عبد الجبار العبيديهل كانت حالة العرب فبل الاسلام تستدعي الاصلاح الشامل ومجيء دعوة دينية للتغيير؟ وهل لدينا نصوص تاريخية يُعتمد عليها في وصف تلك الحالة التي وصفت بالحالة الفضوية المتخلفة سياسيا واجتماعياً..؟ أم كلها أُخذت من الروايات الشفوية وما تناقلته الالسنة دون سند.. واذا كان ذلك صحيحاً وموثقاً.. فمن اين جاء لنا الشعر العربي قبل الاسلام وهو يسجل عاداتهم وتقاليهم ومعلقاتهم الشعرية التي لازالت عنوان دراسة الادب العربي الحديث، وصفات حكمهم السياسي في مجالس الملأ، وعلاقاتهم الخارجية مع الجتمعتات الاخرى بأتفاقيات التجارة مع اليمن وبلاد الشام.. حقيقة نحن بحاجة الى دراسة موثقة جديدة متفحصة في تاريخ العرب قبل الاسلام أشمل من دراسة البروفسر المرحوم جواد علي في سفرهِ الكبير "المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام.. والذي أكد فيها عكس ما يدعون.. لكن تفحص الثوابت يزيد من القطع بتاريخهم الموصوف بالعصر الجاهلي.. خطئاً.

نعم جاء الاسلام ليصلح الحالة ويضيف الى ما عجز العرب عن تحقيقه حباً ومحبةً وسلاماً مسايرة للحضارات الاخرى التي كانت تجاورهم والتي أبدعت صنعة العقل.. فهل تحقق ما ارادوا..؟ كان ممكن ان يتحقق في جوٍ تتوافر فيه مناخات فكرية معينة توفرت في الدعوة الاسلامية لو استغلت وطبقت، لأاتسم المجتمع العربي الاسلامي بالرقي والأتزان والبعد عن الأرهاص والقلق والتباغض والتباعد وألغاء منطق المهاجرين والانصار والغزوات واحلال فكرة الوحدة الفكرية المجتمعية، ولساعدت هذه التوجهات على التقدم وتفتح الفكر العربي لأستقبال ما هو جديد لأضافة ما كان عندهم من فكر ومعارف وقوانين عرفية اعترف بها الاسلام في سورة موحدة سماها سورة الأعراف.. في ظل حضارة اسلامية متفتحة عالمة وهاضمة مثل الحضارات الاخرى التي سبقتهم كاليونانية مثلاً.

واذا كان ذلك صحيحا عندهم من وجهة نظر الاصلاح والاسلام معا.. لماذا وقع الاسلام والمسلمون في شتى بقاع الأرض بازمات قديمة جديدة لا يعرفون لها حلاً.. مثل أزمة احتكار السلطة وضربهم للشورى، "وأمرهم شورى بينهم" والثروة ظلت بيد الحكام وطبقة الاغنياء والاسلام يرفض هذا التوجه... واحتكار المعرفة بيد مؤسسة الدين التي لم يعترف بها الاسلام.. ولم يخولها حق الفتوى نيابة عن الناس، ولم يرد لها نصٍُ في القرآن.. وأزمة احتكار السلاح لأحتلال بلدان غير المسلمين دون تخويل، لابل انزل الله لهم نصاً يمنعهم من التجاوز على الأخرين الا بحوار فكري معهم لكنهم تجاوزوا على النص القرآني "لكم دينكم ولي دين".. وهم متحصنون خلف رأي وهمي بحجة معاداة الاسلام.. وقتل من يعارضهم بالفكر والرأي من العلماء والسياسيين وعامة الناس.. وعملوا على تصفية الخصوم منذ البداية.... والاسلام يقول: "من قتل نفساً بغير نفسٍ او فسادٍ في الأرض كأنما قتل الناس جميعا المائدة 32".فلماذا هذا التناقض في التطبيق..؟ فهل نأمل من الذين لم يحسنوا قراءة التاريخ ان يصنعوا لنا دولة الحضارة والقانون..؟ فاقد الشيء لا يعطيه.. فلمَ لانعود للحقيقة ونحقق ما نادى به الاسلام من المسلمين.. من عدم تعصب العاطفة على العقل وترجيح كفة الهوى على الهدى؟ ولا يمكن تحقيق ذلك الا بمنهج دراسي جديد يُعلم الجيل فيه حقيقة ما كان عليه العرب قبل الاسلام بصحيح، وما اصبحوا عليه بعد مجيء الاسلام من فرض وألزام؟.. نظرية غابت عن الكثيرين..

ان جوهر القضية التي اريدُ تبيانها هي حرية الأنسان وحدود أرادته.. التي ظلت متعطلة حتى في فترة حكم الراشدين. ألم يحُن الوقت اليوم لكتابة التاريخ الاسلامي بمنهج جديد بعد ان اصبح المنهج التاريخي عندهم يقف سداً منيعاً بيننا وبين حقيقة التاريخ الصحيح.. وبعد ان اصبح الاسلام يعاني من أزمة قاتلة اليوم.. أزمة في القيم، وأزمة في العقيدة، وأزمة اخلاق، وأزمة في التطبيق؟.. ان الاقدام على هذه المهمة الصعبة تحتاج الى عناصر اساسية تتوفر فيها.. المصداقية والجرأة والشجاعة في قراءة النص بأيمان صحيح وحيادية الرأي في القلم . هذا التاريخ الذي مزقه المؤرخون، والاسلام الذي زيفه الفقهاء والمفسرون منذ اكثر من عشرة قرون، وتلقفته مؤسسة الدين ليحولوه الى حقيقة غائبة عن المنطق والفكر الرصين.. مستغلين عاطفة الجماهير على الدين.. حين أفهموا الامة دينها وتاريخها خطئاً.. فتجذر الخطأ في فكر الامة فكانت نكبة الانهيار والتراجع والتخلف والسقوط ولا زالت النكبة مستمرة فينا الى اليوم.. فأين الحكام والمؤرخين والعلماء.. الذين ننتظرمنهم نظرية الأصلاح الجديد..؟

ان اول هذه الاخطاء.. انهم صوروا العقيدة الاسلامية انها عقيدة دينية فحسب، بينما هي في ذاتها قواعد سياسية، فالدين معناه منهج الحياة المتكامل عقيدة وشريعة واسلوب حياة.. يقوم على المساواة الكاملة بين أفراد الأمة، فلا يتميز حاكم على محكوم، الا بما يقضي به الشرع، لأن الله لم يميز انسانا على انسان الا بأتباعه لاوامره ورفض معاصيه وهذا ما سمي بالتقوى." انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات أية 13".. لكن هل طبق هذا القانون.. أم عتم عليه منذ البداية..؟ لا ارى ذلك أنهم ادركوا المشكلة على هذا الجانب المهم من حرية الفعل الأنساني بمعناه الذي ورد في النص القرآني العظيم.. .على المورخين والفقهاء ان يقولوا الحقيقة ..

والشريعة الاسلامية تساوي بين الحاكم والمحكوم في سريان القانون وفي مسئولية الجميع عن التصرف أياً كان نوعه، ومن اجل ذلك فان الحاكم لا يتمتع بصفة القداسة والمعصومية من الخطأ ولا حتى الأنبياء كانوا معصومين، فالعصمة في الرسالة وليست فيهم، " يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس المائدة آية 67" فالعصمة هنا في الرسالة وليست في الرسول (ص).. فأذا ارتكب الرسول او الحاكم خطئاً او مخالفة للشريعة عوقب عليها كما يعاقب اي فرد اخر، أنظر موقف القرآن من" التقصير في موقعة مؤته وكيف عنف القرآن الرسول حين يقول : "عفا الله عنك لم َ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، التوبة 43 "والعفو لا يأتي الا بعد التقصير حتى لو كان غير متعمد.. واذا ما خرج الحاكم على نهج الشريعة وجب على جماعة المسلمين الوقوف في وجهه وعزله عن السلطة او الثورة عليه وازاحته من ساحة الحكم بالقوة والعنف، فالسلطة لم يمنحها الله للحاكم ليتشبث بها بل هي قبول من الناس المنتخبين .. وهذا ما سماه القرآن بنظرية الحقوق.. "ذلك بان الله هو الحق، الحج 62".. ونظرية الحقوق في الاسلام تعني.. .رعاية الحقوق الاساسية المطلقة للمسلم وعدم التعدي عليها.. وحفظ المجتمع من استبداد السلطة ضد مواطنيها .وتمتع المجتمعات بكل الحقوق اللازمة لتقدمها.. وان الحياة ملك الجميع وهي تطور مستمر وتغير دائم لا يحق للحاكم تقيده الا بنصٍ قرآني... ولا يجوز حتى تأويل الآيات المشابه فيه الا بأجماع علماء التأويل.. فهل طبق هذا النص خلال تاريخ الاسلام كله..؟ لا أعتقد.

توفي الرسول (ص) سنة 11 للهجرة بعد ان أكمل رسالته.. ولم يسمِ احداً اذ يرجع الامر من بعده للمسلمين – وأمرهم شورى بينهم – فليس من حقهم تقديم أولو الأمرفي قيادة السلطة.. فألوا جمعاً لا مفرد له من جنسه.. وهو ليس جمعا لولي.. ولا من مادته.. فجمع ولي هو أولياء وهم المقدمون من الجماعة.. خاضعين كلهم لاية الشورى.. غاب هذا المعنى عنهم بدافع عدم قناعة العقيدة في نفوس غالبيتهم.. فقال الانصار منا امير ومنكم امير.. ولولا حداثة الحدث لكان غير الذي كان.. ولكون ان التجربة كانت في قمتها الروحية.فسرعان ما تم تطويق الأزمة وتغليب روح المؤاخاة.. فأمكنهم ان يجتمعوا على خير.. أنظر ابراهيم الغويل .مجلة المستقبل.. العد الاول عام 1991.

واستمر مسلسل الخرق لاية الشورى بتعيين الخليفة الثاني بتوصية من الاول، غير ان الرسول"ص" لم يَختر من بعده وصياً رغم علمه بكل الصفات الحميدة في الأول.. فالقضية قضية مبدا وشرعية وليس قضية رأي متفق عليه. - وتفادياً للأعتراض- اتجه الخليفة الثاني نحو الفتوح رغبة في نشر الدعوة الاسلامية خارج شبه الجزيرة العربية.. ليضفي على خلافته صفاته الذاتية على الدولة الجديدة في مرحلة الفتوحات، هذه الفتوح التي رافقها السيف والنطع وليس المحاججة الفكرية والرأي والرأي الأخر.. وهذه بداية الخروج على النص القرآني (لكم ديني ولي دين).. والكل يعلم ماحصل للشعوب الاخرى من قتل وتشريد واغتصاب وسرقة للاموال وأستباحة للاعراض بحجة وما ملكت أيمانكم.. وكلها بموجب العقيدة لم تكتسب الشرعية.. ومن يدعي خلاف ذلك فليأتنا بنص صريح.. والكل يكتب عن هذه الفتوحات بايجابية ولم يذكر لنا احدهم اخطاء الخلافة في التاريخ.. التي جلبت لنا عداوة الشعوب الاخرى الى اليوم.. لا بل اسقطت شرعية الدين عندهم.

وأنسحب ذلك على الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب.. . غير ان المسألة هنا ليست في احقية من اختير للخلافة من جديد، ولكن في كيفية الاختيار خارج آية الشورى أيضاً، أذ بقي الامر محصورا في فئة من بين المسلمين - وليس بأتساع المسلمين- فحمل الاختيار البذورالاولى للفتنة وقتل الخليفة الثالث عام "34 للهجرة"، فنشأت مراكز القوة، وظهور النقد.. وكان الموقف صعبا ان يُختار خليفة جديد على نفس القاعدة.. لذا واجه الامام علي ظروفاً صعبة للقبول.. وحين بدأ الملأ الرافض لخلافة جديدة .. اصر الهماجرون عليها.. ببيعة عامة واخرى خاصة، على طريقتهم التي بدؤوها أول مرة فحدث الشرخ مرة اخرى بين العلويين والأمويين الذين كانت لهم مكانة سياسية في الخلافة منذ عهد الخليفة الثالث.. هذا الخلاف الذي لم ينتهِ بواقعة صفين بين مؤيد للخليفة الجديد ومعارض له.. حتى بدأت حسابات سابقة على عهد ما قبل الاسلام تظهر في مراكز القوى في مجتمع حديث عهد بالدعوة.. ومنها حركة المعارضة الكبرى لعلي والتي سميت في التاريخ خطئاً بالخوارج، وما هم بخوارج لكنهم ارادو ان يكون الحكم وفق نظرية -لا حكم الا لله- ويعنوا به العودة للشريعة وحرية الرأي والرأي الاخر الذي تعودوا عليه في مجالس الملأ قبل الاسلام، لا ان تنفرد قريش بالسلطة دون الأخرين..

وكان الامام علي مقتنعا بما طرحته المعارضة عليه دون قتال، .. وهَمَ ان يدخل في نقاش معهم وهو للفكروالمنطق اقرب منه الى السيف، لكنه وجد نفسه مطوقاً بأحداث ليس قادرا على السيطرة عليها، وخاصة من مؤيديه مثل الأشعث بن قيس قائد جيشه.. فنتيجة لعدم اتساع قاعدة الاختيار حدث الشرخ فتحول الامرالى نزاع السيف، فكانت موقعة النهروان سنة "38 للهجرة".التي هَزمت المعارضة.. وقتلت منهم الألاف وشققتهم الى فرق مختلفة.. لكن الامام أدرك خطأ الذي حدث.. فعاد الى الكوفة نادماً على خطأ مقاتلتهم.. وهو يردد الأية الكريمة "عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، الممتحنة آية 7")، نهج البلاغة، الجزء الاول ص144.. .بعدها قتل الامام سنة 40 من قبل احد المعارضين، فعاد الحكم للامويين بعد ان تنازل الامام الحسن لمعاوية في الكوفة بمفاوضات سياسية سنة 41 للهجرة.. من هنا بداءت الحكاية عندما نقل الامويون الحكم الى ملك عضوض.. والعباسيين من بعدهم الى ملك بتفويض آلهي كما قال المنصور العباسي "ت158 للهجرة :أنما انا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده أطيعوني ما أطعت الله.. أنظر الطبري في الرسل والملوك.. فتجذر .الخطأ في السلطة حتى اصبح عندنا.. . له تاريخ..

يبدو لنا من الدراسة المعمقة والحيادية ان بعض المسلمين لم يعودوا قادرين على فهم طبيعة الامة الاسلامية لعدم اتاحة الفرصة لهم للحوار والتفكير وبيان الرأي والرأي الاخر بعد ان دخلت الامة في معركة النظريات الكلامية.. وبعد ان اصبح الخليفة الأموي همه السلطة لا شرعية الدين، حتى تعذر على الأمة ان تفهم انها وحدة عقيدية تقوم على مبادىء اخلاقية قبل ان تقوم على نظم ادارية.. لذا فبدلا من ان يكون الشعور بالمسئولية تجاه العقيدة والدولة راسخا وواضحاً في نفوس الناس دونما حاجة الى رقابة من احد.. وهي اعلى درجات الالتزام بالقيم الدينية والمثل الانسانية.. اتجهت القيادة الأموية الى تفريق الاموال بين مؤيديها بلا منازع ودون سلطة القانون.. "الهبات والعطايا" كما يفعل اليوم حكام العرب والمسلمين من اجل السلطة لا الدين، .. رغم وجود ديوان الجند والعطاء الذي ينظم امورهم المالية .. لكن الامويين لم يجعلوه عاما ليحسب حساب العامة من الناس في امة جاءت قوانينها مغايرة لكل القوانين السابقة لها قبل الاسلام كقوانين مجلس الملأ.. وحضارات الشعوب الاخرى.

ولحقت بها القياد العباسية التي حولت الحكم الى نظم ادارية آلهية منها تستمد السلطة كما قال المنصور وفي العصر العباسي الثاني والثالث وما بعدهما ظهر فقهاء التفسير ليحولوا العقيدة الى مذاهب شتى من أبتكاراتهم الفكرية دون سند ديني ثبت.. وخاصة بعد مجيء الدولة البويهية "334-447 للهجرة "وظهور فقهاء الأمامية من أمثال الكليني"ت447" وكتابه الكافي، والشيخ المفيد "ت431 للهجرة" وكتابه الأرشاد والطوسي وكتابه الأستبصار.. ولقد حاول المرحوم محمد باقر الصدر العودة الى علم نشأة علم الاصول تفاديا للتشدد لكنه قتل بدوافع سياسية "عام 1980 م "فحالت وفاته دون تحقيق المهمة.. من هنا بدأ الانقسام المذهبي الطائفي الذي عايش العقيدة وحولها الى أشتات فأنعكست بدورها على الأوضاع العامة اشتثاثاً وتفرقاً وأضطهاداً وتصفية بعد ان تغلبت العاطفة الدينية عليهم ونسوا ان هناك اسلام وحقوق وأستمرت الى اليوم تظهر كلما حانت الفرصة لها.. بعد ان بقيت النار تحت الرماد.. .فأين شرعية السلطة الدينية التي بها يحكمون.. واين مرجعيات الدين؟ .

وبسقوط البويهيين ومجيء السلجوقيين عام "447 للهجرة" تحول الخلاف الى فِرقٍ متضادةٍ ومتناحرةٍ كما في الماوردي "450 للهجرة".. ومؤلفهُ السلطة الجديدة، والغزالي"ت505 للهجرة" ونظريته في الأمامة والسياسة، التي تقول : "ان على الفقيه ان يعترف بالسلطة القائمة، لأن البديل هو الفوضى، فأجاز التسليم بأمامة غير مستوفية بشروطها الواجبة وقد برر ذلك بقوله :" ليست هذه مسامحة عن الأختيار ولكن الضرورات تبيح المحضورات، أنظر ابو حامد الغزالي في مؤلفه الأقتصاد في الأعتقاد ص 217 طبعة بيروت عام 1969".أما ابن تيمية " فكان شعاره ان فصل الدين عن الدولة سيعني الفوضى مما مكن السلطة الدينية من الاستبداد السياسي في الدولة، ليأتي من بعده السيد كاظم اليزدي الذي تولى مرجعية الامامية في النجف العقد الثاني من هذا القرن.. الذي أكد على الخوف من الفتنة وطالب عموم أبناء منطقة الفرات الاوسط بمصالحة البريطانيين وأظهار الطاعة لهم، أنظر كتاب حسن العلوي الشيعة والدولة القومية ص94. وهنا تجسدت منطقة الفراغ في السياسة الاسلامية.. رغم شذرات القوة التي سبق وان ظهرت متمسكة بما قاله خالد بن يزيد وموسى بن جعفر الصادق وابو ذر الغفاري لكنها وقفت عاجزة عن المجابة لقوة السياسة التي يدعمها السيف لتحقيق مغانم السلطة..

ان الذين كانوا يبحثون عن التأسيس القرآني للمجتمع.. كان عليهم ان يحسبوا مفهوم المتغير الأجتماعي من وجهة نظر جدلية دون اهمال النص وتغير المعنى بالمرور الزمني.. لكي يتمكنوا من بحث ظاهرة ميلاد المجتمع الجديد.. ليكتشفوا القانون الذي يحكم الظاهرة الجديدة.. وهذا يعني وضع القوانين او السنن التي بواسطتها يمكن التأسيس القرآني للمجتمع.. لكن هذا لم يحصل.. فظلت الامور سائبة لسلطة القوة لا القانون وحقوق الناس.. اذن.. لماذا حدث التغيير في الاسلام؟ هل لمجيء فريق سياسي مكان اخر.. أم من اجل المبادىء وتطبيقها بين الناس؟كما حصل لنا في العراق وعموم الوطن العربي بعد مهزلة الربيع العربي الذي صنعة الاجنبي المحتل الجديد..؟

ان اهمية التجديد.. كان يجب ان يكون للاسلام مشروعاً جديدا على مستوى الرؤية التاريخية.. وجدية في النظر والعمل الفكري والعلمي والقانوني معاً كما حصل في الثورة الامريكية عام 1774 والثورة الفرنسية عام 1789 والتي جست الحرية والاخاء والمساواة بقوانين ودساتير لا يمكن اختراقها.. وهذا لم يحصل عندنا..؟ فتوقف المثل الأعلى والنموذج في النظرية والتطبيق.. فلم تعد الرؤية.. والمنهج واضحاً في تطبيق المشروع الأسلامي وتوجهاته وعلى مستوى الرؤية التاريخية.من هنا بدأ التوقف..؟

يبدو ان النظرية القرآنية المستندة على علاقة الانسان بربه – الآله الواحد- لم تفهم على حقيقتها من قبل المسلمين الأوائل حين تجاهلوا تلقائية مشاعر الولاء للدين في نفس الانسان فعدوها عبودية مجبرة عليهم بينما هي ارادة حرة لمن اطاع القرآن فظل الولاء مشتتاً بين ارباب متفرقين من الخلق حين كانت الصنمية لا زالت راسخة في عقول البعض منهم..

فالاجبار على قبول النصوص الدكتاتورية والظلم عند من كان يعتقد هو المنفذ للنص.. فَجَرَ ذلك الى الاستبداد الطبقي بينهم.. وبذلك ضربت مفاهيم الحرية والمساواة بما لهما من آثارفي المجال الاقتصادي والسياسي.. بعد ان اهملت بنظر البعض"لاتكن عبداًلغير الله".. . اي لا تكن عبدا لغير الحق.. فأن الحق حر.. وبذك اصبحت نظرية تحرير الأنسان من العبودية او الخضوع لغير الله لا قيمة لها عند المسلمين.. وكأنما عدنا الى ما قبل الأسلام كما هم يدعون.. لا بل كانت قوانين مجلس الملأ أوفق للانسان العربي من قوانينهم.. الأسلامية الجائرة على عامة الناس بغض النظر عن الدين.. .

من هنا بدأت المسيرة الرسولية ينتابها النقص بالمقارنة الى قمة الكمال التي كان الرسول (ص) قد بلغها.. والمنطق يقول ان قمة الكمال لا ياتي بعدها الا النقص فبدأت الأنتكاسة الحقيقية لواقع التغيير الآيديولوجي للعقيدة.. وقد أستمر النقص على القوة فبتدىء التدهور في شكل تناقص مع الاسس التكوينية للعقيدة فحل التناقض بين منهجية القرآن.. وبين مدى تطبيق هذه المنهجية عند المسلمين.. التي تجسدت في مجال أداة الحكم.. .وهي المشكلة السياية الاولى التي واجهت الدعوة المحمدية بعد وفاة الرسول ولا زالت.. فتوقفت مبادىء الدعوة.. وبقي الاسلام سلطة لا امة.. ولا حتى دعوة.. ولا حقوق.. عبر التاريخ والى اليوم.. فما هو الحل..؟

الحل.. يكمن في العودة للفكر السياسي السليم الذي توقف عند المشرعين الاسلاميين وبشكل حاد- من أول الأمر- وتلك كانت المصيبة الكبرى التي حالت دون ضبط نظم الحكم في الاسلام والتي ادت الى كل الازمات القاتلة التي مر بها العرب والمسلمين عبر تاريخهم الغامض الذي زاده المؤرخ غموضا بمفبركة النصوص تبعا لمصلحة السلطة في العهدين الاموي والعباسي.. وظلت الازمات تترى لان الحاكم اصبح مدلساً ومغلساً عن الحق– كما عندنا اليوم- عن كل حادثة حدثت في مقتل خليفة او حاكم او حقوق مواطن او وطن.. فضاعت الأمور واصبح ميزان الباطل يعلو على الحق.. وانا اقول بأعتباري - قارئاً ومؤرخاً - لمن يحكمون في بغداد وغيرها من امة العرب.. اذا خرجت منكم سلطة الدولة اليوم بفعل اخطائكم المميتة فلن تعود اليكم ابدأ ايها الفاسدون.. فلا تتحججون بالاسلام واهل البيت ومراسيمهم العشوائية ومرجعياتكم التي لا تعرف الا الاوراق الصفراء البالية .. فانتم اعداء الشعب اليوم، واعداء الدين بعد ان اوصلتم الاسلام كعقيدة تعيش في لغة الناس.. .وليس في واقعهم.. ولو كنتم من الرجال الصادقين لخرجتم للناس وأعترفتم عن تجاوزكم لشرعية السلطة والدين.. بعد ان قتلتم شعباً باكمله.. لكنكم انتم والدين والأنسانية على طرفي نقيض.. .

ومن نافلة القول نقول: ان اهل البيت ويتقدمهم الامام جعفر بن محمد الصادق.. رفضوا استلام خلافة على طريقة السلطة الغاشمة.. حين رفض الامام رسالة ابو سلمه الخلال عام 132 لتسلم الخلافة قائلاً :" ما انا وابو سلمة وابو سلمه شيعة لغيري فاخذ الكتاب ووضعه على السراج واحترق وقال نحن اهل البيت ما جئنا لحكم الناس بل لنشر العدل بينهم.. وهذه هي نفس الدعوة التي نادى بها الحسين بن علي.عند قدومه الى العراق عام 61 للهجرة.. وما هذه الهلمة اليوم من المغالات في احزان عاشوراء والمناسبات الدينية المتشددة الا دعوات قصدية للسيطرة على حكم الاسلام باسم اهل البيت وهم منها براء.. "أنظر المسعودي في كتابه مروج الذهب ج2 ص166-167 الطبعة القديمة.

وتكررت الحالة عند الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز(ت101 للهجرة" برفضه خلافة متعصبة دون قوانين الاسلام وحقوق المواطنين حتى قتل بالسُم ومات أثره من بعده..

اذن لابد من تغيير جذري لكي تنهض الامة العربية.. وتتجدد القيم.. وتستمر المجتمعات الجديدة عليها.. وعلى مستوى الرؤية التاريخية.. ومستوى العمل الفكري الحاضر والشامل.. وبعد ان ترتبط التوجهات بالمنطلقات لتحديد المسار الجديد.. فالامر يحتاج لمشروع وليس لمجلس امة وحكومات ومرجعيات دينية قبلت بخيانة الوطن وسرقة المال العام مع الأجنبي الذي يسمونه بالكافر- وهم الكافرون بالقيم والعقيدة - وقتل ابناء الوطن وتغييبهم .. وتسليم الوطن للأجنبي مقابل امتيازات سلطة وحُكم.. من هؤلاءالخونة المختارين بالمال والهبات الذين.. لا يحسنون صناعة مفردات التاريخ نريد بناء وطن.. وهم والعقيدة الدينية والوطنية على طرفي نقيض.. هؤلاء الذين لا يؤمنون بقيم الاسلام عقيدة وشريعة.. عن اقتناع.. .

وبالرغم من هذا الخروج السلطوي على التراث ومبادىء عقيدة الدين.. سيبقى الدين والتراث أقوى عوداً من جميع أولئك الممرورين الناكثين، لأنه ينبع من عين صافية لا عشوة فيها ولا ظلام.. كما يقول البروفسر المرحوم جعفر آل ياسين.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

عبد الرضا حمد جاسممن النت انقلها كما هي مع الرابط:

https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=10992&article=540882#.X4ajatAzaUk

أنيس منصور: [ردا على ما كتبه د. محمد عبد الحميد سيف الدين أستاذ التاريخ، فقد قال إن العرب لم يلتفتوا إلى الذي كان يعمله الأمير أو الخليفة إلى جانب نشاطه السياسي والديني. أي أننا لم نعرف من أي شيء كان يتكسب هؤلاء من قبل اشتغالهم بالسياسة. فقد غطت السياسة على كل الألوان الأخرى.

وقال: ومن النادر أن يذكر أحد مهنة الزعيم كأنها عورة. وكأن الخليفة قد ولد خليفة والأمير أميرا من يومه.

و هى ملحوظة وجيهة. لولا أنني قرأت لصديقي أبو حيان التوحيدي في كتابه (البصائر والذخائر) هذه العبارة التي جاءت ردا على ملاحظات د. سيف الدين. يقول أبو حيان: كان أبو طالب عطارا وأبو بكر بزازا وعمر دلالا يسعى بين البائع والمشتري وعثمان بزازا وكذلك طلحة وعبد الرحمن بن عوف. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان العوام أبو الزبير خياطا وكان عمرو بن العاص جزارا. وكان الوليد بن المغيرة حدادا، وكذلك كان القاضي بن هشام أخو أبي جهل. وكان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح البيت خياطا. وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت. وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجارا. وكان القاضي أبو عمر بيطريا يعالج الخيول.

وكان الحكم بن العاص خصّاء أي يخصي الغنم. وكان أبو حنيفة بزازا. وكان المهلب بن أبي صفرة بستانيا. وكان الحجاج بن يوسف الثقفي معلما وكذلك أبوه... الخ.

ويختتم أبو حيان التوحيدي بهذه العبارة الدقيقة المتواضعة: هذه صناعة الأشراف سقتها على ما وجدتها...] انتهى الاقتباس

.....................

توقفتُ في الجزء السابق عند رقم(4) الذي ابدأ به هذا الجزء:

4 - في ص 80 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 كتب الراحل الوردي: [وهم قد يحتقرون المهن الفكرية كمثل ما يحتقرون المهن اليدوية فالمعلم عندهم محتقر وكذلك الكاتب والمنجم والمغني والعازف والطبيب وربما احتقروا الحاذقين في معرفة الانساب والانواء او الفراسة او اقتفاء الأثر إذا كان هؤلاء يعتمدون عليها في كسب رزقهم] انتهى

يمكن تقسيم هذا القول الى:

1- (وهم قد يحتقرون المهن الفكرية كمثل ما يحتقرون المهن اليدوية) انتهى.

*تعليق: هنا امْتَنِع عن التعليق بسبب ’’ قد’’ التوقع والشك والتقليل. أي ألا جزم الذي حكم احتقار البدو للمهن اليدوية كما رأي/راى الوردي، أي إنَ’’ قد’’ هنا ما منعت الوردي من التأكيد على احتقار المهن اليدوية وكان بها جازم وحاسم لكنها جعلته في حيرة بخصوص المهن الفكرية.

 

2- (...فالمعلم عندهم محتقر وكذلك الكاتب والمنجم والمغني والعازف والطبيب) انتهى.

*تعليق: هنا ب (والمعلم عندهم محتقر) ألغى الوردي ’’ قد’’ التي وردت في (1) وجزم بان المعلم والكاتب والعازف والمغني والطبيب عندهم مُحتقرين ومُهانين وحالهم حال أصحاب المهن اليدوية...كيف قفز الوردي على ’’ قد’’ ومعناها وتأثيرها؟ الجواب: لا اعرف!!!

3- (وربما احتقروا الحاذقين في معرفة الانساب والانواء او الفراسة او اقتفاء الأثر إذا كان هؤلاء يعتمدون عليها في كسب رزقهم).

*تعليق: هنا ظهرت ’’ ربما’’ لتجعلنا في حيرة و بالذات إذا رصفناها مع ’’ قد’’... ’’ربما’’ احتقروا وربما لم يحتقروا. ثم وضع ل’’ ربما’’ محدد آخر/شرط وهو’’ إذا’’ كانوا يعتمدون عليها في كسب رزقهم...كل ذلك يعني ان الوردي في شك من ان البدو يحتقرون المعلم و الكاتب و العازف و المغني و الطبيب و الحاذقين... السؤال: إذً لماذا الطرح و لماذا لم يتعمق و يحتك ليتعلم ويجزم؟؟؟؟ هذا هو حال طروحات الراحل الوردي!!!! 

’’ إذا’’ هنا كيف تتفاعل او تأخذ دورها وتفصح لنا عن رأي الوردي...أعتقد عليها ان تتحاور مع ’’ قد’’ و’’ ربما’’ كلٍ على انفراد مرة ومعاً في المرة الثانية لتستطيع توضيح الصورة لنا. ’’ ولله في خلقه شؤون’’ كما يكرر الراحل الوردي.

يبدو ان الوردي هنا تاهَ بين بدو القرن الرابع عشر الذين سمع عنهم ابن خلدون ولم يعرفهم وبدو النصف الأول من القرن العشرين الذين سمع عنهم الوردي ولا يعرفهم والعرب و البدو الذين تعايش معهم/عايشهم حافظ وهبة... كلا العالمين الجليلين  ابن خلدون والوردي لم يُعايشا البدو فالاثنين بعكس حافظ وهبة الذي عاش وسطهم وكان مصدلر رزقه كد يمينه، انشغلا بالتنظير عن بعد والكتابة عن البدو من خلف الجدران رغم ان البدو غير بعيدين عنهما وعليهما وكان باستطاعتهما الاقتراب منهم و الاطلاع على حالهم عن كثب ولا يحتاجان سوى بعض التضحية ببعض الوقت و تحمل بعض المصاعب كما فعل المستشرقون او المعَّلمون... فبدوا ابن خلدون لم يحتقروا الطبيب ولا المعلم وإلا احتقروا معلميهم ومن يتطببون على أيديهم ومنهم رجال الدين وابن خلدون نفسه كما اعتقد...أما بدو الوردي وحافظ وهبة فقد أضافوا الى تقديرهم للمعلم بتقديسه وفق قول احمد شوقي ( قم للمعلم وفه التبجيلا.) ولو ان احمد شوقي ليس بدوياً. 

ولدينا شهادة واضحة من زمان بدو الوردي بعنوان: [معلم في مدرسة نائية/ بدو رُحل/11.10.2020] يرويها المعلم السيد عبد الكريم خليفة حسن

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=695126

لا اعتمدها انما اطرحها للمعلومة وعسى ان تدفع من عايش البدو في زمن الوردي ان يتفضل علينا بجزء من حصيلة تلك المعايشة حيث اكيد فيها صور وعبر ومعلومات. هناك حالات كثيرة شبيهة بقصة هذا المعلم الفاضل الذي لو تعايش الوردي معه او مع غيره من المعلمين لمدة أسبوع واحد فقط لتجمعت لديه معلومات غزيرة تنفعه وتنفع الأجيال بدل الاكتفاء بالتردد على مقاهي ازقة بغداد والالتقاء بالشقاوات واتباعهم واصنافهم وكان متيسر له ذلك...أتمنى على من عايش تلك الفترة وبالذات المعلمين في المدارس النائية او مراكز محو الامية او موظفي دوائر الأحوال الشخصية والمساحة والبيطرة والأطباء والممرضين في المراكز الصحية ان يضيفوا من تجربتهم الينا لتتوضح الصورة. وهنا لابد ان اذكر ان الراحل الوردي قد عُينَ معلماً في قضاء الشطرة/ناصرية عام 1937 وقضى فيها سنة دراسية والمدينة وقتها لم تتحضر فربما كانت أقرب للبداوة من الحضارة ولم يًسجل الوردي أي شيء في كتبه عن موقف المجتمع هناك من المعلم او ما لاحظه الوردي وعلق في الوعي وألا وعي وهذا يثير الاستغراب...كانت فرصة كبيرة للوردي فقد عايش معلمين وطلبة وعشائر وحضر وبدو...أي مجتمع متنوع وبأعمار مختلفة.

وهنا أستطيع ان اطرح شيء مما ورد في كُتب الراحل الوردي وهو احتفال القبائل ببزوغ نجم الشاعر: وأسأل لماذا هذا الاهتمام بالشاعر وكيف كان يعيش هذا الشاعر وهل كان مُهان مُحتقر منبوذ من كان لا يحصل منهم على رزقه بسيفه (بالسلب والنهب)؟ ثم كيف كان يعيش رجل الدين؟ كيف استقبل بدو الوردي وحافظ وهبة المستشرقين الأجانب والباحثين العرب الذين تسلحوا بالأقلام والاوراق وليس بالسيوف ولو ظاهرياً؟

 

يبدو ان الراحل الوردي لم يترك شيء من المهن والحرف والاعمال والاشغال دون ان يشملها وفق ’’ قد’’ و’’ ربما’’ و ’’ إذا’’ بالإهانة والاحتقار وذلك كما اعتقد ناتج عن اعجابه بقول ابن خلدون عن’’ الصانع والعالم ’’’’ صانعاً وعالماً’’ وتمسكه به وتعظيمه فتوسع في تفسير الصانع والعالم كما اشرتُ أعلاه. 

أعود الى نص حافظ وهبة الذي نقله لنا الوردي وشاع/انتشر وينتشر بين المستعيرين من كتب الوردي واقصد ["إذا أرادوا تحقير انسان وسبه بكلمة تكون مجمع السباب قالوا له "يا ابن الصانع"....] انتهى

أقول: كان على الراحل الوردي ان يتوقف هنا كثيراً وهو المحاط بأبناء الصُناع والصناع أنفسهم عندما كان يلتقي الشقاوات والسقطة والسفلة في مقاهي وازقة بغداد وهو يستعد لدراسة المجتمع العراقي والشخصية العراقية وهو الذي عمل صانع في محل عطارة وكل محيطه بما فيهم أقرب الناس اليه لا يحبذون حمل السيف أي السلب والنهب ولا يدعون اليه وله وكانوا يحصلون على قوتهم بعرق جبينهم وكد يمينهم واتقان صنعتهم وبالحلال واحترام الميزان. 

الصانع أبن الصانع يا سيدي الراحل الباقي بيننا الدكتور علي الوردي لا تعني ابن صاحب ألصنعة (الصناعي او الصنايعي) انما ابن صانع أو صانع صاحب ألصنعة أي بعض أولئك الذين تواجدوا في الازقة والحارات وهو ذلك الصبي الذي يشتغل عند الحرفيين مثل النجار والحلاق و’’البيسكلجي’’ و الحائك’’الحايج’’ و النداف و العطار كما عمل الوردي نفسه وصاحب المقهى الذي كان يقدم الشاي للوردي والقصاب وصاحب المطعم ذلك الصبي او الشاب الذي يقوم بأعمال التنظيف وتقديم ما يحتاجه الزائر او الزبون ويقوم بتنفيذ أوامر سيده ’’ألاسطه’’ من اعمال أخرى مثل تقديم الشاي و القهوة للزبائن او ضيوف صاحب ألصنعة الذي يسميه الصانع ’’عمي’’ والتسَّوق لعائلة صاحب العمل ’’ألاسطه’’ وغيرها حسب الظروف والتي يتعرض فيها للسب والشتم والضرب احيناً والاذلال والإهانة وربما التحرش الجنسي حتى انه يُمنع من الجلوس مع صاحب العمل وضيوفه وحتى المناداة عليه تكون بكلمات خشنة ومعيبة ومهينة من قبيل (واك تعال...) ( تعال حمار) (ولك ابن الكلب وينك ... ابن الق....) ومع كلمات قبيحة خشنة أخرى وجواب الصانع على كل هذه الإهانة ’’ الميانة’’ دائما هو: (صار استادي، تأمر استادي، خدامك استادي)... 

والبدو لا يحتقرون الصانع او ابن الصانع لعمله او عمل ابيه او لحصوله على قوته بكد يمينه وليس بالسيف كما يشير وأشار وأكد وركَّز الوردي في كل ما كتبه عن الموضوع انما يحتقرونه لقبوله الذل والاهانة والكلام الجارح... هذا موضوع ال "صانع"...مع ان هناك حالات لا نقول كثيرة لكنها موجودة تَبَّنى بها صاحب العمل صانعه او زَّوَجَ صاحب العمل ابنته لصانعه او سجل املاكه باسم صانعه أي وَرَّثَهُ ومنحه اسمه. 

اما موضوع الحائك...فالبدوي لا يعرف الحائك لعدم وجوده في محيط تواجده في البادية فحياكتهم تتم في بيوتهم من قبل نسائهم...واعتقد بعد ان سكن المدينة’’ أصبح من القبائل الاصيلة كما وصف الوردي’’ ما كان يخجل من صاحب محل حياكة في السوق...المكروه والمنبوذ ذلك الحائك الذي يعمل داخل بيته وتساعده نساء البيت والذي يضطر في عمله ان يدخل عليه كل زبون فيكون تواجد الزبون وسط نساء البيت وهذا العمل وتكراره يجعل زيارة بيت الحائك مسموح بها حتى في غيابه ومن هنا كانت صنعته معيبه ولا يُفضل الارتباط به بعلاقة الزواج فبناته سبق ان عملن معه وانكشفن بهذا الشكل او ذاك للرائح والغادي و يرفضون ان تحتك نسائهم بنسائه. يضاف الى ذلك كما أتصور ان متطلبات عمل الحائك تدفعه للبحث عن المواد الأولية فيضطر الى ترك عائلته ربما لعدة أيام وفي غيابه يزور العائلة من له مطالب او احتياج او مواد مُحاكه.

في ص177 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 كتب الراحل الوردي تحت عنوان فرعي :( مراتب الشرف) ما يلي: 

[...ان القبائل البدوية التي سكنت العراق وامتهنت الزراعة تنظر الى القبائل الأخرى نظرة استعلاء وشموخ ولكي تميز نفسها عن غيرها نجدها تستنكف من تربية الجاموس او زراعة الخضر او صيد السمك بالشبكة. ان هذه الاعمال في نظرهم معيبة جدا اذ هي تجعل أصحابها كالبقالين المتجولين الذين يحملون بضائعهم في القرى والاسواق لبيعها] المصدر شاكر مصطفى سليم /الجبايش ج2 ص562 ـ 565

ثم يقول: [سألت أحد شيوخ القبائل ’’ الأصيلة’’ في الفرات الأوسط: لماذا تحتقرون البقال؟ فقال: انه يعيش على الميزان، وهذا عيب! يبدو ان الشيخ أراد ان يقول: ان البقال يحمل الميزان بدلاً من السلاح وهذا مخالف لخصال الرجولة والشجاعة] انتهى

ثم يقول: [ان الفرد من أبناء القبائل ’’ الأصيلة’’ يقف على ساحل النهر وبيده’’ الفالة’’ ليصيد بها سمكة واحدة او بضع سمكات، انه يستنكف ان يصيد السمك بالشبكة فالشبكة تأتي له بالسمك الكثير وهو مضطر ان يبيعه في السوق. أما’’ الفالة’’ فلا تأتي له بالسمك الا القليل وهذا يكفي لغذائه وغذاء عائلته ومما يجدر ذكره ان’’ الفاله’’ تعد من الأسلحة الحربية في الريف العراقي اذ هي حربة لها ثلاثة رؤوس حادة وكثيرا ما تستعمل في القتال اما الشبكة فهي شأن البقالين المستضعفين] انتهى

* تعليق: البدوي لا يعرف الجاموس ولا يستطيع تربيته ولا يعرف زراعة ومواسمها ليزرعها ولا يعرف السباحة وركوب القارب وصناعة الشبكة عليه لا يعرف صيد السمك بها و بغيرها ولا يستنكف بل يشعر بالنقص من أصحاب تلك المصالح ان صح القول لأنه فاشل ويستعر منه أصحاب الجاموس والحساوية وصيادي الأسماك الذين يحتقرهم ان صح تفسير الوردي وحافظ وهبة وشاكر مصطفى سليم، هم أيضاً يحتقرون البدوي ويحتقرون أصحاب ’’ البعران’’ ويسمونه ’’ أبو البعران’’ او ’’إبْدوي’’ [[يعني يمشي وره البعران و يتعطر بروائحهن و يشرب بول البعير وحافي ورجليه مفطره ويغسل ايديه ابول البعير] ويمتنعون عن تزويجه بناتهم لأنه رحال لا دار و لا مكان ومن لا دار له تُلزمه به لا عتب عليه ومن يعتب على بدوي مثل ما يعتب على بعيره]]...أما من استقر منهم وتعلم الزراعة فهو لا يعرف منها سوى(الطشاش) والحصاد وترك بناته بين الحقول يسرحن مع ’حلاله’ من شروق الشمس حتى المغيب أو يُجِبْنَ البراري ل(حش) خُضار الأرض كعلف للحيوانات المنزلية.

