ليلى الدسوقيمقاصد الشريعة هي ما قصده الشرع من الضروريات والحاجيات والتحسينات فهى خمس مقاصد شرعية:

اولا: حفظ الدين وهو مجموع العقائد والعبادات والأحكام التي شرعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقات بعضهم ببعض.. حيث قصد الشارع بتلك الأحكام إقامة الدين وتثبيته في النفوس.. وذلك باتباع أحكام شرعها.. واجتناب أفعال أو أقوال نهى عنها.. والحفاظ على الدين

ثانيا: حفظ النفس كما أوجب لحمايتها تناول ما يقيها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن.. وأوجب دفع الضرر عنها ففرض القصاص والدية وحرم القتل بغير حق وكل ما يلقي بها إلى التهلكة

ثالثا: حفظ العقل وأوجب الشارع سبحانه الحفاظ على العقل فحرم كل مسكر وعاقب من يتناوله وما يذهب العقل

رابعا: حفظ النسل والعرض شرع لإيجاده الزواج للتوالد والتناسل، وشرع لحفظه حد الزنا وحد القذف والسب

قال الله تعالى) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم21

خامسا: حفظ المال وأوجب للحفاظ عليه السعي في طلب الرزق وأباح المعاملات والتجارة وللحفاظ عليه حرم السرقة الصغرى والكبرى (الحرابة) وأكل أموال الناس بالباطل وعاقب على ذلك. وقد اضاف الدكتور فضيلة الشيخ خالد الجندى مؤخرا حفظ الوطن

لذلك يعد الدفاع عن الوطن واجبًا مقدسًا لأن الإسلام وتعاليمه أبلغونا بأن حب الوطن من الإيمان، فالإنسان بلا وطن لاجئ أو غريب لا يشعر بالحرية والكرامة ولا يعيش حياة طبيعية، ولا تتحقق الحرية والكرامة للإنسان إلا بالحياة في وطن ينتمي إليه ويدافع عنه ويحمل جنسيته ويلتزم بالواجبات التي يكلف بها ويطالب بالحقوق التي يرى أنها لم تتحقق، وهذا لا يحدث إلا في وطن الإنسان الذي ولد وتربي فيه مع أهله وأسرته.

فالوطن في الإسلام هو عبارة عن قطعة من الأرض تمتلكها مجموعة من البشر، ومع مرور الزمن تصبح مقرًا لمعيشتهم ومستقرًا لأهلهم وذريتهم من بعدهم، فيصبح واجبًا وفرضًا عليهم جميعًا الدفاع وحماية هذه الأرض وإعمارها، حيث أعلى الدين الإسلامي من شأت الأوطان باعتباره قيمة مهمة في حد ذاتها، حيث تعد الهوية المعبرة عن الإنسان، فالحب والانتماء والولاء للوطن واجب

فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى ذَاكِرًا الأَوْطَانَ وَمَوَاقِعَهَا فِي القُلُوبِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66].

فَسَوَّى بينَ قَتْلِ أَنْفُسِهِم والخُرُوجِ مِن دِيَارِهِم، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لو كَتَبَ على عِبَادِهِ الأَوَامِرَ الشَّاقَّةَ عَلَى النُّفُوسِ مِن قَتْلِ النُّفُوسِ، والْخُرُوجِ مِنَ الدِّيَارِ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَالنَّادِرُ.

وَنَسَبَ اللهُ الدِّيَارَ إِلَى مُلَّاكِهَا: قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: 40].

وَلَو قَنَعَ النَّاسُ بِأَرْزَاقِهِمْ قَنَاعَتَهُمْ بِأَوْطَانِهِمْ، مَا اشْتَكَى عَبْدٌ الرِّزْقَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ بِأَوْطَانِهِم أَقْنَعُ مِنْهُم بِأَرْزَاقِهِمْ.

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ؛ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ دِيَارِنَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَدَعَا ﷺأَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ رَحْمَتِهِ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِهِ، وَأَنْ يُبْعِدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ وَطَنِهِ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ».

وَأَخْرَجَ الْإمَامُ أَحْمَدُ فِي «الْمُسْنَدِ»، وَابْنُ مَاجَه، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج مكرها وذهب للمدينة ليبلغ الرسالة ومع ذلك ظل قلبه يتجه نحو مكة التي ولد وعاش فيها ولم يطمئن قلبه صلى الله علىه وسلم حتى نزل عليه قول الله تعالى “إن الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد”

لهذا كانت حرب السادس من اكتوبر (حرب الكرامة) التي دارت بين مصر وسوريا من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى في عام 1973م. وتلقى الجيش الصهيوني ضربة قاسية في هذه الحرب حيث تم اختراق خط عسكري أساسي في شبه جزيرة سيناء وهو خط بارليف. وكان النجاح المصري ساحقا حتى 20 كم شرق القناة، لكن المساعدات الأمريكية لإسرائيل وأحداث الثغرة اعاقت الجيش المصري من التقدم أكثر في عمق سيناء، وكان الرئيس المصري أنور السادات يعمل بشكل شخصي مع قيادة الجيش المصري على التخطيط لهذه الحرب التي أتت مباغتة للجيش الإسرائيلي.

خلاصة القول: أن الوطن هو النعمة التي أنعم الله بها علينا، وعلينا أن نحميها وندافع عنه بأرواحنا وكل ما نملك، لذا يجب ان نربي أبنائنا على حب الوطن وتقديره، والأجتهاد والجد لبقاء هذا الوطن آمناً فنحن نعيش تحت سمائه وفوق أرضه، والوطن لن ينسانا وليس علينا أن ننساه

حب الوطن لا يحتاج للمزايدات أو المساومات أو المجادلات، ولا يحتاج إلى الشعارات الرنانة والكلمات، ما يدل على حب الوطن هي أفعالنا وحركاتنا وكلماتنا وأصواتنا التي ننطق بها، وآمالنا التي تتجه إلى الوطن، والطموحات المرتبطة به لأجل الأرض

والوطن الذي راقت الدماء من أجله، فمن أجل الوطن تشردت الأمم وضاعت الحضارات والتاريخ والتراث، وتحملت الشعوب ألواناً مختلفة من العذاب، وقد أستمر الوطن في نبض القلب بكل حب ووفاء حتى أخر نبض في الجسد، لذلك لأجل تراب الوطن وسمائه وبحره وكل نسمات الهواء فيه ولكل روح مخلصة تحركت عليه، ولأجل أبنائنا وأوليائنا يجب أن ننبض بالحب للوطن من أجل تقدمه ورفعته وحمايته وصونه، وعلينا أن نؤدي اليمين ونقسم بالله العظيم أن نكون له دوماً مخلصين.

على أرواحنا أن تتشرب حب الوطن لتشتاق أرواحنا للعودة إليه أن هجرناه، وأن نخطو كل خطوة بأقدامنا وعلى كل ذرة من تراب هذا الوطن، فالوطن الغالي نسعى دوما لتقدمه ورفعته وعلينا أن نشمر عن سواعدنا لحمايته والدفاع عنه.

وهناك الكثير من الشعراء القدامى والمعاصرين الذين سطروا أجمل الكلمات عن حب الوطن  وعبروا عن أحاسيسهم تجاه الأرض التي ولدوا عليها وعاشو تحت سمائها وفوق أرضها

فمثلا ابن الرومي قال: ولي وطنٌ آليتُ ألا أبيعَهُ.. وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

و ايضا قال مفدي زكريا: بلادي أحبك فوق الظنون وأشدو بحبك في كل نادي عشقت لأجلك كل جميل وهمت لأجلك في كل وادي ومن هام فيك أحب الجمال وإن لامه الغشم قال: بلادي

و قال امير الشعراء أحمد شوقى: وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

و ختاماً .. .

وطني اُحِبُكَ لابديل أتريدُ من قولي دليل - سيظلُ حُبك في دمي لا لن أحيد ولن أميل

سيظلُ ذِكرُكَ في فمي ووصيتي في كل جيل - حُبُ الوطن ليسَ إدّعاء حُبُ الوطن عملٌ ثقيل ودليلُ حُبي يا بلادي سيشهد به الزمنُ الطويل - فأنا أُجاهِدُ صابراً لأحُققَ الهدفَ النبيل

عمري سأعملُ مُخلِصاً يُعطي ولن اُصبح بخيل وطني يا مأوى الطفولة علمتني الخلقُ الأصيل قسماً بمن فطر السماء ألّا اُفرِطَ َ في الجميل - فأنا السلاحُ المُنفجِر في وجهِ حاقد أو عميل وأنا اللهيب ُ المشتعل لِكُلِ ساقط أو دخيل سأكونُ سيفاً قاطعاً فأنا شجاعٌ لا ذليل

عهدُ عليا يا وطن نذرٌ عليا ياجليل سأكون ناصح ُمؤتمن لِكُلِ من عشِقَ الرحيل

 

ليلى الدسوقي

 

حاتم حميد محسنمن الأسرار التي جرى التكتم عليها في الاقتصاد هو ان لا وجود لليد اللامنظورة. بعد اكثر من قرن في محاولة إثبات العكس، حقّق المنظّرون الاقتصاديون في المسألة واستنتجوا في السبعينات من القرن الماضي ان لا سبب للاعتقاد بان الاسواق تقودها يد لا مرئية الى حالة مثلى من التوازن او أي توازن كان. بالطبع، التاريخ الديناميكي والمضطرب للرأسمالية يكذّب وجود أي يد لامرئية. الأزمة المالية التي انفجرت عام 2008 وأزمة الديون اللتان هددتا اوربا هما فقط دليل آخر على ذلك . اللذين عاشوا في مكسيكو في أعقاب ازمتها لعام 1994 ودرسوا سياساتها، لاحظوا غياب أي يد لامرئية كحقيقة عملية. الشيء الذي صدم المختصين عندما نقّبوا في النظرية الاقتصادية، وفي هذه المسألة بالذات هو ان النظرية تدعم الدليل العملي. آدم سمث اقترح فكرة اليد اللامرئية في مقطع غامض في كتابه (تحقيق في طبيعة وأسباب ثروة الامم،1776). هو ذكر ذلك فقط مرة واحدة في الكتاب، بينما هو لاحظ مرارا مواقف لا تعمل فيها "الحرية الطبيعية". دع البنوك تتقاضى اكثر من 5% فائدة، سوف يقرضون أصحاب المخاطرة المفرطة في البحث عن الربح ، معجّلين من الفقاعات والانهيارات. دع "الناس المتعاملين بنفس التجارة" يجتمعون مع بعضهم، ستتحول محادثاتهم الى "وسيلة لرفع الاسعار". دع منافسة السوق تستمر في قيادة تقسيم العمل، فانها ستنتج عمالا "حمقى وجهلة ". في عام 1870، بدأ الاقتصاديون الاكاديميون جديا محاولة بناء انموذج "للتوازن العام" لإثبات وجود اليد اللامرئية. كانوا يأملون بيان ان تجارة السوق بين الافراد، والسعي للمصلحة الذاتية،والشركات،وتعظيم ارباح الشركات،سوف يقود الاقتصاد الى توازن ثابت ومثالي.

ليون والرس من جامعة لوزان في سويسرا، اعتقد انه نجح في عام 1874 بكتابه (عناصر الاقتصاد الخالص)، لكن الاقتصاديين استنتجوا انه فشل في ذلك. اخيرا، في عام 1954،طوّر كينيث ارو من جامعة ستانفورد، وغيرارد ديبرو من جامعة يال، تسمية انموذج "التوازن العام"، فازا فيه لاحقا بجائزة نوبل. هما وضعا افتراضات لوصف الاسواق التنافسية،واثبتا ان هناك بعض الاسعار سوف توازن العرض والطلب لجميع السلع. لكن لا احد ابدا بيّن ان يدا لا مرئية تحرك الاسواق نحو ذلك المستوى. انه فقط موقف ربما يوازن العرض والطلب صدفة. في عام 1960 اوضح هربرت سكرافت من جامعة يال ان اقتصاد (ارو- ديبرو) يمكن ان يدور بشكل غير مستقر. وهي الصورة التي ازدادت عتمة باستمرار. اوراق هامة في السبعينات من القرن الماضي، أزاحت أي أمل ، كما يقول المنظّر فراكلن فشر، في إثبات ان تلك الاسواق سوف تحرك الاقتصاد نحو التوازن. فرانك هان من جامعة كامبردج يلخص المسألة: "نحن ليس لدينا سبب جيد للافتراض ان هناك قوى تقود الاقتصاد نحو التوازن".(1)

مقارنة هندسية ربما تفيد في هذا الشأن. اليد اللامرئية ترى اقتصاد السوق كمجموعة من المسافرين في طائرة والتي بسبب كوارث السفر الجوي، هم يستقرون ديناميكيا. تحت تأثير الاضطرابات، هم فقط يستقرون في مسار طيران مختلف قليلا. نظرية التوازن العام كما طُورت في الستينات والسبعينات تقترح ان الاقتصادات تشبه كثيرا الطائرات المقاتلة. متأثرة بالعواصف، هي سوف لا تستقر فقط في مسار مختلف قليلا وانما سوف تتغير بسرعة مفاجئة وخارجة عن السيطرة. الاقتصاديون ربما يسمّون المقارنة مع الطائرة المقاتلة نوعا من الجدل، لكن لا منظّر مرموق يقول ان ما سمي انموذج "التوازن العام" هو مستقر. ان كلمة "توازن" مضللة بعمق في هذا السياق لأنها تصف موقفا ليس فيه توازن. التوازن الاقتصادي الذي هو حالة مستقرة يتحرك نحوها الاقتصاد يكشف فقط عن أمل من جانب الاقتصاديين، وليس آلية مفهومة في انموذج معقول. الحديث عن "التوازن" سمح للاقتصاديين ليخدعوا أنفسهم والآخرين.

ان الفشل في نمذجة اليد اللامرئية واضح جدا. ولكن اذا كانت ألمع الاذهان الاقتصادية فشلت على مدى قرن في بيان كيف تحرك اليد اللامرئية الاقتصاد نحو التوازن، فهل يمكن ان توجد مثل هذه الآلية؟ ان شيئا ما خارج الاسواق مثل المعتقدات الاجتماعية،التعليمات الاقتصادية، يجب ان يجنّبنا الكارثة.

كيف يمكن للنماذج الاقتصادية ان تستمر في افتراض الاستقرار؟ نموذج (ارو- ديبرن) في التوازن يعامل كل فرد، كل شركة، وكل سلعة كاشياء متميزة – الاقتصاديون التطبيقيون يطورون نماذجا للتراكم والتوحيد. هم يراكمون القمح مع الايبود و الحلاقة في كمية منتظمة واحدة من المادة يسمونها "سلعة" ويضعون لها رمز (Y). ثم يقومون بجمع كل الافراد المختلفين في شخص واحد " كممثل". انت تستطيع بسهولة بناء الاستقرار في هكذا نموذج بافتراض خالص. ولكنه فقط افتراض خالص. كيف يمكن للتجارة اللامركزية تحرك الاسواق الى التوازن اذا كانت هناك فقط سلعة واحدة؟

في ضوء عزلة الاكاديميين فان معظم الاقتصاديين التطبيقيين غير واعين بالنتائج غير المستقرة للمنظّرين. هم ربما رأوها باختصار في نظرية واحدة وتجاهلوها كونها غريبة الاطوار وغير ملائمة. آخرون نبذوها. ملتن فريدمن قال مرة لفرانكلن فشر انه لم ير معنى في دراسة استقرار التوازن العام لأن الاقتصاد بوضوح هو مستقر – واذا لم يكن كذلك "نحن جميعنا نضيع وقتنا". ملاحظة فشر تعني ان مسألة استقرار الاقتصادات لم تكن مُدركة.

الايمان الشديد باليد اللامرئية جعل بنك الاحتياطي الفيدرالي يفشل في رؤية حدوث أزمة العقارات. النماذج الاقتصادية التي استعملها حرفيا افترضت ان الاسواق هي دائما في توازن تلقائي، لذا كيف يمكن ان تحدث الأزمة؟ ولكن بعد ان انفجرت الازمة، طرح الاحتياطي الفيدرالي جانبا نماذج اليد اللامرئية العالية التقنية واستجاب بقوة كاملة لدعم الاقتصاد. ان فرضية اليد اللامنظورة رفضت ان تموت. انها طمأنت انجيلا ميركل مستشارة المانيا، مع انها نشأت في المانيا الشرقية في ظل الشيوعية، بأن تحرير اسواق العمل قد ينهي أزمة اليورو. بناءً على التفكير الخافت لأوهام اليد اللامنظورة، كانت السلطات الاوربية مرة بعد اخرى متأخرة مما جعل اليورو يفشل في الاستجابة لعواصف السوق. وبالتالي،هم جعلوا أزمة اليورو اسوأ مما كانت عليه.

 

 حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) في نقده لفكرة اليد اللامنظورة يذكر جوزيف ستجلز الحائز على جائزة نوبل ان "اليد اللامنظورة "لا منظورة لأنها غير موجودة. ويضيف ان آدم سمث اعتبر الشركات في سعيها للربح كأنها تُقاد بيد لا مرئية لتحقيق الأفضل للعالم. ولكن سمث كان مدركا لعوائق ونواقص الاسواق الحرة، حيث ان البحوث اثبتت ان الاسواق الحرة لا تقود الى الافضل. يقول ستجلز ان لا وجود هناك لليد اللامرئية. متى ما حصلت هناك مؤثرات خارجية (حين لا يتحمل صاحب الشركة جميع تكاليف الانتاج كما في حالة التلوث التي يتركها صاحب المصنع خلفه) فان الاسواق لن تعمل بنجاح. من الواضح ان الاسواق تنتج الكثير من التلوث والقليل من البحوث الاساسية. اما الحكومة فهي مسؤولة عن تمويل البحوث العلمية الهامة وهي ايضا تلعب دورا في إنجاح عمل المصارف واجراءات السلامة، فلابد من الاجراءات التنظيمية مثل فرض العقود وحقوق الملكية لكي تعمل الاسواق بفاعلية.

 

منى زيتونلأن علم النفس هو العلم المسئول عن تفسير سلوكيات البشر، وسلوكيات البشر لا تقف عند حد الحاضر فقط، فهناك ضرورة لفحص حوادث التاريخ ومحاولة تفسيرها أخذًا في الاعتبار المنظور النفسي ودراسة الشخصيات التي تلعب دورًا في هذه الحوادث.

وهذا ليس بالجديد تمامًا، فما من مؤرخ قديم أو حديث إلا وبدأ بسرد صفات الشخصية التي يُترجم لها، فهو مدعاة لفهم ما كان من صاحبها وما لقي في حياته.

وفي هذا المقال نناقش حدثًا من حوادث التاريخ الإسلامي، ربما كان من أكثر ما أثير حوله اللغط والاختلاف، خاصة وقد اقترن بشخصية أسطورية قل أن يكون لها نظير في التاريخ.

خالد بن الوليد ومالك بن نويرة

كثيرون يتكلمون عن ضرورة غربلة التاريخ لكن عندما يتعلق الأمر بحادثة قتل مالك بن نويرة ‏نجدهم يصدقون عجائب المرويات تلقائيًا. ‏والقصة تنقسم إلى ثلاثة أجزاء، فالجزء الأول منها هو أن بني يربوع من بني تميم كانوا قد منعوا أداء الزكاة إلى الخليفة الصدِّيق، وذلك ضمن من رفضت أدائها من قبائل العرب بعد وفاة الرسول، فجاءهم جيش بقيادة خالد بن الوليد، وقبض عسكر خالد على رئيسهم مالك بن نويرة، فلم يأمر خالد بقتله من فوره، وإنما حاوره، فأعلن مالك أنه مسلم مقيم الصلاة لكن مع تحريضه ومنعه قومه من أداء الصدقة التي كان عاملًا عليها من قبل الرسول، وشك خالد في إسلامه من حواره معه؛ عندما قال مالك عن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبًا خالد: "صاحبك"، فبدا من ظاهر كلامه إنكاره أنه له صاحب هو الآخر شأن كل مسلم، وكانت روايات قد أشارت لمراسلات دارت بين مالك وبين سجاح بنت الحارث التميمية التي ادعت النبوة، وهي من قومه بني يربوع، ولكن تلك الأخبار نفسها قالت إنه هو من كفَّها عن غزوها، وانتهى هذا الجزء من القصة بأن قُتل مالك بن نويرة.

أما الجزء الثاني منها فهي أن خالدًا بعد قتله مالك تزوج ليلى بنت سنان –أو أم تميم ابنة المنهال- وكانت امرأة لمالك، مع اتهامات لخالد بأنه ما قتل زوجها إلا ليتزوجها.

وأما الجزء الأسطوري الذي ألحق بالقصة، وهو من قبيل إلباس الحق بالباطل ودس الأكاذيب وسط الحقائق لتشيع معها، فهو أن خالدًا قد ذبح مالك بن نويرة وأوقد برأسه نيران القدر الذي أعد فيه طعام العشاء!

وكان ما حدث بين خالد ومالك بن نويرة حلقة من حلقات الحركات الاحتجاجية التي حدثت بعد وفاة الرسول من القبائل التي كانت حديثة عهد بالإسلام، فتحركت إنفة العربي فيهم، وبدا من أغلب القبائل أنهم حسدوا قريشًا على أن بعث الله فيهم نبيًا، فأرادوا أن يكون منهم نبي، فادعى بعض الكذبة النبوة، وكانت أكبر الحركات الاحتجاجية في نجد.

فكان تمردًا دينيًا بدأ قبل وفاة الرسول وانتهى سريعًا بعد وفاته، وتم كبحه سريعًا، ولأن الإسلام دينًا أقام دولة، فقد صاحب التمرد الديني تمرد سياسي؛ إذ رفضت قبائل العرب أن ينقادوا إلى حاكم من قريش، وكان أقسى ما أشعرهم بالذل هو أداؤهم المال له. فإن لم يستطع أحد ممن ادعى النبوة أن ينال ما ناله النبي القرشي وظل العرب مرغمين على الولاء إلى خليفته، فإن إنفتهم لم تجعل أنفسهم تطيب بدفع أموال إلى الخليفة الجديد، وظنوا أن بإمكانهم الاحتجاج، والامتناع عن أداء الزكاة، والتي كان يسميها المرتدون جزية!

ورغم أن قريشًا أيضًا قد آمنوا متأخرين يوم فتح مكة، إلا أن العناد كان ما منعهم من الإيمان قبلها، وإلا فصغيرهم وكبيرهم يعرف محمدًا وصدقه، أما الأعراب فكانوا منافقين أظهروا الإيمان ولما يدخل قلوبهم. وربما لو لم يسرع أبو بكر ببدء الفتوحات بعد قضائه على الردة مباشرة لعادوا وارتدوا، ولكنه فهم نفسياتهم، فقد نقموا على قريش أن يعلو شأنها عليهم ويصيروا تابعين لحكامها، فلما بدأت الفتوحات توحدوا معًا كعرب ضد الفرس وضد الروم فالتأم شملهم، وأشعرهم الإسلام بالعزة، وكان هذا مدعاة لتأليف قلوبهم.

ولنقرر إن ما ظهر من الخليفة أبي بكر في حرب الردة وابتداء الفتوحات من حنكة لو اجتمع أكابر علماء النفس السياسي في العالم ما نجحوا في أن يصلوا لما هو أعظم منه. وهذا غريب عجيب، فسيرته مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت طاعة خالصة، لم يصدر منه يومًا اعتراض عليه أو بدرأه برأي، فلم نعرف عنه إلا قوة إيمانه، ولم يظهر من مواقفه أثناء صحبته للرسول ذكاؤه وحذقه، فكانت فترة خلافته القصيرة اكتشافًا حقيقيًا لملامح غائبة عنا من شخصيته.

ولفهم قصة خالد مع مالك، فعلينا أولًا أن نفهم ملامح شخصية الرجلين طرفي القصة الرئيسيين؛ فهذا خالد بن الوليد، وهو الشجاع الصارم الباطش، والذي شهد له رسول الله بالعقل فوق شهادته له بالشجاعة، وقومه بنو مخزوم كانوا أصحاب الرأي في قريش في الجاهلية، وفوق ذلك هو مجازف متحمس متعجل، ومجازفة أصحاب العقل والرأي وإن كانت تختلف عن مجازفة الطائشين إلا إنها تبقى مجازفة، وكشأن كل المجازفات والأفعال غير الاعتيادية تجلب على من يقوم بها كثيرًا من النقد، حتى وإن كان النجاح حليفه إجمالًا ويفوق أي إخفاقات أو سلبيات قد صاحبته، كما أن خالدًا شديد الاعتداد برأيه إلى درجة أن يسعد بالإمارة وبالانفراد بالرأي، فإن تلقى أمرًا وافق رأيه كان النعم به، وإن كانت الطاعة المطلوبة منه فيما لا يوافق رأيه ولا يقره فالأقرب أن يرى برأيه. وأيضًا هو شديد العناد لا يتقبل النقد، ويسعى إلى تكرار نوعية الأفعال التي سبق وأن وقع عليه اللوم بسببها، مع علمه بأن الحق ليس في صفه، وهذه من أكبر سلبيات شخصيته. ولكنها في مجملها صفات تسم صاحبها بالتفرد، فهو ليس فردًا في قطيع بل رأسٌ وأي رأس.

وهذا مالك بن نويرة وكان فارسًا شجاعًا، مطاعًا وسيدًا وشريفًا في قومه بني يربوع من بني تميم، وكان فصيحًا شاعرًا غزير الشعر، كريمًا متلافًا كثير الهبات، وكان كغيره من أعراب الجزيرة حديث عهد وقومه بالإسلام، وكان هو أول من أسلم منهم، ودعاهم إلى الإسلام فطاوعوه وأسلموا لم يتخلف منهم أحد، ووكله النبي في تولي صدقات قومه، وكان يؤديها في حياة النبي، لكن نفسه لم تطب بأداء الزكاة لخليفته.

ومن الواضح من مجمل الروايات التي حكت قصته مع خالد أن مالكًا لم يُرد الحرب، ولم يُعد لها، وربما أيضًا لم يقو عليها، فلا شك أنه قد استشعر أن أكثر قومه قد انفضوا عنه، ولم ير منهم مساندة ومعاضدة، بل سارع بعضهم إلى تأدية الزكاة، وفي الوقت ذاته بقي على استكباره وعز عليه أن يرجع عما سبق وأن أعلنه من منع الزكاة وعدم أدائها للخليفة، وأغلب الظن أنه خاف أن تُعيره العرب إن تراجع أمام الخيل والركب أو لاين خالد الحديث، فلما أسره جند خالد وأخذ الأخير يحاوره بغلظة رد عليه بغلظة موازية، وربما كان يضمر أن يعود إن لاينه خالد الحديث وأطال في حواره أو عاود محاورته في اليوم التالي، أو كان يطمع أن يرسله خالد إلى الخليفة الصديق فيكون له حوار معه، ويظهر فيه اقتناعه له، فيكون انصياعه لدفع الصدقة انقيادًا للخليفة، فلا تحكي العرب أنه جبن أمام سيف خالد بن الوليد، وهو ما يظهر من الروايات التي سأل فيها مالك بن نويرة خالدًا أن يرسله لأبي بكر.

وإلا فهل يعقل أن مالكًا حين طلب أن يُرسل إلى الخليفة أبي بكر كان يظن أن لأبي بكر رأيًا آخر، وهل جاءته خيول خالد إلا بأمر من أبي بكر! إن قراءتي للحادثة ترجح أنه أراد أن يتراجع عن منع الزكاة بكرامة، وربما إن صح أنه كان قد وزع إبل الصدقة فيما وزع من هباته التي كان يتلف فيها المال، فإنه قد أراد أن يكسب الوقت الذي يمكنه من جمع المال الذي يلزمه أداؤه للخليفة. ثم إنه لو أراد أن ينخلع من ربقة الإسلام لأعلن ذلك، ولكنه أعلنها صراحة أنه مسلم ويقيم الصلاة، وهو ما شهد له بعض الجند الذين أسروه.

ولكن من الثابت أيضًا –فيما رواه ابن كثير وغيره- أن خالدا حين حاوره قال له مؤنبًا عن منعه الزكاة: "ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك. فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! يا ضرار، اضرب عنقه، فضرب عنقه". وزادت بعض الروايات أن خالدَ بعد أن قال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟! تجادل معه في الكلام، فقال خالد: "إني قاتلك. فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد: هذه بعد تلك!". وقول خالد: "هذه بعد تلك!" لأن مالكًا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ "صاحبك" ثم بعدها قالها في حق الصديق أبي بكر، وهو طعن في إيمان مالك يخالف ما أظهره واستعلنه من إسلام، ولا شك أنه ما أراد أن يظهر من كلامه فلتات تطعن في صحة إيمانه، سواء كانت إساءة منه في انتقاء ألفاظه أو كاشفة عما في نفسه. وقد اتخذ كل من دافع عن موقف خالد بن الوليد هذه الكلمات لتبرر لخالد الأمر بقتله؛ إذ رأوا إنها لم تبقِ في نفسه شكًا من أن الرجل في حقيقة الأمر مرتد لا يدين بالإسلام، وهو ما حمله على البت في أمره بالقتل، وعدم إرساله إلى الصديق.

لكنه تبرير ضعيف، فقد سبق وأن أرسل خالد غيره إلى المدينة كأمثال عُيينة بن حصن وقُرة بن هُبيرة وزعماء بني فزارة وقد كانوا فارقوا الإسلام وأقرب المقربين إلى المتنبي طليحة الأسدي، وقد استتابهم الصديق وعادوا إلى الإسلام، بينما مالك بن نويرة كان قد بقي على إسلامه، ولم يُتابع أي من مدعي النبوة؛ لا سجاح ولا مسيلمة ولا طليحة، وإنما وادع سجاح لما راسلته ولم يثبت عنه ما هو أكثر، وكان أولاهم بأن يُرسل إلى الصديق في المدينة.

فالتعويل على هذه الكلمات فقط واتخاذها حجة لقتل مالك ليس صحيحًا إن أخذنا في الاعتبار الحالة الانفعالية التي كان عليها مالك بن نويرة. إنها سورة الغضب التي تجعل الإنسان لا يحسن انتقاء كلماته، حتى إنها قد تشي بما لا يبطن صاحبها حقيقة، فليس بالضرورة أن يُحكم على مالك بن نويرة بالنفاق لأنه نطق هذه الكلمات، لأنه نطقها مغضبًا وقد فارقته فصاحته وبلاغته، وكرامته عند حافة أنفه بعد أن سيق مصفدًا في الأغلال أمام قومه وهو سيدهم إلى خيمة خالد، وبعد أن تخلى قومه عنه وتركوه لمصيره فلم يأت أحد منهم ليشفع له ويكلم فيه خالد، وأمامه قائد عسكري يهدده ويتوعده ولا يحاول أن يرده إلى قبول أداء الزكاة باللين.

والموقف كما أراه، إن إصرار مالك على منع الزكاة وعدم تأديتها لخالد كان معاندة وشكل استفزازًا لخالد، وكلاهما فارس معتد بنفسه، وكأي شخصين يتسمان بقوة النفس فقد تعاندا وتناقرا كديكين، فكان ما كان. فظاهريًا يبدو ما دار بينهما حوارًا، لكنه في حقيقته كان فيه استقواء من خالد ألجأ مالكًا إلى أن يختار المنية على الدنية. وكان يمكن إن أخذه خالد باللين في مسألة الزكاة أن تنحل القضية، فإن أصر مالك على موقفه فيكون خالد قد أبرأ ذمته أمام الله، ولنا في رسول الله إسوة حسنة، فعندما جاءه رجل يطلب منه أن يبايعه على كل شيء إلا أنه اشترط عدم تحريم الزنا عليه، حاوره رسول الله باللين حتى طابت نفسه بتحريم الزنا وأقر به.

فإن كان هناك سبب حقيقي لعتاب الصديق المستحق ولومه لخالد فهو أنه لم يراجع الرجل مراجعة كافية ولم يمهله مزيد إمهال، ولم يُلن له القول بما يسمح له بأن يعود عن سابق رأيه بكرامة.

ثم إن الروايات اختلفت حول كيف ومتى أمر خالد بقتل مالك، فروايات تذكر أنه قد أمر بقتله بعد الحوار معه مباشرة، فلم يمهله مطلقًا، ووفقًا لفهمي لشخصية خالد بن الوليد أراها الأقرب للصحة، فخالد عجول ولا يتوقع منه أن يصبر على مالك بعد هذا الحوار المشحون.

بينما تذكر الرواية التي اشتهرت لأن الإمام الطبري رواها في تاريخه أن خالدًا أمر بأسره مع من معه، وكانت الليلة شديدة البرودة، فخرج خالد وصاح في الجند "أدفئوا أسراكم"، وهذا أمر بالقتل في لغة كنانة، فظنوا أن الأمير قد انتهى رأيه إلى قتلهم، فقتلوهم وفيهم مالك.

