محمد كريم ابراهيمما التي تجعل التفاحة تفاحة؟ هل هي لونها أم طعمها أم شكلها؟ ما هو الشيء الأساسي فيها الذي يجعلك تتعرف عليها مهما تغيرت صفاتها؟ هذا ما كان يفكر فيه الفيلسوف الاغريقي افلاطون عندما اكتشف نظريته الخاصة لتفسير الحياة ومكوناتها، وهي نظرية ما زالت ذو صلة منذ اكتشافها حتى يومنا هذا، وتدخلت ايضًا في صناعة مفهوم جديد للجنة للأديان وقدم حافزًا لعلماء النفس بالبحث عن الإجابة في دماغ الانسان.

لغرض فهم جوهر الأشياء مثل التفاحة، توجب على افلاطون الادعاء بأن عالمنا الذي نعيش فيه ليس حقيقي بنسبة مئة بالمئة، وإنما هو ظلال لعالم آخر أكثر مثاليةً منه، عالمٌ ثابت لا يغيرهُ الزمان ولا المكان، فهو عابر لهذه الابعاد المكانية والزمنية نحو بعد آخر. نحن نرى ونتحسس أشياء فانية تتغير شكلها مع مرور الزمن ومع الظروف كالتفاحة التي لها عدة الوان واشكال وتذوق، التي تكون في بداية نضوجها في هيئة معينة وكذلك في فسادها تكون في هيئة أخرى. لكن مع ذلك تبقى هناك صفة تجمعهم معًا وهي روح التفاحة نفسها، يجعلنا نتعرف عليها مهما كانت ظروفها، هذه هي جزء من العالم المثالي الثابت الذي ينعكس في عالمنا المتغير. باختصار، هناك تفاحة في عالمنا، وهناك تفاحة في العالم الهيئات المثالية لأفلاطون، تفاحتنا هي نسخة رديئة من تفاحة عالم الهيئات المثالية، تفاحتنا ستتغير مع الزمن، تفاحة عالم افلاطون تبقى ثابتة كما هي. 

هذا العالم الهيئات المثالية يحفظ في داخله اشكال الأشياء والكائنات التي هي موجودة في عالمنا وكذلك التي ستبرز للوجود في المستقبل أو التي انقرضت من الماضي. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة الأرواح الخالدة التي تظل على حالها مهما اختلف الجسد وتغير شكله، وكذلك فكرة الجنة المثالية التي تحفظ أرواح البشرية الجيدة فيها. ومن جدير الذكر إن الأشياء السيئة والفاسدة والكائنات الشريرة منبوذة تماماً من هذا العالم المثالي الذي خلقه افلاطون، لذلك اضطر بعض الأديان خلق عالم مثالي ثاني للأرواح الغير النقية والاشياء المؤذية والمدمرة (مثل النار) للهيئات.

اعتزَ أفلاطون بعلم الرياضيات كثيرًا، لأنها باعتقاده مفتاح لمعرفة ذلك العالم المثالي بسبب قدرتها على تحليل واستخراج أُسس الأشياء وإيجاد قوانين عامة مشتركة تربط بين العديد من الكيانات. مثلاً مهما كان طول ضلعي المربع ومن أي مادة صنع ذلك المربع وفي أي زمان ومكان كان، فإن مساحته دائما طوله مضروب على عرضه. هذا الأمر أبهر أفلاطون كثيرًا، حتى يُذكر إنه كتب في باب مدرسته (لا يدخل هنا من لم يدرس الهندسة).

ما نعرفه اليوم من دراسات علم النفس إن هذا العالم المثالي موجود جزء منه في دماغنا الذي يسمى بالمخطط العقلي: فهي من طبيعة أدمغتنا البشرية أن تصنف الأشياء التي نتحسسها وتضعها في مرتبة مناسبة حسب العامل المشترك بينهم. جميع المعلومات التي تأتينا بشأن التفاحة (من لون وشكل بالعين، من ذوق باللسان، من شم بالأنف) نجمعها معًا ونضعها تحت مسمى معين، فإذا رأينا تفاحة صفراء بدلا عن الحمراء، نعلم مباشرة بأنها "تفاحة" من خلال صفاتها الأخرى (الشكل، الذوق، الشم، والملمس). والذي يميز دماغ الانسان عن الحيوان ليس الحجم، بل سرعة تكوين اتصالات بين الدوائر العصبية، وهذه الميزة تجعلنا فاهمين اكثر للعالم المشترك بين تلك الأشياء (مثل الرياضيات ومسلماتها). بالرغم من أن أفلاطون فهمَ على إننا عشنا يومًا ما في ذلك العالم المثالي وإننا لو حاولنا جاهدين سنتذكر بعض الأشياء المثالية منها كالهندسة، أي إننا ولدنا بتلك المعلومات عن العالم الهيئات المثالية لكننا فقط نسيناه بعد ولادتنا ووعينا لهذا العالم الدنيوي.

إذًا، نحن نسكن عالم الظلال حيث اجسادنا لا تجسد شيئًا سوى نسخة رديئة من ارواحنا، كما الدنيا تمثل نسخة رديئة من الجنة! لماذا نبذنا إلى هذه الحياة من العالم المثالي؟ ما هو المراد منا لكي نعود الى مثاليتنا؟ هل كان أفلاطون محقًا في كل هذا؟ كلها تعود عليك لتقتنع.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

 

سامي عبد العالواقع المجتمعات العربية كـ" الرمال المتحركة "، لا تثبُت تحت الأقدامِ، إنما تسحبُ أرجلنا المرتجفةِ نحو الهاويةِ. وإجمالاً يعدُّ الواقعُ صناعة بشريةً خالصةً يتلون بقدر تلون الحياة المشتركة وتفاعلاتها. فلن يكون التخلُّفُ إلاَّ تخلفاً ولن يكون التقدم إلاَّ تقدماً وما حصل في الماضي سيترك تأثيراته في المستقبل. وبالتالي، فالواقع هو الصورة الإنسانية لتراكم الخبرات وخلاصة الأفعال التي يطرحها البشر خلال ممارساتهم اليومية. وهو ليس موضوعياً ولا هو حصيلة عوامل مجهولة حَطّت عليه من خارج السياق، ولكنه ترسب داخلي يميز عصراً من العصور ويشكل الرؤى والسلوك.

إنَّ حصاد التاريخ العربي لسنوات من التسلُّط والفوضى قد أنتج مزيداً من القهر والديكتاتورية والإستبداد. ليس معقولاً أنْ يُخرج الحنظلُ تفاحاً مثلما لن تزهر الأشواك وروداً. والأدهى أنْ يستمر هذا الواقع الإشكالي (كما هو)، رغم التغيرات الحادثة على الصعيد العالمي من حولنا، حيث اعتادت عليه العيون وألفه الوعي وظلت الشعوب دائرة في فلكه حبيسةً لإفرازاته بلا حراكٍ.

والفكرة السابقة تختبر نتاج المجتمعات تجاه حياتها وكيفية الإمساك بزمام الأحداث وخطط التنمية وآفاق التغيير. ولذلك بسبب عجزُ العرب عن إدارة الواقع نتيجة ضعف الأدوات والكفاءات، ستكون الأنظمة السياسية في حاجةٍ إلى تغطية خيباتها وسوء تصرفاتها وفشل النهوض بالمتغيرات والظواهر. فالتعثُر في مسيرة السياسة يستدعى مبررات غير معقولةٍ من قبيل التعلُّل بالظروف والمؤامرات ووضع الرأي العام في حالة تأهب للأخطار المحدقة واصطناع أعداءٍ وهميين، هم في وضع خفاء دوماً انتظاراً لمعركة حاسمةٍ لم ولن تأتي بعد.

السمة السياسية التي تميز بعض " دول ما بعد الربيع العربي" هي سيادة خطابات الكذب، سواء أكان كذباً بما يمكن تحقيقه أو بما يعجز عنه الحكام والمسئولون من قراراتٍ وسياساتٍ لصالح الشعوب. فالكذب الآن لم يعد جزئياً ولا مؤقتاً حتى تظهر مرحلة أخرى من الحقيقة وحتى تأمل المجتمعات في فجر جديد. إن الكذب طاغ كقطع الليل المظلم ولن يمرُ مرور السحاب دون تعرية الشعوب من كل ما تملك وما تتمتع به من قدرات العيش والحياة.

لقد أصبح الكذب جارفاً لكلِّ شيء كالطوفان، ربما غدا حقيقياً كأنه الحقيقة المطلقة. وربما لأول مرة أن ينال الكذب (مشروعية كلية) من هذا الصنف النفّاذ، ليس بالغلبة الرمزية على النقيض منه (الصدق)، إنما هناك طفر للكذب بالتداعي المباشر إزاء القضايا والمشكلات الكبرى وحجم الأخطار والأحداث وأنظمة السياسة كمشكلة الديمقراطية وبناء المجتمع وتداول السلطة وتحقيق إنسانية الإنسان.

أي أخذ الكذب في تجاوز ذاته نحو ذواتٍ عامة أخرى. وبملء الكلمة أصبح الفعل السياسي مجرد استعارات للكذب بمقدار ما يدير رؤى الحياة ومعطيات التنوع البشري وجوانب السلطة القائمة. وتدريجياً بات ظهور الحاكم الآن واضحاً بجميع الأقنعة والوجوه الزائفة: مرة عجوزاً منحنياً ومرة متصابياً ومرة مختالاً غير فخور ومرة قائداً واثقاً من نفسه ومرة حازماً في اتخاذ القرارات ومرة عبوساً ومرة ضاحكاً ملء شدقيه. لكنه في جميع هذه المرات يكذب ويكذب، ثم لا يجد حلاً من الكذب بصدد حالة الحرية وتطبيقات العدالة ومعايير المساواة وإقامة الحريات ومحاربة الإرهاب ومعدلات التنمية والتطور وحركة الإنتاج وعلاقات دولته بالدول الأخرى.

في يوم من الأيام الحديثة، عندما كان الأمير – من وجهة نظر مكيافيللي - يواجه رعيته عن طريق حيل يفلت بها من فخاخ السياسة ويقوي من شوكة سلطانه، ربما كان الكذب مفيداً في تسيير الأعمال وترسيخ الحكم ودرء الأعداء والمؤامرات. لكن هذا الكذب كان مجرد وسيلة داخل تدابير السياسة. والمشروعية تأتيه من جانب الغاية تبرر الوسيلة. مما يسمح بدخول أية وسائل ممكنة نحو أية غايات غير ممكنة بالمقابل، ويظل هذا التواطؤ التبادلي بين الوسيلة والغاية على أشده. لكن في الوقت الراهن غدا الكذب أكبر من كونه وسيلة لانجاز المآرب، هناك من المجتمعات ما تجعل الكذب نمطاً للفكر والفعل نتيجة غياب المسئولية وضبابية الرؤى.

كيف يكون الكذب هو الأساس الذي يتجاوز ذاته؟ هل يوجد كذب يحمل نظاماً سياسياً؟ بل، هل يمكن وصف نظام بهذا الوصف الشائع؟ ربما أنظمة ما بعد الربيع العربي جاءت على وهم ردم الهوة بين (الثورات والواقع). ففي بعض الدول نتيجة عمليات الإفقار المُمنهج بأنواعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كانت الهُوة أكبر من أنْ تُردم، حتى باتت الدولة مجرد (لاصق طبي) على جروح ودمامل لشعوب مريضة منذ عشرات السنوات. وحين اتسعت الآمال وتطلع الناس إلى حياة مغايرة، جاء الواقع كذُوباً فيما بعد. حتى تقيّحت الحياة العامة إلى حد الازدراء ولم تكن المجتمعات لتحتمل أيّة خطوة في طريق الفشل السياسي المتواصل وتوابعه.

ومع مجيء أنظمة يقال عنها " إسلامية" وأخرى " وطنية " بعد الربيع العربي، لم يوجد هنالك سوى الكذب بوصفه الأداة التي تعوض الفارق المهول بين ما كان وما سيكون. فلم يكن الإسلاميون ولا الوطنيون على دراية دقيقة وفعلية بما يعنيه الواقع، بل تحول الواقع لديهم إلى كذبةٍ بحجم إساءة فهم التاريخ والجغرافيا والدين والسياسية في سلة واحدةٍ. وسارت الأنظمة الجديدة على ذات الطريق، استعادت سريعاً هيمنة السلطة السياسية وعنف الأنظمة  وتراث التخلف والعته الحضاري بكل مفارقاته: مرحلة جديدة بمفاهيم قديمة، عصر الجماهير بمركزية السلطة واحتكارها، حرية التعبير بتكميم الأفواه والحجر على الآراء، الانفتاح الإعلامي بوسائل إعلامية تقليدية وصوت الفرد المطلق وحجب المعارضة وملاحقة الناقدين والناقمين.

ولأنَّ ردود الأفعال الجماهيرية والشعبية عديمة التأثير، كان على الأنظمة الجديدة دفع مركبة الكذب إلى مداها الأبعد. والإستراتيجية المتبعة أن الكذب يدفع المواطنين للعيش في نتائجه التي تتناسل كما لو كانت حقائق. بمعنى أنَّ الأصل في الموضوع (أي إنسانية السياسة ) مفقود وسرعان ما يتم تجاهله. وليس هذا فقط، بل يجري البناء على نقيضه تماماً ضد الإنسان والمجتمعات، وهو نفسه نقيض الدولة أو هكذا يفترض. فلو قيل إنَّ هناك دولة العدالة كما يزعم هذا النظام أو ذاك، فستكون الممارسات والمقولات مستندة إلى هذا المعنى رغم أنه غير ذات صلة بشؤون الحياة. وبالتالي سيغيب مفهوم الإنسان، فالدولة لدينا نحن العرب كالعربة الطائشة لا تنضبط بقوانين ولا تلتزم بكوابح من أخلاقيات أو مراعاة الفوارق بين الفئات الاجتماعية.

بالتالي تترك الجماهير ماذا يقال من السلطة ومبرراتها في اتخاذ سياسات دون غيرها إلى اعتبار المقول حقيقة لها صدق ذاتي. بينما الاثنان (الجماهير والسلطة) يكذبان على بعضهما البعض. لأن هناك جهلاً بماهية الدولة وحقيقتها وإمكانياتها السياسية وكيفية استقبالها بعد الثورات في واقع فج. فلم تستطع الجماهير إدراك أوضاعها المزرية، ولا يكف النظام عن مراوغة الواقع بمزيد من الأكاذيب.

أولاً: الكذب بالمعنى السابق ليس وصْفاً، لكنه آليةَ عملٍّ تُخادع الشعوب لصالح سلطة غاشمة. فالدولة ما لم تكن تقنية سياسية واسعة لإدارة الحقوق والمطالب وإتاحة الفرص بكافة اختلافها وتناقضاتها للشعوب، فهي بذاتها تتحول إلى (كذبةٍ كبرى). يضيع منطق (المفاهيم والماصدق) ويصبح لدى شعب الدولة (جثث كبرى) اسمها المؤسسات والقوانين والدستور والصحافة والهيئات والجامعات.

ثانياً: إن أي وصف أخلاقي وراء الكذب يعد جزئياً، وقد لا تعترف به السياسة. فالأخيرة لا تتعلق بالقيم، لكنها ترتبط بمنطق السياسة التي توظف القيم لغايات اجتماعية وإنسانية أكبر من مجرد الأوصاف الفردية أو الجزئية. إن الحاكم المستبد يدرك ذلك تماماً فليس سهاً اصطياده بأوصاف من هذا القبيل عندما يقال له أنت مخادع وكذوب، لأنَّ الدولة نفسها( بهذا المنطق العام) لا تنتج إلاَّ كذباً تجاه مواطنيها. وطالما أنَّها تتعثر في أفعالها منذ البداية، فهي لن تخرج من نفق الكذب، سواء أكان حاكمها هو المسئول عنه أم مسئوليها الصغار.

ثالثاً: إنَّ تجديد الأسس والمبادئ في تلك المرحلة هي الأهم. فالكذب الجزئي الذي يعزف على نغماته الرؤساء والحكام العرب إنما هو هدم لتلك الأسس. ولذلك فإن الوعي الناقد لا يتقبل بسهولة وقوع الحاكم في أخطاء جزئية إلاَّ بمقدار ما يستحضر حالة الأخطاء الكلية الأشد تهديداً. ولو يعلم أي حاكم عربي ماذا يدمر من أسسٍ ما كان له أنْ يعْد برفاهية العيش بينما هو يداهن لترسيخ سلطته. وما كان له ليطلق عبارات التزلف والنفاق دون حسيبٍ ولا رقيب. فهذه الوقائع تشير أول ما تشير إلى مدى وهن الأسس والأطر التي تنهض عليها الدولة. هذا ما يهدد المجتمع برمته ويحبط فئات الشعب وهم الأكثر إحساساً بكيانهم الكلي الذي يتهاوى. فالدولة بالنسبة إليهم ليست مظلةً بل طريق في الحياة ومسار يمكن تحقيق الغايات القصوى من خلاله.

رابعاً:  ليس "بعد الكذب" خطوة، لكنه للأسف قد يكون عملية تكرارية، طالما أنَّ السلطة لا تمارس مسئوليات الدولة. فالانحياز إلى سياسات تخدم مصلحة الأغنياء وزيادة نفوذهم وتؤدي إلى إفقار الشعوب هو ما بعد الكذب. لأنّه انتهك وجود الدولة وكيانها كمعيار إنساني حاكم وترك الساحة العامة كحلبة صراعٍ يفترسُ فيها الغني أيَّ فقيرٍ يواجهه.

خامساً:  الوعي بـ" ما بعد الكذب " هو الشرط الضروري لفهم الدولة وطبيعة السلطة. والحاكم الذي يعرف ذلك استناداً إلى تلك النقطة الجذرية، سيظل يمارس بدوره الخطأ تجاه الشعب وعدم توفير فرص الحياة الكريمة لأفراده.

سادساً: يفترض الحالُ للتغلب على الكذب لوناً من الممارسات النقدية المتواصلة للأكاذيب والأسس القائمة عليها. لأن الكذب لا يخرج فجأةً أو قضاء وقدراً، لكنه يستند إلى مبرراتٍ وأساليب مراوغة نتيجة نقص الوعي وانعدام الفكر.

إنَّ نتاج الربيع العربي الهزيل أفرز أشباه الحكام الجدد بتونس وليبيا ومصر (شخصيات اخوانية ووطنية)، وأدخل الدولة العربية إلى هذا النفق المظلم من الأكاذيب. فلم تكن التغيرات على مستوى الآمال، كما أن الشخصيات الحاكمة جاءت مجرد (استجابة سمجةٍ) لعملية كذب طويل الأمد لن يفيق منه الحكام قبل الشعوب، ما لم ينفض الترابَ عن طبيعة الدولة وفكرة القانون والدستور وتجديد الأطر التي تستند إليها. وبما أنَّ الشعوب هي صاحبة السلطة في أي نظام ديمقراطي حر، فإنَّ وضع الشعوب يمثل معياراً لكشف مسلسل الأكاذيب مهما تكن أقنعتها وأبطالها.

إجمالاً: فإن معرفة (المابعد) ضرب من القول في تفكيك الأكاذيب وتذرية جوانبها المتكلسة من وقت لآخر، بحيث يعرف المواطنون كافة الحقوق والمصالح والواجبات وفرص الحياة الحرة. والأهم من ذلك المطالبة بها امتثالاً لقيمتي الصدق والحقيقة. وهما القيمتان اللتان توجدان ضمنياً في أعمال السياسة وإن كان يتم التلاعب بهما أحيبناً. و نقد( المابعد) يعني أيضاً تجاوزاً عملياً نحو مؤسسات موضوعية كاملة الحيادية والشفاهية أمام جميع الناس دون تمييز. بحيث لا يكون هناك مجال للكذب، لكون القضايا والحقائق معلنة ومعروفة على أسس جديدة. ولئن كان الكذب ينبت ويمتد في المناطق المظلمة والزلقة والمسكوت عنها داخل المجتمعات، فلم يكن ما بعد الكذب إلاَّ مرحلة من غربلة الممارسات وتنقية الأفكار لأجل الوضوح. والمابعد عملية مستمرة لا تتوقف في هذا الإتجاه، لأن السياسات الديمقراطية الحرة( تُصحح نفسها بنفسها self-corrective) بخلاف الأنظمة الديكاتورية الكذُوبة.

 

سامي عبد العال

 

 

عصمت نصارلم تكن غاية قادة الرأي في مصر - باختلاف اتجاهاتهم كما بينا فيما سبق - من ترويجهم للمعارف الفلسفية وتوضيح أهميتها كآلية دافعة لمشروع النهضة، ومنهج للحوار والتثاقف، ومنهاج للقراءة والاستيعاب وضرب للنقد وتقويم للآراء والمعتقدات والعادات الفاسدة فحسب؛ بل كان هناك غرض آخر أكثر أهمية عند الاتجاه المحافظ المستنير، ألا وهو إثبات أن للمفكرين المسلمين فلسفة خاصّة بهم تحمل خصائص هويتهم ونهوجهم في البحث والتأليف على نحو يختلف عن فلسفة اليونان وغيرهم من الثقافات المحاكية، ذلك على الرغم من الاعتراف بتأثرهم بتلك الفلسفات بوجه عام.

وقد ذهب "إسماعيل مظهر" و"سلامة موسى" (1887-1958م) و"محمود عزمي" (1889-1954م) و"عصام الدين حفني ناصف" (1900-1969م) و"عمر عنايت" و"حبيب إلياس" و"إبراهيم حداد" و"حسين كامل الصيرفي" (1908-1984م) وغيرهم من العلمانيين في هذه الحقبة؛ إلى الانطلاق من دعوتهم للفلسفة لنشر الفكر الأوربي وأعلام فلاسفته وأشهر اتجاهاته السياسية والأدبية والدينية، ونظرياته واكتشافاته العلمية، وذلك للتعرف على ثقافة الأغيار المتقدمين، بينما عكف "مصطفى عبدالرازق" على دراسة الأسباب التي أدت إلى عزوف الأزهرين بخاصّة والمثقفين على وجه العموم عن دراسة كتب الفلاسفة ومذاهبهم بحجة أن كتاباتهم لا تخلو من التجديف والاجتزاء والتحرر الزائد الذي لا يصلح لمجتمعنا ولا لعصرنا.

أضف إلى ذلك؛ أن معظم أحاديث المحافظين من المثقفين قد جعلت الفكر العقدي الإسلامي مقابل الفكر الفلسفي قديمه وحديثه وزعمت أن الجمع بينهم غير جائز؛ ومن ثم يمسي من العسير ربطهما بسياق واحد؛ الأمر الذي يقطع بأصالة دور الاتجاه المحافظ المستنير في إحياء الخطاب الفلسفي من جهة، وجعله دافعاً للمشروع الحضاري من جهة أخرى؛ فقام شيخنا بتوضيح أن المراد بالفلسفة التي نريد غرسها في بنية مشروعنا النهضوي ليست حكايات هوميروس وتعاليم الشُكاك وأقوال أفلاطون أو آراء هولباخ وداروين وماركس ونتشه، فكتاباتهم لا تعدو أن تكون رؤى ومعارف قابلة للنقد، ولا تعدو الرغبة في إدراج المعارف الفلسفية ضمن الدروس التعليمية لنشر المذاهب الإلحادية أو التعاليم الماجنة والتقاليد الشاذة بين الشباب؛ فالمراد الحقيقي من مطالعتها هو التعرف على نهوج الفلاسفة، وطرائقهم في بناء الأنساق، وصياغة الأدلة في التحاور، والرد على الطعون، وتقويم الأفكار بمنحى عقلي أقرب إلى المنطق البرهاني منه إلى الخطاب الإنشائي أو الاحتجاج بالنصوص والاستشهاد بأقوال الأقدمين.  كما بيّن "مصطفى عبدالرازق" أن للمسلمين فلسفة قد نبعت من القرآن وعلومه، وذلك قبل اتصال علماء المسلمين بفلسفات الأغيار وعلى رأس تلك المباحث الإسلامية الخالصة علم أصول الفقه وعلم الكلام وعلم مقارنة الأديان والتصوف السُّني وعلم التربية والأخلاق ثم اكتشافات علماء المسلمين في العلوم وإبداعاتهم في الشعر والأدب وأخيراً نظريتهم في الفلسفة الاجتماعية والسياسية. 

كما أكدَّ أن أبحاثهم الأولى قد جمعت بين النقل والعقل المحاكي لثقافة الواقع المعيش في المجتمع الإسلامي، أمّا العلوم المتأخرة فتمثل فلسفة الحضارة الإسلامية التي تأثرت وأثرت، وأخذت وأعطت، ونجحت وأخفقت شأنها شأن كل الأمم في مراحل تطورها عبر العصور. كما استفاض شيخنا "مصطفى عبدالرازق" وتلاميذه من بعده في طرح قضايا الفلسفة الإسلامية بداية من كيفية تجديد الفكر الإسلامي ومروراً بالرد على الطاعنين والمشككين في سلامة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها وقابليتها للتفاعل مع متغيرات العصر رغم ثبات جوهرها ومتانة أصلها. وأعرب عن طرافة ما انتهى إليه علماء أصول الفقه من آراء مرنة يمكن تبديلها وتعديلها وتغييرها وذلك باعتراف أصحابها، فهي لا تُعدو أن تكون اجتهادات ورؤى وتفاسير تحتكم في النهاية إلى علم علوم الفكر الإسلامي ألا وهو (علم المقاصد) الذي يرمي إلى حماية الإنسان من الأضاليل والمهالك وتوجيه إلى الأحسن والأرشد من الأعمال والأسلم والأءمن من المسالك؛ للسعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة.

وشرح كذلك أبحاث المتكلمين في التوحيد، والتأليف بين الحكمة العقلية والشريعة، والنبوة، والقدر، ورؤية الله، وخلق العالم، وأولانية علم الله، وخلود الروح، والعدل الإلهي، وإعجاز القرآن، وغير ذلك من القضايا والموضوعات المستنبطة من القرآن والحديث الشريف.

كما دعى لتطهير التصوف من البدع والخرافات وجعل منه علماً تطبيقياً لتصفية القلوب، وتهذيب الأنفس، وعشق الخير والجمال والجلال في ذكر البارئ. كما علم أن حبّ المصطفى والتغني بكماله لا يغني عن العمل بسنته وسير على ضربه في مقام الوصول والوصال والإحسان لعباد الحق المنعم الكريم والتأكيد على أن المسلم الحق هو البار، والمحسن لكل الناس، والصادق في قوله ووعده، والآمر بالمعروف، والناصح باللين، والمفطور على العفة والحياء. ونقل بذلك علم التصوف ورفع مقامه وأنقذه من طور البدع ومستنقع التواكل والشطط في التعبد ووجه محبيه إلى رحاب العمل والإحسان والهداية والإصلاح والجهاد في ميدان الدعوة.  كما كلف رحمه الله تلاميذه بجمع وتخطيط كتابات أقطاب الصوفية ودراستها على نحو يبرز غاية هذا العلم الخُلقيّة، ويكشف عن مقاصد كتاباتهم الروحية؛ ولعل تلاميذه من أمثال "محمد مصطفى حلمي" و"عبدالحليم محمود" و"توفيق الطويل" و"محمد غلاب" و"على سامي النشار" خير من أستجاب لدعوته في هذا الميدان.

أضف إلى ذلك كله؛ أهمية دراسة مباحث علماء الإسلام في شتى العلوم الطبيعية لإثبات قدر إسهامهم في تطور تلك العلوم، وذلك للبرهنة على أن العقلية العربية الإسلامية لم تكن مجرد قناة لحمل علوم اليونان وثقافات الشرق القديم ونقلها لجماعات أوربا في العصر الحديث (أي في عصر النهضة) كما ادّعى غلاة المستشرقين. ثم لفت الأنظار إلى أهمية تحليل النصوص الأدبية للوقوف على الأفكار الفلسفية الكامنة في بناءها وبنيتها، ليكشف بذلك عن قدرة العقلية العربية الإبداعية على التفلسف.

كما يعدُّ "مصطفى عبدالرازق" من أوائل المفكرين العرب الذين لفتوا الأنظار إلى أهمية دراسة فلسفة الدين ومبحثيه الدين المقارن وفلسفة اللاهوت؛ الأمر الذي مكن تلاميذه من دراسة الديانات الوضعية والثانوية بمنهج نقدي تحليلي عوضاً عن الكتابات التاريخية والسرديّة. وأخيراً أثبت أن ظاهرة تكفير الفلاسفة ترد إلى الساسة وثقافة الرأي العام، وليس إلى النصوص المقدَّسة تلك التي يمكن تأويلها لاستيعاب مختلف الآراء والاجتهادات لنقدها وتقويمها.

ولا ريب في أن آراء "مصطفى عبدالرازق" التي ذاعها تلاميذه في الرأي العام لها عظيم الأثر لاطمئنان القائمين على التعليم على سلامة موقفهم من الفلسفة ومشروعهم وتخطيطهم لإدراجها ضمن المقررات الدراسية للتعليم الثانوي. وقد تم لهم ذلك عام 1933م حيث أدرجت لأول مرة تاريخ الفلسفة النظرية في نظارة محمد حلمي عيسى (1931-1934م) للمعارف العموميّة، وذلك لطلبة القسم الأدبي، وجاء في مقدّمة الكتاب المقرّر أن الهدف من أدرجها في مقرّر السنة النهائية هو إثارة تفكير الطالب وفتح باب التفلسف أمامه، وتنمية قدراته العقلية. كما بيّن مؤلفا الكتاب (محمد على مصطفى، وأحمد عبده خير الدين) أن علة خلو مناهج التعليم الثانوي من مادة تاريخ الفلسفة ترجع إلى عدة أسباب، منها:

  * إن التعليم كان في يد نفر من رجال الدين الذين يمقتون الفلسفة، ويحرمون على الناس دراستها. في حين أن الدين الإسلامي لا يعادي الفلسفة في شيء، فقد خاطب العقل وحض على النظر في ملكوت السماوات والأرض، وتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدّس، وهو القرآن.