اما الإشارة هنا للميزان فهي لا تخص العمل والكد باليد انما الغش وعدم الثقة التي رافقت الميزان والمتعامل بالميزان، والموازين وقتها ليست بدقة اليوم. أما بخصوص ’’الساحل’’ اي الشاطئ /الجرف لا اعتقد ان من يستخدم ’’الفالة’’ يقف على الشاطئ لأنها قصيرة و السمك لا يتواجد بالقرب من الجرف/ الشاطئ/ ’’الساحل’’ انما من يستخدمها يركب المركب الصغير المشحوف/البلم/ القارب ليبتعد عن الشاطئ ليتسنى له النجاح بمهمته، اما الصيد بالشبكة فلا يجيده الا أصحابه ولو كان الموضوع كما تفضل الوردي حول عدم حاجة ابن القبائل ’’الأصيلة’’ للسمك الكثير فهذا التفسير سطحي/ ساذج حيث يمكن له ان يتكرم بالسمك الزائد عن حاجته على أبناء ’’الاصيلة’’ او الفقراء منهم فهم يشترون او يصيدون السمك بكميات كبيرة لتجفيفه بعد تمليحه ’’المسموطة’’ ليستخدم في اوقات شحته...  .

ثم يكمل فيقول: [هناك أربع فئات محتقرة في الريف وأكثر هذه الفئات احتقاراً هم الحاكة ويأتي بعدهم الحساويه أي الذين يزرعون الخضر ثم ’’ البربرة’’ أي الذين يصيدون السمك بالشبكة وأخيراً يأتي ’’ المعدان’’ وهم الذين يعيشون على تربية الجاموس] انتهى

وهنا أقول: تطرقتُ أعلاه للمقارنة واضيف هنا البدوي ’’ أبن القبائل الأصيلة’’ لماذا لا يحتقر الراعي او مربي الابقار و الأغنام والماعز والدجاج لماذا لا يحتقر الخياط والحلاق والقهوجي’’الجايجي’’ والحمال/ العتال والبقال الذي يتذلل له و يشتري منه بالأجل والنجار و حائك ’’الليفة’’ والصفارين والحدادين/اهل ’المناكيش’ وحائك العُقل (العكَال) وصانع الأحذية و’ النعلان’ و صانع اقفاص الطيور و الأسِرَةَ و عمال البناء والمضمد والفراش والجرخجي ’الحارس الليلي’ او البزاز او الكببجي و الكاهجي و الباججي والكعكجي والبلام و صاعود النخل وغيرهم فكل هؤلاء لا يحصلون على قوتُهُمْ بحد السيف انما بأيديهم. 

ثم هل هناك بدوي حسب علم الوردي امتنع عن تزويج احدى بناته الى معلم او شيخ الجامع او مضمد او بيطري او كاتب النفوس او مساح اراضي؟ لم اسمع عن’’البربره’’سابقاً وفهمت من طرح الوردي انهم بالعامية ’’صيادي السمك’’ ولا اعرف رأي الوردي ببائعي السمك ’’السماجة’’ وبائعي الخضروات!!

وفي ص 178 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي 1965وتحت عنوان فرعي: (احتقار الحائك): كتب الوردي التالي: [مما يلفت النظر ان هناك فرقاً كبيراً في المنزلة الاجتماعية بين حياكة الحصر القصبية(البواري) وحياكة النسيج، فحائك الحصر لا يقل منزلة عن زارع الحبوب] انتهى [المصدر شاكر مصطفى سليم /الجبايش ج2ص 562 ـ 565]

ثم يكمل الوردي: [اما حائك النسيج فهو وضيع جدا لا يكاد يدانيه أحد في حقارته فأبناء القبائل ’’ الأصيلة’’ لا يزوجونه من بناتهم وهم من جانبهم لا يتزوجوا من بناته وان نشب قتال فليس من المفروض ان يشترك الحائك فيه انه يجلس مع النساء ولا يطلب منه الرجال أية مساهمة في معاركهم مهما كانت ضئيلة].

* تعليق: هل من حق عالم الاجتماع ان يقول: [ان حائك النسيج فهو وضيع جداً لا يكاد يدانيه أحد في حقارته...] هذا القول للوردي ولم يضع امامه او في سياقه أنْ قال فلان او انه راي أبناء القبائل ’’ الاصيلة ’’...هذا قول سخيف ومنحرف لا يطرحه انسان عاقل او واعي بهذه الصيغة واعتقد ان هذا الطرح لا يقل عما ورد فيه من كلمات او عبارات ومن يعترض على وصفي هذا عليه ان يراجع النص في الصفحة والكتاب ولا يقول ان الوردي كان يقصد كذا و كذا.

الانتباه لطفاً الى: [الواقع ان احتقار الحائك تراث بدوي قديم وقد كان البدو منذ قديم الزمان إذا أرادوا شتم أحد قالوا له ’’ حائك ابن حائك’’] هذا ما طلع به الوردي من تحليل وكأنه جاء بشيء جديد يختلف عما قاله شاكر مصطفى سليم او حافظ وهبة!!

انظروا تفسير الوردي لطرح الدكتور شاكر مصطفى سليم حول الفرق بين حياكة الحصر وحياكة النسيج حيث كان التالي: [أما التمييز بين حياكة الحصر وحياكة النسيج فسببه في رأيي ان حائك الحصر كزارع الحبوب يظل متمسكا بالقيم البدوية القديمة فهو لا يجالس النساء ولا يمارس الميزان. انه ينتج عدداَ كبيراً من الحصر ويجمعها عنده ليأتيه التاجر بعدئذ فيشتريها منه دفعة واحدة فهو لا يبيعها بالمفرد في الأسواق ولا يتنازل للمساومة على كل حصير منها مرة بعد مره وهو اذن يشبه زارع الحبوب في موسم الحصاد] انتهى.

*تعليق: اعتقد ان التسمية الأنسب هي صناعة الحصران و ليس حياكة الحصر... كان هذا طرح السيد شاكر مصطفى سليم ليتبناه الوردي ثم يصبح هو راي الوردي في اللاحقات ويختفى اسم السيد شاكر مصطفى سليم...هنا وبالتبعية لرأي السيد شاكر مصطفى سليم لم يفهم الوردي الحالة و لم يفكر بها...أن من تجمع القصب او البردي او العيدان الداخلة في صناعة الحصران هي المرأة وكثيراً ما ساهمت المرأة به و اذا انشغل صانع ’’حائك’’ الحصير بالعمل فأن من تقدم له العون هي المرأة في صيد السمك و رعاية الحيوانات المنزلية و تحضير العلف فعيشتهم ليس على ’’الملاليم’’’ التي تأتي من صناعة الحصران و بيعها فهي صعبة و تستغرق أيام طويلة وهي ليست المورد الأساسي للعائلة...و صناعة الحصر من مادة واحدة و لا تتأثر بالأحوال الجوية بعكس حياكة النسيج التي تتطلب  جز الصوف و الغسيل و التمشيط للتنظيف والغزل ثم التلوين و الزركشة حيث تستعمل عدة الوان وعدة خيوط وعدة الواح نسج ’’مكائن بسيطة’’ فالفرق ليس في عملية البيع فقط.

ويضيف الوردي: [سأل الدكتور شاكر سليم أحد الخبراء في العرف العشائري عن أسباب احتقار الحاكة، فأجاب: ان الحاكة مغموزون في نسبهم ويكذبون كثيرا وهو ناقصو الذمة فقد سرقوا اقراط الحسين وشهدوا على مريم عندما ولدت وفعلوا أمور مكروهة حفضها التاريخ] [نفس المصدر].

ثم يقول الوردي: [يبدوا ان هذه اعذار مصطنعة جاءت بها القبائل لتبرير احتقارها للحائك] ثم يفسر لنا الوردي ما يعتقد انه السبب في احتقار الحائك فكتب التالي: [الواقع ان احتقار الحائك تراث بدوي قديم وقد كان البدو منذ قديم الزمان إذا أرادوا شتم أحد قالوا له ’’ حائك ابن حائك’’ ومنشأ هذا الاحتقار هو ان الحائك يحترف عملاً من اختصاص المرأة في نظر البدو فهو يعيش بكد يمينه بدلا من ان يعيش من بكد سيفه وقوة ذراعه وهم يضربون به المثل فيقولون:’’ كالحائك عمرة ما قتل فاره’’]

 

*تعليق: تكلمت عن الحائك وعمله ولماذا يُنظر اليه تلك النظرة وسواء كانت من قديم الزمان او حديثه...اما زج موضوع الكد بيمينه بدل الكد بالسيف وقوة ذراعه فالذراع من اليمين والكد بالذراع يعني الكد باليمين وأصاحب السيف لولا يمينه ما سرق ونهب لذلك حق الإسلام قطع يد السارق...والعجيب في طرح الوردي هو كالحائك عمره ما قتل فارة] يبدو ان الوردي لا يعرف ان الحائك ربما هو أكثر من قتل الفئران لأنه أكثر المتضررين منها فهي تفتك بصناعته ورزقه.

خاتمة:

في ص14 /كراسة الاخلاق/1958 كتب الراحل الوردي التالي: وجاء في امثالهم الدارجة: [الحق بالسيف والعاجز يريد شهود وجاء كذلك قولهم: "الحلال ما حل باليد"]

*"الحق بالسيف والعاجز يريد شهود": يعني الحكمة والدقة فالعدل الواضح إذا لم يُعطى لأصحابه يؤخذ بسيف العدل وسيف الحق وسيف القانون او بالذراع ان تعثر استرداد الحقوق وهذا ما جرت عليه الأعراف القبلية ويبدأ بال’’عطوة’’ هذا بخصوص الحق البائن...اما من يكون حقه ضائعاً وغير واضح او المشكوك فيه فيحتاج الى شهود ثقات لتوضيح حقه حتى يستحق ان يطالب به. لو كان القول فقط "الحق بالسيف "لكان بالإمكان تفسيره ب " الاستحواذ بقوة السيف" لكن دخول العاجز و الشهود تلغي الغلبة و الاستحواذ بالقوة او الغصب.

*"الحلال ما حل باليد": ان ما حل باليد يعني ما اُنتج باليد...نتيجة الجد والجهد والعمل فهو حلال على منتجه او صانعه وليس كما يريد الوردي بأنه السلب والنهب او الغلبة والاستحواذ

في ص15 اخلاق كتب الراحل الوردي التالي: [...والذي يجلس إليهم ويستمع الى أحاديثهم يجد انهم يقيسون الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ وهم إذ يمدحون رجلاً يقولون عنه أنه "سبع" يأخذ حقه بذراعه ولا يقدر أحد عليه"] انتهى.

*تعليق: الراحل الوردي لم يجلس مجالس البدو او البادية ولم يحتك بهم انما جالس الشقاوات والسفلة والسقطة واستمع الى حكايات منهم وسجلها وقاس عليها واعتمدها وبنى عليها والتقى كذلك بعض المعمرين بهذا الخصوص ولم يكن بينهم من اهل البادية انما من المحيط الذي عاش في وسطه وتردد على ازقته ومقاهيه وحاراته وسمع بعضه في الجامعة ومجالس الثقافة وبعض المثقفين الذين جره إليهم التقائهم الفكري معه. ان ورود كلمة الحق هنا تعني ان صاحب الحق لا يتنازل عن حقه الذي يريد الطغاة وأبناءهم الاستحواذ عليه دون وجه حق فهو مستعد للتضحية في سبيل حقه وهذا من المحاسن...ولو كان ضمن مفهوم الغلبة او الاستحواذ الذي يريد الوردي حرف القول باتجاهه لكان القول: "انه سبع يأخذ ما يريد وما يشتهي وما يرغب به وما يعجبه ويناسبه بيده غصباً وبالقوة ورغماً عن أصحابه ".

يقال ان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان صانع سيوف ويقال ان نوح كان نجاراً ومحمد امتهن التجارة ويقال ان اول حائك هو ادم...ان نظرة العرب على العموم حول الحِرَفْ والاشغال والمهن تعود الى إن أكثر الحرفيين كانوا من التي جلبتهم الفتوحات من الرق والبعض الكثير الاخر من الوافدين من افريقيا بحثاً عن العمل لهذا مشكوك في انسابهم ومن هؤلاء اخذ موضوع المهنة واحتقارها أي ليس بسبب المهنة والسلب والنهب والكد باليد.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

جواد بشارةبقلم فابريس نيكوت

هل الكون منتهي أم لا؟ الملاحظات لا تسمح لنا أن نقرر. لكن أحدث البيانات تشير إلى أنه يمكن أن يكون كرويًا وبلا حدود. ولا تستبعد وجود أكوان أخرى ... غير محدودة العدد!

إعداد وترجمة د. جواد بشارة

هذا المقال مأخوذ من "" Sciences et Avenir رقم 202، المخصص لموضوع "اللانهاية".


هل للكون حدود؟ مهما كانت الإجابة، فهذا يجعلك تشعر بالدوار. نعم "؟ ها نحن هنا في خضم تناقض، كما لاحظ اليوناني أرشيتاس في تارانتو بالفعل في القرن الرابع قبل الميلاد. لأنه إذا وصلنا إلى الحد الأقصى، فماذا يوجد بعد ذلك، إذا لم يكن الكون لا يزال يتمخض (لتحريك "الكل" في اليونانية)؟ الجواب لا "؟ هذا يعني أن الكون قد يكون لانهائي. ولكن إذا كان هذا المفهوم أساسيًا في الرياضيات، فإن له صدى غريبًا في الفيزياء. "عندما تؤدي نظرية فيزيائية إلى ما لا نهاية، يمكن للمرء أن يعتقد أنه لم يعد قادرًا على وصف العالم، كما يلخص جان فيليب أوزان، مدير الأبحاث في علم الكونيات في معهد الفيزياء الفلكية في باريس. الميكانيكا التي تخيلها غاليليو، يمكن أن تكون السرعة لانهائية. منذ أينشتاين، نعلم أنه لا يمكننا بأي حال تجاوز سرعة الضوء " وهي محدودة وثابتة 300000 كلم/ثانبة.

 

تخيل الكون المطلق الكلي بافتراض أن ركننا الصغير، أي كوننا المرئي، يمثل الكل الكبير، لا يعدو الأمر سوى تنشيط المخيلة. ولنبدأ بأفكارنا في رحلة نحو حدود الكون. بعد عشرات المليارات من السنين الضوئية، وصلنا إلى حد أو حافة الكون الذي يمكننا مراقبته، ويتكون من كل النجوم التي وصلنا ضوءها من الانفجار العظيم، منذ 13.8 مليار سنة. إنها كرة نشغل مركزها ونصف قطرها حوالي 46 مليار سنة ضوئية، منذ أن كان الكون يتوسع باستمرار منذ ولادته، خاصة بعد عملية التضخم المفاجئ والكبير. يستمر هذا الكون المرئي في النمو، لكنه هل سيصل بالفعل إلى أبعد من ذلك ؟، لا يمكن لأي معلومات أن تصل إلينا، لأنه سيتعين عليها السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء. ومع ذلك، من الممكن تخيل شكل الكون الكلي الكامل والشامل من خلال افتراض أن خصائص ركننا الصغير من الزمكان تمثل خصائص الكل الكبير.

يوضح جان فيليب أوزان أن "محدودية الكون تعتمد بشكل خاص على انحناءته. إذا كانت موجبة، فإن الكون يكون كرويًا، وحجمه محدود بالضرورة. وإذا كان الإنحناء سالبًا، فهو قطعي. إذا كان كذلك فهو سيكون ذو فراغ إقليدي وبالتالي مسطح. هاتان الحالتان الأخيرتان يمكن أن تتوافقا مع كون غير محدود ". يعتمد هذا الانحناء على كمية المادة الباريونية (الكلاسيكية العادية) والمادة السوداء أو المعتمة والمظلمة (التي لم تُلاحظ أبدًا، والكتلة فقط معروفة) الموجودة في الكون، والتي تنحت بطريقة ما الزمكان، كما هو موصوف في نظرية النسبية العامة. من الضروري أيضًا مراعاة الثابت الكوني، الذي تم إدخاله في معادلات النسبية من أجل حساب التسارع الحالي للتوسع الكوني. يمكن استنتاج هذه المعلومات من خصائص أشعة الخلفية الكونية الأحفورية الميكروية المنتشرة، وهي أول ضوء ينبعث من الكون، بعد 380.000 سنة من الانفجار العظيم. تم تعيينها بدقة كبيرة بواسطة القمر الصناعي بلانك في عام 2013، مما جعل من الممكن تحديد قيمة الانحناء. وأول حكم نجم عن ذلك هو إنه قريب جدًا من الصفر، في غضون بضعة آلاف، أكثر أو أقل ، بسبب هامش الخطأ.. وبعبارة أخرى ، موجب أو سلبي قليلاً.

الانفجار العظيم:

الإشارة الصوتية اليتيمة القادمة من أعماق الفضاء الخارجي إلى الأرض في 15 أغسطس 1977، عماق الفضاء إلى الأرضعندما

تلقى تلسكوب Big Ear Radio Telescope في ديلاوير بولاية أوهايو أقوى إشارة اكتشفها على الإطلاق خلال عقود من الملاحظات. استمرت الإشارة 72 ثانية فقط، ولكن عندما اكتشفها عالم فلك على نسخة مطبوعة من الكمبيوتر بعد بضعة أيام، تأثر كثيرًا لدرجة أنه كتب بسرعة "واوWow!" بالقلم الأحمر على الصفحة. كانت البيانات تشبه إلى حد كبير ما توقع علماء فلك مؤسسة سيتي SETI رؤيته من الذكاء الفضائي. ومع ذلك، على الرغم من المحاولات العديدة لتعقب الاكتشاف، فإن ما يسمى بـ "Wow!" الإشارة "لم يعاود الظهور أبدًا.

استحوذت لحظات قليلة من البحث عن الذكاء خارج الأرض (SETI) على خيال الجمهور مثل إشارة Wow! الراديوية الصوتية. بالنسبة للبعض، هذا هو الكشف المحتمل الواعد للحياة خارج كوكب الأرض. لكن آخرين يرون أنه انتصار للدعاية على العلم.

"هل كانت إشارة فضائية من خارج الأرض من كائنات فضائية متطورة ETأم لم تكن ET؟" لا أحد يعرف ، "يقول سيث شوستاك ، كبير علماء الفلك في معهد SETI ، لعلم الفلك. "لم يجد أحد تفسيرا آخر لما كان يمكن أن يكون. يبدو الأمر كما لو كنت تسمع سلاسل تنقر في العلية وتعتقد أن "أشباح الله حقيقية". ولكن بعد ذلك لن تسمعهم مرة أخرى، فما رأيك؟ الأهم من ذلك، يقول شوستاك لو لم تكن الإشارة قد أذهلت! من كتب عليها Wow، لما سمع بها أحد. كانت إشارات النقاط مثل هذه شائعة في الأيام الأولى لـ SETI، عندما كانت حواسيب المرصد بدائية للغاية لإخطار علماء الفلك بالاكتشافات في الوقت الفعلي أو إجراء عمليات متابعة سريعة.

لكن هذا لم يمنع علماء الفلك من العودة مرارًا وتكرارًا إلى هذا الجزء من السماء بحثًا عن عودة الإشارة الصوتية الغريبة المدهشة! القادمة من برج القوس.

في أواخر صيف عام 1977، جلس جيري إيمان لمراجعة أحدث مجموعة من المطبوعات الحاسوبية التي توضح بالتفصيل البيانات التي تم جمعها بواسطة مرصد راديو الأذن الكبيرة، حيث كان متطوعًا كعالم فلك. تم التحكم في المرصد عن بعد، ويمكن أن يجمع في عدة أيام الكثير من البيانات قبل نفاد مساحة التخزين في الكمبيوتر. عند هذه النقطة، سيظهر الخبير الفني ويعيد ضبط الأشياء ويبدأ جولة المراقبة التالية مع التركيز على رقعة جديدة من السماء.

كان مرصد Big Ear Radio معروفًا جيدًا بين علماء الفلك في يومه. تم تصميم التلسكوب من قبل عالم الفلك الراديوي الرائد في جامعة ولاية أوهايو جون كراوس. وقد تم بناؤه إلى حد كبير من قبل موظفي الجامعة والمتطوعين والعاملين بدوام جزئي في الستينيات. في الأصل، تم إنشاؤه بأموال من ميزانية مؤسسة العلوم الوطنية لتنفيذ المهمة المخصصة لإنشاء أدق خريطة راديو على الإطلاق.

الأذن الكبيرة:

سمح التصميم الفريد لـ Big Ear Radio Telescope للموظفين ببنائه بتكلفة منخفضة نسبيًا، لكنه كان لا يزال قادرًا على تحقيق اختراقات أساسية في علم الفلك الراديوي. لكن Big Ear لم يشبه التلسكوبات الراديوية الأخرى. بدا الأمر كما لو أن شخصًا ما غطى ملعبًا لكرة القدم بطلاء أبيض وقام بتركيب المدرجات في أي من الطرفين خلف المرمى. كانت هذه "المبيضات" في الواقع تغذي الأبواق لتحويل إشارات الراديو من عاكس التلسكوب الكبير إلى مستقبله.

ومع ذلك، بعد انتهاء Big Ear من رسم خرائط سماء الراديو في عام 1972، احتاج التلسكوب إلى مهمة جديدة. ابتداءً من عام 1973، وافقت وكالة ناسا على تمويل جهد كبير من المتطوعين للبحث في السماء عن إشارات لاسلكية من كائنات فضائية متطورة تقنيًا. إلى جانب علماء الفلك المحترفين وراء المشروع، شاركت أيضًا مجموعة من الأطباء والمحامين ومدرسي المدارس وأساتذة الجامعات من مهن غير ذات صلة تمامًا على مدار عقود.

قال عالم الفلك إيمان في عام 2016: "كنا نعمل بميزانية صغيرة. لم يكن لدينا المال لكي ندفع للناس، ولهذا السبب كان المشاركون متطوعين."

أظهرت الخطوط الحمراء على شاشة الكومبيوتر أين تمركز النجاح الباهر! ربما نشأت إشارة من القوس. عاد العلماء إلى هذه المنطقة عدة مرات، ولكن لم يتم اكتشاف مصدر معقول للإشارة على الإطلاق.

بالنسبة لإيمان، كانت مراجعة المطبوعات الكبيرة للبيانات كل بضعة أيام جزءًا روتينيًا من كونه متطوعًا. وفي 17 أغسطس 1977، بينما كان ينظر في أحدث مجموعة من الأوراق، اكتشف مجموعة من الأرقام والحروف: 6EQUJ5. بالنسبة للعين غير المدربة، يبدو الأمر وكأنه هراء. لكن بالنسبة لإيمان، فإن البيانات تعني أن Big Earقد التقطت إشارة قوية جدًا بدأت منخفضة، وازدادت قوتها، ثم انخفضت مرة أخرى، أي كانت مبرمجة. وهذا يعني أنه من المحتمل أن يتم التقاط الإشارة عندما مرت منطقة معينة من السماء فوق الكاشف. وبالتالي لم تكن أرضية. ظهرت الإشارة أيضًا في واحدة من 50 قناة ممكنة فقط.

قال إيمان: "كانت إشارة ضيقة النطاق، ما كنا نبحث عنه [مع SETI]". "لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى أدركنا أن هذا كان ممتعًا للغاية. وجاءت كلمة "واو!" إلى ذهني بسرعة كبيرة، لذلك قمت بتدوينها ".

ولكن بينما كان يتدفق عبر البيانات من الأيام التالية، تفاجأ عندما اكتشف أن الإشارة لم تظهر مرة أخرى. تعمقت مكائده بعد لقائه مع مدير المرصد وطاقمه. قاموا معًا بالبحث في السماء عن أي أجسام محتملة في تلك المنطقة من السماء يمكن أن تفسر الإشارة. فحص علماء الفلك كل شيء من المذنبات والكواكب إلى الأقمار الصناعية وأكثر من ذلك. لا شيء يضاهي.

بقى فريق Big Ear يراقب نفس البقعة السماوية لمدة شهر، ومع ذلك لم يجدوا شيئًا. وبعد عام عندما حاولوا مرة أخرى، ما زالوا يعودون بخفي حنين. استمر مشروع SETI في Big Earفي النهاية لمدة 24 عامًا، مما جعله أطول بحث مستمر في SETI في التاريخ. لكن خلال ذلك الوقت، لم يلتقط المحققون أي شيء آخر مثل Wow! الإشارة اليتيمة. من جانب إيمان، يؤكد أيضًا أننا قد لا نعرف بالضبط ما اكتشفته ذلك اليوم. قال إيمان بهذا الصدد: "لم يكن هناك أي استنتاج ممكن على الإطلاق بخلاف أنه كان بالتأكيد إشارة من ذكاء متقدم وعاقل خارج كوكب الأرض".

في النهاية، جاء موت بيغ إير Big Ear بعد سنوات قليلة من اعتقاد الكونغرس أن البحث عن ذكاء خارج الأرض لا يستحق أموال دافعي الضرائب في عام 1993. وخسر المرصد 100000 دولار في التمويل السنوي من وكالة ناسا، بالإضافة إلى 50000 دولار أخرى مقررة لأداة كان من الممكن أن تقدم Big Ear عقد إيجار جديد للبحث عن الحياة. وبحلول عام 1998، هدمت جامعة ولاية أوهايو التلسكوب.

Wow! متابعات الإشارة:

سيث شوستاك / معهد سيتي

 

إذا كانت إشارة الواو Wow المذهلة! قد تم اكتشافها في ذلك اليوم، يمكن لمصفوفة Allen Telescope Array التابعة لمعهد SETI في كاليفورنيا تنبيه علماء الفلك على الفور لأي إشارة مماثلة، مما يسمح لهم بالتراجع في الوقت الفعلي للبحث عن مصدر الشذوذ.

على مر السنين، تابع العديد من علماء الفلك الآخرين إشارة الواو Wow Signal، إما محاولة لشرحها بعيدًا أو نقلها. لكن بالنسبة لعلماء الفلك مثل شوستاك، فإن الإشارة هي في الحقيقة مجرد واحدة من العديد من الاكتشافات المماثلة التي تمت على مر السنين.

 

يقول شوستاك: "في تلك الأيام، كان من الشائع جدًا التقاط هذه الأنواع من الإشارات مرة واحدة فقط". "لم يكن لدى أجهزة الكمبيوتر آنذاك القدرة على إجراء عمليات المتابعة في الوقت الفعلي. إذا التقطته اليوم، سيقول الراصد "رائع!" ، وسيبدأ علماء الفلك في توجيه التلسكوب في اتجاه Wow! إشارة لمحاولة معرفة ما كان ". بمجرد أن أصبحت حواسيب المرصد متطورة بما يكفي للمتابعة في الوقت الفعلي، انخفض عدد الإشارات الغامضة. يقول شوستاك مازحا: "عرف الفضائيون أن لدينا معدات أفضل".

على سبيل المثال، في السنوات القليلة الماضية، اكتشف علماء الفلك الدفقات الراديوية السريعة (FRBs)، والتي كان يُنظر إليها في البداية على أنها إشارات راديو قوية ظهرت مرة واحدة فقط. كان اكتشاف FRBs، بالإضافة إلى التقدم المحرز في تتبع أصولها، أحد أكبر الاختراقات الأخيرة في علم الفلك.

في هذه الأثناء ، يرى شوستاك إن واو! هي محاولة لتثبيت الإشارة كشيء يهتم به الجمهور أكثر بكثير من اهتمام علماء الفلك.

يقول: "أتلقى رسائل بريد إلكتروني مرة واحدة على الأقل شهريًا من الأشخاص الذين يطلعون على تلك النسخة المطبوعة ويفسرون تلك البيانات بشتى الطرق". غالبًا ما يرى الناس أنه رمز غريب يتم إرساله كرسالة مباشرة إلى البشر. إنهم لا يدركون أن الجمع بين الأرقام والحروف على النسخة المطبوعة كان مجرد اتفاقية وضعها علماء الفلك [البشريون] العاملون في المرصد. لا يمكن أن تتعامل المطبوعات مع الأرقام الأكبر من تسعة، لذلك يتنقل العرض بين الأحرف، بدءًا من "ب"، لكل ترتيب متزايد من الشدة.

يضيف شوستاك: "يعتقد الناس أنهم اكتشفوا ماهية الرسالة أو حجم الكائنات الفضائية". "إنه مثل عشرات الأرقام، وكل ما تفعله هذه النسخة المطبوعة هو أنها تمنحك مستوى من القوة."

ولكن حتى لو كانت هذه هي الرسالة الأولى للبشرية من الفضائيين، فلا يزال العالم إيمان لا يخمن ما يمكن أن يقوله. قال "من يعلم؟" "ليس لدي أي فكرة عما يمكن أن تتضمنه الرسالة، إن وجدت."

استكشاف خريطة المجرة التي يمكن أن توجه الفضائيين إلى الأرض:

أرسلت ناسا خريطة إلى الفضاء لمساعدة الكائنات الفضائية في العثور على الأرض. واليوم تحتاج هذه الحريطة إلى تحديث. يمكن أن تقود الخريطة التي أطلقتها ناسا في عام 1972 كائنات فضائية إلى الأرض. خريطة جديدة، بعد ما يقرب من 50 عامًا، توفر اتجاهات أفضل.

الكتلة المتلألئة التي تحتوي على نصف مليون نجم على الأقل - وحوالي عشرين من النجوم النابضة - تُعد الكتلة الكروية المعروفة باسم 47 Tucanae واحدة من حوالي 150 كتلة نجمية قديمة تدور حول مجرة ​​درب التبانة.

تقول إبنة العالم فرانك دريك: قبل نصف قرن من الزمان صمم علماء الفلك خريطة تشير إلى الأرض من أي مكان في المجرة. ثم أرسلوها إلى الفضاء، معتبرين أن أي كائنات فضائية ذكية بما يكفي لاعتراض مركبة فضائية يمكنها فك شفرة الخريطة وكشف مصدرها. استخدمت العديد من الأفلام والعروض التلفزيونية أشكالًا مختلفة حول هذا الموضوع كنقطة انطلاق لحبكة روائية، لكننا لم نستعرها من الخيال العلمي. انها حقيقة واقعة.

الحقيقة هي أن هذه الحكاية كانت جزءًا من تقاليد عائلتي منذ ما قبل ولادتي. كبرت، سمعت قصصًا عن الخريطة وشاهدت تصويرها على عدة مركبات فضائية بين النجوم، وقبل عدة سنوات، وجدت المسار الأصلي المرسوم بالقلم الرصاص إلى الأرض حيث أخباه والداي.

كان هذا اكتشافًا مثيرًا! ثم جاءت إشارة الواو المذهلة: هذه الخريطة الأصلية لن تكون جيدة لفترة أطول من الناحية الكونية. ستختفي العلامات التي تستخدمها في غضون عشرات الملايين من السنين، وحتى إذا لم يحدث ذلك، فستشير الخريطة إلى موقعنا لجزء بسيط فقط من 200 إلى 250 مليون سنة تستغرقها الشمس والنجوم الأخرى المجاورة للدوران مرة واحدة حول درب التبانة.

من المؤكد أن احتمالات اعتراض الكائنات الفضائية للخريطة غير محتملة من الناحية الفلكية - ولكن إذا حدث ذلك، فستكون الخريطة القديمة عديمة الفائدة وليست مفيدة. ولم يكن هذا هو الهدف.

لماذا توجد هذه الخريطة على الأرض؟

كان ذلك في ديسمبر من عام 1971، وكانت ناسا تستعد لإطلاق مركبة بايونير 10، وهي مركبة فضائية ستكتسح كوكب المشتري وتقوم بأول استطلاع لأكبر كوكب في المجموعة الشمسية. والأكثر إثارة للدهشة، مع ذلك، أن مدار بايونير 10 للمشتري سيحملها لرحلة في مسار بين النجوم، مما يجعلها أول جسم من صنع الإنسان متجهًا لمغادرة النظام الشمسي.

تحمل مركبة بايونير 10 الفضائية رسالة من الإنسانية إلى النجوم. تم حفر الرسالة على لوح من الألمنيوم المطلي بأكسيد الذهب مقاس ستة في تسع بوصات، وتحيي ذكرى العالم الأصلي للمركبة الفضائية - وتخبر كل من يجدها كيف يجدنا.

بقليل من المساعدة من أصدقائه، قرر عالم الفلك كارل ساغان أن المركبة يجب أن تحمل تحية من الإنسانية - رسالة تحدد وتحيي صانعي الرواد يمكن تفسيرها من قبل أي شخص يجدها. وافقت وكالة ناسا ومنحت كارل أقل من شهر لتصميم الرسالة.

هذا عندما يدخل صديق كارل، عالم الفلك فرانك دريك، القصة. فرانك هو أيضًا والدي، ومن بين الإنجازات البارزة الأخرى، يُنسب إليه إجراء أول بحث علمي عن كائنات فضائية صاخبة وإضفاء الطابع الرسمي على إطار عمل لتقدير عدد الحضارات الفضائية التي يمكن اكتشافها في مجرة ​​درب التبانة.

طلب كارل من أبي المساعدة في صياغة الرسالة بينما كان الاثنان في سان خوان، في بورتوريكو، لحضور اجتماع الجمعية الفلكية الأمريكية. يتذكر أبي أنه في بهو فندق San Gerónimo Hilton، سرعان ما توصل هو وكارل إلى أفكار حول ما يجب تضمينه في الرسالة الموجهة للكائنات الفضائية الذكية المتطورة النفترضة: رسومات خطية تصور البشر، عرض للمركبة الفضائية - ثم "في اللحظة التالية، ضربنا فكرة خريطة مجرة درب ​​تحدد موقع الأرض في الفضاء ".

كارل ساغان وفرانك دريك صمموا اللوحة التي سينقلها الرواد في مركبتي بايونير 10 و11 إلى الفضاء بين النجوم وذلك في عام 1972 وهناك صورة فوتوغرافية تجمع بين كارل ساغان وابنته ليندا ساليزمان ساغان لتخليد تلك المناسبة.

وتضيف إبنة فرانك دريك: صمم أبي تلك الخريطة، وفي عام 1972 طارت إلى الفضاء على متن بايونير 10. وفي العام التالي تم إطلاق مركبة بايونير 11، التي حملت في النهاية الخريطة بعد زحل والآن إلى النجوم. ثم في عام 1977، غادرت كلتا المركبتين الفضائيتين فوايايجر الأرض تحمل دليل أبي للعثور على كوكبنا، والذي تم حفره على غلاف "السجل الذهبي". الطريقة التي صمم بها أبي الخريطة تعني أنها تشير إلى الأرض في كل من المكان والزمان، مما يجعلها رائدة لنظام تحديد المواقع المجري (نوع مختلف من GPS) بأربعة أبعاد.

في ذلك الوقت، لم يقلق أبي وكارل حقًا من الفضائيين الذين إذا عثروا على رسالتهما في المركبة بأنهم قد يكونون من النوع الأكثر حقدًا أو عدوانية.

كيف تم صنع الخريطة:

لا توجد لافتات شوارع واضحة في حينا المجري، وصياغة خريطة تشير إلى كوكب واحد من بين مليارات (ومليارات) العوالم التي تسكن مجرة ​​درب التبانة ليس بالأمر السهل.

العثور على الأرض يعني إيجاد النظام الشمسي، والشمس غير ملحوظة إلى حد ما على أطراف مجرة درب التبانة. لا توجد طريقة حقًا لتمييزها عن مئات المليارات من النجوم الأخرى في المجرة، كل منها يرسم مساره الخاص حول مركز المجرة ويتحول ببطء في الموقع بالنسبة لجيرانه. يعني هذا التدافع النجمي أن الأبراج المتلألئة في سماء الأرض لن تكون هي نفسها في المستقبل القريب - ولا تصطف النجوم بنفس التكوينات المعروفة من أي مكان آخر غير الجوار الشمسي. في الواقع، في حوالي 2000 عام، لن يكون بولاريس Polaris هو النجم الشمالي، تمامًا كما لم يكن النجم القطبي لمراقبي السماء المصريين والبابليين والصينيين القدماء. اذا مالعمل؟ على الرغم من أن النجوم العادية التي تحتوي على محركات نووية مموجة في قلبها قد لا يكون لها بصمات مميزة، فقد أدرك أبي أن النجوم النابضة البولسارات- وهي جثث النجوم التي كانت في يوم من الأيام أكبر بكثير من الشمس - يمكن التعرف عليها بشكل فريد. تم اكتشاف النجوم النابضة عام 1967، وهي تدور بسرعة كبيرة، غالبًا مئات المرات في الثانية. باستخدام التلسكوبات الراديوية القوية، يمكن لعلماء الفلك قياس مدى سرعة دوران النجوم النابضة بدقة بالغة، مما يعني أن كل من هذه الآثار النجمية الدوارة تكتب توقيعها الخاص في الفضاء. اختار أبي 14 نجمًا نابضًا يمكن أن تثليث موقع الأرض، وقام بترميز المعلومات حول معدلات دورانها في الخريطة.

تبدو خريطة النجم النابض لأبي بشكل مناسب، كعلامة نجمية رائعة، وهو انفجار شعاعي للخطوط المظلمة التي تتقاطع في موقع نظامنا الشمسي. باختصار، إليك كيفية عمل خريطته:

كل خط من الخطوط يربط الأرض بالنجم النابض. علامات الفتحة هي أرقام ثنائية تكشف عن معدل دوران النجم النابض (في وقت تصميم الخريطة)، وتتناسب أطوال الخطوط تقريبًا مع المسافة. بعض النجوم النابضة المتوقفة على خريطة أبي - على سبيل المثال، السلطعون والفيلا - تقع في مراكز السدم الجميلة التي نشأت خلال التكوينات العنيفة للنجوم النابضة. من المفترض أن تعرف أي حضارات ذكية ومتقدمة بما يكفي لاكتشاف أي مركبة فضائية بين النجوم ووقوعها في شرك النجوم النابضة. ومن خلال مطابقة فترات الدوران على الخريطة مع الإشارات النجمية في السماء، يمكن للكائنات لفضائية أن تجد طريقها إلى الأرض بسهولة نسبيًا.

بالإضافة إلى ذلك، نظرًا لأن الطاقة التي نراها من النجوم النابضة تأتي من دورانها وتتباطأ بمرور الوقت، فإن خريطة أبي تشير أيضًا إلى الأرض في البعد الرابع. من خلال حساب الفرق بين فترات الدوران المرصودة والمشفرة - وهو اختلاف سيظهر بعد آلاف السنين - يمكن للأجانب معرفة المدة التي انقضت على رسم الخريطة.

ربما كان من المدهش إلى حد ما أن تصبح خريطة أبي محصورة في الخيال الشعبي وهي موجودة الآن بشكل شائع في كل شيء من القمصان إلى الوشوم. أعتقد أن هناك شيئًا آسرًا حول كونك دائمًا قادرًا على العثور على طريقك إلى المنزل، حتى بالمعنى الكوني الذي يمكن تخيله. ونحن نحتفظ بها في الأسرة كأنها قصة حب.

قبل عدة سنوات، حدث شيئان مهمان. لقد عثرت على خريطة النجوم النابضة الأصلية والمخطوطة بالقلم الرصاص، مطوية بعيدًا ومُدسوسة في صندوق طماطم في خزانة والديّ. وقد ارتبطت بمتسلق صخور يدعى سكوت رانسوم، أحد أكثر علماء الفلك المتخصصين بالنجوم النابضة إنتاجًا في العالم.

خريطة البولسارات:

تستخدم الخريطة الأصلية للأرض، التي صممها فرانك دريك، 14 نجمًا نابضًا للإشارة إلى موقعها. حتى وقت قريب، كانت المسودة الأولى لخريطة دريك تعيش في خزانة ملابسه، مدسوسة في صندوق طماطم.

 

كان سكوت رانسوم يفكر في مشروع مركبة فوياجيرز، و "السجل الذهبي"، وخريطة النجوم النابضة منذ أن كان عمره 10 سنوات في مان فيلد، أوهايو، يشاهد برنامج الكون التلفزيوني الذي يقدمه كارل ساغان Carl’s Cosmos. مرت السنوات وحصل سكوت رانسوم على شهادة دكتوراه في علم الفلك. لاحقًا، أدرك أن خريطة أبي لها تاريخ انتهاء صلاحية في المستقبل القريب. كعب أخيل الخاص به هو نفس الخاصية التي تتيح له تحديد الأرض في الوقت المناسب: النجوم النابضة تتباطأ، والأخرى التي اختارها أبي (من بين القليل المعروف في ذلك الوقت) سوف تتلاشى وتختفي في غضون عدة ملايين من السنين، أو تستغرق بضعة آلاف من السنين.

من قبيل الصدفة، كان سكوت قد شرع في عمل خريطة نجم نابض جديدة وأكثر دقة وأطول عمراً حتى قبل أن نتحرك معًا وننقل أنفسنا إلى Dranksomes. الآن أكتب الكلمات التي تحكي قصصنا، ويقوم سكوت بعمل أشياء مهمة لرسم الخرائط مثل اختيار النجوم النابضة واشتقاق أكوادها أو شيفراتها الثنائية. يقوم أحيانًا بصياغة بعض المقاطع النصية، لكنك لن تراني أبدًا وأنا أحقق أعمالًا أكاديمية في علم الفلك.

أحدث وأفضل خريطة للأرض هي خريطة سكوت الجديدة وهي نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للفضاء مابين النجمي ومابين المجري. ينتقل إلى الأرض باستخدام النجوم النابضة داخل وخارج مجرة ​​درب التبانة، مع التواء.

بدلاً من النجوم النابضة الأكثر شيوعًا التي اختارها أبي، تستخدم الخريطة الجديدة النجوم النابضة ذات المللي ثانية والتي تدور بشكل أسرع وتدوم لفترة أطول ولديها أيضًا رفقاء مداريون ميتون. توفر هذه النجوم النابضة الثنائية مجموعة ثانية من المحددات: الفترة المدارية للنظام، والتي لا تتغير على مدى مليارات السنين. والأهم من ذلك، أن النجوم النابضة ذات المللي ثانية تتقدم ببطء أكثر بكثير من تلك الموجودة في خريطة أبي، مما يعني أن الأمر يستغرق آلاف المرات حتى تصبح عمليات دورانها غير قابلة للتمييز.

بالإضافة إلى ذلك، قام سكوت بتضمين طبقة أخرى من العلامات: النجوم النابضة في مجموعات كروية تدور حول درب التبانة. تكتلات النجوم القديمة التي سبقت مجرة ​​درب التبانة، والعناقيد الكروية رائعة وغامضة، وهي عبارة عن مصانع نجمية حقيقية من ميلي ثانية.

من خلال تضمين علامات في هذه الكرات النجمية التي يصعب تفويتها خارج المجرة، تسمح خريطة سكوت بأن تكون الأرض قابلة للاكتشاف لمليارات السنين، حتى بعد أن تتحرك نجوم درب التبانة حول قلب المجرة عدة مرات، مما أدى إلى تبديل مواقعها وطمس الأبراج. وللعلم فإن أبي يعتقد أن هذا مذهل.

لكن أولاً، يجب على شخص ما قراءتها لا تزال خريطة أبي، بالطبع، موجودة - ولكن فرص اعتراض بايونير أو فوياجرز التي تحملها ضئيلة إلى الصفر. على الرغم من أن جميع المركبات الفضائية الأربعة تسير في مسارات بين النجوم، إلا أن الفضاء كبير، والأنظمة النجمية التالية في الأفق على بعد آلاف السنين. بالإضافة إلى ذلك، فإن المركبة الفضائية صغيرة وستكون هادئة تمامًا خلال العقدين المقبلين، مما يجعل من الصعب للغاية اكتشافها.

بالنسبة لإرسال الخريطة الجديدة: ليس هناك مسبار فضائي شبيه بـ Voyager فواياجر مجدول لإطلاقه في أي وقت قريب. ولكن إذا كانت هذه الخريطة قد قطعت طريقًا خارج نظامنا الشمسي، وإذا تم التقاطها بواسطة كائنات فضائية ذكية، فيجب أن تكون الخريطة سهلة القراءة والمتابعة.

يثير هذا كل أنواع الأسئلة: هل سيكون للكائنات خارج الأرض على تلك المسافات الوسائل للوصول إلى الأرض؟ إذا كان الأمر كذلك وهم يتجهون في طريقنا، فماذا لو لم يأتوا بسلام؟ ماذا لو كانوا طماعين وذوي نوايا استعمارية أو إبادية؟ وماذا لو كانوا جائعين ولم يكونوا نباتيين؟

إليكم السؤال الأساسي الذي لم يوقف كارل وأبي عن طرحه: هل من الجيد إرسال عنواننا عشوائيًا إلى الكون؟ اليوم، بعض الناس ليس لديهم تحفظات، بالنظر إلى أن الإرسالات الأرضية تتسرب بالفعل إلى الفضاء، والسفر بسرعة الضوء، يمكن اكتشافها من قبل أي شخص لديه تلسكوب لاسلكي لائق يعيش في غضون مائة سنة ضوئية بعيداً منا. الأشخاص الآخرون، ربما بحذر أكثر، سوف يتأخرون عن الإعلان عن وجودنا حتى نعرف ما إذا كان لدى المتطوعين لزيارتنا نوايا شريفة. (هذا ما يبدو عليه المريخ - وفقًا لكارل ساغان).

بالنسبة إلى Dranksomes: سنرسل بكل سرور الخريطة الجديدة عن الأرض، كمحاولة للتأكد من أن وجودنا كنوع سيعيش بشكل ما. إذا تم التقاط هذه الرسالة صدفة أخيرًا، بعد التمايل والانجراف عبر المحيط المجري لملايين أو بلايين السنين ، سيعرف شخص ما أن أبناء الأرض موجودون بالفعل - أو ، مع الحظ ، ما زالوا موجودين.

 

............................

ظهرت هذه القصة في عدد أكتوبر 2020 من مجلة:

 National Geographic.

https://www.nationalgeographic.com/.../explore-the.../؟ cmpid = org = ngp :: mc = social :: src = facebook :: cmp =

التحرير:

 add = fb20201004ngm-galacticmapgraphicOct2020  rid = & sf238447763 = 1 & fbclid = IwAR1pOMsTPeXj_fQXrVzOFss3ZfnnAGUwmxKEDwEG1nGE1

1024pxWow__signal_source.svg

ويكيميديا ​​كومنز / فيليب تيري جراهام / بناء على عمل بنجامين كروويل

 

 

 

محمود محمد عليلم يكن المجتمع اليوناني القديم مجتمعاً مغلفاً تنحصر قيمته الثقافية والحضارية أساساً في المنطقة التي قام بها علي قسم من الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، بحيث لا تتعدي هذه النقطة أن تتأثر أو تؤثر في غيرها إلا بشكل عابر او جانبي، وإنما كان هذا المجتمع منتجاً علي غيره من المجتمعات التي سبقته إلي ازدهار النشاط الثقافي والحضاري، تلك التي ظهرت في منطقة الشرق الأدنى؛ وبخاصة مصر، وهناك شهادات لمؤرخي اليونان الذين يؤكدون أن معظم اليونانيين الذين اشتهروا بعلمهم وحكمتهم زاروا مصر في العصور القديمة، حتي يتعرفوا علي عاداتها وينهلوا من علومها .

ولم تكن زيارات اليونانيين القدماء إلي مصر من أجل تحصيل العلوم والفنون فقط ؛ بل تعدي ذلك إلي تبادل الهجرة والسلع، حيث يذكر بعض المؤرخين أنه في عصر الدولة الحديثة؛ وخاصة إبان فترة حكم " بسماتيك الاول " مؤسس الأسرة السادسة والعشرين المصرية الذي استعان برجال أشداء من ملاحي اليونان علي التغلب الامراء الأثني عشر المتعاقدين علي حكم مصر، وفي عصره قد توحد علي يديه الملك واستتب له الامر، حيث عني بأعمال التعمير والإنشاء وعمرت بيوت العبادة وأتقنت صناعة النقش وفنون الرسم والتصوير، وجمعت التماثيل بين التناسب والاعتدال، ويشتهر بأنه جلب لمصر الاجانب ورغبهم في الإقامة بها فأكرم معظم اليونانيين وأقطعهم أرضا علي سواح " بحر الطينة "، وحدث في ذلك الوقت أن وفد علي مصر أقوام من " الميليزيين " في ثلاثين سفينة، فرسوا بها علي ساحل بحر رشيد ونزلوا هناك وأسسوا معسكرا متسعا وإنضم إليهم أقوام من النزلاء فكثروا وتكاثروا وقويت شوكتهم وأرسل اليهم " بسماتيك " بعض الغلمان المصرين ليعلموهم الترجمة، فكانوا عاملا من عوامل نشاط الانجاز، وانتهي الأمر إلي انهم أسسوا مدرسة في الوجه البحري لتعليم الشبان المصرين فن الترجمة، وكان يرمي بسماتيك من وراء ذلك إلي تلقين المصرين ما اشتهر خصب مصر وغزارة نعم الله عليها ولمسوا نواحي تقدمها ومدينها أولعوا بمصر وأخذوا من علومهما وأعجبوا بديانتها فتشبهوا بالمصرين في عبادتهم وادخلوا تشبيهات كثيرة في معتقداتهم وطقوسهم وتتلمذوا في المدارس المصرية ليتعلموا منها العلم والحكمة  .

ويري المؤرخين أنه في عهد " أحمس الثاني " (الذي خلف بسماتيك علي حكم مصر) زاد نفوز اليونانيين، فقد تزوج أحمس من يونانية وقدم يد المساعدة لليونانية وأهدي لهم الهديا النفسية من التحف المصرية، وقد بلغ عدد اليونانيين حينئذ مائتا الف فأعطهم مدينة " نقراطيس" (وهي الآن قرية جعيف جنوبي دمنهور بمحافظة البحيرة)، وأباح لهم دينهم وتشيد المعابد والهياكل، وقال " هيرودوت" : " أنه لما اتسعت دائرة التجارة إتخذت تجار اليونان لهم وكلاء من جنسهم وأرسلوا إلي الجهات التي تمر منها القوافل، وصار اليونانيين ينقلون كل ما يسمعونه من أخبار المصرين إلي البلاد الأخري مما سبب تقوية أطماع الناس حتي كثرت الوفادة عليها، فكان يؤمها الفلاسفة للإطلاع والمعرفة والتجار لاكتناز الثروة والجند لالتقاط الأخبار ومعرفة الأحوال .

ولما كانت العلاقات بين مصر واليونان علي هذا النحو، فيمكن القول بان اليونانين قد أخذوا كثيرا من علوم الطب عن القدماء المصرين، ومما يعزو هذا الرأي تقدير اليونانيين للطب المصري، فقد ذكر هوميروس في " الأوديسة " : "أن رجال المهن الطبية في مصر علي أعلي درجة من الزكاء الذي لم يصل اليه شعب من الشعوب " ؛ وذكر أيضا " أن كل أهل مصر عالمون بفن العلاج فهم من سلالة " بيون" طبيب الإلهة" ، كذلك يذكر أيضا هذا النص " إيه هيلين يا ابنة زيوس أن في نبيذهم دواء يذهب الألم والغضب وينسي الأحزان دواء مما اعطته " بوليد منا " زوجة " ثونيس " (المصري) امراة من مصر،حيث تنبت الأرض أعشابا بعضها شاق وبعضها خادع، بلاد حيث كل رجل فيها طبيب وقد.

وزاعت شهرة الاطباء المصرين حتي في عهد الاغريق إلي حد أن كاتبا إغريقا اسمه " آنا خرسيس"، كان يعتب علي مواطنية تفضيلهم الاطباء المصرين علي ابناء وطنهم، وإذا كان الإغريق قد اقتبسوا الكثير من المعارف الطبية المصرية، إلا أنهم توصلوا، منذ القرن الخامس قبل الميلاد إلي استنباط الكثير من المعلومات بهديهم الخاص، لكنهم لم يستطيعوا أن يبلغوا آفاق العبقرية المصرية في مجال التحنيط الذي تحدي كل عوامل الزمن .

وفي الفصل الثاني من ملحمة " الالياذة " ذكر " هوميروس" كثيرا من المعلومات الطبية بصفة عامة والجراحة بصفة خاصة، فمثلا ذكر " اسكليبوس " Asclepios الطبيب الذي يتمثل في شخصية الأصول الدينية التي انحدر منها التعليم الطبي الاغريقي، ففي عهد هوميروس وما تلاه، ازدهرت تعاليم اسكليبوس في كثير من المعابد في العالم اليوناني، وهي تنص علي اغتسال الطهر وحضانة روحية تتجلي فيها للمريض رؤي تنفس عن مرضة، وتساعد بتعبيراتها علي شفائة، وسرعان ما رفع " اسكلبيوس " إلي مصاف الآلهة كما فعل المصريون القدماء مع ايمنحتب من قبل بخمسة وعشرين قرنا .

ومع ذلك فالحضانة الروحية ليست من الاغريق لأنها طقس مارسه المصريون قديما، وقد اقتبسه الأغريق منهم، وكان المرضي يتضرعون إلي الإلهة التماس للصحة والاخصاب، وقد يغربهم الجو ملائما لتحقيق الضانة الروحية من خلال الاسترخاء والتأمل الروحي العميق والتخلص من كل مخاوف المرض واحتمالاته الكئيبة، وفي الصباح التالي ينطلق المرضي في الحديث الصريح عن التجربة التي مروا بها، والرؤي التي داعبتهم في تلك الليلة العجيبة التي قضوها في المعبد المقدس، والتي يفسرها الكهنة علي سبيل التعرف علي احتياجات المريض للتخلص من المرض . وبذلك يمكننا القول بأن المصرين القدماء كانوا أول من وضعوا أيديهم علي ارهاصات التحليل النفسي كما عرفته كما عرفته البشرية كعلم قائم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد الميلاد .

وفي اليونان كانت تفاصيل طقس الحضانة الروحية تختلف من مكان لآخر، واستخدامه الأفراد كان يتوقف علي مدي قوة تأثير القائمين علي علاج المرضي فقد تطغي الخوافة عليه في بعض المعابد وتغلب عليه الصفة العلمية في غيرها وقد اثبت المصريون عمليان أن الايحاء، والايحاء  الذاتي، كي تعبا لهذا الهدف وكان بالفعل وسيلة ناجحا لإحياء معنويات المريض وتجديد حالته النفسية، وفي اليونان كانت التجارب التي مورست في المعابد تكاد تكون محصورة في حقل علم النفس، وقد يشير الكهنة ببعض العقاقير لكنهم لم يتقدموا في شيء من عمليات الجراحة أو التوليد، أو حتي الفصد أو التدليك .

ومن مظاهر تأثير اليونانين بالمصرين في مجال الطب ايضا تلك التي يذكرها كثير من المؤرخين والباحثين، وهي أنه عندما وقف اليونانيون علي كتابات الطبيب المصري " ايمنحتب" في علوم الطب، أبوا أن يصدقوا أن يصدقوا أن مثل هذا النابغة يمكن أن يكون بشرا كسائر الناس، فآلهوه واعتبروه ربا للشفاء، كما اعتبروا أماكن عبادته من الاماكن التي يحج اليها المرضي ليكتب لهم الشفاء، وقصة " نشتاتيس" كما يذكر المؤرخون والباحثون خير شاهد علي هذا، فقد كان نشاتيس هذا كاهنا في معبد " ايمنحتب " وقد استطاع " ايمحتب " أن يشفي والدته من مرض مزمن، وقد اراد " نشتاتيس" أن يعبر عن اعترافه بالجميل، فقام بترجمة بردية منسوبة إلي " ايمحتب" إلي اللغة اليونانية .

ولقد شيد له مريدوا " ايمحتب " بصفته ربا للشفاء العصر الاغريقي مقصورة فوق السطح العلوي لمعبد " حتشبسوت " في الدير البحري بجوار الرابيوم "؛ أي مدينة العجل ابيس " ولا يخلوا متحف من متاحف العالم إلا وله فيه تمثال من البرونز وهو جالس وعلي ركبته كتاب مفتوح وشبهوه بالمعبود الاغريقي (اسكليبوس) راعى الطب والحكمة ومجدوه لمهارته فى الطب والأدب، فضلاً عن استخدامه الحجر المنحوت فى البناء .

وفى سنة 323 ق.م جلس ملوك البطالمة على عرش مصر، وقد حاولوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، أن يظهروا أمام المصريين كفراعنة وتعبدوا للآلهة المصرية، وكان (توت) (المصرى) واحداً من هذه الآلهة، وقد عبدوه تحت هرمس الإله الإغريقى، وبالتالى فقد عبدوا (ايمحتب) كصورة من صور (توت هرمس)، ثم سرعان ما أدخلوا إلههم اسكليبوس رب الطب الى مصر وتكون فى النهاية معبود مصرى بطلمى يبلور فى عقيدة الناس الهيمنة على العلوم والمعارف وهو (توت) (ايمنحتب) (هرمي) (اسكليبوس) .

أيضا من مظاهر تأثير اليونانيين بالطب المصرى، ما أكدته كثير من الرويات والنصوص على أن تعليم الطب عند المصريين، كان يعد سراً لا يفشى إلا لمن أقسموا اليمن، فقد روى المؤرخ اليونانى (سترابون) أن الكهنة أخفوا عن (أفلاطون) و(أوديكسوس) الجزء الأكبر من علمهم، حتى بعد أن أمضيا ثلاث عشرة سنة،ومن مظاهر السرية التي أحاطت بتعليم الطب عند المصريين تأثر الإغريق بذلك . فهناك فقرة جاءت فى قسم ابقراط الذى كان يقسمه كل من رغب فى مزاوله الطب، وقد حار فيها المفسرون كما يقول (د :غليونجى) وهى (وأشرك اولادى المعلم لى والتلاميذ الذين كتب عليهم الشرط، وحلفوا ذلك). وهذه السرية كأنها من رواسب قرون سبقت ابقراط، وربما كانت من اثار الطقوس الفيثاغورية والاورقيه .

وغيرها المستمدة من المذاهب السرية ونحن نعلم ما يدين به فيثاغورس وغيره من فلاسفة الاغريق للمصريين .

هذا ويعتقد الدكتور / غليونجي مقارنة بين الطب المصرى والطب اليوناني في مقاله له بعنوان (أثر قدامي المصريين في الطب اليونانى) ذلك من خلال بعض نواحيهما وهي فن العقاقير وأسماء أجزاء الجسم الاكلينيكية وتسمية الأمراض والطرائف الجراحية واختبارات الحمل والولادة وأسلوب الكتابة والآراء الطبية، وهذه المقارنة يعقدها من خلال أوجه الشبه وليس من خلال أوجه الاختلاف، وهو يوضح هذا فيذكر مثلا عن العقاقير هذا المثال فيقول (ولنضرب مثلا لعقاقير غربية وردت في الطبيبين (المصرى واليونانى) فان (بردية إبيرز) ما تفتأ توحي باستعمال الصفرة لعلاج العينين، وقد قدم أحد الأطباء المعاصرين وهو (دوسن) Dowson حججا قوية على أنهم قصدوا صفرة الخنزير،وقد نصح (ديوسقوريدس) باستعمال المادة نفسها فى الامراض، وعزا (بلينوس) تلك الوصفة الى (ميلتوس)، ولكن (دوسن) يرحج أنها استمدت من بردية مصرية، وتلك الوصفة شبيهة للعلاج الذى أعاد البصر إلى (طوبيا) حسب رواية التوراة.

والوصفة الثانية من تلك الوصفات الغربية هي استعمال لبن المرأة التى انجبت طفلا ذكرا وهذا العلاج يتكرر فى الاقرابازين المصريين القدامي، حتي أنه لا يبدو أساسا من اسس علاجهم، وإما للإفادة من خواصه الذاتية، وإما لإذابة عقاقير اخرى، وهذا العلاج اوصي به أيضا ابقراط وبعده (ديوسقوريدس) و(بلينوس)، وفسر (ارسطو) فوائده التى تميزه عن غيره من الألبان فقال : إن السيدة التي تحمل ذكرا أقوى بدون بدون شك من السيدة التي أنثي، ولذا فلابد من أن يكون لبنها أكثر فائدة، وتلك الوصفة أصلية في مصر، انفردت بها دون غيرها من شعوب الشرق، إذ إن اللبن في نظر الاشوريين والبابليين من مادة ضارة .

كما يعطينا (غليونجى) بيانا لأسماء العقاقير المتشابهة في اللغتين (المصرية واليونانية) فمثلا عقار (الاتنموان) كان المصريين يسمونه (مسدمت) وعند الاغريق يسمى (ستيمى) أيضا عقار (الصمغ) كان المصريين يسمونه (قميت) في حين كان الإغريق يسمونه (كومى) وأيضا عقار (النظون) كان المصريين يسمونه (نترى) في حين كان اليونانين يسمونه (نتورن) ...الخ .

وأيضا هناك تشابه في أسماء بعض الاعضاء والأمراض،فقد سمى الاغريق حدقة العين (كورى)، أى التشابه، وسماها المصريين (شابه العينين) وهذه التسمية لها نظير فى الاتينية وهو Pupila والاسبانية وهو nine de les jos (صبية العينيين) . كما انه يشابه الاسم الذى أطلقه العرب على الحدقه وهو (إنسان العين) إىان الاستعارة المصرية نقلها الاغريق ثم اللاتين والعرب والأسباب فى لغتهم، وهناك لفظ آخر متشابه فى اللغتين فإن النظرة الروحانية إلى المرض التى عمت بين بعض المصرين كانت تنسب المرض إلى أرواح شريرة على رأسها كبير سموه (النامى) وهذا هو الذى سماه الاغريق diabolos ومعناها كذلك (النامى) وقد اشتقت منها الإنجليزية devil والإيطالية diavolo. ولكن التشابة كما يرى د. اغليونجى لم يقف عند مجرد الاقتباس اللفظى،ويعطينا مثلا من وسائل العلاج الجراحية، وردت في كتابات (أبقراط) التحركات التي يجب اجراؤها لرد خلع الفك :(يثبت المساء رأس الجريح ويمسك الفك الأسفل من الداخل والخارج بالقرب من الدقن بالأصابع ثم ينقل فجأة ...الخ) وهي ترجمة لفظية لما وردت فى 0بردية ادوين سميث) وقد رسمت فى مؤلف للطبيب القبرصى (أبو لوينوس) عن طريق أبقراط .

وعن أمراض النساء، فقد وصفت (بردية كاهون) وغيرها اضطرابات وآلاما فى العينيين والأعضاء ومتلف أجزاء الجسم، عزتها إلى حالات مرضية فى الرحم أو إلى انتقال هذا العضو من محله الطبيعى، وجاء الوصف ذاته فى الكتاب الثاني من مؤلف (ابقراط) عن أمراض النساء، ومن تلك الاضطرابات مرض عصبى، وقد يكون من المناسب أن نذكر فى هذا الصدد أن لفظ (هستريا) مشتق من (هستر) وهو الرحم فى لغة الاغريق .

أما علاج تلك الامراض فقد ورد فى (بردية ابيرز) علاج لانسباط عنق الرحم وهو مرض وصفه أيضا (ابقراط) ويذكرنا هذا بمرض آخر غريب اشترك الشعبان فى وصفه وهو اتساع حدقة العين التي سبق أن ذكرنا تشابه اسمها المصري واسمها الاغريقي، فقد عنيت (بردية ايبرز) ويبدو لنا وصف علاج لمثل تلك الحالة عيبا، ولكن اليونان اعتبروا هذا الاتساع مرضا، والأرجح أنهم لاحظوا اتساع الحدقة عن فقدان فظنوه سبب تلك العاهة .

ثم يقارن د. غليونجى بين المنهج اللغوى الذى نهجه المصريون واليونانيون فى الكتابات الطبية، فأكد أن التبادل كان مطردا نشيطا فى المنهج اللغوى الذى نهجوه فى الكتابات الطبية، إذ أن تغريمه من (بردية لندن) ، كان يشترك فيها أن تتلى بلغة كريت، ويستطرد د. غليونجى فيقول وقد اظهر أحد الأطباء المعاصرين وهو (دوماس) أن تعبيرات وأساليب لغوية تكررت فى الكتابات المصرية تلازم العودة فى الكتابات الأبقراطية، فإن عبارت مثل (دواء آخر) و (ألو فار ماكون) بالمعنى ذاته، والعبارة التى كثيراً ما تتكرر فى الهوامش (دواء ناجح)، والتوصية لترك معرضا لندى الليل ، كلها مشتركة بين الطبيبين (المصرى واليونانى) .

وينتهى الدكتور غليونجى من خلال مقارنته بين الطب المصرى والطب اليونانى إلى أن الطب المصرى كان له الفضل الأكبر والأعظم على أبقراط، وأنه ليس صحيحيا ما زعمه بعض الغربيين ؛ حيث أرادوا إدخال الشك فى قيمة الطب المصرى وفى الفائدة التى جناها منه أمثال (أبقراط) فبدءوا بالقول بأن (أبقراط) لم يحضر إلى مصر أبدا، وإن الروايات عن زياراته مشكوك فى صحتها، لأنها روايات متأخرة قرونا عديدة بعد وفاته، ثم أضافوا أنه لم يكن على علم بالغة المصرية ولا بالهيروغليفية، فكيف تأتى له أن يتصل بالكهنة ويتعرف على أسرارهم، وانتهوا بالقول بأن علوم المصريين كانت مزيحاً من الشعوذة والسحر والطب البدائى ولم يكن به عناء لأبقراط وأمثاله .

ويفند الدكتور غليونجى تلك المزاعم، وذلك من خلال استشهاده بما قاله العالم الفرنسى (فرانسودوما) بأن أبقراط تعلم فى مصر وقد برهن هذا العالم على صدق قوله بأن أظهر أولا أن أول كاتب تحدث عن زيارة (أبقراط) لمصر كان معاصرا له، ثم إن علوم المصريين لم تكن على ما وصفها هؤلاء، فإنها كانت متقدمة جدا، وإن كنا نجهل الكثير منها لقلة المستندات التى وصلتنا عنها، ثم أتى بالبرهان على وجود تبادل لغوى وكلمات مشتركة، وذكر لتدعم هذا وجود مترجمين (تراجمة) فى المعابد والعاصم من الإغريق والمصريين يلمون كل الإلمام بالغتين، ليساعدوا التجار والمسافرين الزوار والسياح فى معاملاتهم مع المصريين .

مما سبق يتضح أن الطب المصرى كان المنهل الذى روى ظمأ الطب والأطباء والإغريق ولا يعنى هذا أننا ننتقص من قيمة الطب الإغريقى بالبحث عن أصول له، ولكن كل نهر له منابع، وأكبر الأنهار وأجملها أكثرها روافدا وأصولاً ولذا فإن الهدف من تلك المقارنات إنما هو تأكيد وحدة الحضارة التى ازدانت بها شواطئ البحر الأبيض المتوسط منذ فجر التاريخ، والتى نشأت فى مصر، ثم تناولها الإغريق فوصلت الى قمتها عندما اجتمع المنطق اليونانى والواقعية المصرية، فظهرت معجزة الاسكندرية التي كانت البوتقة التى انصهرت فيها أصول الطب والتشريح عند قدماء المصريين مع اجتهادات اليونانيين القادمين مع الانتشار الهليلينى شرقا وغربا، فأصبحت القاعدة التى انطلقت منها كل العبقريات والنظريات التى فتحت أبواب الكشوف الطبية والتشريحية أمام العلم أجمع عبر العصور التى تلت عصر الإسكندرية الذهبى الذى وإن كان قد انتهى ماديا وجغرافيا وتاريخيا، فإنه لم ينته فكريا وعلميا وحضاريا، وغذ أنه تحول إلى عصارة حيوية تسرى فى عروق الحضارة الإنسانية عبر العصور.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ويأتي تسويق هذه الافكار ضمن برامج إعادة هيكلة اقتصادات الجنوب، ومتهمة القطاع العام  بأنه السبب في الاختلالات والمشكلات في البيئة الاقتصادية، إذ راحت تروج الافكار القائلة، ان التنمية ستتحقق عن طريق اللحاق بالرأسمالية وآلياتها ومنهجها العام .

إن وسائل الهيمنة في حقيقة الأمر هي للتهرب من واقع ازمة النظام الرأسمالي، تلك الأزمة التي تعتبر السبب الرئيسي في تردي اوضاع البلدان النامية . لذا تحاول الرأسمالية المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الهروب من (حل الأزمة) الى (إدارة الأزمة) من اجل استمرار تحكمها في اقتصادات بلدان الجنوب وفرض هيمنتها على مقدراتها والتحكم بمستقبلها وفرض نوع من القيود التي تعيق نموها وتوجيه اقتصاداتها . ومن خلال هذا المنطق الرأسمالي يتزايد دور الشركات متعددة الجنسيات، ويزداد انفراد وتحكم رأس المال وتتزايد (الخصخصة) ويضعف دور الدولة وربط أقاليم محددة بمراكز سيطرة معينة ثم إدماج الإقليم في مراكز السوق العالمية بما يضمن هيمنة الشمال على إقتصادات الجنوب في إطار ما يسمونه بالعولمة .

فالولايات المتحدة تقف ضد من يخالف (لبرلتها، وأقلمتها، وعولمتها، وخصخصتها) بإستخدام كل الوسائل الرادعة ووسائل الإبتزاز والتهديد . ولعل من ابرز الشروط () التي تفرض على بلدان الجنوب في إطار التوجهات الليبرالية التي تأتي كوصفة جاهزة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لكل الدول ولكل الحالات، ما يلي :

1- تخفيض اسعار الصرف 2- تقليص دور القطاع العام وإعطاء دور متميز للقطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية 3- تحرير التجارة الخارجية وتحرير الأقتصاد 4- رفع الدعم عن الأسعار للسلع الأساسية 5- تحرير الأسعار وتحرير أسعار الفائدة 6-  توجيه الإنتاج نحو التصدير 7 - إلغاء الحماية للسلع الوطنية 8- تخفيض الإنفاق العام 9-  زيادة الضرائب .

إن قراءة متأنية لهذه الإجراءات هي بمثابة تخريب لإقتصادات هذه الاجراءات المقدمة في شكل وصفة جاهزة هي ذات تأثير كبير ولا تشكل مرشداً للسياسات الاقتصادية .

نخلص مما تقدم الى ما يأتي :

-إن الليبرالية المغطاة بشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تتمثل في تيار يطالب بتفكيك القطاع العام وإبعاد الدولة عن إدارة  الانشطة الاقتصادية .

-فرض خيارات اقتصادية على البلدان النامية تساعد المراكز الرأسمالية المركزية الاقتصادية في الاقتصاد العالمي .

-دعوة لسيادة النموذج الليبرالي الاقتصادي في دول الجنوب .

-خطوة نحو تدويل وعولمة الانتاج في اقتصادات الجنوب تمهيداً لدمج وحدات الانتاج المحلية بالانتاج العالمي دمجاً تابعا .

لقد ادركت بعض دول الجنوب النامية حقيقة الطريق المسدود لليبرالية واتبعت طريق التنمية المستقلة ورفضت آلية الليبرالية والعمل باستراتيجية الاعتماد على الذات على وفق الامكانات والقدرات ومراحل التنمية، فضلاً عن توسيع منافذ الموارد وعدم الاعتماد على مورد واحد وتنويع مصادر طلب العون من خارج أليات العولمة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على سبيل الحصر .

إن ما تنطوي عليه الشروط آنفة الذكر تخلو من الكثير من الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والانسانية، ومنها تَجاوزها على دور الدولة الايجابي وإغفالها لممارسات الاحتكارات وسلبيات القطاع الخاص الاستغلالي وإنسياقه وراء الربح بغض النظر عن النتائج السلبية التي يتعرض لها المجتمع . كما ان من ابرز عناصر المنهج الليبرالي التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي شروط هاتين المؤسستين ومنظمة التجارة العالمية وهي :

اولاً- تحرير الاقتصاد القومي، أي إزالة القيود والضوابط التي تحد من حرية حركة قوى السوق، سواء على مستوى الاقتصاد المحلي أو علاقته بالسوق الدولية .

ثانياً- أن تكف الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي .

ثالثاً- عدم إعاقة حركة الرساميل المحلية والاجنبية وما يعيق وحدة السوق الدولية، وضمان ما يخدم في النهاية مصالح القوى الاحتكارية المسيطرة على هذه السوق .

رابعاً- ان برنامج صندوق النقد الدولي لتصحيح الاختلالات في الدول النامية ينطلق اساساً من النظرة الجدية، والتي تعالج اوضاع البلدان المتقدمة النمو، وبذلك يكون الصندوق قد انحاز لأيديولوجية اقتصادية محددة ومرسومة .

خامساً- تحرير اسعار الصرف وتركها تتحدد وفقاً لقوى السوق بحيث تكون اسعاراً معلومة وموحدة لجميع المعاملات، ويدعو الصندوق الى تخفيض قيمة العملة بدعوى تشجيع التصدير، ويعني تحرير اسعار الصرف والتجارة الخارجية، وحرمان الدولة من أية فرصة لحماية اقتصاداتها وصناعاتها، فضلاً عن حرمانها من تحقيق الاستقرار النقدي في ظل الوضع النقدي الدولي الراهن الذي يسوده تقلب الاسعار في العالم .

سادساً- تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وإتاحة الفرصة الكاملة أمام رأس المال المحلي والاجنبي، وتوفير الشروط اللآزمة لذلك، ويطالب الصندوق بالكف عن إقامة مشروعات جديدة مملوكة للقطاع العام، وكذلك بيع المشروعات القائمة الى رأس المال الخاص .(*)

لقد كانت محصلة الكثير من تجارب الصندوق ما يلي :

أولاً- رفع الاسعار وتركها لتحددها تكاليف الانتاج .

ثانياً- تخفيضات عديدة من الانفاق الحكومي الاستهلاكي والاستثماري.

ثالثاً- انتشار الركود والبطالة .

رابعاً- مضاعفة العجز في الميزانية .

خامساً- تزايد حجم التضخم .

سادساً- تمكين القطاع الخاص من السيطرة على الانشطة الاقتصادية.

سابعاً- تحويل الانشطة الاقتصادية الحكومية والخدمات الاجتماعية (الصحة، والتعليم، والإسكان) الى خدمات مدفوعة الأجر.

ثامناً- تفكيك القطاع العام .

تاسعاً- تفاوت هائل في توزيع الدخل.

عاشراً- إرهاق كاهل الطبقات الفقيرة .

احد عشر- تخفيض الاجور الحقيقية (بسبب تجميد الاجور وارتفاع الاسعار).

إثنا عشر- ظهور انشطة طفيلية تبحث عن الربح السريع دون التنمية الحقيقية.

ثلاثة عشر- رفع كل انواع الدعم عن السلع الاستهلاكية والانتاجية وتعديل الاسعار بحيث تتناسب مع الاسعار العالمية.

ويمكن القول : ان سياسة الصندوق الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية تعني باختصار التدخل السافر في الشؤون الاقتصادية لكافة دول الجنوب بصورة خاصة، كما ان لهذه المؤسسات اهدافا سياسية في نشر الرأسمالية عن طريق الليبرالية، وهي لذلك حريصة على اندماج اقتصاد البلد النامي في السوق العالمية دمجاً تبعياً للمركز الرأسمالي العالمي. (*)

يتبع ...

 

د. جودت صالح

12/10/2020

.........................

د. زكي العابدي/  مصدر سبق ذكره – ص 217-221.  (*)

أ. د. حميد الجميلي/ التجربة الاقتصادية الجدية- ابعادها وانعكاساتها- نشرة اقتصادية – العدد الأول السنة الاولى 2000 ص 3-8.   (*)

 

محمود محمد عليندرس في هذا المقال مظاهر النهضة العلمية لعلم الفلك عند العراقيين؛ حيث اهتم البابليون بعلم الفلك اهتماما كبيرا، لدرجة أن قدماء اليونانيين كانوا يعزون اليهم نشأة علم الفلك . ويكفينا فى هذا الصدد أن البابليين كانوا فى علم الفلك شأنهم شأن قدماء المصريين، حيث سجلوا مشاهدات دقيقة عن مواقع الاجرام السماوية لمدة تربوا عن الفى سنة، وعرفوا الكواكب السيارة، واكتشفوا الكسوف والخسوف ووصفوا المزولة والساعات المائية .

غير أنه كعاده دعاة المعجزة اليونانية التنكر للشرقيين القدماء، فلقد انتقد (دى بورج) الفلك البابلى، حيث ذهب بأنه فلك قأئم على نزعة عملية بحتة خالية من اى نظرية، وفى هذا يقول (أن الفلك البابلى قائم على الملاحظة، غير أن مجرد الملاحظة ليس بعلم . ويتضح هذا عندما نبحث عن النفع الذى حققه الفلكيون البابليون من هذه السجلات، وبينما كشف الإغريقي فى قرن واحد من الزمان السبب الحقيقى للكسوف والخسوف، فإن البابليين لم يواتهم أبدا حتى أن يصلوا الى التفسير المعقول لهما، لقد استخدموا معطياتهم لأغراض فلكية خالصة، فإذا حدث أن كسوفا أعقبة مرة، حرب مع عيلام، فإن حربا مع عيلام كان قد تنبئ به من حدوث الكسوف، والملاحظة مهما كانت دقتها التى ينتفع بها لمجرد أن تكون أساسا لاستنتاجات يجمع فيها، لا يأتى من وراها معرفة علمية).

والحقيقة أن النظرة فيها تحيز واضح وبعد عن الحقيقة، والصواب، فلم تكن المعارف الفلكية عند البابليين كلها قائمة على الخيل والتنجيم، ويكفينا دليلا لإثبات تهافت هذه النظرة أن البابليين استطاعوا أن يضعوا تقويما فلكيا يستند اساسا على حركة القمر (تقويم قمرى)، حيث جعلوا طول الشهر القمرى يتراوح ما بين 29و30 يوما بالتتابع ؛ بمعنى أن الشهر ذا التسعة وعشريين يوما يعقبة شهر ذو ثلاثين يوما، وهكذا حتى ينقضى العام، ولذا جاء معدل اثنى عشرا قمريا (384يوما) جاء بعام أطول من السنة الشمسية، ولكى يوفقوا بين الدورتيين القمرية والشمسية استخدم البابليين اثنى عشرة شهرا قمريا، مع إضافة شهر ثالث عشر عند الضرورة، وصار التقويم نموذجا للتقاويم اليهودية والإغريقية والرومانية بعد ذلك حتى منتصف القرن الاول قبل الميلاد .

ولما كانت طبيعة الشهر القمرى تدعو إلى تقسيمه فترات متميزة بأوجه القمر، فقد قسم البابليين الشهر إلى فترات كل منها سبعة أيام، غير أن الأسابيع البابلية لم تكن مستمرة فى نظام تتابعها مثل اسابيعنا الان، بحيث لا يتقيد اول الاسبوع بأول الشهر، بل كان نظام الأسبوع البابلى هو ضرورة أن يكون اليوم الأول من كل شهر هو اليوم من الأسبوع الذى يقع فيه، وقسم البابليون اليوم إلى 24ساعة والساعة الى 60دقيقة، والدقيقة 60 ثانية، حسب النظام الستينى .

كما توصل البابليون إلى كشف ظاهرتى الكسوف والخسوف، كما عرفوا المزولة الشمسية والساعة المائية والبولو وهى أداه كان يستعملها البابليون، وكانت مؤلفة من نصف كرة جوفاء قطرها كبير وحديتها نحو السماء، وعلق فوق هذه الكرة بشكل مثبت مع مركزها جلة صغيرة، تعترض نور الشمس، أما ظلها فينفذ على السطح الداخلى للكرة، وهكذا ترسم حركة الشمس فى باطن البولو، أما انحناء دائرة البروج فيقرأ مباشرة فى الآله، وكذلك تاريخ تساوى الفصول وتاريخ انقلاب الشمس الصيفى والشتوى.

وعن طريق استخدام تلك الأدوات استطاع البابليون رصد مجموعات نجمية كثيرة، واهم ارصاد البابليون لتلك المجموعات ارصادهم الخاصة بالزهرة، حيث عرفوا اول ظهور الزهرة، واخر ظهورها، اى عند غروب الشمس وشروقها، كما عرفوا طول مدة اختفائها كما عرفوا اقترانها (584) يوم وأدركوا مدة الثمانى السنوات التى تعود فيها الزهرة إلى الظهور فتظهر خمس مرات فى نفس المواضع كما تشاهد من الأرض .

كما عرف البابليون أن القمر والكواكب السيارة ولا تبتعد فى حركتها مسافة بعيدة فى خط العرض عن مدار الشمس فى منطقة البروج، كما رصدوا المواضع النسبية للكواكب والنجوم فى تلك المنطقة الضيقة من السماء، ثم انهم حسبوا مدة قران عطارد بخطأ لا يتجاوز الخمسة الايام، على أن الكبير فى ميدان المعرفة العامة، إذ الواقع كما يقول جورج سارتون أنهم المؤسسون للفلك العلمى، وأن النتائج المدهشة التى حصل عليها الفلكيون الكلدانيون والإغريق من بعدهم امكن تحقيقها بفضل استنادها إلى الأساس البابلى .

ومن ناحية اخرى لاننكر ان الفلك البابلى كان مرتبطا بالنتجيم الى حد ما فمثلا:

1- ربط البابليون بين الظواهر الفلكية والأحداث التى تقع على الارض، فإذا احاطت بالقمر هالة معتمة دل ذلك على أن الشهر ماطر، وإذا هالة، وكانت فتحتها نحو الجنوب، هبت الراح من الجنوب، وإذا كان المريخ مرئيا فى شهر يوليو (تموز) كان ذلك إنذار بوقوع هجوم عسكرى، وإذا شوهد عطارد فى الشمال، وقعت حرب فى ذات الجهه وإن دنا المريخ من الجوزاء ... كان ذلك انذار بموت الملك ووقوع الفتن والفوضى التى تعم البلاد ... وغير ذلك من التنبؤات الغربية فى التراث البابلى.

2- حين رصد البابليون ظاهرة خسوف القمر، اعتبروا هذا الخسوف فالاً حسنا، وأغزوا إلى عمل الشياطيين التى تحاربه وتمنع ظهوره، وكان على الكهنة لم يشعلوا ناراً على مذابح الدقورات، وينشدون الدينية، وخلال خسوف القمر يتخلى الناس على غطاء رؤوسهم المعتاد ويغطونها بثيابهم، ولكى لاتصيب المدينة الكوارث، كان على الناس ان يعلو صراخهم ويشتد عويلهم وينوحوا حتي ينتهى الخسوف، ويظهر القمر من جديد وعندئذ يتوقف الناس عن الصراخ ويطفئ الكهنة النار التى اشعلوها فى المذابح الذقورات.

3- حين رصد البابلبون المجموعة النجمية، قسموها الى اثنى عشرة مجموعة او برجا، وتصوروا أن لكل برج رئيسى من الالهة المستشارين، وكانوا يعتقدون أن الشمس تقوم بزيارة هذة الأبراج وتبقى شهر فى ضيافة كل واحد منها على التوالى، وهكذا حتى ينتهى العام تكون الشمس قد زارت الاثنى عشر برجا، ومكثت ثلاثين يوما عند كل برج ما عدا الاخير، فإنها تظل فى زيارته لمدة خمسة وثلاثين يوما، وبذلك تكون الشمس قد اتمت 365 يوما فى زيارة المجموعات النجمية (اى سنة شمسية). ويقال أن هذه المجموعات النجمية الاثنى عشر اصبحت الآن تشكل دائرة البروج (زودياك) وكما أن هناك أجرام سماوية فى السماء العليا تؤثر على الأحياء وتحدد مصائرهم، واعتقد البابليون أيضا أن هناك اجرام سماوية غير مرئية فى السماء السفلى وتوثر على الأصوات فى العلم الاخر.

ولا شك أن السعى الى التنجيم والتنبؤ بالطالع كان من أهم الاسباب التى حفزت البابليون على الاهتمام بعلم الفلك .

وننتقل إلي دراسة علم الفلك عند الصينين واليهود؛ حيث تأثرت شعوب الشرق الاقصى بالفلك عند المصريين والبابلين، فنجد أن الصينيين قد عرفوا السنة الشمسية المكونة من 365 يوما وربع اليوم، ثم السنة القمرية وتتكون من12 أو 13 شهرا قمريا . وعرفوا الدورات الفلكية التى تتراوح مدتها من19 الى 76 سنة وحتى 31420 سنة .

كما عرف الصينيون المجموعات النجمية وحصروا منها 28 مجموعة نجمية او برجا وعرفوا كسوف الشمس وخسوف القمر، وكما وصفوا الجداول الفلكية واستخدموا ادوات رصد اهمها: المزولة الشمسية والساعة المائية وغيرها .

وأما الهنود فقد كان شأنهم شأن الصينيين فقد اهتموا بغلم الفلك : حيث رصدوا مجموعتيين من النجوم تضم احداهما 27 نجما والاخرى 18 نجما واعتبروا هذه المجموعة بمثابة بيوت القمر التى ينزل فيها تباعا فى دورانة الشهرى الذى يستغرق 27 يوما أو 28 يوما، واستخدم الهند تقويما شمسيا وأخر قمريا، وقسموا السنة الى 360 يوما موزعة على اثنى عشر شهرا، وجاء ذكر لاسم شهر ثالث عشر الصافى من 25 أو 26 يوما وأحيانا 30 يوما، وذلك لسد الفرق بين القمرية والسنة الشمسية، وكانت تضاف هذه الأشهر الإضافية كل خمس سنوات وبعدها يعتبر كل من قد أكمل عددا من الدورات الكاملة، وطول دورة الخمس سنوات هذه 1830 يوما (60شهرا كل منها 30 يوما بالإضافة إلى شهر اخر) وقسموا السنة إلى ثلاث فصول متساوية طول كل منها أربعة اشهر وعرفوا الاسبوع الذى يتألف من سبعة أيام تسمى بأسماء الكواكب .