وهنا لا بد أن يثور سؤال، فهل قرر خالد قتل مالك فجأة بعد انتصاف الليل في هذه الليلة شديدة البرودة فلم يصبر حتى يأتي الصباح؟! لو كانت رواية الطبري هذه صحيحة فالقتل ولا شك نشب لسوء فهم لغوي لأن خالدًا لو كان قد أجل قتله ثم قرر قتله بعد أن اختلى بنفسه في خيمته وفكر في الأمر لكان انتظر إلى الصباح. ولكنها محاولة بعض دنييء النفوس إظهار الأمر وكأنه احتيال من خالد كي يُقتل الرجل ولا يُلام على قتله، وهي ادعاءات تقدح في المروءة والرجولة.

وكان عمر بن الخطاب ممن أساء الظن بخالد وقال عنه: "عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته". وقد كانت عادة عند العرب أنه عندما يقتل خصم خصمه أن يتزوج امرأته بعده، ولكن ليس في الحرب، فقد كان الزواج في الحرب مكروهًا، بل ومما يُعير به. كما شاع بين المُحدَثين أنه تزوجها من فوره لجمالها، بينما يذكر الطبري نصًا أنه تزوجها وتركها لينقضي طهرها، وكذلك ذكر غيره من قدامى المؤرخين. والعجيب أنه رغم ما لقي خالد من لوم بسبب زواجه منها سريعًا بعد انقضاء الوقعة مع قومها، فإنه قد عاند وكرر فعلته وتزوج دون تمهل بعد انتهاء حربه مع مسيلمة!

وأدهى جزء في الرواية التي حكاها الإمام الطبري هو تلك الجزئية عن ذبح مالك وذبح من معه، وجعل رءوسهم أثافي مع الحجارة يشعلون بها القدور! من ثم فالحادثة تحمل في تفاصيلها الكثير من الحقائق التي تثير الشبهات وتستدعي على خالد اللوم، ثم إنها فوق ذلك تعرضت لمزيد تشويه.

وهذه الرواية الأسطورية رواها الإمام الطبري في تاريخه، عن "السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن خزيمة بن شجرة العُقفاني، عن عثمان بن سويد، عن ثويد بن المثعبة"، وشعيب بن إبراهيم الكوفي ضعيف الحديث، وسيف بن عمر التميمي رتبته ما بين ضعيف أو متروك الحديث، ومتهم بالوضع واتهم أيضًا بالزندقة.

وقد كان سيف بن عمر التميمي يروي فيُعلي من تميم، ويجعل لهم شأنًا في الفتوحات تهون من أمر ردتهم، وهو فوق ذلك متهم باختلاق شخصية بطولية وهمية لم يرو عنها من سبقه، ولم يورد ابن سعد لها ترجمة في طبقاته -وابن سعد من ثقات الإخباريين الأولين- وهي شخصية القعقاع بن عمرو التميمي، ولم يكتفِ باختلاقه بل ألبس سيف بين بطله الأسطوري المختلق وبين الصحابي القعقاع بن معبد التميمي فادعى لابن عمرو الصُحبة! ولو كانت شخصية البطل القعقاع حقيقية فلماذا لم يبعثه الخليفة أبو بكر إلى قومه فيردهم ويحقن به دماءهم؟ وفي كثير من الروايات التي اختلقها سيف بن عمر عن القعقاع بن عمرو نجده يجعله ندًا لخالد بن الوليد في القيادة، وربما أعلى شأنًا، وينصح خالدًا بخلاف رأيه، فيسمع خالد لرأيه وينصاع له! فهل كان خالد بن الوليد يسمع أو يرى رأيًا غير رأيه؟! وهل مثل سيف يُقبل منه روايات كتلك التي رواها عن بطل حقيقي كخالد بن الوليد؟! خاصة وقد دارت حوادثها في قومه بني تميم، وقد خرجوا من الدين وارتدوا، فأراد سيف أن يهون من أمر ردتهم ويجعل لهم عذرًا! كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أشار إلى أبي خويصرة التميمي وقال إنه رأس الخوارج، وصدق فكان أغلب الخوارج الأول منهم. وبعد أن انتشر الإسلام بين العرب وسكنت به نفوسهم صارت العزة في الإسلام تُقاس بالبلاء فيه، فإن كان قومه لم يبلوا خيرًا فقد اختلق واخترع ما يعلي من شأنهم.

ومؤرخونا تساهلوا في نقل روايات الأخبار –على العكس من روايات الحديث-، فنقلوا كل رواية بلغتهم عن حادثة، وليس معنى أن الإمام الطبري قد روى هذه الرواية أنه قد حققها، بل الطبري نفسه ذكر في مقدمة تاريخه أن "ما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبلنا، وإنما أُتى من قِبل بعض ناقليه إلينا؛ وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا"أهـ. فالطبري ثقة، وإنما تُرد بعض رواياته بسبب ضعف رجال إسناده. وقد انتشرت الرواية الأسطورية على الرغم من وجود علل في روايتها.

ولكن المحقق والمتفق عليه أن هناك خطأ وقع من خالد بن الوليد في قصة مالك بن نويرة، والاختلاف فقط في تقدير درجته، وقد كنت حتى سنوات قريبة لا أقر بذلك، وأرى أن عمر بن الخطاب أخطأ وتحامل عليه، ولكني بعد دراسة شخصية خالد اتضح لي أن عمر لم يجانبه الصواب في أمره، وأن استئثار من له سمات شخصيته بالقيادة في ساحة الحرب يمكن أن يتسبب في إراقة كثير من الدماء الزكية، ولولا أنه ما كان الأمير وحده في فتوح الشام فلربما كانت قد حدثت مآسي أخرى. ولكن للإنصاف لا بد أيضًا أن نذكر أن بطشه ورهق سيفه كان يشيع الرعب في نفوس أعدائه، وكفى المسلمين الكثير، وأنهى حالة التمرد التي عُرفت بالردة سريعًا، وبالتعبيرات المعاصرة يمكن وصف ما كان يفعله بالحرب النفسية؛ فخالد ليس القائد المتحاور اللين الذي يمكن أن تتجرأ فتخطئ ثم تأمن عاقبة خطئك، ولا يمكن لمن كانت الغلبة له عليهم أن يأمنوا بعدها على أرواحهم. وكانت لهذه السمعة أثرها على الحالة النفسية للمرتدين أو لمن فكروا في التمرد، وجعلته من القادة العسكريين المعدودين عبر تاريخ جميع الأمم الذين لم يهزموا في أي معركة طيلة حياتهم. إن مجمل صفاته بإيجابياتها وسلبياتها هي التي صنعت منه أسطورة.

ولكن فرق بين إقرار العقلاء بوقوع خطأ وتفسيرهم لأسبابه وبين تفسير السفهاء؛ فمشكلة السفهاء أنهم لا يعرفون من هرم الحاجات الإنسانية إلا الحاجات الفسيولوجية التي لا تميزهم عن الحيوانات ويحسبون أكابر الناس ذوي الهمم مثلهم. ومن لبس ثوب الرجال عرف أن الأبطال لا يفعلون هذه الدنايا التي نسبها سيف بن عمر إلى خالد بن الوليد.

أمر آخر لا بد من الإشارة إليه من المنظور النفسي، وهو أنه مهما بلغت شجاعة وجسارة القائد العسكري فهو بشر كالبشر، تؤلمه وتؤثر فيه مشاهد القتلى والدماء، وتمثل ضغطًا نفسيًا هائلًا عليه، ومن ثم يحتاج إلى أن يروح عن نفسه –ولو قليلًا- بعد كل معركة، وما حدث أثناء حروب الردة المتعاقبة التي كان ينتهي فيها جيش من معركة فيلحق بجيش آخر ليكون مددًا له، أو يتوجه وجهة أخرى جديدة، كان شديد الضغط على كل من شارك فيها، خاصة القادة، ولو قدروا جميعًا على أن تكون لهم فسحة لفعلوا ولكنها هيبة الخليفة، والتي لم تكن لدى خالد بالدرجة ذاتها، ودعك من أن خالدًا كان يدعي أنه لا يحب الركون للراحة، فقد كان الأكثر احتياجًا من باقي القادة لمتنفس يخرجه من جو المعركة؛ لشدة شراسته في المعارك، وكانت المرأة له بمثابة هذا المتنفس، فلما ضيَّق عليه الخليفة في الزواج بعد أن فعلها مرتين في حروب الردة، لجأ إلى الحج السريع الخاطف مرة بعد فتح العراق؛ فتأخر عن جنده بعد أن أمرهم بالعودة إلى الحيرة، وتوجه إلى مكة سرًا، فأدى مناسك الحج، ثم لحق بهم، ولم يستشعروا غيبته عنهم لأيام، وكان هذا دون استئذان الخليفة أبي بكر!

والأرجح إن التشنيع على خالد بن الوليد للسياسة قاسمٌ كبير فيه، وأنه قد بدأ من منتصف القرن الأول الهجري، أي قبل ظهور هذه الرواية المعتلة لسيف بن عمر التميمي التي تضيف أجزاءً إلى القصة من شأنها أن تشين خالدًا وتطعن في مروءته، ومعلوم أن خالد بن الوليد كان كثير الولد، ولكن مات أربعون من أولاده في طاعون عمواس، ولم يبق له سوى ولدين؛ المهاجر بن خالد، وكان أحد قواد جيش سيدنا علي في صفين، ومات فيها، وعبد الرحمن بن خالد وكان معه لواء معاوية يوم صفين، كما كان يستعمله معاوية على غزو الروم. وكان عبد الرحمن قد أحب سكنى حمص كأبيه، وكان رفيع الشأن عند أهل الشام، وهذا هو مربط الفرس.

ويروي الرواة أن معاوية قبل أن يأخذ البيعة ليزيد اللعين سأل أهل الشام ‏يستطلعهم عمن يرونه كفؤًا بالخلافة؛ لعلمه أن ابنه الفاسد الفاسق لو لم ينصره أهل الشام فلن ينصره أحد، فجاءه رد أهل الشام أنهم يحبون عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ‏ويرونه جديرًا بالخلافة، فما هي إلا مدة يسيرة ومات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسمومًا، رغم أن ‏القتيل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من كبار قادة معاوية، ولكن لم يشفع له هذا بسبب ما رآه معاوية من مزاحمته للسفيه ‏يزيد في أمر الخلافة.‏ وقد روى الخبر كثيرون.

روى الإمام الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (ج5، ص 227) في حوادث سنة ست وأربعين من الهجرة خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه، قال: "وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربة مسمومة –فيما قيل- فشربها فقتلته. وكان السبب في ذلك ما حدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة بن محارب؛ أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظُم شأنه بالشأم، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفًا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفَّى له معاوية بما ضمن له، وولّاه حمص، ووضع عنه خراجه"أهـ.

وفي كتاب "المنمق في أخبار قريش" لابن حبيب البغدادي ورد نصًا في هذا الشأن "ذكر ابن الكلبي عن خالد بن سعيد عن أبيه أن معاوية لما أراد أن يبايع ليزيد قال لأهل الشام‏:‏ إن أمير ‏المؤمنين قد كبرت سنه ودنا من أجله، وقد أردت أن أولي الأمر رجلاً بعدي فما ترون فقالوا‏:‏ عليك بعبد ‏الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان فاضلاً. فسكت معاوية وأضمرها في نفسه، ثم إن عبد الرحمن ‏اشتكى فدعا معاوية ابن أثال وكان من عظماء الروم، وكان متطببًا يختلف إلى معاوية فقال‏:‏ ائت عبد ‏الرحمن فاحتل له، فأتى عبد الرحمن فسقاه شربة، فانخرق عبد الرحمن ومات"أهـ. وقد روت كتب السير كيف اقتص لعبد الرحمن ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد؛ فقتل من قتل عمه. والرواية شديدة الوضوح، وغير مطعون فيها.

ومما يزيد الطين بلة أن عبد الرحمن بن خالد ولاّه سيدنا عثمان بن عفان ثم ولاّه‎ ‎معاوية بن أبي ‏سفيان‎ ‎على‎ ‎حمص، وساند معاوية ضد سيدنا‎ ‎علي، بل‎ ‎وكان حامل راية معاوية في‎ ‎صفين، وأول من دعا ‏بمعاوية خليفة بعد مقتل سيدنا علي، ومن ثم فإن بعض الشيعة هم أيضًا قد أحبوا تلك الأكاذيب التي شانت ‏سيف الله المسلول فلم يكذبوها، بل ربما ساعدوا في رواجها خاصة وفي القصة فرصة للطعن في الصديق ‏رضي الله عنه، علمًا بأن أخا عبد الرحمن بن خالد -المهاجر بن خالد بن الوليد- كان مع علي كرم الله ‏وجهه وقُتل يوم صفين، ويعدونه وابنه خالد بن المهاجر من أعيان الشيعة.

إن سيكولوجية البطولة والعظمة لا تتعلق بك وبامتلاكك صفات القيادة والسيادة وحدها، ولكنها تتعلق أيضًا بالنظرة التي ينظرها الناس إليك، وبحسدهم إياك، ورميك بسهامهم في حياتك، وربما حتى بعد أن ينتهي دورك على مسرح الحياة، فنجد كل ذلك التشنيع في حق سيف الله المسلول المتوفى عام 21 هـ أي قبل حدوث ‏الفتنة الكبرى التي لج فيها المسلمون، ولا ناقة له فيها ولا جمل.‏ لم يستطع الأمويون أن يشينوا ابنه عبد الرحمن لأنه كان من قادة معاوية، وربما لأن أهل الشام أحبوا عبد ‏الرحمن بن خالد لبطولته وبطولة والده، فعملوا على تشويه تلك البطولة، وأكمل سيف بن عمر التميمي النهش في سيرته. وصدق من قال: إذا كنت كبيرًا صرت مرمى للسهام.

 

د. منى زيتون

الثلاثاء 26 أكتوبر 2021

 

عقيل العبودالعقل كما يطيب لي وصفه هو مرآة العالم المادي، وهو الجهة التي تعكس، وتصور حركة الموضوعات، وتقاطعاتها، من حيث المضامين، والتشابهات، والاختلافات داخل المشاعر

تلعب المشاعر هنا دورًا أساسيا في ترجمة هذه التقاطعات، وتحليل رموزها اللامرئية، لكي تصبح جزءا من دائرة التفاعلات الحسية التابعة لمنظومة الجهاز العصبي

علما أن الجهاز العصبي هو الكفيل باستقبال نتائج هذه التحليلات، من حيث، فك، وتفعيل رموزها، ومكوناتها، ومنشأها، وفرض الأحكام سلبًا، وإيجابا

فالحكم على موضوع معين، تسبقه حالة وعي ترتبط أصلا بكيفية، وصورة ذلك الموضوع، ونمط وقوعه، ومعاينته، وتأثيره على المنظومة الحسية للإنسان

ومن هنا تتكون لغة المقاييس، فالإنسان يقرر هذا، وذاك من النتائج، بحكم ما تفرضه هذه المقاييس

حيث يختلف البشر في طبيعة تركيبتهم الحسية، والعقلية، وباختلاف هذه الطبيعة، تتغير المقاييس، وتتنوع الأدلة، والمقدمات وكل ذلك بسبب اختلاف أنماط التفكير، والانطباعات

ومن هنا تصبح الحاجة ضرورية إلى عقل ترتكز عليه حسابات الموضوعات، ويتم اعتماده في تثبيت المعايير الاساسية للتعامل مع المقاييس، والأسس الخاصة بأحكام القضايا المختلفة بغية التعاطي معها بشكل صحيح

والإنسان هنا أشبه بمعادلة رياضية تتمثل أطرافها بنقطتين؛ الأولى الحاجة، والثانية الوجود

والسؤال كيف لنا أن نفسر حقيقة الوجود الإنساني بناء على هذه المعادلة؛ وكيف لهذا الوجود أن يعلن عن حاجته، وما هي شروط هذه الحاجة؟

هنا للإجابة على هذه الاسئلة، أحببت تصنيف العقل الإنساني إلى عقل متسامي، وآخر غير متسامي بناء على ما يشاع تسميته بالروح، وأقصد بها في هذا الباب (علاقة النفس مع العقل) إن صح التعبير

فالعقل المتسامي يرتبط مع الروح المتسامية، أما العقل غير المتسامي، فيرتبط مع الروح غير المتسامية، ولذلك فإن الحاجات تنقسم هي الأخرى على هذا الأساس

فالحاجات غير المتسامية، هي استجابة للروح غير المتسامية، وبالعكس

والوجود يصبح متساميا بفعل العقل المتسامي، وبعكسه صورة الوجود غير المتسامي، والإنسان يحتاج إلى عقل متسامي لكي يحكم بصحة الأشياء، وعدم صحتها بطريقة منطقية

وهذا التصنيف مهم في موضوع البحث عن العقل الحاكم، فالحاكم إن لم يمتلك روحا متسامية، لا يمكن له أن يحكم بشكل صحيح

هنا أود الإشارة إلى ان العقل المتسامي لا يمتلكه إلا من تنطبق عليه شروط هذا العقل، وهذا النوع من العقول لا يحتاج إلى بطاقات تعريف لتمييزه، بل أن هنالك أفعالا يشار بها إليه

وهذا ما نحتاج إليه في خارطة علاقاتنا البشرية، فالحاكم إن لم يكن حكيما لا يمكن له ان يحكم بطريقة العقل المتسامي.

 

عقيل العبود/ كاليفورنيا

.........................

* العقل المتسامي هو العقل الذي يتحلى بأعلى درجات الحكمة، والاستقامة، والتسامح.

 

 

قاسم المحبشي(أين شواهدكم ، معارككم، شهداؤكم؟ أين ذاكرتكم القبلية؟ إيها السادة .. في القبة الرمادية . البحر. البحر قد أقفل عليها . البحر هو التاريخ) بهذا النص الشعري للشاعر الكاريبي ديريك والكوتالحائز على جائزة نوبل عام ١٩٩٢م أستهل مايكل نورث كتابه (اكتشاف بحار العالم من العصرالفينيقي إلى الزمن الحاضر)

ربما قرأنا عن تشبيه التاريخ بالنهر بوصفه صيرورة دائمة الحركة عبر الزمان من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل إذ أن التاريخ يجري كما تجري مياه الأنهار إلى مصالتها؛ أنها تجري باستمرار  يستحيل الاستحمام بها مرتين! بحسب هيرقلطيس. لكن هل هذا التشبيه دقيق ويشبع المعنى؟

الأنهار تجري في مسار واحد تنساب أو تجرف لكنها جميعها تصب في آخر المطاف في البحر؛ البحر البحر هو من يشبه التاريخ أو يشبهه التاريخ إذ أننا نعيشه كما تعيش الأسماك بالماء وكما هو قانون البحار وحياة الأسماك الكبيرة التي تتغذى على الأسماك الصغيرة يمكن النظر إلىالتاريخ وحركته المستمرة. نعم هو يتحرك حركة ذاتية نسبية ولكنه لا يسيل إلى مكان ما خارج هذه الكوكب. ومن البحر استلهم الشاعر الكاريبي ديريك والكوت قصيدته (البحر والتاريخ) فالبحر هو محور التاريخ حيث يحتفظ بالذكريات في قاعه كما يحتفظ بجثث ضحاياه وسفنهمومقتنياتهم. ومن الاخطاء الفادحة في الدراسات التاريخية التقليدية أن الباحثين في التاريخ والآثار انشغلوا في تدوين ما حدث ويحدث في اليابسة وكل ما هو متاح للرؤية والمشاهدة بينما ظل التاريخ الحقيقي محتجبا عنكم في اعماق البحار والمحطات التي تشكل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مجازنا بينما هي في حقيقتها كرة مائية أو بحرية وصف أقرب إلى الحقيقة.

وربما كان البحر لا النهر هو اكثر شبها بالتاريخ - أو بالاحرى التاريخ هو الذي يشبه البحر وتحولاته وتياراته وموجاته المتصادمة وهذا ما ادركه فيلسوف التاريخ الامريكي المعاصر اولفينتوفلر إذ كتب  في " بناء حضارة جديدة " إن تشبيه التاريخ " بموجات " تغيير -  في اعتقادنا – أكثر تعبيراً عن ديناميكيه، وأنسب من الحديث عن الانتقال إلى " ما بعد الحداثة ". فالموجة حركة. وعند اصطدام الموجة بالأخرى تتولد تيارات قوية متلاطمة، وعند تصادم موجات التاريخ فإنحضارات بأسرها تتصادم، و يلقى هذا الضوء على كثير مما يبدو في عالم اليوم عشوائياً أو بلامعنى"

هذا الباراديم في رؤية التاريخ والعالم من جديد هو الذي لمحته وانا بصدد كتابة ورقة بحثية في مدارات ما بعد الكولونيالية. إنه البحر الذي يستحق القراءة منذ أقدم العصور ولا زال هو من يشكل ويعيد تشكيل العالم بمختلف الصور والأنحاء وكل دراسة لإحداث ووقائع التاريخ الأرضية تظل قاصرة بدون أن تشتمل على فهم دور البحر وتاثيره المباشر وغير المباشر في حياة الناسالترابية. وربما ادركت مدرسة التاريخ الجديد موخرا ذلك الأمر إذ عرّف المؤرخ  الإنجليزي هاري المربارنز (التاريخ الجديد) بأنه: "طريقة العرض التاريخي التي تحاول بصفة عامة أن تعيد صياغة تاريخ الحضارة ككل بوصفه على حد قول الاستاذ روبنسون – كل ما نعرفه عن كل شيء فعلهالانسان أو فكر فيه أو أمل فيه أو حلم فيه. ويعد الأمريكي جميس هارفي روبنسون، الذي ورداسمه في هذا التعريف أول من استخدم مصطلح التاريخ الجديد إذ  كان قد نشر كتاباً فينيويورك في عام 1912 يحمل أسم (التاريخ الجديد) جاء فيه: "ان الانسان ليجد عزاءاًً وراحة عقليةفي ترك أي محاولة لان يعرف التاريخ وأن يقنع باعتبار: مهمة المؤرخ أن يكشف أي شيء عنماضي الجنس البشري يعتقد أنه شائق أو مهم يستطيع أن يضع يده على مصادر المعلومات عنهوقد أوضح الاستاذ بارنز أن ما هو جوهري في هذا التعريف لمصطلح التاريخ الجديد أنه يؤكدعلى البحث عن الأصل (Genetic Orientation) كالبحث عن أصل الانسان وتطوره، وأصلا لتنظيمات الحضارية وتطورها. ومن هنا، فانه يرى أن على المؤرخ الذي يسعى لكتابة التاريخ على وفق هذا التصور الجديد أن يكون لديه إلمام كامل بطبيعة الانسان وعلاقته ببيئته الطبيعية والاجتماعية الامر الذي يمكنه من معالجة مشكلة إعادة صياغة الاوجه المختلفة لتاريخ الحضارة. وفضلاً عما تقدم، فإن على المؤرخ أن يتلقى تدريباً مناسباً لتحليل التطور في النظم، وهو التطورالذي يحفظ سجل سيطرة الانسان تدريجياً على بيئته المادية ونجاحه المضطرد في تنظيم الجهود التعاونية لبني جنسه. وهنا يؤكد الاستاذ بارنز، أن هذا النوع من التاريخ الحضاري يتطلب من المؤرخ الطموح الذي يسعى للعمل في ميدانه أن يكون مزوداً بمعلومات اساسية من "علم الاحياء، وعلم الاجناس البشرية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع. كذلك، فان عليه أن يتدرب تدريباً خاصاً في العلوم الاجتماعية والجغرافيا اهمها ، وفي بعض فروع العلوم الطبيعية، وعلم الجمال، ..."

أكد فرنان بروديل – وهو من أبرز رواد التاريخ الجديد – أن التاريخ يجب أن يكون شمولياً أو لايكون، "وهو يحتاج إلى العلوم الاجتماعية الأخرى، وقادر على تبني اشكال التفسير الجديدة التي تبتدعها هذه العلوم وتكييفها لأغراضه الخاصة. والتاريخ قادر بدوره على تقديم ما تفتقرإليه العلوم الأخرى، وهو البعد الزمني، الذي يمثل خصوصيته، ولايهم في نظر بروديل ان أتهمالبعض التاريخ بأنه (امبريالي) يريد ابتلاع كل شيء".

‏‎وقد أشار العروي إلى أن مفهوم الشمولية كما يعرضه بروديل وغيره من مؤرخي مدرسة الحولياتمستوحى من علماء الانثربولوجيا وبخاصة من الباحث الفرنسي مارسل موس الذي يرى أن"المجتمع، أي مجتمع، يكون في الحقيقة وحدة عضوية، فلا يمكن تجزئته الى قطع مستقلة تدرسكل واحدة منها على حدة. ان في قلب كل جزئية وظيفية يجب البحث عن مفعول الظاهرة الشمولية"

وهو الامر الذي فعله بنفسه حينما جعل من عالم البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي علىأيام فيليب الثاني – وهذا هو عنوان الكتاب الذي أصدره عام 1949 – نموذجاً تطبيقياً لكتابة التاريخ بحسب المنهجية الشمولية التي يدعو إليها. وقد توصل بروديل من دراسته المستفيضة لهذا الموضوع إلى وجود شخصية تاريخية لهذا البحر. وقد تجلى ذلك في وحدة النظم الاقتصادية والسياسية التي سادت في معظم الدول التي قامت على شواطئه .

‏‎هكذا بدا الأفق الشمولي عند بروديل"مجموعة تاريخية يشملها نمط واحد من نظم الحياة المادية والروحية، والسمة الأولى للحضارة هي أنها حقيقة واقعية ذات مدة مفرطة في الطول، وسمتها الثانية هي أنها مرتبطة أوثق الارتباط بمكانها الجغرافي إذ تحدث بروديل عن ثلاثة أزمنة  وهي:الزمان الجغرافي والزمان الاجتماعي والزمان الفردي. وفي اطار هذا الفهم تبرز "امكانية لكتابة ثلاثة تواريخ ثانوية أو فرعية تصب كلها في ذات التاريخ الأصلي (الكلي) أو (الشامل): أولها تاريخ جغرافي (يهتم بدراسة الطبيعة أو المكان كتاريخ)، ثانيها: تاريخ ظرفي اجتماعي (يعنى بدراسة المجتمع والحضارة)، ثالثها: تاريخ حدثي (سياسي). ولا يعني هذا الاخير عودة مقنعة إلى المنهج التاريخي القديم، بل التأكيد على أن ثمة شروطاً تحدد الحدث نفسه وتسمح بامكانه". وقد خلص بروديل من كل ما تقدم إلى أنه قد أنجز في كتابه (البحر الابيض المتوسط والعالمالمتوسطي على عهد فيليب الثاني) تاريخاً متعدداً لكنه واحد، لأن حركته تسير من البنية، أي منشروط لامكان إلى الحدث.

في ضوء ما تقدم يمكن لنا القول بأن فهم تاريخ العالم الحديث والاستعمار أهم ملامحه لا يمكن أنيتاتى بدون فهم حركة الاكتشافات الجغرافية وطرق السفن والبحارة ورواية روبنسون كروزو

وفي ذات السياق "تضع أعمال قرنح المحيط الهندي في المركز كمكان، وخلاله تتخلق التواريخ والهويات والعلاقات والصلات والسياسات. إن الساحل الشرق إفريقي السواحيلي العريض، والذي لا يحظى بما يستحق من استكشاف مع ذلك، هو موطن مزيج ثري من أشكال التراث الإفريقي والآسيوي والعربي، وهذه العوالم هي التي يرسم قرنح خرائطها في رواياته"

والاكتشاف فعل حركة ونقلة وقوة وتفوق وسيطرة ومن يكتشف يصمم ويشكل يسمي الذاتوالأخر فمن نحن ومن الآخر وكيف يمكننا الخروج من هذه الشبكة العلائقية المستحكمة في تاريخنا الحديث والمعاصر؟

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

اسعد شريف الامارةحينما نتناول الشخصية يقودنا هذا المفهوم إلى الكثير من التوسع والغور في ما يحمله من أبعاد عميقه وواسعه فيشير "دويجكر وفريجدا Duijker &Frijda" في معرض حديثهما عن ما يحمله هذا المفهوم وتعريفاته مثل السمات النفسية، أو الخصائص والأنماط الشخصية، أو تكوين الشخصية، أو أنساق الإتجاهات والقيم والمعتقدات، أو المعطيات السلوكية المميزة، أو نواة بناء الطابع، هذا الكم أو الكثرة الكاثرة مما تحمله الشخصية من تعريفات وسمات وصفات هو حقًا يتسع لها في التعريف والمفهوم وما يحمله لا سيما أن موضوعنا يتناول الشخصية وبعض أجزائها التي تبرز في فترة من فترات التكوين والبناء النفسي سواء كانت من الأساس، أو تكونت خلال مراحل العمر اللاحقة لا سيما أن الشخصية هي ذلك التكوين الدينامي الثابت نسبيا، كما يراه "البورت"  بتعريفه للشخصية بأنها ذلك التنظيم الدينامي داخل الفرد للأجهزة النفسية الفسيولوجية التي تضمن توافقه الخاص مع بيئته، وفي مقابل ذلك يعد التحليل النفسي الذي يهتم بتركيب الشخصية وتكوينها خلال مراحل الحياة الاولى للإنسان في طفولته،  لذا يؤكد "التحليل النفسي"  كما يرى"دانييل لاجاش" بقوله كانت عملية التكوين هذه تعد دائمًا نتاجًا لتفاعل العوامل البيولوجية والعوامل النفسية والاجتماعية.

وما سنتطرق له هو ظاهرتي الإنفعالية والإندفاعية في الشخصية، كيف تتكون؟ وما هي أهم صفاتها وكيف تبدو ظاهرة في سلوك الفرد وطريقة تعامله، وأسلوبه الذي يطبع كل ملامحه. ويقول أصحاب مفهوم الشخصية المنوالية أن نمط الشخصية ليس مهمًا في حد ذاته، بل المهم هو تكراره، فالشخصية التي تتعرض لضغوط كثيرة مثل الحروب والازمات والكوارث، وتسلط الانظمة الدكتاتورية لفترات طويله تظهر على الشخصية ظاهرتي الإنفعالية والإندفاعية، والمعروف بديهيأ أن الانظمة المتسلطة " الدكتاتورية" تحاول أن تُفقد الفرد ثقته بنفسه، وربما هي من الأسباب الرئيسة في تكوين الإنفعالية في الشخصية وكذلك تخلق الإندفاعية والسبب هو الحرمان والقلق المستمر من اختفاء الأشياء أو مستلزمات الحياة فضلا عن عدم الاشباع النفسي والخوف المستمر لفترات طويلة  مع  التهديد الدائم في الوجود والاستقرار. يظهر سلوك التسرع  والتسابق مع الآخرين في الحصول على أشياء بسيطة في الحياة  اليومية، فالفرد أن حصل على شيء فإنه غَنمَ "حصل" شيء ثمين ، وكأنه سيختفي أو يصبح غير متوفر،  قلق دائم.

عادة  يكون صاحب الشخصية الإندفاعية مستعجل في كل شيء ويبدأ يومه منهك منذ الصباح لأنه مُقبل على سباق مع الزمن، سِباق ومعه الخوف في الحصول على أشياء حياتية ولو بسيطة، تراه يفكر بكل شيء يحاول أن يحصل عليه، يشعر بالجوع النفسي وكأن الجميع يحاولون الوصول لأخذ حقوقه أو منافسته، أنه يعاني من شدة التفكير في أي شيء، حتى يحصل عليه، لا نغالي إذا قلنا أنه جزء من سلوك الشخصية المنوالية التي تكرر نفس السلوك في كل مرة، وكل يوم ولا يهدأ لها بال حتى ولو حصل على ما يريد ولكنه لا يقتنع أو يرضى أو يشبع، أو يكتفي بما يحصل عليه، أنه الحرمان والشعور بأن الغد يغدر ولا نعرف ما يضمره لنا، خَلقت الأنظمة الدكتاتورية الشمولية التسلطية الشخصية الإندفاعية والإنفعالية، فترى الفرد حينما يذهب إلى أية مؤسسة حكومية يرتل نصف القرآن، ويستدعي الاف الأدعية ويستنجد بالأئمة والصالحين ويستحضر الانبياء، وحينما يصل للموظف المخصص للخدمة تراه يقف أمام فرعون متجبر يتسم بالطغيان والتكبر والجبروت، وهو في الحقيقة أن هذا الموظف خائف مرعوب من القادم الذي يراه قوي وجبار، ولكنه يشعر بأن المواطن القادم إنسان بسيط يبدأ يتفرعن ويتجبر ويعرقل معاملته، أنه تسلط متراكم من الانظمة الدكتاتورية التي حكمت الكثير من البلدان في العالم الثالث ومنها الدول العربية.

وهذا السلوك نجده لدى بعض الاشخاص من النساء والرجال في زمن الحروب والأزمات والحصار الاقتصادي والشحة في بعض مستلزمات الحياة الضرورية مثل الأدوية للأمراض المزمنة والمواد الغذائية الأساسية.