  * إن حجة رؤساء الدين في تحريمهم للفلسفة مبني على أسس واهية، وأن الغرض الأساسي من هذا التحريم، هو الاستئثار بحق الفهم لأنفسهم والضنّ به على كل من لم يلبس لباسهم ولم يسلك مسالكهم.

 * إن العقول كانت لم تصل إلى مستوى تشعر فيه بضرورة الفلسفة، وبأنها من وسائل الثقافة العامة، ورقي المدارك، وشحذ المذاهب، وتوسيع الأفق العقلي، وأساس النهوض والتقدم.

 * إن كلمة فلسفة من الكلمات التي أسئ استعمالها في الوقت الحاضر، فكانت تجري على ألسنة الناس العوام بمعنى الخيال ومرادفة للأوهام والثرثرة. وأنها ليست في متناول عقول العامة، وأن مباحثها نظرية لا تصل بصاحبها إلى غاية معينة، وأن مسائلها منقطعة الصلة بالحياة؛ لذلك كله سعينا إلى توضيح حقيقة الفلسفة، وإزالة الأوهام التي علقت بأذهان العامة عنها، وجعلها الطاقة الفاعلة للنهضة العلمية المرجوة. وقد واكب هذا الحدث ظهور الطبعة الأولى لترجمة دائرة المعارف الإسلامية عن الفرنسية مع تعقيبات نقدية لأكابر المفكرين العرب تدعيماً للمشروع الفلسفي وأهميته بالنسبة للفرد والمجتمع، وجاء في مقدِّمتها ما يلي: (ليست فائدة ترجمة هذه الدائرة مقصورة على الناحية الثقافية وحدها، ولكنها مفيدة في بعث الحضارة الإسلامية، ومفيدة في تكوين الرأي العام الإسلامي، وتدعيم تقاليده، والكشف عن مثله العليا، وذلك لأن مهمّة دائرة المعارف - فيما نعتقد - أكبر من مهمة الجامعة في تكوين الرأي العام، لمّا فيها من الشمول مع العمق، والتحقيق مع الترتيب؛ على سهولة في الأسلوب واللغة لا تجعلها وقفاً على الخواص وأشياء الخواص.

والمسلمون يشعرون هذه الأيام بحاجتهم إلى هذا التوحيد في الثقافة؛ فأنت تسمع عن الوحدة العربية، وعن الجامعة الإسلامية، وعن المجامع اللغوية العربية، وعن المؤتمرات الإسلامية، وكلها ترمي إلى توحيد الثقافة في العالم الإسلامي -العربي إذا شئت- كما ترمي إلى تغذية اللغة العربية التي هي أكبر الوسائل وأخطرها في توحيد الجماعة الإسلامية، فإذا قمنا بترجمة هذه الدائرة؛ فلأننا نريد المساهمة في هذه النهضة ونرغب رغبة صادقة في العمل على تحقيق أغراضها، ولسنا نشك في أن دائرة المعارف الإسلامية هذه، ستكون من أقوى الدعائم التي سوف يعتمد عليها في كتابة دائرة المعارف العربية الكبرى التي يتحرّق الناطقون بالضاد شوقاً إلى ظهورها). وذلك في 20 يوليه 1933م.

كما شرع مجمع اللغة العربية في تخصيص أحد لجانه للفلسفة ومصطلحاتها. ويتضح من هذا الإفصاح وعي وقصدية هذا الاتجاه الذي كان يخطط بعقلانية وخبرة لذلك المشروع الفلسفي الحضاري الذي نحن بصدده، كما يبرهن تصريح المترجمين على إيمانهم بأن الفلسفة هي الآلية الأقدر على دفع المجتمع قُدماً إلى طريق الاستنارة والتقدّم، الأمر الذي يتناقض مع حال الفلسفة في ضوء الخطابات المعاصرة.

 (وللحديث بقيّة)

 

بقلم : عصمت نصّار

 

مجدي ابراهيمعلى مستوى العمل والسلوك، ليس مطلوباً في الدين أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول. إنمّا الذي يكون مطلوباً في الدين هو صلاح الظاهر يأتي من صلاح الباطن. ومن هذا المطلوب تحقيقاً بشعبة الأخلاق - كما سبقت الإشارة إليه - يكون الرّبَّانيون والشهداء والصالحون، وفي ظلال الأخلاق الحميدة يكون الأئمة والهداة والمرشدون سائرون على مشكاة الهدْي النبوي، مقتبسون منها قبسات من نور تنير لهم معالم الطريق.

وفي ظل الأخلاق الحميدة تطهر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق والجبن والكذب والخيانة والغش وما إلى ذلك من الأخلاق السيئة التي كثيراً ما أفسدت على الناس حياتهم وتوارت في ظلمتها القائمة وسائل الخير والصلاح. إنّ صلاح الباطن أساس لكل صلاح ظاهري، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركز وكان أثراً للإصلاح الباطني. هنالك يكون العمل القلبي أدعى الدواعي إلى التطبيق على ضوئه. ولن تقوم للأخلاق قائمة وهى بمعزل عن العمل القلبي؛ لأن سلطان القلب هو الرادع لكل رزيلة. ولن تستقيم تربية الخلق الكريم لإنسان وفق منهج القرآن ما لم يكن في عزيمة القلب وازع وسلطان، وليس للقلب الذي به مرض أن يمضي نافعاً في الطريق.

ولا يقام للباطن مطلقاً صلاح بغير الأخلاق الفاضلة؛ فإنّ الظاهر لا يستقيم مع عوج الباطن وانحرافه عن القصد المطلوب. وما من قصد أسمى ولا أعلى ولا أوفر عناية من شرعة القرآن. ولا شك أن في حرص القرآن على استقامة الضمائر وسلامة البواطن دلالة تؤكد غرس القيم كما تؤكد فضيلة العمل على نهج القرآن، وعلى شرعة القرآن.

ــ وإنك لعلى خلق عظيم:

حقيقةً؛ ليس من مثل أعلى للتطبيق الفعلي لمكارم الأخلاق أصدق ولا أمثل ممّا تمثل في شخصه عليه السلام، فهو قدوة المقتدين بفعله وقوله وتقريره وجماع شمائله على التحقيق، فقد كان خُلقه القرآن، وقد وصفه الحق في موضع المدح والثناء والدفاع عنه بقوله تعالى :"وإنّك لعَلَى خُلُقٍ عَظِيم"(القلم : آية 4).

كان اسم "الأمين" يمثل التكافؤ الخُلقي في شخصه صلوات الله وسلامه عليه أصدق تمثيل. فلم تكن صفة أرجح في ميزان العدالة على صفة فيه، وهو الذي بلغ تمام الصفات الفُضلى جميعاً فأتمّها واستوفاها على الكمال الذي لا مزيد عليه؛ فشجاعته كحكمته، وحكمته كعدالته، وعدالته كرباطة جأشه، ورباطة جأشه كقوته في الحق، وقوته في الحق كعطفه، وعطفه كسماحته، وسماحته كصدقه، وهكذا لا تجد صفة فيه ناقصة عن أخرى، ولا صفة عالية عن الأخرى، ولا صفة فيه أقلّ من الأخرى؛ بل تتكافأ جميع الصفات في شخصه الشريف تكافؤ العدالة لكأنما توزن بميزان مُحرّر دقيق بغير زيادة ولا نقصان.

ولم يكن وصف القرآن له "وإنّك لعلى خُلق عظيم" ببعيدٍ عن هذا التكافؤ الخُلقي؛ فالخلق العظيم يسمو فيه فيُظهر التكافؤ ويبطل ما عاداه من اقتصار صفة دون صفة أو خُلق دون خلق. قد تكون في الشخص العظيم فضيلة بارزة كفضيلة الكرم أو فضيلة الشجاعة أو فضيلة الصبر والاحتمال، فيكون مشتهراً بين الناس بواحدة منها، ضعيف العمل بغيرها، أو يكون جسوراً مقداماً غير أنه شحيح في مواضع الإقدام، لا يستوفيها من جميع أطرافها، فتظل الصفة ناقصة غير كاملة رغم اشتهاره بين الناس بها واعترافهم بفضله فيها، ناهيك عن اتصافه بتلك الصفة نفسها دون سواها من فضائل الصفات؛ فيظل العظيم عظيماً متى استوفى صفة واحدة دون غيرها واقتصر عليها، لكنه مع ذلك لا يبلغ الكمال في العظمة، ولا يُقال في حقه إنه على خُلق عظيم. أمّا أن تكون كل الفضائل الخُلقيّة مجتمعة فيه، بنسبٍ متكافئة، لا تندّ فضيلة فيه عن فضيلة؛ فهذه عناية الله، وعدالة الله، ورعاية الله، واختصاص الله، وقد أدّبه ربه ـ كما قال عليه السلام ـ فأحسن تأديبه.

إنّما الخلق العظيم له من كل صفة فاضلة ميزانٌ ومقياس. فلا يقالُ لمن يتحصّل على فضيلة الشجاعة وكفى ذا خلق عظيم؛ لأنه قد يكون شجاعاً ولا يكون سمحاً وقد يكون سمحاً ولا يكون كريماً، وقد يكون كريماً ولا يكون صادقاً. وإنما صاحب الخُلق العظيم هو من توافرت ـ على العدالة ـ جميع الفضائل فيه؛ فكان كريماً وشجاعاً وصادقاً ووفيّاً ورؤوفاً وعطوفاً ومُخلصاً وأميناً بنسب متكافئة لا تنبو فيه صفة عن صفة، ولا فضيلة عن فضيلة؛ فجميع فضائله مجبولة على الكمال. وهكذا كان، صلوات الله وسلامه عليه، على خُلق عظيم .

كانت أخلاقه تنبع كلها من فطرته بنسب متفقة متساوية؛ فصبره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه، وحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مرؤته، وهكذا لا تجد له خُلقاً في موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خُلق آخر في موضعه منها؛ بل تساوت لديه حظوظ الملكات الباطنة وتوافقت جميعها بأنصبة عادلة على الفطرة النقية الصافية، لا يزيد فيها خُلق على خلق، ولا ينقص منها خُلق عن خلق؛ ومن هنا كان جماع أمره عن قومه "الأمين".

وإذا كان اسم "الأمين" ـ كما تقدّم ـ يمثل التكافؤ الخلقي أصدق تمثيل؛ فهذا التكافؤ الخلقي أيضاً في وجوده الواقعي في شخصية محمد عليه السلام إنما هو بالتحقيق معجزة الحياة في الإنسان؛ لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشرية من كان هذا التكافؤ الخُلقي خليقته العامة سوى محمد؛ وإذا ذكر التاريخ غيره من النماذج العليا ذكره عنواناً لتبريز جزئي في بعض الأخلاق والفضائل؛ فهذا مثل مضروب في الصبر، وذاك مثل في الحلم، وثالث مثل في الكرم، ورابع مثل في الشجاعة ... وهكذا تتفرّق النهايات في الأخلاق والفضائل في نماذج متعددة، ولكنها تجتمع متكافئة في شخصه الشريف صلوات الله عليه فيما أشار إلى ذلك الفاضل الأستاذ الدكتور محمد الصادق عرجون في كتابه "محمد من نبعته إلى بعثته"؛ وباجتماع الفضائل والأخلاق متساوية متكافئة في شخصه عليه السلام يظهر الإعجاز الإنساني في حياته، وهو القائل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ : "أدبني ربي فأحسن تأديبي".

ولعَلّ هذا الأدب الرباني هو مصدر الإعجاز في حياته عليه السلام من حيث كان ضابطاً نفسياً يفوق صنع الإنسان بمقدار ما يفوق طاقته على الحسم والعزم؛ فمثل هذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شرخ شبابه مع ملازمة الظاهرة الاجتماعية الأولى لحياته إنما هو ضربٌ آخر من الإعجاز الإنساني في الحياة؛ لأن تلك الظاهرة الاجتماعية كانت قمينة أن تدفع الشباب إلى طيش الغرائز؛ فتنقلب به الفضائل إلى رذائل جامحة؛ فوجود ضابط نفسي يعصم الإنسان من الانزلاق وراء تيارات الغرائز في إبان قوتها العارمة هو الآية الكبرى على أن التكافؤ الخلقي الذي ينبع منه ذلك الضابط النفسي، ليس من صنع الإنسان، ولا في طاقته، وإنما هو من صنع التأديب الرّباني والعناية الإلهية كما قال عليه السلام.

لا شك كانت هذه الأريحية الخُلقية الفياضة هى الحلية الباطنة التي تمت بها حلية محمد عليه السلام في عيون الناس، وهى جواب محمد عليه السلام لما كان في قلوبهم من حب وإعظام، أو هى الآصرة التي تجمع بين قلبه وتلك القلوب في نطاق الأسرة الإنسانية؛ يحبونه ويحبهم، ويشعرون به ويشعر بهم، وكان نعم المسمى بالمختار؛ فقد أجمعت روايات التاريخ على أن النبي عليه السلام كان مثالاً نادراً للرجولة العربية؛ كان كشأنه في جميع شمائله مستوفياً لكمال الصفة من جميع نواحيها كما يقول الأستاذ العقاد في عبقرية مجمد.

فليس من مستغرب أن يكون جماع شمائله الشريفة هو التكافؤ الخلقي بهذا المقياس، وهو الذي لم تعرفه الحياة الواقعية لإنسان غير محمد، وهو في شبابه عليه السلام مفطور مجبول، لم يصنعه علم ولا تثقيف؛ لأن بيئة محمد عليه السلام في شبابه لم تكن بيئة علم وثقافة، ومن الطبيعي أن تكون ثمرات هذا التكافؤ الخُلقي محدودة بحدود البيئة التي عاش فيها، حتى إذا أتيح له أن يمتد ويتسع مع الرسالة العامة الخالدة أمتد وأتسع، فكان هو العنوان الذي رسم به القرآن الكريم الفضيلة العليا في حياته، فوصفه مادحاً :"وإنِّك لعَلَى خُلِقٍ عَظيم".

وخلاصة سمته وآدابه صلوات الله عليه أنها سماحة في الأنظار وسماحة في القلوب؛ فالسماحة هى الكلمة الواحدة التي تجمع خصاله الشريفة من أطرافها، والسماحة هى الصفة التي ترقت بمحمد إلى ذروة الكمال. ومَنْ يكون الرسول إنْ كان ولابدّ من تعريف وجيز لعلامات الرسالة؟ الرسول هو الذي له وازع من نفسه في الكبير والصغير مما يتعاطاه من معاملات الناس؛ لأن عمل الرسول الأول أن يقيم للناس وازعاً يأمرهم بالحسن وينهاهم عن القبيح ويقرر لهم حدودهم التي لا يتخطونها فيما بينهم، ومن كان هذا عمله الأول فينبغي أن تكون صفته الأولى بل صفته الكبرى أن يستغني عن الوازع وأن يغني الناس عن محاسبته وطلب الحق منه. وهذه هى السليقة السابقة الشاملة التي سرت في خلائق محمد صلوات الله وسلامه عليهK وامتزجت بجميع أعماله وأقواله، فلم يحاسبه أحد قط كما حاسب نفسه في رعاية حق الصغير والكبير وصيانة الحرمات للعاجز والقدير.

هذه علامة "رسالة" لا علامة أصدق منها، ولا أجدى منها بالقبول؛ لأنها علامة من داخل السريرة، وليست علامة من خارجها، قد تلازم أو تفارق من تعروه. وليس للنوع البشري مقياس صحيح يقاس به محمد عليه السلام؛ فيعطيه مرتبة دون مرتبة الحب والتبجيل؛ يعطيه هذه المرتبة من يدين بالإسلام ومن يدين بغير الإسلام ومن ليس له دين من أديان التنزيل.

فليس للنوع البشري أصلٌ من أصول الفضائل يرمي إلى مقصد أسمى وأنبل من تقديس تلك المناقب الشريفة التي كان محمد صلوات الله عليه قدوة فيها للمقتدين؛ فلا أقلّ من أن يكون؛ وسمته وسماحته على هذا النحو، قدوة منيرة لكل ذي خلق كريم.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

منى زيتونجمعت في هذا المقال أشتات متفرقات من آرائي وخبراتي في ميادين العلوم الاجتماعية:

علاقة التمييز بالذكاء

في مقالات سابقة تحدثت عن التعميم والتمييز، وذكرت أن التمييز على عكس التعميم، هو القدرة على التفريق بين المثيرات المختلفة في البيئة، ومن ثم إصدار الاستجابة لمثير دون آخر.‏

وإن دققنا لاكتشفنا أن التعلم في حقيقته قائم على عمليات تمييز متتالية، وأن هذا ينطبق على عمليات وأشكال التعلم كافة، بدءًا من تعلم الأطفال حروف الهجاء والأرقام، فيميز الطفل أشكال كل حرف عن الآخر، ويميز نطقه، ويميز إن كان الحرف يوصل بما قبله أو بما بعده عند الكتابة. والعامل في المصنع يتعلم كيف يصدر استجابات مختلفة مميزة لكل خطوة من خطوات التصنيع، ولكل صوت يصدر عن الماكينة، وطبيب القلب يستمع إلى دقات قلب المريض، ويميز بين تلك الأصوات، ويعطي تشخيصه الأولي للحالة وفقًا لما سمع. فكل ما نتعلمه هو نتاج لتمييزنا بين المثيرات واستجاباتنا المختلفة تجاهها.

وهذا لا يلغي أهمية التعميم؛ فالتعميم هو أساس تكون المفاهيم، لأن كل مفهوم في حد ذاته هو تعميم لجنس دون تمييز بين أفراده، فالكتاب (أ) والكتاب (ب) والكتاب (ج) كلها تندرج تحت تعميم لمفهوم كتاب، والشجرة (أ) والشجرة (ب) والشجرة (ج) كلها تدخل تحت مفهوم شجرة، ولكن التعلم الحقيقي يتعدى مرحلة تعميمية تكوين المفاهيم، ويقتضي التمييز بين المفاهيم ومعرفة أوجه ‏الشبه والاختلاف بينها، كما يقتضي التمييز بين نوع ونوع آخر يندرج تحت المفهوم ذاته؛ ومن ثم فالتمييز هو الذي سيجعلك تدرك الفرق بين شجرة التفاح وشجرة الموز وشجرة الزيتون.

وقلنا إن تعلم التعميم يسبق تعلم التمييز، فالإنسان لا يميز بدقة بين المثيرات إلا في مرحلة متقدمة من نموه ‏العقلي، وعليه فإنني أرى أن القدرة العقلية العامة المرتفعة للإنسان هي التي تمكنه من التمييز بتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين موقفين قد يراهما من هم أقل ذكاءً وأقل قدرة على التمييز متشابهين ولا فارق بينهما، فيميلون ‏إلى إطلاق استجابة متشابهة لموقفين مختلفين! وتقول العامة عندنا في مصر عن الغبي إنه ‏لا يميز!‏

وكانت من ألعابنا ونحن صغار أن نتدرب على اكتشاف الاختلافات بين صورتين تبدوان متطابقتين، أو المقارنة بين كذا وكذا من كل الأوجه الممكنة، أو ذكر الفرق بين كذا وكذا في أحد الوجوه تحديدًا، وغيرها من ألعاب التمييز التي تنمي الذكاء وتساعد الإنسان على رؤية المواقف بصورة أكثر دقة، وليتنا نكثر منها مع الجيل الجديد.

هل يكذب الأطفال؟

يُقال إن للكذب ركنان رئيسيان وهما أن تقول ما يخالف الحقيقة، وأن تعلم أن هذا القول مخالف للحقيقة بالفعل ومع ذلك فأنت تدّعيه، فإن فُقد الركن الثاني لم يُعد ما قيل كذبًا.

وللتوضيح فإن أحدًا يمكن أن يسألني عن فلانة، وأنا أحسب إنها في مصر، ولكني أخبره عامدة إنها مسافرة خارج البلاد، فهذا القول يعد كذبًا مني على السائل، حتى وإن اتضح لي بعد ذلك إنها بالفعل مسافرة، لأن اعتقادي في عدم صحة ما أخبرت به أهم من كون القول يوافق الحقيقة ولا يخالفها.

ولأن النية كثيرًا ما تنبني على الوعي والإدراك، والطفل ليس واعيًا ومدركًا لما حوله درجة وعي وإدراك البالغين فإن كثيرًا من السلوكيات السيئة التي يأتيها الأطفال من الصحيح أن نصفها بأنها سلوك يشبه سلوك كذا عند الكبار؛ فإن أخذ الطفل شيئًا ليس له فهذا سلوك يشبه سلوك السرقة عند الكبار، ولكنه ليس سرقة ولا يؤاخذ عليها، وكذلك فإن إخبار الطفل بشيء يخالف الحقيقة لا يعد في أحايين كثيرة كذبًا لأن الطفل –خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة- لا يميز بين الواقع والخيال، وتمييزه ضعيف بين المثيرات البيئية، وعليه فلا تُعتبر شهادتهم ذات قيمة أمام القضاء.

وبالرغم من ذلك فالأطفال أحيانًا ما يكونون واعين بأنهم يكذبون، وأكاذيب الأطفال تتنوع بتنوع الدوافع التي دعتهم إليها، فأحيانًا يكذبون تهربًا من العقاب، وكثيرًا ما يكذبون رغبة في الحصول على إثابة لا يستحقونها.

كم افتقدنا ثقافة الأتراك

لكل شيء يختص بالإنسان محاسن مهما كثرت وتعددت مساوئه، والحكم العثماني بقدر ما أضر بالبلاد والشعوب العربية اقتصاديًا وتعليميًا، وأدى لتخلفها حضاريًا، فقد أكسب شعوبنا عادات اجتماعية رائعة لا زال من يتمسك بها –وأغلبهم في الريف- يشعرون أنهم يمسكون بالذهب.

ولا بد من الإقرار أنه لا يوجد مجتمع ملائكي، وجميع المجتمعات الإنسانية لها وعليها؛ وفي كل مجتمع هناك مهذبون كما أن كل مجتمع به سفلة، ولكننا عندما نتحدث عن ثقافة مجتمع فنحن نعني الطريقة التي يُربى بها المحترمون من أبنائه وليس الرعاع.

وثقافة الأتراك الاجتماعية ولا شك تحمل الكثير من الإيجابيات التي كنا قد أخذناها عنهم فترة تأثرنا الثقافي بهم، وأبرزها احترام المرأة واحترام الكبير؛ كما أن عادات دخول المنازل سواء لأهلها أو زوارها وعادات الضيافة قد ارتبطت بالثقافة التركية، فكانت الأحذية تُخلع على باب المنزل، وهناك حجرة مخصصة للضيوف في المنزل، وغيرها.

ولعل احترام المرأة الزوجة من أهم ما يميز ثقافة الأتراك؛ فالرجل التركي يُربى على أن الله قد خلقه لحماية زوجته، ولا معنى لرجولته إن أُهينت. هم يفهمون معنى القوامة الحقيقية على المرأة وليس قوامة الغطرسة المعروفة عند العرب، وعندما كانت الثقافة التركية سائدة لدينا إبان الحكم العثماني تنبه المصريون إلى هذا المعنى، وإلى أثر الرجل في تقرير احترام زوجته في المجتمع، فشاع بينهم القول: "اللي زوجها يقول لها يا هانم يتلقوها الناس من على السلالم".

أما عن احترام الكبير، فقد يقول قائل إن احترام الكبير ثقافة شرقية، ولا تجوز نسبتها إلى الأتراك تحديدًا، وليس منا من لم يوقر كبيرنا، وهذا صحيح إجمالًا، ولكن هناك عادات لا زلنا نجدها في الريف المصري ترتبط بالثقافة التركية تحديدًا، مثل تقبيل يد الأب والأم والجد والجدة، ومناداة الأخت الكبرى بـ "أبلة فلانة"، ومناداة الأخ الكبير بـ "أخي فلان"، وغيرها من العادات التي يعتبر من لا يسلك وفقًا لها مفتقدًا للأدب.

وحتى قريب كان ينتشر في المجتمع احترام الآباء والأمهات والجدود والجدات والأعمام والعمات، وأخذ مشورتهم في كل أمر، وهذا على عكس ما آل الحال إليه الآن في كثير من العائلات بعد أن أصبحنا متأثرين بالثقافة الغربية التي تزيد من شعور الفرد بذاتيته وتقلل انتمائه للأسرة.

بل كان لكل عائلة كبيرة لدينا مجلس كبراء، والعائلات التي تفتقده لا تعد من العائلات ذات الوزن في المجتمع، وكانت الثقافة السائدة في مصر إن "اللي مالوش كبير يشتري له كبير"، وهو قول يذكرنا بالموالاة والإجارة عبر التاريخ للغرباء والضعفاء، عندما كان الرجل العربي يقدم إلى أرض غريبة فيوالي بعض أكابر القوم منهم ليجد حماية.

ولا شك أن في وجود كبير يأتمر الناس بأمره ويستمعون لكلمته صلاح حال لهم، ولو راجعنا وجهة النظر الشرعية في المسألة، فسنجد تأكيدًا على ضرورة أن يكون أمير لكل جماعة، ولو كنتم ثلاثة فائتمروا، وقد حفظ المؤرخون لسيدنا علي قوله ردًا على الخوارج: "قالوا لا إمام ولا بد للناس من إمام بر أو فاجر". ومع ذلك فقد اختلف المسلمون سُنة وشيعة حول شروط الإمام وطريقة اختياره، ما بين شورى وتوصية ووراثة، وبعض المعتزلة كأبي بكر الأصم كان له رأي عجيب بعدم ضرورة الإمامة!

والكبير مكانة، ومن يوضع فيها يحسن سلوكه ولو خوفًا من السيرة السيئة، والتاريخ يحكي عن أبي سفيان عندما سأله قيصر الروم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف خاف أن يكذب عليه فتنزل قيمته بين القوم، فاضطر أن يصدقه.

وأن تكون كبيرًا تعني أن تكون مسئولًا؛ أي أن تتحمل المسئولية عن أولئك الذين أنت كبيرهم. ويذكر لنا التاريخ موقف السيدة صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول يوم غزوة الخندق، عندما شعرت باليهودي يحوم حول الحصن وليس فيه رجال، واضطرت لتحمل المسئولية بأن قتلته كي لا يعود إلى قومه ويخبرهم أن الحصن ليس به سوى النساء والأطفال، وربما أغاروا عليه.

وعلى المستوى النفسي، بإمكاننا القول إن الطفل لا يشعر بالأمان إلا في وجود من هو أكبر منه. نكبر في العمر ومع ذلك نبقى نشعر بالأمان في وجود هؤلاء الذين طالما أشعرونا به، وحتى بعد أن يكبروا هم وينعكس الحال ليحتاجوا إلينا، نشعر باليتم والضياع عندما نفقد أحدهم.

لكن ما زاد عن حده ينقلب إلى ضده، ويتعدى إلى نقيضه، ففي بعض الأسر الكبيرة التي لا زالت تتمسك بالعادات والتقاليد القديمة كثيرًا ما يصير الائتمار بأمر الكبير وأخذ مشورته في الأمور الخاصة تعديًا على حرية الفرد في تقرير أمور لا ينبغي لأحد التدخل فيها ويجب أن يقررها بنفسه. وهنا يجب التنبيه على أن الانتماء للجماعة لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق وخصوصية الفرد.

معنى أن تكوني هانم

ينتشر في الثقافة العربية لقب هانم أو خانوم أو خاتون بمعنى سيدة، ويُطلق دومًا معقبًا على أسماء النساء من علية القوم.

وأثناء سنوات دراستي الجامعية قرأت لأول مرة "حمار الحكيم"؛ وهي ليست رواية بالمعنى التقليدي؛ وإنما واحدًا من كتب توفيق الحكيم الذي يعد ضربًا لطيفًا غريبًا من السيرة الذاتية لا يوجد عند أحد سواه من الكتاب في الشرق أو الغرب، والذي يحكي لنا فيه بعضًا من حوادث حياته مختلطة بأفكاره -عن نفسه وعن المجتمع- التي تتداعى مع تلك الحوادث، والتي فيها -على بساطتها- من صنوف الحكمة والفلسفة ما فيها.

في هذه الرواية يحكي الحكيم –من بين ما يحكي- عن امرأة أجنبية كانت زوجة المصور الأجنبي الذي جاء إلى مصر ضمن فريق لأجل تنفيذ مشروع فيلم عن الريف المصري، كان يتم الإعداد له قبل قيام الحرب العالمية الثانية، وكان المفترض أن يقوم توفيق الحكيم بكتابة السيناريو الخاص به.

ويروي الحكيم عن تلك المرأة كيف اهتمت بتعليم الفلاحين أسس النظافة الشخصية وكانت تداوي المرضى وتواسي الفقراء، وتعمر البيئة التي وجدت فيها؛ فكانت في نظره "سيدة" بالمعنى المستحق للكلمة، ولم تكن كمثيلاتها من الهوانم الشرقيات الأشبه حالًا بالجواري البيض المتخذات للمتعة، واللاتي لا عائد على المجتمع من وجودهن فيه، فوجودهن مثل عدمهن، واللاتي لا زلن الفئة الأكثر انتشارًا من النساء في الطبقة المخملية في مجتمعاتنا الشرقية.

فكان الحكيم يرى أن الهانم أو السيدة هي وظيفة تقوم بها المرأة في المجتمع، وليست لقبًا تتلقب به من لا تعرفن هذا النوع من المسئوليات التي يلزم للسيدة أن تؤديها في مجتمعها، والخلاصة إن قيمتك تتحدد بدرجة تأثيرك في الآخرين؛ فبقدر تأثيرك تكون قيمتك.

