عبد الحسين شعبانلمجرد أن تسمع أن أكثر من ربع مليار طفل (250 مليون) يعيشون في حالة خطر وخوف وقلق ووضع نفسي وصحي وغذائي وبيئي في أسوء أحواله، تشعر أن جزءًا من إنسانيتك يجري استلابها، لاسيّما في منطقة الحروب والنزاعات الأهلية والصدامات المسلحة وحيث ينعدم حكم القانون والعدل.

ولعلّ  الرقم المخيف، هو في حالة تزايد في ظل تفشي فايروس كورونا واستمرار الجائحة في جميع أنحاء العالم، ناهيك عن فقدان ملايين البشر لأعمالهم ومصادر رزقهم ونفاذ مدّخراتهم، وخصوصاً من الفئات الفقيرة الأكثر تضرّراً  في ظلّ الأوضاع الاستثنائية وغير الطبيعية، تلك التي ترافقت معها تصاعد واحتدام ظواهر العنصرية  والتمييز والتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.

إن مرحلة الطفولة هي الأخطر في حياة البشر، لأنها تحدد حياة الإنسان ومستقبله، فما بالك حين تعلم أن الملايين من الأطفال اليوم يعيشون في أوضاع البؤس والشقاء والأحلام المرعبة، ويعتبر عالمنا العربي أحد المناطق االأسوأ حالاً والأكثر أذى في العالم، حيث يتعرض أطفال فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والصومال والعراق وغيرها من البلدان العربية مثل البالغين للعسف  وعدم الأمن والأمان بسبب الحروب والنزاعاتمن جهة ونشاط المنظمات الإرهابية من جهة أخرى، ودائماً ما يكون الأطفال وقوداً لها، وهم أكثر ضحاياها قتلاً وإعاقة وتشوّهاً وحرقاً ويُتماً وانفصالاً عن أسرهم واضطرابات نفسية وعقلية وصدمات في التفكير والسلوك والعواطف، ناهيك عن تحويلهم إلى سلعة أحياناً للبيع والشراء والإتجار والمخدرات والإرهاب.

وبقدر ما تكون صورة الطفولة  معتمة وقاسية، فإنها تشمل عوائل الأطفال، وخصوصاً من هم دون خط الفقر والذي يتجاوز عددهم على المليار و200 مليون إنسان، يعيشون في ظل التخلّف والجهل وتفشي الأمراض والأوبئة، ولاسيّما في البلدان النامية  إضافة إلى شحّ فرص العمل والتعليم وانتشار الأمية واستفحال ظواهر التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب.

وإذا كان الأمر يتعلق بالضمائر والجانب الإنساني، فإن العالم يستذكر كل عام في شهر يونيو (حزيران) مناسبة أليمة تتعلق بضحايا الحروب من الأطفال الأبرياء، وذلك بقرار اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 19 أغسطس (آب) العام 1982، إثر العدوان "الإسرائيلي" على لبنان في العام  1982 واجتياح العاصمة بيروت، وكان من  الأسباب الموجبة لهذا القرار هو " العدد الكبير من الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين الأبرياء ضحايا أعمال العدوان التي ترتكبها إسرائيل"،  والهدف منه هو درء المعاناة التي يتعرّض لها الأطفال وسوء المعاملة البدنية والنفسية والعقلية في جميع أنحاء العالم، فالأطفال هم أكثر الفئات في المجتمع ضعفاً مما يجعلهم الأكثر تضرراً من عواقب الحروب.

من الظواهر الخطيرة التي لا بدّ من إلفات النظر لها هو محاولة تجنيد الأطفال واستخدامهم في الحروب وأعمال القتل والإرهاب والعنف الجنسي والاختطاف التي يتعرضون لها، إضافة إلى الهجمات على المدارس والمستشفيات والحرمان من المساعدات الإنسانية، لاسيّما في مناطق الصراع، وتلك أمور تتعلق بإنسانية الإنسان الذي سعى منذ القدم لوضع قواعد قانونية عرفية أو تعاقدية (تعاهدية ومكتوبة) للحدّ من الآلام الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة، ولكن تطور وسائل القتال واتساع تأثيرات الأسلحة المتطورة قلّص إلى حدود كبيرة من إمكانية استبعاد الأطفال من دائرة الخطر والرعب والآثار الأخرى المعنوية والمادية والتي تسببها الحروب.

والمطلوب تفعيل قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (البروتوكولان الخاصان بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية ) وذلك بعدم ترك الجناة يفلتون من العقاب ومساءلتهم وتقديمهم للعدالة، علماً بأن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ويحتاج الأمر إلى التوقيع على ميثاق روما  لعام 1998 " المحكمة الجنائية الدولية" واعتماده كأداة لتطوير قواعد القانون الدولي الجنائي، وهو الذي دخل حيّز النفاذ العام 2002، ودعوة جميع البلدان للانضمام إليه، إذْ لا تزال العديد من الدول الكبرى لم تنظم إليه أو لم تصادق على انضمامها مثل الولايات المتحدة التي انظمت إليه ثم أعلنت عن انسحابها، وروسيا والصين، إضافة إلى "إسرائيل" والعديد من البلدان العربية، وقد اعتمدت الأمم المتحدة في العام 2000 بروتوكولاً اختيارياً لمنع تجنيد الأطفال برفع سقف الطفولة من سن 15 إلى 18، وذلك بإلزام لدول الأطراف بعدم قبول التطوع في قواتها المسلحة دون سن الثامنة عشرة، وأي تجنيد للأطفال يعتبر من جرائم الحرب.

ولعلّها مناسبة للتوجّه إلى كل من تهمه قضايا حقوق الإنسان دولاً وحكومات ومنظمات إنسانية ومؤسسات دولية وأفراداً، تلك التي تعمل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 أن تضع في حسابها مخططاً دولياً لضمان مستقبل أفضل للطفولة والأطفال، سواء بإنهاء جميع أشكال العنف ضدهم وإنهاء أي إساءة لهم وإهمالهم وتطبيق اتفاقية حماية حقوق الطفل الدولية لعام 1989 بحيث تتوفّر بيئة سليمة ومعافاة لتوفير أسباب نجاح التنمية التي يقع الأطفال في صميمها وجوهرها.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

صادق السامرائيالعقل العربي يتعرض لمؤامرات ثلاثة أساسية شديدة الهجمة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ومنها يتفرع ما لا يُحصى من التآمرات، وفقا لمتواليات هندسية متواصلة التصاعد والتأثير في الواقع السلوكي العربي على عدة مستويات.

وقد لعب المفكرون عن وعي أو غفلة في تعزيزها، وكأنهم عندما درسوا في الجامعات الأجنبية قد تم إستهدافهم وتحضيرهم للقيام بالمهمة وهم لا يشعرون، إعتمادا على نظريات وقراءات أريد لهم أن يتخذونها منهجا للبحث والدراسة والكتابة.

أولا: مؤامرة التأريخ

إستيقظ العرب بعد الحرب العالمية الأولى على دفق من الطروحات الفنتازية، التي تؤله التأريخ وتقدسه وتحسب ما فيه حالات أبعد من الخيال، فتم إضفاء الصفات السماوية على رموزه حتى تحقق إخراجهم من كونهم البشري.

فمضت الأجيال تتحدث عن أسماء تألهَت وألصِقَت بها أقوال ورؤى وتصورات لتكون من المسلمات التي عليها أن تحتل العقل وتستعبده، ولا يجوز الإقتراب منها ومساءلتها والنظر فيها، فأصبحت الأجيال رهينة " قال وقال"، والكثير من الأقوال مدسوسة، لكنها تكررت مرارا فترسخت وتحولت إلى ثوابت مقدسة،  وبموجب ذلك إنقطعت الأمة عن حاضرها ومستقبلها وتمترست في ماضيها.

ثانيا: مؤامرة الدين

الدين أبهر الأمة وعمودها الفقري الأخلاقي والقيمي ومعيار سلوكها الحضاري المنير، وقد تحقق إستهدافه بإنشاء الأحزاب المسماة دينية، وقد بدأت اللعبة منذ الربع الأول من القرن العشرين أي بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى ببضعة سنوات، وتأسس أول حزب وتطور وتفرع وتوالدت منه أحزاب وأحزاب، هدفها تشويه الدين، وإستخدامه لقتل الدين بالدين، ووفقا لذلك تعيش الأمة في محتدم التناحر والتصارع الذي يرفع رايات ألف دين ودين.

ثالثا: مؤامرة اللغة

اللغة هوية الأمة وذاتها المشرقة، ولكي تقضي عليها لا بد من إستهدافها، ومن أعمدة اللغة العربية الشعر الموزون، فتحقق العمل على تدميره بذريعة الحداثة والتسويق للشعر اللاموزون، لكي يتشوّه التفكير وتتخرب الرؤى، وتعيش الأمة في مضطربات قاسية تكلفها المزيد من الخسائر الحضارية.

فالتفكير العربي الذي كان منظما ودقيقا أصابه الخلل والإهتزاز بسبب ما يُسمى بالشعر، وما هو إلا نثر أبدعت العرب أرقى منه وأروع في زمن المعلقات وما قبلها.

والفوارق واضحة ومتنوعة ما بين الشعر والنثر، ومن متطلبات المؤامرة أن يكون النثر شعرا، وتأتي أجيال تنكر الشعر وتتوهم أن النثر العليل المعبر عن عاهات دماغية يمكن تشخيصها منه، هو الشعر، وبهذا تفقد الأمة أهم أدوات كينونتها وفكرها ومنطقها المتوافق مع آليات ما فيها من الإيقاعات النفسية والروحية والعقلية.

هذه إشارة مكثفة للمؤامرات الأساسية التي تتعرض لها الأمة، ويساهم في تمريرها أبناؤها الذين يتوهمون الدراية والمعرفة وهم في غفلتهم يعمهون وعلى الآخرين يعتمدون.

 

د. صادق السامرائي

 

 

مهدي الصافيقمة الصور الذهنية المدمرة هي المتجسدة في الاضطرابات الاجتماعية، الناتجة عن تراكم الصور المشوهة والمشوشة في العقل الجمعي لعدة اسباب منها، ديمومة ثقافة التوتر، والاحتقان عبر تصاعد وتيرة العنصرية والاحقاد والكراهية الاثنية والدينية والطائفية، وتعزيز لغة الصراعات السياسية والاقتصادية والثقافية، او الصدامات المحلية والاقليمية او الاممية داخل المجتمع، مع بقية جوانب او ظواهر العنف الاجتماعي الاعتيادية (جرائم القتل، الحوادث والمشاكل العرضية او المتعمدة، جرائم السرقة وتجارة البشر والجنس والتهريب الخ.) ...

التعريف المبسط من وجهة نظرنا المتواضعة لعلم الاجتماع هو اعتباره الوعاء او المجال الواسع لاستيعاب تجارب الافراد والمجتمعات في البيئات المختلفة، فكل انسان يمكن ان يكون مادة للدراسة والبحث الاجتماعي، اذ يعد الادب والثقافة السردية والمذكرات الشخصية (وكتب الرحالة والمكتشفين والمدونين ومايسمى في بلادنا بالمستشرقين) احد اهم روافد الدراسات والبحوث الاجتماعية الاكاديمية، اضافة الى الموروثات وكتب التأريخ، وبما ان العلوم متحركة ومتطورة، فهي مادة متجددة، اي ان المعرفة الانسانية هي في تطور دائم، مما يستدعي ان تتطور معها ادوات البحث والاستنتاجات العقلية بأستمرار، اذ لايمكن اعتماد مبدأ ان الماضي اكثر علما ووعيا من الحاضر، وبالتالي يتطلب ان يفهم الناس ان الصور الذهنية المتوارثة تصبح بمرور الزمن صور مبالغ بها وغير واقعية...

اما بخصوص تعريف المجتمعات البدائية فهي تختلف ايضا بين ما كان يعرف سابقا اي الحياة اليدوية والحرفية، وبين التعريفات الحديثة وفقا لتصنيف العوالم (دول العالم الثالث)، نعتقد ان الدولة المتخلفة تكنولوجيا والغارقة في صراعات الهويات الاثنية والطائفية والعرقية هي المجتمعات البدائية، وان تغيرت انماط الحياة عندها نسبيا، واصبحت تدار في بعض جوابنها الكترونيا (نطلق عليها دول العالم الرابع)،

هذه الامم والشعوب تبدأ عندها صناعة الصور الذهنية (المقدسة وغير المقدسة) من البيت ومحيط الاسرة والقبيلة او العشيرة الى محيط المجتمع، اي ان المجتمع عبارة عن تجمع لمجتمعات ومكونات وجماعات وعشائر وقبائل وانتماءات متنوعة ومتعددة (صغيرة او كبيرة)، ومفككة فيما بينها، ولهذا بمجردغياب سلطة الدولة او القانون عندهم تظهر السلطات الاجتماعية المختلفة (مليشيات او مافيات وعصابات الجريمة المنظمة، اوسلطة القبائل والعشائر والمكونات، الخ.)، بما فيها عصابات المناطق والحارات والفتوات او الشقاوات والزعران على لغة اهل الشام الشعبية،

مع التأكيد على ظاهرة التداخل في المجتمعات، اي ان المجتمعات الغربية وحتى في المجتمع الامريكي هناك مجتمعات بدائية محددة بعيدة عن ثقافة الحي الغربي، تنعدم فيها سبل وعوامل التطور الحضاري تماما، بل ان الاحياء الشعبية هناك هي اكثر بشاعة وحرمانا ووحشية من العشوائيات المنتشرة في بعض البلدان العربية، ولكن تؤخذ الامور والحسابات دائما وفق الاعتبارات والتقديرات النسبية العامة....

هل يمكن لاي مثقف عبقري او ذكي اومتابع جيد للمعرفة، ان يتحدث في فلسفة علم الاجتماع، وجهة نظري تقول نعم،

 اذا كان التحليل العلمي الرياضي للعلوم الاجتماعية او الطبيعية يستند الى قواعد واسس عقلية منطقية صحيحة، بالطبع هذا مايجب ان تثبت ذلك الايام والوقائع، فالذكاء والعبقرية، والتأمل والتحليل والاستنتاج الفكري ليست ثقافة عامة، يمكن ان يمتلكها اي انسان، انما هي جزء مما يسمى بالالهام او الهبة الالهية الخاصة، التي يتصف بها بعض الناس بدرجات متفاوتة،

وهذا يشرح مسألة قلة عدد المفكرين والفلاسفة والعباقرة والعلماء والادباء في العالم، يبقى غربال المعرفة والتمييز بين فكر او عقلية واخرى هي معيار الوعي لدى النخبة او المتلقي، ومصداقية التطابق الفعلي بين الفكرة او الطرح الفلسفي مع المنتج المعرفي...

نرجع الى موضوع البحث المختصر اي الصور الذهنية :لماذا نبحث في هذا الموضوع؟

ماهي الاسباب والموجبات والحاجات او الضرورات والاستنتاجات؟

نعتقد ان احد اهم اسباب تخلف المجتمعات العربية او حتى الاسلامية، هي ثقافة الصور الذهنية المتوارثة، كصورة خلفاء بني امية او بنو العباس، فالناس كانت حينها تقبل بالحكم الصوري مادام قمة هرم السلطة امويا او عباسيا (اي سواء في العهد الاموي او العباسي)، وسنطرح على ذلك امثلة بسيطة، عاشتها الامة العربية حديثا، كصورة قائد الامة او الضرورة بين عبد الناصر وصدام حسين، هذه الصور التي اصبحت اقرب الى الموروث المقدس،

ومن ان الامة لن تنجب مثلهم، هي صور متوارثة عن قصص البطولات العربية القديمة، التي جاءت عبر حكايات واساطير وقصص الاولين، الموثق بعضها بالقصائد والاشعار، عندما كان السيف والقوة البدنية والكثرة العددية حينها هو معيار التفوق بين الامم،

قبل ان تأتي قوة الحروب الدينية المقدسة، مع ان المصريين يقولون ان نابليون فتح مصر بالقوة العسكرية الجديدة (القرن الثامن عشر تقريبا)، ولكنه ادخل لها الحضارة الغربية او الفرنسية، اي بداية انطلاق مرحلة تفوق العقل على القوة الجسدية او الدينية، فتكون عملية التحول اوالحلول الذهني بين ماهو دارج شعبيا عن تاريخ طغاة العرب وبين من يمثلهم حديثا، وهم لايخفون ذلك، حتى في خطابات المديح والتعظيم والثناء تربط هذه الزعامات بتاريخ بعض الخلفاء الاقويا (عبارات حفيد الامام علي، اوعمر الفاروق، او هارون الرشيد، او صلاح الدين الايوبي، او القعقاع، او محمد الفاتح، الخ.)

ففي الدراسات الحضارية يقال ان الحضارات المتصارعة لاتلغي احداهما الاخرى، انما تندمجان بجسد واحد بعد انتصار احداهما، ولكن الحضارة التكنولوجية الحديثة حضارة عقلية علمية مادية، اي ان البطل فيها ليس القائد الشجاع، بل السلاح التكنولوجي التقني الفتاك، والقوة الاقتصادية والمالية الكبيرة، والقدرات الصناعية الالكترونية والفضائية، وبقية العلوم المختلفة، الخ.

هناك اختلاف واضح بين طريقة حكم عبد الناصر، وبين صدام (الذي كان يعتمد في توزيع الصور الذهنية لدكتاتوريته بين المحافظات والمدن عبر الاكثار من نصب الجداريات الشخصية له، وقد كان في الجانب الاخر تم رصد وصرف الاموال الطائلة لبناء مرقد السيد الخميني الواسع زعيم الثورة الايرانية ووضع نص للزيارة، وهو الذي مات فقيرا متواضعا نزيها، لاستخدامها فيما بعد كرمز للصور الذهنية الثورية المراد ضخها بشكل دائم في المجتمع)،

الا ان الاثنين كانت تثار حولهما الكثير من علامات الاستفهام، فجرائم الاجهزة القمعية في كلا النظامين، ومسألة كبت الحريات والقمع المنظم والفشل كانت متقاربة نسبيا، مع ان نظام صدام تقدم بدمويته ووحشيته وحماقاته كثيرا على ماحدث في عهد عبد الناصر (لان الظروف والبيئة والحروب وتبعات احتلال الكويت وطول فترة الحكم لعبت دورا في هذا التفاوت)،

الا ان الغريب ان زراعة الصور المضخمة في الاذهان الشعبية، وحتى الاوساط النخبوية، ابقت على ثقافة انهما قادة لايتكررون، تماما كما حصل في الصور الذهنية المتوارثة كما قلنا سابقا، عن عمر ابن الخطاب، وخالد ابن الوليد، او معاوية (كسرى العرب)، وهارون الرشيد، وصلاح الدين الايوبي، والشخصية الجدلية الحجاج الثقفي، الخ.

عندما تراجع مايقوله على سبيل المثال اعضاء حزب البعث في العراق عن صدام، بمن فيهم ممن كان معتقلا في عهده في السجون البشعة، تجد التناقض في كلامهم رهيبا وغير معقول، احدهم يذكر تفاصيل مرعبة عن ايام الاعتقال بعد استلام صدام الحكم1979، والبدء بتصفية رفاق الحزب على طريقة ستالين، تحت ذريعة وجود مؤامرة كبيرة مرتبطة بنظام حافظ الاسد في سوريا، تراه يبكي على السجناء والمعتقلين والمعذبين والمحكومين بالاعدام والظلم، ومن ثم ينقلب للدفاع عن صدام باعتباره قائدا وزعيما للامة،

ومن انه بعثي حقيقي، ويتكلم عنه كرمز قومي، وهذه الامور تبدوا جلية بمواقف اتباعه بعد انهيار نظامه وخروجه من الحفرة على يد الجنود الامريكان، حتى ان احد رموز نظامه المعروفين (صاحب بيانات العلوج) يعرب عن صدمته مما فعله صدام ( اي التخفي في الحفرة خلف اطالة شعر الرأس واللحية الكثة)، وهو الذي ترك اوضاع البلاد مشلولة خاوية بائسة ينخرها الجهل والتخلف والفقر والعوز والبنى التحتية المحطمة، وفي كل بيت تقريبا نكبة ومأساة او فاجعة!

هذه الصور تنتقل الى الموروثات الشعبية، لتضيف صور اخرى الى قصص الزعماء المقدسين والخلفاء وامراء تجار الحروب الدينية والعرقية والقبلية، مثلما ارادت الادارة الامريكية تحميل الصين مسؤولية انتشار فيروس كورونا في العالم، او على غرار العنصرية الهندوسية في الهند بألقاء اللوم وتبعات انتشار الفيروس في الهند على احتفال المسلمين بمناسبة محلية معينة....

الصوت والكلمة وطريقة الخطابة او الكلام او العبارة او الاشاعة او التعبير المجازي، قد تصبح مادة لصناعة صور ذهنية مختلفة، بمعنى اخر سماع صوت معين دون رؤية المتكلم تعطي صور ذهنية تختلف عنها بعد رؤية صاحب الصوت، وهكذا حتى في المرويات والقصص والاحداث الشعبية، ايضا تعطي انطباعات ذهنية متفاوتة (ثقافة الروزخون عند الشيعة، او ثقافة الترويج لمايسمى السلف الصالح عند السنة، او الحكواتي)، هذا الامر يعتمده عادة اصحاب مهنة الاخراج الفني، حيث تعد من اولويات نجاح عملهم هو تطابق الصورة في ذهن المخرج مع روح النص، اي اخراج الصور الذهنية من النص الورقي ثم نقلها بهيئة وصيغة صورية اخرى الى الواقع، بتوزيع الادوار بين النص وصور المكان والديكور والشكل والهيئة والشخصيات المناسبة لكل دور (ولهذا تتباين رؤية الاخراج الفني من مخرج لاخر، كما يحصل في تكرار اخراج نفس المسرحيات او افلام القصص العالمية المشهورة ولكن برؤية فنية مختلفة)، الخ.

الصور الذهنية هي في بعض الاحيان تصنع معتقد ديني او ايديولوجي او فكر وثقافة معنية غير واقعية، كمن يعتقد انه مجاهد او مناضل حقيقي يعمل في الاحزاب السياسية او الدينية طويلا، ويتبنى صور نمطية خاصة عن المبادئ والاهداف والطموحات المثالية، ثم سرعان ماينهدم هذا البناء الخيالي فيرجع الى نقطة الفراغ، اي صورة الحقيقة الشخصية والواقع، معتبرا لاشيء يستحق التضحيات، ولهذا يكون فساده وضرره وشراهته للتخريب والتدمير والنهب سادية مفرطة، يرى الفقراء جراثيم، والوطنية كذبة، والاخلاق مجرد كلام استهلاكي، والغنيمة حق ولعبة حظ شرعية،

لان الصور الذهنية مشوشة في عقله، كالامواج المتلاطمة، صور متتناقضة ومتصادمة بين الدين والمكون والطائفة والانتماءات الاثنية والقبلية والعشائرية والمناطقية والموروثات الاجتماعية، والحاجات الشخصية والغرائزية، فهي لا تعبر حدود الثرثرة والهوس والتفكير السطحي، والهواجس والاعتبارات والمثاليات او الغيبيات الطوباوية...

المجتمعات السلبية هي نتاج الصور الذهنية الخاطئة، ترى غير المقدس مقدس، وترفع المنافق والانتهازي وتحارب المفكر والمثقف والعالم والانسان النزيه، اي ترى وتعمل وتفعل وتمارس الثقافة بالمقلوب، بمعنى اخر هي تحارب الايجابيات عن جهل ودون الشعوراحيانا، من هنا يمكننا فهم ثقافة توريث التسلط في الدين والسياسة والاجتماع (الامام او رجل الدين وابن الامام، الحاكم وابن الحاكم، شيخ القبيلة وابنه، الخ.)،

الابن يأخذ دورالاب (تسمى احيانا بالثقافة الابوية، بينما هي ثقافة صناعة الصور الذهنية السلطوية، عدا بعض الحالات الخاصة حيث تكون الحاجة اليها ضرورة ملحة)، مما يعرقل عملية بناء شخصية الفرد المستقلة داخل المجتمع الواحد، مع ان الحضارة الالكترونية الحديثة هي السلاح المناسب لتدمير هياكل الصور الذهنية في المجتمعات البدائية، فالربيع العربي جاء كنتيجة اولية لاثار الصدمة التي احدثتهاهذه المواجهات او الصراعات المباشرة بين التراث والحضارة،

حتى فيما يتعلق بالاحتجاجات العالمية الاخيرة ضد العنصرية الموجهة ضد المهاجرين او الملونين (في امريكا واوربا وبقية دول العالم، بعد حادثة مقتل جورج فلويد خنقا على يد اربع من رجال الشرطة الامريكية)،

هي الصحوة المتأخرة ضد الصور الذهنية التي ركزتها الثقافات الطبقية الفوقية والاستبدادية والعنصرية السابقة، حيث وجد المضطهدين والرافضين لهذه الثقافة فرصة تحطيم التماثيل الخاصة بزعماء تجارة الرقيق والحروب الاستعمارية، وسيلة لكسر نمطية الثقافة السائدة المعتمدة رسميا في بلدانهم (التفوق العرقي او الطبقي الرأسمالي) ...

الانطباعات الشخصية العرضية او العميقة تعطي احيانا صور ذهنية لمستويات مختلفة، مؤقتة او متغيرة او دائمة، كما تفعل الاعمال الفنية من تأثيرات معينة عند المتابعين، فالدراما لديها قوة الجذب الذهني عبر التأثير المرئي المصطنع، حيث يمكنها ان تنقل عقل المشاهد من حالة التمثيل، الذي يجسده المشهد المرئي الى مرحلة التفاعل والشد النفسي والعاطفي معه،

ومن الملاحظ ان الثقافة الفنية الغربية عند مغادرتها الانماط الدرامية الاجتماعية الدارجة حاليا في بلداننا العربية، جاءت على خلفية ضعف قوة الجذب السابقة لهذه الاعمال الفنية المستهلكة في المجتمعات الغربية،

كما يحصل الان في مجتمعاتنا العربية من تراجع ملحوظ في المتابعة والاهتمام، لاسباب كثيرة منها زيادة استخدام الوسائل الالكترونية الحديثة، التي تقدم متعة اكثر وسهولة في التعاطي والتفاعل والاستخدام، بدلا من البقاء طويلا في البيت لمتابعة احداث المسلسلات او المواضيع المملة المكررة، ففي الغرب اتجهت عقول صناعة المتعة الفنية الى الافكار السينمائية العالمية،

واعتماد الخيال العلمي والتنظير الافتراضي المستقبلي للاحداث، والافكار الغريبة غير المطروقة سابقا، كاساس مهم لصناعة الصور الذهنية المتباينة بين مجتمع او شخص واخر، الا انها تتطرق الى مواضيع شيقة تشد اليها الجمهور (صناعة الخوف من المستقبل المجهول، والماورائيات، وسكان الكواكب او العالم الاخر، الخ.) ..

هناك صور ذهنية عميقة مهمة تتولد عند الفلاسفة والمفكرين، جزء منها يطلق عليه فلسفة التأمل والتحليل، اوالاستغراق الفكري في الاشياء، الا انها بالطبع هي اساس البناء الفكري او الفلسفي لاية اطروحات علمية او معرفية، على بناء القاعدة او النظرية التي نروج لها دائما بأن"كل مايفكر به الانسان علميا يمكن ان يتحقق عمليا"، اي ان البشرية منذ بداية التكوين وصولا الى ماهي عليه الان،

كانت تسير تدريجيا مع مايخطر او مايحصل للعقل البشري من تقدم، هكذا كانت مسيرة البشرية الحضارية تتصاعد مع تطور مسيرة الفلاسفة والمفكرين وعلماء الطبيعة، هذه الامكانيات والعبقريات الخاصة (التي تسمى احيانا بالمعجزة)

 تبقى داخل اطارها المحدود، ليس كل مثقف او اديب او باحث او اكاديمي هو عالم او مفكر، يمكن ان تكون لديه ملكة الالهام (الالهي او الارضي)، التي تمتلك القدرة على قراءة ودراسة واستحضار وتجميع الصور الذهنية الكونية، حيث يمكنها ان تتبنى او تعطي استنتاجات عقلانية علمية منطقية صحيحة انية او مستقبلية، معتمدة كما ذكرنا على مبدأ الصور الذهنية الفلسفية العميقة للكون او لصيرورة الخلق والحياة والطبيعة، اذ يعد من المستحيل ان يتنبأ الانسان بحدث معين دون مقدمات ذهنية اولية تأملية.....

لابد من الاشارة الى ان الصور الذهنية تنقسم وفق بقية معايير التقييم الاخلاقية والحاجات الانسانية الى ايجابي وسلبي، اذا يمكننا القول ان الصور الذهنية الايجابية هي المتعلقة بضرورات التأمل والمراجعة والبحث والتفكير والفهم والادراك والتساؤل المعرفي، في مجالات الفكر والفلسفة والتاريخ والاديان والاداب وعلوم الاجتماع والانسانيات والثقافات التراثية والحضارية

 (ففي الاديان مثلا يمكن ان يراجع الانسان ويبحث نقاط وثوابت الالتقاء او التناقض بين المنطق العقلي والمعرفي، وبين مايراه او يتعايش معه يوميا من ثقافة دينية عامة، فالجانب الايجابي فيه ان الانسان قد يرى الحقيقة مختلفة تماما عن تلك التي ولد وتربى عليها، فالعقل العلمي السليم لايمكن ان يرى الخطأ صواب، او يرى الخرافة او الاسطورة او المغالاة او الغيبيات حقيقة، الخ.)

اما الجوانب السلبية المتوقعة هي المتبعة غالبا في الايمان والاعتقاد والقناعات والاعتبارات النفسية المسبقة او المتوارثة، فالايمان بأن طريق الارهاب والتوحش سيأخذ بيد اصحابه الى الجنة، عبر ضخ الصور الذهنية المختلقة عن حور العين والغداء او العشاء مع الانبياء والرسل، يعد في قمة الصور السلبية المتوارثة، او القناعات الخاطئة المنتشرة في بلادنا المأخوذة بالشكل والمظهر والكلام المعسول كما يقال، كلها دلائل على انحطاط الحضارة او ضحالة وهمجية اسس وادوات العقل الجمعي...

الصور الذهنية للمفكر غذاء روحي، واساس متين للابداع الفكري، اما للمجتمعات البدائية فهي تحطيم معنوي ونفسي لشخصية الفرد المتشبثة بشخصية الاخرين الفوقية...

 

مهدي الصافي

 

عقيل جعفران إيقاف استحداث الأقسام العلمية الجديدة في الجامعات والكليات الخاصة (الأهلية) هي عقبة اخرى وضعت أمام اصحاب الشهادات العليا وخريجي الدراسات الأولية كذلك.

فدول العالم المتنوعة، ناهيك عن المتقدمة منها، تدعم المشاريع الخاصة التي ترمي الى النهوض بالدول وتشغيل اكبر عدد من مواطنيها، فلا يوجد مبرر لعدم السعي في فتح الفرص المتنوعة لاستيعاب حملة الشهادات العليا والاستفادة القصوى منهم من العمل الا في العراق !!!.

حيث سعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي -في الفترة السابقة- لإيقاف عملية استحداث الأقسام العلمية الجديدة في الجامعات والكليات الخاصة (الأهلية) على الرغم من خروج مئات المتظاهرين من اصحاب الشهادات الطبية والهندسية والإنسانية والوقوف لشهور أمام مقر الوزارة والمطالبة بحقهم في ايجاد فرص العمل الحر الذي يحفظ لهم ولأسرهم الكرامة والعمل الشريف.

و على الرغم من وجود العديد من الحلول التي كان من الممكن اتخاذها من قبل الوزارة والتي تستوعب الجميع بهدف التخفيف عن كاهل الدولة من جانب والتخفيف من الزخم واتاحة فرص اكثر لتشغيل الشباب من حملة الشهادات العليا من جانب اخر، لكن تجاهل الوزارة السابقة وتعامل الحكومة في وقتها برش متظاهري الشهادات العليا بالماء الساخن كان سبباً من أسباب اندلاع المظاهرات التي أدت إلى استقالة الحكومة السابقة .

اما اليوم، ومع تولي الوزارة الجديدة مهامها بكل عزيمة واصرار ورغبة حقيقية على إصلاح مشاكل المرحلة الماضية ، فان الجميع ينظر الى الوزارة الحالية بترقب املين ان تكون خطواتها حازمة واجراءاتها منصفة لشريحة حملة الشهادات العليا التي أهملت سابقاً وان تعمل بكل جد لاتاحة الفرصة المناسبة لهم من خلال تسهيل العقبات أمام استحداث الأقسام العلمية الجديدة في الجامعات والكليات الخاصة ولجميع الاختصاصات وحتى الاختصاصات النوعية والجديدة التي يتطلبها سوق العمل المستقبلي، سيما وان عملية الاستحداث لها الاثر على الاقتصاد ايضا، حيث انها لا تكلف الدولة او الوزارة اي مبالغ بل بالعكس حيث ان جباية أموال الاستحداث ستعزز ايرادات الدولة في صندوق التعليم العالي وتدعم الموقف المالي للجان العمداء.

ان ما يُطلب اليوم هو حق معطل، وقد توقف مسبقاً بدون مبرر أو مسوغ قانوني!، لذا فإن ما يُرجى من الوزارة الحالية اليوم هو أعادة النظر بشكل عاجل لموضوع استحداث الأقسام العلمية الجديدة في الجامعات والكليات الخاصة (الأهلية) لكون ان ذلك يسهم في توفير فرص العمل ليس لأصحاب الشهادات العليا فقط وإنما لمختلف خريجي الدراسات الأولية أيضاً وما يتطلبه العمل من وجود اساتذة ومساعدين وسكرتارية فضلا عن موظفي الخدمات وغيرها من الوظائف الساندة.

وبالتالي نجد ان اثار إيقاف الاستحداث لا تقف عند حدود التلكؤ في استيعاب توظيف حملة الشهادات العليا وحتى الشهادات الاخرى الساندة لعمل الاقسام، بل وان ذلك يمثل إيقاف جزء اقتصادي جيد للموارد المالية للدولة ، ناهيك عن فتح الآفاق الجديدة والفرص الأكثر لتخريج خريجين جامعيين بمختلف التخصصات المتنوعة.

 

جعفر عقيل / أكاديمي عراقي

 

 

سامي عبد العالتبدو المجتمعات عاريةً كأشجارِ الخريف، عندما تفتقد الأسئلةَ الضرورية لحياتها. الحياة بدون أسئلةٍ مجرد أوقات تصادفُ أخرى بلا آفاقٍ للمستقبل. من هنا كان السؤال خارج التوقُّع، كما لا يُطرح في الغالب إلاَّ بمهامٍ أكثر جذرية. إنَّه يصوِّب سهامه المارقة نحو الحقائق الإنسانية التي لا تتزحزح. والمثير أنَّ هذا مصدر إزعاجه المتواصل في تاريخ الفكر والحياة. فليس منحى الاستفهام جارياً على نحوٍ هادئٍ ومقبولٍّ. لأنَّه حين يطْرقُ عمداً بابَ الحقيقة، يجد صدُوداً مغلَّظاً. فيصبح السؤال قصداً مأخوذاً بتوجه حفري ومنفتح بقدرَ ما يمكن. السؤال الملعون يستهدف المسكوت عنه ثقافياً دونما تباطؤ،... ينقب، يُحدّد، يؤشِّر. لذلك يشتبك ضمن حركته مع أيَّة سلطة تعارض وجودَّه. وهذا سبب الارتياب فيما يفعله كلُّ استفهام حقيقي.

في الثقافة العربية تلاحق اللعناتُ السؤالَ حين يفتش عما يتوارَىَ، عما يتخفى عن كثب. وعلى الدوام سيكون لدينا هواجس مفرطة تجاه من يتساءل حتى لو كانت أسئلته بريئة. ولا نخطئ إذ نعترض على التعجب من الأسئلة هنا أو هناك. فنقول "هو السؤال حُرُم". وأصل العبارة هكذا: "هل تمَّ تحريم الأسئلة؟!"، مع بعض بقايا التعجب البارزة. ولكن خُففّتْ هذه الفكرة تجنباً للتعبير الأكثر قسوة: " لقد تمَّ تحريم الأسئلة" أو "الأسئلة حرام- حرام".

هذا التهذيب اللغوي يقلبُ الدلالة إلى همسٍ، يُقلِّم أظافر الوعي، وأحياناً يحول المواقف إلى غمز يوميٍّ: أنَّه من الأفضل لنا عدم التساؤل حيث لا نقدِّر العواقب الوخيمة. وأحياناً يُحظر الاستفهام تحت قعقعة التقاليد العامة حيث: "من تدخل فيما لا يعنيه نال ما لا يرضيه". و"ما لا يعنينا" قد يكون تقليداً مسكوتاً عنه، أو امتيازاً لفكرة أو هيمنة لسلطة ما أو بنية حقائق دون غيرها. وبفضل هذه المكانة، تصبح تلك الأشياء لها أنياب ثقافية تنهش من يحاول أنْ يستفهم.

وكالعادة يتأسّس ذلك الوضع اجتماعياً وسياسياً على النص الديني: " يأيها الذين آمنوا لا تسألُوا عن أشياءٍ إنْ تُبدَ لكم تسؤكم". ومع أن القضية مقيدة بالإيمان الغيبي إزاء موضوعات الأسئلة بحكم أن الاسئلة الميتافيزيقية ليست لها إجابة واضحة، غير أنَّها استفهامات مفتوحة بما لا يتحدد بسهولة. وبإمكان النص الديني رمي الدلالات خارج نطاقه (في المجتمعات) وبعيداً عن شروطه الخاصة بحكم الصورة التي يأخذها. ولاسيما أنَّ الثقافة العربية تتمدّد وتتسع في جميع أبنيتها بواسطة النماذج الدينية حصراً.

وهي ذات الثقافة التي تأوّل النصوص لصالح مركزيتها المنافية للتنوع والاختلاف. بل وقد تتخذ من النصوص الأساسية آليةً دفاعيةً لتأكيد أسباب وجودها التاريخي في الحياة اليومية. ولهذا كانت كل سلطة معرفية أو أخلاقية أو سياسية في المجتمع العربي تتحصن بتأويل ثقافي ديني للأسئلة المطروحة عليها. فيبدو انعدامُ الأسئلة شيئاً مقبولاً ومبرراً عبر مواقف الحياة مقابل عدم التعرض إلى الضرر. أي: هناك تلك العلاقة من المساومة والخنوع لسلطةٍ مقابل الافلات من عقابها. المهم ألاَّ تتساءل ولا تحاول أن تعرف ما يجري أو ما سيجري!!

إجمالاً يرتبط تاريخُ اللعنة بسلطةٍ عُليا تقوم بهذا العمل. في مقابل شناعة السلوك الذي يستحق اللعنة بناءً على تقديرها. كما حدثت الحادثة التاريخية جذرياً بطرد إبليس من الجنة لعصيانه أمر الله في الديانات التوحيدية. حتى أن ورود اسم ابليس يأتي عادة متبوعاً بلقب الملعون (هكذا تقال: عليه لعائن الله ورسوله والملائكة والبشر أجمعين). لكن اللافت أن تجيء كل لعنة- في المجتمعات- على هذا المنطق: سلطةٌ ما تطرد معارضيها من ظلالها الوارفة، إخراجهم إلى العراء حيث الحرمان من الكنف والرعاية والحقوق. وتصبح اللعنة أداةَ ملاحقة وفعلَّ قهرٍ يواصلان مطاردتهم أينما حلو. إنَّ (نموذج الشيطان) أتاح  ثقافياً لعنة قابلة للتكرار كلما سنحت الفرصة. اشهر اللعنات غضب الرب على شعبه(شعب بني اسرائيل) كما ورد في العهد القديم. فبلبل الرب ألسنتهم وأجرى عليهم لعنة الشتات في الأرض.

أمَّا الأغرب فأنْ تتزحزح اللعنة من موقف لا هوتي إلى موقف ثقافي تجاه أسئلة نراها خطيرة، وهي اسئلة مهمة لبناء الحياة والتعبير عن المواقف والرؤى (مثل اسئلة السياسة والتطور والتقليد والاستبداد). بحيث سيمثل الاستفهام مساحة محظورة من التفكير. ليس أكثر من موقف أعمى نمر عليه عرّضاً كحالة عجز طبيعي لا تثير أية دهشة. لهذا كانت عطالة الأسئلة أبرز النتائج وجودية لمعارفنا وأفكارنا. لأن الأسئلة تقف عند حدود اللعنة ولا تتخطاها. وهكذا... فأسئلة السياسة ملعونة، أسئلة السلطة ملعونة، أسئلة الحرية ملعونة، أسئلة الاختلاف الديني ملعونة، أسئلة الحقيقة ملعونة، أسئلة المرأة ملعونة. إنها حدٌّ فاصل إنْ تجاوزناه كان ثمة تكفير ثقافي يدفعنا خارج الحظيرة الاجتماعية.

إذن لا تخلو اللعنةُ من عملٍّ عام يتابع نشاطه القمعي إزاء التفكير الحر. فعل يلعن: يسب كائناً سواء بشرياً أم مقدساً أم غيرهما. فعل السب الذي يواري دلالته وراء الجرم الصادر عن الملعون. وإذا كان الأخير له عقابه الديني بحسب سياق الايمان، فثمة آثار اجتماعية تلاصق اللاَّعن إلى نهايته. وكلمة الملعون تعطي انطباعاً بالطرد، الازدراء. بسب اتيانه لأفعال غير مقبولة.  لكن علينا أن نعرف: من يحدد اللعنة وكيف تمارس عنفها في مجتمعات مغلقة closed societies بتعبير كارل بوبر؟!

إن حساسية الأسئلة تصيبناً بالمفاجأَة حتى تجاه أسئلة الأطفال. فالطفولة قدرة حيوية خارقة على طرح الأسئلة من غير شروطٍ. هي تتميز بالمرونة الفائقة مع اختلاف المواقف. وتبدو ذات طابع أساسي رغم أنَّها تلقائية. الطفل القلق والشقي هو الكائن المتسائل دوماً بسببٍ وبلا سبب. لأنَّ الاستفهام لا يحتاج إلى تبرير ولا شرح.  هو سؤال لكونه حاجة تلقائية بوصفه استفهاماً. إنَّه حالة إنسانية ناجمة عن تفتح الوعي الناقد. مثله مثل الاندهاش، الشك، الفضول الآخذ في التزايد. خلال كل سؤالٍّ جوهري هناك نزق طفولي يتأرجح على أوتار الدهشة.

ولأننا مجتمعاتٌ وشعوب عربية كهلّة ونقدر الكهولة، فلا نواكب طفولتنا التي هي نحن. الحكمة البادية: أن يتساءل الأطفال طوال الوقت بجوار الكهول وكلاهما بجوار غيرهم. وبهذا نستطيع الاستفادة من قدراتنا، فلا لشيء يجب أنْ يكون إلاَّ لإمساك روح الحياة السارية ضمن جميع الأعمار. فالحياة المبدعة والتلقائية ذاتها مصدر الأسئلة المحيرة وهي ما ينبغي الاعتناء بها. المجتمع الحي هو من يطرح الأسئلة تلو الأسئلة. أما المجتمعات المحنطّة فهو يعيش وسط قبور من الإجابات الجاهزة. وما أكثر الإجابات المعلَّبة والفاترة بفرط تداولها. لذلك لدينا قدرةٌ هائلة على التحلُّل مثل الجيّف تحت وقع الأزمات. لأننا لم ننحت أسئلةَ المصير داخل كلِّ لحظة تمر بنا.

الأنكى أننا لا نعيش طفولتنا إلاَّ حنيناً بعد فوات الأوان، مجتمعاتنا بلا طفولة لأنها بلا أسئلة. فالأطفال والصغار والعيال يولدون شيوخاً. وليست الأكفان التي ألبسها الإخوان- في فترة مرسي- للأطفال إلا تأكيداً للمسألة. وهذا يشبه قمع الأسئلة لدى نشئ السلفية حينما يعجزون عن إحياء الموتى في صورة السلف الصالح. أيضاً الأمر يوازي انتزاع براءة هذه الكائنات المتسائلة حينما كان الدواعش يدربوا أطفالاً على الجهاد والقنص وبقر البطون وجز الرقاب. والمسألة ذاتها كانت من قبل حين انتشرت عبارات أشبال القومية العربية، وفتيان الزعماء العرب (مبارك والقذافي وصدام حسين).

وبالتالي من المهم للثقافة الحيوية أن تتساءل باستمرار. وأية ثقافة لا تعي نفسها نقدياً ستظل  مشكلاتها طي الكتمان. ذلك نظراً لعصور وضعتنا تحت أغطية متعددة: تقاليد الدين، استبداد السياسة، طغيان الطائفة، الاستعمار، التخلف.

من ها فإنّ وضع الأسئلة يحدد ثلاثةَ أمور:

1 - تجاوز الاستفهام لمعطيات طرحه بحثاً عن معرفة أوسع، لأنَّه يرمي بدلالته نحو المستقبل القادم. ونحن أُناس نعيش أيامنا قطعةً قطعةً بلا انتظار ولا ادخار زمني إبداعي للغد. فهل هناك دولة عربية في زمن الدواعش والإرهاب المعولم تعرف مستقبلها؟ وكيف سيأتي نهار جديد هي تنتظره؟ على جانب آخر لا ننشغل كثيراً بماهية القادم، أدواته، أشكاله، ولا لماذا نترقبه. نحن نقول "دع المُلك للمالك" في ضربة نرد ثقافي لا تنتهي إلى شيءٍّ واضحٍ. وغدت التعبيرات الجارية هروباً من الواقع المأزوم خوفاً من مواجهته. فيمسي القول الديني" اعقلها وتوكل" مبرراً لإهمال المشكلات وتفلتاً من ابتكار حلول جديدةٍ. والسؤال بوصفه مطرقة غليظة قد يحدث استفاقة، لكنها لا تلبث أن تخبو. فالإجابات سالفةُ التكوين قبل أن يتوغل الاستفهام إلى مناطق غير معروفة. كما أنه قد لا نشق على أنفسنا بحفر الطرق الوعرة.

2- خطورة مسار السؤال الذي يذهب بعيداً. حيث يحاول البحث عن المجهول، عن الأسرار الخفية للأنظمة المتباينة معرفياً وسياسياً واجتماعياً. في الثقافة العربية تنقطع الأسئلة طويلة الأمد، فهي تهدف إلى التبرير الآني للأوضاع القائمة ليس إلاَّ.  فقط إذ يُتحرَر الاستفهام من ذهنية القطيع يفتح أعيننا على المختلف. لهذا  كثيراً ما تُجهِض الأسئلة عن القيام بأدوارها. هناك تساند(تواطؤ) خفي بين إبقاء الوضع كما هو في المجتمع وبين الإجابات. فالواقع يبرر نفسه في إطار حقائق مهيمنة. وليس أمامه سوى أن يقمع أي سؤال مضاد. وحتى إذا حاول هذا السؤال حلحلّة الوضع سيكون رد الفعل أكثر عنفاً. لأنه في تلك الحالة يهدد محيطاً واسعاً من تبرير لا يرى غير نفسه. هنا تعد الإجابة ولو كانت خاطئة أشرس من أي سؤال وربما تنقضي مئات السنوات لزحزحتها.

3- وجود سلطة ما متوجسةً دوما تجاه الأسئلة، قلقة من احتمالات نشاطها المؤثر. وما أكثر التوجس من أي استفهام يسبب إحراجاً عاماً أو خاصاً. ذلك يفسر كثرة السلطات في واقع لا يعرف إلاَّ الغلبة والقسوة من السياسة إلى الاخلاق مروراً بالدين وبغيرهما. الثلاثة تفترض انكشافاً لقضايا وموضوعات لم تكن لتبدو من أولِّ وهلةٍ. والثقافة العربية في أغلبها آليةٌ وممارسة غارقتان في الغموض (السياسي والاجتماعي). والغموض لا يأتي صدفة، إنه ليس ترسباً خارج التاريخ، هو ظاهرة وجود خفي في صلب الحياة اليومية.

هكذا كانت تتوزع اللعنات بعدد أفراد المجتمعات العربية، كل لعنة في انتظار صاحبها. ذلك على احتمال أنَّ كلَّ فرد معرض للإصابة بفيروس الاستفهام. كلما يولد شخص تولد بجواره لعنة تستعد لالتهامه في أيِّ وقت. من هنا فالأسئلة بطبيعتها نشاط يضعنا في مرمى الخطورة. لأنَّه يأتي بصيغة الانتهاك، وضمن التحليق بعيداً إلى درجة التمرد، وإثارة الشكوك بلا توقف.

وبالتالي فالأسئلة لها خاصية دائرية circular في نطاق الثقافة. بمعنى إذا كانت هناك أسئلة محظورة يوما ماً، فإنها تلْحِق اللعنة التي حُظرت بسببها تجاه من يتهرب منها. تظل تطارد المجتمع بأكمله (مثل أسئلة الحرية والديمقراطية والعدالة..)، لأنها لا تنتهي ولن تموت. فما أن تسنح الفرصة (أدنى فرصة) حتى تظهر بشكل أكثر إلحاحاً وشراسة. ونحن نخفي الأسئلة كمن يحاول سرقة الشمس دون أن يراه أحد، أين سيخيفها؟! هل له مجرة أخرى غير مجرة درب التبانة؟!

 

سامي عبد العال

 

محمد بنيعيش

أولا: اختزال التراث في تكريس للبرهان التقليدي والارتدادي

1- مسألة إشكالية العلمنة والدين في تحليلات وتلقفات متفلسفي عصرنا هي في الأصل قد وجدت بين العلمنة بالمفهوم الغربي والمسيحية ذات الاختلالات في النصوص دلالة وثبوتا، وما تضمنته من الأخبار، وذلك لأسباب و معطيات موضوعية من خلال التحريف الذي طال الأناجيل والتوراة على حد سواء. ومن هنا فإذا كانت العلمنة ترفض الدين كمحطة معرفية قد لا يستسيغها العقل ولا يجد لها تفسيرا علميا موضوعيا في زعمهم، فإن هذا الرفض كان يخص المسيحية واليهودية أساسا، ولأسباب هم أدرى بها. ومن ثم فقد برز فلاسفة أوروبا بمنطق الرفض للدين ككل حيث يعتبرونه "شيئا قديما باليا، وقد سيطر هذا الموقف فترة طويلة من الزمن في أوروبا الغربية وخصوصا في فرنسا، وهيمن على الأوساط الفكرية والثقافية وأوساط الباحثين، وليس فقط على أوساط السياسيين الذين يريدون فصل الكنيسة عن الدولة المحيطة التي فرضها المفكرون الأوربيون، ومن هنا نتج الموقف النضالي أو الصراعي المضاد للكهنوت ولكنه ليس فقط مضادا للكهنوت..."[1]. وإذا كانت العلمنة أو العلمانية تقف متصلبة لا تقبل الرأي الآخر المنبني على أسس عقلية مقبولة ومستدل عليها، فإنها ستكون بدورها قد أرادت أن تنصب نفسها دينا، وعلى شكل أسوأ من المسيحية المحرفة والمدجلة، لأنها ستصبح استبدادا إنسانيا محضا له صورة استعمارية بغير مبرر، ولكن على مستوى نظري وسلوكي قامع!

ومن متاهات المتفلسفة في عصرنا أن ينظروا إلى العلمنة كمحكم في قضايا الدين والمجتمع، وبالتالي إسقاطها على فكر المعتزلة وبعض الفلاسفة والمفكرين المسلمين وذلك بالعمل على بتر أفكار شخصيات وتحريف مواقفهم بدعوى أنهم قد كانوا متحررين فكريا في الساحة الإسلامية، وأن هذا التحرر قد طال حتى التصرف في النص الديني والخروج بمفاهيم مخالفة للمألوف والمعهود في الساحة الفكرية العامة. وما كل هذا إلا ذريعة للإفلات من مقتضيات النص الثابت والسعي نحو التأويلات الوهمية والتي لا تستند على أساس لغوي أو ضرورة عقلية وبالأحرى ذوق روحي توحيدي كأبعد مدى في الإدراك !.

فقد توصف تحليلات ابن خلدون مثلا بأنها ذات نزعة مادية[2] وأنه قد يتوافق مع الطروحات الماركسية في تفسير حركة التاريخ، وذلك بالاستناد على المادية الجدلية في التحليل واستخلاص أوجه الصراع السياسي والطبقي الاجتماعي وما إلى ذلك، مما قد يثار على شكل مقارنة أو اعتبار تأثير، أي تأثير ابن خلدون فيمن جاؤوا بعده من الغربيين، كما قد نجد في فقرات من مجلة الفكر العربي في عددها الخاص به، يقول كاتب المقال: "ولغرض الموضوعية نفسها فإن كلا من ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي وأوغست كونت في القرن التاسع عشر الميلادي اتبع المنهج نفسه وهو الاستقراء والملاحظة في دراسة المجتمع الإنساني... ولكن المهم أن ابن خلدون كان أول من وجه علم الاجتماع والدراسات الاجتماعية عامة، للتحرر من الآراء الفلسفية والميتافيزيقية والخرافية في تفسير ظواهر المجتمع والجماعة والحضارة، وبعبارة أخرى إن جميع بحوث ابن خلدون تعتمد على الملاحظة العلمية واستقراء التاريخ وهو بذلك يختلف عمن سبقه من العلماء الذين تأثروا بآرائهم ومذاهبهم الفلسفية، وحاولوا أن يخضعوا التاريخ لهذه النظريات والآراء ويحملوها أكثر مما تحتمل حتى تتفق وسنة التطور في مذاهبهم وعقائدهم"[3].

لكن الفرق بين ابن خلدون وأوغست كونت هو: أن الأول يلتزم الدين ويجعل منه المؤسس للمجتمع والضابط له بينما الأخير يرى فيه أنه اختلاق اجتماعي صدر من المجتمع نفسه وصيغ بحسب هواه وتوجهه. وهنا الفرق الكبير بين الرجلين حيث لا مجال للمقارنة الجوهرية وعلى مستوى البناء العقدي !.