ان  تسلط الدكتاتورية وخلق شعور لدى أفراد المجتمع بالحاجة وضرورة البحث دائما عن الضمان والأمان في توفير ما تحتاجه وبشكل مفرط، حتى لو أنتهت المرحلة الصعبة وأنتهت الحرب، وانتهى الحصار وعادت الحياة لطبيعتها وأصبح الوضع الاقتصادي متيسر وبه من الرفاهية أو الاكتفاء في المعيشة يبقى هذا الشعور وهذه الهواجس، ويتحول البعض من الأشخاص إلى البخل والتقتير تحسبًا للزمن القادم الذي لا يؤتمن وربما تعود أيام الضيق والضنك المادي والحاجة والعوز، أما المجتمعات التي مرت وما زالت تمر في حالات الضيق والعوز والحاجة للمال أو للحياة الأعتيادية في المعيشة والاكتفاء الاقتصادي فإنها تزداد لديها ظاهرة الإندفاعية للحصول على الأشياء الحياتية اليومية، ويلجأ بعض الأفراد إلى التحايل من أجل الحصول على أشياء أساسية في الحياة للأسرة، أو يلجأ البعض إلى الدين كمدخل للارتزاق فهو عادة يناغي مشاعر البسطاء وهو أفضل وسيلة للكسب.   

حينما تهتز الشخصية في وجودها ككيان إنساني تظهر عليها علامات مختلفة، لا أقصد هنا الاختلال في وظيفة الاعضاء أو الإضطرابات العقلية فحسب لأن هذا التشخيص يذهب بعيدًا في مسار النفس وما يعتمل في داخلها فيكون الطبيب النفسي أو الاخصائي النفسي الاكلينيكي قد وضع أولى بصماته في التشخيص الطبي على ما آلت إليه هذه النفس من تدهور في احوالها، اقصد هنا الإضطرابات الذهانية "العقلية" بالتحديد، ولكن هنا عزيزي القارئ الكريم اعني  في هذه السطور والمعنى  ببعض العلامات في السلوك وما يؤشر على المستوى الظاهري في التعامل وهو الإنفعالية والاندفاعية، وكلاهما سلوك يبدو واضحًا لدى البعض ونرصده بوضوح، هي حالة مثل الإفراط الحركي عند الاطفال حيث ترصد الأم والاب هذا السلوك لدى ابنهم في حركته واسلوب تعامله مع الأشياء ومع أقرانه، أما ما نريد عرضه هنا هو حالتي الإنفعالية والإندفاعية في الشخصية الإنسانية في مختلف الأحوال.

ما هي فرط الإنفعالية والاندفاعية؟:

الإنفعالية وهي استجابة أولية تثيرها التغيرات المفاجئة والمباشرة، ورغم إن هذه الخاصية هي خاصية إنسانية وطبيعية عند البشر إلا إنها تكون بشكل مفرط وقوي لدى بعض الأفراد ممن تعرض لعصاب الحرب، أو عصاب السجن، فيستجيب الفرد إلى سائر المنبهات الخارجية أو الداخلية ويطلق عليها جميع المنبهات والظروف المثيرة.

يرى " بيير داكو" أن فرط الإنفعالية تصبح غير سوية عندما تتجاوز الحدود ونقصد هنا الحدود الطبيعية لسلوك الفرد في تعامله مع الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه ويضيف"داكو" تكون فرط الانفعالية من خلال الاستجابات التالية:

- استجابة للظرف عالية الشدة.

- استجابة للظروف الطويلة إلى حد المبالغة.

- استجابة سطحية إلى حد كبير.

وفرط الإنفعالية وشدتها وتكونها كجزء من شخصية الفرد تكون عادة عقب صدمات كبيرة ولفترات طويلة ومستمرة مثل الهزات العصبية الشديدة والوهن والإنهاك الطويل المدة والتغيرات المزاجية بسبب الأوضاع الاقتصادية في مجتمعات غير مستقرة، أو غير ثابتة امنيًا، أو لدى بعض النساء خلال فترة الطمث، أو فترة البلوغ لدى البعض من الاناث أو الذكور الشبان والانتقال السريع من مرحلة إلى مرحلة عمرية اخرى.

أما الاندفاعية فهي نوع من الرغبة التي لا يستطيع صاحبها أن يقاوم هذه الشحنات النفسية فتدفع به إلى القيام بفعل غير مقبول ويرى علماء النفس أنها تكون خطيرة وعنيفه أحيانًا.

يرى "بيير داكو" يمكن أن يحدث هذا الاندفاع نتيجة شحنة نفسية  داخلية دون أن يتدخل أي سبب خارجي، ذلك إنما هو إرضاء غريزة أو رغبة أو حاجة، ولكن هذا الاندفاع قد يثيره أيضا سبب خارجي، وعندئذ يكون الرد مباشرًا إلى حد المغالاة وغير متناسب مع السبب، ونشاهد سلوك الاندفاعية بشكل واضح لدى بعض الاشخاص الذي يتسم سلوكهم بالميل إلى التعصب الديني مثلا، أو التعصب الرياضي، أو التعصب القيمي حتى يتحول بمرور الزمن إلى شخصية وسواسية، أو نجد البعض يكون مدفوعًا بخيالات وأوهام الطموح الزائد، أو البحث عن مكانة إجتماعية فيكون شكاك في كل من حوله وفي الاخير يمكننا القول أن رد الفعل لهذه الظاهرة في الشخصية يكون دائمًا إلى حد المغالاة في السلوك. وأزاء ذلك يرى  "داكو" إن الاندفاعية شأنها شان فرط الإنفعالية، سمة غالبة من سمات عدم التوازن النفسي، وكلاهما لا يتميزان على ما يبدو عند المبالغة في الاستجابة.

نحاول جاهدين أن نعطي بعض التفسيرات النفسية وإن كان بالامكان ردها إلى اصولها في التحليل النفسي لهذا السلوك الإنساني، ان الإنسان الذي يتعرض لمواقف حياتية صادمة يتكون لديه سلوك الرد الإنفعالي بشكل فوري، أو على مستوى السلوك الجمعي عند الشعوب التي تخضع لفترات طويلة تحت الحكم الدكتاتوري وأنظمة الاستبداد يكون هذا السلوك واضحا لديها، وكذلك سلطة الأب القاسية  كما تسميه رؤية  "جاك لاكان" في التحليل النفسي اللاكاني " وهو الذي تعمق بشكل كبير في الرؤية النفسية التحليلية الفرويدية" الأب المثالي وهو الأب القاسي الذي يطبق القانون والتعاليم الدقيقة الاجتماعية أو القانونية على أفراد اسرته لفترة طويلة وتربية قاسية أيضا، هي الاخرى حيث تلعب دورًا كبيرا في تشكيل هذا السلوك لدى بعض الافراد، ويرى " العلامة الدكتور مصطفى صفوان" أن صورة الأب المثالي هي المحور الأساس لكل النظريات الدينية للكمال وهذا هو ما يحل محله القائد أو السيد،  وبمعنى آخر صورة التقليد لدى المرجع الديني، أو التأسي بالسلف الصالح " لنا أسوة بالسلف الصالح"، أو الإمام الذي يقلده أو يتبعه الفرد، وهذا يشعر به الفرد في حياته اليومية ولا يستطيع السيطرة على سلوكه ويرجع ذلك إلى وجود أساس بين دافع ذاتي في تصارع مع بيئته الخارجية وهو في الحالة السوية، أما في الحالة المرضية تؤكد الدراسات النفسية المعمقة أن مصادر الصراع الخارجية اصبحت ممثلة في الداخل في صورة كيانات في الشخصية تأخذ مفعولها في البناء النفسي والإجتماعي في الشخصية.

يميز"فورساك Fursac  " اربع فئات من الاندفاعات وهي:

- الإندفاعات الإنفعالية .. ذات العلاقة بقابلية التهيج، إنها تنطلق في حالة "الاهواء" مثل الغيرة والعشق والكره.

- الإندفاعات الحركية

- الإندفاعات الوسواسية.. يشعر بها الفرد أنه مدفوع رغما عنه إلى ارتكاب فعل يلائم الوسواس.

- الإندفاعات ذات القوالب الجامدة.. ونراها في أنواع مختلفة منها جنسية ، ودموية، وإجرامية، وتخريبية. 

وفي النهاية يمكننا القول بأن  الشخصية هي وجود في حضرة الآخرين كما يرى عالم التحليل النفسي  الدكتور "فرج احمد فرج" بقوله أن الإنسان لا يصير إنسانًا إلا بقدر ما يأنس هو إلى الآخرين، وبقدر ما يأنس الآخرون – هم – إليه هو، هذا الأنس وهذه المؤانسة هي الوجود معًا وحينما يختفي هذا التواجد في حضرة الآخرين يختفي الوجود الإنساني وتضمحل العلاقات الإنسانية وتحل محلها العلاقات النفعية البرجماتية البحته، علاقات المصلحة وهو ما أسست له الأنظمة التسلطية عبر عقود من الزمن في عدة دول خضعت لإنظمة دكتاتورية ثم انسلخت من دولة قوية ولكن تركت المجتمع محطم في قيمه وعاداته وتقاليده وكل ما يبحث عنه،  كيف يكسب؟ وكيف يؤمن يومه وغده من الطعام والدواء والدراسة واحتياجات الاسرة؟  بما فيها دول أوروبية خضعت لسلطة قاسية ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستمرت لعدة عقود ثم تركت بعدها مؤسسات شكلت العصابات والمافيات بعد رحيلها أبتلى بها المجتمع والحكومات الجديدة، وتبقى عملية البناء وإعادة الثقة لعدة عقود ولا ننسى أن بناء الإنسان أصعب بكثير من بناء العمارات والشوارع والارصفة والموانئ والمطارات، بناء الإنسان هو بناء كل وجود الحياة وهو بناء صحيح رغم أن ميلاد التحرر من عبودية الأنظمة لم تنتهي ولكن ضعفت وتراجعت القيود ولكن أشتد التنافس وتضخمت الفردية في نفوس الناس على نحو سرطاني إجتماعي، تتعملق نوازع الملكية الفردية ودوافع الاقتناء والتظاهر وتتراجع مظاهر الرحمة، وفي ظل هذا المناخ الوحشي تكثر صور الإنحراف بانواعه الجنسي والسلوكي والخلقي والإداري والسياسي والوظيفي والمهني، وفي الحقيقة هذا هو ثمن البناء الدكتاتوري التسلطي بنظامه القمعي على أفراد المجتمع والمؤسسات والعاملين في الخدمة بما فيها الخدمات الصحية.

 

د. اسعد شريف الامارة

 

 

ادم عربي"الجدل" كم هو صعب وكم هو سهل، وكم هو مفيد وضروري لنا في النظر الى الامور والاشياء جميعا، فهو الغزل بلغة الادب وهو السهل الممتنع بلغة الشعر، اننا يجب النظر لاي ظاهرة على انها وحدة الضدين والتي هي وحدةَ لا انفصام فيها، فالضدين تجد فيهما كل الجدل اذا ما امعنت الفكر في دراسة الظاهرة او الشيء قيد الدراسة .

لندرس الظاهرة التالية ولننظر لها بعيون لا يغشاها اوهام ولنتمثل ما فيها من الجدل، "الحركة مجردة" تحتمل نقيضين هما الحركة الى الامام والحركة الى الخلف، اشرع في الحركة الى الامام وتفحص الظاهرة، انك بلا شك ما ان بدات تتحرك الى الامام حتى لاحظت الاشياء تتحرك الى الخلف، ركز نظرك الى الارض او الشارع واشرع بالحركة، لا بد انك تلاحظ ان الشارع يتحرك الى الخلف، كما هو الحال وانت تقود سيارتك الى الامام سترى الاشياء تتحرك للخلف او تبدو لك كذلك .

انت بمثالنا هذا في الحركة ترى الفعل ورد الفعل، الحركة الى الامام والحركة الى الخلف، توقف الان عن الحركة، ماذا تلاحظ؟ تلاحظ ان الفعل ورد الفعل اختفيا معا، فقد ظهرا معا واختفيا معا، اشرع بالحركة مجددا تلاحظ الفعل ورد الفعل يعيشان معا، ان الضدين يظهران معا ويختفيان معا، اضرب كرة برجلك، الكرة ستتحرك لمسافة ما ثم تتوقف، لكن هل بقيت رجلك مكانها لحظة الضرب؟ كلا، فقد تحركت للخلف حسب قانون لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس في الاتجاه وهنا نرى ان الفعل ورد الفعل ايضا يظهران ويختفيان معا .

في مثال آخر لتوضيح عمل الضدين معا وزوال احدهما، اي نفي احدهما، بالصراع وفي الصراع، استعمل ورقة الزجاج لفصل صبغ ملتصق بلوح معدني مثلا، لترى جليا اتحاد الفصل واللصق، فالصبغ ملتصق باللوح المدني، وانت تحاول بورقة الزجاج فصله، انك تصارع من اجل التغلب على اللصق وصولا للفصل، وقد يطول صراعك للتغلب على اللصق حتى تكتمل العملية حينما لا يبقى صبغ على اللوح المعدني او حينما لا يبقى شيء من الالتصاق باللوح المعدني، اي زوال الضدين معا وهما الالتصاق والانفصال، بعدما كانا اي الضدين في اتحاد متمثل في الفصل واللصق، على انك وانت تحاول الفصل وتصارع من اجله لا بد ان توجد مقاومة وهذه المقاومه بطولها او قصرها هي مرحلة الاحتفاظ ببعض الالتصاق، وهذه صيرورة صراع الضدين حيث يُحتفظ بالجوهري منه، ماذا يعني لي ذلك وجوديا وفلسفيا؟ صارع ضد الالتصاق لتحصل على الانفصال كما في مثالنا اعلاه، صارع ضد الجهل لتحصل على المعرفة، على ان الانسان في صراعة الجهل للحصول على المعرفة واثناء صراعه لا بد له من الاحتفاظ بشيء من الجهل، فالصراع دائما يحتفظ بالجوهري منه، مثالا آخر يوضح صيرورة الاحتفاظ بما هو جوهري في الشيء، إشرع بتسخين الماء لتحصل على بخار الماء، الماء والبخار ضدين او نقيضين خصائص البخار معاكسة تماما لخواص الماء، الماء له شكل او ياخذ شكل الاناء الذي يوضع فيه اما البخار فلا شكل له الماء يمكن ان اسبح به اما البخار فلا، لكن ما الشيء الجوهري بين الماء والبخار؟ انه التركيب الكيميائي وهو ذرتين من الهيدروجين وذرة اوكسجين، ان الاحتفاظ بجوهر الشيء اثناء التغيير لا بد منه وما التغيير الا تحول الشيء الى نقيضه، والا كيف يتقدم الانسان اذا ما أُلغي الجهل مثلا  ؟ تخيل مجتمعا خاليا من الجهل، فكيف للمعرفة ان تنمو، تخيل ان مجتمعا خاليا من الرذيلة، فكيف للفضيلة ان توجد؟ فما الفضيلة الا الرذيلة وقد نُفيت واُحتفظ بها في الوقت نفسه . اننا في حاجة دائمة إلى وجود وبقاء كل "نقيض"، فوجودنا من وجوده، لا ننمو، ولا نتطورر، ولا نتقدم، إلا من طريق صراع نخوضه ضده، فنتغلب عليه، ونحتفظ به في الوقت نفسه. اننا نحتفظ به ليس حباً له، وانما من اجل ان نبقى موجودين.

 

د. ادم عربي

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن موقف محمد السيد الجليند من قضايا الفلسفة الإسلامية، وهنا نركز حديثنا في هذا المقال حول موقفه من التصوف الإسلامي والطرق الصوفية، فنجده يقول عن التصوف الإسلامي: "نحن نعتبر القرن الثالث الهجري علامة فارقة في تاريخ التصوف الإسلامي، نستطيع أن نفرق في هذا القرن بين التصوف كما ورثه المسلمون عن القرنين الأول والثاني سلوكا صافيا ملتزما بالكتاب والسنة، متطابقا مع ما أوصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من خلال أحاديثه النبوية ووصاياه وما حدث بعد ذلك في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع من ما نسميه بالتصوف الفلسفي الذي دخل الإسلام مع بعض العناصر الفارسية التي مارست سلوكيات تحت اسم التصوف وهي متأثرة بالثقافة الهندية والثقافة الفارسية وبالغنوصية المسيحية، هذه الروافد الثلاثة كانت بوابة واسعة دخل من خلالها الانحراف في تاريخ التصوف الإسلامي فوجدنا بعض الصوفيه ابتداءً من أبي يزيد البسطامي، الشبلي، الحلاج، ذي النون المصري، يمارسون سلوكيات لم يرد عنها أثر في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا في أحاديثه، بل هي تتعارض تعارضا كاملا مع صحيح العقيدة الإسلامية، خاصة بعد ما ظهر على أيديهم ما يسمى بالشطح الصوفي أو الجذبة الصوفية التي يدعي فيها الصوفي أنه غاب عن نفسه فيما يسمى بالفناء الصوفي ووصل بهم الأمر إلى أن بعضهم صرح بعبارات تنبئ عن عقيدة فاسدة إذا كان يعتقدها وعن خطأ في الألفاظ إذا كان يقول ما لا يعي، كما قال بعضهم: ما في الجبة إلا الله، وكما قال الحلاج: سبحاني ما أعظم شاني، هذه العبارات ظهرت في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع لتنبئ عن أشياء غريبة دخلت في التصوف، هذه الأشياء نحن نسميها بالحلول والاتحاد نسميها بالفناء الذي يغيب فيه الصوفي عن وجوده كما يدعي، بحيث يرى الله حالا في الأشياء متحدًا بها، فإذا سألته ما هذا؟ يقول هذا تجلى إلهي، هذه أشياء غريبة دخلت في التصوف الإسلامي وأثرت في مسيرته التاريخية ولما حاول بعض الصوفية كأبي حامد الغزالي أن ينقد التصوف من داخله سلط الأضواء على هذه النماذج، وحاول أن يتلمس لها المعاذير في كتابه المنقذ من الضلال، لكننا نجده أيضا وقع فيما وقع فيه غيره من استخدام ألفاظ ومصطلحات قد يراها البعض تتعارض مع صحيح العقيدة الإسلامية، ولكن ينبغي أن نعلم أننا هنا نتعامل مع ألفاظ قرأناها في كتبهم وعبارات نقلت عنهم في مؤلفاتهم أو مؤلفات غيرهم، هل كانوا يعتقدون ما يقولون أو لا يعتقدون هذه قضية، ينبغي أن نسلم الأمر فيها لله سبحانه وتعالى؛ لأننا لم نؤمر بالتفتيش في قلوب الناس، وإنما نحن نتعامل ونحكم على أقوال وكلمات وردت في مؤلفاتهم أو نصوصهم (19).

وأما فيما يخص موقفه من الطرق الصوفية ، فنراه يقول: كلمة الطرق الصوفيه لم تظهر إلا في القرن الخامس الهجري حين حاول بعض الصوفية أن يجمع حوله بعض التلامذة أو المريدين يلقنهم بعض الأوراد في الذكر والدعاء ويتعلمون منه كيفية الأذكار التي يراها هو أفضل الأذكار التي يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، وظهر في التصوف ما يسمى بالقطب الصوفي أو الشيخ فيلتف المريدون حول هذا الشيخ يتعلمون منه كيفية الأذكار، وظهر ما يسمى بالورد وظهرت كلمة الطريقة مرتبطة بظهور الشيخ والتفات المريدين حوله فظهرت الطريقة الجيلانية، وظهرت الطريقة الحلاجية، وظهرت الطريقة الجنيدية نسبة إلى الجنيد والطريقة التسترية نسبة إلى سهل بن عبد الله التستري، وهذه الطرق كانت في بداياتها أشبه بالمدارس التربوية، وينبغي أن نعي هذا جيدا، كانت مدارس تربوية تربي المريد على ذكر الله تبارك وتعالى وعلى الإخلاص في العمل وعلى الإتقان في العمل، ولكن تطورت فيما بعد بحيث أصبحت طرقا لكسب العيش ودخلها من الانحراف ما عدلها عن بداياتها الصحيحة التي قصدها أوائل أصحاب هذه الطرق، فبداياتها كانت صحيحة وأهدافها كانت صحيحة، وكانت أشبه بالمدارس التربوية، ولكن طرأ عليها الانحراف في المسيرة التاريخية كما نشاهده الآن نحن عندنا في مصر طرق كثيرة جدا تتبنى أورادًا كثيرة جدًّا وتسلك سلوكيات فيما يسمى بالموالد أو المناسبات الدينية بعيدة كل البعد عن صحيح الدين الإسلامي، وللأسف الشديد فإن الذين حكموا على التصوف الإسلامي نظروا إلى سلوك المتصوفة ولم ينظروا إلى حقيقة التصوف في بداياته الصحيحة (20).

ويخلص الدكتور الجليند  إلى أن:" كلمة الطرق الصوفية لم تظهر إلا في القرن الخامس الهجري حين حاول بعض الصوفية أن يجمع حوله بعض التلامذة أو المريدين يلقنهم بعض الأوراد في الذكر والدعاء ويتعلمون منه كيفية الأذكار التي يراها هو أفضل الأذكار التي يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، وظهر في التصوف ما يسمى بالقطب الصوفي أو الشيخ فيلتف المريدون حول هذا الشيخ يتعلمون منه كيفية الأذكار، وظهر ما يسمى بالورد وظهرت كلمة الطريقة مرتبطة بظهور الشيخ والتفات المريدين حوله فظهرت الطريقة الجيلانية، وظهرت الطريقة الحلاجية، وظهرت الطريقة الجنيدية نسبة إلى الجنيد والطريقة التسترية نسبة إلى سهل بن عبد الله التستري، وهذه الطرق كانت في بداياتها أشبة بالمدارس التربوية، وينبغي أن نعي هذا جيدا، كانت مدارس تربوية تربي المريد على ذكر الله تبارك وتعالى وعلى الإخلاص في العمل وعلى الإتقان في العمل، ولكن تطورت فيما بعد بحيث أصبحت طرقا لكسب العيش ودخلها من الانحراف ما عدلها عن بداياتها الصحيحة التي قصدها أوائل أصحاب هذه الطرق، فبداياتها كانت صحيحة وأهدافها كانت صحيحة، وكانت أشبه بالمدارس التربوية، ولكن طرأ عليها الانحراف في المسيرة التاريخية كما نشاهده الآن نحن عندنا في مصر طرق كثيرة جدا تتبنى أورادًا كثيرة جدًّا وتسلك سلوكيات فيما يسمى بالموالد أو المناسبات الدينية بعيد (21).

وحول موقف الدكتور الجليند من الإستشراق والمستشرقين في مجال الفلسفة الإسلامية، فنجده يؤكد علي أن المستشرقين ليسوا كلهم على درجة من الموضوعية والنزاهة تجعلنا نطمئن إلى كل ما يقولونه عن الإسلام والمسلمين، فمثلا في مجال التصوف الإسلامي يقول الدكتور الجليند:" لم أجد مستشرق حاول أن يكتب بروح الإنصاف عن التصوف الإسلامي، فهو ما بين مشكك أو مروج لأثر غريب عن الإسلام في التصوف الإسلامي، يمكن في العصر الحاضر بعض من الذين هداهم الله سبحانه وتعالى إلى الإسلام بعد قراءات طويلة في القرآن وفي السنة النبوية بعضهم بدأ -الحقيقة- يكتب مقالات أو بحوثًا صغيرة عن الجانب الروحي في الإسلام وهو يقصد به التصوف الإسلامي (22).

ويستطرد الدكتور الجليند:" أما الحياة في الغرب وطغيان الجانب المادي عليها وظهور الحاجة الماسة إلى غذاء روحي يعيشون عليه ويتلمسون فيه الشفاء من الأمراض المادية التي يعيشونها فهذا أمر وارد على النفس البشرية، لكن كثيرين منهم لا يتلمسونها في الإسلام وإنما يتلمسونها فيما يسمى بالموسيقى أو الفن أو النيرفانا الهندية، لكن أن يقرؤوا الإسلام ويقرؤوا التصوف ويقفوا على ما فيه من غذاء روحي وعقلي يشفي كثيرا من الأمراض النفسية.. للأسف الشديد نحن لم نحسن عرض الإسلام عليهم، ولم نحسن عرض التصوف الصحيح عليهم، وبالتالي هم لم يفهموه حق فهمه، وهذا عيب فينا نحن أكثر مما هو عيب فيهم (23).

وأخيراً إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور الدكتور الجليند في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته الفلسفية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور الدكتور الجليند لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

19- محمد عبد العزيز الهواري (محاورا): حوار لا تنقصه الصراحة مع أستاذ الفلسفة المتخصص في الشأن الصوفي.. مجلة الصوفية العدد السابع ،  1429هـ.

20- المرجع نفسه.

21- المرجع نفسه.

22- المرجع نفسه.

23- المرجع نفسه.

 

عبده حقيإن اقتصاد منصة الإنترنت في عصرنا الراهن يشبه تشابهًا قويًا مع النظام الاقتصادي في العصور الوسطى، والمعروف باسم الإقطاع . إنني أزعم أن اقتصاد المنصة الشبكية هو إلى حد كبير إقطاع رقمي، حيث لا يتم جعل المواطنين العاديين رعايا من خلال عملهم واعتمادهم على السيد الإقطاعي، ولكن من خلال بياناتهم والإمكانيات الجذابة التي تقدمها المنصات.

هذا التطور الخطير كان إلى حد بعيد غير متوقعً في السنوات الأولى للإنترنت. غالبًا ما كان يُنظر إليه على أنه كعصر جديد ومساحة ماتزال عذراء للاستكشاف والاستخدام، بدون قواعد وحدود وبنيات اقتصادية قائمة . وقد استند كثيرا الخطاب المغلف بـ "فقاعة تكنولوجيا المعلومات" إلى مثل هذه الروايات والادعاءات . وبالتالي، فإن القواسم المشتركة لم تبقى حرة لفترة طويلة . ونظرًا لما حدث من استعمار الكنائس والدول والإقطاعيين في العصور الوسطى واستغلالهم للمجتمعات، فإن الإنترنت المجاني الذي كان شائعًا قبل عقود أصبح هو كذلك مستعمرًا الآن من قبل عمالقة التكنولوجيا "الخمسة الكبار" مثل غوغل وأمازون وآبل وميكروسوفت وفيسبوك الذين يتنافسون على اهتماماتنا ومعلوماتنا وفي النهاية، يتنافسون على أرصدة مالية خيالية .

غالبًا ما يشار إلى هيمنة هذه "الشركات الخمس الكبرى" وشركات التكنولوجيا الكبيرة الأخرى باسم "اقتصاد المنصة". تمتلك آبل نظامها من الأجهزة المقيدة، مما يسمح فقط بالتطبيقات والموسيقى والأفلام التي ترعاها. من جهته  تحول موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، الذي بدأ كشبكة اجتماعية لطلاب الجامعة، إلى وسيط لا غنى عنه لجميع أنواع الأخبار والترفيه والمعلومات المختلفة . أمازون من جانبها منذ البداية، كانت وماتزال تتنافس كمكتبة لبيع الكتب لتكون المورد العالمي للمعلومات والترفيه. وتريد غوغل دائمة التواجد أن تكون البوابة لجميع المعلومات في العالم. إنهم لا يكتفون باستعمارنا بل هم ماضون بإصرار لاستعمار أراضي بعضهم البعض . حيث مثلا يطمح فيسبوك إلى أن يكون مثل غوغل الذي لديه رغبة شديدة في استنساخ نجاح فيسبوك الاجتماعي. إن شركات التكنولوجيا المهيمنة تعمل مثل اللوردات الإقطاعيين الجدد الذين يريدون السيطرة وتوابعها، مثل الإقطاعيين في العصور الوسطى الذين أرادوا عبيدا وفلاحين مطيعين يعملون بجد . مثلما كان الاقتصاد الإقطاعي قائمًا على العمالة الرخيصة (أو المجانية)، فإن الاقتصاد الرقمي يقوم على استخراج واستغلال بيانات المستخدم والتواصل الاجتماعي.

ومن خلال رؤية ديمقراطية، تطرح المنصات الرقمية أسئلة أكثر أهمية. فهي تعمل من خلال إغراء الأجهزة والخدمات، لتقنع الناس بالمشاركة والاستهلاك في الأنظمة الأساسية التي ينشئونها، ضمن القواعد والإطارات التي تحددها البنى والخوارزميات الخاصة بالخدمات الرقمية. والأكثر إثارة للدهشة، ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي، فالشركات تتولى الآن أجندات سياسية تنتمي عادة إلى المجالات القانونية والخطابية للدول القومية، حيث أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر وروديت مساحات مهمة لنشر الخطابات السياسية . إن هذه الشركات العملاقة لا تلتزم بالدساتير، ولا تضمن الحقوق المدنية مثل حرية التعبير، والحماية من التحرش وخيار المعاملة العادلة من قبل المحاكم إذا حدث أي خطأ . إنها، في الواقع، تشتغل عكس ذلك تمامًا، لأنها وجدت لأصحاب المصلحة وليس للمساهمين. على الرغم من أن المنصات تمتد بشكل متزايد إلى المجال السياسي، إلا أنها تعتمد على مصالح أصحابها - والتي تتعلق في النهاية بالإيرادات والمداخيل وذكاء مبرمجيها. إن قاعدة المساهمين العاديين، بالطبع، هي بالضبط ما حاولت منذ مائة عام من تمديد شبكة التأمين الاجتماعي والهيئات التنظيمية الحكومية منعه . لطالما اعتبر هذا ضد المنطق الديمقراطي.

تبرز المشكلة بشكل خاص في الطريقة التي تتم بها تصفية النقاشات والرقابة عليها . حيث يتم تفضيل بعض الخطابات السياسية، في حين يتم استبعاد البعض الآخر، وغالبًا ما يتم إخفاء منطق هذه الاختيارات السياسية للغاية داخل الطاغوت الحوسبي حيث إذا انتقل مركز السلطة السياسية إلى مجتمع المنصة، فستكون الرقابة بالتأكيد مشكلة ديمقراطية متزايدة. لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك لاعبًا رئيسيًا في المجال العام المحلي والعالمي. غير أنها لا تخضع لمبادئ الشفافية والعدالة التي تحكم الخطاب السياسي والمؤسسات داخل الدول الديمقراطية.

أخيرا، إنني أزعم أن اقتصاد المنصة الرقمية يحتمل العديد من أوجه التشابه مع الاقتصاد الإقطاعي لمجتمعات العصور الوسطى. على عكس إقطاع القرون الوسطى القائم في ممارسة السلطة، فإن الإقطاع الرقمي يتسم بالتشاركية . إن اقتصاد المنصة الرقمية لم يتطور كما هو النظام الإقطاعي من خلال نظام العنف والإرهاب والجلد العام أو الغزوات البربرية . وبدلاً من ذلك، دخل اللوردات الإقطاعيين الرقميين الجدد إلى المشهد وهم يركبون على وعد المستخدمين بتجربة رائعة ومريحة . إن الثمن الذي يدفعه المواطنون المستخدمين لهذه المنصة هو المراقبة، والتبعية، وفي النهاية، حرية وديمقراطية بمقدار أقل .

 

عبده حقي

مترجم بتصرف

 

الحسين بوخرطةلقد ورد في عدة مقالات منذ عقود أن التأسيس “المتعالي” لحقوق الإنسان الكونية في الحضارة الغربية قد استند على ثلاث فرضيات أساسية: "التطابق بين نظام العقل ونظام الطبيعة"، و"حالة الطبيعة" و"العقد الاجتماعي". كما اشتد النقاش في السابق في موضوع مسألة الخصوصية الثقافية في الخطابات الرسمية وغير الرسمية بمنطق إعطاء الانطباع وكأن هناك تناقض ما بين هويتنا الدينية الإسلامية والأسس السالفة الذكر.  لقد ارتقت جودة المشاريع الفكرية العربية والمغاربية بعد منتصف القرن العشرين وأصبح اليوم هذا الانطباع أمرا غير ذي موضوع. وعندما نتكلم عن هاته الخصوصية بالنسبة لنا نعني بذلك استحضار أحد أهم مكونات هويتنا الثقافية، وهو الدين الإسلامي.

ونظرا لما أولاه المرحوم محمد عابد الجابري من أهمية بالغة لمسألة الاجتهاد الفقهي في قضايا التحديث الثقافي وضرورة غربلة الثراث العربي الإسلامي من خلال ربط نصوصه الرسمية (القرآن والسنة) بأحداثه التاريخية (التفسير بأسباب النزول حسب الظروف والمستجدات الزمانية والمكانية)، ارتأينا اعتماد كتاباته في مجال إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي بروح عقلانية في أفق تأصيلها ثقافيا في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. وفي هذه النقطة بالذات يقول الجابري: "مراعاة أسباب النزول واعتبار المقاصد هما الشرطان اللذان يؤسسان الموضوعية في الاجتهاد الفقهي… ذلك أن مراعاة “أسباب النزول”، بتعبير القدماء، هي، تقريبا، ما يعبر عنه اليوم ب"التاريخية": أي فهم الشيء في ضوء ظروفه الزمانية والمكانية وتجنب إسقاط الحاضر على الماضي أو نقل الماضي إلى الحاضر، بصورة اعتباطية تعسفية. أما “المقاصد” في اصطلاح الفقهاء فهي ما يعبر عنه اليوم ب"البواعث" أعني الغايات والأهداف التي من أجلها كان الشيء". وبخصوص الاجتهاد الفقهي قال: "إن الرأي الاجتهادي رأي اشترط فيه الفقهاء شروطا يراد منها أن تحرره من كل ما هو ذاتي وأن تؤسسه على أكثر ما يمكن من الموضوعية. وهكذا، فالرأي الاجتهادي في الفقهيات يجب أن يستند إلى نصوص صحيحة وعلى معرفة دقيقة بلغة تلك النصوص وبأساليبها في التعبير وعلى إطلاع واسع بتاريخية تلك النصوص، أعني بالظروف والمناسبات التي وردت فيها (أي أسباب النزول) وبالأهداف العامة التي ترمي إلى تحقيقها (أي مقاصد الشرع)".

