منى زيتونتناولنا في مقالات سابقة نظرية الذكاءات المتعددة لجاردنر، كما تعرفنا على مفهوم جانبية المخ وسيادة نصف الكرة المخي الأيسر أو الأيمن في معالجة المعلومات لدى أغلب البشر.

وفي هذا المقال نركز على ما يمكن أن تصنعه البيئة المدرسية الثرية من تطوير وتنمية الذكاءات ‏‏(المواهب) الثمانية، وخلق تكاملية في معالجة المعلومات في المخ لدى التلاميذ.‏

دور المدرسة التقليدية في تنمية الذكاءين اللغوي والمنطقي/الرياضي وسيادة نمط التعلم والتفكير الأيسر

يذكر جاردنر (Gardner, 1999) أن المدرسة المتماثلة Uniform School تعادي الذكاءات المتعددة؛ ذلك أن جوهر التعليم المتماثل هو الاعتقاد بأنه ينبغي أن يُعامَل كل فرد بالطريقة نفسها. وقد يبدو هذا عادلًا للوهلة الأولى حيث لا يوجد لأي فرد مميزات خاصة، بينما تكون هذه الفكرة ظالمة في الحقيقة حيث تقوم المدرسة المتماثلة على أساس الافتراض بأن كل الأفراد متماثلون ومن ثم يصل التعليم لهم جميعًا بالتساوي وبإنصاف، وذلك بتجاهل الفروق الفردية فيما بينهم في الشخصية وفي العقل.

ذلك أنه رغم أن الفروق الفردية عامة وشائعة ومعروفة للجميع إلا إننا كثيرًا ما نلاحظ أنها لا تلقى الاهتمام الكافي من المدرس، فهو رغم إدراكه لها لا يلتفت إليها عندما يعد دروسه وطرق التدريس التي يستخدمها في الفصل، وتجاهل الفروق الفردية أثناء التدريس لابد وأن يؤثر على نتائج العملية التربوية وعلى نتائج التعلم في الفصل (رجاء أبو علام ونادية شريف، 1983، ص 5).

ويؤكد إبراهيم وجيه (1985، ص 3) على الفكرة نفسها بقوله إن من وظائف التربية والمدرسة أن تتعرف على الفروق بين التلاميذ، وأن تكشف عن المواهب والاستعدادات وتعمل على إطراد نموها إلى أقصى حد ممكن، وأن تكشف الجانب الذي يمكن أن يبدع فيه التلميذ وتعمل على نمو هذا الجانب، وأن تراعي الجوانب الأخرى حسب الحاجات التعليمية المختلفة. ويؤكد على أن المدرسة قديمًا لم تكن تراعي الفروق الفردية بين التلاميذ، بل ولا زالت أغلب مدارسنا لا تراع هذا الجانب وإنما تتعامل مع التلاميذ جميعًا على أنهم سواسية وتعرض عليهم برنامجًا تعليميًا واحدًا لا تحيد عنه.

كذلك يشير أحمد أوزي (د. ت) إلى أن الممارسة التربوية والتعليمية قبل ظهور نظرية الذكاءات المتعددة كانت تستخدم أسلوبًا واحدًا في التعليم لاعتقادها بوجود صنف واحد من الذكاء لدى كل المتعلمين، مما كان يُفوت على أغلبهم فرص التعلم الفعال. إن تعدد الذكاءات واختلافها لدى المتعلمين يقتضي اتباع مداخل تعليمية/تعلمية متنوعة لتحقيق التواصل مع كل المتعلمين المتواجدين في الفصل الدراسي.

ويضيف هُوار (Hoerr, 2000) إنه لعقود طويلة ركزت المدارس –في بعض الأحيان بشكل كلي- على تلك القدرات التي يمكن تسميتها الذكاءات المدرسية "Scholastic Intelligences" –القدرات اللغوية والمنطقية/الرياضية-. وهذا الميل للتركيز على الذكاءات المدرسية كان بسبب حقيقة أنها تكون أسهل نسبيًا في أن يُصمم لها اختبارات ورقة وقلم ثابتة وصادقة لتقييمها، بينما يكون تصميم اختبارات ثابتة وصادقة لتقييم المواهب الموسيقية والفنية للتلاميذ أكثر صعوبة وبالتأكيد أكثر تكلفة. وتقدم الاختبارات المعيارية معلومات منبئة أقل فائدة عن النجاح في الحياة لحقيقة كونها تقيس جزءًا من الصورة فقط.

ويؤكد جاردنر على الفكرة نفسها إذ يذكر أن مدارسنا وثقافتنا واختباراتنا تركز أغلب انتباهها على الذكاء اللغوي والذكاء المنطقي/الرياضي، فهي تقدر الأشخاص ذوي القدرة العالية على التحدث بوضوح وكذلك الأشخاص ذوي المنطق، بينما تجاهل التعليم النظامي دومًا الأشكال الأخرى للتمثيل العقلي بالرغم من كون الذكاءين اللغوي والمنطقي/الرياضي غير كافيين لزراعة محصول أو رسم صورة أو ارتجال لحن أو إحراز هدف في مباراة أو الفوز بانتخاب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تكون مُقَدَّرة في المجتمع. أي أنه لا يكون هناك انتباه مساو في التعليم للأفراد الذين يظهرون تميزًا في الذكاءات الأخرى (Armstrong, 2000a; Brualdi, 1996; Gardner, 2001; Holmes, 2002; Lynn Gilman, 2001; Scherer, 1997). وإن كانت باتيستا (Battista, 1999) ترى أن المدارس تقضي الكثير من الوقت في تدريس الحساب، بينما تفشل في تدريس المنطق الذي له الأولوية.

كذلك يذكر الباحثون (as cited in Lavach, 1991, p. 219) أنه منذ الطفولة المبكرة وحتى قبل المراهقة يتعلم التلاميذ أن يثبطوا تعبير النصف الكروي الأيمن من المخ والتوجه للأيسر الأكثر لفظية؛ كاستجابة وكإذعان للنظام التربوي السائد. وهو ما قرره طلاب الجامعة في دراسة هاف (Hough, 1987) عن أنفسهم وعن تربيتهم في المدارس في المرحلة قبل الجامعية؛ حيث رأوا أن تربيتهم كانت تركز على المخ الأيسر التقليدي، كما لاحظوا وظائف المخ الأيمن على أنها أقل سيادة لديهم. كذلك وجدت دراسة سليمان (Soliman, 1989) فروقًا وصفها الباحث بالمدهشة بين درجات المخ الأيمن والمخ الأيسر لطلاب الجامعة من كلا الجنسين الذين أجرى عليهم دراسته، والتي أرجعها للتنشئة الاجتماعية وطرق التدريس التي يتعرضون لها. وقديمًا أشار عبد الوهاب كامل (1981، ص ص 168- 172) إلى دور محتوى المنهج وبنائه وطريقة تقديمه للأفراد في مراحل الطفولة فيما يتعلق بنشاط أي من النصفين الكرويين، وأن التربية تلعب دورًا هامًا ورئيسيًا في المدخلات التي تقدم إلى الفرد في مراحل النمو المختلفة، ومن ثم تكون المسئولة عن التكامل الوظيفي بين نصفيّ المخ. كما فحص هيرمان (Herrman, 1982) الدرجات المدرسية لتلاميذ جيدين وبلداء، وقرر أن 53% من التلاميذ الجيدين عرضوا بروفيلات مخ أيسر، بينما 18% فقط من التلاميذ البلداء أظهروا تفضيلًا معرفيًا أيسر. على العكس 64% من التلاميذ البلداء لُوحظ تفضيلهم لأنشطة المخ الأيمن! وهو ما يتفق مع نتائج دراسة سليمان عبد الواحد (2005) حيث وجد أن النمط الأيمن هو المسيطر لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم والنمط الأيسر هو المسيطر لدى العاديين، كذلك أظهرت دراسة سالم إمحمد (1995) أن مجموعتيّ التلاميذ ذوي النمط المتكامل للمخ وذوي النمط الأيسر كان لهم تفوقًا دالًا عن التلاميذ ذوي النمط الأيمن للمخ في التحصيل الدراسي.

وعلى حد تعبير جاردنر (Gardner, 2001) فإننا يمكن أن نسمي التربية والحال كذلك بالنصف مخية "half- brained". ويمكن تقرير إنك إذا ما كنت تريد صنع أفراد متشابهين بقدر الإمكان فإنك ستحد أو تتجاهل تعددية التفكير، ومن ثم سترى الذكاءات المتعددة كعقبة. وقد استدلت هاردي (Hardy, 2005) من خلال نتائج دراستها أنه عندما تكون طريقة التلميذ الأفضل في التعلم تختلف عن الأسلوب التدريسي للمعلم فإن التحصيل الأكاديمي للتلميذ يكون محدودًا على نحو خطير.

كما استنتج سمدلر وتوريستاد (Smedler and Törestad, 1996) من نتائج دراستهما أن الذكاء العام -المكون من القدرات اللغوية والبصرية/المكانية والاستدلالية- في سن عشر سنوات كان منبئًا قويًا للمهارات الأكاديمية الأساسية في عمر 13 عامًا (ر> 0.7)، كما أن الأطفال الذين لديهم قدرة لفظية كان تحصيلهم أفضل مما كان متنبًا به من المستوى الكلي لذكائهم، بينما أظهر الأطفال ذوي التوجه المكاني تطورًا أقل تبشيرًا بالنجاح في المهارات الأكاديمية الأساسية؛ أي أن القدرة اللغوية كانت منبئًا أقوى من القدرة المكانية لاكتساب المهارات الأكاديمية الأساسية. ولا شك أن مثل تلك النتائج إنما تعود لنوعية المهارات الأكاديمية الأساسية التي يركز عليها التعلم المدرسي.

كذلك تؤكد الدراسات التي أجريت على الجوانب الفارقة لاختبارات الذكاء أن التحسن –نتيجة للتعلم المدرسي- في الجانب اللفظي أكبر منه في الجانب غير اللفظي (فؤاد أبو حطب، 1996، ص 569). وبالقطع تعود هذه النتائج إلى طبيعة التعلم المدرسي وتركيزه على تنمية القدرات اللفظية.

وأرى أن ارتباط اختبار معامل الذكاء التقليدي منذ نشأته على يد بينيه بالنجاح في المدرسة التقليدية قد ساهم في استمرار ارتباط كل منهما بالآخر وفي الاهتمام بالذكاءين اللغوي والمنطقي/الرياضي في المدارس وتنشيط النصف الكروي الأيسر من المخ.

ويوضح عبد الوهاب كامل (1981، ص 173) ارتباط معامل الذكاء IQ بسيادة النصف الكروي الأيسر بقوله إن معامل الذكاء كمفهوم أساسي في علوم التربية التقليدية مغزاه هو النسبة بين العمر العقلي والعمر الزمني. وفي الحقيقة بعد أن أصبح مصطلح الذكاء يتم تحديده بلغة مقدرة كل من نصفيّ كرة المخ الأيسر والأيمن فإن معامل الذكاء أصبح يعني في جوهره نسبة مقدرة النصف الكروي الأيسر إلى مقدرة النصف الكروي الأيمن منسوبة للعمر؛ حيث تظهر النسبة بين الذكاء اللفظي من جانب والعملي من جانب آخر. والأطفال في أغلب النظم التربوية –على حد قوله- يتم انتقاؤهم على أساس معامل الذكاء (التحيز إلى النصف الكروي الأيسر)، ثم يتم وضعهم في تلك المواقف التعليمية التي تعمل على استثارة نشاط النصف الكروي الأيسر ويتم تدعيم استجاباتهم على هذا النحو أيضًا حتى يمكن أن تظهر عليهم الفائدة من استغلال وتنشيط النصف الكروي الأيسر، ومن ثم فهم يخرجون إلى المجتمع الذي قد يتوقع أن يتصرفوا غالبًا فيه وكأن ليس لهم نصف كرة أيمن كان من الممكن أيضًا استغلاله والاستفادة منه.

كما يشير مصطفى كامل (1993، ص 2) إلى أنه بما أن بعض الأفراد يميلون إلى الاعتماد بشكل متسق على أحد نصفيّ المخ أكثر من الآخر في التعامل مع المعلومات التي تواجههم، مما يجعل هذا النصف يعتبر هو النصف المسيطر أو السائد dominant hemisphere فإنه يترتب على بروز مفهوم "السيطرة المخية" أمران: أولهما أن المخ الإنساني لا يعمل بكامل طاقاته الضخمة لدى بعض الأفراد، ما يشكل إهدارًا لقدر كبير من الإمكانيات البشرية الخلاقة، وثانيهما أن سيطرة أحد نصفيّ المخ لدى البعض يمكن أن تعبر عن نفسها في أسلوب معين يتبناه هؤلاء الأفراد في التعلم والتفكير والتعامل مع المنبهات التي يتعرضون لها في بيئتهم بوجه عام.

ويشاركه لازير (Lazear, 1992) هذا الرأي إذ يذكر أن دراسات المخ خلال الخمسين عامًا الأخيرة قد أقرت أن البشر ربما يستخدمون أقل من 1% من إمكانية المخ، بينما يكون سبرينجر (Sprenger, 1999) أكثر تفاؤلًا عندما يذكر أن بعض الدراسات تستنتج أننا نستخدم نسبة 1 : 20 % من أمخاخنا. أما وولف (Wolfe, 2003 a) فتؤكد ثبوت عدم صحة الاعتقاد بأننا نستخدم جزءًا من الدماغ لا يتجاوز 10% منه، وذلك وفقًا لما أثبته تصوير المخ –باستخدام تقنيات PET أو fMRI- أثناء نشاطه من أن المخ يعمل ككل أثناء تأديته لنشاطاته المختلفة. بالرغم من ذلك فإنني أرى -استنادًا لنتائج أغلب الدراسات- أننا حقيقة نستخدم كل أمخاخنا لكن ليس كل قواها المعالجة.

ويبقى هذا هو الحال في المدارس فبمجرد أن نكبر ونلتحق بالمدرسة ينبغي علينا أن نلقي بالعديد من طرقنا الطبيعية لجمع المعلومات وأن نجلس ثابتين وأن نكون هادئين ونوقف أحلام اليوم ولا نعبث؛ لذا فالطفل الذي يتعلم بشكل أفضل عن طريق الحركة حول المكان أو ذلك الذي يحتاج للتحدث عن الأفكار ليفهمها أو الثالث الذي يفهم أفضل برسم أشكال ورموز كل منهم يفقد أداته الأكثر فاعلية ويُلقي جانبًا نمطه الأولي للتعلم ومن ثم يصبح التعلم مملًا، بينما تؤكد لنا نتائج دراسات المخ أننا بحاجة لنتحرك ونغني ونرقص ونرسم ونتحدث ونتأمل لنتعلم بشكل فعال، لذا فإننا بحاجة إلى أن نكف عن التوقع بأنه توجد طريقة صحيحة واحدة لنُعلِّم أو نُدرِّس، وكذلك أن نكف عن توقع أن متعلمينا سيكونون أكثر نجاحًا إذا استخدموا الاستراتيجيات نفسها، وأن نؤمن حقًا أن التنوع هو المفتاح "Diversity is the KEY" (Multiple Intelligences for Adult Literacy and Education page, n. d). ذلك أنه لا يوجد مخان بشريان متماثلان تمامًا، ومن ثم لا توجد بيئة مثرية واحدة سوف تُرضي بالكامل كل المتعلمين لفترة ممتدة من الزمن، إن مدى البيئات المثرية للبشر يكون غير منتهٍ. ولابد من بذل الجهود للعمل على إثراء الصفات الموروثة من خلال إثراء البيئة لكل فرد وفي أي عمر، لكن مهما كان شكل الإثراء فإن التحدي للخلايا العصبية هو المهم حيث تشير نتائج الأبحاث التي أُجريت على الحيوانات أن الملاحظة غير النشطة ليست كافية لتطور المخ وأن الفرد يجب أن يتفاعل مع البيئة (Diamond, 1988; 1996).

كيف لمدخل الذكاءات المتعددة (الأنشطة الصفية المتـنوعة والتقويم المتـنوع) في التدريس أن يغير من هذا الواقع التربوي؟

يشير فؤاد أبو حطب (1996) إلى أنه في جميع الأغراض الأكاديمية والتطبيقية الخاصة بفهم سلوك الإنسان وتفسيره والتحكم فيه والتنبؤ به لابد من وضع الفروق الفردية موضع الاعتبار.

وأرى أن الأساس البيولوجي لنظرية الذكاءات المتعددة، إضافة إلى مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ وإمكانية تنمية الذكاءات -واللتان تركز عليهما نظرية الذكاءات المتعددة- يمكن أن يصنعوا الكثير في واقعنا التربوي إذا وضعهم المربون في الاعتبار؛ ذلك أن الخبرات والأنشطة المتنوعة التي يتم تقديمها للتلاميذ في ذلك المدخل التدريسي تساعد في تنمية الذكاءات المتعددة لهم ما يعني الاهتمام بتنمية قدرات كلا النصفين الكرويين للمخ.

ويرى بعض الباحثين ومنهم أولسون (Olson, 1980) (في مصري حنورة، 1997، ص 186) أن الطفل يولد بمخ منقسم إلى قسمين متكافئين، وكلما استمر الطفل في التعامل مع البيئة بظروفها المختلفة أدى ذلك إلى سيطرة أحد نصفيّ المخ، ومال النصف الآخر إلى الكسل، كذلك يشير أولسون إلى أن الوراثة تلعب دورًا هامًا في تحديد السيطرة المخية. وهو ما يعني أن كلًا من التدريب والوراثة له دوره في تأكيد سيطرة أحد الجانبين على الجانب الآخر. وهو ذاته ما أشار إليه جابر عبد الحميد (1977، ص 599) من وجود أثر للوراثة وللبيئة فيما يخص الذكاء، إلا أنه يذكر أنه حتى ولو كان 20% فقط من تباين الذكاء يُعزى إلى العوامل البيئية بينما باقي التباين يعود إلى العوامل الوراثية، فإن هذا يكفينا لنحاول توفير أفضل بيئة تعليمية ممكنة لكل تلميذ، مشددًا على ضرورة أن نستخدم اختبارات الذكاء لا لإبراز الفروق بين التلاميذ بل لمساعدة جميع التلاميذ على التعلم على أعلى مستوى، وأن نستخدم تلك الاختبارات لتشخيص نواحي القوة والضعف لدى الأفراد لكي نوفر لهم أكثر بيئات التعلم فاعلية، وأنه ينبغي علينا لتحقيق ذلك أن نوفر طرقًا مختلفة ومسالك للتعليم ونتيح لكل طفل أن يختار الطريق الذي يفضله.

وتذكرنا دياموند (Diamond, 1988) بدعوة العديد من المربين –من أمثال ديوي وحتى الآن- إلى إمداد المتعلم بتشكيلة متسعة من الخبرات من أجل إثراء تطوره العقلي، وتعود بنا إلى كتاب نُشر في مطلع القرن العشرين لروبن هالِيك (Reuben Halleck, 1901) بعنوان "تربية الجهاز العصبي" أشار فيه مؤلفه إلى أن التربية الأفضل التي يمكننا أن نمد بها الجهاز العصبي تكون عن طريق تحفيز كل الحواس الخمس المعروفة.

ويذكر جينيسي (Genesee, 2000) أنه بما أن فهمنا للمخ يتطور باستمرار فإن النتائج من أبحاث المخ للتدريس والتعلم ينبغي أن تتطور أيضًا باستمرار. إن فهمنا بأن المخ به مناطق متخصصة قد حمل معه النزعة للتدريس بطرق تعكس تلك الوظائف المتخصصة. على سبيل المثال، فإن البحث في الوظائف المتخصصة للنصفين الكرويين الأيسر والأيمن قادنا للتدريس لكلا النصفين الأيسر والأيمن. ولقد اتضح أن خريطة قشرة المخ الوظيفية يمكن أن تتغير حتى في الرشد كاستجابة لخبرات بيئية أو تعليمية ثرية، وأن التدريس والمعلمين يمكن أن يصنعوا اختلافًا في نمو المخ.

كما تذكر إرلاور (Erlauer, 2003) أن الوقت قد حان للاكتشاف –من منظور فسيولوجي- لماذا تكون استراتيجيات تدريس بعينها ناجحة دائمًا، وما هي طرق التدريس والتعلم الجديدة التي سوف تكون أكثر نجاحًا، وذلك من خلال الفهم للكيفية التي يعمل بها المخ بشكل أفضل والتي نستطيع أن نحسن ممارساتنا التربوية بمحاولة التطابق معها. وتوضح وولف (Wolfe, 2003 a) أنه كلما فهمنا المخ أكثر كلما أصبحنا أكثر قدرة على تصميم تعلم يتوافق مع الكيفية التي يتعلم بها بشكل أفضل، بدلًا من أن نعتبر أمخاخ تلاميذنا على أنها صناديق سوداء بداخلها أسرارها المغلقة عليها.

إن المبادئ التي يقوم عليها ما يُعرف بالتعلم المستند إلى المخ والتي تتحدد في أن المخ هو معالج موازي للمعلومات بمعنى أنه يمكنه أداء أنشطة متعددة في آن واحد، وأن المخ يعالج الكليات والأجزاء بتزامن، وأن كل مخ يكون فريدًا، مثل تلك المبادئ تكون هامة للتدريس والتعلم؛ حيث أنها قد أسهمت في وضع تصور عن تقنيات التدريس الناجحة التي يمكن استخدامها مع التلاميذ وأهمها خلق بيئات تعلم تغمر التلاميذ بالكامل في خبرة التعلم؛ ذلك أنه لأن كل مخ يكون مختلفًا فإن المربين ينبغي أن يسمحوا للمتعلمين أن يُعدلوا بيئات تعلمهم وفقًا لرغبتهم، كما أنهم بحاجة أن يدركوا أن أفضل طريقة للتعلم ليست من خلال المحاضرة لكن عن طريق المشاركة في بيئات تعلم حقيقية تجعل المتعلمين يجربون أشياء جديدة بشكل آمن (www.funderstanding.com). إن ما نعرفه عن المخ لا يؤثر فقط في تطوير قدراتنا العقلية بل يسهم أيضًا في تطوير الطرق والأساليب التي يمكن أن نتعلم بها، والتعلم المستند إلى المخ –كما يعرفه كل من مِكبرين وبراندت (McBrien & Brandt, 1997) - يتضمن استخدام مداخل للتدريس تعتمد على أبحاث المخ الحديثة، وتطوير استراتيجيات تدريس والتي تتضمن من بينها استراتيجية التدريس القائمة على نظرية الذكاءات المتعددة.

ولقد اتضح للعلماء منذ نهاية القرن التاسع عشر من أمثال تشارلز بُونِت Charles Bonnet وشيرينجتون Sherrington (في السيد أبو شعيشع، 1998، ص 354) دور الوصلات العصبية في عملية التعلم حيث أشاروا إلى أن الخلية العصبية توصل لما يتلوها من خلايا نوعًا من التعلم لا تحظى به الخلايا التي لا تتصل بها، وأن الاستخدام المتكرر لوصلة عصبية ما في توصيل رسالة عصبية يعمل بطريقة ما على تقوية إمكانية هذه الوصلة العصبية على إيصال الرسائل، وأن التعلم يحدث زيادة في سهولة مرور الرسائل العصبية نتيجة لتكرار استخدام المسار العصبي نفسه. يضيف سبرينجر (Sprenger, 1999) أن علماء الأعصاب يعرفون التعلم على أنه خليتان عصبيتان تتصلان ببعضهما البعض. إنهم يذكرون أن الخلايا قد تعلمت عندما ترسل خلية عصبية رسالة إلى خلية عصبية أخرى. ويؤكد جينيسي (Genesee, 2000) على ذلك بأن فكرة أن الأساس العصبي للتعلم يكون كامنًا في وصلات بين الخلايا العصبية بقيت تخمينية لفترة، أما الآن فهناك دليل مباشر بأنه عندما يحدث التعلم فإن اتصالًا عصبيًا كيميائيًا بين الخلايا العصبية يكون ميسرًا وأن التعلم عن طريق المخ هو تقريبًا صنع وصلات داخل المخ وبين المخ والعالم الخارجي، وأن تلك الوصلات المتكونة لا تكون بين الخلايا العصبية المجاورة فقط لكن أيضًا بين الخلايا العصبية البعيدة في أي من النصفين الكرويين. وتصف كارليسون-بيكرينغ (Carlson- Pickering, 2001) الأمر بكونه تنشيط وصلات عصبية في المخ، وأنها كلما كانت منبهة أكثر يصبح الاتصال أقوى. بينما يكون جاردنر (Gardner as cited in Brualdi, 1996) أكثر تحديدًا عندما يذكر أن التعلم هو نتيجة للتعديلات في الاتصالات بين الخلايا. وبإمكاني أن أستخلص من كل ما سبق أن التعلم والتدريب يمكن أن يخلقا اختلافًا كبيرًا في مخ الإنسان. وهو ما أشارت إليه نتائج الأبحاث التي أجريت على الحيوانات (في السيد أبو شعيشع، 1998، ص ص 363: 366 ؛ ودياموند Diamond, 1996; 1988)، والتي أكدت تأثير الخبرات المثرية على تركيب ووظيفة الخلايا العصبية بالمخ.

وتؤكد دياموند (Diamond, 1988) على دور الإثراء البيئي في التطور المخي، ومن ثم فإنه يجب علينا ألا نتخلى حتى عن الأفراد الذين يبدأون حياتهم تحت ظروف غير مفضلة، فالإثراء البيئي يمكنه أن يثري أمخاخهم النامية أيضًا اعتمادًا على درجة قسوة الأذى الذي لحقهم. وفي دراسة ريفيلج (Revelj, 1987) والذي استخدم فيها برنامجًا لمنع صعوبات تعلم دراسية متوقعة لعدد 14 طفلًا في مرحلة ما قبل الالتحاق بالمدرسة لديهم اختلال وظيفي ضئيل بالنصفين الكرويين أشارت نتائجه إلى حدوث تحسن في أداء 12 منهم في الاختبار البعدي، وارتفع مستوى 6 منهم إلى المعدلات العادية.

وقد توصل علماء علم الأعصاب إلى أن البيئات المعقدة تنتج أدمغة ذكية مقارنة بالبيئات المملة، لذا ينبغي على المعلم أن ينوع من الأنشطة الصفية، وأن يقدم للتلاميذ تحديات جديدة كل يوم. حيث توجد فجوة هائلة بين ما يشرحه المعلم وبين ما يفهمه المتعلم، ومن أجل تقليل هذه الفجوة يحتاج المعلمون إلى إدماج التلاميذ في الأنشطة الصفية من أجل فهم أعمق وتغذية راجعة مع استراتيجيات تعلم صريحة وضمنية، وكلما زادت الخبرات والتغذية الراجعة أصبحت نوعية الشبكات العصبية أفضل (ناديا السلطي، 2004، ص ص 11- 104).

كما أشارت نتائج العديد من الدراسات إلى ضرورة تطوير الممارسات التدريسية استنادًا للفكر الجديد الذي حملته نظرية الذكاءات المتعددة؛ حيث تشير هاردي (Hardy, 2005) استدلالًا من نتائج دراستها أن وعي التلاميذ بقواهم التعليمية ينبغي أن يدمج في ممارسات تدريسية، وأن قلة التفاوت المسموح به في الطرق المتنوعة التي يتعلم بها التلاميذ يجب أن تتغير من أجل تربية تكون أكثر مساواة وتسمح لكل التلاميذ أن يخبروا النجاح ومتعة التعلم. ولعلنا نلاحظ فيما تذكره هاردي أن التنوع في طرق التدريس أصبح هو السبيل للمساواة المنشودة في التربية بعد أن كان سابقًا سبيلًا لعدم المساواة فيها.

ويشير شيرير (Scherer, 1997) إلى أن المربين قد تعلموا الكثير من تغيير فصولهم لدمج ممارسات مدخل الذكاءات المتعددة، وأنهم قد وجدوا النظرية أكثر فائدة في ربط خبرة الفصل الدراسي بالحياة الحقيقية، وربما يكون الإسهام الأعظم لنظرية الذكاءات المتعددة هو أنها قد غيرت التدريس. كما تذكر جودنو (Goodnough, 2001, pp.181-182) أن نظرية الذكاءات المتعددة أكبر من كونها نظرية تقدم اتجاهًا خاصًا نحو طبيعة الذكاء، حيث أصبحت مدخلًا لاستكشاف أساليب التدريس، وتفريد التدريس والتعلم، وتطوير المناهج، وتحسين تقييم المعلمين، وعلى حد قولها فإن واحدة من القوى الأعظم لنظرية الذكاءات المتعددة هي قدرتها على الخدمة كإطار عمل للمعلمين لاستكشاف أساليبهم التدريسية ولتساعدهم في صنع قرارات عن الطرق التي يكونون بها خبرات التدريس والتعلم للتلاميذ.

ويوضح أرمسترونج (Armstrong, 2000b) أن المعلمين اليوم يتعلمون كيف يقدمون المادة خلال تشكيلة من القنوات التعليمية متضمنة بصريات وموسيقى ووسائط متعددة وتعليم عن طريق الفريق وعروض عملية واستكشاف المواد. بينما تؤكد لامب (Lamb, 2002) على عدم وجود طريقة صحيحة ومناسبة واحدة لإدماج مدخل الذكاءات في الفصل الدراسي، إنه يستلزم فقط تغيير فكرتنا عن التدريس والتعلم ومخاطبة الفروق الفردية والإمداد بتشكيلة من الأنشطة والخبرات لتسهيل التعلم.

وتظهر نتائج البحث التربوي أن هذا الاستخدام  للقنوات التعليمية المتنوعة لإدخال المعلومات يسهم في ازدياد سعة الذاكرة العاملة المؤثرة؛ حيث تشير نظرية التشفير الثنائي Dual-Coding Theory لبايفيو (Paivio, 1969, 1971, 1986, 1990 as cited in Marzano et al., 2001; Mousavi et al., 1995; Yang et al., 2003, p.330) إلى أن الحجم المؤثر من الذاكرة العاملة قد يزيد عن طريق تقديم المعلومات بأسلوب مختلط (شكل سمعي وبصري) بدلًا من أسلوب واحد؛ لأن المعرفة تخزن في شكلين وليس في شكل واحد (شكل لغوي وشكل بصري أو غير لغوي). والشكل اللغوي هو دلالات ألفاظ في طبيعته، أما الشكل البصري فيعبر عنه كصور عقلية أو حتى إحساسات جسمية مثل الشم والتذوق واللمس والارتباط الحركي والصوت، وأن نشاط المخ يتم حفزه أكثر لدى التلاميذ الذين يبدعون في التمثيلات غير اللغوية. بينما يرى أندرسون (Anderson, 1983 as cited in Carlson- Pickering, 1999; 2001) ويتفق معه باحثون كثيرون أنه عندما يريد الأفراد أن يفهموا شيئًا معقدًا بعمق فإنهم يجب أن يشفروا خبراتهم التعليمية ثلاثيًا. وهذا يعني أنه إذا كنت معرضًا لأفكار جديدة وقُدمت لك على الأقل من خلال ثلاثة ذكاءات مختلفة فسوف يكون لديك فرصة أفضل لتذكر المعلومات. وتفسر لنا وولف (Wolfe, 2003 a) سبب قوة استدعاء الذاكرة مع زيادة مصادر الخبرة فتذكر أنه عندما تدخل خبرة ما إلى المخ فإنه يُفك تركيبها وتُوزع على المخ بأكمله، وأنه عندما تُستدعى معلومة يجب أن يُعاد تركيبها، لذا فإنه كلما كانت الطرق التي تُقدم بها المعلومات لمخ التلاميذ أكثر كلما كانت الطرق التي يملكونها لإعادة التركيب أكثر وكلما كانت الذاكرة أغنى؛ وبذا يكون التدريس المتعدد الأشكال مؤثرًا للغاية.

ولا يقتصر التطبيق التربوي للنظرية على تحسين طرق التعلم المدرسي بما يتلاءم والفروق الفردية للتلاميذ العاديين بل يتعداه لرعاية ذوي صعوبات التعلم والموهوبين. يذكر فوغارتي وبيلانكا (Fogarty and Bellanca, 1995) أن كل التلاميذ يمتلكون ذكاءات متعددة من ذوي صعوبات التعلم إلى الموهوبين.

ويوضح موريس(Morris, 2002; 2003) أنه إذا طلب المعلمون من تلاميذهم تلقي المعلومات بطريقة لا تتوافق مع أساليب تعلمهم السائدة أو أن يظهروا التعلم بالطريقة التي تجعلهم فاشلين في استخدام ذكاءاتهم الأكثر سيادة، فإن مثل هؤلاء المعلمين يخلقون داخل تلاميذهم أشكالًا من التوتر ودافعية منخفضة وأداءً مقموعًا. وهناك مجموعة من الأدلة تقترح أن كثيرًا من تلاميذ التربية الخاصة الذين صُنفوا على أنهم ذوو صعوبات تعلم هم في الحقيقة ليسوا ذوي صعوبات جوهريًا لكنهم دُرِّسوا وقُيِّموا بطريقة غير مناسبة، وربما يكون وصف صعوبتهم أنهم ببساطة يتعلمون بشكل مختلف ولا يستطيعون أن يتعلموا بالطريقة المتاحة في مدارسهم، إنهم ليسوا تلاميذًا أغبياء أو متعلمين بُكم (صامتين) بل هم ببساطة يتطلبون تقييمات وأدوات بديلة لإظهار أشكالهم المختلفة من الذكاء. لذا نجده –موريس- يقترح تغيير المصطلح الذي يشار إليه بالرمز (LD) من ذوي صعوبات التعلم Learning disabled إلى المتعلمين بشكل مختلف Learned differently. ويؤكد أرمسترونج (Armstrong, 2000a) على الفكرة نفسها بقوله إنه لسوء الحظ فإن الكثير من التلاميذ الذين يمتلكون درجة مرتفعة من الذكاءات الأخرى عدا الذكاءين اللغوي والمنطقي/الرياضي لا يتلقون تعزيزًا كبيرًا عليها في المدرسة، وأن الكثير منهم يصنفون على أنهم من ذوي صعوبات التعلم أو مضطربيّ نقص الانتباه أو ببساطة تحصيلهم دون المستوى.

وفي دراسة هاريل (Harrell, 2003) عن تلاميذ ذوي صعوبات تعلم خاصة وذوي صعوبة عقلية معتدلة.. اتضح لها أن الذكاء المكاني والذكاء الجسمي/الحركي لهؤلاء التلاميذ كان مرتفعًا؛ وأنه نظرًا لكون هذين النطاقين من الذكاء غالبًا ما يُهملان في مناهجنا الدراسية فإنه لا تتاح لهؤلاء التلاميذ الفرصة لإظهار قواهم في الفصول الدراسية، ومن ثم فليس لهم مكان في المدارس التقليدية سوى العزل في برنامج تعليمي خاص.

هذا وتركز نظرية الذكاءات المتعددة على أن الطرق الايجابية التي يكتسب بها الناس المعرفة ويتفاعلون مع العلم ربما تكون ذات قيمة خاصة للمعلمين العاملين مع التلاميذ الذين لديهم خبرات صعوبات متكررة في التعلم  (Kallenbach and Viens, 2001). حيث تذكر كارليسون بيكرينغ (Carlson-Pickering, 2001) أن البرامج التعليمية التي تُعطى للتلاميذ ذوي صعوبات التعلم في نطاق مادة معينة تهمل ذكاءات التلميذ القوية وتركز بدلًا من ذلك على نواحي الضعف، وإذا أُخذت نظرية الذكاءات المتعددة كأساس نظري للمعلمين عند اختيارهم أنشطة برامج التعلم فإن التلميذ سيدرس من خلال ذكاءاته القوية التي يتغاضى عنها المعلمون التقليديون.

وطبقًا لما ذكرته جودنو (Goodnough, 2001, p. 182) فإن استخدام نظرية الذكاءات المتعددة في التدريس يتسع ليقابل ثلاث رؤى فهي: تصل التدريس بالطرق التي يتعلم بها التلاميذ، وتشجع التلاميذ على توسيع قدراتهم ليطوروا كل ذكاءاتهم بقدر الإمكان، وتحتفي وتكرم التنوع الإنساني.

وينبهنا عادل عبد الله محمد (2003، ص 1) وباوم (Baum, 1990) أن من الأمور المتناقضة والتي قد لا يعتقد فيها أو يصدقها الكثيرون أن نجد أطفالًا موهوبين ولكنهم يعانون في الوقت ذاته من إحدى صعوبات التعلم، وذلك استنادًا إلى الدراسات الحديثة في كلا المجالين والتي نبهت الخبراء إلى إمكانية أن يكون كلا مجموعتيّ السلوك موجودتين بشكل متزامن. ولكن هذا التناقض يعد حقيقة في مدارسنا.

ويمكنني التدليل على الفكرة الأخيرة بذكر أمثلة لكثير من المشاهير الذين اعتبروا أغبياء في المدارس التقليدية التي لم تقدر ذكاءاتهم القوية وطريقة تفكيرهم المختلفة عن الطريقة التقليدية التي كانت تُعلم بها مدارسهم. ولعل من أبرز هؤلاء ألبرت أينشتين Albert Einstein وونستون تشرشل Winston Churchill وتوماس أديسون Thomas Adison. وللأسف فإن ما حدث لهؤلاء العباقرة يستمر حتى اليوم ليشمل ملايين آخرين في العالم المتسع.

وتذكر باوم (Baum, 1990) أنه إضافة لعرض العلاج لهؤلاء التلاميذ فإن تركيز الانتباه على تطوير القوى والاهتمامات والإمكانيات العقلية الفائقة يكون ضروريًا، حيث أن هؤلاء التلاميذ بحاجة لبيئة تربوية محفزة تمكنهم من تطوير كامل لمواهبهم وقدراتهم، ووفقًا لويت مور و ميكر (Whitmore & Maker, 1985) فإن مكاسبًا أكبر رؤيت عندما ركز التدخل على الموهبة بدلًا من الصعوبة، كما أنه وفقًا لهرم ماسلو للحاجات (Maslow, 1962) فإن الأفراد يجب أن يشعروا بالانتماء وأنهم مقدرون من أجل الوصول لإمكاناتهم، لذا فإنه لابد أن تكون بيئة التعلم معززة تهتم بتطوير قدرات التلاميذ وتُقيم وتحترم الفروق الفردية، وهو ما يوفره مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس.

وأرى أن نظرية الذكاءات المتعددة قد أعطت أساسًا لبلورة مفهوم الموهوبية؛ حيث نجد جاردنر (Gardner, 1993) يقدم كتابًا عن سبعة من مشاهير المبدعين كل منهم في ذكاء من الذكاءات السبعة الأولى التي وضعها في نظريته عندما قدمها لأول مرة عام 1983، فيعطي سبع صور وصفية للحياة الإبداعية لأشخاص تميز كل منهم في أحد الذكاءات السبعة (ت. س. اليوت T. S. Eliot ذكاء لغوي- ألبرت اينشتاين Albert Einstein ذكاء منطقي/رياضي- مارثا جراهام Martha Graham ذكاء جسمي/حركي- بابلو بيكاسو Pablo Picasso ذكاء بصري/مكاني- ايجور سترافينسكي Igor Stravinsky ذكاء موسيقي- المهاتما غاندي Mahatma Gandi ذكاء تفاعلي- سيجموند فرويد Sigmond Freud ذكاء شخصي)؛ ما يعد مؤشرًا على العلاقة التي أصبح يفترضها جاردنر بين مفهوميّ الذكاء والموهوبية، كما أن مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس يمدنا بفهم لتشكيلة من المواهب التي يحملها التلاميذ للفصل الدراسي، وهي المواهب التي ربما لا يمكن رؤيتها وتمييزها بسهولة في سياق التعلم المدرسي التقليدي. وإذا كان جاردنر يرى أنه لا يوجد سبب لأن نسمي التفكير المنطقي ذكاءً والقدرة الموسيقية موهبة، فإنني أرى أن إسهام نظرية جاردنر لا يتوقف وحسب عند إعادة فحص العلاقة الثنائية الهامة بين الذكاء والتعلم المدرسي، بل أرى أن إسهامه يمتد إلى فحص العلاقة بين الذكاء والموهوبية والتعلم المدرسي.

ذلك أنه في الفصول الدراسية التقليدية، كثيرًا ما تم إغفال الكثير من المواهب ودفنها بسبب الاعتماد على التقييم الفردي واختبارات الذكاء التقليدية بعكس هذه النظرية التي تساعد على الكشف عن القدرات والفروق الفردية، فكم من موهبة لم تُشحذ لأن المربين غفلوا عن اكتشافها وصقلها، كما تساعد هذه النظرية في توجيه الأفراد مهنيًا للوظيفة التي تناسبهم والتي تلائم قدراتهم ويُتوقع أن ينجحوا فيها (الذكاء المتعدد واستراتيجيات التعلم، د. ت).

وقد أشارت نتائج دراسة شيا وآخرين (Shea et al., 2001) إلى أن القدرتين اللغوية والكمية (الرياضية) وحدهما لا تمدان بوصف وافٍ للتنوع المعرفي لدى التلاميذ الموهوبين عقليًا، وأن الفروق الفردية في هذه الفئة الخاصة في القدرات اللغوية والكمية والمكانية في عمر 13 عامًا كانت متعلقة بشكل واضح بعضويات المجموعة التربوية والمهنية عبر 20 عامًا، وكان واضحًا أن القدرة المكانية مقارنة بالقدرة الكمية واللغوية تمد بمعلومات فريدة وأنها أضافت صدقًا إضافيًا في التنبؤ بالنتائج التربوية/المهنية التي اختارها التلاميذ بأنفسهم عبر الأزمنة المتعاقبة.

وإذا ما قارنا المدرسة التقليدية بالمدرسة التي تركز على الذكاءات المتعددة للتلاميذ فيما يختص بالتعامل مع الموهوبين سنجد أن الموهوبين في المدرسة التقليدية هم التلاميذ الذين يحصلون على معامل ذكاء 130 فأكثر، ويتم تعليمهم من خلال برامج خاصة بالموهوبين. بدلًا من ذلك وفي مدرسة الذكاءات المتعددة يمكننا التركيز على التلاميذ المتميزين في أنواع مختلفة من الذكاء. التلاميذ الذين هم موسيقيون جدًا أو منطقيون جدًا أو لغويون جدًا لكن دون تغيير البرنامج التعليمي. وقد دلت الدراسات التي تمت على الطلاب الموهوبين على فعالية البرامج التدريسية المؤسسة على نظرية الذكاءات المتعددة في التعرف على الموهوبين والوصول بموهبتهم إلى درجة التفوق، وتنمية مواهبهم بشكل أفضل مقارنة بالذين تعلموا بالطريقة التقليدية. بالرغم من ذلك ووفقًا لدراسة مِكفارلاند (McFarland, 1998) فإن أغلبية تحديدات المعلمين للموهوبين لا زالت مؤسسة على القدرات الأكاديمية للتلاميذ في اللغات والقدرة المنطقية/الرياضية.

وتذكر كارلسون-بيكرينغ (Carlson-Pickering, 2001) أن المعلمين عندما يستخدمون استراتيجيات تدريس وأنشطة متنوعة فإنهم لا يصلون فقط لكل التلاميذ، لكنهم يكونون أفضل في القدرة على تنمية المواهب للتلاميذ ذوي القدرات العالية. هؤلاء التلاميذ لديهم الحاجة لتقوية ذكاءاتهم. وأغلب المعلمين الذين درَّسوا من خلال مدخل الذكاءات المتعددة يشعرون أنه قد أتاح لهم الفرصة للوصول للمواهب الفريدة التي يمتلكها كل تلاميذهم.

إن المدارس التي تقدر كل الذكاءات لا تسقط الفن أو الموسيقى حتى بالمقارنة بالكمبيوتر. لكن للأسف يظل مجتمعنا يرسل رسائل خليطة للتلاميذ فنحن نتملق الرياضيين الحاصلين على جوائز والموسيقيين والقادة، لكن نفشل في تنشئة التلاميذ المبتدئين في الألعاب الرياضية والموسيقى والمهارات الاجتماعية (Scherer, 1997).

ويوضح جاردنر (Gardner, 2003) أن هناك فروقًا حتى في مستوى الأداء العالي، فهناك فروقًا بين هؤلاء الذين يكونون فائقين في نطاق واحد مثل الموسيقيين أو علماء الرياضيات مقارنة بمتعددي البراعات أو المواهب أو الكفاءات مثل السياسيين أو قادة الأعمال الذين يعرضون بروفيل مستوي نسبيًا من نواحي القوة المعرفية.

ويضيف شيرير (Scherer, 1997) أن نظرية الذكاءات المتعددة قد غيرت أيضًا الطريقة التي نختبر ونقيم بها تلاميذنا، فبعض الاختبارات المعيارية اليوم تتطلب ذكر أمثلة وتفسير خرائط ورسم، وتقود التلاميذ لإظهار ذكاءهم بطرق مختلفة. كما يعتقد جاردنر (as cited in Carlson- Pickering, 2001) أن كل التلاميذ يجب أن يمدوا بفرص ليظهروا ما قد تعلموه ويكونوا قادرين على أن يفعلوا من خلال الحقيبة الوثائقية Portfolio وتقييمات عملية موثوق بها. ويذكر موريزيت (Morissette, 2002) أنه على أساس نظرية الذكاءات المتعددة فإن استخدام الحقيبة الوثائقية Portfolio هو أدق طريقة لقياس كيفية نماء التلميذ، فالحقيبة الوثائقية هي تجميع لعمل التلاميذ في نطاقات عديدة والتي تسمح للمعلمين أن يقدروا على أساس شواهد التعلم طوال الوقت، وتوضح أن الأطفال يكونون أذكياء بكثير من الطرق المختلفة. ويشرح أرمسترونج (Armstrong, 2000b) بعض طرق التقويم الممكنة فيذكر أن التلميذ قد يختار كتابة تقرير عما درس باستخدام برنامج معالجة الكلمات على الكمبيوتر، ومتعلم آخر يقرر أنه سوف يكون أغنية تتضمن الكلمات المفتاحية بالدرس، وآخر يجري سلسلة من التجارب العلمية أمام زملائه، أو تلميذ يظهر فهمه عن طريق إبداع خريطة عقلية لمحتوى الدرس.

وأرى أن اختيار طرق التقويم يمكن أن يخضع لتفضيلات التلاميذ ما لم يتعارض مع أهداف التعلم؛ فإذا أردنا من التلاميذ أن يكونوا قادرين على الكتابة فيجب أن يكون تقييمهم كتابيًا، وإذا أردنا منهم أن يكونوا قادرين على تحليل بيانات فلابد من إعطائهم بيانات كي يقوموا بتحليلها.

ونعود إلى النقطة المفتاحية في نظرية الذكاءات المتعددة وهي أن معظم الناس يمكن أن ينموا كل ذكاءاتهم إلى مستوى كفء نسبيًا من حيث الإتقان، حيث يذكر هاو (Howe, 1997, p. 139) أنه إذا كان الذكاء كفاءة أساسية ثابتة كما تحدده النظرة التقليدية، فلن تكون هناك حاجة للاعتناء بالحرمان التربوي أو بالجور وعدم المساواة؛ إذ نستطيع أن نتقبل ببساطة أن ما يحدث لحياة الناس هو أمر مرسوم لهم بسبب قوى خارجة عن تحكم المجتمع.

وهنا لابد من طرح السؤال الهام: "هل حقًا يمكن أن يصنع التعلم والتدريب اختلافًا؟"، هل يمكن أن يسهم تنوع الأنشطة المدرسية بحيث تلائم الذكاءات المتعددة في تنمية تلك الذكاءات أم أن الذكاء ثابت كما يذكر أنصار العامل العام ولا تلعب الخبرة دورًا كبيرًا في اكتسابه لكونه فطريًا وليس مكتسبًا؟ كما نتساءل.. هل يمكن أن يعمل هذا التنوع التدريسي حقًا على تنمية نمط التعلم والتفكير المتكامل إذا كنا لكل منا نصف مخ مهيمن كما تشير أغلب الدراسات؟

ويجيبنا مِكبرين وبراندت (McBrien & Brandt, 1997) بأن الأبحاث الحديثة تؤكد طواعية المخ وأنه ينمو ويتكيف كاستجابة لمثيرات خارجية، كما يؤكدان على أن البيئة المسترخية غير المهددة التي تزيل خوف التلاميذ من الفشل تُعتبر أفضل من أجل التعلم المستند إلى المخ. وهو ذاته ما أشارت إليه وولف (Wolfe, 2003 a) من أن الانفعال عامل أساسي في تجهيز التعلم، وأن البيئة يجب أن تكون آمنة جسميًا ونفسيًا حتى يحدث التعلم. وهو ما يوفره هذا المدخل التدريسي للتلاميذ.

ويمكننا القول إن نظرة المدرسة الحديثة ودورها نحو التلميذ قد تغيرت، فهي لم تعد قاصرة على تعليم الطفل عن طريق تلقينه بعض المعلومات، بل أصبحت لها رسالة أخرى لا تقل أهمية عن الرسالة السابقة، وهي العمل على تربية الطفل وتكوين شخصيته من جميع النواحي وتنمية ذكائه وتفكيره (إسماعيل عبد الفتاح، 1998، ص 59). وهو ما أشار إليه جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 389) حيث ينبغي أن يكون هدف المدرسة في رأيه هو تنمية أنواع الذكاء، ومساعدة الناس على الوصول إلى أهدافهم المهنية وهواياتهم، والتي تتناسب مع نوع الذكاء الذي يتمتعون به.

كيف يمكن للمعلم أن يوظف مدخل الذكاءات المتعددة تربويًا؟

بدايةً فأنا أرى أنه بسبب نقص معلومات الكثير من المعلمين عن نظرية الذكاءات المتعددة فإنه تنقصهم المهارات والثقة التي تلزم لمواجهة تحدي العمل على تطوير القدرات العقلية للتلاميذ عن طريق تطبيق النظرية كمدخل في خطط دروسهم. وتشير نتائج دراسة غرينوود (Greenwood, 2006) إلى أن المربين يعتقدون أن النتائج من علم الأعصاب –متضمنة أبحاث المخ- وعلم النفس المعرفي تكون هامة لممارساتهم، وبالرغم من ذلك فإن قاعدتهم المعرفية عنها واستخدام هذه المعرفة كان محدودًا.

وتذكر جاكوبس-كونيل (Jacobs-Conell, 2000) أنه ينبغي على كل معلم أن يفهم بروفيله العصبي للذكاءات، وأن يفكر في الكيفية التي يؤثر بها بروفيله في طريقة تدريسه، وأخيرًا أن يوسع  تقنيات تدريسه لتتضمن نطاقات من ذكاءات جاردنر غير متطورة في بروفيله. ومما يعزز ذلك الرأي ما أشارت إليه دراسة جونست (Gunst, 2004) من أن المعلمين المشاركين بالدراسة –وعددهم 622 معلمًا- مالوا لأن يستخدموا استراتيجيات تدريس منحازة لذكاءاتهم المتعددة التي قرروها بأنفسهم، كما أشارت تلك الدراسة إلى أن استراتيجيات التدريس قد أثرت تعلم التلاميذ وساعدتهم على تطوير ذكاءاتهم المختلفة. من أجل ذلك ينبغي على المعلمين أن يتحركوا إلى ما هو أبعد من ذكاءاتهم القوية وأن يدمجوا استراتيجيات وطرق عديدة في فصولهم الدراسية لأن التلاميذ لديهم قدرات واهتمامات واتجاهات مختلفة.

كذلك يؤكد أرمسترونج (Armstrong, 2000b) على ضرورة أن يحرص المعلم على تقييم الذكاءات المتعددة لتلاميذه لإشعار كل منهم بتميزه، ولكي يتمكن من مساعدتهم على تنميتها، وذلك من خلال طرق متعددة يحددها في:

* الملاحظة البسيطة للتلاميذ: وتتضمن ملاحظة كيف يسيء التلاميذ في الفصل الدراسي، وكيف يقضون أوقات فراغهم بالمدرسة؛ لأن أنماط سلوك التلاميذ الإجرائية –السيئة كانت أو الحسنة- غير المخطط لها تعكس ذكاءاتهم، كما يقترح أرمسترونج أن يستعين المعلم بقائمة ملاحظة تشمل عبارات تُقيِّم الأنشطة التي تعكس كل ذكاء من الذكاءات الثمانية وذلك من أجل تنظيم عملية الملاحظة.

* جمع الوثائق: وتتضمن تلك الوثائق صورًا ورسومًا تخطيطية وعينات من العمل المدرسي للتلاميذ وشرائط فيديو وشرائط تسجيل صوتي وإسطوانات مرنة CD تظهر نواحي نشاط التلاميذ التي تظهر من خلالها ذكاءاتهم القوية.

* سجلات المدرسة: حيث توفر بيانات السجلات المدرسية التراكمية معلومات عن ذكاءات التلاميذ المتعددة، والتي تشمل تقديرات التلاميذ في المواد المختلفة وفي اختبارات الذكاء التي تعتبر فئاتها الفرعية مقاييسًا لبعض الذكاءات؛ كاختبارات ترتيب الصور وبناء المكعبات التي يمكن اعتبارها مقاييسًا للذكاء المكاني، كما يوضح ضرورة الاستعانة بأنواع من الاختبارات التي تتعلق بكل ذكاء كمقاييس النضج الاجتماعي لقياس الذكاء الاجتماعي.

* التحدث مع المدرسين الآخرين.

* التحدث مع آباء التلاميذ.

* سؤال التلاميذ أنفسهم.

وهو ذاته ما أشارت إليه نتائج دراسة كارثي (Carthey, 1993) من أنه ينبغي على المعلمين أن يأخذوا في الاعتبار اختبار تلاميذهم لتحديد أنماط تعلم التلاميذ وسيادتهم المخية، ومن ثم ربما يقترح المعلمون مداخل وطرق تدريس تتوافق معها.

ثم تأتي الخطوة التالية وهي تدريس التلاميذ عن نظرية الذكاءات المتعددة. ترى كارليسون-بيكرينغ (Carlson-Pickering, 2002) أن التلاميذ يمكن أن يدركوا فكرة أنهم يمتلكون ذكاءات مختلفة كثيرة بكميات مختلفة إذا استخدم المعلم لذلك أمثلة ملائمة، وتعطي مثالًا بأن المخ يماثل ثُرَيا بها مصابيح مختلفة الشدة، وأن التلميذ بإمكانه تخيل ذكاءاته القوية كالمصابيح الأكثر إضاءة في ثُريته (مخه)، وبما أننا جميعا لدينا تشكيلة من القوى والعيوب فإن مصابيح ثرياتنا تشع بأضواء مختلفة. إن هذه المناظرة -بين المخ والثُريا- تساعد التلاميذ أن يتخيلوا كيف هم أذكياء، وأن يبدأوا في رؤية أنه بالرغم من أنهم قد لا يُشعّون في منطقة فإن لديهم مناطق أخرى يتأتى لهم فيها ذلك. إنهم يتعلمون رؤية وقبول الاختلافات بينهم وبين نظرائهم ويدركون أنه لا يوجد شخص أفضل من الآخر.

وتدلنا دراسة سون (Sohn, 2003) أن معرفة التلاميذ ببروفيلات ذكاءاتهم المتعددة قد ساعدتهم في اختيار استراتيجيات مناسبة أي أنها سمحت للتلاميذ أن يجدوا نقطة الدخول الخاصة بهم إلى التعلم، وأنه عندما كان التلاميذ قادرين على اختيار استراتيجياتهم فإن نسبة عالية جدًا منهم استخدموا استراتيجيات توافقت مع بروفيل ذكاءاتهم المتعددة.

وبعد التعرف على ذكاءات التلاميذ تأتي أهم خطوة وهي وضع النظرية موضع التطبيق. يذكر كل من جابر عبد الحميد (2003، ص ص 57: 62) وإسماعيل الدرديري ورشدي فتحي (2001، ص ص 82: 84) بعض الأنشطة التي يمكن تنفيذها للارتقاء بالذكاءات المتعددة للتلاميذ ومنها الزيارات الميدانية لأماكن متنوعة خارج الفصل الدراسي –يمكن أن تكون داخل المدرسة كحجرة الموسيقى على سبيل المثال- أو إفساح الفرصة لأحد المتخصصين في مهنة ما لزيارة الفصل، وتتبع السِير الذاتية لأفراد بارعين مشهورين في كل مجال من مجالات الذكاء، والأنشطة العملية السريعة التي تشمل أنشطة متنوعة يعتمد كل منها أساسًا على استخدام أحد الذكاءات ويكون على التلميذ أن يُتمها، ومناضد الذكاءات المتعددة التي تتطلب إعداد منضدة لكل ذكاء في الفصل الدراسي ليتم عليها التلاميذ النشاط الخاص بالذكاء ثم ينتقلوا للمنضدة التالية، وعرض منتجات التلاميذ مُعبَرًا في كل منتج عن نوع الذكاء الذي يُعبَّر عنه، إضافة إلى عرض ملصق لأحد البارعين في كل ذكاء على جدران الفصل، وتأليف قصة أو مسرحية أو أغنية يتمتع أبطالها بدرجة عالية من أحد الذكاءات ويتحدث عما يفعله، كما يمكن للمعلم أن يستخدم لعبة من الورق المقوى يقوم بإعدادها مع تلاميذه على شكل لوحة مقسمة إلى مربعات ملونة بألوان مختلفة تمثل الذكاءات وبطاقات ملونة بالألوان نفسها عليها أسئلة تخص الذكاءات المختلفة ونردًا (زهر الطاولة).

كما يورد جاردنر (Gardner, 2001) طرقًا يمكن بها نقل نظريته إلى حيز التطبيق منها أنه يمكن تجميع كل التلاميذ الأقوياء في ذكاء، أو يمكن جمع كل التلاميذ الضعفاء في ذكاء لمحاولة تقوية تلك الذكاءات الضعيفة أو تجاهل العيوب والبناء على نواحي القوة، كما يمكن تفريد التربية كلما أمكن، وهذا الخيار الأخير هو ما يستحسنه جاردنر حيث يرى أنه في عصر الكمبيوتر يكون تفريد التربية ملائمًا لكل طفل وليس للأغنياء فقط.

وبالرغم من ذلك فإن نظرية الذكاءات المتعددة ليست نظرية في التربية، ومن ثم فإنها ليست مجموعة استراتيجيات لتُطبق بشكل مباشر، إنها تؤيد وتصدق على ممارسات كثيرة مختلفة جيدة وتوسع مقدرة المعلمين على إخراج الأفضل من تلاميذهم، إنها ليست تقنية.. إنها مجموعة من القدرات العقلية "It's not a technique, it's a mind set" (Kallenbach and Viens, 2001; Viens, 2000).

وتركز كريستيسون وكينيدي (Christison and Kennedy, 1999) على الفكرة ذاتها إذ تريان أن نظرية الذكاءات المتعددة لا تقتضي طريقة تدريس أو منهج أو أسلوب، لكن طريقة في فهم الذكاء يمكن للمعلمين أن يستخدموها كمرشد في تطوير أنشطة الفصل الدراسي التي تنصب على طرق عديدة للتعلم والمعرفة. كما تشير كامبل (Campbell, L., 1997) إلى عدم وجود اتفاق بين المربين على نموذج واحد مفضل لتطبيق مدخل الذكاءات المتعددة، فمنهم من يركز على برامج مهنية، ومنهم من يعتمد على المشروعات، ومنهم من يجعل تلاميذه يدورون طوال اليوم في محطات تعليمية (مراكز تعليمية) ينفذون فيها نشاطًا خاصًا بأحد الذكاءات، فالمعلمون يطبقون النظرية بالطريقة التي يعتبرونها أكثر ملاءمة لتلاميذهم ومدرستهم ومجتمعهم. كما أنه لأمر هام كما يذكر أرمسترونج (Armstrong, 1991, as cited in Carlson-Pickering, 2001) أن يركز المعلم على أي  ملامح ايجابية يجدها في سلوك التلاميذ حتى إذا كانوا لا يزالون لا يعملون بالمستوى النهائي الذي يرغبه.

إن المطلوب هو بيئة تدريس وتعلم تحتفي بالفروق الفردية؛ فالأفراد يتعلمون بسبب اختلافاتهم وليس بالرغم منها (Herrmann, 1991, p. 280). ويقترح جاردنر (Gardner, 1999) بديلًا للتربية المتماثلة التي لا تراعي الفروق الفردية والمنتشرة في الأنظمة التعليمية الرسمية، هذا البديل هو التربية الموفقة فرديًا Individually Configured Education والتي تأخذ الفروق الفردية بجدية، كما تكون متوافقة أيضًا مع المنهج المعياري؛ إذ لا يعني الالتزام ببعض المعرفة العامة أن الجميع يجب أن يدرس هذه الأشياء بالطريقة نفسها وأن يُقيَّموا بالطريقة نفسها. ويرى جينيسي (Genesee, 2000) أن دراسات المخ تصدق على ما نعرفه من الدراسات التربوية بأنه يجب على المعلمين أن يقوموا باستعدادات مسبقة للفروق الفردية في أنماط التعلم عن طريق إمداد التلاميذ ببدائل ترتيبات جماعية ومواد تدريسية.

وتوضح كارلسون-بيكرينغ (Carlson-Pickering, 1999) أننا نكون أكثر حماسًا ودافعية للتعلم عندما نشترك في الأنشطة التي نمتلك فيها بعض الموهبة حتى لو كانت تقدم لنا مادة لا نحبها، لذا فإن المعلم إذا قدم المادة من خلال تشكيلة من الذكاءات فإنه من المحتمل أكثر أنه سيصل إلى عدد أكبر من التلاميذ. وقديمًا ذكر ريونولدز وتورانس (Reyonalds & Torrance, 1978 as cited in Harpaz, 1990, p. 168) أنه يمكن تعديل نمط السيادة المخية للتلاميذ من خلال تدريبهم على أنشطة تعليمية متنوعة. كما ذكر العديد من الباحثين بإيراد الأدلة أن الدورات التعليمية قصيرة الأجل ليس لها تأثير دال على أنماط التعلم والتفكير (Lavach, 1991, p. 219). كذلك أوضح كان وكان (Kan & Kan, 1979, p.165) أن المخ يكون أكثر مرونة في مرحلة الطفولة وبداية المراهقة عنه في المراحل العمرية التالية حيث تصبح وظائف النصفين الكرويين أكثر ثباتًا. إضافة لذلك فإنه توجد نتائج من بعض الدراسات تفيد بأهمية دمج استراتيجيات الذكاءات المتعددة في سن مبكرة؛ لأن التلاميذ يكونون أكثر قابلية لاستقبالها، أما التلاميذ الكبار في السن فلا يكونون معتادين على الحرية الدراسية التي يعرضها هذا المدخل التدريسي ما لم يُطبق عليهم في الصغر، ومن ثم فهم لا يتقبلون استراتيجياته بالقدر نفسه، ولا يحقق معهم النجاح الذي يحققه مع صغار السن، وعلى سبيل المثال فقد أشارت نتائج دراسة بارتشر وآخرين (Partscher et al., 1995) إلى أن نتائج استخدام هذه الاستراتيجيات لم تكن فعالة في زيادة دافعية تلاميذ الصف العاشر مقارنة بالصفين الثالث والسادس. كما أن هناك تصورًا لا زال قائمًا لدى كثير من التربويين أن بعض أنواع الأنشطة التي يعرضها هذا المدخل تُعد طفولية ولا تصلح لتعلم الكبار –خاصة الأنشطة الموسيقية-. ويكون أرمسترونج (Armstrong, 1994) أقل تفاؤلًا عندما يذكر رؤيته بأن بعض المربين ربما يظنون أن الفلسفة التعليمية للذكاءات المتعددة بوجه عام –وليس الأنشطة الموسيقية فحسب- تعمل جيدًا مع الأطفال الصغار، لكن عندما يصل التلاميذ لعمر المدرسة المتوسطة أو الثانوية فإنهم بحاجة لأن يضعوا هذه الزخارف التعليمية غير الأساسية جانبًا ويصبحوا جادين حول التعلم، ولسوء الحظ فإن هذا المنظور الضيق للتعلم يسهم في تنفير المراهقين من التعلم، لأن الأطفال لا يتركون ذكاءاتهم المتعددة وراءهم بمجرد أن يصلوا للبلوغ، بل على النقيض يصبح الذكاء أكثر حدة (خاصة الذكاء الجسمي/الحركي والذكاءين الشخصيين).

ما هي فوائد استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التعليم؟

من خلال مراجعتي لدراسات وكتابات الباحثين الذين يؤيدون استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس مثل (ابتسام محمد فارس، 2006؛ أحمد أوزي ، د. ت؛ إيناس السيد محمد، 2005؛ بهيرة شفيق، 2007؛ عبد الرحمن علي بديوي، 2007؛ فضلون سعد الدمرداش، 2005؛ لوريس إميل، 2007؛ محمد عبد الرحمن أبو هاشم، 2004)

 (Albero et al., 1997; Aldhahri, 2004; Anderson, 1998; Armstrong & Rentz, 2002; Baldes et al., 2000; Baugous & Bendery, 2000; Benning et al., 2003; Beuscher et al., 1997; Bielsker et al., 2001; Blake et al., 1999; Burhorn et al., 1999; Campabello et al., 2002; Campbell, 1994; Campbell, L., 1997; Carlson- Pickering, 1999; Carlson- Pickering, 2001; Carver et al., 2000; Charbonneau & Ribar, 1999; Cluck & Hess, 2003; Coleman et al., 1997; Comia, 2006; Condis et al., 2000; Dare et al., 1997; Davis, 2004; Dillihunt, 2003; Ellingson et al., 1997;  Fortner, 2004; Francois et al., 1999; French et al., 1998; Geimer et al., 2000; Georg et al., 2001; Goodnough, 2001; Hanley et al., 2002; Herbe et al., 2002; Hicks, 1998; Highland et al., 1999; Hubbard & Newell, 1999; Hughes, 1995; Hutchinson et al., 2002; Janes et al., 2000; Kariotakis et al., 2000; Klein et al., 1998; Klopcic, 1998; Lane el al., 1997; Layng et al., 1995; Lindvall, 1995; Lowe et al., 2001; Naffziger et al., 1998; Outis, 1994; Pierce, 1997; Pociask & Settles, 2007; Rockwood, 2003; Rubin, 1999; Schirduan & Case, 2000; Tapping into Multiple Intelligences, n. d; Taylor, 2007; Uhlir, 2003; Vega, 2001)    يمكنني استخلاص الفوائد التالية لاستخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس:

* يرفع أداء المدرسين، ويمدهم بفهم أكبر لتلاميذهم والاحتياجات التربوية للتلاميذ، وتصبح رؤيتهم لتلاميذهم أكثر عمقًا وتفكيرًا في تضمينهم للمادة.

* يراعي طبيعة كل المتعلمين في الفصل الدراسي وينطلق من اهتماماتهم ويراعي ميولهم وقدراتهم، إيمانًا بأنهم يتعلمون بطرق مختلفة بدرجات مختلفة ومن خلال مناظير مختلفة اعتمادًا على خبراتهم الشخصية، وأخيرًا فإنه ينصف كل المتعلمين ويعتبر أن لكل منهم قدرات معينة.

* يعطي فهمًا ورؤية متفائلة للتلاميذ.

* يساعد كل التلاميذ أن يستكشفوا ويُنموا ويُطوروا قدراتهم، فيصبح المتعلمون أكثر نشاطًا ومشاركة وابتهاجًا بالتعلم وشعورًا بالكفاءة، وأكثر ارتباطًا بالمهام التي ينفذونها. إضافة لذلك فإنه يدعم أيضًا المثابرة والجهد الضروريين لإجادة المهارات والمعلومات وليكونوا مبدعين، ما يؤدي للنمو الدراسي.

* يزيد مسئولية التلاميذ عن تعلمهم وارتباطهم بعملية التعلم.

* يحسن المردودية التعليمية/التعلمية؛ إذ يؤدي إلى زيادة فهم واكتساب التلاميذ للمادة المتعلمة، ومن ثم احتفاظهم بها وتذكرها، ومن ثم ارتفاع درجاتهم التحصيلية.

* يُنقص الفجوة في مستويات التحصيل بين التلاميذ.

* يثبت أن التقويم الكتابي ليس بالضرورة الطريق الأفضل لتقويم تحصيل التلاميذ.

* يزيد تقدير التلاميذ للقراءة ودافعيتهم لها لأبعد من الفصل الدراسي، وقدرتهم على عمل ارتباطات بين ما قرأوا وحياتهم، كما يزيد الوقت الذي يقضونه ليقرأوا ويفكروا فيما قرأوه، ومن ثم زيادة الفهم القرائي ومهارات التفكير العليا لديهم.

* يرفع مستوى القدرة على الكتابة لدى التلاميذ.

* يمكن التلاميذ ذوي صعوبات التعلم من استيعاب المفاهيم بشكل أيسر، والمشاركة في أنشطة الفصل الدراسي.

* يوفر المزيد من فهم وتقدير التلاميذ للذات وتقدير قواهم الفردية، ومشاعر أكثر إيجابية تجاه الذات.

* يُحسِّن مستوى مفهوم الذات للتلاميذ ذوي النشاط المفرط نظرًا لأن تركيز المنهج يكون على نواحي قوى التلاميذ بدلًا من العيوب، وهو جانب غالبًا ما يكون مفقودًا في تربية ذوي النشاط المفرط في المدارس التقليدية.

* يزيد دافعية التلاميذ للتعلم واستمتاعهم به، ويُحسن الاتجاهات نحو المدرسة.

* ينقص سلوك التلاميذ الفوضوي والسلوك غير الملائم والمعطل، ويقلل مشاكل الانضباط في الفصل.

* يقلل الوقت الذي يستلزمه المعلمون لتصحيح السلوك الخاطئ ما يتيح وقتًا أكثر للتدريس حيث يزيد الوقت الذي يقضيه التلاميذ في أداء المهام التعليمية الموكولة إليهم، وينتج عنه نمو أكاديمي وشخصي للتلاميذ.

* يُحسِّن المهارات الاجتماعية للتلاميذ، ويزيد التعاون بينهم وبين زملائهم ومعلميهم.

* يُطور مهارات الصداقة.

* يُحسِّن المهارات الحوارية لدى التلاميذ؛ حيث يحدث لديهم تحسن دال في لغتهم التعبيرية والاستقبالية في الحوار.

* يوفر للتلاميذ المزيد من فهم واحترام زملاء الدراسة، لأنه عندما يمتلك التلاميذ الفرصة لتقديم المعرفة من خلال أحد ذكاءاتهم القوية فإن زملاءهم في الدراسة سوف يرون جوانب فيهم ربما لم يدركوها من قبل، ومن ثم يتعلمون أن يُقدروا تفرد التلاميذ الآخرين.

* تشجع تلك البيئة التلاميذ على أن يروا أنفسهم كقادة.

* يطور التلاميذ المسئولية المتزايدة والاتجاه الذاتي والاستقلال، ويتحسن إكمال العمل المستقل.

* يصبح التلاميذ ماهرين في تطوير مشاريعهم وجمع الموارد والمواد الضرورية والقيام بعمل تقديمات مدروسة.

* يراكم التلاميذ خبرات تربوية إيجابية وإمكانية خلق حلول للمشاكل في الحياة.

* يزيد نقل المعرفة لدى التلميذ من الفصل الدراسي إلى أنشطة الحياة اليومية.

* يزيد الوعي المهني بوظائف متنوعة لدى التلاميذ، ويتفهموا أن عملهم المدرسي متعلق بالحياة في المستقبل. 

وبإمكاننا الاستنتاج من نتائج هذه الدراسات مجتمعة أن مدخل الأنشطة المتنوعة –أو ما يُعرف بمدخل الذكاءات المتعددة- في التدريس لا تقتصر فعاليته على تنمية الذكاءات المتعددة فقط كما أشار جاردنر Gardner، بل تمتد أهميته لتنمية الكثير من المتغيرات، كما طُبقت برامج هذا المدخل على مواد دراسية مختلفة كاللغة العربية واللغة الانجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية وعلم النفس والموسيقى والفنون، وأثبتت نجاحها في زيادة التحصيل في كل هذه المواد الدراسية، بل وفاعليتها في علاج صعوبات التعلم الشائعة ما يدعم أهمية هذا المدخل التدريسي ويؤكد فوائده.

 

د. منى زيتون

 

 

ليلى الدسوقيالسلام هو الاساس فى علاقات الامة الاسلامية بغيرها من الامم وان الحرب هى الاستثناء او هى الضرورة التى لا يلجا اليها الا عند مقتضياتها المشروعة كما يجب حصرها فى نطاق هذه المقتضيات دون التوسع فيها

قال الله تعالى مخاطبا رسوله ومبينا له الغاية من إرساله {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء، 107) وقد أرسل الله تعالى نبيه الخاتم برسالة الإسلام القائمة على مبادئ الرحمة والعدالة. والإسلام هو الاسم الذي اختاره الله لدينه، مشتقٌ من السلم، ومن معانيه إعطاء السلم والأمان، وكانت تحية المسلمين فيما بينهم السلام لتأكيد سماحة الإسلام ودعوته للسلم.

وقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله تطبيقا لرسالة القرآن الكريم الداعية لتحقيق السلم والتعارف والتعاون.

فالاسلام عقيدة عالمية ورسالة الهية تحمل الخير والسعادة لكل البشر على وجه الارض فقد كان من المتوقع ان يقاومه ويصد الناس عنه اشرار الارض وطغاتها فالتاريخ علمنا انه لم تسلم دعوة دينية من مقاومة الاشرار والطغاة لها ووقوفهم بكل قوة فى طريقها وقد واجه الاسلام هذا الموقف فقد وقفت قريش بكل جبروتها وطغيانها موقف العداء السافر للاسلام وظل الرسول ﷺ ثلاث عشرة سنة فى مكة وهو يحاول جهده وبكل وسيلة ان يثنى قريشا عن طريق الاسلام فلم تستجيب

و اخيرا تامرت على حياته واجبرته واصحابه على ان يهاجروا من مكة الى يثرب (المدينة المنورة) وكان هذا غاية الظلم والاضطهاد ولم تكتف بهذا بل استمرت فى اساليبها الاستفزازية للمسلمين فى مهاجرهم الجديد لذلك لم يكن امام المسلمين الا ان يواجهوا القوة بالقوة لان الدعوة بالحسنى هنا لا تجدى وليس هذا مكانها فما دام الطغاة قد صموا اذانهم عن سماع صوت الحق فلابد من معاملتهم باسلوب اخر يضع حدا لغطرستهم وجبروتهم والواقع ان الرسول كان يتوقع هذا الموقف من قريش وغيرها وانه قد يضطر لاستخدام القوة لازالة العقبات من طريقه الا انه مع كل هذا ظل دائما ينظر الى الحرب على انها ضرورة ولم يبحها الا عند مقتضياتها المشروعة

و مقتضيات الحرب او مسوغاتها المشروعة فى نظر الاسلام لا تخرج عن واحدة من ثلاث حالات:

الحالة الاولى الدفاع عن النفس (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‎﴿١٩٠﴾‏ سورة البقرة

والدفاع عن النفس عمل مشروع اقرته كافة الشرائع السماوية كما طفلته القوانين الوضعية

الحالة الثانية الدفاع عن المظلومين وهذا واجب على المسلمين (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) سورة النساء 75

فهذا عمل انسانى من الدرجة الاولى فنصرة المظلومين هدف اساسى من اهداف الاسلام

الحالة الثالثة الدفاع عن حرية نشر العقيدة وهذا هو واجب اصحاب العقيدة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ سورة الانفال 39

ونقول الدفاع عن حرية نشر العقيدة لا لنشر العقيدة لان العقيدة فى حد ذاتها لا تحتاج الى القوة لنشرها اذا خلت الطريق امامها من العوائق واذا ابتعد الطغاة عنها وتركوها تشق طريقها الى قلوب خلق الله فى حرية وامان

هذه هى الحالات التى يسوغ فيها الاسلام الحرب ويعتبرها عملا مشروعا والله سبحانه وتعالى لم ياذن للمسلمين بالقتال الا بعد ان تعرضوا للظلم (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه سورة الحج 40

والتعبير فى الاية الكريمة بالفعل المضارع يقاتلون مبنيا للمجهول ذو دلالة كبيرة مقصودة فهو يدل على ان المسلمين تعرضوا فعلا للظلم وعندئذ كان لابد من رفع الظلم عنهم ولا سبيل الى ذلك امام طغيان اعدائهم الا حمل السلاح لرد العدوان وحتى وهم فى حالة الدفاع عن النفس فان القران الكريم يذكرهم بالا ينسوا ان القاعدة الاساسية فى علاقاتهم بالاخرين هى السلام واذا اضطروا للحرب فيجب حصرها فى نطاق دواعيها فقط اى لرد العدوان دون زيادة من جانبهم او محاولة لتوسيع نطاقها وفى كل الحالات يجب عليهم مراعاة تقوى الله سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‎﴿١٩٤﴾ سورة البقرة

و فوق هذا فان الله سبحانه وتعالى الذى يعلم دخائل النفوس البشرية ينبه المسلمين الى ناحية هامة وهى ناحية شعورية نفسية فقد يضايقهم تصرف شاذ وظالم من اعدائهم وقد يحملهم هذا الشعور على التفكير فى العدوان على هؤلاء الاعداء وعندئذ يطالبهم الله تعالى بضبط النفس وكفها عن العدوان (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّه ) سورة المائدة 2

هل هناك ما هو اروع من هذا السلوك فى تنفير المسلمين من الحرب ودعوتهم الى كظم غيظهم وحصر الحرب فى اضيق نطاق

و حتى فى حالة الحرب فان القائد المسلم مدعو من الله سبحانه وتعالى الى تفاديها ما استطاع الى ذلك سبيلا فاذا لاحت امامه فرصة ولو ضئيلة لتحاشى الحرب وتحقيق السلام ولو بشىء من التضحية فيجب عليه الا يدع هذه الفرصة تفلت من يده وهذا هو موقف الرسول ﷺ عام الحديبية ظهر حرص النبي على دفع حصول الحرب بكل وسيلة حيث قال “والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها”

فاذا أظهر  العدو اى ميل الى السلام فعلى القائد المسلم ان يستجيب (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‎﴿٦١﴾‏ سورة الانفال ومجىء هذه الاية الكريمة مباشرة بعد الاية التى تدعو المسلمين الى الاستعداد العسكرى القوى المؤثر الذى يرهب الاعداء وهى قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‎﴿٦٠﴾سورة ‏الانفال يدل على ان الاستعداد العسكرى لا يعنى بالضرورة الحرب بل قد تؤتى القوة ثمرتها دون ان تستخدم او قد يرهبها العدو ويلقى سلاحه ويجنح الى السلام ويكفى الله المؤمنين شر القتال هذا هو موقف الاسلام من الحرب فهى ضرورة ويجب ان تقف عند مقتضياتها المشروعة ويجب ان تبتعد عن اساليب التدمير ومراعاة اداب الحرب التى وضعها الاسلام وطبقها النبى ﷺ وكانت نصائحه ووصاياه دائما لقواد حملاته الحربية تدور فى نطاقها فيحتم الاسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى اعدائهم ومداواتهم واطعامهم ويحرم الاجهاز عليهم او ايذائهم باى شكل من الاشكال

فالنبي لم يبادر لحرب قط، وكانت كل حروبه إما دفاعا عن النفس كما حصل في بدر وأحد والخندق، وإما هجوما استباقيا بعدما كان يتأكد من جهوزية عدوه لمهاجمته، كما حصل في خيبر وحنين وغيرهما، وأما فتح مكة فهو رجوعه لبلده التي أُخرج منها، وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم سلما معطيا لأهلها الأمان ومعلنا عفوا عاما عنهم بالرغم ما ألم به بسبب أفعالهم، وكان ذلك سابقة تاريخية كانت مصدر إلهام لكثير من الاتفاقات الدولية الحديثة (ومثال ذلك اتفاقية جنيف وهي عبارة عن أربع اتفاقيات دولية تمت صياغة الأولى منها في1864  وأخيرتها في 1949 تتناول حماية حقوق الإنسان الأساسية في حالة الحرب، أي طريقة الاعتناء بالجرحى والمرضى وأسرى الحرب، وحماية المدنيين الموجودين في ساحة المعركة أو في منطقة محتلة إلى آخره)

فالاسلام مع اعترافه بالحرب الدفاعية واعتبارها حربا مشروعة الا انه ميز تمييزا واضحا بين المقاتلين وغير المقاتلين فواجب الجيش المسلم الاتجاه بقوته لتحطيم مقاومة المقاتلين فعلا فى ميدان القتال اما من لم يباشر القتال بنفسه من الاعداء فليس لنا ان نقتله او نتعرض له وتعاليم النبى ﷺ واضحة فى هذا الشان " فالاطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمعتوهون بل حتى الفلاحون فى حرثهم والرهبان فى معابدهم كل اولئك معصومون بحصانة القانون من اخطار الحرب " وبلغ السمو الاسلامى الى درجة ان الاسلام لا يحرص على تجنيب المدنيين من الاعداء ويلات الحرب فحسب بل حرص على تجنيبهم مجرد الالم النفسى

فلقد مر بلال مؤذن الرسول ﷺ بامراتين من نساء اليهود يوم خيبر على عدد من قتلى قومهما فتالمتا لذلك فلما علم النبى ﷺ بما صنع بلال وبخه على ذلك وقال له : " انزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامراتين على قتلى رجالهما "

و الاسلام لا يحرص على سلامة ارواح غير المقاتلين من الاعداء فحسب بل يوصى المقاتلين المسلمين بعدم التعرض للاهداف المدنية وينهاهم عن التدمير والهدم والتحريق لان الاسلام جاء ليبنى الحياة ويعمرها

و ها هى ذى وصية ابى بكر الصديق رضى الله عنه ليزيد بن ابى سفيان وهو متوجه الى ميدان القتال " انك ستلقى اقواما زعموا انهم قد فرغوا انفسهم لله فى الصوامع فذرهم وما فرغوا انفسهم له ..و لا تقتلن مولودا ولا امراة ولا شيخا كبيرا ولا تعقرن شجرا بدا ثمره ولا تحرقن نخلا ولا تقطعن كرما ولا تذبحن بقرة ولا ما سوى ذلك من المواشى الا لاكل "

و من تعليمات النبى ﷺ المتكررة الالتزام بالنظام وحسن السلوك وعدم السلب والنهب وعدم التمثيل بجثث القتلى

روى ابو ثعلبة الخشنى رضى الله عنه قال " ان ناسا من اليهود يوم خيبر جاءوا الى رسول الله ﷺ بعد تمام العهود فقالوا : ان حظائر لنا وقع فيها اصحابك فاخذوا منها بقلا وثوما فامر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فنادى فى الناس : ان رسول الله يقول " لا احل لكم شيئا من اموال المعاهدين الا بحق "

و قد صنع ذلك رسول الله ﷺ مع يهود خيبر فقد كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوا خيبر عدة صحائف من التوراة وقد طلب اليهود من النبى ان يسلمهم اياها فامر بتسليمها لهم " ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا اورشليم واحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بارجلهم ولا هو صنع صنيع النصارى فى حروب اضطهاد اليهود فى الاندلس حين احرقوا كذلك صحف التوراة "

و حرص ايضا الاسلام على حماية ارواح الاسرى من الاعداء ولم يبح ايذاءهم ولا حتى سرقاتهم وانما اباح باحد طريقين اما ان يمن عليهم قائد المسلمين بالحرية دون مقابل او بالفداء مقابل مال او عمل او بالمبادلة كما صنع الرسول ﷺ مع اسرى مشركى بدر (حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ‎﴿٤﴾ سورة محمد

و لكن لا ننكر ان المسلمين كانوا يسترقون بعض الاسرى فى بعض الاحيان من قبيل معاملة الاعداء بالمثل لانهم كانوا يسترقون اسرى المسلمين ولا ننكر انهم كانوا فى بعض الاحيان يقتلون بعض الاسرى ولكن ليس لانهم اسرى وانما من اجل جرائم خاصة خطيرة ارتكبوها فى حق المسلمين وذلك كامر الرسول بقتل عقبة بن ابى معيط والنضر بن الحارث من اسرى بدر وتاريخهما فى ايذاء الرسول والمسلمين معروف

اين هذا السلوك الانسانى فى معاملة الاسرى من المصير المؤلم الذى يلاقيه اسرى الحروب فى هذا العصر الحديث الذى يدعى اهله بالتحضر  والاعمال الهمجية التى صاحبت الحروب الاستعمارية الاوروبية التى تاتى على الاخضر واليابس ولا تفرق بين هدف عسكرى وهدف مدنى ولم ينج منها شيخ كبير ولا طفل صغير ولا امراة ولا زالت بشائع الحرب العالمية الثانية ماثلة امام اعيننا باثارها التدميرية هيروشيما ونجازاكى ولكن تلك حروب استعمارية دفع اليها الحقد والتنافس والصراع بين الدول الاوروبية على تقسيم المستعمرات ومناطق النفوذ والاستيلاء على المواد الخام والاسواق وامتصاص دماء الشعوب

اما الحرب المشروعة من وجهة نظر الاسلام فهى بريئة من كل تلك الشرور لانها حرب لها هدف انسانى فلا يمكن ان تعمل على ابادة الانسانية لان الاسلام ضد الحرب التى تشن بهدف التوسع والاستغلال والحصول على مناطق النفوذ

خلاصة القول: أن السلام هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، وأن الجهاد (الحرب) شرع لأجل الحفاظ على السلام من اعتداء الظالمين على الضعفاء، ولهذا جاء الإسلام وسطا، فلم يجعل الحرب أصلا، ولكنه لم يكن يوما ما دين ذل وهوان، بل دين قوة وعزة، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة الحديد: 25

صلى عليك الله يا علم الهدى *** واستبشرت بقدومك الأيامُ

هتفت لك الأرواح من أشواقها *** وازينــت بحديثك الأقلامُ

 

ليلى الدسوقي

 

منى زيتونيرى أغلب الباحثين (as cited in Carlson- Pickering, 2001) أن أنماط (أساليب) التعلم Learning Styles يمكن أن تتجمع باعتبار أي من العوامل الثلاثة الآتية:

* كيفية تلقي المعلومات بشكل أكثر سهولة؛ وذلك عبر طرق سمعية وبصرية ولمسية وحركية.