أما عن نظرية الصراع فيقول كاتب المقال: "إن تركيز ابن خلدون على دراسة المجتمع في حالتي السكون والتغير قد ساهم كثيرا في إثراء الحوار والجدل القائم الآن بين "نظرية الصراع" و"نظرية البناء الوظيفي" في تفسير التغير الاجتماعي، وربما يمكن القول بأن ابن خلدون أقرب من حيث آراؤه وتفسيراته للتغير الاجتماعي إلى "نظرية الصراع" منه إلى "نظرية البناء الوظيفي"، والمهم في آراء ابن خلدون هذه أنه توصل إلى قانون اجتماعي هام يقره أصحاب نظرية الصراع ونظرية الوظيفة على السواء، وهو أن الظواهر الاجتماعية ذات طبيعة دينامية وأن الأنظمة الاجتماعية هي دائما في حالة تفاعل فيما بينها..."[4].

2- وهذه المقارنة وهم وإسقاط وبتر عضوي للتراث، ومؤدي لا محالة إلى بطالة فكرية قد تنم عن تقليد غوغائي غير متناسب لا مع الماركسية أو أيدولوجية الصراع وخلفياتها العقدية والمبنية على الإلحاد وإقصاء الدين من الضبط الاجتماعي، ولا مع تحليلات ابن خلدون وأبنيتها المستندة أساسا على الدين الذي منه صاغ فلسفته الاجتماعية ونظريته حول العمران وتطوره ومراحل التاريخ ودوريته.

ونفس الشيء قد يحدث فيما يخص ابن رشد الحفيد، ولكن على شكل أوسع ومركز ذي خلفيات استلابية إلى أقصى حد، كما يرد الدكتور طه عبد الرحمن مستنكرا هذه الظاهرة (الرشدية) المتكلفة "وما فتئت أعجب لهذه الفتنة الفكرية الكبرى التي التبس فيها الحق بالباطل حتى كأن من ورائها دجاجلة لا أهل تفكير، ومن ورائها دهاقنة لا أهل تنوير، ولولا علمي السابق بابن رشد فيلسوفا ومتكلما وفقيها لكنت أحد ضحايا هذه الفتنة، كما كانت الكثرة الكاثرة من الجمهور، لأن الإنسان مفطور على التصديق بما ينقل إليه لأول مرة، ولا ينبعث منه الشك في المنقول إليه أو الاعتراض عليه إلا بعد حين، فلما اندفعت في تبين ما زعموا في هذا الرجل ونسبوا إليه من الصفات الهائلة لم تقنعني تبريراتهم ولا أرضتني تأويلاتهم، إما لأن فهم بعضهم لما جاء في نصوصه غير صحيح، وإما لأن فهم بعضهم للصفات المنسوبة إليه غير واضح".

ثم يضيف: "والأدهى في دعوة ابن رشد إلى التقليد في المجال الفلسفي هو أنه يدعونا إلى تقليد من يعود فكره إلى التاريخ السحيق" إذ تفصله عن أرسطو خمسة عشر قرنا، كأن الفترة الحضارية التي عاشها المسلمون لم تكن قط، أو كأن عطاءها الفلسفي لا يعتبر كليا، وفي هذا ظلم وتضليل.

ولما كان ابن رشد قد وضع أصول التقليد في الفلسفة وبدا أبرز مشرع له حتى لم يضاهه في ذلك، لا سابق ولا لاحق، أمد المحدثين بمشروعية هذا التقليد وسهل عليهم طريق ممارسته، فإذن لا عجب أن تهافتوا على الفكر الغربي الحديث ينقلون ويجترون كما تهافت هو على أرسطو، يشرح ويفسر، معتقدين أنهم دخلوا عصر الحداثة من بابه الواسع، وهم لم يفعلوا إلا أن ازدادوا بعدا عنها، فهل يعقل أن تنال الحداثة من غير توفر على القدرة والإبداع"[5].

ثانيا:البرهان القرآني في دحض موضوعي للاحتكار العلماني

1- فالبطالة قد تبدو مركبة ومتراكمة عند متفلسفة عصرنا وذلك لأنها تنبني على التبعية المزدوجة والتقليد الأعمى للحداثي والماضي في آن واحد ودون تقديم بديل يصحح ما مضى تنقيحا وانتقاء موضوعيا أو يوجه ما هو حاضرا وحديثا فيصلحه ويزكيه، وإنما هي فلسفة المضاربات والمزايدات والمراهنات، ليس على المطلوب الصحيح والحق وإنما على المرغوب بالإيعاز والتآمر والتقليد المصطنع، أي أنه ليس تقليدا سليما وتعبيرا عاديا عن العجز في الاجتهاد، كما يقول بعض علمائنا "من قلد عالما لقي الله سالما" . ولكن التقليد عند المتفلسفة هي بمثابة لعبة ومناورة لاستدراج الأغمار والغوغاء من متعاطي الفلسفة والمتزيين برداء الثقافة والمعاصرة، فيكون مثالهم وما يصبون إليه " كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ".

ومع الأسف فقد تحول السراب في أوهام كثير من متفلسفة عصرنا إلى تيار مائي جارف ومهلك، انقلبت من خلاله الأنظار والمفاهيم وتلونت الصيغ والتعبيرات وفخمت الإشكالات والأطروحات واستعملت مصطلحات أضخم من عصرها، بل أصبح العقل ومفهومه مادة زئبقية لا يكاد يستقر تعريفه على حال، وهو الشيء الذي استغله البعض من معاصرينا في باب تبرير الإقصاء لما لا يخدم مصلحتهم الإيديولوجية ويتعارض مع انجرافاتهم النفسية ورغباتهم الذاتية في الانسلاخ عن القيود الدينية التي تضبط العقل ضبطا وتوجهه إلى ما فيه صلاحه.

لكن الإباء والرفض لهذا القيد الذهبي الضامن للسلامة والصحة جعل البعض يثور على ذاته ويسعى إلى حتفه بظلفه كما يقال: فأصبح العقل لا يوصف بالبرهان في وهم العميان إلا إذا ابتعد عن القرآن، وإلا فإنه قد لا يحمل سوى صفة البيان والتي في بعدها تخفي مكرا ومناورة لا علاقة لها بالحكمة وطلب الحق، بل تبين عن هوس المميز بين مصادر البرهان بغير بيان. إذ الارتباط بالنص القرآني والحديثي هو عين البرهان ولبه بالنسبة للمعتقد فيه وغير المعتقد به إذا أنصف وسلم بمبادئ الحوار العقلي السليم، لأنه قد كان من المفروض منهجيا أن ينظر في النص ذاته، حرفا حرفا وجملة جملة وآية آية، فتدرس بتأن وروية وتدبر عميق، حينئذ يمكن القول بأن هذا الكلام برهاني أم غيره، إما بياني أو جدلي أو حتى عرفاني، أما أن يوصف الملتزم بالنص ومضمونه بأنه بياني مطلقا على زعم أنه دون مستوى البرهاني لمجرد الالتزام، فهذا هوس ومكر فكري وبطالة تسعى إلى إلغاء العمل بالنصوص الإلهية والنبوية على وجه التعسف والاستنقاص بغير برهان ولا بيان!.

فابن رشد الفيلسوف الذي يسعى إلى التستر وراءه كثير من مخضرمي المتفلسفة والعلمنة في عصرنا يبين ويستنتج كدفاع عن قوة النص الديني وخاصة القرآن الكريم بأن أدلته: "إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين:أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير مركبة، أعني قليلة المقدمات، فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول"[6].

وإذا كان هذا هو رأيه حول البرهان القرآني وأدلته فإنه قد يلزم اتباعه من طرف متفلسفة عصرنا على هذا المنوال، لأن ابن رشد يدخل ضمنا وصراحة في تعريف البيانيين، عند عابد الجابري، الذين "يصدرون في رؤاهم وطريقة تفكيرهم عن الحقل المعرفي الذي بلورته وكرسته العلوم العربية الاسلامية الاستدلالية الخالصة نعني بها –كما يقول- النحو والفقه والكلام والبلاغة وبالأخص منهم أولئك الذين ساهموا في تقنين هذا الحقل المعرفي، تحديده وحصر اقسامه وضبط آليات التفكير داخله والإفصاح عن نوع الرؤية التي يحملها عن العالم، إنهم بكلمة واحدة علماء البيان..."[7].

فلماذا إذن لم يتفطن ابن رشد إلى أنه ليس برهانيا حينما كان يستنبطه من القرآن ويدلل على أنه أقوى من المتكلمين والحشوية والمتصوفة ومعهم الفلاسفة؟

أين كانت برهانية ابن رشد حينما كان يؤسس لعلم الخلاف العالي في الفقه من خلال "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"؟ ربما قد كان مغفلا في هذا الاتجاه حسب إسقاطات بعض المتفلسفة، أو ربما كان يدر الرماد على العيون[8] لإيهام الجمهور بأنه بياني، بينما في الواقع هو برهاني متستر، لأن معنى البرهاني في نظر هؤلاء هو أن يكون بعيدا عن النص وأن يكون مقلدا للفلسفة اليونانية لا للدين، إذ كما يقول الجابري أيضا في تعريف البرهان: "وواضح أننا لا نستعمل الكلمة هنا بمعناها الاصطلاحي المنطقي ولا بمعناها العام، بل إننا نضعها علما على نظام معرفي متميز بمنهج خاص في التفكير وبتقرير رؤية معينة للعالم لا تعتمد سلطة معرفية أخرى غير ذلك المنهج، نظام معرفي احتل مواقع له في الثقافة العربية الإسلامية خلال العصور الوسطى، إلى جانب النظام البياني والنظام المعرفي وهو يرجع أساسا إن لم نقل كليا إلى أرسطو".

2- هكذا إذن ينحصر البرهان في أرسطو، وكأن هذا الأخير هو الإنسان الوحيد المفكر في العالم القديم والحديث، وكأنه أسطورة البرهان وهو شيخه الذي لا يراجع على نمط تمشيخ المتسلفة وحسب توهم متفلسفة عصرنا، ومن هنا فكل ما يخالف منهج أرسطو في المنطقيات أو النظريات العقلية فهو ليس ببرهاني، وكل ما له ارتباط بالنص الديني والاستنتاج السليم فهو بعيد عنه، وهو ما يكذبه ابن رشد شيخ البرهانيين المتفلسفة كما مر بنا من نص حول طبيعة البرهان في القرآن وتفوقه على منهج أرسطو وغيره من تصورات الإنسان.

أو ليست هذه المواقف تمثل بطالة فكرية متفلسفة ومعلمنة بغير علامة أصيلة قد كان وبالها على مجتمعنا أكثر من وبال البطالة المهنية والأعمال المادية؟

أو لم تكن هذه الإحالة البرهانية على أرسطو احتكارا يخدم خرافة التفوق العقلي الجوهري للأوروبيين أو الغربيين على باقي شعوب العالم، ومن ثم تكريس عنصرية قومية وهمية متوارثة، وهو ما سبق وفندناه من خلال تحليلات ابن خلدون حول تقدم العلوم وتأخرها؟لكم واسع النظر والاعتبار...

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

......................

[1] محمد أركون: العلمنة والدين، بحوث اجتماعية، دار الساقي، ط1 – 1990 – ص 73.

[2] طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة دار ابن خلدون، ط1 – 1976 – ص 53.

[3] مجلة الفكر العربي: ابن خلدون والمعرفة، العدد 16 السنة الثانية، 1980

[4] مجلة الفكر العربي، عدد 16، ص 109.

[5] الدكتور طه عبد الرحمن: حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، مطبعة النجاح الجديدة، ص 90-91.

[6] ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 59.

[7] محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، ط2، ص 13.

[8] طيب تيزيني: من التراث إلى الثورة، دار ابن خلدون، بيروت، ط1 ج1، ص 52.

 

باسم الحسناويأفضل ما يمتاز به أسلوب السيِّد محمَّد حسين فضل الله في الحوار مع الثقافات الأخرى المغايرة للإسلام هو هذا الإنفتاح اللامحدود على بيان المرتكزات والأسس النظرية التي تعتمد عليها المدارس الفكرية والفلسفية المضادَّة للإسلام، ناهيك عن الإنفتاح الكبير على بيان كلِّ ذلك في إطار الحوار مع المذاهب الإسلامية المجاورة للمذهب الإماميِّ الشيعيّ، حتى أنَّ القارئ قد يتخيَّل في بعض المواقف أنه يشاء أن يتنازل عن ثوابت المذهب في مقابل تبنِّيه لوجهة النظر المغايرة، حتى إذا ما صبر معه قليلاً، ومضى في القراءة حتى النهاية اتَّضح له أنَّ السيِّد فضل الله لم يتنازل عما تخيَّل أنه في طور التنازل عنه، ولكنه شاء فقط أن يكون أميناً في عرض الأفكار والأسس التي تستند عليها تلك الأطروحات والمذاهب في إطار المناقشة لا غير.

إنَّ البلاء الكبير الذي مُنيت به العقلية الدينية مع الأسف هو ظنُّها بأنَّ الإنتصار للدين لا يمكن أن يحصل إلا عن طريق اتخاذ الموقف السلبيِّ من أية فكرةٍ موجودةٍ في البناء النظريِّ للمذاهب الدينية والمدارس الفلسفية التي تختلف قليلاً أو كثيراً مع الإسلام ككلّ، أو مع المذهب الإماميِّ الشيعيّ بوجهٍ خاصّ.

 ربما كان لبعض المواقف الفقهية السابقة يدٌ في ترسيخ مثل هذا المبدأ في ذهنية الجماهير، فلقد ساد عبر التأريخ الموقف الفقهيّ المتشدِّد من كتب الضلال وحفظها فضلاً عن مدارستها ومطالعتها ونشرها وتوزيعها، وربما كان جمعٌ منهم على حقٍّ في توجيه المسائل الفقهية المتعلِّقة بهذا المورد، ولكنَّ المشكلة أنَّ الموقف الذي ساد فعلاً في الوعي الجمعيِّ المتشرعيّ هو الموقف الرافض لكتب الضلال، وتبعاً لها كلّ الحيثيات والتفاصيل الأخرى المتعلِّقة بها، ولهذا فإننا لا ننكر أنَّ هناك بعض المواقف النيِّرة التي تميِّز بين حالٍ وحالٍ بشأن هذه الكتب، مثل موقف المحقِّق السبزواريّ الذي قال"الظاهر أنه لو كان الغرض الإطلاع على المذاهب والآراء ليكون على بصيرةٍ في تميُّز الصحيح من الفاسد، أو يكون الغرض منه الإعانة على التحقيق، وغير ذلك من الأغراض الصحيحة لم يكن عليه بأسٌ"[كفاية الأحكام،المحقق السبزواري، ص88].

إذن، الغاية من التشريع الخاصِّ بتحريم كتب الضلال هو حماية المجتمع من العقائد المنحرفة، ومن أن يقع ضحية الآراء الضالَّة المنحرفة عن العقيدة الحقَّة، فيجب أن يكون الحكم دائراً مدار هذه الغاية، وتأسيساً على ذلك، فإنَّ إحراق الكتب أو إتلافها أو منعها من التداول، وما إلى ذلك من الشؤون والتصرُّفات، ليس من شأنه -في هذا الزمان خصوصاً- أن يؤدِّي إلى حصول هذه الغاية، بل لا بدَّ أن تحصل النتيجة المعاكسة بالتأكيد.

إنَّ صيانة المجتمع الإسلاميّ من المضامين الإلحادية واللاأخلاقية المخالفة للروح القرآنية إنما تكون بتوفير الحصانة الفكرية ما أمكن في الفضاء الإسلاميّ العامّ، ولن يكون المنع المباشر للكتب الإلحادية أو الضالَّة أو المبتدعة من التداول اليوم حلاً صحيحاً للمشكلة، فلقد تعولمت الثقافات والحضارات، وامتدَّت بينها جسور التواصل عبر وسائل الإتصال الحديثة وثورة المعلومات، فما قيمة كتابٍ ورقيٍّ تمنعه من التداول إذا كان موجوداً في مواقع الأنترنت مع مختلف الدراسات عنه، وبإمكان أيِّ شخصٍ أن يحمِّله وأن يضعه على سطح المكتب في الكومبيوتر خلال خمس دقائق، وما هي الفائدة المتوخّاة من منع الحوارات وفتح الملفّات المحرَّمة في النقاشات إن كان بإمكان أيِّ أحدٍ أن يخوضه مع أيِّ شخصٍ آخر في الماسنجر والواتساب..إلخ، فلعمري تلك تصرُّفاتٌ تدلُّ على ضعف تبصُّرنا بالأمور وما يجري من حولنا في عالم اليوم، ولا تدلُّ على أننا حريصون فعلاً على ثقافة الإسلام من التشويه، فإنَّ هناك سبلاً ووسائل لتحقيق هذه الغاية تأخذ في نظر الإعتبار كلَّ ذلك، وتضع الخطط والبرامج التي تحصِّن الفرد المسلم والمجتمع الإسلاميَّ على هذا الأساس.

 هدفنا هو أن نقول إنَّ موقفنا كمسلمين من ثقافة الحداثة الغربية يجب أن يكون متوازناً ونابعاً من ثقتنا بقدرة ثقافتنا الإسلامية على توفير الإجابات الشافية على مجمل الأسئلة التي تثيرها للتشكيك في الإسلام، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الحوار بين الثقافات والحضارات بات ضرورةً لازمةً أشبه ما تكون بالضرورات البايلوجية التي يعمل طبقاً لها الكيان الحيّ، فمهما أردت أن تنكر وجود هذه الضرورة البيلوجية، فإنَّ الجسم الحيَّ لن يتخلّى عن العمل طبقاً لها في كلِّ الحالات، وإلا فقد الحياة من الأساس، وكذلك يقال في مسألة العلاقة الحوارية بين الإسلام وسائر الثقافات والحضارات، فإنه لم يعد من المجدي أن يتقوقع المسلم في ثقافته ويقول هذا هو الحقُّ الذي يقبل النقاش والجدال في حوزتي، ولتذهب كلُّ الأفكار المغايرة إلى الجحيم.

فبالإضافة إلى أنَّ هذا الأسلوب لم يكن أسلوب القرآن في يومٍ ما، فإنَّ هناك عدَّة ضروراتٍ حضاريةٍ فرضت علينا أن نطلَّ على هذه الحقيقة ببصيرةٍ أشدَّ ورؤيةٍ أعمق، وبناءً على هذا فإنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله محقٌّ إذ يقول: "إنَّ هذا الإنسان –يقصد الإنسان المسلم- ليس محبوساً في قمقمٍ سحريٍّ أو في غرفةٍ موصدة الأبواب والنوافذ ليبقى على مفاهيمه وتطلعاته ونظراته إلى الكون ليفكر فيها بهدوءٍ أو يجترُّها في تثاؤبٍ وكسلٍ، بل هو منطلقٌ مع سرعة الحياة وحركتها مع كلِّ الرياح التي تهبُّ في كلِّ يومٍ، والعواصف التي تعصف بالأشياء التي تحيط بفكره وبحياته، والزلازل التي تهزُّ الكون من حوله وتتحدّى أعماقه ومشاعره في هزَّةٍ فكريةٍ جديدةٍ، وفي هذا الجوِّ تولد نفسه في كلِّ يومٍ ولادةً جديدةً بفكرةٍ جديدةٍ وتطلُّعاتٍ مثيرةٍ تبعاً للمؤثرات التي تندفع إلى الداخل بكلِّ عزمٍ وقوَّةٍ، وقد تهتزُّ قناعاته الإسلامية بخفَّةٍ وحذرٍ، وقد يفلسف تلك القناعات بفلسفةٍ تبقي عليها في إطارها الفكريّ، ولكنها تدخلها في أجواء شعوريةٍ تبتعد بها عن أجوائها الأصلية"[خطواتٌ على طريق الإسلام، السيد محمد حسين فضل الله، ص296].

الحقيقة أنَّ هذا الإحساس بالمشكل الحضاريِّ الذي يواجه الإسلام رافق السيِّد فضل الله منذ بداية حياته الفكرية، حتى أنه انخرط مع السيِّد محمَّد باقر الصدر في تحرير مجلَّة الأضواء تحت وطأة هذا الشعور، وهو مشكلٌ واقعيٌّ لم يلتفت إليه المجتهدون الآخرون إلا التفاتاً بسيطاً في فتراتٍ متأخِّرةٍ نسبياً مع شديد الأسف.

لا يعيش الإنسان المسلم في منطقةٍ خارج الفضاء الكونيِّ العامّ، كما إنَّ الإسلام يدعو إلى الإنفتاح على عوالم السؤال، وعندما يقرِّر الإسلام أن يجيب فإنه يجيب من موقع القدرة لا من موقع الضعف والإنسحاب من ميادين الحوار.

بيد أنَّ ما يتلقّاه المسلم في الرسائل العملية من الفتاوى له قيمته طبعاً، ولكنَّ هذه القيمة لا يمكن لها أن توجد إلا في مرحلةٍ لاحقةٍ، أي بعد أن يخرج الإسلام من ميادين المواجهة الفكرية منتصراً وظافراً، وليس قبل ذلك في كلِّ الأحوال.

الآن نحن نواجه مشكلةً واقعيةً على صعيد النخب المثقَّفة في العالم الإسلاميّ، بيد أنَّ المجتهدين إلى الآن يعتبرونها مشكلةً بسيطةً وهيِّنةً لا تستحقُّ الكثير من الإهتمام، فإنَّ هذه النخب تشعر بأنها في مواجهة الحداثة الغربية، وأنها لا بدَّ لها من أن تختار موقفاً من اثنين لا ثالث لهما:

1- إما أن تحمل فكر الإسلام وتتمسَّك به على قاعدة التسليم المطلق، وليس على قاعدة الحوار والنقاش، ومقارنة ثقافة الإسلام بثقافة الحداثة، فالتعبُّد بالإسلام وحده يكفي لأن يتمسَّك هؤلاء المثقَّفون بالإسلام أسوةً بكلِّ الأجيال الإسلامية الماضية، ولا حاجة إلى طريقةٍ جديدةٍ في التحقُّق من تفوُّق ثقافة الإسلام في هذا المضمار.

2- أو أن تتخلّى عن الإسلام وتعتبره إنجازاً تأريخياً رائعاً في أفضل التقديرات، أي إنَّ الزمن قد تجاوزه إلى فضاءٍ معرفيٍّ وثقافيٍّ أرحب، وهو الفضاء الحداثيّ، أما الإسلام فيمكن إعادة تأويله أو قراءته بما ينسجم مع الحداثة، أي إنَّ الحاكمية النهائية تكون للفكر الحداثيِّ على الإسلام وليس العكس، وفي اعتقادي إنَّ مثل هذا الصنيع لا يختلف عن قضية التخلِّي عن الإسلام نهائياً مع اختلاف الاستراتيجية المتبَّعة من أجل الوصول إلى هذه النتيجة.

هذا ما يجعل مسألة الإنخراط في صنع الخطاب الإسلاميِّ الحداثيِّ ضرورةً لازمةً، وليس عملاً كمالياً كما يتصوَّر بعض الفقهاء، وهو ما استطاع السيِّد فضل الله التوفيق بينه وبين متطلبات عمل الفقيه، على الرغم من الصعوبات الكثيرة التي أثارها الفقهاء في وجهه.

هناك ملاحظةٌ جديرةٌ بالإهتمام في هذا المقام، وهو أنَّ الخطاب الحداثيَّ الإسلاميَّ لا يمكن أن يقوم به الفقهاء وحدهم، لكنَّ عليهم أن يفتحوا الباب واسعاً أمام وجود نخبٍ مثقَّفةٍ من بين الإسلاميين ليقوموا بهذه المهمَّة، ويكون ذلك عن طريقين:

الأوَّل: أن يقوم الفقهاء الفلاسفة بالتصدِّي لتأليف الكتب التي تضع الأسس الرئيسية في هذا المجال، كما فعل الشيخ مطهَّري والسيِّد محمَّد باقر الصدر والسيِّد محمَّد الصدر والسيِّد محمَّد حسين فضل الله.

الثاني: أن تقدَّم الرعاية التامَّة للمفكِّرين الدينيين بحيث يكونون قادرين على دفع المشروع الفكريِّ الحداثيِّ الإسلاميِّ إلى الأمام بسرعةٍ، وذلك بأن تتكفَّل الحوزة أمر طباعة كتبهم، وتنظيم بعثاتٍ لهم إلى الخارج، وما إلى ذلك من الأمور.

المهمّ، فإنَّ السبيل الوحيد لأن يثبت الإسلام جدارته في عالم اليوم هو أن يخوض الحوار الثقافيَّ والمعرفيَّ العميق مع الفلسفات والثقافات الحديثة، وليس من الصحيح الإعتماد على قداسة الإسلام في نظر معتنقيه، فحتى هؤلاء يحتاجون إلى الثقة بقوَّة الفكر الذي يمثِّله الإسلام، ولن تتوفَّر هذه الثقة إلا بأن ندرس المنهجيات الحديثة ونطَّلع على كتب الحداثة ونستوعبها جيداً، ثمَّ نقوم بغربلتها على قاعدة المحاكمات المنطقية، مع الإستعداد التامِّ لمراجعة الفكر الإسلاميِّ أيضاً وتخليصه مما علق به من شوائب خلال حقب التأريخ الماضية، ليس هذا فحسب، بل علينا أن نقوم بتجديد منظوماتنا الفكرية والفلسفية بحيث تستجيب للواقع النظريِّ والفلسفيِّ المعاصر، وأن تقدّم الحلول البديلة لتلك المناطق التي يتمُّ نقدها وطرحها من حداثة اليوم، هذا هو السبيل الوحيد لأن نكون مساهمين في صناعة الحداثة العالمية، مع ضرورة الإشارة إلى أنَّ من لم يفلح في أن يكون مساهماً في صناعة حداثة العالم اليوم فليس أمامه من سبيلٍ الا التبعية أو الانزواء.

حتى المسلم المعاصر، فإنه لا يمكن الثقة بأنه سوف يبقى صامداً أمام موجات التفكير الحداثيّ، خاصَّةً في خطوطه المنحرفة، ما لم يحصل على ثقافةٍ رصينةٍ تساعده على مواجهة هذا الفكر ببصيرة الناقد، فأنا أعرف أناساً من بينهم بعض طلاب الحوزة لا يصمدون أمام قراءة كتابٍ حداثيٍّ واحدٍ، فيعتنقون آراءه كلَّها، وهي تخالف توجُّهات العقيدة وثوابتها، لأنهم يشعرون بأنَّ الفكر الإسلاميَّ عاجزٌ عن توفير منظوماتٍ فكريةٍ تواجه المنظومة الفكرية الغربية، ومع علمي بأنَّ هناك كتباً ومؤلَّفاتٍ هامَّةً في هذا المجال، إلا أنها لم تبلغ بعد مرحلة التأصيل الحقيقيّ للفكر الإسلاميِّ الحداثيّ، نظراً للملاحظتين الآتيتين:

الملاحظة الأولى: إنَّ المرحلة التي تمَّ إبداع نظريةٍ حديثةٍ للمعرفة على يد مطهَّري والسيِّد محمَّد باقر الصدر لم تعد مشابهةً للمرحلة التي نعيش ضمن اشتراطاتها، فلقد ولدت موجات الفكر التفكيكيّ وغيرها من الموجات الفكرية في فضاء فلسفة ما بعد الحداثة، ونحن بحاجةٍ إلى منظوماتٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ تؤصِّل للفكر الإسلاميّ في هذا الفضاء بالذات.

الملاحظة الثانية: إنَّ المؤلَّفات التي تحاول أن تنحو هذا المنحى ليست أصيلةً بما يكفي لأن تزعزع الأسس الخاطئة للمفردات الحداثية التي تتقاطع مع الإسلام، لأنها لا تفارق المنهجيات التقليدية في الكثير من المواطن، فلا ينفع على سبيل المثال أن يستشهد المؤلِّف بين الفينة والأخرى بالآية القرآنية أو بالحديث الشريف، كما لا ينفع ترديد الحجج التقليدية ذاتها، فإنَّ ذلك من شأنه أن يجعل من هذه الكتب مؤلَّفاتٍ نمطيةً، سرعان ما تفقد قيمتها في نظر القارئ الحديث.

أعتقد أنَّ الكارثة الكبيرة التي أُصيبت بها ثقافتنا الإسلامية المعاصرة هي الإستسلام المطلق للأحكام المسبقة والجاهزة عن الثقافة الغربية وعن الفكر الآخر بصورةٍ شاملةٍ، حتى لقد انعدم وجود الحدود المائزة بين المفكِّر وغير المفكِّر في هذا المجال.

نحن نصغي يومياً إلى عشرات الحوارات حول الفكر المختلف، سواءٌ كان في الدائرة الإسلامية ذاتها، أو في الدائرة التي تحكم عملية الصراع والحوار بين الإسلام والفكر الغربيّ، فلا نسمع إلا صراخاً لا يغني عملية الحوار ذاتها بقدر ما يشير إلى وجود أزمةٍ من ذلك النوع الذي لا يمكن القضاء عليه إلا بأن يصمت المرء طويلاً قبل أن يتَّخذ مجدَّداً قرار استئنافه عملية الصراع والحوار.

إنَّ الصمت ضرورةٌ لا يجب أن يتنازل المرء عن أداء اشتراطاتها لكي يكمل جاهزيته للحديث في الموضوعات المعرفية الخطيرة من قبيل العلاقة بين الإسلام والحداثة من جهة، أو الأسس التي تتشكَّل منها نظرية المعرفة في الإسلام، وتلك التي تتشكَّل منها نظريات المعرفة المختلفة في الفكر الغربيّ، حيث تقف خلف وجود ما نراه من التمظهرات النظرية والعملية المختلفة عن الإسلام من جهةٍ ثانية.

لكنَّ ما نراه أمام عيوننا هو أنَّ كلَّ من هبَّ ودبَّ يسمح لنفسه أن يطلق الأحكام السطحية والجاهزة في أيِّ موضوعٍ من هذه الموضوعات الخطيرة، ثمَّ يعتبر نفسه صاحب الحقِّ الأوحد في أن يطلق الحكم الفصل في أية مسألةٍ من المسائل العالقة، من دون أن يحسَّ أنَّ هناك حاجةً لأن يخوض الفكر الإسلاميّ حواراً فلسفياً أو نظرياً على أعلى المستويات مع الفكر الغربيّ من قبل أن يطلق حكماً بسيطاً واحداً من تلك الأحكام.

أستثني طبعاً تلك الظروف التي تقتضي في بعض الأحيان أن ينخرط المثقَّفون عموماً في حالة التعبئة ضدَّ الإحتلال العسكريِّ للبلدان الإسلامية وما شابهها من الظروف والحالات، فلربما كان من حقِّ الجميع أن يعتمد على تلك الأحكام الجاهزة من أجل إنجاز حالةٍ تعبويةٍ رائجةٍ تنجح في التصدِّي لمشاريع الإحتلال.

لكنَّ المشكلة ليست ها هنا، بل المشكلة في تصدِّي أنصاف المثقَّفين للأخذ بزمام الحديث عن تلك الشؤون اعتماداً على منطق التعبئة نفسه، ثمَّ يطالبنا بعد ذلك، ويطالب الآخرين المختلفين عنا، بأن يحاكموا ثقافة الإسلام وفلسفته كلَّها التي يواجه بها الفلسفة الغربية وأسسها النظرية العميقة على ذلك الأساس.

فلنسأل أنفسنا رجاءً، كم تبلغ نسبة الكتب التي تؤصِّل للوعي الإسلاميِّ على غرار ما فعل مفكِّرو الإسلام من أضراب مطهَّري والسيِّد محمَّد باقر الصدر أو العلامة الطباطبائيّ بالقياس إلى ما نراه في المكتبات من المؤلَّفات التي هي إما أنها تردِّد حجج هؤلاء وبراهينهم في صيغٍ فجَّةٍ بعد بعثرتها من سياقها الفلسفيِّ العامّ، وإما أنها تلجأ إلى أساليب لا قيمة لها في الميزان المعرفيِّ في سبيل التنديد بالفلسفة الغربية ومدارسها واتجاهاتها.

يذكر السيِّد فضل الله واحداً من هذه الأساليب إذ يقول: "قد تمثَّل هذا الإبعاد الموجَّه عن هذه الحضارة بعدَّة أساليب، كان من أبرزها التركيز على أسلوب الإحصائيات العالمية في عدد جرائم الجنس وحوادث الإدمان وطبيعة العلاقات التي تربط الجنسين، الرجل والمرأة، ومدى الحرية التي أصبحت تطبع تلك العلاقات، سواءٌ في الأوساط الجامعية، أو في غيرها من أوساط الشباب التي وصلت الحرية الجنسية فيها إلى الحدِّ الذي يجعل منها قضيةً شخصيةً لا تهمُّ غير أصحاب العلاقة، إذا لم تحدث أثراً عكسياً في المجال الإجتماعيِّ العامّ.. وهكذا أصبحت ترى الصحف والمجلات الإسلامية مملوءةً بمثل هذه الإحصائيات التي تنطق بفظاعة النتائج المترتِّبة على مواكبة هذه الحضارة والإعتماد عليها باعتبار هذه النتائج شاهداً حياً على الإنهيار والإنحلال"[خطواتٌ على طريق الإسلام، ص293].

هذا واحدٌ من الأساليب، حيث يمكن تجريده عن الخصوصية ليشمل كلَّ الأساليب الأخرى التي لا تجنح نحو التحليل والتفكيك وهي تتناول منظومات الفكر الغربيّ بالدراسة، ولا يعترض السيِّد فضل الله على هذا الأسلوب عندما يكون الخطاب موجَّهاً للشرائح الإيميانية في المجتمع المسلم، لكنَّ مثل هذا الأسلوب لا يبدو مجدياً على الإطلاق عندما يكون الخطاب موجَّهاً إلى الغرب نفسه، إو إلى النخب الثقافية التي تأثرت بفلسفة الغرب على أسسٍ معرفيةٍ عميقة، حتى بدت تلك التمظهرات اللاأخلاقية تمثل مستوىً حضارياً راقياً في نظرهم، وليس شيئاً يبعث على التقزُّز والإشمئزاز.

يقول السيِّد فضل الله: "قد يجدي هذا الأسلوب في تركيز الحاجز النفسيِّ الذي يحجز المسلم عن الإندفاع اللاواعي مع مظاهر هذه الحضارة ونتائجها بما يثيره في أعماق هذا الإنسان من الشعور بالخطر الداهم على ما يؤمن به من القيم والمفاهيم ....ولكن هل يجدي في المجتمعات المنطلقة مع المفاهيم الحديثة للحياة والأخلاق والإنسان، وهل يمكن أن يثير في نفوس أهلها مما يثيره في نفوس المجتمعات المحافظة؟"[خطواتٌ على طريق الإسلام،ص293].

لا يفهم هؤلاء الناقدون للحضارة بناءً على هذا الأسلوب أنَّ الإنسان الغربيَّ عندما يرتكب تلك الموبقات لا يرتكبها وهو ناظرٌ إليها بوصفها رذائل خلقيةً تجلب العار على مرتكبيها، بل هي تصرُّفٌ طبيعيٌّ لا يعني في نظره أكثر من أنه يمارس حقاً من حقوقه الطبيعية، وبالتالي ليس لمثل هذه الدراسات من أثرٍ فعليٍّ في تحصيل النتائج المتوخّاة منها، بل إنَّ الإنسان الغربيَّ ليضحك من صميم قلبه وهو يقرأ مثل هذه الدراسات لو قيِّض له أن يطَّلع على واحدةٍ منها عن طريق الصدفة، "لأنَّ هذه المظاهر التي تدور الإحصائيات في نطاقها لم تكن نتيجة مغامراتٍ شخصيةٍ أو انحرافاتٍ ذاتيةٍ مجنونة، بل كانت نتيجة فلسفةٍ معيَّنةٍ تحاول أن تفلسف الإنحراف على أنه ثورةٌ، وتفسِّر التمرُّد على القيم والمفاهيم الروحية بأنه حركةٌ في حياة المجتمع، وتعتبر الإنسان وحده مصدر القيم دون اعتبارٍ لأيِّ شيءٍ يتجاوزه أو يخرج عنه، وقد اتخذت الأخلاق في ضوء هذا معنىً جديداً يتَّسع لكلِّ ما تتَّسع له الحرية الفردية في نطاق النظام الإجتماعيِّ العامّ في العالم، فليست هناك مفاهيم مفروضةٌ أو قيمٌ مسلَّمةٌ لننطلق منها في الحكم على الواقع ببديهيات الوجدان ومسلَّمات النظرة، بل كلُّ ما عندنا في هذا المجال هو المفاهيم الحديثة المنطلقة من فلسفة التمرُّد مهما كانت النتائج أو المفاهيم الروحية القلقة التي أصبحت غائمةً حتى في أفكار بعض القائمين عليها الذين يعيشون الإرتباك والقلق والحيرة بين النظرية والتطبيق"[خطواتٌ على طريق الإسلام، ص294].

هؤلاء يتخيَّلون أنَّ العالم قد تمَّت صياغته طبقاً لنظرتهم مرَّةً واحدةً وإلى الأبد، وهم بالطبع واهمون، إلا أنَّ الغريب أنهم لا يلتفتون إلى هذا الوهم مع مرور كلِّ هذا الزمان الطويل، ومع وجود مئات بل آلاف الدراسات التي تشير إلى أننا نحتاج إلى أساليب جديدةٍ نخوض من خلالها مقاومتنا الثقافية للثقافة الغربية، ولن تكون هذه المقاومة الثقافية ناجحةً إلا باتباع خطواتٍ، منها:

1- دراسة الفكر الغربيّ في جذوره الأولى، أي من عهد اليونان إلى الآن، لمعرفة البنى العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المنظومات الحديثة للفكر الغربيّ.

2- دراسة المفاهيم الفلسفية العميقة التي تمَّ إنتاجها في فضاء الفكر الغربيّ، مثل مفهوم حقوق الإنسان ومفهوم الليبرالية ومفهوم الديمقراطية ومفهوم البراغماتية وإلخ من المفاهيم التي تشكِّل النقاط البارزة في الفلسفة الغربية الحديثة.

3- متابعة الإصدارات الفلسفية والفكرية التي تصدر هناك في الفضاء الغربيّ، ليس متابعتها فقط، فهذا أمرٌ سهلٌ وميسورٌ، لكنَّ المهمَّ مناقشتها بعد المتابعة، على أن يتولّى ذلك الكتاب الفلاسفة لا أنصاف الكتاب الذين يغرقون في شبر ماءٍ كما يقال، فإنَّ واحدةً من دعائم المشكلة هي هذه، وهي أننا نتخيَّل أنَّ كلَّ من اقتنى كتباً وصار يقرأ مقدِّماتها وملخَّصاتها الصغيرة في نهاياتها قادرٌ على أن يؤدِّي هذه المهمَّة مع شديد الأسف.

4- أن نقوم بدراسة الإسلام دراسةً عميقةً من الداخل، وأن نركِّز على دراسة التفاسير القرآنية الناجحة مثل تفسير السيِّد الطباطبائيّ، لكي نكون قادرين على توفير الإمتداد المناسب لهذا الفكر بتقديم الأطروحات الجديدة، لكنَّ تقديم الجديد انطلاقاً من نقطة الفراغ محالٌ بالطبع، فلا يمكن للفكر الإسلاميّ أن ينمو إلا باستغلال هذا التراكم المعرفيِّ الطويل وليس بالقطيعة التامَّة مع الفكر الإسلاميِّ السابق كما يتخيَّل الكتاب الحداثيون عادةً.

 

د. باسم الحسناوي

 

 

عبد العزيز قريشهل للفكر هشاشة؟ ولماذا رهاب النقد؟ أليس الفكر يقابل الفكر في حمولته المعرفية وأدواته الإجرائية ومسالكه المنهجية ...؟ أليس الفكر بالنقد يعيد بناء ذاته من جديد ويخلص نفسه من شوائب الأخطاء والأغلاط التي يقع فيها؟ ألا يقع النقد في سياق الفكر موقعا طبيعيا من سيرورة التفكير، يستنجد به المفكر لإنقاذه من رواسب النظريات والمعارف والأدوات.. التي ما عادت صامدة أمام حقائق ووقائع تدحضها؟ أيمكن تصور فكر بلا نقد؟ ألا يشكل الفكر والنقد وجهي عملة واحدة لا يمكن صرفها في سوق العلم والمعرفة والاجتماع والثقافة.. دونهما؟.. أسئلة جوهرية ومنطقية الطرح حين يطل القارئ على العنوان؛ فيجده محملا بأكثر من سؤال.

ومنظومة الأجوبة عن هذه الأسئلة تفيد بأن للفكر هشاشة ورهاب نقد حين يوسم ب:

ـ وجودية الفكر الهش من خارج وجودية ذاته، بمعنى عدم تخلقه من أمشاج أصلية أصيلة يستمد منها ذاته ووجوده وهويته واستقلاله عن الآخر مهما كان التفاعل والتلاقح واردا وممكنا، لأن الفكر الأصيل له مصافي ترشح الشوائب عنه، وتبقي على الجواهر التي يمكن أن تنصهر بداخله فتقويه، وتزيده مناعة كالمضادات الحيوية بالنسبة للجسم. وأما الفكر الهش لا يملك ذلك، ولا يملك لنفسه حصانة من نوائب الجائحات الفكرية.

فالفكر غير الأصيل يتكأ على فكر الآخر يستمد منه وجوده، ويقتفي أثره وخطواته، ويقول ما قال ويقول الآخر. يتبنى أطروحاته ومقولاته لو دون هضم جيد لها. ربما يلوح لنا هنا بأن وحدة الفكر والعلم لا تعرف انفصام الفكر بين فكري وفكر الآخر، وإنما هي وحدة إنسانية متكاملة ومتساندة ومتعاونة في تشييد صرح المعمار الفكري الإنساني. لذا؛ فالفكر هو فكر واحد. نعم صحيح هذا القول وجميل جدا؛ لكن عمليا ليس كذلك، لأن هذه الوحدة تظهر في مجالات المعرفية دون أخرى. وإلا؛ لماذا هذه الوحدة تحجب عن الآخر مجالات معرفية وتقنية ومعلوماتية متعلقة بحقل القوة والسطوة الاقتصادية؟ ألا يفيد القول بوحدة العلم والفكر الإنساني بالتساوي أمام معارفه وتقنياته ومناهجه ومستجداته مهما تنوعت مجالاته وحقوله؟

ففي ظاهر هذا الزعم الصحة، وفي باطنه الأراجيف مما يتطلب تفحصه بمشرط النقد البناء، وبناء مقولته على الحقائق الموضوعية والوقائع المعيشة لا الادعاءات الزائفة المروجة للنفاق العلمي! فنحن اليوم نقف عن كثب على منع بعض الدول امتلاك أسباب القوة العلمية، ومحاربتها بشتى الوسائل والطرق لإبقائها في التخلف والفقر المادي والعلمي والمعنوي لتبقى سوقا للآخر، وما يستتبع ذلك من مشاكل متنوعة، وفي مختلف مجالات حياتها لتبعدها عن أسباب النهوض العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ... وتحيدها عن امتلاك القوة التي تكون بها مستقلة حرة القرار! فلو كانت هناك وحدة فكر إنساني لساعدت الدول المتقدمة علميا الدول المتخلفة على امتلاك ناصية العلم والمعرفة والفكر.

فالفكر هو فكر فردي أولا، ذو ذات فردية، وهوية فردية؛ لكنه جماعي النتائج التي تضفي عليه صبغة الفكر الجماعي والهوية الجماعية التي يشترك فيها الأفراد بحكم اجتماعيتهم داخل المجتمعات الإنسانية. لذا يظهر لنا كأنه فكر جماعي في صيغته الأولية والابتدائية، والحقيقة أن الإنسان يفكر لوحده ثم يشرك الآخرين في تفكيره. وإلا ما كان هناك فروقات فكرية بيننا. وعليه يجب أن نعمد في إطار الشراكة الفكرية أن نحقق فكرا أصيلا بالجماعة التي ننتمي إليها، وأن نسمه بما تطبعنا عليه من خصائصنا الفردية والجماعية معا حتى تتشكل له هوية جماعية، تميزه عن فكر الآخر.

فالفكر الموجود بذات الآخر يسقط في بداية الطريق حين يسقط ذلك الفكر، وأما الفكر الأصيل فيبقى ويجدد نفسه دائما، ويبدع وجوده من جديد لأن ذاته حاضرة في ذاته تمده بالحياة والاستمرار وأسباب البقاء. وما دورة الفكر الهش الموجود بذات الآخر إلا عجلة مرتفعة عن الأرض تدور حول نفسها، فلا ترسم لها خط سير على الأرض إلا ظلا ثابتا في مكانه ...

ـ هوية الفكر الهش ليست هويته، وإنما هي قناع يوهم نفسه أنه يمتلك هوية تميزه، ويحيطها بهالة من احتفالية الإنتاجات القولية التي لا تصرف في واقعه نتائج نفعية تحل مشاكله، وترقيه على مختلف الأصعدةـ وترفع من شأنه بين باقي المجتمعات الأخرى! وإنما هي أطنان من الأوراق القولية التي تتكدس في المكتبات الورقية أو الالكترونية، يستمد منها الباحث والقارئ القول ويعيد طحنه من جديد دون طحين يذكر. في أحسن الأحوال طحنه يولد جعجعة وتحريكا لدواليب القول في مجتمع القول لا الفعل. وما فكر المجتمعات المتخلفة سوى ظلال فكر الآخر، حتى ما نطبقه من نظريات وتقنيات ومناهج ومسالك عملية هي انعكاس لما جاد به فكر الآخر علينا. فليتفحص أحدنا ما ننتج من القول، فسيجد أغلبه للآخر، وأنه لا يخلو من قول الآخر. ومرتكزه عليه لا ينكره إلا عمي عن الحقيقة المرة.

فالهوية الحقيقية هي هوية صلبة وصلدة تتميز بالقوة والمثانة والصمود أمام باقي الهويات الأخرى، ولا تتماهى معها وتسقط في شرك الاستيلاب والذوبان والاختفاء. بل تعتز بخصوصياتها وتتشرف بمعطياتها ولا تتأثر بالهويات الأخرى بمسوغات واهية زائفة. بل تمتاح منها ما يناسبها ويتساوق مع معطياتها وينسجم مع طبيعة بنياتها، بما يخدمها. ولا تتقوقع على ذاتها، وتنزوي بنفسها عن الآخر، وإنما تنفتح على الآخر دون الانبهار به، ودون الانصهار فيه. وتأخذ مسافة منه ملؤها النقد الرصين القارئ بعين العقل لكل ما يغريها به. فتغربله وتستقي منه ما يناسبها وتترك ما لا يناسبها ويشكل معول هدم كيانها. ونظرة لفكرنا المتداول بيننا تضرب لنا الأمثال الكثيرة فيما يعتمره من هشاشة نتيجة أخذ القول على عواهنه حتى التطرف يمينا ويسارا، فتهدمت منظومة الفكر لدينا، ومنظومة القيم، ومنظومة السياسة، ومنظومة الدين ... وانخرمت منظومة اجتماعيتنا؛ فعدنا أعداء في البيت الواحد، نتقاتل فيما بيننا نتيجة تعدد مشارب فكرنا الواردة علينا من وراء البحار، دون أن نقيم للحوار بيننا وزنا ... وكان علينا أن يكون لفكرنا هوية أصيلة دون توحيد الفكر في قالب واحد وحيد لأن ذلك مخالف لطبيعة القوانين التي أودعها الله في الكون والخلق. وإنما الاتفاق والحوار والتوافق كفيل بتشكيل مبادئ أساسية لفكرنا ننطلق منها في مقاربة عالمنا الداخلي والخارجي. ونبني عليها اختلاف مناهجنا وطرقنا ومسالكنا تجاه تحقيق أهدافنا المشتركة. وبذلك نؤسس لهوية فكرنا وتوابعها من استقلال وحرية وإبداع ...

ـ الفكر الهش لا يثق في نفسه، فهو دائم الشك في مهاراته وقدرات وكفاياته وكفاءاته!. لذا؛ تجده دائم الاستنجاد بفكر الآخر لمقاربة قضاياه ومشاكله ومعيشه اليومي، يطلب نظرياته ومناهجه وتقنياته وأساليب وطرقه لتنزيلها على قضاياه المستعصية في نظره، مهما امتلك من قدرات ومهارات إبداعية. فهو شديد القلق نحو العلاقات البينية التي تقع بينه وبين الفكر الآخر، ودائم الإحساس بالعجز والقصور تجاهه. تقديراته لذاته منخفضة ونظرته إليها سلبية، يستصغر فكره أمام فكر الآخر، وينخ له، ويمجده ويتباهى به مهما فعل، ويدافع عنه.

وهو الفكر الهش يخاف المجهول والمناطق المظلمة من الإشكاليات والمشاكل والقضايا والأفكار، معتاد على ما يعرفه من كائن معيش وواقع شائع معروف، ومن التقاليد التي سبرها عن كثب، واعتاد الاحتكاك معها من باب العادة والروتين والاستئناس لما تمده من الاطمئنان والعادة في تدبير شؤونه. بينما المجهول يشكل عليه خطرا للمفاجآت التي قد يحتويها فضلا عن كونه لا يملك الجرأة الفكرية التي تقحمه في التعاطي معه، والدخول إليه بمنظومة أسئلة وبجهاز نظري ومفاهيمي ومنهاجي لتفكيك بنيته المجهولة والوقوف على وظائفه وأدواره فيما أشكله من قضايا ومعيش يومي. كما أن هذا الفكر الهش  يخاف النقد والرفض، يتردد في قراراته نتيجة ذلك. تتشكل لديه قوة المعارضة والرفض بحدة لكل جديد مجهول موحش لأن هاجس الخوف منه يسيطر عليه. وفي أحسن الأحوال قد يطلب من يعري على مجهوله حتى يتلمسه ويقبل التعاطي معه مع وجود المساعدة الفكرية والمدرب المرشد " coach "، وإلا فهو من القوى المضادة للجديد لكونه مجهولا لديه، طارئا عليه. كما يخاف المجهول فهو يخاف النقد لأنه من جهة أولى يكشف عورته التي تسترها أوراق التوت، فهو يهاب سقوطها مع رياح النقد في خريف مقولاته وادعاءاته وزعم أصالة أفكاره ومتانة أطروحاته عند أول تجربة تواجهه حقا. ولأنه من جهة ثانية يعتقد أنه على الصواب دائما وفوق التقييم والمساءلة بل والمحاسبة.

والفكر الهش هندام لغته منمق، وتركيب عباراته سلس. له من الكلام حلوه، مسالم لا ينازع المعرفة الغائبة المغيبة إلا باستحياء وتوجس وهيبة وخوف. والفكر المنازع عند عامة الفكر الهش خروج عن المعتاد يبلغ جرمه حد الزندقة والمروق من المعتاد الأليف الذي يسمونه إجماعا أو تواضعا أو توافقا، ويستحق التكالب عليه ونعته بأقبح الصفات والأوصاف والنعوت حتى تتعالى أصوات الغوغاء الفكروية تحشيدا وتحريضا في أذنيه طالبة بالإطاحة به، والتنكيل به. وتاريخنا حافل بمن تزندق حين خرج عن فكر السلف والآباء المؤسسين للفكر العربي والإسلامي ومقولاتهم وأفكارهم وتفسيراتهم وطرائقهم، فرجم وقتل وسحل وسلخ ... فالفكر الهش فكر عقيم البطن لا ينجب إلا خدائج الفكر والثقافة والعلم. ولا إبداع في صلبه وإنما التكرار وإعادة إنتاج نفسه حتى التخمة!.

ـ لماذا رهاب النقد؟ معلوم بالضرورة العلمية والمعرفية أن النقد كائن وجودي طبيعي في سياق الحياة الإنسانية لفاعليته في استدراك الهفوات والأخطاء والأغلاط وتصحيحها وتصويبها بوضعها على سكة السير الصحيح بخطوات واثقة صامدة محققة للنتائج المتوخاة والمرجوة في تقويم الفكر قبل السلوك، وفي الارتقاء بأبعاد الشخصية الإنسانية على مستوى الأفراد والجماعات والمجتمعات، فهو يعري بمشرطه عن المناطق المظلمة في تفكيرنا ومناهجنا وأقوالنا وأفعالنا وسلوكنا وثقافاتنا ونظرياتنا ومنتوجاتنا الفكرية وغير الفكرية. بل؛ يعري حتى عن محرماتنا ومقدساتنا ومعتقداتنا. ويضيئ على مناطق سلبياتنا بمصباح العقل والوعي؛ فتنكشف لنا الحقائق والوقائع التي تؤدي بنا إلى اتخاذ القرارات الصائبة والجريئة في بعض الأحيان. فهو الحارس الواقف على نقاء وصفاء فكرنا ومستلزماته ونواتجه، فيزيدنا إنارة على التحديات التي تعترضنا، ويغني ثقافتنا، ويوسع مداركنا ويرقي مدارجنا في الحياة. فيفهمنا متغيرات عصرنا ومتطلباته، ما يسهم بفعالية في تملكنا كفاية التعامل مع معيشنا اليومي والمستقبلي. وهو الذي يثورنا على أوضاعنا بغية تغييرها وتطويرها وتجديدها وتحبيرها وتحسينها. وهي العملية التي يخافها الفكر الهش بشدة لأنه وطن من خلال هشاشته مصالح جمة ومنافع عدة تعود عليه نفعا ورزقا ومتاعا ورفاهية. وضمن لنفسه موقعا رياديا وموضعا مريحا على رأس القوم يسوقهم حيث مصالحه. والتثوير في نظره علامة من علامات الشفاء والتعافي منه، ومما جلبه على المجتمع من كوارث عظمى، ومما عل به الفكر والثقافة والتفكير. لذا تراه يمقت النقد وأهله مقتا، ويتصدى له محاربا مقاوما بكل ما استجمع من أسلحة وضغائن ودسائس ومكائد ومصائد وخدائع! فيسخر أقلامه وإعلامه وزبانيته للدعاية له والترويج بصلاحيته وصوابيته مقابل تغليط النقد وتفحيشه وتجريمه، وتبخيسه في كثير من الأحيان. فتراه كالطاووس ينفخ ريشه ويفرشه خيلاء وتجميلا لذاته! ولكنه المسكين حين يرمى بسهام النقد ينكمش حجما حتى يغدو دجاجة تستنجد بالديك الأصيل لإغاثتها وإنقاذها من نتف ريشها! ...

فرهاب النقد للفكر الهش مرض نفسي يستدعي طبيبا نفسانيا أو محللا اجتماعيا للعلاج منه. فهو يدخله في نوبات صرع حادة وهستيريا قاتلة تفقده الأعصاب وتعطل لديه باحات التفكير وتخدر أعصاب الردود. فيخبط خبط عشواء. لا يدري الاتجاهات ولا المسارات ولا المآلات. لذا يطلب منه العقل والوعي مراجعة الطبيب للتداوي، فلكل داء دواء كما جاء في الأثر.

 

عبد العزيز قريش

 

 

محسن الاكرمينفي الزمن الحي لــ"كوفيد19".

ونحن مثل القطعة الواحدة في متم هرولة الأمتار الأخيرة لإتمام أحجية الشد على فيروس"كورونا" بأمن صحي وطني متحكم فيه، ولما حتى إذلاله بوضعه رهن الاعتقال الاحتياطي. بالموازاة مع هذا فقد تناما الحديث في غياب الفاعل السياسي عن ساحة تحرير الوطن من الوباء، قد فاض الحديث في توارى المثقف بالتقاعس عن تثبيت وتصويب الوعي السلوكي في ظل المداهمة الشرسة للفيروس. انتهى الكلام، إلى أن المواطن قد ترك لقمة صائغة في استنشاق الوباء، والعيش ضمن الأزمات الاجتماعية المتناسلة لولا تدخل الدولة بحكامة المصاحبة والدعم.

 قد نلعب لعبة (القط والفأر) وندخل في الحاسوب أسماء من يعتبرون أنفسهم من نخب الفكر والثقافة، أومن قشدة علية القوم في الوجاهة والتنطيط السياسي، ونقوم بتحريك المحرك "جوجل  Google" للبحث عما قدموه من خدمات تامة في التخفيف من أثر "كورونا"على المواطنين وعلى الوطن، لكنا من سوء نصيب الحظ أن نحصل على معطيات مشتتة تظهر وتختفي مثل (ثعلب الروائي محمد زفزاف) وراء شاشات الخطب المعيارية وعن بعد وبارتداء الكمامة الواقية !!! ويمكن أللسياسي ن يصنع أكبر كمامة بطول قانون 22/20 لتكميم الأفواه عن فكرة المقاطعة !!!

قد نستبق الحكم بالتصفيف لا التصفيق ونقول: أن علة الوطن الأساس في أنماط نخبه (الخواص) من شيوخ السياسة ومثقفي جيل (التيه)، قد نستفيد بهناء التقليل من وازع محاسبة الضمير الذاتي وتعويم القول، قد نستفيد من العرض السخي للتبعيض وجمع القلة بين نماذج من المثقفين والسياسيين بتنوع التضاد، ولكنا نقول: بأنهم باتوا من سدنة الكلام الرخو، والكراسي الوثيرة. وحتما لن يكونوا بتاتا من الأنبياء الأصفياء أو من حملة ألواح سنن الإصلاح والتصويب ما بعد زمن "كورونا".

 بين النخب (الخواص) ورعية (العوام) يمكن أن تضيع الحقيقة ضمن ألسن السفسطة الثقافية، والجدال السياسي العقيم، يمكن أن يتم التغرير بجموع (العوام) من طرف فئة (الخواص) بسهولة ماكرة، يمكن أن تكرر لعبة اللسع من نفس الجحر وبنفس سم أنياب الثعبان. قد يكون البعض من أسئلة (العوام) مستفزة ومارقة عن التوجه العام عند (الخواص) ولن تعجب حتما هذا وذاك، وقد لا نحصل لها عن أجوبة تشبع نهم سائليها، ومن بين الأسئلة المستطيلة الواردة: هل نخبنا المثقفة تحمل نرجسية التمكين للذات وتسلب الآخر حقه في الوعي والتقوية الاجتماعية؟ هل نخبنا المثقفة بخيلة في مجالات الإبداع الفكري والتوجيه، ولا تقدر على معاودة النزول إلى بؤر نشابة القوى الشعبية؟ هل (العوام) في حاجة إلى معارف المثقف ونزق السياسي مهما كان حجمها ونوعتها وقدها الفكري والإنساني؟ هل تلك النماذج من السياسيين الجدد ومن المثقفين المتمكنين يمكن اعتبارهم من سدنة عبادة الكراسي، ولباس ثوب الوداعة؟ هل أفكارهم تؤمن بالديمقراطية أم هي أفكار من عصور فبركة أوثان التدوير السياسي الرديء؟.

من المنهج التاريخي قد نستوفي أمثلة تحليلية ونضع النخب المثقفة والسياسية في الخانة السالبة الأنانية والتي لا تقدر على التفاعل بتواضع وتطوع تفاعلي مع القضايا الاجتماعية المستجدة وبدون "كورونا"، وأنها قد لا تحمل حسن النية، وقد تخلق شرخا زجاجيا عاليا بين مجموع الفئات الاجتماعية لمصالح في نفس يعقوب (السياسي/المثقف). فمن بين ما عرت عنه "كورونا" أن الواقع المعيش للشعب لا يوازي خطب الوعظ وكراسي الإرشاد عن بعد، وأن أدوارا قد استنبتت في مشاتل بديلة بأحضان المجتمع المدني (الديمقراطية التشاركية) كانت فعالة وقمينة بسد فجوات كثر مما تركه السياسي والمثقف المعياري، وأن الوجع من ألم الفزع النفسي قد استطاع المجتمع المدني بأدواره التفاعلية أن يمتص صدمته الأولى بامتياز وشارك في تفعيل تدفق سيولة التضامن والتآزر، حتى وإن كان أمر الإحسان الاجتماعي لازال غير مقنن قانونيا ولا أخلاقيا.

لن نحمل كل خطيئة الوزر للمثقفين والسياسيين بل من المرة الأولى آثرنا لغة التبعيض ولم نقدر أن نعمم قولنا بالإفراط والتفريط، قد تكون هنالك أسباب أخرى عبر الزمن المغربي وتاريخه الحديث، قد قصت أجنحة السياسي ودجنته بالتطعيم، وكذا أخرست لسان المثقف الاجتماعي والعضوي وهمشته، قد نكون نعيش في عوز سؤال الديمقراطية، من حيث البداية وختم نهايات الحكامة.  

    

محسن الأكرمين.

 

 

ريكان ابراهيملم يظهر الناس تذمراً من ظاهرة حياتيه مثل تذمرهم من السياسة والمجال السياسي والعاملين فيه. ويشيع بين الناس كما يشيع بين السياسيين تعريفٌ قديم للسياسة بأنها فن تحقيق الممكن . وحين نسميها ب (فن) وليس ب(علم) أو (أدب) فانما يعني هذا ان هناك حاجةٌ ماسة في ممارسِها الى إدارة العملية السياسية بقدرات فنان يجيد التعامل مع الموقف ويتغير بتغير الظروف ولا يستقر على ثابت دائم . فهو يشتد ويشدد عندما تلوح فرصة في الأفق لاستخدام الشدة ويلين ويتراخى عندما لا تكون أمامه الاّ ان يفعل ذلك.

ان المفروض في البرنامج السياسي، اياً كان، ان يهدف الى خدمة البلد ورقي المجتمع . هذا هو الهدف وهذا هو الغايةوهذا هو المفروض ان يتحقق وقد يتقاطع مع الوسائل المستخدمة لتحقيقه. وعلى هذا الأساس تظهر هناك وسيلة العنف او وسيلة الاضطهاد أو سيادة القمع الفكري لدى الحاكمين السياسيين في مواجهةاختلاف الجماهير معهم وكلما كان المجتمع مُتخلفاً في حضارته وبسيطاً في ادراكه الثقافي ازدادت الحاجة الى إستخدام وسائل التدمير والضغط على زناد المواجهة لتحقيق البرنامج السياسي

فالمجتمع المتخلف مجتمع طفولي النزعة يمارس الاستعجال في قطف ثمار ما وعد به من حاكمه، لا يرى غير المباشر ولا يفكر ببعد مترين في ضباب الرؤية. لقد مر الفرد العراقي، ومثله المجتمع العراقي بمحن كثيرة في مواجهة رجال سياسته ومؤسسات حكمه. الثابت في الامر ان الرجال الذين مارسوا سياسة العراق وقيادة المجتمع العراقي لم يكونوا من النخبة ذات الثقافة العالية أو العطاء الفكري المُنوّر. لقد كان شفيعهم في البروز امّا انحدار أسري عشائري نبيل او وظيفة عسكرية رفيعة أو مشيخة عشيرة كريمة المحتد. وندر ان يكون مثقفاً معطاءً او عالماً شامخ البناء هو الذي يقود مسيرة البلد، ان المثقفين العراقيين والمفكرين في مجالات الفن والعلم والأدب ظلّوا رجالاً مغمورين يعيشون على صدقات حكامهم، يمدحون هذا بقصيدة ويفخرون بآخر منهم بتمثال.

ان الفرد العراقي، في مختلف طبقاته الأجتماعية، ليس كائناً غبياً او ساذجاً لا يعرف الحقيقة ولكنه كان محكوماً بخوفه من حُكامه ولا يجد الاّ الصمت او التصويت بكلمات النفاق لرجل يحكمه. والغريب في الامر ان اياً من حكام العراق لم يكن خائناً أبدا، على الرغم من ضحالته في الثقافة والسياسة، والغريب الآخر في الأمر ان العراق لم يُحكم برجل يرضى عن رجل سبقه في الحكم او رجل سيَخِلفهُ فيه. ان الحاكم العراقي لم يضع برنامجاً واضحاً قبل ان يأتي الى الحكم بطريقة واضحة، إنما يبدأ بالتفكير في برنامجه بعد ان يستولي على الحكم، سرعان ماينحرف عن وعود حزبه ونبل أهدافه الى مصالحه الشخصية وسمعته الفردية، فتبرز على السطح دكتاتورية الحزب الواحد التي تقود لاحقاً الى دكتاتورية الفرد الواحد الذي يحول حزبه وجماهيره الى جيش يحميه من شعبه بالمدافع والى شعب يجيد التصفيق أكثر مما يجيد التفكير والى شعارات تتغنى ببطولة الفرد وتسحق الناس البسطاء. ان العنف والقمع الفكري ومصادرة الحريات الشخصية في حق القول والتعبير والإفقار وانهيار القانون هي وسائل يستخدمها السياسيون لجعل الجماهير راضية ومنشغلة عن مطالبات الحاكمين بتحديد غاية السياسة وإيضاحها. انَّ وسائل الساسة خطيرة وقاتلة للناس فقد يلجأ السياسي لتمرير فكرة استمراره في الحكم الى:

أ- الحرب مع الدول الجارة تحت أهداف مزعومة.

ب- الحرب الأهلية التي ينشغل بها الناس عن أهدافهم وأمانيهم في الحياة

ج- تبني سياسة الإعلام المزخرف الكاذب.

د- محارية المثقفين المعارضين لسوء السياسة وانهيارها

ه- تبني قولة (العهد البائد) يصف بها الحاكم الذي قبله وقولة (العهد الزاهر) يصف بها الحاكم نفسه

***

يبرز أمامنا سؤال يتكرر

دائمآ: لماذا يواجه الفرد العراقي محنةً دائمةً مع حكامه، حتى اصبح شائعاً ان المجتمع العراقي وفيه الفرد لا يمكن حكمه الاّ بحاكم قوي باطش قاسٍ وربما يكون ظالماً؟ إجابةً عن هذا السؤال، علينا ان نوضح حقيقة من حقائق علم نفس الشخصية وهي ان اغلب العراقيين يتمتعون بسمات الشخصية العصابية (. Neurotic p) .

ومن ملامح هذه الشخصيه: فقدان الاستقرار في السلوك وفقدان الثبات على راي واحد والنزوع الطفولي الى معرفة النتائج في كل موقف وانعدام الثقة في أولي الامر والتشكيك في الآخر في كل صغيرة وكبيرة، والنفور من تقبل النقد والبعد عن ممارسة النقد الذاتي. كما أنَّ من ملامحها ان لايرى العُصابي نفسه مخطئاً في شيء إنما الخطأ في غيره. ان هذه السمات أو الملامح لاتترك الفرصة لحاكم عراقي أن يتصرف بهدوء واستقرار مع المجتمع الذي يقوده. فإذا واجه العراقيون حاكماً هادئاً رزيناً مسامحاً وصفوه بالضعف والليونة المفرطة والتخاذل في المواقف. واذا واجهوا حاكماً صلباً في اتخاذ القرار قاسياً أو صارماً في تطبيق أفكاره وصفوه بالظالم والجزار وأحادي الفكرة والمغرور في حب ذاته. أمام مثل هذه المعادلة الصعبة لا يمكن للسياسي الناجح ان يقود العراق والعراقيين:

لأنه سيواجه أعداءً يحاربونه حياً ويترحمون عليه حينما يموت ويسحلونه بعد موته في الشوارع والطرقات. ان اقرب دليل لدينا على صحّة ما قلناه هو ما سيظهر من رفضٍ واستنكار لكلماتنا التي قلناها الآن في وصف الفرد العراقي واحتمال ما سيلحق كاتب هذا الكتاب من أذى جسدي او معنوي نتيجة ما كان فيه جريئاً في القول الذي لا يعدو الحقيقة. هناك فئةٌ من العراقيين اسمها (الفئة الصامتة) وفيها تقع(الفئة المثقفة). انَّ المثقفين الحقيقيين في العراق هم آخر من يتكلم وآخر من يُؤخذ رأيه في موقف من المواقف إذا تم ذلك في أحسن الأحوال. واكمالا للإجابة عن السؤال الذي طرحناه نقول: هل حكم العراق يوماً ما رجالٌ سياسيون حقيقيون؟ نعتقد أن ذلك لم يحصل . والسبب في اعتقادنا هذا أنَّ للسياسي الحقيقي شخصية واضحة المعالم تغضب لكنها لا تحقد، وتعاتب لكنها لا تنتقم وتؤثر لكنها لا تستأثر، وتمهل لكنها لاتهمل. ان اغلب الحكام العراقيين ان لم يكونوا كلهم، طائفيون في الدين والعرق والجغرافية، وبذلك تسقط عنهم صفة الشخصية السياسية الناجحة التي لا تعرف الا الوطنية الصادقة. لقد درج الفرد العراقي على سماع صوت المذيع المحلي وهو يقرأ البيان (رقم١) ثم يتلوه ببيان (منع التجول الى اشعار آخر). ودرج هذا الفرد على تسمية الانقلاب العسكري بالثورة . لقد ضاع على الناس التفريق بين كلمة (انقلاب) و(ثورة) لقد فهّموا الفرد العراقي ان الجيش فوق الميول والأتجاهات ولكنه لم يكن كذلك يوماً ما، فهو لم يقم بانقلاب الاّ على هوى ضباط لهم ميول واتجاهات يختلفون بها عن غيرهم . ان السياسي العراقي يقوم بالانقلاب لصالحه وصالح حزبه او من يمثلهم من جماعة . ولما كانت الجماهير عُصابية الشخصية فانه ظلّ لزاماً على السياسي ان يظل (رجل انقلاب) فلا يتحول الى (رجل حكم)ناسياً ان هناك فرقا كبيراً بين رجل الانقلاب ورجل الحكم. ان اضطراب أقنومات المجتمع العراقي في انتمائه وانحداره جعل الحاكم مُدارياً لهوى جماهيره، فمرةً عشائري يتقرب من شيوخ العشائر ومرّة دعيّ ثقافي يتقرب من المثقفين، وثالثةً منافق يساير قوى اليسار او قوى اليمين، ليظل في كل حالاتهِ فاقداً لهويته الفكرية وخصوصية عواطفه، خادماً بذلك استمراره على كرسي بعيد عن الوطنية.

 

 

د. ريكان ابراهيم

 

قاسم حسين صالحمن التاريخ..  نبتدأ

لا يوجد وطن في الأرض فيه من التنوع الثقافي والمنتج الإبداعي والثراء الفكري والسبق التاريخي بحجم الرقعة المعمورة في العراق . يكفي أن نلمّح بإشارات إلى أن أرقى الثقافات البشرية ما تزال فيها الآن نكهة من ثقافة العراق.. البلد الوحيد في زمانه الذي تنوعت فيه الحضارات: السومرية، الأكدية، الآشورية، البابلية..، والأديان: اليهودية، المسيحية، الديانات الفارسية .. والإسلام، والأعراق: عرب، كورد،روم، فرس، إغريق، مغول، أتراك.. .

وفي تاريخه الإسلامي ظهرت أعظم مدرستين واكثرهما تأثيرا" في تاريخ ثقافة العرب والمسلمين: مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة، ففيهما نشأت تيارات فكرية ومذهبية وفقهية.. ومسائل خلافية لا حصر لها، منها مثلا" أن أهل البصرة اعتمدوا منطق العدل

(القياس) وليس السلف فيما عارض أهل الكوفة وجعلوا الرواية عن (السلف) هي الحكم وليس العقلانية التي اعتمدها البصريون. وفي البصرة ذاتها ظهر التضاد الفكري بين المعتزلة والخوارج في مسألة الذنوب الكبيرة، وفيها ظهر "العلّاف" شيخ المعتزلة وتلميذه " النظام " الذي تفوق على أستاذه، والحسن البصري، وواصل ابن عطاء الذي اعتزل عن شيخه البصري، والأصمعي وابن سيرين والجاحظ ورابعة العدويه.. وقائمة طويلة من رجال الفكر والثقافة.

وعن مدرسة الكوفة المعروفة بأعلامها من المفكرين والمثقفين،يكفي أن تقول أن الأمام علي أختارها لتكون مقرا له، ثم كانت مقر الخليفة العباسي المنصور إلى أن ثارت عليه " الراوندية " فغادرها إلى حيث اختار بغداد ليتخذها عاصمة لملكه،لتصبح عاصمة الدنيا في الثقافة وأكبرها حجما من حيث عدد سكانها الذي زاد على المليونين فيما كانت لندن وباريس مدينتين صغيرتين، ولم تكن واشنطن حينها موجودة على الأرض. ومنذ تأسيس بيت الحكمة فيها (832 م) دخل تيار فكري جديد على التيارات الفكرية العربية والإسلامية تمثل بالثقافة اليونانية، أسهمت في أن تجعل الإنسان يعيد التفكير في قضايا كثيرة في مقدمتها علاقته بالسلطة، وتنوعت الثقافات والمواقف الفكرية في العراق بين محافظة ومعتدلة ومتطرفة والحادية.. نجم عنها ازدهار ثقافي ونزوع نفسي نحو الابداع المعرفي الذي من خصائصه الاتيان بما هو جديد ومخالف لما هو موجود.

السلطة والثقافة

العدو الشرس للثقافة هي السلطة بكل مسمياتها.ففي العراق حولت السلطة الاختلاف مع الآخر على مستوى الرأي الى خلاف معها على مستوى الفعل،اعتمد أساليب  العداء والاضطهاد بأنواعه وانتهى بالعنف الذي يستهدف القضاء على " ثقافة  الآخر" سواء بالسجن او بدس السم او الاعدام او الحرق علنا بتهم الكفر والالحاد والزندقة،نجم عنها سيكولوجيا شطرت المفكرين والمثقفين الى قسمين متضادين يتحكم في كل منهما أسلوب النظر الى الامور بثنائية " اما اسود واما ابيض" يفضي الى التصلّب وعدم الاتفاق مع الآخر في مواقف الصح والخطأ على السواء،ليفضي الى انتاج نوعين متضادين من التفكير:  علمي، انتشر بشكل محدود بين النخب الثقافية، وخرافي انتشر بين العامة من الناس وبين من يعدّون انفسهم مثقفين . فحين دخل القطار الى العراق بدايات القرن الماضي، اعلن أحد رجال الدين المؤثرين تحريم استخدام القطار قائلا:" أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر!".

ومن متابعتنا،وجدنا أن هذه العقدة وعقدة العناد العصابي علّتان نفسيتان مصابة بهما الشخصية العراقية، وقد لا استثني أحدا منهما لاسيما الذين صارت أمور البلاد والعباد بأيديهم،وأنهما فعلتا بنا ما فعلته ثارات الجاهلية باجدادنا،فيما تتوزع العقد النفسية الأخرى بين العراقيين بنسب مختلفة تبعا لنوع القيم والمعتقدات التي يحتويها لاوعيهم الجمعي.

والمفارقة ان الثقافة العراقية في الزمن الديمقراطي تراجعت بعد التغيير (2003) مقارنة بما كانت عليه في الحكمين الملكي والجمهوري الأول. فما عاد الناس  تنشغل بالثقافات الأدبية والفنية،وجرى تهميش دور المثقف العراقي الذي يؤمن بالتحديث وترصين دور العقل، برغم وجود عدد كبير من الفضائيات والصحف والمجلات والاحزاب السياسية والدينية،فضلا عن حقيقة سيكولوجية هي أن الثقافة التي تنمو في اجواء صراع سياسي وعنف اجتماعي، تنحرف عن مهمتها في اذكاء الوعي والابداع والقيم الحضارية واشاعة السلوك المهذب بين الناس.

ثقافات ما بعد التغيير

أوجع ضربة سددت الى الثقافة العراقية بعد التاسع من نيسان (2003) هي اشاعة (ثقافة المظلومية) القائمة على (سيكولوجيا الضحية والجّلاد). فبعد سقوط خيمة الدولة التي كان العراقيون يشعرون فيها بالأمان، شاعت بين الشيعة  و الكورد  ثقافة الضحية مقابل (ثقافة الاجتثاث) التي تعني القلع من الجذور،استهدفت من كان محسوبا على النظام السابق من السنّة،باسلوب همجي متخلف أقرب الى الثأر الجاهلي منه الى التعامل الحضاري أو الشرعي أو المساءلة القانونية .

وعلى وفق المنطق السيكولوجي فأن انتصار " الضحية " على من تعدّه " جلادّها " يدفعها الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا بصفة أو عنوان على الجلاّد،والممارسة المضخّمة لأنماط سلوكية أو طقوسية كان " الجلاّد " قد منعهم منها. فالشيعة ملئوا شوارع المدن والأحياء الشيعية بالمواكب الحسينية وزادوا في اللطم والضرب بالزنجيل،وبالغوا في وسائل التعبير عن أنهم كانوا ضحية. والكورد ايضا ركزوا في تجسيد ما أصابهم من ظلم،حتى صار الأمر بين الشيعة والكورد في حينه أشبه بالمباراة في تصوير ما أصابهما من ظلم،نجم عنها ان شاعت " ثقافة الضحية " عبر صحف ومجلات صدرت بالمئات في 2003. وتولى هذه المهمة مثقفون أو من أخذ دورهم ممن لم تكن لهم علاقة بالثقافة، نجم عنها تهميش الولاء للعراق، وتكريس الولاءات الكبرى: الطائفية والاثنية والدينية.. .والولاءات الصغرى: حزب أو تكتل أو عضو نافذ في مجلس الحكم، أو شخصية اجتماعية مستقلة ومتمكنة ماديا، أو مسنودة خارجيا. وشيوع ثقافات متعددة الأسماء والعناوين مثل (ثقافة التحرير، ثقافة الغزو، ثقافة العمالة، ثقافة المقاومة ثقافة المحاصصة،وثقافة العشيرة..). وما لا يدركه كثيرون ان هذه الثقافات ما تزال تعمل في وعي ولاوعي العراقيين،وتلك هي من بين اهم التحديات التي تواجهها وزارة الثقافة.. أن تنظف نفسها اولا من هذه الثقافات، وتنظف الشارع العراقي منها بطريقة سيكولوجية.. فالخطوة الأولى في أي بناء (مادي، معنوي).. يبدأ بالتنظيف أولا.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

ماهر عبد المحسنالبذاءة، لغةً واصطلاحاً، هي القول الفاحش.  وهى مجرّمة أخلاقياً ودينياً، ففي الحديث الشريف "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء".

غير أن البذاءة لا تخضع لقانون العقوبات المصري، لأنها لا تتضمن إسناد واقعة محددة تستوجب عقاب من تُنسب إليه أو احتقاره إسناداً علنياً، حتى نعتبرها قذفاً، و لا تنطوي على خدش شرف شخص واعتباره عمداً، حتى نعتبرها سباً.

وربما يمكن محاصرتها والإيقاع بها تحت طائلة المسئولية القانونية باعتبارها سلوكاً يمثل إخلالاً بالنظام والآداب العامة للمجتمع، غير أن الفن من ناحية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي من ناحية أخرى، قد أفرزا صوراً جديدة، و مراوغة للبذاءة بحيث يصعب تجريمها من الناحية القانونية، بل ومن الناحية الأخلاقية في كثير من الأحيان.

وفى هذا السياق، نذكر عبارة الفنان أحمد حلمي فى فيلم (ألف مبروك) "مجازين أمك"، ومن قبلها ردد الفنان محمد نجم في مسرحية (عش المجانين) عبارات على نفس الشاكلة من قبيل "بيت أمك" و"بيت أبوك". والحيلة الماكرة هنا واضحة، ولا تحتاج إلى قدرات خاصة فى الفهم، بل إن سهولة الفهم هي الرهان الذى يلعب عليه الفنان من أجل توصيل المعنى المستهجن في صورة مقبولة.

وهذا النوع من البذاءة له مشتقات كثيرة، لا تنتهى، لأننا في مجتمعاتنا الشرقية اعتدنا فى شتائمنا أن نوجّه السباب للأم وللأب بدلاً من الشخص الذي أثار غضبنا ودفعنا إلى شتمه والنيل من شخصه. يتضح ذلك حتى في التعبيرات التي لا تنطوي في ذاتها على أى مآخذ أخلاقية، بل ويفترض أنها تحمل معان سامية مثل "روح أمك".

وحيّل الاستخدام البذيء للألفاظ لا تنتهى، فى الفن أو الواقع، حتى وصل الأمر إلى سب "الديك" في إشارة واضحة إلى "الدين". وقد حكي لي صديق عن واقعة تشاجر فيها أحد الموظفين العموميين مع سائق سيارة الهيئة التى يعملان بها، فقام هذا الموظف بسب "دين أم العربية "، وعندما أحيل إلى التحقيق استند فى دفاعه إلى أن "العربية" جماد وليس لها "أم" أو"دين". والغريب أن جهة التحقيق حفظت الموضوع بالرغم من إمكانية محاسبة الموظف بناء على ارتكابه لمخالفة الإخلال بهيبة الوظيفة العامة.

وفى الفن، برع الفنانان عادل إمام ومحمد صبحي في ابتكار الحيّل لترويج البذاءات، اعتماداً على ذكائهما وخفة ظلهما من ناحية وحب الناس لهما من ناحية أخرى. غير أن هذين النجمين قطعا خطوة أبعد، فلم يعتمدا على الألفاظ المباشرة، وميل المجتمعات الشرقية لاستخدام نوع من السباب يدخل في بنيته ألفاظ "الأم" و"الأب"، وإنما اعتمدا على الهوس الجنسي الذى يهيمن على وعى هذه المجتمعات بسبب الكبت والحرمان، بالإضافة لتدني مستويات التعليم والأخلاق فى الوقت نفسه.

وفى هذا الصدد، أذكر عبارة عادل إمام التى أطلقها فى سبعينيات القرن الماضي فى مسرحية (مدرسة المشاغبين)، وهى "كل واحد يخلي باله من لغلوغه" التي أثارت عاصفة من الضحك مازال صداها يتردد حتى الآن، خاصة أن إمام قدم تنويعات مختلفة لهذه العبارة جعلت المشاهدين يستشعرون أن ثمة معنى إباحي يختبئ وراءها.

والحقيقة أن صبحي كان أكثر جرأة ودهاءً عندما وقف فى واحدة من مسرحياته يسأل فنانة شابة، على ما أذكر" هو فين لباسك الأحمر؟!" وهنا أسقط فى يد الفنانة والجمهور على السواء، لأن العبارة كانت صادمة وغير مسبوقة، أو متوقّعة بالمرة.

غير أن صبحي عاد ليوضح الأمر، بروح الدعابة التي يجيدها، مذكراً الجميع بأن "اللباس" كلمة عربية فصحى، مستدعياً عبارات الإذاعي الراحل على زيور: " نادي الأهلي نازل الملعب بلباسه الأحمر، ونادي الزمالك نازل بلباسه الأبيض"، وهنا ضجت الصالة بالضحك، وابتسمت الممثلة الشابة بعد أن غابت عن وجهها حمرة الخجل، ونجح صبحي فى تمرير المعنى الجنسي الذى قصده من العبارة في البداية!

وإذا كان الأمر قد بدأ في الواقع وفى الفن، فقد امتد هذه الأيام إلى السياسة والإعلام، بحيث تصدرت كلمة " التعريض" المشهد، وصارت هي اللفظة الأكثر استخداماً، خاصة لدى أصحاب الآراء المعارضة. وواضح أنها تشير إلى معنى مفهوم جداً، وهو التستر على الفاحشة، وإن بشكل مجازي، فكثيراً ما وصف الفكر بالدعارة، والسياسة بالعهر.

لكن الغريب أن اللفظة، من فرط استخدامها، باتت هي والكلمة الأصلية، المخفية، سواء. وهى مسألة تفرغ التورية من معناها، ولا أجد مبرراً للاستمرار فيها سوى الخوف من المساءلة القانونية أو الأخلاقية، وهى منعدمة كما ذكرنا، بل والمفارقة أن الكلمة الأصلية، بالسين، معناها "الزواج"، وبالصاد، معناها  النشاط أو الاضطراب، أو المساحات الواسعة بين الدور، وكلها معان لا غبار عليها من الناحية الأخلاقية، غير أن البعض يروج لمقولة أنها، تاريخياً، ترتبط بوظيفة الشرطة التي كانت تراقب أداء دور الدعارة من الناحية القانونية فى العصر الملكي فى مصر.

وفى كل الأحوال، يُلاحظ أن هناك توتراً بين الألفاظ ومعانيها، خاصة فى الفن والإعلام، بحيث يُقال شيء ويُقصد شيء آخر. غير أن انتشار قنوات اليوتيوب، و اقتحام الكثيرين لهذه القنوات، ممن لا يميزون بين الأخلاقي وغير الأخلاقي، أدى إلى كسر هذا التوتر، ما أدى إلى إشاعة الفوضى، واندفاع سيل من البذاءات لا يمكن إيقافه بالرغم من الجهود النبيلة، التي يقوم بها البعض، من أجل تطهير هذه المواقع بنقل الصراع إلى ساحات القضاء.

فقد كشفت البذاءة المخفية، بفعل هؤلاء، عن وجهها القبيح، وصارت المعاني الفاحشة تفصح عن نفسها في ألفاظ وعبارات فاحشة كذلك. وللأسف وجد هؤلاء مسوغاً شرعياً لبذاءاتهم عندما تم استخدامهم سياسياً للرد على الخصوم الذين يستخدمون السلاح نفسه، ما أدى إلى تدني مستوى الحوار السياسي والمجتمعي.

ويبقى السؤال، ألا يمكن التعبير عن الواقع الرديء بألفاظ أقل رداءة؟!

 

د. ماهر عبد المحسن

 

 

بليغ حمدي اسماعيل1 ـ تجليات واقع الإبداع العربي المعاصر:

في كل مرة وأثناء لحظة ترقب إعلان الأكاديمية السويدية أسماء الفائزين بجائزة نوبل تحديدا في مجال الأدب تنتاب الأراضي العربية حالة من الانتباه القصدي والعمدي صوب أسماء عربية بعينها ظنا أن الشعوب والمواطنين هم الذين يمنحون الأكاديمية حق التصويت المطلق، وهم بلا شك في غفلة مطلقة مفادها أن المواطن العربي غير مؤثر بالضرورة في صناعة القرار الثقافي العالمي لاسيما وإن ارتبط هذا القرار الثقافي بتوجه سياسي معين، لكن الاستثناء العربي الثقافي الوحيد في هذا الرصد هو حالة فوز عميد الرواية العربية نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب، لأنه بحق كان يمثل ولا يزال أيضا أوبرا للحكايات ومقهى للحكي ومجسدا أدبيا للحركات الاجتماعية في مصر على وجه الاختصاص، لكن سرعان ما تغيرت إحداثيات الحياة الثقافية العربية ولا أكاد أنكر أو أخفي واقع تردي تأثير الحركة الثقافية الإبداعية العربية في حراك الإبداع العالمي، وبات من اليقين أن نقتنع ولو بصفة طارئة أن ثمة جوائز محلية أو عربية تمنح للأدباء العرب المعاصرين اليوم وهي غير دالة على حراك إبداعي شعبي مؤثر داخليا ومن ثم لا تمثل جملة الإبداعات العربية الراهنة على واقع الحياة الاجتماعية بامتداد الخليج إلى المحيط، بل يمكن إيجاز ملامح الإبداع العربي الراهن في سرد واقع منصرم منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وإنتاج أدبي موغل في الإبهام والغموض مما أبعده نهائيا عن المواطن المستهدف .

2 ـ بوب ديلان.. بعيدا عن القصيدة:

حينما أعلنت الأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل اسم الفائز بجائزة الأدب منذ عامين جاء اسم الشاعر الأميركي مجازا بوب ديلان ليفتح أبوابا كثيرة من الدهشة والتعجب ومن ثم نوافذ متعددة لتأويل الاختيار، الأمر الذي يدعو إلى التفتيش العلني عن سيرة الشاعر بوب ديلان كمحاولة لرسم بورتريه صغير للشاعر قبل أن يتجه صوب القصيدة . فبوب ديلان المعروف إعلاميا هو روبيرت ألن زمرمان ولد في عام 1941 ببلدة صغيرة تدعى دولوث بولاية مينوسوتا قرب الحدود مع دولة كندا، وهو ابن لأبوين مهاجرين يهوديين تحديدا من أوكرانيا، ولقد تربى شاعرنا الحائز على جائزة نوبل للأدب في مدينة تسمى هيبيك بذات الولاية . وهذا الطفل التقطته الموسيقى منذ نعومة أظفاره، فتعلم العزف على آلة الجيتار وهو صغير، وما لبث أن تحول من عزف الجيتار إلى امتهار العزف على آلات موسيقى أخرى مثل الناي (القيثارة) والهارمونيكا، وكثيرا ما كان يعرف عن بوب ديلان الغناء في مرحلة الطفولة .

ولعل ولع بوب ديلان وشغفه بالموسيقى وهو صغير دفعه إلى أن يكون من عشاق الاستماع ومن ثم الاستمتاع بمحطات الموسيقى ذائعة الصيت في هذا الوقت، فكان يستمع كثيرا إلى موسيقى البلوز والريف التي كانت تبث من مدينة شريفيبورت بولاية لويزيانا، وربما تحوله إلى عشق موسيقى الروك أند رول كان مفاده بزوغ حركات الاحتجاج التي قادها الشباب فضلا عن حرب فيتنام وحملات اضطهاد السود في أميركا وهذا كله انعكس فيما بعد على مضمون أغانيه أو قصائده التي تتسم في إجمالها بنزعة الاحتجاج والعصيان والدفاع عن الطبقات المضطهدة في الولايات المتحدة الأميركية، لكن الشكل المميز الذي شكل وعي بوب ديلان الموسيقى هو الفولكلور أو الموسيقى الشعبية، ولاشك أن البدايات الموسيقى هي التي مكنته من اعتلاء منصة التتويج مرتين ؛ الأولى حينما استحال موسيقيا ماهرا يتغنى الشباب بأغنياته ويعزفون منحوتاته الموسيقية التي تعبر بالضرورة عن مطامحهم، والمرة الثانية للتويج ليست حصوله على جائزة نوبل للأدب بل الموسيقى نفسها التي مكنته من تطويع اللغة وترويض الكلمات داخل متن قصيدة أصبحت بالفعل اليوم الأكثر رواجا . 

3 ـ الشعر من الورق إلى الأذن:

عليك أن تتصفح أبرز عناوين ومواضعات كبرى الصحف والمجلات الثقافية سواء على المستوى العربي أو الأوروبي لتعرف أن فوز الشاعر والموسيقي والمغني بوب ديلان بجائزة نوبل للأدب يعد مفاجأة كبيرة وربما للشاعر نفسه أيضا ولكافة الأوساط النقدية في العالم والتي رشحت من قبل أسماء كبيرة في عالم الإبداع الأدبي لنيل هذه الجائزة رفيعة المستوى . وهذه المفاجأة تستدعي منا تكثيفا في رصد حالة الشاعر الأميركي بوب ديلان، والتكثيف التاريخي لسيرته الشعرية تدفع القارئ دفعا للربط بين مقولة وطرح فكري، والمقولة للأمينة العامة للأكاديمية سارا دانيوس التي علقت على فوز الشاعر بوب ديلان بالجائزة لشبكة التليفزيون السويدي العام بأنه يكتب شعرا للأذن، وفي هذا التوصيف دلالة على ثمة أمور مهمة منها أن شعر ديلان يماثل العقل الجمعي في صورته الشعبية وأن القصيدة التي ينظمها تعد بمثابة انصهار اللغة بالموسيقى في إطار أدبي إبداعي، وأن إبداع بوب ديلان الشعري يمكن ربطه بدرجة كبيرة بالموسيقى التي مكنت شعره الرواج والانتشار والقرب من المواطن الأميركي .

أما الطرح الفكري المرتبط بمفاجأة فوز بوب ديلان بالجائزة يرجع إلى المفكر العربي إدوارد سعيد لاسيما في كتابه الماتع خارج المكان، وفي هذا الكتاب يطرح إدوارد سعيد إشكالية العلاقة بين السرد والهوية وفيها يؤكد سعيد أن حركة الهوية الشخصية تتكون من تيارات ثقافية تتم عبر مراحل زمنية متعاقبة، وأن الهوية الأحادية أمر يؤدي بالمبدع إلى نهايات حتمية ودعا إدوارد سعيد في كتابه خارج المكان إلى ضرورة استيعاب لغة الآخر وطرحه الثقافي من أجل الانفتاح الرحب على الثقافات المختلفة ضمانا للتنوع والقدرة على الاختيار .

وهذا ما لم ينجح فيه كثير من الأسماء العربية التي طالها الترشيح السنوي قبيل إعلان الفائز بجائزة نوبل من كل عام،  فانفتاح بوب ديلان على الموسيقى والشعر في تنوعه واختلافه هو الأمر الذي فات الكثير من المبدعين العرب وإن استثنينا بعضا منهم مثل أدونيس ومحمد علي شمس الدين وغيرهما، فاقتناع كاتب الأغنية بوب ديلان بأن ما يخطه على الورق سيستحيل عما قريب إلى أغنية وموسيقى وأداء شعبيا أمر يدفعه إلى الاقتناع التام والكامل بأن يصبح لسان حال المواطن الأميركي من جهة، وأن يعبر عن التأثيرات السياسية والأدبية والاجتماعية ضمن أغنياته من جهة أخرى .لكن هذا لا يتماثل كثيرا مع المشهد الإبداعي العربي الذي يشوبه الكثير من لغط التلقي لاسيما وأن قطاعا طويلا من المبدعين خصوصا في مجال نظم الشعر يغالبون المشهد الراهن ويغيبون تدريجيا في مجاهل فكرية ونحت لغوي عجيب مما أبعدهم وأعمالهم الإبداعية الأخرى عن الأذن والرواج الشعبي طالما لا يعبرون عن هموم المجتمع ومطامحه ورصد الواقع .

لذلك نجد بوب ديلان في أغنياته يقترب كثيرا من الحكايات اليومية للمواطن الأميركي التي تتناول الهموم والآمال والشجون أيضا، فضلا عن حساسيته الشديدة في التقاط الأحداث السياسية المضطربة ومعالجتها شعرا بل ومواجهتها أيضا، هذا ما يمكن اقتناصه في أغانيه الثورية التي تزامنت مع الحركات المناهضة للحرب، والتناص الطبيعي غير المشوه للتاريخ والشعر، والأهم والأبرز في مسيرة بوب ديلان الشعرية أنه يعد حالة تلازم فطرية بين الأغنية المكتوبة والموسيقى الشعبية، هذه الحالة التي يمكن موازنتها بالحالة الغنائية بين صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي في مصر.

4 ـ على منصة التتويج:

انتابت حالة من الدهشة والعجب الواقع الثقافي العربي تحديدا لفوز الشاعر بوب ديلان بجائزة نوبل للأدب، والدهشة مفادها أنهم يعتبرونه مجرد مؤلف أغان فحسب، لكنهم لم يستعيدوا تجربة فوز عميد الرواية العربية نجيب محفوظ بالجائزة في نهايات القرن الماضي، هذه التجربة العربية التي كانت الأكثر تأثيرا في الواقع العربي الاجتماعي لأنها باختصار عكست المشهد المجتمعي بصورة واقعية وكانت قريبة الصلة من هموم وأحلام المواطن العربي، والحقيقة البعيدة عن التحزب أو العنصرية أو الاستلاب الثقافي العربي كدعوة للتنوع الثقافي الإيجابي فإن فوز ديلان يعد خبرا منطقيا لا يدعو للدهشة .وليست مبررات عدم الدهشة تعود إلى فوز بوب ديلان بإحدى عشرة جائزة جرامي للموسيقى، أو حصوله على جائزة أوسكار، وجائزة جولدن جلوب، لكن وقوف ديلان على منصة التتويج الأدبي العالمي منفردا برجع إلى المنتج الإبداعي الذي يقدمه، وتأثير هذا المنتج على المستهدف أعني المتلقي، وفوزه يعود بالدرجة الأولى  قدرته الاستثنائية في قيادة آلاف من المواطنين، وأن قصائده وأغانيه الموسيقية تعد مشاركة حقيقية منه لآمال الناس، وهذه المشاركة هي التي دفعته إلى اقتناعه الكامل فزيف الطب النفسي، فهو يعتقد أن الطب النفسي يمثل أكذوبة كبيرة وأنه غير قادر على الشفاء أو العلاج، وأن الدول تنفق الملايين من  الدولارات  على هذه الأكذوبة التي يمكن توجيه إنفاقها لصالح أشياء ومجالات أكثر فائدة . وفي هذا الاقتناع يقصد طوعا الالتحام بقضايا التمييز والعنصرية والأيتام بالعالم كله.

وإذا كانت جائزة نوبل للآداب قد منحت لأسماء شاهقة مثل ت . س . إليوت، وويليام فولكنر، وإرنست هيمنجواي، وتوني موريسون، فإن جملة من النقاد يرفضون حصول ديلان على الجائزة كونه مجرد مؤلف أغان، هذا الرفض الذي لا يزال يدفع الكثير إلى القول بإن الشعر ديوان العرب تارة، وبأن الرواية ديوان العرب تارة أخرى، ومؤخرا استمعت إلى عبارة السينما ديوان العرب المعاصر، وهذا يجعلنا نقر بحقيقة تغير الواقع، وبأن ثمة تغيرات ثقافية اجتاحت المشهد الإبداعي الراهن، وبات من الضروري عدم المغالطة في عقد مقارنات تاريخية بين الطرح الإبداعي الموجود في الحرب والسلام لتولستوي والإلياذة والأوديسة لهوميروس والطيور ليوريبيدس، ومائة عام من العزلة لماركيز، وأليس مونرو في أعمالها القصصية مثل "المشهد من كاسل روك" و "حلم أمي" و "أقمار المشتري" و "العاشق المسافر، والطرح الإبداعي في أغنيات بوب ديلان . فالسؤال المطروح حاليا اليوم هو: هل يستحق بالفعل بوب ديلان الحصوص على جائزة نوبل للآداب ؟ والإجابة يفرضها الواقع، هو فاز بالفعل طوعا أم كرها للرصد النقدي الراهن، لأن النقاد لم ينتبهوا قليلا إلى نواتج الإبداع الأدبي والفني لديلان والذي يمكن تحديده في أنه صاحب فكرة القيام بحركات الاحتجاج الاجتماعي لدى الشباب عن طريق الأغنية التي ألهبت حماس الآلف في ستينات وسبعينات القرن الماضي .

5 ـ مثل حجر يتدحرج:

تبقى أغنيات بوب ديلان الشعرية واقعا آنيا يفرض قوته وسطوته على أيامنا الثقافية المقبلة، وتظل موسيقاه التي حققت أعلى المبيعات على مستوى العالم شاهدا على استحقاق ديلان الفوز بنوبل للآداب، وهذه السطوة وتلك القوة ستدفع الكثير من المثقفين والقراء إلى استنفار طاقة البحث والتنقيب عن كلمات أغنياته التي تزامنت اليوم مع خبر فوزه، وفي ظل هذا التنقيب المستدام سيظل هاجس الضغط الأميركي يضغط بقوة على أذهان المثقفين والنقاد العرب كون ديلان أحد مواطني الولايات المتحدة الأميركية والتي تبحث لها عن مشهد ثقافي يعزز مكانتها السياسية والعسكرية . وسيظل الناقد العربي يعقد أقسى أنواع المقارنات بين فوز الشاعر الفرنسي رينيه سولي برودوم كأول من حصل على الجائزة في نسختها الأولى عن أعماله البارزة مثل " اعتكافات " و " التجارب "، و " الحنان الباطل " وبين حصول بوب ديلان على الجائزة كمؤلف أغان شعبية، لكن في النهاية تبقى نتيجة واحدة وهي أن الأغنية الشعبية نجحت في الوصول إلى منصة التتويج.

وفي السطور القادمة أعرض بعضا من أغنياته لاسيما أغنية " مثل حجر يتدحرج "  Like a rolling stone  والتي يعبر فيها عن واقع معاش، والتحامه بقضايا مجتمعه، وهذه الأغنية عُدَّت أعظم أغنية روك في التاريخ  وفي هذه الأغنية يؤكد طرحه الفكري بأن كل شئ سيتغير اجتماعيا، فهو يتحدث عن واقع فتاة مرفهة هجرت قيم ومبادئ أسرتها وانغمست بغير تدرج في اللهو والعبث وعالم الأضواء الكاذبة، وفي النهاية كانت نتيجتها المنطقية وهي فقدان الأضواء والشهرة والثراء ومن ثم دفء البيت ونعيم الأسرة، يقول بوب ديلان في أغنيته:

(في يوم من الأيام، لبستِ أحسن الثياب

ورميت قرشاً للمتسولين

كنت في عنفوانك، أليس كذلك؟

كان الناس ينادونك "أيتها الجميلة الطائشة.. أحذري.. ستسقطين"

فظننت أنهم يمزحون.

كان المتسكعون يثيرون ضحكك

لكنك الآن لا ترفعين صوتك بالحديث

ولا تبدين فخورة عندما تتسولين وجبتك القادمة

كيف يبدو هذا.. كيف تشعرين

حين تكونين وحيدة.. ولا تعرفين طريق البيت

مثل نكرةٍ كاملة.. مثل حجر يتدحرج؟

حسناً يا آنسة "وحيدة"

قد درستِ في أرقى المدارس، لكنك تعرفين

أنهم كانوا يعصرونك فيها عصراً

ولم يعلمك أحدٌ كيف تعيشين على قارعة الطريق

لكنك الآن مرغمة على اعتياد ذلك

كنت تقولين: لن أتساوم مع المتشرد الغامض

لكنك الآن تدركين: أنه لا يبيع الأعذار

حين تحدقين في خواء عينيه

وتسألينه أن يعقد صفقةً معك

أميرة البرج العالي، كل الظرفاء الآخرين

يشربون، واثقين من نجاحهم

يتبادلون أثمن الهدايا

أما أنتِ يا فتاتي فيجدر بك

أن تنزعي خاتمك الماسي، أن ترهنيه.

نابليون في الأسمال، ولغة حديثه

كانا يسليانك

اذهبي اليه الآن، إنه يناديك، ولا يمكنك الرفض

فحين لا تملكين شيئاً.. ليس ثمة ما تخسريه

أنت الآن لا مرئية تماماً، وليس عندك ما تخفيه)

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

عبد الله الفيفيفي الديمُقراطيَّات العُظمى المعاصرة- ذات السياسات التطفيفيَّة- قد يُنسَف البَشَر، والمدن، والتراث؛ تُدمَّر (فيتنام)، و(اليابان)، و(أفغانستان)، و(العراق)، وغيرها.. قد يُهلَك الحرث والنسل والثقافة والمتاحف والمكتبات، ويُحرَق الأخضر واليابس؛ للاعتقاد بأن القَدَر يحتِّم أَمْرَكَةَ العالَم. وإلى ذلك تُبتكَر الساديَّة، حتى في عالم الحُبِّ، و"النيكروفيليَّة"، وتُستعاد من العهود الوثنيَّة عقيدة أكل اللَّحم المقدس، الذي يُكسِب آكلَه صفات ألوهيَّةٍ طوطميَّة، بعد الانحدار بتلك العقيدة إلى الاعتقاد بأن أكل لحوم السُّود يقوِّي حياة الرجل الأبيض ويطيل عمره! (1)  ولا أكلَ للَّحم بغير ذبح، أو حتى خنق، على طريقة الضابط الأميركي (ديريك تشوفين)، الذي بَرَكَ بركبته على رقبة (جورج فلويد)، في (منيابولِس)، بولاية (مينيسوتا)، 25 مايو 2020، حتى لفظَ المسكينُ أنفاسه.  ويبدو أنَّ هذه باتت الطريقة الأميركيَّة الحداثيَّة لتذكية الأضاحي، في القرن الحادي والعشرين: (2014: إرك غارنر، 2020: جورج فلويد)! 

- قال عدوِّي الحميم (سيف بن ذي قار):

إنَّما هو صراع ثقافات، وإديولوجيَّات، وبِيضٍ وسود، وغربٍ وشرق، لا صراع حضارات.  ولا شأن للأمر بدعاوَى الإنسانيَّة والحُريَّة، ودع جانبًا غيرها من الدَّعاوَى المخمليَّة الزائفة.  المشكلة تكمن في الاشمئزاز من ثقافة الآخَر، التي لا تتماثل، ولا تمتثل لثقافة الغالب، التي يعتقد أصحابها أنها بيضاء من غير سوء، وهي أقدس من مقدَّسات المتديِّنين، والدُّول الدِّينيَّة.

- أراك بدَورك مشمئزًّا من ثقافة الآخَر!  لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي مثله!

- أ تعُدُّ تلك ثقافة؟

- وما تعُدُّها؟

- إنْ قصدْنا بالثقافة ما يسود مجتمعًا من خيرٍ وشر، صحَّ المصطلح.  أمَّا إنْ كانت الثقافة تعني: الحقَّ والخيرَ والجمال، فتلك سخافة، أو ثقافة غاب، بمعنى أنها عادات الإنسان البدائي، آكل لحوم البَشر.

- ولَستَ بِمُستَبقٍ أَخًا لا تَلُمَّهُ  ...  عَلى شَعَثٍ؛ أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟!

- ما أودَى بنا في الدواهي إلَّا الأمثال المتوارثة ومخدِّرات الشِّعر الجاهلي.

- كيف؟

- " أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟!" دعوةٌ لإماتة الحِسِّ النقدي، وتقبُّل الحال على ما هي عليه.  فما عليك إلَّا أنْ تَلُمَّ الشَّعْثَ، وعدم التهذيب، لتستبقي أخاك، أو حتى عدوَّك؟!

- لا تكبِّر السالفة!

- فيا مَوْتُ زُرْ ؛ إنَّ الحياةَ ذَميمَةٌ،  ...  ويا نَفْسُ جِدِّي؛ إنَّ دَهرَكِ هازِلُ!

- أعوذ بالله!  خلِّ بالك، هذه قد تُعَدُّ دعوةً إرهابيَّة! 

- لا أقول إلَّا بإيقاظ الوعي، ونبذِ الثقافة الإمَّعيَّة، وعروبةِ القطيع، وترديدِ الببغاوات.

- خُش في الموضوع!

- أنا في حَبَّة قَلبه. إن الصورة النمطيَّة عن مجتمعاتنا العربيَّة أنها مجتمعاتٌ غير متحضِّرة، كارهةٌ للآخَر. ومع ذلك فإن المرأة الغربيَّة- مثلًا- حينما تكون في بلدٍ عربيٍّ لا يُفرَض عليها لباسٌ معيَّن، ولا تُلاحَق في المراكز التجاريَّة، ولم نسمع أنَّ امرأةً عربيَّةً محجَّبةً متشدِّدةً لاحقت امرأةً غربيَّةً في أحد الشوارع لتستر شَعرها أو وجهها أو حتى ساقيها العاريين، غصبًا عنها، كما حدث من العجوز الباريسيَّة (مارلين روبي)، حينما لاحقت سيِّدةً إماراتيةً في أحد أسواق (عاصمة النور: باغي!) فاعتدت عليها، ومزَّقت نقابها! أيُّ الثقافتَين، إذن، هي أكثر تعصُّبًا، وأيُّ الشَّعبَين أكثر عقلانيَّةً، وحداثةً، واستقامةً تربويَّةً، وقبولاً للآخَر؟! كما أنَّ المرأة الغربيَّة لا تُغرَّم هنا لعدم التزامها بتقاليد البلد، في اللِّباس؛ فهُنَّ يسرحن ويمرحن ويتمخترن في كلِّ مكان! والسؤال هنا: أيُّ الطَّرَفَين عنصريٌّ، إقصائيٌّ، وراديكالي؟! 

- أنت طبعًا، أقصد نحن!  السبب واضح، وهو: أن "الألب يعشأ كل قميل"، والمغطَّى ليس مليحًا دائمًا!

- الطريف أنهم يصوِّرون الفِكرَ الشَّرقيَّ على أنه فِكرٌ استعبادي، وهم إنَّما يهدفون إلى إنقاذه من براثن التقاليد؛ بهذا يَجترُّون اسطوانتهم القديمة خلال القرن الماضي وما قبله، التي أَدْلَوا فيها بالحُجَّة عينها، فاستعمروا العالم على أساسها، حينما قالوا: إنَّها شُعوبٌ مغتصَبةٌ بثقافاتها، متخلِّفة، ويجب تحريرها وتطويرها، ولا سبيل إلى ذلك إلَّا باستعمارها! والحقُّ أنَّ الهدف استعبادها، وابتزازها، لا تحريرها. ويبدو أن الإنسان، عمومًا، سيظلُّ جاهليًّا متطرِّفًا، كلًّا على طريقته، أو قل: دجَّالًا كبيرًا في أغلوطاته؛ فهو حتى مع مبدأ العلمانيَّة أو الحُريَّة يوظفهما لقمع الحُريَّة والعلمانيَّة، وحسب مهابِّ أهوائه.  وإلَّا ما الفرق بين خطابٍ تكفيري، وخطاب غربيٍّ أو مستغربٍ يصف العربَ بأنهم ظلاميُّون، راديكاليُّون، إرهابيُّون، فيما هو يمارس ذلك بالفعلَ، ومن خلال خطابه نفسه، حين يصفهم بتلك الصفات؟ فيمثِّل، هو الآخَر، ظلاميَّتَه في رفض القبول بالآخَر المختلف، وتكفيريَّتَه، على مذهبه في النظرة إلى تقاليد الشُّعوب الأخرى ونعت أهلها بالنقائص.  على أن راديكاليَّته هو وإرهابيَّته لا تأتي على مستوى الأفراد والجماعات فحسب، بل تأتي أحيانًا كثيرةً على مستوى المؤسَّسات والقوانين والدُّوَل أيضًا! 

- يا سيف، ما لك هكذا تتحامل على هؤلاء الذين علَّموك الحضارة، وأمدُّوك بالتقنية؟

- إنَّ إلزام الناس بزِيٍّ محدَّد- لا تقتضيه طبيعة أعمالهم- هو محض تخلُّفٍ استبداديٍّ تقليديٍّ، لا مسوِّغَ له أصلًا، لا منطقًا ولا واقعًا، وحيثما وُجِد ذلك فهو ظاهرةٌ غير حضاريَّة، ويُزاوِل مهنة جَبْرٍ بدائي.

- يا أبا المهنَّد، القوم ليسوا بأغبياء، غير أنَّهم يخافون من الظواهر الدِّينيَّة الإسلاميَّة، وما تُفرِزه من عمليَّاتٍ إرهابيَّة، لا تُنكَر، وأوَّل من اكتوى بنيرانها العرب والمسلمون.

- صدقتَ، ليسوا بأغبياء، لكن الأغبياء من يصدِّقون تعميماتهم!  الدِّين- في ذاته- اعتقادٌ، وفِكرٌ، وثقافة.  وإذا كنَّا سنفرز الناس بحسب معتقداتهم، فلماذا لا نفعل ذلك مثلًا: مع الماركسي؟  ونستشهد بما فعله جلاوزة الرُّوس بالعالم.  لماذا لا نفعل ذلك مع العلمانيِّ المتطرِّف؟ ونستشهد بما فعله الغرب بالعالم.  ثمَّ قل لي: أليس الكيان الصهيونيُّ مؤسَّسًا على أساسٍ دِيني، من ألفه إلى يائه؟ ولو لم يكن كذلك، ما كانت دولته المحتلَّة لأرض (فلسطين)، أصلًا، ولا استمرَّت؟  ولن أستشهد لك هنا إلَّا بتحليلات أحد أبناء القوم (سيجموند فرويد، -1939)(2) حول سِرٍّ من أسرار بقاء اليهود التاريخي، ومقاومتهم للفناء، وتغلُّبهم على الشعوب، من خلال الثقة بالتميُّز الذي رسَّخته فيهم عقيدتهم، بأنهم "شعب الله المختار". وعلى هذا المعتقد جمَّعوا أتباع دِينهم: من (الخَزَر)، و(التاميل)، و(الألمان)، و(الفلاشا)، و(الرُّوس)، وغيرهم، واحتلُّوا بهم أرض العرب، التي لا علاقة لهم بها، إلَّا في دعوَى احتلالٍ عتيقٍ أيضًا، كان قبل ثلاثة آلاف عام.

- مساكين هؤلاء، لا تستطيع أن تُنكِر أنه لم يقيِّض الله لهم نابغةً صهيونيًّا يهديهم سواء السبيل، بمثل قول نابغتنا:

ولَستَ بِمُستَبقٍ أَخًا لا تَلُمَّهُ ... عَلى شَعَثٍ؛ أَيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ؟!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1)  انظر: العكش، منير، (2009)، أميركا والإبادات الثقافية، (بيروت: رياض الريس)، 41.

(2)  انظر: (1986)، مُوسَى والتوحيد، ترجمة: جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة)، 146. 

 

 

سليم مطران القول بوجود (حاجة غريزية لدى البشر الى المقدس الديني، رغم الحداثة والعلم) اصبحت معروفة ومبحوثة في اوربا وامريكا منذ سنوات عديدة. (1) وانا اعيش في اوربا اشاهدها واكتشفها لدى الاوربين ثقافة وسلوكا، شعوبا ونخبا. لكن كل مجتمع مهما كان حداثيا وحتى ملحدا، فان يُعبّر عن هذه (الغريزة الدينية والحاجة الى التقديس) حسب ثقافته وتراثة وديانته الاصلية. وقد تجلى (المقدس) لدى الجماعات الحداثية وغير الدينية بأسم (العقائد الفلسفية والحزبية: شيوعية، اشتراكية، ليبرالية، قومية..). مثلا (نظرية دارون عن الأصل القردي للانسان)، رغم انها (نظرية، أي فرضية لم تثبت بعد)، إلا انها اصبحت (مقدسة) وحلّت محل (قدسية قصة آدم وحواء). كذلك فكرة (الله خالق كل شيء) استبدلت بـ (الطبيعة والصدفة خالقة كل شيء). وفكرة (الكافر الزنديق) استبدلت بـ (الرجعي المتخلف).. وفكرة (العقاب والثواب والجنة الموعودة) استبدلت بـ (حلم المجتمع الفاضل، الشيوعي او الليبرالي، حيث السلام والعدالة والمحبة، حتى مطلع الفجر..)!

يكفينا معاينة طروحات (اللادينيين والملحدين) كي نكتشف انهم لا يختلفون عن (المتعصبين الدينيين) بـ (تقديسهم) لافكار ومقولات لا تقبل الجدل او التشكيك، وكل من يعارضها هو (رجعي متخلف، أي كافر زنديق)!

مثال العراق مع الشيوعيين والماركسيين

لو بحثنا عن هذه الحالة في العراق الحديث، واخذنا مثال (الشيوعيين والماركسين) الذين اعرفهم انا جيدا لأني كنت منهم في شبابي الاول، لوجدنا امثلة لا تحصى عن هذه (المقدسات الدينية التي تنكرت بثياب الحداثة). كان (الحزب الشيوعي العراقي) وما يحيط به من (جماعات ماركسية)، حتى اعوام الثمانينات من القرن الماضي اكبر احزاب العراق بل حتى الشرق الاوسط ومسيطر على 70% من المثقفين والنخب العراقية. وكان غالبية اعضائه وانصاره من الشيعة، ثم اقل بكثير بين الاكراد، اما مناطق السنّة فكانت بغالبيتها تناصر البعث والعروبيين. لهذا قد انتشرت حينها عبارة طريفة: (شين اس ثلاثة) أي: (شيعي، شيوعي، شرگاوي: شرق العراق، أي اهل الجنوب)! (2)

 إذن الحزب الشيوعي، دون قصد، قد ورث من مجتمعه الغالب الكثير من (المقدسات الشيعية) ولكنه البسها (ثيابا شيوعية) انيقة مع مكياج فلسفي ماركسي ورطانة روسية واوربية. هاكم بعض الامثلة:

 ـ مثلما الشيعة لهم (ائمة، جميعهم شهداء!) كذلك اصبح للشيوعية (شهدائهم الابرار) وعلى رأسهم (مؤسس الطائفة الشهيد الرفيق فهد: وهو مسيحي عراقي). وكان شعارنا المقدس (الشيوعية اعلى من اعواد المشانق)!

ـ مثلما الشيعة يقدسون (السيد العلوي) فان جماعتنا قد اختاروا تقديس (العامل البرولتاري)، وكأننا بصورة لا واعية نقول (هذا عامل يشور ـ أي يعاقب) ونكاد (نبوس ايده)، واذا كان (عامل صناعي) فانه اشبه بـ (السيد الموسوي الاصلي)!

ـ مثل أي (دين) في التاريخ، لا بد ان يكون هناك (دين) ينافسه ويعاديه. أما اعداء الشيوعييين فهم (اتباع الله وجميع الاديان). حتى الآن اذا اقسمت بـ (الله) امام أي شيوعي وماركسي، فأنه يكش ويهز ويفز وكأنك اقسمت بأوثان (اللات وعزة وهُبل) امام مسلم!

ـ بما ان (شيعة العراق) يفضلون عموما ان يكون (مرجعهم الاعلى) من خارج مجتمعهم، فان الشيوعيين (الشيعة) كذلك قد اختاروا دائما مراجعهم من (اكراد العراق)، وفي تلك الاعوام كان (آية الله ابو سعود: كاكا عزيز محمد) هو مرجعنا الاعلى، وكنا مبهورين خصوصا بابتسامته السينمائية وشعره المصبوغ بالحنة. وبلغ تقديسنا له الى حد اننا إرتضينا بـ (فتواه القدسية) بتسليم حزبنا كله وبتاريخه وجماهيره الساحقة ووو الى (مرجعه الاعلى منه)، أي (روح الله كاكا مسعود البرزاني) الذي لا زال حتى الآن هو (مرجع الحزب المقدس) وينوب عنه في بغداد (آية الله كاكا فخري كريم زنكنة). ولهذا فأن جميع الشيوعيين والماركسيين حتى الآن مهما تناقروا وتكافشوا بينهم، يتفقون على تقديس (الفتوى الدولارية) التي اطلقتها (مراجعهم البرزانية والطلبانية العليا) بقدسية (حق تقرير المصير والانفصال الكردي عن العراق)!

ـ طبعا كان للشيوعيين ايضا (طائفة سنية) يخاصمونها ويرمون عليها كل مشاكل الكون، الا وهي (طائفة البعث الاموي) المنحرفة عن (الدين القويم). وقد حلّ (صدام حسين) محل (معاوية بن ابو سفيان)، اما (عدي صدام) فكان هو (يزيد بن معاوية)! (والطريف ان الاحزاب الشيعية اقتبست هذا فيما بعد من الشيوعية ولا زالت حتى الآن تعتبر ـ البعث ـ أموي !).

ـ مثلما الشيعة، رغم كل العتبات الشيعية المقدسة التي تملأ العراق، فانهم يفضلون زيارة (الامام الرضا) في ايران، ويطلقون على من يزوره لقب (زاير)! كذلك (طائفة الشيوعية) يقدسون (زيارة موسكو). والذي يرجع منها بعد (الزيارة)، سبحان الله، تظهر على محياه (علامات الايمان الماركسي) فيبدو اشقرا بعيون خضراء!

ـ مثلما الشيعة يقدسون (تربة كربلاء) ويصلون عليها، فأن الشيوعية يقدسون (خمرة روسيا: الفودكا) التي يعتبرونها (المياه الشيوعية المقدسة) التي تُطهّر الروح من (دنس الاديان)! ولهذا فان الشيوعي الذي لا يشرب الكحول وخصوصا الفودكا، فانه يبقى مشكوكا بـ (نقائه الايماني) الى حد تعرضه للتهمة التكفيرية الخطيرة جدا: ( لا زال ملوثا ببقايا التخلف الديني)!

اخيرا اختتم موضوعي بهذه النكتة العراقية الشيوعية جدا:

عراقيان اتفقا على ان يتخليا عن الدين و(يعتنقا الالحاد). لهذا قررا منذ تلك اللحظة ان يتجنبا تماما لفظ اسم (الله). بعد ايام التقيا، واثناء الحديث قال احدهم:

ـ والله العظيم..

فاوقفه الآخر محتجا:

ـ يا اخي، انت نسيت اتفاقنا بأن نترك هذا الاسم الى الابد!

ـ اووووو..ـه.. استغفر الله ، نسيت!

***

سليم مطر ـ جنيف

......................

1ـ عن المقدس في العصر الحديث، طالع مثلا:

ـ كتاب مترجم: المقدس والمدنس/ ميرسيا الياد

هناك دراسة جيدة بالعربية عنه:

http://www.sooqukaz.com/index.php/%D9%81%D9%82%D9%87-%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9/%D9%85%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AF/%D9%85%D9%8A%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D8%B3

Michel Carrier, Penser le sacré. Les sciences humaines et l'invention du sacréـ

LES ECHOS DE SAINT-MAURICE / Le "saint" et le "sacré"/ Philibert SECRETANـ

-Nicolas Coutant /Modernité sacrée

2ـ عن غلبة العنصار الشيعية في الحزب الشيوعي، تطرق لهذا بالتفصيل الباحث الفلسطيني الامريكي الكبير (حنا بطاطو) في كتابه البحثي الشهير: (العراق ـ الكتاب الثاني ـ الحزب الشيوعي)

ومن الامور الطريفة التي يذكرها عن التأثير (الاسلامي في الحزب الشيوعي) انه في اعوام الخمسينات كانت قيادته العليا تتكون ثلاثة شخصيات: الشيعي سلام عادل، والسني عامر عبد الله، والكردي جمال الحيدري. وهؤلاء الثلاثة ينتمون الى عوائل (سادة شرفاء)!

 

 

قاسم حسين صالحفي مؤتمرة الصحفي الذي عقده السيد مصطفى الكاضمي (الخميس 11 /6/ 2020) يلتقط المحلل السيكولوجي عددا من المؤشرات نوجزها في الآتي:

الاول: قوله: "تلقيت تقارير من الأجهزة الأمنية حول خطط قتلي خلال زيارتي إلى الموصل"..ما يعني ان المعركة بينه وقادة احزاب الأسلام السياسي قد بدأت..وأنه في قوله للأطراف السياسية (لست خائفا)..فانه يبعث برسالة للعراقيين بأن ساعة الصفر في معركته مع (حيتان الفساد) قد حان زمن تحديدها..وانه يبعث برساللة للعراقيين  على ان كونوا " سندا لي وأعينوني عليهم" .

وفي هذا ينقسم العراقيون الى فريقين:الأول يرى ان الكاظمي يعمل ترويجا او تسويقا لشخصيته بصفته اول رئيس مجلس وزراء بعد التغيير يختلف عن سابقيه فيما هو لن يجروء على مجابهتم،  لأنهم هم الذين اتوا به، وان الأحزاب الفاسدة لا تنتج قائدا وطنيا، ولن تولّي عليها من يهدد مصالحها.

والثاني يدرك عن يقين بان الكاظمي تعرض الى ضغوط تصاعدت الى تهديد، ما يعني ان الرجل صادق ومدرك ان الأمور ستنتهي الى مواجهة..وان بين العراقيين من منحه ثقته وبينهم من علقها لحين ساعة الفعل.

(كان اول مقال وجهناه للسيد الكاظمي بعنوان:عليك بالفساد اولا,,نشر في الزمان والحوار المتمدن)

المؤشر الثاني: قوله اننا اضطررنا الى استقطاع الرواتب لنقص السيولة يحمل  تفسيرين:

اما انها كانت باقتراح من مستشاريه وقبله مكرها.. وهو احتمال ضعيف، واما انه وظفّها بذكاء بهدف جس نبض الشارع ليوصل نقمة العراقيين على حيتان الفساد الذين استفردوا بثروات العراق وعزلوا انفسهم في 10 كيلومتر مربع تاركين الشعب يعاني الفقر والعوز فيما هم مرفهون بالمال الحرام.وأظنه قصد ان يوصل رسالة خاصة الى من اشاع الفساد في زمن حكمه، وحابى وداهن وخان الأمانة بقوله(لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).

المؤشر الثالث  :حملت  لغة الجسد  في مؤتمره الصحفي هذا انطباعين متضادين عند العراقيين:

- فريق وجد انه لغة جسده تكشف عن انه ليس صادقا في نواياه،  لانه اكثر من مفردة (بصراحة)، وان لديه مشاكل في النطق ومخارج الحروف تضعف من تأثير لغته..فيما تحتاج مثل هذه المواقف الى خطيب بارع.

- وفريق وجده متوازنا في لغتيه الكلامية والجسدية  ما يوحي  بانه صادق..ويثير التعاطف معه.

وسيكولوجيا، ان العبارة الصادقة يختبرها المتلقي في تعابير وجه قائلها ومستوى الصوت..وما كانت واضحة عند الكاظمي بقدر ما كانت تكشف ان الرجل (في حيرة من أمره) وانه لم يتخذ القرار بعد ولكنه يهيأ له بحذر لضمان نهاية محسومة ..يريد فيها ان يكون المنقذ المخلّص..ويعرف انه لن يكون ما لم يحدث اليقين عند العراقيين.

موقف:

ليس مضطرا ان يعلن السيد الكاظمي عن موقفه الرافض للتهديد بتصفيته جسديا ليكسب تعاطف العراقيين، وليس صحيحا  بانه في موقفه هذا يخدم الفاسدين بامتصاص نقمة الناس ضدهم. ونرى ان الموقف الصحيح هو دعم توجهات الكاظمي في تحقيق ما وعد به...مع تنويه خاص بالمتظاهرين، ان  لا تخدّر مثل هذه التصريحات مواقفهم وتحد من نشاطهم بتحقيق هدفهم في (نريد وطن)، وان يمنحوا السيد الكاظمي دعما،  باشعاره  بانهم معه طالما هو مع الشعب العراقي ويعمل على استعادة هيبة الوطن وكرامة اهله.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

 

 

 

عبد الجبار العبيديحرية الحكم في الاسلام ايمان صادق، وليست غاية الامر فيها انها مصلحة ونظام مستعاركما يعتقد الاسلاميون اليوم.. فعليهم ان يعيدوا قرائاتهم .

اساليب كثيرة تصور الحقيقة الدينية وكيفية استخدامها من اجل تطبيق الحرية الانسانية في الحكم مستمدة من العقيدة، دون تضيق على الناس كما في حرية العبادات .فالحرية في الاسلام لا تشترط الاعتقاد الديني وانما تشترط الالتزام بالعدالة في التصرف تجاه الاخرين بمقياس موزون خالي من الاعتداء عليهم.. بعيدا عن التزييف.. لذا فالاعتداء محرم بنص.. ولهذا حول المتمردون على النص تطبيقات العقيدة الاساس الى هالة العمامة والجبة واللحية والسبحة ورأي الفقيه الذي لا يُعارض من قبل العامة من الناس.. فأنهوا لب العقيدة وما تهدف اليه.. بعد ان صنعوا لهم جملة من الجهلة الذين يعتقدون بهم.. فتحولت العقيدة الدينية الى تقليد..

الانسان يختلف من واحد الى أخر في النظر والتقييم في الحس والوجدان، ومع هذا الاختلاف فلا بد للانسان ان يكون خليقاً في العلم والعمل ملتزماً بهما، فبالعلم تُثبت الحقيقة حتى لو تضاربت مع راي علمي أو ديني اخر، وبالنظرة الدينية وان اختلفت تبقى الحقيقة تابعة للاثبات بالتحقيق.. .لذا فالعقيدة الاسلامية لا تتعارض مع العقائد الاخرى لقوة في الحجة والبرهان.. فالتعارض زمني.. لتبدل صيرورة الزمن.

 بهذه النظرة العلمية يتلاقى رجل العلم ورجل الدين من كل الأديان والملل،وتبقى القناعة بينهما وان اختلفت محصورة بضمير الاثنين وعقلهما دون الحاجة الى التعنت في الرأي من اجل الأثبات.. فالدين ليس اجبارا ً او حكراً على احد بل قناعة منطق لكل الاخرين " لكم دينكم ولي دين".... وهذا مارفضه فقهاء الاسلام لقصرِ نظرهم في جدلية القول بالنص دون تغيير.. وما دروا ان بالتوجه المشترك الصحيح تتحقق الحرية الدينية والعلمية معا دون ان تتركا اثرا في التباعد والتفريق.. باعتبار ان الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام كل منهما مكمل للأخر ومن مصدر واحد هو الله.. نظرية لم يدركها الفقيه فتباعدت عن فكره بعض من يدعون الدين دون الفكر التجريدي بعد ان دخلت السياسة مناصرة للدين.

فالديمقراطية اليونانية القديمة مثلاً كانت وهماً في التطبيق الحرعلى كل الناس.. فهي تختلف في التطبيق بين الحكم السياسي والفقهي والعسكري كل يطبق حسبما يريد وتبقى ضروب الحكم للشعب ليس له فيها من نصيب.. فهو نظام عملي قائم على ضرورات الواقع وليس للمبادىء السياسية او الدينية دور في تطبيق الاراء مهما اختلفت او توافقت.. بينما النظرية الاسلامية تتوافق معه في الرأي لكن المصالح الخاصة لفقهاء السلطة قد تغلبت على مصالح العامة فجاء التطبيق فاشلاً وناقصاً.. فبقي الاسلام راكدا دون تحريك.

من الشريعة ينبثق القانون ثم يعرض بحرية التصرف في القبول فاذا تم التوافق بين العالِم والفقيه يُحول المقترح الى قانون مُلزم لا يجوز اختراقه الا بقانون.هنا تتحول القوانين الى امانة بيد مطبقيها لا يجوز استغلالها لاي سبب او ظرف كما هي اليوم عند الاوربيين في مسلة القوانين.. من هذه الحرية المتناهية في تطبيق الديمقراطية ظهرت الدساتير وهي الضمانة الكبرى في تطبيق القوانين ظمانا لحقوق الناس.. فالقانون لا يخدم الامبراطور او الرئيس بل يخدم عامة الناس،هذه الخاصية موجودة في القانون الاسلامي.. .لكنها سائبة التطبيق .

الشورى في الاسلام تعني الديمقراطية في حكم الناس واختيار الحاكم بحرية مطلقة وليس حيلة من حيل الحكم لحسم فتنةٍ او تطبيق نظرية الطاعة والانتفاع، وانما هي صفة من صفات الحكم تقوم على اربعة أسس هي:" المسؤلية الفردية، ومساواة الناس في الحقوق الاساسية، ومسئولية ولاة الامور في تطبيق القانون على انفسهم والناس، والتضامن بين الناس لتنفيذ الحقوق".. نظرية اختُرقت منذ البداية.. حين ظهرت سلطة ولي الأمر التي تولت سلطة الدولة الدينية فهي مسئولة مباشرة عن تطبيق الحقوق للمواطن والحاكم معا.. وهذا مفقود في سلطة السياسة المنفتحة التي تحكم باسم الاسلام اليوم.. لتفسيرآية ولي الامر تفسيرا فقهياً بعيدا عن الحقوق والقانون.

فأولو الامر جمع لا مفرد له من جنسه.. وليس جمع لولي.. فجمع ولي آولياء.. وهم المقدمون من الجماعة.. وهم من الجماعة وليسوا عليها ولاة.. هذا المعنى عاب عن الجماعة الاسلامية في البداية فقالوا حين اختلفوا منا أمير ومنكم أمير.. غير ان التجربة الدينية كانت في بدايتها.. لذا سرعان ما تم تطويق الازمة بعد ان تغلبت روح المؤاخاة التي جاء به الرسول (ص) فأنتهوا الى تطويق الفرقة،وأمكن ان يجتمعوا على خير.. لكن المشكلة ظلت معلقة طيلة فترة الخلافة الراشدة.. فكانت سببا من اسباب الضعف العام في الدولة الاسلامية حتى سقوطها عام 656 للهجرة.

ان عقيدة الانسان هي ميزان اخلاقه وعنوان ارائه في الحق والعدل والمعاملة المُثلى والحكومة الصالحة، ولم نعهد في اية فترة من فتراة الحكم الاسلامي ان طبقت هذه القيم في المجتمعات الاسلامية،والتي قامت على حرية التعبير عن الرأي وحرية الاختيار.. فظل ناقوس التنبيه يدق ليصحح ما يحتاج الى تصحيح وتصفية ما يحتاج الى تصفية لازالة ما علق بالأذهان.

 من هنا نقول ان الاسلام شيء والمدعين به شيء اخر.. هكذا فآلوا الأمر في الاسلام بعد هذه الاختلافات الفقهية.. اصبحوا لا يختلفون عن كهنة الاصنام قبل الاسلام الذين حكموا الناس بالتعاويذ وشفاعة الرشوة وهدايا النذور الباطلة.. كما هم فقهاء المذاهب اليوم الذين ابتعدوا عن الثوابت في تآويل النص.. حتى ساقوا الناس الى تفريق خاطىء بمرور الزمن فاصبح حقيقة ساقت الناس نحو الأبتعاد عن الصحيح.. فالدين الاسلامي براء من هذا التوجه الخطير.

اما مفهوم السيادة فقد جاءت كسند للحكم في الاسلام وقد شمل السياسة، والتشريع، وولاية الامور العامة معاً لكسب الطاعة والعمل بامرها دون تعصب من شيء.. .لكن الخطأ الذي رافقها هو ربط السيادة بالحاكم.. هذا الربط لا يرتبط بالسلطة الالهية المطلقة التي فوضت سلطة الدين سيادتها لهم بعد الله كما يدعون باطلا، حتى نسبوا لانفسهم قدسية النص (قدس سره) والقرآن يرفض هذا التوجه في الاية 174 من سورة البقرة.. وانما ينص على انها عقد بين الله والمخلوق يُشرف عليها الحاكم المطاع وفق مقاييس الحق والعدل بين الناس بالتشريع .

وتبقى الحقيقة الدينية مسألة نظر فلسفية تحتاج الى قناعة المنطق لتستقرفي الأذهان.. لذا في غالبيتها تقاوم من الاخرين الذين لا يقتنعون بالحاكم رغم ما لديه من القوة ووسائل القهر.. هنا نظرة التأمل.. في التحقيق الصحيح للسيادة لأن الدولة تتطور وتتغير فيها مصادر السيادة لذا فالسيادة لا تعتمد على مصدر واحد بعد أن اقرَ الاسلام ان النبي بشر ليس له من الأمر شيىء.. حتى قيل :" لا تجعلوا خطأ الرأي سُنة للأمة".. لا طاعة لأحد في مخالفة الشريعة اي القانون.. ولكن أين لنا من يفهم ليُطبق..

أماالحكم الديمقراطي في الاسلام فهو قائم على حرية المحكوم في الاختيار، واما العرض فهو النصوص الدستورية وقوانين الانتخاب وصناديق الأقتراع.. فهي وسيلة الحكم الصحيح.. وليس من احد له حق التدخل والتأثير والتزوير بالمطلق بأسم جدلية العقيدة في الدين.. وهذا ما نعاني منه اليوم.. حين اخترعوا لنا الكتل النيابية بعد الانتخابات فتجمع الباطل المصلحي لافساد رأي الناخب الصحيح.. كما أفتت المحكمة العليا العراقية خطئأ في انتخابات 2014 وجَرت علينا كل هذه الاختلافات في التطبيق.. فالقضاء يعلم ان كل شيء له تخريج الا القضاء في العدل مطلق لا يقبل التغيير..

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

حاتم السرويعندما أقرأ في سير وتراجم العلماء الغربيين الكبار الذين أثروا مسيرة الحضارة الإنسانية أكون مستمتعًا وحزينًا في الوقت نفسه.

مستمتعًا بالمعلومات التي أحصل عليها والتي تقفز بوعيي نحو الأعلى والأقوى، وبفضلها يتسع إدراكي وتزداد ثقافتي، ومستمتعًا بالقيم التي قامت عليها عظمة أولئك النفر، بقيمة احترام العقل عند أرسطو، وذم التقليد والاستناد الخالص إلى التجربة العملية عند جاليليو جاليلي.

جاليليو الذي نتمنى أن يبرز في عالمنا العربي رجل مثله، إنه العالم الإيطالي الذي عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، والذي توقف عن دراسته الجامعية لأسباب مالية، فهل أوقف الفقر مسيرته؟ هل استسلم بعد أن قطع شوطًا كبيرًا في التعليم ثم ألجأته الفاقة إلى قطع المسيرة؟ لا، لم يستسلم، وبكل عزيمةٍ ومضاء راح يواصل تعليم نفسه بنفسه، حتى اعترفت الجامعة بفضله وتم تعيينه مدرسًا.

 ولا أدري لماذا لا نساعد النابهين من أبنائنا في المجالات العلمية، لماذا لا نهتم إلا بالفنانين وأخبارهم؟ وهل ستقوم حضارتنا التي نأمل فيها أن تقوم (بالفن وحده)؟! لماذا عندما انهار الاتحاد السوفيتي ذهب علماؤه للولايات المتحدة واستقبلنا نحن الراقصات ولاعبات السيرك وبائعات الهوى؟.

جاليليو لم يكمل تعليمه ولكن عبقريته فرضت نفسها على أمة كانت ولا تزال تحترم العباقرة، بل إنه بعد أن حصل على وظيفته بالجامعة وجد فرصة أرحب وأفضل في كلية (بادو) فقام بالتدريس فيها ، وفي تلك المرحلة أنتج أعظم أعماله العلمية.

وكانت له إنجازات عظيمة في الميكانيكا، وكشف أمام العالم أن (أرسطو) على جلالة قدره يمكن أن يخطئ لأنه بشر، هكذا بكل بساطة، ألم يقل أرسطو أن الأشياء الثقيلة يكون سقوطها إلى الأرض أسرع من الأشياء الأقل ثقلًا؟؟ نعم قال ذلك، وسار خلفه العلماء مئات السنين، وبعد قيامه بالتجارب العلمية اكتشف جاليليو أن أرسطو جانبه الصواب؛ ذلك أن سرعة سقوط الأجسام الخفيفة والثقيلة واحدة إلا إذا.. إلا إذا تدخل في الأمر احتكاكها بالهواء.

والجميل والجديد في تجارب هذا العالم الجليل أنه وضع لها القواعد الرياضية التي تصف حركة سقوط الأجسام وسرعتها، وجميلٌ أيضًا اكتشافه لقانون القصور الذاتي؛ فقد آمن الناس ولم يؤمن هو بأن الجسم تظل حركته تقل تدريجيًا إلا إذا تدخلت قوى أخرى ودفعته للحركة.

لكن الجليل جاليلي اكتشف العكس! فالجسم يظل متحركًا إلى ما لا نهاية ما لم يعترضه جسم آخر، أو أي عامل من شاكلة الاحتكاك بالأرض أو بالهواء، وهذا لم يكن مجرد اكتشاف؛ فقد كانت له قوة جعلت نيوتن يجعله القانون الأول للحركة، قانون القصور الذاتي.

ورغم فاعلية هذه الاكتشافات فقد كانت لجاليليو اكتشافات أعظم منها، انها اكتشافاته الفلكية؛ فهو الذي أكد أن العالم البولندي كوبرنيكوس كان على حق وأن الشمس هي مركز عالمنا والأرض حولها تدور، وعندما سمع باختراع التلسكوب في هولندا عمل فورًا على استخدامه بل وتعديله، وبفضله عرف جاليليو الكثير واهتدى إلى معلومات عظيمة غيرت مسار البشرية العلمي.

فالقمر ليس جسمًا مستويًا ولا كامل الاستدارة، وإنما هو كالأرض التي نعيش عليها فيه الوديان والصخور والمرتفعات، وسمع الناس يقولون "الطريق اللبني في السماء" أو Milky way فلم يجد طريقًا ولا وجد لبنا ! فقط رأى مجموعة لا نهائية من النجوم، وهي بعيدة جدًا لا تدركها العين.

ونظر إلى الكواكب فعلم أن كوكب زحل تلفه دوائر، ورأى حول كوكب المشترى أربعة أقمار، وبذلك أرشدنا إلى إمكانية وجود أقمار أخرى تدور حول كواكب أخرى غير أرض.

ويعود الفضل إلى جاليليو في التمكين أكثر فأكثر لمفهوم الاستقراء العلمي والتجريب ورفض ما يقوله الناس طالما قالت الحقائق العلمية بخلافه، ورغم خلافه العميق مع كنيسة روما الكبرى أو (الفاتيكان) وهي المرجعية الأولى والأهم لكل مسيحيي العالم من طائفة الكاثوليك والتي رفضت وجرمت القول بدوران الأرض حول الشمس؛ فإنه لم يعلن إلحاده ولا فكر في هذا الإلحاد أصلًا؛ ببساطة لأنه يمكن الجمع بين الثقافة العلمية وبين الإيمان، واستمر جاليليو في أداء شعائره وعباداته حسب الدين الذي نشأ عليه.

وهناك من العلماء في أوروبا من لا يقل أهمية عن جاليليو؛ ومنهم على سبيل المثال (لوي داجير) هل تعرفونه؟ إنه مخترع التصوير الفوتوغرافي... لا لا، أرجوكم لا تقولوا أن التصوير أقل أهمية من الفلك والفيزياء.. تعالوا معي لتعرفوا قيمة الصورة وقامة (لوي داجير).

ولكن قبل ذلك أذكركم بما يلي:

لاشك أن الاختراع هو أصل التقدم والعمود الفقري لعملية التحديث؛ والحضارة الغربية هي بالأصالة حضارة صناعية، ولا تصنيع دون ابتكار، كما أنه لا يوجد ابتكار بغير اختراع، والفارق بين الاختراع والابتكار أن الاختراع هو التصميم النظري القائم على البحث العلمي، أما الابتكار فهو التنفيذ العملي، وفي هذا المقال نذكر لكم مثالًا ونموذجًا على أهمية البحث العلمي ودوره في إحداث واحد من أهم الاختراعات التي نقلت البشرية إلى الأمام وغيرت مجرى الحضارة.

نعم غيرت مجرى الحضارة؛ فهل يخلو بيت من ألبوم أو ألبومات صور؟ وهل يخلو بيت من صورة شخصية لرب الأسرة وكبير العائلة وللأعزاء على القلوب، آباءً كانوا أو إخوة... إلى آخره؟ بل نتسائل: هل تخلو مجلة أو صحيفة من صور توضع بين يدي المقالات والأخبار؟ لا تخلو بالقطع؛ بل إن للتصوير فيها قسمٌ خاص.

فإذا كان للتصوير الفوتوغرافي كل هذا الانتشار، وإذا كانت الصورة لابد منها لبطاقة الهوية وجوازات السفر؛ فمن تراه الذي عمل على اختراع التصوير الفوتوغرافي؟.

لوي داجير.. هذا هو الشخص الذي عمل على  تطوير اختراع التصوير الفوتوغرافي منذ عام 1830، يااااه إنه عهد مبكر للغاية، نعم فنحن نتكلم عن القرن التاسع عشر، 190 سنة هي عمر التصوير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وداجير كان عمره حينها 43 سنة؛ فقد ولد عام 1787م وتوفي عام 1851.

كان ميلاد (لوي) في مدينة (كورجي) شمالي فرنسا، وقد بدأ حياته رسامًا، وعندما وصل إلى الثلاثين من عمره اخترع طريقة لعرض اللوحات مستعينًا بأسلوب خاص في الإضاءة، وإذ كان مشغولًا بهذا الفن فقد حاول أن ينقل مناظر الطبيعة آليًا أي بدون رسمها.

وعلى هذا فقد حاول أن يخترع (الكاميرا) وفشل، ولكنه لم يعرف اليأس، ومنذ متى كان العباقرة يعرفون اليأس؟ ولأنه كان من أصحاب الهمم والعزائم فقد أعانه القدر بأن قابله بصديقه (جوزيف نيبس) عام 1827م، وكان هذا الرجل يحاول اختراع كاميرا وقد حالفه التوفيق إلى حدٍ ما.

فأصبح داجير ونيبس صديقين، وبعد لقائهما بفترة قررا أن يعملا معًا، وشرع داجير في تطوير اختراع الكاميرا  منذ عام 1830 على ما أسلفنا، وبعد هذا التاريخ بثلاثة أعوام توفي (نيبس) وصمم داجير على المضي قدمًا في محاولاته، وأخيرًا نجح في عام 1837 أي بعد أربع سنوات من وفاة صديقه في ابتكار نظام عملي للتصوير الفوتوغرافي (نظام داجير).

وفي عام 1839 لم يكن قد سجل اختراعه بعد ولم يأخذ براءته ولكنه عرض محاولاته في العلن، وقررت الحكومة الفرنسية معاشًا سنويًا له، ولاقى اختراعه اهتمامًا عالميًا كبيرا وصدىً واسعا، ونظر الناس إلى داجير بوصفه (بطل هذا العصر) وسعت إليه الألقاب، وأقيمت له حفلات للتكريم في كل مدن فرنسا، أو فلنقل في كثيرٍ منها، وبعد هذا المجد خلد لوي داجير إلى الراحة واعتزل الحياة العلمية، وفي سنة 1851 رحل عن عالمنا مخلفًا وراءه اختراعًا في غاية الأهمية.

ورغم القفزات التي حدثت فيما بعد للتصوير الفوتوغرافي والسينمائي لكن الفضل يرجع أولًا إلى داجير، ويرى بعض المؤرخين أن مكانة صديقه (جوزيف نيبس) لا تقل عنه بحال؛ فقد اكتشف مادة إذا وضعناها على ورقة في كاميرا وفتحنا هذه الكاميرا ودخل الضوء من خلال إحدى العدسات فإن الكاميرا تطبع الصورة على هذه الورقة، لكن لا يسعنا إلا الإشادة بداجير ومجهوده الرائع في اختراع الكاميرا.

وكاميرا داجير على أهميتها بدائية في الواقع؛ فقد اهتدى العالم البريطاني (تاليوت) إلى أسلوب أرقى وهو التقاط النيجاتيف ثم تحميض الصورة وطبعها على النحو الذي عرفناه وظل متبعًا حتى أوشك أن يصبح بدائيًا هو الآخر بعد اختراع الكاميرا الديجيتال، وأسلوب تايلوت لطالما شاهدناه في أفلام السينما، وفي بعض المشاهد الكوميدية نرى جيران المصور يخافون الاقتراب من غرفته بسبب الضوء الأحمر الخافت المنبعث منها ثم تخرج ضحكاتنا على رد فعل الجيران عندما يكتشفون أن الغرفة هي غرفة مصور فوتوغرافي، ولم نعرف حينها وحتى الآن لا يعرف كثيرون أن مخترع هذا الأسلوب هو (تاليوت) البريطاني.

وبعد اختراع تاليوت عرفنا كاميرات أحدث وأكثر مرونة وتطورًا، وعرفنا ورق التصوير الحساس، المبلل أو الجاف، والأفلام الخام سواءً للتصوير السينمائي أو العادي، كما عرفنا أفلام (البولارويد) التي تلتقط الصورة التي تعمل على التقاط الصورة ثم نعرضها للشمس فتجف وتظهر ألوانها سريعا.

ورغم هذا فإن داجير قبل تاليوت وقبل الطفرات التي حدثت في فن التصوير الفوتوغرافي يعتبر هو الأصل وهو الخطوة التي كان لابد منها، وإنه ليذكرني بالبارودي باشا في الشعر ونظم القصيد، فالبارودي كان له فضل الإحياء وتبعه إسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم حتى وصلنا إلى الشعر الحر، وكذلك لوي داجير هو الذي أسس فن التصوير الفوتوغرافي وتبعه تاليوت حتى وصلنا إلى الديجيتال؛ ومن حق داجير علينا أن نشكره ونحترم ذكراه، ونتمنى أن يبرز جيل يحترم العلم ويعمل على الاختراع؛ لأن الاختراع هو الذي جعل أوروبا تغزو العالم بالعلم.

وختامًا أقول أنه لا غنى عن العلم، لا غنى عن التعليم، أرجو أحبائي وإخوتي في كل الدول العربية أن يتركوا لأنفسهم فرصة اكتساب الثقافة العلمية الطبيعية وأن يهتموا بالقسم العلمي في المرحلة الثانوية وأن يدعموا الكليات العلمية في جامعاتهم، وأطالب الصحفيين أن يخصصوا للعلم صفحات في جرائدهم، وأن يجعلوا من العلماء نجومًا كالفنانين، فالإعلام هو الذي يصنع نجومية الفنان؛ فليصنع إذن نجومية العالم، أليس العالم أكثر فائدة من البعض؟ البعض الذين يكتسبون المال بأداء فني باهت ومسلسلات تؤدي إلى فشل خلايا الدماغ.. العلم أولاً وقبل كل شيء.. بهذا الشعار وحده تقدم الغرب.

 

حاتم السروي

 

 

محمد بنيعيشالمجتمع الإنساني مجتمع الأخذ والعطاء والإعارة والاقتباس، والحقوق والمساواة، والمعرفة والتعارف والتواصل والتدافع، وتبادل المصالح والمنافع:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

وقضية الفلسفة في العالم الإسلامي كانت وما زالت متأرجحة بين الأخذ والرد وبين القبول والرفض، سواء من حيث مادتها كمعرفة إنسانية وتحصيل نظري، أو من حيث منهجها كوسيلة للبحث وضبط مساره واستنتاجاته مثل المنطق نموذجا، إذ أن هذا الأخير سيوقف منه مواقف متفاوتة، ربما كان الغالب هو تجويز العمل به وتوظيفه على نطاق واسع باعتباره معرفة إنسانية غير مرتبطة بأشخاص أو أمم معينة، ولا ضرر فيها على العقائد الدينية إذا سلمت نوايا مستخدميها كما يقول أبو حامد الغزالي، "وأما المنطقيات فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا بل هو النظر في طرف الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه، وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر، بل هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات وبزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات"[1]

ويمضي الغزالي في بيان التعامل مع قضايا الدين وخاصة في الجانب العقدي ودور المنطق في حسم الخلاف والنزاع حول قضايا تأويلية فيقول: "قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة وما إلى ذلك من التفصيل والمتنازع فيه يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم، وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم، فإن قال: خصومك يخالفونك في ذلك الميزان، فأقول: لا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه ولا يخالف فيه أهل المنطق لأنه موافق لما شرطوه في المنطق غير مخالف له، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات وبه يعرف الحق في الكلاميات..."[2]

بل إننا قد نجد ابن تيمية المتسلف وهو ما عليه من رفض للمنطق والمنطقيين وتهجم عنيف على الفلاسفة ومعهم المتكلمين وكثير من الصوفية يعترف ببعض فوائد علم المنطق ولا يرى أن كل قضاياه خاطئة سواء في بداية موقفه أو بعد التراجع عنه كما يصرح بأنني: "كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد، ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت من صدق كثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا..."[3]

ولسنا الآن بقصد استعادة المواقف الماضية وتحليلها من حيث قبول أو رفض الفلسفة والفلاسفة ومعهم مصطلحاتهم، ولكن عرضنا لبعض هذه التعليلات والمبررات تدخل في باب بيان أن الفكر الإسلامي قد عرف حرية نظرية واسعة الآفاق، ومع ذلك كان يضع في حسبانه الضوابط المنهجية والمبادئ الثابتة للحليلولة دون الانجراف في مهاوي التطرف اللاعقلي، وأركز على كلمة اللاعقلي بدل العقلي، لأن العقل في حد ذاته معناه الضبط والربط والحد وسد باب الإهمال على قاعدة "اعقلها وتوكل". أما اللاعقلي فهو كل ما يخاض فيه أو يتوهم به العقل بينما يكون أبعد عنه كل البعد وأشرد من بعير في حر الهجير!

إذ أن من مظاهر التطرف اللاعقلي رفض الاستناد إلى ما هو نصي بزعم عدم التقليد، سواء أكان هذا النص دينيا مقدسا أو كان نصا فكريا مرتبطا به تفسيرا وبيانا أو تحليلا ودراسة، لأن العقل الفلسفي المرادف للحكمة كما يزعم مفسرو الفلسفة ومتقمصوها يتطلب تحليل كل ما هو موجود ووضعه في قالب فكري ونظري له صبغة كلية يصبح بها قاعدة فلسفية تساعد على إدراك ماهية الأشياء وتحليلها في جوهرها.

ومن خلال هذا النقص أصبحت الفلسفة ذات طابع تقليدي، على نمط تقليد المتسلف وكذلك المتمصوف غير المتبصر لبعض شيوخه المزعومين، بل هي على أسوأ صورة للتقليد الأعمى. إذ أن التزام النص الديني أو النصوص المفسرة له تقليدا سيكون أكثر دقة وبيانا وثباتا وموضوعية بالنسبة للمعتقد فيه، لأنه يرى أنه كله حق ولا يتسرب إليه الغلط أو التوهم والخرافة، ومن هنا فإن المعاني المتولدة من هذا النص هي صحيحة وصادقة رغم اختلاف أصحابها في صياغتها أو تفاوتهم في إدراكها طالما أنهم يبحرون في النص وينطلقون منه وإليه، إذ اختلاف الصيادين في حصيلة صيدهم ليس معناه أنهم خارج محيط البحر الذي يستمتعون بمعطياته!

أما التقليد الفلسفي فهو تقليد ما ليس بمقدس أو مضاف إليه، إذ التزام ما فيه شوائب الخطأ والانزلاق وتضارب الآراء بوفرة قد يصل إلى درجة التهافت كما وصفها الغزالي فيما مضى، ومن هنا فلا يحق لفلاسفة عصرنا أن يعلنوا الثورة على النص المقدس لكي يضعوا عوضه نصا ملوثا إما بوثنيات ترجع إلى عصر ما قبل الميلاد، وإما بلوثات ترجع إلى القرون الوسطى عند الأوربيين أو بلوثات ما يسمى بعصر الأنوار توهما وما تلاه من أيديولوجيات نظرية وإقليمية أفرغت الفلسفة من محتواها الرئيسي وهو طلب الحقيقة والنظر بحكمة إلى الأشياء سواء من حيث تحديد ماهيتها أو صياغة وظائفها في مجال السلوك الفردي أو الاجتماعي على حد سواء.

فالتقليد النظري والمنهجي عند الفلاسفة يكاد يتطابق بين الماضي والحاضر، بحسب الأبعاد والغايات المتوخاة منها، إذ الفلسفة منذ القدم كما يقول جميل صليبا، لها غايتان هما: 1) إدراك أسرار الوجود 2) تنظيم سلوك الإنسان في الحياة، فالمسألة الأولى نظرية والثانية عملية، وإنك لتجد هاتين المسألتين في آثار الحكماء السبعة (القرن السابع ق.م) وتجدهما في آثار الطبيعيين والفيثاغوريين وتجدهما في فلسفة سقراط الذي قال فيه شيشروت أنه أنزل الفلسفة "من السماء إلى الأرض" أي وجه الأنظار إلى البحث في المسائل الخلقية، وتجدهما في فلسفة أفلاطون وأرسطو والأبيقوريين والرواقيين، حتى إن الفلسفة الأفلاطونية الجديدة لم تخل منهما، وكذلك فلسفة العرب، وفلسفة القرون الوسطى والفلسفة الحديثة، وممن ذهب إلى ذلك أيضا (كانت 1724-1804) الذي جعل همه البحث في هاتين المسألتين: ماذا يمكننا أن نعمل؟ وماذا يجب أن نعمل؟ فالمسألة الأولى نظرية تأملية أما الثانية فعملية.

وتدور مباحث الفلاسفة في أيامنا حول هاتين المسألتين الأساسيتين: المسألة الأولى انتقادية تحدد فيها قيمة العلم، والمسألة الثانية خلقية تبين فيها قيمة القواعد التي يجب أن يسير عليها الإنسان في حياته"[4].

إذن فالفلسفة الحديثة من هذه المقارنة المبدئية هي ذات حلة تقليدية وانتقادية متناقضة (لأن التقليد يتنافى مع الانتقاد) تعود بفكر الإنسان إلى ما قبل الميلاد إن لم نقل إلى ما قبل التاريخ، ومع ذلك نجد المتعاطين لها عندنا وفي عصرنا ينظرون إلى نصوصها نظرة شبه تقديس بل يدافعون عنها بأقصى ما لديهم من طاقة فكرية بطالة، رغم أن تلك النصوص كما قلنا غير مقدسة ولا هي علمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلا أن هاجس مصطلح الفلسفة وضخامته في النفوس المريضة جعل التشبث بها عند هؤلاء لهذا المستوى على سبيل المجاراة والمداراة وعلى سبيل التبعية والاستلاب!

ولقد كان مفكرونا وفلاسفتنا في الماضي أكثر وعيا بما هو كائن وبما ينبغي أن يكون، بحيث لا فرق عندهم بين المسألتين في ميزان العقل السليم والمصون وإنما حيثما وجدت الحكمة فتلك ضالتهم، كما نجد هذا التعبير الجميل لأبي حامد الغزالي يحدد فيه طرق الأخذ أو الرد من أقوال الفلاسفة وكتاباتهم: "ولقد اعترض علي بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معناها في كتب الصوفية. وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه مؤيدا بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة فلم ينبغي أن يهجر ويترك؟ فلو فتحنا هذا الباب وتطرقنا إلى أن نهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات الله، وأخبار الرسول وحكايات السلف وكلمات الحكماء والصوفية، لأن صاحب كتاب "إخوان الصفاء" أوردها في كتابه مستشهدا بها ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه في كتبهم، وأقل درجات العالم أن يتميز عن العامي الغمر فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجام"[5].

فالأخذ أو الرد ينبغي أن يكون مؤسسا على مقاييس علمية موضوعية، الغاية منها هو تحصيل الحق والاستنتاج السليم اللائق بمفهوم العلم ووظيفته الاستكشافية، ولهذا فسواء كان التقليد لما قبل النص أو للنص أو لما بعده فالأمر سيان إذا كان الهدف هو طلب الحق، ومن هنا فالفيلسوف ينبغي له أن لا يتعارض مع مقتضيات الدين الصحيح، كما أن المتدين ليس من إنصافه أن يرفض آراء الفيلسوف إن كانت سليمة وصحيحة، ومن ثم فالفلسفة لا تعني محاربة الدين، أو أن الفيلسوف ينبغي أن لا يكون متدينا حتى ينعت بالفكر والعبقرية النظرية، بل عل العكس من ذلك فإن تدينه بدين الحق هو تعبير عن صدق فلسفته وموافقته للصواب، لأن هذا التدين قد يدخل في مقتضيات نظره السليم وكيسه كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة " الحديث.

ولهذا فكان لا بد على كل فيلسوف أن يبحث عن الدين الحق الذي يضمن له الامتداد في فلسفته وتطويرها بدل أن ينزلق في بطالة فكرية، فيصبح حينئذ لا هو فيلسوف متحرر ولا متدين مقلد ومسدد، وإنما تقليده يكون مؤسسا على الاتباع الخروفي (نسبة إلى منطق القطيع) مما يترتب عنه التفكير الخرافي و الجزافي والانحرافي، وهو الشيء الذي حذر منه المفكرون المسلمون سواء منهم القابل للفلسفة أو الراد لها فيما مضى، بل الأدهى من هذا هو اللجوء إلى نطح المنتج له والراعي لمصلحته .وحينها فلا يستطيع أن يتخلص من تقليده الأعمى للفلاسفة اليونان وغيرهم، وأيضا في تبعيته الخروفية للفلاسفة الغربيين المحدثين من وجوديين وعدميين وعبثيين وتشاؤميين ووضعيين وشيوعيين ورأسماليين، وجدليين ماديين وفرويديين وسلوكيين...إلخ. مما أصبح اصطلاحهم مودة العصر وطراز الخطاب المستهلك في ساحة الإعلام الثقافي والأيديولوجي والخبط والخلط بين العلمي والسياسي والواقعي والطوباوي الوهمي وما إلى ذلك.

هذا النكوص الفكري هو الذي جر الفلسفة والنظر المعاصر إلى تكريس العنصرية بأجلى مظاهرها واستكبارها وبالتالي بناءها على الميثولوجيا والأسطورة ونظرية الغول والوحش المخيف، والدم الآري والأزرق الملوكي والأسود والسامي الدوني، والسادي المعتدي والنرجسي وحدث ولا تبالي من متلازمات و أساطير أوديب وإلكترا ...فنتج عن هذا الرأسمالية والنازية والشيوعية والوجودية والنفعية والعبثية وغيرها مما تهدد معها بقاء البشرية واستمراريتها؟فهل منمراجعة لكبح الأساطير والعودة بالفكر الإنساني إلى ساحة الحق ومركز الإدارة والتغيير؟... 

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..................

[1] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 26.

[2] الغزالي: المنقذ من الضلال.

[3] ابن تيمية: الرد على المنطقيين، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت ص 3.

[4] جميل صليبا، علم النفس – دار الكتاب اللبناني، ط 3 – 1972. ص 32.

[5] الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 31.

 

 

 عواطف الغالي لقد ظل البعض ممن يكتبون في التاريخ ينزاحون عن الصفات الموضوعية للكتابة الرصينة، خصوصا في الفترة الحديثة والمعاصرة، وهو ما جعل انتشار نوع من الذاتية بشكل موسع دون المبالاة بعمليات الضبط للأحداث والتدقيق في الوقائع؛ إذ أن كل ذلك لا يهم بالنسبة إليهم، وليست له أية أهمية أمام ما يكتبونه، مما جعل المادة التاريخية أسيرة بين التجاذب الموضوعي والذاتي.

ولا شك أن القارئ في المادة التاريخية يلامس بجلاء التجليات التاريخية بثقلها في المظهر الاجتماعي والسياسي والثقافي العام، وإن ما يسهم في ذلك هو انفتاح التاريخ على كل مناحي الحياة، والتواصل مع مختلف ظل التنوع العرقي والديني والاجتماعي مما له صلة بالشكل الجغرافي، وأثر في البنية الثقافية. لذلك حظيت المواضيع التي لها صلات بالمواد التاريخية باهتمام العديد من الدراسات والأبحاث منها التاريخية أو الجغرافية أو السوسيوانثروبولوجية أوالدينية. إلا أن اختلاف وجهات النظر وتناول المواد التاريخية من وجهات ذاتية أحيانا، ومن وجهات يغلب فيها الانزياح عن الحقائق التاريخية أحيانا أخرى، يزيح المادة برمتها عن الصواب ويفقدها الموضوعية المطلوبة. وهذا لا يعني أن كل المواد التاريخية المدروسة أو الكتابات التاريخية موشومة بالانزياح عن الموضوعية، إنما هناك من المواد ما يتجاوز حدود الموضوعية وانتهاك خصوصيات المادة التاريخية، وعدم احترام الامتزاجات التاريخية بفعل البعد عن التخصص كامتزاج تاريخ الإنسان بتاريخ الأحداث والقضايا، وبالبنية الجغرافية وبالبيئة، وبتاريخ الماء وبالاقتصاد وبالثقافة، وبمختلف الإشكالات التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالتاريخ. فالإنسان قد واكب في نموه وتطوره هذه القضايا والارتباطات ارتباطا بالتطور الذي يعرفه التاريخ؛ لذلك وغيره، فإن الكتابات في التاريخ لابد وأن تشمل معطيات دقيقة وتكون أكثر موضوعية حتى لا يتم تشويه الموروث الحضاري الذي تشهد عليه الدلائل المادية التي تتبدى آثارها بارزة في مختلف المعمار، وهي تنطق بالموضوعية. فلا مناص من أن تواكبها كتابات موضوعية بعيدة عن الذاتية. فكل الذين اتسموا بالموضوعية قد أجادوا حقيقة في كتابة التاريخ وتناولوا المواد التاريخية بطريق صحيح ونهج سليم وشفافية ما كان له أثر في تطوير البحث العلمي واكتساب المادة التاريخية سمعة لائقة.

 

عواطف الغالي