حضارتنا المادية وتدمير الفطرة

الإنسان مفطور على معرفة الأخلاق وتحديد الخير من الشر، وحتى قريب كان أكثر الناس فسقًا يتخفى عند فعله الشر عن أعين الناس ولا يعترف بارتكابه إلا مرغمًا.

ولعل من أكبر مشكلات العصر الحديث أن هناك من يريدون أن يغيروا القوانين الأخلاقية بداخلنا بحيث تنقلب بعض الأفعال المشينة لتصير أفعالًا عادية لا يأنفها الناس ويتعاملون معها على أنها استجابة لطبيعتهم البشرية، وكما لو كان هذا جزءًا من تطور وترقي البشر؛ فالإنسان البدائي وفقًا لهؤلاء هو من كان يأنف هذه الأشياء الطبيعية بزعمهم ولا يتقبل الاختلاف!

ومن السلوكيات التي يريدون تغيير نظرة الناس إليها الزنا والشذوذ الجنسي، بدعوى أنها سلوكيات توجد حولنا في الطبيعة، وتُعرف في أنواع حية أخرى!

ولو كانت الأمور تُقاس على هذا النحو فإن ذكر حصان البحر هو من يحتضن البيض بعد أن تضعه الإناث، وهذا سلوك طبيعي بالنسبة لهذا النوع، ولكنه ليس طبيعيًا في العموم بالنسبة للأنواع الحية، فهل يُعقل أن يحمل رجل أطفاله بدلًا من زوجته ويدعي أحد أن هذا طبيعي لأنه سلوك يوجد في الطبيعة؟!

إن سلوك أي نوع حي يكون طبيعيًا بالنسبة لنوعه، وليس لأنه موجود في الطبيعة، فالمغالطة إنهم يقيسون سلوكيات نوع حي على نوع آخر، فيحاولون إيهامك أن الشذوذ الجنسي بين البشر شيء عادي وعليك تقبله لأن هناك حيوانات تأتيه!

إن تاريخ الشذوذ البشري بدأ مع قرية سدوم وعمورة قوم لوط، ولم يُعرف قبلهم. والشذوذ في الحيوانات معروف أيضًا من قديم، ولعل أقدم ما حُكي عنه كان في ذلك الفصل الذي كتبه الجاحظ في كتابه "الحيوان" بعنوان "ما شابه الحمام فيه الناس" حيث ذكر فيه –ضمن ما ذكر- أن أفراد نوع طائر الحمام معروف بينهم سلوك الشذوذ الجنسي؛ وقصد أن هذا السلوك المشين يوجد بين الحمام كما يوجد بين البشر، ولم يتخذ هذه المشابهة لتبرير الشذوذ لدى بعض البشر.

النمط الاستهلاكي المتزايد

من ينتمي إلى جماعة ينقاد لها كما ينقاد الخروف في القطيع؛ لذا لا يمكن تفسير تصرفاته بدقة في ضوء ‏مبادئ علم النفس الفردي.‏ وللحق فإن مادية البشر في عصرنا وصلت إلى حد مضجر، بسبب شيوع الفساد والنهم وثقافة الاستهلاك البلهاء التي يقيس بها كثير من البشر -خاصة النساء- قدر رفاهيتهم، ومن ثم سعادتهم!

ولا ينكر عاقل إننا كبشر بحاجة للمال لنتقي شظف العيش ونتجنب مرارة الاحتياج، وليس لأن نغرف من المال كما لو كان بحرًا، ناسين أو متناسين أن ماء البحر لا يروي عطشًا!

ومن أسوأ ما انتشرت من ظواهر في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة ظاهرة الغارمات اللاتي يُسجن لعدم قدرتهن على أداء الأموال المستحقة عليهن نظير شراء مستلزمات زواج بناتهن، وهي الظاهرة المرتبطة بالنمط الشرائي المتزايد للشعب المصري، والنهم إلى تجريب كل شيء والاستحواذ على كل شيء ولو كان لا يلزم ولا فائدة منه.

إحدى السيدات اللاتي تتولين تجهيز البنات الفقيرات للزواج كتبت ذات مرة على صفحتها على الفيسبوك إنها أثناء مراجعتها لفواتير مشتريات بعض البنات تجد أنواعًا عجيبة من المشتريات وبأسعار أعجب، وآخر فواتير راجعتها كان من بينها فاتورة شراء ورد صناعي بقيمة ثلاثة آلاف جنيه مصري! فهل يُعقل أن تُسجن أم لأن ابنتها ناقصة الأدب والتربية قد اشترت أمثال هذه التوافه ولم يهمها ما يمكن أن يحدث لأمها من عاقبة شراهتها الشرائية؟ وهل لو كانت هي من ستوقع على فاتورة الشراء ووصل الأمانة المرفق بها كانت ستشتري هذا الورد؟!

ويترافق مع هذا السفه من جانب الفتيات الفقيرات وأمهاتهن سفهًا موازيًا من حمواتهن المستقبليات، فأغلب الفتيات تعللن نهمن الشرائي للوازم الجهاز بما يفوق مستوياتهن المعيشية ويشكل ضغطًا على أسرهن بأنهن لو لم يفعلن فإن حمواتهن ستَعِبن عليهن وتنتقصن منهن! لأن هناك مستوى معين من التجهيزات للزواج تقوم الفتيات من الأسر المقتدرة ماديًا بشرائها، وكل أم ترغب أن يتم تجهيز بيت ابنها بالمستوى ذاته!

ومن مظاهر النهم المتزايد في مجتمعنا ما نلاحظه عندما نفحص الصور التي تعرضها بعض الصفحات الالكترونية المختصة باسترجاع الواقع المصري منذ ‏أواخر القرن التاسع عشر فنجد أن أغلب النساء في الريف والحضر نحيفات -رغم وجود تقبل للامتلاء وعدم النفور من المرأة ‏الممتلئة- ولا حديث عن النحافة والتنحيف بالرغم من ذلك؛ بمعنى أنهن وصلن لهذه الأوزان بشكل طبيعي، بينما الفتيات في عصرنا منهن من نراها فنظنها خارجة من مجاعة بينما هي لا تتوقف عن الأكل بشراهة، ولكنها تحافظ على وزنها بالرياضة وشرب المشروبات التي ترفع معدل الحرق في الجسم! والخلاصة أنه من الواضح أن استهلاك الفرد للطعام في مصر قد تزايد، والإحصاءات تؤكد صحة ذلك.

ووصل تزايد الاستهلاك في عصرنا إلى الملابس؛ فحتى عقود كانت الناس تحرص على شراء أقمشة جيدة لتُفصل منها ملابس قيّمة تعيش طويلًا، حتى أن بعضها كان يتوارث، خاصة فساتين الزفاف، وكان هذا ينطبق على جميع طبقات المجتمع مع الفوارق بين كل طبقة اجتماعية وأخرى، ولكن كان الكيف عمومًا أهم من الكم، وسبق أن كتبت مقالًا عن "أميرات الدولار" وهو مصطلح ظهر في القرن التاسع عشر، يشير إلى الفتيات صاحبات الثروة وضيعات الأصل، واللاتي كن يبالغن في أعداد ‏الأزياء الجديدة اللاتي كن يعددنها في كل موسم، مقارنة بما تعارف عليه الحال بين الأميرات الحقيقيات.

ووصل الحال بنا في العصر الحديث إلى أن صارت أميرات الدولار هن الأغلبية في مجتمعاتنا إلى درجة أن الملابس لم تعد وسيلة للتفريق بين المستويات الاجتماعية، وقد قرأت منشورًا على موقع الفيسبوك عن نادي الجزيرة الأرستقراطي في القاهرة ورد فيه أن موظفي الأمن لم يعودوا يميزون بين عضوات النادي وبين مربيات الأطفال المصاحبات لهم وكثيرًا ما يخطؤون بين الفريقين! ورغم أن المنشور عنصري ومشين لكنه يظهر إلى أي حد بلغ إنفاق بعض من تنتمين إلى الطبقة المتوسطة في المجتمع على مظهرهن!

متناقضات

طوال عملي في ميدان التعليم والتربية لم يصدف أن وجدت ذكيًا خبيثًا، فكل ذكي طيب، بل وقد يكون ساذجًا، بينما يكون الخبثاء على الدوام متخلفين دراسيًا حتى لو ذاكروا واجتهدوا، وكأنما قد أُوصد باب العلم أمامهم، وإن نجحوا ووصلوا لمراتب يكون ذلك بأيدي خفية تدعمهم لا عن أحقية وجدارة.

وطوال حياتي كلها وجدت اقترانًا بين التنطع في عدم إتيان المباحات، بتحريمها أو التورع عنها للشك فيها!! وبين إتيان الرُخص التي خصّ الله بها الضعفاء ولا تخصهم، ولا أعني رخصًا مثل قصر الصلاة في السفر، بل ما رأيته بأم رأسي مما يفعله بعضهم في الحج الذي يقضونه استجمامًا في الخيام ويتركون مناسكه وهم أقوياء على أدائها، في حين يحرمون كل طيب تنطعًا دون دليل، ولعلها سمة من سمات خوارج العصر!

 

د. منى زيتون

 

 

ادم عربيبما ان  الواقع المادي هو من يحدد مستويات وعي الانسان في كل مراحل حياته، لذلك تناول الموضوع من هذا الجانب كجزء من تغيير الانتاج الفكري لمجتمعاتنا عبر تغيير الواقع المادي والاقتصادي لتلك المجتمعات، ولا اقحم السياسه هنا والقضايا الاقتصاديه في بلادنا، بل اعطي الموضوع طابع نظري، بعيدا عن طروحات المثقفين التى لا تتجاوز طروحات العصور الوسطى، حيث ينهمك كثيرون في مناقشة جذر الاصولية الدينية الاسلامية بمعزل عن شؤون وقضايا الواقع وتناقضاته

ورغم ان كافة تفاصيل مجريات التاريخ وحتى يومنا هذا تؤكد بالتجرية والوقائع الحقيقية ان الوعي هو نتيجة وليس سببا، وان النطورات في كافة المجالات الانسانيه من فن وعلم وسياسه وفلسفه ما هي الا نتيجة تطورات في الماديه في الحياه الاجتماعيه. حيث يقول ماركس : " إن الفلاسفة لا يخرجون من الأرض كالفطر، بل إنهم ثمرة عصرهم وبيئتهم إذ في الأفكار الفلسفية تتجلى أدق طاقات الشعوب و أثمنها وأخفاها.

اذن الفلسفه حسب طرح ماركس ليست من علم الغيب وانما هي من لدن الواقع، وان أي فلسفه حقيقيه هي من لب واقعها ومكانها وزمانها وفي علاقه نتبادله مع هذا الواقع وهنا تكوالفلسفه مجابه للواقع، كما ان التطورات العلمية التي شهدتها البشرية لم تبدأ بالجملة من نقطة واحدة (زمانيا وجغرافيا) بل كانت نتيجة تفاعلات هائلة استغرقت الاف السنين وشاركت بها معظم المجتمعات البشرية وان بنسب متفاوتة.

فمثلا الفلسفه اليونانيه انتشرت في كل اراء العالم سواء عبر الحروب او عبر التجاره، وظلت الفاسفه اليونانيه هي اساس القاعده الفكريه للفلاسفه حتى عصور النهضه الاوروبيه والسبب ان هذه الفلسفه اليونانيه كانت تتناغم مع عصر الاقطاع، االمتد الى نحو 4000 عام وهو اطول تاريخ البشريه، وعلى الرغم ان الفلسفه اليونانيه كانت وثنيه الا انها لم تتعارض مع الديانات الثلاث اليهوديه والمسيحيه والاسلاميه، حيث لم تنكر وجود خالق رغم وثنيتها، ولم تتصادم هذه الدياتات معها، حيث لم تات هذه الديانات بما يتعرض مع قواعد المجتمع الاقطاعي. وكانت هذه الاديان هي عباره عن ثورات ضد الظلم والعبيد .......الخ

وفي اطار الصراع على ملكية الارض وملكية العبيد دارت معظم المعارك في التاريخ حتى بداية العصر الراسمالي الحديث، وفي ذات الاطار نشط العلماء والفلاسفة في خدمة الطبقة الحاكمة بما يمكنها من تثبيت السيطرة ..

وحيث ان الطبقه المسيطره كانت الاقليه والعام من يقع عليه الظلم والاطهاد لجئت هذه الجماعات بالاستعانه بقوى غبيه واله غبيه لتخليصها وكان هذا منبع الاديان. فاليهوديه جائت من جور المصريين على القبائل العربيه التى هاجرت من اليمن وهم اليهود ولم يؤمنو بموسى الا بعد ما وعدهم بارض فلسطين لهم ولذريتهم من بعدهم، وكذلك المسيحيه لم تخرج عن الاطار فكانت دعوه ضد ظلم الكهنه وضد ظلم الرومان، وقد كان اتباع المسيح هم من الرعاء والعبيد وكذلك اليهود فقد كان اتباع موسى بني اسرائيل وهم عبيد القبط،

وهكذا كان الاسلام ثوره ضد الظلم على اسياد من التجار في مكه لذلك كان العبيد والمظلومين والمعاتيه اول من امن بالدعوه الاسلاميه المحمديه.

ومن اجل خدمة الاسياد ملاك الارض والعبيد حدث تقسيم العمل بين الرجل والمرأة منذفجر التاريخ.. فالارض تحتاح الى قوة الرجل الجسميه والغضليه من اجل المحافظه عليها من عدوان خارجي واضافة اراضي جديده مما تطلب تجييش المجتمع، فقد تم رفع مكانة مكانة الرجل و رسم عمله خارج المنزل .. فيما المرأة في المنزل كخادمه للرجل الذي يخدم سيده.

وحيث ان الرجل بقوته البدنيه قادر على حماية نفسه ولاخرين، فقد فرض على المراه ان تختفي خلف ستار العفة والشرف كي تحافظ على نفسها. وحرمت من جميع حقوقها ولم تكن ابدا مساوية للرجل فما نراه اليوم في المجتمعات الاسلامية، ومجتمعات العالم الثالث عموما، من مفاهيم وقيم وحقوق تتعلق بالمرأة ما هي الا امتدادا لتلك القوانين السائدة منذ خمسة الاف عام .. حيث ان مجتمعات العالم الثالث لا زالت تعيش في نظم وقواعد ونمط انتاج المجتمع الاقطاعي.

ومثال ذلك الانسجام الواضح في تعامل مختلف الحضارات مع المرأة لهو خير دلالة على ان القوانين الاجتماعية تحددها طبيعة نمط الانتاج الاجتماعي وليس الانتماء العرقي او الجغرافيا او اللغة او الوعي او العقل .. حيث ان نمط الانتاج ينتج ذات الثقافة حتى لو تباعدت المسافات والازمان.

 

الاشوريين هم اول من فرض الحجاب على المرأة .. وشريعة حمورابي عاقبت المرأة اذا خالفت زوجها باغراقها بالماء، فيما الاغريق فرضوا عليها حجابا كاملا (كالنقاب الاسلامي) لا يظهر منها الا عينها، وقال عنها ارسطو " إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به ".

ولما فرضت ظروف الحرب على اسبارطة ونالت المراة بعض الحقوق نظرا لحاجة قوة عملها انتقد ارسطو رجال اسبرطة واتهمهم بالتهاون،، وكان الفقهاء الرومان القدامى يعللون فرض الحجر على النساء بقولهم: لطيش عقولهن.

ومع ان المراة الفرعونية حصلت على بعض المكانة الا كانت تلقى في النيل بعد تزيينها "عروس النيل" كقربان، وكان الرجل في عصر الفراعنة يتزوج اخته وامه . اما في الصين القديمة فكان الرجل له الحق ببيع زوجته كجارية وينظر لها الصينيون على انها معتوهة محتقرة مخانة لا حقوق لها.

فيما تحرق المراة نفسها حية اذا مات زوجها وجاء في تشريع الهندوس : ليس الصبر المقدر والريح، والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار أسوأ من المرأة. كما كانت محتقرة منبوذة في الزرادشتية في بلاد فارس، وفرض عليها احتجابها حتى عن محارمها ومنعت من ترى احدا من الرجال اطلاقا.

وفي اليهودية لم تنل المرأة ميزة أو حق.. بل كان بعض فلاسفة اليهود يصفها بأنها " لعنة " .... وكان يحق للأب أن يبيع ابنته إذا كانت قاصراً وجاء فى التوراة " المرأة أمر من الموت ... وأن الصالح أمام الله ينجو منها ". و " شهادة مئة امرأة تعادل شهادة رجل واحد ".

وفي القرن الخامس أجمعت المسيحية أن المرأة خلو من الروح الناجية من عذاب جهنم ما عدا أم المسيح، وتساءلوا هل تعد المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ .

اما الاسلام فقد اعتبرها "ناقصة عقل ودين" وتابعة للرجل في كل شيء وحقها بالارث نصف الرجل وشهادتها نصف الرجل وليس لها الحق بالولاية. كما كان العرب قبل الاسلام يقتلون الفتيات لعدم حاجتهم لهم كقوة عمل او خوفا من العار او الفقر.

وفي انجلترا كان يحظر على المراة قراءة الكتاب المقدس ولم يكن لها حق بالتملك حتى عام 1882، ووفق القانون كانت المراة في انجلترا تابعة لزوجها ولم يرفع عنها الحظر الا عام 1883.

ولم تخرج المراة في ايطاليا من عداد المحجور عليهم الا في عام 1919، وفي المانيا وسويسرا لم تعدل قوانين الحجر عل النساء الا في اوائل القرن العشرين. واصبح للزوجة مثل ما لزوجها من حقوق.

ذكرنا فيما سلف كيفية نشاة الاديان كواقع دنيوي لا الاهي فرضته طبيعة النظام الاقطاعي الممتد الى اكثر من 4000 عام.

وان مجتمعات الاقطاع افرزت قوانينها وثقافتها كافرازات المجتمع الاقطاعي وحددت مكانة المراه والرجل بما يتناسب مع طبيعة النظام الاقطاعي، فغطاء الراس للمراه دلالاه على وضع المراه المهين في عصر الاقطاع، وان ما نراه الان من هذا الموروث في كثير من المجتمعات الشرقيه كهو امتداد لنمط الاقطاع، فرضته مرحلة النظام الاقطاعي وسينتهي متى ما دخلت هذه المجتمعات النمط الراسمالي .

وقد فرض النظام الاقطاعي منظومة الفكريه والاخلاقيه والقانونيه بما يتلائم مع نمط الانتاج السائد، من اجل تنميته واتساعه، فالنمط الفكري هو لحظه زمانه ومكانه، وقد تم تحديد الممنوعات والمسموحات كتنظيم للحياه في ذلك العصر كجزء من مرحله تاريخيه مر بها الانسان وان كانت هذه المنظومه الاقطاعيه معمول بها في كثير من المجتمعات التى لم تتخطى مرحلة الاقطاع، ان السلطه اهم افرازات المجتمع الاقطاعي معبره عن انتقال الانسان من مرحلة الرعي الى مرحلة الاستقرار والزراعه، فكان الحاكم هو راس السلطه ويمثل الاله على الارض بل هو الاله نفسه وله معاونون او وزراء يساعدونه في تسيير شؤون الرعبه، وكذلك الكهان فهم يتبعون الملك مباشره لانهم عنصر الاستقرار الاجتماعي والسياسي .

فالحاكم صلة التواصل بين الرعيه والاله، ولذلك كان الولاء المطلق بين الكنهة والحاكم لتثبيت السلطه، بل كانت السلطه ذكوريه تنتقل بالوراثه بامر الاله، وما زالت هذه المنظومه في المجتمعات التى لم تدخل الراسماليه والبدائيه في شتى اصقاع الارض،ومن هنا نرى وظيفة الاديان في المجتمعات الاقطاعيه،، ولم تتمكن اوروبا من التخلي عن المنظومة المستمدة من الشريعة السماوية الا بعد ان تمكنت من الانتقال من نمط الانتاج الاقطاعي الى نمط الانتاج الراسمالي.

ان الاديان جميعها ما كانت الا منظومه قانونيه واخلاقيه وجدت لتنظيم العلاقه بين الاله والانسان وتنظيم العلاقة بين الانسان والانسان في عمر الانسان الطويل على هذا الكوكب وعبر مراحل تطوره من مجتمعات الرعي الى مجتمعات الممالك والاقطاع، كانت واقع للانتاج المادي في الزمان والمكان، وقد نشات الاف الاديان واندثرت مع انتقال الانسان من الرعي الى الدوله المركزيه والاستقرار حيث نشات ديانات جديده

ان ما بقى من هذه الاديان سوف يندثر حسب التطور والارتقاء في الانتاج،

ان التجربه التاريخيه تقول ان المجتمعات التى تعبر النظام الاقطاعي الى الراسمالي من ناحيه حتميه سوف تضع الاديان في دور العباده والاستعاضه عنها بمنظومه جديده وقوانين وضعيه بما يتناسب مع نمط الانتاج الجديد والعلاقات الاجتماعيه الجديده .

ان الجتمعات الاسلاميه لا تخرج عن هذه المنظومه منذ الاف السنين ولا يمكن تغيرها الا بتغيير انماط الانتاج والارتقاء بها الى انماط انتاجيه جديده، تفرز علاقات اجتماعيه جديده، اما مسالة نقد الدين كدين لا تجدي نفعا بل تعطي نتيجه سلبيه لهذه المجتمعات وتغذي التطرف والارهاب الذي هو في شرع هذه المجتمعات مستمد من الله، عند هذه المرحله سوف نجد الدين الاسلامي كغيره من الاديان قابع في دور العباده بعيدا عن الحياة ومستجداتها.

ان جميع الديانات في عصر الاقطاع حاربت المعرفه ونبذتها، وجعاتها من اختصاص الحاكم وحكرا عليه او من يعينه الحاكم من الكهان ورجال الدين لتصبح حكرا عليهم وغيبتها عن العوام من الناس او الرعيه من اجل الطاعه المطلقه لصاحب السلطه في البر والسماء، وفي هذا السياق اعتبرت الديانات الثلاث المسيحيه واليهوديه والاسلاميه الاقتراب من المعرفه من المحرمات والممنوعات التي تغضب الله وممثله على الارض، ولا عجب ان جميع الديانات في قصة الخلق تقول ان الله غضب على ادم عندما اغوته حواء واكل من شجرة المعرفه، أي كان مسموح له كل شيء ما عدا المعرفه .

وتتشابه المنظومه الفكريه لجميع الديانات في عصر الاقطاع سواء كانت سماويه او ارضيه، مما ياكد تشابه نمط الانتاج السائد، ونعطي امثله للديانات السائده في تلك الحقب :" الديانة الهندوسية في الحضارة الهندية مثلا وهي التي عاصرت حضارات مصر والشام وما بين النهرين، تضمنت وصاياها الاحترام الشديد من قبل صغار السن لمن هم اكبر منه سنا، وتعظيم مكانة الابوين، وان يسعى الى النعيم في الاخرة، وبذلك عليه ان يتحمل الاذى بالدنيا، وان يتحلى الانسان بالتسامح والا يرد الاساءة بمثلها، كما تحرم الهندوسية القمار، وكل اشكال الرهانات، وتعتبر المال المكتسب منهما كسبا غير مشروع، كما حرمت السرقة والكذب والنفاق والتدليس، والتنجيم، وتحرم الرشوة والمكر والخبث، والمومسة والزنا والغش، والخمر وتعتبره نجسا."

وفي ديانة الصابئه وهي ديانه نشات في العراق سنة 2500 قبل الميلاد واعتقد ان لها اتباع لحد الان، اكدت على الاله الواحد واكدت على تقديم العبادات له وحرمت الزنا والغش وحرمت زواج غير الصابئه وحرمت الطلاق وحرمت شرب الخمر والميت والكواسر من الطير وحرمت الرهبنه وتعذيب النفس ونجدها متطابقه الى حد كبير جدا مع المنظومه الفكريه للاسلام حيث يمكن التدقيق في التص التالي :

في سورة الانعام {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (الأنعام :151 - 153) .

وفي اية اخرى {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللجّغهِ بِهِ } (لأنعام : 145) .

الديانه اليهوديه كما تشير المراجع التاريخيه ما هي الا امتداد لديانة اخناتون، فالى جانب التاكيد على وحدانية الله وان كل الديانات الاخرى باطلة، فقد حرمت السرقة والزنا والقتل وشهادة الزور (ضد الاقرباء فقط) الشهوة (اذا وجهت للاقرباء فقط)، كما حرمت كل ما ورد في الصابئة مثلها مثل الاسلام، ودعت الى ذات الفضائل التي وردت في المنظومة الاخناتونية والصابئية واتخذت من شريعة حمورابي اساسا لقانون العقوبات مع بعض التعديل (القاتل يقتل والسارق يدفع تعويضا والزانية تقتل الى اخره، وهي عقوبات تتطابق الى حد كبير مع العقوبات التي وضعها الدين الاسلامي

كذلك الوصايا المسيحيه هي نفسها الوصايا اليهوديه مع تعديل عليها بسبب التحالف بين كهنة اليهود والامبراطوريه الروملنيه وقد كان ذاك التعديل ثوري على الظلم (خروج:20، 1/17)

ووصايا الديانه البوذيه كانت عشرة وصاي: " : لا تقتل، لا تسرق، كن عفيفاً، لا تكذب، لا تشرب الخمر، لا تأكل بعد الظهر، لا تغنِ ولا ترقص، وتجنّب ملابس الزينة، لا تستعمل فراشاً كبيراً، لا تقبل معادن كريمة، وهناك وصايا تتعلّق بما يجب أن يقدّم من الاحترام لبوذا والشريعة وهي السيرة الجيّدة، والصحة الجيّدة، والعلم القليل. "

ونلاحظ فيها الابتعاد عن المعرفه ايضا.

كذلك الحال في الديانات الزردشتيه والمجوسيه وغيرها، فلم تختلف جميع تلك الديانات في الجوهر وانما اختلف فقط في بعض الشكليات تاكيد هنا او هناك زياده في جانب ونقصان في اخر وهكذا ولكن جوهرها هو واحد قائم على الخير والشر بما يتلائم مع طبيعة النمط الانتاجي الاقطاعي

 

د.ادم عربي

 

عبد الجبار العبيديولد الاسلام في مكة سرأً، ونَما وتقدم في المدينة حتى صار دينا متكاملا للمسلمين بعد فتح مكة عام 9 للهجرة.. ومات الاسلام بعد وفاة نبيهِ في المدينة سنة 11 للهجرة عندما استقر في المنطقة الخضراء .. ولا زال ميتا في المنطقة الخضراء في بغداد ينتظر من يشيعه الى دار البقاء ..والأنبعاث من جديد.

بموته الاول ظهر الفقهاء والمفسرين الذين فسروا أياته تفسيرا ترادفياً على الحدس والتخمين منذ القرن الثاني الهجري ولا زالت التفاسير يطبع منها في كل عام الف تفسير وتفسيرلتوضع كتبا منضدة في مكتباتهم تباهيا لا قراءة

ولا تطبيق.. لكي لا تنهض الامة ابدا وتبقى على اسلامهم القديم، الذي أوقف حركة التاريخ وصيرورة الزمن في التغيير.ولا زالوا الى اليوم اصحاب فِرق للتفرق والتمزق حراساً أمناء لها في المنطقة الخضراء وتوابعها ينادون ان الاسلام هو الحل..

ولا ندري اين نجد اسلامهم المحمدي المنادى به اليوم؟ عند الامام جعفر الصادق ام عند الامام ابي حنيفة النعمان او عند مالك او الشافعي او ابن حنبل او محمد بن عبد الوهاب او القاعدة و داعش الاجرام او في حركة طالبان.. وكلهم بالسيف ينادون .. ؟ وكأن اسلامهم ما جاء الا للقتل والسلطة والتشريد ..

ولا ندري كذلك هل ثمة برنامج واضح للحل لدى اية فرقة او مذهب من الذين ينادون بالاسلام حلاً.. ؟ وما دامت الفرضية عندم هو الكمال مقدما دون نقص فمن اين نأتي بالجديد المقبول عندهم.. اذن لا حل عندهم ابداً.. فهم لا زالوا يريدون خلافة او نظاما دينيا ثبت فشله منذ أكثر من 1400 سنة ولازال فاشلاً الى اليوم، فكيف يكتب له النجاح في عصر التكنولوجيا والتنوير. اذن لا حل عند المسلمين ابدا.. الا بفصل الدين عن السياسة ولاغير.

شعار نرفعة متضرعين لصاحب الدين ان ينقذ الامة مثلما أنقذ الامم الاخرى التي تعتقد بنفس ديانات السابقين لمحمد الأمين.. من هذه الكارثة التي ألمت بنا حتى اوصلتنا الى الحضيض بلا حقوق ولا عدل الآدميين..وخاصة اليوم في عصر الولائيين الذين لا يؤمنون الابمذهبهم ولا غير ابدا.. ونحن نقول لا أمل في التغيير ابدا الا بتغيير جذري على ما جاء بنص الاسلام العظيم، لتتجدد القيم كي تستمر المجتمعات مثل غيرها في التقدم حتى ولو كنا ناكرين ..

ما لم يكن لدينا مشروع ترتبط فيه التوجهات بالمنطلقات لتحديد المسار الجديد .. وبالتعقل والتفكر بين التوجهات المختلفة لتفسير النص يتكون التغيير الجديد، لن نصل الى ما نريد .. وبالتعقل والتفكر في علاقات الجميع مع بعضها البعض تتكون "الاخلاق " التي فقدتها الفِرق الأسلامية اليوم جميعا ليعود التقدم والتحضر بعلاقات الاخلاق وانسانية الانسان كما ارادها محمد (ص) الأمين التي فقدناها في المنطقة الخضراء الاولى ولا زلنا فاقديها في المنطقة الخضراء الثانية من جديد .. والا سنموت جميعا كما ماتت امبراطوريات الرومان واليونان والسومريين والفراعنة رغم فكرها الفلسفي العظيم حين خرجت عن المآلوف الصحيح اي عن "العدالة" الى الظلم وعام التناحر والافضلية وفقدان العدل والحقوق دون تحقيق.

هنا يتكون الوعي التاريخي المتجاوز لافكار المشتتين الذين يدافعون عنه بلا دليل.. فالوعي هو العقل المدبر المستوعب لكل جديد .. والعقل مضطر لقبول الحق.. حقا وصدقا وان أختلفتم يا ايها المغفلون.

عندما توصلت لحقيقة التفسير اللغوي للنص الديني أدركت لماذا فسرت النصوص الدينية تفسيرا لغويا بعيدة عن التأويل العلمي الصحيح .. فكانت نكبة النص في التغيير .. لكي تبقى الاوطان بعيدة عن التقدم في الأزمان ليحكمها الفقهاء الأوائل بعيدا عن التأويل الحقيقي المطلوب أملاً بالانتقال الى المجرد الصحيح، مثلما أنبرى فقهاء الدين اليوم لتدمير دولة العراقيين، حين غَلِبت عليها نظرية الترادف اللغوي لتبقى شرعية الجهاد الديني لهم دون القرآن في التصرف هو الحل الخاطىء في التنفيذ.

وحتى يبقى النص ملكا لفقهاء الدين دون العقل في التطبيق .. اسلام استغلال لا اسلام عدل وحقوق.. اسلام سلطة وجنس .. لا اسلام حقوق الانسان .. فهل سنبقى خاضعين لأسلام الدهاليز والحجر الأصم الذي لاينطق"قدس سره" .. واذا نطق فقد نطق كفرا وظلما على الاخرين..:.. هذا هو اسلامهم الذي يريدونه اليوم ويهددون به بالبندقية لتبقى السلطة لهم دون تغيير.. وبه باعوا الوطن للأجنبي الحاقد دون ضمير.. لذا يستحيل ان يتصوروا ان الحكم سوف ينزع منهم لصالح الناس الاخرين .. المصلحين .. بعد ان تثقفوا بثقافة العنصريين.. وخوفا من ان تكشف خبايا السنين.

اذا قرأت النص في الوصايا العشر القرآنية ترى ان الانسان العادل هو الذي يؤمن بأن الله الذي منحه سلطة النص سوف يخرجه من الضيق وفي أكثر الأزمات عنفاً، أذا ألتزم بمبدأ العدالة وعدم الأعتداء على الاخرين.. فكيف لو كانت شرعية الفقهاء هي النقيض ؟

من هنا ادركتُ ان الاديان ظلمت ا تباعها عندما اخذوها دون تفكير، ودون معرفة صادقة بنصوص الكتب السماوية، حين أبعدوا المنهج العلمي عن التأويل الحقيقي للنص فولدوا لنا الجهمية والصنمية والفرقية والمذهبية والطائفية التي ابعدت عنا ادراك المشخص في المعرفة العلمية والضمير.. فأحلوا في مناهجنا المدرسية تكرار الكلام الفارغ لنكون بعيدين عن المعلومة الصحيحة اي بعيدين عن الحقيقة القرأنية العظيمة لنبقى ندور في الوهم المعرفي لا المعرفة العلمية الحقيقة في التكوين .

فكانت المدرسة التي هي مكان المعرفة والعلم الصحيح مكانا لتعليم الدين المفسر لغويا دون علم يقين .. هنا جُمد العقل وتحول الى روتين كما في مقدمات تغريدات رجال الدين الذين ملَ الناس منهم واصبحوا لا يطيقون سماعهم بالمطلق لأفترائهم على المنطق والدين. فهل سنتقدم اذن مالم نكتب لنا تاريخا معرفيا بعيدا عن الاساطير ..ومع كل الذي يحتاطون له ويمنعونه عنا من وسائل ادراك العلوم والمعلوم "سيبقى القلم ما قتلوه وما صلبوه .. ولكن شبه لهم.. " نعم للفكر شهداء، وللحرية ثمن.. هم بعيدون عنهما لا يدركون.. سنكتب في نصوص فسروها خطئاً عمداً فقلبوا فيها لنا ظهر المَجَن في معرفة حقيقة النص الكريم.. هنا حجبواعنا مدرسة الحقيقة لابل اهملوها عمداً والتي جاءتنا هداية من الخالق الكريم.

من هذه النصوص التي سوف نتطرق اليها هي:

نصوص الردة والرجم، نصوص الحرية، نصوص آحاديث الغيب، نصوص حقوق المرأة، نصوص القوامة للرجال على النساء،، نصوص الوصية والارث. وهي نصوص بالغة الاهمية والذي أدى فهمها الخاطىء الى حصول اشكاليات مجتمعية كبيرة أثرت في المجتمع العربي والاسلامي تأثيرا بالغا تباعدا وتناحرأ، وولدت فيها ما سمي بالفِرق الاسلامية أو المذاهب الاسلامية المخترعة التي تجاوزت على النص الديني.. فحولته الى تفسير شخصي سلطوي.. مقيت..

- نصوص الردة والرجم:

أعتاد الناس على ان حكم المرتد عن الدين الاسلامي هو القتل، وفي الزنا هو الرجم، ولكن حين الرجوع الى الايات الكريمة نرى الامر غير ذلك تماماً.

يذكر السيوطي في شرحه نقلا عن سنن النسائي ج7 ص104 حديثا شريفاً ما نصه: (لا يحلُ دمُ أمرىءٍ مسلمٍ الا باحدى ثلاث:رجل زنى بعد أحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، او أرتد فعليه القتل).

وحين نستعرض ايات الردة في سورة البقرة آية 109، 217/وفي سورة آل عمران أية 100، 149 وفي سورة المائدة أية 54 لا نجد تطابقا مع نص الحديث.ومن اكثر الايات الكريمة تحديدا ووضوحا ما جاء في آية 217 من سورة البقرة والتي تقول (.. ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون).لا نجد تطابقاً مع نص الحديث ولم تقل .. يقتل.

ولم نحصل الى اليوم على نص يجيز مقاتلة المرتد وفق حرية الرأي في القرآن "لكم دينكم ولي دين".. فبماذا يفسرون اعتداء المسلمين على الشعوب الاخرى دون اعتداء منهم عليهم.

اما كلمة الرجم فلم تأتِ اصلا الا في ثلاث آيات هي سورة الشعراء اية (116)، وسورة ياسين آية (18)، وسورة هود آية (9) وكلها جاءت بمقاصد اخرى وليس لها علاقة بالقصد،

أما احاديث الزنا فقد حُملت اكثر من طاقتها وظلمت فيها المرأة، حين طبقت العادة والتقليد الجاهلي القديم بدلا من التشريع الاسلامي الحديث وقتلت المرأة على التهمة لا على الواقع، أنظر سورة النور أية (4) وضعت للزنا معايير تعجيزية قد يستحيل على المرأ اثباتها (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا وأولئك هم الفاسقون.

ان الاية الكريمة تدرك ان التعامل مع الجنس يحتاج الى غاية الحذر والحساسية في تطبيق النص.لا سيما وان العملية الجنسية لا يمكن ممارستها في العلن وتحت نظر الاخرين، فهي عملية سايكولوجية مرفوضة العلن حتى عند بعض الفصائل الحيوانية كالجمال مثلاً، لذا فان الحديث يجانبه الصواب ولا يمكن الاخذ به، ناهيك من الخلط في تفسير النصوص كما في، القوامة والحجاب والباس والقضاء والقدر، والناسخ والمنسوخ، الحظ والنصيب ومن هنا لابد من تأويل جديد للنص القرآني لتخليص العامة مما علق بالاذهان من عادات وتقاليد مرفوضة بحق حرية الانسان المكفولة ربانيا، ولا يتم هذا الا بتغيير المناهج المدرسية التي كتب خطئا فساد الخطأ الناس دون علم أكيد.. وبوضع قوانين ملزمة لمحاورة النص.بحرية دون اكراه من مؤسسة الدين.

نصوص الحرية

الحرية في القرآن الكريم مقدسة، وهي اسمى ما في الوجود، لذا فقد منح الله سبحانه وتعالى للانسان حرية الاختيارفي الفعل والعمل الذي يريده، حين آمره بفعل الواجب ولم يجبره عليه، بل ترك الامر اختيارا لارادته، لكنه حذره من المعصية وأوعده بالعقاب والثواب، وهذا ما نراه واضحا في سورة الكهف آية 29: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، انا اعتدنا للظالمين نارا)، ولم يقل للكافرين نارا، فالاية اقامت علاقة جدلية بين الكفر والايمان، وبما ان الكفر ظلم للنفس البشرية من الناحية العقائدية، وقد يرتكب من غير الكافر ايضاً، فقد وسع القرآن العقوبة حين قال اعتدنا للظالمين نارا، لان الظلم يرتكب من الاثنين على حدٍ سواء، والقران وكلماته المقدسة لا تقبل التراف اللغوي ابدا.

نصوص احاديث الغيب

كثرت أحاديث الغيب بعد وفاة الرسول (ص) وتداولتها جهات عديدة دون حصر، لكن هذه الاحاديث مرفوضة جملة وتفصيلا بدلالة الاية الكريمة (لو كنت اعلن الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء (الاعراف آية 188) لذا لاداعي للدخول في مناقشها لحسم القرآن الكريم لها .

نصوص حقوق المرأة

من يقرأ النصوص القرأنية وخاصة في سورتي النساء والنور يجد الكثير من الايات القرأنية التي انصفت المرأة وساوتها مع الرجل الا في الحالات التي تقتضيها العفة والقيم الشرفية وهذه مقبولة بلا جدال، لكنها حُددت بمعايير دقيقة جدا في التطبيق، لكن الفقهاء بتفسيرهم الاحادي واللغوي من اصحاب نظريات الجنس قد غمطوا حقوق المراة لصالح الرجل.

ففي تعدد الزوجات اصبح وصفها في القرآن شيء وعندهم شيء اخر. تقول الاية الكريمة في (سورة النساء آية (3) وان خفتم ان لا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فأن خفتم ان لا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى ان لا تعولوا). هنا ربطت الاية تعدد الزوجات برعاية الايتام وليس للبديل من النساء، وفي الاية جاءت كلمة القسط والعدل معا، وكلمة القسط تعني العدل او الجور كذلك العدل له معنيان، القسط حين تعني العدل (ان الله يحب المقسطين المائدة 42) والمعنى الثاني الظلم والجور كقوله تعالى (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا الجن 14).وكذلك للعدل معنيين الاول عدل في العدل والثاني عدل في الظلم، والفرق بين القسط والعدل، هوان القسط يأتي من طرف واحد بينما العدل من طرفين .ان الاية الكريمة تتحدث عن امهات اليتامى اللواتي ليس لهن من معيل لمساعدتهن في تربية الاولاد كما في الاية (6) من نفس السورة الكريمة، فالرجل اذا كان قادراًعلى تحمل المسئولية فلا ظير بالثانية اوالثالثة او الرابعة شرط من امهات الايتام وليس من الابكار وللمتعة الشخصية كمت هي عند موسرينا وحكامنا اليوم الذين استباحوا الحرمات، لكنه اذا عجز عن تحمل العبىء والمسئولية فعليه بواحدة فقط، حتى لايقع في الضيق (ذلك ادنى ان لا تعولوا)اي حين لا تستطيعوا حماية العيال خوفاً من العجز المالي، ومن هنا ينطبق قول الرسول (ص) (انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، شرط بالزواج المتعدد ان يمارس الزوج الحياة الزوجية مع زوجته الاولى مثلما يمارسها مع الثانية وهذا مستحيل، ولا يجعلها كالمعلقة (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة النساء 129). نصوص واضحة لا حاجة للاجتهاد فيها لصالح الباطل.

الوصية والارث

الوصية: شكل من اشكال توزيع المال، يضعه انسان معين يملك ثروة يريدها ان توزع بعد وفاته بنسب معينة يراها على اشخاص او جهات معينة، يحددها حسب رغباته الشخصية.

والوصية في التنزيل الحكيم مفضلة على الارث، لقدرتها على تحقيق العدالة الخاصة المتعلقة بشخص بعينه، وبوضعه المالي والاجتماعي والاسري، وبألتزاماته تجاه الاخرين، وهذا ما يؤكده الواقع الموضوعي، اذ لكل انسان وضعه الخاص من اسرة واقارب والتزامات تختلف عن وضع الانسان الاخر، فالتماثل غير موجود في الوصية.

أما الارث فالتماثل فيه موجود، والناس في الارث متماثلون، وحصة الوارث في قانون الارث يحددها موقعه من الموروث، سواءً كان الاب او الام او الولد او الزوج او الاخ.لذا فالتماثل من صفة العام والاختلاف من صفة الخاص.والارث والوصية يمثلان جدلية التمائل والاختلاف، ولان المجتمع الانساني يقوم على التنوع في الشروط المعاشية والاسرية والالتزامات، لذا تم تفضيل الوصية على الارث في التنزيل الحكيم.

وفي القرآن الكريم سبع آيات للوصية وثلاثة للارث، وتمثل سورة البقرة آية 180 اكثر الايات وضوحاً في الوصية (كتب عليكم اذا حضر احدكم الموت ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً على المتقين).الاية حدية واجبة الالزام شرعاً وقانوناً دون تسويف. اما ما قيل في الحديث لا وصية لوارث فقد جاء من الاحاديث المقطوعة قصد منه غرضاً شخصياً في حينه لدى أهل المغازي. واستغله الفقهاء ليجعلوا الارث مفضلا على الوصية لاسباب لازالت موضع نقاش لم يحسم بعد.

وفي القرآن جات كلمتي الحظ والنصيب، في سورة النساء اية 7، 11 (للرجال نصيب مما ترك الوالدان وللنساء نصيب مما ترك الوالدان)، اما في اية 11 (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)، لكن الفقهاء فسروهما خطئأ ًفي التفريق بينهما,فالنصيب هو حصة الانسان في الوصية أما الحظ فهو ما يصيب الانسان من الموروث . وهنا تم دمج الوصية بالارث تجاوزاً على النص خطئاً .

ومالم يتدخل القانون لصلح النص سوف يبقى النص الدينس في التيه والتلاعب الى يوم يبعثون، وسوف لن نحقق من القرآن والاسلام ماجاء بهما من أهداف سامية للبشرية، فمثلما أحتاجت اوربا لثورة فكرية على الكنيسة وحققت اهدافها في التقدم الحضاري الذي نشهده اليوم، نحن بحاجة الى ثورة فكرية لتخليص النص من اراء الفقهاء المتزمتين الذين ادخلونا في نفق مظلم لا بصيص لنور منه ابدا.

وهناك نصوص اخرى بحاجة الى تفصيل .. سنأتي عليها لاحقاً.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

حمزة بلحاج صالححب الإنسانية والموجودات والطبيعة والأرض والرأفة بالحيوان قيم إنسانية ومن ثمة فهي إسلامية للحسن الذي تحمله. لا نحتاج إلى كلام ابن القيم ولا غيره ولا الى أصل وجذر في التراث لفهم الحديث بعد فحص متنه وسنده بل إن من مقاصد وروح الدين حبنا للإنسانية والمخلوقت والرأفة والرفق والشفقة بالحيوانات والموجودات. إنه مقصد كوني إنساني فكيف لا يكون إسلاميا وإن لم يكن أضفناه ووجدنا له مشروعية إضافة وقمنا باعتماده بعد تأصيله.

لماذا النبش في موضوع النيات فهل خلق الله الناس الهة أم بشرا يعتريهم حظ النفس والهوى وهم يسعون للحسن والخير.

لماذا لا نكتفي بكون الله يحب من لا يفسد في الارض ومن يفعل فيها الخيرات والحسن بدل الانتقال من عالم المحسوسات الى الغيب وما الله فاعل بهذا وذاك.

لا أظن كثيرا من الأحاديث التي تدفع في اتجاه النبش في هذه القضايا المخالفة للطبيعة البشرية وتكوينها إما أساء الناس فهمها أو في متنوها أو أسانيدها علل ..

ناظم الفهم الجيد هو القران المحفوظ

الإنسانية قيمة أساسية في الدين

ابن تيمية وابن قيم الجوزية والألباني والصناعني وابن الوزير والشوكاني منجزات بشرية وتراث بشري جاء في سياق زمني محدد 

أبو هبة الرحمن السلمي 20 octobre 2016, 17:29 كتب يقول: قال الإمام ابن حجر: في شرحه لحديث البغي التي غفر لها بسبب سقيا الكلب: "ينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها" فتح الباري (11/321))

يكفي تعليقي أعلاه ومفاده كفى هوسا بالنصوص وأقوال الأولين من التراث وغالبا ما يكون كلاما عاديا تارة يقدر على قولها طالب في الإعدادي فنقدمها ونسوقها كدليل على بداهة أو أمر عادي على خلاف الحال هنا أين يتعلق الأمر بحديث نبوي يستقيم والفطرة والعقل السليم...

 

حمزة بلحاج صالح

 

 

منى زيتوناختلف الفلاسفة والمفكرون حول فلسفة العقاب، فمنهم من قال إن العقوبة تُطبق لأجل تحقيق العدالة، فلا يعنينا إن كان المُعاقَب سيتعظ أم لا، أو سيكون عبرة لغيره أو لا يكون، فهو يُعاقب لأنه من العدل أن يُعاقب على خطئه، وهذه الفلسفة هي التي تقف وراء تطبيق العقوبات الكبيرة كالإعدام أو السجن مدى الحياة، وتعد أقدم الفلسفات التي تفسر العقاب.

وهناك فلسفتان أخريتان تفسران العقاب؛ إحداهما هي فلسفة الردع؛ بمعنى أن العقوبة تكون لأجل ردع من وقعت عليه عن أن يعيد ويكرر الفعل الذي أدى به إلى العقاب، أو لأجل ردع باقي أفراد المجتمع أن يفعلوا ما فعل كي لا يلقوا المصير ذاته، وتظهر فلسفة الردع العام هذه في تنفيذ بعض العقوبات أمام جمع غفير من الناس.

وهناك فلسفة الإصلاح وتعديل السلوك، وهي فلسفة تُستخدم بالأساس في مجال التربية، وإن كانت الدول تستخدمها أيضًا مع من كانت عقوبتهم السجن وسيخرجون إلى المجتمع بعد انقضاء فترة عقوبتهم التي يقضونها بعيدًا عن المجتمع.

وفي مقال "تعديل السلوك ما بين السلوكية والمعرفية" تطرقنا إلى مفاهيم التعزيز والعقاب، وفهمنا أن التعزيز هو أي إجراء يُستخدم بهدف زيادة احتمال تكرار الاستجابة السلوكية الجيدة التي صدرت عن الفرد، وأنه قد يكون موجبًا (تعزيز تقديم) أو سالبًا (تعزيز إزالة)، كما عرفنا أن العقاب –على العكس من التعزيز- هو أي إجراء يُستخدم بهدف كبح وإضعاف السلوك السيء الذي صدر عن الفرد، وأنه قد ‏يكون موجبًا (عقاب تقديم) أو سالبًا (عقاب إزالة).

ومفهوم العقاب الموجب الذي يتم فيه تعريض الشخص الذي يتم عقابه إلى مثير منفر كريه بالنسبة إليه –كالضرب البدني أو التوبيخ- بعد أن يقوم بالسلوك الإجرائي السلبي يعتبر من أكثر المفاهيم التي تلقى معارضة وانتقادات من التربويين في العقود الأخيرة، إلى درجة دفعت نسبة لا بأس بها من الآباء إلى الاعتقاد بأنه خطأ تربوي يُحظر الاقتراب منه أو اللجوء إليه. وهذا على الرغم مما أظهرته نتائج دراسات علماء مدرسة الإشراط الكلاسيكي من أن ربط التعرض لمثيرات منفرة بارتكاب السلوك السلبي يعتبر من أفضل الطرق لتعديل السلوكيات السلبية، حتى أن هناك مصحات نفسية في دول الاتحاد السوفييتي القديم لا زالت تستخدم الجلد ضمن إجراءات التنفير للعلاج من إدمان الكحوليات.

ومن المنظور الإسلامي فإن الضرب غير المبرح لا يُجرَّم تمامًا ويستخدم كعقوبة عادلة، حتى وإن لم يكن علاجًا لما يمكن إصلاحه. ويُقال إن الضرب للأب واحدة وللمعلم عشرًا، ويُروى كذلك أن سيدنا علي كان قد ترك الحسن والحسين ضمن قوة ممن يقفون أمام دار الخلافة لحماية سيدنا عثمان من الثائرين عليه، ولكن هؤلاء –وكانوا كُثر- تسلقوا الحيطان ودخلوا الدار من موضع آخر، وقُتل الخليفة، فما كان من سيدنا علي لما عاد من المسجد ووجد هذا إلا أن ضرب الحسن ولطم الحسين.

ولكن وفقًا للمفاهيم التربوية الحديثة فعقاب التقديم الموجب –خاصة إن تضمن العقوبة البدنية- لا يُستخدم سوى في الظروف الحادة والحرجة، التي تم تجريب كل أنواع تعديل السلوك الأخرى والعلاج معها، ولم تُجدِ نفعًا، وعندما يكون السلوك المراد إصلاحه وتعديله شديد الخطورة على الفرد والآخرين المحيطين به.

ويتعدى حديث التربويين عن العقاب الموجب إلى الحديث الدؤوب عن تأثيراته الانفعالية السلبية على الفرد، ومحاولته تفاديه، خاصة عندما تكون العقوبة شديدة، مثل عقوبة السجن، والتي تدفع الشخص الذي قُررت في حقه العقوبة إلى محاولة تفاديه بكل السُبل، بدلًا من الإقرار بذنبه، وتقبل العقوبة. بينما المفترض ألا يكون العقاب إذلالًا؛ فبنو آدم مكرمون.

وهنا لا بد من إثارة تساؤل هام أرى أنه لا بد منه، وهو عن عقوبة العمل للصالح العام، ولماذا نفتقدها في بلداننا العربية عندما يكون الجُرم بسيطًا ويحدث لأول مرة. أليس أفيد للمجتمع أن يقدم الفرد خدمات مجانية كتنظيف الشوارع وطلاء الحوائط من أن يُسجن أسبوعًا أو شهرًا كعقوبة على خطأ بسيط يحدث منه للمرة الأولى! وهذا الشكل من العقاب مطبق في كل دول العالم المتحضر، وفي منطقتنا يوجد في تركيا وفيما يسمى دولة إسرائيل.

حقيقة الأمر إننا نحيا في مجتمع لا يشجع الإنسان على الاعتراف بخطئه، بل إن الاعتراف بالخطأ قد يعتبر تدميرًا للذات، لأنه حتى بعض الأخطاء الصغيرة ‏قد تكون عقوبتها مدمرة لأحلامه إن كان طالب علم أو لمكانته الاجتماعية إن كان راشدًا.‏

وفي إحدى التجارب النفسية تم تقسيم مجموعة من الراغبين في العمل في مجال الإطفاء إلى فريقين؛ أحدهما تلقى محاضرات تركز على الخطوات الصحيحة لأداء مهام رجل الإطفاء، والفريق الآخر تركز الشرح على أشهر الأخطاء التي يقع فيها جنود الإطفاء أثناء عملهم على إطفاء الحرائق، ثم تم اختبار الفريقين، فوجدوا أن الفريق الثاني الذين تركز الشرح لهم على ذكر الأخطاء كانوا أكثر كفاءة وأبعد عن الوقوع في الأخطاء أثناء أداء مهمة الإطفاء من أفراد الفريق الآخر الذين تركز الشرح لهم على الخطوات الصحيحة.

ومن هنا استنتج الباحثون أن الإنسان يتذكر الأخطاء ولديه دافع فطري لتجنب الوقوع فيها، خاصة تلك التي تتسبب في لوم أصحابها أو توقيع عقوبة قاسية عليهم.

ومن منظور آخر، يمكن القول إن أغلب الناس يميلون إلى تذكر الخطأ بأكثر مما يتذكرون الصواب، وأن أكوامًا من المعروف قد تُنسى أمام خطأ واحد، وهو ما يمكن وصفه أحيانًا باللؤم، وتوجد مقولة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب تقول إنه يأتي على الناس زمان تكون العافية في عشر تسع منها في اعتزال الناس والعاشرة في الصمت. ويبدو أننا قد بلغنا هذا الزمان.

 

د. منى زيتون

الثلاثاء 19 أكتوبر 2021

 

 

الحقيقة للأسف أن العروبة والعودة إلى الإسلام وكل الحديث عن خصوصية عربية إسلامية هو في الحقيقة نتاج للغرب والحداثة، ليس مجرد تقليد لهذا الغرب وحداثته، بل إنها محاولة لتقليد أسوأ ما في تلك الحداثة وذلك الغرب.. ظهر الحديث عن "الهوية" هناك كما عندنا، بالتحديد في لحظتين تاريخيتين وفي كل مرة كان الجواب مختلفًا، جدًا، وقمنا نحن بتكرار كل ذلك فيما بعد.. في لحظة تاريخية أراد فيها الغرب أو أهله تجاوز سلطة الكنيسة ومعتقداتها فعادوا إلى المدن الإغريقية القديمة، إلى فنانيها وفلاسفتها واعتبروا هؤلاء وما أبدعوه ونحتوه وفكروا فيه وقالوه على أنه "هويتهم" التي حاربتها الكنيسة وأخفتها بصرامتها وتهافت أفكارها وقمعها للفكر والإنسان.. بعد ذلك بقرون، أحفاد دا فنشي ودانتي أنفسهم "سيعيدون اكتشاف" روما ويوليوس قيصر وسيحلمون ببناء روما الثالثة وسيحاولون فعل ذلك بقيادة الدوتشي، سيذهبون إلى أثيوبيا والبلقان ويموتوا في صحراء شمال أفريقيا وهم يحاولون فعل ذلك.. مررنا بالمرحلة الأولى بسرعة هائلة، وقبل أن يتمكن آباؤنا من إزاحة الغبار عن ابن رشد والقرامطة والمعتزلة والمعري كنا قد دخلنا فعلًا في المرحلة التالية، أصبحت حكايات الفتوحات والجنرالات الذين هزموا دولًا واحتلوا شعوبًا وقهروا أممًا وارتكبوا مذابح ومجازر جماعية والجنود الذين قتلوا وسحلوا واغتصبوا وهم يهتفون الله أكبر، هي فقط التي نسمعها، أصبحت هي "هويتنا"، يوليوس قيصر وإمبراطوريته الخاصين بنا، لقد عبرنا من لحظة النهضة إلى الإيمان بالدوتشي بلمح البصر، وما نزال هناك، لقد مات الدوتشي، وأحلام بناء روما الثالثة، هناك، أو أنها هزمت، أما هنا فإننا نزداد إيمانًا بالدوتشي الخاص بنا مع كل صباح وما زلنا بانتظار الفاتحين الذين سيذبحون ويغتصبون ويرفعوا راية لا إله إلا الله على أكوام الجثث.. قد يفهم أن يكون عفلق مجرد مقلد للغرب لكن البنا وخاصة قطب لم يكونوا يكررون ما يقوله أي رجل دين بروتستانتي محافظ في ألمانيا النازية أو أي فرد من عصابات الكو كلوكس كلان، بل كانوا بالتحديد يكررون ما قاله الدوتشي وتلميذه الألماني النجيب.. تعالوا الآن لنتحدث قليلًا عن الخصوصية العربية والإسلامية المزعومة، أين هي، ما هي الأمور التي ننسبها، أو نسبها عفلق والبنا، لأجدادنا ولم يفعلها الآخرون ؟ احتلال الشعوب المستضعفة وسبي نسائها وقتل رجالها واستعباد أطفالها، قتل المرتد، رجم الزناة، ختان الذكور والإناث، قرابين من الحيوانات والبشر، قتل المثليين جنسيا، الجزية، أهل الذمة، سبايا وإماء، خصيان، تحريم الغناء والرسم والتفكير، اذكروا لي "شعبًا" , "أمة"، جماعة من البشر لم تفعل ذلك أو ما يزال فيها أفراد يتوقون لفعل ذلك مرةً أخرى

 

مازن كم الماز

ادم عربيالفلسفة هي فرضيات حول امور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، لكن عندما نطرح السؤال " ما الفرق بين الفلسفة والعلم؟" يمكننا ان نقول هذا السؤال يتلخص في عبارة " العلم ما نعلم، الفلسفة ما لا نعلم"، ولهذا السبب الاسئلة تمر باستمرار من الفلسفة للعلم، مع تطور العلم حين نتحقق من الشيء ونكتشفه لا يبقى فلسفة، بل يتحول الى علم، وكل انواع الاسئلة كانت تعتبر اسئلة فلسفية، ربما سائل يسال "ما فائدة الفلسفة؟" اعتقد ان للفلسفة على وجه العموم فائدتان: احدهما هو الابقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل االتي لا يستطيع العلم الاجابةعليها او ان يتطرق لها، المعرفة االعلمية تغطي قسما صغيرا جدا، من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب ان تهمه، هناك العديد من الاشياء التي لها اهمية كبيرة، التييتكلم عنها العلم تمثيليا، ولا اريد لخيال الناس ان ييكون محدودا ويقتصر على ما نستطيع معرفته حاليا، الفلسفة ايساع النظرة عن العالم الى مستوى الافتراض، الفائدة االثانية هي ان ترى للناس ان هناك اشياء ظننا اننا نعرفها لكنناا لا نعرفها،هي تمكنا الاستمرار في التفكيرفي الاشياء التي قد نعلمهايوما من جهه ومن جهة اخرى تمكننا البقاء متواضعين واعين، بكمْ من الاشياء التي كانت تبدو كمعرفة وهي ليست كذلك، اود قول شيئينالاول فكري والثاني اخلاقي في هذا المقام، عند دراستك لاي مسالة او التفكير باي فلسفة، اسئل ما هي الادلة وما هي الحقيقة التي تكتشفها الادلة؟ لا تترك ما تتمنى ان تؤمن به يشتت انتباهك، ولا تدعْ ظنك بأن مسالة اجتماعية ما تظن انها ستعالج بطريقة فعالة ان آمن الناس بذاك الخطأ يلعب دورا في حكمكْ، وانظر حصريا للادلة والحقائق، اما الجانب الاخلاقي في هذا المقام " الحب حكمة" والكره غباء، ويجب ان نحيا معا لا ان نموت معا.

وسنتطرق هنا لفلسفة هيجل خصوصا وماركس عموما فيما يسمى بالجدل او ديالكتيك طريقة في التفكير، فالجدل الهيجيلي او ما اصطلح على تسميته الثلاثية الهيجيلية، والذي تخطى منطق ارسطو الشكلي والصوري، مجال عمله الطبيعة، الفكر، المجتمع والتاريخ وقد بسطه هيجل في مثاله الزهرة والبرعم خير تبسيط، قال ان البرعم يختفي حين تحطمه الزهرة وتحل مكانه، لكن ليس الى مالانهايه، حتى تاتي الثمرة وتحطم الزهرة وهذا النفي الثاني، باعادة النظر لمثال النبته نجد ان الزهرة نفت البرعم وهذا هو النفي الاول ومن ثم نفي الثمرة للزهرة، وهو النفي الثاني او حسب هيجل نفي النفي Negation Of Negation، يسمي هيجل طور البرعم فلسفيا الاطروحة Thesis، ويسمي طور الزهرة او الطور الثاني النقيض Antithesis، ويسمي الطور الاخير او الثالث التركيب Synthesis، وهذا هو نفسه نفي النفي، ثم يوضح هيجل تساوي الاطراف او الاطوار الثلاثة في اهميتها فلا يجوز النظر لطور الثمرة هو الحق وغيره الباطل، فلو لم توجد الزهرة لما وجدت الثمرة .

 اوضحت الماركسية الثلاثية الهيجيليه بمثالها ايضا الشهير وهو حبة الشعير (ماركسيوا الفول والشعير حسب يعقوب)، الاطروحة او دور الاطروحه هنا هي حبة الشعير التي تهيات لها الظروف لتنمو، تختفي الحبة وتظهر مكانها النبته، وهذه النبته تتغير وتعيد حبة الشعير من جديد، هذا الطور هو نفي النفي حيث اعاد حبة الشعير الى الوجود ثانية، لكن هل عادت حبة الشعير الى ما كانت عليه؟ بالطبع لا، فحبة الشعير انتجت ربما مئة حبة بجينات وصفات مختلفة وربما متشابه للاصل ببعضها

ولو طبقنا هذا على الفكر، فهل يعني ان الفكرة الجديدة هي عين الصواب والقديمة هي الخطا المطلق؟ وهل نقول ان الثمرة هي الحقيقة وان طور الزهرة لا اهمية له ولولا ذلك لما ظهرت الثمرة؟ ان من السخف ان ينظر بعض الناس الى الثمرة على انها صنو الحقيقة والزهرة ليست ذات اهمية، في نفي فكرة لفكرة نستطيع القول ان الفكرة الجديدة دحضت القديمة، ويمكن لبعض الناس ان يقولوا ان الفكرة القديمة ما كان لها ان تلغى وتستبعد لولا زيفها وان الفكرة الجديدة هي الحقيقة، هؤلاء الناس بعبقريتهم استنتجوا ان الراسماليةهي نهاية التاريخ (الثمرة) في مثالنا البرعم والزهرة وما عداها هو باطل او زائف كناية عن النظم الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت قبل الراسمالية .

 هنا لا بد من القول ان الذينتصورامن الليبراليين والنيوليبراليين التاريخ انه دائرة لا نهايه لها،" نبة الشعير تعود الى الحبة والحبة الى نبتة والنبته الى حبه..الخ". أي يعود كل شيء إلى نقطة الانطلاق،،، ويبدو المستقبل عودة للماضي بالتالي لا جديد تحت الشمس؟ انها عودة ولكن بها جديد، لا ننكر العودة ولكن بها جديد، فنبتة الشعير لم تنف لتحل محلها حبة واحدة، ولا نفسها، في الطور الثالث نفي النفي اصبح لدينا مئة حبة، وكل حبة تختلف ولو بالشيء البسيط عن الام، هذا الاختلاف ينمو ويزداد مع مرور الزمن، حتى تظهر أنواع وأجناس نباتية جديدة.العودة للماضي اقرب منها للشكل لا المحتوى وهي عملية لولبية .

 

د. ادم عربي

 

 

محمد كريم الساعديتنطلق فاعلية الخطاب النقيض في المسرح خارج العالم الغربي عند الشعوب التي خضعت للإستعمار وخطابه الكولونيالي، إذ كانت الاشتغالات على وفق هذا الخطاب تتمركز في تمظهراتها في تفنيد أساليب الهيمنة الثقافية التي مارستها الدول الغربية، وكيفية بسط نفوذها في كافة المجالات ومنها الثقافية، التي تأطرت بالخطاب الكولونيالي، ومن هذه المسارح المناهضة ما ظهرت منها في آسيا، وتناولت عدداً من المسرحيات المختلفة، منها مسرحيات غربية أكدت فيها على الفعل الكولونيالي كما في مسرحية العاصفة التي قدمت في جزيرة (بالي) في آسيا، إذ ركز العرض المسرحي على جعل البيض هم من يؤدون الشخصيات الكولونيالية في المسرحية،مثل شخصية (كالبيان) ودوره الاستيطاني، بينما جعلوا الخلفية للعمل تؤدى من خلال راقصين من الجزيرة نفسها، مع اضافة عناصر ديكورية  وأزياء للجزيرة التي وقعت تحت الاستعمار الأبيض الغربي(1). وكذلك قدمت مسرحيات أخرى تناولت الخطاب النقيض في عروض أخرى،كما في مسرحيات (ساندي لي تعيش في نوى دات)، (مذكرات جنسية كافرة) وهاتان المسرحيتان يتناول فيها قضية مهمة في الخطاب الكولونيالي، الا وهو تأنيث آسيا مقابل ذكورية الغرب، الذي يمثل دور السيد ودور القيادة ودور المهيمن على الساحة الثقافية وغيرها من المجالات العسكرية والاقتصادية، فأن السيد هو من يملك الحق في تقرير المصير للشعوب الأخرى التي تقع تحت هيمنته، كذلك فأن أحداث المسرحيتين تقع في آسيا، وهنا تبرز أهمية العناوين في إن آسيا تحمل أسم الانثى الكافرة ذات الغريزة الجنسية غير المسيطر عليها إلا من قبل الرجل الغربي، فكلا المسرحيتان تبحثان في تجارة الجنس، وخصوصاً في الشرق وإرساله الى أوربا وامريكا الإشباع الغريزة عند الرجل الابيض المتحكم(2).

أما في افريقيا، فقد ظهر خطاب نقيض ضد الخطاب المهيمن في عدد من الحركات المسرحية ومنها (الحركة الزنجية)، أو التي أطلق عليها اسم (الزنوجة)، إذ نادى أصحاب هذه الحركة الى الدعوى بالعودة الى التراث الافريقي، وتخليصه من الثقافة الطارئة عليه من قبل الغرب، ودعا كل من (ايميه سيزار وسنغور) الى بداية جديدة للنهضة الثقافية الزنجية في افريقيا قائمة على بناء ثقافة افريقية يكون فيها التراث الافريقي هو الأصل، ومن خلال هذه الدعوة قدمت اعمال مسرحية عديدة في هذا المجال،ومنها (الناسك الاسود) للكاتب الافريقي (نغوجي)، ومسرحية (الموت وفارس الملك) للكاتب (وول سينكا)، وغيرهما،إذ تناولت هاتان المسرحيتان عند تقديمهما في مناسبات افريقية مرتبطة بالاحتفالات الخاصة بأعياد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، جوانب النضال ضد الاستعمار والتضحية التي قدمتها الشعوب الافريقية، تخللت عروضهما المسرحية توظيف التراث الافريقي من الطقوس والرقص المصاحب لمشاهد النصر على الاستعمار، كذلك جاءت عملية توظيف التراث للحث على نبذ الثقافة الغربية، التي حاول المقاومون لها تبرير كونها كانت مفروضة على الشعوب الافريقية أبان الاستعمار الغربي(3).

أمَّا في الوطن العربي فقد كانت عملية تشكيل الخطاب النقيض وفاعليته تتمركز في محورين، الاول يركز على القضايا القومية ومقاومة الاستعمار البريطاني والفرنسي للبلاد العربية،وكذلك للأستيطان الصهيوني لفلسطين وأرضها التي وقعت بيد الاستعمار البريطاني، والذي اهداها الى الصهاينة في وعد (بلفور)، الذي أباحها لليهود من اجل تشكيل دولتهم المزعومة . ففي الجانب الاول قدمت أعمال مسرحية عديدة منها  للكاتب المسرحي الجزائري (كاتب ياسين) ومن أبرز مسرحياته ضد الاستعمار الفرنسي، والتي تعرضت للمنع بسبب موقفها من هذا الاستعمار مسرحية (دائرة الانتقام) ومسرحية (انتصار البرابرة) للكاتب المغربي (عبد الخالق طريس)، كذلك قدمت في مصر للكاتب (عبد الرحمن الشرقاوي) مسرحية (وطني عكا)، وفي الشام قدم (محمد الماغوط) مسرحية (صقر قريش)، وهذه المسرحيات وغيرها كانت تنادي بالتذكير بمواجهة الاستعمار والاحتلالات لبلدان الوطن العربي، والعودة الى التراث والتاريخ العربي والاسلامي، الزاخر بالانتصارات، واستلهام هذه الانتصارات وتوجيهها ضد المحتل . كما قدم في الجانب الثاني الذي يخص القضية الفلسطينية أعمال مسرحية عديدة ومنها مسرحية (لن تسقط القدس) للمؤلف (شريف الشوباشي) ومسرحية (الباب) للمؤلف (غسان كنفاني) ومسرحية (حفات سمر من تجل 5 حزيران) للمؤلف (سعد الله ونوس)، وهذه المسرحيات وغيرها ناقشت الخطاب الصهيوني الذي أصبح من المهيمنات على السياسة العربية في فترة قوته المدعومة من الغرب . إنَّ الأساليب الاخراجية لهذه المسرحيات  يرى فيها (سعد أردش) على وفق الخطاب النقيض، ارتبطت بثلاثة امور مهمة وهي (الدعوة الى الارتباط بقضايا الامة المصيرية، والتأكيد على المسرح السياسي الملتزم بالأمور الواقعية التي تخاطب ضمير أبناء الأمة العربية، والعمل الجماعي المشترك بين التأليف والاخراج وعناصر العرض الاخرى)(4).

أمَّا في المحور الثاني الذي تميز بالبحث عن قالب مسرحي عربي اسلامي خالص، فقد عمل عدد من المخرجين العرب على إيجاد خطاب نقيض تكمن فاعليته في البحث عن اسلوب مسرحي مغاير للمسرح الغربي، وبالتالي الى إيجاد مجال ثقافي جديد في العرض المسرحي غير مسرح العلبة وأساليب المسرح الغربي، فقد برز عدد من الأساليب المسرحية ومنها (الحكواتي) و(السامر) و(الاحتفالي)، وهذه الأساليب أخذت واقعها في التعبير المسرحي والدعوة الى تغيير عددٍ من الدول العربية ومنها دول المغرب العربي ومصر وسوريا ولبنان والعراق، وكانت هذه دعوة الى تأصيل المسرح العربي في الضد من الخطاب الثقافي الغربي، وادواته ومنها المسرح،" أن الدعوة الى صيغة مسرحية عربية كانت قرينة الدعوة الى صياغة مشروع نهضوي يستند الى الخصوصية التاريخية وحدها، وارتبطت بالتالي بالرغبة في الانفلات من التبعية الثقافية والفنية للغرب"(5).لكن هذه الدعوة رغم إنَّها لم تأخذ استمراريتها بشكل كبير على الواقع المسرحي، لكنها تعد محاولة جادة في مقاومة الخطاب الثقافي الكولونيالي الغربي في الساحة الثقافية العربية.

إنَّ تبلور فعل الخطاب النقيض في فاعليته في خط المواجهة بالضد من الخطاب المهيمن وهو الخطاب الكولونيالي، على اعتبار ان الخطاب النقيض بفاعليته يندرج كأشتغال ثقافي معرفي تحت دائرة الخطاب ما بعد الكولونيالي، الذي يبحث في آثار الكولونيالية وما خلفتها في ثقافات الشعوب. وتتجه فاعلية الخطاب النقيض الى البحث في مفاهيم افرزتها العقلية الغربية ومنها مفهوم غربنة الثقافة المحلية، ومفهوم شعوب بلا تاريخ الذي وسمت به الحضارات الأخرى التي وقعت تحت الاستعمار ومنها الاستعمار الثقافي.

إنَّ فاعلية الخطاب النقيض اشتغل في مجالات البحث المختلفة، منها البحث في التاريخ الكولونيالي وكذلك البحث في مفهوم الاستشراق، وكذلك في مفهوم التابع ومفهوم التأصيل الثقافي والبحث في الهجنة الثقافية، وكل هذه الاجراءات هدفها كشف مهيمنات الخطاب الغربي على الثقافات المحلية، مما اوجدت هذه الاشتغالات فاعلية الخطاب النقيض في الساحة الثقافية المحلية بالضد من الخطاب الغربي الكولونيالي، لذلك يعد المسرح أداة من أدوات الخطاب النقيض من خلال ما يمتلكه من اشتغالات تدخل في فاعلية الخطاب النقيض في الثقافات المحلية للشعوب التي وقعت تحت الاستعمار، أو حتى في داخل الثقافة الغربية إنَّ فاعلية الخطاب النقيض في المسرح تشتغل بحسب مواجهة الخطاب المهيمن سواء كانت في داخل الخطاب الكولونيالي أم في خارجه، والجانب الثاني ركز على نقاط مهمة ومنها: مواجهة الخطاب المهيمن على مستوى الثقافة المحلية، او على مستوى المواجهة مع الاحتلال العسكري أو الاستيطاني، أو مع ايجاد ثقافة بديلة للأدوات الثقافية لمهيمنة، أو حتى استخدام الأساليب التي أوجدها الاستعمار في مواجهته ثقافياً.

 

ا. د. محمد كريم الساعدي

.......................

الهوامش

1- ينظر: جيلبرت، هيلين وجوان توميكينز، الدراما ما بعد الكولونيالية، النظرية والممارسة، ترجمة: سامح فكري، القاهرة، مطابع المجلس الأعلى للآثار، 2000. ص39،ص40

2- ينظر: نفسه، ص375ـص403.

3- ينظر: واثيونغو، نغوجي: تصفية استعمار العقل، ترجمة: سعدي يوسف، دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر،2011،ص83ـ ص86.

4- ينظر: اردش، سعد: المخرج في المسرح المعاصر، الكويت، عالم المعرفة، يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1979،ص347.

5- نسيم، محمود: المسرح العربي والبحث عن الشكل (قراءة للعقل التنظيري)، القاهرة: مجلة فصول للنقد الادبي، المجلد الرابع عشر، العدد الاول، تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص72.

 

نبيل عودةلا اتعامل مع اللغة من منظار لغوي بل من منظار فكري وسياسي من رؤيتي ان مسالة اللغة، او التجديد والتقليد في اللغة، وكل ما يتعلق بإنجاز تطوير اللغة العربية وجعلها لغة معاصرة، يرتبط بشكل نسبي كبير (ولا اريد ان اقول بشكل مطلق، رغم ان هذا أقرب للحقيقة) بالواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والعلمي السائد في المجتمعات العربية.

بكلمات واضحة، اللغة لن تحظى باهتمام اجتماعي، ثقافي وعلمي واسع وحاسم، في ظل واقع لا تشارك فيه المجتمعات العربية بالنهضة الحضارية للمجتمعات البشرية، بل تكاد تبدو مجتمعات على هامش التاريخ!!

***

واجهت مرات عديدة عاصفة من التعليقات تتهمني بالاستهتار باللغة العربية وقواعدها ونحوها، وان العربية لغة في منتهى الكمال، لغة الجنة ولغة القرآن، قداستها من قداسته، وهي اللغة التي أنزلها الله لأفضل عباده. بالطبع لا علاقة بما يسمى قداسة وايمان غيبي يردده حتى الأميين حول قداسة اللغة وهم بالكاد يفقهون اللغة الفصحى البسيطة التي تستعمل في وسائل الاعلام. لا بد من طرح فكري جديد ينقذ اللغة من الجمود والتحجر ورؤية متنورة حول اهمية ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد، وعدم فهم هذه الدعوة كمشاركة في "المؤامرة الاستعمارية - الصهيونية" على العرب، وهي الصيغة التي تستعمل أيضا في الساحة السياسية العربية، بجعل هذين التوأمين المكررين ببغاويا (الاستعمار والصهيونية) غطاء للفساد العربي، لماذا نحافظ على تخلفنا؟ لأننا نقاوم "الاستعمار والصهيونية"(!!) كأن المقاومة تعني تجميد كل حركة التغيير الاجتماعي والسياسي.

هذا الغطاء السياسي الدعائي التافه روّجت له الأنظمة الفاسدة للحفاظ على تسلُّطها ونهبها للثروات العربية وقمع الفكر التحرري، فكر التقدم الاجتماعي- الاقتصادي والعلمي للمجتمعات العربية، لذلك نجد تحالفا، علنيا وسريا، بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، لكلا المستبدَّين مصالح في وقف النمو والتطور والنهضة الاجتماعية– الاقتصادية والعلمية، وتخليد انظمة التسلط القبلية، العائلية والطائفية السائدة في العالم العربي.

ان التغيرات اللغوية التي حدثت كانت عكس التيار السائد ومعظم ما دخل لغتنا العربية وأضحى التعامل به ثابتا، مداناً سلفا بالخروج عن القواعد والنحو. رغم ان كثيره أصبح مما يسمى "المتعارف عليه"، لكنه خروجٌ واضحٌ عن عقليات حراس اللغة.

كذلك لاحظت ان هناك مشكلة لدى الكثيرين، خاصة متوسطي الثقافة، في فهم المقروء النثري وخاصة القصصي، من منطلق الفهم البسيط للأدب القصصي، بانه جولة ترفيهية، بينما هذا الأدب يطرح الوعي الاجتماعي بأرقى صوره.

القصة في الأدب العالمي وبجزء كبير وهام من الأدب العربي، تشكل مادة فكرية أيضا يطرح عبرها الكاتب قضايا ملحّة وبالغة الخطورة، دور الكاتب هنا لا يختلف عن دور المثقف الموضوعي المرتبط بواقع شعبه والناشط من أجل قضايا الانسان وقضايا الحرية والحقوق المختلفة.

باحث لغوي نشر مقالا يقول فيه: "لا بديل عن اللغة العربية الفصيحة المعيارية" عارضا أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب، وقيمة هذه اللغة وحيويتها. وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ. المقال يتحدث من منطلق عاطفتنا كلنا التي ترى بلغتنا جماليتها المميزة في النصوص الأدبية وخاصة الشعر... لكنها تعاني من حالة تكلُّس تشكل خطورة على مستقبلها ومكانتها بين اللغات الحية في العالم، هذا يبرز بغياب لغة علوم وتكنولوجيا، اذا وجدت فهي داخل قطر معين وغير مستعملة في اقطار عربية اخرى، اي لا اصطلاحات متفق عليها.

من الاشكاليات اللغوية التعويق في ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي المعاصر، وما أوجدته مجامع اللغة غير مفهوم الا لمن صاغوه، لا يلائم الحياة العملية ولا ارى ان اصطلاحات مجامع اللغة مستعملة او قابلة للاستعمال، هذا يبرز في القطيعة الآخذة بالاتساع بين واقعنا اللغوي والثقافي عامة ومستوى الحالة الثقافية– الاجتماعية واللغوية السائدة في المجتمعات غير العربية.

ان بعض المشاكل التي لم تطرح، ربما ليس عجزا عن طرحها بقدر ما هو قصور في فهم واقع اللغة، في حالتنا واقع لغتنا العربية، تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.

أعرف انه حقل شائك بسبب المسافة الثقافية التي تفصل بين ابناء هذه اللغة، بظل سيطرة الكثير من الغيبيات والأوهام حول المقدّس اللغوي والفهم الخاطئ لدى الكثيرين لكل دعوة الى ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد في عصرنا، باعتبار هذه الدعوة هي لنسف اللغة العربية، فورا تنطلق صرخات الاحتجاج والاستغاثة محولين النقاش الى صياغات ايمانية ونصوص غيبية ومقولات خاوية من المضمون، لا تسوى أكثر من الحبر الذي صيغت فيه، كأن العرب نصف الأميين، او من لا يرهقون انفسهم بالقراءة، (وهم نتاج الأنظمة الفاسدة) يعرفون مفردات اللغة الكلاسيكية وما شاء الله لا يتحدثون الا بمفردات النصوص الدينية ولغة الجاحظ وبنحو سيبويه.

لا اكتب من منطلقات لغوية. فانا لست لغويا ولكني أعيش أزمة اللغة بنشاطي الاعلامي والثقافي والسياسي ومن اطلاعي الفلسفي العام على تاريخ اللغات.

 اللغة وسيلة وليست غاية ولا قداسة للغة. اللغة لا تعبد ولا يركع لها. هذا ما شرحه بعض الباحثين اللغويين بشكل ممتاز دون ان يكون بمثل وضوحي الذي سيرى به البعض فظاظة كبيرة.. خلافا لما سجله باحث موقر أميل الى تجاهل اسمه، لأن الأهمية للمضمون وليس للشخص، لا أرى أن "اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الأمة" كما كتب. هذا الطرح غير علمي تماما ومناقض للواقع.

اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية ولكنها ليست من أهم العوامل، لا ارى ان للغة دورا مؤثرا ووزنا مقرَّرا. الواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه. ان ما يوحد الشعوب العربية أكثر من اللغة، هو واقعها السياسي والاجتماعي، واقع الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المعيقة للتقدم وواقع الفقر والإملاق المرتبط جذريا بنوع الأنظمة.

 يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وتقدر على الأقل ب 150 مليون أمي ومصادر ترفعها الى 60% من المواطنين العرب (350 مليون نسمة)، والبعض يرفعها لأرقام فلكية... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفكّ الحرف او تقدر على التعامل باللغة مع المؤسسات المختلفة.. الى جانب مستوى قراءة متدن (نصف ساعة، البعض يقول ستة دقائق هي مدة القراءة للمواطن العربي سنويا، للمقارنة: اليهودي في اسرائيل يقرأ 50 كتابا سنويا)، عدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا لأسباب تعليمية تعتمد التلقين، هناك اسباب كثيرة أخرى كلها تجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او إحداث نقلة ثقافية وتيار وعي قومي. لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب ابناء المناطق الجغرافية الأخرى. هناك عشرات اللهجات الغريبة عن فهم مواطني الدول العربية، أحيانا في نفس الدولة (حتى في فلسطين لغة الشمال الفلسطيني (الجليل) تختلف عن لغة الجنوب الفلسطيني، ابناء المثلث مثلا، بعض المفردات لا نفهمها ولا نستوعب طريقة لفظها، رغم ان المسافة بيننا نصف ساعة بالسيارة، لا أتحدث عن الجنوب الأبعد، النقب مثلا)، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة تشكل أداة تباعد وتشرذم، خاصة بغياب روابط اجتماعية واقتصادية.

المواطن العربي الجائع للخبز لا يحتاج الى لغة وهوية قومية وانا اتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار الى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5% يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري. يتبين من معلومات جديدة ان الجيش المصري يعتبر من اكبر المنتجين في مصر، يقدر انتاجه ب 25% من مجمل الانتاج ومعفى تماما من الضرائب. أي ان جنرالات هذا الجيش لهم مصالح اقتصادية ويتمتعون بوضع خاص من المميزات. هذا ينعكس سلبا على الربيع المصري. بعض المصادر تنبه الى ان المجندين المصريين يُسخّرون في انتاج الجيش وليس في التدريبات العسكرية، وان هناك تراجعا في قدرات الجيش العسكرية، البعض يضيف اتهامات خطيرة: الجنود لا يعرفون استعمال الأسلحة الحديثة المتراكمة في المخازن وبالتالي المتنفذون في الجيش أصبحوا جزءا من القطط السمان ولكنه موضوع آخر.

هل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز (العيش – أي الحياة) والعمل؟ هل يقلق الجنرالات تطوير اللغة وتعزيز الرابط القومي؟

الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر كارل ماركس وقد ثبتت صحتها. الدول الرأسمالية المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها على قاعدة تطوير الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، النموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل. البعض لا يحب هذه المقارنة، تشعره بالضيق، لكن أحببنا ذلك أم لم نحبه... من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم (انتاج اسرائيل القومي الاجمالي السنوي هو اكثر من انتاج كل الدول العربية المحيطة بإسرائيل)، تعتبر اسرائيل اليوم دولة ذات أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات العليا بين المواطنين. علميا من أكثر دول العالم تقدما وتصديرا لمنتجات العلوم والتكنولوجيا، وهي ثالث او رابع مصدر اسلحة في العالم من حيث الكمية، العلم بات جزءاً جوهريا من الاقتصاد (80% من صادرات اسرائيل يعتمد على الهايتك)، للمقارنة غير المرغوبة أضيف: تنشر اسرائيل معدل 12 بحثا علميا لكل 10 الاف مواطن (36 بحثا لكل 30 الف مواطن )، العالم العربي ينشر بحثا علميا واحدا لكل 30 الف مواطن. يترجم في اسرائيل الى العبرية 100 كتاب لكل مليون مواطن في السنة، حين تصل الكمية في العالم العربي الى 3 كتب لكل مليون مواطن. هذا عدا ان كل كتاب يباع منه في اسرائيل كميات كبيرة تصل أحيانا الى 70 او 90 الف نسخة وبعضها يتجاوز ال 120 الف نسخة او أكثر. ما عدا قلة نادرة من الكتب العربية وزعت 30 الف نسخة، فكمية التسويق للكتاب العربي لا تتجاوز 3 – 5 الاف نسخة من الكتاب. تخصص اسرائيل للأبحاث العلمية ما نسبته 4.7 % من منتوجها السنوي الاجمالي... ويقدر اكثر ب 15 مرة من كل مل يخصص للأبحاث العلمية في العالم العربي. بذلك تتفوق على العديد من الدول العظمى في عدد العلماء بالنسبة للمواطنين وفي كمية الأبحاث العلمية الهامة، لدرجة ان العلوم المتطورة في اسرائيل مطلوبة في دول عديدة ومنها دول كبرى، باتت تؤثر على مواقف الكثير من الدول من موضوع النزاع الفلسطيني اسرائيلي. بكلمات أخرى، هناك علاقة اندماجية بين السياسة والاقتصاد والرقي العلمي والتكنولوجي وواقع اللغة.

هذا ليس تحديا حضاريا فقط، حتى احياء اللغة العبرية التي كانت ميتة قبل نصف قرن، أضحت اليوم لغة علوم وتقنيات ومراكز أبحاث، مما يثبت ان الاقتصاد والعلوم تدفع اللغة الى التطور وملاءمتها للنشاط العلمي والتكنولوجي. العلماء في اسرائيل ومنهم علماء عرب بارزون، يكتبون أبحاثهم باللغة العبرية السهلة الاستعمال والسهلة جدا للترجمة منها واليها. هذا دليل صغير على ان التطور الاقتصادي والعلمي للعالم العربي سيحدث نقلة لغوية سيكون لها ابعد الأثر على الفكر العربي أيضا وعلى اللغة بالتأكيد. أضيف ان كل نقاشنا اليوم حول التجديد والتقليد في اللغة العربية هو محاولة لجس النبض والتفكير بالآتي، في محاولة لاستباق الواقع، لجعل التحول اللغوي أكثر مرونة وقابلية للتجسد، لكن الأمر يحتاج الى نشر الوعي لأهمية اللغة في الانجاز الحضاري الحديث.. والأهم إصلاح جهاز التعليم العربي بناء على تجارب من سبقونا الى التقدم والتطور.

الانغلاق ستكون له إسقاطات سلبية قد تحول اللغة العربية الى لغة في طريق الاندثار، تماما كما اندثرت لغة المسيح الآرامية، التي كانت في وقتها لغة مقدسة سائدة في شرقنا، لغة ابن الله حسب أهل كتاب "العهد الجديد" ومن المفروض انها لغة الأب الذي في السماء أيضا!!

أعرف ان كلماتي لن تستسيغها بعض الآذان، لا أطرحها لأني أقبلها، انما لإثارة التفكير الواقعي بعيدا عن الغيبيات الإيمانية المغلقة وتسجيل رؤيتي ومخاوفي من مصير اللغة العربية.

يقولون اني دائما عكس التيار، وأرد: فقط الأسماك الميتة تمشي مع التيار!!

اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وأبحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم بلغة عربية ميسرة متطورة، وجعلها لغة علوم وأبحاث وتقنيات، هذا ليس قرارا من فوق، بل تخطيطا للتطوير والنهضة الشاملة الاجتماعية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، غيّبته أنظمة الفساد والقمع، وآمل ان لا نواصل نومة أهل الكهف، حتى لا نستيقظ على لغة فات أوان تسويقها لأصحابها أيضا.

لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس اليوم هي همٌّ قوميّ.

هل ستصمد في عالم لا ينتظر الخاملين؟

هل سيساعد كونها "لغة مقدسة" في الحفاظ عليها من الاندثار؟

ألا يعلم الواهمون بقداسة اللغة ان كل الأبحاث العربية العلمية الهامة يكتبها علماء العرب باللغات الأجنبية، أهمها لا ينشر في العالم العربي بسبب هجرة العقول العربية واندماج العلماء المهاجرين بالمجتمعات الحاضنة؟

قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيش صحتها كل يوم:" لغة الأمة الغالبة غالبة ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة". ما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط، تحت تحكم أنظمة فاسدة تهدم ولا تبني، تحديات في العلوم والاقتصاد والتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا الا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوب مغلوبة.

حان الوقت لفهم جديد لدور اللغة وأهمية هذا الدور في نقل العالم العربي من واقع الفقر والأنظمة الفاسدة، الى واقع التنوير والابداع الثقافي بكل امتداده المادي والروحي!!

 

نبيل عودة

 

 

سامي عبد العالمع سقوط الربيع العربي في الصراعات بأشكالها المختلفة، كان الخطاب الديني بمثابة حدِّ السكين. حدٌّ قد قطع كلَّ شريان ثوري مدني في حالتي مصر وليبيا تحديداً، حتى وصل الشأنُ إلى سلطة الإخوان (مصر) ومعارك الجهاد (ليبيا) وحروب جماعات الإرهاب (سوريا). وبدا واضحاً أنَّه قد مزّق أنسجة المجتمعات بين مؤمنين وكفار، مؤيدين ومعارضين، مهاجرين ومتخاذلين. ناهيك عن أنّ الخطاب قد دكَّ برجماتياً أسس الدولة الوطنية من أجل الولاء للأيديولوجيا العنيفة والبراء من تراث المجتمع والسياسة. وبخاصة حين استهدف الخطاب الديني إقامة (دولة الخلافة) على أنقاض الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها. إذ شكلّت مفاهيم الخلافة فوضى الإجراءات السياسية وصياغة الدساتير وظهور الشخصيات والبرامج والخطط المراوغة في التجارب الربيعية الوليدة.

وبإطالة أمد الصراع ذهب المدنيون بعيداً وبقي الإسلاميون في ميادين المعارك سواء أكانت مؤسسات أم برلمانات أم انتخابات أم نقابات. حاولت (قناتا الجزيرة والعربية) تطبيق هذا النموذج على اليمن وسوريا، لكنه فشل. فسوريا أضحت ساحة لصراعات دموية دولية بإمتياز. وبدا اسلاميُوها يعانون سذاجة الإخوان وضمورهم الأيديولوجي. أمَّا اليمن السعيد، فقد تلقفته السعودية بإعتباره معركتها الخاصة ضد التمدد الإيراني في خاصرة الأراضي العربية. وكان النموذج بمصر عنيفاً داخل قوالب الجماعات الدينية، بينما في ليبيا تكونت كتائب مقاتلة تدمر ما يقابلها. كلُّ من ينتمي إليها كان يرتبط بمظاهر الإسلام السياسي وأدبياته في الخطاب والقتال.

والنموذج السابق جعل الخطاب الديني حركياً. وأخذ الأخير يتبلور كسلاح ماديٍّ بالفعل. هنا ظهر أنصار التيارات الدينية المتشددة باستنفار كامل. بل كانوا رابضين باستديوهات الجزيرة والعربية طوال الوقت على أنهم محللون استراتيجيون. وأخذوا يطلقون أهدافهم على الملأ. وكانت الآراء الدينية لاعباً رئيساً في حشود الإخوان بمصر. ولم تخرج الاستراتيجية نفسها بليبيا عن كونها رأس حربة للتحرك على الأرض. طبعاً حدث ذلك تدريجياً: كيف؟

خُميني العرب ومملكة الفتوى

لعلنا نلاحظ أن الخطاب الديني بإطاره الوعظي والإفتائي والتكفيري كان يعلن عن نواياه السياسية، معززاً- عند الحاجة- الحلقةَ الواصلة بين السياسة والوجه الجهادي للدين. لدرجة أنَّ شيوخ قناة الجزيرة قد وقعوا ضحية ازدواجية لا تخطئها العين. هناك على سبيل المثال عدة وجوه وأقنعة ليوسف القرضاوي بين حالة عربية وأخرى، فلم يكن القرضاوي (الشيخ الليبي الشرس) المعلِّق على الأحداث والمستقوِّي على دولةٍ عربيةٍ بالقوات الغربية هو ذاته القرضاوي (الشيخ القطري الهامس) إذ كان يظهر على شاشة الجزيرة في برنامج " الشريعة والحياة" متضرعاً بأكُف النصيحة والدعاء للأنظمة الملكية والأميرية. وهذان القرضاويان الاثنان يختلفان عن يوسف القرضاوي (الشيخ المصري الحركي) الذي أَمَّ الثوار المصريين في ميدان التحرير بطريقةٍ رمزيةٍ مرتدياً عباءة "خميني العرب". فمن كان هو يوسف القرضاوي حقاً، أهو الليبي أم القطري أم المصري أم ماذا بالضبط..؟!

أما سبب تناقض أقنعة القرضاوي، فهو (الموقف الوظيفي) الذي يتبناه بغطاءٍ من آرائه الدينية المؤدلجة. ومع أنها أقنعة قد تتغاير من وضعٍ إلى آخر، وتنقلب نقيضاً إلى نقيضٍ على مائدة أمير أو ملك، لكنه الموقف نفسه الذي تماهى دون تردد في الحالة الليبية مع مواقف القوي الغربية. وبذلك شرّع فقهاء الفضائيات على طريقة القرضاوي (خميني العرب) بأن يكون الخطابُ السياسيُ خطاباً دينياً. أقصد خطاباً وظيفياً له مرجعية الحقيقة الدينية التي يؤمِن بها المسلمون كافةً. وبهذا تتخذ كمرجعية تنسحب عليها أغراضٌ سياسية وإعلامية. وقد حدثت بشأن منح القرضاوي حق العمل على الأرض لقوات التحالف في الشأن الليبي وفي غيره من دول.

وهذا يذكرنا بالقول الشهيرة: " أعطى من لا يملك لمن لا يستحق " مع مراعاة فروق السياق والتوقيت. أما الأخطر فهذا الخطاب الديني مثلّ صكاً ممنوحاً لقناة الجزيرة وغيرها لممارسة الكذب بالمعاني السالفة. أي كان صكاً أيضاً للتلاعب بعقول المتابعين ورسم واقع ليس هو الواقع بالمعنى الفعلي. الأمر الذي استغلته جيداً في التعليق والتحريض الممتد على مدار الساعة. منذ أنْ أعلنت ضرورةَ التخلص من النظام الليبي كاشفةً عن خريطةٍ أخرى للأحداث والمآرب. وبذلك سعت شاشة الجزيرة لإقرار المشروعية نفسها عسكرياً من الداخل والخارج. وحرصت على نقل المؤتمرات مع إبراز الآراء التي تؤيد موقفها وتدعم جوانب تغطيتها.

وقد فهمت الحشود العسكرية والجهادية المتواجدة على الأرض رسالتها بدقة، فأخذته هي الأخرى كبرنامج عمل حربي. وما كان من محللي فوضى الحشود والاشتباكات سوى تحديد المعالم وتوفير الخطط العسكرية للتغلب على الخصم. ولعبت الخبرات التي استضافتها الجزيرة دوراً ليس باليسير في شرح الموقف حين يتأزم. أمَّا المراوحة بين التعليق الديني والسياسي، فكأنّ الجزيرة تحاول رفع الروح المعنوية وإلهاب حماس المجاهدين على الجبهات. وخطابها بذلك كان يمثل لحظة نادرةً لصهر الخطاب والتصورات التي يتم العمل بها على الأرض.

لنتذكر عبر هذه اللحظة ذوبان الدينُ شبه التام في آتون السياسة. فلم يعُد له أي وجود مستقل، بل وعلى خلفية الأحداث والمواقف اتجهت السياسة "غربيةً وعربيةً" لأن تشكل عالماً بدون إلهٍ. فعلاً طبقت هذه السياسة البرجماتية المتناقضة عبارة نيتشه "الإله قد مات" . لقد أعلنت تأليه رموزها في محاولة لأخذ مكانه في خضم الأحداث. ففي غياب الإله يصبح كلُّ شيء مباحاً. وطالما أنَّ كلَ شيء مباح، فأولى بالفضائيات أنْ تكذب ثم تكذب وتكذب. على أساس أن أصدق الوقائع إعلامياً أكذبها، بطريقة الشعراء العرب القدامى" أصدق الشعر أكذبه" .

والمنبع المتفرع عنه ذلك واحد: ذلك التراث الثقافي الذي يغذي الخيال العربي شعراً وإعلاماً. إنه ثقافة التصحر حيث يمثل السراب الواحة الدائمة للأذهان والمؤامرات، سراب يعشش في الأدمغة والمفاهيم. ولأنها قنوات مسيّسة تحتاج إلى التشويق والإثارة، فقد جعلته آلية لغوية. وهي تعلم أن المشاهدين متحمسون بأرجلهم وأظافرهم وأنيابهم لرسائلها. ثم إن أنماط الممارسات السياسية العنيفة خلقت وضعاً لمشروعية دولية للتدخل على الأرض مختلفة عما ألفناه من مشروعيات. وأعتقد ضمن هذا لم تتورع شاشة الجزيرة عن استغلال رمزية الدين في ممارسة القمع المتواصل لكل ما يُضادها رأياً كان أم خطاباً. وهنا إذا أردنا أن نوصف الخطاب الديني فإنه إقرار لطقوس سياسية عنيفة لا تختلف عن أية نحلة عنصرية من هذا القبيل.

ومن ثمَّ كان الدين هو دين السياسة على لسان القرضاوي وعلى الصلابي وعائض القرني وصولاً إلى مانعي المظاهرات وأصحاب الافتاء السياسي كمشايخ السلاطين والإمارات والممالك الخليجية. ولا سيما أنَّ القوة الأمريكية، وهي القوة المهيمنة عالمياً، لا تعترف بأية قوةٍ غيرها. وتتوفر على كم هائل من الاحتماء اللانهائي بذاتها المتضخمة، كما لو كانت سراً مقدساً. هذا السر الذي سرعان ما ينفتح لمن هم من الأحبار والمريدين ورؤساء المنظمات الدولية الموالين لها. وهم في وضعهم هذا يُكّوِنون طبقةً من الدول التي تتعبد في محراب "القوة الأكبر" بحماية المحور الدولي للتحالف.

هكذا كانت تتواتر المشاهد المتلفزة، من داخل الاجتماعات والمؤتمرات وحلقات النقاش والجلسات الطارئة للأحلاف الإقليمية إزاء ليبيا. رسمت الفضائيات تلك الصور عبر إطار شعائري لإيقاع الخوف والترويع في روع الشعب العربي قبل الشعب الليبي. ثم بدورها غلّظت وسائط الإعلام تهديدات الأحلاف والهيئات الدولية، من خلال تلاوة القرارات التي تستند إلى قدرات متخذيها فقط. وفي العادة، كانت هناك القوة الأكبر - أمريكا كما أشرت - لتتحلق حولها كافة الأعين، ولتتعلق بها كل الآذان. وقد جرى هذا على شاشتي الجزيرة والعربية من خلال قُدّاس سياسي ديني. يعلن ضمنياً على الأقل عن تبادل الحدود وظيفياً بين الخطابين الديني والسياسي. وهي الحدود نفسها التي ترامت لتوعز من قبل البعض إلى إمكانية تحريك قوى دينية نائمة في جغرافيا العالم الإسلامي لتأجيج الصراع.

وسواء أكانت القوة المقصودة جماعات، كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية المقاتلة، وحركات كالجهاد أو شخصيات إسلامية، فإن هناك أمراً فُهِمَ بالتخاطر السياسي (لا الديني). أمر مفادُّه: ضرورة الإسراع بانتهاز الفرصة السانحة سعياً للانقضاض على النظام الليبي. لقد تعددت الأسباب والاتجاهات، وظل الهدفُ واحداً: الفوز بالغنيمة البترولية التي لطالما سال اللعابُ حولها. وفي حينه كان عبد الرحمن شلقم (وزير خارجية ليبيا آنذاك ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة) قد لخص - باتصال هاتفي على شاشة العربية- خطورة الهدف وأهميته بضرورة طّي الوقت طيّاً لمحاصرة القيادة الليبية من جميع النواحي. ثم ذكر عبارةً دالةً: هذه فرصتنا الأخيرة يا إخوان!! كأنه يقول كم رتبنا لهذه الخطوة، وأدرنا رؤوسنا متقلبين شمالاً وجنوباً بحثاً عنها. وهاهي الفرصة سانحة الآن، ونحن على استعداد للتحالف مع الشيطان لبلوغ المرام مع أهل الغرام بالسلطة والنفط!!

اتفق هؤلاء وأولئك كقوى بديلة في المشاهد نفسها مع مضمون دين السياسة الجديد، وخدم الفقهاء أهدافه بكل إصرار وترصد. فلم يعودوا خدماً للشرائع السماوية، بل كانوا سدنة لأمراء النفط والغاز والأحلاف العسكرية. وبذلك غدت "مملكة الفتوى" أكبر أثراً من كل ممالك الصحراء. بل أمسينا نرى عمائم أزهرية تحمل في طياتها سيادة الأمراء والسلاطين والرؤساء وأصحاب الفخامة والسمو. وبحجم فتواها الوظيفية كان ومازال يتسع سلطانهم الجغرافي إلى أقاصي الأرض أو أدناها. وعلى إثر ذلك الحال الهذلي، كان أجدى افتتاح علم جديد بمسمى "علم خرائط الإفتاء السياسي" . وهو علم أحى به أن ينقب في الكتب السماوية الخاصة بالأمراء عن مآرب السياسة وحقول النفط. من أجل ضخ الطاقة السياسية في أنوف حكام العرب والغرب على السواء. وهو علم جيو ديني بوليتيكي، يتذرع علماؤه بالمناشدات المسبوقة بالأسماء والصفات الإلهية وكذلك بالدعوات الباكية المتضرعة لإسقاط الأنظمة الحاكمة. وبهذا الهدف النبيل لا مانع من إطلاق اللعنات المرسلة عن بعد لملاحقة قيادات الدول المارقة!!

وبشأن ليبيا لم يتوان هؤلاء المشايخ عن تطبيقه بكل ممالأة وتواطؤ. فلم يستنكفوا الظهور في أي وقت من الأوقات على صفحة الشاشات الفضائية. ولعبوا دوراً مهماً من الناحية الاستراتيجية في تعجيل الضربات الموجهة إلى المدن الليبية من أجل حماية الشعب. واعتنى كلٌّ منهم بتحقيق أهدافه عبر الطريق الذي يعطيه السند الديني من وجهة نظره. واستدعى كل منهم صوته البراق، ونغمته المتوافقة مع مريديه المنتظرين للتمتمة الإلكترونية، فضلاً عن إطلاق الآهات والزفرات والنظرات المصحوبة بالتحليق في الأفق البعيد انتظاراً للمجهول.

وبالتزامن مع هذا الوضع ضمن مشهد آخر، ظهر بابا الفاتيكان متحدثاً من علٍ. يوجه الكلام إلى رعاياه عبر نافذة الوعظ والتراتيل بأحد المباني الكنسية. حيث نوه مشدداً على قوات التحالف الدولي أنْ تتوخى الحذرَ من جهةٍ، وأن تطبق قرار مجلس الأمن تطبيقاً أميناً يؤدى إلى حماية المدنيين من جهةٍ أخرى. ولا يخفى على قارئ أن هذا الظهور البابوي لم يغب عن تاريخية الصراع بين الخطابات الدينية، التي بقت فاعلة في السياسة منذ العصور الوسطى. لأنَّ هنالك مشروعيات قديمة، كان يحركها رجال الدين ويتبناها الساسة، لأجل إنقاذ المقدسات.

على هذا الإيقاع التاريخي تناهى إلى أسماعنا من طرف فقهاء الدولة الليبية المحليين مصطلح " الحرب الصليبيةcrusade ". أطلقوا التعبير كتوصيف غير مباشر لعملية التدخل الالحاصل في دولتهم. حتى يلتقي مع دلالة هذا التحالف الغربي بتراثه الوسيط. إذن أُطلق المصطلح بالتحديد لكي يفهم كل متلقٍ ما هي الممرات والدروب الخلفية للصراع بين الغرب والشرق. وبالتالي سيكتسب أي تحرك عسكري ضد النظام الليبي بعضَ رواسبها على الأقل. والمصطلح دعوة لمعارضي النظام للإفاقة من التخدير الإعلامي المضاد بحسب هؤلاء الفقهاء. ونوع من التميمة البلاغة لدفع العدوان الغربي كما دفعه قديماً قادة العرب والمسلمين. حقاً دلل الموقف على إمكانية وجود خطابات دينية مسيحية و إسلامية (بالفعل أو برد الفعل) تسير في نفس الآفاق. وتجدد نفس الحالة بصدد الدفاع أو الهجوم أو تعبئة الوعي العام مع سير الأحداث. لقد برهنت على رسم حدود ميدان خيالي متوسطي (البحر المتوسط) للنزال العسكري. وهو ميدان يشبه ألعاب الإعلام والوسائط الإلكترونية. لكنه يقف على تربه بركانية ملتهبة بالصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.

من جهة أخرى، لم يغب الخطاب الديني اليهودي عن التغطية الإعلامية. فقد ورد كخبر وسط حمأة الأنباء المتلاحقة عن ليبيا والربيع العربي مؤداه أنَّ إسرائيل تزمع في بناء مستوطنات لليهود داخل الكتل السكانية العربية. وتم ترديد الخبر نفسه على القنوات المحلية الليبية. وهو بوصفه خطاباً استيطانياً قيد التنفيذ، فقد أفرز مشروعية التدخل لاستكمال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وكما قال معلقو النظام الليبي استغل انشغال العالم بالمسألة الليبية، ليقرر أن هناك مخططاً يهدف إلى توغل المساكن اليهودية داخل الأحياء العربية الفلسطينية. في خطوة لافتة لتفكيكها وهضمها وامتصاصها داخل بطن الدولة اليهودية.

جرى الموضوع حينذاك بدعوى حماية اليهود من جيرانهم المقهورين. وبالتالي يصبح حق التدخل و بالأدق حق الاحتلال مشروعاً في أي وقت. على طريقة مسمار جحا الذي تركه في بيت باعه لآخر. غير أنه لم ينقطع طوال الأيام والأسابيع عن زيارة البيت للاطمئنان على المسمار، أين المسمار وكيف حاله وهل ظل ثابتاً أم لا؟! ومن مرة يتأخر فيها جحا داخل البيت ليتأكد من وجود المسمار إلى أخرى يتلكأ فيها متعللاً بإلقاء النظرة الأخيرة عليه، استطاع استعادة البيت كله مرةً ثانيةً. أخذ البيت بعد أن فاض الكيل بصاحبه من زيارات حجا المتطفلة، فتركه بجميع مساميره وذهب دون رجعة. وعلى الرغم من أن هذا النمط من الخطاب الديني بعيد بحكم سياقه المغاير إلاَّ أنه يكشف عن طبيعة "دين السياسة" العالمي. إنه فيما يتصور مؤيدو النظام الليبي خطاب " النموذج " القابل للتكرار عبر سياقات سياسية أخرى. وما تصرف قوى التحالف إزاء ليبيا إلا تطبيق له، ونتيجة تجري على منواله...أو هكذا يريد الإعلام المحلي أنْ يقول.

لاهوت العلمانية

هنا ينبغي التأكيد على الانحراف والتخليط في معنى العلمانية السياسية، تلك المهتمة كما يُزعم دائماً بالمصلحة والنفوذ والقوة فقط. فهذه العلمانية عن طريق القوة ليست ارتباطاً بالعالم والعلم والإنسان على ما تظهر مفردات كهذه في الممارسة السياسية. إنها إقرار لسلطة فوقية بديلة تحتل مكان المشروعية الدينية. وذلك اُستعمل أيضاً لإحداث مشروعية سياسية قافزةً فوق سيادة الدول وحقوقها مهما كانت خصوصية المشاكل التي تتورط فيها.

يتفرع عن التأكيد السابق أنَّ الابتعاد السياسي عن الدين بالمعنى الطقوسي جعل هناك متسعاً لممارسة نفس المضمون، لكن في شكل إنساني متطرف وعدواني. بحسب الاعتقاد السائد أن حالة العالم محكومة بهيمنة القطب الواحد. هكذا أصبحنا نرى قوى سياسية تتحدث بلغة الخطاب الديني في مصطلحات سياسية وأخلاقية، وتطرح مشروعات ديمقراطية عن طريق مؤسسات عابرة للحدود بهدف التهذيب والإصلاح الكونيين لبعض الدول المارقة، لكن تهذيب لمن وإصلاح لمن؟!

مبدئياً هي قوى عولمية تجوب أقاليم العالم وقاراته دون سقفٍ حقوقي أو قانوني. إذ تُطرح هاتين المحاولتين لتهذيب وإصلاح شياطين العالم وأشراره (دول محور الشر كما أصطلخ عليها الأمريكان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألفين وحادي عشر). حيث وضعتهم نصب أعيُنها الكونية نتيجة اقتناص مصالح أو شن حروب استباقية كما فعل بوش الابن. وقد نُظِرَ إليها- أي لتلك الدول- باعتبارها خارج الإيمان بالمبادئ والقيم الغربية. والقول نفسه تردد كثيراً على لسان الرئيس الأمريكي أوباما، وتردد في خطابات عدد لا بأس به من الساسة الغربيين، الذي يعلقون على سير الأحداث في العالم العربي. لقد جاء القول السابق في صورة عبارة تشير إلى الإسلاميين المتطرفين هكذا: " الذين لا يؤمنون بالإنسان ولا بروح الحضارة الغربية ". ولندقق النظر في أنَّ هؤلاء الساسة يستخدمون مصطلح الإيمان- الذي ظل مميزاً للتجربة الدينية- بالمعنى السياسي، فبات من حينه يقرر المعاني الدنيوية الأخرى ويطفو عليها.

كانت وسائل الإعلام هي الأداة الباطشة لكل من يقف في وجه هذا التيار المتشدد، بل لم تترك القوى الكبرى وبخاصة أمريكا فضاءً عالمياً دون أن تثبت خلاله تلك السلطة القامعة. وأمام الفضاء العربي الإسلامي استطاعت أن تُحرِك داخله الفاعلين المحليين من مشايخ وإعلاميين ورجال سياسة أنصاف ببغاوات ورؤساء منظمات إقليمية. فهؤلاء دون وعي عبارة عن قطع غيار في تروس آلة مهيمنة على العالم. ولا يغرُب عن بالنا أنّ أكثر المجالات- كالفتاوى والخطاب الديني- بُعداً عن الاتصال المباشر بتلك القضايا العالمية تخدم عن إلتفافٍ ومناورة أهدافاً ومصالح حيوية لهذا الاتجاه. لأنها تتم من خلال وسيط خطابي توليفي يُؤخِر ويُقدِم ويُعيِد إنتاج المشاهد إعلامياً.

لعلّ هذا ما دفعني للقول إن بعض القنوات العربية تكثف الاتجاه العالمي الغالب على نحو لا مثيل له. وتدعم رؤية الأخيرة بصدد القدرة على الاحتواء والاستعمال غير المباشر للموارد الدينية كالمذاهب والرموز والتنظيمات الحركية التي تصب في الإطار العام. حتى ولو كانت تلك القنوات تغذي في الظاهر مصالحها القصيرة. فليس بن لادن والقرضاوي والقرني سوى مساهمين فاعلين في إمداد الفضائيات بالذخيرة الدينية الحية – مثل الأحكام والأحاديث والفتاوى والأحاديث اللاذعة على اختلاف مشاربها من جهة الرؤية والمنطق والنتائج- لقصف من يناوئها. من هذا الجانب لم تكن الفضائيات محايدة على الإطلاق.

إن هناك توظيفاً مضاعفاً عن طريق الوسيط الإعلامي بفضل مونتاج خطابي خاص بالعقل السياسي والأحداث الجارية. هي تضاعف تبرير التدخل في الشؤون الخاصة بدولة من الدول، فتصبح كل وحدة خطابية من عبارات وشعارات لها ترتيب معين، ولها مساراتها التي تستنطق ذهنية المتلقي، بما يتواءم مع الهدف غير المعلن. وإن كان الوضع (في المسألة الليبية) هدفاً معلناً بوضوح: تدمير قدرات الدولة وانتهاك سيادتها!! لكن أُخفيت سلسلة الأهداف التالية.

من ثم لم تكن فتاوى القرضاوي ولا حوارات الصلابي ملكاً لهما بتلك الطريقة. بدليل أنَّ قناتي الجزيرة والعربية ما إنْ طرحتا هذه الخطابات حتى كانتا تشددان على دلالةٍ أخرى في تفاصيل الأحداث، دلالة كانت تلتحم في الأفق العام مع ما يقوله براك أوباما وساركوزي، وتؤيد ما يعلنانه من خطط عسكرية لضرب القوات التابعة للدولة الليبية. الفرق أنَّ القرضاوي والصلابي كانا يرتديان عمامتين شرقيتين. واتساقاً مع ذلك كان المنتظر أن يخلعانهما على الرئيسين الأمريكي والفرنسي. لكن القاعدة المنطقية تقول: إذا توحدت المصالح تشابهت المواقف، بل تطابقت الأفكار تماماً.

وكان و مازال السؤال يجري بالطبع حول: أيةُ أيدٍ كانت تعبثُ بفكرة الحق والمشروعية لإسقاطها على الواقع؟ مهما تكّن الإجابةُ التي حلحلنا خيوطها إلى الآن. فالقراءة السابقة أبرزت عدة نقاط بصدد المسألة الليبية:

1- لكم صاغ الخطاب الإعلامي (للجزيرة والعربية والحرة...) مشروعيةً للصور المبثوثة التي لم تمت للواقع بصلة. و قامت هذه الشاشات بتكرارها حتى تتعلق بخلفية المتلقي، وتشكل متصلاً للاستنتاج البصري المتتابع أمام تطور الأحداث بل كانت تحاول أن ترمي إلى الأمام منها لتغطية المستقبل. وبخاصة إذا كان الإعلام يتبنى أيديولوجيا مسبقة تناوئ موضوع التغطية. كما تم إخفاء وجوه أخرى للصراع على الأرض، بينما جري التأكيد على وجه معين فقط على مستوى التحليلات واللقطات الجزئية كي يكون التصور المشوه والراجع شاملاً في المقابل.

2- لعب هذا الخطاب ذاته على وتر المشاعر عن طريق تكرار المشاهد المُخيفة نتيجة الصراع الدموي بين النظام والمعارضين. كي يُقنع المتابع بما يراه على أنه الواقع الحقيقي. وهذا لون إعلامي يذهب عادة خلف صور مثيرة بصرياً، حتى ولو كانت دامية، لتنال قدراً كبيراً من التعاطف. ينجرف المتابع إلى هذا لأنَّ هناك تماثلاً في الشعور الإنساني تجاه صور القتل والرعب من مجمل الناس. وهذا احتاج من قناتي الجزيرة والعربية وغيرهما إلى أسلوب القص واللصق البصري، وإدخال مشاهد مكان مشاهد أخرى مع اختلاف التعليق، مع نزع الكلمات والعبارات من سياقها ووضعها في سياق آخر. كما حدث مع خطاب الرئيس الليبي في الساحة الخضراء، الذي تم اجتزاء جملة منه مثل قوله: "إذا كان الشعب الليبي لا يحب معمر القذافي فلا يستحق الحياة".

فعلى الرغم من أنَّ الزعيم الليبي قد أكد آنذاك على مضمونها مرة أخرى في الخطاب ذاته كالتالي: " إذا كان الشعب لا يحب معمر القذافي، فإنَّ معمر القذافي لا يستحق الحياة "، إلاَّ أنه تم استنطاق هذه الجملة في حينها- على هيئة خبر عاجل أسفل شاشة العربية- بما يفيد: أن الشعب الليبي ذاته لا يستحق الحياة في حالة عدم حبه لقائده المفدَّى. وبالتالي استناداً إلى هذا التحريف الخطابي، أصبح المجتمع الدولي أمام حالة للإبادة الجماعية وإهدار حقوق الشعوب، بينما منطق العبارة بحسب ما كان يقول صاحبها: أنَّه هو نفسه كحاكم لا يستحق الحياة .. ذلك على قاعدة أنَّ الشعب هو مصدر الحياة لزعيمه ومنه يستمد وجوده ومشروعية بقائه.

3- تمَّ انتزاع التصريحات من بعض المسؤولين الدوليين لإدانة الأثر الحاصل نتيجة صور القتل والتدمير دون معرفة مصدرها الفعلي أو التحقق منها. في هذا المجال كان انتقاء هؤلاء الشخصيات الواقعة على رأس المنظمات العالمية والإقليمية فاعلاً في توقع ما هو قادم (أو بالأحرى التنبؤ بما سيحدث). بل وصل هذا الأسلوب إلى أكثر، جرى دفعه في الاتجاه الذي تتبناه القناة الفضائية كالجزيرة التي كانت فاقعة الإيغال في هذا المنحى. وضح ذلك جلياً بصدد القرارات السريعة التي كانت قد اتخذتها جامعة الدول العربية بشأن تعليق عضوية ليبيا، وعجلت بقرارات الإدانة التي ما إنْ وصلت إلى مجلس الأمن حتى استحالت إلى إجراءات عسكرية رادعة. وذلك بناءً على تقارير إخباريةٍ غير صادقة، وبفعل ما شاهده وسمعه عمرو موسى أمين الجامعة العربية وأعضاء مجلس الأمن دون أن يتقصوا الحقائق.

4- إعلاء نبرة التحريض الذي يواصل مفعوله كلما خبا أوار الصراع المسلح على الأرض، أو كلما رأت القناة أحداثاً هادئة هنا أوهناك. وشمل التحريض بالنسبة للجزيرة مثلاً الاستعانة بمن هم قادرين فنياً وعسكرياً على رسم الخطط والاستراتيجيات التي تخرج الطرف (المتمرد) من مآزق عملية أو إعلامية. وفي الوقت نفسه تم التكتم على الآراء والوقائع التي لا تنتظم وفق هذه التغطية. وإذا كانت تلك الآراء مؤثرةً، فكانت تُعطى لها مساحة ضيقة وهامشية، عادةً ما يقطعها مقدم البرنامج استعداداً لجولة قادمة.

5- كان التوسع واضحاً في فقه الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي (أي الفقه الوارد على الشاشات وعبر الواقع الإفتراضي)، حتى كاد يُلامس حدود وإدارة المعارك على أرض الواقع، وكاد يدس أنفه في كافة المواقف والتفاصيل المؤيدة والمدعمة لجانب الطرف الثائر (المعارضين)، ثم سرعان ما كانت تُعممّ الفتاوى دون حساب الآثار والنتائج التي تشكل جانباً مهماً لمقاصد الدين. فعلى سبيل المثال هناك قول مأثور دينياً يدحض هذا المنحى: " درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".

وبالمناسبة هو قول مهم على مستوى التشريع. لأن الأساس في الفتوى ليس تمتع الفعل الذي تفصل فيه بالحلال أو الحرام فقط كمبدأ صوري، لكن أيضاً أن ترتهن باستشراف النتائج المترتبة عليه. وذلك بفضل الآثار المترتبة على إمكانية ظهور المفاسد وإمكانية استفحالها وإن كان المدخل إليها من باب المصالح الوقتية المقبولة. ولعلَّ هذا ما قد يبطل فعلاً مباحاً في حالة إذا قاد إلى النهاية الفاسدة نفسها. وبالتالي تبطل الفتوى بدورها ولو كانت صحيحة إذا اسفرت عن مفاسد. غير أنَّ هؤلاء المشايخ يطلقون العنان لكلماتهم من غير التفكير في العواقب ودون دراية بطبيعة المجتمع الليبي ولا غيره من المجتمعات.

في المحصلة كان ومازال (دين السياسة أو السياسة كدين) عبارة عن إقرار " الواقع الافتراضي" البديل الذي تبثه الفضائيات المؤدلجة، والسعي للبحث عن فرضه على الواقع فرضاً. ولذلك كثيراً ما تضم صناعة الكذب جميع الأنماط من تحليلات وخطط استراتيجية وآراء ملفقة وتوظيفات. وهي آراء قد تكون مأخوذة بالتماثل بين حالات في دول أخرى كمصر وتونس، ولكن لم يرضَ الخطاب الاعلامي بديلاً عنها في المجتمع الليبي، رغم اختلاف سياق المجتمعات المتجاورة. والحق أن السياسات العسكرية وُضِعت بمصاحبة الإعلام أصولاً للاهوت التحريم والتحليل المصحوب بالخطط والتحركات. ولجأت إلى تثبيت قوى عليا ناسجةً حولها مجازات الخوف والرعب والتدمير. نتذكر في هذا الشأن مصطلحات غربية لم تبرد دلالتها مثل:"أسلحة الدمار الشامل"، "الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية، "الصدمة والرعب" التي تعبر عن هذا العالم المرعب.

 

د. سامي عبد العال

 

فارس حامد عبدالكريمتعد المرونة العقلية للفرد من أهم عوامل تطور وتقدم البشرية، ومن شواهد ذلك ان أفراداً معدودين غيروا مجرىالتاريخوالبشرية باكتشافاتهم أو بأختراعاتهم الإبداعية، وهكذا كان ذوي العقول المرنة الملهمين دوماً لأفكار جديدة.

بينما كان الجمود الذهني ولازال، المرتبط دوماً بثوابت لاتقبل الجدل والتغيير،  سبباً مهماً في تعميق الآلام والمآسي  التي عانت منها البشرية وحقائق التاريخ القريب والبعيد تؤكد ذلك.

ويكاد أن لايخلو معطى من معطيات الحياة من تأثير المرونة العقلية أو الجمود الذهني، فهما حاضران فيالإقتصاد والسياسية والتعليم والدين والمساءل الشرعية وفي جميع العلاقات الإجتماعية.

معنى:

تُعرف المرونة العقلية؛ بأنها قدرة المرء على توليد العديد من الأفكار الفريدة الجديدة وغير التقليدية وتقبل الأفكارالجديدة ووجهات النظر المتعددة بما يُلائم المواقف المتغيرة المختلفة والطارئة التي يواجهها والتأقلم معها.

وهذا يعني ان للمرونة العقلية جانبين احدهما أن يکون لدى الفرد السلاسة والليونة فى أفکاره وقدرته علىالإنتاجالذاتي للأفكار الجديدة المتنوعة غير المتوقعة والإنتقال من فكرة الى اخرى دون التقيد بأطار محدد.

اما الجانب الآخر  للمرونة فيتمثل بالقدرة على تلقي الأفكار الجديدة من الآخرين واستيعابها والتعامل معها حسبظروفالزمان والمكان.

ويلتحظ الباحثين في هذا المجال أن للمرونة العقلية مظهرين هما؛ المرونة التكيفية والمرونة التلقائية

أولاً- المرونة التكيفية؛ وتعني قدرة الفرد على تغيير طريقة تفكيره في مواجهة المشكلات وإيجاد الحلول الملائمة لها.

ثانياً- المرونة التلقائية؛ وتعني قدرة الفرد على الانتقال من فكرة إلى أخرى عند مواجهة مشكلة ما بشكل تلقائي دون التقيد بإطار معين في التفكير.

ومن مظاهر المرونة العقلية عند الشخص القدرة على إدراك مختلف العلاقات والفوارق الدقيقة بين الوقائع المختلفة.

ويظهر الشخص ذو العقلية المرنة انماطاً عقلية متنوعة اثناء النشاط الإبتكاري، ولديه نشاط عقلي تأملي مجرد ومهارة حل المشكلات والتفكير الإبداعي.

ويعي صاحب الذهن المرن انه افكاره تواجه عالماً متغيراً مما لايجعل من اراءه ومعتقداته قطعية ولذلك فهو يحترم وجهات نظر الآخرين ويتناولها بالدرس والتحليل وقد يتبناها ان وجد انها تمثل الحقيقة، تاركاً الجدل العقيم والرغبة في التسلط والجمود الفكري.

والمرونة العقلية والفكرية من الصفات والمهارات التي يجب علينا تعلمها وتعليمها لأبنائنا بالتدريب عليها، فهي تنمو بالاستعداد دائماً لتقبل كل الأفكار ومحاولة الخروج عن المألوف منها لإيجاد أفكار جديدة.

والمرونة هي نقيض لمفهوم الجمود الذهني الذي يعني تبني أنماط ذهنية محددة مسبقاً وثابتة أو غير قابلة للتغيير حسب ما تستدعي الحاجة.

ويعد الجمود الفكري آفة خطيرة تضرب خاصرة المجتمع وتطيح به الى مهاوي التخلف والركود والخمول، ولاشك فيانه مانع تاريخي عتيد للتطور، واذا كان الجمود الفكري لايقبل بل يعارض الأفكار المتطورة والمستحدثة بكل قوة فأنه يتوافق بشكل غريب مع الخرافات والأساطير

ولاشك ان جموداً فكرياً ضرب العراق والعراقيين في فترات احتلال وغزو دامت لقرون، منذ سقوط الدولة العباسية المدوي، ما انفكت تذبح العراقيين بدم بارد، ورغم ان تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921) قد شهد تحركاً واسعاً لبناء مجتمع عراقي حديث انتج في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي حركة ثقافية وادبية وفنية متطورة قياساً لظروفالزمان والمكان، وبرز اطباء ومهندسون ومحامون ادباء وفنانون وشعراء وسياسيون على مستوى عال من المرونة العقلية، إلا هذاالظهور الحر للعقل العراقي المبدع لم يستطع مقاومة الجمود الفكري الراسخ في العقل الإجتماعي المتوارث جيلاًأثرجيل، بل دخل في صراع فكري مرير تداخلت فيه السياسة مع الدين مما افضى الى اوضاع سياسية وفكرية شاذة سيطرت على الساحة الإجتماعية والسياسية لعقود من الصراعات والحروب وأطبقت على الثقافة والفن لتعيدنا من الناحية الرمزية الى العصر الحجري او قل الى عصر العقل المتحجر.

الحل:

تعزى ظاهرة الجمود الفكري الى عدة اسباب، منها؛

- الانظمة الدكتاتورية التي تخنق الثقافة والمثقفين وتحاول ان تتلخص منهم بشتى الطرق.

النظام الإجتماعي المغلق لأسباب قبلية او دينية او سيطرة الخرافات والأساطير على عقول الناس.

النظم التعليمية التربوية البائسة التي لايحمل القائمين عليها حرصاً وطنياً او انهم  بذاتهم مرضى بأمراضالقبلية والعشائرية ويعانون من بذاتهم من الجمود الفكري. مما يستوجب إعادة النظر في المناهج الدراسية وإثراؤهابمهارات التفكير الإبداعي وتبني طرائق تدريس حديثة تساعد على تنمية التفكير الإبداعي لدى  الطلاب لبناء جيل استثنائي يتميز بالمرونة العقلية والفكرية التي تمنحه القدرة على مواجهة المشكلات والأزمات الصعبة بمرونة وتلقائية.

عدم الإهتمام بالبحوث والدراسات التي تساعد على تنوير الشعب وخلق ثقافة عامة مرنة، ففي العراق تبقى اطاريحالماجستير والدكتوراه اسيرة المكتبات حتى يعلوها الغبار ، ولا يمسحه عنها سوى باحث آخر يقتبس منها مايحتاجه ليعيدها الى الرف وتتكرر نفس المأساة مع اطروحته.

الحلول

لاشك ان معالجة الأسباب هو الطريق الصحيح لحل أية مشكلة إجتماعية، ولكن تبقى الديمقراطية الحقة التي تسيرقدماً بإرادة الشعب الحقيقية دون معوقات وتدخلات هي الأرض الخصبة لنمو الإبداع والحرية الفكرية التي تعطي الأمل بالتغيير الجذري لواقع اجتماعي لايزال يعيش في بعض جوانبه في القرون الوسطى.

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

حمزة بلحاج صالحتطابقه لا ينفي اختلافه ومكره مؤسس على فلسفة لا على تخمين وعاطفة.. 

فلتكن فلسفة انتهى بها المطاف إلى أن تكون اليوم عدمية مادية إلحادية ...

لكنها فلسفة ومعرفة وفكر...

 الغرب واحد في ميتافيزيقاه وأساسه الفلسفي والمعرفي والحضاري..

لكنه يمنح عبر فراغاته وبعض انفلاتات عناصره ورموزه على النموذج السائد فهما ومنجزا تموقعات ممكنة جدا ...

لمن يشتغل معرفيا  بجد من أجل المساهمة في وجود وظهور منعرجاتtournants au sens bifurcations  تاريخية ...

أو توظيفها عند التحقق ومن أجل تفاعلات على مستوى خطابه وخلخلة لبعض مركزياته  ..

صحيح قوة الغرب تمنحه نوعا من الغلق والتمركز والتمنع الذي يجعل التموقع في فراغاته صعبة ومكلفة ومعقدة...

لا شيء من غير كلفة وسعر وتضحيات وعلم...

كفى يقودنا أعشار المتعلمين ومن سموهم أهل التخصص لأنهم حصلوا شهادة تخرج من تخصص الشريعة من التقليديين والتراثيين والوعاظ ومهيجي العواطف ومختزلي الأزمة في شق أخلاقي يختصر الأخلاق في فجور مابين الفخذين والكذب والخمر ووو... الطاعة في عبادات ظاهرية ونوافل وأدعية ونواميس ...

الزعم بأن الغرب ماكر ومهما فعلنا في تقريب المسافة الإنسانية بيننا وبينه فلن يرضى عنا  زعم يغلق لعبة الدومينو وهي غير مغلقة..."....

الممكنات عديدة جدا.. ..

هي منعرجات قد لا نساهم في ظهورها  ووقوعها لكن علينا أن لا نفوتها بعقل متيقظ راصد إحتراسي نتلقفها به ...

فضاء الإشتغال هو للنخب العضوية المنظمة والقوية بالمعرفة والفكر والإستشراف والفعل العميق والعالم والممارسة لشبكة من العلاقات قطريا إقليميا وعالميا ...

متحركة في الخارج كما في الداخل....

نخبنا تذهب إلى الغرب للإتنظام لا للتفاعل ..

بل تمارس الانتظام الإنهزامي في عقر دارها ...

إنها نخب للضجيج لا للعمل العميق..

نخبنا يغلب عليها أنها دعوية وعظية تبشيرية لا فكرية وعضوية مثقفة وناقدة ومفكرة واستراتيجية تشتغل بما يسمى " تسيير المستقبل" Manager l'Avenirو المساهمة في استغلال وتسريع وتلقف منعرجاته ses bifurcations  ...

نخبنا لا تاريخية وأسطورية ولا نقدية  بل ضد نقدية...

نخبنا مزهوة بتدينها قنوعة بفهمها أحادية وزهيدة في كسبها ...

أو مستلبة مرتهنة مغتربة ...

نخبنا تختزل العقل في عنوان سطحي محدود الدور عاجز أمام سنن الله الكونية...

و لا تؤسس خطابا متميزا يحاور ويسائل ويطرح البدائل ويبحث عن التموقع في الطريق المسجود يرسم ثغرات وممرات للعبور..

نخبنا تعض بالنواجذ على يقينيات ومسلمات كثير منها عائق كبير وعارية على أن يكون من المسلمات والقطعيات بل ترفعها إلى مكانة الوحي والمقدس تخون من ناقشها وشكك فيها ومارس عليها نقدا وسلط عليها الفحص العلمي ...

فهي تخونه وتشبيطنه وتسفهه وتصنفه وتقف عثرة في مسار خطاب ومشروع التحول والتوثب...

لا توثب من غير حوار عميق فلسفي وثقافي وأنطولوجي ووجودي رفيع الكسب ومتين التأسيس مع الذات والاخر الذي يحدد لحظتنا وكيفية  عيشها...

لا توثب ونحن نخشى مواجهة ذاتنا باسم "اعتزال الفتن إيمان"...

لا توثب وعقلنا منذ خمسة عشر قرن خلت هو نفسه عقلنا اليوم بل أسوأ لأنه يشتغل بمنجز جزء كبير منه تاكلو بات عليلا ...

لا توثب يحصل ونحن نعترض مسار المحاولات ونمارس تصورنا للحياة ولحظة عيشنا بعقل بارك ومنطفىء وباهت وتصنيفي ومستقيل عن الواقع...

عقل يقدس اللامقدس ويوسع من الوحي الى خارج الوحي ويصنم البشر والمقولات ويقتل الحياة باسم الاصول والثوابت والقيينيات والمسلمات والقطعيات...

عقل صنع الأصنام وهو يحارب اليوم من يحاربها...

لا توثب ونحن نردد كالعجائز مقولة الوحدة ونرفض مواجهة وهم الإختلاف الذي يزرع في طريقنا قنابل تفجر كينونتنا الحضارية الى طائفية مستقيلة عن التاريخ وسياقاته وتعود بنا إلى استلابات ماضوية...

لا توثب وبعضنا يمارس على النخبة مقولة الوصاية على الدين يحول فهوم البشر ومقولة " أهل العلم" و" العلماء" و" أهل التخص" إلى سد منيع في طريق القومة والإنبعاث والتحديث والإجتهاد والإبداع والإبتكار...

يردد خرافات العجائز..النقد ليس مشروعا...النقد ليس بديلا ..

حضارة الغرب قامت على نبذ الوصاية وهو أساس التنوير وعلى العقل النقدي التحليلي وهو أساس البناء ...

تذكروا مقولة الفيلسوف هايدغر " الهدم هو لحظة في البناء الجديد" ...

المشروع ليس وصفة تكتب للمستسلمين والعاجزين والمنهزمين ..

المشروع ليس عبارة فضفاضة تختبىء وراءها المشيخات التي تقتات من زعاماتها الزمنيةاللابسة لبوس المطلق...

المشروع حل لا يقدمه الملهم والمهدي المنتظر...

أكبر مشروع قامت عليه الحضارة الغربية هو مشروع صناعة العقل النقدي التحليلي..

لا صناعة عقل الوصفات واتباع الكاريزمات والمشيخات الإلاهية والخطابات الدوغمائية ...

من نوع التوظيفات الفاسدة والفهوم المزورة للقران والوحي  باعتبارهما من صنعا العقل النقدي  التحليلي بامتياز ...

مثل الفهم الفاسد المضر لقوله تعالى  " ما فرطنا في الكتاب من شيء" و" الاسلام هو الحل" و "تطبيق الشريعة" و" الإسلام دين ودولة" و" الحدود أساس شريعة الإسلام" و" الإسلام دين محارب يفرض الجزية على أهل الذمة والكفار يعطونها عن يد وهم صاغرون" و" نصر الرسول صلى الله عليه وسلم بالرعب أربعون خريفا" ...

لا توثب ونحن نعتقد أن على النخبة أن تتحول إلى عامة الناس يجرجرونها في قضايا تافهة وتفكير مسطح ووسطاء ومطبيلن يجمعون " الغاشي"  و" أعداد من الانس" ينتظمون في خطوطهم ولا يصدمونهم خوفا من فقدان رضاهم  أو لأنهم لا يتوفرون على خصائص النخبة لأنهم في الحقيقة من عامة الناس ولو حملوا أعلى الشهادات ....

فلا تتعجب إن كان كثير من حملة الشهادات العليا يحملون معهم عقلا مدمرا ومسطحا لا يملك الأدوات والمنهج والقراءة والنقد فهو في حاجة الى محو الأمية ...

لا توثب ونحن لا نقول للناس "لا" وإن قال لهم غيرنا وقالوا هم جميعا "نعم" ونقول لهم "نعم" وإن قال لهم غيرنا وقالوا  جميعا "لا"...

لا توثب والمثقف النقدي والأكاديمي والعالم والمفكر والواعظ والإمام والمصلح يمارسون "ما يرضاه المستمعون" ويكتبون ويقولون "ما يطلبه المستمعون" ويخشون معارضة الناس ولا تهمهم في الواقع المخفي إلا الزعامتية والشعبوية والضجيج والتهريج والإنتظام ...

لا توثب وتفكيرنا لا يغادر طقوس وأركان الحلال والحرام ونواميس التعبد والمأثورات  والأدعية وجلسات المذاكرة والنصح ونوافل العبادات وحفظ القران وإتقان غناته وإدغامه وقواعد ترتيله وتجويده قبل الإستبحار في كبريات نواظمه الكونية  والاشتغال بأدوات الإقلاع والوثبة وبالتدبر والمعاني...

لا توثب ونحن لا نعرف الغرب إلا شيطانا وكافرا وفاسقا وإباحيا يتامر على الدين وإن كان بعض هذا من مهامه لكن الأمر أكبر...

لا توثب وبعض نخبنا تبحث عن التموقع بين الشعب ولو بالنفاق الإجتماعي والكذب والجهالة والمسايرة سواء تعلق الأمر بمقولة الغرب أو الذات ..

لا توثب وبعض النشطاء في الفضاء العام من الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين لأنهم أهل تخصص وحملة شهادات جامعية  عليا ولا يقومون بمواجهة وصدمة  الوعي الجمعي بل تكريس حاله التعيس واحيانا لان فاقد الشيء لا يعطيه وهم يفقدون اشياء ...

و يعتبرون ذلك فتنة وفوق قدرات الناس وزرع فتنة وتحميل الناس ما لا يطيقون وغيرها من التبريرات الكاذبة وحديث العجائز وهي طرق للإختباء وكسب ود الجميع وإبقاءهم على أخطاءهم وعدم معارضتهم ...

و يتناسون أن فساد مقولاتهم العجائزية الهرمة واضح لا يحتاج إلى تعليل واستدلال فمواجهة الناس من المتعلمين وحملة الشهادات غير مواجهة العامة ومواجهة بعض المنتسبين للنخبة غير مواجهة من يصلح أن يكونوا نخبة عالمة...

لا توثب ونحن لا نقارب الغرب وجهازه المفهومي ونقف على أسسه ومرتكزاته وميتافيزيقاه مقاربة متحررة من كل أشكال الإستلاب التراثي والغربي ....

تجعلنا نتابع بدقة متناهية مسارات التحول والتجاوز والمنابع وبنية المرجعيات وصلتها بالراهن وبالأصول ...

الغرب ليس ملة واحدة وتقسيمات دار الحرب ودار الإسلام ومقولات الحق والباطل ومقولات الإيمان والكفر والولاء والبراء ...الخ يجب ان تراجع فهومها التراثية وتمتراستها الأيديولوجية والسياسية  وسياقاتها وأطرها السوسيو- معرفية...

أو نصوم عن الكلام...

أو ننسى مقولات الإقلاع والتوثب..

نحن لسنا على هذا الكوكب وحدنا...

لا أفضلية وأحقية لنا في النصر لأننا امنا بالله وكنا مؤمنين وأسلمنا وكنا مسلمين ..

 ولا منة لنا على الله لأننا من المؤمنين والمسلمين ...

و إذا واصلنا عصياننا عبر هذا الفهم الطائفي المقيت اللإنساني واللاكوني فمن حق الله أن يستبدل قوما غيرنا...

 

حمزة بلحاج صالح

واحدية الغرب لا تنفي ثغراته

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العربي بين خطابين (9)

ناقشنا في المساق السابق موقف (علي أحمد سعيد/ أدونيس) المُمَجِّد لفِكر (أبي العلاء المعرِّي)، غير ناظرٍ إناه، المليء بمواقف متناقضة، ومنها مواقفه الجاهليَّة من المرأة.  متغنِّيًا دائمًا ببيته:9

اثنانِ أَهلُ الأَرضِ: ذو دِينٍ بِلا

عَقلٍ، وآخَرُ عاقلٌ لا دِين لَهُ

وقلنا: إنَّ غاية ما تصوِّره الأبيات، التي منها هذا الشاهد الأدونيسي، المأساة العامَّة في اختلال الموازين بين بني الإنسان، منتقِدًا الشاعرُ أَتباع الدِّيانات جميعًا.  ولكن أليس في أهل الأرض ذو دِينٍ عاقل، أو عاقلٌ دَيِّن؟  وليكن المعرِّيَّ نفسه؟!  وكأنَّ هاتين الصِّفتَين لا تجتمعان في امرئٍ واحد. ولو كان ذلك ما عناه النصُّ، لَما قَدَّمَ أبياتًا لوصف فساد أتباع الدِّيانات- عرضناها على القارئ في المساق السابق- مصوِّرًا التعارض بين ما يقولون وما يُضمِرون، وبين كلامهم عن ادِّعاء الأنوار واستحلالهم الخمور، ولَما كان معنًى لتخويفهم بالقضاء السَّماوي، ولَما وصفَ بعضهم بالهفوة، وآخَرين بعدم الاهتداء، أو بالحَيرة، أو بالضَّلال، بل لوَصفَ الأديان ذاتها بتلك المعايب، لا أهلها.  وإنَّما ظاهرُ النصِّ تعريةُ زَيغ الناس عن الجادَّة المستقيمة، الآخِذة بمعادلة العقل والدِّين.

هذا كل ما هنالك.  غير أن المطلوب إثباته- اعتسافًا- لدَى من يستشهدون ببيت المعرِّي الأخير، نقيض ذلك؛ فالمطلوب إثباته أنَّ الشاعر كان يمتدح "ذا العقل بلا دِين"، ويهجو في المقابل: "الدَّيِّن"- وهو بالضرورة دَيِّنٌ بدِينٍ محدَّدٍ مؤرِّق- ولذا لا عقل له!

وهكذا تلعب الإديولوجيَّات بالعقول، وتبعث على تدليس النصوص والمعاني، مصوِّرةً المعرِّي- كما في هذا النموذج- على أنَّه ذلك المفكِّر العقلاني المتحرِّر، نصير العقلانيَّة المطلَقة، والحُريَّة الجذريَّة من الأديان. ويا لها من عقلانيَّةٍ وحُريَّةٍ لدَى رجلٍ ظلَّ أميل إلى العقل التقليدي، والطبيعة الخرافيَّة، حتى إنَّه ليدعو صراحة- في ما يدعو إليه- إلى "دفن المرأة"؟!  أفلا يقرأ هؤلاء غير ما يُحِبُّون أو يتوهَّمون؟ أينهم عن لزوميَّته(1)، مثلًا:

وإنْ تُعْطَ الإناثَ ، فأيُّ بُؤْسٍ

تَبَيَّنَ في وُجُوْهِ مُقَسَّماتِ

يُرِدْنَ بُعولةً ويُردْنَ حَليا

ويَلقينَ الخُطوبَ مُلوَّماتِ

ولَسْنَ بدافِعاتٍ يَومَ حَربٍ

ولا في غارةٍ متَغَشِّماتِ

ودَفْنٌ والحَوادثُ فاجِعاتٌ

لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُماتِ

وقد يَفقدنَ أزواجًا كِرامًا

فيا للنِّسوةِ المتأيماتِ

يَلِدْنَ أعاديا ويكُنَّ عارًا

إذا أَمسينَ في المتهضَّماتِ!

فيا له من شاعرٍ فيلسوفٍ، تنويريٍّ، متحرِّرٍ حقًّا!  على أنَّه في لُزوميَّته هذه، ذات المطلع:

ترنَّمْ في نهاركَ مُستعينًا

بذِكر اللهِ في المترنِّماتِ

قد سجَّل نفسه بنفسه في المدرسة التي قال: إنَّ الإنسان فيها: "دَيِّنٌ لا عَقلَ لَهُ"!  لأنَّه إنَّما وصلَ إلى ازدراء المرأة رهبانيَّةً ابتدعَها، وتبتُّلًا متكلَّفًا، وتعاليًا عن مصاحبة النِّساء، بوصفهنَّ لديه حبائل الشيطان، ولا تأتي من ورائهن إلَّا ألوان الشُّرور.

غير أنَّ مثقَّفينا عُوْرٌ، غالبًا؛ فلا يقرؤون إلَّا ما يعشقون، ولا يرون سِوَى ما يُقيِّدون به عقولهم وضمائرهم إديولوجيًّا. ثمَّ أينهم عن بقيَّة لُزوميَّة المعرِّي(2) تلك، التي يعبِّر فيها عن أنَّه ضِدَّ تعليم المرأة، قائلًا:

فَحَمْلُ مَغازِلِ النِّسوانِ أَوْلَى

بِهِنَّ مِنَ اليَراعِ مُقَلَّماتِ

سِهامٌ إِنْ عَرَفْنَ كِتابَ لِسْنٍ

رَجَعنَ بِما يَسوءُ مُسَمَّماتِ

ويَترُكنَ الرَّشيدَ بِغَيرِ لُبٍّ

أَتَيْنَ لِهَدْيِهِ مُتَعَلِّماتِ

لِيَأخُذْنَ التِّلاوَةَ عَن عَجُوزٍ

مِنَ اللَّائي فَغَرْنَ مُهَتَّماتِ

يُسَبِّحْنَ المَليكَ بِكُلِّ جُنحٍ

ويَركَعْنَ الضُّحى مُتَأَثِّمَاتِ

فَما عَيبٌ عَلى الفَتَياتِ لَحنٌ

إِذا قُلْنَ المُرادَ مُتَرْجِماتِ

ولا يُدْنَينَ مِنْ رَجُلٍ ضَريرٍ

يُلَقِّنُهُنَّ آيا مُحكَماتِ

سِوَى مَن كانَ مُرتَعِشًا يَداهُ

ولِمَّتهُ مِنَ المُتَثَغِّماتِ!

ذاك، إذن، هو فليسوف (المَعَرَّة)، الذي شغفَ بعض أدعياء الحداثة الشِّعريَّة، بلا حداثة حضاريَّة، وعُوران الثقافة المجانيَّة، فِكرًا وعقلانيَّةً أصوليَّة! فهم إمَّا لا يقرؤون، وإمَّا يقرؤون ولا يفهمون، وإمَّا يقرؤون ويفهمون غير أنَّ دَيدنهم أن ينتقوا ما يَغُشُّون به قارئيهم حين يكتبون، مُخْفين البضاعة الرديئة تحت ما ظاهره الصَّلاح.

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

...............................

(1) المعرِّي، أبو العلاء، (1992)، شرح اللُّزوميات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 277/ 25- 30.

(2)  م.ن، 1: 279- 280/ 59- 61، 63- 67.

(*) هذا المقال جزء تاسع من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

 

 

عبده حقيلقد تم اختراع الجنس الأول من الصحافة الرقمية، المسمى تليتكست، في المملكة المتحدة في عام 1970. كانت قناة المعلومات عبارة عن نظام يسمح للمشاهدين باختيار الأخبار التي يرغبون في قراءتها ومشاهدتها على الفور. والمعلومات المقدمة من خلال النص التليفزيوني مختصرة وفورية، شبيهة بالمعلومات التي نراها في الصحافة الرقمية اليوم. لقد تم بث المعلومات بين إطار إشارة تلفزيونية في ما يسمى بالفاصل الزمني للطمس العمودي أو VBI

لقد اعتمد الصحفي الأمريكي هانتر س. طومسون على تقنية الاتصالات الرقمية المبكرة بدءًا من استخدام جهاز الفاكس لتقديم تقرير عن مسار الحملة الرئاسية الأمريكية في عام 1971 كما هو موثق في كتابه الخوف والبغض على مسار الحملة.

بعد اختراع النص التليفزيوني، تم اختراع فيديوتيكس، حيث كان بريستيل أول نظام في العالم، تم إطلاقه تجاريًا في عام 1979  مع العديد من الصحف البريطانية مثل فاينلشل تايمز التي تصطف لتقديم أخبار الصحف عبر الإنترنت. تم إغلاق فيديوتيكس في عام 1986 بسبب الفشل في تلبية طلب المستخدمين.

لقد لاحظت شركات الصحف الأمريكية التكنولوجيا الجديدة وأنشأت أنظمة الفيديو الخاصة بها، وأكبرها وأكثرها طموحًا هي فيوترون، وهي خدمة تابعة لشركة نايت ريدر التي تم إطلاقها في عام 1981. ومن بينها كايكوم في شيكاغو و جيتواي  في لوس أنجلوس. تم إغلاق كل منها بحلول عام 1986.

بعد ذلك جاءت أنظمة نشرة الكمبيوتر. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بدأت عدة صحف صغيرة تقدم خدمات إخبارية عبر الإنترنت باستخدام برامج بي بي إيس وأجهزة مودم الهاتف. أولها كان ألبوكيرك تريبيون في عام 1989.

بعد ذلك أطلقت شركة " عالم ألعاب الكمبيوتر" في سبتمبر 1992 خبر استحواذ إليكترونيك آرت على Origin Systems  على بروديجي، قبل طرح الإصدار التالي للطباعة. ثم بدأت المواقع الإخبارية على الإنترنت في الانتشار في التسعينيات. من أوائل المتبنين كانت دي نيوز وأوبسيرفر في رالي بولاية نورث كارولينا التي قدمت الأخبار عبر الإنترنت باسم ناندو . كتب ستيف فيلفانتون على موقع

معهد بوينتر على الويب عن ناندو، المملوك لشركة The NO يقول " لقد تطور ناندو إلى أول موقع إخباري جاد ومهني على شبكة الويب العالمية". نشأ الموقع في أوائل التسعينيات ".

يُعتقد أن هناك زيادة كبيرة في الصحافة الرقمية على الإنترنت حدثت في هذا الوقت تقريبًا عندما ظهرت أول متصفحات الويب التجارية مثل Netscape Navigator (1994) و Internet Explorer (1995)   بحلول عام 1996، كان لمعظم المنافذ الإخبارية وجود على الإنترنت. وعلى الرغم من إعادة توجيه المحتوى الصحفي من مصادر نصية / فيديو / صوتية أصلية دون تغيير في الجوهر، إلا أنه يمكن استهلاكه بطرق مختلفة بسبب شكله عبر الإنترنت من خلال أشرطة الأدوات والمحتوى المُجمَّع حسب الموضوع والروابط النصية. كانت دورة الأخبار على مدار 24 ساعة والطرق الجديدة للوحات الويب للتفاعل بين المستخدم والصحفي من بين السمات الفريدة للتنسيق الرقمي. في وقت لاحق، بوابات مثل AOL و ياهو ومجمعات الأخبار الخاصة بهما (المواقع التي تجمع وتصنف الروابط من مصادرالأخبار) أدت إلى وكالات إخبارية مثل أسوشايتيد بريس لتوفير محتوى مناسب رقميًا للتجميع يتجاوز الحد الذي يمكن لمزودي الأخبار استخدامه في الماضي.

أيضًا، تم تأسيس صالون في عام 1995. وفي عام 2001، أطلقت مجلة الصحافة الأمريكية اسم صالون الإنترنت على "المكان المستقل البارز للصحافة".

في عام 2008، ولأول مرة، أفاد المزيد من الأمريكيين بالحصول على أخبارهم الوطنية والدولية من الإنترنت، بدلاً من الصحف. فقد حصل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا بشكل أساسي على أخبارهم عبر الإنترنت، وفقًا لتقرير مركز بيو للأبحاث. استمر جمهور المواقع الإخبارية في النمو بسبب إطلاق مواقع إخبارية جديدة، واستمرار الاستثمار في الأخبار عبر الإنترنت من قبل المؤسسات الإخبارية التقليدية، والنمو المستمر في جمهور الإنترنت بشكل عام. خمسة وستون بالمائة من الشباب يلجون الآن بشكل أساسي إلى الأخبار عبر الإنترنت.

مواقع الأخبار الرئيسية هي أكثر أشكال إنتاج الوسائط الإخبارية على الإنترنت انتشارًا. اعتبارًا من عام 2000، أصبحت الغالبية العظمى من الصحفيين في العالم الغربي يستخدمون الإنترنت بانتظام في عملهم اليومي. بالإضافة إلى المواقع الإخبارية السائدة، توجد الصحافة الرقمية في مواقع الفهرس والتفييئ (المواقع التي لا تحتوي على الكثير من المحتوى الأصلي ولكن العديد من الروابط لمواقع الأخبار الحالية)، ومواقع التعريف والتعليقات (مواقع حول قضايا الإعلام الإخباري مثل المراقبون الإعلاميون)، والمشاركة والمناقشة ( المواقع التي تسهل اتصال الأشخاص، مثل سلاشدوت. كما  تعد المدونات أيضًا ظاهرة أخرى من ظواهر الصحافة الرقمية قادرة على الحصول على معلومات جديدة، بدءًا من المواقع الشخصية إلى تلك التي تضم جماهير مئات الآلاف. الصحافة الرقمية تشارك في ظاهرة الصحافة السحابية والتدفق المستمر للمحتويات في المجتمع العريض.

قبل عام 2008، كانت الصناعة تأمل في أن يكون نشر الأخبار عبر الإنترنت مربحًا بما يكفي لتمويل تكاليف جمع الأخبار التقليدية. وبالتالي، في عام 2008، بدأ الإعلان عبر الإنترنت في التباطؤ، ولم يتم إحراز تقدم يذكر نحو تطوير نماذج أعمال جديدة. يصف مشروع بيو للتميز في الصحافة تقريره لعام 2008 عن حالة وسائل الإعلام بأنها الأكثر كآبة على الإطلاق. على الرغم من حالة عدم اليقين، يتحدث الصحفيون عبر الإنترنت عن توسيع غرف التحرير. ويعتقدون أن الإعلان من المرجح أن يكون أفضل نموذج للإيرادات يدعم إنتاج الأخبار عبر الإنترنت.

لقد قامت العديد من المؤسسات الإخبارية الموجودة في وسائل الإعلام الأخرى أيضًا بتوزيع الأخبار عبر الإنترنت، ولكن قد اختلف مقدار استخدامها لهذه الوسيلة الجديدة. استخدمت بعض المؤسسات الإخبارية الويب حصريًا كمنفذ ثانوي لمحتواها. جمعية الأخبار على الإنترنت، التي تأسست عام 1999، هي أكبر منظمة تمثل الصحفيين عبر الإنترنت، وتضم أكثر من 1700 عضوًا يتمثل مصدر رزقهم الرئيسي في جمع أو إنتاج الأخبار لعرضها رقميًا.

يتحدى الإنترنت المؤسسات الإخبارية التقليدية بعدة طرق. قد تفقد الصحف الإعلانات المبوبة لمواقع الويب، والتي غالبًا ما تستهدفها الاهتمامات بدلاً من الجغرافيا. هذه المنظمات معنية بالخسارة الحقيقية والمتصورة للمشاهدين وتوزيعها على الإنترنت.

إن الصحافة المحلية الفائقة هي صحافة داخل مجتمع صغير جدًا. تعد الصحافة شديدة المحلية، مثل الأنواع الأخرى من الصحافة الرقمية، ملائمة جدًا للقارئ وتوفر معلومات أكثر من الأنواع السابقة للصحافة. إنها مجانية أو غير مكلفة.

تقارير عن اقتحام فيسبوك في الصحافة

لقد تم الاعتراف بأن فيسبوك قد استثمر بكثافة في مصادر الأخبار على وسائل الإعلام الإخبارية المحلية. صرح جوش كونستين، الصحفي في تيك كرانش، في فبراير 2018، أن الشركة قد "انتحلت الأعمال الإخبارية" واستخدمت الرعاية لجعل العديد من ناشري الأخبار "كتّاب أشباح". في يناير 2019، أعلن مؤسسها مارك زوكربيرج أنه سينفق 300 مليون دولار لشراء الأخبار المحلية على مدى ثلاث سنوات.

 

عبده حقي

ترجمة بتصرف

 

 

 

عدنان عويدفي المفهوم:

الضرورة الحكميّة: هي حالة فرديّة واجتماعيّة تقيدنا بها الظروف الحياتية التي تفرضها علينا الطبيعة بقوانينها العمياء، وقد يكون سببها أيضاً الإنسان نفسه الذي يصنع قيوده بيده ويكبل نفسه بها حتى يصل هذا التكبيل إلى مرحلة التحكم في سيرورة وصيرورة حياته ذاتها.

أو بتعبير آخر الضرورة في حياتنا كالقيد الذي يمنعنا عن القيام بأشياء تعبر عن إنسانيتنا بشكل عقلانيّ، ولذلك علينا الخلاص من هذا القيد أولًا، لكي تستطيع المُضي قدما نحو تحسيد إنسانيتنا وإثبات ذواتنا. من هنا نقول إن درجة "وعينا" للضرورة الحكميّة، أي للظروف المادية والفكريّة التي تتحكم بسيرورة وصيرورة حياتنا، هي من ينقلنا من الإنسان اللاتاريخيّ ، أي الإنسان المشيء والمستلب والمغرب، إلى الإنسان التاريخي الذي وصل إلى مرحلة الخلافة على هذه الأرض.

على العموم نقول في هذا الاتجاه: يُعرّف الإنسان علميّاً، بأنه الكائن الحي العاقل الوحيد المالك لدماغٍ عالي التطوّر الذي حقق تطوره هذا عبر (العمل) الذي امتد لآلاف السنين، بحيث منحه هذا العمل القدرة على خلق علاقات اجتماعيّة أنتجت بالضرورة وسائل التواصل بينه وبين محيطه الاجتماعيّ، مثلما منحه هذا العمل، أو النشاط المادي، القدرة على التفكير المجرد والنطق واستخدام اللغة والتفكير الذاتيّ الداخليّ، وإيجاد حلولٍ للصعاب التي تعترضه أثناء انتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة. وعلى هذا الأساس تكونت رؤاه ومواقفه الفكريّة والأيديولوجيّة تجاه الكون والطبيعة والمجتمع واتجاه حياته الخاصة.

إذن إن الإنسان الذي راح عبر نشاطه الماديّ يكون علاقاته الاجتماعيّة، أخذ يفكر أيضاً في طبيعة هذه العلاقات التي فرضت عليه نفسها، مثلما فرضت عليه قيماً وسلوكيات أوصلته هو ذاته إلى حالات ضياع فقد عبرها معرفة الظروف التي يعيشها وأسباب مشاكله فيها، لذلك راح يتخبط معرفيّاً في إجاد الحلول لمشاكله بعد أن ضاع في منتجاته الماديّة والروحيّة من جهة، وبسبب جهله للقوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة التي تتحكم في مسيرة حياته أيضاً دون إرادته والتي فرضت نفسها عليه وجعلته يفكر بطريقة بعيدة كل البعد عن واقعه وكأن هناك قوى أخرى تتحكم بمصيره من خارج تاريخه من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس من الضياع والتشتت المعرفيّ تأتي مسألة التمييز بين الإنسان التاريخيّ الذي أخذ يعي ذاته والمحيط الذي يعيش فيه، وبين الإنسان اللاتاريخيّ الذي ظل تائها في جملة الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة التي انتجها هو بنفسه.

إذن هناك فرق شاسع بين الإنسان التاريخيّ والإنسان اللاتاريخيّ. فالأول إنسان عقلانيّ، يؤمن بالعيانيّ والملموس، والنسبي، وأن الظواهر في بعديها الماديّ والفكريّ، هي في حالة حركة وتطور وتبدل بشكل دائم. والعقل لديه هو مجموع معارفه التي اكتسبها من خلال نشاطه وكدحه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع تاريخيّاً، وبالتالي راحت هذه المعارف المكتسبة تشكل ذاكرته وتراثه وثقافته ومقومات وجوده ومرتكز انطلاقته نحو المستقبل. والإنسان التاريخيّ، لا يتكئ كثيراً على الماضي إلا بما يخدم حاضره ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة، لذلك هو يعمل دائما على استلهام هذا الماضي، أي هو يستمد من أحداثه  كل ما هو ايجابيّ وقادر على المساهمة في تجذير وجوده وتنمية هذا الوجود، وفتح أفاق المستقبل المشرق والمضيء واسعاً أمامه. والإنسان التاريخيّ هو من يؤمن أيضاً بأن سعادته في تحرير عقله وحواسه وجسده من كل المعوقات التي تَحُولُ دون هذا التحرير، سياسيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة، أي عتقه من كل ما يكبل عالمه الإنسانيّ ويحول دون تحقيق ما يطمح إلى تحقيقه من قيم إيجابيّة، أو ما يشعره أنه سيد نفسه وقدره ومصيره. أما فردوسه فهو واقعه الذي يعش فيه الآن، أو ما يحلم بإقامته مستقبلاً. ليس لدى هذا الإنسان التاريخيّ رموز أو طقوس أسطوريّة ينتمي إليها ويقيد حياته بها كي تعمل على فصله عن حاضره المعيوش، وإشعاره بتمايزه واختلافه عن الآخر، وليس لديه انتماءات ضيقة يشعر أن خلاصه فيها. (عشيرة قبيلة مذهب طائفة). فرموزه هي وطنه ومكونات هذا الوطن.. مثلما هي ما يحققه من إبداع يفجر عبره كوامن عوالم إنسانيته وكشف أسرار مجاهيلها التي توصله إلى جوهر إنسانيته ورفعة وطنه وتعميق حس المواطنة لديه. إن انتماءاته الحقيقية هي وطنه أولاَ، وعقله الحر المبدع ثانياً، وإرادته الحرة في صنع مستقبله ومستقبل وطنه ثالثاً. وإن عالمه الذي يجد فيه ذاته أخيراً، هو عالم الإنسانيّة الرحب الذي ليس له حدود إلا حدود الابداع والمحبة والعدل والسعادة للجميع.

إن الإنسان التاريخيّ هو من ينظر دائماً إلى الماضي من خلال ما يخدم الحاضر والمستقبل... وهو من يبحث عن  قوس قزح يجد في تعدد ألوانه سر جماليّة حياته وحياة الآخرين.

أما الإنسان اللاتاريخيّ أو الجموديّ، أو الماضويّ، فهو إنسان لاعقلانيّ، يرفض قبول العيانيّ والملموس على أنه عالمه الحقيقي الذي ينتمي إليه، وأنه سر وجوده، ليتمسك بعالم افتراضيّ .. عالم من الوهم والخيال الذي رسمت له ملامحه في ذهنه أيديولوجيّا صماء مفوته تاريخيّاً، أو مصالح أنانيّة ضيقة. إن الإنسان اللا تاريخيّ، هو من يؤمن بالمطلق المشبع بالسكون والجمود، وهو الرافض بالضرورة للنسبي المشبع بقوانين الحركة والتطور والتبدل. أما العقل لديه فهو ظاهرة فيزيائيّة تتحرك بقدرة من خارج التاريخ، أو من داخل عقله المعزول عن محيطه، أي هو عقل يحمل معارفه المنجزة والعالمة بتابوت من خارج التاريخ أو من عالمه الذاتي الديكارتي، وبهذا العقل الفيزيائيّ والديكارتيّ اللاواقعي واللاجدلي، يمارس نشاطه لكسب الماضي والحوز على أسراره الأبديّة، وكسب أوهام سعادته التي يجدها فقط في استعادة ماضيه،  حيث يكمن فردوسه الذي لا يتوانى عن قتال وسفك دماء كل من يحول بينه وبين رغبته في هذه الاستعادة. وهو الذي تكثر لديه الرموز والطقوس في حديثه ولباسه وسلوكه كي يشعر الآخرين المختلفين عنه، بتمايزه عنهم، وتعاليه عليهم ... الإنسان اللاتاريخيّ، لا يرى كل ما حوله إلا من خلال أيديولوجيته الماضويّة الجموديّة المفوّته تاريخيّاً، أو من خلال مصالحه هو ذاته، وأن هذه الرموز والطقوس والأيديولوجيا، هي التي  تشكل بالوقت ذاته انتماءاته،  وتجعله شارداً أو مغرباً عن حياته الدنيويّة ومندمجاً في عالم الروح والقداسة وكل ما هو متعال على الواقع والعقل. إنه ينظر إلى الأسفل من خلال الأعلى، وإلى الحاضر من خلال الماضي، ويقيس الشاهد على الغائب. ويبدي النقل على العقل، وهو من يبحث دائماً عن لون رمادي يعتقد أنه صالح لكل زمان ومكان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من  سورية

 

 

منى زيتونيقولون إن الجهل هو أس البلاء، ولكني أرى أن الفساد هو رأس الأفعى الذي يقف أمام تطور أي مجتمع، بل ويعيده عقودًا إلى الوراء، والتعليم ذاته هو مما يفسد بفساد المجتمع، فيصبح الجهل في المجتمع مستترًا بأوراق لا قيمة لها، يحملها من لا يستحقونها، وتتحدد درجة وقيمة الفرد في المجتمع على أساسها.

كما أنه لا شك أن الدافعية للتعلم هي شرط أساسي لحدوث التعلم، بل ربما كان توافرها أهم من شرط القدرة، لأن جميع البشر لديهم قدرات متفاوتة، وهم قادرون على التعلم بأشكال ودرجات مختلفة، بشرط أن يتوفر الدافع لدى الإنسان، ولكن الفساد يعطل الدافعية للتعلم لدى أفراد طبقات المجتمع الراقية والبسيطة على السواء؛ فكثير من أبناء الأغنياء لم يعودوا يبالون ببذل الجهد الكافي للتعلم لأن مكانتهم محفوظة في المجتمع، ويختارون دراسة ما يمكنهم من الحصول على شهادة دون تعلم حقيقي ودون كثير عناء، وأبناء الفقراء لم يعد كثير منهم يأملون أن يغير التعلم من وضعهم الاجتماعي شيئًا وسط الفساد المستشري الذي لا يكافئ المجتهد ويرفع درجته، فعزفوا هم أيضًا عنه.

ومع كون إصلاح التعليم يتطلب العمل على إصلاح المجتمع ككل، إلا أن هذا لا يعني أن يُخلي التربويون مسئوليتهم، فالتعليم في مصر بحاجة لتطوير في جميع مراحله، وهي مسئولية التربويين بالدرجة  الأولى ولا شك. ولنتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، فكل من هو في موضع مسئولية –مهما كان صغيرًا- وهناك تصرف رشيد بإمكانه أن يفعله ليحسن من الوضع العام في المكان الذي يديره سيُسأل أمام الحق سبحانه إن لم يفعل. وربما أمكن القول إن المسئولية على عاتق التربويين هي العمل على تطوير التعليم قبل الجامعي والجامعي، مع مراعاة الواقع ومشكلات المجتمع، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله.

ولعل الاهتمام بالتغذية المدرسية من أكثر الموضوعات التي لها تعلقها الواضح بجودة التعليم؛ فللتغذية السليمة أثرها في رفع درجة التحصيل الدراسي لدى الطلاب، كما أنها لا تتعلق بالتعليم وحسب، وإنما بصحة النشء أيضًا، وأعتقد أنه لو تم التعامل بحكمة مع هذا الملف فسيوفر لميزانية الدولة ملايين تُنفق على علاج الأطفال من أمراض تصبهم بالأساس بسبب سوء التغذية. حكت لي مربية فاضلة تعمل حاليًا وكيلة لمدرسة ثانوية بمدينة الإسماعيلية أنها في بدء حياتها الوظيفية عملت في مدرسة إعدادية كبيرة في واحدة من أكبر القرى وأقربها لمدينة الإسماعيلية، وأنها لاحظت أن أحد التلاميذ في فصل من الفصول التي كانت تُدرِّس لها كان دائم التأخر يوميًا عن موعد طابور الصباح، وأحيانًا عن بداية الحصة الأولى، ولما كلّمته بلطف طالبة منه أن يستيقظ مبكرًا ليصلي ويفطر على مهل ثم يتحرك إلى المدرسة ليصل في موعده، فاجأها الطفل قائلًا إنه يستيقظ يوميًا قبل الفجر، ويبدأ التحرك من قبل شروق الشمس بكثير! فسألته: أين تسكن؟ فأجابها بأنه يسكن في عزبة بعيدة متطرفة عن القرية تبعد ما بين ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات مشيًا من المدرسة! فصُعقت المُدرسة وقالت له: لماذا لا تحول إلى مدرسة كذا، وهي أقرب لبيتك؟ فسقطت على رأسها المفاجأة الأكبر عندما قال الطفل: هذه المدرسة "شِينة" لا يوزعون فيها بسكوتًا للتغذية! فهذا طفل صغير ضعيف البنية يتكبد عناء المشي لساعات ذهابًا وإيابًا يوميًا من أجل هذه الحلوى البسيطة التي يرفض بعض مديري المدارس عديمي المسئولية أن يستلموها ليوزعوها في مدارسهم، فيحرمون منها الأطفال.

وحقيقة إنني لا أفهم إلى متى سيستمر التباكي على الكيف الضائع، دون أخذ خطوات جادة نحو التوسع في مدارس المتفوقين، أو على الأقل بفصول المتفوقين، والاهتمام بهم اهتمامًا حقيقيًا مكثفًا، بدءًا من رفع مصاريف الدراسة عن كاهل أولياء أمورهم، والاهتمام بتغذيتهم –خاصة في المناطق الفقيرة-، ورفع الحد الأدنى للتفوق إلى 90% -مثلما كان الحال قبل عقود- وتقليل كثافة التلاميذ في فصول المتفوقين مهما بلغت كثافة الفصول الأخرى بالمدرسة، أو بالمدارس المحيطة بمدرسة المتفوقين، وتحديد أفضل المعلمين للتدريس لهم، والتدريس لهم بأفضل استراتيجيات ووسائل التعلم، وجعل الأولوية لهم في كل شيء. فهؤلاء هم زُبدة العقول في مصر، وكما ذكر الفلاسفة القدامى فإن المجتمع الذي لا يهتم بالمتفوقين عقليًا من أبنائه محكوم عليه بالفناء.

وفي مرحلتي التعليم الأساسي، لماذا لا نُعلِّم وفقًا لقاعدة "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" بدلًا من انتشار الغش لمساعدة الطلاب الضعاف على اجتياز اختبارات لا يسمح لهم مستواهم باجتيازها؛ فيكون في كل مادة مقرر أساسي ومقرر اختياري، فالمقرر الأساسي في اللغة العربية لا يمكن لأحد أن يختار ألا يدرسه، وكذلك كل المقررات الأساسية في كل المواد، ولا بد أن ينجح الطلبة في اختبارات المقررات الأساسية، ولكن على كل طالب أن يختار مقررات اختيارية إضافية ليدرسها ويمتحن فيها، ولا سقف أو حد لها، فيمكن للمتفوقين أن يختاروها كلها إن أرادوا، ولكن لا يرسب أي طالب بسبب عدم اجتيازه لهذه المقررات، على أن يكون لما اجتازه الطالب من مقررات في سجله التعليمي أثره في التحاقه بعد ذلك بالمراحل التعليمية الأعلى، وتوزيعه على التعليم العام والفني.

أما عند الوصول لمرحلة الثانوية العامة فيمكن الإكثار من المواد الاختيارية، والتي على أساسها تتحدد الكليات التي يمكن للطالب الالتحاق بها، ويمكن لأحد الطلاب أن يمتحن في السنة التالية مقررًا ما أو بعض المقررات ليضيفها إلى ما سبق أن درسه، وذلك ليستكمل مؤهلات التحاقه بإحدى الكليات.

والاهتمام بالمعلمين وتحسين أوضاعهم وتوفير مواصلات آدمية للمدارس البعيدة أمر ولا شك هام لتحسين العملية التعليمية، فلماذا لا توفر كل إدارة تعليمية أتوبيسًا يتحرك في الصباح الباكر يوميًا من عاصمة المحافظة، ويسير على خط المدارس البعيدة التابعة للإدارة في المراكز والأرياف، حتى وإن كان المعلمون يدفعون أجرته.

أمر آخر لا مفر من التساؤل عنه، وهو استغلال شبكة الانترنت في التعلم، وأعني هنا التعلم الذاتي غير النظامي. فمنذ أكثر من عشر سنوات، كنت أعمل في جامعة بالمملكة العربية السعودية، وأذكر أن إحدى زميلاتي الأردنيات كانت تتشكى كثيرًا من ضعف شبكة الانترنت في البناية التي يسكنون فيها؛ إذ أن ابنتها -التي كانت بعد طفلة- تدرس باستخدامها؛ فالطالبة النجيبة لم تكن تكتفي بقراءة ومذاكرة كتب المدرسة، بل كانت تفتح جهاز الحاسوب الخاص بها وتلج إلى الشبكة العنكبوتية لتتصفح وتقرأ وتشاهد مقاطع فيديو من خلالها عن موضوعات الدروس التي أخذتها في المدرسة.

وكنت أتساءل وقتها: إلى متى ستبقى شبكة الانترنت وسيلة للترفيه لدى أكثر من 90% من أطفالنا وشبابنا، بينما هي في العالم كله وسيلة أساسية للتعلم؟ فالتعليم النظامي –على علّاته الكثيرة في بلدنا- هو السائد لديهم، ولا يكادون يعرفون التعليم غير النظامي. وربما كانت من حسنات جائحة الكوفيد التي ابتلي بها الكوكب أنها أجبرت الناس على تطبيق التعليم النظامي عن بعد وأخذ التعليم غير النظامي أيضًا في الاعتبار، ليكتشف كثير من أبنائنا هذا الكنز الذي يتلهون به ولا يدركون قيمته.

ولكن ينبغي علينا الاعتراف بأن التعليم الالكتروني عن بعد قد لا يكون كافيًا في تعلم واكتساب المهارات، وأن الممارسة لا بد منها لإتقان التعلم، ومما يضاف إلى مشاكل نظامنا التعليمي أنه لا زال قاصرًا وعاجزًا عن إدخال مدارس وكليات تعلم المهارات التي يحتاجها أفراد المجتمع. وقد جربنا إنشاء المدارس الفنية التي يحصل خريجوها على شهادات الدبلومات الفنية، فكانت وسيلة لتخفيض عدد سنوات الخدمة العسكرية للبنين، وشهادة صورية لضعيفات المستوى العلمي من البنات، وخريجوها لم يتعلموا شيئًا ذا قيمة طوال دراستهم فيها، إلا ما ندر. بينما في أوروبا وأمريكا إن أردت أن تتعلم أي حرفة مهما بدت بسيطة فسيلزمك الالتحاق بدورات تعليمية تؤهلك فيها، ومن أجل ذلك تكون لكل مهنة أو حرفة احترامها في المجتمع.

ودومًا يقولون إن بلدنا هي "بلد شهادات"، والحقيقة إن العالم كله لا يعترف سوى بالحاصلين على الشهادات أو من يمكن الاستدلال على كفاءتهم بمعيار موضوعي، ونحن بالفعل بحاجة إلى استحداث مزيد من الكليات في نظامنا التعليمي الجامعي، ولكن من نوعيات أخرى، فنحتاج –على سبيل المثال- إلى كلية تؤهل لمهنة النجارة والحفر على الخشب والأرابيسك، وكلية تؤهل لأعمال البناء والدهانات وتنفيذ الديكورات، وغيرها من المهن التي تعتبر حرفًا فقط تُكتسب عن طريق الخبرة، وتكاد تنقرض لعزوف الشباب عن تعلمها، بينما المجتمع في حاجة إليها.

إن الواقع يقول إن مجتمعنا يحترم التعليم النظامي ويحدد المستوى الاجتماعي للفرد على أساسه، وفي المقابل لا يحترم التعليم غير النظامي والخبرات بالقدر ذاته إلا في أضيق الحالات، وكثير من الآباء في مصر على استعداد لتزويج ابنته من مهندس ميكانيكا افتتح ورشة ميكانيكا كمشروع ربحي خاص به، ولكنه غير مستعد للقبول بعامل ميكانيكا له المهنة نفسها، مهما كانت درجة إتقانه لعمله التي تدل على تعلمه الدقيق له بالخبرة.

واستحداث أمثال تلك الكليات الجامعية التي تعلم الحرف تعليمًا نظاميًا سيخفف من الأعداد التي تلتحق بكليات أخرى ولا مكان لها في سوق العمل، فما الذي يحتاجه المجتمع من كل هذه الأعداد الغفيرة من الخريجين من خريجي كليتي الحقوق والآداب! علمًا بأن أغلبهم قد التحقوا بهاتين الكليتين بسبب المجموع الذي لم يؤهلهم لغيرهما، وهو ذاته المجموع الذي يظهر أن ذكاءهم اللغوي ليس أعلى ذكاءاتهم، وأنهم غالبًا أذكياء بدرجة أعلى في نطاقات عقلية أخرى لم يكشف عنها التعليم المدرسي التقليدي.

وبعد، فهذه ليست وصفة طبية كاملة لإصلاح وعلاج ما فسد من حال التعليم في بلدنا، ولكنها دردشة عن موضوعات أراها هامة، ولا تلقى القدر الكافي الذي تستحقه من النقاش حولها.

 

د. منى زيتون

الخميس 14 أكتوبر 2021