* كيفية تنظيم ومعالجة المعلومات بالمخ؛ بمعنى أي الجانبين الأيسر أم الأيمن يكون أكثر هيمنة وسيطرة. وبعبارة أخرى، هل التلميذ أكثر تحليلًا أم إبداعًا.

* كيفية استيعاب وتخزين المعلومات؛ متضمنة احتياجات التلاميذ الاجتماعية والجسمية والانفعالية والبيئية.

ورغم هذا الاختلاف بين الباحثين حول مفهوم أنماط التعلم والتفكير إلا أنه لا خلاف على أن أحد أهم هذه التصنيفات يقوم على فرض المخ المنقسم؛ وهو الافتراض بأن نصفيّ كرة المخ لهما وظائف مختلفة، وأن بعض البشر يسود لديهم استخدام نصف الكرة الأيسر من أمخاخهم بينما بعضهم الآخر يستخدمون النصف الكروي الأيمن؛ مما يؤثر في التعلم والتفكير.

النصفان الكرويان

يُعد النصفان الكرويان Cerebrum الكتلة العلوية الرئيسية لمخ الإنسان حيث يملآن الجزء العلوي من الجمجمة، ويعتبران أساس العمليات العقلية المعرفية، ويكونان معًا سبعة أعشار الجهاز العصبي بأكمله. شكلهما الخارجي يكون مشابهًا لجوزة كثيرة التجاعيد، حيث توجد شقوق عميقة تسمى الأخاديد مع ما يترتب على ذلك من حدوث ثنيات ملتفة فيه تسمى التلافيف. تلك التلافيف توسع جدًا حجم منطقة السطح التي يمكن أن تنحشر داخل الجمجمة، ولنا أن نتخيل أنه إذا كانت الطبقة السطحية من النصفين الكرويين –التي تحد القشرة- ناعمة بدلًا من كونها مجعدة ملتفة فإن المخ سيتضخم إلى حجم كرة السلة.

يتكون النصفان الكرويان كسائر أجزاء الجهاز العصبي المركزي من المادة البيضاء والمادة الرمادية، والأخيرة تحوي الخلايا العصبية وتكون قريبة من السطح فتسمى لحاء أو قشرة المخ، ويُعزى إلى نموها العظيم في الإنسان تميزه على ما دونه من أنواع الفقاريات من ناحية الذكاء والملكات العقلية.

يكون النصفان الكرويان اللذان يكونان السيرابيرم Cerebrum متماثلين تقريبًا، حيث يكون انقسامهما بالطول إلى أسفل عن طريق شق رونالدو وحتى المنتصف، بينما يرتبطان بعمق لأسفل قريبًا من مركز المخ بواسطة الجسم الجاسئ "المقرن الأعظم" Corpus Callosum والذي يعمل كجسر بين النصفين الكرويين جاعلًا الاتصال بينهما ممكنًا، وقطعه يخلق مخين منفصلين يعملان بشكل مستقل عن بعضهما البعض.

ويتحكم كل نصف كروي للمخ في الجانب المعاكس من الجسم نتيجة لتقاطع الحزم العصبية عبر الجسم في طريقها من المخ وإليه، ولا ينطبق هذا على مناطق الترابط The Association Areas التي توجد في الفصين الأماميين والفصين الجداريين فهي تتلقى رسائلًا من كلا جانبيّ الجسم.

وكل نصف كروي ينقسم إلى أربعة فصوص تتخذ أسماءها من مناطق الجمجمة التي تعلوها، وهذه الفصوص هي:

* الفصان الأماميان (الجبهيان) Frontal lobes : يقع هذان الفصان مباشرة خلف الجبهة في مقدمة كل من النصفين الكرويين، وهما الفصان الأكبر بين فصوص القشرة المخية. يكون هذان الفصان مسئولين عن كثير من الوظائف التي تميز الناس عن أغلب الحيوانات الأخرى مثل إدراك الذات والمبادرة، ويساعدان في ضبط الحركة الإرادية، كما يساعدان في أداء الوظائف العقلية العليا مثل حل المشكلات الرياضية أو التخطيط قدمًا لحدث أو الحكم والتقدير واتخاذ قرارات وكل التفكير المدرك عال المستوى، كما تظهر نتائج الدراسات أن الفصين الجبهيين يراقبان السلوك الانفعالي للفرد؛ لذا فإن تلف هذين الفصين قد يغير قدرة الشخص على أن ينفذ خططًا وقد يجعله غير مبال أو سلبي، ويمكن أن يؤثر بقوة في انفعالية الفرد. إنه أيضًا قد يؤذي الحركة. وفي مؤخرة الفص الأمامي الأيسر توجد منطقة بروكا التي تتحكم في العضلات التي تُنتج الحديث.

* الفصان الجداريان Parietal lobes : يقعان أعلى المخ خلف الفصين الأماميين. وهما المسئولان عن الإدراك المكاني، كما يلعب هذان الفصان دورًا في العمليات الحسية فهما اللذان يستقبلان معلومات عن أحاسيس الجسم مثل اللمس والألم والحرارة من الأعصاب خلال الجسم ويكونان مسئولين عن معالجتها وتحليلها، كما يلعبان دورًا هامًا في الاحتفاظ بالتركيز والانتباه إضافة إلى دور في اللغة. تلفهما قد يتداخل مع إدراك اللمس والألم، وقد يحدث اختلاط في معرفة أين يوجد الجسم في الفراغ.

* الفصان الصدغيان Temporal lobes : يقعان على جانبيّ المخ أعلى الأذن. يرتبط هذان الفصان بالحديث والصوت والإدراك السمعي والإدراكات البصرية المعقدة، فهما المسئولان عن معالجة المعلومات السمعية –يميزان الفروق في الصوت والطبقة والشدة ويحددان دلالتها-. قد ينتج تلفهما في عدم القدرة على تعرف الوجوه حتى وجوه أفراد الأسرة القريبين. كما أنه أيضًا قد ينتج في هلاوس درامية وفقد الذاكرة. توجد منطقة متخصصة مسئولة عن تفسير اللغة في قمة الفص الصدغي الأيسر قريبًا من اتصاله بالفص الجداري تسمى منطقة فيرنيك. قد يسبب التلف في تلك المنطقة صعوبات خطيرة في الاتصال، على سبيل المثال.. الناس الذين يعانون تلفًا في منطقة فرنيك قد لا يكونون قادرين على القراءة أو الكتابة أو الحديث أو تفسير أي نوع من اللغة مطلقًا سواء كانت متحدثًا بها أو مكتوبة أو إشارة. 

* الفصان المؤخريان (القذاليان) (القفويان) Occipital lobes : يقعان في مؤخرة المخ، مخصصان كلية للإبصار والإدراك البصري. يكون هذان الفصان مسئولين عن معالجة المعلومات البصرية –يعالجان معلومات عن الأشياء والألوان والحركة والمسافة، ويربطان هذه المعلومات بالخبرة الماضية والذكريات حتى تمد الفرد بمعنى- ومن ثم فإن تلفهما يمكن أن يؤذي الإبصار أو يؤدي لعمى الألوان ومن الممكن أن يصل الأمر إلى حد العمى.2872 المخ

فصوص المخ (Kibiuk, 2003)

الجانبية المخية (عدم التماثل بين نصفيّ المخ)

بالرغم من أن النصفين الكرويين يبدوان متشابهين تشريحيًا تقريبًا، فإنهما ليسا كذلك حقيقة؛ فهناك العديد من الفروق التشريحية والكيميائية والوظيفية بين النصفين الكرويين، وقد اصطلح العلماء على التعبير عن ذلك بأحد مصطلحين "عدم التماثل بين نصفي المخ" Brain Asymmetry أو "الجانبية المخية" Brain Lateralization أو Hemisphericity.

وتوجد العديد من الفروق التشريحية بين النصفين الكرويين.. لعل أوضحها والذي يبدو بمجرد النظر إليهما هو الفرق في امتداد النصفين داخل الجمجمة؛ فنصفا الكرة المخيين لا يتماثلان ظاهريًا، إذ يمتد النصف الكروي الأيمن للأمام أكثر من النصف الأيسر بينما يمتد النصف الكروي الأيسر للخلف أكثر من النصف الأيمن، حيث يتسع الفص الجبهي في النصف الكروي الأيمن والفص المؤخري في النصف الكروي الأيسر ويمتدا أكثر عن الفص الجبهي في النصف الكروي الأيسر والفص المؤخري في النصف الكروي الأيمن (Bradshow and Rogers, 1993, pp. 213-214). كما ذكر السيد أبو شعيشع (1998، ص 205) أن المسطح الصدغي Planum Temporal أكبر في نصف المخ الأيسر منه في النصف الأيمن لدى 65% من البشر، ومتساوٍ في النصفين لدى 24% من البشر، بينما يكون أكبر في نصف المخ الأيمن عن نظيره في النصف الأيسر لدى 11% من البشر. وهذه الفروق في حجم المسطح الصدغي كبيرة، ويشمل هذا المسطح مناطق تعتبر هامة في العمليات اللغوية.

2873 المخكما يشير العديد من الباحثين إلى وجود فروق نيوروكيميائية بين النصفين الكرويين، أي فروق في توزيع النواقل العصبية، وهي تلك المواد الكيميائية التي تكون مسئولة ومتخصصة في نقل الرسائل العصبية المختلفة. كما توجد فروق هستولوجية أي فروق في التركيب الخلوي من حيث عدد ودرجة تفرع الخلايا العصبية في كلا النصفين (نرمين عبد الوهاب، 1998، ص 15).

بالإضافة إلى ذلك يرى العديد من الباحثين أن لكل نصف كرة مخي تخصصات وظيفية، ولكل وظيفة آليات عصبية تقع أساسًا في أحد نصفيّ المخ. ولعل أوضح تخصص وظيفي هو قدرات التحدث واللغة، ففي منتصف القرن التاسع عشر تعرف جراح الأعصاب الفرنسي بول بروكا Paul Broca على منطقة محددة في نصف الكرة الأيسر تلعب دورًا أساسيًا في إخراج الكلام. بعد ذلك بوقت قصير استطاع طبيب الأمراض العصبية الألماني كارل فرنيك Carl Wernicke التعرف على جزء آخر من النصف الكروي الأيسر يختص بفهم واستيعاب اللغة. واتضح أن أغلب البشر لديهم تخصص نصف كروي أيسر للقدرات اللغوية، وتحديدًا ما بين 70% من الأشاول إلى 95% من الأيامن. كما اقترح بروكا –الرجل نفسه الذي تعرف على المنطقة من المخ المتخصصة للغة- أن استخدام الشخص يدًا معينة يكون معاكسًا لنصف الكرة المخي المتخصص لديه؛ لذا فإن الشخص الذي يستخدم اليد اليمنى ربما كان لديه تخصص لغوي في نصف الكرة الأيسر، لكن اتضح بعد ذلك أنها ليست علاقة مرآة؛ وهذا يعني أن نسبة مئوية غير معروفة من البشر – ربما 5% إلى 30%- لديهم أنماطًا شاذة من التخصص اللغوي. هؤلاء يتضمنون من لديهم تخصص لغوي في النصف الكروي الأيمن إضافة إلى من لديهم تخصص بسيط؛ ذلك أن أغلبية العُسر -70 % تقريبًا منهم- أيضًا يبدو أن لديهم تخصصًا مخيًا أيسر للقدرات اللغوية (السيد عبدالحميد،2000 ، ص ص34: 36) (Holder, 2001; Huffman et al., 1997,p. 72).

بينما وجد ليفي (Levy, 1969) (في مصري حنورة، 1997، ص 185) أن مستخدميّ اليد اليسرى مختلفون عن غيرهم فيما يتعلق بتخصص جانبيّ المخ لديهم في الوظائف الأخرى الخاصة بالتفكير مثلًا، حيث لاحظ أن 60% من مستخدميّ اليد اليسرى تتحدد وظائفهم اللغوية داخل النصف الأيسر من المخ، بينما تتم الوظائف المتعلقة بالعلاقات المكانية في النصف الأيمن للمخ، على حين أن الأربعين بالمائة الباقين تتحدد وظائفهم اللغوية في الجانب الأيمن وتتم وظائفهم الخاصة بالعلاقات المكانية في النصف الأيسر، كما لاحظ أن 1% من مستخدميّ اليد اليمنى تتم الوظائف اللغوية لديهم في النصف الأيمن. بينما يذكر جينيسي (Genesee, 2000) أن نسبة تقريبًا 10% من الأفراد العاديين الذين يستخدمون يدهم اليمنى لديهم نمط مختلف من جانبية المخ فيما يختص بوظائف اللغة حيث تلعب أنصافهم الكروية اليمنى أو كلا النصفين دورًا حاسمًا في اللغة. وتقترح دراسة سبرينجر ودوتش (Springer and Deutsch, 1981 as cited in Huffman et al. 1997, p. 72) التي حددت نسب الأيامن والأشاول ذوي التخصص اللغوي الأيسر أنه حتى بالرغم من أن الجانب الأيمن للمخ هو النصف الكروي السائد للحركة في الأشاول فإن أنواعًا أخرى من المهارات تكون غالبًا متمركزة في مناطق المخ نفسها كما في الأيامن.

وكانت دراسة تخصصية اللغة هي البداية لدراسة تخصصية أجزاء المخ، ومن ثم ملاحظة الفروق بين النصفين الكرويين.

2874 المخوعلى سبيل المثال فقد أظهرت نتائج دراسة عزيز- زادة (Aziz- Zadeh, 2003) أن كلًا من النصفين الكرويين الأيسر والأيمن يكون حساسًا للقنوات الحركية البصرية للأداءات. هذا يشير إلى أنه لا يوجد تخصص نصف كروي للأداءات في القنوات الحركية البصرية.

ويذكر أحمد عكاشة (1982، ص 41) أنه بالرغم من الوظائف المتعددة التي يقوم بها المخ البشري فإن أغلبها قاصرة على أحد نصفيّ كرة المخ دون الآخر وهو النصف الكروي الأيسر عند الأشخاص الذين يستخدمون أيديهم اليمنى؛ لذلك يُسمى النصف الأيسر لديهم بالنصف المسيطر أو السائد. بيد أن العكس ليس صحيحًا تمامًا أي أن النصف الكروي الأيمن لا يبلغ هذه الدرجة من السيادة عند الأشخاص الذين يستخدمون أيديهم اليسرى.

كما تدل الدراسات أن مناطق المخ التي تكون هامة في ميادين خاصة للتعلم يمكن أن تتغير عبر الحياة؛ فهناك دليل متزايد على تضمين النصف الكروي الأيمن في التعلم المبكر للغة لكن أقل في التعلم التابع (as cited in Genesee, 2000; as cited in Roberts & Kraft, 1989). حيث يصلح كل من النصفين الكرويين للوظائف اللغوية فقط خلال الخمس سنوات الأولى من حياة الطفل أما بعد ذلك ينتصر نصف الكرة الأيسر فيما يختص باكتساب اللغة (عبد الوهاب كامل، 1981، ص 170). وإن كانت دراسة كل من روبرت وكرافت (Roberts & Kraft, 1989) قد أشارت لنتيجة معاكسة وهي أن نصف المخ الأيسر كان مرتبطًا بالفهم القرائي –أحد أبعاد القدرة اللغوية- لدى صغار السن فقط، بينما اعتمد الأطفال الأكبر سنًا على كلا النصفين الكرويين في المعالجة المتعلقة بالفهم.

ويذكر هيرمان (Herrmann, 1991, p. 277) أن الباحثين يستكشفون أن جانبية المخ ليست كلية أو لا شيء. وهيرمان نفسه (pp. 275-276) يضع نموذجًا معدلًا للنظام الثنائي –الذي يصفه بالبسيط- لتقسيم المخ مضيفًا الجزأين الأيسر والأيمن من الجهاز الحافي Limbic System للنصفين الكرويين الأيسر والأيمن ليصير نموذجه رباعيًا موزعًا وظائف المخ على تلك الأقسام الأربعة.

وفي دراسة عبد الوهاب كامل (1976) حول الخصائص التركيبية لذبذبات المخ أثناء العمل العقلي أمكنه التوصل إلى أنه كلما زادت درجة عدم التماثل بين نشاط الفصوص الجبهية ونشاط الفصوص المؤخرية زادت تبعًا لها درجة الذكاء العام.

 

وظائف النصفين الكرويين

يعرف بومونت وآخرون (Beaumont et al., 1984) الجانبية المخية Hemisphercity على إنها الفكرة بأن الناس ربما يعتمدون على أسلوب مفضل لمعالجة المعرفة، والذي يكون مرتبطًا بنشاط نصفيّ المخ الكرويين الأيسر أو الأيمن، كذلك يذكر صلاح مراد (1994، ص 3) أن معظم الناس يميلون إلى تفضيل استخدام أحد النصفين الكرويين على الآخر، ويتضح ذلك من تفضيل استخدام اليد اليمنى التي يتحكم فيها النصف الكروي الأيسر للمخ، كما أن القدرات اللغوية تقع أساسًا في النصف الأيسر. لذلك يُعتبر النصف الأيسر مسيطرًا على الأيمن –لدى حوالي 90% ممن يستخدمون يدهم اليمنى و70% ممن يستخدمون اليد اليسرى- مما أدى إلى الظن أن النصف الأيمن للمخ ما هو إلا تابع للأيسر، إلا أن الدراسات قد أوضحت وظائف خاصة لكل منهما، يمكن تلخيصها في ضوء ما توصل إليه العلماء حتى الآن.

وظائف نصف الكرة الأيسر من المخ The Left Hemisphere of the Brain

يقوم النصف الكروي الأيسر بمعالجة المعلومات بشكل متتابع ويوصف بالتحليلي analytical لأنه يتخصص في التعرف على الأجزاء التي تعمل كوحدة وتفصيلها. بالرغم من أنه الأكفأ في معالجة المعلومات اللفظية فإن اللغة ينبغي ألا تُعتبر كائنة في النصف الكروي الأيسر. هذا النصف الكروي هو القادر على أن يدرك أن حافزًا يأتي قبل الآخر، وأن فهم وإنتاج الألفاظ يعتمد على إدراك التتابع الذي تحدث به الأصوات (Portwood, n. d.; Huffman et al., 1997, p. 71). ويمكن تلخيص ما سبق في أن النصف الكروي الأيسر يتخصص في المهارات العقلية اللغوية والتحليلية والتتابعية والزمنية (Kamphaus, 1993, p. 31).

 وظائف نصف الكرة الأيمن من المخ The Right Hemisphere of the Brain

وعلى عكس النصف الكروي الأيسر يتخصص النصف الكروي الأيمن في تجميع الأجزاء لتنتج كوحدة ويوصف بالتركيبي، وهو ينظم المعلومات بشكل متزامن في آنٍ واحد، كما أنه يتخصص في طريقة تدرك وتبني النماذج. إنه الأكفأ في المعالجة البصرية المكانية. وقد اعتقد العلماء أنه يكون متخصصًا في القدرات غير اللفظية والتي تتضمن القدرات الموسيقية والمهارات الإدراكية والمكانية اليدوية مثل المناورة خلال مكان ورسم أو بناء تصميمات هندسية وعمل أحاجي ورسم صور وتعرف وجوه. (Portwood, n.d; Huffman et al., 1997, p. 72). ويمكن تلخيص ما سبق في أن النصف الكروي الأيمن يؤدي عمليات كلية تركيبية إبداعية ومكانية (Kamphaus, 1993, p. 31).

أنماط التعلم والتفكير

يحدد صلاح مراد ومحمد مصطفى (1982، ص ص 117 :118) أنماط التعلم والتفكير في ضوء المعلومات المتحصل عليها من دراسات المخ، نقلًا عن تورانس وآخرين(Torrance et al., 1978) .

ويقصد بأنماط التعلم والتفكير: استخدام أحد النصفين الكرويين الأيسر أو الأيمن أو كليهما معًا (المتكامل) في العمليات العقلية وتجهيز المعلومات أو السلوك.

النمط الأيسر: ويُقصد به استخدام وظائف النصف الكروي الأيسر من المخ، والمحددة كما يلي: التعرف على الأسماء وتذكرها، والاستجابة للتعليمات اللفظية، والجدية والنظام في التجريب والتعلم والتفكير، وكبت العواطف والشعور، والاعتماد على الكلمات لفهم المعاني، والتفكير المنطقي، والتعامل مع المثيرات اللفظية، والتعامل مع الموضوعات بطريقة موضوعية، والجدية والنظام والتخطيط لحل المشكلات، والتفكير المحسوس، والتعامل مع مشكلة واحدة في وقت واحد، والنقد والتحليل في القراءة والسمع، والمنطقية في حل المشكلات، وإعطاء المعلومات بطريقة لفظية، واستخدام اللغة في التذكر، وفهم الحقائق الواضحة والمحددة.

النمط الأيمن: ويُقصد به استخدام وظائف النصف الكروي الأيمن من المخ، والمحددة كما يلي: التعرف على الوجوه وتذكرها، والاستجابة للتعليمات المصورة والمتحركة، وعدم الثبات في التجريب والتعلم والتفكير، والاستجابة العاطفية الشعورية، وتفسير لغة الأجسام بسهولة، وإنتاج أفكار ساخرة، والتعامل مع المثيرات بطريقة ذاتية، وحل المشكلات بطريقة غير مباشرة، والمبادأة والتفكير المجرد، وحب التغيير، واستعمال الاستعارة والتشبيه، والاستجابة للمثيرات الوجدانية، والتعامل مع عدة مشكلات في وقت واحد، والابتكار في حل المشكلات، وإعطاء معلومات كثيرة عن طريق التمثيل والحركة، واستخدام الخيال في التذكر، وفهم الحقائق الجديدة وغير المحددة.

النمط المتكامل: هو التساوي في استخدام النصفين الكرويين الأيسر والأيمن.

أو يمكنني صياغة تعريفات مجملة لأنماط التعلم والتفكير الثلاثة؛ فأعرِّف نمط التعلم والتفكير الأيسر على أنه: معالجة وتجهيز المعلومات باستخدام النصف الكروي الأيسر من المخ بشكل أكثر كفاءة من معالجة وتجهيز المعلومات باستخدام النصف الكروي الأيمن من المخ، كما أعرِّف نمط التعلم والتفكير الأيمن على أنه: معالجة وتجهيز المعلومات باستخدام النصف الكروي الأيمن من المخ بشكل أكثر كفاءة من معالجة وتجهيز المعلومات باستخدام النصف الكروي الأيسر من المخ، كذلك أعرِّف نمط التعلم والتفكير المتكامل على أنه: معالجة وتجهيز المعلومات باستخدام كلا نصفيّ المخ بتزامن وتناغم.

النظرة التكاملية لوظائف النصفين الكرويين

لعل التركيز على عدم التماثل الوظيفي بين النصفين الكرويين هو الذي دفع البعض للقول إننا بذلك نبدو وكأننا مثل مرضى المخ المشطور –يستخدم كل منا نصفيّ مخه الأيمن والأيسر بشكل منفصل دون إحداث تكامل بينهما-، أو كأن كل منا يستخدم أحد نصفيّ مخه فقط –إذا أخذنا بفكرة السيادة النصفية-، وبدأ التركيز على محاولة التوصل للكيفية التي يعمل بها النصفان معًا.

كما أن هناك جدلًا قائمًا حول مدى صحة تقسيم الوظائف العقلية على كلا جانبيّ المخ؛ إذ لا زال هناك من الباحثين من يشكك في إبداعية النصف الأيمن، وتحليلية النصف الأيسر، ويسوقون الدلائل على عدم صحة وجود وظائف محددة تمامًا لكلا جانبيّ المخ. فإذا ما سلمنا بوجود هذه الوظائف فلا يمكن أن نسلم بكونها تامة التحديد.

وتعتبر وولف (Wolfe, 2003a) أن مصطلحيّ "المخ الأيمن" و "المخ الأيسر" يعدان من خرافات عصرنا الحديث، وتسوق ما كتبه روبرت أورنستن (Robert Ornstein) في كتابه "العقل الأيمن" حيث يسمي فهمنا الخاطئ –على حد وصفه- للنصفين الكرويين بالمخ "الهوس بالتفرع الثنائي dichotomania"، لأنه بينما يكون لكل نصف كروي وظائفه التخصصية فإنهما يعملان معًا بتناغم في جميع الأوقات، ويصف تفسير شخصية الفرد عن طريق تحديد أن هناك تفضيل لنصف كروي واحد عن الآخر بأنه يكون غير دقيق ومضلل. ويتفق بومونت وآخرون (Beaumont et al., 1984) مع تلك الرؤية إذ يرون أن فكرة الجانبية المخية Hemisphericity هي فكرة مضللة وينبغي التخلي عنها؛ إذ تفتقد الأساس المناسب والذي لن يكون ممكنًا أبدًا بسبب الافتراضات الكامنة في تلك الفكرة.

ويذكر لافاش (Lavach, 1991, p. 219) أن هناك أدلة متجمعة تقترح أن الحد بين نمطيّ التعلم الأيسر والأيمن هو على الأقل شبه منفذ، وأن الناس تكون قادرة على استخدام كليهما، كذلك يشير العلماء(as cited in Portwood, n.d.) إلى أنه بالبحث في عمليات نصفيّ الكرة الأيسر والأيمن يتضح أن المعالجة المؤثرة للمعلومات تتطلب الاقتراب من كليهما لأنهما يكملان بعضهما البعض. كما خلصت دراسات (في مصطفى كامل، 1993، ص 2) إلى أن هناك مرونة في ارتقاء المخ البشري، وأن الوظائف لا تكون منعزلة بوضوح ولكنها متداخلة ومشتركة في مناطق متعددة وفي النصفين الكرويين. يذكر هولدر (Holder, 2001) مثالًا بأن بعض وظائف اللغة مثل نظم الشعر والمحتوى العاطفي للحديث تكون متخصصة في نصف الكرة الأيمن للناس من ذوي التخصصات اللغوية في نصف الكرة الأيسر. كما يذكر جينيسي (Genesee, 2000) أن المخ يستقبل مدخلات من مصادر خارجية متعددة سمعية وبصرية ومكانية وحركية، ويعالجها بشكل متزامن فيما يعرف باسم المعالجة المتوازية Parallel processing. وعن نفسي فأنا أرى في ذلك مؤشرًا للتكاملية التي تعمل بها أجزاء المخ.

وتدعم دافيدوف (Davidoff, 1981, pp. 122-72) فكرة تكاملية المخ ببعض الملاحظات وهي: أن الناس يؤدون أكثر من شيء واحد في الوقت نفسه، كما أن الأنشطة المعقدة دائمًا ما تتطلب تخصص كلا النصفين الكرويين، وعلى سبيل المثال.. تؤكد دراسات التسجيل الكهربي للمخ على أن كلا النصفين يكونان نشيطين عندما يقرأ الناس مادة خيالية، كما أن وظائف النصفين الكرويين تتداخل فمثلًا كلا النصفين لهما قدرات لغوية كما أن كلاهما يكون مشتركًا في الانفعالات وغيرها من الأنشطة.

وإذا كان هناك من الباحثين من يدلل من خلال نتائج دراساته على صحة التقسيم النظري لوظائف النصفين الكرويين مثل هارباز (Harpaz, 1990) الذي أشارت نتائج دراسته أن الطلاب الذين أظهروا أفضلية نصف كروية يمنى كانوا متميزين في اختبارات الإبداع، فهناك دائمًا الجانب الآخر من الرأي، ففي مراجعة للدراسات عن الموهوبين الذين أصيبوا بتلف دماغي في أحد النصفين الكرويين يذكر هَينز (Hines, 1991, pp. 24-25) أن الدراسات عن التلف المخي للمؤلفين الموسيقيين قد وجدت أن التلف لأي من النصفين الكرويين يمكن أن يؤدي إلى ما يمكن اعتباره فقد القدرة الإبداعية في المجال الموسيقي –وإن كان الضعف يكون أعظم في حالة تلف النصف الأيمن-؛ ما يعد دليلًا على أن كلا النصفين الكرويين يشتركان في القدرة والإبداع الموسيقي. كذلك أوضحت المراجعة أن كلا النصفين الكرويين يلعب أدوارًا هامة في قدرات الرسم الطبيعية، ما يجعل الإبداع في الرسم يبدو أنه يضعف تقريبًا بشكل متساو بسبب تلف النصف الكروي الأيسر أو الأيمن. وأن النمط الكلي يبزغ من دراسة تأثيرات تلف المخ على السلوك الإبداعي بوجه عام عدا الإبداع الكتابي؛ ذلك أن اللغة توجد بشكل قوي في نصف الكرة الأيسر؛ لذا فإن تلف النصف الكروي الأيسر يكون أكثر ضررًا للإبداع في الكتابة. ويوفق كين وكين (Caine & Caine, 1997) بين كلا الرأيين حين يذكران أن المخ يعالج الأجزاء والكليات معًا في وقت واحد.

وهناك رؤية أخرى ترجع استخدام أحد النصفين الكرويين فقط أو كليهما إلى صعوبة المهمة؛ حيث تذكر ناديا سميح السلطي (2004، ص 12) أن معالجة المعلومات لحل المشكلات تتم في النصفين الكرويين للدماغ، وكلما كانت المهمة أصعب كلما تطلب ذلك تشغيل النصفين الكرويين.

ويذكر جاردنر (Gardner, 1999 as cited in Carlson- Pickering, 2001) أنه بالرغم من أن كل ذكاء هو كيان منفصل بذاته، ولهذا فقد حددنا مناطق المخ التي تدعم مهام خاصة، لكن ربما يكون أكثر واقعية أن نقول إن ذكاءات فرعية عديدة غالبًا ما تعمل معًا، لهذا فإنه يبدو أنه عندما يحدث نشاط عقلي معقد داخل المخ فإنه غالبًا تصبح مناطق عديدة من المخ نشطة بشكل متزامن، ولا يوجد فردان يمتلكان المناطق نفسها بالضبط من المخ تعمل عندما يحاولان أداء مهمة متشابهة، وبشكل أساسي يمكن القول إنه قد توجد مناطق مختلفة من المخ نشطة في أناس مختلفين عندما يحاولون معًا أداء المهمة نفسها.

فالمخ يعمل كوحدة، وبرغم صحة أن هناك مناطق من المخ -من القشرة المخية بالتحديد- مسئولة عن أداءات معينة، لكن الصحيح أيضًا أن أي عطب في هذه المنطقة المسئولة –كوجود جلطة مثلًا- والذي يؤدي إلى اضطراب ما في أداءات الفرد في الأجزاء المحكومة بهذه المنطقة المعطوبة، من الصحيح أننا نجد أن منطقة مجاورة لهذه المنطقة المعطوبة يمكنها –بالتدريب من خلال العلاج الطبيعي- أن تؤدي هذا الدور لزميلتها، وبمعنى آخر يعمل المخ ؛ أي أن أجزاءه تؤدي أدوارًا لم تكن مكفولة لها من قبل إذا ما أصيب جزء منه (سيد خير الله وآخرون، 1984/1985، ص ص 230-231). وأصبح من المؤكد أن المخ قادر على أن يتشكل ويعيد تشكيل نفسه بفعل الخبرات الحياتية.

ويعطينا أحمد عكاشة (1982، ص 42) تشبيهًا دقيقا للمخ من الناحية الوظيفية؛ فيذكر أنه يشبه مجموعة من الأعمدة الكهربية (البطاريات) المتصلة "على التوالي" فإذا استبعدت واحدة منها انهار النظام كله من أساسه، وأنه حتى مع إننا نستطيع أن نرد بعض الوظائف النوعية الخاصة إلى مناطق بعينها من قشرة المخ إلا أن المخ بأكمله هو الذي يدير جميع الوظائف ويسيطر عليها.

ولكني أرى أنه من الأوفق لوصف تكاملية عمل أجزاء المخ القول إن المخ يعمل كالثريا فإن انطفأت إحدى وحدات الإضاءة وتلفت أمكن للوحدات الباقية أن تبقى منيرة بدرجة تحقق الغرض. وإضافتي لتشبيه أحمد عكاشة أنه عند تلف إحدى مناطق المخ فإن المخ يعيد تنظيم نفسه لإعادة توظيف القدرة التي كانت تقوم بها المنطقة التالفة في منطقة أخرى، أي وكأننا نستبعد ذلك العمود "البطارية" التالف من مجموعة الأعمدة لكي تستمر المجموعة في أداء وظيفتها.

وختامًا، يمكنني القول إن الدراسات الحديثة قد أثبتت فكرة تكاملية المخ كما أثبتت أيضًا فكرة السيادة لأحد النصفين الكرويين على حساب النصف الآخر؛ ذلك أنه إذا كان كل من النصفين الكرويين يعمل بشكل منفصل فما الفائدة من وجود الجسم الجاسئ الذي يربط بينهما! وأرى أن التجارب التي تمت على المرضى الذين أجريت لهم جراحة لشطر نصفيّ المخ لم تسهم فقط في دراسة وظائف كلا النصفين، بل أسهمت أيضًا في إثبات الاعتمادية المتبادلة للنصفين الكرويين. ولكن بينما يكون كلا النصفين الكرويين ضروريين في دمج المعلومات إلا أنهما لا يساهمان بشكل متساو، وهذا يختلف –وفقًا لرؤيتي- عن التصور بأن أحد نصفيّ المخ الذي تكون له السيادة هو القادر وحده على التعلم، إذ أنه من المؤكد أن كلا النصفين الكرويين قادران على التعلم.

 

د. منى زيتون

.......................

* مُستل من رسالتي للدكتوراة

 

قلولي بن ساعدعندما أقدم الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري المتمرد على التقاليد الأكاديمية وعلى كل قيم المأسسة الأكاديمية المكرسة في أعرق مؤسسة جامعية في فرنسا، وهي السوربون التي وصفها ميشيل فوكو بأنها أشبه بعجوز برجوازية على تأسيس ما سماه (بالجامعة الشعبية كون) سنة 2002 تحت شعار الفلسفة للجميع بمسقط رأسه أرجونتون بمنطقة النورماندي

حسب رواية الناقد المغربي محمد طيفوري في مقال له بعنوان (ميشال أونفري.. مفكر إشكالي غايته أن تكون الفلسفة للجميع).

فقد فعل ذلك، يقول محمد طيفوري بعدما وصل اليمين المتطرف بقيادة جون ماري لوبن إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وذلك من موقعه كفيلسوف ومثقف عضوي يرى أن قيم الجمهورية الفرنسية قد أضحت في خطر.

هذا هو المثقف العضوي الجدير بهذه الصفة التي لا تتنافى أبدا مع مكانة الأستاذ الأكاديمي والتراتبيات الإجتماعية والمهنية التي يحرص عليها بعضهم أشد الحرص.

الأمر الذي جعل ناقدا عربيا هو الدكتور يحي بن الوليد أن يطرح رؤية هي (الشعب بديلا عن المثقف)، ضمن حالة عربية ينصرف فيها المعنى إلى الشعب بوصفه (مثقفا عاما).

وليس بعيد ا عن ذلك يروي المفكر اللبناني علي حرب في كتابه (أصنام النظرية وأطياف الحرية..نقد بورديو وتشومسكي) "، أن الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان سئل هل يخشى كمسؤول سلطة أخرى فوق سلطته.. ؟

فرد قائلا:

أخشى المثقفين. " (01)

يحدث هذا في فرنسا ولا يحدث عندنا لأن المثقفين عندنا لم يشكلوا بعد (كتلة تاريخية) بالمعنى الغرامشوي للكلمة أو على الأقل قوة رمزية فاعلة تستمع لها السلطة وتأخذ بآرائها على نحو يمكنها من تمرير منظورها الخاص تحقيقا لمبدأ الشراكة الثقافية بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية، كخطوة تمهيدية قبل الشروع في التحضير لبنود المشروع الثقافي الوطني الذي لم يتأسس بعد منذ لحظة إستعادة السيادة الوطنية سنة 1962

وفي كل مرة تجود علينا الصدف بوزيرللثقافة مثقف أو هو قريب من الحقل الثقافي نتفاءل خيرا ثم سرعان ما تتسرب إلينا الخيبة والإحباط لأن نفرا من المثقفين وأدعياء الثقافة البائسة من المحيطين بهذا الوزير أو ذاك زينوا له سهولة المهمة في التعامل مع المثقفين كتبع وكقطيع ثقافي وليسوا شركاء له في الهم الثقافي.

مما جعل مثقفا محنكا وعارفا بسرايا السلطة وهو الروائي الجزائري الطاهر وطار يخصص لعلاقة المثقف بالسلطة في تقلباتها ومنعطفاتها المتأرجحة بين الصمت أو الغضب أو الإسترخاء على سرير بروكست رواية هي رواية (قصيد في التذلل).

وهي الرواية التي قدم فيها الطاهر وطار نقدا لاذعا لأداء المثقف الجزائري في علاقة بالمؤسسة الثقافية الرسمية، التي تقضل التعامل معه بوصفه أحد أدواتها وليس شريكا ثقافيا لها.

و لم يتردد أبدا في أن يهدي هذه الرواية إلى صديقه الروائي الليبي إبراهيم الكوني مذكرا إياه بصاحبه الذي رهن بعيره وظل يتألم ندما فيما أصحابه وبعني بذلك طائفة من المثقفين فقد رهنوا أنفسهم وهم فرحون

وهذه الرواية تعد بحق شهادة حية من روائي مكرس عن هذا التذلل والخيبة، على الرغم من أن الطاهر وطار هو نفسه كما يعرف الجميع ترعرع وتشكل مساره النضالي والسياسي والفكري في ظل منظومة الحزب الواحد الذي سرعان ما تمرد عليه بوصفه مبدعا في المقام الأول ولنزعته اليسارية التي لا تخفى على أحد.

وبالطبع فأنظمة أنظمة الحكم السياسي الشمولية المنبثقة عن حروب التحرير في العالم الثالث، تنتج أيضا مثقفا شموليا يؤمن مثلها بالخطاب الأحادي والممارسة الأحادية الستالينية وبإحتكار الحقيقة والمعرفة والتاريخ.

حتى ولو حاول إستغفال القارئ والكذب على نفسه وبناء خطابات ثقافية هي بعيدة كل البعد عن ممارساته اليومية ولا يؤمن بها أصلا.

ولم تكن أبدا موضع هم ثقافي ووجودي يسكنه. فكل منظومات المعرفة والثقافة والتربية التي ترعاها مؤسسات الدولة وتسمح بها بتداولها في الفضاء الإجتماعي والثقافي والتربوي هي تدرك تماما أبعادها النفعية والتقنية المحضة لضبابية الرؤية لدى الاجيال اليائسة من المستقبل و التي لا تتجاوزطموحاتها لحظة إفتكاك الرغيف.

ولا يمكن أن تساهم في بناء المواطن الحر وتنشئة جيل من المثقفين تتحول لديهم الأفكار إلى أفق بعيد المدى.

فلا معنى للأفكار خارج محمولها التاريخي ونبضها العضوي مثلما يرى المفكر الماركسي غرامشي. وما نراه من خروج عن الصف وعن قيم (الطاعة الأبوية) لأنظمة الحكم الشمولية لدى بعض المثقفين في بعض البلدان العربية هو مجرد إستثناء وتمرد محدود التأثيرولا أهمية له.

والشواهد على ذلك كثيرة وهي لا تخص تيارا واحدا من تيارات الفكر والمعرفة أو فضاء واحدا من الفضاءات الثقافية في المشرق أو المغرب العربي.

بل يطال الأمر فضاءات ثقافية كثيرة ومنها فضائنا الثقافي العربي الذي لا يخلوا بطبيعة الحال مما سماهم جان بوتوريل (المحتالين) في كتابه (أعزائي المحتالين) الذي ينقل عنه باسكال بونيفاس في كتابه (المثقفون المزيفون / النصر الإعلامي لخبراء الكذب).

حكاية طريفة ولكنها مؤلمة أيضا مفادها أن " الرئيس فرانسوا ميتران الذي كان قد إنتخب رئيسا للجمهورية قبل وقت قصير وتلقى من مارغريت تاتشر دعوة لزيارة المملكة المتحدة طلب أن يلتقي بعدد من مثقفي البلد فأجابه موظفوداونينغ ستريت بأنهم ربما يجدون له كتابا أو فنانين أو مؤرخين أو فلاسفه ولكنهم لن يجدوا له مثقفين " (02).

ومعنى هذا فأن تكتب بعض النصوص الإبداعية والنقدية أو الفلسفية والسوسيولوجية بصرف النظر عن قيمتها الفنية والفكرية وعامل الصدق الكامن فيها لا يعني هذا أنك مثقف.

لأن المثقف بحد ذاته قوة رمزية لا تقل أهمية عن القوة المادية التي هي بيد السلطة السياسية بالمعنى الذي تمكن فيه المفكر القدوة إدوارد سعيد من نحته لمفهوم (المثقف المنشق) " المعادل الموضوعي عن (الأدب المنشق)، الذي فصل فيه في إطروحته عن النقد الطباقي المنشق عن رغبة الأخر في الهيمنة وعن كافة السلط والشعبويات الرمزية والثقافية والسياسية.

ولم يتوقف عند حد نحت المفهوم (المثقف المنشق أو المثقف الطباقي) في أفقه التقني الميكانيكي المستخدم من طرف بعض المثقفين ببعده النظري الواجهاتي الذي لا أهمية له من دون أرضنته.

بل مارسه طيلة حياته العلمية والمهنية، للدرجة التي جعلته يقترب كثيرا من سارتر ومن غرامشي ومن (نبي العالم الثالث) فرانز فانون بحسب توصيف سارتر لفانون أو (وكيل الحقيقة المنتهكة) كما وصف فانون الناقد الهندي ما بعد الكولونيالي هومي بابا

ولم تمنعه مطلقا رتبته العلمية ولا وموقعه كمفكر وناقد أكاديمي متخرج من أعرق الجامعات الغربية من الخروج من سجن التخصص إلى فضاء الممارسة اليومية والنضال الفكري والنقدي الذي لا يتعارض مطلقا مع هيبة المثقف الأكاديمي وعلو مكانته الإجتماعية والعلمية.

والدليل على ذلك أنه بالإضافة إلى كتبه الفكرية الشهيرة (الإستشراق) (الثقافة والإمبريالية) (تأملات حول المنفى) (جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية) وغيرها التي بوأته المكانة العلمية المرموقة في قلب المركز الثقافي الغربي بوصفه الفضاء الإبستيمي المنتج للنظرية النقدية الغربية بصرف النظر بما ترتب عنه من تفاوت في أشكال التلقي النقدي والترجمي في الجهة الأخرى لدى مثقفي الأطراف.

منذ أن شرع في تقويض أركان الإستشراق الغربي أو (الإستشراق المخيالي) في تعامله مع ثقافة الأطراف وخصوصياتها التاريخية والثقافية.

فقد كان دائم الحضور بمقالاته الصحفية في الصحافة الأمريكية مدافعا عن حق الشعوب الضعيفة في الوجود والكرامة، محاولا ردم تلك الهوة العميقة بين التابع والمتبوع متكئا على ما كان قد سماه في دراسة أنتروبولوجية ما بعد كولونيالية (التابع والمحاورون الأنتروبولوجيون).

الأمر الذي قاده في مرحلة لاحقة إلى ردم فجوة أخرى لا تزال قائمة عندنا بين أستاذ النظرية والمثقف النقدي أو (المثقف العضوي) بمفهوم غرامشي، بالمعنى الذي حعل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، على ما يذكر المفكر التونسي فتحي المسكيني ينبه إلى ضرورة الفصل بين نوعين من المثقفين النوع الأول:

يسميه جيل دولوز المفكر الخصوصي ويمثل له بنيتشة وسارتر وماركس وكيركغارد والنوع الثاني:

هو الأستاذ العمومي دكتور القانون (ليس القانون بمعنى الحقوق ).

ويسميه أيضا بدكتور العمومية الذي رضي أن يغلق على نفسه داخل دائرة ضيقة هي دائرة التخصص غير عابئ بما يجري خارج قاعات الدرس مكتفيا في غالب الأحيان بما تتيحه له مهنته من أوجه (النقد الصالوني) بتعبير السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن الذي لا يتجاوز صداه المساحة الفاصلة بين بيته والجامعة.

وهنا مأزق المثقف النقدي عندما يضحي بحريته النقدية بما ذلك الحرية الأكاديمية.

وليس خافيا على أحد ان ما يسمى بالحرية الأكاديمية يكاد يكون معدوم الأثر في أغلب المؤسسات الجامعية العربية والعالم ثالثية عموما للإرتباط العضوي بين المؤسسة الجامعية والمؤسسة السياسية الرسمية إرتباط هيمنة المؤسسة السياسية على المؤسسة الجامعية.

وهو نوع من أنواع الهيمنة يكاد يغطي كامل (الفضاء العمومي) بمفهوم هابرماس ومنه الفضاء الجامعي بالطبع

وأحيانا حتى في بعض الدول الغربية الأوربية والأمريكية التي قطعت أشواطا مهمة على صعيد دمقرطة التعليم والنظم التعليمية.

فعدنما كان ميشيل فوكو طالبا بجامعة السوربون كانت أغلب كتب نيتشة خاصة كتابه (إرادة القوة) ممنوعة من التداول في أقسام الفلسفة والعلوم الإجتماعية بجامعة السوربون، مما جعله ينخرط في قراءة نيتشة خارج السوربون قبل أن يفكر في التعريف بنصوص نيتشة الفلسفية لدى الجمهور الفرنسي بعد تطهيرها من الدنس النازي مثلما يقول بسبب أن كتاب (إرادة القوة) فهم خارج ألمانيا على أنه ينطوي على شئ من التطابق لمنطق القوة الخطابي مع العدوان النازي.

والأمر نفسه حدث مع نصوص الفيلسوف والموسيقي فاغنر الفلسفية والموسيقية التي تعرضت للتعتيم حتى داخل السوربون المؤسسة الجامعية الرسمية بسبب أن موسيقى فاغنر قد تم إستعلالها من طرف الجييش الألماني لبث القوة والإرادة في الجندي الألماني.

وهذا ما يحاول التعرض له بشئ من التحليل والنقد ناقدا ومفكرا بارزا وعارفا بدهاليز الجامعات الغربية والعربية هو إدوارد سعيد عندما يضع مسافة للتأمل ما بين حدود الأكاديميا وحدود السلطة قائلا:

" ان الأكاديميا في أجزاء أخرى من العالم العربي هي جزء من النظام السياسي وأن المناصب الأكاديمية في أغلب الأحيان هي مناصب سياسية صريحة ليس إلا " (03).

وفي المنعطف المقابل يحيل إدوارد سعيد القارئ في مقاله (الهوية والسلطة..الحرية والحاكم والرحالة) المنشور ضمن فصول الجزء الأول من كتابه (تأملات حول المنفى) على واقعة ثقافية وعلمية كان أحد رموزها وتتمثل هذه الواقعة في مشاركته في ندوة علمية خصص لها محاضرة حملت عنوان (الهوية والسلطة والحرية) العنوان الذي أثارزميلا له في الجامعة الأمريكية عندما فهم منه أن الهوية هي الكلية والسلطة هي الإدارة قبل أن يهمش في إذنه قائلا:

أن الحرية هي التقاعد.

وهو يدعو الى الحد ما يسميه " بخطر الإختصاص ونزوع الأكاديميا إلى التركيز على العضوية بمعناها المهني بما يعني التضييق على وعي الباحث النقدي " (04).

ولتبرير موقفه النقدي لا يتردد إدوارد سعيد في إستدعاء تجربته الخاصة في الخروج قليلا عن عبادة التخصص، في مجاولة منه للتوفيق بين ضرورة الإحتصاص وعدم التضحية بما يسمى الحرية الأكاديمية من خلال موقعه كأستاذ للأدب الأنجليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

الموقع الذي لم يمنعه من الكتابة في الصجافة الأمريكية والتعبير عن مواقفه المؤيدة لحق الشعوب الواقعة تحت نير الظلم والإفصاء.

وهو على الدوام "متأثر بتجارب المنفى والأمبريالية ومشكلات الأمبراطورية التي تمس كثيرا من إهتمامات الأدب الغربي الحديث (05).

وحتى عندما يحاول الخروج قليلا عن إجبارية التخصص وضرورة التقيد بالأعراف الأكاديمية فهو يكون معنيا بوضع مسافة نقدية ما بين مهنتين مثلما يرى

المهنة الأولى:

هي مهنة المختص فيما المهنة الثانية:

هي مهنة المثقف

وهو وضع يبدوا متناغما أشد التناغم مع مفهوم إدوارد سعيد لقضايا الهوية والهجنة وبلغة بيل أشكروفت وبال أهواليا (مفارقة الهوية)، يتجلى ذلك بجلاء في الكتاب الذي كتباه بيل أشكروفت وبال أهواليا عن إدوارد سعيد وحمل عنوان (إدوارد سعيد مفارقة الهوية).

فهو هنا وهناك هو أستاذ النظرية والناقد الأكاديمي وفي نفس الوقت سرعان ما يحاول التخلص من هذه الهوية النقدية المغلقة في وجه الحرية الأكاديمية لصالح هوية أخرى هي هوية المثقف الحر الخارج عن قيم المأسسة الأكاديمية.

طالما أن المثقف عند إدوارد سعيد "ليس مجرد أستاذ أو مدرس وليس مجرد مختص متلفع بعباءة السلطة واللغة الخاصة والدربة الخاصة" (06).

من دون أن يصرف النظر عن جوهر الحرية الأكاديمية عندما يتعلق الأمر بأستاذ جامعي مثله قدم إلى الفضاء الجامعي الأمريكي من خارج الفضاء الأمريكي ومن خارج الفضاء الأورومركزي أي من الهامش العربي

الجوهر الماثل في منظور إدوارد سعيد في النقد الموجه للمنهاج الدراسي التقليدي في الفنون الليبرالية وفي العلوم الإنسانية الغربية من طرف أستذة وأكاديميين من أصول غير أمريكية وغير أوربية تلقوا تكوينهم الجامعي في قلب المركزية الغربية الجامعية بمعني أن المنهاج الدراسي المأمول من طرف شركاء إدوارد سعيد في المنفى ينبغي أن يعكس حسبه " مصالح الجماعات الإجتماعية التي عانت القمع أو التجاهل أو التعتيم بصيغ طنانة ورنانة " (07).

وهو يثمن إقدام الجامعات الغربية تحت ضغط شروط التعددية الثقافية بآداب المجتمعات غير الغربية المنتجة خارج المركزية الغربية وبنصوص النسويات غير الغربية وبموضوعات مثل الثقافات الشعبية وبالأفكار الخاصة بالجنس والعرق والآخر والأمبريالية والعبودية وغيرها من الموضوعات التي إتكأ عليها في نقده للمعتمد الغربي من المنهاج الدراسي في العلوم الإنسانية والإجتماعية وغيرها مما ذكره في كتابه (تأملات حول المنفى) ثم ضمنها في مدونته النقدية الرافضة لهيمنة الآخر عندما كان بصدد الإشتغال على موضوعات كتابه (الثقافة والأمبريالية).

وإدوارد سعيد لا يحاول بالطبع الحط مثلما يرى من قيمة ومكانة زملاءه هنا أو هناك من الأساتذة والباحثين المعزولين عن حياة الناس وهمومهم الفردية والجماعية خارج الأسوار الجامعية.

بل يتطلع إلى " العالم الأوسع حتى يتسنى للمثقف أن يلعب دوره الخاص، وهذا الدور هو أساسا مناوئ للإجماع والأرثوذسكية " (08).

ومع أنه يرى ذلك صعبا بعض الشئ على بعض الأكاديميين خاصة أو لئك الذين يشتعلون في الجامعات العربية والعالم ثالثية المهيمن عليها من طرف أنظمة الحكم الشمولية.

بصورة هي أقرب إلى مفهوم ماركس عن (المهيمن عليهم من طرف الهيمنة).

وهي صعوبة تجد تبريرها المرن لدى أولئك الذين يتلفعون بالبراغماتية الضيقة للحفاظ على مكاسبهم الشخصية وصاينتها من إجبارية الإنصياع لسلطة أخرى تضع السلطة الأكاديمية تحت المراقبة ولا تسمح بالتوغل خارج (نظام الحطاب) التعسفي الباحث عن نظام معرفي وبيداغوجي يمثله ويعبر عنه عن مطامحه الإيديولوجية والمعيارية.

ولم يخطئ تماما المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي في كتابه (أشياء من النقد والترجمة)، عندما إعتبر أن العمران الثقافي لا ينفصل عن صورة العمران البشري القائم في نظره في بعدين:

البعد الأول: هو البعد الفعلي ويعني بذلك النظام السياسي والنظام التربوي.

والبعد الثاني: هو البعد الرمزي ويعني به الجهاز الأكاديمي والبحث العلمي.

وعلى هذا الأساس فهو يرد ذروة التخلف التربوي في العالم العربي إلى ثلاثة أبعاد أخرى إثنان هما:

الحكم والتربية والبعد الثالث وهو البعد الأصيل والجامع كما يرى ويعني بذلك المعرفة العلمية والتي يفسر قصورها على أساس ضعف الأداء التربوي وضعف تطبيقات هذه المعرفة في العلاج النظري والممارسة العملية.

وهذا البعد الأخير يعتبره أبو يعرب المرزوقي مربط الفرس في تقويم فاعلية الفكر والمفكرين مبررا ذلك بأن أصناف التخلف العربي أربعة وهي:

الإقتصادي والسياسي والثقافي والتربوي. وتلك هي العلة الماثلة في نظره في ذلك التهافت... !الشبه جنوبي على العمل السياسي عند النخب وما أدراك

 

قلولي بن ساعد / ناقد وكاتب من الجزائر

......................

إحالات

01) أصنام النظرية وأطياف الحرية نقد بورديو وتشومسكي / علي حرب ص 66 منشورات المركز الثقافي العربي بيروت / الطبعة الأولى 2001

02) المثقفون المزيفون / النصر الإعلامي لخبراء الكذب / باسكال بونيفاس / ص 13 ترجمة روز مخلوف منشورات دار ورد للطباعة والنشر سوريا / الطبعة الأولى 2013

03) تأملات حول المنفى الجزء الأول إدوارد سعيد ترجمة ثائر ديب / ص 327 دار الآداب بيروت الطبعة الثانية 2007

04) نفس المصدر ص 328

05) نفس المصدر ص 328

06) نفس المصدر ص 329

07 ) نفس المصدر ص 228

08) نفس المصدر ص 329

 

 

 

ادم عربيالمؤمنون ليس في قاموسهم كلمة صدفة، بل يستبدلونها بالقضاء والقدر، "التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون فهو بتقدير الله تعالى"، ولكن للفلاسفه راي اخر في تلك المساله .

في ذات مره، كان طالب دكتوراه في الكيمياء يثبت ميزان الحراره في دورق التسخين، لينكسر الميزان ويقع في داخل الدورق، ليفور التفاعل الذي اعياه البحث دون جدوى، ليكتشف ان الزئبق هو الحفاز المثالي لذاك التفاعل . هذه الحادثه بلا شك كانت صدفه، اي انكسار ميزان الحراره وخروج الزئبق منه الى داخل دورق التفاعل، ولولا هذه الصدفه لما عرف الباحثون تاثير الزئبق في ذاك التفاعل، لكن هناك رايان في تلك المساله، فراي يقول ان ان كل شيء في الكون ضروري ولا محل للصدفه، وراي اخر يقول، كل شيء في الكون هو صدفه . المتمحص لكلا الطرفين يجب شيئا من الخطا، لفصلهم الصدفه عن الضرورة، وللتوضيح اكثر فان الضرورة هي ما لا بد ان يكون فهي من داخل الظاهره كتعاقب الليل والنهار بسبب دوران الارض حول الشمس وحول محورها، ولكن لماذا نسمي بعض الظواهر صدف ؟ هل حياة انسان والمحكوم بالموت ان تنتهي بدهس سياره له مثلا؟، كلا، هذه الحوادث ليست ضروريه، لماذا لان مجريات الظاهره لا يجب ان تؤدي الى ما تم، ان هلاك مزرعه بسبب ريح قويه، ان للرياح اسبابها او للاعاصير اسبابها، لكن هل من شان تلك الاسباب ان تؤدي الى هلاك المزروعات، كلا، لماذا؟ لان بلا شك هناك اسباب للريح او الاعصار، ولكن نسبه لبستان المزروعات كانت عابره، ليست منبثقة من الامور الجوهريه لنماء المزروعات، لذا نقول ان تلك الحادثه صدفه، لان هلاك المزروعات لم يكن اكيدا، مما سبق يمكن الاستنتاج ان الضرورة والمصادفه ضدين، هل من جامع بينهما؟ ان بين الصدفة والضرورة الكثير المشترك في الحياة، وارتباطهما وثيق ولا يمكن فصل احدهما عن الاخر، دعك من كلا الرايين، فالضرورة الخاليه من الصدفه لا وجود لها والعكس صحيح

وينبغي دائماً على المرء أن يتمكن من أن يرى وراء الصدفة الضرورة، الظروف التي تنمو على أساسها الصدفة فلذلك لا توجد في الطبيعة والمجتمع ظاهرات ضرورية فقط أو ظاهرات صدفية فقط. إن هذه وتلك توجد معا في الواقع الحقيقي، متداخلة بعضها ببعض، فالضرورة من الممكن أن تتجلى في شكل صدفة. ليس صدفه ان الاشجار الصحراويه تنمو في المناخ الحار الجاف وبصوره عامه اوراقها ابريه، اما ان يكون لكل نوع من تلك الاشجار نوع معين وشكل معين فانه يتوقف على قدر كبير من الظاهرات الصدفيه من رياح ورمال ولربما امطار، واضح هنا في مثالنا ان الضرورة والصدفه متلاحمان، تلاحما لا انفصام فيه، للضرورة سببها وهذا كما سبق واضح، ولكن هل من سبب للصدفه؟ كلا، لا يمكن لظاهره ان تكون بدون سبب، ولذلك للصدفه سببها ايضا، اذن ما الفرق بينهما؟ الفرق يكمن في سبب الضرورة داخلي من نفس الظاهره، اما في الصدفه فهو خارجي، الصدفه والضرورة وحده لا انفصام بينهما كضدين كما ذكرنا سابقا، وقد يرتفع منسوب احدهما على حساب الاخر، فعودة الى مثالنا السابق - طالب الكتوراه-، فقد ارتفع لديه منسوب الصدفه على حساب الضرورة، اين الضرورة في ظاهرة ذاك الباحث، انها في العمل والفعل الذي يقوم به وهو اجراء تجربه، واين الصدفه؟ انه في الزئبق !، وقد يرتفع منسوب الضرورة على حساب الصدفه وهو في مثالنا ان النباتات الصحراويه عموما ابرية الاوراق، اين الضرورة هنا ؟ اي نبات يعيش في جو صحراوى جاف حار لا بد ان تكون اوراقه ابريه لتقليل النتح ! واين المصادفه هنا هي ان نجد بعض النباتات تشذ عن القاعدة ولاسباب عديده، قد تكون برودة الجو ليلا او قطرات الندى صباحا . من هنا استطيع القول ان الصدفة هي نتاج تقاطع ضرورتين او اكثر...فهل يمكن ان تنتج ضروره من تقاطع صدفتين او اكثر، نعم يمكن ذلك، باستطاعتنا دراسة الظاهرات الصدفية وإيجاد قانون وجودها،لتصبح ظاهره ضروريه، كثيرة هي الصدف التي تحمل الخير للانسان، هناك في الفيزياء يتم دراسة ظواهر صدفية، لايجاد قانون عملها، كما في فيزياء الاجسام الصغيره والكم التي وجد انها تخضع للسنن الاحصائية وكذلك الحال عند دراسة تغيير المناخ مثلا وهي ما تسمي global warming تلاحظ كثيرا من الصدف كنزول ثلج في مكان حار او فيضانات في مناطق شحيحة الامطار وغيرها من الظواهر الصدفية المتعلقه بظاهرة global warming

ان دراسة العلاقة ما بين هذه الصدف تقودنا الى وضع ضرورة حدوثها .

 

د .ادم عربي

 

 

محمد كريم الساعديفي هذا المقال اتناول النفايات الرقمية بمعنى آخر عن المتناول في اغلب المقالات الموجودة على شبكة الأنترنيت التي تطرقت للنفايات الرقمية، والتي عرفتها بالآتي: (النفايات الرقمية أو النفايات الالكترونية ويطلق عليها باللغة الإنجليزية (E-WASTE) هي نتاج استهلاك المعدات والأجهزة الالكترونية التي أصبحت اليوم تشكل قضية بيئية عالمية، حيث بلغت حجم النفايات الالكترونية في كل عام ما بين 20 إلى 50 مليون طن في جميع أنحاء العالم والتي تشكل خطر كبير على صحة الإنسان والبيئة)( https://ar.wikipedia.org/wik).

أما ما اقصده بالنفايات الرقمية في هذا المقال: هي كل ما نحذفه من صور ومنشورات وبوستات وغيرها من بيانات ووثائق خاصة بأشخاص، أو بمؤسسات، أو منظمات، أو دول.

لو نظرنا إلى الوراء وفكرنا قليلاً بجد وتفحص: هل أن هذه النفايات الرقمية هي مجرد صور، أو وثائق وبيانات حذفت من جهاز الهاتف، أو الجهاز المحمول، أو الحاسبة دون أن يكون لها وجود فعلي في مكان ما في مرجعيات الأنظمة الرقمية؟ أم أن هذه البيانات المحذوفة قد أصبحت في حالة عدم كونها اختفت بشكل نهائي من هذه المرجعيات والأنظمة الرقمية؟.

والسؤال المهم: أين تذهب هذه النفايات الرقمية؟، هل يوجد لها مكان مخصص ترسل اليه بعد حذفها من الأماكن المخصص للحذف (Recycle Bin/ سلة المهملات) الموجودة في أجهزة الحاسوب المنضدي، أو المحمول، أو اللوحي، أو في الهواتف المحمولة بأيقونة تدل على مكان أرسال المحذوفات اليه؟.

إنَّ هذه البيانات المحذوفة التي تشكل معلومات قد تكون خطيرة أراد شخص، أو مؤسسة، أو دولة أن يتخلص منها،  أو معلومات وبيانات عادية قد لا تشكل أي أهمية للشخص، أو المؤسسة، أو حتى الدولة. لكن ما يتبادر الى ذهن المتتبع في هذا المجال: هل أن هذه المعلومات تحذف فعلياً من انظمة الشركات التي تقف وراء تشغيل هذه البرامج؟ أم أن هذه المعلومات تؤرشف بطريقة جديدة من قبل هذه الشركات؟، وما هو حجم هذه النفايات التي تحذف يومياً منها ملايين المعلومات حول العالم؟، وهذه كلها تساؤلات قد لا استطيع الاجابة عليها فعلياً في هذا المقال، لكن هي دعوة للباحثين في مجال انظمة المعلومات للتركيز في هذا الموضوع.

أن من يقرأ سير إنتاج البرامج الرقمية سيجد أن بعض البرامج التي أنتجتها الشركات الرقمية قادرة على إعادة ما هو محذوف من الصور والوثائق والبيانات وقادرة على ترتيب ما حذف زمنيا وإعادتها إلى أماكنها التي حذفت منها، وهذا يدل على أن هذه النفايات الالكترونية المحولة إلى سلة المهملات أولاً ثم تم حذفها من سلة المهملات هي موجودة في مساحات رقمية ما، وبإمكان برامج أعادة الحذف أرجاعها، ويستطيع عدد من المستخدمين البسطاء إعادة هذه البيانات المحذوفة، فكيف بالشركات الرقمية التي صممت طرق الحذف في صفحات وسائلها الأجتماعية وغير الأجتماعية، إلا بالأحرى أن تكون قادرة على عمل برامج أرشفة لكل ما يحذف من قبل المستخدمين؟. وإذا كانت هذه الوسائل الاجتماعية الرقمية مثل (فيس بوك و تويتر وانستغرام) وغيرها من وسائل التواصل الأخرى تدار من قبل مؤسسات قد تكون مرتبطة بأنظمة تجسس دولية وغير ذلك تستطيع أن تعيد هذه المعلومات إلى العالم الافتراضي واستخدامها ضد المستهدفين من قبل هذه الأجهزة الاستخباراتية والمخابراتية.

إنَّ من أهم المبررات التي تؤيد عدم اختفاء هذه الوثائق هي الآتي:-

1- وجود برامج لإعادة البيانات المحذوفة على انظمة البحث مثل (Google، Yahoo) وغيرها من الممكن للفرد البسيط استخدامها لإعادة ما حذف من البيانات.

2- أن من ينتج مثل هكذا برامج ليعيد ما حذف هو قادر على إعادة ما هو محذوف من بيانات رقمية أصلاً على كافة المستويات.

3- يشير إنتاج برامج إعادة حذف المعلومات أن المعلومات ليست محذوفة نهائياً، بل هي مؤرشفة وقابلة للإعادة في أي وقت ممكن لاستخدامها ثانية ضد، أو لصالح المستخدم.

4- اذا كانت هذه النفايات في الأصل هي بيانات موجودة وحذفت، أو بالأحرى انها انتقلت الى مكان آخر بعد أن حذفت فعليا من سلة المهملات، أي انها عندما حذفت أولاً لم تعدم بشكل نهائي، بل تحولت إلى مكان أسمه سلة المهملات، وبعد سلة المهملات من الممكن أن تحذف لتنتقل وتحفظ في مكان ثان في أنظمة الشركات الرقمية.

هذه المبررات وغيرها هي التي تشير الى أن هذه النفايات الرقمية بحجمها الذي تعدى مليارات المعلومات لا أعتقد بأن الشركات العالمية المختصة بالرقميات تحذفها من ذاكرة حفظ البيانات الخاصة بهذه الشركات، ومن غير المبرر أن المعلومات عندما تحذف من حواسيبنا وهواتفنا، لا يكون لها أماكن مخصصة على أعتبار أنها نفايات تحتوي على حجم في داخل اجهزتنا، فكيف تعدم ولا تشكل مساحة في ما بعد الحذف لدى الانظمة الرقمية. ولكن تبقى تساؤلات مهمة بحاجة الى توضيح : أين تذهب هذه النفايات الرقمية؟ وهل يستفاد منها في عمل ما؟ وهل استخدمت سابقاً ضد اشخاص أو مؤسسات أو دول ما؟ أم انها تصفر نهائياً في داخل الأنظمة الرقمية؟.

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

 

عدنان عويدإن أيّة ذكرى عظيمة في حياة أي شعب من الشعوب، تفقد دلالاتها عندما تتحول هذه الذكرى عند هذا الشعب أو ذاك إلى مجرد تَمَثْلٍ  سطحيٍّ لا يتجاوز حدود التذكير بها من خلال البكاء والندب عليها وتعذيب النفس والشعور بالذنب والتقصير من قبل مَنْ ارتبط بها تاريخيّا، أو عند مَنْ استمر مرتبطاً بها من الأجيال القادمة، هذا من جهة أولى. أو ربما أن هذا الارتباط ذاته يتحول إلى مواقف متعصبة ومتشنجة، تحمل في مضامينها الضغينة والحقد عند مَنْ ارتبط بها تجاه المختلف، وهنا تكمن خطورة هذه الذكرى على حياة الشعوب لاحقاً، حيث يُعتبر إحياؤها موقفاً سلبياً يعمل على تفتيت مكونات هذه الشعوب، وخلق صراعات دامية ذات طابع ثأريٍّ، أقل ما ينتج عنها حروب أهليّة لن تخدم إلا الأعداء وذوي المصالح الأنانيّة الضيقة من جهة ثانية.

إذن، بعيداً عن هذا المنطلق المنهجيّ السلبيّ في التعامل مع الذكرى، تأتي مسألة إحياء ذكرى "عاشوراء الحسين" عندنا كموقف تاريخيّ وقيميّ، نستلهم منها ما يساهم في تأكيد ذاتنا وتنمية حياتنا بكل أنساقها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة.

نقول: "عاشوراء الحسين"، هو اليوم العاشر من شهر مُحَرَّم في التقويم الهجريّ، ويسمى عند المسلمين بيوم "عاشوراء" وهو اليوم الذي استشهد فيه "الحسين بن علي" حفيد النبي محمد (ص) في معركة كربلاء، عندما كان يقاتل من أجل قضيّة كان يشعر ومن قاتل معه أنها قضيّة حق سياسيّ قد اغتصب، ولا بد من القتال حتى الموت من أجلها. بيد أن هذه القضيّة مع مرور الأيام راحت تأخذ أبعاداً ودلالات أكثر من سياسيّة أو حتى دينيّة عند بعد المفكرين الإسلاميين العقلانيين، بل وحتى عند المفكرين الوضعيين.

بعيداً عن أسطرة هذه الذكرى عند محبي ومشايعيّ الحسين ماضياً وحاضراً، وما رافق هذه الأسطرة من تشويه قيميّ وسلوكيّ عند إحيائها، وخاصة في مسألة طقوس تعذيب الروح والجسد التي وجدوا في تأديتها عند كل ذكرى تقام سنوياً، بعداً تكفيرياً عن ذنب ارتكبه أجدادهم في حق الحسين عندما تخلوا عن مساعدته أثناء حربه مع يزيد، ولم يزل أحفادهم يحملون هذا الذنب معهم،  حتى تحول هذا الذنب ذاته إلى قضيّة سياسيّة لم تنته أبعادها حتى تاريخه بعد أن جير بعض الأحفاد قضيّة الحسين لهم وحدهم، أو أنها حق لهم دون غيرهم من المسلمين، ومن خلالها يجب أن يحوزوا على حقوق سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة في تاريخنا المعاصر، لم يستطع أجدادهم تحقيقها أو الحصول عليها عبر تاريخ صراعهم الطويل مع السلطات الحاكمة المخالفة لخطهم المذهبي، التي حرمتهم إياها حتى سموا أنفسهم بالمحرومين، ناسين أن هذه السلطات الحاكمة ذاتها لم تحرمهم هم فحسب من حق الحياة الكريمة، وحقوق المواطنة، بل حرمت كل المكونات الأخرى التي كانت خاضعة لسلطتها، مذهبيّة كانت أو طائفية أو عرقيّة

من هذا التفرد المذهبيّ والطائفيّ بإحياء هذه الذكرى، ورسم طقوسها التي أصبحت أقرب في أدائها إلى عالم التقديس المشبع أحياناً بالخيال والوهم واللامعقول، حتى أن بعض محيي هذه الذكرى من المتنطعين حولوا "الحسين" نفسه من خلال هذه الطقوس، إلى شخصيّة أعلى في مقامها ودورها التاريخي من والده ومن جده النبي "محمد" نفسيهما. ولا نجافي حقيقة التوصيف هنا في هذا المقام الحسيني عند بعض المتطرفين جداً حيث جعلوا من شخصية الحسين أعلى مقاماً من الله نفسه.

إذن من هذا المنطلق الأسطوري والخرافي في إحياء الذكرى عند من ادعوا أنهم وحدهم المحرومون، وهم الأحق بالحسين وحدهم وبقيمه النبيلة، وذلك من منطلق انتساب سلالي لا يمت لأورمة النسب المعترف بها تاريخيّاً، عند الشعوب كما يقول علي شريعتي في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، وهو محق في ذلك برايي.

نقول: إنّ الحسين اليوم تحت مظلة هذا البؤس والقهر والظلم والاستلاب والتشيىء والاغتراب الذي تعانيه أمتنا العربيّة والإسلاميّة بمجموعة مكوناتها الدينية والأثنية، أصبح " الحسين" لنا كلنا في قيمه النبيلة (الإنسانيّة) هذه. وبالتالي فالمحرومون لم يعودوا أصحاب طائفة محددة أو مذهب محدد فحسب، بل المحروم هو كل مَنْ حرم مِنْ حق الحياة في هذا العالم اللامعقول.

نعم نحن - المحرومين في هذه الأرض- والمستضعفينَ عليها، ونحن مَنْ نرى في موقف الحسين في كربلاء ثورةِ على الظلم، وهي ضرورةً – أي الثورة - وخيار تاريخي، تقرّ بأنَّ للشُّعوبِ دائمًا، الكلمة الأخيرة في تقرير مصيرها. وبالتالي تفرض علينا – أي الذكرى - أن نستلهم من قيم الحسين منحًاً آخر، باعتبارهِ أصبح يشكل في موقفه الكربلائي رمزًا للنضال ضد الظلم والطغيان. وأن مسيرةَ الحق طويلةٌ مهما كانَ حجمُ الاستبدادِ والظلم، وأنّ للظلمٍ نهاية،

ما هي دلالات عاشوراء الحسين في تاريخنا العربيّ المعاصر.

أولاً: الدلالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة:

لقد كان الحسين ولم يزل شاهدا على كل شهداء الظلم والجور طول مسيرة تاريخ الظلم والقهر العربيّ منذ استشهاده في كربلاء إلى اليوم، بل شكل موقفه المقاوم واستشهاده رمزاً ثورياًّ لجميع محروميّ العالم العربيّ بشكل خاص والاسلاميّ بشكل عام، الذين ينادون بتحقيق العدالة والمساواة وإحقاق الحق أمام ظلمتهم من السلطات المستبدة... أي لم يزل رمزاً للشهادة ومظهراً لثورة الحق وبذل الدماء من أجله .

نحن نعتبر موقف الحسين في مبدئيته اليوم، أو في تاريخنا المعاصر، يمثل لكل المحرومين موقفاً إنسانيّاً ضد الظلم، وغصب الحقوق، واضطهاد القوى الاجتماعيّة  المسحوقة، وترديّ الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة، وشيوع القمع الفكريّ، والتعصب الطائفيّ وتبعيّة سلاطين الدين لسلاطين الدنيا، وانتشار الفقر والفساد.

إن ذكرى الحسين تزيدنا اليوم تحت مظلة هذه الظروف المزريّة، قوة وإيماناً على مقارعة الظالمين والمستبدين والفاسدين، مثلما تشكل في سياقها الثوريّ الإنسانيّ دعوةً إلى الحريّة والعدالة والمساوة والمحبّة بين مكونات الأمّة العربيّة الدينيّة منها والأثنيّة، والوقوف بوجه الاستعمار والتمييز العنصري وكل قوى الشر والرذيلة، وخاصة القوى التي تدعوا إلى تشرذم هذه الأمة وتفتيتها قطرياً وطائفيّاً ومذهبيّاً على مستوى الداخل والخارج.

ثانياً: الدلالات العروبيّة والقوميّة للذكرى:

يظل الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله (ص) عربيّاً في نسبه وأورمته السلاليّة. وهذا ما أكده الرسول الكريم محمد بنفسه عن نسبه كما ورد في الحديث الشريف:

"أحب العرب لثلاث، لأني عربيّ، والقرآن عربيّ، وكلام أهل الجنة عربيّ" (1) .

كما يؤكد عروبة الرسول القرآن نفسه الذي نزل بلسان عربيّ : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.). (2).

من هذا المنطلق يأتي التأكيد عندنا على عروبة الحسين بن عليّ، وأن كل المحاولات التي طُرحت منذ مئات السنين لتغييب هذا النسب العروبيّ عن الحسين وذريته، وربطه بسلسلة إنتسابات أخرى خارج التقويم الحقيقيّ للأنساب المعروف تاريخيّاً - كما بينا في موقع سابق بالنسبة لموقف الفكر الإسلامي عند "علي شريعتي" من هذه القوى الدينية المتنطعة والمتعصبة، - ماهي في الحقيقة إلا محاولات يراد منها تحقيق مشاريع سياسيّة مغرضة، أول ما تهدف إليه هو تشويه الدين نفسه من خلال إخراجه عن مقاصده الإنسانيّة أولاً. ثم العمل على تمييع وإقصاء فكرة العرب والعروبة ثانياً، وبالتالي إضعاف العرب كمكون قومي له جذره التاريخيّ ودوره الحضاري في بناء الدولة العربيّة الإسلاميّة، ومحاولة ربط تاريخ الإسلام نفسه بمكونات عرقيّة غير عربيّة، واعتبار التاريخ الإسلاميّ هو تاريخها هي بالمحصلة، ولها الحق في قيادة مشروعه والدفاع عنه وإعادة نشره وتعميمه وفق رؤى مذهبية لا تنتمي أساساً للإسلام في نصه المقدس من جهة، ولا للحسين نفسه، ولم يقرها لا الرسول ولا آل البيت أنفسهم من جهة ثانيّة، أما من جهة ثالثة، فإن محاولات بعض المتعصبين لمذهبيتهم أو لمواقفهم الأيديولوجيّة السياسيّة تغييب النسب العربي للحسين وذريته، ما هي بالتالي إلا محاولات لفصل العروبة ذاتها عن الإسلام نفسه أيضاً باسم العقيدة الإسلامية ذاتها بعد أن جردوها من خصوصيتها القوميّة العربيّة واعتبروها ديانة أمميّة لا فضل للعرب فيها على أحد كما يفعل الإخوان المسلمون، أو عند بعض المتعصبين لمذهبيهم كما بين ذلك علي شريعتي في كتابه المشار إليه أعلاه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقة على العروبة والإسلام نفسه.

نقول: من هذا المنطلق التخريبيّ التدميريّ للأمة العربيّة والإسلام نفسه، باسم الدين والحسين، الذي يرمي إليه أعداء الأمّة والدين والحسين نفسه، يأتي مشروع ربط العروبة بالإسلام له حضوره التاريخيّ بالنسبة للعرب أولاً. ومن هذا المنطلق ذاته تأتي مسألة التأكيد على عروبة الحسين وعلى ذكرى عاشوراء كرمز لهذه العروبة والعمل على التمسك بها وتنمية حضورها في وعي المواطن العربي ثانياً. فعاشوراء "الحسين" بالنسبة لنا نحن العرب المسلمين والمسيحين وكل مكونات عالمنا العربيّ، تحت مظلة هذه الظروف اللاعقلانيّة التي تعيشها أمتنا العربيّة هي قضيّة تشكل قوّة روحيّة ومعنويّة تغذي فينا روح التمسك بوطننا وأرضنا والدفاع عن مقومات حضارتنا ووجودنا. فعاشوراء إذن بالنسبة لنا كما بينا في موقع سابق، ليست طقوساً شكليّة تقوم على الندب وتعذيب الذات،  أو المغالاة في التركيز على شخصيّة الحسين وآل البيت من ذريّة الحسين من أجل طمس معالم أية شخصيّة إسلاميّة أو عربيّة كان لها دورها في التاريخ العربيّ والإسلاميّ، فالحسين نفسه في كل دلالات شخصية يرفض هذا التقديس لو كان على ظهرانينا، كونه بشر مثل بقيّة البشر الذين لم يختلف عنهم لا والده عليّ، ولا أمّه فاطمة، ولا جده الرسول الذي جاء قوله تعالى مؤكداً بشريته : (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). (3). أو كما يقول الرسول ذاته عن نفسه: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة، فاتركوه.). (4).

نعم هكذا نفهم الحسين نحن العرب، على أنه سبط رسول الله، وهو إنسان يرفض المغالاة والتنطع متمسكا بتعاليم رسول الله الذي قال: (( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ . قَالَهَا ثَلَاثًا ). (5).

والحسين عندنا اليوم صاحب قيمٍ نبيلةٍ أكدها في مواقف حياته ومنها عاشوراء، حيث التزم الحق والدفاع عنه حتى ولو كان الثمن التضحية بنفسه. وهذا ما يؤكد عندنا هذه القيمة النبيلة من أجل الدفاع عن حقوقنا وعدالتنا ومساواتنا، فهذه وفق موقف الحسين تعتبر حقوقاً طبيعيّةً لا يُفرط بها، ومن يفرط بها يفرط بكرامته، ومن يفرط بكرامته سيفرط بكل شيء وفي المقدمة وطنه وعرضه.

ثالثاً: دلالات المقاومة في ذكرى عاشوراء:

عندما حمل الحسين سلاحه لقتال من اغتصب حقه السياسيّ، كان يؤكد يومها في فعله هذا على مسألة أساس وهي، أن اغتصاب الحق، أي حق، وبأي شكل كان هذا الاغتصاب، فهو يفرض على صاحب الحق أن يدافع عن حقه دفاعاً مستميتاً، وأن لا يستسلم للظلم والقهر والاستعمار وسلبه أرضه أو ملكه، ومن يستسلم للظلم والقهر سيضيع حقه لا محال، وبضياعه يفقد الإنسان وجوده وكرامته وإنسانيته. لذلك لم يستسلم الحسين لظلم يزيد الذي سلبه حقه، فحمل السيف من أجل الدفاع عنه، مع معرفته أنّ إمكانيات قوّة استرجاع حقه ضعيفة أمام قوّة عدوه غاصب حقه، وبالرغم من وجود الكثير من صحبه الذين تخلوا عنه خوفاً أو جبناً أو مؤامرةً، إلا أنه لم يهرب من مواجهة عدوه، وقرر أنّ يخوض حرباً ضده مع معرفته المسبّقة بأنها مواجهة خاسرة.

نعم من هذا الموقف المبدئي المقاوم للحسين في كربلاء، علينا أن نتعلم قيم المقاومة، فالمقاومة في تجربة الحسين عندنا، وفي تاريخنا المعاصر، ليست حمل سلاح ومواجهة وتضحية بالنفس من أجل استرجاع حق سياسي مغتصب أو أرض مغتصبة فحسب، بل هي أكثر من ذلك بكثير. المقاومة في رمزيتها هي مشروع حياة... هي عملية تأسيس وبناء عقلانيّ ثوريّ للروح والجسد معاً، من أجل الدفاع عن الحقوق وتنمية الواجبات، والحقوق والواجبات في فعل المقاومة هي بناء الإنسان أولا عقلاً وروحاً، وبالتالي هي بناء أمّة ووطن ثانياً، ومن يعمل على بناء الإنسان والأمّة والوطن، يجب أن يبني حياته ووطنه على أسس علميّة عقلانيّة، وإنّ أول ما تجذره عمليّة البناء هذه، هو التأكيد على المواطنة واحترام الرأي والرأي الآخر، والحد من فاعليّة المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب. أي هو بناء الدولة المدنيّة، دولة المؤسسات، هذا مع التأكيد بأن الدولة المدنيّة لا تبنى على العواطف والرغبات الذاتية أو على الشعاريّة، أو تمثل طقوس إحياء ذكرى ماضية لا تمت في طقوسها إلى العقل والمنطق العقلانيّ بصلة، بل هو بناء يقوم على اتباع المنهج العلميّ العقلانيّ، أي المنهج الذي يرفض المواقف الذاتيّة والإرادويّة والحدسيّة والتأمليّة في التفكير والممارسة، مثلما هو المنهج الذي يرفض الإطلاق والاستسلام والامتثال، كما يرفض الاقصاء للمختلف والتنطع والادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة... أي هو في المحصلة المنهج الذي يؤمن بالحركة والتطور والتبدل واحترام الرأي والرأي الاخر، وهو المنهج الذي يؤمن بنسبية الحقيقة، والطرح الدائم للأسئلة المعرفة العقلانيّة، وهو بالتالي المنهج الذي يؤمن بالإنسان سيد قدره ومصيره وأنه خليفة الله على هذه الأرض.

رابعاً: دلالات البعث في ذكرى عاشوراء

هناك فرق كبير بين أن يكون البعث استعادة للماضي بِعُجْرِهِ وَبُجْرِهِ، وبين أن يكون البعث استلهاماً للقيم الايجابيّة في هذا الماضي بما يخدم الحاضر والمستقبل. والاستلهام هنا يأتي موقفاً عقلانيّاً جدلياًّ بين ما يسمى الأصالة والمعاصرة. وعلى هذا التوجه العقلاني في الربط بين الماضي والحاضر، بين الأصالة والمعاصرة.. بين التراث والحداثة، تأتي ذكرى عاشوراء الحسين في رمزيتها. فموقفنا من هذه الرمزيّة لا يأتي موقفاً مسرحيّا تمثلياًّ يذكر بالحدث في شكلانيته كما بينا في موقع سابق، من جهة، كما أنه لا يأتي موقفا دوغمائياً يعتبر الحدث بحد ذاته هو الهدف في استرجاع تاريخيته والبناء عليه كموقف صراع سياسيّ على السلطة بين فئتين من المسلمين كل منهما كان يعتبر نفسه هو الفرقة الناجية، ومن حقه أن يحوز على الماضي والحاضر والمستقبل من جهة ثانيّة.

إنّ هذه الموقف العقيدي البراغماتي من ذكرى عاشوراء الحسين اليوم، لدى بعض ممن يشايع الحسين ويعمل على مصادرته وإخراجه من عالم العموم إلى عالم الخصوص، من عالم الإنسانيّة إلى عالم الطائفيّة، ومن عالم البشريّة إلى عالم التقديس والأسطرة، ما هو في الحقيقة إلا موقفاً يكرس بعداً طائفيّا مقيتاً، مثلما يمثل حالات من الصراع الدامي الذي شغل حيزا كبيراً في تاريخ الدولة العربيّة الإسلاميّة، لم نزل نَعِشْهُ حتى اليوم تحت ذرائع وأوهام كثيرة.

إذن إن قضية البعث وفق فهمنا لرمزيّة عاشوراء الحسين، هي قضيّة استلهام لقضايا تراثنا العقلانيّة التي تدعو إلى المحبة والتسامح بين مكونات المجتمع العربيّ، واحترام الآخر في عقيدته وفكره، وهي قضيّة استلهام تاريخ أمّة استطاعت ان تبني حضارة إنسانيّة غذت الحضارات الأخرى وتغذت منها، وهي قضيّة أمّة كافرة  بالاستبداد والاستغلال وكل أنواع التمييز العنصري كما جاء في أدبيات البعث ذاته،. أي هي قضيّة (مبدأ) لا تفرق بين إنسان وإنسان، لا في لونه ولا في دينه ولا نسبه طالما هو يؤمن بهذه الأمّة ويعمل على تحقيق أمنها واستقرارها وتنميتها والدفاع عنها ضد أي غازي محتل، وهذا هو مفهوم رسالتنا الحضاريّة التي نحملها ونعمل على تكريسها. وهذا هو مفهوم المقاومة أيضاً في فكر وسلوك  من يؤمن ببعث الأمة العربية من كبوتها وفواتها الحضاري، و اتخاذ المقاومة أسلوباً وموقفاً حياتيّاً نضاليّا، إن كان تجاه المستعمر وفي مقدمته الحركة الصهيونيّة المحتلة لأرضنا، والمشردة لشعبنا، أو تجاه التخلف بكل أشكاله الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

ملاك القول:

يظل البعد الإنسانيّ بكل دلالاته، هو جوهر تمثلنا لقيم الحسين، هذا الجوهر الذي يدعوا إلى الألفة والمحبة بين الناس جميعا، لا يميز بين الناس في دينهم أو طائفتهم أو مذهبهم أو عرقهم أو لونهم. مثلما تمثل لنا قيم الحسين موقفاً مقاوما عنيداً تجاه كل ظلم يقع على الإنسان ماديّاً كان أو قيمياًّ. ويأتي في مقدمة هذا الظلم ظلم المستعمر والمستبد.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

.............................

ملاحظة: هذه الدراسة نشرت مؤخراً في كتاب صدر عن جامعة دمشق بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب في سورية بعنوان: (الحسين وآفاق المستقبل)  وقد أقيمت له احتفالية رسمية في جامعة دمشق يوم الاثنين /27/ 9/ 2021

الهوامش:

(1) أخرجه ‏الحاكم من حديث ابن عباس، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد.

(2){يوسف:2}.

(3) (سورة الهف -110)

(4) جامع بيان العلم وفضله (2\32).

(5) رواه مسلم (2670) ،

 

 

الوَعْي غَير مَحصور في القِيَم الوجودية والعلاقات الاجتماعية، لأنَّ الوَعْي مفهوم شامل لجميع مَنَاحي الحياة، وهو الطريق الرئيسي الذي يسير فيه الإنسانُ من أجل معرفة ذاته في مُجتمعه في ظل التغيرات المعرفية، ومعرفةِ مُجتمعه الواقع تحت الضغوطات الحياتية . وهذه المعرفة المُزْدَوَجَة تُمَثِّل منهجًا فكريًّا يَكشف الروابطَ السَّبَبِيَّة بين السلوك الظاهري للإنسان، والدوافعِ الحقيقية الباطنية . وكُل منهج فكري يستمد شرعيته من قُدرته على تكوينِ منظومة الأسباب والمُسبِّبات بشكل منطقي مُتَسَلْسِل، وترتيبِ الأولويَّات الخاضعة لثنائية العِلَّة (القاعدة الاجتماعية) والمَعلول (البناء العقلاني)، وتفسيرِ الطابع اللغوي الرمزي للعلاقات الاجتماعية، ونقلِ الأفكار مِن هُلامِيَّةِ المعنى إلى الشُّعور بالمَعنى، لإيجاد معنى جديد للأشياء، يُحوِّل التَّداعيات المعرفية إلى تصوُّرات مُتجانسة، ويَعتبر الحُلْمَ الإنساني سُلوكًا اجتماعيًّا للخَلاص الجماعي، ولَيس وسيلةً للهرب مِن المأزق الاجتماعي .

2

المعنى الجديد للأشياء هو إعادة اكتشاف خصائص الأشياء في سِياقها الوجودي ووظيفتها الاجتماعية، وليس تجريد الأشياء مِن دَلالتها المنطقية، وتفريغ الأشكال من مُحتواها الرمزي . وإذا كانت الغريزةُ هي الجُزءَ الأساسي في السلوك الوراثي، فإنَّ المعنى هو الجُزء الأساسي في الوجود الاجتماعي . لذلك ينبغي التعامل معَ المعنى كغريزة وجودية ذات طبيعة رمزية، تستطيع توليدَ الظواهر الثقافية الحاملةِ لآلِيَّات السُّلطة المعرفية، والحاضنةِ لحقائق المُجتمع المُتجسِّدة في ماهِيَّة الذات ومَفهوم الآخَر . وبذلك يُصبح المعنى طريقًا وطريقةً، طريقًا إلى التفاعل الرمزي الاجتماعي، وطريقةً لِفَهْمِ طبيعته، وإدراك أبعاده، وتوظيف خصائصه معنويًّا وماديًّا .

3

الطبيعةُ الرمزية في اللغة والمجتمع تَكشف الرَّغبات المَكبوتة، والأحلام الموؤدة، والتجارب المُجْهَضَة، وهذا الكَشْف يَهدف إلى صِياغةِ العلاقات الاجتماعية، وتنظيمِ إفرازات الواقع المُعاش، وإسقاطِ المعنى على الرمز، ومنعِ المعنى مِن الذَّوَبَان في خِطَابِ الهَيمنة الثقافة، وآلِيَّاتِ السَّيطرة التي تُنتجها الكِيانات الأبوية . وبعبارة أُخرى، إنَّ مُهمة اللغةِ والمُجتمعِ هي تَحْميل المعنى على الرمز، وحماية المعنى والرمزِ مِن السُّقوط، لأن الرمز (الحامل) هو الرافعة للمعنى (المحمول)، وإذا سقطت هذه الرافعةُ سينهار المعنى والرمز معًا . وبما أنَّ لِكُل إنسان تفسيرًا خاصًّا للعَالَم الذي يعيش فيه، وتحليلًا ذاتيًّا لعناصر البيئة المُحيطة به، فلا بُدَّ أن يُصبح الواقعُ كِتَابًا مَفتوحًا على جميع الاحتمالات والقراءات والتأويلات، ضِمن عملية اجتماعية ديناميكية تتفاعل مع الذات سُلوكًا وحاضرًا، وتتفاعل مع الذكريات وَعْيًا وتاريخًا . والإنسانُ لا يَملِك إلا اللحظة الآنِيَّة التي يعيش فيها، وهذه اللحظة الآنِيَّة (الحاضر) في صَيرورة زمنية ومنظومة تاريخية تراكمية، لأنَّ الإنسان يعيش في الحاضر مَحصورًا ضِمن حُدود اجتماعية جاهزة، ومُحَاصَرًا بتأثيرات العقل الجَمْعي والنَّمَط الاستهلاكي . وكُلَّمَا تَقَدَّمَ الإنسانُ إلى المُستقبل صَارَ الحاضرُ ماضيًا . وهذه العملية تضع الإنسانَ أمام تَحَدِّيات خطيرة. التَّحَدِّي الأوَّل هو فقدان الإنسان للسَّيطرة على الحاضر المُعَاش، لأنَّ أجزاءه تنتقل إلى الماضي باستمرار . واللحظةُ التي يعيشها الإنسانُ مِثْل عُود الثِّقَاب، اشتعال لِمَرَّة واحدة فقط، ثُمَّ الانطفاء الأبدي . وهذا يعني أنَّ الإنسان في سِباق معَ الزمن، وعَلَيه أن يستثمر كُلَّ لحظة، ويَستغل الضَّوْءَ من أجل الذهاب إلى أبعد مدى مُمكن، لأنَّ الانطفاء قادمٌ لا مَحَالة، والصَّيرورة الزمنية _ في واقع الأمر _ هي عملية انتقال كَينونة التاريخ من الضَّوء إلى الانطفاء . التَّحَدِّي الثاني هو عدم امتلاك الإنسان للتفاصيل في رحلته إلى المُستقبل المجهول، وبالتالي سيتعرَّض لكثير مِن التَّحَوُّلات الصادمة، والمُفاجآت غَير المَحسوبة. وعُنصر المُفاجأة شديد التعقيد والخُطورة، ويَصعُب التعامل معه في ظِل الضغوطات مِن كُل الاتجاهات، وعلى الإنسان أن يَمتلك حُسن التخطيط وسُرعة البديهة، ويتعامل مع الأمر الواقع بهدوء لمنع انهيار المعنى الاجتماعي، لأن الارتباك هو غرق الإنسان في الأوهام، وانهيار معنى حياته . والتَّحَدِّي الثالث هو تَحَرُّك الإنسان تحت الضغط ضِمن دائرة حياتية مُغلَقة، وعليه أن يُوسِّع هذه الدائرة قَدْرَ المُستطاع، كي يَنتزع مساحةً للحركة والمُنَاوَرَة، ويَمتلك قرارَه الشخصي، فهو في معركة فكرية للانتصار على نَفْسِه، والحُصولِ على وُجوده، لَيس كغنيمة، وإنَّما كرؤية للخلاص .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عبد الجبار العبيديكنا نملك بالأمس ثلاث جامعات عريقة في عراق العراقيين ساهمت في تخريج آلاف الكفاءات التي ساهمت في بناء وطن العراقيين،هي بغداد والموصل والبصرة.. وتلتها جامعات اخرى في الكوفة وغيرها.. جامعات معترف بها دولياً وبمناهجها الجامعية التي وضعها اساتذة من عراقيي الرعيل الأول المفتخر بهم، لهم مكانتهم وخبراتهم العلمية،اضافة الى اخلاصهم ووطنيتهم التي كانوا يعتزون بها.. ويحرصون عليها  الذين في غالبيتهم فصلوامن قبل النظام السابق لموقفهم من الدكتاتورية أو أحيلووا على التقاعد ولا زالوا الى اليوم بلا حقوق.. ونحن منهم..

واليوم بعد ان حل الخراب في وطني وحكمه الطامعون النفعيون من الجهلة والحالمون بتخريب الوطن وتحويله الى تبعية من اصحاب نظرية محو العراق.. أصبحنا نملك:

45 جامعة اهلية في غالبيتها دون مستوى الثانويات العراقية القديمة.. أصحابها لا همَ لهم الا الكسب وسمعة التباهي وتخريب الجامعات الرصينة.. تخرج الماجستير والدكتوراه برشوة الأشراف ومنحة مناقشة المتخرجين..

35 جامعة حكومية يغلب على ادارتها التوجه الحزبي والطائفي المذهبي المقيت ومراكز هيئات التدريس فيها من اصحاب اللاخبرة في التنفيذ كما في جامعة بغداد مثلاً.. رأيتها بنفسي عام 2010 حيت تعم الفوضى واللا نظام فيها.. طلابها تعتريهم الكآبة من ضياع الامل في التقدم بحياتهم العلمية والعملية.وخريجها من عام 2003 الى اليوم عاطلين عن التوظيف الا للمقربين.. وما ندر.

وجامعة واحدة للوقف الشيعي يدرس فيها الفقه الشيعي المتزمت وخريجها افكارهم كالصخر،لا تقبل ان يدخلها الهواء النقي خوفا من تهديمها.. لتنتج لنا المعممين الباطلين.

وجامعة للوقف السني .اكثر من الاولى تزمتا وأنغلاقية فكرية ومقاومة لكل جديد في منهاهجها الدراسية.. التي يشرف عليها المتواطئين..

اضافة الى عشرات المعاهد المكررة التي لا تنتج الا ما ترغب فيها الاحزاب السياسية الباطلة وتريد. وكأن الدين اصبح مذاهب متعددة ومختلفة وسيلة للتخريب لا دين محمد (ص) الواحد للجميع.

والانكى والأمَر من كل ذلك ان جامعاتنا الاهلية فيها الكثير من كليات الطب الاهلية وبلا كفاءلات تدريسية عالية.. تساهم في تدمير علاجات المواطنين .لذا ترى الغالبية يتطلعون للمداواة خارج الوطن في الهند وتركيا وكأننا اصبحن بنكلادش.

وسط هذه الفوضى العلمية والخريجين بلا اعداد ولا تأهيل ولا تطبيق تنتشر بينهم البطالة بما فيهم خريجي الدراسات العليا..  فماذا يعني هذا التوجه المقصود غير التخريب والفوضى وضيا ع العلم والأمل.في وطن يكاد ينحدر نحو الفوضى الخلاقة التي تركها المحتل الذي يتحمل مسئولية تدمير العراق بأمتياز لخضوعه لأراء حفنة من الخونة والساقطين والمارقين في العراق وخارجه الذين اوهموه بأمتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل وهم اليوم يدافعون عن دولة الدمار الشامل دون عيب من تاريخ. فماذا بعد السقوط .؟

ولا عتب حين يكون وزير التربية خريج ثانوية عامة.. وعضوة العلاقات الخارجية في مجلس النواب مثله.. أضافة الى العشرات من المدراء العامين وممثلي الام المتحدة من المزورين لشهاداتهم العلمية. ناهيك عن المئات من باعة الخردة اصبحوا يملكون على أكتافهم رتبة لواء أو فريق ركن وكأنهم خريجو جامعات عسكرية.. ولا ندري من أين استقوا الرئاسات المحاصصية الطائفية والمذهبية.. ألم يكن ذلك امر مدبر ومقصود لمحو الوطن.. وشخصيته الوطنية..؟ ولا زالوا متمسكين بتزوير الانتخابات والسلطة وكأنها أصبحت لهم آرث قديم.. واحزاب المليشيات المجرمة لا زالت تهدد بالوعيد.. لو كانوا يملكون ذرة قيم لتنحوا عن الانتخابات للمخلصين فكفاية خيانة للوطن والوطنيين.

دعونا من هذا الاجرام التخريبي المقصود لنعود لعنوان المقالة فنقول:

من الجامعات خرج التقدم.. وظهر الفكرغير المقيد.. وحل العقل المتطلع والمتعطش الى المعرفة على اساس من البحث العلمي والتجربة التي هي اساس كل كشف جديد.. وعلى اساس من التفكير العلمي تحسن النظام الاجتماعي الذي قام على اسس العلم الطبيعي حين اعتبره العلماء هو قاعدة العلوم .

من هنا ظهرت النظرية القائمة على التجربة العلمية التي تقول: ان كل معرفة لا تقوم على تجربة علمية فعلية لا قيمة لها في ميدان التقدم العلمي المعروف.. وبذلك ألغيت التكهنات الغيبية لدراسة العلوم التي اعتمدها رجال الكنيسة في العصور الوسطى الاوربية.. حتى ظهرت فكرة تصنيف العلوم القائمة على فكرة تحليل المواهب الذهنية والفوائد التي يجنيها الانسان من علوم الطبيعة القائم على التجربة والبرهان وليس الحدس والتخمين .ونتيجة لذلك ان تغيرت كل التفاصيل.. فكيف نحن اليوم وقد أستبدل التعليم الرسمي الرصين بالتعليم الأهلي بلا منهج ولا قيود..

يهدف المشروع الى أنشاء موسوعة علمية تكون بمثابة قاموس علمي جديد قائم على ترتيب عقلي للعلوم والاداب والحرف وعلى أساس الفكر غير المقيد بالأفكار الميثيولوجية، وتحديد لفظة العلم في المنهج الدراسي الجديد تحديدا منطقياً يعتمد على التجربة والبرهان، وعلى رأس كل فرع من هذه الفروع مجموعة من الاكاديميين المتخصصين الذي يؤمنون بالفكر والحرية والتقدم،وليس في رؤوسهم الماضي القديم، شرط ان لا تتدخل العناصر الحكومية المتزمتة دينياً في تكوينه لحين الانتهاء منه ثم مناقشته بالطريقة العلمية المعتمدة.. في ترتيب العلوم .

اذا ما اتيحت لهذه المجموعة العلمية ان تعمل بحرية تامة،اعتقد ستأتي بشيء جديد في كل فرع من فروع العلوم والاداب والحرف .وتقتصر اهمية هذه الموسوعة على تغيير المفاهيم المتوارثة في اكثرمن ميدان من ميادين المعرفة العلمية.لان المشرفين على تحريرها وكل الذين سيكتبون موادها يجب ان يكونوا من المتفائلين في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان العراقي قائمة على العقل والعلم والحرية.. لنصنع وطن العراقيين.

لذا يجب ان تكون المؤسسات الدينية القائمة على التكهنات الغيبية بعيدة عنه،لان الاقلام التي ستساهم في كتابته تقوم على الفكر الحرالواعي للحركة العلمية المجردة من التأثيرات الميثيولوجية الغيبية والفكر الارسطوطاليسي الذي يعتمد المنطق الفلسفي المطلق في الوصول الى حقائق الاشياء - نظرية قديمة انتهى زمانها-.. حتى لا يقال ان من ساهم بكتابتها هم من الملحدين او اللادينيين او المتطرفين في النظرة العلمية.

ان الوعي العلمي الصادر من الجامعات ومناهجها المتحررة من الميثيولوجيا هي التي كونت فكرة التقدم ودواعيه تمهيدا لربطه بحياة المجتمع، لان التمسك بمشاريع موروثة وان كانت بطريقة قانونية واجتماعية تعيق المجتمع من التقدم والوقوف بوجه الطامحين نحو الحقوق الوطنية، والقوانين التي تخدم طبقة معينة دون غيرها من طبقات المجتمع هنا اعاقة للتقدم.. وعلى مؤسسات الحقوق الجامعية ان تطرح قوانين عادلة وتطبيقها على ايدي أساتذة يملكون حرية النظر في القضايا المهمة واصدار الحكم عليها.

من هنا لابد من زوال امتيازات الطبقة المتعارضة للتقدم العلمي التي منحت لنفسها قوة القانون حتى تصورت انها اصبحت فوق القانون كما في بعض الجامعات الاهلية التي تأسست على غير هدى من القانون والعلم التجريبي وللمنفعة الخاصة ولا غير.. وبالتالي يتكون لنا رأي عام يستطيع ان يرد السلطة عن هواها لتأمين حقوق الناس.. وعلى هذا الاساس من الوعي الخلقي تنشأ القوانين الجديدة.. وبمرور الزمن يبدأ الفكروالتفكير الواعي بالتحسن والتقدم حتى يصبح عقيدة.

بلا شك سوف يُراعى في النظرية الجديدة العقل المؤمن بالله والقائم على التفسير العلمي للنص الديني دون دخل لنظريات فقهاء القرون الهجرية الأولى المتزمتة فيها من اصحاب المذاهب الدينية المخترعة.. الذين فسروا النص الديني تفسيرا خاطئا وفق نظرية الترادف اللغوي القائم على ادراك المشخص ولم تكن فيها التسميات الحسية قد استكملت بعد تركيزها في تجريدات.لذا سيكون ايمان اصحاب النظرية الجديدة بالمخلوق سبيلا الى ايمانهم بالخالق،وبذلك يكون المحور الاساس في كتابته صادرا من العقل لا من القلب اي بعيدا عن العاطفة الدينية.. وهذا تفسير حديث في الفكر له قدره واهميته.

نحن نعتقد اذا ما نفذت مثل هذه التوجهات في الموسوعة العلمية الجديدة سوف نحرك عجلة التاريخ العراقي نحو الطريق السليم بعد هذا التعثر والركود الذي اصاب الحركة العلمية والمنهج المدرسي في التعليم.. نتيجة ممارسات الأنظمة الفردية والدينية المتزمتة خطأ نظرية ترتيب العلوم والمناهج الدراسية التي حولوها الى روزخونيات ملائية جامدة وأرفقوا معها نظريات الوهم.. حين أكثروا من مناهج الدين الولائية الوهمية. ليقوم المنهج الدراسي على قاعدتين هما: الفكر العلمي..  واستقرار فكرة التقدم في الأذهان.. ان هذه الموسوعة يجب ان تبنى على:

- في مجال الحقوق العامة، تبنى الدراسة على منهجية تحديد سلطات الدولة عن حقوق الناس،وبهذا لم يعد يحكم في الدولة الا الدستور والقانون لتحديد شكل الحقوق المدنية لعامة الناس.. بعدها سنرى كيف ان المجتمع المبتلى بالوهميات الدينية والخارجين على القانون يتغير نحوالتغيير الشامل للحياة المجتمعية المتجردة من العقليات الانانية والمتمسكة زورا بالأحساب والأنساب والمذاهب الأحادية الجامدة والانصراف الى مصالحها الخاصة لتدوم معها السلطة دون الاخرين .

- نريد من المشروع ان تعتمده الجامعات منهجا متقدما يهدف الى جملةحقائق منها:

- أظهارفكرة التقدم وترسيخها في الأذان بأعتبارها حقيقة ثابتة تمهد

لحركة التطور الاجتماعي.. وضع القوانين التي تخدم اطلاق الحرية الكاملة لحركة الاقتصاد والتجارة الداخلية اولاً سواءً في الزراعة او الصناعة أو انشاء البنوك او الشركات الكبرى الربحية دون تدخل معين في التوجه والتوجيه. وبذلك يكسب الاثنان هنا حرية الحركة والعمل والقول دون معارضة حكومية مقصودة . لنبتعد عن الاساطير التي تقول:

ان دوافع التقدم هي في اراء الفقهاء واصحاب النص الديني الذين لا يؤمنون بالصيرورة التاريخية في التغيير. أفكار عقيمة جرداء لا يمكن ان ينبت فيها شيئاً. والتي ثبت بأنتهائها في العصور الوسطى تحولت اوربا الى النهضة الاوربية والتقدم العلمي الشامل.

- النظر في تكوين القوانين التي تعيد بناء النظام السياسي المقيد بسلطات الشعب وهو الدستور الذي يتوائم وروح العصر بعيدا عن الطائفية والعنصرية والفرز الديني الغير مرتبط بالشريعة .كما في المادة "2" أولاً من الدستور العراقي التي تنص على:"ان الاسلام دين الدولة الرسمي وهومصدر اساس التشريع ولا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادىء احكام الاسلام.هنا المشكلة..  المشكلة لا يمكن ان تتقدم دولة ضمن هذا الفرض الديني المقيد لحركة التطور. .وخاصة حين يعتمد التفسير النصي المذهبي الجامد القديم.

- هذه العملية ستجعل من عامة الناس ايمانهم بالقانون،ايماناً تلقائياً دون معارضة، واحترام الدستور طواعية،وبذلك سوف يسود الامن على النفس والمال وضمان حرية القول والفكر د ون تدخل.. لا ان يقتل العلماء والمفكرين وأساتذة الجامعات دون تحقيق قانوني .وبذلك ننهي عسكرة المجتمع لصالح النفعيين الجهلة الذين لا يؤمنون بحركة التاريخ المتطورة.. ونقتصد في الأموال المهدورة لهم بدون وجه حق لصالح الرفاهية والانجاز المجتمعي.سجل التاريخ للعراقيين كبوة جديدة نامل ان تنتهي بأمل جديد.. نقول بالتوجهات المخلصة سنعود.. ؟

- هنا تصبح نهضة الفكر العلمي هي القوة التي تحرك الناس نحو الامام بعد الغاء حركة التاريخ المنغلقة المرتبطة بالتراث التقليدي المتمثل بغياب الوعي المجتمعي،وبعد ان تعكف المجموعة الى دراسة تجارب الامم والاخرين ماخوذة من التاريخ والحضارة.من هنا سيهدف المشروع العلمي الكبير الى انشاء فكر جديد واسع المدى ينحصر في نتائج محددة هي:

1- ان كل شيء في هذا الكون قائم على قوانين محددة لاتخضع للحدس والتخمين والوهم والتقليد.. بل للتطور والتغيير حتى تصبح النظريات الغيبية ليس لها فيه من نصيب.

2- استخدام النظرية الجدلية والشك في القوانين المتعارف عليها دون تدخل الا من وجهة نظر علمية بحتة للوصول الى الهدف العلمي المطلوب.. وابعاد نظرية الظن في التنفيذ.

3- وضع الثقفة الكاملة بالنظريات العلمية لنعطى المكانة الاولى لذوي الاختصاص من العلماء والاكاديميين الذين سيشتركون في العملية العلمية الكبرى في التطوير والتنفيذ.. .دون النظر الى المعتقد والطائفة والجنس، بذلك يصبح شاغل المركز مؤهلا للنجاح في التنفيذ.

لا يسعنا هنا في هذه العجالة ان نعرض كل الاراء الجديدة التي نريد لها ان تكون واقعا على الارض،لانها في حقيقتها ثورة علمية واسعة سوف تخرجنا من الطريق المسدود الذي نحن واقعون به اليوم.شرط ان تضمن السلطة الوطنية -ان وجدت..  ضمان الامن والسلامة لمبتكريها وعدم التدخل فيما يقترحون الا بما يتعارض مع الدستور والقانون وحقوق الناس في التطبيق، لُتخرج عملا يضع الجامعة في ركب الجامعات المتقدمة.. كنا نأمل من التغييرصناعة وطن جديد.. لا نقول خاب الأمل.. بل نقول أصبحنا ننتظر أمل جديد..؟

ومن الله التوفيق.

لكل من لديه وجهة نظر اخرى حق المشاركة فيما يقترح.. والمشروع عام وليس خاصا.. أنه مشروع الجامعة العراقية الجديد.

 

د. عبد الجبار العبيدي

.jabbarmansi@gmail.com

 

 

محمد كريم الساعديإنَّ الرؤية المقدمة عن طبيعة تفكيرنا نحن العرب على وفق التصور في كتاب نهاية التاريخ والانسان الأخير للكاتب والمفكر الأمريكي (فرانسيس فوكوياما)، ترتبط بكون العربي يقع في خانة المتخلفين، أو الذين لا يمكن أن يلحقوا بالنهايات المفترضة التي رسم حدودها (فوكوياما)، فهل نحن في تصورات تاريخية سابقة مازلنا نعيش فيها ولم نخرج منها؟، أم نحن في فكر فوكوياما أمة لا يمكن أن تتقدم في تطورها الفكري والاخلاقي الى الأمام في ضوء الحدود المنطقية للسياسة الأمريكية الجديدة؟ أم نحن في سبات طويل ولابد من يقظة وصدمة عظيمة حتى نرجع الى الصواب العالمية وخصوصاً الأمريكي في القرن الحالي؟، هل بإمكاننا أن نتواصل معرفيا مع العالم الجديد ومحدداته التي في اغلبها قد لا تتفق مع التصورات الفكرية للعقل العربي في عالمنا اليوم؟.

إنَّ فوكوياما يرى بأن هذه العلاقة يجب أن تبني على معادلة (السيد والعبد) أذ يقدم تصوراً لهذه العلاقة بين الطرفين، في أن " السيد هو الى حد ما أكثر انسانية من العبد لأنه تطوع إراديا لتجاوز طبيعته البيولوجية نحو غائية غير بيولوجية، هي أن: يكون معترفا به، فلدى مخاطرته بحياته يبرهن أنه حر .أما العبد فهو على العكس، بحسب رأي (هوبس) يتخلى عن هذه الانسانية خوفاً من الموت العنيف. ولهذا السبب يبقى (حيواناً) ضحية الحاجة والخوف، غير قادر على تجاوز تحديده البيولوجي أو الطبيعي . لكن فقدان حرية العبد، أي إنسانيته الناقصة، تضع السيد أمام إحراج : فهذا الأخير يرغب بأن يعترف به من قبل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به. فهو بدلاً من ذلك يُعترف به من قبل العبد الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت، فقيمة السيد هي إذاً معترف بها من قبل شخص ليس إنساناً بالكامل"(1). هذا المنطق الجديد الذي يشير اليه فوكوياما في كتابه يعطينا عدد من الأسباب التي من المفترض أن نجد مكاننا من خلاله في الفكر الفوكويامي ومنها:-

1- السيد هو الأنسان الأخير وما عداه لا يصل الى هذه الصيغة ابداً، وبالتالي نحن لا نصل الى هذه المكانة مهما قدمنا من طرائق جديدة ووسائل معرفية نظرية وعملية من أجل التأقلم مع هذا التصور الجديد نبقى في مرتبة العبيد، وهذه القاعدة الأولى في الفكر المحافظ الجديد الذي يمثله فوكوياما.

2- ما يقوم به السيد تجاه الآخرين هو تطوع إرادي يتجاوز فيه طبيعته البيولوجية نحو غائية بيولوجية قائمة على مخاطرته بحياته ليبرهن أنه حر . فحرية السيد هي نعمة على العبد فهذه المخاطرة قائمة على التضحية من أجل بقائنا أحياء، فبفضل السيد نحن نبقى أحياء وبفضله نحن نعيش وبفضله ننعم بشم الهواء، فهو السيد الذي يحمينا والذي يقدم كل قوته العسكرية وغير العسكرية حتى نبقى أحياء من عدو مفترض لا نعلم من يكون وفي أي لحظة يخرج علينا، المهم أن نبقى في سياق الامتنان للسيد الحامي المضحي من أجل بقائنا ليس في حياة كريمة، فالكرامة والعزة له، ونحن لنا البقاء على سطح هذا الكوكب الذي فيه السيد هو الحاكم وهو القوي وهو المسيطر على كل شيء ومن ضمن هذه الاشياء نحن في المنطقة العربية .

3- نحن على وفق هذه المعادلة يجب أن نتخلى عن إنسانيتنا، عن مطالبنا بالحياة الكريمة عن قيامنا بصناعة حياة جديدة لنا، والسبب من هذا التخلي عن أهم خاصية وجدت على هذا الكوكب هي الانسانية التي تميزنا عن الموجودات الأخرى، حتى يبقى السيد حاكم ونبقى نحن أحياء بفضل السيد، فالخوف من الموت الذي هو بيد السيد ايضاً نستمر بالوجود وندين بالفضل له، وهذا الفضل هو نعمة وهو منه وهو عطاء من انسان حر قائد لهذا العالم وانسانه الأخير والقائم على وصول التاريخ الى نهايته في التطور المعرفي والعلمي والتقني وغير ذلك . فالخوف من الموت هو السر في بقاء السيد ومدى ما وجد عبيد غيرنا يتخلى عنا ويقدمنا للموت كضحايا لحروبه ومغامراته، ويعود لنا ليدجننا مرة أخرى إذا ما فقد عبيده في مناطق العالم التي قد تحرج عن سيطرته . فلابد من البقاء احياء والسبيل الى ذلك هو الخضوع للسيد وافكاره العظيمة في نهاية التاريخ وانسانه الأمثل .

4- التخلي عن الانسانية من أجل الحياة يحولنا على وفق تصوراته الى الاقتراب من الحيوانية- وحسب وصف العبد كما في الاقتباس المأخوذ من كتاب نهاية التاريخ- هذه الحيوانية التي هي صفة العبد، أي أن البقاء في هذه الخانة  الحيوانية هي نتيجة للخوف الذي حولنا ضحية الحاجة للسيد، غير قادرين على تجاوز تحديدنا البيولوجي أو الطبيعي في تصور (هوبس) الذي يستند اليه فوكوياما في تصور من هم خارج تاريخه وانسانه المفضل .

5- إنَّ العبيد هم من تكون انسانيتهم ناقصة والنقص هذا يقربهم من الحيوانية والسبب هو فقدان حرية العبد، أي إنسانيته الناقصة، وهنا يتمكن السيد من السيطرة: فهذا الأخير يرغب بأن يعترف به من قبل كائن آخر يملك مثله قيمة وكرامة خاصتين به. لكن هذا الكائن الذي يمتلك الخواص نفسها غير موجود  فهو بدلاً من ذلك يُعترف به من قبل العبد الذي بقيت إنسانيته غير مكتملة لأنه تخلى عنها لخوفه الطبيعي من الموت، فقيمة السيد هي إذاً معترف بها من قبل شخص ليس إنساناً بالكامل، وبالتالي سوف تستمر هذه المعادلة مادام أن الطرف الأقوى هو مستمر بسيطرته وقوته وتفوقه، لا يمكن للعبد أن يجد له سبيل لوجود الحرية ابداً.

6- هذه المعادلة توجد على وفق هذا التصور طرف منتج وطرف مستهلك، لكن متى ما أراد أن تتغير المعادلة سلبت منه الحياة، فكل ما يملك العبد هو ملك السيد بما فيها الحياة والوجود والانسانية وغيرها، لابد من أن يكون في هذه المعادلة السيد هو من يوزع طريقة العيش والحياة والكرامة على وفق ما يريد، بما أن العبد هو الذي يقبل بهذه المكانة وراض بها.

إذن، على هذه التصورات والنظرة الى نهاية التاريخ والانسان الأخير نجد مكاننا نحن في خانة التبعية المطلقة التي افترضها لنا المركز، فماذا نفعل حتى نتخلص من هذا المأزق، هل نقاوم السيد الذي يمتلك القوة والسيطرة والتفوق في كل المجالات؟، أم نتخلى عن ما يوفره لنا من سلع ومواد وربطنا بنظامه الاتصالي ووسائله المختلفة التي اصبحت لنا بديلاً عن حياتنا البائسة في بلداننا التي صممها لنا بهذا الشكل بحكامها وانظمتها التي هي ادوات تنفيذ معادلة السيد والعبد؟ هل نتحول الى مشاريع تسويقية ودعائية والى شعارات فضفاضة تدعي التخلص من هذا السيد دون وعي معرفي بأدوات الخلاص والاعتماد على النفس؟ أم نركن الى الماضي المجيد والذي هو مملوء بالعقدة والافرازات السلبية والتي حولتنا الى فئات وطوائف وتيارات متصارعة على من هو الاحق بذلك التاريخ السعيد عند البعض والمزور عند البعض الاخر؟.

كل هذه التساؤلات وغيرها خلقت لنا وضع مرتبك، استفاد منه السيد في استمرار المعادلة وانتج أفكاره على الشكل الذي يريده هو، وما نحن الا أدوات منفذه لهذا المشروع الكوني .

من أجل تغيير المعادلة فلابد من أعادة قراءة التاريخ والحاضر وبناء المستقبل بطريقة جديدة على وفق واقع معاش تكون فيه كرامة الأنسان وحريته هي الأهم، ويأخذ فيها المثقف والمفكر وضع أسس لها، ففي الغرب يجعل الانسان يفكر ويخطط دون عقد ومعرقلات، فلا بد أن نبين أنساننا العربي الجديد، وما هو مسار تاريخنا نحو نهاية افضل وموازية لنهايات تاريخهم وانسانهم الاخير. نحن لا نريد أن نكون خارج التاريخ،أو خارج الجغرافية، أو السياسة العالمية، ولا نريد العزلة أو الابتعاد عن المعرفة ولانخراط في النظام العالمي الجديد، بل نريد أن تكون المعادلة متوازنة في حرية العيش والكرامة والحرية الحقيقية والتبادل المعرفي السليم . البحث في الاصول والثقافات المحلية هي خير وسيلة لبناء مجتمع معرفي حقيقي، بعد أن نرفع منها كل المتناقضات التي تعرقل تقدمنا وتطورنا من أجل بناء أنموذج للإنسان العربي في مختلف بلدانه، من أجل المساواة والحرية والكرامة .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

........................   

الهوامش

1- فوكوياما، فرانسيس: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د فؤاد شاهين وأخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993.ص189، ص190

 

 

عبد العزيز قريشفي قراءتي لورقة أستاذنا الجليل والكبير الدكتور عبد السلام بنعبد العالي الموسومة ب " غش أم أسلوب احتجاج؟ "[1] عشت الحنين إلى قيم الماضي التي افتقدناها هذه الأيام نتيجة تغيرات في اجتماعية المجتمع، الذي يعيش تحولات عميقة في مناحي الحياة المتنوعة، تتبدل في خضمها القيم وتنمحي فيها الأخلاق التي اعتدناها نحن جيل الخمسينات والستينات، وتتجدد فيها التقاليد والأعراف بتجدد معطى الحياة المادي والثقافي، الذي لم نعد فيه؛ نجد الأجوبة الشافية لما يحدث، مما تبقى معه الأسئلة الحارقة تعتلي الشفاه، منتظمة في نسق يطلب بحثا ذا أبعاد متشعبة من السياسي إلى الثقافي، إلى الاجتماعي، إلى الاقتصادي، إلى الفكري، إلى التعليمي، إلى العقائدي، إلى الإيديولوجي إلى التكنولوجي المعلوماتي ...

فمشكل الغش لم يعد مشكلا أخلاقيا أو قيميا اجتماعيا لأن المجتمع منخرط أغلبه في الغش بصور مختلفة، وتحت مسميات متعددة " الرشوة، القهوة، القرابة والإثنية، الصداقة، الحزبية، سرقة المال العام ... "، وأصبح الغش ثقافة سائدة في المجتمع لا ينكره إلا المتضرر ولماما. يتمظهر بمظاهر متنوعة، منها الصريح ومنها الرمزي. فالرشوة وعدم تكافؤ الفرص والظلم وغياب العدالة الاجتماعية والقانونية، وغياب المساءلة والمحاسبة،  وتوسع الفوارق الاجتماعيّة وغيرها، كلها وجوه صريحة للغش الذي لا يتحدد فقط بالغش في الامتحانات ومختلفها بما فيها امتحانات الأساتذة، وإنما يحمل مفهوما واسعا ليعبر عن مرض اجتماعي عضال، يطلب دراسة سيكولوجية وسوسيولوجية معمقة لاكتشاف خباياه بما فيها عائده السلبي على تماسك المجتمع ولحمته فضلا عن العلاقات البينية بين أفراده التي تشنج وتحقن بأمراض نفسية واجتماعية وفكرية وثقافية قاتلة، خاصة تحت سقف الشعبوية التي نعيشها بكثافة، وتحت سقف سيادة الغوغائية وتوحش الفوضى في عالم الأمية بألوانها المختلفة، إلى نتيجته الخطيرة على المواطنة وحب الوطن وفقدان الثقة في المؤسسات الرسمية ... وأما المحاباة في اعتلاء المناصب والتوظيفات والمسؤوليات، وفي الاستفادة من بعض الحقوق، وعدم احترام الترتيب " النوبة " في تحصيل خدمة من مؤسسة رسمية، وبعض معطيات الكتب المدرسية التي تذكي مناطق التمييز بين الرجل والمرأة أو بين الحضر والبدو أو بين الغني والفقير ... وتكرس الأمثال الشعبية العنصرية المدفونة في التراث من قبيل " أخوك في الحرفة عدوك " و " اللحية لا تحمل اللحية إلا إلى القبر " والتي تهدم في وجهها الخفي أو ماوراء دلالتها السطحية قيما جوهرية وجليلة من قبيل قيم التعاون والتشارك والحب والتكافل الاجتماعي، والصور والرسومات التي تدل على هذا التمييز في المجتمع، والوقائع المعيشة لهذه التمظهرات عند صورنتها ورفعها من الحسي إلى المجرد تشكل كلها تمظهرات رمزية للغش. لذا؛ لم يعد الغش في المجتمع قيمة سلبية! ومحاربته قانونيا تتم نتيجة لما يصحبه من العنف عند استنكاره لأنه أصبح حقا مكتسبا تخاض دونه المعارك الحامية، ما يستوجب التدخل. وأما الغش الناعم فيمر مر الكرام ومقبول اجتماعيا لأنه يفي بغرض الغاش. لذا؛ لا يمكن الحديث عن الغش إلا في ظل التغيرات التي يشهدها المجتمع في إطار العولمة بما تعني من تفاعلات بين الشعوب والأمم، والتأثيرات الناعمة القائمة في التحولات المجتمعية، خاصة تلك التأثيرات التي تفضي إلى تبني هويات مزيفة أو تفضي إلى الاستيلاب، الذي يفقد معه المجتمع حصانته ومناعته الذاتية، ويفقد هويته الحقيقية، ويصبح أمعة تتقاذفه جميع التيارات الفكرية والثقافية والإيديولوجية ... ولا محل هنا لتبرير هذا الفقدان بالتفاعل الحضاري أو الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي وغيره. لأن الهوية المائعة ليست هوية، والوجود المائع لا جود.

ضمن إباحية الغش اجتماعيا عند شرائح عريضة من المجتمع، يمكن إحالة ذلك إلى تغيرات تقع في المجتمع، التي أصبحت معها القيم الاجتماعية النبيلة، والسلوك الاجتماعي المسؤول والمنضبط، والثقافة الاجتماعية الصحيحة تنحو نحو القيمة السلبية التداولية في المجتمع نتيجة تطورات في:

ـ مفهوم القيم: في ظل الترجمة السيئة لقيم الليبرالية والحداثة عندنا، وفي ظل العولمة المتوحشة والرأسمالية الجشعة والقوى الاقتصادية الكبرى ذات النزعة الفردانية، والمصالح الخاصة، والنفع الفردي المتبلد الذي تطغى عليه جلب المنافع الفردية والشخصية دون الاكتراث للمصالح العامة التي تهم المجتمع وأفراده؛ طغت الثقافة الفردانية على أفراد المجتمع، فأصبح الفرد منعزلا في ذاته ورؤيته لعالمه ولمجتمعه، حيث طغى فيه البعد الفردي البراغماتي، ولم تعد تلك القيم الاجتماعية التي تشكل حصانة انتمائه إلى الجماعة الإنسانية قنوات لوجوديته الاجتماعية والاعتبارية داخل المجتمع، والضامنة لمكانته وموقعه الاجتماعي تبعا لمعطاه الفردي، فأضحت عنده مكبحا مانعا لتحقيق منافعه الخاصة، ما أصبح معه ينظر إليها نظرة سلبية لأنها تقف حاجزا أمام تحقيق منافعه الخاصة. وينعتها بشتى النعوت السلبية حتى تفقد قيمتها الإيجابية التداولية في سوق القيم، فيشحنها بالشحنة السالبة فتحملها وتصير متداولة في سوق القيم انطلاقا من نفعيتها له، ولفردانيته. فمثلا: الرشوة كغش لها نفعية وبراغماتية لأطرافها. فالراشي يحصل خدمة والمرتشي يحصل منفعة مادية أو مالية أو خدمة مقابل خدمة الراشي. والمتضرر فيها هو قيمة المجال التي تمت فيه؛ فإن كانت قاعدة قانونية أو نصا قانونيا أو إجراء قانونيا أو قيما أخلاقية هي التي تتكسر وتفقد قيمتها الحقيقية، ومع المدة تنمحي عن مجال الرشوة تلك القيمة فلا تعود له قيمة تذكر. فتصبح الرشوة قيمة إيجابية في مجتمع الرشوة بعيدا عن عوائدها السلبية على ذلك المجتمع، ولا أحد فيه يستنكر الرشوة، ومن يفعل ذلك يكون شاذا ونشازا!

فالقيم الاجتماعية التي تمثل المقاييس والمعايير والاحكام الناظمة للسلوك الاجتماعي في المجتمع تتغير وفق الفلسفة والتفكير الإنساني في المجتمعات، ووفق ظروف وحاجات المجتمع، ووفق عقيدته وإيديولوجيته، ووفق المقدس وغير المقدس عنده. لذا؛ فالقيم، لم تعد بذلك الثبات النسبي الذي كنا نعتقده فيها، وإنما تتبدل وتتغير تبعا لتفكير الافراد وثقافتهم ورؤيتهم للمواضيع العامة المحددة للبراديغم الاجتماعي والثقافي الذي يعين مجموع القيم الإيجابية والسلبية في المجتمع. فصارت تلك القيم في مجتمعنا ـ وفي ظل ثقافة الوصولية والانتهازية، والكسل والخمول، والربح السريع، والريع، وحرق درجات السلم الاجتماعي تسلقا، والسيطرة، والثقافة الشعبوية الأمية، والفكر الواهم والمغالط، والفردانية، والتسلط، وضعف دور المؤسسات المجتمعية الرسمية والمدنية " الأسرة، المدرسة، الإعلام، الشارع، منظومة التشريع والقانون ... "، هشاشة البناء الاجتماعي، ضعف العدالة الاجتماعية، الغبن الاجتماعي، تبلد البعد الإنساني في الأفراد ... ـ تتغير إلى قيم سلبية تحاصر الأفراد ولا تحقق حاجاتهم بسرعة وبدون جهد أو عمل. والغش في الامتحان وجه من وجوه تلك القيم السلبية التي تبدلت إلى قيمة إيجابية تحت شعار " من نقل انتقل ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه "، فأضحت تحقق المنافع والمصالح الفردية دون تعب أو جهد أو مذاكرة أو حفظ ... فلما لا تصبح قيمة إيجابية في ظل ثقافة خبزية مهترئة، وضعف الوازع الديني والأخلاقي، وضعف الزجر القانوني، والخوف من ردات الفعل، والضعف الإنساني الهزيل؟

ـ انحصار دور المؤسسات السياسية في تأطير المواطنين: للمؤسسات السياسية بما فيها الأحزاب دور أساسي في تربية المواطنين وتنشئتهم على القيم والأخلاق الحميدة، ونشر قيم المواطنة ودولة الحداثة، وقيم دولة الحقوق والواجبات والعدالة الاجتماعية، وقيم الدولة الديمقراطية ... فلم تعد تؤطر المواطنين بالقيم الإيجابية، وتخلت عن دورها الأساسي في توعية المواطنين وتربيتهم على المواطنة وقيمها، وعلى احترام القانون والحقوق والواجبات والحرية والعدالة. فصارت هي جزء من مشكلة منظومة القيم نتيجة ما تعيشه من اختلالات كبرى داخليا تشي بغياب تلك القيم عنها، وعن ممارستها الداخلية وحتى الخارجية. فالخروقات التي تتم لقوانينها التأسيسية والداخلية، والانشقاقات، والمشهد السياسي في المؤسسات المنتخبة تعبير صارخ عن مأزومية هذه الأحزاب التي تنعكس سلبا على منظومة القيم في المجتمع. فعندما نجد الأب والأم والابن وابن الابن ورثة قيادة الأحزاب، وورثة المؤسسات المنتخبة، ووجوه دائمة خالدة، وزعامة أبدية للحزب تنتهي بالموت الحتمي، وتورث سلالتها أو اثنيتها أو صحبتها أو مقربيها الزعامة. وتقصي كل مناوش أو معارض من الزعامة وربما يطرد شر طرد أو حين نجد المؤتمرات الحزبية في خفائها الهراوات، وفي واجهاتها التشنجات والصدامات والحرب الباردة على الزعامة، والحشد بناء على معطيات لا تصل للفكر ولا للثقافة ولا للكفاءة ولا للموضوعية ولا للإيديولوجية ولا للحوار بصلة، وإنما الزعامة على طريقة العصبية القبلية والعصبية الاقتصادية، وعلى ناتج الفقر والجهل واستغلال النفوذ، وما جاور هذه الموبقات من غياب البرامج والإيديولوجيات والثقافة الحزبية وقيم الحزب وتطلعاته ومنجزاته وتاريخه، التي كانت مصدر الانتماء للأحزاب، فأصبحت هذه الأحزاب تستقطب كل من يطمح إلى اتخاذها وسيلة وواسطة لتحقيق مآربه وأغراضه بالدرجة الأولى. ولعل المشهد السياسي كل يوم يعتريه حدث يعرب عن أزمة الصالح العام في المؤسسة السياسية.

فقد انحصر دور الأحزاب السياسية في التربية والتأطير في منظومة القيم نتيجة انشغالها بمصالحها الخاصة، وتطاحن وتشاحن أعضائها، وتنابزهم بالألقاب، بل؛ ورفع قضايا طعن في شرعيتهم أمام المحاكم، وبعد أغلبهم عن المواطنين وعن خدمتهم، وغير ذلك من صور المشاهد في الحقل السياسي التي تضعف قيمة ودور الأحزاب السياسية في مجاله. وتكون صورة سلبية عنها؛ فعندما ينبز قائد حزبي قائدا آخر بأشنع الألفاظ التي لا تحتوي على البعد القيمي، وتشهر به في العلن بألفاظ لا تعبر عن القيم السياسية الحقيقية التي يجب أن تسود المجتمع السياسي؛ فإن المواطن لا يجد حافزا للانتماء لهذا المجتمع السياسي، ويجد المبرر لسلوك نفس النهج والطريق في حياته الخاصة والعامة. فلا يعود للحوار من قيمة ولا من تداول حقيقي في السوق السياسي. فعهدنا بالسياسيين الصدق وخدمة المواطن وتحصيل المنفعة العامة للمواطنين لا الكذب والتسويف وتضييع المنافع كما هو حاصل في الواقع المعيش عند أغلبهم. فهم؛ في أعين أغلبية المجتمع مصدر انهيار منظومة القيم في المجتمع للممارسات التي يأتيها أغلبهم في التعاطي مع الشأن العام، حين الاستغناء بالمال العام، وحصر المنافع على طبقة اجتماعية معينة دون باقي الطبقات الأخرى، ومناهضة الثقافة التحررية بدعاو شتى، بما فيها وصفها بالانحلال والفوضى والتبعية والخيانة، وتبرير الإجراءات السالبة للمكتسبات ... وعليه، فدور الأحزاب السياسية في منظومة القيم لم يعد كما كان في السابق؛ حين كانت هذه الأحزاب مدارس في الوطنية والمواطنة، وفي الفكر، وفي التضامن، وفي القيم ... حين كانت أطرها أول من يقدم القدوة في التضحية والدفاع عن القيم النبيلة، ومحاربة القيم السلبية. والتاريخ يشهد لبعضها بعظم العطاء الوطني الذي منحته للمجتمع. ويحفظ لها القيام بواجبها، ويعتبره جميلا لا يمكن نكرانه أو نكر شكره والإشادة به في كل محفل.

ـ مأزومية منظومة التربية والتكوين في مجال القيم: تشكل منظومة التربية والتكوين الحاضن الرئيس لمنظومة القيم تنظيرا وتعليما وممارسة بعد الأسرة والإعلام، فهي مؤسسة رسمية منوط بها تربية النشء على القيم والأخلاق الحميدة، ونشر ثقافة المواطنة وقيم الدولة الحداثية فضلا عن تدريس الدين ببعده القيمي. لكن هذه المنظومة مأزومة، تعاني جملة من المشاكل، الأمر الذي ما عادت معه تؤدي وظيفتها التعليمية والتربوية في مجال القيم. حيث سجل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مأزومية منظومة القيم في التربية والتكوين بقوله: ( مع أهمية المكتسبات التي حققتها المدرسة المغربية في مجال التربية على القيم، فإن الواقع يكشف جملة من الصعوبات والاختلالات، أهمها: العمل ببرامج متعددة ومختلفة تفتقر إلى التنسيق وإلى اعتماد مقاربات إدماجية قائمة على ترصيد المكتسبات؛ محدودية الملاءمة المنتظمة لأغلب المضامين والوثائق المرجعية المقدمة للمتعلمين/ات، مع المستجدات التشريعية والمؤسساتية والمعرفية الحاصلة في البلاد وفي الصعيد العالمي؛ إذ غالبا ما تتأخر المراجعات الضرورية للمقررات والمضامين الدراسية، التي تتم بشكل موسمي؛ التفاوت بين أهداف البرنامج الدراسي وواقع الممارسة التربوية في المدرسة، حيث يتم اختزالها في مجرد مادة دراسية، ونادرا ما يتم توظيفها في العلاقات الصفية والحياة المدرسية وسلوكات المتعلمين/ات عموما؛ التعارض وضعف الانسجام بين القيم والمبادئ التي تتمحور حولها المواد الدراسية ذات الصلة المباشرة بالقيم، وبين المضامين الصريحة والمضمرة في مواد أخرى؛ مما يودي إلى تضارب في التمثلات واتجاهات السلوك لدى المتعلم/ة؛ محدودية نجاعة الطرق التربوية المعتمدة، بسبب هيمنة ممارسات تعليمية غير ملائمة لأهداف التربية على القيم ولتنمية القدرات العملية وأهداف بناء الذات، ولا سيما التركيز على شحن المتعلمين/ات بالمعلومات، واتسام العلاقة البيداغوجية أحيانا بالسلطوية والعنف؛ عدم انتظام تكوين الفاعلين/ات التربويين/ات في التربية على القيم، إذ غالبا ما يتسم بالطابع الظرفي والموسمي؛ ندرة الشراكات بين المدرسة وبين المحيط فيما يتعلق ببرامج وأنشطة التربية على القيم. إلى جانب ذلك، سجلت تقارير مؤسساتية وطنية نتائج بعض مظاهر التعثر داخل المدرسة على مستوى تمثل القيم المدرسية واكتسابها لدى المتعلمين/ات، وكذا على مستوى التقييمات الاجتماعية لوظيفة المدرسة في التكوين والتأهيل والتربية القيمية. وعلى سبيل المثال، أكد التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن عدم تمكن المدرسة المغربية من التغلب على الهدر المدرسي له تداعيات سلبية، من أهمها: تنامي معدلات الإقصاء في أوساط اليافعين والشباب مقابل ضعف الاندماج المدرسي والاجتماعي؛ ارتفاع الأمية بأشكالها المختلفة، وتوسع دائرة الانغلاق الثقافي. وهي ظواهر تتعارض موضوعيا مع المجهودات المبذولة لتحديث البلاد؛ تزايد مظاهر الانحراف الاجتماعي والسلوكات اللامدنية، والتطرف...؛ ازدياد صعوبات الاندماج المهني وفي الحياة العامة. ومن المؤكد، أن هذه المعطيات والمؤشرات السلبية حول الهدر المدرسي لا تساعد المغرب على كسب الرهانات الكبرى التي انخرط فيها، بحكم أن المنظومة التعليمية، على اختلاف مستوياتها، تواجه صعوبات كبرى في تمكين كل الأطفال واليافعين من اكتساب تعليم أساسي نوعي، وفي تربيتهم على القيم المجتمعية المشتركة )[2].

وأخطر هذه الصعوبات والاختلالات على مصداقية منظومة القيم هي مفارقة السلوك للقيم التي تدعو إليها المنظومة التربوية والتكوينيةـ حيث يعيش المتعلم مفارقة ما بين ما تعلمه وما يمارسه في واقعه المدرسي انطلاقا من كون المدرسة مؤسسة اجتماعية ومجتمع صغير يتأثر بما هو قائم في المجتمع الكبير، الذي يحيى التناقض الصارخ بين ما يدعيه من قيم، وما يأتيه من سلوك مناف لدعواه.  فالغش يمارس في المجتمع من قبل أغلب أفراده. فلا غرو أن يمارسه التلميذ وبعض الأساتذة والأستاذات في امتحان الترقية، وفي التوظيف، وفي المباريات ... فالمؤسسة التعليمية وكيل منظومة التربية والتكوين تدعي في تنظيرها القيمي والأخلاقي أن الغش قيمة سلبية ومحرم قانونا وشرعا واجتماعيا بينما نجده يسود بين بعض مكوناتها في تنقيط المتعلمين، وفي أداء الواجب من حيث عدم احترام الزمن المدرسي، ومتابعة الدراسة الجامعية على حساب الزمن المدرسي، وعدم الاهتمام بالتدريس، وفي تقويم هيئة التدريس، وفي تحمل مناصب المسؤولية .... وعليه نجد لا قيمة تداولية ولا اعتبارية للقيم التي تدرسها المدرسة. وبالتالي تفقد القيم سلطتها العملية والمعنوية والأخلاقية على المتعلمين، وتصبح ألفاظا لا دلالة لها اجتماعيا، ما يبرر وجود قيم مخالفة لقيمها. فمثلا: قيمة الصدق الذي تدعو إليه المدرسة يفقد مضمونه الأخلاقي والاجتماعي والتشريعي، ونفعيته عندما لا يحصل به الفرد/ المتعلم مصالحه، ويحقق به حاجاته، بينما يحقق بالكذب ما لا يحققه بالصدق. فيصير الكذب قيمة إيجابية لها تداولية في المجتمع بينما يصير في مقابله الصدق قيمة سلبية وينحصر تداوله في المجتمع.

وأما بخصوص الغش في الامتحانات بما يشير إلى أن المتعلمين لم ( يعودوا يرون في العملية التعليمية ذاتها قيمة ينبغي احترامها. على هذا النحو يبدو استسهال اللجوء إلى أساليب الغش نوعا من الاحتجاج يوجهه المتعلم إلى أساليب التدريس التي تنقل بها المعارف وربما إلى مضامين الثقافة المتناقلة ذاتها. فربما لم يعد متعلمونا يجدون أنفسهم في هذه الثقافة، ولعلهم لا يتعرفون فيها إلى ذواتهم، ولا يجدون فيها أجوبة عن الأسئلة الحقيقية التي تعينهم، والتي ما يفتأ واقعهم اليومي يطرحها )[3]. حقيقة تنبع من واقع المنظومة التربوية والتكوينية، التي تجد جذورها في التنظير والتطبيق لهذه المنظومة. فانطلاقا من الممارسة الميدانية والبحث التربوي، ألفيت صدقية ومصداقية هذه الرؤية تتجلى في النظرية الموسوعية التي تؤطر الفعل التعليمي التعلمي، المبأرة على مركزية تلقين المعارف والمعلومات والأنشطة التعليمية التعلمية لا على المتعلم، والتي تستهدف تمكين المتعلم من أكبر قدر ممكن من المعلومات، بمعنى تعتمد على شحن عقل المتعلم بالمعلومات، وتعتمد في التقويم على مركزية المعلومة من حيث لا تهتم بالمتعلم بقدر ما تهتم بالكم المعلوماتي والمعرفي الذي يحتويه رأسه ويمتلئ به دماغه، ومدى استظهاره وإعادته من جديد إلى مصدره. فهي لا تهتم بالكفايات ولا بالمهارات ولا بالقدرات ولا بأنواع التفكير ومهاراته، وإنما تهتم بالمعلومة. وبطبيعتها هذه يأتي التقويم في المعلومة لا في المسلكيات والمنهجيات والكفايات والمهارات والقدرات. ومن طبيعة أجيال اليوم؛ الطريق الأسهل لتعبئة المعلومات والمعارف والحقائق العلمية هو الغش، فهو أقل تكلفة طاقة، وأقل جهد عقليا، وأقرب وسيلة لتحصيل النتيجة. فطبيعة التقويم " الامتحان " تتبع لطبيعة النظرية المؤطرة للفعل التعليمي التعلمي، ولطبيعة فلسفته. وبالتالي طبيعة التقويم تستجلب طبيعة الوسيلة وطريقة الإجابة. فلا أستغرب في ظل هذا المعطى من الغش، لأن الفعل التعليمي التعلمي يستجلبه. وأما إذا كانت النظرية المؤطرة تركز على المهارات والقدرات والكفايات، وعلى كفيات الاشتغال على مجال الاختبار بمعنى التركيز على المنهجيات، فتكون طبيعة التقويم من طينة أخرى، تصبح فيها وثائق الغش مراجع في الإجابة، يمتحن المتعلم في كيفية استثمارها والاستفادة منها والتعامل معها في مقاربة موضوع الامتحان مع تقويم منهجية اشتغاله عليه، بما يكشف عن كفاياته ومهاراته وقدراته التعلمية، وتكون المعلومة وسيط ووسيلة وحامل لا غاية في حد ذاتها. لذا نجد طبيعة الامتحانات تقليدية ومتوارثة، العنصر التمييزي بينها هو المعلومات المتضمنة فيها. أما الجوهر فهو هو منذ الاستقلال، ولعل دراسة مقارنة تصادق على ذلك. فعندما تتحول طبيعة المنظومة التربوية والتكوينية تتحول طبيعة الامتحانات. وعليه؛ يجب مراجعة الأطر النظرية والنماذج المؤطرة للفعل التعليمي التعلمي إذا أردنا الحد من الغش في الحقل التعليمي.

ـ مأزومية الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في مجال القيم: لم يعد الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مهتما بمنظومة القيم التي يمررها إلى المجتمع بين ثنايا الأخبار، ويستهدفها في بعض الأحيان بالتحليل والمقاربة لأجل التوعية وتكوين الرأي العام على القيم الإيجابية؛ بقدر ما يهتم بالخبر نفسه. ولم يعد يغربل الأخبار الحاملة للقيم السلبية التي تشكل محاضن ناعمة لهذه القيم؛ وإنما تمر معه القيم مر الكرام. وفي بعض الأحيان تنشر المادة الإعلامية دون التعليق عليها أو تحليلها، وتتعامل معها كخبر وجب الإعلام به ونشره. وفي كثير من الأوقات تصبح هي مورد للقيم السلبية حين تصبح أدوات في حرب إعلامية أو فكرية أو إيديولوجية أو أخلاقية ... وما التطرف ببعيد عنا مثالا على الدور السلبي لهذه الوسائل في نشره بكل صيغه، وإذكاء الشحناء بين المذهبيات والطوائف والإثنيات والشعوب والدول. فما هي القيم الإيجابية التي تنشر في هذه الحالة؟ إنها قيم هدامة لصرح الإنسانية والتعايش السلمي الإنساني! فالمتعلم الذي يشاهد مشاهد العنف أو يقرأ نصوص العنف في غياب وجود تعليقات عليها أو تحليلها أو الحكم عليها يعتقد أنها الصواب في ظل معطاه السيكولوجي والاجتماعي والتربوي والعقلي غير الناضج، غير المتحكم بآليات إصدار الأحكام على المواضيع والأشياء والأفعال والنظريات والنماذج، واعتقاده أن ذلك هو السلوك الذي يجب الاقتداء به؛ ما ينشر العنف في المجتمع والمجتمع المدرسي ويزكي ثقافته. فيصبح العنف ممارسة وسلوكا وقيمة إيجابية لديه ولدى المجتمع. ونحن نشهد أحداث العنف في الشارع العام، وقليلا ما نتدخل أو نستنكر ذلك خوفا من رد فعل الفاعل، وأصبح مع ذلك الاحجام عن التدخل ثقافة وسلوكا عاديا في المجتمع تمارسه أغلبية أفراده!. وهكذا؛ يلعب الإعلام وأدواته ومرادفاته التواصلية دورا سلبيا في منظومة القيم، إما بنشر المشاهد والمواضيع العنيفة والقاسية، وإما بنشر مشاهد ومواضيع الانحلال الخلقي بدعاوي شتى؛ منها حرية التعبير، والشؤون الشخصية، والسبق الإعلامي ... في غياب تحديد المسؤولية والضوابط الأخلاقية للمهنة. كما أن تعاطيه مع تحليل الظواهر الاجتماعية يكون سطحيا وضمن الكلام العام لا ضمن دراسات علمية يستفيد منها المجتمع ... وهكذا تبقى الظواهر الاجتماعية والأحداث اليومية والمادة الإعلامية مصدرا لبعض القيم السلبية في المجتمع، ترسخها دون دراية منها. والدراسات التي همت أثر مشاهد العنف في التلفاز على الأطفال دليل على سلبية دور الإعلام في محاربة العنف.

والإعلام ومرادفاته التواصلية تنشر الثقافة الشعبوية المليئة بالمغالطات المنطقية وغير المنطقية، وبالكلام العام، وتثري الحماس الشعبوي في المجتمع دون أن تساهم بفعالية في نشر الثقافة الرصينة كما كانت. فنظرة خاطفة إلى ملحقاتها التربوية والثقافية والسياسية قليلا ما تقوم على دراسات علمية وتحليلات صارمة ورزان ورصان، ومقولات مستنيرة، حتى النقد يكون محتشما، وفيه من المجاملات ما لا يدخل إلى العمق بالتحليل والتشريح وقول الحقيقة. فتجد فيها أخبارا أكثر من المادة التربوية أو الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية ... والحالة هذه؛ من أين سيتشرب القارئ الفكر المستنير والقيم الإيجابية، ويمتلك أدوات التفكير العلمي والمنطقي والنقدي والإبداعي، ما يسمح له بالدخول في التحليل والنقد والحكم على المواضيع العامة الرائجة في المجتمع، والمتحكمة فيه وفي رأيه العام، وتشكيل ثقافة مجتمعية هوية للمجتمع؟ فأنا له ذلك؟ فالثقافة الشعبوية ستغطي مساحة كبيرة من تفكيره مع تشكيل معجمه الثقافي ورصيده اللغوي المتحكم في نقاشاته وتداولاته ومرافعاته في تلك المواضيع. وغالبا ما يركب الإعلام على الأحداث المثيرة قصد الربح من خلال زيادة المبيعات دون الاهتمام بآثار تلك الأحداث على أفراد المجتمع!

ويصير القول في الأخير إلى أن القيم السلبية بما فيها الغش تعمل على ضياع الحقوق ونشر الفساد في المجتمع ومن تمة انحلال الروابط الاجتماعية بين أفراده، مما يؤدي بالضرورة إلى هشاشة تماسكه، ويقع انهياره بأبسط فتيل اشتعال. وما الفتن والحروب الواقعة في المجتمعات إلا دليل على انهيار منظومة القيم، وضعف الانتماء إلى الأوطان، وتغول الثقافة الفردانية التي تضخم الفرد على حساب الجماعة، وتبخس القيم الجماعية المشتركة والمصالح العامة مقابل تحقيق مآرب ومصالح الأفراد ولو على حساب حقوق الآخرين. لذا؛ يجب مراجعة منظومة القيم ومداخلها التعليمية والتربوية والفكرية والثقافية والدينية والإيديولوجية لتحرير الإنسان من عبودية الذات وشرنقة الأنا ومن بعدي الطوفان.

 

عبد العزيز قريش

.......................

المراجع:

ـ د. عبد السلام بنعبد العالي، غش أم أسلوب احتجاج؟، الدوحة، شتنبر 2017، عدد 119.

ـ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرباط، المغرب، تقرير رقم1/17، يناير 2017.

[1]  الدوحة، شتنبر 2017، عدد 119، صص.: 66 ـ 67.

[2]  المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التربية على القيم بالمنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرباط، المغرب، تقرير رقم1/17، يناير 2017، صص.:9 ـ 10.

[3]  د. عبد السلام بنعبد العالي، غش أم أسلوب احتجاج؟، الدوحة، مرجع سابق، صص.: 66 ـ 67.

 

 

عصمت نصارلم تقف جهود تلاميذ محمد عبده عند إصلاح الأزهر، ولا عند غرس المباحث الفلسفية والدراسات المنطقية والكتب النقدية في معارفه - تلك التي تعمل على توعية الأذهان وتوجيه العقول إلى التأليف والإبداع عوضاً عن الشروح والحواشي - بل تجاوزت ذلك إلى تأهيل الرأي العام لقبول الوجهة العقلية والنزعة الفلسفية؛ لتكون النقطة المركزية التي ينطلق منها مشروعهم الحضاري، وربط ذلك بآليات تجديد الخطاب الديني.

وقد حمل الشيخ مصطفى عبدالرازق ورفاقه - كما بيّنا - راية الجهاد والاستنارة ليس في الأزهر وحده؛ بل في حلقات التثقيف والصالونات الأدبية التي ظهرت في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.

ولعلَّ أشهرها صالون نازلي فاضل، وصالون الجريدة الذي كان يعقده أحمد لطفي السيد (1872م-1963م)، وصالون المقتطف، ثم صالون الأديبة مي زيادة، وكان جميعها من أثرى المنابر الفكرية وأحرصها على نشر المعارف الفلسفيّة في العالم العربي الإسلامي آنذاك.

وقد واصل تلاميذ الإمام هذه النِحلة؛ وذلك بعقدهم حلقة الشيخ أحمد أبو خطوة (1852م-1906م) الذي أجتمع حوله المئات لمتابعة دروس الفلسفة وعلم الكلام والتصوف العملي، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق من أكثر رواد هذه الحلقة إذكاءً لسنة الإمام؛ لفتح باب الحوار بين المستمعين وصاحب الخطاب، وذلك لتبادل الرأي ومناقشة المصطلحات والمفاهيم والرؤى والملابسات واصطناع الأسلوب النقدي الذي يرمي إلى إحياء التفكير الناقد في دراسة الفلسفة.

وقد تولى الشيخ مصطفى عبدالرازق رئاسة الحلقة بعد وفاة الشيخ أبو خطوة، وذلك عقب تشكيله الجمعية الأزهرية عام 1908م. تلك الحلقة التي أضحت خير ممثل لطليعة الشباب المؤيد لإصلاحات الإمام محمد عبده، والمطبق لمنهجه في البحث والدرس والتجديد في العلوم الإسلامية؛ استناداً على المنهج العقلي في التأويل، والمقاصد الشرعية في التطبيق. وقد انتشرت أخبار هذه الحلقة ولاسيما بعد تعيين الشيخ مصطفى عبدالرازق في مدرسة القضاء الشرعي وإقبال أواسط المثقفين على قراءة مقالاته في مجلة الجريدة، ثم مجلات السفور والسياسة الأسبوعية والمقتطف والهلال. وذلك عقب عودته من باريس - التي قضى فيها ست سنوات (1909-1915م)، تلك التي درس في جامعاتها تاريخ الفلسفة والأدب الفرنسي وعلم الاجتماع؛ ذلك فضلاً عن فن الترجمة، وخطوات تطبيق المنهج المقارن بين الاتجاهات والمذاهب، وقواعد تحليل النصوص والآليات الحديثة لتحقيق التراث، ثم فقه الإمام الشافعي والليث بن سعد، وغير ذلك من الكتابات النقدية العقلية التي أتاحت له الرد على غلاة المستشرقين والتصاول معهم بأسلوب هادئ يخلو من القدح والعنت والمغالطات والتعصب والاستناد إلى النظريات والرؤى والأكاذيب التي تفتقر إلى الدقة والموضوعية؛ الأمر الذي أغضب عليه الجامدون من شيوخ الأزهر؛ وسيما بعد استئنافه الحلقات الفلسفية التي كان يعقدها في بيته ومناقشته فيها لعديد من القضايا العقدية والأخلاقية والاجتماعية وتجديد الخطاب الديني، ودور الأزهر في الإصلاح، ومحاربة الفرق الضالة.

وفي عام 1920م؛ توسّع في نشر المعارف الفلسفية أثناء عمله بالجمعية الخيرية الإسلامية - بجانب عمله في التفتيش عن المحاكم الشرعية بالأزهر- والندوات التي كان يعقدها عن مشروع الأستاذ الإمام وخطته النهضوية، وذلك استكمالاً للمحاضرات التي كان يُلقيها في جامعة الشعب. وفي هذه الآونة راح ورفاقه من تلاميذ الأستاذ الإمام وأكابر المثقفين وأصحاب الأقلام المهتمين بالفلسفة، ونشر معارفها في الرأي العام مثل أسعد الشدودي (1826م-1906م)، وأحمد فتحي زغلول (1863م -1914م) - وهو من أوائل مترجمي الكتب الفلسفية ذات الصلة بالمشروع الحضاري- وسعد زغلول (1868م-1927م)، وطنطاوي جوهري (1870م-1940م)، وحنا خباز (1871م-1955م)، وأحمد لطفي السيد، وأمين واصف بك (1876م-1928م)، ومحمد الأحمدي الظواهري، وأحمد عبده خير الدين (1883م-1938م)، وإبراهيم رمزي (1884م-1949م)، من أوائل مترجمي الكتب الفلسفية - ومحب الدين الخطيب (1886م-1969م) صاحب المكتبة السلفية وأحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، ويُرد إليه نشر أوائل الكتب الفلسفية الصوفية، وسيما كتب الفارابي وابن سينا، ومحمد لطفي جمعة (1886م-1953م)، من أوائل المثقفين المعنيين بقضايا الفلسفة والتنوير، وأحمد أمين (1886م-1954م)، ومنصور فهمي (1886م-1959م)، ومحمد حسين هيكل (1888م-1956م)، وإسماعيل مظهر (1891م-1962م)، وأبو العلا عفيفي (1897م-1966م)، وإبراهيم مدكور (1902م-1996م)، ومحمود أبو الفيض المنوفي (وهو من أكابر كُتاب التصوف في الصحافة المصرية)، ومحمد مختار يونس وسلطان بك محمد (أستاذ الفلسفة والأخلاق بمعهد المعلمين والجامعة الأهليّة بالقاهرة)، وحنا اسعد فهمي، ومحمد على مصطفى، وحسن حسين، وإبراهيم اللبان، وعبده فراج، وغيرهم من أعلام الفكر والأدب، ومنهم أساتذة دار العلوم (الذين تتلمذوا على محاضرات الأستاذ الإمام عن تاريخ ابن خلدون وفلسفته عام 1879م، ودرسوا المنطق لأول مرة في عام 1887م، ثم التوحيد والحكمة العملية في عام 1890م، ثم علم الأخلاق في عام 1897م، ثم تاريخ الفلسفة في عام 1924م)، ومدرسة المعلمين العليا (التي كان يدرس فيها فلسفة التربية والأخلاق)، وأساتذة الجامعة الأمريكية، وأعلام ومترجمي الكتب التراثية الفلسفية، ورواد إحياء نظريات الفلاسفة ومناقبهم في مصر والعالم العربي يناقشون بجدية وبتخطيط علمي كيفية إدراج المعارف الفلسفية، ضمن المعارف العلمية في المدارس المصرية التي شرع سعد زغلول ورفاقه في تطبيقها منذ عام 1907م.

وقد حال بينه وبين ما أراد أمران أولهما: عدم وجود كتب فلسفية مُعَدّة لهذا الأمر من الناحية الفنية، أي تحوي برنامجاً موجزاً عن تاريخ الفلسفة ومميزاتها وأهميتها للفرد والمجتمع، ودورها في المشروع الحضاري، وفهم الدين، وتهيئة العقول للدراسات النقدية لطلاب المرحلة الثانوية.

وثانيهما: توفير عدد كبير من المدرسين المؤهلين للقيام بتدريس الأخلاق والفلسفة والمنطق في القسم الأدبي من المرحلة الثانوية، وتأهيل الطلاب الراغبين في التوسّع في دراستها في الجامعات الأوروبية، أو في الجامعة المصرية المزمع إنشائها في العام التالي.

وحسبنا أن نشير في هذا المقام إلى دقة التخطيط والتنفيذ لخطوات المشروع الحضاري الذي أضطلع به تلاميذ الأستاذ الإمام، وأعضاء الاتجاه المحافظ المستنير الذي يرد إليه فضل إحياء المشروع الفلسفي كما ذكرنا. وقد اجتمعت الآراء في إحدى حلقات الدرس بالجمعية الخيرية الإسلامية على ضرورة السير بخطى منظمة قبل تطبيق مساعي المجتمعين لإدراج المعارف الفلسفية في المدراس النظامية؛ وذلك عن طريق حَثِّ الأقلام الشابة على كتابة المقالات الفلسفية في الصحف، وتشجيع المحترفين في فن الترجمة على تعريب أمهات مبادئ الدراسات الفلسفية الغربية، وإضافة عليها ما عساه أن يكون تقصير منها في نقد بعض الحكماء الشرقيين، وتصانيف أعلام الحضارة الإسلامية؛ وذلك تمهيداً لتأليف الكتب المصرية الفلسفية عقب إنشاء قسم الفلسفة في الجامعة المصرية.

وفي نفس الوقت بذل الكثير من الجهد لإحياء العلوم العقلية، وتشجيع التأليف في الكتب المنطقية في كلية أصول الدين التي خطط لإنشائها الأستاذ الإمام (وقد تعَهّدَ بذلك الشيخ مصطفى المراغي، كما أشرنا، وهو من أكثر أعضاء الجمعية تحيزاً لهذا الأمر شأنه شأن الشيخ الأحمدي الظواهري، الذي عكف في كتابه العلم والعلماء عام 1904م على تبرأة الفلسفة من الاتهامات التي وُسمت بها من قبل العقول الجامدة التي صوّرت أن التحليلات العقلية والكتابات النقديّة تحرض على الارتياب في الدين والأوامر الشرعية. وقد طبق ما أراده الأستاذ الإمام في إصلاحاته كما بيّنا سلفاً).

وفي عام 1908م؛ أنشأت الجامعة الأهلية (جامعة القاهرة) وكان حظ المواد الفلسفية في القسم الأدبي منها موفوراً، فدرست لأول مرة الفلسفة العربية والأخلاق وتاريخ المذاهب الفلسفية، وقام بدريسها سلطان بك محمد، وطنطاوي جوهري.

 وفي عام 1914م؛ شكُلت أول لجنة لنشر باكورة الكتب الفلسفية المترجمة والمحققة والمؤلفة؛ وذلك بأقلام شبيبة المثقفين المصريين، وبإشراف أحمد أمين، ومراجعة كبار المتخصصين، ذلك فضلاً عن المقالات النقدية التي كُتبت في العديد من الصحف عن قيمتها وجودتها، ويرجع لهذه اللجنة الفضل في تشجيع وزارة المعارف على المضي في تزويد المكتبات المدرسية بالكتابات الفلسفية لأول مرة.

وفي عام 1917م؛ أنشأت جامعة الشعب على يد أحد المستشرقين السويديين، اسمه "بروزدر"، وكان همها الأكبر هو نشر المعارف الفلسفية بين الجمهور، ومناقشة القضايا الاجتماعية والفكرية بأسلوب عقلي في محاورات نقاشية مع أكابر الكتاب التنويريين.

 وفي عام 1918م؛ أدرجت مادة الأخلاق في المقررات الدراسية للمدارس الأولية والابتدائية للبنات. وقد جمعت معارفها بين التعاليم الدينية وأنفس النصائح التي وضعها العلماء والفلاسفة.

وفي عام 1919م؛ أنشأت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان ضمن برامجها الثقافية نقد الكتب الأدبية والفلسفية، وذلك بتوجيه من "تشارلز واتسون" الذي تولى الإشراف عليها، وأعلن عن أغراضها التثقيفية.

وفي عام 1925م؛ عقب انضواء الجامعة تحت مظلة وزارة المعارف؛ تشكلت العديد من اللجان من أساتذة الجامعة، والقائمين على التعليم الثانوي للتنسيق بين المناهج الدراسية في مرحلة التعليم الجامعي، وما قبله. وأدرجت مادتي الأخلاق والتربية الوطنية في مقررات المدارس الإلزامية في وزارة أحمد محمد خشبة للمعارف العمومية. وفي نفس العام قررت الوزارة تدريس كتاب أصول الأخلاق تأليف (ي. دني) الذي قام بترجمته إسماعيل رمزي عام 1912م، وذلك لنشره في سائر المكتبات المدرسية؛ ليكون مرجعاً وعوناً لفهم المقررات الدراسية في هذا الميدان. وقد تعرّضت موضوعات الكتاب إلى العديد من المسائل والقضايا الأخلاقية، منها: طبيعة علم الأخلاق ومذاهبه، والتعريفات المختلفة للفضيلة والضمير والواجب.

وفي عام 1928م، في نظارة على الشمسي للمعارف العموميّة، أدرجت مادتا المنطق وعلم النفس ضمن المقررات الدراسية للصف الرابع الثانوي، وأدرجت مادتا الأخلاق والتربية الوطنية ضمن المقررات الدراسية للسنة الثالثة.

وعلى صفحات مجلة العصور نجد إسماعيل مظهر يفسّر ويبرّر إصرار الرأي العام القائد المتمثل في صفوة المثقفين على ضرورة إحياء المشروع العقلي الفلسفي في شتى أروقة ثقافتنا؛ بل في حياتنا اليومية، ما دمنا عازمين مخلصين لتطبيق مشروع نهضويّ ينقذنا من التردي والانحطاط الذي نعيش فيه تلك الأيام. ويقول في ذلك (الحقيقة أنه ليس لدينا مُثُل عليا؛ بل لدينا مُثُل سفلى، نَجدّ وراءها متناهبين حلبتها. لدينا من المُثُل السفلى ما يكفي أمة ناهضة بالفعل.

سائل نفسك: أين المُثُل؟ وأنت تعرف أنك في عصر انحطاط. وأكبر دليل على هذا أننا فهمنا الحياة على غير حقيقتها. فهمنا من المدنية أنها التمتع بظواهرها؛ حتى المرأة؛ فإنها لم تفهم من المدنية الغربية إلا أنها المخالطة الحرة والمرقص. لم تفهم المرأة عندنا أنّ للمدنية الغربية مع مراقصها وملاهيها مُثُلها العليا، تلك المُثُل التي إن فقدتها، فقدت صفة الحضارة وأنها مدنية ... إننا في عصر انحطاط، يتناول كل مرافق الحياة، وكل معايير المدنية. أما حاجتنا؛ فشديدة إلى زعماء يكشفون عن جسم هذه الأمة المسكينة كساء الباطل الذي نسجه الوهم وحاكته الزعامة السياسية؛ كسباً لعطف الجماهير وانتفاعاً بأهوائها.

ونحن في حاجة لمن يقول إننا في عصر انحطاط، وإننا في عصر انحلال تناول كل وجه من وجوه العمل للرقي الحقيقي، نحن نعمل لشهواتنا. وهذا أبعد شيء عن أن نكون عاملين على تكوين وجه صحيح من أوجه الحضارة).

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصَّار

 

 

وددت في بداية كتاباتي أن أكتب عن أهم القضايا التي تشغل بالى ألا وهي شبابنا والمستقبل، وأصبح يراودني دومًا فكرة الاهتمام بالشباب كمصدر للقوة والثروة الحقيقية داخل بلادنا ولكن للأسف يوجد نظرة تشاؤمية لدى كثيرٍ من الشباب الذين يرتدون نظارة سوداء ومرددين لأنفسهم عبارات مليئة بالإحباط أننا نحيا وسط حياةٍ تعمُها الفوضى والعشوائية حياة بلا حلم وبلا هدف والتساؤل ماذا يجب علينا تقديمه لشبابنا لاستبدال تلك النظرة السوداوية للحياة بنظرةٍ مليئةٍ بالأمل من أجل بناء الحاضر والمستقبل؟

سوف أركز على محورين في هذه المقالة لبناء شبابنا حاضر الأمة وأمل الغد وهم كالاتي:

المحور الاول التعليم:

لا أنكر أن ما دفعني لطرح التعليم كمحور هام من المحاور التي يجب التركيز عليها أثناء تناول قضية الشباب والمستقبل -وهو كذلك بالفعل-  أحد الأعمال الفلسفية التي ظلت عالقة في ذاكرتي منذ عقدين من الزمان من قارئتها مقالة "نملتان في الفلفل" للدكتور زكى نجيب محمود منشورة في كتاب شروق من الغرب وهى قصة صاحب محل كان النمل يهاجم سكره ولكى يتخلص من تلك المشكلة قرر أن يخدع النمل بأن يكتب على البطاقة الخارجية لعلبة الفلفل الأسود كلمة سكر والعكس صحيح بالنسبة لعلبة السكر وللأسف يوجد نملتان تعلمتا القراءة وفقا لنظم التعليم القائمة على الحفظ والتلقين مما ترتب عليه انخداعهما بسبب عدم قدرتهما على تفرقة الفلفل الأسود عن السكر والاكتفاء بقراءة البطاقة الخارجية لعلبة الفلفل الأسود مع أنها  بعيدة كل البعد عن مواصفات السكر  ونتيجة عدم إعمال العقل فقد ضلتا الطريق خلال السير لهدفهما . وللأسف لدينا عديد من شبابنا يسيرون في نهج حياتهم كالنملتين في الفلفل مما يقودهم الأمر إلى التخلي عن أهدافهم وأحلامهم لعدم قدرتهم على مواجهة تحديات الحياة. والتساؤل كيف نساعد أبنائنا في التخطيط لحاضرهم وكتابة مستقبلهم؟!

ومن ثم سأركز على دعوة دكتور ذكى نجيب محمود وغيره من المفكرين الذين نادوا بمحاولة التخلص من نُظم التعليم القائمة على الحفظ والتلقين إلى نظم تعليم تتناسب مع مستجدات القرن الحادي والعشرين وخاصة أننا في عصر الشبكة العنكبوتية العالمية التي تقدم لنا معلومات من جميع أنحاء العالم منها ما يكون صائب ومنها ما يكون  خاطئ فلابد من إتاحة تعليم  قائم على تنمية أسلوب ومهارات  التفكير الناقد والإبداعي بحيث يستطيع الشاب تحليل ما يقدم له من أفكار ومعلومات من أجل الوصول إلى استنتاجات ونتائج صحيحة وكذلك القدرة على حل المشكلات التي يواجهها أثناء  رحلته لتحقيق أهدافه وصناعة مستقبله وسيترتب على ذلك بناء جيل لديه القدرة على التفكير المنطقي لأن ما يقوده هو سلطان العقل والمنطق وصنع شباب لديه القدرة على التفكير خارج الصندوق .        

بالإضافة لذلك حتى نتمكن من تحقيق ما نرجو من تطوير لنظم التعليم اليوم لابد من التركيز على تطوير خبرات وإمكانيات أعضاء هيئة التدريس بمرحلتي التعليم ما قبل الجامعي والجامعي بشكل دائم على سبيلِ المثال لا الحصر إعداد كثيرٍ من الدورات التدريبية لهم على كيفية استخدام أساليب التعليم الحديث. وكذلك المشاركة في حضور الندوات والمؤتمرات لتبادل الآراء والخبرات حتى يستطيع أعضاء هيئة التدريس من تنمية القدرات الإبداعية لشبابنا في الأيام المقبلة.

وهذا ما سيقودنا إلى التطرق للدور الهام الذي يجب أن تقوم به المدارس الثانوية والجامعات باعتبارهما من أهم المؤسسات التي يتواجد فيها فئة الشباب بحيث لا يقتصر دورهما على تقديم المناهج التعليمية المتاحة عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة اليوم وأن تقوم الجامعات بتخريج خرجين غير قادرين على تحديد أهدافهم لمواجهة متطلبات سوق العمل. نعم لدينا الآلاف من الشباب لا يعلمون كيفية التخطيط لمستقبلهم المهني! فعلينا محاولة تأهيل الشباب لاقتحام سوق العمل من خلال تنمية مهاراتهم الذاتية بما تتناسب مع متطلبات العصر وذلك بإعداد كثير من المبادرات تهدف إلى تطوير الذات وتنمية قدرات أبنائنا من خلال إكسابهم الثقة بالنفس وتحمل المسئولية والقدرة على صنع القرار والتخطيط المستقبلي وإدارة الوقت...إلخ. إلى جانب ذلك من الممكن أن تقدم مراكز التدريب بالجامعات للشباب أثناء الدراسة أو بعد تخرجهم مباشرة دورات عن التوظيف الذاتي للشباب مقابل أجر رمزي. بحيث نشجع الشاب على البدء بصنع مستقبله المهني عقب تخرجه مباشرة في إدارة مشروعه الصغير بنفسه.

المحور الثاني الدعم الدائم: 

يمتلك الشباب إمكانيات وطاقات هائلة منقطعة النظير ولكي نتمكن من استخرج ما بداخل شبابنا من قدرات إبداعية، علي جميع مؤسسات المجتمع  أن تقدم التحفيز المستمر لهم والذي يتمثل في ضرورة إشعارهم بأهمية ما يقدمون عليه من خلال الثناء على مجهوداتهم بالكلمات والعبارات الإيجابية وتقييم مجهودهم بإبراز نقاط القوة لتعزيزها ونقاط الضعف لمعالجتها. 

ولكن يجب كذلك الإشادة بالدور الجوهري الذي تلعبه مؤسسة الأسرة في دعم شبابنا باعتبارها النواة الأولى التي تستقبل أبنائنا منذ الميلاد. فيعد الوالدين الركيزة الأساسية في احتضان الرضيع نفسيًا واخلاقيًا وعاطفيًا واجتماعيًا واحتوائه بالرعاية والحماية في مراحل حياته المتباينة وهنا نتوقف على  إحدى المشكلات التي تواجه عديد من الشباب في سبيل تحقيق أحلامهم  ولا يمكن إغفالها مشكلة صراع الأجيال بين الأباء والأبناء فالفجوة في الآراء وتنافرها بين الجليين يجعل الأبناء يصفون أبنائهم  بالجزم والتشدد وعدم  القدرة على استيعابهم وتفهمهم ولاسيما أن عديد من الأباء يريدون جعل أبنائهم نسخة طبق الأصل منهم فيما كانوا يتمنون لأنفسهم بالماضي، نعم أبنائنا فلذاتُ أكبادنا ولكن  علينا ألا نسلبهم إرادتهم ونحرمهم من اختياراتهم ونجهض أحلامهم بل علينا أن نكون المصدر الداعم والسند الدائم لطموحاتهم.

وبعد عرض ما سبق ذكره أود أن أوضح للقارئ أننى لم أكتب عن دعم أحلام شبابنا وتنمية قدراتهم  مجموعة من التنظيرات والآراء النظرية بل اتجهت اتجاهًا عمليا في التعامل مع فئة الشباب وذلك من خلال إعداد فكرة مبادرة شبابنا أمل الغد على أرض مدرسة الشيماء الثانوية بنات بسوهاج ذلك الصرح التعليمي الضخم  بقيادة وتوجيه  ا. سحر خلف عبد السلام منذ عام  2019 م  وإشراف توجيه الفلسفة من أجل توجيه قدرات الشباب الإبداعية والابتكارية إلى ما يخلق الأمل بداخلهم .

وقد بدأت المرحلة الأولى من المبادرة على أرض مدرسة الشيماء بسوهاج نوفمبر عام 2019م بتبني نموذجين من الطالبات هما الطالبة ندى رجب رضوان بالصف الثاني الثانوي والطالبة عائشة العبد عبد الحميد بالصف الأول الثانوي أنذاك والخروج بحلمهما المحاضر الصغير من أرض مدرسة الشيماء ليسطع في سما الحرم الجامعي كلية الآداب قسم الفلسفة بسوهاج بتبني ودعم ا.د شعبان عبدالله  وقسم الفلسفة بسوهاج  وعميد الكلية ا. كريم مصلح .

 وقد بدأنا بالمرحلة الثانية من المبادرة في فبراير 2021م حيث تم تعميم التجربة على عديد من الطالبات بالمدرسة بتقديم عديد من التدريبات داخل المدرسة. أما اليوم نعلن انطلاق شعاع الأمل في سماء مدرسة الشيماء على إدارة سوهاج التعليمية بموافقة وكيل وزارة التربية والتعليم بسوهاج على تطبيق المبادرة على أربعةٍ من مدارس إدارة سوهاج.

 وتهدف المبادرة إلى:

أ-دعم بعض نماذج من الشباب الذين يسعون لتحقيق أهدافهم وأحلامهم من أجل تقديم تلك النماذج كقدوةٍ ومثالٍ يُحتذى به لشباب جيلهم حتى ندفعهم لصناعة حاضرهم ومستقبلهم.

ب- ربط التعليم بمتطلبات سوق العمل بطرح عديد من المبادرات التي تهدف إلى تنمية قدرات أبنائنا وإكسابهم القدرة عل تحمل المسئولية والقيادة، والنزوع نحو تأكيد الذات والثقة بالنفس.

ج- التعاون بين التعليم ما قبل الجامعي والتعليم الجامعي بهدف دعم الطالبات المشاركات كنموذج للشباب الذي يسعى لتحقيق حلمه من أجل رفع الروح المعنوية والطموح لدى طلاب ثانوي من خلال الاحتكاك بالجامعة. 

د-الاستثمار في فئة الشباب باعتبارهم أهم مصدر من مصادر الطاقة والقوة لأي دولة تسعى لتحقيق التقدم والرقى والنهضة ففئة الشباب تمثل همزة الوصل بين الحاضر والمستقبل لمصرنا الغالية.

وفي بداية الطريق نقول لك عزيزى القارئ أبدا معنا في غرس زهرة الأمل في بستان هذا الشاب أو ذاك من أجل صناعة مستقبل أكثر أشراقا وتقدمًا.

شعارُنا بالإرادةِ والعملِ سنبنى حاضرنا ومستقبلَنا. 

 

د. آمال طرزان

 

 

داود السلمانابن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة يعتبر أن السّعادة تحصل للفرد من خلال كسب المال والحصول على المزيد من الثروة؛ وهو عادة ما يحصل لأهل التملق من المتزلفين الذين يتقربون للحاكم وللسلطان، بحسب تعبيره، ولكل من يمتلك جاه وثروة يمكن له من خلال ذلك أن هو ايضًا سيكسب مثل تلك الثروة، وبرأيه أنَّ ذلك الانسان المتملق سيصبح ثريًا، معتقدًا أن تلك الثروة ستمنحه السعادة، تلك السعادة التي ينشدها جميع البشر.

ابن خلدن يؤكد على أنَّ هناك كثير من الناس الذين يرون أن في كثرة المال وتكدسَه تكمُن السعادة، إذ بالمال يوصلون الى الجاه، وبه تتحقق السعادة.

يقول ابن خلدون: "...أنّ الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرّب النّاس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضارّ وجلب المنافع. وكان ما يتقرّبون به من عمل أو مال عوضا عمّا يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض في صالح أو طالح. وتصير تلك الأعمال في كسبه وقيمها أموال وثروة له فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت. ثمّ إنّ الجاه متوزّع في النّاس ومترتّب فيهم طبقة بعد طبقة، ينتهي في العلوّ إلى الملوك الّذين ليس فوقهم يد عالية.  وفي السّفل إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعًا بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعدّدة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسّر مصالحهم ويتمّ بقاؤهم لأنّ النّوع الإنسانيّ لا يتمّ وجوده وبقاؤه إلّا بالتّعاون بين أبنائه على مصالحهم، لأنّه قد تقرّر أنّ الواحد منهم لا يتمّ وجوده وإنّه وإن ندر ذلك في صورة مفروضة لا يصحّ بقاؤه".

فالحرص والجري وراء جمع الاموال والثروة في رأي ابن خلدون قد تحصل الانسان الى المفسدة، وتسيئ ربما اخلاقه، وبالتالي لا نحقق السعادة المنشودة. ابن خلدون رغم يشرحه لوسائل المكسب وهو امر مشروع ومباح للجميع، لكن لابد أن تحصل بالنتيجة المفسدة، وبدل أن نريد طلب السعادة ربما يحصل الهم والغم.

لكن السعادة لدى الكاتب الكبير دوستويفسكي شيء مختلف جدًا عما يراه ابن خلدون؛ السعادة يراها دوستويفسكي تكمن بمعرفة الله حينما تطلب شيئاً فلا تجد من يلبيه لك سوى الله، ويوعز السعادة ايضًا للحب؛ كأن نحب بعضنا بعضًا، كأن نحب الفقير والمحتاج بأن نسعفه بما نقدر عليه، او نحب من هو يريد السعادة والمحبة لنا، وتسعده سعادتنا. يقول دوستويفسكي "إن السعادة لا يصنعها الطعام وحده، و لا الثياب الثمينة، ولا الزهو والحسد، وإنما يصنعها حب لا نهاية له". فالغذاء الجيد والملبس الجيد والزهو بالنفس، لا من باب التكبر والغرور، هو من يصنع السعادة، فأحيانًا تجد من متوفر لديه كل هذه الاشياء، بل وحتى لو امتلك سيارة فارهة وبيتًا جميلاً، وثروة طائلة وبناء يحيطون به، وهو لا يشعر بطعم السعادة، ولا يجد أثر للسرور يغازل شغاف قلبه، بل تجده حزينًا مهمومًا منعزلا عن الآخرين، منزويًا في ركن ركين في عزلته، وبالمقابل تجد ازاءه من لا يمتلك كل هذه الاشياء المادية التي يمتلكها هذا الشخص، الا أنه منشرح مسرور لا يعبأ لشيء. لإذن، السعادة لا تتحقق بهذه الاشياء وانما تتحقق براحة البال وبالانشراح وبالتعايش مع الآخرين خصوصًا حينما تستطيع أن تنجز لهم عملا ما انت باستطاعتك أن تفعله ففعلته.

ويطرح الروائي الكبير هذا السؤال: "هل يستطيع المرء أن يحب جميع أقرانه البشر بغير استثناء؟ ذلك سؤال طرحته كثيراً على نفسي، فكان جوابي: لا، حتماً! حتى أن ذلك ينافي الطبيعة، وما حب الإنسانية إلا معنى مجرد، من خلاله لا يحب المرء إلا نفسه".

ذلك لكون الانسان اناني بالطبع، ودائمًا ما يفضّل نفسه على الآخرين في كل شيء، بما فيها الاشياء البسيطة من التي قد لا تعني له شيء، لكن كون المقابل هو بأمّس الحاجة لها، فأنه يحاول أن يضمها الى نفسه ويكون أشد الحرص عليها.

وعليه نجد دوستويفسكي يؤكد على ما نوهنا عليه على لسان أحد ابطاله في رواية  العظيمة "الاخوة كرامازوف"،  "إنني أحب الإنسانية، غير أن هناك شيئا في نفسي يدهشني: كلما ازداد حبي للإنسانية جملة واحدة، نقص حبي للبشر أفرادًا... إنه ليتفق لي كثيرا أثناء اندفاعي في الأحلام أن تستبد بي حماسة شديدة ورغبة عارمة جامحة في خدمة الإنسانية، حتى لقد أرتضي أن أصلب في سبيلها إذا بدأ هذا ضروريًا في لحظة من اللحظات. ومع ذلك لو أريد لي أن أعيش يومين متتاليين في غرفة واحدة مع إنسان، لما استطعت أن أحتمل ذلك، إنني أعرف هذا بتجربة، فمتى وجدت نفسي على صلة وثيقة بإنسان آخر أحسست بأن شخصيته تصدم ذاتي وتجور على حريتي، إنني قادر في مدى أربع وعشرين ساعة أن أكره أحسن إنسان. فهذا في نظري يصبح إنسانًا لا يطاق لأنه مسرف في البطء في تناوله الطعام على المائدة، وهذا يصبح في نظري إنسانًا لا يطاق لأنه مصاب بالزكام فهو لا ينفك يمخط، إنني أصبح عدوًا للبشر متى اقتربت منهم... ولكنني لاحظت في كل مرة أنني كلما ازددت كرها للبشر أفرادًا، ازدادت حرارة حبي للإنسانية جملة".

إذن، مفهوم السعاد فيه تفاوت ما بين فيلسوف، وفيلسوف، ما بين مفكر، ومفكر، ما بين كاتب وكاتب آخر، فالسعادة لها عدة مدلولات بمفهوم معيّن. لذلك نرى نحن أن السعادة تكون في ترك شؤون وخصوصيات الآخرين، والانتباه الى ما يعنينا وندع ما يعني الآخرين، لأن كلّ فرد مشغول بما هو يعنيه، وليس للفرد وصايا على الآخرين، وعدم تدخله في ذلك يعني صفاء ذهنه وعدم تشويه باله. فاذا صفا الذهن يستطيع الانسان أن يفكر بما هو في مصلحته، واذا لم ينشغل البال لا تتسرب اليه غيوم الهم السوداء.

 

داود السلمان

 

 

حسن الحضرييعتبر النمط الثقافي في أي مجتمع من المجتمعات، مقياسًا صحيحًا لتحديد مكانته العلمية، وقوَّته السياسية، وترابطه الاجتماعي، وما زالت الدول العربية والإسلامية تعاني من تعدُّد الأنماط الثقافية الدَّخيلة التي أوجدها الاحتلال السياسي ثم الغزو الثقافي بعده، وما زالت آثار هذه الثقافات الدَّخيلة مستمرة في محاولات القضاء على هويَّتنا العربية والإسلامية.

وفي المقابل تحاول منذ سنوات، بعض الدول العربية التي أحرزت شوطًا كبيرًا من الاستقرار؛ إِحداث نهضة ثقافية داخلية يكون لها تأثير عربي وإسلامي، وربما تطمح إلى أن يتسع نطاق تأثيرها إلى فضاء أبعد، وهذا أمرٌ طيبٌ ويُحسَب لها، لكن محاولات هذه الدول تتراجع إلى الوراء وهي تظن أنها تقفز خطوات واسعة في رِكاب التقدم؛ وذلك أنها تعمل من خلال الأنماط الثقافية التي يجب عليها أن تحاربها وتتصدى لها؛ وهي الأنماط التي صدَّرها إلى بلادنا الغزو الثقافي خلال عقود طويلة ماضية؛ ولا غرابة أن يكون الأدب -بوصفه مرآة المجتمع- هو الشاهد الرئيس على ذلك، وهو المتضرر الأكبر أيضًا؛ فأدب المجتمعات هو واجهَتُها الثقافية والعلمية، وإلحاق الضرر به في مجتمعٍ ما، هو تدمير لذلك المجتمع.

والغزو الثقافي قد صدَّر إلى بلادنا أنَّ كل من كتب خاطرة تعجُّ بأخطاء اللغة فهو شاعر، وأن كل من حصل على شهرة واسعة فهو علَّامة فيما اشتُهِر به، وأن كل من حصل على جائزة في مجالٍ ما فهو المقدَّم في ذلك المجال؛ في حين أن الدول والمجتمعات التي صدَّرت إلينا ذلك، لا تطبِّقه في أرضها، ولا يندرج أبدًا ضمن ثقافتها؛ لأنها وضعت هذه القاعدة التخريبية من أجل القضاء على الثقافات والحضارات الأخرى، التي تتعارض مع حضارتها الوليدة وثقافتها الناشئة؛ وذلك بِدافع الحقد والحسد وحب السيطرة.

ولم تدرك الدول العربية صاحبة المشروعات النهضوية؛ هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، فانطلقت بمشروعاتها من نقطة ارتكاز محورية على تلك الثقافات الدخيلة، ولا يُعتبر حُسن النِّيَّة عُذرًا لها؛ لأن هذه المسألة من الأمور الحيوية التي يستوي فيها الخطأ والعمد؛ ففي جميع الأحوال قد جاءت هذه الدول بمجموعة أشخاص لا دراية لهم بأي فنٍّ من فنون الأدب، وأطلقت عليهم ألقابًا لا قِبَل لأعظَمِهم بأقلِّها، فمَن الذي سمَّاهم شعراء أو أدباء أو نقَّادًا، فضلًا عن أن يمنحهم هذه الألقاب الكبيرة وهم لا يعرفون ماهية الشعر ولا يعلمون شيئًا من مقوِّماته، ولا يمتلكون شيئًا من أدوات النقد؟!.

وفي أثناء ذلك نجد أن الدول الفقيرة ذات الأنظمة السياسية الضعيفة إداريًّا وعلميًّا، التي لا تستطيع أن تتخذ قرارًا ذاتيًّا؛ نجد أنها تستعين بأولئك الضعفاء الذين تم الترويج لهم إعلاميًّا مِن قِبَل الدول صاحبة المحاولات النهضوية، وتُسنِد إليهم أمور المؤسسات الثقافية والأدبية والفكرية الرسمية، وربما غير الرسمية أيضًا؛ لاعتقادها أنهم رموز بارزة في هذه المجالات، بعد أن أقرَّت بذلك تلك الدول صاحبة المشروعات النهضوية، وهي لا تدرك أنهم لا شيء في الواقع، وكل ما هنالك أنهم نشؤوا في بيئة تعاني من وطأة الغزو الثقافي، وأن ذلك الغزو اقتضى أن يكونوا هم الممثلين الرسميين لعلومٍ وآدابٍ لا يدركون مِن كُنْهِها شيئًا؛ حتى ينساق العامة خلفهم، ويتم التأصيل لِما يحدث، باعتباره صورة حقيقية للجانب الثقافي العام في هذه الدول الفقيرة، وهو خلاف الواقع قطعًا، لكن أصحاب الفكر والإبداع الحقيقي لن يهينوا أنفسهم أبدًا بمزاحمة أولئك الدهماء محليًّا أو عالميًّا؛ بل يتركون إنتاجهم يعبِّر عنهم.

أما أولئك الضعفاء الذين يتصدرون المشهد بغير حق، ويقدِّمون صورًا سيئة عن مجتمعاتهم؛ فقد تمكنت منهم ثقافة الأنانية والجحود، التي جعلت مَن لا يصلح لشيء؛ يختال بلقبٍ لا يستحق شيئًا من مدلولاته، ويظن نفسه أهلًا له، لا لشيءٍ سوى أنه حصل عليه في مسابقة لم يشارك فيها إلا خمسون إنسانًا كلُّهم في مِثل ضعفِه أو أشد، والذي شجعهم على ذلك؛ أنهم وجدوا مِثلَ تلك المؤسسات صاحبة المحاولات النهضوية، فهرعوا إليها، في الوقت الذي يحجم فيه ذوُو الفضل وأصحاب السبق عن النظر إليها.

إن هذه الدول صاحبة المحاولات النهضوية التي نشهدها منذ سنوات؛ لديها طموحات جادة، وآليات تنفيذ ضخمة، لكن منهجيَّتها خاطئة، ورؤيتها قاصرة؛ حيث ساهمت بإمكاناتها الكبيرة في توطيد الغزو الثقافي دون أن تشعر، فهي وإن كان لديها الطموح النهضوي، لكن الهيكل الإداري البشري، الذي يباشر تنفيذ هذه النهضة المأمولة، قد تشبَّع بالثقافات الدخيلة ولم يتم تطهيره منها.

يجب على القائمين بهذه المحاولات النهضوية، أن يقوموا أولًا بطرح الأنماط الثقافية الدخيلة جانبًا، ومِن ثَمَّ إعادة البناء من خلال أفكار أصيلة نابعة من هويَّتنا العربية والإسلامية، قائمة على أساس متين من موروثنا الثقافي بتعدُّد مجالاته، من خلال الحفاظ على معايير وثوابت أدبنا العربي، الذي كان في الماضي يمثل مرآة حقيقية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ فلا يمكن لنهضةٍ ثقافية أن تحدث في مجتمعٍ ما، ما لم تتخذ من هويَّة ذلك المجتمع وتراثه الثقافي والحضاري، نقطة انطلاق ثابتة، تستمدُّ منها وتضيف إليها، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بعد القضاء على الأنماط الثقافية الدخيلة التي لا تليق بمجتمعاتنا ولا تعبر عن جوهر هويَّتها.

فالغزو الثقافي جعل هدفه القضاء على الهويَّة والثقافة والحضارة المشتركة التي تجمع الدول العربية والإسلامية، وترك لكلٍّ منها ثقافتها الخاصة؛ حتى يسهُل عليه التفرقة بين هذه الدول، ولذلك نجد أن الأفكار التي تحقق نجاحًا مشهودًا من المحاولات النهضوية التي تقوم بها بعض الدول العربية، هي الأفكار التي تتعلق بالتراث المحلي المحض، الذي لم تتمكن منه آفة الغزو الثقافي، فظل على عهده، ولم يجد العنصر البشري وهو يتعامل معه، أيَّة معوِّقات داخلية أو خارجية.

ومما يزيد الأمر سوءًا أن وزراء الثقافة في بعض الدول العربية، لا ينتمون إلى الثقافة العربية، ولا يدركون شيئًا من ماهيَّتها، إضافة إلى عدم فهمهم المعنى الصحيح للكلمة لغة أو اصطلاحًا أو تنظيرًا أو تطبيقًا؛ فهم لم يأتوا إلى الوزارة إلا لكونهم جزءًا من أنظمة سياسية حاكمة أرادت مكافأتهم على دعمهم، فجاءت بهم إلى هذه الوزارة باعتبارها منصبًا سياسيًّا محضًا، وليس باعتبارها وزارة حيوية تؤثِّر في تشكيل شخصية الفرد والمجتمع، وتوجِّه السلوك الفردي والجماعي إلى أنظمة التعايش داخل المجتمع، وحيث إن فاقد الشيء لا يعطيه، إضافة إلى كثرة المؤسسات والهيئات التابعة لوزارة الثقافة في بلداننا العربية؛ فإن ذلك يؤثر قطعًا في تشكيل الهيكل الإداري القائم بأمور العملية الثقافية، ثم ينتقل هذا التأثير على نطاقٍ أوسع داخل المجتمع، الذي نجده في ظل هذه العوامل عاجزًا عن الفكر والإبداع والتقدم، مُتَّجهًا فقط إلى أمور عبَثِيَّة تم جلْبُها من مجتمعات أخرى تتعامل معها باعتبارها أمورًا ترفيهية، بينما يتعامل هو معها باعتبارها الثقافة الشمولية التي يجب ألا يخرج عن حدودها أو يتجاوز أبعادها.

وفي الدول النامية التي فقدت هويَّتها الثقافية؛ نرى بعض أبنائها من ذوي الرُّتَب المتوسطة غير العلمية، يزعمون أنهم كانوا في أثناء صِغَر رُتبتهم يحضرون الأمسيات الثقافية والمؤتمرات العلمية، ويشاركون فيها بإنتاجهم الإبداعي والفكري والعلمي، ثم لما علَت رُتبتهم؛ تركوا هذه الأمسيات والمؤتمرات لأنهم أصبحوا أكبر منها وهي لا تليق بهم على حدِّ زعمهم!!، وهم قطعًا يقولون كلامهم ذلك انطلاقًا من الصورة السيئة المزيَّفة للعملية الثقافية، التي تبدو بالوجه الذي رسمه الغزو الثقافي، على النحو الذي بيَّنَّاه في السطور السابقة؛ فهؤلاء لو كانوا يرون في تلك المجالس الثقافية والعلمية؛ المبدعين والمفكرين والعلماء الحقيقيين؛ لعلموا أنه من الخير لهم أن يختلطوا بهم ويتعلموا منهم، ويتتلمذوا على أيديهم، ويشهدوا كيف ينهضون بمجتمعاتهم، لكن الغزو الثقافي صوَّر لعوامِّ الناس أن الثقافة ما هي إلا اللهو والسُّفور والانحلال؛ وذلك من خلال تمكينه لعملائه الذين يتَّصفون بهذه الصفات، والترويج لأفكارهم الباطلة تحت انتحال مسمَّى الثقافة، فتعامل العوامُّ فكريًّا مع مصطلح الثقافة بهذا المفهوم، وشجعهم على ذلك أن الأنظمة السياسية في مجتمعاتهم تأتي غالبًا بأناس من أهل تلك الصفات الممقوتة وتُسنِد إليهم قيادة المؤسسات الثقافية الرسمية في الدولة، ابتداء من منصب الوزير فما دُونه.

وكل ما يمكن أن يقال في ضوء القراءة الموضوعية للواقع: إن هذه المحاولات النهضوية أصبحت تساهم -دون أن تقصد- في نشر الغزو الثقافي، والتأصيل له باعتباره واقعًا أصيلًا وليس غزوًا، وهذا هو الذي يريده العدو المتربص بنا، أما نجاح هذه المحاولات النهضوية فيتوقف على العودة إلى جذور ثقافتنا الأصيلة وهويَّتنا العريقة؛ لتكون بؤرة ارتكاز رئيسَةً لهذه المحاولات، تنطلق منها الأفكار الجادة، التي تبحث عن الامتداد الحقيقي لهذه الثقافة بِتعدُّد مكوناتها، وتنظر فيما يمكن اعتباره تطوُّرًا لها في ضوء أسس علمية صحيحةٍ لا تتعارض مع شيء من الثوابت الموروثة، التي هي الفيصل الصحيح بين التطور البنَّاء الذي يحافظ على مقوِّمات العلوم والفنون، وبين الحداثة الهدَّامة، التي لا تأتي إلا بما هو خِلاف الصحيح.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

 

 

نور الدين بنبلاالسعادة تأتيك أيها الإنسان كطيف لذيذ يجعلك تنشر ذبذبات من أعماق روحك لتخترق كل من اقترب إلى مجال تواجدك، أو تظهر هذه السعادة كومضة ضوء تفسح لك الطريق للمرور في ظلمة دامسة، تمنحك بُعد نَظر لا يتعدى خطوات حتى تُطْبِق عليك وتُجْبِرك على الانحناء غصبا عن إرادتك.. فتبتلعك حصون الأمكنة و تجرفك متاهات الازمنة وتكتشف فيما بعد أن تأثير المخدر قد زال.

تناثرت هذه العبارات لتشكل سردا ينتقم  من أحداث وشخصيات وأزمنة تعدت وتخطت حدود واقعها، لتغزو كل مساحة أمل تحسبها فتحا جديدا تَغْلِق به كل كُوَّةِ تطل من خلالها براعم الخير والسعادة.

ومن أسباب السعادة الدنيوية، "جيرة صالحة" لأنها عبارة مقدسة اِحتوت في ثناياها خطة إلهية (الشريعة الإسلامية) كاملة و جاهزة، تقدِّر الإنسان كمخلوق اجتماعي ومزاجي لا يرسى على حال في إطار علاقات متعددة الأقطاب تستوجب استحضار وتفعيل كل القيم التي تؤسس لاستقراره النفسي والإجتماعي، كالإحسان للجار ذي القربى والجار الجنب..وتقدر هذه الخطة كذلك العقل كهبة قَيِّمَة غير مؤدى عنها صالحة لكل زمان ومكان. فهي خطة مُشَرَّعَة وُضعت على أساس تيسير حياة هذا الإنسان داخل المجتمع، هذه الحياة التي وصفت بصفات( الدنيا، الأولى..) بَخَّسَت من قيمتها وأوقفت حلم عيشه الأبدي في زمان  ضُبِط بنقطةِ نهايةٍ محسوم في أمرها (الموت).

لكن السؤال هنا يبقى مطروحا.. ما مدى استيعابك أيها الإنسان العاقل لهذه الخطة الإلهية الموضوعة لك على وجه الخصوص والتي غايتها نقلك من سعادة دنيوية إلى سعادة أبدية؟

لماذا لا تسعفك ثقافتك ولا يسعفك وعيك أيها الإنسان  للترفع عن هذه السعادة الدنيوية، وتقرأ الخطة الإلهية بعين التمحيص والتفحيص، وتنظر إلى لحظة وجودك التي لاتتعدى حبك للتقليد الأعمى، فلا تبرح المكان في زمن كشف المخفيات بالعقل الفعال والتأمل، زمن الانتماء والاندماج في الصيرورة التاريخية للخطة الربانية التي تدعو إلى توحيد الرؤى حول نمط عيشك منذ بدء الخلق إلى الآن. إسمح لي أيها الإنسان  حملت الأمانة  بجهالة  فأثبتت أن ميزة العقل لديك قُدَّتْ من أحد أطرافها وتحول مفهوم الخطة الإلهية الى مجرد صورة خارجية تعكس فقط مظهرك المنمق بلحية منسدلة وجلبابك الأنيق الذي يقيك من حر وقر الطقوس الدنيوية، ورحلتك اليومية التي تشبه رحلة الشتاء والصيف بين الجامع والبيت. وأثبتت على أن عقلك الباطن لا يتوفر على آليات تحويل بنود هاته الخطة إلى سلوك متحضر يُخرجك من دائرة صراع الذات  وزمن الوجود ويلحقك بصفوة العقلاء بالفعل، الذين وفقوا إلى استنباط متغيرات  سمحت باستخراج قواعد المعاملات بينك أيها الإنسان و بين مثيلك وبين باقي الكائنات الدنيوية (الحيوانات).

اسمح لي أيها الإنسان (الجار) بكل صراحة لقد خيبت ظني بك، و أبَنْتَ عن ضعف فهمك لبنود الخطة الإلهية، فلم تتذكر سوى ماضيك القريب العهد بالعنتريات، وإظهار العضلات المفتولة وحمل السيف بذل الحكمة ونسيت حكمة المتنبي التي تقول:

"الرأي قبل شجاعة الشجعان.. هو الأول وهي في المحل الثاني". ونسيت قول الرسول عليه الصلاة السلام: "أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء، وأربعٌ من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيِّق".ففي أي الأربعة تضع نفسك؟

 

نورالدين بنبلا

 

 

مصعب قاسم عزاويالإعلام البديل هو جهد في المجال الإعلامي يقوم به أفراد أو مجموعات محدودة من الأفراد المستقلين عن مراكز الثقل والسلطة والثروة ويهدفون من خلاله لتشكيل وعي مغاير لما تسعى بشكل دائم وسائل الإعلام المتسيدة تأصيله في المجتمع، وهو يمثل جهداً ضرورياً لا بد على كل قادر على القيام به من الانخراط به بأقصى طاقة يستطيع عليها حتى لو كان ذلك محدوداً في تقديم دعم معنوي أو مادي محدود لأولئك الذين يقومون بجل العمل الإعلامي البديل.

والحقيقة الواقعة تختلف من الناحية السياقية فيما يتعلق بقدرة الإعلام البديل على إحداث تأثير ما ذي وزن نوعي تراكمي قابل للصمود في المجتمعات الاستبدادية ذات النظم الديموقراطية التمثيلية الشكلية أو تلك الفجة منها كما هو الحال في عالمنا العربي، حيث أنه من الناحية النظرية هناك ضمان قانوني لحرية التعبير والكلام في نظم الديموقراطيات الشكلية تتيح من الناحية الافتراضية هامشاً وثغرات في جدار الهيمنة الإعلامية لمراكز السلطة والثروة، والتي في الواقع يصعب تحققها فعلياً في ضوء شح الموارد المالية، ونفور المعلنين عن الإعلان في أي من أقنية الإعلام البديل لتناقض مصالحهم الإجمالية مع مقول وسائل الإعلام البديل، وهو ما يمكن معاوضته بشكل جزئي ومحدود جداً عبر الكم المهول من الاجتهاد والدأب الذي يقوم به الأفراد المنخرطون في جهد عملية إنتاج محتوى ورسالة الإعلام البديل بالاعتماد على مصادرهم الذاتية المحدودة جداً، والدعم المحدود الذي يحظون به من أفراد آخرين مؤمنين برسالة الإعلام البديل عبر تبرعات معظمها مجهري لا يغطي النفقات المهولة التي يتطلبها أي عمل إعلامي يطمح للوصول إلى شريحة واسعة من المتلقين. وذلك النموذج من التوازن مثل المقدمة التي أنتجت الكثير من محاولات الإعلام البديل على أصعدة كثيرة في العالم الغربي تراوحت بين المجلات والمواقع الإلكترونية، وبعض البرامج الإذاعية التي لا يتجاوز جمهورها بضع مئات أو آلاف في أحسن الأحوال. وهي جهود تستحق الثناء والتقدير دائماً، والذي لا يغير من حقيقة هشاشتها لعدم تمكنها من الوصول إلى شرائح أوسع في المجتمع جراء ضعفها البنيوي وجراء شروط العمل الإعلامي في المجتمع التي تم تصميمها أساساً لتكون على قد أهداف ومصالح الفئات المهيمنة في المجتمع والقادرة على الإنفاق الضروري لتوطيد هيمنتها في المجال الإعلامي كجزء ضروري من إمساكها الكلياني بتلابيب السلطة و الثروة و صناعة المعرفة في المجتمع الذي تتغول عليه.

والمعادلة الأخيرة تصبح كجلجلة سيزيف ومهمات هرقل المستحيلة إلا لهرقل نفسه حينما يتطلب من الإعلام البديل العمل في مناخ هيمنة الفساد و الإفساد للنظم الأمنية على الطريقة العربية و ما كان على شاكلتها على المستوى الكوني، حيث أنه في نظم الاستبداد الفج ليس هناك أي رادع للضرورات الإخراجية يقتضي منها احترام حرية التعبير والكلام حتى ولو شكلياً، بالإضافة لانخفاض عتبة تحسس كل الطغاة والمستبدين بشكل هذياني لكل ما يحتمل أن يكشف وجههم الدميم على حقيقته، وهو ما يفصح عن نفسه بالأعداد المهولة من الصحفيين الناشطين الأباة الذين لم ينصاعوا لمقتضيات الاستبداد فكان مآلهم التغييب في سراديب آلات القمع البربرية للنظم الاستبدادية بالاستناد إلى أي تهمة جاهزة من قبيل التخابر مع جهات معادية، أو غسيل الأموال، أو التهرب الضريبي، أو حتى تمويل ودعم الإرهاب. وذلك كله جعل من أي محاولة لتحقيق أي شكل، حتى لو كان جنينياً من الإعلام البديل المؤثر في عملية تكون الوعي الجمعي في المجتمع مسألة شبه مستحيلة في مجتمعات النظم الاستبدادية الفجة. وقد يستثنى من ذلك وسائل وأقنية الإعلام البديل التي يديرها المهجرون المنفيون من أوطانهم من الدول التي اضطروا للهجرة إليها، وهي اجتهادات جديرة بالتقدير على الرغم من ضعف قدرة تأثير أي منها لعدم توطنها في مجتمعها مما يحد من قدرتها على زيادة عديد المتطوعين المنخرطين للعمل في مشروعها، ويتركها غالباً في خانة الاعتماد على جهود وإمكانيات أفراد محدودين، لا يحتمل في غالب الأحيان أن يتمخض نتاجهم عن تأثير ذي وزن نوعي.

والنقطة الأهم في هذا السياق والتي تحتاج دائماً إلى إعادة التشديد على أهميتها المرهفة ألا وهي الواجب الأخلاقي الثابت وغير القابل للتغاير بتغير الظروف والأحوال والمتمثل في ضرورة قيام كل من هو قادر على دعم أي مشروع للإعلام البديل بما هو قادر عليه سواء بالمساعدة المباشرة أو الدعم المعنوي أو المادي، نظراً لأن ذلك هو الرافعة الوحيدة المتاحة لتأصيل وعي بديل في المجتمع وفق توازن القوى المختل بين الفئات المهيمنة على مصادر السلطة والثروة والإعلام وتلك الفئات المستضعفة في المجتمع، والتي يجب أن لا تتخلى عن طموحها في التغيير مهما كانت العقبات في طريق تحقيق ذلك الطموح صعبة.

ومن ناحية أخرى لا بد من الإشارة إلى أهمية تبني نموذج خطاب «الوما» الذي أسس لنهجه المعاصر الأستاذ طيب تيزيني، والذي يستند إلى أن «اللبيب من الإشارة يفهم»، وأن كل عاقل هو لبيب حاذق حتى لو لم يقدر له التعرف على تلك الميزة في نفسه لظروفه الموضوعية أو حتى الذاتية. وهو ما يقتضي تبني الإعلام البديل لنموذج من الخطاب المُسَرْبَلِ دائماً بتلاوين التورية والخطاب المضمر ما بين السطور، والذي لا يقلل من أولوية مجابهة الطغاة وفقأ أعينهم بحقيقتهم البائسة، ولكنه تكيف ضروري لكي لا يتحول العمل في ميدان يتعلق بالشأن العام ومنه الإعلام البديل إلى انتحار لا طائل منه على مستوى تحقيق كسب ذي وزن نوعي في ميدان تأصيل الوعي الاجتماعي البديل بضرورة الحراك الاجتماعي المنظم والدفاع المستميت عن حقوق المستضعفين بأنفسهم وأجسادهم ومآقيهم التي بتجمعهم وانتظامهم معاً فقط تستطيع مقاومة «مخارز» جلاديها وبصاصيها وعسسها وطغاتها ومستبديها.

 

مصعب قاسم عزاوي

 

 

ادم عربي(المرأة لا تُولد امرأة وإنما تُصبح امرأة)... سيمون دي بوفوار

بما ان الواقع المادي هو من يحدد مستويات وعي الانسان في كل مراحل حياته، لذلك تناول الموضوع من هذا الجانب كجزء من تغيير الانتاج الفكري لمجتمعاتنا عبر تغيير الواقع المادي والاقتصادي لتلك المجتمعات، ولا اقحم السياسه هنا والقضايا الاقتصاديه في بلادنا، بل اعطي الموضوع طابع نظري، بعيدا عن طروحات المثقفين التى لا تتجاوز طروحات العصور الوسطى، حيث ينهمك كثيرون في مناقشة جذر الاصولية الدينية الاسلامية بمعزل عن شؤون وقضايا الواقع وتناقضاته

ورغم ان كافة تفاصيل مجريات التاريخ وحتى يومنا هذا تؤكد بالتجرية والوقائع الحقيقية ان الوعي هو نتيجة وليس سببا، وان التطورات في كافة المجالات الانسانيه من فن وعلم وسياسه وفلسفه ما هي الا نتيجة تطورات في الماديه في الحياه الاجتماعيه. حيث ييقول ماركس: " إن الفلاسفة لا يخرجون من الأرض كالفطر، بل إنهم ثمرة عصرهم وبيئتهم إذ في الأفكار الفلسفية تتجلى أدق طاقات الشعوب و أثمنها وأخفاها.

اذن الفلسفه حسب طرح ماركس ليست من علم الغيب وانما هي من لدن الواقع، وان أي فلسفه حقيقيه هي من لب واقعها ومكانها وزمانها وفي علاقه نتبادله مع هذا الواقع وهنا تكوالفلسفه مجابه للواقع، كما ان التطورات العلمية التي شهدتها البشرية لم تبدأ بالجملة من نقطة واحدة (زمانيا وجغرافيا) بل كانت نتيجة تفاعلات هائلة استغرقت الاف السنين وشاركت بها معظم المجتمعات البشرية وان بنسب متفاوتة.

فمثلا الفلسفه اليونانيه انتشرت في كل اراء العالم سواء عبر الحروب او عبر التجاره، وظلت الفاسفه اليونانيه هي اساس القاعده الفكريه للفلاسفه حتى عصور النهضه الاوروبيه والسبب ان هذه الفلسفه اليونانيه كانت تتناغم مع عصر الاقطاع، االممتد الى نحو 4000 عام وهو اطول تاريخ البشريه، وعلى الرغم ان الفلسفه اليونانيه كانت وثنيه الا انها لم تتعارض مع الديانات الثلاث اليهوديه والمسيحيه والاسلاميه، حيث لم تنكر وجود خالق رغم وثنيتها، ولم تتصادم هذه الدياتات معها، حيث لم تات هذه الديانات بما يتعرض مع قواعد المجتمع الاقطاعي. وكانت هذه الاديان هي عباره عن ثورات ضد الظلم والعبيد....الخ

وفي اطار الصراع على ملكية الارض وملكية العبيد دارت معظم المعارك في التاريخ حتى بداية العصر الراسمالي الحديث، وفي ذات الاطار نشط العلماء والفلاسفة في خدمة الطبقة الحاكمة بما يمكنها من تثبيت السيطرة ..

وحيث ان الطبقه المسيطره كانت الاقليه والعام من يقع عليه الظلم والاطهاد لجئت هذه الجماعات بالاستعانه بقوى غبيه واله غبيه لتخليصها وكان هذا منبع الاديان. فاليهوديه جائت من جور المصريين على القبائل العربيه التى هاجرت من اليمن وهم اليهود ولم يؤمنو بموسى الا بعد ما وعدهم بارض فلسطين لهم ولذريتهم من بعدهم، وكذلك المسيحيه لم تخرج عن الاطار فكانت دعوه ضد ظلم الكهنه وضد ظلم الرومان، وقد كان اتباع المسيح هم من الرعاء والعبيد وكذلك اليهود فقد كان اتباع موسى بني اسرائيل وهم عبيد القبط، وهكذا كان الاسلام ثوره ضد الظلم على اسياد من التجار في مكه لذلك كان العبيد والمظلومين والمعاتيه اول من امن بالدعوه الاسلاميه المحمديه.

ومن اجل خدمة الاسياد ملاك الارض والعبيد حدث تقسيم العمل بين الرجل والمرأة منذفجر التاريخ.. فالارض تحتاح الى قوة الرجل الجسميه والغضليه من اجل المحافظه عليها من عدوان خارجي واضافة اراضي جديده مما تطلب تجييش المجتمع، فقد تم رفع مكانة مكانة الرجل و رسم عمله خارج المنزل .. فيما المرأة في المنزل كخادمه للرجل الذي يخدم سيده.

وحيث ان الرجل بقوته البدنيه قادر على حماية نفسه ولاخرين، فقد فرض على المراه ان تختفي خلف ستار العفة والشرف كي تحافظ على نفسها. وحرمت من جميع حقوقها ولم تكن ابدا مساوية للرجل فما نراه اليوم في المجتمعات الاسلامية، ومجتمعات العالم الثالث عموما، من مفاهيم وقيم وحقوق تتعلق بالمرأة ما هي الا امتدادا لتلك القوانين السائدة منذ خمسة الاف عام.. حيث ان مجتمعات العالم الثالث لا زالت تعيش في نظم وقواعد ونمط انتاج المجتمع الاقطاعي.

ومثال ذلك الانسجام الواضح في تعامل مختلف الحضارات مع المرأة لهو خير دلالة على ان القوانين الاجتماعية تحددها طبيعة نمط الانتاج الاجتماعي وليس الانتماء العرقي او الجغرافيا او اللغة او الوعي او العقل .. حيث ان نمط الانتاج ينتج ذات الثقافة حتى لو تباعدت المسافات والازمان.

***

الاشوريون هم اول من فرض الحجاب على المرأة .. وشريعة حمورابي عاقبت المرأة اذا خالفت زوجها باغراقها بالماء، فيما الاغريق فرضوا عليها حجابا كاملا (كالنقاب الاسلامي) لا يظهر منها الا عينها، وقال عنها ارسطو " إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به ".

ولما فرضت ظروف الحرب على اسبارطة ونالت المراة بعض الحقوق نظرا لحاجة قوة عملها انتقد ارسطو رجال اسبرطة واتهمهم بالتهاون،، وكان الفقهاء الرومان القدامى يعللون فرض الحجر على النساء بقولهم: لطيش عقولهن.

ومع ان المراة الفرعونية حصلت على بعض المكانة الا كانت تلقى في النيل بعد تزيينها "عروس النيل" كقربان، وكان الرجل في عصر الفراعنة يتزوج اخته وامه . اما في الصين القديمة فكان الرجل له الحق ببيع زوجته كجارية وينظر لها الصينيون على انها معتوهة محتقرة مخانة لا حقوق لها.

فيما تحرق المراة نفسها حية اذا مات زوجها وجاء في تشريع الهندوس: ليس الصبر المقدر والريح، والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار أسوأ من المرأة. كما كانت محتقرة منبوذة في الزرادشتية في بلاد فارس، وفرض عليها احتجابها حتى عن محارمها ومنعت من ترى احدا من الرجال اطلاقا.

وفي اليهودية لم تنل المرأة ميزة أو حق.. بل كان بعض فلاسفة اليهود يصفها بأنها " لعنة " .... وكان يحق للأب أن يبيع ابنته إذا كانت قاصراً وجاء فى التوراة " المرأة أمر من الموت ... وأن الصالح أمام الله ينجو منها ". و " شهادة مئة امرأة تعادل شهادة رجل واحد ".

وفي القرن الخامس أجمعت المسيحية أن المرأة خلو من الروح الناجية من عذاب جهنم ما عدا أم المسيح، وتساءلوا هل تعد المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ .

اما الاسلام فقد اعتبرها "ناقصة عقل ودين" وتابعة للرجل في كل شيء وحقها بالارث نصف الرجل وشهادتها نصف الرجل وليس لها الحق بالولاية. كما كان العرب قبل الاسلام يقتلون الفتيات لعدم حاجتهم لهم كقوة عمل او خوفا من العار او الفقر.

وفي انجلترا كان يحظر على المراة قراءة الكتاب المقدس ولم يكن لها حق بالتملك حتى عام 1882، ووفق القانون كانت المراة في انجلترا تابعة لزوجها ولم يرفع عنها الحظر الا عام 1883.

ولم تخرج المراة في ايطاليا من عداد المحجور عليهم الا في عام 1919، وفي المانيا وسويسرا لم تعدل قوانين الحجر عل النساء الا في اوائل القرن العشرين. واصبح للزوجة مثل ما لزوجها من حقوق.

ان مجتمعات الاقطاع افرزت قوانينها وثقافتها كافرازات المجتمع الاقطاعي وحددت مكانة المراه والرجل بما يتناسب مع طبيعة النظام الاقطاعي، فغطاء الراس للمراه دلالاه على وضع المراه المهين في عصر الاقطاع، وان ما نراه الان من هذا الموروث في كثير من المجتمعات الشرقيه كهو امتداد لنمط الاقطاع، فرضته مرحلة النظام الاقطاعي وسينتهي متى ما دخلت هذه المجتمعات النمط الراسمالي .

وقد فرض النظام الاقطاعي منظومة الفكريه والاخلاقيه والقانونيه بما يتلائم مع نمط الانتاج السائد، من اجل تنميته واتساعه، فالنمط الفكري هو لحظه زمانه ومكانه، وقد تم تحديد الممنوعات والمسموحات كتنظيم للحياه في ذلك العصر كجزء من مرحله تاريخيه مر بها الانسان وان كانت هذه المنظومه الاقطاعيه معمول بها في كثير من المجتمعات التى لم تتخطى مرحلة الاقطاع، ان السلطه اهم افرازات المجتمع الاقطاعي معبره عن انتقال الانسان من مرحلة الرعي الى مرحلة الاستقرار والزراعه، فكان الحاكم هو راس السلطه ويمثل الاله على الارض بل هو الاله نفسه وله معاونون او وزراء يساعدونه في تسيير شؤون الرعبه، وكذلك الكهان فهم يتبعون الملك مباشره لانهم عنصر الاستقرار الاجتماعي والسياسي

ان التحولات الفكريه الكبرى لم تحدث في مجتمعات بدائيه، فتحول الانسان من عبادة القمر النجوم وغيره الى عبادة اله واحد لم تكن سوى نتيجه لتحوله من انسان صياد الى عصر الاقطاع حيث الملكيه الخاصه، وما نشهده في عصرنا من تراجع للاديان لا يخرج عن هذا السياق

ان أي مجتمع طبقي ايا كانت عقيدته الايديولوجية لا بد وان يزخر بالتناقضات والصراعات الطبقية، كما لابد له وان يزخر بالصراعات بين مصالح فئات اجتماعية .. وغني عن القول ان كافة الأعمال الفكرية لفولتير وجان جاك روسو على سبيل المثال كانت رؤى وافكار سياسية تمثل البرجوازية الصاعدة (برجوازية المانيفاكتورة) ضد الملكية المطلقة وبقايا المؤسسة الاقطاعية، وفي ذات السياق كان دور ماديي القرن الثامن عشر، وايضا دور الاشتراكيون، الطوباويون، ثم كانت الفلسفة الماركسية في مواجهة المجتمع الرأسمالي ولصالح طبقة البروليتاريا .. أي في سياق الصراع الطبقي المحتدم منذ الازل.

في عصر النهضه والصناعة والثورة وتطور الانتاج بكافة اشكالة، زاد الطلب على الأيدي العامله لتغزيه الصناعات المزدهرة والمتطورة، تم زج الرجال والنساء والاطفال في العمل حيث يستطيع كل منهم العمل جنبا الى جنب بنفس الكفاءة بسبب تطور وسائل الانتاج، ولم يعد هناك تقسيم للعمل كما في السابق فالمراة على القاعدة الماديه كالرجل، وعندما اتيح لها التعليم كانت تجاري الرجل وفي بعض الحالات احسن منه

حققت الراسماليه التساوي بين الرجل والمراة فالمراة تعمل جنبا الى الرجل ومتعلمه شانها شان الرجل، اذن هذا هو التساوي القاعدي المادي بينهما .

 

د .ادم عربي

 

 

نبيل عودةهناك قول هام لماركس يناقض ما قاله عن احتلال الآلة مكان الانسان ما سيزيد املاق العمال، قال: "إن العصور الاقتصادية تختلف عن بعضها البعض ليس بما تنتج بل كيف تنتج وبآية أدوات عمل"!!

 للأسف هذا الموقف لماركس لم ينعكس على تحليلاته للنظام الرأسمالي، والتغييرات التي بدأت تعصف بما كان سائدا في مرحلته الأولى. حتى مدعي الماركسية تمسكوا بأقوال ذكرها ماركس في بداية تحليله للنظام الرأسمالي وتجاهلوا هذا القول الذي يعتبر عمليا تطويرا لما طرحه في بداياته من رؤيته انه مع دخول الآلات يشرع العامل في الصراع ضد وسيلة العمل ذاتها، (أي الآلة التي ستحل مكانه)، التي ستسبب املاقه حسب الرؤية العتيقة لماركس، فيهب العامل ضد هذا الشكل المحدد لوسائل الإنتاج بوصفه الأساس المادي لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي سيقود الى المزيد من املاقه. بينما الواقع ان الآلة لم تزيد املاقه بل ضاعفت الإنتاج مرات عديدة، وزادت الثروة الاقتصادية التي قادت أيضا الى تحسين شروط العمل وتسهيل الانتاج ومضاعفته وزيادة الأجور للعامل الذي أصبح صاحب خبرة تقنية بتشغيل الآلات أيضا مما ضاعف الإنتاج بشكل غير مسبوق، ولم يعد عاملا عضليا فقط بدون معرفة التقنيات الحديثة لآلات الإنتاج.

مثلا: منذ أواسط القرن العشرين نلاحظ ان التطور العلمي التكنولوجي بدأ بقفزات هائلة، أدوات الإنتاج تتبدل وتتطور سنويا أو ما دون ذلك أحيانا .. من الآلة البسيطة الى الآلة الميكانيكية، ومنها الى الآلة الالكترونية، ودخل عالم الهايتك في الإنتاج، العمل العضلي يخلي مكانه للعمل الفكري حتى في الصناعات الثقيلة. أدوات تنفيذ المهمات المهنية تتطور باستمرار. إنتاجية العمل تضاعفت بشكل لا يمكن مقارنتها مع المراحل السابقة. الثروة تضخمت بشكل أسطوري .. العامل المهني اليوم يجدد أدوات إنتاجه بسرعة تزيد عشرات المرات عن القرن التاسع عشر، ما طور في القرن التاسع عشر بكل سنواته المائة ، تطور في القرن العشرين كل سنة تقريبا .. وفي القرن الحالي (الواحد والعشرين) بسرعة أكبر، أحيانا كل شهر او كل اسبوع .. تطوير الآلة فرض ضرورة تطوير جيل جديد من العمال التكنوقراطيين، أصبح صاحب العمل مضطرا إلى شراء مهنيتهم بإغراءات المعاش وشروط العمل.

ان الثورة العلمية التكنولوجية أصبحت تشكل انقلابا اجتماعيا واقتصاديا في حياة المجتمع البشري. هذا الانقلاب لم يأخذ مكانته بشكل كامل في الأدبيات الاقتصادية – الاجتماعية لليسار عامة واليسار الماركسي (الشيوعي) خاصة وبالتحديد.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا بالغ الأهمية: هل يمكن التعامل مع النظام الرأسمالي بنفس العقلية التي سادت المجتمعات البشرية قبل الثورة العلمية التكنولوجية؟

جرى اختراق الأجور وشروط العمل الى اتفاقات عمل عامة واتفاقات عمل خاصة. أي اختفى كل مفهوم الصراع الطبقي التناحري، لم يعد العامل عبدا مضطرا لبيع قوة عمله، بل يختار من يدفع الأجرة المناسبة مقابل قدراته المهنية والتكنولوجية أو الإدارية. المنافسة على العامل المهني فرضت واقعا مختلفا في علاقات العمل .. أي نشا صراع بين أصحاب المشاريع الصناعية لتجنيد العمال المهنيين في مشاريعهم، واتسع  الطلب للعمال المهنيين ذوي الخبرة التكنولوجية، أما غير الملمين بالتجهيزات الآلية فهم هامشيون في الحساب الاجتماعي والاقتصادي وسوق العمل، أصبح صاحب العمل بحاجة ماسة للعمال المهنيين والتكنوقراطيين. أي بات نوعا من التعادلية بين العامل وصاحب العمل. البروليتاريا التي "اكتشفها" ماركس لم تعد بروليتاريا مسحوقة، بل فئات اجتماعية لها مكانتها الحاسمة في عملية الإنتاج. لم تعد الطبقة العاملة هي الطبقة التي صاغ ماركس نظرياته الاقتصادية والفلسفية بناء على فهمه لواقعها.

المجتمع البشري لم يعد نفسه المجتمع البشري الذي حلله ماركس واستنتج من واقعه أحكامه النظرية، خاصة موضوعة الصراع الطبقي التناحري.

ان التطور العلمي والتكنولوجي أحدث انقلابا بتركيبة وتفكير ووعي ومعلومات ومعارف كل الطبقات الاجتماعية بما فيها الطبقة العاملة.

لذا يمكن القول اننا نعيش بداية عصر ما بعد القومية، وليس فقط ما بعد الرأسمالية. هذه الظاهرة بدأتها اوروبا التي كانت دائما في طليعة التحولات الاجتماعية، الثقافية، الفكرية والعلمية. عصر الرأسمالية بمفهومه العتيق، انتهى ويجري تغيير جذري بتركيبة النظام الرأسمالي، نحن اليوم في مراحل ما بعد الرأسمالية ما بعد الاستعمار / لم يعد اسلوب الانتاج هو المعيار، بل النهج العادل للتوزيعة الاجتماعية للثروة.

شبعنا من ترديد مفهوم الصراع الطبقي التناحري خلال المائة سنة الأخيرة، دون ان نفكر هل حقا برز تأثير هذا الصراع في الواقع الاجتماعي؟

أصبح الحديث عن طبقة عاملة عتيقا مع تطور مجتمع مدني بالغ التأثير والقوة تغيرت المفاهيم أيضا التي تتعلق بالطبقة العاملة.

نحن في بداية عصر "ما بعد القومية"، تماما کما اننا في عصر "ما بعد الرأسمالية" - العصر الرأسمالي (البرجوازي) ساهم بتشکيل القوميات وتعميق ترابطها، الحلقات الضعيفة في تطورها الاقتصادي کانت ضعيفة في جوهرها القومي أيضا وما تزال.. من هنا نجد ان الهوية الدينية تجاوزت الانتماء القومي، وبالتالي أغرقت شعوبها بفکر معاد لأي تطور حضاري.

ان انتهاء العصر الرأسمالي الأول سيضع القوميات على هامش التاريخ. هذه الظاهرة بدأتها اوروبا، تاريخيا کانت اوروبا دائما في طليعة التحولات الکبرى في تاريخ البشرية، تحولات اجتماعية، قانونية، ثقافية، علمية.. الخ، لذلك اوروبا تشکل اليوم الاتجاه الجديد.. الذي سيسود عالمنا في عصره ما بعد الرأسمالي!!

 

نبيل عودة

 

محمد الربيعي مرارا وتكرارا، تُظهر الدراسات والاخبار أن النظام التربوي في العراق يعاني بشكل مروع من عدد من المشاكل الخطيرة في الأداء التعليمي والبنية التحتية.

وعلى الرغم من الدعوات لإصلاح التعليم والأداء الضعيف على المستوى المحلي والدولي، لا نرى اي تغيير ايجابي داخل النظام التعليمي، وتستمر المدارس الحكومية والاهلية في عملها على نفس النظام القديم بالرغم من التغييرات الهائلة في انظمة التعليم العالمية.

برغم ذلك لا نتوقع حصول أي قدر من التغيير في ظل الوضع الفاسد الحالي فما يحتاجه نظام التعليم العراقي ليس باقل من تجديد كامل - من الروضة وإلى الدكتوراه. وسيستغرق الأمر أكثر بكثير من مجرد مشروع اصلاحي حسن النية للقيام بذلك.

كثير من الناس على دراية بالصورة النمطية للدراسة في دول شرق آسيا. تحتل العديد من هذه البلدان، مثل الصين وسنغافورة واليابان من بين دول أخرى، المرتبة الأولى بشكل روتيني في التصنيفات الدولية في الرياضيات والعلوم.

نموذج دول شرق اسيا هو ما يمكن تسميته باستنزاف الدماغ المرهق. اعمل اكثر.. ادرس بجد.. تحقق الافضل!. الحقائق والأرقام لا تكذب والدراسة الكثيرة والشاقة تأتي بنتائج – ولهذه الاسباب تتفوق علينا هذه البلدان في الأداء، ولكن هل هناك طريقة اخرى أفضل وأكثر صحة؟

قد تكون فنلندا هي الجواب - بلد غني بالإصلاحات الفكرية والتعليمية على مر السنين الماضية واختبرت عددا من التغييرات الجديدة والبسيطة التي أحدثت ثورة كاملة في نظامها التعليمي. إنها اليوم تتفوق على العالم وتتصدر تقيمات الاداء التعليمي العالمية. ولكن هل يتلائم نظامها التعليمي مع بيئتنا التعليمية ومجتمعنا المدرسي.

تقود فنلندا الطريق بسبب الممارسات الطبيعية السليمة وبيئة التدريس الشاملة التي تسعى جاهدة لتحقيق المساواة وتفضيلها على التميز.

فيما يلي بعض ألاسباب التي قد تكمن وراء تفوق نظام التعليم الفنلندي على الساحة العالمية.

لا يوجد امتحان موحد

 الامتحان الموحد هو الطريقة الشاملة التي يتم بها اختبار الطلبة لمعرفة درجة فهم المواد الدراسية. من المفترض أن تكون الإجابة على الأسئلة الجاهزة بطريقة ما وسيلة لتحديد إتقان أو على الأقل الكفاءة في موضوع ما. ما يحدث غالبا هو أن الطلاب يتعلمون الحفظ فقط لاجتياز الامتحان ويقوم المعلمون بالتدريس لغرض وحيد هو تمكين الطلاب من اجتياز الامتحان.

لا يوجد في فنلندا امتحانات موحدة من هذا القبيل. استثناءهم الوحيد هو امتحان شهادة الثانوية العامة الوطني، وهو امتحان تطوعي للطلاب في نهاية المدرسة الثانوية العليا. يصنف جميع الطلاب في جميع أنحاء فنلندا على أساس فردي ويتم تعيين نظام الدرجات من قبل معلمهم. ويتم تتبع التقدم الإجمالي من قبل وزارة التربية والتعليم، والتي تعتمد على دراسة عينات من مجموعات عبر مستويات مختلفة من الطلاب والمدارس.

لا توجد مساءلة للمعلمين

يلقى الكثير من اللوم على المعلمين وقد نكون محقين في ذلك أحيانا. ولكن في فنلندا، تم تحديد معايير عالية جدا للمعلمين، بحيث لا يوجد غالبا سبب لوجود نظام "درجات" صارم للمعلمين. يصرح باسي سالبرج، وزير التعليم الفنلندي حول مساءلة المعلمين: "لا توجد كلمة تشير إلى المساءلة في الفنلندية ... المساءلة هي شيء يُترك بعد طرح المسؤولية".

في فلندة يجب على جميع المعلمين الحصول على درجة الماجستير قبل دخول المهنة. مهنة التدريس هي أكثر المهن صرامة وانتقائية واهمية في البلد بأكمله.

التعاون لا المنافسة

بينما يرى معظم التربويين في العالم النظام التعليمي على أنه نظام يعتمد على المنافسة بدرجة كبيرة، يرى الفنلنديون الأمر بشكل مختلف. يقتبس سالبرج قولا لصامولي بارونين: "الفائزون الحقيقيون لا يتنافسون".

ومن المفارقات أن هذه السياسات وضعت فنلندة على رأس المجموعة الدولية. لا يقلق النظام التعليمي في فنلندا بشأن الأنظمة "التعسفية" القائمة على الجدارة. ولا توجد قوائم للمدارس أو المعلمين الأفضل أداءً ولا توجد جوائز او مكافئات لهم. إنها ليست بيئة تنافسية - بدلاً من ذلك، التعاون هو القاعدة.

جعل الأساسيات أولوية

تهتم العديد من الأنظمة المدرسية بزيادة درجات الامتحان والفهم في الرياضيات والعلوم واللغات، وتميل إلى نسيان ما يشكل بيئة تعليمية غير مملة ومتناغمة وصحية. قبل سنوات عديدة ركز البرنامج الذي وضعته فنلندا على الأساسيات. لم يكن الأمر يتعلق باهمية الحصول على درجات ممتازة. بدلاً من ذلك، سعوا إلى جعل البيئة المدرسية مكانا أكثر إنصافا واستمتاعا. ومنذ الثمانينيات ركز المعلمون الفنلنديون على جعل الأساسيات التالية أولوية:

- يجب أن يكون التعليم أداة لتحقيق المساواة الاجتماعية

- يحصل جميع الطلاب على وجبات مدرسية مجانية

- سهولة الحصول على الرعاية الصحية

- الإرشاد النفسي

- التوجيه الفردي

بدء المدرسة في سن أكبر

هنا يبدأ الفنلنديون مرة أخرى بتغيير التفاصيل المعتادة في الدول الاخرى. يبدأ الطلاب المدرسة عندما يبلغون من العمر سبع سنوات. لقد تم منحهم الحرية في سنوات الطفولة النامية حتى لا يتم تقييدهم بالتعليم الإلزامي. إنها مجرد طريقة للسماح للطفل بأن يصبح طفلاً. هناك 9 سنوات فقط من المدرسة الإجبارية التي يُطلب من الأطفال الفنلنديين الالتحاق بها. كل شيء بعد الصف التاسع أو في سن 16 هو اختياري.

توفير خيارات مهنية بعد شهادة جامعية تقليدية

تحل فنلندا معضلة المعدلات واختيار الكليات من خلال تقديم خيارات مفيدة بنفس القدر للطالب لمواصلة تعليمه. لا يوجد انقسام مهم بين خريجي الجامعات مقابل خريجي المدارس التجارية والمهنية. يمكن أن يكون كلاهما مهنياً ومرضياً بنفس القدر.

في فنلندا، توجد المدرسة الثانوية العليا، وهي عبارة عن برنامج مدته ثلاث سنوات يُعد الطلاب لامتحان شهادة الثانوية العامة الذي يحدد قبولهم في الجامعة. يعتمد هذا عادةً على التخصصات والخبرة التي اكتسبوها خلال فترة وجودهم في "المدرسة الثانوية".

بالاضافة لذلك، هناك التعليم المهني، وهو برنامج مدته ايضا ثلاث سنوات يقوم بتدريب الطلاب على مختلف المهن. طلاب هذا البرنامج لديهم خيار إجراء امتحان شهادة الثانوية العامة إذا كانوا يريدون التقدم إلى الجامعة بعد ذلك.

يقضي الطلاب الفنلنديون  أيام دراسية أقل مجهودا

يبدأ الطلاب في فنلندا عادةً الدراسة من 9:00 إلى 9:45 صباحا. أظهرت الأبحاث أن أوقات البدء المبكرة تضر برفاهية الطلاب وصحتهم ونضجهم لذا تبدأ المدارس الفنلندية اليوم في وقت لاحق وتنتهي عادةً في الساعة 2:00 - 2:45 بعد الظهر. لا يوجد نظام عام لحشو المعلومات او التلقين في الصفوف، ولكن توجد بيئة من التعلم الشامل مستندة على التفكير النقدي والتحليلي.

تعليمات متسقة من نفس المعلمين

يوجد عدد أقل من المعلمين والطلاب في المدرسة الواحدة من المدارس الفنلندية، وقاعات الدراسة تضم طلبة اقل. غالبا ما يكون لدى الطلاب في فنلندا نفس المعلم لمدة تصل إلى ست سنوات من تعليمهم. خلال هذا الوقت، يمكن للمعلم أن يتولى دور المرشد. خلال تلك السنوات يتم بناء الثقة والترابط المتبادلين بحيث يعرف كلا الطرفين الاخر ويحترم بعضهما البعض.

تختلف الاحتياجات وأساليب التعلم المختلفة لكل طالب لذا تبنى العناية والاهتمام على أساس فردي. يمكن للمعلمين الفنلنديين تفسير ذلك لأنهم اكتشفوا الاحتياجات الخاصة للطالب وعلى هذا الاساس يشرع المعلمين التخطيط بدقة، والعناية بتقدم الطلاب ومساعدتهم على الوصول إلى أهدافهم.

جو دراسي أكثر استرخاءا

هناك اتجاه عام فيما تفعله فنلندا بمدارسها. إجهاد أقل وتنظيم أقل ومزيد من الرعاية. عادة ما يكون لدى الطلاب فصلين فقط في اليوم. لديهم عدة اوقات لتناول طعامهم والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية والاسترخاء بشكل عام. تنتشر على مدار اليوم فترات من 15 إلى 20 دقيقة حيث يمكن للأطفال النهوض والتمدد والاستمتاع ببعض الهواء النقي وإزالة الضغط.

هذه البيئة مطلوبة أيضا من قبل المعلمين. توجد غرف للمدرسين في جميع أنحاء المدارس الفنلندية، حيث يمكنهم الاسترخاء والاستعداد لليوم أو لمجرد الاختلاط بالآخرين. المعلمون يحتاجون إلى الراحة ايضا لكي يؤدوا وظيفتهم بأفضل ما لديهم من قدرات.

واجبات منزلية أقل

وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لدى الطلاب في فنلندا أقل قدر من العمل الخارجي والواجبات المنزلية مقارنة بأي طالب آخر في العالم. إنهم يقضون نصف ساعة فقط في الليلة في العمل على واجبات من المدرسة. لا يوجد مدرسون خصوصيون في فنلندا. ومع ذلك، فإنهم يتفوقون في الأداء على طلبة البلدان التي لديها ساعات طويلة من الدراسة ما بين المدرسة المنزل.

يحصل الطلاب الفنلنديون على كل ما يحتاجون إليه لإنجازه في المدرسة دون الضغوط الإضافية التي تأتي مع التفوق في مادة ما ودون الحاجة إلى القلق بشأن الدرجات والعمل المزدحم، ويمكنهم التركيز على المهمة الحقيقية - التعلم والنمو كإنسان طبيعي.

 

أ. د. محمد الربيعي

...................

* مقتبسة بتصرف من مصادر عالمية