وفي هذا الصدد، إذا أخذنا بعين الاعتبار الفوارق الزمنية والحضارية وغيرها، وتجنبنا خطر إسقاط الحاضر على الماضي، يمكن أن نقر أن هناك تطابق بين الكيفية التي "تعالى" بها الإسلام ب"حقوق الإنسان"، وبين الطريقة التي سلكها فلاسفة أوربا في العصر الحديث لتحديد أسسها الفلسفية. ومن أجل تبرير ذلك، سنخصص هذا المقال لمناقشة الأرضية الفلسفية لحقوق الإنسان كما وردت في القرآن الكريم للوقوف على ما يؤكد عالميتها، ويفند في نفس الوقت كل الإدعاءات التي تدفع بوجود بعض التناقضات بينها وبين أسسها الفلسفية في الحضارة الأوربية.

فعلى أساس اعتبارنا لكون الشورى إسلاميا لا يمكن أن تكون إلا دعامة ثقافية لمقومات الحكامة الجيدة، كمقارنة ومقاربة مع فكرة "العقد الاجتماعي"، سننكب في هذا المقال على مناقشة محورين أساسيين سنخصص الأول لمفهوم الإنسان في المرجعيتين الغربية والإسلامية، والثاني لتوضيح التطابق في شأن الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان الكونية بين هاتين المرجعيتين باستحضار المبدأين الأساسيين: "تطابق نظام الطبيعة ونظام العقل" و"حالة الطبيعة".

المحور الأول: مفهوم الإنسان في المرجعيتين الغربية والإسلامية: من اختلاف المنطلقات إلى الحسم في مسألة الوحدة بين الروح والجسد.

قبل الدخول في صلب موضوع هذا المحور، نود أن نستحضر في بدايته ما قاله المرحوم الجابري بشأن ما يسمى ب"الحقيقة النهائية" حيث أكد أن الإنسان لا يمكن أن يصل إليها دفعة واحدة ومرة واحدة، بل "الحقيقة" يبنيها الإنسان بتراكم ما يحالفه من صواب وما يكتشفه من أخطاء. وإذا كان الصواب في العلوم تبنيه التجربة، فإن الصواب في الحقوق والتشريع هو ما يحقق أكبر قدر من المصلحة العامة، أكبر قدر من الخير للفرد وللمجموع. كما أكد الجابري أن وجاهة الاعتراض على رأي من الآراء لا تعني بالضرورة فساد هذا الرأي ومخالفته الحقيقة، بل تعني فقط وجود أكثر من إمكانية واحدة لتشييد معقولية الموضوع المختلف فيه. وبذلك، تكون النصوص الدينية، مثلها مثل النصوص التراثية عامة، نصوصا مفتوحة قابلة للتأويل، وبالتالي يجد الناس فيها عادة ما يريدونه منها، ويترتب عن ذلك تعدد للمذاهب والفرق في جميع الأديان. وأمام هذه الحقيقة، ولولا ظهور النزعات المتشبثة باستغلال الدين كمطية لتحقيق السيطرة السياسية، كان سيكون الاختلاف في الرؤية والتفسير والتأويل بين الناس أساسا لتطوير الحوار الدائم بين الثقافات وضمان تصالحها وتفاعلها إيجابيا في الزمان والمكان. موضوعيا، التباين في تأويل النصوص الدينية يجب أن يكون مطلبا محبذا لتفادي الجمود الفكري ودعوات الرجوع إلى الوراء، والسقوط في الأوضاع النزاعية التي تتشبث فيها كل فرقة من الفرق المشكلة بكونها صاحبة الفهم الصحيح (امتلاك الحقيقة)، وأنها وحدها "الفرقة الناجية". نقول هذا لأنه تبين أن القبول بالاختلاف هو أمر محبذ وضرورة تاريخية، لأن الإنسان بطبيعته، بقدر ما يعترف بوجود خصوصيات سلوكية مرتبطة بطبعه، بقدر ما يطمح إلى الكمال بروحه وجسمه، وإلى الرفع إلى أقصى الحدود لكل طاقاته العقلانية والجسمانية من أجل التقدم في اكتشاف الطبيعة وإمكانياتها والسيطرة عليها وتسخيرها للخير العام، مع احترام مقومات وجودها العلمية.

واعتبارا لما ورد في هذا التقديم الخاص بهذا المحور، نقول منذ البداية أن ما تم بناءه في الحضارتين الغربية والإسلامية بشأن مفهوم الإنسان، بالرغم من منطلقاتهما المختلفة، لم يتوج بالتباين والاختلاف، بل كانت النتيجة واحدة زكت الوحدة ما بين الجسم والنفس. وهذا ما سنحاول تبريره مستحضرين دائما ما جاء في كتابات الجابري. فهذا الأخير، من أجل تحليل موضوع "مفهوم الإنسان" وحقوقه الكونية، استحضر أربع مفاهيم بالغة الأهمية: "المفكر فيه"، و "ما هو قابل للتفكير فيه"، و"اللامفكر فيه"، و"ما هو غير قابل للتفكير فيه".

1- مفهوم الإنسان في المرجعية الأوربية.

ما أكدته كتابات الجابري كون الثورة العقلانية في أوربا قد تجاوزت معرفيا وثقافيا مفهوم الإنسان كما كان "مفكرا فيه" في القرون الوسطى، تجاوز أحدثته الوثيرة السريعة لتحويل "ما هو قابل للتفكير فيه" إلى "مفكر فيه"، مع تحقيق تقدم مستمر وملموس في غزو مجالات "اللامفكر فيه" واكتشاف "ما هو غير قابل للتفكير فيه". لقد حققت العقلانية الأوروبية حركية دائمة في التفكير وضعت حدا للجمود والتقليد المفتعل من طرف رواد الكنيسة المدعم لسلطتهم السياسية. لقد تمكنت المرجعية الأوروبية من تشييد مفهوم الإنسان على أساس إعادة الاعتبار للفرد البشري وتحريره من الشعور بوزر ما يسمى ب"الخطيئة الأصلية" (الأكل من شجرة الجنة المنهى عليها). فبعدما ساد الاعتقاد في القرون الوسطى بكون الإنسان مشدود بروحه إلى مملكة الله (الروح المقدسة)، وبجسده إلى مملكة الشيطان (الجسم المدنس)، نجح الفلاسفة والمفكرون والسياسيون من إعادة الوحدة بينهما (بين الجسم والروح)، وبالتالي التمكن من تحرير الإنسان بنفسه وجسده من سلطة الكنيسة (التي فرضت نفسها ممثلة لمملكة الله) و"الأمير" الخاضع لها. ومن هنا برز أول حق للإنسان في المرجعية الأوربية وهو حقه في جسمه، وفي ملكيته والتمتع به وتمتيعه. وانطلاقا من تأصيل هذا الحق ثقافيا، صار ينظر إلى الإنسان، لا على أنه الكائن المدنس، بل أنه الكائن الذي يجب أن تتجه جميع أنواع أنشطته إلى تنمية جسمه وروحه وحريته وكرامته. وبذلك، تكون النهضة الأوربية قد مكنت الإنسان الأوربي من تجاوز الثنائية ما بين الروح والجسد والتي روج لها بكل الوسائل كمعتقد واهي مكن من ضمان سيطرة الكنيسة على مصير الشعوب الأوروبية لقرون. لقد تمت بالفعل إعادة الاعتبار إلى الجسد بوصفه جزءا لا يتجزأ من ماهية الإنسان نفسه، الإنسان الذي أصبح ينظر إليه على أنه يسمو بإنسانيته ذاتها، لا بشيء خارجها.

2- مفهوم الإنسان في القرآن.

قال الجابري رحمه الله، على عكس ما حدث في التاريخ الأوروبي من تطورات في شأن "مفهوم الإنسان"، نجد أن هذا المفهوم كان دائما حاضرا في النصوص القرآنية (أي أنه كان مفكر فيه وقابل للتفكير فيه). فالمفسرون القدامى فكروا فيه حسب مشاغلهم آنذاك، ولكن لم يرق تفكيرهم إلى مستوى الأبعاد والآفاق نفسها التي تؤطر الرؤية المعاصرة بسبب تداخل الحرية في التفكير (مجال "المفكر فيه"، ومجال "القابل للتفكير فيه") بالسلط السياسية التقليدية. لكن على مستوى النصوص القرآنية التي تناولت "مفهوم الإنسان"، قال نفس الكاتب، نجدها تلتقي على طول مع المفهوم الذي شيده الفكر الأوربي الحديث، ويتبناه الفكر العالمي المعاصر. لقد أكد القرآن أن الله فضل الإنسان على جميع المخلوقات بما في ذلك الملائكة وميزه وحده ببعده الحضاري: صانع الحضارة (انظر مفهوم العمران لابن خلدون). إضافة إلى هذا التفضيل، خلت كل الآيات القرآنية من ثنائية النفس والجسد التي كانت منطلقا "للمفكر فيه" أوروبيا في العصور الوسطى. فالقرآن الكريم جعل من الإنسان روح وجسد ولم ينقص من قيمة الجسم قط، بل مجدهما الاثنين معا. فمفهوم الإنسان ككائن حضاري كرمه الله بالعقل والنطق والتمييز والحظ، ودعاه للتمتع بدنياه كأنه سيعيش أبدا، وأن يعمل لآخرته كأنه سيموت غدا. وهبه العلي القدير جسم وصورة حسنة قويمة وقامة معتدلة (للجسم حق والنفس حق)، واستخلفه في الأرض. ومن ضمن الآيات التي أثبتت هذا التفضيل والتمجيد نذكر:

* "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (سورة الإسراء الآية 70).

* "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا" (سورة الإسراء الآيتان 61-62).

* "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" (سورة البقرة الآيات 29-31).

* "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم". (سورة البقرة الآيات 33-36).

* "هو أنشأكم من الأرض. واستعمركم فيها" (سورة هود الآية 60).

* "وأثاروا الأرض وعمروها…" (سورة الروم الآية 8).

* "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" (سورة يونس الآية 14).

* "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (سورة التين الآية 4).

* "وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات" (سورة غافر الآية 64).

المحور الثاني: الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان الكونية بين الحضارتين الإسلامية والغربية.

1- مسألة "التطابق بين نظام الطبيعة ونظام العقل".

بخصوص اعتبار العقل المرجعية التي تعلو على كل شيء، دعا القرآن الكريم صراحة مرارا وتكرارا إلى تأمل نظام الطبيعة واستخلاص النتيجة منه، بل أكثر من ذلك، ختمت عدة آيات بعبارات توحي بأن نظام الطبيعة هو نفسه نظام العقل. وفي هذا الصدد، قالى تعالى: "إن خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون" (سورة البقرة الآية 163). ونفس هذه الحقيقة أقرها كذلك فلاسفة أوربا حيث أكدوا أن الله هو الذي خلق نظام الطبيعة ونظام العقل على ما هما عليه من التطابق والتساوق، وأنه ما كان للعقل أن يدرك مغزى نظام الطبيعة لو لم يكن نظامه هو نفسه مطابقا لنظام الطبيعة، ولو لم تكن أحكام العقل وقوانين الطبيعة متطابقة كذلك. ونظرا للأهمية التي أعطاها الله (سبحانه وتعالى) للعقل البشري، نجد القرآن يوظف مرارا تكرار كلمة "العقل" سلطة وحكما، مؤنبا الذين يخضعون للتقليد، داعيا إياهم إلى تحكيم العقل وحده (الآية): "قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" (سورة الشعراء الآيات 71-74). إنها دعوة ربانية صريحة إلى اعتماد العقل وترك التقليد والاهتداء بآيات الكون (أي نظام الطبيعة).

2- الدعوة إلى الرجوع إلى “حالة الطبيعة”

جاءت الدعوة إلى الرجوع إلى "حالة الطبيعة" في القرآن مرادفة للدعوة إلى "نظام الفطرة"، حيث عندما يدعوا الله إلى الرجوع إليه فإن ذلك يتطابق و"حالة الطبيعة". وبذلك يكون "قانون الفطرة" هو "القانون الطبيعي" الذي فطر الله الناس عليه. الأهمية القصوى لهذه المطابقة ليست اعتباطية بل مستمدة من كون اعتبار الإسلام دين الفطرة، دين إبراهيم السابق للأديان (يقول الجابري أن المقصود ب"الإسلام" هنا هو دين إبراهيم، لأنه أصل كل دين وهو سابق على كل خلاف ديني، إذ هو الفطرة التي ناهضت الاستبداد). وفي هذا الشأن، جاء في القرآن ما يبرر مقاربة "حال الفطرة" بالمفهوم الإسلامي مع "حالة الطبيعة" التي أسس عليها فلاسفة القرن الثامن عشر بأوربا مفهوم حقوق الإنسان مضامينه الحديثة، حيث يقول الله تعالى:

* "فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة الروم الآية 29).

* "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين" (سورة آل عمران الآية 66).

* "إن الدين عند الله الإسلام" (سورة آل عمران الآية 19).

* "وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" (سورة آل عمران الآيتان 83-84).

* "وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم" (سورة آل عمران الآية 19)

خاتمة

فإذا حاول جون جاك روسو، المؤسس لحقوق الإنسان على فكرة "حالة الطبيعة"، إثبات معقولية المسيحية وتبرير ضرورة الاستغناء على التقاليد الكنائسية، فإن إثبات "معقولية الإسلام" وتأصيلها ثقافيا تتطلب منا كذلك التشبث بالعقلانية والإيمان بالاختلاف والتطور والمستقبل والابتعاد عن التقليد ودعوات الرجوع إلى الوراء والاستغلال "السياسوي" للدين. لقد حان الوقت لتربية الأجيال على التمييز ما بين مجال العقل (الأمور التي توافق أو تناقض العقل) ومجال الوحي (الأمور التي تعلو عليه). ولتوضيح هذا الأمر، أعطى جون لوك أمثلة مجسدة لذلك حيث قال : "فإن القول بوجود إله واحد قول يتفق مع العقل، والقول بوجود أكثر من إله قول مناقض للعقل، والقول ببعث الأموات قول يعلو على العقل".

إن ما تحتاجه الإنسانية اليوم هو الاحتكام إلى العقل من أجل توفير شروط تحسين ظروف العيش المشترك. وهذا الهدف لن يتأتى ما لم تحسم المجتمعات في الصراعات المفتعلة المعرقلة للمساعي التحديثية الرامية إلى تحرير الإنسان من القيود المصطنعة وتمكينه من تفجير طاقاته إلى أقصى الحدود، ومن أن يطلق العنان لمخيلته لتنمية قدراته الإبداعية، واستغلال طاقته الجسمانية وتسخير إمكانيات روحه وجسمه الفنية والجمالية من أجل إسعاد نفسه ومحيطه.

إن فلاسفة أوربا، الذين حملوا مشعل "التنوير" الثقافي، وأسسوا ل"حقوق الإنسان" في الفكر الحديث، لم يقفوا بذلك ضد الدين كدين، وإنما وقفوا ضد نوع من الممارسة الدينية التي كانت تقوم بها الكنيسة. كما أن بناء النظريات على فرضية تطابق ما هو "عقلي" مع ما هو "طبيعي"، لا يعني اعتبار هذا الأخير بديلا من "الإلهي"، بل هو كل موحد. ف"الطبيعي" لا يمكن أن يحل محل "الإلهي"، ولا "العقل" محل "الدين"، بل على عكس ذلك، فالدين الطبيعي عندهم هو نفسه الإلهي. وهذه الأمور لا تتناقض مع مقومات الدين الإسلامي. فهذا الأخير يدعو بدوره إلى العقلانية لإزاحة التقاليد الواهية وسلطتها المكبلة ليحل محلها العقل وسلطته. فاعتماد العقل (تطابق نظام طبيعة مع نظام العقل) والفطرة (حالة الطبيعة) والميثاق والشورى (العقد الاجتماعي) هي نفس الأسس التي اعتمدها رواد الفكر الفلسفي الأوروبي من أجل بلورة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. أما فيما يخص الجدل في تحديد "مفهوم الإنسان" في المرجعيتين الغربية والإسلامية، فقد توج التفاعل العقلاني بالتقائية فندت المساعي "الكنائسية" للتمييز ما بين الجسد (المدنس) والروح (المقدس). لقد فضل الله الإنسان كجسد وروح على سائر المخلوقات بما في ذلك الملائكة وكرمه ومتعه بجملة من الحقوق حث القرآن على احترامها وتأصيلها في ثقافة الشعوب والأمم. وهنا يقول الجابري :"… ذلك أن الإنسان في المنظور القرآني هو روح وجسم، ولم يرد في القرآن قط ما يحط من قدر الجسم، بل بالعكس يذكر الجسم في القرآن في معرض الأمور التي بها يكون الفضل والتفوق، من ذلك قوله تعالى "وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم" (سورة البقرة الآية 245)".

 

الحسين بوخرطة

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن موقف محمد السيد الجليند من قضايا الفلسفة الإسلامية، وهنا نركز حديثنا في هذا المقال حول موقفه من ابن تيمية،  كما ورد كتاباته؛ فنراه يؤكد علي أن تراث ابن تيمية لم يقرأ بشكل علمي ودقيق، معتبرا أن "هناك سوء فهم لبعض فتاوى ونصوص ابن تيمية"، وذلك يعود إما إلى القراءة المغالية لنصوصه والتي تغلب عليها "العاطفة الدينية القوية"، أو القراءة المتحيزة ضده والرافضة له من خصومه، كما يرى أن "تشدد ابن تيمية وقت غزو التتار ليس حباً في التشدد إنما ولاء في الوطن"، وأن موقفه إنما كان بهدف الدفاع عن أراضي المسلمين ضد الغزو الأجنبي. وهو في ذلك ينطلق من موقف وطني لا "عقائدي". مشددا على أن فتوى ابن تيمية الشهيرة بـ"الفتوى الماردينية"، إنما أساء فهمها وشوهها أتباع "السلفية الجهادية"، ما عرضها لكثير من "التحريف"، حيث هي فتوى خاصة بمسألة معينة محددة. مبينا أن "فتاوى المناسبات لا يؤخذ منها حكم عام، والفتوى قد تتغير بتغير الظروف" (5).

ويستطرد الدكتور الجليند فيقول:" هناك اتجاه غير صحيح من الدارسين لابن تيمية قرؤوا موقف ابن تيمية من المتصوفه في رسائله الصغيرة والكبيرة في موقفه من الحلاج وفي موقفه من ابن الفارض وفي موقفه من ابن عربي حتى في موقفه من الغزالي، وظنوا أن ابن تيمية حين هاجم انحرافات هؤلاء الصوفية فإنه بذلك رفض التصوف كمبادئ إسلامية وقواعد دينية ولم يفرقوا بين موقفة من المتصوفة وموقفه من التصوف؛ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية له رسائل في التصوف هو وتلميذه ابن القيم تكلموا في هذه الرسائل كلاما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، ابن تيمية له رسالة تسمى "التحفة العراقية في الأعمال القلبية" وله رسالة تسمى "أمراض القلوب وشفاؤها" وله رسالة تسمى "الحسنة والسيئة" من أنفس ما كتب عن النفس الإنسانية، وله رسالة "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"، والفرقان بين الحق والباطل، هذه كلها رسائل في صميم التصوف الإسلامي تفرق بين ما هو صحيح وما هو زائف من سلوكيات الصوفية، الذين قالوا بالحلول والاتحاد، والذين قالوا بوحدة الوجود، والذين قالوا بالفناء، بل لك أن تقرأ كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم، وكتابه "طريق الهجرتين"، وكتاب "مدارج السالكين"، لك أن تقرأ كتاب ابن القيم وهو يشرح رسالة الإمام الهروي له كتاب اسمه "الكلمات النقيات"، شرح فيه رسائل بعض الصوفية كالرسالة القشيرية، تكلم فيها كلاما يخاطب القلوب قبل أن يخاطب العقول، وكان القصد من هذه العبارة أن أبين أن ابن تيمية لم يحارب التصوف ولم يرفض التصوف؛ لأنه كما قلت في أول هذا اللقاء يرى أن قواعد التصوف ومبادئه قرآنية ولا ينبغي أن نحكم على هذه المبادئ وهذه القواعد من سلوكيات المتصوفة الغلاة، ولذلك فإن دارسي التصوف في عصرنا هذا يحاولون أن يصححوا مسيرة الصوفية المعاصرين من خلال كلام ابن تيمية المتهم بأنه ضد التصوف، هكذا أردت أن أبين أن ابن تيمية حينما نقد ابن عربي وحين رفض كلام الحلاج والبسطامي وغيرهم من غلاة الصوفية لا ينبغي أن نتخذ هذا دليلا على رفضه للتصوف، وبمثل هذا فعل ابن القيم فهو لم يرفض التصوف وإن كان أخذ بسيرة شيخيه ابن تيمية في رفضه لدعاوى ابن عربي والحلاج وابن الفارض والبسطامي وغيرهم من أصحاب الشطح الصوفي أو من القائلين بالحلول والاتحاد، وهذه قضية على جانب كبير من الأهمية أن نفرق في كتابات هؤلاء بين موقفهم من التصوف وموقفهم من انحرافات الصوفية (6).

ثم يؤكد الدكتور الجليند بأن حملة الفكر "المتشدد" من الشباب والذين كانوا يكفرون علماء المسلمين، حذر منهم ابن تيمية، هذا ما يكشف عنه الباحث الجليند، مضيفا أن ابن تيمية كان يقول إنه على ولي الأمر أن يعلم أن كف أذى هؤلاء عن علماء الأمة من أولويات الحاكم المسلم (7).

إن "مذهب ابن تيمية في نظر الدكتور الجليند لا يكفر مسلماً إلا إذا أنكر الثوابت الدينية"، يقول الدكتور الجليند، مضيفاً أن ابن تيمية "أكد أنه لا يجوز تكفير المخطئ في اجتهاده، بل يُثاب أيضا عليه، حتى الموقف من المخالفين فكريا لابن تيمية، مثل المعتزلة والأشاعرة والصوفية "لم يكفرهم ابن تيمية"، حيث إنه "انتقد المتصوفة ولم ينتقد التصوف"، بل كان "من كبار المتصوفين، والذي اعتنى بأعمال القلوب (8).

وهنا نجد الدكتور الجليند، يذهب إلى أبعد من ذلك، عندما يؤكد على أن شخصية صوفية "إشكالية" مثل الحسين بن منصور الحلاج، لم يُكفره ابن تيمية، وإنما اعتبر بعض ما خرج منه من حديث "كفرا"، وحينما سئل عنه بعد وفاته قال "الله أعلم بحاله (9).

وحول موقف الدكتور الجليند من العقبات التي تواجه الخطاب الإسلامي الوسطي، وهل يمكن التغلب عليها ليكون هذا الخطاب الوسطي الأكثر حضورًا وتأثيرًا؟

ويجيبنا الدكتور الجليند قائلا: هناك عقبات، يتمثل أولها في المتحدثين عن الإسلام، وأشير هنا إلى بعض القضايا التي يلاحظها الجميع، مثل عدم فهم الواقع الذي يتحدث فيه الداعية أو الخطيب، فتجد في بيئات ثقافية عالية المستوى مَنْ يتحدث عن أمور لا تتصل بهم من قريب ولا من بعيد، والعكس صحيح، تجد البيئات الأمية ثقافيًّا ودينيًّا تسمع فيها مَنْ يخاطبهم بلسان لا يفهمونه لا من قريب ولا من بعيد، ومن القواعد التي ينبغي أن تُراعى في هذا الشأن أن لكل مقام مقالاً، وخاطبوا الناس على قدر عقولهم، هذه واحدة، وهناك أخرى وهي الأهم، أن الدعاة- خاصة خطباء المساجد- قد فضَّلوا أن يختزلوا الإسلام في ممارسة الشعائر الدينية في داخل المسجد، ونسوا أن الإسلام ما لم يكن مؤثرًا في حياة المسلم؛ في الشارع والمتجر والمصنع والمؤسسات التعليمية والجامعات فهو إسلام ميت لا تفارق آثارُه جدران المساجد، وهذه جناية الدعاة على الإسلام (10).

ويستطرد الدكتور الجليند:" وأرى أن هناك قضية كبرى أوجه إليها الخطباء والمشتغلين بالدعوة: وهي الخروج بالإسلام من دائرة العبادات والشعائر إلى النظرة الشمولية التي تجعل العالم الكيميائي والطبيب والجراح والمهندس وعالم النبات وعالم الفلك، وهم يمارسون بحوثهم العلمية تجعلهم في عبادة لله لا تقل أهمية ولا تقربًا إلى الله مِن الواقف في محراب المسجد؛ فتلك عباده قولية في داخل المسجد، وهذه عبادة عقلية علمية تربوية نهضوية تقود الأمة إلى الأمام حتى تعيش الأمة ثقافة (إتقان العمل) فهذه عبادة منسية، إن لم تكن مجهولة دعانا إليها القرآن، ونبهنا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن العجيب أن خطباء المساجد حين يقرأون قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} البقرة: 43 يستدلون بها على وجوب الصلاة ووجوب الزكاة، وحين يقرأون قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يونس: 101، وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} العنكبوت: 20، وقوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الغاشية: 17؛ فلماذا لا يستدلون بها على وجوب إعمال العقل في الكون وما فيه؛ لاستظهار قوانينه تحقيقًا لمبدأ التسخير الإلهي للكون الذي لا يتم إلا باكتشاف هذه القوانين العلمية (11).

ويخلص الدكتور الجليند إلي أن:" إعراض الخطباء عن إحياء هذا الواجب الديني والفريضة الشرعية قد صرف عقول العلماء عن الاشتغال بها لعبادة لله واقتصروا في ممارستها على أنها وظيفة دنيوية لأكل العيش، فما نصروا بها دينًا، ولا عمَّروا بها دنيا. وهذا أخطر ما أصاب الخطاب الديني من خلل في عصرنا الحاضر، وما لم يتنبه له المهتمون بقضايا الأمة ثقافيًّا وتربويًّا فلا أمل في أية نهضة يتحدثون عنها؛ لأن العلم الكوني هو مفتاح نهضة الأمم، شئنا أم أبينا. وقد أمرنا القرآن الكريم بذلك، ونبَّه إليه الشرع الحنيف" (12).

وحول موقف الدكتور الجليند من السبب الفاعل في تأسيس الحضارات وازدهارها؛ قال:" إن غياب الإيمان والاعتقاد الصحيح يترتب عليه سيادة قيم ومبادئ اجتماعية وأخلاقية تجسد الجوانب الدنيا في الطبيعة البشرية، فيسود منطق الأثرة والأنانية بدلاً من الإيثار والمحبة، ويحل الظلم ويغيب العدل، ويختفي كل معنى أخلاقي نبيل؛ ليسود منطق الغاب وسيادة الأقوى.. تأمل معي حال مجتمع يعيش أفرادُه تحت سيادة هذه المبادئ اللاأخلاقية، ثم ماذا يكون حال العلاقات بين الدول إذا أخذوا بهذا المنطق في علاقات الدول الكبرى بالدول الضَّعيفة؟ وهذا هو الواقع المعيش الآن، فإن الدول الضعيفة تكتوي بنار هذا المنطق المعكوس في تعامُل الدول الكبرى معها؛ حيث سطت هذه الدول على خيرات العالم الثالث سلبًا ونهبًا، وإذا وجدت من يقاومها، فإن القتل والتشريد يكون وسيلةَ الخلاص منه؛لقد اغتر هؤلاء بما عندهم من العلم، كما يغتر أبناء عصرنا بما عندهم من العلم، ونسوا أن العلم هو وسيلة بناء الحضارات وازدهارها، وأنه هو نفسه قد يكون سببًا في انهيارها وإبادتها، ومن هنا جاء الأمر الإلهي بالقراءة المقرونة باسم الرب الخالق، وليس بالقراءة المبتورة عن الخالق؛ قال الله - تعالى -: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، فقراءة الكون واكتشاف أسراره وقوانينه يجب أن تكون في أحضان الإيمان بالرب الخالق، حتى إذا ما أحسن الإنسان قراءة الكون، وتعرف على قوانينه، فإنه يوظف هذه القوانين العلمية توظيفًا إيمانيًّا يسعد بها الإنسان ولا يشقى، فيكون العلم مصدر أمن وأمان للإنسان، وليس مصدر خوف وشقاء (13).

ولم يكتف الدكتور الجليند بذلك بل يقول:" نحن فرَّطنا في أمور ديننا من ناحية الاهتمام بالعلوم الكونية ـ للأسف الشديد ـ وأهملنا العقل، فأصابنا الضعف والهوان وقد ظلم بعض فقهائنا الأمة، لما حصروا الدين فى العبادات مثل الصوم والصلاة وما إلى ذلك، فهذا يخص علاقة العبد بالله وعلاقة الله بالعبد، أما الجانب الذى يشمل الكون قد أهملوه حتى أن بعض علماء الدين والشريعة غمز فى عقيدة علماء الكونيات وبعضهم ـ بكل أسف ـ شغلنا بمسائل هى من نوافل النوافل مثل إطالة اللحى وتقصير الثياب، رغم أن الله خلق الإنسان المسلم فى هذا الكون إنما ليعمره مصداقاً لقوله تعالي: "وهو أنشأكم فى الأرض واستعمركم فيها" ونحن ندرك أن حرفى "السين والتاء" إذا دخلا على الفعل حولاه إلى فعل أمر، أيضاً هناك وظيفة أخرى هى الاستخلاف، بمعنى إظهار قوانين الله الكونية فى هذا العالم، حتى أن المقصود في قوله تعالى: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" هم علماء الكونيات وليسوا علماء التفسير والحديث، ولذلك وجب على العلماء أن ينتبهوا إلى أهمية قراءة الكتاب المنظور «الكتاب الكوني» التى لا تقل أهميته عن قراءة الكتاب المسطور "القرآن الكريم" فكما نتعبد إلى الله بالقرآن يجب أن نتعبده بالعلم وأن نجلى آياته الكونية للخلق (14).

ولكن هذا في نظر الدكتور الجليند لا يتم إلا من خلال " ثورة دينية" ، وهذه الثورة هي ثورة لتصحيح المفاهيم المغلوطة في خطابنا الديني المعاصر، لأنها مدخل طبيعي للإصلاح الاجتماعي والسياسي للأمة الإسلامية؛ يقول الدكتور الجليند:" نحن اليوم بحاجة إلى ثورة لتصحيح المفاهيم المغلوطة في أذهان الشباب، لأن تصحيح المفاهيم هو المدخل الطبيعي لتصحيح السلوك، وعلاج المشكلات في الواقع، لذا الواقع يتطلب تصحيح المفاهيم المغلوطة في عقول الشباب التي أفرزت لنا تطرفاً في السلوك، وغلواً في الأحكام، وأثارت كثيراً من الشكوك والشبهات حول القيم الكبرى التي يتميز بها الإسلام في صفاته ونقائه من التسامح مع المخالف، ونشر روح المودة والأخوة وصيانة المقاصد الشرعية وحرمتها، مثل حرمة النفس والمال والعقل والدين والعرض. فإن لم تُصحح المفاهيم المغلوطة لن يصح الاعتقاد، وما لم يصح الاعتقاد لن يصح السلوك (15).

ويستطرد الدكتور الجليند فيقول:" نعم، نحن في أمس الحاجة إلى مراجعة نقدية لمكونات العقل المسلم تكشف لنا عن أوجه من الخلل متعددة الجوانب أصابت مناهجنا الدراسية بالركود والجمود، ما انعكس أثره على عقلية الأمة، فأصابها بشيء من السكون إلى الواقع والرضا به والالتفاف حوله ورفض تجاوزه، لذا فالقضية تحتاج منا إلى إعادة نظر ومراجعة كل ما يتعلق بشؤون الحياة المتغيرة والمتطورة، كذلك ينبغي أن نفرق في السياق بين ما اتفق عليه بأنه ثابت لا يتغير من مسائل الأصول وثوابت العقيدة، وذلك الذي يحتاج منا إلى مراجعة لضرورة التجديد والتغيير حسب تجدد الظروف ومستحدثات العصر من مشكلات وقضايا تفرض بطبيعتها البحث عن حلول ومواجهة، لأنها لم تكن موجودة في عصر التأليف والتأسيس للعلوم الإسلامية، كذلك الأمر بالنسبة إلى بعض القضايا التي ورثناها في تراثنا وجعلناها ركناً أساسياً في مناهجنا الدراسية فإنها تحتاج أيضاً إلى مراجعة، لنتخلص من المسائل التي نشأت تحت ظروف تاريخية معينة، وأصبحت تمثل عبئاً ذهنياً على المعلم والمتعلم، وانتهت ظروفها التاريخية ومناسبتها الثقافية. فقد حدثت أمور وظهرت إشكالات ثقافية لم تكن موجودة، ينبغي أن تأخذ مكانها وتحتل مكانتها في مناهجنا الدراسية، كما فعل الأقدمون تماماً بقضايا ومشكلات عصرهم (16).

ثم يؤكد الدكتور الجليند قائلا:" أحد الأمور التي كان لها دور كبير في واقع الأمة الإسلامية هذا الخلل الخطير الذي أصاب الأمة في فهم عقيدتها، واختزال هذه العقيدة في مجرد ترديد الشهادتين وإقامة الشعائر الدينية دون ترجمة لهذه العقيدة ولمفرداتها إلى واقع عملي يعيشه المسلم في صباحه ومسائه. ورأينا كيف اقتصر حظ المسلم من دينه على هذه الأمور النظرية والمظهرية معاً، من دون أن تملأ هذه العقيدة على المسلم حياته كلها فتشغل قلبه وتحرك جوارحه تحت مظلة الاعتقاد الصحيح علماً وعملاً، واعتقاداً وسلوكاً، على نحو ما كان عليه المسلمون يوم أن سادوا نصف الكرة الأرضية في أقل من قرنين من الزمان. لذا فإن العقيدة ودورها في نهضة الأمم سنة من سنن التاريخ، وعليك أن تدور بناظريك في الحضارة الإنسانية قديمها وحديثها، فلا تجد أمة نهضت وقامت لها حضارة إلا كان الدافع إلى ذلك هو اعتقاد أبنائها، فلا تجد أمة بلا معبد تمارس فيه شعائرها، ولا تجد أمة على وجه الأرض إلا وتعتز بعقيدتها وتموت دونها؛ لكن الحظر لمن يغتر بالقول الذي يردده البعض عن الحضارة الأوروبية أنها حضارة علمانية لا دين لها ولا عقيدة، فإن ذلك من خلل الرأي الذي استقاه البعض من ظواهر شكلية تطفو على السطح أحياناً. والواقع أن هذه الحضارة مسكونة بعقيدة تحركها على محاور متعددة، لتحقق بذلك مقاصد وغايات تبنتها الحضارة الأوروبية قديماً وما زالت تحركها الآن (17).

ولم يكتف الدكتور الجليند بذلك بل نراه يؤكد بأن من مظاهر الخلل الذي أصاب مناهجنا التعليمية قضية الفصل بين القضايا العقدية، وتطبيقها على مستوى الدرس والتعلم، وعلى مستوى السلوك والعمل، ما ترتب عليه انفصال في ذهنية الدارس بين الاعتقاد والعمل، وبين المبدأ والسلوك. إن هذا الفصل – مع اعترافنا بأنه مدرسي – خلق نوعاً من الانفصام، وتحوَّلت مسائل الاعتقاد نظرية في التطبيق القلبي الذي لا يمتد أثره إلى تحريك الجوارح، وزحزح العمل والسلوك عن مكانته الطبيعية في ضرورة الارتباط والاقتران بالتصديق القلبي، الذي عبر عنه الحسن البصري في قوله «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال»، فجعل عمل الجوارح علامة على صدق ما في القلب؛ من هنا جاء خطاب ديني يختلف عن السلوك الظاهر للمسلم، ولعل ما نشاهده في حياة الناس وسلوكهم من الخلل الواقع في الاكتفاء من الإيمان بالشكل دون المضمون، وبالظواهر الشكلية دون الوصول إلى جوهر يرجع في أساسه إلى الخلل المنهجي الذي دأبت عليه مناهجنا التعليمية، في الفصل بين العقدية وما يترتب عليها في السلوك والواقع. وهنا يتحتم علينا أن نحول عقيدتنا من مستوى الإيمان القلبي النظري إلى سلوك وواقع، يعيش في ظله الفرد والمجتمع، لأن قانون النهضة والتجديد مرتبط بالأخذ بالأسباب. وكفانا أن نكثر من التمني من دون عمل  (18).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............

الهوامش

5-  محمد عبد العزيز الهواري (محاورا): حوار لا تنقصه الصراحة مع أستاذ الفلسفة المتخصص في الشأن الصوفي.. مجلة الصوفية العدد السابع ، 1429هـ.

6-المرجع نفسه.

7- المرجع نفسه.

8- المرجع نفسه.

9- المرجع نفسه.

10- مصطفى يوسف:  شخصية الشهر (6) - أ.د. محمد السيد الجليند - مجمع اللغة العربية.. مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية.. [09-16-2015 - 09:38 AM]

11- المرجع نفسه.

12- المرجع نفسه.

13- صابر رمضان (محاورا): د. محمد السيد الجليند: فرَّطنا في أمور ديننا فأصابنا الضعف والهوان.. جريدة الوفد .. الأربعاء, 20 مايو 2020 22:48.

14- ياسر البحيري(محاورا): المرجع نفسه.

15- المرجع نفسه.

16- المرجع نفسه.

17- المرجع نفسه.

18- محمد عبد العزيز الهواري (محاورا): حوار لا تنقصه الصراحة مع أستاذ الفلسفة المتخصص في الشأن الصوفي.. مجلة الصوفية العدد السابع ،  1429هـ.

 

عبد الخالق الفلاحالمثقف الهاوي يتميز بالمحدودية تجعله ينحصر في نطاق الهواية في الكثير من الأوقات؛ عكس المثقف المحترف الذي يجعل من ثقافته وسيلة لكسب عيشـه، من هنا نجد أغلب هؤلاء ينتمون لأيديولوجيات وأجنـدات سياسية معينة يملكون الامكانية التامة في توجيه الرأي العام وفق مايريدون من أهداف ونوايا، وحصره بفكرة محدودة، وهناك المثقف العضوي الذي يساهم في تطوير وعي الناس والمثقف التقليدي لا يمتلك خطابا يلامس حياة الناس وقضاياهم ومشاكلهم في حالات كثيرة ولا يستطيع ايصال المفهوم بشكل جيد وسلس، حتى ولو كان موسوعيا إلا النخب القليلة، بينما المثقف العضوي، ينطلق من فكر ووعي الناس، وبحسب المفكر  الأيطالي غرامشي: كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، وهي وظيفة لا يمتلكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس .. ومن هنا يستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي .. الأول يعيش في برجه العاجي ويعتقد انه اعلى من كل الناس، في حين أن الثاني يحمل هموم كل الطبقات وكل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين، هذا ما يؤكد ان لدينا فائض من المثقفين، وقلة نادرة من المفكرين الرساليين العضويين و يفضي الكسل العقلي والارتهان لذهنية النوم والجمود إلى المزيد من العمى. ويعد فقدان البصيرة الروحية والفكرية والقدرة على التأمل الفلسفي مشكلة حقيقية، خاصة حين يتسرب لوعي المثقف الذي يجب أن يكون عنوانا على التنوير والانحياز لقيم العقل بلا مواربة، أو خذلان للمعنى الحقيقي للثقافة بوصفها سعيا إلى عالم أفضل بالخير،، اما السياسي المثقف هو الذي ينظر إلى الواقع ويتعامل معه كما هو عليه بغض النظر عن الأيديولوجية التي يعتقد بشعاراتها الطنانة؛ أما السياسي المتعلم فهو الذي ينظر إلى الواقع كما يجب أن يكون عليه في إطار الأيديولوجية التي يتغنى بشعاراتها الرنانة .

ان المفكر الاجتماعي علي شريعتي يرى "بان المثقف هو من يمتلك الوعي السياسي والمقصود هنا بالسياسي ليس الاعلامي بل الافلاطوني اي الشعور بمصير الفرد والمجتمع وما يدور من أحداث لها تأثير كبير في نفس اللحظة على الفرد والمجتمع اذن من هنا نستطيع ان نقول ان المثقف تقع عليه مسؤولية كبيرة وهي مسؤولية إلهية قرانية شرعية اخلاقية ومن المؤسف جدا ان نطلق كلمة مثقف على إنسان نال الشهادة الدراسية ولكن لم يكن عنده الإحساس والشعور الكبيرين بمصير الفرد والمجتمع و من المؤسف جدا ان نطلق كلمة عالم او بروفسور او طبيب او مهندس او استاذ على انسان فاقد للشعور والإحساس بمصير الامة وهذا هو المثقف نعم انه نال الشهادة الدراسية ولكن لأجل مصالح دنيوية نفعية ضيقة ويقسم الشهيد محمد باقر الصدر(رض) المجتمع  الى ثلاث فئات تنعق وراء كل ناعق ومن هذه الفئات هم هؤلاء الشرذمة الذي نالوا الشهادة الدراسية لاجل مصالحهم الدنيوية والتسلط على رقاب الناس وهؤلاء من الهمج الرعاع اذن يجب ان لا نخدع بالمظاهر على نعطي انسان شان لايستحقه ". 

المفكر في الخلاصة هو الذي يتحفظ على كل الحقائق التي يتلقاها في حياته ويشكك بكل منها لا بل قد يتعوذ بالله من شر الحقيقة، أما المفكر المتعلم فهو الذي يتعصب إلى الحقيقة التي ينتمي إليها ويشكر الله على أنه أنعم عليه وحده دون بقية البشر بالحقيقة، ويناضل في سبيلها بكل ما تيسر لديه من حلاوة اللسان ودلاقة البيان.

اما المثقف بشكل عام فهو صاحب الثقافة المقروءة أو المكتسبة، بينما المفكر هو صاحب الثقافة التأملية. والمثقف، أي صاحب الثقافة المقروءة هو من يحمل خزينا معرفيا في ميدان أو أكثر من ميدان معرفي. ومن هذا الباب فقد أقام مقاربة نقدية على أساس الفصل بين المفكر والمثقف وعلى اساس الربط بين المثقف والعالم من جهة اخرى مرتكزا على خلفية نسقية تتصل بالتحليل الاجتماعي ويعتبر المكر خلاف المثقف لانهم ليسوا جماعة متميز ذات قاعدة اجتماعية و ليس لديهم القدرة على مواجهة الناس و لكن المثقف في الانطباع العام هو أقرب للمفكر من العالم، ويعتبر البعض الآخر ان المفكر هو موسوعة متنقلة يعالج كل القضايا المتاحة أمامه عكس العالم الذي يعتبر انسان متخصص في مجال معين تفوق فيه وصل لدرجة العولمة وهو يهتم في نظر حرب بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، على نحو يتيح للمفكر أن يبتكر ويجدد سواء في حقول التفكير وأصعدة الفهم، أو في شكل التفكير ونمط التعاطي مع المفاهيم، فهو في النهاية صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية.. 

ان الثقافة والفكر عند البعض هي أنها ما بقي من العلم،بمعنى أخر فهي تلك الترسبات التي ترسخ في ذهن الإنسان والتي مردها إلى المطالعة بالدرجة الأولى أو المساجلات العلمية وهلم جرا، على عكس المفكر الذي يكون على وعي بما يفكر وبما يصنع فهو مثقف ولا بد، فهو في درجة أعلى،لأنه يعمل بفكره وعقله في الربط بين الظواهر، ويستنبط ما شاء الله له من الفيوضات العلمية والأقوال والحكم،مشروعية المثقف تتحدد في أن ينطق بالحقيقة ويدافع عن الحقوق والمصالح والحريات، أما مشروعية المفكر فهي تتحدد في القيام بنقد المثقف، خاصة بعد أن فقد هذا الأخير أسلحته، وأصبح يشكل وجهاً من وجوه المشكلة، ومظهراً من مظاهر الأزمة في حياة المجتمع، ويسوقني القول أن مفكر اليوم هو حكيم الأمس، لأن بينهما من الشبه ما لا ينكره عاقل، فكلاهما يغرف من عصارة تجارب قد صهرت فكريهما لينتجا بذلك الوعي العميق والفهم الدقيق ما تلقفه العامة بعد ذلك فيصير من الحكم السائرة والأقوال المعتمدة في الحياة الإنسانية. وفي الآخر أن: المشكلة التي تكتنف تتجلى أكثر في الشبهة التي يعاينها البعض حيث يرى أن كل متعلم مثقف، والحقيقة تعرض علينا أن الغالبية العظمى من المتعلمين غير مثقفين ولا نعني هنا الثقافة التخصصية بل العامة في تجل من تجلياتها والوعي الثقافي من منطلق حضاري يتسم بالخصوصية على المستوى الثاني، بالتالي لا نستطيع أن نفترض أن كل متعلم مثقف ولا حتى أن نقول أن كل أديب مثقف، الثقافة هي مشهد من التماهي الداخلي مع الخارجي في إطار من المواصفات التي تنطلق من مفهوم الهوية  بعيدا عن الشوفينية مع مراعاة تفاصيل الخصوصية أولا وآخرا.

أن التعاون بين وسائل الإعلام ومراكز البحوث هو شيء ضروري لبيان ماهيت المصطلحات والمفاهيم التي تحدثنا عنها في هذا المقال، لكنه ينبغي تحديد آلية وكيفية تحقيق هذا التعاون؛ والنقطة الثانية هي أن وسائل الإعلام تعتبر قنوات وسيطة بين مراكز البحوث التي هي بطبيعتها نخبوية وبين الجمهور، حيث تعمل على تبسيط ما تنتجه مراكز البحوث من دراسات وأبحاث ونشره للجمهور

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

سامي عبد العالفي الثقافة العربية، هناك خللٌّ بنائي في تأسيس الدولة عبر تاريخها الراهن. وهو ما أغرى قوى المجتمع (المعتدلة والمتطرفة) للهيمنة عليها، حتى فقدت فاعليتها إزاء التنوع ومبادئ الحكم وتداول السلطة والتعايش وآلياته. الخلل هو أنَّ وضع الدولة غدا محكوماً بالفكرة التالية: "دولة السلطة لا سلطة الدولة". والفارق كبير بين المعنيين، فقد ظهرت هناك فجوة (السلطة الغالبة) التي تظل ساريةً داخل / خارج سيادة الدولة. أي أن السيادة المعبرة عن وجود الدولة تكتسب دلالتها وتقوض نفسها في الوقت عينه. وعلى المنوال ذاته أصبحنا نرى دولة القبيلة، دولة العشيرة، دولة العائلة، دولة الطائفة... وأخيراً دولة الجماعة الدينية. وكل هذا بادعاء إقامة نظام سياسي يتعاطى مع ظروف العصر ويزعم وجوده بآليات الحداثة.

كانت النتيجة أنْ ظهرت الدولة المزدوجة double state (المنقسمة على نفسها) وهي التي لا تخلُص لماهيتها ولا لوظيفتها العامة، بل تمارس ما يناقضها من أدوار بمنطق اللادولة، ولاسيما بصدد مشكلة الإرهاب واستعمال الدين. حيث باتت الدولة خطاً وهمياً متقلباً بين الإرهابي والفقيه، بين المجتمع والجماعة الدينية بين الحكم المدني والخلافة. لأنها كائن سلطوي يجسد المسافة بينهما بفضل فجوتها التاريخية المشار إليها. لدرجة أنَّ كل سلطة تستعير ألعابهما وتتجاهل المؤسسات العمومية تاركة المجال أمام الثنائيات. والثنائيات تعبر عن (شق أو أخدود جغرافي) عميق في تاريخ الدولة على نحو رأسي، ويجعل الوعي منقسماً على ذاته بالتبعية بين المدني والديني، بين اللاهوتي والدنيوي. لدرجة أن كل نظام حاكم لا يريد ردم هذا الشق (الأخدود)، إنما يفيد قدر الإمكان من تداعياته متقلباً بين هذا وذاك.

من ثمَّ هناك سؤالٌّ منطقيٌ: ما الفاصل (القريب– البعيد) بين الإرهابي والفقيه إذا كانت الدولة مزدوجةً؟ هل يوجد تناقض أساسي بينهما على ما تقول الأنظمة السياسية العربية؟ فالإرهابي غير مدعوم علناً منها، وقد يكون عبطَّاً إذا تمَّ ذلك. أما الفقيه، فله كلُّ الحُظوة الرمزية النافذة داخل مجتمعات العرب. وعادة يجلس على أعتاب السلطة بجوار الوزراء والقضاة ورجال الأعمال وقادة الأحزاب والمثقفين.

ويُلاحظ أنَّه رغم تباعد المسافة بين الإثنين (فالإرهابي يُنكره المجتمعُ بينما يحتضن الفقيه كضامن لمرجعية الأمة ونظام الاعتقاد)، إلاَّ أنَّهما يؤديان الوظيفة نفسها. ليس لأنَّهما يقصدان ذلك، فكلاهما يلعن الآخر ويكفره، بل لأنَّ الخريطة التي يرسمانها هي الدولة بالازدواج السابق. أي هما يلتقيان حول هدف الهيمنة عليها وإعادة تدويرها لصالح مآرب خاصة. كما أنهما يعملان على استعمال الدين لسياسة البشر والوصول إلى الحظوة بمسميات متباينة في عنقود السلطة.

وبالتالي، فالمشروع الديني البرجماتي لكليهما واحد وإنْ اختلفت المواقع. وعليه تصبح الدولة كمساحة للإرهاب ليست فقط مضمارا لعملياته وخططه، إنما لحُكمه المنتظر. فهو كصاحب خطاب عنيف ينشد فكرة تطبيق الشريعة وإنزال الحدود فوراً بالأشرار. وإنْ كان يلجأ إلى الفتك بالناس، فلأنَّهم مرتدون وكفار بالحاشية ذاتها التي توفرها الدولة. فالأخيرة تصوغ التعليم والثقافة والمؤسسات وبرامج التوعية وتُخرِّج الأدمغة نفسها والأحاسيس والأفعال وتسمح بممارسات اجتماعية دون سواها. ولذلك يترقب الإرهابي المؤدلج الانقضاض على السلطة لإستغلال (موارد الدولة الرمزية) من أجل إعادة توجيهها لصالح أيديولوجية جماعته.

كما أنَّ الإرهاب ينفذ عملياته العنيفة والانتحارية واستعمال الدولة كعربة طائشة باسم الخلاقة الدينية وصولاً إلى الشعب. وطبعاً يقتات ويشتم مخدرات التراث الفقهي والعقدي والسياسي طوال الوقت الذي يفرض عليه هذا. ويتعامل مع الواقع بطريقة سحرية تفوق والوصف انتظاراً لدروة الزمان لصالحه وإن لم يدر الزمان فإنه يتدخل عنوة ويجاهد بجسده وأعماله الدموية.

والدولة حين ترعى كفاراً – من وجهة نظر الارهاب الديني- يتحتم تطهير البلاد والحياة منها ومنهم. وأنَّ الإرهابي لن يخْلُص إلى غايته دون انجاز هدفين: التخلص من الناس (الشعب) قتلاً أو طاعة: وإنهاء حكم الدولة وأسلمتها. وهذا سبب أن كل فكر إرهابي يقتل ويستبيح المجال السياسي لأنه فيما يتوهم يمتلك البديل الإلهي له.

من جهة موازيةٍ، يسعى الفقيه إلى توسيع نطاق تأثيره بدافع تأمين حظيرة سياسية له. وفي هذه المرحلة ليس صحيحاً أنه مجرد فقيه الدولة (بهذا المعنى بين المضاف والمضاف إليه) وبما يشي أنه ذو وظيفة عمومية محكومة بالقانون واللوائح. لأنَّ الإرشاد والنُصح ليسا مبررين في نطاق الدولة ولا السياسة. وتلك الرقعة فتحت له منفذاً للانتشار وانتظار المكانة الأكبر. بدليل أنَّ الفقهاء يأخذون ألقاب الدعاة والوعاظ ومنها رتبتهم المعنوية. هؤلاء الذين يدعون إلى دين الله في مجتمع المسلمين. أي يعرِّفون الإسلام المعروف أصلاً إلى أصحابه!! وهنا يوجد احتمالان: فإما أنهم يقدمون شيئاً جديداً وهم عكس ذلك تماماً، لكونهم يعيشوا على آراء فقهية لم تجدد متونُها من مئات السنوات: أو أنهم يخدمون السلطة القائمة وفي تلك الحال يزيفون الأوضاع السياسية ويشاركون في تكريسهاً.

إضافةً إلى ذلك هناك كارثة أنَّ الدولة تحركهما لصالح نظامها الحاكم داخل بطن السلطة السائدة .. فهي تتعامل مع الإرهابي سلباً بالإقصاء ومع الفقيه إيجاباً بالرعاية والدعم. وليس ذلك من أجل شيء أكثر من الاستحواذ على المساحة التي هي كلُّ اسمها (الدولة). فالصراع غير المعلن هو العنوان الرئيس لتلك العملية. وبالمقابل فإنَّ الهدف السابق يقصي أصحاب السيادة (الشعوب) عن الصراع. لأنها أمام ورطة الانحياز أو الاختيار، أيهما تفضل وتتحمل النتائج المترتبة عليه. فالدولة تعتبر الشعوب بمثابة الحامل لبنيتها. وهي الموضوع الحيوي للحُكم سواء في الشكل الديمقراطي أو بفكرة السلطة وبناء المؤسسات وتقديم خدمات. إذ ينبغي وجود زبائن سياسيين لتلقي القوانين وتنفيذها وإعمال السيادة والقضاء وتسيير أمور الحياة اليومية والاجتماعية.

وبالتالي نحن في حاجة إلى معرفة أبعاد الخريطة التي تحاول فك طلاسم هذا اللغز لعدة أسباب:

1- لا تكف الدولة عن متابعة الإرهاب قائلة إنه أصل مشاكل التنمية والازدهار والإصلاح السياسي وإنفاذ القوانين. وأن وجود الإرهاب يعيق الخطوات والإجراءات نحو هذين الجانبين.

2- يشيع الإرهاب مناخاً من الاحتقان بين عناصر المجتمع ويوَّحِل الأفراد في علاقات مشبوهة بأعمال العنف والكراهية.

3- الفقيه على درجة (تقول الدولة) مهمة، لكونه يبرز وجهاً مقبولاً للخطاب الديني. كما أنه يباشر دوره في التقريب بين اتجاهات الأمة ومكوناتها العقائدية.

4-  تُوكل للفقيه (بإختلاف هيئات الفقه) إمكانية تجديد الخطاب الديني. وذلك للقضاء على (الطرف الأبعد). أي أن الطرف الأقرب يشتبك بأسلحته النصية الثقيلة لمحاربة نقيضه (على افتراض ذلك مؤقتاً) خارج الحدود إن وجد.

5- إذا تمت المقارنة بين الاثنين، فالطرفان يُظهران تقارباً من السلطة. والإرهابي أعرف الناس بقدرات الدولة وجهازها الأمني والعسكري. أي هو آلية الإنذار المبكر لما يمارسه نظيره داخل المجتمع. الإرهابي جسد حي يعمل مع أجهزة الدولة نبضاً بنبض ونفساً بنفس.

إذن (المساحة الجغرافية) التي يتحرك علها الإرهابي والفقيه هي الدولة المتنازع عليها. والوظيفة الخادعة هنا جزء من تأسيس الدولة في جوهرها. طالما تسمح بالدورين المناوئين لكيانها. فلكي تتمكن من ممارسة سلطتها، لابد أنْ تخلق بعبعاً اسمه الإرهاب. وهي نظرية شهيرة في تاريخ الحيل والإستراتيجية السياسية. فلو لم يكن المواطنون يقدِّرون دولتهم، فلتسع السلطة الحاكمة إلى إيجاد "ثقب أسود " يمتص تلك الطاقة السالبة.

ولكيلا تتهم السلطة في دينها الرسمي أمام مواطنيها لا مفر من إعطاء دور للفقيه. وهنا المسألة تثير قضايا مستمرةً حول بناء الدولة في الثقافة العربية؟ ولماذا تلجأ السلطة إلى الرمي بثقلها خارج الإرادة العامة زعماً بأنَّ ذلك يتماشى معها؟ وكيف توجه أنظار مواطنيها تجاه قوى الشر التي تترصدها؟! ولماذا يحدث خطف الأنظار تجاه شيء أبعد حتى لا ننظر إلى أشياء أقرب؟

خلاصة الوظيفة المشار إليها كالتالي: الإرهابي يريد السلطة: الفقيه يريد السلطة والسلطة القائمة تمتلك الدولة باستعمالهما معاً... إذن يلتقي (الإرهابي والفقيه ودولة السلطة) على الشيء نفسه. وهذه هي الخديعة الكبرى في السياق العربي. بحكم أنَّ الناس نائمون لا يلتفتون إلاَّ باتجاه واحد دون الاتجاهات الأخرى مجتمعة. لكن سبر أغوار هذا النقطة يظهر إلى أي مدى تصبح اللعبة في غير مجالها وأوانها تماماً.

لأن الفقيه والإرهابي يلتقيان على مصادر تراثية واحدة. كل ما في الأمر أنَّ الطرق والوسائل مختلفة وتبدو بعيدة دون الرجوع إلى مصادر واحدة. وأن ما يجعلهما يتقاربان أكثر مما يدفعهما للتناطح والابتعاد. فالتراث الديني لن يجدد بهذه الطريقة، لأن الاثنين يسعيان إلى تكريس دولة السلطة. والأخيرة في أمس الحاجة إليهما أكثر مما يحتاجانها فعلاً. وطالما أن الهدف مشترك- كما قلنا- فالذي سيضيع هو الموضوع المشترك. أي ستضيع الدولة التي تقبل هذا الإشكال.

إذن لابد للدولة الحقيقية في بنيتها أن تلفظ هذا الازدواج وتدمر تلك الثنائية، لأنَّ مفهومها من المفاهيم التي لا تقبل الاستيلاء عليها ابتداءً. الدولة إذا كانت دولة حقيقية يصعب اقتحام نظامها السياسي وقوتها المحايدة. لأنها أشبه بـ(جهاز سياسي) كاشف للتناقض والكذب من الأساس.

 

د. سامي عبد العال

 

 

محمد الربيعي على الرغم من أن العديد من الدول المجاورة قد عانت مؤخراً من مشاكل مالية، إلا أن الانكماش المالي في حقل التعليم والبحث في العراق ملحوظ بشكل خاص للعديد من العوامل الإضافية، بما في ذلك زيادة عدد الطلبة في الجامعات والدراسات العليا خصوصا، والفساد المستشري، وإعاقة التعاون الدولي والمساعدات الخارجية، والحصار الذاتي والانغلاق على النفس، وعدم الاستقرار السياسي، ونقص الثقافة الاكاديمية العالمية، والتدخل السياسي الفاضح. يقدر الدكتور مظهر محمد صالح في معلومات تفضل بتوفيرها لي ان حصة التربية والتعليم في موازنة 2021 والمقّدرة وفق تقديرات الناتج المحلي الاجمالي بحوالي 239 ترليون دينار ستكون حوالي 5% ، ولو نفترض ان 40% من موازنة التربية والتعليم ستذهب الى التعليم العالي، فان حصته ستكون 2% ، علما ان جل الانفاق في التربية والتعليم هو انفاق تشغيلي، وبصورة رواتب وأجور حيث تبلغ نسبتها بين 85% الى 90% من الموازنة، وتمثل احدى اعلى نسب الصرف من ميزانية الحكومة. لذلك ليس من المتوقع ان يكون للبحث والتطوير اي مبالغ ذات قيمة، وقد لا يختلف عما هو عليه في السنوات الماضية. ومع ذلك يزداد عدد خريجي الدكتوراه بمعدل مرتفع بشكل مدهش. فمن اين تأتي مصاريف البحث العلمي؟ بما ان معظم البحوث هي حاصل للدراسات العليا فان مصاريفها تأتي من مساهمات الطلبة انفسهم. ليس هناك منح مالية مخصصة للبحث العلمي كما هو عليه في معظم دول العالم، ويبدو ان معظم مختبرات البحث العلمي معطلة او تنقصها المواد المختبرية لاجراء تجارب على مستوى علمي عالي. كثير من التجارب تجرى في مختبرات اهلية ليس للباحث من دراية في اسلوب اجراءها، وتساهم المكاتب الاكاديمية في تقديم الخدمات البحثية مقابل مبالغ بسيطة تتناسب مع مستوى وسطحية التجارب او الخدمات المطلوب اجرائها.

هل البحوث العراقية تتقدم حقا؟

لمعالجة التقدم العام في قطاع الأبحاث، أجريتُ تحليلا باستخدام قاعدة البيانات لتقييم مخرجات البحث كميا، من خلال حساب عدد المقالات البحثية للمؤلفين العراقيين. زادت المقالات التي تنتجها الجامعات بنسبة 2216 بالمائة بين عامي 2010 و 2020 وهذه تعتبر زيادة كبيرة وسريعة في ظل ضعف الانفاق في قطاع التعليم العالي، وعدم وجود ميزانية خاصة للبحث العلمي والابتكار. ورافق هذه الزيادة الهائلة بعدد المقالات نقص كبير في معدل الاستشهادات بالورقة الواحدة من 11.20 الى 0.56. عادة ما يتنبأ الاستشهاد بجودة المقالة لذا قد يعود هذا الانخفاض الكبير في معدل الاستشهاد الى ان معظم المقالات البحثية من العراق تنشر في مجلات بحثية منخفضة الجودة (مثل المجلات ذات التأثير المنخفض)، أو في المجلات الزائفة والمفترسة والتي لا يهتم احد بمحتوياتها، أو حتى بالإطلاع عليها. وهكذا، في حين أن عدد المقالات في المجلات البحثية قد زاد ، فإن النظرة إلى جودتها اصبحت منخفضة للغاية.

لهذا السبب ومن منطلق الحرص على تحسين وتجويد البحث العلمي أقدم ستة اقتراحات ذات صلة للباحثين والمؤسسات الأكاديمية والإدارات الجامعية العراقية، والتي قد تساعد في رفع معايير البحث الوطنية.

1- الحاجة الملحة لتخليص العراق من ثقافة التعليم الفاسدة

اكثر ما يثير القلق هو ضعف القدرات البحثية للجامعات، وللباحثين، والذي ينعكس سلبا على جودة البحث الاكاديمي. في حين نمت مخرجات البحث الضعيف بشكل هائل في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج العلمي من المنشورات في المجلات الأكاديمية الهزيلة، وبهذا تقدم العراق على دول عربية اخرى كانت متفوقة عليه، مع ان الجودة الإجمالية للبحوث بقت موضع تساؤل من قبل العديد من الاكاديميين. يرجع جزء كبير من النمو السريع في الإنتاج البحثي إلى نظام الدراسات العليا والترقيات العلمية الذي يربط النشر في المجلات الأكاديمية كشرط للحصول على الماجستير والدكتوراه وبترقيات أعضاء هيئة التدريس. نتيجة لذلك، شجعت هذه الشروط بطريقة غير مباشرة الفساد والانتحال ونشر الأبحاث الملفقة، مع العديد من المنشورات التي يُزعم أنها تم إنتاجها من قبل مكاتب تجارية لتحقيق مكاسب شخصية بحتة.

يعد الانتحال سببا رئيسيا لضعف جودة البحث الأكاديمي. يسرق بعض المؤلفين أفكار الآخرين عن طريق استكشاف الأدبيات المتاحة بسهولة ثم التلاعب بالفكرة بمهارة لتقليل ظهور الانتحال. يتعلم بعض الطلاب فن نشر البحوث في مجلات تجارية عن طريق وسطاء، ويتلاعبون بالنتائج ويعتمدون على الاقتباسات غير المشروعة في مقالاتهم. يمكن للمرء أن يتساءل إلى أي مدى يقع اللوم على الطلاب أنفسهم. وبدون تعميم، اعتقد إن بيئة البحث - التي تم تشكيلها من قبل أعضاء هيئة التدريس الذين تم تدريبهم بشكل غير مناسب للإشراف على الطلاب - هي المسؤولة عن إدامة الانتحال ، حيث لا تشجع الثقافة الأكاديمية التفكير المستقل وتجبر الطلاب على الانصياع الأعمى لواقع فاسد لا يلعب المشرف دورا مهما في الاشراف الحقيقي والنافع. في الواقع ، فإن الضغط على الطلاب من قبل القسم والجامعة والوزارة لإنتاج أوراق بحثية يجبرهم على التلاعب بعملهم وسرقة اعمال وافكار غيرهم واضطرارهم لنشرها في مجلات زائفة.

إذا كان بعض الباحثين يقضون مثل هذا القدر الضخم من الوقت في سرقة اعمال غيرهم، وكانوا أذكياء بما يكفي لتمرير إجراءات المراجعة المكثفة باستخدام اتصالاتهم الشبكية، فلماذا إذن لا يرغبون في استخدام وقتهم وجهدهم في الاتجاه الصحيح؟ ما يجعل الطلاب يغشون لربما هو عدم قدرة الجامعة والاساتذة على تثقيفهم بأخلاقيات البحث في مرحلة مبكرة من حياتهم الأكاديمية.

بالإضافة إلى ذلك ، التدخل السياسي والمحسوبية شائعة جدا في العراق. من المرجح أن تضمن معرفة مشرفك والممتحنين تخرجك. يحتاج العراق إلى بنية تحتية منظمة لفرض قوانين مناهضة وتجنب التدخل السياسي والمحسوبية في الجامعات. يجب عقد الندوات وورش العمل التدريبية حول الأخلاقيات لنشر الوعي حول الانتحال، ويجب تقديم كورس إلزامي واحد على الأقل يتعلق بالأخلاقيات الأكاديمية في المراحل الأولى من درجات البكالوريوس والدراسات العليا. قدمتُ ورقة تتضمن اقتراح وضع مدونة لقواعد الاخلاق الاكاديمية في الجامعات وجدتُ استجابة كبيرة من قبل المسؤولين والاكاديميين ونأمل ان يتم اعتماد مبادئها لوضع لائحة لقواعد الاخلاق الاكاديمية. تستند المدونة على مبادئ اخلاقية معروفة للعمل الاكاديمي في الجامعات: النزاهة والصدق والشفافية والبحث عن الحقيقة والاحترام والامانة والتقدير والاخلاص وحسن المعاملة والمساءلة والالتزام المهني والاساقلالية والحياد. المدونة مثلها مثل كل المدونات الاخلاقية في العالم ليست قانون ولكنه التزام شرف لمنتسبي التعليم العالي وتوفر اطار عمل نموذجي لممارسة السلوك الاخلاقي من قبل الاداريين والاكاديميين، ويعكس هذا الاطار روح ونص اللوائح والقواعد والاجراءات الداخلية للجامعة المعنية.

لحد الآن لم تدرج الوزارة اي بحث في القائمة السوداء بتهمة الانتحال. ولم يتم اتخاذ أي إجراءات مناسبة ضد باحثين او طلبة بتهمة الانتحال فيما عدا تشكيل لجان تحقيقية: كل المزورين يواصلون شغل مناصب في جامعاتهم. بسبب الفساد المستشري في الثقافة الأكاديمية العراقية، فإن القائمة السوداء سيكون لها  تأثير على سمعة أو مهنة هؤلاء الأفراد البارزين. يجب تخصيص جزء من أموال البحث والتطوير العراقية في الميزانية لفرض قواعد مكافحة الاداب الفاسدة، كما هو الحال في دول العالم المتطورة. هناك حاجة ماسة إلى بنية تحتية مع فريق من الخبراء المتخصصين لوضع وتنفيذ قوانين ضد الانتحال لتكون مثالاً يحتذى به للآخرين، يجب على  الجامعات ان تسحب الحقوق البحثية والتدريسية من المذنبين.

2- مراجعة معايير اختيار أعضاء هيئة التدريس للاشراف على الطلبة

لن تتحسن معايير البحث إلا على المدى الطويل من خلال تخصيص الموارد لإنتاج باحثين ذوي جودة أفضل، وتوظيف أعضاء هيئة تدريس مدربين تدريباً جيداً. في الوقت الحاضر، معظم أعضاء هيئة التدريس المعينين كأساتذة  ليس لديهم خبرة ما بعد الدكتوراه. بينما في البلدان المتقدمة، غالبا ما تكون خبرة ما بعد الدكتوراة مطلوبة قبل التعيين في منصب هيئة التدريس، حيث توفر وظائف ما بعد الدكتوراة تدريبا إضافيا على البحث في مجال متخصص، مما يسمح باكتساب المهارات اللازمة قبل البدء في منصب هيئة التدريس. يحتاج العراق إلى مراجعة إجراءات تعيين المسؤولين والاداريين وكذلك توظيف أعضاء هيئة التدريس. تعد معايير الاختيار الأعلى والشفافية في تعيين أعضاء هيئة التدريس أمرا بالغ الأهمية لإنقاذ الأوساط الأكاديمية في العراق. بدلاً من تعيين جميع خريجي الدكتوراه كأساتذة، لماذا لا يتم تعيينهم كباحثين لما بعد الدكتوراه لبضع سنوات قبل النظر في تعينهم في مناصب أعضاء هيئة التدريس؟ هذا من شأنه أن يسمح بعملية فحص أكثر فعالية. من بين أولئك الذين تم اختيارهم لدور في هيئة التدريس ، يجب منح المنصب (والترقية الإضافية) فقط بناءً على حداثة ورصانة البحث والإبتكار، بدلاً من عدد المنشورات.

3- الم يحن الوقت لتعديل نظام التقييم والترقية؟

بعد عدة اعوام من تطبيق نظام يقيم مخرجات بحوث التدريسيين على أساس الكمية وليس الجودة، ومع انعدام وجود اي تعديلات منذ ذلك الحين، تجذرت ثقافة اكاديمية مبنية على انتاج بحوث رديئة، أو مسروقة جزئيا أو كليا. والأسوأ من ذلك، أن نظام التقييم والترقية هذا يحتوي على معيار واحد لقياس انتاجية جميع التخصصات، سواء كان ذلك في العلم أو الأدب أو الفن أو الهندسة، والمعيار هو عدد البحوث المنشورة في مجلات بغض النظر عن مستواها، او عن كونها مفترسة طالما انها مفهرسة في سكوبس. نظام التقييم والترقية خاطئ لدرجة أنه يشجع كميات كبيرة من البحوث السطحية والزائفة من دون الاهتمام بجودة البحوث ولا بمدى جودة أو سوء التدريس. يجب ان يبنى نظام الترقية على المنافسة اولاً، ومن ثم على كفاءة التدريس وجودة، ونوعية البحوث، وتأثيرها، ودرجة صدقيتها، وليس عددها، أو المجلات التي نشرتها.

4- الاهتمام بالعمليات قبل النتائج

يلاحظ اهتمام الوزارة والجامعات والتدريسيين بعدد البحوث المنشورة فهي بالنسبة لهم المعيار الرئيسي الذي يقاس به تطور البحث العلمي في العراق. في الوقت نفسه تهمل العمليات التي ادت الى انتاج هذه البحوث. هل من احد يسأل كيف تم الحصول على النتائج؟ اين هي دفاتر تسجيل الطرق والعمليات والارقام؟ اين هي الجداول الزمنية لمجريات البحث؟ هل تتوفر وثائق اخلاقية صادرة من المؤسسات المهنية والتي تسمح بإجراء البحث؟ ما هي الاثباتات بان البحث تم اجراءه تحت ادارة وتوجيه ومتابعة مشرف اكاديمي بدون انقطاع؟ من يقوم بالتأكد من ممارسة المشرف لدوره في التوجيه المخلص والامين في اختيار موضوع البحث، وما هي الوسائل التي تمنع المشرف من عدم انزلاقه الى سلوكيات ابتزاز او اذلال او اهانة الطالب وتسفيه قدراته سواء اثناء البحث او في جلسات المناقشة العلنية للرسائل.

5- الاهتمام بالبحث التطبيقي وبحل مشكلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية

البحث العلمي في العراق يفتقر الى اهداف واستراتيجية واولويات. اتجاهات البحث تسير وفق اهواء الباحثين وتتحدد اولوياتهم على ضوء تدريبهم الاساسي وامكانياتهم وقدراتهم البحثية والفكرية وعلى توفر الاموال والتجهيزات المختبرية. ومن الملاحظ ايضا ضعف تشخيص المشاكل الحقيقية التي تتطلب بحوثا اكاديمية لحلها وضعف الامكانيات البشرية والمادية من اجهزة وامكانيات مختبرية تساعد الباحثين على تحقيق هدف البحث التطبيقي. على هذا النحو، تحتاج الجامعات إلى تطوير معظم مواردها لحل المشكلات العملية. وهذا الاسلوب لابد ان يرضي الدولة والوزارة والباحثون المشاركون في البحث لا لتحقيق الهدف فحسب، بل يمكن أيضا أن تكتسب الأهمية العلمية وضوحا وتأثيرا. ومن الطبيعي أن يتبع ذلك خلق المعرفة وتوسيع الآفاق.

لابد ان تحدد رؤية البحث العلمي في العراق الأهداف على النحو التالي:-

- اكتساب قدرات عالمية في مجال البحث العلمي التطبيقي والتكنولوجي وتسخيرها لخدمة اهداف التنمية

- استخدام البحث العلمي والدراسات العليا كمحرك للنمو الاقتصادي

- تحسين الجودة واساليب حل المشاكل في عمليات البحث الصناعية والزراعية والاجتماعية وغيرها

- استيعاب التقنيات التي أثبتت جدواها، لتلبية الاحتياجات الوطنية

مع محدودية الموارد المالية المتاحة وندرتها، أصبح من المهم بشكل متزايد للعراق أن يحدد أولوياته الصحيحة فيما يتعلق بتخصيص الموارد وبحوث الدراسات العليا، وان على الجامعات أن تستثمر في المقام الأول في أنشطة البحث التي من المحتمل أن تحل مشاكل وطنية وان تسفر عن تطبيقات عملية خصوصا في مجالات الطاقة البديلة والمياه والتلوث البيئي والاثار ومكافحة العنف والارهاب.

6- اهمية وضع الشخص المناسب في المكان المناسب

المطلب الاخير والاهم هو التخلي عن نهج المحاصصة في تعيين القيادات الجامعية وانتهاج اسلوب لجذب الاكاديميين المتحمسين والمؤهلين إلى مناصب ادارية عليا في الجامعات. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا المطلب يواجه عقبات كبيرة منها إن عملية تعيين القيادات في جميع الجامعات تسند على ترشيحات الاحزاب، ودعمهم، وغالبا ما تكون منحازة لسبب أو آخر، بحيث يصبح تعيين شخص كفء حدثا ذا احتمالية منخفضة. على الجانب الآخر، يقف قانون التعليم العالي أمام تعيين الشباب في مناصب عليا لتضمينه شروطا تتطلب الخبرة الادارية والدرجة العلمية. علما انه لم تعد الخبرة الادارية مهمة بسبب النظام الاداري المركزي الذي يجرد القيادات الجامعية من حق اتخاذ القرار الاداري والاكاديمي المهم، ولا حتى الدرجة العلمية والتي بدأت تمنح لمن ليس له خبرة بحثية حقيقية، واعتماده على بحوث مستلة او مسروقة. 

مستقبل مقلق وغامض للدراسات العليا

من دون احداث ثورة كبرى في التعليم الاولي والعالي، ومن دون احداث تغيير حقيقي في الاتجاهات والمفاهيم والسياسات، سيتمثل مستقبل الدراسات العليا في المظاهر التالية:

- زيادة عدد المتقدمين والدارسين بصورة كبيرة

- استمرار مستويات الدراسات العليا بالتدهور

- تكريس سياسة انعدام المساواة في القبول (قنوات القبول)

- ازدياد الغش والانتحال وتسويق الشهادات

- ازدياد البطالة بين صفوف حملة الشهادات العليا

- ازدياد التعليمات والكتب الرسمية ارباكا للدراسات العليا

- مشاركة الجامعات والكليات الاهلية في منح الشهادات العليا

- منح الدراسات المسائية حق فتح دراسات عليا

- ازدياد الانفصام بين الباحثين والتدريسيين العراقيين والمجتمع العلمي العالمي

- سيستمر اهمال البحث التطبيقي والذي يعالج مشاكل عقدية في الاقتصاد والمجتمع

 

محمد الربيعي

 

الطيب النقرليس هناك ما يثير الدهشة إذا أحصينا أو سعينا لإحصاء الحركات الصوفية في بلد يستمد حماسته الدينية منها، فقلما نبغ مفكر، أو سياسي، أو أديب في "مهد الحضارات" كما يحلو للسودانيين أن ينعتوا وطنهم بهذه الصفة، إلا وأنه حتماً يدين بالولاء لأحد الحركات الصوفية التي نظمت حياته الروحية، وأنشأت في نفسه تصوراً مستقلاً لكيفية تعبده، تصوراً فيه ما فيه من القوة والعمل والتفاني، تصور يدعوه لأن يدرس نفسه فإذا استوفى تفاصيلها دعاه لأن ينتقل إلى ما عداها، ويسلك إلى هذا كله أيسر السبل وأسهلها وهو التدبر، وألا تثور في نفسه رغبة غير تزكية النفس وتطهيرها، "يوجد في السودان ما يقترب من أربعين طريقة صوفية، يمتد أغلبها في نطاق جغرافي واسع، ولكل طريقة منها مركز ثقل في منطقة جغرافية بعينها؛ حيث تتمركز الطريقة السمائية في وسط السودان وفي غرب أم درمان، وتنتشر الطريقة التيجانية في دارفور، وفي شندي، والدامر، والأبيض، وفي الخرطوم، وفي أم درمان، أما الطريقة الختمية فيوجد مريدوها في شرق السودان، وفي شماله، والخرطوم بحري، أما الطريقة القادرية فيوجد أنصارها في وسط السودان، وفي منطقة ولاية النيل، أما الطرق الحديثة البرهانية، والدندراوية، والأدارسة، فتوجد في أماكن متفرقة بالقرب من الحدود المصرية". 

وتتفاوت مناهج التربية في تلك الطرق التي لا نجد بين أهلها وشيعتها أستاراً صفاقا أو رقاقا، وكأن الشيطان أخفق أو استيأس أن يوقع بينهم ويجري تلك العداوة والبغضاء التي نألفها بين أهل الضرب الواحد، فأقطاب التصوف لا يبغضون شيئا كما يبغضوا الوشاة والكائدين، فهم مسرفين في الشدة عليهم وغمرهم باللوم والتعنيف، فمن أركان التصوف التي تعارف الناس عليها وكالوا لها المدح والثناء التسامح، ونكران الذات، والبعد عن الغيبة والنميمة، والشيخ يحتمل في شيء من الجهد هنات مريده، ويستصلح في كثير من الرفق مثالبه حتى يجد المريد بؤساً ممضاً إذا وقع في اللمم، ولن يخرج من ندمه وحزنه إذا تلطخ بذنب له ما له من الضخامة والارتفاع.  "وتختلف مشايخ الطرق الصوفية في السودان في طريقتها فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين، فيأخذونهم بالرياضات الشاقة مثل كثرة الصيام والسهر، وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس، وكثرة الذكر والفكر، وقد تسلك بعض الطرق اللين في تربية المريدين، والبعض الآخر يتخذ الطريق الوسطي في التربية".

أما من أين وفد علماء الصوفية؟ فليس من المغالاة أن نزعم أن كثيراً من العرب الذين هاجروا لتلك الديار قبل تكوين مملكة الفونج التي نشأت نتاجاً لهجرتهم تلك، قد حطوا رحالهم في السودان وهم يحملون أبجديات تصوفهم وأركانه، هذه الجموع التي خفت إلى أرض السودان حتماً قد جاهدت عدوها فأحسنت الجهاد، وأبلت في ساحات الوغى فأحسنت البلاء، ولكنها لم تتجرع بعد كل هذا غير مرارة الهزيمة وتنكيل الخصوم، فلم تجد بُداً ولا بديلاً سوى أن تهاجر حتى تنجو بنفسها، "ولا شك أن معظمهم كان من الذين ألجأتهم الظروف السياسية إلى الفرار بحيلتهم ودينهم، وجاءوا إلى السودان من الحجاز والعراق والشام ومصر وشمالي أفريقيا بالذات يوم آلت  كلها إلى حكم الفاطميين من الشيعة، فكان السودان بأفواجه الضخمة النازحة مجالاً رحباً لنشر دعوة جديدة من قوم أصابتهم جراحات سياسية فجنحوا إلى الزهد والتصوف، وهذا ولا شك أرسى من قواعد هذا الديني الصوفي الوافد المهاجر، بكل إمكانياته وجراحاته وآماله، وقد فسر شيخنا الكبير العقاد أن شيوع الطرق الصوفية في السودان قد نجم عن الشقاق بين الدول الإسلامية المتعاقبة، فانتشرت فيه الجماعات الصوفية".

وحتى نأخذ عقولنا بمناهج البحث العلمي، يجب أن نسعى خلف الأسباب التي جعلت حياة العرب متصلة في عالمهم الجديد، هل لأنهم قد حصروا همهم في تفادي الخلاف مع السكان الأصليين، وقصروا جهدهم على الانزواء وعدم الاحتكاك بهم؟ أما أن السكان الأصليين لا يوجد من أوفى منهم بعهد، ولا أبقى منهم على مودة؟ ألم تجيش قلوب السودانيون لهم بالغل، وتضطرم بالعداوة؟ سعينا أن نجد بين نتاف الكتب، ومطويات الصحف، وخطفات الأحاديث، وفي أضابير النت الجواب الشافي لكل الأسئلة التي أوقعتنا في بيداء الحيرة، فــوجدنا بين طيات عدة مقالات حقائق وأسباب كفلت لهؤلاء المهاجرين إلى تلك البلاد البكر عيش هانئ، ورزق رغد، فمما لا شك فيه أن تلك الطائفة التي آثرت المخاطرة والمغامرة والتعرض للمكروه على البقاء في أرضها فيفنيها عدوها، قد قدمت إلى أرض السودان وهي تحمل معهاـ قيم التسامح، وقبول الآخر، ونبذ العداوة والبغضاء، والبعد عن الغلو والتطرف، فوضعت بذلك أول لبنة للوجود الإسلامي في أرض النيلين.

وحتماً قد امتزجت الأعراق، واختلطت الأنساب، بفضل التصاهر الذي يحرص عليه كل غريب يريد أن يحظى بالخفض والأمن والنعيم، وسط أقوام لا يمت لهم بصلة، وتخبرنا كتب التاريخ ومصادره عن ذلك الحلف الذي انعقد في مدينة سنار بين زعيم العبدلاب عبد الله جماع وعمارة دنقس عظيم الفونج وسيدهم عام 1504م، وهما بهذا التحالف قد وضعا نواة أول مملكة إسلامية في السودان، بعد أن انتشر الإسلام في ربوعه، والتي عرفت فيما بعد بالسلطنة الزرقاء، وكان الهدف منها هو القضاء على مملكة علوة المسيحية، المملكة النوبية الثانية القوية في العصر الوسيط في السودان.

"ولم تكن سنار حاضرة أول سلطنة إسلامية في السودان فقط، بل أصبحت عنوانا للبلاد، ومركزا مهماً للإشعاع الثقافي والإسلامي في أفريقيا، وكان أهل السودان في عهد مملكة سنَّار يعرفون بالسنَّارية، وربما وصفوا بالسنانير، عرفت تلك المملكة التي ازدهرت وذاع صيتها، وقوي مركزها لقرون من الزمن بأسماء متعددة، فتارة يطلق عليها مملكة الفونج، وأحيانا السلطنة الزرقاء، وأحيانا أخرى تسمى الدولة السنارية، واستمرت زهاء 360 عاما.

ولعل الحقيقة الناصعة التي لا تقبل شكاً أو جدالا، أن السودان يعد من أكثر البلاد الإسلامية استجابة وطواعية للروح الصوفية، لسلامة فطرته، وصدق طبيعته، ولنزوع أهله إلى الانطلاق من صراع العصبيات القبلية إلى مرفأ وسكن للروح النازعة إلى الأمن والأمان، وإلى سمو روح الرواد والحكام، وكان أهم الآثار التي ترتبت على انتشار التصوف في السودان أن عظم شأن شيوخها وأعلامها أكثر مما ينبغي، فالمريد الذي تثور في نفسه العواطف أضحى يعتقد في شيخه المعجزات التي لا يحصرها خيال أو يحتويها مكان، معجزات أعلاها الأرض التي تطوى له، وأدناها علمه بكل من يتربص به ويدبر له السوء، وشيوخ هذه الطرق أعزهم الله على مر الحقب لم يغيروا هذا الاعتقاد، ولم يعينوا أحداً على التغيير، وكأنهم يخشون إذا سعوا لإزالة هذه الاعتقادات الساذجة من قِبْل محبيهم، أن يزهد الناس في التقرب إليهم والدنو منهم، وسواء أردنا أم لم نرد هذه هي الطريقة التي انتشر فيها الإسلام في بلاد النيلين، ونضجت تعاليمه في نفوس قاطنيه نضجاً بطيئا.

وبعيداً عن التعمق والاستقصاء يقر الباحث أن تقدير المريدين لشيوخهم قد اتخذ أشكالاً عدة، وألواناً مختلفة، و"كانت درجة نجاحة الصوفية في هذا المسمى تعتمد إلى درجة كبيرة على ما يتمتعون به من علم وخلق وورع وزهد وانقطاع عن الدنيا، وصلاح وبركة ولاعتقاد الأحباب المريدين والأتباع، أن من يخالف شيخ الطريقة أو يغضبه قد تصيبه اللعنة، ويلاحقه سوء الطالع، وكانوا يرون أن في مقدور الشيخ لما يتمتع به من بركة وكرامات، أن يكون خير معين للمريد في دنياه وآخرته، وبسبب هذا الوضع المتميز صار الشيوخ يشكلون قوة روحية ذات سلطان عظيم في النفوس، وفي نفس الوقت كانوا مصدر خير للفقراء، وسنداً للضعفاء، وحماة من غدر الحُكّام وظلم السلاطين ونوازل الدهر، وساعدت هذه الوشائج الروحية بين المشايخ والوطنيين على انتشار الإسلام وترسيخ تعاليمه".

كان هدف الصوفية الأوائل، وغايتهم التي سعوا من أجل تحصيلها، هي بث المزاج الصوفي في بلاد تعد أشد تنوعاً واختلافاً عن رصيفاتها، وكسب أتباع جدد للعقيدة الإسلامية، يرضون حاجتهم بهم للبذل والعطاء، فالساذج منهم إلى أقصى حدود السذاجة، والكيس الفطن إلى أبعد آماد الكياسة والفطنة، كان لا يرمي إلا أن تسير العمليتان معاً جنباً إلى جنب في مجتمع ما زال يتسكع في بيداء الغواية، "وما زالت جيوب الوثنية ماثلة فيه، وكذلك رواسب النصرانية في بعض الممارسات الاجتماعية، واتبع رواد الصوفية الذين حلوا بالبلاد منهجاً مبسطاً في سبيل نشر الإسلام وتعميق مبادئه بين المواطنين، قوامه فيما ترجح إلزام المؤيدين باتباع منهج تعبدي، وسلوك خلقي، مع المداومة على قراءة أذكار وأوراد معلومة، ولتفشي الأمية يبدو أنهم لجأوا إلى التلقين، واستعمال الترانيم، والمدائح والطبول في الأذكار بغرض نشر تعاليم الدين، وكان لهذا الأسلوب غير المتزمت أثره في جلب العامة، وتحبيبهم في حلقات الذكر، والالتفاف حول مشايخ الطرق".

ولعل في كل الأسباب التي ذكرتها تعليل كاف لشغف المجتمع السوداني بالتصوف، وهيامهم به، واحتفائهم بشيوخه، فهو المذهب الذي بهرهم وسحرهم وفرض نفسه عليهم، بعد أن وجدوا فيه كل ما يعرب عن ضمائرهم، وتذخر به عاطفتهم، كما كانوا راضين مطمئنين إلى تعاليمه، التي لا يجدون عند الوقوف عليها إطالة أو إملالا، وكان شيوخ التصوف كما أسلفنا يغذون عقولهم، ويرهفون خوالجهم، ويلهبون شعورهم، بتلك الطرق التي كانت خليقة بأن تزيدهم قوة وتمسكاً بأهداب الدين، ولكنها مع نجاعتها، وحرصها على الجهاد والسهاد أسرع إليها الضعف، وأحاط بها الهزال، فقد كان "آثار النمط التقليدي لانتشار الإسلام في السودان، حيث التعويل جله على استذكار القرآن، ومخطوطات الفقه الأولية دون تفهم، وعلى نقل شعائر الصوفية وشعاراتها عن طريق التقليد، أن تمكن الجهل بمعاني الدين في مصادرها الأصلية، وخالطت عقائد الناس وأعمالهم رواسب وخرافيات وأعراف جاهلية، بأثر الخلفية التاريخية الوثنية التي استبقاها ضآلة ثقافة العرب الوافدين بالإسلام إلى السودان، إضافة إلى شيء من الانحراف التقليدي في السودان، شيء من الباطنية في التصور، ومن ضعف الالتزام بالشعائر والآداب والأحكام، ويتصل ذلك أيضاً بضعف التراث الفقهي عامة، وغياب الممارسات الدينية التي تعهد في المجتمعات المؤسسة رسمياً على الدين".

 

د. الطيب النقر

كوالالمبور- ماليزيا

 

محمد كريم ابراهيمعقل الإنسان الطبيعي مبرمجٌ من الولادة للتأقلم بشكل مميز مع بيئتهِ الفوضوية، حيث كل فعل من قبل البيئة يقابله رد فعل مناسب من قبل الخلايا العصبية في الدماغ. وهذا قبل أن يتعلم الفرد أي شيء عن الحياة أو يخوذ تجارب فيها للتعلم من الأخطاء، حيث أنه يورث هذه التصرفات كما يورث الشعور بالجوع عند انعدام الاكل. وهذا ما يمكن ان يكون الايمان في دماغنا، أداةٌ ورثناه للتكيف مع قضايا الحياة ولمعالجة بعض المشاكل التي تظهر من أدوات أخرى في الدماغ (كالشك والمنطق) التي تمنعنا من تحريك عضلاتنا للقيام بما هو محتمل بأن ينفعنا.

لماذا الحاجة إلى تعريف جديد للإيمان؟

أغلب التعاريف المعاصرة للإيمان هي إما دينية أو لغوية. على سبيل المثال، يُعرف فلاسفة التحليليون الايمان بأنه: سلوكٌ يأخذ بعض الافتراضات حول العالم على أنها صحيحة (1). بمعنى أن المؤمن يتصرف كما لو أن الشيء الذي يؤمن به حقيقي. هذا التعريف، على الرغم من كونه صحيحًا، فهو في الواقع غير مجدي، تمامًا مثل إعطاء اسم لحيوانك الأليف حتى تتمكن من تعريفه في ذهنك. لا يمكننا فعل أي شيء به وبالكاد يرتبط بعلم النفس الفعلي وعلم الأعصاب.

علاوة على ذلك، فإن الشخص المؤمن قد يصبح واعيًا من ايمانه و"يدرك" بأنه يملك فكرةً قد تكون خاطئة أو غير مثبتة، مما يؤدي به الى فصل هذه الأفكار عن الحقائق المثبتة التي لا يشك فيها. وهذا يعني إن تعريف الايمان أعلاه سينهار لان شخص لا يضع بعد الان ايمانه مع حقائقه (أي انه وعي بأن الايمان ليس مثل الحقيقة). بكلمات أخرى، بمجرد أن يكون المؤمن واعيًا من إيمانه، فهو سيخسر ايمانه طبقًا لهذا التعريف.

هناك العديد من التعريفات الأخرى للإيمان التي لن أخوض فيها لأن الكثير منها يعتمد على الميتافيزيقيا. ما نحتاجه هنا هو تعريف يشمل جميع أنواع الايمان (العادي، الديني، فلسفي) ويمكن التعامل معه علميًا ومنطقيًا وبراغماتيًا.

ماذا نعني بالبراغماتية؟

إن تقييم الإيمان من حيث فوائده للمؤمن هو أفضل طريقة لدراسته (فوائده في هذا الدنيا بالطبع). لأننا سنكون قادرين على فهم نوع التأثير الحقيقي على كل من المستوى الفردي والمجتمعي ، بالإضافة إلى القدرة على التحكم في الايمان وتعديله سيضع التعريف في اختبار علمي. لدينا الان الحاجة إلى ربط الايمان بالعلوم العصبية والنفسية أكبر من أي وقت مضى، يمكننا فقط تخيل عدد المشاكل التي سنقدر على حلها في عالمنا إذا أنشأنا قاعدة علمية رصينة للإيمان وحددنا منطقته في الدماغ. لكن مع ذلك يجب علينا أولاً قبل أن نبدأ بالعلم التفكير في فلسفة الإيمان.

تحاول البراغماتية أساسًا فحص كل نظرية مجردة أو فكرة من أجل رؤية تطبيقاتهم العملية في العالم الحقيقي، ما هو حقيقي بالنسبة للبراغماتيين هو ما هو مفيد، وما هو موجود هو ما يمكن تجربته وله تأثير معقول على حياتنا (2). هذه الفلسفة القاسية تلغي العديد من الافتراضات "غير المجدية" من حياتنا وتترك فقط ما يستفيد منه الشخص بالفعل. تعتبر البراغماتية أن العديد من العلوم والفنون عديمة الفائدة لنا كبشر. معلومات لا يمكننا العمل بناءً عليها مثل معظم معارفنا الفلكية، ومعظم أدبنا (خاصة الشعر)، وكذلك معظم معتقداتنا. ولكن كيف يمكننا أن نجعل الإيمان نفسه ينجو من اختبار البراغماتية ونجد استخدامًا عمليًا حقيقيًا فيه؟ هذا ما تحاول المقالة فعله.

عالمٌ من الاحتماليات

بيئة الإنسان لطالما كانت عشوائية، فيها الكثير من الاحداث الغير المتوقعة، حيث لا يدري المرء أي مرض سيصاب به وأي كارثة قادمة اليه وأي شر ينتظره. صحيح إننا مع مرور الزمن طورنا من انفسنا ومن بيئتنا لكي نجعلها اقل فوضويةً وأصلح للعيش واقل خطرًا لكننا لا زلنا نعيش في عالم الاحتماليات، كل شيء وراد ويُعطى له نسبة احتمالية حدوثه: مثلًا الوصول من البيت إلى مكان العمل هي احتمالية، حيث هناك احتمالية أنني سأموت في الطريق أو أغير من مساري لسبب او لآخر ولن أصل إلى المكان ابداً. أو مثلًا حينما احضر الشاي هناك احتمالية انه سينسكب علي ويحرقني. وهذه النسب الاحتمالية هي في الغالب مجهولة بسبب كثرة تشعبات وتعقيدات الانظمة المتضمنة. كيف إذًا نحضر الشاي كل يوم ونذهب إلى العمل بالرغم من معرفتنا إن هناك نسبة جيدة لموتنا عند اتخاذ مثل هكذا قرارات؟ هنا يأتي دور الإيمان في حياتنا.

يُعرف الإيمان كاتخاذ قرارات وفعل أفعال في ظرف معلومات غير كافية عن حصيلة ذلك القرار أو الفعل. سنأتي في شرح علاقة الدين بالإيمان لاحقًا لكننا هنا نركز على الايمان بكل شيء (سواء طبيعية أو ما وراء الطبيعة). لذلك، لولا الإيمان لما استطعنا ان نقوم بكثير من الأفعال أو حتى اتخاذ ابسط القرارات مثل اكل الطعام مع وجود احتمالية اختناقنا أو تسممنا به. من المهم الذكر إن الإيمان لا يتواجد في خضم معلومات معروفة عن احتمالية الاحداث او عند وجود دليل إضافي واحد للخيار الأول اكثر من الثاني، مثلاً: لو عُرض علي استثمار وكنت اعلم ان فيه احتمالية نسبة الخطورة 20% واحتمالية نسبة الربح 80%، فإني منطقيًا يجب أن اختار الدخول الى هذا الاستثمار، لا يحتاج الأمر إلى الايمان بأنني سأربح بل أعلم إن لدي فرصة اكبر للربح. وكذلك عندما يكون هناك دليل زائد على فعالية الشيوعية اكثر من فعالية الاشتراكية، هنا يتوجب علينا منطقيًا أن نلتمس الشيوعية.

ويجدر الذكر إن نسبة الاحتماليات التي نعرفها عن شيء ما ليست بالضرورة تبعدنا عن الايمان نحو المنطق المطلق، وذلك لأن الشخص يحتاج إلى أن يؤمن بنفسه كونه من النسبة الخاسرة او الرابحة لكي يقرر بالدخول الى عالم الاحتماليات (أي هل هو مقتنع بأن حظه جيد أم سيء). أما الأدلة فهي عادةً لا تأتي بمقاس واحد حتى نقارن اعدادها في الطرفين، الأدلة هي أنواع وقد يمتلك طرف الاخر واحدًا من الأدلة ذات عيار ثقيل يطيح بعشرات الأدلة مجتمعةً في الطرف الثاني.

خاصية الوفاء للمعتقد عن المؤمنين

في الواقع إن للإيمان خاصية أخرى وهو الإيمان بالطرف ذات احتمالية قليلة أو ذات ادلة قليلة بالنسبة للطرف الآخر آملًا في المستقبل أن ينقلب الموازين وتخرج أدلة مساندة لإيمانه من حوض معلومات غير مستكشفة. وهذا بمعنى الكلمة هو الوفاء بالإيمان وعدم ترك الطائفة في حال خسارته (أملًا أن تكون تلك الخسارة مؤقتة)، ولهذا ترى بعض المؤمنين متمسكين بإيمانهم حتى لو أتيتهم بأدلة واحتماليات تناقض الشيء الذي يؤمنون به، ولهذا ترى إن الشخص الذي عمل حادث في طريق ما يرجع للذهاب منه إيمانًا أن الحادث لن يتكرر بعد. هذه القدرة الإيمانية هي مضادة للمنطق، فمنطقيًا عليك تبديل المواقف والطوائف عدة مرات تزامنًا مع المعلومات الجديدة المضادة لطائفتك، لكن هذه ستكون مرهقة جدًا لدماغ الإنسان (وهو بمثابة بناء مبنى بشكلٍ ثم هدمه وبناءهِ بشكل آخر مرارًا وتكرارًا)، فقد وجد الدماغ وسيلةً لكي يمشي عكس التيار قليلًا من أجل حفظ الطاقة العقلية من الهدر.

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يعرف المرء بأن معلوماته غير كافية عن موضوع ما، لكي يقرر الايمان به أو تحكيمه إلى المنطق؟ الشك هو الذي يجعلنا نعلم بأن معلومتنا غير كافية للاستناد عليه في القرارات: عندما نشكُ في المعلومة المقدمة إلينا للسيارة المراد شراءها، فهذا يعني إن هناك معلومات أخرى عنها غير مكشوفة لنا من قبل البائع. أو مثلًا عندما تشعر المرأة بالشك من خيانة زوجها فإنها لا تستطيع أن تواجهه بتلك المعلومات القليلة وهي تعلم إنها تحتاج إلى أدلة أخرى لإثبات موقفها. الإيمان إذًا هنا هو قيام المشتري بشراء السيارة بالرغم من عدم كفاية المعلومات عنها أو قيام الزوجة بمواجهة زوجها حتى وإن لم تكن تمتلك أدلة ضده (فهي تؤمن بأنه خائن).

الإيمان هو ترياق لمنّطِقنا

الإيمان هو موروث أكثر مما هو مكتسب، فهو موضوع في الدماغ لكي يمنع قطع افعالنا بسبب وجود شكوك في دماغنا لقلة المعلومات عن حدث معين. الإيمان هو ترياق المنطق في العقل، يحاول بقدر الإمكان السيطرة على تصرفات الإنسان دون اللجوء إلى المنطق كثيراً، وذلك كما لاحظنا لو احتكم العقل الى المنطق بشكل مطلق لما قدر الإنسان على اتخاذ اتفه القرارات. وبهذا نقول إن كل إنسان يؤمن بشيء ما، لا يوجد أي شخص اطلاقا من دون ايمان يتصرف بصرفة من منطقه ومعلوماته في كل صغيرة وكبيرة.

يتقوى الإيمان بالتجارب مع مرور الزمن، فإن وصولي إلى مكان عملي كل يوم يجعلني أؤمن أكثر بأنني سأصل غدًا ايضًا سالمًا اليه. بتكرار الفعل مرات عديدة يكون المرء ذات ثقة متينة بإيمانه، على عكس التجارب التي تثبت عكس ايمان الفرد فهذه تقلل من ايمانه وتجعله شاكًا به. كل معلومة جديدة تدخل الدماغ تُغير بشكل او بآخر من درجة الإيمان. مثلًا، عندما يقول لي أحد إن مقبض الشاي منكسر، فسوف اشك بإيماني في عملي للشاي مثل البارحة. والعكس صحيح عندما تكون المعلومات مُدعمة لموقف الايمان فسوف تزداد ثقة الرجل بإيمانه، مثل عندما نجد دليلًا اخر على وجود الديناصورات، يزداد ايماني بعد ذلك بتواجدهم في الأرض. الايمان واقعٌ إذاً في الطرف الأوسط ما بين منطقين: منطق عند انعدام التام للإيمان، ومنطق عند ما وراء الايمان التام.

أي بمعنى كلما ازدادت تجاربنا مع الأشياء التي نؤمن بها، ازدادت ثقتنا بحقيقتها، بل يتحول بعد حين تلك الأشياء الايمانية الى الأشياء المنطقية ليتسنى لنا الاعتماد عليها اكثر واضبط. مثلاً، الذهاب لأول مرة من المنزل الى مكان العمل يحتاج الى ايمان قوي من العقل حتى يخاطر المرء بالذهاب دون ضمان منطقي لوصوله. وبعد مرور فترة من الزمن واكتشاف الرجل المؤمن عدة معلومات عن الطرق والازدحامات والأنظمة التي تدخل في المعادلة، لن يعتمد بعدها على الايمان للذهاب الى مكان عمله بل على المنطق فيقول: انا جربتُ الطريق ودرست الأنظمة فيها واليوم ليس بغريب عن الأمس (أي لم يحصل شيء جديد اليوم ليغير من المعادلة مثل انقطاع الطريق وغيره) فإذا انا وصلتُ الى العمل الأمس، ما الذي يمنعني من الوصول اليه اليوم. وهذا صحيح منطقيًا حتى تُضاف معلومة جديدة على المعادلة فتغيرها وترجع الإيمان من جديد إلى العقل ليحتله بدلًا عن المنطق.

السببية والوجودية (ليس مذهب الوجودية بل وجود كائن ما) هي من الفلسفيات الأساسية التي يتدخل إليها الايمان والمنطق. بغياب معلومات كافية عن السبب والمسبب، يبدأ العقل بالإيمان بأنه هناك ربط ما بين حدثين تتلو احداهما الاخر (مثلًا الايمان بأن الملائكة تحرك السحاب). وكذلك الأمر للوجودية حيث غياب معلومات كافية عن وجود كائن معين يدعو الايمان الى التدخل بشأنه (مثل الايمان بوجود دب ذات لون احمر). السببيات والوجوديات التي لا يمكن اثباتها بالدليل، تبقى بعيدة عن المنطق وقريبة عن الايمان: ومثالها الأعظم هي وجودية الله حيث لا يمكن لأي أحد أن يكتسب معلومات كافية وكاملة لإثبات وجود الله بالمنطق، ولهذا يتواجد الايمان في المسألة. لكن فور تجميع الأدلة، يذهب الإيمان بعيدًا ويبدأ اليقين بالاستقرار. بالرغم من ان التعمق الكثير بالإيمان يجعل المؤمن عميًا للأدلة المُقدمة ضد الشيء الذي يؤمن به.

يصاب بعض الناس بأمراض نفسية متعلقة بقلة الإيمان أو بكثرته: فبقلة الإيمان يظهر نوع من مريض نفسي يحتكم الى المنطق فقط لا يقوم بأي مجازفات حتى لو كانت النتيجة في الأخير لصالحه، تراه لا يقدر على اتخاذ القرارات بسهولة (ابسط القرارات مثل اختيار مطعم ونوع الاكل) وهو وسواس الى درجة يشك بنفسه كثيرًا لا يمتلك أي ثقة بنفسه ولا يقدر على تجاوز هذه الشكوك للقيام بأي  شيء. اما كثرة الإيمان تؤدي الى الغرور والمخاطرة بكل شيء (عادة يصبح صاحبه مقامرًا) مؤديًا حياته إلى الدمار بسبب الجهل (عدم دراسة الوضع جيدًا قبل الفعل او اتخاذ قرار) والتهور والاحتكام إلى "القلب" بدل "العقل". العلاج لهذه الأمراض النفسية هو الوسطية في الإيمان، إذا كان الشخص منطقيًا إلى درجة الإعاقة علمناهُ معنى براغماتية الإيمان، وإذا كان مفرط في إيمانه قدمناهُ على المنطق وفضائله.

ربما يجدر الذكر إن الإيمان لا يقتصر على تحفيز تصرفات نحو ذلك الشيء المؤمن، بل هناك ايمان يجعلنا نتصرف بعيدًا عما نؤمن به، مثلاً إيمان الرجل بوجود الجن في خارج منزله يدفعه الى عدم الخروج من بيته خوفًا من السوء. أي إن هناك إيمان راغب وإيمان راهب، أحدهما جاذب والآخر نافر، الإيمان بأنني لو ذهبت من ذلك الطريق الى قمة الجبل سوف أموت هو ما ينفرني لعدم الذهاب منه.

كيف سيؤثر هذا المفهوم للإيمان على الدين؟ لا يؤثر عليه كثيرًا في الواقع، لكن ما نحتاج أن نعترف به هو القفزة الايمانية للفيلسوف كيركغارد. حيث إننا لا نستطيع بعد الآن أن نبرر الايمان بالمنطق لانهما لا يتوافقان معًا، علينا أن نقفز قفزة عمياء من المنطق الى الايمان. الشخص الذي يؤمن بالله يصلي له ويقوم بالشعائر الأخرى ويتخذ قرارات دينية آملًا فوزه بالجنة في الأخير أو بركة الله في الدنيا، وهو يفعل كل ذلك غير متيقن في البداية من حصوله على مكافئات، لكن مع الأيام وعدة ممارسات لهذه الشعائر، يتقوى الإيمان حتى يصل الى ذروته ثم يتراجع مجدداً ويبدأ عندها المنطق بالدخول، فيقوم الدماغ بأن الله موجود منطقيًا لا محالة، وجوده ووجود الشمس يصبح سواء في عقل المؤمن، وذلك لأن الايمان قد تحول الى منطق. وينبثق من هؤلاء طائفة عنيدة متحجرة العقل لا تريد أن تعترف بخطئها ويغير رأيها مهما قدمت من ادلة ضدها، لأن الأدلة في ظنهم يجب أن يتوافق مع رأيهم (كما قلنا سابقًا تحول الايمان الى المنطق).2933 الايمان 

يوضح الرسم البياني أعلاه كيف يتطور الإيمان في عقل المؤمن. تبدأ العملية برمتها مع عدم وجود معلومات أو القليل من المعلومات المهملة حول موضوع ما ، والذي ينكر التفكير المنطقي اعتباره صحيحًا. ثم شيئًا فشيئًا ، مع تزايد كمية المعلومات حول الموضوع ، يبدأ تكوين الايمان بالازدهار بينما تقل تداخلات المنطق في تحليل المعلومات. ثالثًا، ترتفع درجة الايمان حتى تصل إلى قمتها، ثم تبدأ سريعًا في النزول حيث تتحول هذه المعلومات / التجارب (والايمان المتشكل حوله) إلى حقائق بشكل منقطي في الدماغ.

ملاحظة جانبية صغيرة واحدة: لا يتشكل الإيمان أبدًا في الأنظمة البسيطة التي تحتوي على قدر ضئيل جدًا من المعلومات، ويجب أن يكون النظام دائمًا معقدًا ولا يمكن استيعاب المعلومات الموجودة بداخله تمامًا من قبل عقل المؤمن.

يعلم علم الاعصاب لحد الان كيف يتواجد الايمان في دماغ الانسان. لعل الدوائر العصبية تستعجل في عمل ارتباطات مباشرة مع الدوائر الأخرى المتشابهة معها في التركيب، أو لعل الدوائر العصبية في الذاكرة تتفق مع الدوائر العصبية التحليلية لتطلُق معًا نحو الدوائر التي تتخذ القرارات وتسيطر بالعضلات متجاوزين دوائر الشكوكية والوعي المثبطة للأفعال. مهما يكن ميكانيكية عمله، فإنه بلا شك موجود في دماغنا منذ ولادتنا وتلعب المنفعة من نتيجة القيام بتلك الأفعال الايمانية دورًا مهمًا في تكوين الايمان من أصله. والعواطف أيضًا تدخل في صناعة الإيمان: يكون المقامر اكثر ثقة بنفسه وإيمانًا بفوزه عندما يكون سعيدًا، والعكس الصحيح عندما يكون كئيبًا ينزل من ايمانه بفوزه وقد لا يقوم بالمقامرة بعده. وكذلك المسألة عند الشخص الذي يريد الانضمام الى دين معين حيث مشاعره في ذلك الوقت اما يدفعه للإيمان او يمنعه عن ذلك.

في الأخير، يبدو إننا لن نهرب من الايمان ابدًا، مهما تطورت علومنا ومعارفنا، لا بد من وجود شيء من الكون نجهل جزء منه أو يجهله الفرد. لا بد لحياتنا أن تسير وللقرارات أن تُتخذ في وقتها حتى وإن كانت معرفتنا قليلة عن اتجاه هذه القافلة ومصيره. كل فعل نفعله أو قرار نتخذه من دون أدلة كافية يعني إننا نؤمن بنتائجه، ولك أن تتخيل كم عدد القرارات والافعال البسيطة التي نفعلها كل يوم مؤمنين بنتائجه بالرغم من عدم ضماننا لصحته ومنفعته.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

...........................

المراجع:

1-   Primmer، Justin (2018)، "Belief"، in Primmer، Justin (ed.)، The Stanford Encyclopedia of Philosophy، Stanford، CA: The Metaphysics Research Lab، archived from the original on 15 November 2019، retrieved 19 September 2008.

2-   Stuhr، J. (Ed.) Pragmatism and Classical American Philosophy: Essential Readings and Interpretive Essays. New York: Oxford University Press، 1999.

3-   Starbird، M. (April 17، 2017). Our Random World—Probability Defined. https://www.thegreatcoursesdaily.com/random-world-probability-defined/

4-   https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/doubt

5-   DeAngelis، T. (2004، April). Are beliefs inherited? Monitor on Psychology، 35(4). http://www.apa.org/monitor/apr04/beliefs.

6-   Alastair Hannay & Gordon D. Marino، eds. (2006). The Cambridge Companion to Kierkegaard. Cambridge University Press. ISBN 978-0-521-47719-2.

 

 

فؤاد الجشيمنذ أن بدأ الإنسان يعيش في هذه الحياة راح يبحث في المحيط الأسري والمجتمعي عن رفقاء يشاطرونه اللعب والفكرة وأشياء أخرى، تجارب يستقيها من أقرباء أو أصدقاء دراسة خلال المرحلة الدراسية، معارف وتجارب مختلفة حسب المراحل العمرية المختلفة التي تتميّز بها عن الأخرى، في العلاقة الإنسانية التي تعكس البيئة والمحيط الطبيعي الذي يعيش ويسكن فيها الإنسان، المؤثرة في تشكيل شخصية الإنسان نفسه، مما تساهم في تعزيز السلم النفسي والاجتماعي للمراحل القادمة التي تشكل النواة الأولى في العلاقات، مع المفاهيم المتطابقة أو غير المتطابقة.

في بداية الأمر سوف ترصد عيناك وفؤادك جميع الاختلافات والمشتركات حسب الانعكاس النفسي والروحي لكلّ شخص في المراحل الأولى واللاحقة، حيث تتوالد التطبيقات المعرفية بين البشر والشروع بالاندماج برغم الاختلاف في المقاصد الشخصية التي من الجائز أن تكون من صفات: الطمع، الحقد، الحسد، الاستغلال. إنّها مراحل نفسية لا تتوقف بسبب التغيرات التي تحدث في كلّ لحظة وفي كلّ مرحلة، برغم أنّ البلوغ الحقيقي الذي يصل في سنّ الثامنة عشرة، وهنا نعرف هذا البلوغ المرتبط بالتغيرات الجسدية، مع الشك أنّ البلوغ العقلي "النضج العقلي" لا يتوقف إلّا عندما يتوقف الإنسان عن الحياة.

 تجارب الحياة هي العامل الأهم التي تشكل شخصية الإنسان في الخروج من الأزمات التي يتعرّضون لها بأقلّ الخسائر، مما تترك بعض البصمات في الحياة بين الأصدقاء المختلفين في الآراء والسّمات الشخصية.

تتعدّد أنواع الأصدقاء، فمنهم من يحمل عقلًا راجحًا يتميّز به في مجتمعه، لكنه لا يستطيع تقديم الكثير لهم برغم قدرته، ومنهم من يحمل معنى الإنسانية والوفاء في طيّاته، يحمل مشاعر جميلة كالثقة والاطمئنان، وصنف ثالث تستطيع أن تثرثر أمامه وأنت متيقّن أنك لن تسقط من عينيه أمام المشاكل العائلية، العاطفية، النفسية، المالية.

إنّها خارج التشابهات في مجملها لكنّها تحمل الكثير في الثقة والصدق والاحترام والتواجد إن وجدت، لكن هناك بشرى في الحياة، لا يمكن استرجاعها في الحياة وهي الصدفة، حالة غير اختيارية في بعض جوانبها، فرُبّ صدفة خير من ألف ميعاد، تتعدّد الدقائق حين تحمل في طيّاتها العديد من الإضافات القوية في التوافق الفكري والمعرفي والاجتماعي التي تلائم المرحلة العمرية.

الصديق الحقيقي هو الطبيب الافتراضي النفسي الذي لا يقدّر بثمن؛ لأنه قادر على تذليل الصّعاب حتى لو كانت كالحجر الصّلد، وتلك الصعاب تعزّز الصحة العقلية والجسدية في مواجهة الحياة.

أما الفشل الحقيقي للصداقة مع شديد الأسف فغير معروف في بعض حالاتها، خاصة عندما تختفي بدون سبب مبرّر، وراءه الكثير من الأسئلة والحزن الشديد تاركًا الفراق الذي لا يفهم سببه، وأعتقد من أهم أسبابه أحيانًا، إحداث تغيير في التوافق الفكري أو الثقافي، أو انقلاب في الحالة المادية، عندما يكتشف الآخر بأنّ المصلحة انتهت، مما ينبّهنا إلى أنّ الصداقة الروحية عقد غير موثّق بين رجلين أو امرأتين تتكئ عليهم أثناء دورة الحياة المؤقتة، لكن تذكر هذه المقولة: إذا اختبرت إنسانًا فوجدته لا يصلح أن يكون صديقًا، فاحذر من أن تجعله عدوًّا.

 

فؤاد الجشي

 

 

علي المرهجحسن حنفي الذي فقدناه يوم الخميس 21 – 10 – 2021م كان من المفكرين والكتاب القلائل الذين اشتغلوا على التعريف بالظاهرتية بوصفها فلسفة قادرة على الربط بين الفكر والواقع ربطاً ديالكتيكياً، ليدعونا للاهتمام بالفكر على أساس أنه صورة من صور الواقع، وهو اليساري الذي آثر الكتابة عن "اليمين واليسار في الفكر الديني".

إنه المفكر(الإشكالي) (د.حسن حنفي) الذي تناوله المفكر (جورج طرابيشي) مُنتقداً لفكره في كتابين هما "مذبحة التراث" و"المثقفون العرب والتراث.. التحليل النفسي لعصاب جماعي".

قدم لنا حسن حنفي دراسات وترجمات عن أهمية المنهج "الفينومينولوجي"، ليكشف لنا عن أزمة الإنسان واغترابه، وليس بغريب عندنا نحن العرب والمسلمين العيش في الاغتراب، سواء في علاقتنا بالتراث (الماضي) أو في علاقتنا بـ (الحاضر) = (الحداثة).

في مشروعه "التراث والتجديد" يسعى حسن حنفي لتوظيف المناهج المعاصرة في قراءة التراث لا لأجل استحضاره واعادة وجوده بيننا، ولكنه يُنتج استراتيجية في نزوع (سلفي) للمحافظة على حضور الماضي فينا، بوصفه لحظة إبداع لا بد لنا من استيعابها لأجل صياغة لحظة تشبهها أو تتجاوزها في تفوق الحضور الفاعل.

حسن حنفي الذي يحار بين اختيار اليمين أو اليسار، فتارة تجده في أطروحاته أقرب لليمين لأنه يتمسك بالماضي (التليد) وبمنجزاته، وتاره أخرى تجده يسارياً خارج التصنيف في التبني الجاهز والاجرائي على أنه تراثي أو حداثي، ليكون الحامل لمشعل "لاهوت التحرير" الذي يُعيد لنا انتاج الفكر الاعتزالي الذي يمنح الإنسان حريته في الاختيار، وأن الله لا يتدخل في ما يختاره الإنسان، لأنه هو المسؤول عن اختياره، والأمر عند حنفي مقصود، فهو بقدر ما يحمل من سعي لتحرير الإنسان بوصفه هو الحر والمسؤول عن اختياره، لتكون القدرة الإلهية بكل كمالها إنما هي ليست ضد أو مع الإنسان فيما يختاره، لأنها مُنزهة عن نواقص البشر في الاختيار للخير أو الشر.

في كتابه "مُقدمة في علم الاستغراب" يسعى (حسن حنفي) لفتح علمي جديد لم يُحقق فيه ما هو جديد، إل فضل التسمية "الاستغراب" في مقابل "الاستشراق"، وعلى ما بين المفهومين من تباين وتضاد، وعلى ما في ما قدمه (حسن حنفي) من جهد متواضع فيما أسماه "الاستغراب" الذي لا يُعدّ غير محاولة لاعادة كتابة تاريخ الفكر والفلسفة الغربية وفق رؤيته.2931 حسن حنفي

لم يكن "الاستشراق" نزوع فردي لمفكر غربي، لأن الاستشراق في الغرب فردي ومؤسساتي، وهو يرتبط بنظام "كولنيالي" أحياناُ، وقد يرتبط بنزوع فردي عند مفكرين غربيين لفهم الشرق ومعرفته.

يرتبط "الاستشراق" بـ "الأنثربولوجيا" وهما علمان متداخلان مؤسساتياً، ولا قدرة لصاحب "الاستغراب" وداعيته أن يُحقق ما حققه مفكروا "الاستشراق".

قد يكون الطهطاوي من دون أن يجترح مفهوم "الاستغراب" كان هو صاحب المحاولة الأولى في التأسيس للاستغراب، بعد أن عاش التجربة الغربية في باريس وكتب عنها وقرأ لفلاسفة "العقد الاجتماعي" الفرنسيين أمثال: جان جاك روسو وفلاسفقة التنوير أمثال "فولتير" و "ديدرو" و "مونسكيو"، فكتب كتابه الشهير "تلخيص الإبريز في تخليص باريز".

ما يُميز (حسن حنفي) أنه كان مُقداماً في ولوج مباحثاً جديدة في الفكر الالحداثي والتراثي، ويكشف عن مناطق بكر للحرث، فهو الذ ترجم لنا كتاب "سبينوزا" "رسالة في اللاهوت والسياسة" ليكشف لنا عن أهمية النقد التاريخي للأديان.

مشكلة (حسن حنفي) أنه يعيش الحاضر ليُجدد فيه الماضي (التراث)، ليُنتج لنا رؤية حول "تجديد التراث" فنجده تاره يتقاطع مع "التراث" وكأنه يرفضه برمته، وأخرى تجده وكأنه "سلفي" يتعنى به ويسحرنا بمقولاته التأصيلية، ليُنتج لنا نصاً مرتبكاً لتكون "الاصالة" فيه مرادفة للـ "المعاصرة"!!.

فتكون قيمة "التراث" كبيرة لأنه يُقدم لنا "نظرية علمية في تفسير الواقع"!، ولكننا لا نجد في ما قدمه (حسن حنفي) ما يُسعفنا نظرياً أو عملياً في "التراث" ليكون عاملاً مساعداً لنا في فهم الواقع ومتغيراته ليُدخلنا في التنظير لرؤى رومانسية حول "العروبة" و "الإسلام".

(حسن حنفي) يعيش ويكتب ليُنتج لنا نصاً لا يختلف كثيراً عما أنتجه (محمد عمارة) دوران في النص التراثي لفك إشكالاته بالاستعانة بمناهج غربية ماركسية وفينومينولوجية هيجلية أو هوسرلية، لتدور في مدار الوعي "النكوصي العربي" فتدور دورتها "الأيديولوجية" ليعود (حنفي) فيها ليضع نفسه موضع المفكر (الأيديولوجي) الذي يتبنى موقفاً ويُدافع عن موقع يحضر فيه للتأثير.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة في الجامعة المستنصرية، بغداد

 

 

قصي الصافيالجواب المختصر : نعم

سوزان روزنثال Susan Rosenthal by*

ترجمة: قصي الصافي**


 الحياة في ظل النظام الرأسمالي محفوفة بالمخاطر. لا يمكننا أن نحيا بمفردنا، ولا يمكننا الاعتماد على دعم المجتمع لنا.

نعيش على الدوام في حالة من التوترّ وعدم الاستقرار: هل يمكنني دفع فواتيري؟ هل سيحدث أن أفقد بيتي أو ربما أفقد عملي؟ ماذا سيحصل لي لو مرضت أو حدث لي حادث ؟ ناهيك عن التوتر المستمر بسبب العنصرية والحرب وكوارث تغير المناخ.

هل تشعر بالأمان في هذا العالم؟ انا شخصياً لا أتمتع بمثل هذا الشعور. كل صباح، أستيقظ يخالجني شعور بالرهبة والتفكير، "يا إلهي. ما زلت هنا، والحال هو الحال "، ولست وحيدا في هذا.

اجري إستفتاء (*1 ) شمل عشرة بلدان وقد شارك فيه 10000 شاب، تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا، وكان السؤال عن رأيهم وما يشعرون به بشأن تغير المناخ. فكانت النتائج أن60% منهم يشعرون بالقلق الشديد. وأكثر من نصفهم ينتابهم الحزن والقلق والغضب والضعف والعجز والشعور بالذنب.  سبعة وسبعون في المائة منهم يرون أن المستقبل مخيف، و56 في المائة يعتقدون أن البشرية محكوم عليها بالفناء.

إنه أمر يفطر قلبي. ويظهر مدى حاجتنا الماسة إلى ثورة اجتماعية. إلا أن علماء النفس يرون الأمر بشكل مختلف، تقدم شبكة (الحزن الايجابي)*2 :

"برنامجاً فريداً من 10 خطوات لمساعدة الأفراد والمجتمعات في خلق مجالات يمكن للناس فيها توظيف مشاعرهم المؤلمة والقلق حول ما يواجهه العالم بإعادة توجيه حياتهم نحو عمل هادف. وتنصح جمعية علم النفس الأمريكية هذه بتعزيز التفاؤل، ووضع خططاً للطوارئ المنزلية، وتوسيع خدمات الصحة النفسية".

مثل هذا الترويج لإحساس زائف بالسيطرة ليس بديلاً عن السيطرة الحقيقية التي يمكن تحقيقها بانتهاء النظام الرأسمالي وكل البؤس الذي ينتجه٠

التعمية والتخدير:

يتعامل الماركسيون مع كل مشكلة من منظور أن هناك طبقتين اجتماعيتين، تنتفع إحداهما على حساب الأخرى.

لكي يراكم الرأسماليون رأس المال، عليهم أن يحرموا الناس العاديين من أي سيطرة ذات مغزى على عملهم أو حياتهم أو   قدرتهم على التأثير في توجه ومسار المجتمع. بيد إنه تحد كبير أن تحشر فئات اجتماعية مهمة في مثل هذا الترتيب الاجتماعي اللاإنساني. لذا يعمد الرأسماليون إلى منع العمال من الفعل الجماعي، والتعامل مع احتجاجاتهم على أنها إجرامية أو ذات طابع مرضي، والإصرار على أن معاناتهم ليست الا نتاجاً لتقصيرهم، ويسوّق الرأسماليون الحلول الوهمية للتعميه والتخدير، فالقوة وحدها غير كافية. عدد العمال يفوق عدد الرأسماليين بشكل كبير، وهم يتمتعون بذكاء كافٍ لايجاد الحلول، كما انهم يديرون ماكنة المجتمع، لذا يجب خداعهم بشكل منهجي لضمان اذعانهم وتكيفهم  مع النظام الرأسمالي. ولعلم النفس دور في ذلك عبر بث روح الإستسلام هذه والترويج لمفهوم، "كن قنوعاً واقبل بما هو موجود، وسنساعدك على بناء فقاعة تمنحك الطمأنينة ويمكنك العمل فيها.". بتجاهل المعلومات والأدوات والقوة الاجتماعية الكامنة لتأمين سلامتنا فعليًا، يقترح علينا علم النفس بدل ذلك بناء فقاعات خيالية تمنحنا وهم الأمان. تكرس الفقاعات التي يعيش فيها الأفراد إيماننا بأنه لا يمكننا الاعتماد إلا على أنفسنا كأفراد. أما فقاعة التفاف الأصدقاء والعائلة والجماعات حول الاهتمامات أو الأنشطة المشتركة، قد توفر إحساسًا بالتواصل والواقع المشترك، إلا أنها هشة وسهلة التمزق.

تحت ضغط الوباء، يفقد المزيد من الناس وظائفهم ومنازلهم، وتعاني أواصر العلاقات من التصدع والضعف، وتصل معدلات القتل (3* ) والوفيات المرتبطة بالمخدرات (4*) إلى مستويات قياسية.

الماركسية مقابل الطب النفسي

في حين أن الطب النفسي هو تخصص واسع متعدد الفروع، إلا أن جميع تخصصاته تشترك في قاعدة نظرية واحدة تتعارض مع الماركسية:

* الماركسية تسبر غور المجتمع من منظور الصراع الطبقي. بينما يتفحص علم النفس المجتمع من منظور فردي.

* يفترض الطب النفسي وجود عالمين منفصلين: عالم اقتصادي  تحكمه الرأسمالية وعالم نفسي خاص بالأفراد يحكمه علم النفس. في المقابل يؤكد الماركسيون على أننا نعيش في عالم واحد، عالم رأسمالي يترك بصماته على كل جانب من جوانب الحياة.

* تهدف الماركسية إلى التغيير وإغناء التجربة الإنسانية من خلال الثورة الاجتماعية. بينما يسعى علم النفس إلى تكييف الأفراد للانسجام والتناغم مع أحكام الرأسمالية كبديل للثورة الاجتماعية.

* تؤمن الماركسية بإمكانية انبثاق مجتمع اشتراكي يولي الرعاية للجميع. بينما يسعى علم النفس لتحقيق شبكة علاقات للتعاون والعمل الخيري بالصدقات كبديل عن مجتمع مسؤول عن رعاية ابناءه .

في سعي الأكاديميبن لدمج الماركسية مع علم النفس، تقف تلك التناقضات عائقاً وتجعل الامر غير ممكن.

لسنا بحاجة إلى نموذج نفسي لشرح المعاناة الجماعية في ظل الرأسمالية. فالمنهج الماركسي قادر على النفاذ لجذورها، والأهم من ذلك، انارة الطريق لانهائها.

الاستجابة للتهديد

تستجيب جميع الكائنات الحية للتهديد والمخاطر بنظام دفاع بيولوجي تلقائي. رد فعل الثدييات للتهديد يكون على شكل فرار أو دفاع قتالي أو سكون وتجمّد. ويتم تحديد نوع رد الفعل الأفضل غريزياً في جزء من الثانية  لتأمين البقاء  على قيد الحياة.

استجابة للتهديد، تفرز سلسلة من هرمونات التوتر، بما في ذلك الأدرينالين، عبر أجسامنا، وينشط جهاز المناعة لدينا، ويرتفع ضغط الدم، فيبدأ قلبنا ينبض، والتنفس يتسارع، والعضلات تتوتر، مما يجعلنا نهرب، أو نقاتل دفاعاً عن النفس، أو نجمد في المكان. تطورت الاستجابة الطارئة هذه لتكون قصيرة الاجل. فأنت تقرر فوراً تهرب من الأسد أو لا تهرب.

في ظل الرأسمالية، التهديد موجود ومستمر على الدوام، ويبدو أن لا مفر منه. أولئك الذين لايتمتعون بنفوذ أو مكانه اجتماعية قوية يواجهون التهديدات الأكبر. كما يعبّر عن ذلك تيرون مور (*5)

" كرجل أسود في أمريكا، ما فتئ يلإزمني العجز المطلق والخوف والغضب والارتباك لمجرد كوني من أنا. لا يمكن رصف الكلمات أو عرض مشهد تعبيري يجعلك تفهم ماذا يعني أن تمشي وتتنفس وتعيش في خوف دائم، لمجرد أن تكون انت كما انت على طبيعتك. عندما أقول إنني أسود وفخور، أوعندما أقول إن لحياتي أهمية، سيكون هناك من ينكر عليّ ذلك في كل مرة. ويصدر أحكامه ويسخر" .

يمكن أن يؤدي التهديد، واستذكار التهديد، أو التفكير باحتمال التعرض للتهديد إلى تنشيط هرمونات التوتر كاستجابة بايولوجيه. في الخمسينيات من القرن الماضي، اكتشف هانز سيلي أن ظروف التهديد المستمر تؤدي إلى الإرهاق، ثم فشل الأعضاء البيولوجية، ثم الموت المبكر. قد يبدو لنا أننا نتأقلم مع ما نتعرّض له من ضغوط ظاهرياً، إلا أن دواخلنا تعبّر عن الاحتجاج بصيغة الألم المزمن والأرق ومشاكل الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي ومرض السكري وأمراض القلب واضطرابات الجهاز المناعي، وهذه على سبيل المثال فقط لا الحصر.

عدم المساواة كنوع من التهديد:

لمئات الآلاف من السنين، اعتمد أسلافنا على روابط اجتماعية متينة للبقاء على قيد الحياة. عدم المساواة يقود إلى  تصدع وإضعاف العلاقات الاجتماعية، كانت مجتمعات الصيد وجمع البذور تتمتع بدرجة كبيره من المساواة (6*). لم تكن تلك المجتمعات تتهاون مع التباهي أو الغطرسة. كان خط دفاعهم الأول هو السخرية من المتغطرسين. لو تصرف شخص ما بشكل إستعلائي فإن بقية المجموعة، وخاصة كبار السن، سيبادرونه بالسخرية حتى يظهر مستوى مناسباً من التواضع . في المقابل، يحتفل الرأسماليون بعدم المساواة كدليل على نجاحهم في استجرار رأس المال. والنتيجة  تنشيط لهرمون التوتر بشكل جماعي استجابة للتهديد، فأجسادنا تشعر بموقعنا في التسلسل الهرمي في المجتمع، حتى لو لم ندرك ذلك.

يظهر الأطفال مستويات متزايدة من هرمونات التوتر مع انحدار موقعهم الطبقي. ببساطة مجرد التحدث مع شخص متعالي في موقع اجتماعي أعلى سيرفع ضغط دمك. على مدى العقود الثلاثة الماضية، ازداد عدم المساواة وتضاعف انتشار مرض ضغط الدم المرتفع (*7).

قامت إحدى الدراسات بقياس استجابة التهديد لطلاب المدارس الثانوية الذين كان أداءهم الأكاديمي جيدًا. أظهر طلاب الطبقة الغنية ارتفاعًا وجيزًا في هرمونات التوتر يعقبه انخفاض سريع الى المعدل الطبيعي، بينما أظهر طلاب الطبقة العاملة ارتفاعًا مطولًا في هرمونات التوتر يستغرق وقتًا أطول قبل ان ينخفض، يواجه هؤلاء الطلاب المزيد من  الضغوط في حياتهم اليوميه يجعلها تحافظ على تنشيط هرمونات استجابتهم للتهديدات.

وجدت دراسة أجريت عام 1998 (* 8) على 282 منطقة حضرية في الولايات المتحدة أن التفاوت الأكبر في الدخل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمعدلات الوفيات المرتفعة. قدر الباحثون أن الحد من عدم المساواة إلى المستوى الأدنى ( ليس القضاء على عدم المساواة، الحد منه فقط) من شأنه أن ينقذ عدداً من الأرواح بما يعادل عدد الوفيات التي تسببها أمراض القلب وسرطان الرئة والسكري وحوادث السيارات والايدز وجرائم القتل والانتحار مجتمعة. دراسة أخرى، صدرت الشهر الحالي، تدعم هذه النتائج (*9).

قبل التسعينيات، كان متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة مماثلاً لمتوسط العمر المتوقع في ألمانيا أو المملكة المتحدة أو فرنسا. منذ ذلك الحين، ارتفعت معدلات عدم المساواة في الولايات المتحدة، فانخفضت معدلات العمر الأمريكية. الآن، في كل الفئات العمرية، يموت الأمريكيون في وقت أبكر من نظرائهم الأوروبيين. حتى الأوروبيون الذين يعانون من الفقر المدقع يعيشون أطول من الأمريكيين الموسورين. هناك العديد والعديد من هذه الدراسات التي تدعم ذلك.

دراسة الطفولة السلبيه وآثارها ACE

لو نظرنا في دراسة تجارب الطفولة السلبية (ACE) (*10)، وهي أكبر تحقيق مستمر يبحث في العلاقة بين تجارب الطفولة السلبية وآثارها على الصحة في سن البلوغ، نجد انه مع ارتفاع عدد تجارب الطفولة السلبية، هناك زيادة مقابلة في المشاكل الجسدية والنفسية والاجتماعية، بما في ذلك: أمراض الرئة والقلب والكبد. داء السكري؛ البدانة؛ العنف المنزلي؛ حمل المراهقات، كسور العظام؛ السرطان؛ الألم المزمن؛ الادمان على التدخين والكحول والمخدرات، محاولات الانتحار، الموت المبكر؛ وجميع أشكال الاضطرابات النفسية .

يعاني الأشخاص الذين يتعرضون للعنصرية والتمييز على أساس الجنس والفقراء من الآثار السلبية بشكل ملحوظ في مرحلة الطفولة، ونتيجة لذلك، يصيبهم المزيد من الصعوبات الجسدية والنفسية والاجتماعية كبالغين. رغم أن هذه النتائج لم يتم دحضها أبدًا، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام من قبل المؤسسات الطبية في ظل الرأسمالية. بغض النظر عن سبب مشاكلهم، يجب على جميع المصابين استشارة الطبيب، وبسبب سياسات التقشف وانهيار مؤسسات الرعاية، فإن العلاجات الوحيدة المعروضة هي الأدوية، وليس كل الأدوية، بل فقط تلك التي تقرر أن تنتجها الشركات الكبرى لصناعة الأدوية الطبية. لجوء الطبيب إلى الوصفة الطبية يعزز الاعتقاد الخاطئ بأن المعاناة هي مشكلة طبية فردية وليست نتيجة حتمية تفرزها المعاناه في ظل النظام الرأسمالي.

جرس انذار

الهروب أو الهجوم أو السكَون والتجمّد وسائل دفاعية غريزية إستجابة للتهديد والخطر عند الكائن اللبون, ويمكن على ضوءها أن تفسر جميع أشكال الاضطراب النفسي. فالهروب يعبّر عنه  بالإدمان والهوس وإكراه الآخر كوسائل تمكننا من الهروب مما لا يمكننا تحمله. الهجوم والقتال كاستجابة  تتمظهر بصيغة تهيج أو غضب وأذى موجه نحو الذات أو الآخرين. أما استجابةنا بالسكون والتجمد فقد يكون التعبير عنها بصيغة اكتئاب أو انفصام شخصيه أو عزلة.

تم التعرف على الانفصام (*11) لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر من قبل جان مارتن شاركو، وهو طبيب يعمل في ملجأ في باريس. تأثر شاركو بشدة بالتمرد الجماعي الذي بلغ ذروته في كومونة باريس. بدلاً من صرف النظر عن مرضاه على أنهم مجانين يهذون، استمع إلى قصصهم وما تعرضوا له من الصدمات وسوء المعاملة. وقد توصل تلميذ شاركو، بيير جانيت، أن بعض التجارب قاسية للغاية بحيث يتعذر معها فهم الشخص للعالم، لذا فهي منفصلة عن الإدراك الواعي. يمكن لهذه الأجزاء المنفصلة من التجربة الصادمة أن تتطفل على وعي الشخص كأفكار ومشاعر وصور مؤلمة يحاول المصابون منعها من خلال الأفكار الوسواسية والسلوك القهري. في حين أن مثل هذا السلوك قد يبدو للبعض جنونا، يصر بيير  على أن الانفصال عن الواقع يساعد الناس على التعامل مع الصدمات التي لا تطاق من خلال فصلهم نفسيا عن التجربة. يستغرق بعض أطفال اللاجئين المصابين بصدمات نفسية في حالة تشبه الغيبوبة تسمى متلازمة الاستقالة (*12)، بحيث لا يمكن إيقاظهم ويجب تغذيتهم من خلال المحلول المغذي. الانفصال عن الواقع يوفر لهؤلاء الأطفال ملاذًا يفصلهم عما لا يمكنهم مواجهته. يفسر الانفصال أو الانسلاخ عن الواقع سبب تحمل الغالبية للهمجية الرأسمالية. إذا كنت لا تستطيع تغيير أي شيء، فلماذا تحاول؟ لماذا حتى التفكير في ذلك؟ ربما تكون انت نفسك مررت بمثل هذا. أنت تتحدث مع شخص ما وعيناه تتأرجح بلامبالاة. من الناحية النفسية، لم يعد هذا الشخص موجودا، لأن ما تقوله محزن للغاية ولا يمكنه التفكير به فيغيب أو ينعزل عن الواقع دون وعي منه.

الاستجابة الغريزية للقتال تبقي الجهاز العصبي في "حالة تأهب قصوى" لأدنى إشارة من الخطر. يتم التعبير عن تلك الاستثارة المفرطة بصيغة تململ أو نشاط مفرط أو استثارة عاطفية مبالغ بها. يؤدي فرط الاستثارة حتمًا إلى الإرهاق الذي يتم التعبير عنه بالوهن أو التنميل أو الاكتئاب. يمكن للمصابين بالتناوب بين القلق المفرط  والاكتئاب المنهك. كلاهما غير مريح للغاية، مما يجبر الكثيرين على اللجوء الى التهدئة بالتدخين والكحول والمهدئات أوالمخدرات الأخرى.  قد يجد البعض الراحة باللهو في نشاطات ما بإفراط يصل حد الهوس أو بممارسة أفعال قهرية.

عندما يبلغ التوتر أو الإثارة المفرطة حداً لا يطاق، قد يبدأ إحساس الشخص بذاته بالتدهور، مما يجعل من الصعب معرفة ما هو حقيقي. في حالة كهذه من التحول يكون الامر قد وصل حداً خطيراً يكثف مستوى التوتر والاثارة الفائقه والتي بدورها تضاعف التدهور.  عندما لا يكون هناك أمل للخروج من هذه الحالة، تبرز فكرة الانتحار  كهروب نهائي.

الدماغ والجسد

ليس شائعاً ما شرحته للتو، لأن الغالبية لا يتم تعليمهم علم التشريح وعلم  وظائف الأعضاء بالمدرسة . إن إبعادنا عن معرفة أجسادنا يجعلنا نعتمد على الخبراء الذين يزودوننا بمعلومات خاطئة. إذا كان لديك فهم أساسي لجسم الإنسان، فستعرف أن ما يشيرون له باسم (العقل) مفهوم خاطئ. دماغ الإنسان يطفو داخل قفص عظمي صامت ومظلم. وتتمثل وظيفته في فهم العالم الذي نسكنه من خلال معالجة 100 مليون رسالة في الثانية، يتلقاها من كل خلية في الجسم. يؤشر الدماغ هذه المعلومات ويفسرها ويستجيب لها، ويقوم بتعديلها كلما وصلته معلومات جديدة. اذن عملية التفكير في البيئة الداخلية والخارجية هي ما يفعله الدماغ والجسد معاً. نحن نفكر بأجسادنا بأكملها، نشعر بأجسادنا بأكملها، ونختبر الرأسمالية ونستجيب لها بأجسادنا بأكملها. يمكن أن يكون الدماغ سليمًا أو مصاباً أو مريضًا لأن الدماغ عضو مادي (13*). أما ما نسميه "العقل" لا يمكن أن يكون أيًا من هذه الأشياء، لأن "العقل" ليس عضوًا بل وظيفة. العقل هو ما يفعله الدماغ والجسم. تأمل الراقصة والرقصة. الرقص ليس شيئا. إنه نشاط الراقصة، مثلما "العقل" هو نشاط الدماغ والجسد. إذا قلنا أن العقل بصحة جيدة أو مصاب أو مريض، فإننا نستخدم هذه المصطلحات لوصف حالات  مقبولة أوغير مقبولة، كأحكام قيمية وليست تقييمات طبية. الادعاء بأن "العقل" يمكن أن يكون مصاباً أو مريضًا  ينطلق من قاعدة اختزال "العقل" إلى الدماغ فقط، أي بفصل الدماغ عن الجسد وبيئته الاجتماعية. وهذا هو قصور مفاهيم الصحة العقلية والأمراض النفسية. لخدمة النظام الرأسمالي، يخرج علم النفس الفرد من المجتمع، ويفصل الدماغ عن الجسد، ويخدر الدماغ بالمهدئات من أجل تغيير العقل أو على الأقل إسكات صوت المعاناة.

موازنة المواد الكيميائية في الدماغ؟

من الشائع أن المعاناة النفسية ناتجة عن خلل في المواد الكيميائية الموجودة في الدماغ والتي يمكن تصحيحها بالأدوية النفسية. أمر يبعث على السخرية، عدا ما ينتج من ضرر جسيم (*14). تذكر أن الجهاز العصبي ينقل 100 مليون رسالة في الثانية إلى الدماغ. هذا يعني أن كيمياء الدماغ تتغير باستمرار. من المستحيل قياس تركيبة المواد الكيميائية في دماغ حي. حتى لو استطعت، فسيكون الأمر مختلفًا في الثانية التالية والثانية بعد ذلك. عندما يرفع دواء من مستوى الهرمونات، مثل السيروتونين أو الدوبامين، يستجيب الدماغ عن طريق حجب مستقبلات تلك الهرمونات. بعبارة أخرى، تخلق الأدوية النفسية خللاً كيميائيًا في الدماغ يحاول الدماغ تصحيحه. هذا هو السبب في أن تقليل هذه الأدوية أو الإقلاع عنها يجعل الشخص يعاني من نقص هرمون، مما يخلق نفس الحالة التي يراد للدواء ان يعالجها (*15). على الصعيد العالمي، صناعة الأدوية النفسية التي تبلغ 30 مليار دولار سنويًا تقوم على كذبة (*16). إن النظرية القائلة بأن الاضطراب النفسي ناتج عن عدم توازن المواد الكيميائية في الدماغ، ليست أكثر صحة من النظرية القائلة بأن المرض الجسدي ناتج عن اختلال في توازن الهرمونات بالدم. يمكننا إدراك ذلك بمعرفة أوليه في علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء. فهل يجهله الأطباء؟ يعرف الكثيرون منهم ذلك، وعدد قليل يحتج. ومع ذلك، تستخدم صناعة الأدوية نفوذها المالي والسياسي لتشويه سمعة النقاد الذين يفضحون نظرياتها الاحتيالية وأبحاثها المعيبة وممارساتها الضارة (*17).

ما الجنون؟

الشائع أن كلمة "مجنون" تعني " من يحيد عن الإحساس المشترك بالواقع"، كأن نقول "هذا جنون!" الحقيقة لا يوجد شعور مشترك بالواقع في ظل الرأسمالية. لا يمكن للرأسماليين السماح بذلك. للحفاظ على حكمهم، يجب عليهم فرض تفسيرهم ورؤيتهم للواقع على أي شخص آخر. كما لاحظ ماركس، الأفكار التي تهيمن على المجتمع هي تلك التي تخدم الطبقة المهيمنة. على سبيل المثال، لإخفاء الواقع الضار بالصحة المتمثل في الاستغلال، يجب إنكار المعاناة المعيشية للعمال أو رفض الاعتراف بها. هذا صنع مجنون. الاغتراب في العمل يصيب الناس بالمرض، ويزداد مرضهم عندما يحرمون من الإجازة من العمل للتعافي. ومع ذلك، فإن الخرافة الشائعة أن العمل صحي للفرد، مما يوحي أن العمال المرضى أو المصابين يجب أن يجبروا على العمل من أجل مصلحتهم. يقع العامل المعاق في شرك كابوس الجنون حيث يتم التقليل من شأن معاناته، ويتم الضغط عليه للعودة إلى العمل أو ترك العمل، مما يعفي أصحاب العمل وشركات التأمين من أي التزام حيال اصابته.

فرق تسد

لا يمكننا فهم العالم خارجنا مباشرة. لا يمكننا تفسيره إلا من خلال حواسنا. هذا التفسير، إحساسنا بالواقع، يتأثر كلياً  بالسياق الاجتماعي. الاغتراب يحيد بفهمنا للواقع عن فهم الآخرين. يعتقد أكثر من واحد من كل أربعة أميركيين أن انتخابات 2020 قد سُرقت من دونالد ترامب (*18)، ويعتقد 9٪ أن استخدام العنف له ما يبرره لإعادته إلى الرئاسة. يعتقد أكثر من نصف هذه المجموعة أن "مجموعة سرية من عبدة الشيطان ممن يغتصبون الاطفال هم من يتحكمون بالحكومة الأمريكية." الأيديولوجية الرأسمالية مليئة بالتناقضات التي تقود الى الجنون: قيل لنا أن عدم المساواة العنصرية تقوم على الاختلافات البيولوجية. وقيل لنا أنه يمكن لأي شخص أن يحقق ما يريد إذا حاول بجدّ. تستند "الأسواق الحرة" إلى عبودية الأجور ؛ توصف لنا الإمبريالية كتحرير للشعوب. وتدعى الحرب تدخلًا إنسانيًا. سلوك الطبقة العاملة، مثل الإضراب، يبدو جنونيًا للطبقات الوسطى والرأسمالية. في حين أن تدمير البيئة من أجل الربح أمر منطقي بالنسبة للطبقة السائدة، إلا أنه يبدو جنونيًا لأي شخص آخر. لا يشترك الرجال والنساء في نفس الإحساس بالواقع، ولا الأشخاص البيض والسود. يعتقد من تلقى اللقاح ضد فيروس كورونا أنه من الجنون رفض اللقاح، بينما يعتقد مناهضو التطعيم أنه من الجنون الوثوق باللقاح.  يتم تضليل الغالبية لمنعهم من فهم طبيعة الحياة القاسية للاجئين والمهاجرين والمشردين بلا سكن والمدمنين والمعاقين وضحايا الحرب.

إذا كان الإحساس المشترك بالواقع هو ما يجعلنا عقلاء، فإن الرأسمالية تجعلنا جميعًا مجانين:

يشترك الرأسماليون في فهم مشترك للواقع. إنهم يعرفون أن هناك طبقتين، تنتفع إحداهما على حساب الأخرى. إذا سمحوا للأغلبية باستيعاب هذا الفهم المشترك للواقع، فلن يكون لدى العمال أي مسوغ للتهاون مع الحكم الرأسمالي  بل  سيسعون لاستبداله بعالم تشاركي.

لحجب الشعور المشترك بالواقع، يستخدم الرأسماليون فئة من المهنيين والخبراء والبيروقراطيين لتشكيل وعي  وطموحات زائفة للطبقة العاملة (*19). أعلن مسؤول الصحة الإقليمي في برتش كولومبيا  مؤخرًا أن النشر العام للمعلومات حول حالات COVID في المدارس يجب أن يكون محدودًا لأن الآباء سيجدونها مثيرة جداً للقلق (*20) . بعبارة أخرى، إذا عرفت الحقيقة، ستخاف، لذلك لن نخبرك. يتم التعامل مع الجمهور مثل الأطفال الذين يجب أن تدار مخاوفهم من قبل كائنات متفوقة عليهم مع مزيد من التحكم العاطفي. تفترض جميع قصص الأبطال الخارقين والسوبرمان أنه يجب حماية الناس العاديين من الحقيقة وإلا سيصابون بالذعر ويتصرفون بشكل غير عقلاني. في الحلقة التجريبية من برنامج Marvel's Agents of SHIELD، سئل وكيل جديد عما إذا كان يفهم مهمة SHIELD. فأجاب: "نحن نحمي الناس من الأخبار التي ليسوا مستعدين لسماعها". منذ نعومة أظافرنا، تعلمنا انه من الأفضل حلّ المشكلات الاجتماعية من قبل كائنات أقوى وأكثر حكمة.

تسدل الماركسية الستار عن الخداع الرأسمالي بإعلانها أن هناك طبقتين اجتماعيتين، وأن ما يفيد إحداهما يضر بالأخرى. بمجرد أن يتم استيعاب هذا الفهم للواقع على نطاق واسع، يبقى سؤال واحد فقط: إلى أي جانب أنت؟

ماذا نفعل الآن؟

في هذه المرحلة، ربما يسأل أحدهم، "هذا جيد، ولكن ماذا سنفعل الآن؟ الناس يعانون الآن. لا يمكننا أن ننتظر الثورة لمساعدتهم ".

هناك شيئان يمكننا القيام بهما الآن. الأول هو قول الحقيقة. المعاناة النفسية ليست اعتلالاً طبيًا، بل هي صيغة احتجاج غريزية ضد الأستغلال والظلم. سيشكل الأمر فارقاً كبيراً حين تدرك أنك لست مجنونًا، وأن معاناتك هي استجابة معقولة لظروف غير معقولة. يجب الاعتراف بما نقاسيه في تجاربنا بالحياة من انعدام العدالة، ونحدّد من المسؤول عند ذلك حقاً، النظام الرأسمالي والمسؤولين عن ادارته.

ثانيًا، علينا أن نطالب بحلول ناجعة لما يعانيه الناس. قد تفيد المعالجة النفسية بشكل أفضل كحلول لمعاناة أولئك الذين تمت تلبية احتياجاتهم الأساسية. ولكنها ليست حلآ مناسباً  لمشاكل الأغلبية التي تنبع معاناتها من الحرمان والظلم.

يحتاج الأشخاص الذين يمرون بأزمة إلى بيئة آمنة حيث يتم ضمان استقلاليتهم وتلبية احتياجاتهم الضرورية. وبدلاً من تقديم هذا الدعم، تُخضع الرأسمالية من يعاني من الأزمات للوصم والاعتقال القسري والعلاجات الطبية الضارة (*21).

بناء واقع مشترك

تتطلب المشاكل الاجتماعية حلولاً اجتماعية. الدعم الشخصي الذي يمكن للأفراد تقديمه لبعضهم البعض محدود وتصعب ديمومته. الطريقة الوحيدة لإنهاء المعاناة الاجتماعية هي النضال من أجل مجتمع اشتراكي يدعم جميع أعضائه دون استثناء. مايمكن أن نكسبه من دعم اجتماعي يعتبر منجزاً وخطوة في الاتجاه الصحيح. مسار الكفاح ذاته يشكل علاجاً. بينما ينظر الرأسماليون للنشاط الجمعي باعتباره مصدرًا للخطر، وجد علماء النفس في جامعة ساسكس أن النشطاء الذين ينخرطون في الإضرابات والاحتجاجات السياسية يغمرهم شعور بالقوة والتضامن الجماعي الذي يقوض  من مشاعر الألم والقلق والاكتئاب (*22).

"إن تطوير الهوية المشتركة يحول الجمع المشتت إلى كيان جماعي صلد قادر على مواجهة من يهاجمون أفراده أو يحرمونهم من حقوقهم. "

يولد النشاط الجمعي مشاعر إيجابية تفيد الصحة. النضال الجماعي دواء فعال، والاشتراكية هي العلاج الذي نحن بأمس الحاجة له.

 

.............................

* نشر في صفحة الكاتبة  Susan Rosenthal :

** (تمت الترجمة بالاتفاق مع الكاتبة Dr.Susan Rosenthal استاذة وطبيبة متقاعدة في الطب النفسي، عملت في عدد من الجامعات الامريكية، وكان آخر منصب شغلته رئيسة قسم طب الاطفال والمراهقين في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة)

رابط المقال:

https://susanrosenthal.com/oppression/does-capitalism-make-us-crazy/

هوامش:

1- https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3918955

2-https://www.goodgriefnetwork.org/

3-https://www.nytimes.com/2021/09/27/us/fbi-murders-2020-cities.html

4-https://www.statnews.com/2021/02/16/as-pandemic-ushered-in-isolation-financial-hardship-overdose-deaths-reached-new-heights/

5 -https://www.teenvogue.com/story/what-its-like-to-be-black-in-america

6-https://www.psychologytoday.com/us/blog/freedom-learn/201105/how-hunter-gatherers-maintained-their-egalitarian-ways

7-https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/piiS0140-6736(21)01330-1/fulltext

8-https://ajph.aphapublications.org/doi/pdf/10.2105/AJPH.88.7.1074

9-https://www.nber.org/system/files/working_papers/w29203/w29203.pdf

10-https://www.cdc.gov/violenceprevention/aces/index.htm

11-https://www.guilford.com/books/Traumatic-Stress/Kolk-McFarlane-Weisaeth/9781572304574

12-https://doctorsoftheworld.org/blog/swedens-mystery-illness-resignation-syndrome/

13-https://aeon.co/essays/how-memories-persist-where-bodies-and-even-brains-do-not

14-https://www.madinamerica.com/2021/09/new-study-sheds-light-antipsychotic-use-leads-dementia/

15-https://www.madinam،|erica.com/anatomy-of-an-epidemic/

16-https://www.globaldata.com/global-sales-of-psychiatric-drugs-could-reach-more-than-40bn-by-2025-due-to-coronavirus-says-globaldata/

17-https://www.madinamerica.com/2021/09/cochrane-tapes/ , https://www.madinamerica.com/mad-america-book/

18-https://cpost.uchicago.edu/research/domestic_extremism/why_we_cannot_afford_to_ignore_the_american_insurrectionist_movement/

19-https://susanrosenthal.com/capitalism/mayonnaise-and-the-middle-class/

20-https://vancouversun.com/news/local-news/b-c-teachers-want-data-on-covid-19-in-schools-to-be-publicly-available

21-https://www.washingtonpost.com/opinions/psychiatrys-bible-the-dsm-is-doing-more-harm-than-good/2012/04/27/gIQAqy0WlT_story.html

22-https://blogs.sussex.ac.uk/crowdsidentities/2019/05/12/can-protesting-be-good-for-you

 

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العربي بين خطابين (10)

ذكرنا في المقال السابق أن فليسوف (المَعَرَّة) إنما شغفَ بعض أدعياء الحداثة الشِّعريَّة المعاصرين، بلا حداثة حضاريَّة، وعُوران الثقافة المجانيَّة، فِكرًا وعقلانيَّةً أُصوليَّة؛ لأنهم إمَّا لا يقرؤون، وإمَّا يقرؤون ولا يفهمون، وإمَّا يقرؤون ويفهمون غير أنَّ دَيدنهم أنْ ينتقوا ما يَغُشُّون به قارئيهم حين يكتبون، مُخْفين البضاعة الرديئة تحت ما ظاهره الصَّلاح. ذلك أنَّ (أبا العلاء المعرِّي) ليس بذلك المفكِّر العقلاني المتحرِّر، الذي يروِّج له بعض المعاصرين، ولا بنصير العقلانيَّة المطلَقة، والحُرِّيَّة الجذريَّة من الأديان، بل هو رجلٌ مضطرب الحال، أوَّلًا، وشاعرٌ، في كلِّ وادٍ يهيم، ثانيًا، وقد ظلَّ أميل إلى العقل التقليدي، والطبيعة الخرافيَّة، ثالثًا، حتى إنَّه ليدعو صراحة- في ما يدعو إليه- إلى "دفن النساء"، كما فصَّلنا الشواهد من قبل.

على أنِّي قد قرأتُ شِعر أبي العلاء، وأعدتُ فيه النظر، وهو جزءٌ من أطروحتي للدكتوراه، فما وجدتُ فيه ما يصحُّ الاستدلال به عِلميًّا على عقيدةٍ منابذةٍ للدِّين- كما يدَّعي ذوو الأهواء، على تباين أهوائهم، قديمًا وحديثًا- هذا إنْ صحَّ الاستدلال بالشِّعر على مثل هذه الأمور القلبيَّة، أصلًا. فما في شِعره لا يعدو النقد لسلوك معاصريه، من تفشِّي النِّفاق فيهم، والظُّلم، واتِّباع الشَّهوات، وفساد رجال الدِّين، من زبانية الفاطميِّين، والصوفيَّة، ونحو أولئك ممَّن كابد المعرِّي استبدادهم بالسُّلْطة الثقافيَّة أو عرف ذلك عنهم. ومَن شاء الشواهد، فليرجع مثلًا إلى لزوميَّته التائيَّة، ومنها:

ألا تتَّقونَ اللهَ رَهْطَ مُسَلِّمٍ ::: فقد جُرْتُمُ في طاعةِ الشَّهَواتِ

ولا تَتْبَعُوا الشَّيطانَ في خُطواتهِ ::: فكَمْ فيكمُ مِن تابعِ الخُطواتِ

...

تَهاوَنْتُمُ بالذِّكرِ لمَّا أتاكُمُ ::: ولم تَحْفِلُوا بالصَّومِ والصَّلَواتِ(1)

...إلى آخرها. 

هذا هو المعرِّي. ولا يستقيم ما يركَّب عليه من دعاوَى ملفَّقة، لا تعبِّر إلَّا عن توجُّهات أصحابها، الباحثين عن متكأٍ تراثيٍّ ما، يؤثِّلون على مداميكه مذاهبهم. أمَّا التأوُّل الأُصوليُّ، فحدِّث ولا حرج عن شطحه ونطحه. وهو تأوُّلٌ لا يَصدُر إلَّا عن الفئتين اللتين عابهما المعرِّي نفسه، وهما: ذو دِينٍ متزمِّت، بلا عقلٍ ولا بصر، أو دعيُّ عقلانيَّةٍ وليبراليَّة، إنَّما يفتِّش رغبويًّا في التُّراث عمَّا يَطرَب له؛ ليؤيِّد به عقيدته هو، ذات الأُصوليَّة العوراء البديلة. الفئة الأُولى تكفِّر أبا العلاء؛ لأنَّ ديدنها تكفير مَن خالفها، أو لم تفهمه، والفئة الأُخرى تمجِّده؛ لأنَّ ديدنها تمجيد من وافقها الهوى، وإنْ بظاهرٍ من القول، تنتقيه انتقاءً، وتزيِّفه تزييفًا. لسان حال الأُولى: "كافرٌ.. عليه من الله ما يستحق!"، ولسان حال الأخرى: "كافرٌ.. ما أروعه!"(2)

قد يقول قائل: وأين أنت عن قول المعرِّي(3):

إِنَّ الشَّرائِعَ أَلْقَتْ بَيْـنَـنـا إِحَنًا ::: وأَوْدَعَـتْـنا أَفانِـيْـنَ العَداواتِ

وهَل أُبِيْحَتْ نِساءُ القَومِ عَن عُرُضٍ ::: لِلعُـرْبِ إِلَّا بِـأَحكامِ النُّبُـوَّاتِ؟

والحقُّ أنَّ مثل هذا ليس بصريحٍ في عقيدة الرجل، ولا يمكن القطع بأنه في ثلب الشرائع وأحكام النُّبُوَّات، لا في ثلب مطبِّقيها، والمتعدِّين حدودها باسمها. ومهما يكن من شيء، فنحن أمام نصٍّ شِعريٍّ، حمَّال أوجهٍ من التأويل، ومزاج شاعرٍ متقلِّب، مضطرب الأطوار، قد تجد فيه القول ونقيضه، ربما في النصِّ الواحد. وهذه طبيعة الشِّعر. ثمَّ ليكن أنَّه كان رُبوبيًّا، مثلًا، بناءً على ما قد تَستشِفُّ من بعض شِعره، فهذا لا يعنينا، وليس بموضوعنا هاهنا. ولقد وصف (ناصر خسرو القبادياني)(4) المعرِّيَّ خلال زيارته إلى (حلب)، عام 438هـ، بأنه رجلٌ كفيف، غنيٌّ جِدًّا، له عبيدٌ وعمَّالٌ طوع أمره. ومع ذلك كان زاهدًا، يلبس ملابس الصوفيَّة الخشن، ولا يزيد في طعامه عن نصف رغيف من الشعير، صائمًا نهاره قائمًا ليله. وذكر أنَّه كان يدير أمور المدينة من خلال عمَّاله. وأنه يجتمع إليه جمهور غفير من المريدين والطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. غير أنه قد أشار إلى اتهامه بشأن كتابه "الفصول الغايات"، وما زُعِم من أنَّه إنَّما أراد به معارضة "القرآن". 

وخلاصة القول: إنَّ ما نلفت النظر إليه هو ذلك العَوَر الثقافي الإديولوجي، الذي يجعل المرءَ يُبرِز ما يُعجبه، فيمجِّد صاحبه لأجله، مغمضًا عينه الأخرى عن موبقاتٍ فكريَّةٍ وأخلاقيَّةٍ، صريحة الخطاب، ومكرَّرة، غير قابلة للتخريج على غير ظاهرها- كموقف المعرِّي الداعي إلى وأد المرأة- فإذا أنت ترى المثقَّف من هؤلاء ما يفتأ يَتعاور عن تلك الجوانب المظلمة أو يتعامَى؛ لكي يتَّخذ نموذجه إيقونةً تراثيَّةً صالحةً لإسناد ظَهره، وإنْ لم يكن فيها من مستنَدٍ يُركَن إليه.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيـْفي

..............................

(1) (1992)، شرح اللُّزوميَّات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 266- 267/ 1- 2، 13.

(2) من شاء تتبع ما زُيِّف على (أبي العلاء) من تُهَم قديمة، بل ما نُحِل من شِعر، لمآرب مختلفة، فليطالع بحث هذا، مثلًا، لدَى (ضيف، شوقي، (1990)، عصر الدول والإمارات- الشام، (القاهرة: دار المعارف)، 172- 178). محيلًا إلى كتابه الآخر "فصول في الشعر ونقده". 

(3) شرح اللُّزوميَّات، 1: 271/ 9- 10.

(4) انظر: (1983)، سفرنامة: رحلة ناصر خسرو القبادياني، ترجمة: أحمد خالد البدلي، (الرياض: عمادة شؤون المكتبات- جامعة الملك سعود)، 40- 42. ومع هذا فما ينفكُّ التشكيك محتدمًا من أرباب "التراث الروائي/ السماعي" في شهادة صاحب "سفرنامة"، الحيَّة والمباشرة من واقع المجتمع الحلبي عام 438هـ ، وما نقلته حول (المعرِّي)، عن قُربٍ ومشاهدة. وهذا يدلُّ على عقليَّات تأبى إلَّا أن تجترَّ حكايات القيل والقال ممَّا توارثته عن كتبها الصفراء. (انظر مثلًا: ضيف، م.ن، 168).

(*) هذا المقال جزء عاشر من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب": https://bit.ly/3m06d0e