ومن ناحية اخرى اعتقد الهنود القدماء فى وجود دورات فلكية معينة تتم فى الكون وتكمل فيها بعض الأجرام السماوية دورة خاصة؛ احداهما فى سنة (الإلهة) طولها 360 يوما الهيا وهى تعادل 360 سنة شمسية، وكان لدى فلكى الهنود سنة كونية كبرى، وهى حقبة زمنية تتواجد فيها مجموعة من الأجرام السماوية فى موقع معين بعد أن يكون كل منها قد أتم عددا كاملا من الدورات الكاملة، وكان طول هذه السنة الكونية 4320000 سنة شمسية وهى تساوى 1200 سنة الهية (12000 *360=432000).

والجدير بالذكر أن الامام أحمد ابن ابى يعقوب ذكر فى كتابه (تاريخ اليعقوبى) هذا النص :(...وقالت الهند أن الله عز وجل خلق الكواكب فى أول دقيقة وهو أول يوم فى الدنيا ثم سيرها فى ذلك الموضع فى أسرع من طرفه العين، فجعل لكل كوكب منها سيرا معلوما حتى يوافى جميعها فى عدة أيام السند هند إلى ذلك الموضع الذى خلقت ايام الدنيا من السند هند منذ اول ما دارت الكواكب الى ان تجمتع جميعا فى دقيقة الحمل كما كانت يوم خلقت (دورة كاملة)4320000000 سنة شمسية.

ومن ناحية اخرى يذكر (البيرونى) أن للهنود اهتمامات فلكية، منها أنهم أحصوا جداول فلكية ورصدوا حركات الكواكب وخسوفات الشمس والقمر ونظام الكون وأعمال أخرى خاصة بالتنجيم بالإضافة إلى وصف بعض ادوات الرصد كالموزولة الشمسية وجهاز الكرة ذات الحلقات (الكرة المحلقة ....الخ).

وحول ما اخذه الفلكيون اليونانيون من علم الفلك عند قدماء الشرقيين ؛ فقد أخذ اليونانيون جل معارفهم الفلكية من المصريين والبابليين وهناك دلائل كثيرة على هذا، منها أن طاليس اخذ دورة الكسوف المتعاقبة عن القدماء المصريين والبابليين، الأمر الذى حدا به لأن يتنبأ للأيونيين باحتجاب ضوء النهار وحدد فى أثناء العام الذى وقع فيه هذا الاحتجاب بالفعل، كما أخذ (انسكمندر الملطى) (610-545 ق.م) عن المصريين والبابليين (إله المزولة) وسمها فى اليونانية Gnomon ويقول سارتون (وكن اختراع هذه الاله فى بابل ومصر، ولكنها من البساطه بحيث يمكن ان طاليس او انكسمندر او بعض اليونانالاوائل اعاد اختراعها).

ويعلل (جورج سارتون) سبب اهتمام طليس وانكسمندر وغيرهم بعلم الفلك إلى أنه من المحتمل جدا أن تكون المنابع الشرقية زادت فى تحريك فضولهم . ذلك أن البحارة والتجار الذين وفدوا إلى مطلية كانوا يجلبون معهم افكار بابلية ومصرية.

ومن ناحية اخرى نجد (كيلو ستراتوس التنيدى) واحد من اليونانيين المهتمين بعلم الفلك، ويعزى الباحثون إليه أنه استطاع بفضل مشاهداته الفلكية فى (تنيدوس) تحيد زمن الانقلابيين بالضبط أن يدرك صور البروج منطقة وهمية فى السماء على جانبي فلك البروج، والحقيقة أن كليوستراتوس اخذ هذه الفكرة عن الفلكيين فى بابل، حيث كانوا يدركون انه من المستحيل رؤية مسارات القمر والكواكب أثناء ؛ أى مدة من الزمن دون أن يدرك الرائى أن هذه الأجرام السماوية تسير فى منطقة ضيقة نسبيا، وأنها ليست بعيدة من جهة خط العرض عن الشمس (او كما يقول فلك البروج).

كما ينسب الى كيلو ستراتوس التنيدى كشف اخر، وهو دورة فلكية فى ثمانية أعوام، وهى مدة تشتمل على عدد من الأيام والشهور القمرية والسنوات 365 وربع يوما *8=2922 يوما =99 شهرا، وكانت هذه الدورة معروفة كذلك للبابيين، ولعل كيلو ستراتوس اخذها عنهم، او ان تحديدهم للشهور والسنيين يسر له اعادة كشفها، ولم تكن هذه الدورة الا اولى دورات اخرى متعددة اكتشفها الفلكيون اليونانيون بين فينه وخرى لخدمه اغراض التقويم .

وإذا انتقلنا الى فيثاغورس (850- 497 ق.م) نجد أنه أول منة نادى هو وتباعه بكروية الارض، ولا يعرف كيف تم لهم ذلك، ومن المحتمل انهم استعاروا هذه الفكرة من المصريين والبابليين، وقد أمكن بهذه الفريضة تفسير ظاهرة الكسوف والخسوف.

وهناك فلكيون يونانيون استفادوا استفادة كبير من الفلك المصرى والبابلي؛ نذكر منهم على سبيل المثال (يدو كسوس الكيندى) الذى يروى عنه المؤرخون أنه رحل إلى مصر للتعلم، حيث لبث عشرا شهرا فى مصر (فيما بين سنة 378وسنة 364) خالط في اثنائها الكهنة العلماء، وكان قد درس قبل ذلك فى الأكاديمية، والم بالفلك الفيثاغورى، فلم يرضه كل ذلك، ةلما كان فى تفكيره دقة اسخطه نقص الأرصاد فى هذا الفلك، ولم يكتف بما حصل عليه من ارصاد مصرية، بل عمل بأرصاد جديدة، واقام لذلك مرصدا بين (هيلو بوليس) و(كركيسورا) ظل معروفا حتى زمن الامبراطور اغسطس (27 ق.م-14م) ثم بنى بعد ذلك مرصدا أخر فى بلدة (تينودوس)ولم يكن رصدا سهلا،وكان ذلك لا يرى من خطوط العرض العليا، ويرجع علم (يودكسوس) بالفلك المصرى إلى المدة التى قضاها فى مصر، فهل كان ملما ايضا بالفلك البابلى وهو اغزر مادة من الفلك المصرى، ليس لدينا ما يدل على انه رحل الى ما بين النهرين او الى فارس، ولكنه كان العلم القديم حق المعرفة.

وهذه المعرفة الواسعة التى اكتسبها (يودكسوس) اتاحت له أن يبتكر نظريات فلكية كثيرة ومن أشهرها اختراعه نظرية الكرات المتحدة المركز والتوسع فيها وبهذا يعد مؤسس الفلك العلمى واحد عظماء الفلكيين فى جميع العصور.

ونفس الشئ يقال عن افلاطون، فقد تعلم من الشرقيين أمورا فلكية كثيرة، فمثلا يعزى إليه زمن دورة كل من القمر والشمس والزهرة، واعتقد أن أزمنه دورات كل من الثلاث الأخيرة متساوية وأنها سنة واحدة، ولكنه لم يعرف أزمنه دورات الكواكب الاخرى وهو مع ذلك يتكلم عن السنة الكبيرة عندما تعود الدورات الثمان الى نقطة ابتدائها (دورات الأجرام السبعة مضافا اليها دورة الكرة الخارجية) وتساوى هذه السنة الكبيرة 36000 سنة، فكيف قدرها، وانه لم يقس شيئا، بل اخذها عما تواتر عن البابليين من فكرة النظام الستينى، فمن بين اسس العدد 60 يوجد اس خاص يكثر ورودة فى الالواح القديمة وهو 460=12،960،000،وهذا هو الرقم الهندسى عند افلاطون، وان 12،960،000 يوم =36،000 سنة لكل منها 360 يوم، وهى (السنة الافلاطونية العظمى) (مقدار مدة الدورة البابلية) وان حياة الانسان التى تمتد الى مائة عام تحتوى على 36،000 يوم، أى على عدد من الأيام بقدر ما تحتوي السنة العظمى من السنيين، وهكذا فإن (العدد الهندسى)؛ أى العدد الذى يحكم الأرض ويضبط الحياة على الارض من اصل بابلى ولاريب .

وإذا انتقلنا إلى(ارسطو) نجد أنه كان على دراية بالفلك المصرى، والبابلى، حيث يقول تاتون (اورد سيملبكوس) siplicicus أنه بخلال فتوحات الاسكندر، أرسل كاليستان callisthene إلى حالة ارسطو كشفا بملاحظات الكشوف الفلكية الجارية منذ 1900 سنة قبل تلك الحقية). ومن خلال اطلاع أرسطو على تلك الكشوف استطاع التوصل لإثبات أن الأرض كروية لا محالة لكى يتحقق التماثل والتوازن، ثم إن العناصر التى تتراكم عليها تأتيها من جميع نواحيها، فلابد لهذه المتراكمات من أن تكون علىشكل كرة، زد على ذلك أن حافة الظل اثناء خسوف القمر مستديرة دائما، وإذا سار الإنسان شمالا أو جنوبا تغير وضع نجوم السماء فتظهر نجوم لم يكن يراها من قبل، وتختفى نجوم كان يراها، وكون تغير ضئيل فى موضعنا (على خط الزوال) يدى إلى مثل هذا الاختلاف الكبير برهان علي أن الأرض صغير بالإضافة الى غيرها، وإن سائر الإنسان شمالاً أو جنوبا فإن النجوم التى تظهر له هى غير النجوم التى كان يراها من قبل والواقع أ، بعض النجوم التى ترى فى مصر وعلى مقربة من قبرص لا يمكن رؤيتها فى الاقاليم الشمالية . والنجوم الت ىلا تغيب أبدا فى الشمال تطلع وتغرب فى البقاع الجنوبية . كل هذا دليل على أن الأرض مستديرة وعلى أنها ليست كبيرة المقدار، ولولا أنها كذلك لما كان لهذا التغير الطفيف فى المكان هذا الأثر العاجل، ومن ثم لا ينبغى أ نتجاوز الحد فى رد رأى القائلين بأن هناك اتصالا بين الجهات المحيطة بعمودى هرقل The Piller of hercules (جبل طارق) والجهات التى حول الهند، وربما يترتب على ذلك من أن المحيط واحد، ولهلاء دليل آخر هو مجرد الفيلة فى هذين الاقليمين مع بعد الشقة بينهما، فكأنهم يرون فى اشتراك الاقليمين فى هذه الخاصية دليلا على اتصالهما).

ولاشك فى أن هذا النص يدل دلالة واضحة عل ىمدى تأثير أرسطو بالفلك عند المصريين والبابليين وأن وفرة الأرصاد الشمسية والقمرية والكوكبية لدى اليونانيين فى القرنين الخامس والرابع ق.م تدل على أنها قد جاءت من مصرون بابل ؛ حيث ذكر سيمبلكوس فى شرحه لكتاب Decaelo لأرسطو أن لدى المصريين كنزا من الارصاد عن 630.00 وأن البابليين جمعوا أرصاد 1440000 سنة، ونقل سيمبلكون عن بورفيروس تقديرا متواضعا ؛ حيث ذكر أن الأرصاد التى كالليستنيس من بابل بناء على طلب أرسطو كانت من 31000 سنة وكل هذا الى الخيال أقرب، وإن كان من الثابت أنه كان فى متناول الباحثين البيونانيين أرصاد شرقية لقرون عدة،وأنها كانت كافية لأغراض وقد حصلوا عليها من مصر ومن بابل ولا يمكن أن يكونوا قد حصلوا عليها فى بلادهم، ففى بلادهم آثر رجال العلم أن ينقطعوا للبحث الفلسفى كل عل ىطريقته ولم توجد قط على مر العصور هيئة ترى الدأب على جميع الأرصاد الفلكية وما مبالغات سيمبلكوس إلا إشادة بقدم علم الفلك عند المشارقة وباتصاله اتصالا يدعوا إلى الاعجاب .

ولم تنقطع آثار المعارف الفلكية المصرية والبابلية عن اليونانيين فى القرنين الخامس والرابع، بل اشتدت وزادت بكثير خلال القرون اللاحقة، وخاصة فى القرنين الثانى والأول ق.م.

وكتاب (المجسطى) خير دليل علي ذلك ؛ حيث يعرض فيه بطليموس نصوصا كثيرة تبين ما عسى أن يكون للمصريين والبابليين من آثر فى تقدم الفلك اليونانى، فمثلا يقول بطليموس أن نظريات (هيبارخوس) عن حركة القمر وحركات الكواكب السيارة مستمدة لدرجة ما بين الأرصاد البابلية).

كما برهن الأب (كوجلر) على أن العينات التى أوجدها هيبارخوس لطول الشهر والوسطى والقمرى، والنجمى، والفلكى، والعقدى) تنطبق تماماً عل ىالعينات التى وجدت فى الألواح الكلدانية المعاصرة .

ومن ناحية أخرى فإن بعض مؤرخى العلم المنصفين قد حاولوا أن يبينوا أثر الفلك الشرقى فى تقديم الفلك اليونانى فمثلا يذكر سارتون أن الأفكار التنجيمية التى انبعثت من فارس وبابل قد دمجت فى عهد باكر بتصورات الفيثاغورث والأفلاطونين . كما يذكر أيضاً أن التقويم اليونانى الذى أسس سنة 45 ق.م قام على أساس التقويم المصرى القديم . كما يذكر أيضا أن البابليين كاونوا أول من فكروا فى أسبوع يتألف من سبعة أيام، فعند البابليين نشأت فكرة الأيام الايام السبعة من أصل كواكبى (ذلك أنهم عرفوا سبعة كواكب سيارة تشمل الشمس والقمر) . وقد شاع استعمال فكرة هذه الأيام فالأزمنة الهيلنستية فكانت أسماء الكواكب تترجم إلى اليونانية أو تعطى ما يقابها من أسماء مصرية فى مصر فى عهد البطالمة.

مما سبق يتضح لنا أن الفلك اليونانى لم يأت على غير مثال، بل كان نتيجة جهود الشرقيين السابقين فى مصر وبابل وفارس والهند ثم حاول فلكيو اليونان أن ينظموا ما أخذوه عن الشرقيين فكان ذلك الفلك اليونانى.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ابراهيم مشارةالآخر هو امتداد لنا، وإلغاؤه إلغاء لذواتنا، الآخر المختلف شكل آخر من أشكال الحياة والفكر إنه نموذج حي واقعي لوجود إمكانات أخرى للفهم والتجربة والمعاش ليس بالضرورة أن تتطابق مع فهمنا وسلوكنا  وتجاربنا وإلغاء الآخر المختلف ظلم لذواتنا .

في الأدبيات الدينية "المؤمن مرآة لأخيه" ما معنى ذلك؟ إنه مرآة يرى فيها المرء ذاته بشيء من الموضوعية فيرى أخطاءه  وقصور رؤيته  فيعدل من فكره أومن سلوكه لأن ذاتية المرء تحول بينه وبين الرؤية الصحيحة والموضوعية والواضحة،فهناك الضبابية نتيجة الهواجس الذاتية والرغبات والمخاوف والأحلام والشهوات السلطوية والحسية وهي حجب تحول دون الرؤية الواضحة والصحيحة.

في السياسة يشكل الآخر المختلف في شكل المعارضة صورة رائعة للاختلاف الباني للوطن إنه ينقذ من جحيم الغطرسة والنرجسية والتعالي والسلطوية والتأله:"ما أريكم إلا ما أرى  وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، لم تعد المعارضة إلا شريكا في الحكم وشريكا في البناء إنها منتجة للفكر وللمواقف وعلى أساس الاختلاف بين الحاكم والمعارض  تبنى الأوطان والنقابات العمالية خير مثال إنها معارضة للسلطة ففي حين تدافع السلطة عن الأغنياء ولوبيات المال والاقتصاد تدافع النقابة معارضة عن حقوق العمال والكادحين  وجميع مكاسب العمال هي من نضالات النقابات العمالية (وهي شكل من أشكال الآخر المختلف أي المعارض) والرأسمالية ذاتها استفادت من الآخر المختلف فالنقابة هي فكر يساري فإن همش اليمين الليبرالي الحاكم اليسار فإنه اغتنى بتجربته ومقولاته لذا لا يقبل الغربيون بمعارضة تسجن ولا آخر مختلف يقصى.

عندنا  الآخر المختلف شطبه مسالة سهلة، اللامبالاة بما يقول، تهميشه، وعند الحكام سجنه في سجن أو  في سرداب أو في إقامة جبرية أو منعه من حقه في نقل المعلومة وتبادلها  فالحاكم لا يريد الآخر المختلف إنه يريد الآخر المؤتلف إنه يبحث عن المطابق،إنه يبحث عن الحاشية لمتنه السياسي وبقدر دفاع المثقفين والمجتمع عن معارضته يكون مستوى الفكر والأداء والفاعلية الثقافية والفكرية والسياسية .

الأمة الحرة لا تزهد في معارضيها ولا تسكت عن سجنهم أو تكميم أفواههم أو إقصائهم لأن ذلك يشكل جريمة ضدها. إقصاء الآخر المختلف يعني إقصاء الأنا، إلغاء الذات فالآخر هو امتداد لنا لذواتنا إنه صورة أخرى لنا مختلفة عنا ولكنها جزء منا  إنها الكينونة البشرية في تعددها وتناغمها وهي مثل الضوء تراه أبيض ولكنه في الحقيقة ألوان كثيرة . ومن يفرح بتهميش الآخر وإقصائه وحجبه  وحرمانه من حق الكلام أجد ترجمة لذلك في المثل العربي القديم  الذي يقول:"أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه "إن السياسي الذي يسجن المعارض يحرم الوطن من فكر ومن قدرة على العطاء إنه يحول بين الوطن بين التطور.لذا فالأمة التي تزهد في معارضيها وسياسييها وتسكت عنهم تعدم نفسها وتقضي على ذاتها لأنها ببساطة حرمت نفسها من حق الكلام  ومن حق التفكير ومن حق العمل ومن حق التمثيل. بقدر دفاع الأمة عن معارضيها ومساجينها يكون مستواها الحضاري والفكري.

إن تخوين المعارض والاعتداء على كرامته وحقه في التعبير والكلام والاعتقاد ليس إلا تخوينا للأمة ونسفا لمبدأ الحق العام في الكلام بصوت مرتفع، وكثيرا ما أتأمل المثل العربي  الذي يقرأه الناس عادة ولا ينتبهون إلى دلالته الرمزية السياسية والاجتماعية ذلك أن الأمثال تتوسل بالحكاية والأسطورة والرمز والتماهي والقناع إلى التعبير عن قضايا سياسية ودينية واجتماعية هربا من القمع والعسف يقول المثل"أبصر من الزرقاء"  زرقاء اليمامة التي قال فيها الشاعر القديم:

إذا قالت حذام فصدقوها **فإن القول ما قالت حذام

إن النهاية الرمزية المأساوية  لهذه المرأة التي كانت ترى الجيش من مسيرة أميال هي سمل العينين أي سمل البصيرة والرؤيا والبصر فكأن المثل يقول إن الإلغاء والإقصاء تدفع الأمة ثمنه فادحا تخلفا واستبدادا وعماء ولا أدل على ذلك من سمل عين الزرقاء.

ويمكن عد أشكال العنف الرمزي وممارسة السلطوية والوصاية بالكلام: أنت امرأة ماذا تعرفين، أين المرأة التي صامت شهرها كاملا حتى تتكلم؟ العنف الرمزي يتمثل خاصة في هذه الكلمات وهي مقاصل تعدم وشفرات تذبح"بقرة إبليس"، "حبائل الشيطان" ..... وليست النكت الجنسية عن أعضاء المرأة والعادة الشهرية إلا شكلا من أشكال القمع والإدانة والحرمان من الحق في الكلام فمن تسخر من أعضائها ومن أنوثتها وعادتها الشهرية  كيف تستمع إليها أو تعطيها الحق في الاختلاف والتميز؟ إن النكت الجنسية شكل من أشكال التسلط والإلغاء والحجب .

أو ماذا يقول هذا الولد؟ متى كان الصغار يتكلمون؟ الصغار سفهاء، الشباب طيش وسفه وجهالة لا حق لهم في الكلام وماذا عندهم غير الصبوات والشهوات؟ .... هل نحن بحاجة أن نذكر الناس أن رسالة الإسلام حين بدأت كانت حجة المكيين كيف نقبل بدين يمثله شباب وكيف نسمح لشاب في الأربعين أن يعلمنا ويحدثنا عن المصير والحياة والعالم الآخر؟ أشباب مكة يقودون شيوخها؟ هذه أمثلة للعنف الرمزي وممارسة الإقصاء والإلغاء وهي نماذج بإمكان كل واحد أن يجد لها الكثير من الشواهد.

والإلغاء يتخذ أشكالا مختلفة فمن السخرية إلى الصمت وكأن شيئا لم يحدث إلى التوسل بالسلطات الرمزية والسياسية وانتهاء بالقمع .

والمثقف الذي يمارس حق الوصاية على الأمة ويعتبر نفسه المسؤول عن مستقبلها والحامل لبنيتها الثقافية والفكرية والناطق الرسمي باسمها بمنطق الشمولية والوصاية والتأله هو مثقف مسخف إنه صورة لتردي الأمة إنه لا يختلف عن السياسي المستبد فكما في السياسة مستبدون ففي الثقافة مستبدون يستطيعون أن يرسلوا بمعارضيهم إلى السجون أو إلى المنافي أو إلى صحراء النسيان والإهمال بسبب علاقتهم بعصب الحكم ووسائل الإعلام إن هذا المثقف المسخف وما أكثره في مجتمعنا العربي هو أخطر من السياسي المستبد الذي يمارس سياسة السجن والإقصاء. تردد الحداثة الغربية مقولة لفولتير: "لا أؤمن بما تقول ولكنني سأدافع عن حقك في أن تقول" وتعمل بمقتضاها عندها على الأقل وعندنا كثير من المثقفين يترنمون صباح مساء بهذه المقولة ولكنهم في صميم ذواتهم مستبدون كلانيون طغاة يمارسون الإقصاء والوصاية ينتقدون السلطة وهم جزء منها أو يسعون إلى توسيع دائرتها  لهذا كم من الأفكار الخلاقة غائبة عن ساحتنا العربية بسبب سياسة الإقصاء وبلاغة الإلغاء كما يسميها أدونيس.

والمتدين الذي يرى نفسه يمتلك حق التأويل وحق الكلام في الدين ووحده المالك لمفاتيح الفهم والتفسير لا يختلف كذلك عن السياسي المستبد إن ذلك أخطر إنه يمارس الوصاية على الأمة وإذا أخطأ في الفهم أو استبد دفعت الأمة ثمنا فادحا لاستبداده وإقصائه لغيره ممن يملك رؤيا وفهما أكثر فاعلية ومرونة واستجابة لحاجات العصر ومتطلبات الحياة ويمكن أن نجد هذه الأشكال اليوم في دفاع بعضهم عن الحكام وطاعة ولي الأمر أكثر من دفاع الحكام أنفسهم عن مشروعيتهم السياسية وسكوتهم أو هروبهم من مشاكل حقيقية وربما نفاقهم وانتهازيتهم أمام قضايا مثل : الصراع العربي الإسرائيلي، مفاهيم الديمقراطية،الحريات،  حقوق الطفل، المرأة، السجناء، الطفولة المسعفة، المشاكل الجنسية، العلاقة مع الغرب .....

والأكاديمي الذي يصول ويجول في الكلية ممارسا سلطة اللقب وهي جزء من الرأسمال الرمزي الذي يمتلكه (المعرفة وأدواتها) ويمارس سلطة الإلغاء وبلاغة الإقصاء لغيره باعتباره الوحيد الذي يفهم ويعرف والآخرون ليسوا سوى الظلال الشاحبة لصورته والانعكاس لذاته العظيمة العلية هو مستبد مثله مثل السياسي وإن عجبت فاعجب له يتحدث عن ظلم الحكام واستبداد الغرب وطغيان الحاكم ثم هو ذاته طغيان وظلم وما احتكاره حق الكلام وحق التمثيل وسلطة الإلغاء إلا صورة أخرى للاستبداد والإقصاء.  كم في المجتمع وفي الجامعة ذاتها من أفكار ورؤى ومفاهيم وتصورات وتجارب تغني واقعنا وتنير ذواتنا ولكن سياسة الإقصاء منعتنا من مفاتيح تفسير وأدوات عمل.

وينسحب الإلغاء إلى البيت العربي ذاته إن سلطة الأبوية ووصاية الوالدين تلغي فكر ومنطق الأولاد مع أن الأدبيات الدينية المأثورة تنص على تربية الأولاد تربية مختلفة عن تربيتنا  لأنهم مخلوقون لعصر غير عصرنا ولذا فالبيت العربي صورة أخرى للقصر وللحكومة إنه الاستبداد والوصاية والإلغاء تحت ذريعة المصلحة  التي يعرفها الوالدان والتجربة الحياتية .

والعالم الغربي المتطور هو ذاته قائم قام الإلغاء والإقصاء إن الأمريكي مثلا يرى حضارته كل شيء ولذا فالحضارات الأخرى لا حق لها في الكلام ولا في الوجود إن إبادتها وشطبها من القائمة هو السبيل لإلغاء صراع الحضارات والدخول في الدين الجديد والعولمة الشاملة  وما هذا القمع للحضارات الأخرى والتعالي عليها بل تدميرها بآلات الحرب ووسائل الدمار إلا صورة ناطقة لبلاغة الإقصاء والإلغاء  مع أن العلم الحديث يقر بأن الحضارات أنظمة مغلقة لا يجوز التفاضل بينها لأنها خصوصيات إثنية ومكانية وتاريخية من حقها الوجود ولا تجب المفاضلة بين الشعوب  إلا في العلم والأداء السياسي أما الدين وألوان اللباس والعادات وأشكال الغناء والفنون فلكل خصوصياته  وهي في النهاية تغني التجربة الإنسانية وترسخ مبدأ التعدد والتمايز والاختلاف.

بقدر دفاعنا عن الآخر المختلف عنا ندافع عن وجودنا وهويتنا المتعددة وعن إنسانيتنا وبقدر دفاعنا عن معارضينا  وعن نسائنا وأطفالنا وعن المهمشين في مجتمعنا وعن حق الكلام والاعتراض نبني أوطاننا ونحافظ عليها ونفتح صفحة مشرقة في الارتقاء بالجنس البشري إلى حياة أفضل وعالم أكثر سعادة مع الاختلاف والتباين.

 

ابراهيم مشارة

 

صادق السامرائيساقترب من الموضوع من وجهة نظر نفسية سلوكية بحتة، فالطبيعة البشرية عدوانية غابية تميل إلى سفك الدماء وإمتهان الآخر البشري، للحصول على التوهم بالقوة والسطوة، وإمتلاك الحياة والإنتصار على الموت.

ويتملكها شعور بالفوز بالحياة عندما تميت الآخر، والموت الذي تسعى إليه أنواع ودرجات، غايته الهيمنة والسيطرة والإذلال، وتوليد شعور زائف بالزهو والكبرياء.

سلوك متواصل منذ الأزل وسيبقى أبدا، ولا يزال قائما ومتفشيا وفاعلا في واقعنا المعاصر، وبأساليب تضليلية تبدو وكأنها مُثل وقيَم إنسانية عليا، وهي خداعات إستعبادية إسترقاقية إذلالية بشعة وسافرة القسوة والدمار.

والأدلة لا تعد ولا تحصى، ، فبدلا من إستعباد الأفراد وإسترقاقهم، صارت الشعوب مستعبدة مبددة مذلولة، مصادرة الحقوق والثروات، وتابعة لأسياد أقوياء يرسمون معالم مصيرها الأليم.

البشرية مضت على سكة أن المنتصر يحسب المهزوم بكل ما فيه وعنده وعليه غنيمته، ويحق له التصرف بالغنيمة كما يشاء ويشتهي، فيتحول وجود المهزوم إلى ملك مشاع عند المنتصر عليه، فيقتلون ويغتصبون وينهبون ويأسرون ويسرقون ويبيعون البشر بالجملة وبالمفرد، وما خلت مجموعة بشرية من هذا السلوك على الإطلاق، وفي جميع العصور والدهور والأزمان.

ولا علاقة للأديان بهذا السلوك، بل أن الرسالات السماوية والدنيوية جاهدت لتهذيب السلوك البشري ولم تحقق النجاح المنشود، بل تم إمتطاؤها جميعا لتأكيده وتسويغه والإمعان بوحشيته وقسوته، بإسم المعتقد والتصور المزعوم، الذي يحررها من المسؤولية وتأنيب الضمير.

ويعود السبب الجوهري إلى الطاقة السيئة الكامنة في أعماق البشر، والموصوفة بالنفس الأمّارة بالسوء، التي ما أن تتحرر من الروادع حتى تنفلت مسعورة متأججة طاغية بركانية الإنفجار والإنتشار، فتبلد المشاعر والأحاسيس وتحيل أصحابها إلى تنور مسجور.

وهذه النفس الشريرة العدوانية الأنانية الخارقة الأعاجيب في تفاعلاتها التوحشية، تمكنت من البشرية وعطلت عقول أجيالها مرارا وتكرار، وأوردتها المآسي والحروب، وقتلت منها الملايين تلو الملايين، وفي عصرنا الفوار التواصلات صارت لها أساليبها وقدراتها الأشد فظاعة مما عهدته من قبل.

فبعد التعرف عليها وإكتشاف قوانينها ونوازعها وطبائع ما فيها، تم سن البرامج الفاعلة لإستخدامها في العدوان على أصحابها، وتحويلها إلى طاقة ذاتية فعالة لإبادة الهدف المطلوب، أي أنها صارت قوة مضادة للبشر الذي تتوطنه وتعتمل فيه، وهذا ما يحصل في العديد من المجتمعات التي تحقق تفجير طاقات النفس الأمارة بالسوء فيها، فأحالتها إلى نثار وعصف مأكول.

والخلاصة أن الإستعباد والإسترقاق من ألطف وأخف ما تحويه وتسعى إليه النفس الأمارة بالسوء، لأنها إذا إنفلتت تكون طاقة متوحشة مفترسة عمياء متبلدة يستحي من قسوتها الحجر!!

 

د. صادق السامرائي

......................

*هذه المقالة تواصلا مع مقالة الأستاذ علاء اللامي المحترم.

 

هل اخترع العرب المسلمون الجزية وتجارة العبيد والجواري ليعتذروا عنها؟ / علاء اللامي

 

 

عبد الخالق الفلاحالعمل السياسي في الدولة  هو المشاركة في صنع القرار السياسي والإداري والتحكم في الموارد على كافة المستويات. والسياسية هي سلوك مباشر او غير مباشر يلعب بمقتضاه الفرد دوراً في الحياة السياسية لمجتمعه بهدف التأثير في عملية صنع القرار، وهي من آليات الديمقراطية في المجتمع التي تتيح إعادة تركيب بنية المجتمع ونظام السلطة فيه،لذلك هي أساس الديمقراطية وتعبير عن سيادة الشعب، وترتبط المشاركة السياسية بالإهتمام بالشأن العام وبمشاركة المواطنين والمواطنات في إنجازه، وبالتالي فهي تعبير للمواطنة ويجب ان تقوم على الحقوق المتساوية للجماعات وللنساء وللرجال على قدم المساواة وبإمكانية التمتع وممارسة هذه الحقوق و تعدّ المشاركة السياسية مؤشراً هاماً يدلّ على مدى ارتقاء الشعب على سلم الديمقراطية، وعلى مدى تقدمه، واستعداده لمواجهة تحديات الحياة بشكل جماعي لا يستثني أيًا من أفراده؛ وذلك لارتباط المشاركة السياسية بمفهوم التنمية السياسية، الذي ينعكس على التنمية المستدامة بشكل عام. والمشاركة السياسية موجودة في كافة المجتمعات، إلا أن هذا الوجود يتباين بين مجتمع وآخر؛ فتنخفض في المجتمعات المتخلفة، أو ما يطلق عليها دول العالم الثالث، بينما تزداد في دول العالم المتقدمة. الملاحظة المهمة هي ان العمل السياسي لا يتعارض مع طبيعة المرأة لانه يتطلب تعليما كافيا وفكرا وثقافة والتزاما بنصائح المجتمع وهذه حيثيات يمكن ان يتحلى بها عدد كبير من النساء. والاسلام وكذلك الاديان السماوية الاخرى لم تمنع المشاركة السياسية للمرأة. 

ان ضعف مشاركة المرأة في المجال السياسي يعود الى عادات وتقاليد خاطئة تكرست عبر فترات زمنية  وانتشار ظاهرة رغبات الفردية والقبلية مع عدم الفهم الحقيقي لجوهر الثقافة  مما اوجد الكثير من الاختلاف حول دور المرأة وعدم وجود مرجعية اسلامية مسؤولة تضع الامور في نصابها الصحيح ووجود عدد من القوانين المجحفة بحق المرأة لفترات ممتدة مما حول نتائج هذه التشريعات الى اعراف وقناعات راسخة ليس من السهل تغييرها بسرعة.ولا علاقة لها بتعاليم الاسلام التي اعطت المرأة كامل حقوقها الانسانية وهذا واضح وصريح في كثير من الايات القرآنية قال تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) صدق الله العلي العظيم، من هنا فان العمل السياسي لا يتعارض مع طبيعة المرأة سوى انه  يتطلب تعليما كافيا وفكرا وثقافة والتزاما بنصائح المجتمع وهذه حيثيات يمكن ان يتحلى بها عدد كبير من النساء. والاسلام وكذلك الاديان السماوية الاخرى لم تمنع المشاركة السياسية للمرأة.

مما لاشك فيه ان  المرأة تمثل  نصف المجتمع لكن الحضارة البشرية عاشت فترات طويلة لا تعي لحقيقة دورها ولا تمنحها حقوقها العادلة مقارنة بنصف المجتمع الآخر(الرجل) مما أثر في مشاركتها في الحياة العامة وعطائها الحضاري. 

لقد عاشت البشرية قرون طويلة لا تعي لهذا الدور ولعل ذلك ما أدي إلي تأخر مسيرتها لفترات طويلاً ولكن أصبح العقل البشري في القرنين الماضيين والحالي علي درجة عالية من النضج لتقبل فكرة المساواة والمشاركة  وما أن بدأت المرأة في حمل شعلة التقدم بالمشاركة مع الرجل حتي قطعت الإنسانية دروبا أطول في التقدم والخير والرخاء للبشرية جمعاء ومن المتوقع المزيد حيث لم تدخل المرأة مجالا إلا وأثبتت جدارة منقطعة النظير بل وتفوقت علي الرجل في بعضه.

هناك اسئلة تُطرح اليوم حول مدى جدية ورغبة الأنظمة الحاكمة في إفساح المجال أمام مشاركة المرأة في صنع القرار، وما إذا كانت دعوات المسؤولين في دعم المراة فهل هي نابعة من قناعات حقيقية بأهمية دور المرأة في الحياة العامة، تعد مشاركة المراّة في الحياة السياسة هي ظاهرة حضارية ودليل على وعي المجتمع وتطوره إلى جانب اخر انها ظاهرة ثقافية والتي هي أيضا ظاهرة سياسية حقيقية . ان الديمقراطية تتطلب مشاركة جميع أفراد المجتمعء وتتطلب مشاركة أوسع للمرأة لأن جميع أفراد المجتمع يتطلب مشاركة أوسع من النساء لأن النساء قدمن تضحيات كثيرة و المرأة العراقية تعرضت للمخاطر والاتتهاكات ودورها مهم في بناء المجتمع كونها الحجر الاساس في الديمقراطية.

اننا بحاجة الى تحرك اجتماعي يؤثر في سلوك الناس وفي ثقافتهم ويؤثر في فكره الادوار الاجتماعية التي نتعامل  بها حاليا بحيث تصبح الادوار الاجتماعية حسب الكفاءة والقدرة وليس حسب الجنس فقط ونحن بحاجة الى زمن حتى نصل الى مرحلة من التوافق والانسجام مع الادوار المختلفة لا تؤدي الى التقليل من شأن من يمارس دورا غير الدور النمطي الذي اعتاد المجتمع عليه مع التأكيد على اهمية دورها في  تربية الاطفال وتوجيههم وغرس القيم النبيلة في نفوسهم، ان ذلك يتطلب ان تتعرض المرأة الى انماط ثقافية جديدة لفترة زمنية تؤدي الى اكتسابها ثقافة وسلوكا معينين يهتمان بنقل مجموعة من القيم والمعتقدات والمعايير من جيل الى اخر، فالتدريب على الممارسات في الحياة العامة للمجتمع مسألة ضرورية للمشاركة السياسية وذلك عن طريق التوافق بين الادوار السياسية والافكار الاجتماعية .في العراق لم تنته الهيمنة الذكورية عند ذلك الحد و يبدو أن بعض الكتل السياسة تعمدت ترشيح بعض النساء غير المؤهلات لقيادة الوزارات، مما ألقت بظلال فشلهن  على إدارة دوائر ومؤسسات الدولة المركزية والمحلية في الغالب، و تفرض الأحزاب والكتل السياسية هيمنتها على الإدارات المحلية وتكلف رجالها بأعمال الإدارة والمتابعة والتوجيه، وبشكل لافت فقد غيبت النساء عن ساحة المفاوضات السياسية المعنية بتشكيل الحكومة والقضايا الوطنية المصيرية.ونحن بحاجة الى دور تربوي ودور عميق للاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بمساعدة الحكومة للوصول الى تغيير في انماط التفكير وبالتالي سلوك التعامل مع المجتمع ككل والمراة تعطيها الخصوصية اللازمة، ويقول يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) ومعنى أحرج: أضيّق على الناس من تضييع حقهما وأشدد عليهم في ذلك، فلا يمكن تعطيل المنافع بدافع الاصلاح والإيمان بأن هناك حلول وسط وأن يصلح الرجال النساء وتصلح النساء الرجال من الأجيال الشابة التي تملك فرصة التغيير والتطوير.

أن إصلاح الدولة والمجتمع يبدأ بصلاح الأفراد والتزامهم بالأخلاق الفردية و بإصلاح العلاقات المنحرفة في المجتمع والقلب الصادق والعين البصيرة هي التي تعطي كل ذي حق حقه.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

محمود محمد علينتحدث في هذا المقال عن ملامح الأصول الشرقية لعلوم الفلك عند اليونان، وقد كان قدماء الشرقيين متقدمين قدماء رائعاً في العلوم الرياضية، وقد كان لهذا التقدم أثره فى نشأة الرياضية اليونانية؛ حيث نهل فلاسفة اليونان من أمثال طاليس، وفيثاغورس، وأفلاطون، واقليدس من الرياضيات الشرقية فى تكوين منهجهم الرياضي.

ولما كان قدماء الشرقيين متقدمين فى العلوم الرياضية، فقد كان لهذا التقدم أثره فى نشأ ة علم الفلك؛ حيث ساعدهم على عمل التقويمات الفلكية، والتي كان من جرائها أنهم عرفوا طريقة رصد النجوم والكواكب واستخدام أدوات رصد مناسبة مثل المزولة والساعات المائية وغيرها، كما عرفوا أيضاً التقويم الشمسي والتقويم القمري؛ حيث قسموا السنة إلى اثنى عشر شهرا والشهر الى ثلاثين يوما، فتكون السنة الشمسية 365 يوم، فى حين تكون السنة القمرية 354 يوم، كما رصدوا ظاهرتي الكسوف والخسوف . بالإضافة الى معلومات فلكية كثيرة سوف نوضحها بالتفصيل خلال هذا المقال.

غير أن يعض الغربيين يرون أن الفلك الشرقى موجه لأغراض تتعلق بالسحر والتنجيم،وبالتالى فهم يأبون أن يطلقوا اسم العلم علم تلك المعلومات الفلك الرائعة التى توصل اليها قدماء الشرقيين، فمثلا يقول ((بيرنت)) عن الفلك البابلي أنه ((قائم على أعراض تتعلق بالتنجيم مثل قراءة الطالع وما أشبهه))، فى حين يقول ((سانت هلير))عن الفلك المصري لأنه " يعتمد علي مشاهدات مضبوطة ولكنها ليس لها علم فلكى)).

وفى الوقت الذى يقف فيه هؤلاء الغربيون هذا الموقف من الفلك الشرقى، نجدهم يعزون للفلك اليونانى كل خير؛ حيث يصفونه بأنه فلك علمى منظم أفاد البشرية افادة كبيرة، فنجد ((بيرنت)) يقول: ((أن أهم تطورات تنسب للفلك القديم هى من إنتاج العبقرية اليونانية فقد توصلوا:

أ- الى أن الأرض كروية وليست مستقرة على شىء.

ب- كما اكتشفوا النظرية الحقيقية عن الخسوف.

ج- كما توصلوا الى أن الأرض ليست وسط الكون، بل اكتشفوا الخطوة الأخيرة، أى أنها تدور حول الشمس ونما نذكر ذلك لنبين عظم الفجوة بين علم اليونانيين ومثيلة عند من سبقهم .

وهذه النظرة تنطوى على قدر كبير من التحيز والبعد عن الموضوعية ولذلك سوف نفندها خلال هذا المقال.

وسبيلنا الآن هو عرض اسهامات قدماء الشرقيين فى علم الفلك .

أولا: اسهامات قدماء الشرقيين فى علم الفلك:

كانت شعوب معظم الحضارات الشرقية القديمة شعوبا زراعية، لان هذه الحضارات ظهرت علي ضفاف انهار كبري، وكانت عملية الزراعة تتطلب من اجل نجاحها، معلومات فلكية كثيرة اذ أن من الضرورة حساب المواسم الزراعية حتى يمكن زرع المحصول فى الوقت المناسب، ولابد من توقيت دقيق لعمليات وضع البذور ورى الارض وجنى المحصول ... الخ فضلا عن ضرورة حساب مواعيد فيضان النهر والتغير فى حالة الطقس، وهكذا كان من الضروري أن تعرف هذه الحضارات حساب الفصول والسنين، وكانت أدق التقويمات الفلكية التى عرفتها حضارات زراعية عريقة، كالحضارة المصرية القديمة وحضارة وادى الرافدين وغيرهما.

وكان من العوامل الأخرى التى أدت الى تقدم علم الفلك فى هذه الحضارات، أن كثيرا من شعوبها كانت تمارس التجارة، وتحتاج الى الملاحة البحرية على نطاق واسع، ومن ثم كان الرصيد الفلكى الدقيق ضروريا فى عمليات توجيه السفن فى أعالى البحار.

وأخيراً فقد كان للمعتقدات والأديان الشعبية تأثير هام فى نمو معارف فلكية عملية كثيرة، وحسبنا أن نذكر فى هذا الصدر أهمية العقيدة الدينية عند الفراعنة فى عمليات البناء الهائلة، التى تحققت تلبية لمطالب دينية، كالأهرامات والمعابد الضخمة وكذلك الحاجة الى تخليد الانسان،والرغبة فى قهر الاحساس بفائه التى حفزتهم الى اكتساب المقدرة الخارقة على التحنيط والايمان بالتنجيم ومعرفة الطالع من التطلع الى النجوم الذى أعطى الناس فى تلك العهود طاقة هائلة من الصبر أتاحت لهم أن يومية بملاحظات وعمليات رصد مرهقة،أضافت الى رصيد البشرية فى ميدان الفلك معلومات لها قيمة لا تقدر.

ولنذكر فى هذا الصدد أن الارتباط بين التنجيم وعلم الفلك لم يكن فقد قائما فى حضارات الشرق القديم ، بل كان موجودا في كل العصور، حيث كانت ممارسة التنجيم تتطلب معرفة واسعة بالحقائق الفلكية، والابراج التى يقول المنجمون انهم يعرفون بها الطالع هى اشبة ما تكون بخريطة كبرى للسماء، تضم كثير من المعلومات الفلكية الصحيحة، واسم التنجيم ذاته يفترض معرفة النجوم، ومن ثم كان تدخلهم مع علم الفلك، بل ان كبار الفلكين كانوا فى الوقت ذاته منجمين، فمثلاً كان العلم الألماني العظيم (كبلر) الذى حدد المدارات البيضاوية للكواكب واهتدى إلى مجموعة من أعظم القوانين الفلكية الرياضية، كان يؤمن بالتنجيم ويمارسه، ولم يكن يعتقد ان ممارسته له تتعارض – على أى نحو مع عمله الدقيق – بل إن السعى إلى جعل التنجيم والتنبؤ بالطالع، ربما كان واحد من اهم الاسباب التى حفزت العلماء على الانشغال بعلم الفلك، والتى جعلت هذا العلم الذى يتناول ظواهر تبدوا بعيدة كل البعد عن اهتمام الانسان على وجة الارض، يصبح واحد من اقدم العلوم البشرية عهدا، ومن ادقها منهجا، ولولا ان الحكام كانوا يحرصون على معرفة طالعهم ويستشيرون المنجين فى قرارتهم الهامة لما اولوا لعلم الفلك ذلك الاهتمام وقدموا اليه ذلك التشجيع الذى ادى الى نهوضه منذ وقت مبكر.

واذا كان بعض الغربين يفرقون بين الفلك الشرقى والفلك اليوناني، حيث يرون ان الفلك عند الشرقيين قائم على السحر والتنجيم، فى حين أن الفلك عند اليونانين قائم على التنظيم العلمى،. فهذه التفرقة ليست موضوعية إذا اخضعناها للبحث العلمى الدقيق، ان المنطق والتاريخ يشهدان على ان قدماء الشرقيين قد وصلوا الى مبتكرات فلكية افادت اليونانيين الذين جاءوا بعد ذلك . حيث استفادوا من الموروث الفلكى عند السابقين عليهم ثم وظفوه وبلوروا فكانت اعمالهم الفلكية تعد ثمرة تأثير الشرقين عليهم .

وعلينا هنا ان نثبت ذلك فنوضع مظاهر اهتمام الشرقين القدماء بعلم الفلك، حيث نتكلم عن علم الفلك عند قدماء المصريين ثم البابليون ثم الهنود

1-  علم الفلك عند قدماء المصرين:

تشهد بعض كتابات الغربين فى تاريخ العلم نقدا شديدا للفلك المصرين، فنجد ((تاتون)) يقول : ((من العبث البحث فى النصوص المصرية عن اشارة واحدة الى كسوف، وهذا النقص فى الملاحظة يتعارض مع النصوص البابلية والكلدانية المعاصرة لهم، والتى تضمنت اشارات عديدة حول الوقائع الملحوظة من قبل الفلكيين . والصحيح ان حالة معارفنا عن علم الفلك المصرى هى من الضالة بحيث يصعب ان نرى فى هذه الواقعة ظل جهل او لا مبالاه من قبل المصريين اكثر مما هى نقص فى المصادر.

ويسايره (فوريس) و(ديكستور هوز) يقولا: (بالغ اليونانيين كثيرا، كما بالغوا فى حالة الرياضيات، فى تقدير المصريين فى علم الفلك، والحقيقة ان علم الفلك المصري لم يتخط مطلقا المرحلة الابتدائية، الا حين اتصل بعلم الفلك البابلى فى الفترة اليونانيين(300ق.م) فليس لدينا سوى برديتين مصريتين ديموطيقيتين مبنيتين على أصول أخرى تتناول علم الفلك)).

والحقيقة ان هذة النقد يعتبر غير صحيح الى حد ما، فلم يكن الفلك المصرى بدائيا بسيطا ساذجا لمجرد انه لم توجد برديات كثيرة لشرح النظريات الفلكية، فقد كان الكهنة المصريون يعتبرونها (من اسرار المهنة) التى لا يجوز الاطلاع عليها.

ورغم انعدام الوثائق عن معرفة الفلك المصري ظاهريا وإلا أنه كان يوجد فى مصر كتب فلكية او على الاقل مجموعة تشبه المجموعات المماثلة بالنسبة الى الحساب والطب . وقد كتبت فى العصر الهيلينستى مثل (بردية كارلسبرغ) التى دونت بعد الميلاد، هذا بالإضافة الى وجود معلومات فلكية كثيرة يمكن تلمسها فى نقوش المقابر والمعابد مثل معبد (رمسيس الثلث) ومعبد (ابيدوس) ومعبد الالهة (حتحور) بدندرة ...الخ وهى تبين ان القدماء المصريين قد بذلوا جهودا مبتكرة فى علم الفلك، وان علماء الفلك المصريين مشغولون بقضايا علمية مثل قضية التقويم، وابتكار العام والشهر واليوم كوحدات فلكية لقياس الزمن وتقسيم النهار الى 12 ساعة والليل الى12 ساعة، وكان اهتمامهم بالعالم غيرالمرئى قاصرا على الحياة بعد الموت، ولذلك لم يتحمسوا للتنجيم في حين كان اهتمام اليونانيين لهذا العالم قاصرا على هذه الحياة المادية الملموسة، وظنوا ان التنجيم يمكن ان يؤدى بهم الى فض مغاليقه .

فقد اكتشف المصريين القدماء منذ عهد الاسرة الاولى فكرة التقويم الشمسي، وقسما السنة الى اثنى عشرا شهرا وكل شهر الى ثلاث عشرات، بحيث تتكون السنة من ستة وثلاثين عشرة (360 يوما)، لكنهم سرعان ما اضافوا موسما للاعياد مؤلفا من خمسة ايام، فأصبحت سنتهم 365 يوم، وتبدأ السنة العادية فى أول يوم من الشهر (توت) وتبدأ السنة الفلكية أو سنة (الشعرى اليمانية) يوم يطلع هذا النجم بعد ان رصدوه عدة سنين، وذلك لان مدة السنة العادية 365 يوما،ومدة سنة الشعرى 365 وربع يوم، وهذا الاختلاف يجعل توافق طلوع الشمس والشعرى بصفة رأس السنة الفلكية، بأخير يوما كاملا عن راس السنة العادية كل اربع سنوات، ومعنى ذلك أنه إذا وقع  الفلكية فى أول شهر (توت) فانه بعد اربع سنوات يقع فى اليوم التالى له، وبعد أربعين سنة في آخر رأس السنة الفلكية من راس السنة العادية عشرة ايام وهكذا، وبالتالي ادرك الفلكيون المصريون ان اول السنة الفلكية لا يقع اول السنة العادية الا مرة كل 1460 عاما، وهو ما يعرف بدوره (الشعرية اليمانية).

ولما كان من غير المقبول ان يبدأ فى مستهل السنة بعد مضى جزى منة (ربعه)، وحتى لا يتسبب كسر اليوم فى تغيير مبدأ السنة على مر الايام فقد تغلب المصريين القدماء على هذة المشكلة باسنباط السنة (العادية) ذات الايام الكاملة بدون الكسور، فيما يختص بعد السنيين فجعلوا فى كل دورة من اربع سنيين ثلاث كل منها 365 يوما، والسنة الرابعة 366 يوما، مما جعل متوسط السنة-365 يوما، والطريف ان كلمة (دورة) لازالت تعنى الرقم اربعة عند المصريين ويستخدمونها فى الريف المصرى في احصاء وعد بعض المنتجات الزاعية وغيرها، وتروى الاساطيل المصرية ان اله الحكمة المصرى (تحوت) قد اخترع العلوم كلها من 18000 سنة قبل الميلاد، وذلك خلال حكمة على ظهر الارض البالغ ثلاث الاف من الاعوام . وان اقدم الكتب فى كل علم من العلوم كانت من بين السنة والثلاثين الف كتاب من الكتاب التى وضعها (توت) كما يروى المؤرخ المصري السمنودي (ماينتون) الذى عاش حوالى 300 سنة ق.م ومن بين هذه العلوم علم الفلك والتقويم، وانه قسم اليوم عشر ساعات، وكل ساعة مائة دقيقة، وكل دقيقة مائة ثانية .

ولم تقف جهود القدماء عند حد ابتكارهم للتقويم الشمسى، بل كانوا أول الشعبوب معرفة بالنجوم،معرفة ترجع الى أبعد عصر من عصور ما قبل التاريخ، لأن جو مصر الصافى ولطافة طقسها المنعش أثناء الليل حدا بالناس الى التأمل فى حركات الأجرام السماوية ولا بد أنهم لاحظوا أن النجوم موزعة توزيعا غير متساو، وأنها مجموعات أو أبراج لها أشكال معينة يسهل التعرف عليها، ومن أساطيرهم الموغلة فى القدم أنهم تصوروا السماء كلها محاطة بجسم اليهة السماء ((توت)) التى تحمل جسمها على يديها وقدميها، وهذه النظرة الشاملة الى السماء مكنت  المصريين من التعرف على مجموعات سماوية شاسعة بالقياس الى المجموعات الفلكية الحديثة التى توصل اليها الانسان المعاصر بأحدث الأجهزة التكنولوجية وأكثرها تعقيدا . بل أنهم قاموا بدراسة منهجية لهذا المجموعات من خلال تقسيم منطقة واسعة على طول خط الاستواء الى سته وثلاثين قسما، يشمل كل منها أسع النجوم والمجموعات أو أجزائها مما يمكن رصد ظهوره كل عشرة أيام متعاقبة، كما اكتشفوا العلاقة بين شروق الشعرى اليمانية والفيضان السنوي للنيل باعتباره أهم حدث فى الحياة المصرية وقوة الدفاع المتجددة لحضارتها، ومصدر الرخاء لكل الشعب أو السبب فى ضنكه إذا جاء منخفضا، فعلى الرغم من أن فيضان النيل لم يكن منتظما دائما، الا أنهم اكتشفوا اتفاق هذا الحدث تماما أو تقريبا مع شروق الشعرى اليمانية بصفتها أكثر النجوم تألقا فى السماء .

كذلك تتجلى ريادة علماء الفلك المصريين فى استخدام أدوات فلكية بارعة مكنتهم من اجراء الرصد بدقة، ومن هذه الآلات المزولة الشمسية (وهى عصا مستقيمة تنصب على سطح أفقى، ويكون لها ظل يتغير بتغير مسار الشمس، وتتجدد الساعة من طول ظل العصا، الذى يكون أقصر ما يمكن عند الظهيرة)، والساعة المائية التى تستخدم لتحديد الوقت فى الليل بصفة خاصة، وهى آلة ذات شكل أسطوانى بها ثقب من أسفل يسمح بمرور الماء بصورة تدريجية، وعلى الآلة خطوط تدل على الساعة بصورة تدريجية كلما انخفض مستوى الماء فيها،وهناك نوع أخر من هذة الساعات يعتمد على الامتلاء، حيث يسقط الماء فيه تدريجيا من اناء اخر.

ولاشك فى ان هذه الآلات قد ساعدت المصريين فى معرفة الكسوف والخسوف يقول (بلوتا خوس) اليونانى فى كتابة (ايزيس واوزوريس): (ان المصريين اكتشفوا ظاهرتى كسوف السمش وخسوف القمر، وانهم عللوا هاتين الظاهرتين مثلما تعللها نحن الان، وكانو يعتقدون ان السمش والقمر ابديان ومثلوها بثعبان يلتف على شكل دائرة، كما انهم رمزوا للبروج التى تعرفها باسماء بعض البلاد مثل برج الدلو الذى رمزوا له بجزيرة "فيلة" (امام اسوان) وللمريخ برمز (ابو للونوليس) (ادفو) برمز (اسنا) وللمشترى برمز (ارمنت) وللحمل برمز (طيبة) وللزهرة برمز(دندرة)... وهكذا.

مما سبق تقدم يتضح لنا ان الفلك المصري ليس فلكا بدائيا بسيطا كما يزعم بعض الغربيين وانما هو فلك علمى منظم .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

قاسم حسين صالحيحتفل العالم هذا اليوم (10 تشرين اول / اكتوبر) بيوم الصحة النفسية العالمي (  World Mental Health Day ).. تجري فيه ندوات ثقافية امتازت هذا العام بخصوصية وباء كورونا الذي اصاب حتى الآن اكثر من 36 مليونا فيما تجاوزت الوفيات المليون شخصا. وقد دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (غيبريسوس) الى ان يكون هذا اليوم: "فرصة سانحة أمام العالم لكي يوحد صفوفه ويشرع في معالجة الإهمال الذي ما فتئت تعاني منه الصحة النفسية.. وإن لم نقطع حالاً التزامات جدية بزيادة الاستثمار في مجال الصحة النفسية، فإن العواقب الصحية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك ستكون بعيدة المدى."

ومع ان عددا محدودا من البلدان استطاع التعامل بنجاح مع وباء كورونا بزيادة التخصيصات للصحة النفسية واشاعة الوعي الصحي والسيكولوجي بين الناس عبر النت ، فان البلدان النامية لم تدرك اهمية الصحة النفسية للفرد والأسرة والمجتمع والدولة، ولم تدرك حقيقة إن كل دولار أمريكي يُستثمر في تعزيز علاج الاضطرابات النفسية الشائعة مثل الاكتئاب والقلق، يحقق عائداً قدره خمسة دولارات أمريكية في مجال تحسين الصحة والإنتاجية.

ويعد العراقيين هم اكثر شعوب العالم تعرضا للأضطرابات النفسية والعقلية، لأنهم الوحيدون الذين عاشوا الأربعين سنة الماضية (1980 – 2020) أقسى الأحداث التي استهدفت الصحة النفسية، يكفي ان نشيرالى انهم شهدوا ثلاثة حروب كارثية ( العراقية الايرانية ، غزو الكويت ، حرب امريكا) نجم عنها ملايين الشهداء والمعوقين والأرامل واليتامى، وحصار اقتصادي لثلاث عشرة سنة أكلوا فيها خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير، تبعها بعد (2003) سبعة عشر عاما من توالي خيبات واحباطات نجم عنها اخطر ثلاث ظواهر:الأنتحار والطلاق والمخدرات التي تضطر المتعاطي الى ارتكاب جرائم سرقة، وقتل، وخيانة زوجية، وممارسة البغاء والدعارة والقوادة، واكراه المحارم على الزنا ، والزنا بالمحارم!

العالم يحتفل.. والعراق بهوسه السياسي

يشهد العالم الذي يحترم الأنسان ويقدر العلم، نشاطا ثقافيا هذا اليوم باقامة ندوات ثقافية تهدف الى اشاعة الوعي الصحي والسيكولوجي ودعم من يعانون من اضطرابات نفسية وحث الحكومات على دعم خدمات الصحة النفسية.اما في العراق فأن الحكومة والبرلمان والناس منشغلون بالسياسة الذي تحول ادمانهم عليها الى هوس.. ويعدون (الصحة النفسية) ترفا لا يستحق الأهتمام.فيما تنشغل الفضائيات العراقية بضخ ما يشيع اليأس عند العراقيين وايصالهم الى حالة العجز من تغيير الحال، وتكرار استضافة محللين سياسيين اصبحت وجوه معظمهم تثير التشاؤم في المشاهدين.. مع ان العراق يحتل المرتبة الأولى عربيا في عدد الأصابات بوباء كورونا، وأن المناعة السيكولوجية لها دور رئيس في الحد من نشاط كوفيد 19.

من جانبنا.. كنا اولينا الصحة النفسية اهتماما خاصا، ونشرنا ثلاث مقالات تهدف الى نشر الوعي السيكولوجي عن وباء كورونا : فايروس كورونا من منظور سيكولوجي- بيولوجي – ديني، فوبيــا الوبـــاء.. المــوت هلــعا!، وثلاث مقالات باللغة الانجليزية:

(Coronavirus from Psychological Perspective, How to deal with a Coronavirus phobia, Sources and causes of Coronavirus Phobia)

ومقالة عن كورونا والمصابين بالزهايمر، كانت هي الأولى عربيا التي نبهت وزارات الصحة العربية الى الاهتمام بهذه الشريحة الأجتماعية المنسية، وقمنا محاضرات اون لاين بعنوان" ادارة الغضب.. كورونا استحضرت كل أسبابه" بدعوة من جامعة القادسية، ومحاضرة عبر زووم لمنصة أريد.وقبلها كنا بادرنا في 3 نيسان 2020 بتوجيه دعوة الى خلية الأزمة جاء في ختامها "اننا نحن السيكلوجيين مستعدون ان نكون معكم في جبهات الصد".. وكان حالها كحال الحكومة والبرلمان.. الاستغفال.

تحية لعلماء النفس والأطباء النفسيين في العالم الذين يعملون على ان يجعلوا الانسان اقوى من الضغوط واكثر حبا لنفسه والآخرين والعالم، وشكرا لكل من يشاركنا الاحتفال بهذا اليوم، ويعمل على اشاعة الثقافة النفسية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

عضو منظمة الصحة العالمية

10 /10 / 2020

 

 +964 770 251 100

اكتشاف الأنظمة الاجتماعية المسيطرة على حياة الفرد، يستلزم معرفة مسار الفرد في المجتمع، وطبيعةِ التناقضات في منظومة الحقوق والواجبات التي تحكم العلاقة بين الفرد والمجتمع. والتناقضات تكشف ماهيةَ المسار الفردي، وحقيقةَ الجوهر المجتمعي، واتِّجاهَ المشاعر الإنسانية، وهُوِيَّةَ الأنظمة الاجتماعية ذات البِنية السُّلطوية الحاكمة معنويًّا وماديًّا . والفلسفةُ الاجتماعية قائمة على دراسة الاختلافات والتناقضات والصراعات، وبِضِدِّها تتبيَّن الأشياء، وتُعرَف أهميتها . فمثلًا، في الصَّيف تُعرَف أهمية الشِّتاء، وفي الشِّتاء تُعرَف أهمية الصَّيف. وهذا المثال ينسحب على كُل الثنائيات، سواءٌ كانت في داخل الإنسان أَمْ خارجه . وبما أنَّه لا يُوجد مجتمع إنساني مثالي، ولا يُوجد فرد كامل، فإن تيارات فلسفية جديدة ستنشأ وتتكاثر لدراسة حالات النقص والتعارض والاختلاف والتَّضَاد، وسوف تَبْرُز أفكار معرفية تقوم على تكوين الأُصُول الاجتماعية، وربطها بالفُروع والتطبيقات على أرض الواقع . وبما أن المريض وَحْدَه هو الذي يحتاج إلى دواء، فإنَّ اختبارات كثيرة ستظهر من أجل الوصول إلى الدواء الفَعَّال . وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع، فكِلاهما كائن حَي، يَمْرَضَان، ويَبحثان عن الدَّواء مِن أجل الشِّفاء . والاعترافُ بالمَرَض هو الخُطوة الأُولَى للعلاج .

2

كُلُّ فرد له حركتان في حياته: حركة في داخل ذاته، وهي انتقال عَبر الأفكار والمشاعر والصراعات النَّفْسِيَّة، وحركة في داخل مُجتمعه، وهي انتقال عَبر الضغوطات الحياتية والقيم الاستهلاكية والحاجات البيولوجية . وإذا سَيْطَرَ الفردُ على نَفْسه، سَيْطَرَ على عناصر البيئة المُحيطة به . وإذا نَجَحَ في صناعة الحُلْم في داخله، نَجَحَ في صناعة مُستقبله في الحياة . والطموحاتُ الفردية لا يُمكن أن تتحقَّق واقعًا ملموسًا إلا بإزالة كافة الحواجز بين الفرد والمجتمع، وفَتْحِ الحُلْم الفردي على مِصْرَاعَيْه أمام أمواج المجتمع، كي تحدُث عملية الاندماج والتمازج بين الأنا والآخَر في المجتمع الواحد، فالفردُ جُزء مِن المجتمع (الكُل)، والجُزءُ لَيس له وُجود بدون الكُل . وشرعيةُ الغُصن مُرتبطة بوُجوده في الشجرة، أمَّا إذا رُمِيَ الغُصن على الرَّصيف، فَسَوْفَ تَسحقه أقدام المَارَّة، ولَن يُدافع عَنه أحد .

3

لا مَفَر مِن تعامل الفرد مع الصراعات النَّفْسِيَّة والتناقضات الاجتماعية، كما أنَّه لا مَفَر مِن تعامل الرُّبَّان مع البحر المُتلاطم الأمواج . والسَّفينةُ هي التي يجب أن تتأقلم معَ البَحْر، وليس العكس، لأنَّنا نَملِك سُلطة على السَّفينة، ولا نَملِك سُلطة على البحر . وهذه الفكرةُ ينبغي أن يَستوعبها الفردُ في حياته الاجتماعية، كَي يُميِّز بين الظروف التي تَحْكُمنا (الظروف الحاكمة)، والظروف التي نَحْكُمها (الظروف المحكومة)، وكَي يُفرِّق بين الأشياء التي نَكون فيها مُسيَّرين، والأشياء التي نَكون فيها مُخيَّرين . وهذا الأمرُ ضروري لأنَّه يُريح الفردَ ذهنيًّا وجسديًّا، ويُحرِّره مِن الضغوطات الفكرية والاجتماعية، ويَدفعه إلى الاستثمار في المُمْكِن، وعدم إضاعة وَقْته في المُستحيل. ولا يُمكن للفرد أن يُنَاطِح المُجتمعَ، ولا يَقدِر أن يُصلِح العَالَمَ، لأنَّ العَقْلَ الجَمْعي أقوى مِن العَقْل الفَرْدي . وهذه لَيست دَعوة إلى الكسل واليأس، ولكنها دَعوة إلى ضرورة معرفة الفرد لإمكانياته، وعدم تَضييع جُهده في معارك خيالية خاسرة . ومعَ هذا، يَنبغي على الفرد أن يَترك بصمته الشخصية في سبيل علاج مُشكلات المُجتمع والعَالَم، دُون أن يُحمِّل نَفْسَه مسؤوليةَ إصلاحهما . والفردُ لَيس وَصِيًّا على الناس، ولا مسؤولًا عن أعمالهم ونتائجها، ولَكِنَّه مُطَالَب بمُساعدة الناس، وتَسليط الضَّوء على أخطائهم، وتقديم حُلول ناجعة لإصلاحها، ونشر الوَعْي في المجتمع. ودورُ الفَرد مَحصور في إضاءة الشَّمعة، وليس إجبار الناس على المَشْي في الطريق . وكما أن تَحويل مَجرَى النهر لا يَكون بالسِّباحة ضِد التَّيار، وإنَّما يَكون ببناء السُّدود، كذلك عملية نقل المجتمع الإنساني من التخلف إلى التقدم، لا تكون بتحدِّي المجتمع ومُحاربته والوقوف ضِدَّه، وإنما تكون ببناء الوَعْي ونشر ثقاقة الإبداع . وكما أن الشاعر يستطيع العثور على مواطن الجَمَال في الأشياء القبيحة، وكتابة قصيدة جميلة عن شيء قبيح، كذلك الفرد يستطيع العثور على المعاني الإنسانية داخل المجتمع القاسي، وإيجاد أنظمة فكرية منطقية داخل الفوضى المجتمعية .

4

النظام الاجتماعي الحقيقي هو ترتيب لعناصر الفوضى وسيطرة عليها، ولَيس حَذفًا لها، لأنَّها _ ببساطة _ لا يُمكن حذفها ولا إلغاؤها . ومِن المُستحيل تكوين مُجتمع إنساني مُنظَّم بشكل كامل، والنظامُ الاجتماعي الكامل غاية لا تُدرَك . ومعَ هذا، إنَّ المُجتمع الذي يَعرف أخطاءه وعُيوبه وأمراضه، هو مُجتمع حَي وحيوي، يسير في طريق العلاج . أمَّا المُجتمع الذي يُكَابِر، ويُعَانِد الحقائقَ، ويَعتبر نَفْسَه خاليًا مِن المُشكلات والأزمات، فهو مُجتمع ميت، لا أمل في عَودته إلى الحياة . والمجتمعُ الميتُ الذي لا يَعرِف أنَّه ماتَ، لا يُمكن إقناعه بأهمية الحياة، وضرورةِ العودة إلَيها .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عبد الرضا حمد جاسمأعيد للأهمية حول المهنة والمهانة:

اول مرة أشار الراحل الوردي او كتب عن المهنة وعلاقتها بالمهانة في العام 1951 وذلك في محاضرته التي تحولت الى كراسة بعنوان شخصية الفرد العراقي ثم كرر الطرح في عام 1958 في محاضرته التي تحولت الى كراسة ايضاً تحت عنوان الاخلاق / الضائع من الموارد الخلقية /1958 تلك التي شارك بها في ندوة عن الضائع من الاخلاق جرت في الجامعة الامريكية في بيروت ونُشرت كبحث في مجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الامريكية في بيروت السنة11 ج2 حزيران1958 أي بعد سبعة أعوام عن طرحه الأول. وعاد وتطرق لنفس الموضوع في كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي /1965 ثم ختمها بنفس الصياغات في لمحات تاريخية عام 1977 هذا يعني انه اقتنع بالموضوع واعتمده في طروحاته.

................

الحقيقة شيء مستغرب من استاذ كرس حياته وكل اصداراته ووجوده العلمي التدريسي والاجتماعي على موضوعة علم الاجتماع والمجتمع العراقي. ولم يقف لحظة واحدة للانتباه او إعادة تفسير العلاقة بين المهنة والمهانة هذه العلاقة المهمة والخطيرة والملتبسة والمهمة جداً في موضوع الحضارة والتطور...كان على الراحل الوردي كما اعتقد ان يتوقف امامها كثيراً ولا يتعجل الاقتباس والبحث عن التأييد والاندفاع للجزم. 

 

أكثر من ربع قرن بين اول ذكر للمهنة والمهانة في طروحات الوردي واخر طرح لها دون ان يهتم بها ولو لمرة واحدة ذلك الاهتمام اللازم. 

أعتقد ان الموضوع خطير ودقيق ولا يجب ان يؤخذ كما السابقات واللاحقات من الورديات الكثيرات ببساطة وسطحية ودون إبداء رأياً فيها أو إضافة شيء بخصوصها ينتفع منه/به المجتمع والسبب كما اظن/أعتقد ان الراحل الوردي قرأ ذلك في المقدمة التي وضعها ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون على استعارة الوردي لها حيث كما ورد في السابقة واُعيدهُ هنا للتذكير ان الراحل الوردي كتب في ص16 كراسة شخصية الفرد العراقي/ 1951 التالي:[لأن صاحب السيف يأبى ان يكون صانعاً أو عالماً وقد كان يسمي ألصنعة ’’مهنة’’ أي شيئاً ممتهناً ومحتقراً’’انظر ابن خلدون المقدمة ص 544] انتهى

الراحل الوردي تمسك بهذا النص و اخذ يدور حوله كما غيره من الامور كل تلك السنين الطويلة ويبحث عما يسند به ذلك القول فوجد سطر في كتاب حافظ وهبه/ الجزيرة في القرن العشرين وسطرين في كتاب شاكر مصطفى سليم/ الجبايش... والدليل ان الوردي  ذكر ذلك النص بهذه الصيغة او تلك في أربعة من كتبه التي امتدت من عام 1951 الى عام 1977، واستمر حال هذه الحالة حتى بعد وفاته عام 1995 له الذكر العطر الدائم والرحمة، ومستمر حتى اليوم وسيستمر من خلال استعارات البعض لذلك الرأي/ النص حيث أينما تذهب في الأرشيف تجد من يقول: [قال عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي ان المهنة من المهانة] نسوا او لم ينتبهوا اولم يعلموا او يتعلموا ان الراحل الوردي نقل لنا و لهم هذا القول عن ابن خلدون الذي سطره منذ أكثر من ستة قرون على اطلاع الوردي عليه و استعارته له وبقي عند الوردي صالحاً صحيحاً رغم التغَّيرات الهائلة التي عصفت في كل مناحي الحياة خلال كل تلك القرون. 

أصبح هذا النص وردياً ’’ الوردي’’ بسبب طريقة الدكتور الوردي في الاستعارة/ الاقتباس حيث يذكر المصدر عند اقتباسه اول مرة وفي التاليات من اصداراته يعيد النص ولا يشير الى المصدر الاصلي وقد يستعيض عنه ب’’ وقد رأينا’’ او ’’ انظر علي الوردي في كتاب كذا ’’ الذي ذكر فيه ’’ وقد رأينا ’’ و أعتقد انه يعلم ان الغالبية العظمى من القراء و حتى’’ الباحثين’’ لا تعود للمصدر وهذا كما اظن ما سار عليه الوردي و يحاول البعض اليوم اقتفاء أثر الراحل الوردي في هذا الاتجاه وستُمرر هذه الحالة للأجيال القادمة مع الأسف الشديد. 

ولتعزيز هذا القول تصرفوا ويتصرفون كما تصرف الوردي في تعزيزه حيث أرفقوا ويرفقون تلك الاستعارة باستعارة اخرى نقلها أيضاً لنا ولهم الراحل الوردي لكن هذه المرة من القرن العشرين عن السيد حافظ وهبة من كتاب (جزيرة العرب في القرن العشرين) ص152 / حيث كتب الوردي في ص 80 من دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965 التالي: [يقول الأستاذ حافظ وهبة ان البدو إذا أرادوا تحقير انسان وسبه بكلمة تكون مجمع السباب قالوا له ’’ يا ابن الصانع’’] انتهى

أعتقد ان الراحل الوردي نقش النص من غير مصدره الأصلي وهذه ليست غريبة او جديدة على /عند الراحل الوردي حيث وجدتُ النص التالي الذي يختلف كثيراً عن النص الذي نقله الوردي وهو: 

[فالصناعات على اختلافها معدودة من المهن الخسيسة التي تحط بقدر صاحبها ولذا فالذين يحترفون هذه الصناعات إما من غير العرب أو من العرب الذين ينتمون إلى أصول غير مشهورة أو من غير قبيل، ومما يدل على احتقار الصناعات ألفاظ السباب المعروفة عند العرب (يا ابن الصانع) إذا أرادوا تحقير إنسان أو سبه بكلمة تكون مجمع السباب] انتهى....

(حافظ وهبة تكلم عن العرب في القرن العشرين وليس عن البدو من العرب في القرن الرابع عشر/ القرن الخلدوني)!! 

ورأي حافظ وهبة هذا فيه ما يلفت النظر حيث كان على الوردي الانتباه اليه والتدقيق فيه...وهذا النص/ الرأي يدفع الى طرح السؤال التالي: ما هي الصناعات التي كانت في جزيرة العرب وقتذاك ومن هم القائمين بها/ عليها او أصحابها او العاملين فيها خلال الفترة التي شملها السيد حاظ وهبة في كتابه أي الفترة من 1915 الى 1934؟

...يمكن تحديد/ تصور تلك الصناعات وحصرها في:

 الحياكة والحدادة والفخار وصناعة الحصران وتوابعها ودباغة الجلود وتصنيعها وصناعات نحاسية وجميع القائمين عليها وصُناعهم أو اغلبهم ليسوا من قبائل الجزيرة العربية بل هم من الرق والعبيد والموالي او احفادهم وهم من غير العرب او الذين تعَّربوا وأشار إليهم الكاتب...ومع ذلك فأن السيد حافظ وهبة فَصَلَ بين الصناعات/ألصنعة والمهن/المهنة ولم يجزم بشمولها وعمومها حين قال:(فالصناعات على اختلافها معدودة من المهن الخسيسة) ولم يَّقُلْ (فالصناعات على اختلافها معدودة مهن خسيسة) وهذا يعني ان هناك مهن غير خسيسة ووفق هذا فليس المهنة/ألصنعة من المهانة!! ويفهم من هذا أيضاً ان ’’ تلك الخسة/المهانة/ الاحتقار’’ التي قصدها وقصدوها ليست بسبب الصناعات/ألصنعة/المهنة انما بسبب محترفيها الذين في الغالب اولئك الذين دعا الإسلام الى مساواتهم وإنصافهم والذين نتجوا/تواجدوا نتيجة ’’ الغزوات’’ الفتوحات او الهجرات... وهؤلاء غير العرب هم الذين أدخلوا الصناعات/الحرف على العرب فالعرب اعتبروا الصناعات خسيسة لان محترفيها ’’ خسيسون’’ قبائلياً حسب تصورهم او فهمهم فالموضوع إذن لا يخص الصناعات انما محترفيها.

لم يكلف الراحل الوردي نفسه ولم يكلف من استعار استعارات الوردي هذه أنفسهم بالبحث عن المهن والصناعات/ ألصنعة/الحرف التي كانت سائدة قبل الإسلام وبعد انتشاره ورأي البدو في المرحلتين فيها والقائمين عليها؟

نُقل لنا ان النبي محمد ابن عبد الله امتهن التجارة لكن لا/لم نعرف او يُنقل لنا ماهي مهن الخلفاء الراشدين قبل الخلافة ولا ماهي مهن الصحابة المبشرين بالجنة قبل البشارة؟ والمهم في كل ذلك هو رأي بدو تلك المرحلة بهم وبمهنهم ومن هؤلاء من كان يرعى آلهتهم في البيت العتيق ومن صنع لهم تلك التماثيل والنصب التي يحجون اليها ويعبدون؟ وهل كانت القبائل البدوية تحتقر قريش لان قريش في غالبها تحصل على قوتها بكد يمينها وليس بالسيف والسلب والنهب؟ 

هذه/تلك اسئلة وملاحظات أعتبرها ضرورية لمتابعة الموضوع. 

والان انتقل الى ما ورد في كتب الراحل الوردي حول موضوع المهنة والمهانة سأذكرها كما وردت مع التعليق عندما اعتقد انه ضروري وهو حق لي، ولغيري ان يبدي ما يريد حولها لنستفيد وتحفظ هذه الفائدة إن كانت في الأرشيف لترافق طرح الوردي...اليكم:

1- في ص16 كراسة شخصية الفرد العراقي/ 1951 التالي: [لأن صاحب السيف يأبى ان يكون صانعاً أو عالماً وقد كان يسمي ألصنعة ’’ مهنة’’ أي شيئاً ممتهناً ومحتقراً’’ انظر ابن خلدون المقدمة ص 544] انتهى

2 ـ في ص15 من كراسة الاخلاق/1958 كتب الوردي التالي: ["...ومن أكبر العار على أحدهم أن يُقال عنه صانع او حائك فذلك يعني في نظرهم أنه ضعيف يحصل على قوته بعرق جبينه كالنساء ولا يحصل عليه بحد السيف"]. (يتكلم عن البدو) ثم يكمل الوردي نفس المقطع حيث كتب: [ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم ’’ المهنة ’’ والمهنة مشتقة من المهانة كما لا يخفى] انتهى ... 

* تعليق: لا يعني ذلك انهم يحصلون على قوتهم بعرق جبينهم كالنساء فالنساء لا يحصلن على قوتهن بعرق جبينهن انما قوتهن من قوت عوائلهن...والعار ليس لأنهم يحصلون على قوتهم بكد أيديهم انما العار ان كان فهو بسبب أصول القائمين على تلك’’ الصناعات’’.

نلاحظ ان الوردي هنا جَزَمَ بأن المهنة من المهانة حيث ذكر عبارة:’’ كما لا يخفى’’ كما جزم ابن خلدون عندما ذكر’’ أي شيئاَ ممتهناً ومحتقراً’’.

3 ـ في ص29 "دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965" كتب التالي: [...ومثل هذا يمكن أن نقول عن الاحتراف ونقصد به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الإنسان منها رزقه بكد يمينه وعرق جبينه. أن البدوي يعتبر الاحتراف ذلاً ومهانة. والظاهر أن لفظة "المهنة" في اللغة العربية مشتقة من "المهانة" أو هما من مصدر واحد. أن الرجل البدوي رجل مقاتل يحترم النهب والغزو ويحتقر الرزق الذي يأتيه عن طريق العمل. ولذا وجدناه منذ قديم الزمان يختزي أن يكون حائكاً أو صانعاً او بقالاً او معلماً او كاسباً او كل ذي حرفة من الحرف التي اشتهرت بها الحضارة فأولئك في نظره جبناء اذلاء ولو كان فيهم شيء من الرجولة لتركوا حرفهم الحقيرة وامتشقوا الحسام ليكسبوا به الرزق "الكريم" الذي يليق بالرجال أمثاله...] انتهى

* تعليق: ابن خلدون قال عن ألصنعة والمهنة والوردي تدخل في النص وجعله الحرفة والمهنة بل الاحتراف بقوله (إن البدوي يعتبر الاحتراف ذلاً ومهانة) أي كل النشاط الإنساني اليدوي والذهني...

لم يجزم الوردي هنا كما جزم هو وبن خلدون كما ورد في (1) و(2) أعلاه حيث كتب [والظاهر أن لفظة "المهنة" في اللغة العربية مشتقة من "المهانة" أو هما من مصدر واحد]...انتبهوا لطفاً الى ذكر ابن خلدون لعبارة ’’ صانعاً أو عالماً’’ وكيف سيتوسع بها الدكتور الوردي.

 وهنا اطرح السؤال التالي على الراحل الدكتورعلي الوردي له الرحمة والذكر الطيب دائماً: هل توجد صناعة في البادية منذ قديم الزمان حتى تكتب/تقول [ولذا وجدناه منذ قديم الزمان يختزي أن يكون حائكاً أو صانعاً او بقالاً او معلماً او كاسباً او كل ذي حرفة من الحرف التي اشتهرت بها الحضارة فأولئك في نظره جبناء اذلاء ولو كان فيهم شيء من الرجولة لتركوا حرفهم الحقيرة وامتشقوا الحسام ليكسبوا به الرزق "الكريم" الذي يليق بالرجال أمثاله...الخ] انتهى؟

هل كان في البادية معلمين حتى يستنكف او يشمئز منهم او يحتقرهم البدوي...هل كانت في البادية صناعات حتى يختزي منها البدوي؟ 

كل ما يحتاجه البدوي ينتجه في بيته...سوى سلاحه الذي ينتجه النافخ بالنار’’ صانع السيوف’’ والبدوي يبحث في ذلك عن الأجود وعليه فهو يتودد لصانعه ويزوره او يستقبله ويتقرب منه لغرض للحصول على السلاح بحالة جيدة وسعر مناسب وتبهره صنعته لصعوبتها وقساوتها؟

أعتقد ان البدوي كان مجبراً على حمل السيف لأنه لم يتمكن من الحرفة او ألصنعة/ المهنة فربما لو تمكن منها لأمتهنها ولو كان بإمكانه أن يكون عالماً فما منعه أحد لكنه فشل في كل ذلك ولم يجد الا السيف والسيف حاجته للدفاع عن نفسه وعِرضة وماله/حلاله...حيث أن اول امتشاق للسيف كان ولا يزال للدفاع عن النفس والعِرض والممتلكات ومن بعدها توسعت أغراض ’’ الامتشاق’’ لتصل الى القتل والسلب والنهب عندما لا يحسن أي صنعة تدر عليه ما يتدبر به امر معيشته واسرته وحلاله ’’ إبله’’. البدوي لا يحب السلب والنهب لأنه بكل بساطة مُعَّرَضْ لذلك فمن يغزي/يغز يُغزى...عليه لو كان متمكن من مهنة او يمتلك حرفة او لديه صنعة ما فرَّط بها والتجأ للسيف والإذلال والذل.

صحيح انها حالة موجودة (احتقار الحرفيين) لكن المهم في عالِمْ الاجتماع الغور لفهمها وعرضها وتفسيرها للقارئ لكي يتميز العالم عن ال’’ ناقل’’ وحتى يمكن ان نتصور انه بزوال الأسباب ستزول الفكرة/النظرة التي كما يبدو سادت وهذا ما نلاحظه الان عند القبائل التي اطلق عليها الراحل الوردي’’ القبائل الأصيلة’’ حيث عملوا في الحياكة و اطلقوا عليها نسيج و عملوا في صيد السمك واطلقوا عليها بحيرات اسماك وعملوا ’’ صناع’’ وقالوا ’’صانع الأستاذ أستاذ ونص’’ وعملوا في زراعة الخضر وقالوا’’بيوت بلاستيكية’’ وعملوا في جمع فضلات الحيوانات وغيرها.

في الوقت التالي لوقت ابن خلدون حتى وقت الوردي لماذا لم ’’ يختزي’’ البدوي او من صاروا قبائل’’ أصيلة’’ من ’’ النَّداف’’ ومهنته القريبة من الحائك؟ ولماذا لم ’’ يختزي’’ من مربي الابقار والأغنام والماعز؟ ولماذا لم ’’ يختزي’’ من النجار والخياط والحلاق وغيرهم الكثير من اصحاب المهن.

4 - في ص 80 دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965 كتب الراحل الوردي: [وهم قد يحتقرون المهن الفكرية كمثل ما يحتقرون المهن اليدوية فالمعلم عندهم محتقر وكذلك الكاتب والمنجم والمغني والعازف والطبيب وربما احتقروا الحاذقين في معرفة الانساب والانواء او الفراسة او اقتفاء الأثر إذا كان هؤلاء يعتمدون عليها في كسب رزقهم] انتهى

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

         

علاء اللامييظهر علينا بين فترة وأخرى شخص يطالب بأن يعتذر العرب المسلمون عن الفتوحات العربية الإسلامية لبلدان المشرق والمغرب، وما حدث خلالها من أحداث، وكأنه يريد إقناعنا بأن الجزية والأسر وسبي النساء وظاهرة العبودية عموما والمجازر الدموية في الحروب هي اختراع تفرد به العرب المسلمون دون غيرهم من البشر وهذا محض هراء لا تاريخي لا يخلو من الرائحة الاستشراقية العنصرية والذهنية الأورومركزية المعادية للعرب والمسلمين وشعوب الشرق عامة، أو هو نتاج الجهل الشديد بحقائق التاريخ والجغرافيا، وعليه فإن مطالبة العرب المسلمين الحالين بالاعتذار عما ارتكبته الأجيال القديمة منهم، رغم ما في الاعتذار كفعل حضاري من معانٍ سامية، لا معنى له، لأن تلك الممارسات والارتكابات التاريخية قامت بها دول وحضارات بادت وأصبحت جزءا من رماد التاريخ، وهي لا تعني الأجيال الحالية بشيء وليست مسؤولة عنه تاريخيا وقانونيا ولو إننا وافقنا على هذا الطلب فسيكون لزاما على جميع أمم الأرض وخصوصا المغالين في الهمجية والدموية في ماضيهم بالأوروبيين أن يبادروا الى الاعتذار وهم الذين رفضوا الاعتذار عن جرائمهم الأقرب عهدا أو المستمرة كما فعل الفرنسيون برفض الطلب الجزائري عن جرائمهم خلال فترة الاستعمار والأميركييون برفضهم الاعتذار لليابانيين بعد مجزرتي هيروشيما وناكازاكي وللفيثناميين عن جرائم الأسلحة الكيمياوية "العامل البرتقالي" ضد شعبهم.. فأي الأمم والدول أولى بالاعتذار إذن؟

أما أكاديميا وعلميا، ومن حيث المبدأ العملي والبداهة العقلية، فلا يمكن لنا أن نطلق أحكام معيارية أخلاقية ضمن المثنويات المعروفة من قبيل "شيطاني وملائكي، جميل وقبيح، مشروع وغير مشروع، ونبيل وإجرامي ...إلخ" من منتجات عصرنا على ما فعله العرب المسلمون وغيرهم قبل 14 قرنا من الآن، بل نكتفي بدراستها التاريخية في سياقاتها الحقيقية لنفهم مغزاها وطبيعة الحياة التي كانت سائدة حين حدوثها، لأننا، لو نظرنا إليها بعين المعيار الأخلاقي الحضاري المعاصر وبأسقاط مصطلحاتنا ومفاهيمنا المعاصرة على الماضي البعيد سنكون كمن يتهم علي بن ابي طالب أو أبا بكر الصديق بأنهما "دكتاتوران وفاشيان" لأنهما لم ينظما انتخابات عامة ويشكلا برلمانا في عهدهما أو لم يهتما بحقوق الإنسان والحفاظ على البيئة...إلخ! وهذا محض هراء مضحك، والسبب في هذا الامتناع هو أن هذه المعايير والمفاهيم حديثة ومعاصرة ولم يكن لها وجود أو مبرر استعمالي قط في المرحلة التاريخية المعنية، بل أن بعضها حديث جدا، فالسماح للنساء في التصويت في الانتخابات مثلا لم يسمح به في بعض بلدان أوروبا الغربية إلا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

أما الأسر واستعباد البشر وسبي النساء وأسر الرجال والأطفال وبيعهم في أسواق النخاسة والمجازر الحربية وفرض الجزية في الحروب القديمة فهي ممارسات موجودة وموثقة لدى جميع الأمم. ولكن هل ينسحب هذا الكلام والتفسيرات التاريخية على الممارسات الاستعبادية الإجرامية في عصرنا والتي تتكئ على الدين والتراث القديم في العصور الغابرة، كتلك التي قامت بها الحركات التكفيرية الدينية مثل داعش وغيرها بهدف تبريرها؟ كلا قطعا، وهنا ننتقل من ميدان التأريخ وفلسفة التاريخ الى الميدان السياسي والقانوني والأخلاقي المعاصر، وعلى ذلك ينبغي إدانة هذه الممارسات بقوة ومنع حدوثها ومكافحة ومحاسبة الداعين إليها والمبررين لها حتى اجتثاثها نهائيا من حياتنا المعاصرة.

1878 العبيدوبالنسبة لأسواق بيع الجواري والغلمان فلم يخترعها العرب المسلمون بل ساروا على نهج الأمم التي سبقتهم، وكانت الجواري والغلمان وسائر أنواع البشر المستعبدين تأتيهم من أسواق بيزنطة وبلاد الصقالبة "الروس والبلغار" والهند وبلاد فارس...إلخ. والأمم الآرية البيضاء في أوروبا والصفراء في الصين كانت تبيع الأسرى وتستعبد المقاتلين المهزومين. وقد نظر بعض علماء التاريخ والفلاسفة المعاصرين إلى الأسر والاستعباد كخيار أقل سوءا وأكثر رحمة في عصره من الخيار الثاني الذي هو قتل وإبادة الأسرى لتوفير الغذاء وهو الأسلوب الذي كان سائدا، ثم أصبح جعلهم عبيدا والاستفادة من قواهم البدنية في الزراعة وتربية الحيوانات أمرا ذا أثر كبير في تطوير القوى المنتجة الزراعية. ويعرف الجميع أن الدولة الرومانية والإغريقية كانت لديها شعوب بكاملها تعتبر من العبيد والبرابرة ومعروفة ثورة العبيد ضد روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة سبارتيكوس حوالي 111 ق.م.- 71 ق.م.

في هذه المناسبة، وبهدف التوثيق، أعيد نشر بعض الفقرات من دراسة لي بجزأين حول كتاب صدر قبل بضع سنوات للباحث حسام عيتاني بعنوان " الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" وكتابات أخرى متفرقة تطرقت فيها الى هذا الموضوع. تجدون رابطين يحيلان الى نص الدراسة بجزأيها في نهاية هذا المنشور:

1- الجزية ليست اختراعا للعرب المسلمين بل كان الفرس والرومان يفرضونها قبلهم على الأقليات لنقرأ الآتي من الكتاب (ففي هذا السياق أخذ العرب المسلمون الكثير من ممارسات الامبراطوريتين - الفارسية والبيزنطية - حيال الشعوب الخاضعة للاحتلال كالجزية التي كان البيزنطيون والفرس يفرضونها على أبناء الأقليات. فالمسيحيون واليهود والبوذيون كانوا يدفعون ضرائب مضاعفة إلى الساسانيين الزرادشتيين، في حين كان اليهود عرضة لممارسات مشابهة في المناطق البيزنطية المسيحية/ ص55).

2- فرض الدين من قبل دولة الغالبين على الشعوب والأقليات المغلوبة كان تقليدا معروفا قبل الإسلام. ولعل آخر مثال عليه هو حملة التنصير القسري لليهود في شمالي أفريقيا وفي عموم الإمبراطورية البيزنطية، بناء على أوامر الإمبراطور هيراكليوس سنة 632 م، أي قبل أربعة أعوام من معركة اليرموك وهزيمة الرومان البيزنطيين فيها أمام العرب المسلمين. لنقرأ (تعاليم "يعقوب المعمد حديثا" وهي نص سجالي دفاعي مع اليهود كتب على الأرجح في أفريقيا عام 634 م، بناء على أوامر هيراكليوس سنة 632 م وبالأخص ليهود قرطاجة وشمال أفريقيا. وجاءت التعاليم لتبين صحة تنصير اليهود الذين ما عاد من داع لتمسكهم بدينهم بعد ظهور المسيح. ص 63) ويعقوب الوارد اسمه في هذا النص هو تاجر يهودي فلسطيني سافر إلى قرطاجة/ قرب تونس العاصمة اليوم، ومرَّ بمحنة التنصير البيزنطي القسري وكان من ضحاياها. هل ثمة حاجة للتذكير بأنني هنا لا أدافع عن ممارسة فرض الدين – أي دين كان أو عقيدة كانت - بالسيف أو الابتزاز المالي بل أسجل حقيقة تاريخية يقفز عليها البعض لأهداف ذاتية ولا علمية؟ وعن ظاهرة العبودية وبيع البشر من الرجال والنساء والأطفال في الحضارات القديمة نعلم الآتي في فقرات مختصرة:

1- في الصين: سلالة تشين (221- 206 قبل الميلاد): يصبح الرجال المحكوم عليهم بالإخصاء عبيدًا لأهل الدولة في كين، ونتيجة لذلك تم استخدامهم للقيام بأعمال السخرة، في مشاريع مثل جيش تيراكوتا. صادرت حكومة تشين الملكية واستعبدت عائلات أولئك الذين حصلوا على الإخصاء كعقاب على الاغتصاب. تم حرمان العبيد من حقوقهم وعلاقاتهم بعائلاته.

2- وفي الصين أيضا، وضعت سلالة هان قواعد قانونية تنص على أن ممتلكات وأسر المجرمين الذين قاموا بثلاث سنوات من الأشغال الشاقة أو المحكوم عليهم بالإخصاء كانوا قد استولوا على أسرهم واحتفظوا بها كممتلكات من قبل الحكومة.

3- في الهند: يختلف العلماء حول ما إذا كان العبيد ومؤسسة العبودية موجودة في الهند القديمة أم لا. لا تحتوي هذه الكلمات الإنجليزية على مكافئ مباشر ومقبول عالميًا باللغة السنسكريتية أو اللغات الهندية الأخرى، ولكن بعض العلماء يترجمون كلمة داسا، التي وردت في نصوص مثل مانو سمريتي، كعبيد. يقدم المؤرخون القدماء الذين زاروا الهند أقرب الأفكار إلى طبيعة المجتمع الهندي والاستعباد في الحضارات القديمة الأخرى.

4- في مصر الفرعونية: تأسس الرق في مصر القديمة في المملكة المصرية الحديثة (1550- 1175 قبل الميلاد)، كان الرقيق والخدم والفلاحون يشكلون 80٪ من السكان. وكان من الصعب التمييز بين "العبد" و"الخادم" عن طريق استخدام الكلمة فقط. كانت هناك ثلاثة أنواع من الاسترقاق في مصر القديمة: العبودية، العمل المرتبط، والعمل الجبري. عاش العديد من العبيد الذين عملوا في المعبد في ظروف فظيعة، ولكن في المتوسط العبد المصري القديم عاش حياة مماثلة لحياة عبيد الأرض. وكانوا قادرين على التفاوض على المعاملات وامتلاك الممتلكات الشخصية. وقد أُعطي العبيد الغذاء وربما لم يتقاضوا أجورا.

5- ولقد حدثت الطفرة النوعية في العبودية بمجيء الديانة اليهودية التي جعلت العبودية فعلاً مباركاً ومباحاً من عند الإله، وشرّعت اليهودية قوانين خاصة بالعبيد والإماء. وقبل مجيء الإسلام كان شبه الجزيرة العربية قد عرف العبودية نتيجة ازدهار تجارة مكة وسفر التجار إلى الشام والحبشة وغيرها. وقد جاء في كتب التاريخ العربي أن (حكيم بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي ابن أخي خديجة، الشريف الجواد، أعتق في الجاهلية مائة رقبة) شذرات الذهب، ج1، ص 6.

6- في جنوب شرق آسيا: في جنوب شرق آسيا، كان هناك طبقة كبيرة من العبيد في إمبراطورية الخمير الذين قاموا ببناء المعالم الدائمة في أنغكور وات وقاموا بمعظم العمل الثقيل. بين القرن السابع عشر وأوائل القرن العشرين، كان ربع إلى ثلث سكان بعض مناطق تايلاند وبورما عبيداً. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية (ILO)، فإن ما يقدر بنحو 800,000 شخص خضعوا للعمل القسري في ميانمار. وكانت تمارس العبودية في الفلبين من قبل الشعوب الأسترونيزية القبلية التي سكنت الجزر المتنوعة ثقافيا. كان العبيد في مجتمع توراجا في إندونيسيا ممتلكات عائلية. أصبح الناس عبيد عندما تكبدوا ديونا. كما يمكن أخذ العبيد أثناء الحروب، وكان تداول الرقيق شائعاً.

7- في اليونان القديمة: سجلات العبودية في اليونان القديمة تعود إلى اليونان الميسينية. الأصول غير معروفة، ولكن يبدو أن العبودية كانت جزءًا مهمًا من الاقتصاد والمجتمع فقط بعد إنشاء المدن. كان الرق ممارسة شائعة ومكونًا لا يتجزأ من اليونان القديمة، كما كان في مجتمعات أخرى في ذلك الوقت، بما في ذلك مملكة إسرائيل القديمة المنقرضة. تشير التقديرات إلى أن غالبية المواطنين في أثينا كانوا يملكون عبداً واحداً على الأقل.

8- في الإمبراطورية الرومانية المقدسة: ورث الرومان مؤسسة العبودية من اليونانيين والفينيقيين. ومع توسع الجمهورية الرومانية إلى الخارج، استعبدت مجموعات سكانية كاملة، مما يضمن توفر عدد وافر من العمال للعمل في مزارع روما ومحاجرها ومنازلها. جاء الناس الذين تعرضوا للعبودية الرومانية من جميع أنحاء أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. أدى هذا الاضطهاد من قبل أقلية النخبة في نهاية المطاف إلى ثورات العبيد. كانت الحرب التي يسمونها "الحرب الخبيثة الثالثة" بقيادة سبارتاكوس هي الأكثر شهرة وشدة. كان اليونانيون والبربر والألمان والبريطانيين والسلاف والتراقيون والغالس (أو الكيلت) واليهود والعرب والعديد من المجموعات العرقية مستعبدين لاستخدامهم في العمل، وأيضاً للتسلية (مثل المصارعين والعبيد الجنسيين/ الغلمان لممارسة الجنس). إذا هرب أحد العبيد، كان يعاقب بالإعدام صلبا.

9- في أوروبا السلتية: كانت القبائل السلتية - تسمى أحيانا الكلتية - في وسط أوروبا وشمالها قبل أن يبيدها الجرمان والرومان، تسجل في أوروبا من قبل العديد من المصادر الرومانية باعتبارها مالكة العبيد. ثم أبيدت هذه القبائل في مجازر ضارية واستبعد من نجا من الموت واندمجوا في المجتمعات الأوروبية الجديدة.

10- في أوروبا العصور الوسطى: أدت فوضى الغزو والحرب المتكررة إلى قيام الأحزاب المنتصرة بأخذ العبيد عبر أوروبا في أوائل العصور الوسطى. احتج القديس باتريك - الذي تم القبض عليه وباعته كعبد- ضد هجوم استعبد المسيحيين المعتمدين حديثًا في "رسالة إلى جنود كوروتيكوس". كسلعة متداولة عادة، مثل الماشية. كان العبيد شكلا من أشكال العملة الداخلية أو عبر الحدود. كان للرق خلال العصور الوسطى المبكرة العديد من المصادر المتميزة.

11- هاجم شعب الفايكنج كلها أوروبا، واستغلوا معظم العبيد في غارات على الجزر البريطانية وأوروبا الشرقية. في حين أن الفايكنج احتفظوا ببعض العبيد كخدم، وباعوا معظم الأسرى في الأسواق البيزنطية أو الإسلامية. كان السكان المستهدفين في الغرب في المقام الأول هم الإنجليزيين والأيرلنديين والاسكتلنديين. انتهت تجارة الرقيق في الفايكنغ ببطء في القرن الحادي عشر، حيث استقر الفايكنج في الأراضي الأوروبية التي كانوا قد داهموها ذات يوم. حولوا الأقنان إلى المسيحية واندمجوا مع السكان المحليين.

12- في الإمبراطورية الرومانية المقدسة: في أوروبا الوسطى وتحديداً الإمبراطورية الرومانية الفرنجة / الألمانية / المقدسة لشارلمان، أدت الغارات والحروب علي الشرق إلى توفير إمدادات ثابتة من العبيد من الأسرى السلافيين في هذه المناطق. ظهرت سوق لهؤلاء العبيد بسرعة بسبب ارتفاع الطلب على العبيد في الإمبراطوريات الإسلامية الثرية في شمال أفريقيا، وإسبانيا، والشرق الأدنى، وخاصة للعبيد المنحدرين من أصول أوروبية. كان هذا السوق مربحًا للغاية، حيث أدى إلى ازدهار اقتصادي في وسط وغرب أوروبا، يُعرف اليوم باسم النهضة الكارولنجية. امتدت فترة ازدهار العبيد هذه من الفتوحات الإسلامية المبكرة إلى العصور الوسطى العليا، لكنها انخفضت في العصور الوسطى اللاحقة مع تلاشي العصر الذهبي الإسلامي.

13- في الحروب العثمانية الأوروبية: أدت الحروب البيزنطية العثمانية والحروب العثمانية في أوروبا إلى أخذ أعداد كبيرة من العبيد المسيحيين واستخدامها أو بيعها في العالم الإسلامي أيضًا. بعد معركة ليبانتو، حرر المنتصرون حوالي 12000 عبد مسيحي من الأسطول العثماني. وبالمثل، باع المسيحيون العبيد المسلمين الذين تم أسرهم في الحرب في أسواق الرقيق. وهاجمت جماعة فرسان مالطا (الصليبيين) القراصنة والمسلمين، وأصبحت قاعدتهم في تلك الجزيرة مركزا لتجارة الرقيق، وبيع سكان شمال أفريقيا والأتراك المحتجزين. ظلت مالطة سوقًا للعبيد حتى أواخر القرن الثامن عشر.

14- في العصر الحديث في البرتغال: من بين العديد من أسواق العبيد الأوروبية الأخرى، زادت أهمية جنوة والبندقية بعد الطاعون العظيم في القرن الرابع عشر الذي أهلك الكثير من القوى العاملة الأوروبية. وكانت مدينة لاغوس البحرية أول سوق للعبيد تم إنشاؤه في البرتغال لبيع العبيد الأفارقة المستوردين - ميركادو دي إسكرافوس- الذي افتتح في عام 1444. في عام 1441، تم جلب العبيد الأوائل إلى البرتغال من شمال موريتانيا. فرض الأمير هنري الملاح ضريبة على بيع العبيد المستوردة إلى البرتغال. بحلول عام 1552، شكل العبيد الأفارقة 10٪ من سكان لشبونة. في النصف الثاني من القرن السادس عشر، تخلى التاج عن احتكار تجارة الرقيق وتركز التجارة الأوروبية في العبيد الأفارقة من الاستيراد إلى أوروبا إلى عمليات النقل العبودي مباشرة إلى المستعمرات الاستوائية في الأمريكتين خاصة البرازيل. في القرن الخامس عشر، أعيد بيع ثلث العبيد إلى السوق الأفريقية في مقابل الذهب.

15- إسبانيا: كان الإسبان هم أول الأوروبيين الذين يستخدمون العبيد الأفارقة في العالم الجديد "أميركا" في جزر مثل كوبا وهيسبانيولا، بسبب النقص في اليد العاملة بسبب انتشار الأمراض، وهكذا بدأ المستعمرون الإسبان تدريجيا في تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي. وصل العبيد الأفارقة الأوائل إلى هيسبانيولا في عام 1501، بحلول عام 1517، كان معظم السكان الأصليون يبادون من الأمراض.

 

علاء اللامي

...........................

* أغلب الفقرات أعلاه مقتبسة من دراسة موثقة بمراجع أجنبية عددها 217 مرجعا على الموسوعة الحرة باللغات الإنكليزية والفرنسية والعربية.

* لم أتوقف عند مظاهر العبودية والاسترقاق واستغلال النساء والأطفال في العصر الحديث وفي المجتمعات الرأسمالية المعاصرة سواء كانت عبودية صريحة أو مستترة لأنها تحتاج الى وقفة خاصة ومطولة.

* الصورة للوحة بعنوان "سوق الرقيق" للفنان الفرنسي غوستاف بولنجر من القرن التاسع عشر. ويبدو من ملامح الأشخاص (النخاس والجواري والغلمان) أن الأمر يتعلق بسوق رقيق أوروبي. ولهذا الفنان لوحات أخرى حول الموضوع نفسه...

* رابط صورة أخرى: أخذ الفايكنغ العبيد من جميع أنحاء أوروبا ، وكان هناك سوق للعبيد في دبلن (رجل مع جارية) - متحف دبلن ، دبلن ، أيرلندا - تصوير مايكل غالي.

https://st- takla.org/Gallery/Maps- Countries- Tourism/europe/ireland/dublin/2017- 07/12/dublinia/7- 12- dublin- Dublinia- 0032.html

* الرابط الأول: الجزء الأول من مقالتي حول كتاب حسام عيتاني" حروب الفتح في رواية المغلوبين"

http://www.albadeeliraq.com/index.php/ar/node/3458

الرابط الثاني: الجزء الثاني من مقالتي حول كتاب حسام عيتاني" حروب الفتح في رواية المغلوبين"

http://www.albadeeliraq.com/index.php/ar/node/3459

رابط الثالث: لتحميل نسخة بي دي أف من كتاب "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" لحسام عيتاني:

https://ia801006.us.archive.org/19/items/Ketab0531/ketab0531.pdf

abidBoulanger_Gustave_Clarence_Rudolphe_The_Slave_Market.jpg

 

نابي بوعليمقدمة: يعد الأمير عبد القادر الجزائري واحدا من الذين قدموا دروسا في التسامح وأسسوا ثقافة التسامح بين الأديان وحرية الفكر والتعايش السلمي بين الشعوب وترسيخ مبادئ القانون الدولي لحقوق الانسان قولا وفعلا، وكان ذلك قبل ميلاد مواثيق الأمم المتحدة التي رأت النور بعد قرن من الزمان حيث اضطرت إلى تبني قيم التسامح والانفتاح والبحث عن سبل التعايش والأمن بين الشعوب، وسارعت إلى الإعلان العالمي لحقوق الانسان بعدما اكتوى العالم بنار الحرب واستيقظ على هول حربين كونيتين مدمرتين لم تخلف إلا البؤس والمآسي والخراب.

ولما كان الأمير عبد القادر الحسني (هذا اللقب هو تشريف للأمير بهذه النسبة التي تربطه بأحد سبطي النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين) مدرسة عالمية للتسامح ونشر ثقافة السلم في العالم، فقد كثرت الدراسات والكتابات حول شخصيته للتعريف بأبعادها العالمية، حيث تؤكد هذه الدراسات فكرة أساسية مفادها أن التجربة التاريخية للأمير تتمتع بدرجة كبيرة من الخصوبة والغنى تنفي إمكانية الادعاء بأن هذه التجربة قد استنفذت محتواها، وقد تمت الإحاطة بها معرفيا، لذلك يبقى ميراث الأمير دائما في حاجة إلى إعادة الحفر والقراءة والدراسة بشكل أعمق وتحليل أدق. وبالرغم كذلك من كثرة المؤتمرات والندوات على مدار ما يقارب قرنين من الزمن حول شخصية الأمير عبد القادر الجزائري، إلا أنها لم تستطع أن تستنفد الإجابة عن كلية السؤال: من هو الأمير عبد القادر؟

ولأن الأمير عبد القادر شخصية عظيمة، فإن تلك الدراسات والأبحاث تبقى شذرات تقارب إرث ومآثر شخصية من أعظم ما أنجبت السلالة العربية بشهادة الجميع، ومن ثم يبقى الأمير عبد القادر حضورا متجددا يمارس نفوذه في التاريخ. فلقد اجتمع للأمير عبد القادر ما لم يجتمع لغيره، فهو رجل دولة اكتمل شكلها الحداثي، وسياسي محنك، رجل سيف وقلم لم يترك الكتابة والمطالعة، شاعر ومتصوف عريق في التصوف، قائد عسكري شجاع، بطل مجاهد وثوري كبير، شريف النسب والأصل، شهد له الجميع بكمال العلم والتقوى والصلاح والتسامح والوطنية الصادقة، شق طريق المقاومة الوطنية، فكان رمزا ومرجعا ومصدر إلهام للحركة الوطنية والثورة الجزائرية المباركة. ولذلك، ارتبط اسمه باسم الجزائر كواحد من رجالها العظماء الذين يستحقون اعتراف الوطن والتاريخ. ولأن الأمير عبد القادر ليس مفخرة الجزائر والوطن العربي والإسلامي فحسب، بل هو شخصية من الطراز العالمي اخترقت حدود الزمان والمكان، وأثرت في مسار التاريخ، فكان محل إعجاب وتقدير واحترام.

ولمّا اندفعت أوروبا بفعل التحول الاجتماعي والتطور الاقتصادي والسياسي والعسكري خارج حدودها لترتكب جريمة الاستعمار، منتهكة حرمة شعوب القارات المجاورة لها، لتهمّ بالسيطرة على العالم، انخرط الأمير عبد القادر في مقاومة هذا الشر في شمال افريقيا بمعية القبائل التي احتشدت لمبايعته على الجهاد، استجابة لنداء الواجب الوطني والضمير في سن مبكرة ليتحمل مسؤولة لا يتحملها إلا العظماء. ولكن المقاومة المسلحة للعدو المغتصب لم تمنعه من الانخراط في جهود البحث عن السلام حقنا للدماء، فكان محل ترحيب وحب من كل الطوائف الدينية، والقوى المحبة للسلام. إن الفكرة التي كان يحملها الأمير عبد القادر هي: أن الحرب ليست قانونا للحياة، وقد عبر عن هذه الفكرة في مراسلاته لأسقف الجزائر ديبيش (Dupuch) ، حيث يعتبر أن محنة الحرب قد فرضت عليه ولم يولد محاربا، وهو لا يحمل السيف إلا لمقاومة الظلم والأعداء وتحرير البلاد. تظهر هذه الفكرة قيمة الرجل المسالم وتوجهه نحو البحث عن السلم، وهذا ليس غريبا عن الأمير الذي ينتمي إلى الأمة الإسلامية وينهل من ينبوع مرجعيتها الدينية الأصيلة التي تتجه برسالتها إلى البشرية جمعاء دون تمييز بين اللون والجنس أو المعتقد، وتدعو البشر إلى التعاون والتعايش في كنف السلام والعدل والتسامح، وتعمير الأرض تحقيقا لمقصدية الاستخلاف ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(1)

1 ـ الأمير عبد القادر الأسطورة والرمز

إن معظم الكتابات التي تناولت حياة وسيرة الأمير عبد القادر كثيرا ما انصرفت إلى معالجة القضايا السياسية والعسكرية والدبلوماسية، وتجاوزت الأحداث المثيرة الأخرى التي عاصرها وتفاعل معها. لقد شهد القرن التاسع عشر أحداثا جسيمة كان الأمير واحدا من صناعها الكبار، حيث" شهدت الجزائر تجربة الاحتلال الفرنسي وحركة المقاومة ضده، وشهد الشرق ظهور محمد على وإصلاحات الدولة العثمانية، وحرب القرم وفتنة الشام، وشهدت أوروبا حروب نابليون، وثورات 1848 والتقدم الصناعي ومحاولات الوحدة في كل من ايطاليا وألمانيا. إذن فقد عاصر الأمير كل هذه الأحداث وشارك في بعضها"(2).

وكان من قدر الجزائر أن تكون ضحية لحملة الغزو الفرنسي مع بداية القرن التاسع عشر تزامنا مع بداية تراجع الإمبراطورية العثمانية، حيث اشتعلت فيه فرنسا حبا للاحتلال، وعبرت عن أكثر مظاهرها عنفا وشراسة، وحاولت بهمجيتها قطع مسيرة الجزائر الحضارية، حيث أكد على سبيل المثال أحد المسؤولين الفرنسيين الكبار وهو بولنياك أن غزو الجزائر لا يصب في مصلحة فرنسا وحدها فقط، بل هو لصالح المسيحية جمعاء، فتحركت جيوش الغرب مدفوعة بشهوة الاحتلال الجامحة بحثا عن السيطرة الاستعمارية، واندفعت أوروبا وهي في أوّج التحولات نحو البحث عن مناطق النفوذ والأسواق العالمية والأيدي العاملة ومصادر الطاقة لتحريك آلتها الصناعية الضخمة.

وكان من الطبيعي أن يتصدى الشعب الجزائري لهمجية العدوان الخارجي ودحر القوات الغازية، ويدافع عن أرضه وعرضه من الغزاة. وفي هذا الإطار قاد حملة المقاومة الشعبية ضد الأعداء بالغرب الجزائري محي الدين والد الأمير عبد القادر الذي كان شيخ الطريقة القادرية، وهو عالم ومتصوف وفقيه. ولكن مع مرور الزمن لم يستطع هذا الأخير القيام بمسؤولية قيادة المقاومة، واعتذر عن ذلك، بحكم تقدم سنّه، واقترح في الوقت نفسه على القبائل التي التفت حوله حاملة راية الجهاد ضد الغزاة الفرنسيين أن يخلفه ولده عبد القادر لما أظهره من قوة وشجاعة في مقارعة العدو رشحته لتولي هذه المهمة الخطيرة. زيادة على ذلك، كان الأمير عبد القادر يحظى بعناية خاصة من قبل والده، وكان متميزا عن إخوته في النبوغ والذكاء والفروسية مما جعل الوالد" يراقب ابنه عن كثب ويتوسم فيه علامات غامضة"(3)، وكأن العناية الإلهية كانت تعدّه للقيام بأدوار حاسمة في تقمص روح الأمة الجزائرية والتعبير عن تطلعاتها، وتوجيه مسار تاريخ الجزائر التي ارتبطت باسمه ارتباطا عضويا وثيقا. قبِل الأمير عبد القادر هذه المهمة التي لم يكن يطمح إليها أو يسعى لها، في هدوء وطاعة وثبات قائلا:" إن من واجبي طاعة أوامر والدي"(4). من هذه اللحظة التاريخية الفارقة تبدأ مرحلة هامة وخطيرة في حياته، وهي مرحلة تولي مسؤولية الجهاد المسلح وتنظيم صفوف المقاومة. ولعل واجب الطاعة الأبوية المطلقة الذي يمليه الواجب الديني والقيم الأخلاقية الإسلامية والتقاليد والأعراف الجزائرية، لم يكن كافيا في نظر الأمير عبد القادر لتبرير شرعية السلطة التي يجب أن يستمدها من موافقة الشعب بالتشاور والتأييد وإلا ظلت شرعية ناقصة. لذلك طلب البيعة الشرعية بعد أن اجتمعت عليه القلوب، فتمت مبايعته مرتين، حيث بايعه مجلس علماء معسكر في 27نوفمر 1832 وهي البيعة الرسمية، ثم البيعة الثانية التي بايعه فيها الناس جميعا، وتسمى البيعة العامة في 4أفريل 1833. وتمت المبايعة "ٍ تحت شجرة الدردارة الموجودة بوادي فروحة من غريس، شجرة عظيمة كان أهالي غريس يجتمعون تحتها للشورى، وتمت البيعة على غرار بيعة الرضوان التي بايع فيها الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة الحديبية، وذلك تيمًنا بتحقيق النصر واقتداء بالرسول العظيم. وبعد أن بايعه والده لقبه "بناصر الدين " وخاطب المجاهدين بقوله : "إليكم سلطانكم الذي أشارت إليه نبوءات الأولياء و إلهامات الأتقياء. هذا هو ابن الزهراء، فأطيعوه كما أطعتموني واجتنبوا جفاءه، نصر الله السلطان نصرا عزيزا مقتدرا"(5) .

إن الأمير عبد القادر الذي ولد كبيرا ووصل إلى ذروة المجد وقمة العظمة وهو لا يزال شابا، استطاع أن يتعامل مع القضايا الحساسة العسكرية والدبلوماسية والشوؤن الدولية بحنكة كبيرة. وقد زادت المنح التي خصّت بها الطبيعة شخصية الأمير من الذكاء والقوة والنبوغ وبُعد النظر والقدرة على تحليل المعطيات والتنبؤ بمساراتها قدرة كبيرة ودرجة عالية من التنظير أهلته لبناء دولة عصرية كانت نواة الدولة الجزائرية الحديثة. وقد اعترف الجنرال الفرنسي بيجو بهذه القوة الأسطورية المذهلة للأمير قائلا "إن عبد القادر المحارب والخطيب والدبلوماسي ورجل الدولة والمشرع تكمن أسرار قوته في عظمته العقلية"(6).

لقد بدأ الأمير عبد القادر مسيرته المظفرة مستندا إلى تعاليم القرآن الكريم بنشر الوعي وترسيخ فكرة الجهاد لدى القبائل لطرد المحتل الأجنبي وبث الروح الثورية في النفوس وشحذ الهمم، وإذكاء الشعور الوطني للدفاع عن الأمة الجزائرية في وجه حملة استعمارية مصمّمة على تجريد الشعب الجزائري من أرضه وهويته الوطنية، فكان سلاحه الإيمان والتوكل على الله لأنه كان يعرف من أين يأتي نصر المؤمنين، وتعهد بإنقاذ الأمة الجزائرية وتخليصلها من شر المستعمر وبناء دولة حداثية عظيمة.

وانطلاقا من كونه ينتمي إلى دين يجبره على احترام كلمته، فقد عاهد الأمير عبد القادر بعهد الإسلام وكلمة الرجال، فأوفى بما عاهد، فكان رجل العهد والكلمة، وكان وفيا للمهمة التي أقسم على تحقيقها، فتغلب بعبقريته الفذة على عقبات كان يبدو أنها لا تقهر، وأظهر شجاعة نادرة تفوق الطاقة الإنسانية، فكان يثير مشاعر الإعجاب البطولي في جيشه، فجعل الناس يلتفون حول راية الجهاد ضد الاستعمار الظالم والطامع في خيرات الجزائر.

كان الأمير عبد القادر الذي حكمت عليه الأقدار في سن مبكرة بتحمل هذه المسؤولية الكبيرة، يدرك أن التحولات العالمية التي أفرزتها صدمة الحضارة الغربية آنذاك تقتضي تأسيس دولة تتجاوز حيز القبيلة والعشيرة، فعمل على توحيد القبائل، وأقام المدن ومؤسسات الدولة المدنية ومصانع الأسلحة وأنشأ جيشا نظاميا أطلق عليه اسم الجيش المحمدي، كل ذلك يدل على عبقرية الأمير عبد القادر الذي كان يتطلع إلى بناء دولة تحقق المصلحة الوطنية والتقدم خاصة بعد انهيار الحكم العثماني، وما ترتب عنه من فراغ وفوضى ضاعت معها معالم الدولة ومصالح الشعب الجزائري. إن الأمير عبد القادر "سرعان ما أدرك أن دوره، بعد أن أمسك بزمام السلطة، هو بناء دولة عصرية تقوم على جيش منظم وإدارة محكمة وعادلة، ونظام ضريبي دقيق، وإقامة صارمة للعدل، وتأسيس مراكز للتعليم على نحو جديد، وربط علاقات متفهمة بالعالم الخارجي، وإقامة مصانع تلبي حاجات المجتمع الجديد، واستيعاب وفهم عميق لروح الدين وحاجات العصر"(7).

إن هذه الروح التي طبعت تفكير الأمير عبد القادر وجعلته يفكر في إرساء أسس ودعائم دولة قوية تستجيب لمتطلبات العصر آنذاك، رغم ضرورات الحرب التي فرضها الاستعمار القادم من وراء البحر، وهو ما شهد له به المؤرخون الغربيون من أمثال الفرنسي برينو إيتيان عندما أكد أنه في الوقت الذي كان فيه فريدريك هيجل فيلسوف ألمانيا العظيم يبحث عن الدولة على مستوى الفكر المجرد ويسبح في الغيوم، كان هناك أمير صغير في الجزائر يقيم الدولة على أرض الواقع. "إن شهرة عبد القادر قد طبقت الآن كل آفاق الجزائر. لقد كان الشعور السائد هو أن رجلا قد ظهر وأنه لم يكن فقط قادرا على حفظ النظام من الداخل، بل، أنه، بمهارته وشجاعته قد نجح في فرض شروطه على الكفار من الخارج. ولذلك فعيون كل المتطلعين إلى الصلاح اتجهت طبيعيا نحو ذلك الذي حقق كل هذه النتائج الباهرة"(8).

ولما كان في الأسر عرضت عليه السلطة الفرنسية في محاولة بائسة خزائن المال والذهب والجاه والإقامة بفرنسا، ولكن الرجل الذي لا يقبل المساومة على مبادئه الدينية والوطنية والشخصية مقابل فتاة الدنيا وحطامها، رفض بشدة واستهجان تلك العروض والإغراءات بنفس شامخة عريقة في الوفاء لله والوطن والشرف، وإباء عربي أصيل " حيث جربت معه (فرنسا) دون جدوى أن تدفع به للانسياق في مشاريع امبريالية رفضها دون أن يحنث بيمين الإخلاص الذي أقسمه لها"(9)، وأسلم أمره لله بعد أن استنفذ كل السبل بعدما تحالفت ضده الظروف" فوضع السيف بعد سبعة عشر عاما من الجهاد والمواجهة مع العدو، وتناول القلم مستعيضا به عن السيف في نوع من الجهاد أشد محققا للحديث الشريف ومعايشا له بأن مجاهدة النفس والهوى هي الجهاد الأكبر بعد جهاد العدو الذي يعتبر جهادا أصغر"(10). غير أن قضية تحرير الجزائر من الاستعمار ظلت القضية المركزية التي شغلت كل الشعب الجزائري، هذا الشعب الذي ولد حرا وهو مصمم على أن يبقى حرا، سرعان ما فجر الثورة التحريرية المباركة في منتصف القرن العشرين، على يد أبناء هذا الأمير وأتباعه وأمته ليحققوا حلم الأمير، وفاء، محبة واعترافا له.

لقد طالب الأمير من فرنسا فقط أن تحترم وعدها وكلمتها وتنفذ التزاماتها التي أبرمها جنرالاتها من أمثال لاموريسير وكافينياك بدون تردد، لكنهم تنكروا لتلك العهود أمام الأمير، وفضلوا أن يلبسوا ثوب الغدر والخيانة والعار إلى الأبد، لأن" الفرنسيين قوم غدارون لا يعرفون للعهود قيمة، ولا يقدرون المواقف الإنسانية حقها، فكانوا كما قال الأمير "شكيب أرسلان:" كانت معاهدات الدول الاستعمارية مع أهالي الأقطار التي نصب أعينها الاستيلاء عليها، هي في الغالب محاط استراحة بين الحملة والحملة، ومنازل استجمام بين مراحل الحرب لا غير، بحيث لا تعدم عذرا لدى توفر القوة في نقض المعاهدات التي لم تبرمها منذ البداية إلا على نية النقض"(11). إن ذلك الوعد المتمثل في اختيار الأمير عبد القادر الحر لمنفاه والعيش في بلد إسلامي بحرية، ظل يسكن روحه ولم يفارقه أبدا، ولم يتنازل عنه رغم سنوات الأسر وعذاب السجن وإغراءات المال وأشكال المساومات التي ظلت تطارده، وهذا لا يكون إلا من إنسان يقدّر نعمة الحرية حق قدرها، فقد رفض ذلك قائلا" لو أن جميع خزائن الدنيا فتحت أمامي، واقترح علي وضعها في جهة، وحريتي في جهة أخرى لاخترت حريتي"(12).

2 - الأمير عبد القادر مدرسة للتسامح:

إن التسامح من أبرز الأعمال والصفات الأخلاقية التي ميزت حياة الأمير عبد القادر لأنه يعرف أن الشخص المتسامح يحظى بحب الله، وكان يبدو التوجه المسالم والمتسامح للأمير عبد القادر من كونه نشأ في أسرة تنتمي إلى طريقة صوفية بسيطة في حياتها، تهتم بالتعليم والأعمال الخيرية ومساعدة المعوزين والمحتاجين، بعيدا كل البعد عن السلطة وما يستتبعها من ترتيبات تفرضها طبيعة السلطة نفسها. وكان على وعي كبير بأن التسامح لا يقوم إلا على ضرورة مواجهة اللاتسامح، الذي يغذيه التعصب المفرط للمذهب أو الدين أو العرق... لقد تجاوز الأمير الإطار الضيق للمركزيات الإثنية والفواصل الثقافية التي تحد من سبل الحوار. إن التسامح الذي دعا إليه الأمير ليس من صنف التسامح الإيديولوجي الذي يكرس الظلم والتفرقة، فلقد وظف الأمير فكره في خدمة السلم والتسامح، وكان متسامحا مع شيوخ القبائل التي رفضت الاعتراف به وعارضت سلطته، لأنهم اعتقدوا أن نفوذهم سيتقلص إذا ما خضعوا له، ولذلك حاولوا التصدي له بوسائل مختلفة، وكان من بيهم رؤساء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية، وذلك حفاظًا على مكاسبهم ومراتبهم التي يحضون بها. لم يكن الأمير رجل دولة فقط، بل كان عالما في زمانه، يهتم بشؤون التعليم ونشر المعرفة والتسامح مع المعلمين، حيث "ذكر الأمير في إحدى المناسبات أنه كان يشفق على المثقفين والمدرسين وبخاصة عندما يرتكبون أخطاء فيتسامح معهم لأنه كان من الصعب في رأيه تعويضهم إذا قضي عليهم"(13). كما كان متسامحا مع أسرى الحرب الفرنسيين، وكان يبرهن على ذلك في كل مناسبة، ولعل من أشهر المواقف التي برهن فيها الأمير على ثقافته التسامحية هي الأحداث المأساوية في شهر ماي من سنة 1860 التي أنقذ فيها الأمير أكثر من خمسة عشر ألفا من المسيحيين من مذبحة حقيقية تنذر بشلالات من الدماء عقب الفتنة الطائفية التي اشتعلت بين المسلمين والمسيحيين، فتحولت أنظار أوروبا والدولة العثمانية إليه، فنال شهرة عالمية من مختلف ملوك أوروبا والعالم، وسنعرض لبعض مواقفه المتسامحة بالتفصيل.

أ - التسامح مع القبائل التي رفضت الاعتراف بسلطته:

كان الأمير عبد القادر متسامحا مع القبائل التي رفضت الاعتراف بسلطته بعد معاهدة التافنة في 30ماي 1837، فوعدهم بنسيان الماضي إذا حسنت نواياهم معه وبايعوه على الطاعة وتعاونوا معه ضد المحتل الأجنبي. فقد سبق حلمه سيفه في الوقت الذي لم يكونوا في نظره ليس أكثر من كوب من الماء في يد ظمئان، ولما لم تفد المعاملة الحسنة معهم فقد أجهز عليهم وهزمهم في النهاية" فقد استسلم ابن المخطار وجاء شخصيا لدى السلطان وطلب منه العفو. ولكن عبد القادر لم يكتف بمنحه العفو فقط بل عينه، وهو مندهش لذلك، خليفة له على القبائل المنهزمة. وهكذا أصبح ابن المخطار منذئذ أكثر أنصار عبد القادر إخلاصا له"(14).

لقد تسامح الأمير عبد القادر مع القبائل الفقيرة والضعيفة الدخل، ومنحها امتيازات تتمتع بها على خلاف بقية القبائل الأخرى، وعاملها بدرجة خاصة من الإكرام، وأمرها بأن تدفع ضرائب منخفضة تتماشى مع موارد دخلها البسيط، وشملت هذه المعاملة الخاصة مثلا أولاد سيدي الشيخ وأهل القصور في الصحراء والقبائل التي تعاني من قساوة الطبيعة وتفتقر إلى الموارد المالية التي تزيد عن احتياجاتها لتدفع منها الضرائب المستحقة عليها.

ب ـ تسامح الأمير عبد القادر مع أسرى الحرب الفرنسيين

بالموازاة مع الثورة المسلحة ضد الغزاة الفرنسيين، كان الأمير عبد القادر يقود ثورة معنوية ومعركة أخلاقية كان يمليها عليه الدين الاسلامي الحنيف، فكان يعامل أسرى الحرب معاملة الضيوف، ويوصي جنوده بالإحسان إليهم، ويأمر بتقديم أحسن الطعام إليهم، وطلب من أسقف الجزائر أن يرسل إليهم قسيسا خصيصا لهم ليصلي بهم، يقول تشرشل معبرا عن إعجابه الاستثنائي بهذا المسألة التي تهز المشاعر الانسانية :" وبصدد هذا الموضوع كتب بطل الفكرة الإسلامية الذي لا يعرف المساومة إلى أسقف الجزائر كلمات تستحق أن تكتب بالذهب، قائلا:" أرسل قسيسا إلى معسكري. فسوف لا يحتاج إلى شيء وسوف أعمل على أن يكون محل احترام وتبجيل لأنه سيكون له وظيفة مزدوجة وهي أنه رجل دين وممثل لك"(15).

ولما انتشرت أخبار حسن معاملة الأمير للأسرى بين الفرنسيين رفضوا مبدأ مبادلة الأسرى، كي لا يتحدث الأسرى بين ذويهم عن كرم الأمير وحسن أخلاقه ونبله" (16) . إن هذه المواقف لتعبر بحق عن سمو معاملة الأمير للأسرى من الجنود والضباط والنساء، فكان " مثالا للعدل والرحمة حتى مع أعدائه وظالميه، وتجلى هذا في حسن معاملته للأسرى، حين كان ينتصر في كثير من المواقع على الفرنسيين، فقد كان صاحب عناية كبيرة وعاطفة رحيمة بهؤلاء الذين كان يأسرهم جنوده، فكانت عادته أن يرسل الرجل إلى "تازة " أو "تاكدامت"، أما النساء فقد كن بلا استثناء يرسلن إلى "الزمالة" حيث تعتني بهن والدته وقد أفرد "تشرشل" الفصل السادس عشر من تاريخه لذكر حسن معاملة الأمير للأسرى، ورحمته بهم وشفقته عليهم، إذ كان يكافئ من يأتيه بالأسير حيا أكبر مكافأ ة، ولقد كان الأمير كما قال "فاليوت" في تاريخه عدو كريم الأخلاق"(17).

لقد كتب أحد الضباط الفرنسيين معترفا بأخلاق الأمير في معاملة الأسرى قائلا""إن هناك عددا لا يحصى من الأعمال الباهرة التي لا يعرفها إلا الضباط الفرنسيون الكبار الذين اجتمع بهم أو الذين تراسل معهم، والتي تشهد كلها على سمو همته. ولقد كان علينا أن نخفي هذه الأشياء بقدر ما نستطيع على جنودنا، لأنهم لو اطلعوا عليها لما كان في استطاعتنا أبدا أن نجعلهم يحاربون عبد القادر بنفس الاندفاع والحماسة"..

ج ـ واقعة أحداث ماي 1860ودور الأمير في إخمادها

لعل من أبر المواقف التي تجلى فيها تسامح الأمير عبد القادر هي فتنة أحداث ماي من سنة 1860 التي وقعت في الشام بين المسلمين والنصارى. لقد جسدت تلك الحوادث الصورة الحقيقة لفكر الأمير عبد القادر وإيمانه بالحوار والتسامح بين الأديان وإمكانية التعايش بين الشعوب بعيد عن الحروب وسفك الدماء. من هذا الإيمان العميق المشبع بالروح الدينية والمواقف الإنسانية الشريفة اندفع الأمير لإطفاء نار الفتنة، وهو ما يعكس حرصه على حقن الدماء والبحث عن السلام لأن الحرب لم تكن خيرا على الناس في أي زمان أو مكان. قبل وقوع الفتنة جمع الأمير عبد القادر الأعيان ووجهاء القوم من أهالي دمشق وخاطب فيهم خطبة شهيرة حذرهم فيها من عواقب الحروب الطائفية الطائشة والفتن النائمة، وسفك الدماء، وبيّن لهم أن الأديان تدعو إلى التسامح والتعارف والتعاون في كنف الاحترام المتبادل بين البشر. أما الحروب المروعة ما هي إلا نتيجة فهم ساذج للدين الذي يروجه معتنقي الفكر المنحرف الضال، قائلا: "إن الأديان وفي مقدمتها الدين الإسلامي أجل وأقدس من أن يكون خنجر جهالة أو معول طيش أو صرخات نذالة تدوي بها أفواه الحثالة من القوم. أحذركم أن تجعلوا لشيطان الجهل فيكم نصيبا، أو أن يكون له إلى نفوسكم سبيلا"(18).

ومع انطلاقة الفتنة" بقي الأمير أربعة عشر يوما متوالية لم يفتر فيها لحظة عن نصرة المظلومين، وإنقاذهم من القتل، وأشرف على تطبيب الجرحى، وقام على تعزية الثكالى والأرامل والأيتام، وكان يقضي أكثر الليالي ساهرا وبندقيته في يده حرصا على من في حماه، فإذا غلب عليه النعاس أسند رأسه إلى فوهتها قليلا وغفا"(19). لقد سارع الأمير إلى حماية أحياء النصارى وآوى في بيته الرهبان والقناصل حتى بلغ عدد الذين أنقذهم الأمير ممن إلتجأوا إليه حوالي خمسة عشر ألف من المسيحيين والقناصل والرهبان. لقد ضرب الأمير عبد القادر مثلا أعلى في التسامح والمحبة والإخاء والبعد عن التعصب من خلال هذا الموقف الإنساني النبيل من تلك الفتنة الطائشة، حيث انتقلت أخبارها إلى مختلف بقاع العالم، مما جعل ملوك ورؤساء أوروبا وحكام العالم ينظرون إليه بعين الإكبار والإجلال، ويمنحونه الأوسمة والهدايا الفخرية من الدرجة الأولي على شجاعته ومواقفه البطولية والإنسانية، "فنال وسام الجوقة الفرنسي، ووسام صليب النسر الأبيض الروسي، ووسام صليب النسر الأسود البروسي، ووسام صليب المخلّص اليوناني، وأهدت إليه ملكة بريطانيا بندقية مرصعة بالذهب"(20). فكان ردّ الأمير حين " كتب بعد هذه الفتنة معبرا عن سبب موقفه النبيل، يخاطب ملكة بريطانيا:" إنني لم أفعل إلا ما توجبه علي فرائض الدين، ولوازم الإنسانية"(21). ولا يزال إلى غاية اليوم تمنح الجوائز للأمير عبد القادر حيث" منحت مؤسسة (الأوسيمي) السويسرية، غير الحكومية جائزتها السنوية الثالثة في التسامح إلى اسم الأمير عبد القادر الجزائري، تقديرا لدوره كأحد أبرز مؤسسي القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، وثناء على مساعيه الحميدة لنشر روح التسامح في فترات عصيبة من التاريخ. وتسلم الجائزة حفيد الأمير الراحل مندوب الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، السفير إدريس الجزائري"(22).

لم يقتصر المعجبون بالأمير عبد القادر على الملوك والرؤساء، بل حظي بإعجاب وتقدير ومدح الكثير من الكتاب والشعراء والمؤرخين العرب والأجانب، فقد مدحه على هذا الموقف الشجاع الشاعر أمين الجندي قائلا:

إليك انتـهى المجـــــــد الرفيع المــؤثّل وعنك، أحاديث المكارم، تنقـــــــل

وفي الشام، لما أن بغى الناس، واعتدى على بعضهم بعض، بما ليس تقبل

نهضت لإخماد الفساد، بهــــــمّــــةٍ، تزيل الرؤوس. والأســـــود تجــنـدل

حقنت دماءً، حرّم الشرع سفكـــــــها وصنت، من الأعراض، ما لا يحلّل

بذلت، من الأموال، وفــــــرا، بمثله يضـــنّ سخيّ الطـــــبع، والمتمــــوّل

صنيعك، هذا ليس يقـــــــدر قـــدره ولا أحــدٌ ـ حقا ـ لـــــه يـــتـوصــّـــل

قصدت به مرضاة ربّك، مخلــــصا وما خاب عبد، في رضى الله، يعمل

لقد نال الأمير شهرة عالمية حتى أعدّه أهل دمشق نعمة من النعم العظيمة التي أنعم الله بها عليهم، إذ جعل إقامته بينهم، فأفادهم بعلومه ومعارفه ومواقفه. ففي مدينة دمشق انصرف للتدريس والتأليف وتنظيم حلقات العلم لجميع المستويات، حيث" درّس الأمير عبد القادر التصوف، والتاريخ وعلوم الدين، على مدى أكثر من عشرين عاما، وفي كل يوم من أيام إقامته في دمشق"(23)

لقد تخطى الأمير نظريا السياجات اللاهوتية الدوغمائية وتجاوز كل المعتقدات والتصنيفات الإيديولوجية الدينية التي ترسم الحدود الوهمية والخطيرة وتفرق وتفصل بين الشعوب، وتثير بينهم العداوة بدل التعاون والتواصل الطبيعي الذي يقتضيه التجمع البشري. ومن هذا المنظور كان الأمير عبد القادر يؤسس لفكرة التسامح الديني، ويرسم معالم هوية عالمية تتلاشى فيها الفواصل وتتقلص فيها المساحات التي تبعد الناس عن بعضهم البعض، ويمثل الاختلاف فيها نسيج وجماليات الوجود كله، قال الأمير الجزائري:

ففي أنا كـل ما يؤمله الـــــــــــــورى فـمن شاء قرآنا ومن شاء فرقانا

ومن شاء توراة ومن شاء إنجيلا ومن شاء مزمارا زبــــورا وتبيانا

ومن شاء مسجدا ينـــــاجيه ربه ومن شـاء بيعة ناقوسا وصــــلبـانا

ومن شاء كعبـة يقبل ركنـــــــــــها ومن شاء أصناما ومن شاء أوثانا

ومن شاء خلوة يكن بها خاليا ومن شـاء حـانة يغزل غـــــزلانا

ففي أنا ما قد كان أو هو كائن لـقد صـح عنـدنـا دليـــلا وبـرهانا

 

في هذه الأبيات الشعرية يظهر تأثير المتصوف الكبير الشيخ محي الدين بن عربي في الأمير عبد القادر، حيث يقول محي الدين بن عربي في نفس المعنى: إذا لم يـكـن ديـني إلى ديـنـه دان لقـد كنت قـبـل الـيوم أنكر صاحبـي فـمـرعـى لغـزلان وديـر لرهـبان وقـد صـار قلبي قـابـلا كـل صورة وألـواح تـوراة ومـصحـف قـرآن وبـيـت لأوثـان وكـعـبـة طـائـف ركائـبـه فالحـب دينـي وإيـمانـي أديـن بـديـن الحـب أنـى توجـّهت.

خاتمة: يمثل الأمير عبد القادر صفحة مجيدة واستثنائية من تاريخ الجزائر المعاصرة لن يتمكن الزمن من إلغائها عن الوعي الثقافي والفكري والوجودي لأبطال التاريخ، فقد جسد أقصى درجات الوعي في الزهد المطلق، ورفض الاستعمار البغيض، وقدم دروسا نموذجية ومن أرقى المستويات في الحوار والتسامح شغل الناس في زمانه، ولا يزال يشغل الكثير من الباحثين والمفكرين إلى غاية يوم الناس هذا في بقاع الدنيا. لقد قدم الشعب الجزائري تحت قيادته أروع البطولات والتضحيات التي قلّما يجود بها شعب في التاريخ، وتحدى القدر بأن يأتي بأسوأ مما عنده. وثقافة التسامح هي أحسن ميراث تركه الأمير عبد القادر للإنسانية جمعاء ، حيث يمكن استثماره في عالمنا المعاصر ليعيش بسلام من دون تلويث العالم بثقافة الكراهية والدماء والحروب والمذابح الجماعية. وبذلك يظل الأمير عبد القادر قيمة ثقافية إنسانية نادرة يشهد له بها الخصوم قبل الأصدقاء. في الأخير نشير إلى هذا الاعتراف الذي جاء من قلب المجتمع الأوروبي، والذي يعترف بخصال وأفضال الأمير عبد القادر وثقافته المتسامحة والتي افتتح من خلالها عهدا جديدا في معاملة الأسرى حيث جاء في ذلك الاعتراف ما يلي:" فمن كان أول من ألغى هذه الأعمال الفظيعة؟ ومن منع، بكل الشدة التي تسمح بها الظروف، عادة إضافة رؤوس الأسرى الذين أخذوا أحياء، سواء كانوا جرحى أو غير جرحى، إلى رؤوس القتلى الذين سقطوا في ميدان القتال؟ ومن الذي أعطى الجائزة مضاعفة بل مثلثة على كل أسير جيء به حيا سليما، بدل منح الجوائز من أجل كل عمل دموي فظيع؟ مرة أخرى، ليعلم العالم المسيحي والعالم المتحضر على الإطلاق أن ذلك الرجل هو عبد القادر"(24). وبهذا العمل يكون الأمير عبد القادر قد سنّ قوانين أسرى الحرب قبل معاهدة جنييف بسبع وعشرين سنة.

وهكذا يبقى الأمير عبد القادر رمزا وطنيا وشخصية عالمية دخل التاريخ من بابه الواسع، لأن الرجال لا يعرفون إلا بأعمالهم.

 

د. نابي بوعلي

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

جامعة معسكر /الجزائر

.................................

المراجع:

 1- شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، ترجمة أبو القاسم سعد الله، الدار التونسية للنشر.

2 - نزار أباضة، الأمير عبد القادر العالم المجاهد، دار الفكر دمشق سورية، الطبعة الأولى 1994.

3 - سامية بوعمران، الأمير عبد القادر رمز المقاومة الجزائرية، في ثقافة المقاومة، مركز دراسات الوحدة العربية،الطبعة الاولى2007.

4 - بركات محمد مراد، الأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الصوفي، دار النشر الالكتروني.

5 - أحمد كمال الجزار، المفاخر في معارف الأمير الجزائري عبد القادر، ط1، 1997.

6 - برونو إتيين، عبد القادر الجزائري، ترجمة ميشيل خوري، دار عطية للنشر، ط1، بيروت لبنان، 1997.

هوامش

(1) سورة هود، الآية: 62.

(2) أبو القاسم سعد الله في شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، الدار التونسية للنشر، ص15

(3) أبو القاسم سعد الله، نفسه،. ص15

(4) شارل هنري تشرشل، حياة الأمير عبد القادر، ترجمة أبو القاسم سعد الله، الدار التونسية للنشر، ص56.

(5)بركات محمد مراد، الأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الصوفي، دار النشر الالكتروني،ص14.

(6) شارل هنري تشرشل، نفسه، ص 14.

(7) أبو القاسم سعد الله، نفسه،. ص16.

(8) شارل هنري تشرشل، نفسه، ص86.

(9) برونو إتيين، عبد القادر الجزائري، ترجمة ميشيل خوري، دار عطية للنشر، ط1، بيروت لبنان، سنة1997، ص18.

(10) بركات محمد مراد، الأمير عبد القادر الجزائري المجاهد الصوفي، دار النشر الالكتروني،ص5.

(11) بركات محمد مراد، نفسه ص18.

(12) شارل هنري تشرشل، مرجع سابق، 264.

(13) سامية بوعمران، الأمير عبد القادر رمز المقاومة الجزائرية، ص137.

(14) شارل هنري تشرشل، مرجع سابق، ص128.

(15) شارل هنري تشرشل، نفسه، ص202.

(16) أحمد كمال الجزار، المفاخر في معارف الأمير الجزائري عبد القادر، ط1، 1997، ص32.

(17) الامير المجاهد الصوفي، ص21.

(18) نزار أباضة، مرجع سابق، ص16.

(19)نزار أباضة، نفسه، ص17).

(20) نزار أباضة، الأمير عبد القادر العالم المجاهد، دار الفكر دمشق سورية، الطبعة الأولى 1994، ص18.

(21) نزار أباضة، نفسه، ص18.

(22) http://www.djazairess.com/elkhabar

(23) برونو إتيين، مرجع سابق، ص19.

 

 

في الحكم الفقهي تكون حضانة الطفل عند الام لسنتين فقط.. اي مدة الرضاعة، وبالنسبة للبنت تبقى عند امها الى سبع سنوات، وبعضهم ذهب الى ان البنت والولد يبقيان الى سبع سنوات عند الام وتنتقل بعدها الحضانة الى الاب... هذه الاحكام انبثقت في زمن كان الاب في مجتمع يجلب المربي والمربية للاطفال من العبيد والاماء، اي ان الاب لايقوم بنفسه برعاية الطفل كما لم تكن الام تقوم بذاتها بالعمل نفسه، اما الان ومع عدم وجود نظام العبودية وعدم وجود نظام الخدم بالبيوت يتماشى مع التشريع الاسلامي، لعدم امكانية نجاح الخادمة ان تكون بديلا عن الخادمة الأمة أو الام مع وجودها،فان مايفعله الاب عند الطلاق الان، خارج عصر العبودية، ان ياخذ اطفاله ويرميهم على زوجته الجديدة (زوجة الاب)، التي تضطر للقبول بهم مكرهة على ذلك. فاذا عرفنا ان الزوجة غير مسؤولة عن ابنائها اصلا في رعايتهم، فكيف يجب عليهاان ترعى ابناء زوجها؟. ان الاحكام الفقهية التقليدية كانت ناظرة الى حال المجتمع في ذلك الحين، وهو ان تكون الاسرة مكونة من ابوين مع نظام خدمي يتكون من الاماء والعبيد، كان تجهيز بيت الزوجية يشمل جلب الخادم (العبد والأمة) مع هذا الإعداد، وهو يعد امرا اساسيا في الحياة الزوجية في العهود التي كانت الحياة بها تتسم بطابع العبودية.

لابد ان يطرح سؤال هنا عند الزواج في العصر الحالي: من يقوم بالخدمة داخل البيت اذا ما عرفنا اننا ليس لدينا ثقافة ان يقوم الذكر باعماله بنفسه بل يعتمد غالبا طيلة حياته على المرأة في محيطه الاسري، بدءامن الام والاخت،وعادة حين تريد الام الخلاص من اعباء الذكر يزوجوه، لتقوم الزوجة بدور الخدمة له ولاطفاله التي هي غير مكلفة بهم فقهيا. الرجل لايقوم بخدمة نفسه، فكيف يعطى الحضانة له وهو لايستطيع ان يتعامل مع الاطفال اويغذيهم اويوقظهم من النوم مثلا،في كل يوم ثم يقوم بتنظيفهم واطعامهم والباسهم اويمشط شعورهم ويصنع لهم السندويجات في حقائبهم ويرسلهم للمدارس، ومن ثم متابعة دروسهم واللعب معهم واخراجهم للتنزه، والشراء لهم واخذهم للطبيب وغيرها من الامور؟. حين يقول الحكم الشرعي ان الحضانة للاب، عليه ان يدرك انه عليه اما ان يقوم بنفسه بكل احتياجاتهم الضرورية العاطفية منها والترفيهية، او يجلب من يهتم بهم كما لو كانوا مثل امهم ممن يحملون الولاء للبيت، زوجة الاب غير معنية بهم ورعايتهم. بل انها غير معنية بزوجها ولابنفسها من هذا الجانب ان كانت ممن تخدم، بل عليه ان يدبر ذلك، والا مادوره هو، مادام ينسب اليه الولد بدون اي انجاز فعلي للابوة؟.

عائدية الولد للام لم تكن معروفة سابقا، كانوا يتصورون ان الام مجرد وعاء تحمل نطفة الرجل فتكبره في رحمها ثم تخرجه للحياة، فكانوا يتصورون ان الطفل هو ابن الاب وحده، وان النطفة هي طفل مصغر وضع في رحم الام، ولم يتم اكتشاف ان الام تعطي اكثر من الاب من حيث المادة الاولية للطفل وان الطفل هو ابن الام وصنيعتها، وفي كل الكائنات غير الانسانية والانسانية يعد اللقاح الذكري غير نادر في الطبيعة، وهو بلا قيمة تذكر مقابل الندرة التي تمثلها بويضات الانثى في كل الكائنات. من هنا لابد ان يفهم الاب ان الابوه والنسب له وحده هو نوع من الامتياز اعطي له بلا استحقاق مقارنة بالانثى الام التي تعطي البويضة والرحم والطعام والرعاية والرضاعة، كل البشر يدركون ان الطفل هو ابن الام بالدرجة الاولى، والابوة انما هي خبر والامومة حقيقة، ومع ذلك تم التعاطي تاريخيا في الحياة البشرية مع الامر على ان الابن هو ابن قبيلة الاب فهو حامل لاسمه دون اسم امّه. فكانت التشريعات البدائية قد اعطت النسب للاب حصرا، وهذا ناتج من نظرة اعتبارية، فلو جاء الاسلام مثلا في مجتمعات غير أبوية، والنسب يكون للام و الاب معا،لوافق على ذلك لما يمثله من عدالة واضحة.

لماذا لانريد ان نصدق ان القدماء لم يكونوا يعرفون ان الام تعطي ٢٣ كروموسوما والاب ٢٣ كروموسوما ليشكل الخارطة الجينية للابن. لماذا استأثر الاب بالنسب ولم تشرك المرأة معه بهذا النسب ؟! الامر واضح انه مجتمع ابوي ذكوري بطريركي،لايريد ان ينتصر للحقائق مطلقا. ان من يتعكز على الحكم الشرعي في اعطاء الحضانة للاب عليه ان يرجع نظام العبودية ليتم الامر كما كان سابقا في عصر اصدار الفتوى. اما الان فالام اولى من الاب الى حين يقوم هو بخدمة الاطفال بنفسه، كما تقوم الام بذلك على احسن وجه، وليتم البحث بعدها ان كان بقاء الطفل مع الام ام مع الاب من حيث فائدة ذلك للمحضون نفسه، ان العناية بالطفل تحتاج الى ان يباشر الابوان ذلك بنفسيهما، وهذا الامر بالنسبة الى الاب لا يجعله قادرا على العمل خارج البيت وعليه ان يقدم استقالته من عمله في هذه الحالة، ليجلس مع الاطفال ويتابعهم. هذا اذا احسن العمل مع اطفاله بعد الاستقالة، وعليه ان يتابع اطفاله الجدد من زواجه الثاني واسرته الجديدة واعمالها. حينها سيحقق شروط الحكم الشرعي بحذافيره وحينها ستكون المفاضلة تخضع للبحث وايجاد مصلحة الطفل اين تكمن واعمال المفاضلة بين الام والاب، وليس كما يتم الان المفاضلة بين الام وزوجة الاب، والزوج في الحالتين غائب عن اخذ دوره الحقيقي بالرعاية.

 

 بتول فاروق

١٦/ ٩ / ٢٠٢٠

 

 

منى زيتونطالما صُورت العدالة بصورة امرأة تحمل ميزانًا معصوبة العينين كي لا تبصر أي من الخصمين ولا يختل الميزان بين يديها، ولكن بقيت هذه الصورة خيالية في عالمنا، لأنه رغم أن العدل هو القيمة العليا التي تنبثق منها جميع القيم إلا أنه بقي شريدًا تائهًا قلَّ أن يجد حاكمًا عادلًا يوفر له مأوى!

والمتتبع لما يدور في مصر يحق له أن يتساءل عن مستوى تدهور العدالة وضياع حقوق وكرامة الإنسان في هذا البلد، فرغم أن الظلم معتاد في مصر منذ فجر التاريخ، لكن مستوى انحداره الأخير صار لافتًا؛ إذ تتنوع أشكال الظلم على هذا الكوكب البائس ولكن يبقى لدى الحكام في مصر قدر عالٍ من الابتكارية لا يتوفر مثيله ولا نصيفه لدى غيرهم! وسنعرض في هذا المقال بعض حالات منه.

القبض على الشهود والمدافعين عن حقوق الضحية

في قضية "الاغتصاب الجماعي لفتاة تحت تأثير مخدر" في فندق الفيرمونت بالقاهرة التي جرت وقائعها عام 2014، وكُشف عنها مؤخرًا بعد تدخل المجلس القومي للمرأة، وبعد أن وجد المتهمون فسحة كافية من الوقت مكنتهم من الفرار خارج البلاد، بدأ الأمن المصري يخاطب الانتربول للإمساك بهم!

وبعد أن داهمنا أمل مفاجئ في إمكانية القصاص العادل من هؤلاء الحثالة بعد أن استطاع الانتربول القبض على بعض منهم في لبنان، فوجئ المجتمع المصري بتحول خطير في مسار القضية؛ بانقلاب القضية على الشهود والمدافعين عن حقوق الضحية، وتحويلهم من شهود إلى متهمين!

أحد هؤلاء المدافعين الذين حاولوا التشهير بهم هو ابن معارض شهير وإعلامية كبيرة، ومعروف عنه مساندته لضحايا التحرش والاغتصاب، وبدا أن الأمر يسير في طريق تصفية بعض الخلافات السياسية مع أبيه.

وإحداهم هي ابنة فنانة شبه معتزلة، وكانت قد تقدمت بشهادة ضد أحد المتهمين الهاربين، والذي كان زوجًا لها وانفصلت عنه منذ عام، وطليقها الهارب ظل يبعث لها بالتهديدات بالتشهير ويتوعدها، ورأيناه ينفذ تهديده، فتتحول من شاهدة إلى متهمة، وتُحبس على ذمة القضية في عنبر الآداب في سجن النساء، بينما طليقها المتهم بالاغتصاب الذي تقدمت بالشهادة ضده لا زال يلهو في لندن!

وبعض الشهود هاربون خائفون من المصير ذاته!

وهناك أيضًا محاولات لتحويل القضية من "اغتصاب جماعي تحت تأثير مخدر" إلى "ممارسة جنس جماعي بالتراضي"، وكأنها كانت حفلة للفجور، ما يعني تشويه سمعة منظمي الحفل وجميع من حضروه، والسؤال الذي يطرح نفسه بداهةً: هل كان سيتم التعاقد مع مجلة صحفية متخصصة لتغطية الحفل لو كان مشبوهًا؟ وهل كانت صور الحفل ومقاطع فيديو منه ستبث على مواقع التواصل الاجتماعي لو كانت هذه حقيقة الحفل؟ ومؤخرًا بعد تداول أمر الجريمة تم حذف جميع الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالحفل، وأصبح أغلب من حضروه من شخصيات محترمة يتبرأون من حضوره منعًا لإثارة الظنون حولهم.

وكل هذا العبث يتم لحماية بعض من الشباب الحثالة محدثي النعمة، من أبناء وضيعي الأصول الذين طفحوا على قمة المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، فكل من ساهم في كشف جريمتهم وتحويلها إلى قضية رأي عام، وأرغم أجهزة الأمن على التحقيق فيها صار متهمًا أو مشتبهًا فيه!

عقاب الضحية

في بدايات الألفية، وبدء تعرف الناس على جيل التليفونات المحمولة المزودة بكاميرا، كانت هناك قضية شغلت الشارع المصري لفترة، وتتعلق بمقطع فيديو تم تسريبه من داخل أحد أقسام الشرطة لأحد المحتجزين في القسم والذي قام أحد ضباط قسم الشرطة بالاعتداء عليه جنسيًا، ولمّا طالت الفضيحة الضحية تقدم ببلاغ ضد ضابط الشرطة الشاذ، وفُتح التحقيق في القضية.

ولأن ضابط الشرطة ذاك كان ابن لواء شرطة سابق، فقد قيل وقتها أن ضغوطًا مُورست على الضحية لإجباره على تعديل أقواله، وكان أهمها أنه مهما كان عدد من شاهدوا مقطع الفيديو المسرب –ولم يكن عصر اليوتيوب قد بدأ- فلن يقارب بأي حال من الأحوال عدد من يمكن أن يشاهدوك في نشرة الأخبار الرئيسية بالتليفزيون المصري تدلي بشهادتك في القضية، وكان الضحية واعيًا لحقوقه ولم يهدرها، ورفض الإقرار بأي شيء خلاف الحقيقة أمام هيئة المحكمة، ولكن تسجيلًا بالصورة دون الصوت لما دار في المحكمة تمت إذاعته في نشرة الأخبار الرئيسية في التليفزيون المصري يومها، وظهر فيه المجني عليه يقف أمام منصة القضاء، ملتفتًا صوب الكاميرا، وتعبيرات وجهه وجسده نموذج لما يمكن تدريسه عن الرعب، وهو ما أغضب كل من شاهد نشرة الأخبار، ولكن كان منظر الضابط الشاذ في قفص الاتهام والحكم عليه بالسجن والرفد من الخدمة مثلجًا للصدور، وكأنه أراد إذلال الضحية مزيد إذلال فنال من الذل أضعافًا.

ولكن يبقى السؤال: لماذا انتقلت كاميرات التليفزيون لقاعة المحكمة لتصوير الضحية؟ وهل صرنا نعاقب الضحية عوضًا عن الجاني؟!

استبدال الأدوار بين الجاني والمجني عليه

وأخيرًا –ولا أظنه آخرًا إلا أن تقوم القيامة لينتهي الظلم من مصر- انتشرت الأخبار من قرية العوامية بالأقصر بمقتل مواطن مصري اسمه عويس الراوي فجر 30 سبتمبر الماضي، على يد أحد ضباط الأمن الوطني الذي جاء إلى منزل العائلة للقبض على ابن عمه ضياء الراوي لمشاركة الأخير في الحراك الشعبي والاحتجاجات السلمية الأخيرة التي حدثت في مصر يوم 20 سبتمبر الماضي.

وهناك روايتان من الأهالي الشهود للحادث إحداهما أن الأمن لمّا لم يجد ابن العم بالمنزل أخذ أخا عويس بدلًا منه، فاحتج عويس ورفض أخذ أخيه كرهينة وتمسك بجلباب أخيه، محاولًا إفلاته من رجل الأمن الذي استمر في شده خارج المنزل، فأطلق عليه ضابط الأمن الوطني أربع رصاصات أردته واحدة منهم أُطلقت نحو رأسه وأصابت رقبته، والرواية الثانية تقول إن الضابط صفع أبا عويس عندما لم يجد المطلوب أمنيًا فرد عويس الصفعة للضابط انتقامًا لأبيه، فأرداه الضابط برصاصة قتلته، وأطلق ثلاث طلقات تحذيرية في الهواء.

وأما الرواية الرسمية التي صرّح بها بيان النيابة فقد خرجت علينا بعد طول انتظار، بعد أسبوع من حادثة القتل وبدء التحقيق، بأن عويسَ كان مطلوبًا أمنيًا، وأُلصقت تهمة الإرهاب به وبذويه، وأنه قاوم الضابط بسلاح ناري كان في حوزته، وأصيب أثناء محاولة الأمن ضبطه. وذكرت النيابة أنها "أذنت بضبط المتوفَّى وآخرين من ذويه لاستجوابهم فيما نُسب إليهم من جرائم إرهابية"!

والاتهام الفضفاض بارتكاب الجرائم الإرهابية غير المعلومة وغير المحددة أصبح شائعًا في مصر في عهد السيسي، ويظهر دومًا للتغطية على نبأ قتل أو القبض على أحد المواطنين، ويتم الإدعاء أن التوجه لضبطهم تم بناءً على تحريات من الأمن الوطني، ودائمًا وأبدًا لا تكون النيابة العامة قد قامت بالتحقيق في هذه التحريات المزعومة قبل حادثة القتل أو الضبط.

والحقيقة أن بيان النيابة الذي تناقلته الصحف، والذي صدر متأخرًا أسبوعًا ليحمل أول رواية رسمية عن الحادث كان في أغلبه مبنيًا للمجهول، وإن كان المؤكد أنه يحمل رواية الأمن الوطني لأن البيان ذاته صرّح بأنه لم يتضمن نتائج التحقيقات التي أُجريت مع أسرة القتيل –والده وأخيه-، ولم يذكر أنه تم التحقيق مع باقي الأسرة أو أي من الأهالي شهود الحادث، والذين نفوا في مداخلات تليفونية أن يكون القتيل قد قاوم الضابط بسلاح.

مقطع الفيديو المتداول للحادث يصور عربات الشرطة أمام منزل القتيل، ويُسمع فيه صوت دوي أربع رصاصات تجاهل بيان النيابة ذكرهم وبيان نوعهم إن كان رصاص (ميري) من الذي تستخدمه قوات الأمن أم صادرة من سلاح شخصي، كما خلا بيان النيابة تمامًا من بيان الصفة التشريحية لجثة القتيل، وإن كان قد قُتل برصاصة أطلقت صوب الرأس أم لا، وهل كانت من مسافة قريبة أم بعيدة؟ بل لم يحدد البيان اسم الذي أطلق الرصاص على القتيل من رجال الأمن!

والمجني عليه المتهم بالإرهاب هذه المرة هو موظف بمستشفى الأقصر الدولي، والتي يرتادها السائحون، ويستحيل أن يكون مشتبهًا به أمنيًا ويُسمح له بالعمل في مثل هذا الموقع، ومع ذلك تم إلقاء الاتهام عليه وعلى ذويه بعد تجرؤ أحدهم على المشاركة في الاحتجاجات على سوء أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية وحملة هدم المنازل الأخيرة.

في مصر، لم يقف حد الظلم أن تخشى على حياتك أن تُقتل ولا يُقتص لك، بل صرت لا تأمن أن تُقتل فتُصور على أنك إرهابي، فتتبدل الأدوار بينك وبين قاتلك لتكون الجاني ويكون القاتل المجني عليه! ثم تجدهم فوق ذلك يُفرقون من يريدون تشييع جنازتك بقنابل الغاز وطلقات الرصاص.

 

د. منى زيتون

الخميس 8 أكتوبر 2020

 

علاء اللاميالشاعر والفارس الوثني دريد بن الصِّمة الذي بجَّله المسلمون!

سأبدأ بتسجيل تحفظ صغير على مفردة "تسامح" السائدة في النثر السياسي المعاصر كترجمة لكلمة (tolerance) الإنكليزية و (Tolérance) الفرنسية. ومبعث تحفظي يتعلق بالمضمون والجوهر أكثر منه تحفظ لغوي، وهو أن "التسامح" لا يصح مضمونا أن يكون قاعدة أو سلوبا في التعامل مع أبناء الوطن الواحد لأنهم من طائفة أو دين آخر غير دين أو طائفة الغالبية، لأن هؤلاء المطلوب "التسامح" معهم لم يرتكبوا جرما أو تجاوزا بكونهم من تلك الطائفة أو الدين المختلف ليتم التسامح معهم! والأفضل والأدق في اعتقادي، أن تستعمل كلمات من قبيل "التعايش" و "المساواة" و" المواطنة". ولكن كلمة "السماحة"، كما أعتقد، تبقى أليق وأخف وطأة من التسامح لأنها تعني الجود المعنوي والمادي ولا تعني العفو كالأخرى.

إنه دريد بن الصمة، شاعر وفارس وحكيم عربي معروف من عصر ما قبل الإسلام، أدرك الإسلام ولم يسلم، بل قاتل المسلمين وهو شيخ طاعن في السن حتى قتل في معركة ضدهم هي غزوة حنين، ولكن المسلمين، مؤرخين ورجال دين وأدباء وجمهورا لم يلعنوه ويحرموا ذكره وذكر شعره الفروسي والحكموي بل حولوا شخصه إلى أسطورة بطولية يكاد يمتزج فيها الواقعي بالفانتازي!

اللافت للانتباه، في حالة ابن الصمة وغيره، هو مقدار السماحة التي أبداها مسلمو صدر الإسلام وصولا إلى سقوط بغداد سنة 1258م وما أعقبها من عصور الظلام والفُرقة والفِرَق والطوائف والمذاهب المختلفة والمتخالفة أحيانا إلى درجة التكفير المتبادل. هذا لا يعني عدم وجود أمثلة على الاضطهاد بسبب الفكر أو الدين أو الاعتقاد فهم - في نهاية المطاف - بشر وليسوا ملائكة. ولكننا نتكلم على الخط العام والحالة الشاملة الحاوية للاستثناءات بما يؤكد أن الأمم في عهود صعودها الحضاري تفكر وتنتج تفكيرا صاعدا وتمارس ممارسات صاعدة وتقدمية، أما في عهود انحدارها وهزيمتها فهي تفكر وتنتج فكرا متراجعا وهابطا يهتم بالقشور وليس بالجوهر وهذه هي حالتنا كأمة وشعوب عربية وإسلامية اليوم!

1875 النابغة الذبيانيتسامح الأجداد، حتى بمعنى العفو، لافت حقا، مع دريد بن الصمة الشاعر الفارس الوثني "المشرك" الذي قاتلهم بسيفه آخر عمره، ومات على وثنيته ولكنهم استمروا يطرونه ويذكرون محاسنه وفروسيته وحكمته؛ حتى أن الإمام علي بن أبي طالب تمثل بشعر حين حاججه الخوارج بخطأ التفاوض مع معاوية بن سفيان بعد معركة "صفين" فكرر بيتا شهيرا لابن الصمة يقول:

أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى ***** فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

وسنعود للقصيدة التي ورد فيها هذا البيت بعد قليل. أما مؤرخ الأدب العربي الأقدم، المسلم، محمد بن سلام الجمحي، في كتابه "طبقات فحول الشعراء"؛ فقد وضع ابن الصمة في أوائل طبقة الشعراء الفرسان. وقال فيه كان (أطول الفرسان الشعراء غزواً، وأبعدهم أثراً، وأكثرهم ظفراً، وأيمنهم نقيبةً عند العرب) وقال فيه آخر (كان دريد بن الصمة سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم وكان مظفراً ميمون النقيبة، وغزا نحو مائة غزوة ما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وخرج مع قومه في يوم حنينٍ مظاهراً للمشركين، ولا فضل فيه -لا قوة فيه بسبب الشيخوخة - للحرب، وإنما أخرجوه تيمناً به وليقتبسوا من حكمته فقتل).

 فحين قاتلت قبيلته "غزية الجشعمية" ضد المسلمين في غزوة حنين، قاتل معها، وهو في ثمانينات، وقال آخرون أنه تجاوز القرن عمرا وقتل. أي أنه مات "مشركا كافرا" بعبارة المسلمين، فلماذا ظل المؤرخون والأدباء العرب المسلمون القدماء يحترمونه ويجلونه؟ هناك طبعا أمثلة أخرى من شعراء وغير شعراء تماثل حالة دريد بن الصمة، لكننا سنتوقف عنده كمثال أبرز في هذا الاستذكار:  

ربما لم يظلم بيت من الشعر وقائله كما ظلم هذا البيت الذي قاله ابن الصمة:

فهل أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غَوَتْ *****غَوَيتُ، وإن ترشُد غزيّةُ أرشدِ

فهو يُضربُ في عصرنا لهجاء ما يسمونه عقلية القطيع والنزعة العشائرية والانقياد غير العقلاني للقبلية والعشائرية...إلخ، ولكننا لو قرأنا البيت في سياقه لاختلف الأمر تماما وأصبح يدل على غاية الرفعة والسمو والتسامح، وبما نصفه في عصرنا بالسلوك الديموقراطي واتباع رأي الأغلبية حتى إذا كان رأي الشخص مخالفا لرأيها.. قال الشاعر:

أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى *****فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

فَلَمّا عَسوني كُنتُ مِنهُم وَقَد أَرى*****غِوايَتَهُم وَأَنَّني غَيرُ مُهتَدي

وَهَل أَنا إِلّا مِن غَزِيَّةَ إِن غَوَت******غَوَيتُ وَإِن تَرشُد غَزيَّةُ أَرشَدِ

وقصة هذه الأبيات تقول إن الشاعر كان مع بني قومه في غزو لمضارب قبيلة عَبْس "عشيرة من غطفان" وعادوا منه منتصرين بالغنائم، فأرادوا المبيت في مكان ما، فنهاهم دريد وأشار عليهم برأيه وحذرهم من هجوم مفاجئ لعبس. ولكن عبد الله أخا دريد رفض رأيه وقال: بل نبيت هنا ونأكل ونشرب. ففعلوا، وحين استيقظوا صباحا وجدوا مقاتلي عَبْس ومعهم أبناء عمومتهم من أشجع وفزارة يحيطون بهم ويقتلونهم ويستعيدون الغنائم منهم. وقد قتل عبد الله أخو دريد في تلك المعركة ونجا دريد بأعجوبة بعد أن جرح فيها. وهذه الأبيات من قصيدة جميلة يرثي فيها أخاه ويقول فيها:

صَبا ما صَبا حَتّى عَلا الشَيبُ رَأسَهُ

فَلَمّا عَلاهُ قالَ لِلباطِلِ اِبعَدِ

تَراهُ خَميصَ البَطنِ وَالزادُ حاضِرٌ

عَتيدٌ وَيَغدو في القَميصِ المُقَدَّدِ

وَإِن مَسَّهُ الإِقواءُ وَالجَهدُ زادَهُ

سَماحاً وَإِتلافاً لِما كانَ في اليَدِ

إِذا هَبَطَ الأَرضَ الفَضاءَ تَزَيَّنَت

لِرُؤيَتِهِ كَالمَأتَمِ المُتَبَدِّدِ

في هذه الأبيات، قبسات واضحة من الحياة المشاعية على طريقة الصعاليك التي كان يحياها الفارس العربي القديم، والذي ألقت به ظروف الحياة القاسية في الصحراء إلى نمط حياة الغزو والكر والفر. ومع ذلك فهو يعيش جائعا "خميص البطن" تاركا الزاد لجياع آخرين، وهو رغم كبرياء الفارس العتيد متواضعٌ وبسيطُ الملبس ولا يخجل من رثاثة "قميصه المقدد".

ودريد من أسرة شاعرة، فأبوه شاعر، وأخوه مالك شاعر أيضاً، وخاله شاعر، وإخوته الآخرون شعراء، وابنه سلمة شاعر وفارس وابنته عمرة شاعرة أيضاً. وهو أيضا من أسرة فرسان قاتلوا وقتلوا: فأخوه عبد الله فارس قتل في معركة ورثاه بقصيدته الجميلة سالفة الذكر، وأخوه عبد يغوث فارس قتل في معركة مع قبيلة بني مرة، وأخوه قيس فارس قتله بنو أبي بكر بن كلاب، أخوه خالد فارس قتله بنو الحارث بن كعب. وهذه قصة مصرع دريد كما ترويها مصادر ومراجع التراث العربي الإسلامي:

قال ابن إسحاق "مؤلف السيرة النبوية الأولى والأقدم التي فقدت ووصلتنا أجزاء مهمة منها عبر السيرة التي كتبها ابن هشام" (ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف. فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ربيعة فأخذ بخطام جمله، وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام. فقال له دريد ماذا تريد بي؟ قال أقتلك. قال، ومن أنت قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا (لم يصبه). فقال له دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت (حميت) فيه نساءك. فضربه ربيعة وقتله، فلما رجع إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت له أمه: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً!).

تكررت هذه الرواية لمقتل ابن الصمة في جميع أمهات المصادر التراثية العربية الإسلامية المهمة تقريبا، بصياغات متقاربة كثيرا، وهي بصيغتها هذه أقرب إلى الأسطورة أو الحكاية المبالغ بها في قصص مصارع الرجال في تراثنا بل هي أقرب الى الانتحار وتثير أسئلة وإشكالات كثيرة. ويمكن لنا أن نتفهمها حدثيا انطلاقا من شيخوخة ابن الصمة وضعفه وعدم قدرته على الحركة مقابل حماس الشاب المسلم ربيعة. والعبرة ليست هنا بل في الاحترام والتوقير الذي استمر العرب المسلمون يولونه لشخص واسم وسيرة وشعر ابن الصمة مع علمهم بدينة وموقفه من دينهم ودولتهم! ولك أن تتخيل، من باب المقارنة وإنصاف الأجداد، ماذا ستفعل دول الأحفاد التي تسمي أو تصف نفسها بأنها إسلامية بشاعر أو غير شاعر يتصدى لقواتها الحكومية بالسلاح في عصرنا وكيف ستتعامل معه ومع تراثه الشعري أو العلمي حتى بعد مقتله!

أختم بهذا الخبر الطريف والمؤسف في آن واحد، ففيه قد نجد ما يضيء ويؤكد ما تقدم من استنتاجات: أقدمت بلدية الطائف - حي شهار في المملكة السعودية سنة 2015، على إطلاق اسم الشاعر الفارس دريد بن الصمة على أحد شوارع المدنية. ولا يعرف إن كان ذلك حدث بنية حسنة لتكريم هذا الشاعر الفارس الحكيم الذي احترمه المسلمون الأوائل، أم بسبب جهل من اقترح الاسم بالمسمى، وقد بادر بعض الأشخاص الى التذمر والاحتجاج والمطالبة بتغيير اسم الشارع بسبب إطلاق اسم هذا "الشاعر المشرك" على أحد شوارع مدينتهم وطالبوا بتغييره، ولا أعرف إن كان الاسم قد تم استبداله فعلا في السنوات اللاحقة أم أنه ما يزال كما هو!

إن قيمة هذه الحادثة في الطائف ليس في تفاصيلها فحسب بل في دلالاتها ومغزاها فهي تعطينا مثالا عمليا على ما عنيناه بقسوة الأحفاد، وقطعا ليس كلهم، كما كان الأجداد ليسوا كلهم ذوي سماحة وعفو وحلم فلكل قاعدة استثناءات تكون بمثابة التأكيد لها أو ما هو قريب منه.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

نجيب طلالباب المبادرة: بالتأكيد أنه استفاضت وأفاضت النقاشات والتحليلات؛ بمختلف مستوياتها ومداركها العلمية والمعرفية والتاريخية تجاه ما أصاب العالم؛ من اجتياح الجائحة [الكورونية] وفي غفلة من الجميع؛ إذا الوباء بسرعة مذهلة أظهر أثره وقوته على الناس والدول .مما تغيرت معالم الحياة الخاصة والعامة؛ ووضعت الكل أمام تحديات غير مسبوقة ، للقيام بإجراءات غاية في الحيطة والحذر. للحَد من انتقال العَدوى كرهانات مقاوماتية تسابق الزمان ضد – كوفيد19-  والذي خلق انعكاسات سلبية في البنية الثقافية / الإبداعية؛ التي هي طبعا ليست بمعزل عن البنيات الأخرى . بحيث تم إغلاق المسارح ودور السينما؛ مع توقف الصحف الورقية وكل الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية؛ التي تم استبدالها بما ما هو عنكبوتي/إلكتروني / افتراضي/ تفاعلي/ مقابل كل هذا تمظهرت بشكل جلي وضعية الفنان والمبدع؛ في عدة دول عربية؛ بأنها وضعية اجتماعية بئيسة جدا واقتصاد هش ومتدني؛ ولكن أكبر ملاحظة أن أغلبية المبدعين والمثقفين والفنانين غير مواكبين للتطورات التقنية والتكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي . بحيث لا زال البعض منهم يجتر نفس الأساليب ونفس الخطابات التقليدانية والنمطية في التعاطي مع الأزمة الوبائية؛ الى حد انفصالها الكلي عن الواقع المادي الملموس؛ وروحه. وبعيدا عن الذهنية المندمجة في عوالم التواصل الإجتماعي وفروعه . ورغم هاته الملاحظة المتجلية؛ برزت عِدة مبادرات فنية / ثقافية وإن كانت محتشمة جدا؛ سواء من لدن أفراد أو مؤسسات وجهات عربية صرفة. أما الأوربية فتلك رؤية أخرى ووضعية جد مختلفة عنا شكلا ومحتوى. ولكن كلاهما يهدفان للتخفيف من حالة الملل والضغط والتوترات النفسية والاصطدامات الأسرية جراء الحجر الصحي المفروض على المواطنين للمكوث في منازلهم تفاديا للوقوع بإصابات "الكورونا" : من هنا نذكر المبادرة المميزة التي قدمتها وزارة الثقافة هنا في الأردن بعنوان “موهبتي من بيتي” والتي لاقت إقبالا ومشاركة واسعة من الشباب والشابات على منصات التواصل الاجتماعي .... ونذكر أيضا مبادرة فرقة جفرا الفلسطينية والتي قدمت عروضا فنية تضمنت حلقات الدبكة في الطرق وعلى أسطح المنازل في مدينة الخليل لتسلية الناس وهم في منازلهم، وأيضا زميلتها فرقة جون التي بثت أمسية غنائية عبر الإنترنت بعنوان “الأمل”، لتصب أيضا في اتجاه التخفيف عن الناس أثناء حظر التجوال وإعطائهم جرعات ثقافية غاية في الرقي، ومبادرة الفرقة الموسيقية في قطر ومن على الشرفة بدأت تقدم معزوفات موسيقية، تهدف إلى سد ثغرة الفراغ التي يشعر بها المواطنون....واستطاع العديد من الفنانين أقلمة الوضع الجديد ليخدم المجال الثقافي، فمنهم من حاول الترفيه عن الناس في بيوتهم وآخرون قدموا مبادرات تهدف إلى مساعدة الأسر الفقيرة والمحتاجة كما هو الحال في لبنان، حيث تقدمت مجموعة من الفنانين والمثقفين اللبنانيين بمبادرة لتقديم طرود غذائية للأسر الفقيرة، ورصدوا لذلك تبرعات من جهات عديدة (1) فمثل هاته المبادرات التي تندرج ضمن التآزر أو التضامن أو التعاون أو التكافل الإجتماعي؛ الذي يؤشر لأجمل علاقة في هذا العالم بين البشر؛ ولاسيما أن التضامن ليس اختيارا بقدر ما هو بكل بساطة واجب انساني. ولأن الضرورة تقتضي مساعدة تلك الفئات التي انقطع دخلها بتوقف عملها. وكذا الفئات الاجتماعية الأقل حظا والغير قادرة على تأمين قوت يومها ، ارتباطا بالظروف الاستثنائية الذي يمر بها  العالم .  وهذا ما انتبه اليه العديد من الفعاليات العربية؛ وحاولوا تفعيل المبادرات التضامنية كل حسب نواياه وأهدافه؛ كما أشرنا. وهناك نماذج أخرى للمبادرات الأهلية العربية التي تعبر عن هذه الروح. بحيث: تقترح جمعية أكورا للفنون فتح حسابها لخط تضامني مهني مخصص لضمان مساعدة، مالية أو عينية، لكل المهنيين في قطاع السينما، المسرح والسمعي  البصري عموما، والمتضررين من الحجر الصحي.... الحاملين لبطاقة الفنان، بطاقة التعريف المهنية للمركز السينمائي المغربي(2) ولكن هل تحقق هذا الاقتراح أم لا ؟

وبناء عليه هل تحققت دعوة الائتلاف الوطني للنقابات الفنية التي طالبت: الوزارة الوصية على القطاع بضرورة دعم فئة المغنيين والموسيقيين والتقنيين والأساتذة المكلفين بالدروس في المعاهد الموسيقية والمشتغلين بالفنادق والعلب الليلية والأعراس وغير المنخرطين بصندوق الضمان الاجتماعي ولا بالمكتب المغربي لحقوق التأليف، والذين تأثروا بشكل كبير في ظل الحجر الصحي المعلن.... واقترح الائتلاف ... تخصيص جزء من ميزانيات المهرجانات، التي ألغيت من أجل مساعدة الفنانين في وضعية هشاشة (3) هنا سنلاحظ وجه الاختلاف والمفارقة الصارخة؛ في مسألة التضامن والتآزر.  نقابات تطالب الجهات المسؤولة لدعم الفئة الفنية والإبداعية؛ ونقابات تطالب زملاء الوسط لفتح باب المساعدة وذلك من خلال: مبادرة «ساعد زملاءك» التى أطلقتها نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكى، وهدفها مساعدة الفنانين القادرين لزملائهم المتضررين من الأزمة التى تعْصف بدول العالم أجمع، بالإضافة إلى مشاركة العديد من الفنانين فى «تحدى الخير» ضمن مبادرة جمعية «رسالة» الخيرية، التى دعت للتكفل بمصاريف الأسر الفقيرة المتضررة (4) هنا يمكن أن نستحضرالمسرح والمساعدات الخيرية (5) لنفهم كيف نمت وتقوت الأقليات في المجتمع العربي ، أواسط القرن التاسع عشر وما بعده.

باب التضامن:

أساسا التضامن يتضمن جانبا حسيا في حياة الكائن والذي يشعُر به المُتضامِن مع المُتضامَن، لأن في عمقه فعل إنساني صرف ، قبل أن يكون اتحادا وتكافلا وتعاونا وتآزرا، سواء أكان ذاتيا أو اتفاقيا بين جماعة من الأشخاص، تسعى للتضامن والالتزام بمعاونة ومساعدة أي كان من المحتاجين والذين هم في وضعية هشة اجتماعيا واقتصاديا. ولاسيما أن التضامن ذو شقين: [مادي]= (مواد عينية) و [معنوي] = (الإحساس والشعور) بالمستضعفين /المتضررين . وهذا ما تحقق في عِدة مناطق كما أشرنا: وفى سياق مختلف، لم يتردد الممثلون والممثلات فى المشاركة ب«تحدى الخير» حيث لم يجدوا أفضل من حساباتهم على مواقع التواصل للإعلان عن إسهاماتهم، خاصة أنها تحظى بمتابعة الملايين من محبيهم (6) تلك فكرة صائبة، وهذا ما طلبه العديد من المدونين والمعقبين على بعض النداءات وخاصة النداء المفتوح لكتاب وأدباء وفنانون مغاربة . بحيث : أعلن الموقعون على النداء مساهمتهم في “التبرعات الموجهة إلى الصندوق المخصص لتدبير وباء كورونا فيروس”، وناشدوا “كل الكتاب والمفكرين والمبدعين المغاربة المساهمة في هذا المجهود الوطني من خلال التبرع للصندوق المحدث لهذه الغاية.... ويطالبون فيه إلى توجيه التضامن والمساندة إلى “كل فئات الشعب المغربي وبالخصوص إلى تلك التي توجد بفعل الفقر والهشاشة والبطالة والسكن غير اللائق ضمن الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الإصابة بالفيروس(7) بداهة هو نداء في شكله مقبول ومبادرة جليلة في عمقها ، لأن مواجهة الوباء ومؤثراته على المجتمع مسؤولية جماعية ، للخروج من نفق هذه الهزة العنيفة التي أصابت الجميع ، لكن ما يؤلم حقيقة ويحيَّر في نفس الوقت أن ترى توقيعات لبعض الأسماء ممن كانوا في موقع القرارأو مجاورين له أو فاعلين فيه . قد ساهموا في تفقير وترسيخ معضلة  الفقر و الهشاشة والبَطالة والسكن غير اللائق . للعَديد من الشرائح الاجتماعية ! هذا واقع سوريالي لا مفرمنه الآن؟ ولكن كان من باب الأولى كشف مقدار ما أعطوه؛ كما فعل العديد ممن ساهموا في الصندوق التضامني ضد الجائحة: وفي هذه اللحظات يجب على من يريد أن يساهم أن يظهر المبلغ الذي ساهم به أو يتوارى الى الوراء ، حتى إذا كان المبلغ المتبرع به محترما ، شكرناه وقدرناه ، أما اذا كان المبلغ قليلا فمن الأحسن أن لا يخرج للعالم ليعلن عن تبرعه وهو يعلم أن تبرعه سيكون بمبلغ صغيرا جدا . فيجب على المستغلين لفرصة الظهور بمظهر الكرماء بمبلغ غير معروف ولا يراه أي أحد ، أن لا يفعل ، ويترك من يقدمون المبالغ الكبيرة والضخمة لمساعدة بلدهم هم من يظهرون للعلن ، حتى يشجعوا آخرون على التبرع بمبالغ كبيرة . وأدعو من هذا المنبر مسؤولي كورونا أن يصدروا بيان تفصيلي لكل المتبرعين ويشهروا أسمائهم بحسب المبلغ ، وأن لا يقل المبلغ المتبرع به عن 1000 درهم .تعليقي هذا كان لأنني أعرف من الموقعين على هذه اللائحة من لا يمكنه التبرع حتى ب 200 درهم ولكنه يحب دائما الظهور بمظهر الكريم الذي يحب الخير على ظهر الأزمات والكوارث . وأعرف أشخاصا عاديين يساهمون بإعالة عائلات دون ضجيج ولا إشهار(8) المثير لا تعليق على هذا التعليق أو تفنيدا لما جاء به صاحبه هو غيره وما أظن أن بعضهم لم يقرأ تلك التعليقات !  لكن الأهم عندي في كل هذا لماذا صاحب '' الاحتفالية'' وقع كفرد وتضامن كشخص وليس جماعة ؟ كفرد تلك حرية شخصية؛ لكن بما أنه يشدد ويتنطع أنه يمثل(تيارا) ويَدعي ما مرة أن هناك (جماعة) والتي سميتها شخصيا (جوقة) ورد عليها بقوله:  وكيف تعَرِّف (جوقة) الاحتفاليين وهم نخبة النخبة مغربيا وعربيا، فيها وزيرة وأساتذة جامعيون ومؤلفون ومخرجون وإعلاميون وشعراء وزجالون ومؤرخون ونقاد ومنظرون وفلاسفة وممثلون (9) هنا مبدئيا؛  لماذا لم  يذكر من ضمن  [الجوقة] طالبا أو سمسارا أو ميكانيكيا أوخياطا أو مياوما أو صعلوكا أو نجارا أوعاطلا أو عاملا أو طباخا أوكياسا... ؟ فهؤلاء هم صناع المسرح المغربي حقيقة؛ والذي لم ينتبه إليه من يتكلم أو يتمشدق بالمسرح !! وثانية: فلماذا الانفعال والتوتر على إثر لفظة (جوقة /  chorus/ la chorale) إن كانت هنالك فعلا؛ وتشتغل كخلية لترسيخ المشروع (الاحتفالي) كرؤية فاعلة في النسيج المسرحي؟                     وبناء على هذا؛ فلماذا لم تعلن عن تضامنها الجمعي اللامشروط؛ من خلال المساهمة المادية في الصندوق الوطني الخاصّ بمكافحة وباء "كورونا" باعتبارها (جوقة la chorale) ؟ ولو أن للجوقة قيمة تاريخية؛ من خلال تطور الإبداع المسرحي وتجلياته. بحيث أمست (الجوقة) مشتبكة مع الحياة؛ تؤدي دوراً حياتياً في سيْر الأحداث أو في مسار "بطل"  وهذا مالم يحاول أن يفقهه فقيه (الإهتبالية) !

ولنقل (جماعة / le groupe) الأهم أن تتضامن لتكشف للوسط الثقافي/ الإبداعي ، بأن (الاحتفالية) و(جماعتها) لها سيادة وهوية جماعية إنسانية، أصولها ليست مسألة اختيار، وإنما هي مسألة إدراك للذات. لتحقيق التماسك والتفاعل ضد تداعيات "الفيروس" الذي هدّد الاستقرار الاجتماعي للعديد من المبدعين و المهنيين والمسرحيين. فمثل هذا الفعل التضامني/ الجماعي وحده يمكن للمفرد أن يخرج من فردانيته، وأن يجد إنسانيته، وأن يحقق حريته، وأن يتحرر من عزلته ، وأن يستعيد دوره داخل الجماعة المفكرة والمبدعة والمفسرة والمغيرة، أمام الوضعيات الحرجة وضد وضعية الهشاشة الاجتماعية التي أمسى يعانيها أغلب الفنانين والعاملين في المجال الثقافي. وهذا سيذكي بأن (الاحتفاليين) لديهم توازن بين الفعل والقول؛ والممارسة والسلوك وأنهم أكثر انسجاما مع ذواتهم ومع كل المجتمعات المختلفة ، وذلك ارتباطا بمفهوم الجماعة والتجمع الذي هو شكل من أشكال التعبير الإنساني الذي فرضته الحاجة لأداء بعض الطقوس، منها التضامن /التكافل .الذي يعتبر نموذجا لاحتفال جماعي . مادام يصاحبه تقديم بعض الأموال أو الهدايا للمنفعة الإنسانية /الاجتماعية . قياسا بالاحتفالات التي كانت تقام لأداء بعض الطقوس الدينية وعلى إثرها؛ تقدم بعض الهدايا والقرابين الى الآلهة لتجلب لهم الخير وتدفع عنهم الشر. ومن باب التضامن يمكن أن نلمس تلقائيا، بأن الاحتفال هو الجانب الحسي في الحياة، أما الحياة فهي مجموع القوى التي تقاوم الموت، هذا الموت الذي يتخذ مجموعة من المظاهر المختلفة، فهو الفقر والجوع والمرض والاعتقال والجهل والظلم وكل ما يشكل عقبة في وجه الانطلاق والنمو والتجدد والاستمرار، أي كل ما يعطل الاحتفال الذي هو بالأساس ظل الحياة وملحها وقوامها. ومحصلة كل هَذا، تفعيل لمقولة [ أنا أتضامن؛ إذن فأنا موجود] قياسا [ أنا أحتفل؛ إذن فأنا موجود]التي تم تحويرها من مقولة (ديكارت) وهذا التفعيل عمليا سيساهم في تحقيق النظرية بالممارسة؛ والممارسة التضامنية بما تحمله نصوص الاحتفالية التي يُقال عنها أنها تُجسد وتشخص هموم المهمشين والفقراء والكادحين من العباد : وأنا في كل مسرحياتي شخصياتي من الهامشيين أو من الصعاليك، والمرة الوحيدة التي كتبت عن أمير صعلوك.... ابن الرومي... الشاعر الذي له غنى روحي ونفسي ووجداني، ولكنه مع ذلك يعيش الفقر المادي في زمن الغنى المادي (10) ولكن تبقى شخوصا ورقية إبداعيا بالأساس، أما على مستوى الواقع الذي ينتج بشكل وآخرتلك الشخوص الورقية . هل تم التضامن ولو معنويا مع تلك الشخوص المنتمية لشريحة الكادحين والمهمشين والمعوزين عيانيا وإجرائيا ف(جماعة احتفاليين) لم تنخرط في باب (التضامن /  Solidarité) أو التكافل الإجتماعي من أجل ترسيخ حضورها الفاعل في المشهد الإجتماعي والمسرحي والثقافي؛ لتصريف المفاهيم التي تؤمن بها كالاحتفال والفرح والعيديية. لأن الاقتسام في مثل هَذه الحالة ، يزيد من حجم الفرح، ويجعل الاحتفال أقوى وأغنى. والسبب أنه ليست هنالك (جماعة) ولا (جوقة) (احتفالية) من المنطلق.فلوكانت هنالك فعلا كمايدعي وأدعى علينا في إحدى ردوده الفايسبوكية؛ رغم تمظهر (الأنا / المتضخمة ! المريضة !) التي تفوح منها هلوسات وهذيان: إن فهم هذه الاحتفالية، والذي استعصى على كبار الباحثين والمسرحيين المغاربة والعرب في عقود طويلة لا يمكن أن يتحقق إلا من حاقد في ساعات قليلة، واذا كنت تجهل نفسك، ولا تعرف قدرك، ولا تعرف نفسك، وأنت لا شيء، فكيف تعرف الاحتفالية والتي هي أهم وأخطر ما في الفكر العربي وفي الفن العربي الحديثين.... وأنت تجهل نفسك ولا تعرف نفسك (12) فأين هَؤلاء الجهابذة والأباطرة (الاحتفاليين) ليمارسوا التضامن الفكري على الأقل . والتآزر العملي والعلمي تواطؤا. ليكشفوا للعموم جَهلي؛ وتنطعي؛ لأقف عند حُدود نفسي؛ التي تطاولت على مولاهُم (الإهتبالي) وكذا لإيقاف الضربات التي يتلقاها (شيخهم) لكي يخرسوا أفواهنا بالحجة والبرهان؛ لكي تغلق الأبواب المشرعة على تحليلاتنا ورؤانا وعنادنا وشغبنا. رغم أن فقيه (الإهتبالية) حاول بطرقه وعلائقه أن يناور ويختلق افتراءات ليصد علينا بعض أبواب النشر؛ وسيأتي ذكر ذلك في باب من الأبواب المتبقية. وبالتالي فكيف لمن يؤمن بأن المسرح الحقيقي يوجد في المواسم والأسواق الأسبوعية ؟ أمسى وحيدا يعيد إنتاج أوراقه المتهلهلة والمضللة؛ فأين تلك (الجوقة) التي كانت تسبح للشيخ العيدي/ الإحتفالي من أجل المشاركة في مهرجان مسرح الهواة (المأسوف على اغتياله)؟ فأين الذين كانت أعينهم وحقائبهم على عتبة الأسفار مشكلين صورة (الشيخ والمريد)؟ أين هي جمعية (جماعة الاحتفاليين) التي تأسست بفاس ثم الخميسات والدار البيضاء ؟ أين تلك الجمعية التي تحمل اسم « أصدقاء [ع الكريم برشيد] للفنون الدرامية« التي قيل أنها تأسست ب(مكناس) ؟ ومامصيربيان [الشارقة ] للاحتفالية المتجددة (؟) وأين أصحاب بيان تازة للاحتفالية المتجددة ؟ وبيان [عمان] للمسرح؟ وبيان [الخرطوم] للمسرح الإحتفالي؟ وعلى ضوئه أتساءل : كنت من المكرمين في (مهرجان البقعة الدولي للمسرح) في دورته ال16  سنة 2016 فكيف أعددت لوحدك (هذا) البيان ! وهل طلبته منك الهيئة المشرفة عن التكريم؟ بالله  أقول :أليست هاته قلة مروءة فأين الجماعة؛ فأين التواصل والتناسخ أو التناسج بين الذين  آمنوا ب((فنكوشيتكم)) ؟ ولكن انقلب السحر على الساحر؛ فمسرحيو – السودان – اكتشفوا أوهام تلك (الإحتفالية) وانضاف إليها التحول السياسي الذي عرفته بلادهم (الآن)؛ قبل بزوغ فجر الجائحة ،التي كشفت عن كل شيء . بما فيه بيان [سيدي قاسم] الذي يعتبر آخر مهزلة المهازل للإحتفالية ؟ ورغم ذلك نتساءل أين هي مؤسسة [ع الكريم برشيد] لاحتفالية الفكر و الإبداع ؟ كل هذا مجرد مفرقعات وفقاقيع صابونية . لتمييع ما تبقى من الفكر الإبداعي المتجدد والمتنور. والخطير في كل هَذا وعبر قراءة برانية؛ مارس الهَدم حول ما سبق قوله أو بناؤه بمعول ذاته ،التي تجيب نفسها من خلال كتاب هو عبارة عن حوار شامل ومتكامل لقضايا متنوعة (عبد الكريم برشيد وخطاب البوح  حول المسرح الاحتفالي)(13) أقول ما يلي: (ما ظهر واختفى لا يمكن أن يعول عليه ، ووحدها الأشياء الحقيقية هي التي تظهر وتبقى، وهي التي تنمو داخليا، وهي التي تتعدد في الفضاء الزمكاني، وهي التي تتجدد مع تجدد الأيام والأعوام، أما (التيارات) التي تظهر سهوا، أو خطأ، وتختفي في غفلة من الزمان، فإنه لا يمكن أن يكون لها أي معنى(14) وفعلا منذ تمظهر ما يسمى التيار الاحتفالي وهو بدون معنى؛ لأنه كائن حربائي وزئبقي ساهم عمليا في هَدم معنى المعنى، باعتبار أن (الاحتفالية) هي مؤامرة من دواخل مركز القرار[ المسرحي] لبلقنة المسرح من خلال خلط الأوراق عبر (البيانات) وتضبيب المفاهيم المسرحية التي تهجَّنت عبر(الصراع) الإيديولوجي؛ البعيد عن الصراع المسرحي/ الفني؛ مما استطاعت (الإحتفالية) معية (الإدارة) أن تغرس  تصوراتها الشعبوية والتقليدية المحافظة ، عبر النصوص التي كانت تفوز في المشاركة لمهرجان الهواة؛ والتي تهافت عليها العديد من الجمعيات ! ونفس الورقة / اللعبة  أعيدت  في رحاب ما يسمى (الدعم المسرحي)  مما انقلب مساره الطلائعي والدينامي؛ رغم الإكراهات ومحاولة ترويضه من لدن القطاع الوصي (آنذاك) إلى مجال لإنتاج للفوضى والغموض والمحسوبية والفئوية، وتمرير القرارات التي تطبخ طبخا في المطابخ السرية ، ليستفيد أصحاب القرار من وضعية الفوضى والشتات في المسرح المغربي. وإن كان له معنى، فإنه لن يكون أي شيء آخر سوى الابتزاز من طرف صناع (الإحتفالية) وأدلجة المسرح لمنطوق الترويض لصالح (الإدارة) وفي هذا السياق؛ ما صرح به: أننا جميعا في مركب واحد، وأن مصيرنا واحد وربنا رب واحد ومن الدروس المستفادة من هذا الوباء هو تقوية حاسة التضامن والتكافل في المجتمع؛ إذ لا معنى أن يذهَب أحدنا للسوق ويأخذ كل شيء ويترك جاره بلا شيء(15) مجرد تطريز كلام/ لسْني ، مغلف بكلام/ بلاغي.  لأن قبل الوباء طرحنا عليه سؤالا، ولا أنكر بأنه كان استفزازيا؛ والعجيب تبين أن له علاقة بالتضامن/ التآزر المادي؛ ولم يكن هنالك تضامن فعلي وعملي مثل (الآن). لأن – برشيد- هو الإحتفالية؛ والاحتفالية هي برشيد؛ فمن هذا التزاوج والتداخل يسمح لنا مواجهته؛ لأننا في الأصل نواجه (الإحتفالي) التي يعتبر(الإحتفالية) دستوره المسرحي الأسمى؛ وبالتالي في قول السؤال كان ذلك التمازج: في نطاق فلسفتكم أوليست الإحتفالية تؤمن (بإنسانية الإنسان) من هنا ؟ فهل يا ترى أموال ما جلبته (احتفاليتكم) تنفقونه على أنفسكم أو على المسرح أو على ذوي القربى.؟ هل بها تساهمون في رفع معنوية المرضى من ذوي القربى والفنانين؛ أم أن إنسانية الإنسان ماهي إلا ديماغوجية ليس إلا؟ فها هو اليوم الفنان : (محمد الصعري) الذي خدم المسرح وخدمكم شخصيا وفي إطار النقابة الأولى؛ هاهو طريح مرض مزمن وكذا (محمد اللوز/ حميد نجاح/ مولود أوحموش (رفيق محمد رويشة) و(محمد الطبعي) و(...) ربما هؤلاء ليسوا(احتفاليين)(16) لكن من مكرالصدف بدل أن يلتزم الصمت أو اللامبالاة تجاه سؤالنا؛ انطلق لعنان الرد ويحتج بجمود الجامدين على السؤال وتعاليمه، التي تقتضي الحوار واستعمال العقل الذي يدعيه (دائما) للتفرقة بين التضامن المادي والمعنوي بدل الرد بهذا القول المضحك المبكي: : تخاريف وجنون بلا فنون، وكلام بلا معنى، وبلطجة وابتزاز. وأذكرك بان كل ما تكتبه ليس له سياق، وليس له ما يبرره، وما تقوم به إبحار في بحر الحمق والهذيان المريض، وهو خروج عن الموضوع وعن آداب الحوار ، وهو إلقاء الحجر في كل الجهات، ولعب دور بلطجي رأس الدرب، مع الذين كلفوك بتخريب صرح الاحتفالية العتيد؟ ولتقول مثل هذه التخاريف التي تحمل أسلوب الابتزاز(17) لا يمكن هنا إلا أن نتعجب؛ في اهتبالية صاحبنا ، فمن ينادي أو يتساءل عن الفعل الإنساني الذي ينادي به ويطنطن به الصحف والأوراق؛ يوصف ب[التخاريف/ الجنون/ الحمق/ العميل/ الهذيان/ البلطجة/ الابتزاز] ولاسيما أن الابتزاز والبلطجة يتمان بشكل مباشر. وليس عبر هذا الموضوع أو غيره. لكن الخوف من (أمواله) أفرزت خرفا منقطع النظير . مادام الخرفُ: مرض يصيب الوظائف الإدراكية والعاطفية والسلوكية .مما يتقلص التفكير؛ وتتضرر القدرات العقلية؛ لتصاب (الذاكرة) تدريجيا بالتلف. وبهذا التلف أمسى يعيش الغربة والوحدانية. من هاته الزاوية تسلل أولا للتوقيع على عريضة تطالب بالحرية لمعتقلي حراكيّ الريف وجرادة ؟(18) والمتتبع لما يكتبه عن الاحتفالية ذات المنظور لليبرالي المتوحش؛ سيتساءل عن توقيعه (؟) وثانيا أدرج إسمه في لائحة التضامن (19) والمفارقة  أن أغلب العناصر المساهمة لا يمكن أن يلتقي معها لأسباب متعددة ؟ فالمهتم القارئ سواء في المجال المسرحي أو السياسي سيعرف لماذا ؟ وبالتالي فلوكان مؤمنا بقضية التضامن كما أشار: فالمهم أن يعرف الإنسان أولا أن أجمل ما في الوجود هو حيويته وإنسانيته وليس جشعه وطموحاته الليبرالية اللامتناهية، طموحات حولت كل شيء لسلع، متناسيا هذا البعد الإنساني الكامن في دواخلنا، بعد أن انغمس النظام العالمي في عنصريته وغلوه وإقصائه وتهميشه (20) فهذا التصريح رغم تناقضه مع العمق الإيديولوجي للاحتفالية ! كان بالإمكان تصريفه وتحقيقه (عمليا) وليس (لغويا)  مساهما على الأقل ببعض منشوراته وكتبه (مجانا)عبر "الانترنت" بطريقة (PDF) إبان ذروة الحجر الصحي؛ كما فعل العديد من الكتاب والمؤسسات الثقافية/ الفنية/ السينمائية . ألم يقل (المرصد) أنه ستتأسس مؤسسة [ع الكريم برشيد] لاحتفالية الفكر و الإبداع ؟ فعبرها يمكن أن يتحقق على أبعَد تقدير مفهوم التضامن المعنوي الذي ينوب عن التضامن المادي . لكن من خلال نشر الكتب عبر الأنترنت للقراء (مجانا) لا يبقى هنالك فرق بين المادي والمعنوي: فالذي نؤكد عليه اليوم هو القيم الإنسانية من تكافل اجتماعي وتضامن إنساني بمفهومهما الجمعي الكوني النبيل (21) هذا قول الإحتفالية التي هي برشيد؛ وبرشيد هو الإحتفالية؛ لا غير سواه .

 

نجيب طلال

.....................

الإحالات :

1) انعكاسات أزمة كورونا على الحياة الثقافية لخوله كامل الكردي صحيفة النبأ في2020 /05/11

2) مخرج يفتح خط حساب جمعيته للتضامن ...- الكاتب : أنفاس بريس  بتاريخ 2 إبريل 2020

3) نقابات تطالب بدعم الفنانين لأمينة كندي جريدة الصباح المغربية بتاريخ8  أبريل 2020

4) نقابة الممثلين تطلق مبادرة "ساعد زملاءك" بقلم خالد فرج لصحيفة الوطن بتاريخ25/03/2020

5) انظر لدراستنا حول الموضوع في صحيفة زمان الوصل السورية بتاريخ كانون الثاني 2014

6) نقابة الممثلين تطلق مبادرة "ساعد زملاءك" بقلم خالد فرج لصحيفة الوطن بتاريخ25/03/2020

7) كتاب وأدباء وفنانون مغاربة يوجهون نداء لتعزيز التضامن من أجل تحدي “كورونا” موقع - لكم- بتاريخ /26/03/2020

8) مثقفون يتبرّعون لصندوق وباء "كورونا" ويتطلّعون ل"مغرب جديد" موقع هيسبريس مجال الردود والتعليقات رقم 32 – علال في 26 /03/ 2020 -

9) انظر لدراستنا في : ما جاء في باب جوقة الاحتفالية في: صحيفة مدارات ثقافية بتاريخ 25/11/2018

10) حوار مع برشيد أجراه - مولود القنبي : بمجلة طنجة الأدبية في 12/06/2007

11) برشيد :الاهتمام بما ينفع الناس ويمكث في الأرض: مجلة تيلكيل عربي ص21 –ع/-  47 16أبريل2002

12) كان بالإمكان أن يتمعن القارئ في ردود برشيد على كتابتنا التي كانت في جدارية جناح التامي بتاريخ 12/10/2018 ولكن تم مسح كل ما جاء من نقاش بيننا؛ من جداريته؛ ولازالت موجودة في جداريتي.

13) (عبد الكريم برشيد وخطاب البوح) لعبد السلام لحيابي/2015  إيديسوفت الدار البيضاء

14) نفسه ص 169

15) عزلة المسرح في زمن كورونا (10) ملف إعلام الهيئة العربية للمسرح في– 08/06/2020

16) انظر لجداريتنا بتاريخ 04/11/2018

17) كان بالإمكان أن يتمعن القارئ في ردود – برشيد- على كتابتنا التي كانت في جدارية جناح التامي بتاريخ 06/11/2018 ولكن تم مسح كل ما جاء من نقاش بيننا؛ من جداريته؛ ولازالت موجودة في  جداريتي

18) تصفح العريضة بموقع فبراير كوم بتاريخ 22 أبريل 2019

19) انظر للائحة في موقع – لكم – بتاريخ الخميس 26 مارس 2020

20) تصريحات لبرشيد في مجلة العدالة والتنمية" عدد 3 - بتاريخ 18/أبريل/ 2020

21) نفسها

 

 

 

 

عبد الخالق الفلاحتبقى القيم والمثل العليا حقائق مجردة، لا تأثير لها ولا فائدة، حتى تتحول إلى نموذج عملي في حياة البشر، فتؤثر في تصرفاتهم، وسلوكياتهم، وعاداتهم وتقاليدهم. وعاداتهم وتقاليدهم والقيادة الحضارية للأمم لا تحتاج لناسك متعبّد في صومعته يدعو الله بالنصر والتمكين للأمة دونما جُهد أو عمل أو تضحيات بل تحتاج لدخول جميع مناهل العلم والمعرفة والبراعة فيها، والبحث عن كل جديد تعارفت الحضارة عليها.

إن من اكبر الأزمات التي تعاني منها المجتمعات اليوم هي إنعدام الشخصيات القيادية الفاعلة والمؤثرة يجسد الغاية والمثل الأعلى للقيادة، تبقى عينيه على الأهداف العالية .والقادرة على صنع القرار وإحداث التغيير، يعيش العراق من تخبط للخروج بالبلد من المنزلق الخطيرالذي هو فيه وحجم الكارثة التي تعصف به لفقدانه لمثل هذه القيادة، وضخامة المأساة والازمات التي يقاسيها الشعب،والتعطش لتحقيق العدالة والبناء  وإعادة تأهيل الوطن والمواطن رغم توفير كل الامكانيات . 

الامة التي لا توجد فيها قيادة صانعة ومؤثرة وتخلق إنجازات ذات طبيعة ملموسة تساهم في ظهورها بالمجتمع عن طريق تأثيرها في أغلب مجالات الحياة سواء الدينيّة أو الاجتماعيّة أو العمرانيّة أو السياسيّة بلا محدوديات، لاشك ان تلك الامة  تتلاشى  بسرعة وتضيع قيمها وتنحط حضارتها وتذهب هيبتها بين الأمم فلا يرون بها بأسا ولا يرفعون لها رأسا، وكم سادت امم ولو كانت كافرة وعلت على غيرها بتمسكها بمحاسن الأخلاق كالعدل وحفظ الحقوق وغيره، وكم ذلت امم ولو كانت مسلمة وضاعت وقهرت بتضييعها لتلكم الخصوصية .

من الطبيعي ان كل خطوة  للاصلاح تحتاج الى القدوة الذي يجب ان يتبع بالسلوك والقيم والاداء والاخلاق افضل السبل في الممارسات العملية، فهو الطليعة الرائدة التي ترسم المسار السليم والصحيح الذي يجب ان يسلك ويمارس، والقدوات التي تشعر بالمسؤولية الوطنية هم من يتبنون الاصلاح والصلاح لتغيير الاحوال نحو الافضل لان (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )ويتحولون إلى نماذج عملية على أرض الواقع.

تعرف القيادة: ان تكون في الطليعة، أي أنها عملية أمامية تنتج عنها عملية أتباع الطرق الصحيحة للعمل المشترك، ولا تقتصر على التوجيه، والإرشاد كما هي الحالة في عملية السوق والتي تكون بطبيعتها خلفية وبأنها قيام الشخص او مجموعة بعملية إقناع مجموعة معينة لتؤدي دورها في الادارة معها، والسعي للوصول إلى تحقيق أهداف منشودة عن طريق استخدام منهج عملي فكري للاقناع بدلا عن استخدام القوة.

 

لا يخفى على أي إنسان يعيش في عصرنا، ويرى واقعنا، ويشاهد إعلامنا، أننا نعيش أزمة غياب القدوة الحسنة، والتي تأخذ بأيدي الناس إلى الخير، قدوة تقدم البذل الصامت على الكلام البرّاق، وتتبع الصدق من فعلها قبل كلامها، تحمل استراتيجيات التفكير الإيجابي تتمثل في استراتيجية التجزئة وتجزئة الأهداف،وهي :ا-  واستراتيجية اكتشاف المواهب ومعرفة مواطن القوة بالداخل أو فريق العمل،2 - استراتيجية القيمة العليا التحديات والتطلعات، 3 - استراتيجية البدائل من لديه أكثر من طرح لديه الحل، 4- استراتيجية تغيير التركيز ويتم التركيز على التفكير الإيجابي، 5- استراتيجية التعريف الإيمان بالقدرة على النجاح. القيادة يجب ان تحكم موازين الحق والعدل  بعيداً عن الاهواء والمصالح والمنافع الشخصية، لتنقذ المجتمع من الانهيار السلبي بعد ان تتسلل اليه مفاهيم وسلوكيات خاطئة وقناعات غير صحيحة واوهام بأعمال عظيمة، تقود الزمرة الى الفساد اياً كان مواقعها ومكانتها وامكانياتها ويتوهم البعض انها ستحقق لهم مصالحهم وتزرع شخصيات لها في كل مكان لتحقق لهم مصالحهم بذريعة الامن، فهذا ليس المسار الآمني الذي يحقق للمجتمع وللوطن الاستقرار والسلام المجتمعي المطلوب.

لا بد من القائد ان يتعلم منه الاخرين ويحمل مواصفات القيادة وأن يكون قدوة في خلقه وفي أسلوب عمله وفي فكره ومبادئه وفي طريقة تعامله مع الناس، الصغير والكبير. ونجاحه يحفز الشباب على الإقتداء به والسير على خطاه،لكي يسعى بأفراده، ومرؤوسيه نحو الهدف، وإلا كانت أقواله في طريق، وأفعاله في طريق آخر. وكانت أقواله لا تبني، وأفعاله تهدم. لأنه لا قيمة لكلمات ميتة لا حراك فيها ولا تأثير، يحترم آراء الآخرين، سواء كانت مؤيدة له، أو معارضة فلكل إنسان الحق فى إبداء رأيه، فاختلاف الآراء لا يفسد للود قضية، كما يُمكن تعلّم أشياء جديدة من تلك الآراء، أو رؤية موقف معيّن من زاوية مختلفة وإظهار الإيجابية دائمًا حتّى عند الشعور بالانزعاج من أمر ما، وتشجيع الآخرين على المثابرة ومواجهة المشاكل. هناك متاهات واسعة والحياة مليئة بالشهوات والمغريات وتتشعب فيها الطرق وتتعدد فيها الخيارات ولا بد لكل انسان من خريطة واضحة المعالم تدله على طريق النجاة وتنبهه من المخاطر، فهي مزروعة بالالغام وعلى الانسان ان يحذر منها وعليه ان ينتهج نهج القدوات الصالحة التي تجسد له برنامج الهداية والصلاح وتقدم له تجربة حيه بالالتزام بالقيم والاستقامة فوجود القدوات الصالحة الناجحة يحقق النتائج والاهداف المرجوة.

ولا شك ان الشباب من حيث الادراك والعقل يتأثرون بما يرون ويشاهدون من شخصيات رسمية ومجتمعية وخاصة صاحبة نفوذ واقتدار، حيث ينطبع ذلك في اخلاقهم وسلوكياتهم سواء كان ذلك حسناً او سيئاً وهذا من اسباب التقليد والقدوة، فهناك المطيع وهناك العاصي وهناك المهتدي والضال والراشد والغاوي ومن الصعب استواؤهم على حالة واحدة فان المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل حتى لا يقع المرء في في الانحرافات والمحرمات .

لا بد من القدوة في اي مجال عمل، في البيت، والطريق، وفي جميع شئون الحياة، حتى يأتي العمل أكلها، بعد ان يينع غرسه، فالكلام إذا خرج من القلب دخل في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان، القيادة تلد مع الطفل، وتنمو معه حتى فراش موته حيث يتصرف نحو من هم تحت ثمرته  بأخلاق حميده تخفف عنهم أثقال وأعباء وعواطف فقده. من يتمتع بموهبة القيادة عليه أن يعرف أن حصنها الحصين في مناعته ضد كل ما مكروه من الآخرين حوله. وأهم من ذلك في حسه وطموحه وشوقه بأن يكون قائدا أو يكون تابعا. والقائد الجيد الناجح هو الذي يعتد بأخلاقه وتصرفاته ويثق بها وبجدواها؛ لا لكي يحقق مصالحه الشخصية، بل لتحقيق مصالح الآخرين والوطن كله. القائد الجيد الناجح هو الذي يؤثر على الآخرين بما يقوم به، وليس فيما يقول وحسب.

اننا امام تحدي لايجاد قيادة وقدوة صالحة وتتمثل في تحديين اولويات القائد ثم من هم حوله، والثاني (خارجي) بمحاولة البعض السيطرة وافساد اخلاق الامم والشعوب بتشوية صورة القيادة القدوة او من حولها. الامة في حالة شوق وتوق لان يتخذ الاجراءات الكفيلة لوقف هذه السلوكيات التي يتمادى اصحابها  ويصبح هناك الكثير من يريد ان يقتدي بها وان ينحسب عليهم، وهناك جيل مهدد بالضياع وهو يعاني الامرين وهناك جيل اصبح الاغتراب بالنسبة له هو الحل الامثل بعد ان ضاعت بوصلته الحقيقية في وطنه بسبب هؤلاء المتنفذين، فلا نريد ان يصبح الفساد ثقافة مجتمع وممارسة يقوم بها نخبة لهم نفوذهم وسطوتهم لا نستطيع ان نجادلهم وهناك جوانب لا نستطيع اغفالها وتظل القيم والمثل العليا حقائقَ مجردةً لا تأثير لها ولا فائدة حتى تتحوَّل إلى نموذج عملي في حياة البشرمن خلال قيادة حكيمة ؛ تؤثر في تصرفاتهم وسلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، فلا بد من ان يكون القائد  قدوةً لكي يسعى بأفراده ومرؤوسيه نحو الهدف، وإلا كانت أقواله في طريقٍ وأفعاله في طريقٍ آخر، والقيادة الحسنة كما يقول الاديب الكبيرعباس محمود العقاد :هي القيادة التي تستفيد من خبرة الخبير وتستفيد من شجاعة الشجاع.

 

عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي