينية التي تسيدت المشهد السياسي في مصر وتونس عقب الانتفاضة الشعبية كانت ولا تزال تتناول الآخر المخالف في العقيدة أقصد المصريين الأقباط بصورة مباشرة وبغير تحايل دعوي من حيث إنهم شركاء في الوطن وأنه من الضروري المساهمة يد بيد من أجل إصلاح الوطن حتى وإن ظهرت بعض الرؤى الفردية المتطرفة التي استبعدت التواجد القبطي في المشهد السياسي فإن ذلك الاستبعاد السياسي نحو السلطة ومنافذها الرسمية لم يكن ذا صلة بالحياة الاجتماعية التي يشارك فيها المسلم نظيره المسيحي .أما النخب الدينية الرسمية فاستمرت في تطبيق منهجها الرتيب والقديم في التعامل مع الآخر حيث إنها تظهره دوماً في صورة لوحة الإعلانات أو التعامل معه عن طريق الكيانات المسيحية الرسمية من خلال اللقاءات والمؤتمرات .

إن مستقبل النخب الدينية في الوطن العربي  بهذه الصور والمشاهد المختلفة ينذر بحرج شديد لها، ويلزمها أيضاً بدور فاعل في المجتمع، وإذا كان بعض هؤلاء فسر صلاة الرئيس المعزول شعبيا محمد مرسي ممثل جماعة الإخوان المحظورة في حكم مصر  بالأزهر الشريف عقب تأديته لليمين الدستوري الرسمي تفسيراً دينياً محضاً، فأنا وغيري لم نره كذلك، بل أولناه أن الرسالة واضحة للمؤسسات الدينية ونخبها بأن صار لزاماً عليها الوعي برسالتها وبدورها الاستشرافي في إصلاح وتطوير وتجديد المجتمع وفكره، وبأنه على النخب الدينية الرسمية أن تجد لنفسها خطاباً دينياً متوافقاً مع مطالب واهتمامات المجتمع .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (6)

لقد اشرت في المقال السابق إلى أن حصيلة الرؤية السياسية الكردية وانعكاسها في الوثائق الرسمية للحركات القومية الكردية نفسها تقوم ان الحد الاقصى لرغباتها وهمومها، كما صورته وثيقة «البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002»، يقوم في «تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا»، بينما ظهرت لاحقا فكرة الفيدرالية السياسية والقانونية وحق تقرير المصير وإعادة النظر بتغيير التركيبة القومية لبعض المناطق وكثير غيرها.

بينما نراها تخفف بشكل درامي قبل الغزو الأمريكي وظهور خطر التدخل التركي من سقف مطالبها. ففي البلاغ الختامي للاجتماع الأول للجنة التنسيق والمتابعة للمعارضة العراقية المنعقد في أربيل في نهاية شباط بداية آذار عام 2003، أي قبيل الغزو الأمريكي بأسابيع نقرأ ما يلي:«نمد يد الصداقة والتعاون إلى الجمهورية التركية ونؤكد لها أن إخوتنا الكرد وسائر الأطراف المعارضة العراقية يرفضون تقسيم العراق ويؤمنون بعراق موحد». وإن المؤتمر يؤكد على «رعاية اهتمامات تركيا الأمنية المشروعة» و«يدعو الحكومة التركية إلى حوار مباشر وصريح وبمشاركة أميركية لنؤكد لها حقيقة أهدافنا المتمثلة في العراق الموحد» و«تعزيز وحدته الوطنية على الأسس الديمقراطية والفدرالية وحق المواطنة».

بعبارة أخرى، إن الأحزاب القومية الكردية لا تجرأ على الحديث باسمها، بل يجري توكيل الأمر للعراقيين (العرب) حالما تحس بعنف القوة المعارضة. وهو أمر يشير إلى الضعف التاريخي الذاتي للحركة القومية الكردية، أكثر مما يشير إلى «تكتيك» السياسة العقلانية، كما سيجري الحديث عنه بعد سقوط السلطة الصدامية والإعلانات العديدة عن «إقامة الدولة الكردية» و«الانفصال» وما شابه ذلك. لكنها إعلانات ليست غريبة أو أنه كان يستحيل توقعها، بقدر ما أنها كانت تتراكم في مجرى الزمن اللاعقلاني للدولة العراقية، التي جعلت من العرقية المبطنة أسلوب القوة المفتعلة للأحزاب القومية الكردية. ولعل من بين أهم الأفكار التي تراكمت في مجرى التسعينيات من القرن العشرين، التي ساهمت في إذكاء الأيديولوجية العرقية عند الأحزاب القومية الكردية (والتي وجدت طريقها إلى «الوثائق» المشتركة للقوى السياسية المعارضة المكتوبة باللغة العربية) تجدر الإشارة إلى خمس وهي:

1- فكرة الاضطهاد العنصري والتصفية العرقية والتهجير ضد الأكراد (لا وجود لكلمة تعريب)،

2- فكرة الاتحاد الفيدرالي ضمن المؤسسات الشرعية الدستورية العراقية (وليست القومية)،

3- فكرة الاتحاد الاختياري (دون حق الانفصال)،

4- فكرة حق تقرير المصير على أساس المبدأ القانوني الدولي (مع الإقرار بمبدأ وحدة أراض العراق)،

5- فكرة ضرورة إعادة النظر بتغيير الواقع القومي لمناطق معينة (دون فكرة الاستفتاء حول مرجعية كركوك أو ضمها إلى «كردستان» العراق، أو فذلكة «كردستانية» كركوك!!).

لقد كانت هذه الأفكار جزءا من زمن الانحطاط الشامل للدولة العراقية. وبهذا المعنى تتمثل بعض جوانب الرؤية "البراجماتيكية" في الموقف من تحصين النفس ضد ظاهرة الخروج على منطق العدل والمواطنة والحقوق التي جسدتها مركزية السلطة (وليس الدولة) في احد نماذجها الأكثر همجية. وهو تحصين يعكس ما أسميته بالمسار الذاتي أو الداخلي لتراكم «الانفصال» القومي الكردي. وفيها ومن خلالها تراكمت أيضا نفسية وذهنية الغنيمة، والوساطة والوصاية الأجنبية، والتجزئة والانعزال. وهي نفسية وذهنية تعبر عما يمكن دعوته بالقوة الضعيفة، أي الحالة التي تجتمع فيها مظاهر القوة المستلبة. بمعنى وحدة الابتزاز والخنوع. فكلما يزداد ضعف الدولة وقوى المعارضة، كلما تزداد مطالب الأحزاب القومية الكردية. والعكس بالعكس. وفي هذا يكمن سر ما أسميته بانحطاط الأحزاب السياسية القومية الكردية. وليس اعتباطا أن نرى هذا الرمي السريع للأبعاد القانونية والوطنية العامة والعراقية بعد أول شعور بالنصر (وليكن مزيف من حيث قدرته الذاتية)، والإبقاء على «الأبعاد الكردية» و«تطويرها» في مطالب جديدة في مجرى الفوضى التي لفت العراق وما تزال تلف مرحلته الانتقالية من تقاليد الاستبداد إلى الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وهو السر الذي يفسر المغامرات والمؤامرات والتصعيد المستمر من جانب الحركات القومية الكردية (والبارازانية بشكل خاص او بشكل علني) لفكرة مركزية الدولة.

ونعثر على هذه الظاهرة في «تطور» الأفكار الخمس المشار إليها أعلاه، بحيث تحولت فكرة محاربة الاضطهاد العنصري التي سلكتها السلطة ضد الأكراد إلى سياسة عنصرية كردية ضد العرب والتركمان والآشوريين. حيث اتخذت أبعادا تكشف حقيقة المجرى المبطن للادلجة السياسية التي سلكتها الأحزاب القومية الكردية في مجرى عقد من الزمن. بحيث استطاعت أن ترسي أسس ما يمكن دعوته بنفسية الانغلاق والعداء (للجميع). إذ لم تعد تفرّق، كما هو جلي في الخطاب الجماهيري والنفسية الاجتماعية للقومية الكردية الواسعة الانتشار، بين سياسة السلطة والقومية. مما جعل من الفكرة القومية الكردية مجرد نفسية عداء تجاه العرب والعروبة، التي أصبحت تتماهى في العبارة الكردية مع ظاهرة سلبية!! رغم أن كل ما يمتلكه الأكراد في العراق هو من فضيلة وجودهم فيه. بل يمكن القول، بأن وجود الأكراد بمقاييس التاريخ والثقافة غير معقول بدون العرب والعروبة بوصفها فكرة ثقافية. بينما تحولت كلمة العربي والقومي العربي والعروبيين والشوفينية والفاشية إلى مترادفات في الخطاب القومي الكردي!! بل أنها أصبحت محل اتهام سياسي شنيع، بحيث نرى نموذجها الخفي يظهر للعلن في مجرى الصراعات الكردية الكردية، كما هو الحال على مثال الخلافات بين الأحزاب القومية «العلمانية» و«الإسلامية» في انتخابات نهاية 2005، حيث نعثر على العبارة الأكثر انتشارا واتهاما ودعاية في موقفهم من خروج الحزب الإسلامي من القائمة الكردستانية، هو وصفه بعبارة «عميل للعرب»!! وان الإسلام ليس إلا الصيغة الظاهرية للسيطرة العربية!! وهي أوصاف تطلقها أحزاب لم يكن تاريخها بهذه المعايير أكثر من زمن الخضوع لأكثر السلطات العربية والتركية والإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، التي مارست مختلف أصناف التنكيل والخديعة بالأكراد أنفسهم!! وهي صيغة لا علاقة لها بالفكرة القومية، بقدر ما أنها تعكس مستوى الانحدار صوب الفكرة العرقية.

بينما تحولت فكرة الاتحاد الفيدرالي ضمن المؤسسات الشرعية الدستورية العراقية إلى «فيدرالية عرقية»، بحيث يمنع على العربي أو غيره شراء دكان في «كردستان» التي تعيش بأكملها على مساعدات العراق!! بينما تحولت فكرة الاتحاد الاختياري إلى أسلوب الابتزاز السياسي الفارغ بحق الانفصال، وذلك ليس فقط لصعوبة بل ولاستحالة القيام به، لأنه يعادل من حيث الجوهر الانتحار، خصوصا بالنسبة لأحزاب لم يشكل الهمّ الاجتماعي بالنسبة لها بعدا جوهريا.

في حين تحولت فكرة حق تقرير المصير على أساس المبدأ القانوني الدولي إلى صيغة أيديولوجية للمؤامرة والمغامرة. بمعنى أنها لم تعد جزء من تعميق وتنظيم فكرة النظام والحرية على مستوى الوعي الفردي والاجتماعي، بقدر ما أصبحت أداة للابتزاز السياسي والقومي.

 بينما تحولت فكرة ضرورة إعادة النظر بتغيير الواقع القومي لمناطق معينة من قضية حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والقيم الإنسانية إلى مطلب الاستفتاء حول مرجعية كركوك وضرورة ضمها إلى «كردستان» العراق بوصفها «قدس الأقداس» الكردية! وليس اعتباطا أن تتحول «قضية كركوك» والمادة 58 من القانون المؤقت وحشرها في «الدستور الدائم» (المادة 140) (حشر مطلب مؤقت في دستور دائم!!) سوى الصيغة الأكثر فجاجة لمعالم الانحطاط السياسي للأحزاب القومية الكردية.

أما ذروة هذا الانحطاط فهو تغلغل السيطرة العرقية بوصفها الصيغة الأكثر تخلفا للنزوع التوتاليتاري القومي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مستوى وطبيعة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للاكراد، فمن الممكن توقع نمو إخطبوط الرذيلة السياسية المترامية ما بين القمع المباشر وغير المباشر والتحكم بالروح والجسد إلى الرشوة والسرقة والابتزاز السافر. ولعل انتخابات نهاية 2005 والفوز «الساحق» للحزبيين الكرديين بين الأكراد، الذي يصل إلى نسبة 95% هو الوجه الآخر لهذه الحالة. بمعنى إننا نقف أمام حالة صلبة صلدة لا تنوع فيها ولا اختلاف، أي لا حياة فيها لغير الكبت المرفوع، تحت يافطة الإكراه والتزوير والضغط العرقي، إلى مصاف «الوحدة القومية». ومن ثم لا يعني «الفوز الساحق» سوى السحق التام لفكرة الديمقراطية والتنوع الاجتماعي ومضمون الحياة المدنية والحرية. بعبارة أخرى، لم يكن «الفوز الساحق» سوى بداية الانكسار التاريخي للفكرة العرقية الكردية. وهي عملية يمكن رؤية ملامحها الأولية في البرنامج الانتخابي لقائمة التحالف الكردستاني لانتخابات نهاية 2005. حيث نعثر هنا على بروز وتنامي خجول للفكرة العراقية العامة من خلال تعميم الموقف المتعلق بحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية والاتصالات، بحيث يشمل العراق كله. غير أن «البرنامج السياسي» مازال يعاني من ثقل «مرحلة الانفصال» وبروز العقدة العرقية. ففيه نرى أولوية العمل من «اجل تعزيز أواصر الصداقة والمحبة والإخوة بين الشعبين العربي والكردي وسائر المكونات الأخرى في العراق»، والعمل من اجل «استتاب الأمن والاستقرار في أنحاء العراق»، و«إدانة جميع أشكال الإرهاب في العراق». إلا إننا نرى في نفس الوقت نفسية الاستحواذ على الأقليات الأخرى من التركمان والآشوريين والأرمن واليزيديين والشبك من خلال تبني مهمة الدفاع عنهم. بينما هي مهمة هذه "المكونات". كما لا يحق للعرب تبني قضية الأكراد. فنسبة هذه الأقوام للأكراد هي أكثر من نسبة الأكراد للعرب في العراق!

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام نفسية الوصاية المخفية بحب الاستحواذ وذلك لأن فكرة الحرية تفترض نشاط "المكونات" العراقية من اجل الخير العام، وليس تبني مصالحها بالضد من الآخرين، كما نراه على سبيل المثال في الفقرة التي تقول باعتزاز التحالف الكردستاني(!) «بنضال الايزديين ومقاومتهم الباسلة ضد مشاريع التعريب وبرامج إلغاء الهوية القومية». وهي صيغة مبتذلة لمحاولات «تكريدهم»!! والقضية هنا ليست فقط في حماقة الصياغة بل وفي جعل الاعتزاز «بمقاومة التعريب» مادة من مواد «البرنامج السياسي»!! غير أن هذه القضايا تبقى جزئية ويمكن فهمها بمقاييس الصراع السياسي من اجل كسب الأصوات في زمن الانتخابات، مقارنة بقضية «كركوك» وإعادة ربط مناطق معينة بإقليم «كردستان»، أي بحصيلة روح الغنيمة التي سال لها لعاب الغدة العرقية الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية. والقضية هنا ليست فقط في كونها لم ترد في أي من مواد الاتفاقات السياسية (وليس القانونية) التي تراكمت في وثائق «المعارضة العراقية»، بل وفي بروزها المفاجئ، الذي يعكس تراكم نفسية الانغلاق والانعزال والغنيمة. وهي مكونات لا يمكنها الصمود طويلا في واقع العراق الحالي والمستقبلي.

مما سبق تتضح بعض معالم العملية المتناقضة لصعود وهبوط الأحزاب السياسية القومية الكردية. وهو صعود كان يلازم من الناحية التاريخية هبوط الدولة العراقية وانحطاطها المادي والمعنوي. من هنا يمكن النظر إلى صعود وبأس الأحزاب القومية الكردية الحالية على انه الوجه الآخر لهبوط الدولة العراقية وبؤس الجماهير الكردية. وهي نتيجة يمكن رؤيتها بجلاء في كل من انحسار الفكرة القومية الكردية في نزعة عرقية ضيقة، واختزال برامجها السياسية العملية إلى كركوك + حلبجه + الفيدرالية الكردية + المادة 58 من القانون المؤقت (أي كركوك أيضا) (او المادة 140 في القانون الدستور الدائم!). إضافة إلى خلو الخطاب والممارسة العملية لهذه الأحزاب من مهمة تعميم التجارب السياسية بالشكل الذي يسهم في بناء الدولة الشرعية.

أما الهمّ الدفين الأكبر فهو محاولة توظيف كل ما يمكن توظيفه من اجل جني أرباح وهمية يحددها بقاء وفاعلية نفسية وذهنية الغنيمة والعداء العنصري للآخرين بشكل عام والعرب بشكل خاص. وهي نفسية وذهنية لا يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف لشيء غير العداء للعراق. وفي هذا يكمن مضمون الانحطاط التاريخي للأحزاب السياسية القومية الكردية الحالية. وشأن كل مضمون تاريخي فإنه رهن الإرادة السياسية والرؤية النقدية ومنظومة القيم الواقعية والعقلانية. بمعنى أن السقوط ليس مصيرا ملازما لها، ومن ثم يمكن تذليله في حال إعادة النظر النقدية بمجمل الفكرة القومية الكردية ونموذج تجسيدها على أسس الواقعية والعقلانية العراقية (الوطنية العامة)، وليس القومية الضيقة او العرقية (الكردية او الكردستانية). وهي قضايا سوف اتناولها في مقالات لاحقة.

وفيما لو جرى تعميم وتدقيق حصيلة هذه العملية لانحطاط الفكرة القومية الكردية واحزابها السياسية، فمكن الممكن ملاحظة ذروتها الاولية في استفتاء 2017 للانفصال. وهو مشروع يهودي صهيوني خالص لم يفهم الاكراد مضمونه وغايته. فقد تعودت الاجزاب السياسية القومية الكردية على الخضوع للاخرين ولعب دور البيدق النشط في تمرير سياسة الغرباء متوهمين الحصول على ارباح اضافية. وهي فكرة تعكس نوعية الغباء الكردي، الذي يعتقد، بأن أفضل السبل للحصول على "حقوق" تقوم في العداء للعراق. وهي حالة غريبة لا نعثر على مثيلها في التاريخ العالمي الحديث والمعاصر. وينطبق هذا على كل القضايا المغلوطة المتعلقة "بالفيدرالية" و"المكونات" و"حق تقرير المصير" و"التغيير الديموغرافي" و"الاراضي المتنازع عليها" وما شابه ذلك.

اذ لا يوجد في العراق أرض كردية، بل اكراد فقط. وذلك لأن الأكراد ليس قوما عراقيا أصيلا، بل مغترب عنه وقادم عليه بأثر موجات الهجرات التاريخية للقبائل الجبلية في مجرى السياسة العثمانية في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة. (وسوف اتناولها في مقالات لاحقة). وهو احساس دفين في الوعي "القومي" الكردي، الذي جعل من الأرض غاية رؤيته السياسية.

وهي نفس الذهنية اليهودية الصهيونية. وبالتالي، فإن العمل المشترك بينهما ليس غريبا! وفي كلتا الحالتين هي مجرد أوهام "تاريخية" مؤقتة. من هنا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء تشبث الأكراد بالأرض، لأنهم يعرفون إنها ليست لهم، وانه يمكن اقتلاعهم منها بسهولة كما نراها في الوقع السوري الحالي. إذ مجرد هجمة تركية صغيرة ذابت بأثرها "كردستان الغربية"!! وبأثر ذلك ظهرت حالة الكراهية العارمة والشاملة في سوريا تجاه الأكراد بشكل عام. والمصير التاريخي هنا بعد القضاء على الوجود الأمريكي هو تنظيف سوريا من "الضيوف الغرباء".

وفيما يخص العراق، فإن كل ما يسمى بكردستان العراق وكردستان تركيا، هي من الناحية التاريخية أراضي وادي الرافدين وسكنتها الآشوريون، الذين تعرضوا إلى إبادة تاريخية كان الأكراد طليعتها بفعل السياسة العثمانية (كما فعلوا نفس الشيئ تجاه الأرمن. والأرمن يكنون كراهية شديدة للأكراد اكثر مما تجاه الأتراك أنفسهم) ويطلقون عليهم عبارات قاسية جدا. ولاحظت نفس الحالة والموقف عند الجورجيين والتركمان والكازاخ والاوزبيك. بمعنى إن المواقف لا علاقة لها بالقومية والدين. وهي قضية سوف اتناولها لاحقا. أي لماذا يظهر العداء للأكراد في كل مكان. ولماذا لم يجر اعادة النظر النقدية في السلوك الكردي. هذه قضية مصيرية وغاية في الخطورة بالنسبة للأكراد انفسهم. لقد وضعوا انفسهم في عداء تجاه الجميع باستثناء ممن لا علاقة له بالمنطقة ومعاد لها كما نراه على مثال خنوعهم وعبوديتهم وارتزاقهم أمام الامريكيين والصهاينة. وليس غريبا أن نرى ملامح الصيرورة الجديدة في النفسية والذهنية الكردية التي تجعلهم أكثر فأكثر "أكرادا صهاينة"!! الأمر الذي سيجعلهم مع مرور الزمن غرباء في المنطقة ومعادين لها. مع ما يترتب عليه من نتائج وخيمة ومدمرة بأشد الصورة قسوة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

لايوجد فن كالتحقيق الصحفي الجريء والرصين بإمكانه كبح جماح الباطل وفضح الفساد المستشري في بلد ما وتعريته أمام الملأ " ففي زمن الخداع يكون قول الحقيقة عملا ثوريا " كما يقول الروائي البريطاني الشهير جورج اورويل، والأهم من ذلك هو سحب التحقيق الصحفي الجاد ومكتمل الأركان - بعد أن بات فتح ملفات التحقيق الجنائية المسيسة في جل القضايا الشائكة مجرد حبر على ورق ليس أولها التحقيق في أسباب سقوط الموصل ولا آخرها القناص وجرائم الطرف الثالث - البساط من تحت أقدام الإعلام المضلل الذي يسعى عبر أدواته المختلفة الى غسل العقول مستثمرا ماقيل قديما في هذا الإتجاه من إن" الكذبة بإمكانها أن تجوب نصف العالم قبل أن تلبس الحقيقة حذاءها "، وبرغم أن حبل الكذب قصيرالا أن وزيرالدعاية النازية غوبلز وأمثاله من الكذبة والمخادعين يعلنونها مدوية على الدوام " أكذب ثم أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس ..أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي" لثقتهم التامة بذات المبدأ المتمثل ببطء الحقيقة وتقاعس المؤمنين بها في الدفاع عنها وتخاذل المهتمين بترويجها ونشرها بخلاف الشائعة التي ينشط ذبابها الالكتروني ببثها فتنطلي على المجموع وبالأخص في ساعاتها الأولى بطريقة مثيرة للشفقة ما يدفع المغفلين والشامتين لتناقلها من غير وعي ولا أدل على ذلك من مقطع الفيديو الذي إنتشر مؤخرا لما زعم إنه لوزيرالعمل والشؤون الاجتماعية العراقي ليتناقله الناس بمنتهى الحماقة من غير تمحيص برغم بشاعته ليتضح فيما بعد انه مقطع من فيلم برازيلي مقزز يروج للشذوذ الجنسي وقس على ذلك الآف البوستات الوهمية عن وفاة الفنانين والمشاهير وانهيار سد الموصل وانتشار انفلونزا الخنازير والطيور وظهورغرير العسل، والارملة السوداء وعنكبوت الساعة الرملية القاتل وما شاكل، كلما أدلهمت الخطوب لحرف انظار الجمهورعن حقائق مرعبة وليست متخيلة يراد حجبها أبرزها إغتيال الناشطين والإعلاميين والمتظاهرين، إضافة الى الاف المقاطع والصور المفبركة ومقاطع الفوتو شوب، وما قيل عن الكذب سابقا قيل يوم كانت الكذبة بحاجة الى أسابيع وربما عدة أشهر حتى تصل الى الأسماع وتؤثر في الناس أيما تأثير وتغسل عقولهم، أما اليوم فالاعلام الشريف يخوض صراعا مريرا ضد الإعلام المضاد الزائف، الأول لبناء الوطن وتشجيع منتجاته الوطنية، فيما الثاني لتدميره واقتصاده بنفس القوة وبعكس الاتجاه، مستغلا هذا العالم الافتراضي المخيف والفضاء السبراني الهائل وثورة المعلوماتية المرعبة بما تضمه من مواقع لا حصر لها للتواصل الاجتماعي يتابعها مليارات البشر حول العالم ففيما يهدف الإعلام المضاد الى زعزعة الاستقرار الوطني واشاعة الفوضى العارمة وخلط الحابل بالنابل وخلق فجوة هائلة مبنية على عدم الثقة بين مكونات الشعب المتباينة عرقيا ومذهبيا ودينيا لدق اسفين الفرقة والخصام بينها بما يخدم أغراضه الدنيئة متكئاُ على الشائعة والكذب لقلب عالي الحقائق واطيها عبر الفيس بوك، تويتر، انستغرام، تلغرام، تيك توك، سناب شات، فايبر واتس اب ونحوها، تجد ان الاعلام الجاد الوطني الرصين يفتقر الى السرعة المطلوبة لبيان بطلان دعاوى هذا التضليل الإعلامي وفضحه واذا ما استمرالحال على ماهو عليه فإن الامور ستتدهور بما لاتحمد عقباه ومن الخطأ بمكان أن تفعل الشائعة فعلها من دون ان يتحرك الاعلام الشريف بجميع وسائله المقروءة والمرئية والمسموعة ليحرك ساكنا بسرعة كبيرة وعدم الاعتماد على الوسائل الراكدة والصحافة الخامدة كالصحف الاسبوعية والمجلات الشهرية أو الدورية لتحقيق غايته كونها وسائل مالبثت ان اصبحت قديمة وغير متابعة وتسير بسرعة السلحفاة ولاشك ان التحقيق الصحفي والاستقصائي الشامل له القدرة على ذلك لضرب التضليل في عقر داره واصابته بمقتل ان أحسن إستخدام أدواته واستثمر معلوماته جيدا على النحو الأفضل ولتحقيق ذلك الهدف:

 لابد للتحقيق الصحفي الرصين من أن يبدأ بقصة خبرية - حقيقية ..أكرر حقيقية - وليست متوهمة وإن كانت مستلهمة من الواقع مكتوبة بطريقة مؤثرة لا تتجاوز 50 كلمة تلخص موضوع التحقيق برمته تمهد لولوج تفاصيله وتهيئة القارئ لهذا الغرض تستلهم ايقاعها وتقتبس وقعها من الشارع، واياك اياك ان تضيف الموسيقى الحزينة الى التحقيق اذا كان مصورا وبالاخص في دقائقه الاولى اذ يكفي ايقاع الشارع له مقطوعة موسيقية " كصوت عربة خشبية يجرها حصان والتركيز على صوت زينته وصوت حدوته أثناء حركته (جق جق جق)، صوت حركة الملعقة داخل استكانة الشاي، صوت بائع اللبلبي وهو ينادي زبائنه، صوت مطرقة الحديد "تن تن تن" ..صوت بائع الصميط " هذا الصميط ..حار وطيب "، صوت ارتطام اقداح العرق سوس ببعضها " ترن ترن ترن" يعقبها صوت البائع " برد كلبك ياولد "، اما ادخال الناي والكمان وبقية الالات الحزينة مع التركيز على الدموع منذ بداية الحلقة فهذا تحقيق مُسَوق بطريقة رخيصة جدا يحاول استدرار دموع المشاهدين " تشبه اللطمية " وتشبه " إغراء الفيديو كليب الذي يركز فيه المخرج على جسد المطربة وسيقانها العارية بدلا من اللحن والكلمات " ولا يقدم شيئا له قيمة فنية .

- تحقيقات " الريموت كونترول " والتي دأب بعض الصحفيين المحليين على كتابتها، فاشلة وباهتة واعني بها التحقيقات التي يتم كتابتها عن بعد داخل المنازل أو المكاتب المغلقة موهمة القراء بأنها ميدانية وحصرية وهي ليست كذلك بالمرة، ومعظمها عبارة عن تجميع  وتكديس لتقارير سابقة اكثر منها تحقيقا استقصائيا متفردا بمعلوماته ووثائقه غير المنشورة سابقا .

- لابد للتحقيق الرصين من أرقام واحصاءات موثقة على لسان متخصصين، وثائق مسربة غير منشورة من ذي قبل، صور لم يتم تداولها بتاتا، معلومات لم يسبق نشرها اطلاقا تحدث دويا هائلا لن يسكن لفترة طويلة ..بغير ذلك " عيد واصقل بالك تنسى " .

- ليس من الصحيح جمع التقارير والأرقام التي تتداولها وسائل الاعلام واقحامها في تحقيق وجعلها محوره الاساس لأنها عبارة عن استهلاك وتكرار واستنساخ لجهود الآخرين فقدت بالتكرار بريقها وتأثيرها وعصفها الذهني المأمول .

- من الخطأ الفادح اعتماد مقاطع فيديو اشبعت نشرا ومشاهدة عبر مواقع التواصل وتضمينها التحقيق على انها جزء منه، صحيح انها تثير انتباه من لم يسبق له مشاهدة كل هذه التقارير المصورة دفعة واحدة الا انها منشورة سابقا ولاتضيف شيئا جديدا للتحقيق الاستقصائي بخلاف التقارير المصورة التي لم تنشر سابقا والتي يتم الحصول عليها من مصادرها ..من كاميراتها العامة والخاصة ..من البوماتها الشخصية ..من ملفاتها السرية ..من أدراجها !

حتى تحقيق النيويورك تايمز الاخير كان سخيفا ولم يأت بجديد مع كل الضجة التي أحيط بها وبرغم الزوبعة التي أثيرت  من حوله والدليل انه لم يطح بأي من رؤوس البصل التي وردت فيه إطلاقا .

تحقيق عن المخدرات أنموذجا:

يجب ان يلتقي كاتب التحقيق او فريق العمل احد المدمنين ..المتعاطين ..المروجين ليروي لنا تفاصيل غير مروية من قبل ...لقاء عالم دين شيعي، سني، مسيحي، صابئي لبيان رأي كل دين ومذهب بالمخدرات وفق نصوصه الدينية لكل منهم، لابد من لقاء ضابط شرطة في مكافحة المخدرات للحديث عن انواعها وطرق تعاطيها، مشرف تربوي لبيان اسباب انتشارها في المدارس، ضابط في المنافذ الحدودية للحديث عن كيفية تهريبها وادخالها الى العراق، طبيب  لبيان اسباب الادمان وآثاره  الصحية المدمرة، باحث إجتماعي لتوضيح تأثيرات الظاهرة اجتماعيا، قانوني لبيان احكام وعقوبة الجريمة ونوع القضايا المرفوعة في المحاكم العراقية بهذا الصدد، من اين تدخل المخدرات والى اين تذهب، كم تبلغ ارباحها، أبرز العشائر والشخصيات السياسية والاحزاب المتورطة بتهريبها ولماذا ؟!

- يقسم التحقيق  المكتوب الى ثلاث فقرات ما خلا المقدمة الخبرية الانسانية كل واحدة منها بعنوان متميز ينتهي بخاتمة مثيرة تكتب بطريقة احترافية وكأنها سيناريو لفيلم سينمائي .

- كلما زادت نسبة الملفات، الوثائق، الارقام، الصور، الاحصاءات، المقاطع، المعلومات غير المنشورة سابقا ضمن التحقيق كلما احدثت دويا هائلا بما يميز التحقيق ويؤهله للفوز بجميع المسابقات ذات الشأن او التنافس على مراكزها الاولى والعكس صحيح، واقترح تحقيقات استقصائية متفردة عن الانتحار وعلاقته بجرائم القتل العمد المدون على انه انتحار، ملف المخدرات تصنيعها وتعاطيها وترويجها وزراعتها وتهريبها من والى العراق بالوثائق والصوروالخرائط، ملف بيع الاعضاء البشرية، العبث بجثث الموتى في دوائر وثلاجات الطب العدلي، استبدال المواليد واختطافهم من اقسام الولادة،السحر والتنجيم في الفضائيات والمكاتب والمقابر،ملف البغاء والاتجار بالرقيق الابيض،تجارة السلاح وسرقة الاثار وتهريب المخطوطات واللوحات الفنية لكبار التشكيليين في العراق، ملف صالات القمار والروليت، انتهاكات حقوق الانسان والتعذيب في السجون والمعتقلات ومراكز الاحتجاز السرية والعلنية، ملف المفقودين والمختطفين والمختفين قسرا،ملف حرق البساتين وتجريف الاراضي الزراعية، ملف تزويرالانتخابات والتلاعب بأصوات الناخبين وصناديق الاقتراع، ملفات تهريب النفط، ملفات تسريب الادوية من المخازن الحكومية الى الاسواق السوداء وادخال المغشوش منها اسوة بالاغذية التالفة الى العراق، ملف إبادة الثروة السمكية ونشر الاوبئة في حقول الدواجن والمواشي وتهريب الاغنام، ملف تعطيل المصانع العراقية المتعمد والعمل على ايقافها وتدميرها وتفكيكها والتلكؤ في تأهيلها لصالح الصناعات - الستوك - المستوردة، ملفات حرق الطوابق المخصصة للعقود في المؤسسات الحكومية وحرائق الاسواق الشعبية، ملف عصابات التسول والجريمة المنظمة ونحوها من ملفات مثيرة للجدل لم تفتح كما ينبغي لها ان تفتح حتى الآن وكل ما كتب بشأنها من تحقيقات كان عابرا ومكررا ولم يأت بجديد قط وكلها عبارة عن تركيب معلومات بعضها فوق بعض لا أكثر والمطلوب همة أعلى ومهنية اكبر لكشف مالم يكشف من قبل وإسقاط آخر ما تبقى من أصنام اللعبة السياسية ومزدوجي الولاء والجنسية والايقاع بأحجار الاستدمار والعمالة على رقعة الشطرنج المحلية .

 

أحمد الحاج

 

حاتم حميد محسنحسب تعريف البنك الدولي، الفساد هو "اساءة استخدام السلطة لأجل منافع ذاتية". في استبيان carnegie لعام 2016 عن العالم العربي، أجاب تقريبا نصف عدد المستجوبين البالغ عددهم 103 بأن الفساد واحد من بين ثلاث قضايا اقليمية ضاغطة. في الدول العربية هناك مستويات مختلفة من الفساد، تبدأ من الحجم الصغير، مثل رشوة شرطي المرور، الى المتوسط مثل المحسوبية والمنسوبية في عمليات التأجير، الى فساد كبير يُمارس على نطاق واسع، مثل التوزيع غير العادل للموارد في تفضيل جماعة اثنية او دينية او على شكل حكومة لصوص كاملة Kleptocracy(1).

وعلى الرغم من ان المستويات الحقيقية للفساد قد لا تسير نحو التصاعد، لكن انطباع الناس عن الفساد يؤكد ذلك. ومع ان معظم الناس في المنطقة سواء كانوا داخل او خارج الحكومة يتفقون على اهمية مكافحة الفساد، لكن تلك الجهود باءت بالفشل. الفساد، فيما عدا تونس، اصبح نظاما يتعزز ذاتيا بمعنى انه "جزء لا يتجزأ" من الانظمة الاقليمية ذاتها، و طبقا لأحد الاكاديميين المصريين، فان الدول العربية تحوز على سمات اوتوقراطية مختلفة مترابطة مع الفساد. في الانظمة السلطوية، تسيطر النخبة بدرجة ما على جميع دعامات السلطة. المعالجة الكافية للفساد في المنطقة تتطلب ليس فقط اصلاحات مثل ممارسة حرية المعلومات، وقوانين التصريح بالاصول او حلول تكنلوجية مثل المبادرات الحكومية، وانما تحتاج ايضا الى تغيير جذري في الثقافة السياسية التي يزدهر في ظلها الفساد. في عدة أماكن، مثل دول الخليج ولبنان والمغرب، تكون معالجة الفساد ضارة للنخب الحاكمة التي تستفيد من الوضع القائم. لكن الفشل في معالجة هذه المشكلة يقود الى عدم الاستقرار الذي قد يؤذي النظام كثيرا وكذلك مصالح النخبة . هذه النخبة عادة تسيطر على المفاصل الاساسية مثل قنوات الاعلام الرئيسية، القطاع الخاص، الصناعات الاساسية، وفي اوقات معينة حتى على منظمات المجتمع المدني الفاعلة. من خلال هذه المفاصل هم يستطيعون تأجيل القرارات التشريعية والأحكام القضائية. العديد من الدول العربية تميل لإمتلاك قطاع عام كبير ومترهل، والذي هو حافز أخر للفساد.في الدول الغنية بالبترول، يتم توزيع الريع بطريقة تغذي الفساد. حيث يذكر احد النشطاء اللبنانيين ان "عدم تعيين ذوي الكفاءة في الادارة العامة وشيوع الزبائنية والمحسوبية والاعتبارات الطائفية عادة يقود الى ايجاد موظفين عموميين غير كفوئين هم اما يشاركون في ممارسة الفساد او يساهمون في تغطيته". المحسوبية في عموم المنطقة تقود الى حلقة دائرية مخيفة من البيروقراطيات السيئة الآداء، والتي تُضعف الثقة في المؤسسات والتي بدورها تغذي مزيدا من الفساد .

أضرار الفساد

يُعتبرالفساد مكلفا. فهو يعمل على إعاقة النمو الاقتصادي، حيث في البلد الفاسد او الصناعة الفاسدة "يختفي الحافز لدى الشركات لتحسين نوعية السلعة، وستتوقف مكاسب الانتاجية والابتكار اللذان يأتيان من شركات جديدة ". بكلمة اخرى، الفساد يُضعف تنافسية الاقتصاد ويكبح الاستثمار ويحول دون خلق الوظائف. في احدى الدراسات وُجد ان المستوى المنخفض من العائد الضريبي في العالم العربي هو جزئيا يعود الى الفساد. هذا الامر خصيصا مثير للقلق في ضوء عدم مقدرة الدول العربية النفطية الإعتماد على الموارد النفطية، وحيث الاحتياطات تنضب بسرعة وعوائدها بدأت تتناقص بشكل كبير في السنوات القليلة الماضية. وكما يشير احد التقارير"بالنسبة للدول ذات الاحتياطات الكبيرة من النفط والغاز، مثل السعودية، فان زيادة العائد الضريبي لم يعد مطلباً اساسيا، مع انه لايزال ضروريا للاستدامة المالية الطويلة الأجل"، خاصة في ضوء الزيادة الكبيرة في الانفاق منذ بداية الربيع العربي. الفساد له ايضا تأثير أمني ضار. انه يوفر فرص لتهريب السلاح والمخدرات والاشخاص في محاولة لجلب البضائع المهربة للبلاد. التراخي في السيطرة على المنافذ الحدودية الناتج عن نظام مرتكز على الرشوة يمكنه ان يصنع غسيل اموال بسهولة ويسمح بانتشار الارهاب. وكما لاحظ محلل أمني تونسي، ان الرقابة في المنافذ الحدودية ليس لها اهمية اذا كان مسؤولو الكمارك يستمتعون بفسادهم ويسمحون بعبور البضائع المهربة . كذلك، المواطنون الذين تنشأ لديهم عدم ثقة وكراهية نحو الحكومات سيتصورون تلك الحكومات فاسدة ويكونون اكثر رغبة للالتحاق بالجماعات الارهابية التي يمكن ان تدّعي انها تقاتل قادة الفساد او تمارس أنشطة اخرى ضارة بالدولة ومصالحها.

واستنتج البحث ايضا ان الدول العربية لديها غموض كبير وعدم شفافية عالية في قطاعات الأمن بالاضافة الى نقص الرقابة وضعف مشاركة المواطن بما يقود الى مخاطر فساد كبيرة داخل هذه القطاعات. تقرير الشفافية الدولية لعام 2013 وجد ان الجزائر ومصر وليبيا وسوريا واليمن جميعها فيها مستويات خطيرة من الفساد".

كذلك يقلل الفساد ايضا من مستوى نوعية مؤسسات الحكومة خاصة البيروقراطية. عندما يصبح البيروقراطيون معتادون على الاشتراك في ممارسات الفساد، فانه يصبح من الصعب تنفيذ السياسات العامة التي تصب في مصلحة الدولة والمواطن. في الدول الغنية بالموارد، يؤدي الهبوط في نظام الريع الى فساد آخر وبالتالي الى تمييز اكثر ضد العمال الوافدين وغير المواطنين الذين يتنافسون على الموارد المحدودة.

طرق المواجهة

1- تتطلب مواجهة الفساد اطارا قانونيا يتضمن تشريعات تتعلق بالوصول الى المعلومات وتصريحات بالاصول ونظام قضائي قوي وجهات متخصصة لمعاقبة الجرائم المتصلة بالفساد. في كل دول المنطقة، عادة لايتم فرض وتطبيق قوانين مكافحة الفساد المنشورة رسميا . بدون مسائلة، تصبح حقوق المواطنين والرغبة السياسية لفرضها، وقوانين الوصول الى المعلومات واجراءات الشفافية القانونية الاخرى كلها بلا معنى.

2- احدى الوسائل الفعالة في مكافحة الفساد هي وجود هيئة وطنية مستقلة لمكافحة الفساد، مثل تلك الهيئة القائمة في تونس، حيث الوكالة الوطنية لمكافحة الفساد INLUCC التي تُموّل من جانب الحكومة لكنها تعمل كهيئة مستقلة للتحقيق في الفساد. ولكي تنجح هذه الهيئات، يجب ان تكون متحررة من التدخل الحكومي ولديها التمويل الكافي وعدد لا بأس به من الموظفين للتحقيق في الحجم الهائل من حالات الفساد.

3- وهناك آلية اخرى لمواجهة الفساد نجحت في مناطق اخرى هي اجراءات وعمليات الحكومة الالكترونية. رقمنة العمليات البيروقراطية مثل عمليات الكمارك وتسجيل شركات الاعمال واجراءات الجباية يمكنها ان تكبح فرص الرشاوي والمحسوبية والصفقات الجانبية عبر تطبيق جميع الاجراءات من خلال بوابة الكترونية غير بشرية. ومع ان الحكومة الالكترونية قد لا تكون ملائمة لجميع الظروف، لكن الحكومات العربية التي تستخدم التكنلوجيا الرقمية وتعمّم تطبيقها سوف تخلق مزيد من الثقة لدى الناس الذين سيفضلون إكمال اجراءاتهم عبر القنوات الرسمية الملائمة.

4- يجب ان تستمر الشعوب العربية (بالاضافة الى المنظمات الدولية مثل الشفافية الدولية) بالضغط على القادة العرب لإيقاف الفساد، حتى بطرق بسيطة. كذلك، إبراز الارتباط بين الفساد والأمن، وبين الفساد والهبوط الاقتصادي من شأنه ان يحفز على المزيد من الوعي والعمل . المجتمع المدني واللاعبون الدوليون يجب ان يستخدموا الى اقصى حد الميديا والتغطية الاعلامية الدبلوماسية للفساد، لأن الأنظمة عادة تهتم بصورتها في الداخل وفي الخارج، وتسعى الى إعطاء مثال ايجابي لجهود مكافحة الفساد.

 

حاتم حميد محسن

......................

المصدر: الحوكمة ومستقبل العالم العربي،

Carnegie Endowment for International peace

الهوامش

(1) كليبتوقراطية، مفردة من اصل يوناني تعني حكم اللصوص، حيث يقوم نظام الحكم على القادة الفاسدين الذين يستخدمون سلطتهم لإستغلال الناس والموارد الطبيعية في بلدانهم كي يضاعفوا ثروتهم الشخصية وقوتهم السياسية. هذا النظام يستلزم الاحتيال على المال العام على حساب جموع الناس. تختلف الكليبتوقراطية عن البلوتوكراسية (حيث يُحكم المجتمع او يُوجّه بواسطة افراد من ذوي الثروة الكبيرة) وعن الاوليغارشية (وهو شكل من حكم تستقر فيه السلطة لدى عدد قليل من الناس المتميزين بالثروة او التعليم او المكانة الدينية وغيرها). النظام الكليبتوقراطي هو حكومة يديرها سياسيون فاسدون يستخدمون سلطتهم السياسية للاستحواذ على الرشاوي والامتيازات الخاصة على حساب السكان، او ببساطة، يوجّهون موارد الدولة لأنفسهم او لأقربائهم او للمرتبطين بهم. الكليبتوقراط يستخدمون قوتهم السياسية لتمرير القوانين التي تثري جيوبهم او جيوب حاشيتهم وهم عادة يخرقون او يلتفون على حكم القانون. هذا النظام اكثر شيوعا في الدول النامية او الدول المنهارة التي يعتمد اقتصادها على التجارة بالموارد الطبيعية، حيث تبيع هذه الدول مواردها لتحصل على ريع اقتصادي، وهو ريع يسهل على القادة الفاسدين سرقته دون إحداث نقص في عائدات تلك الموارد، بما يقود الى تراكم الثروة لدى النخب.

 

بليغ حمدي اسماعيليملك العقل العربي شهوة متمايزة تتمثل في الأسئلة، فهذا العقل الذي اجتهد في الجمع والتصنيف والتبويب وصياغة هوامش لمتون النصوص القديمة استفاق وهو يدجج حضارته الأصيلة على شهوة الأسئلة التي قادته بالضرورة إلى إنتاج ثقافة اجتاحت الغرب الأوروبي، ونجحت في استغلال المرونة اللغوية واحتباك ألفاظ العربية الفصيحة في تطويع العلوم التطبيقية، وهو بذلك ـ العقل العربي ـ استطاع أن يجمع لحظتين غير متماثلتين في آن واحد، الإشراق الإنساني المتمثل في فنون اللغة والتفسير والفقه والفلسفة، والتثوير العلمي في مجالات الرياضيات والفلك والطبيعة، وهي خصوصية عجيبة انفردت بها الثقافة العربية ولا تزال تتفاخر بهذه اللحظة الاستثنائية في تاريخها رغم قرون طويلة من التصارع السياسي والتناحر المذهبي .

ولعل من أجمل اللقطات التي سجلتها ذاكرتي من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المخرجة المتألقة الرائعة ساندرا نشأت خلال الفيلم التسجيلي شعب ورئيس هو حديث السيد الرئيس عن التعليم المصري ومشروع إصلاحه الذي سيمتد أربعة عشر عاما، ولاشك أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي لا ولن يتم أبدا إلا عبر بوابة التعليم ليس كما هو الآن حسب وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، بل التعليم الذي يعني التنوير والتثوير والتجديد، وأعتقد أن مصر العظيمة تستحق نوعا استثنائيا راقيا ولائقا للتعليم يليق بقدرها وتاريخها التنويري الضارب في القدم .

التَّرْبِيَةُ العَرَبِيَّةُ الرَّاهِنَةُ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل . وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير .

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية؟ . والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا .

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا . وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

تلك مقدمة تدفع القارئ إلى تعكير صفو سعادته، وربما إيقاظه على حقيقة صادمة بأن أبناءه الذين يذهبون كل صباح إلى مؤسسته التربوية لا تفي بمسئولياتها، ولا تكترث بأنها تقدم أكبر خدمة إنسانية لأبنائه وهي أن يستحيل عضوا فاعلا في مجتمعه ومن بعد وطنه العربي الكبير.

ويسألونك عن التطوير التربوي، وسيخرج عليك رجال يدغدغون أسماعك بأحاديث تشبه حواديت وحكايات جدتي عن ملامح تطوير التربية، والدور التنموي للمدرسة والواقع يشير إلى أننا بالفعل لا نقدم تربية ممكنة التحقيق، فالمؤسسة التعليمية صارت مشغولة بفعل السياسات التعليمية والقوانين المنظمة لها بالتحصيل والترويج لثقافة الاختبارات والدرجة النهائية ولا تهرول إلى صيحات تنمية القدرات أو تعديل الاتجاهات وتنمية المواهب وتعزيز الإمكانات المتاحة لتلاميذنا، فكل هذه الأمور ورقية تزين أرفف وجدران مؤسساتنا التعليمية وخير دليل حرص بعض المحافظين على تتبع مراكز الدروس الخصوصية لأن المدرسة بالفعل صارت ورقة امتحان ودرجة نهائية ومرحلة لاحقة ينتقل إليها الطالب .

ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل.

وماذا أيضا؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر .

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية، أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

الطَّالِبُ .. من دَورِ التَّعَلُّمِ إلى مَصِيرِ الضَّحِيَّةِ:

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته، فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة، لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

وَاقِعُ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ:

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

مَلامِحٌ مِن خُطَّة عِلاجِ الأزْمَةِ:

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو: ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع؟

ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة .

وربما وأنا أستعرض ملامح نهاية التربية، استقر بي الحال على ربط المشهد الانتخابي لبرلمان النواب بمصر مؤخرا وحال التربية القائمة، فكثير من المحللين عبر الفضائيات تناول ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة في التصويت، وظهر رجل يدلل على المستوى الثقافي للناخب، وراح آخر يبرهن على أن العزوف مفاده قصور برنامج المرشح، وهكذا تعددت الأسباب والحجج والدوافع التي أدت إلى ظاهرة العزوف .

لكن العزوف ليس مقره ومستودعه سياسيا هذه المرة، إنما الممارسات التربوية داخل أسوار المؤسسة التعليمية هي التي أدت إلى تلك الظاهرة، وعلاج هذا لا يكون فقط بممارسة الطلاب لأنشطة مدرسية محددة ومكرورة وأصبحت بائدة في بعض الأحيان، لكن عن طريق تجديد الحراك المدرسي إما بأنشطة يقترحها الطلاب أنفسهم تعكس مطامحهم وآمالهم ودوافعهم للتعلم، ووجود ديموقراطية تعليمة تفرز لنا جيلا استثنائيا قادرا ليس فقط على مواجهة التيارات والأفكار الوافدة، بل في بناء الأوطان العزيزة التي تستحق بذل الجهد والمجهود .

تَجْدِيْدُ الخِطَابِ التَّعْلِيْمِيِّ .. تَغْرِيْدٌ خَارِج السِّرْبِ:

الذين هرولوا من التربويين العرب وراء التقرير الأمريكي ذائع الصيت والانتشار (أمة في خطر) والذي أعد بشأن النهوض بالتعليم الأمريكي عن طريق الاهتمام والتسارع المعرفي بمادتي الرياضيات والعلوم لم يستفيقوا بعد على وضع أخطر يحتاج إلى مزيد من الهرولة بل هوس الاهتمام أيضا لا مجرد نقل الحذر وترقب الخوف الذي يحذو بسياساتنا التعليمية فحسب . ولاشك أن الأخبار المتعلقة بالشأن المدرسي في مصر على وجه الاختصاص تتصدر مشهد المتابعة، ورغم أن هناك حالة غير مستدامة لتتبع أخبار ترشح الراقصة سما المصري وقبول طعن أحمد عز الرجل الحديدي في انتخابات مصر إلا أن أخبار المؤسسة التعليمية تظل دوما في مقدمة اهتمام المصريين بغير إطلالة على أن كثيرا من المصريين لم يعودوا يهتمون بالعلم وأهله .

وفي الوقت الذي نتبارى ونتراهن وأخشى أن أقول نتناحر في قنص فرصة تجديد الخطاب الديني كان علينا بصدق ووطنية أن نتبارى لصالح الوطن في تجديد خطابنا التعليمي الذي يستحق الشفقة عليه، وأذكر مجددا بغير كلل أو ملل لم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة . الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الخديثة الخديوي إسماعيل باشا أن نظامه التعليمي الرائع سواء على مستوى العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة أن تؤدي بنا إلى حال تعليمي متردٍ وأكثر ترهلا.

وهذا الخطاب التعليمي ليس مجرد وثيقة ورقية مثل وثيقة الانضباط المدرسي التي قرأتها مرتين وقبلت بنودها بشرط توافر تحقيق واجبات وزارة التربية والتعليم وصدقها في التنفيذ، والخطاب أيضا ليس مجرد بنود تنظيرية تفيد بأنه يجب على المعلم أن يفعل كذا ويقابل بكذا أو أن على الطالب الالتزام بقواعد معينة لأن المحك في الالتزام بتلك الشرائط التنظيرية هو ما تابعناه بخوف وخشية من أخبار أرجو أن يكون الوزير بغير غفلة عنها وإلا فحقا تعليمنا في خطر . وآخر الأخبار الموحشة التي أفزعت واقعنا التعليمي هو تعرض طالبة بمدرسة الخصوص للاغتصاب الوحشي على يد مجهول داخل المدرسة وتنظيم الطلاب وقفة احتجاجية من أجل المطالبة بأخذ حق زميلتهم وأخبار أخرى متناثرة يفيد بأن الوطن لن ينهض إلا بتعليم مستنير وخطاب تربوي بعيد عن النفاق والتقليد والمبالغة والأخذ بأسباب الحضارة دون امتلاك مقوماتها.

التَّعلِيمُ مِن التَّلقِينِ إلى اسْتِثْمَارِ العُقُولِ:

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم .

وربما تتجسد مشكلة النظام التعليمي في الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها .

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن . والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات  قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية .

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي .

والشرط الثاني للمدرسة العربية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط . لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

 

زهير الخويلدياستهلال:

"كل عبد له في يديه القدرة على كسر سلاسله" - وليام شكسبير

لو لم تكن فكرة الحرية في المركز، فهي على الأقل واحدة من النقاط الجوهرية التي تدور عليها الفلسفة منذ القديم ولقد زاد ذلك كثيرا في الأزمنة الحديثة وعصر الأنوار ووقت الثورة العلمية والصناعية. أما اليوم فهي تعبر عن عدة طموحات مختلطة وتلخص الكثير من أحلام اليقظة والتطلعات الشبابية الواعدة.

 قد يرفض أحدهم تمتع الآخرين بها ويؤثر بقائهم في العبودية لكي يحتكرها لذاته ويتمتع بفضائلها لنفسه ولكنها ترفض ذلك وبدل أن يمتلكها تقوم هي بامتلاكه وتنتقل عدواها إلى غيره وتفيض على العالم بأسره. إذا كانت فكرة الحرية تتضمن كفايتها الذاتية وتملك القدرة على التحديد الذاتي فإن العبودية لو قلبناها كما هي في المسار التاريخي والحالة الاجتماعية يمكن الوعي بها والانقلاب عليها ونفيها وتحويلها إلى حرية.

بيد أن المشكل الفلسفي الذي يطرح لا يتعلق بمسألة الحرية بقدر ما يثار ضمن الدروب التي تكتسب فيها وبالتالي يجدر الابتعاد عن الخلط بين الحرية وغياب الإكراه وانتفاء الضغوطات وزوال الموانع والعقبات وتحريك الوعي حول معنى الحرية في الوجود الإنساني والغوص في العمق الذي ترتكز عليه وتتبع تحول الجدلية التي تتشكل بمقتضاها ووصف الظهور المرئي للأحرار في الأشكال الكبرى والصور اللامعة.

هكذا تظل الحرية تتأرجح بين غياب الإكراه الخارجي والتحديد الباطني من جهة واختراق الحد المسموح به وتخطي العتبات المرسومة وفق قدرات الملكات البشرية واستعمال الحرية لكي يتم التخلي عن الحرية.

لو أردنا اختزال الموضوع بوضوح أكبر حول القسمة السهلة بين التصورات المتعارضة حول الحرية فإنه يمكننا أن نعارض بين اتجاهين كبيرين: الاتجاه الأول يقر بوجود تطابق بين الوعي الحر والطبيعة العليا، والاتجاه الثاني يقوم بالانقطاع والتعالي الذي يميز الحرية عن كل طبيعة واقعية أو ممكنة. فماهي العلاقة بين الطبيعة والحرية؟ وهل يتناقض القول بطبيعة الكائن والكائن الطبيعي مع مطلب الحرية؟

لعل التفكير في شيء معين على أنه موضوع يعني تحديده بصورة طبيعية وبالتالي تمثل الطبيعة بالأساس نظاما من التحديدات للأشياء والمواضيع ويتعلق الأمر بالتسجيل القبلي لنظام الأشياء في نظام الفكر الإلهي ضمن جبرية لاهوتية ولكن يمكن أن يتعلق من جهة أخرى بالضرورة المنطقية وبالسببية الطبيعية.

لكي نفهم العالم يجب أن نفترض مبدءا تحديديا، فإذا كان العالم مفهوما ألا تصبح الحرية غير مفهومة؟

 لو كان العالم مفهوما لكانت الحرية مشكلا ولو رفضنا القول بالحتمية الكونية فإن الحرية نفسها تفقد معناها: ليس من خلال افتراض أن الإرادة هي سبب وجود ما نريده ونختاره وإنما أيضا لأننا دون افتراض سلسلة من الأسباب الضرورية في الطبيعة فإنه يتعذر علينا رؤية تتابع الأشياء من بعضها البعض ولزوم شيء معين من شيء آخر نريده. فما يجعلنا أحرار بهذا المعنى هو معرفة السلسلة السببية الطبيعية لكن إذا كانت هناك سلسلة سببية طبيعية فإن ما يقع يترتب منها ويصدر عنها ، أما معرفة كيف تكون الحرية ممكنا فإنه يعود إلى معرفة كيف ننزل الإرادة ضمنها وبالمقارنة مع الأسباب المولدة لها.

هناك عدة حلول قدمها الفلاسفة حول هذه المشكلة:

- القبول بأن نظام الطبيعة ليس هو نفسه ضروريا بل حادثا وجائزا ويمكن للأشياء أن تحدث من ذاتها دون علة ضرورية ويمكن أن تحدث من شيء آخر .

- القبول بأن نظام العالم ضروري وبأن الأفعال الإنسانية تنتمي إلى الطبيعة وبأن ما يحدث لنا تابع لنظام الطبيعة وأننا لا نقدر على أي شيء بخلاف ذلك.

- القبول بأن نظام العالم هو ضروري وأن الإرادة الإنسانية تمثل جزء من هذا النظام وبالتالي فهي ليست سببا حرا بل نحن نريد هذا الشيء بدل ذاك وفق شرط محدد ولا نقدر على إرادة أي شيء.

- وجود ضرورة كونية تحكم الكون وبالتالي امتناع وجود الحرية الإنسانية بما أن الرغبة تتفوق على الاستطاعة.

- إمكانية قبول القوانين التي تتحكم في الطبيعة ومحاولة تكييف ميول الطبيعة البشرية والأهواء مع هذه القوانين وتفادي التناقض بين المنشود الإنساني والموجود الواقعي.

ألم يقل ديكارت:" من الأحسن تغيير رغبات بدل نظام العالم"1[1]. هكذا تطرح الحرية دوما مشكلا أنطولوجيا ولا يمكن حله إلا بافتراض انتماء الإرادة إلى نظام مغاير لنظام الطبيعة وغير خاضعة للقوانين الطبيعية والاستنجاد بفكرة الذات التي برزت في الفلسفة الحديثة. لكن حريتنا في العالم لا يمكن التفكير فيها خارج علاقتنا بالنظام الطبيعي بما أن حركاتنا مرتبطة به وبالتالي تعود الصعوبة بالظهور مجددا ولقد تفطن إلى ذلك ديكارت عندما عرف الجوهر المفكر ضمن الحرية اللاّمتناهية ولكنه أخفق في التفكير في علاقة الفكر بالمادة وبقيت المشكلة عند كانط الذي سيجعل من الذات الحرة شرط وجود القانون الأخلاقي.

يمكن التطرق إلى جدلية الحركة الحرة ، وأشكال الحرية والحرية الملتزمة ، والحرية من حيث مشروع وجود ولكن هل يمكن الاعتقاد كما ترى الفلسفة الريبية الحديثة بأن تكون الشعور بالحرية مجرد وهم؟

فكرة الحرية عند هيوم:

"الانفعال هي وجود بدئي أو ، إذا أردت ، وضع بدئي للوجود"

يعتبر دافيد هيوم الحرية مجرد فكرة مختلقة وغير لازمة ويقول بوهم الحرية. كما أن التعارض بين الحرية والضرورة ليس سوى عبارة عن الفتور واللامبالاة في الانتقال من فكرة إلى أخرى والإحساس بأن أفعالنا ناتجة عن إرادتنا واستخلاصها من بواعث هو مجرد تكرار وخلط بين ظواهر متشابهة.

ضرورة الفعل ليست خاصية الفاعل وإنما خاصية الكائن الذكي الذي يستنتج الفعل من الظواهر السابقة. إن الإرادة الإنسانية التي لا تخضع لأي شيء وتتحرك في جميع الاتجاهات تنتج صورة سلبية عن نفسها.

فالحرية الخيالية هي الحركة الواقعية التي تتشكل في الرغبة العجيبة في إثبات أن الفاعل هو باعث الفعل.

في هذا السياق يثني هيوم على الاعتقاد بقوله:" الاعتقاد ليس سوى كائن أكثر حيوية وأكثر حياة وأقوى وأكثر حزما وأكثر استقرارا من ما يمكن أن يحققه الخيال وحده." ويضيف "ليس من العسير تفضيل تدمير العالم بأسره على خدش إصبعي"ولكنه ينقد السببية بهذا التصريح:" تأتي أفكار السبب والنتيجة من تجربة تُعلمنا أن مثل هذه الأشياء المعينة، في جميع الحالات الماضية ، قد تم دمجها مع الآخرين؛ عندما ننتقل من انطباع كائن ما إلى فكرة أخرى ، فإننا مصممون ليس عن طريق السبب، ولكن عن طريق التعود أو مبدأ الارتباط"2[2]، فهل يؤدي هذا النقد الريبي لفكرة السببية إلى الإقرار بوجود الحرية الفيزيائية؟

فكرة الحرية عند روسو:

" الحرية هي أقل ما تفعل إرادة الفرد من عدم الخضوع لإرادة الآخرين."

يتناول روسو الحرية في إطار علاقتها بالعبودية ويصرح:" لا يمكن أن يكون المواطن حرا تماما إلا إذا كان العبد عبدا إلى أبعد حد" و"لا يستطيع المرء أن يحافظ على حريته إلا على حساب حرية غيره"

في كتاب العقد الاجتماعي يعود روسو إلى الإغريق ويقسمهم إلى أسياد يفعلون بأنفسهم ما يردون ، يعيشون في منطقة هادئة ويجتمعون في الساحة العامة ويقررون ما يتفقون عليه، في حين أن العبيد محرومين من هذه الامتيازات ويعيشون في مناخ قاس ووضعية بائسة ويتعذر عليهم الإقامة في الساحة العامة ونادرا ما يستعملون لسانهم ويقوم بأشغالهم ويعطون قيمة كبيرة لكسب قوتهم أكثر من حريتهم ويخافون من الحرمان والعوز أكثر من خوفهم من البقاء في حالة العبودية. بهذا المعنى كان الشغل الشاغل هو الحرية ولا تبقى الحرية على ماهي عليه بعيدة المنال إلا بفضل العبودية وتأخر وعي العبيد بأهميتها.

ان الطاغية لا يضمن لرعاياه الطمأنينة المدنية لأانه يرضي دوما طموحه وجشعه اللامحدود واستعماله للقوة في حل الخلافات يجلب له الحروب وتتكاثر حوله الفتن وتتحول حياة الرعايا الى حياة بائسة وجحيم.

بينما في الشعوب الحديثة عرفت نهاية العبودية بالمعنى القديم وبداية عهد الشعوب الحرة وصار الإنسان يدافع على اختيار حرية غيره من خلال الديمقراطية التمثيلية ومنح ثقته لعدد من النواب في البرلمان[3].

من هذا المنطلق يميز روسو بين الحرية الطبيعية التي يحصل عليها الشخص عندما يعثر على شكل من التجمع البشري يدافع ويحمي بكل القوة الموحدة عن خيراته والحرية القانونية المدنية التي يحصل عليها عن طريق المواضعة ومن خلال إبرام ميثاق اجتماعي يقوم بمقتضاه كل شخص بتذويب كل حقوقه لفائدة المصلحة المشتركة بشرط أن ترجع له كل حقوقه الأولى وأن تضمن له كل حقوقه التي اكتسبها بالقانون.

هكذا ينقد روسو الحرية الطبيعية ويرى بأن الإنسان يستمد قيمته كذات حرة وأن التنازل عن الحرية تحت أي سبب أو عنوان يؤدي إلى التنازل عن الإنسانية والى فقدان القيمة التي منحت له وخلع الكرامة البشرية وفي هذا السياق يصرح في العقد الاجتماعي :" إن تخلي المرء عن حريته يعني تخليه عن طبيعته كانسان وعن حقوق الإنسانية جمعاء بل وعن واجباته وليس هناك تعويض ممكن لمن تخلى عن كل شيء"4[4].

على هذا الأساس التخلي عن الحرية يكرس الخضوع غير المحدود ويسلب الناس حقوقهم وإرادتهم ويجعلهم يسلمون ما بحوزتهم من ممتلكات لغيرهم وينزع الصفة الأخلاقية عنهم ويجعلهم غير ملزمين بأي شيء أو قيمة تجاه أي جهة أو إزاء أي شخص،ويمثل شرط بطلان العقد وتشكل السلطة المطلقة. يحدث الانتقال من حالة الطبيعة الى حالة التمدن بسبب العقد الاجتماعي تغييرا جذريا في الإنسان حيث يستبدل الغريزة بالعدالة في سلوكه ويضفي الطابع الأخلاقي على أفعاله ويفقد حريته الطبيعية التي لا تحدها سوى قوى الفرد وحقه اللامحدود في فعل ما يشاء ويربح حرية مدنية لا تحدها سوى الإرادة وملكية ما في حوزته ويربح الحرية الأخلاقية التي تجعله سيدا على نفسه ومتحررا من عبودية الشهوة5[5].

في هذا السياق يحدد روسو الحرية المدنية كما يلي: " أما الامتثال للقانون الذي قمنا بتشريعه لأنفسنا فهو الحرية"، وبالتالي لا يرى وجود تعارض بين إرادة الفرد وإرادة العامة إذا ما تم احترام العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة السياسية المنبثة عنه في مستوى الحقوق والواجبات وتمتع المواطنين بمختلف حرياتهم الأساسية والمعنوية وتمكن الجميع من المشاركة في سن القوانين ووضع التشريعات المناسبة.

لكن استفاد كانط كثيرا من هذه الجهود الجبارة التي بذلها روسو في المجال القانوني والأنثربولوجي؟

فكرة الحرية عند كانط:

"الحرية هي مجموعة الحقوق التي لا يستطيع أي مجتمع عادي افتكاكها من أعضائه دون انتهاك العدالة والعقل. الحرية ليست حقًا ، إنها واجب. الحرية هي الحق في فعل ما تريد مع ما تملك"

يعبر كانط عن عدم ارتياحه للقول بأن بعض الشعوب لم تنضج من أجل منحها الحرية وينادي بتهيئة الناس لكي يمارسوا حريتهم الشرعية ويرى أنه يشبه من يقول بأننا لسنا ناضجين من أجل حرية الشعور ويعتبر أن المحاججة بهذه القولة يعني أن الحرية لن تتحقق أبدا ويكشف عن الدوران في حلقة مفرغة مفادها: أننا لا يمكن أن نكون ناضجين من أجل الحرية، إذا لم نكن مسبقا أحرارا ويجب أن نكون أحرار لكي نستطيع استخدام قوانا بشكل يخدم حريتنا"6[6].

كما تعاني الحرية من الكثير من العوائق بالنظر للخضوع لأوامر السلطة والاشتغال برعاية الغير ولذلك تظل المحاولات الأولى التي يبذلها الناس قاسية وخطيرة. على هذا النحو ينبغي أن يتحرر الناس من الظروف الصعبة والقيود الثلاث – الدولة والأسرة والكنيسة- التي تمنعهم من استعمال عقلهم بحرية لكي ينضجوا من أجل العقل ويقوموا بما يردون فعله ويعبروا عن قدرتهم على تحقيق مبدأ الحرية ويعلموا أن الله ذاته خلق الإنسان من أجل الحرية، فكيف يكون له الحق في إبعادها عنه؟

الإنسان الحر هو المواطن الفرد الذي يعيش في دولة مدنية يحكمها القانون وتسير مؤسساتها بشكل ديمقراطي ويقترح كانط في مقالة في البيداغوجيا7[7] تربية الإنسان على الحرية من خلال القواعد التالية:

- يجب أن نترك الطفل حرا منذ طفولته الأولى شريطة ألا يشكل عائقا أمام حرية الغير.

- عليه أن يتهذب لأنه لا يمكنه الوصول إلى غاياته إلا إذا ترك الآخرين يصلون إلى غاياتهم.

- نبرهن له أن الإكراه الذي فرضه عليه هدفه هو أن نجعله يستخدم حريته وأن نربيه لكي يستطيع أن يكون مستقلا حرا وأن يستغني عن اللجوء إلى الغير.

هكذا تساعدنا التربية على معرفة قياس قوتنا والحدود التي يفرضها علينا حق غيرنا وأننا لا نتمتع بأي امتياز. في هذا السياق يؤكد كانط في المجال الأخلاقي على أن الإرادة الحرة هي الإرادة الأخلاقية وعلى استقلالية الإرادة هي ميزة العقل العملي سواء في أسس ميتافيزيقا الأخلاق8[8] أو في نقد العقل العملي.

يبرهن على ذلك بالقول بأن حرية الإرادة هي التي تجعل الوعي بالقانون ممكنا وتجعله الإنسان يوافق ويتقبل المبادئ النظرية الخالصة على أنها ضرورة يفرضها عليه العقل وليست مستقاة من التجربة ولا مقيدة بإشباع الشهوة المباشرة ولا نتيجة تعرض للتهديد وتمسك بحب الحياة ، في هذا الإطار نراه يصرح: "انه بإمكانه فعل شيء ما لأنه يعي أنه يجب عليه القيام به ويتعرف أيضا بداخله على الحرية التي كانت ستظل مجهولة من طرفه لولا وجود القانون الأخلاقي"9[9].

فاذا كانت الضرورة خاصية الكائنات الطبيعية وإذا كانت الإرادة ترتبط بالعقل والحياة فإن الحرية السلبية موصولة بالاستقلال عن الأسباب الخارجية بينما الحرية الايجابية تكون سببية تعمل وفق قوانين ثابتة.

 من هذا المنطلق" يمكن أن نعرف الحرية العملية بأنها استقلال الإرادة تجاه كل قانون ما عدا القانون الأخلاقي" كما " يشتق مفهوم الحرية من الواجب الأخلاقي المشروط" و"مما لاشك فيه أن الحرية هي مبرر الوجود، انه شرط القانون الأخلاقي... إن القانون الأخلاقي هو ما يجعلنا نتعرف على الحرية". ويضيف كانط أيضا: " بالنسبة لي لا شيء مطلوب غير الحرية ، بمعناها الأكثر براءة ، أي تلك التي تقبل على استخدام علني للعقل في جميع الميادين".

 على هذا الأساس يقر كانط بوجود ضرورة في الظواهر وحرية في الجواهر. بطبيعة الحال الاستقلال هو قوام حرية الإرادة والخاصية التي تجعلها قاعدة نفسها واستقلال الإرادة هو المبدأ الوحيد لكل القوانين الأخلاقية والواجبات التي تتطابق معها وتتعارض أخلاقية الإرادة مع مبدأ الإجبار والتبعية لأن الإرادة الحرة والإرادة الخاضعة لقوانين أخلاقية هما في النهاية نفس الشيء".

لكن لا يتوقف احترام القانون على الجانب المضموني وإنما يرتبط بالخصوص على الجانب الشكلي أي القاعدة. لكن كيف نرفع من درجة الحرية ونرد لها الاعتبار في الحياة اليومية؟ وماذا تفعل الحرية أمام سلطة المجتمع وفي مواجهة الفردانية؟ وهل تنحني أمام ضربات ضرورة التاريخ وتغترب في العالم الطبيعي؟ والى أي مدى يمكن أن تصمد الحرية بالمعنى الأخلاقي والتربوي أمام التحديات التي تتعرض لها من العنف السياسي وحيلة العقل ومكر التاريخ والقوى الطبيعية؟

خاتمة:

" ليس من الجيد أن تكون حرا جدًا. ليس من الجيد أن يكون لديك كل الضرورات" – باسكال-

لا يمكن البرهنة على حرية الاختيار وإنما يمكن اختبارها وممارستها في الحياة اليومية والفكرية وكل فلاسفة حرية الاختيار قد انطلقوا من مجرد وصف لتجارب نفسية أو أخلاقية كانوا قد مروا بها أو عاشوها، لقد أعلن ديكارت بأن "حرية إرادتنا تعرف دون حجج بواسطة التجربة التي نجريها وحدها" ويذكر لايبنتز بالشعور الداخلي القويsentiment vif interne بحرية الاختيار. أما برجسن فقد كشف عن الحرية في المعطيات المباشرة للشعور، في حين عثر عليها مين دي بران في الظاهرة الأولية fait primitif التي تتكون من تجربة الجهد العضلي. بالنسبة لديكارت نحن نقوم في وعينا بتجربة حرية الاختيار لامتناهية مثل تجربتنا اللامتناهية مع الله ونستطيع أن نرفض بالبداهة اي شيء يحول دون ظهور القدرة على حرية الاختيار وذلك لان قضية بديهية مثل أنا أفكر إذن أنا موجود تفرض التصديق وجوبا. ولكني أحوز دائما على الحرية على الامتناع عن تثمينها وعلى توجيه انتباهي إليها: أعتقد في ما أراه بوضوح وتميز بواسطة نور الذهن، ولكن لا أرى إلا ما أشاهده ولا أشاهد الا ما أريد. حتى بداهة الحق خاضعة لإرادتي الطيبة لانتباهي الحر". غير أن هذا الرأي قابل للنقاش لأن تمرين الانتباه لا يبدو انته غير محدود لأن الإنسان لا ينتبه سوى لما يهمه ويمكنه أن يسحب انتباهه من موضوع هام بشكل مباشر ويحمله على موضوع مختلف يعيره اهتمامه بصورة مباشرة أو غير ذلك، ولا يمكن بالتالي عزل قدرة الانتباه عن سياق الحياة الذهنية الذي يحددها. فما علاقة الحرية بالتربية والتنوير؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.................................

المصادر والمراجع:

Descartes René, Méditations métaphysiques, 1641. In Œuvres et lettres, édition Gallimard, collection la pléiade, Paris, 1953.

Hume )David(, enquête sur l’entendement humain, 1748, Traduit par M. Beyssade, édition GF, Paris,1983.

 Rousseau Jean Jacques, Du contrat social, édition Garnier-Flammarion, Paris, 1966.

Rousseau J-J, Emile, direction de Bernard Gagnebin et Marcel Raymond, in Œuvres complètes, édition Gallimard (Pléiade), Paris, 1959-1995.

Rousseau J-J, discours sur l’origine de l’inégalité parmi les hommes, collection 10-18, union générale d’éditions, 1973.

Kant (Emmanuel), la religion dans les limites de simple raison. Edition de Laurent Galloi , Classiques Garnier, coll. « Textes de philosophie », Paris ,2015, 302 pages.

[1] Kant (Emmanuel), Traité de pédagogie. Traduction de J. Barni, revue et actualisée, introduction et notes par Pierre-José About, édition Hachette, Paris, 1981.

Kant (Emmanuel), fondements de métaphysique des mœurs, 1785, traduction de Victor Delbos, éditions les Echos du Maquis, juin 2013.

Kant (Emmanuel), critique de la raison pratique,1788, traduction Picavet, édition librairie Félix Alcan, 1921.

 

ميثم الجنابيالقضية الكردية- أفق مغلق وبدائل محتملة (5)

لقد توصلت في المقال السابق، إلى أن دراما «الانفصال الكردي» قد أدت في مسارها السلبي إلى ترسيخ وتعميق ثلاث مكونات (نفسية وذهنية) فاعلة عند الأحزاب القومية الكردية الكبرى وهي كل من:

- نفسية وذهنية الغنيمة،

- والوساطة والوصاية الأجنبية،

- والتجزئة والانعزال.

 وهي مكونات تراكمت فيها ذهنية ونفسية الأحزاب القومية الكردية في مجرى عقد كامل من الزمن، وجدت طريقها وتهذبت جزئيا من خلال المسار العام أو الخارجي (العراقي) كما نراه في اشتراكها الفعال ومساهمتها في أعمال ونتائج «مؤتمرات» المعارضة العراقية حتى سقوط السلطة الصدامية.

طبعا أن الصيغة الأولية للتوجه العراقي، الذي برز بوضوح في الوثيقة التي جرى توقيعها في واشنطن على اثر الاحتراب الدموي الطويل بين الحزبين، لم تكن نتاجا للرؤية العراقية (الوطنية) الكردية، بقدر ما كانت جزء من رؤية الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وتركيا من جهة أخرى. وهي رؤية جرى التعبير عنها بوضوح في احد البنود التي تقول، بأن الحزبين يتفهمان «بان الولايات المتحدة تحترم هذه التطلعات لجميع العراقيين». ومن أهم هذه «التطلعات» الواردة في بنود الاتفاقية كل من الإقرار «بسلامة ووحدة الأراضي العراقية، والمحافظات الشمالية الثلاث دهوك، أربيل والسليمانية هي جزء من العراق». و«كل من الحزبين دون استثناء يقبلون بالحدود الدولية العراقية»، و«يسعى كلا الحزبين لخلق عراق موحد، تعددي وديمقراطي الذي يضمن الحقوق الإنسانية والسياسية للأكراد في العراق، وجميع العراقيين وفق أسس سياسية مقررة من قبل الشعب العراقي»، ويطمح «الحزبين بعراق مبني على أسس فيدرالية بشرط أن تصان وحدة أراضيه الإقليمية».

لقد قيدت هذه الوثيقة وغيرها، وواقع وإمكانيات الحركات القومية الكردية في العراق والمنطقة، مكونات النفسية والذهنية المتراكمة فيما أسميته بالمسار السلبي للأحزاب القومية الكردية. ونعثر على هذا التقييد فيما أسميته بالمسار العام (العراقي) أو الخارجي لدراما «الانفصال الكردي»، أي كل ما نعثر على مفاصله في اختلاف وتباعد وتقارب وتمازج وتناقض وتوافق الهمّ الكردي والهمّ العراقي. وهي عملية طبيعية في ظل

- انحطاط الدولة المركزية بعد سلسلة الحروب الداخلية والخارجية التي لازمت كل زمن الدكتاتورية الصدامية،

- وفي ظل تنامي الوعي القومي الكردي المحكوم منذ البدء باختلاف أصوله عن العرب واغترابه عن العراق بالمعنى التاريخي والثقافي.

ومن هذين المكونين (السياسي القومي والتاريخي الثقافي) تراكمت عناصر الفكرة العرقية والانعزالية في أيديولوجيات الأحزاب القومية الكردية. وهي عملية متناقضة يصعب الحكم عليها بصورة وحيدة الجانب، إلا إننا نستطيع تتبع ملامحها الكبرى المتراكمة في وعي ولاوعي الأحزاب القومية الكردية في غضون العقد «الحاسم» من زمن «الحواسم» التوتاليتارية والدكتاتورية.

ففي نص ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق نهاية عام 1990 نعثر على فكرة «إنهاء ممارسة الاضطهاد القومي» وكذلك مطلب «إلغاء سياسة التمييز القومي وإزالة الآثار السياسية والسكانية لمحاولة تغيير الواقع القومي والتاريخي لمنطقة كردستان العراق، وحل المشكلة الكردية حلا عادلا، ومنح الكرد حقوقهم القومية والسياسية المشروعة من خلال تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا».

في حين نرى تغير النبرة والصيغة بعد الأحداث الدرامية لعاصفة الصحراء وفشل الانتفاضة وظهور «المنطقة الآمنة» في شمال العراق. ففي البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الموسع للمؤتمر الوطني العراقي الموحد المعقود في أربيل عام 1992 نعثر للمرة الأولى على صيغة سياسية عامة وأولية لفكرة الفيدرالية. ففي احد بنود النص المتعلقة بالنظام السياسي البديل في العراق نقرأ ما يلي:«إقامة البديل الذي يستجيب لإرادة الشعب ويتمثل في النظام الدستوري البرلماني الديمقراطي الفيدرالي التعددي، الذي يلغي التمييز والاضطهاد العنصري».

وفي هذه الوثيقة تبرز للمرة الأولى حدود القضية الكردية بصورة مستقلة وقائمة بحد ذاتها. حيث تجري الإشارة في نص الوثيقة إلى أن الاجتماع المذكور أعلاه في مجرى «دراسة القضية الكردية وسبل الحل المنشود أكد حقيقة التنوع والتعدد في تركيبة المجتمع القومية... وأجمع على أهمية تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية الطوعية والمساواة التامة بين جميع المواطنين، معبرا عن احترامه للشعب الكردي وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد». أما بصدد الفكرة الفيدرالية، فإننا نعثر على العبارة التالية:«وتوقف عند قرار الاتحاد الفدرالي، وناقش صيغة وتجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مستقبلية لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في أطار المؤسسات الدستورية الشرعية». واستكملها بفكرة أن وحدة العراق والتعايش بين قومياته ينبغي أن تبنى «على أساس الاتحاد الاختياري». كما شدد الاجتماع على «تلبية المطامح المشروعة والعادلة للشعب الكردي وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع العنصري على أساس المبدأ القانوني الذي يقر حقه بتقرير المصير».

أما في البيان الختامي الصادر عن اجتماع المعارضة العراقية في نيويورك 1999 فإننا نعثر على عبارة الإقرار بالحقوق «القومية المشروعة لشعب كردستان العراق على أساس الفدرالية». وهي فكرة أكدت عليها وثيقة البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002.

فمن بين الفقرات المتعلقة بالقضية الفيدرالية نعثر على ما يلي: «العراق دولة ديمقراطية برلمانية تعددية فدرالية (لكل العراق)». وان المؤتمر يعبر عن احترامه لشعب كردستان وإرادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع أبناء الوطن الواحد. كما «توقف المؤتمر عند تجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد إليها كأساس لحل المشكلة الكردية في إطار المؤسسات الدستورية العراقية بعد القضاء على نظام صدام الدكتاتوري وإحداث التغيير المنشود». أما في مجال المشاركة السياسية، فقد أكد المؤتمر على «ضرورة إشراك جميع مكونات الشعب العراقي من العرب والأكراد...». وفي موقفه من سياسة السلطة الصدامية تجاه الأكراد أكد على إدانته لما «يتعرض له شعب كردستان العراقي من تمييز وقهر واضطهاد منظم من قبل نظام صدام العنصري» و«تهجير قسري وتطهير عرقي واستخدام الأسلحة الكيماوية وتغيير الهوية القومية وتغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وخانقين وسنجار والشيخان وزمار ومندلي». كما أكدت الوثيقة في موقفها من فكرة حق تقرير المصير على ما أسمته بتلبية «المطامح المشروعة والعادلة لشعب كردستان وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع على أساس المبدأ القانوني الدولي الذي يقر حقه في تقرير المصير».

ولا تخرج جميع الوثائق اللاحقة من حيث المضمون على ما جرى استعراضه بصورة مكثفة لما يمكن دعوته بالمطالب القومية الكردية المتراكمة في مجرى عقد من الزمن. فعندما نقارن بين الوثيقة الأولى الصادرة عن قوى «المعارضة العراقية»، أي «ميثاق العمل الوطني المشترك المنعقد في دمشق بنهاية عام 1990» وبين آخر وثيقة مشتركة كبرى بهذا الصدد، أي وثيقة «البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية المنعقد في لندن نهاية عام 2002»، فإننا نقف أمام تغيرات جوهرية فيما يتعلق بالأولويات في مواقف الأحزاب القومية الكردية من النفس ومن العراق. بمعنى التحول من الحد الأقصى آنذاك والقائم في «تطبيق وتطوير بنود اتفاقية 11 آذار سنة 1970 نصا وروحا» إلى فكرة الفيدرالية السياسية والقانونية وحق تقرير المصير وإعادة النظر بتغيير التركيبة القومية لبعض المناطق وكثير غيرها. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي