محمد الربيعي الى اين يتجه نظامنا التعليمي؟ لم اعد متأكدا مما إذا كان الشخص الحاصل على شهادات اولية او عليا هو شخص متعلم حقا أم لا. انا غير متأكد مما إذا كانت السيرة الذاتية التي تحتوي على قائمة بأسماء الشهادات تعني أن الشخص يمكنه فهم كتاب او بحث او مقالة او نص أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني أو حتى تقييم المواقف المتعلقة بوظيفته بشكل صحيح.

ألا يجب أن يمكّن التعليم الفرد من الوصول إلى إمكاناته الكاملة في الحياة، ومن القيام بالاعمال التي تفيده والمجتمع ككل؟ الا يجب أن ينتج التعليم فردا يمكنه التفكير بنفسه ويمتلك المهارات الأساسية؟ الا يجب أن يكون الانسان المتعلم قادرا على الحكم على العواقب وتقييم المواقف في الحياة ورؤية آثارها على الذات والآخرين؟

ألا يحتاج الطلاب إلى توجيههم نحو تطوير الأفكار المبتكرة التي تمثل حلولا لمشاكل عالمنا الحالي؟ كل معلم ومدرس لديه القدرة على خلق عالم أفضل. طلابنا لديهم القدرة على تحقيق ذلك. لكن لماذا لا يحدث هذا في الواقع العملي؟

لماذا يستمر هذا الانفصام بين المدرس والطالب؟  الا يمكن أن يكون المعلم مدربا لطلبته بدلا من مجرد تلقينهم الاسئلة والاجوبة وكل ما يشعر بأنه جزء من التعليم؟ تدريب المدرسين والطلاب على التفكير النقدي الحر هو أكبر وأفضل استثمار يمكننا القيام به من أجل مستقبل أفضل.

الا ترى ان الجهل في بلد مثل العراق هو السبب الجذري للعلل السياسية والشرور الاجتماعية، وان محاربته بالتلقين المدرسي والعائلي والديني لا فائدة يرجى منها؟ برأي انه هنا تكمن أهمية التفكير النقدي في مكافحة الجهل والأفكار العبثية والمتطرفة والخاطئة. فغالبا ما يكون عدم القدرة على التفكير النقدي عقبة رئيسية في المناقشات بين العراقيين. إن عدم المرونة وانعدام المنطق قد سمما قدرتنا، كأفراد وكشعب، على تقييم المواقف وتقديرها.

غالبا ما يكون البيت والمدرسة هو المكان الذي تبدأ فيه هذه الإعاقة.

يتم قمع الأطفال بسبب التمرد بأشد الطرق. ويتم استخدام الدين للتحقق من صحة السلطة الأبوية، ويستخدم مفهوم عدم الاحترام لقمع الأسئلة ويتم الترويج للإيمان الأعمى كأسلوب حياة. لا عجب إذن أن التكييف الاجتماعي يفوز على الأداء الإدراكي الكفء. ومن المفارقات أن الوضع يزداد سوءا في المدرسة والجامعة.

في العراق، يذهب الطالب إلى المدرسة، ثم يعود إلى المنزل ويؤدي ساعات من الواجبات المدرسية، وإذا كان الوقت متاحا، يلعب ألعاب الكمبيوتر. هناك عدد قليل جدا من الفرص لممارسة الرياضة أو الموسيقى أو الأنشطة الأخرى بعد المدرسة. إن معرفة الطالب العراقي العامة بالعالم أقل بكثير من معرفة الطالب الغربي. وتتأثر قدرته على العمل في مجموعات، لأن التدريس كله ينبع من النسخ والحفظ والتكرار في الامتحان لما يتذكره. إنه يتدرب على الامتحانات وخوضها في كل وقت. مما يجعله بارعا جدا في إجراء الامتحانات بالمقارنة بالطلاب في المدارس الغربية، لا اكثر ولا اقل. 

يعاني الطلاب من الميل إلى أساليب التدريس التقليدية فضلا عن ندرة المدرسين الذين يمتلكون المعرفة الكافية حول متطلبات المهنة. يتم ببساطة نشر المعلومات، ويفشل المعلمون في بذل جهد إضافي لتوفير موارد مفيدة أو ترتيب أنشطة محفزة داخل الصف. في كثير من الأحيان، لا تعطى اهمية للحوار بينما يكون إكمال المنهج الدراسي له الأسبقية. في معظم الأحيان، تعتبر محاولة خلق مساحة للحوار بمثابة هجوم على معرفة وسلطة المعلم. بالطبع يظل المرء في حيرة من أمره لمعالجة مأزق أولئك الاميين والاميين المقنعين، والذين يعتمدون على المعلومات المضللة الصارخة التي تقدمها الفضائيات والسياسيين الفارغين والشيوخ ورجال الدين، لذلك يظل نطاق التربية والتعليم محدودا.

هناك إحساس زائف من اليقين فيما يتعلق بدور المعلم في تلقين الطلاب. كما يبدو ليس من شأن المعلم فتح النقاش والاستماع الى الاراء. النظام التربوي العراقي لا يؤمن بأن الحجج والمناقشات هي مقدمة للتعلم الفعال، وأنه على الرغم من أن الرغبة في أن تكون على حق هي رغبة جامحة، إلا أنها تمنع سعة الاطلاع وتعزز وباء النظرة الضيقة المتوطنة للغاية في عراقنا. هذا التمسك بالمعتقدات والأفكار دون تفكير مقنع هو بالضبط ما يغذي انعدام الأمن والفوضى السياسية والفساد المستشري.

مع هذا، الوضع ليس مروعا تماما حيث توجد استثناءات معينة للوضع العام السيئ. لكن ما نحتاجه هو شديد التعقيد: مراجعة مكثفة للسياسات المدرسية والأكاديمية، وإدخال طرق بديلة للتدريس، وتدابير تهدف إلى مراقبة تنفيذ السياسات، والاهتمام باراء وتعليقات الطلاب، والإجراءات الأخرى ذات الصلة التي تشكل طريقة عمل على المستوى الكلي مصممة خصيصا لتعزيز الحوار وخلق مساحة للتفكير الحر والنقدي داخل المؤسسات الأكاديمية. نتيجة لذلك ، يمكننا توقع أن نرى تأثيرا متدرجا من المجال الأكاديمي إلى المجال المحلي وستصل في نهاية المطاف إلى كل مفاصل الحياة اليومية.

التفكير النقدي أمر حيوي لتقدم الفرد والمجتمع، ومن مصلحتنا، كشعب، إيلاء الاهتمام الواجب لهذه الظاهرة التي يتم التغاضي عنها مؤسساتيا ومجتمعيا، وإلا سنستمر ننظر الى تخلفنا ببساطة الى انه مجرد تخلف في بناء الحجارة.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

محمد عمارة تقي الدين"لا سلام بين الأمم بغير سلام بين الأديان"، تلك هي قناعة العالم الشهير هانز كونج التي بدونها، وفق ما يذهب إليه، لن يتحقق السلام على الأرض، وأنا أقول، لن يكون ذلك بالإمكان من دون إعادة موضعة قيم التسامح والتراحم الإنساني لتستقر في مركز العقائد مُشكِّلة صلب نسقها الفكري.

فعلينا أن نعترف أننا في عالم تتزايد فيه الأصوليات والجماعات الدينية المتطرفة بشكل مُقلق، تلك الأصوليات التي أنتجت أنماطًا دينية سحقت إنسانية الإنسان بمطرقة الجبر والتشدد، واغتالت روحه بسيف التعصب، وأهدرت كرامته تحت سياط الطاعة العمياء، وجعلته محكومًا بجبرية حديدية لا يملك منها فكاكاً، وكائنًا عاجزًا أمام وجوده المتعين خاضعاً لمفردات مصيره ومخلوقًا مسلوب الإرادة كريشة في مهب الريح، في حين أن الأديان في إصدارها الأول جاءت لتضع الإنسان في مركز هذا الكون وبؤرته المركزية، ومن ثم أوكلته بمسؤولياته التي حددها له خالقه.

تلك الأطروحات اللاإنسانية التي كان لها كبير الأثر فيما نشهده من صراعات وحروب في هذا العالم، ومن ثم يتحتم الإصغاء لمعادلة مفادها أنه لن نستطيع إقرار نموذج تراحمي لإدارة هذا العالم، أو حتى الوصول بالعنف والحروب لحدها الأدنى من دون استدعاء جوهر التراحم والتسامح الإنساني الكامن في كل الأديان ليتخذ موقعه في مركز العقيدة كفاعل أساسي، وفي الوقت ذاته علينا إقصاء أطروحات العنف والتشدد التي حاولت اختطاف الأديان.

فهي إذن متتالية من خطوتين: (الإحلال والإزاحة): أي إزاحة أطروحات العنف من مركز العقائد وإحلال أطروحات التراحم والتسامح محلها، ليعود الدين أكثر قربًا من إصداره الأول، إصدار السماء: إنسانيًا قيميًا تراحميًا.

وفي هذا الشأن يرى الطبيب والفيلسوف الألماني ألبرت إشفايتزر أن المستقبل سيكون حتماً للأديان الأخلاقية التي من شأنها أن تُظهر انحيازًا أكبر للقيم الإنسانية الخالدة واحترام كرامته وتأكيد حريته، في حين أن كل دين - أوكل نمط ديني لتكون الجملة أكثر انضباطاً - يقف ضد هذه القيم الأخلاقية ذات النزعة التراحمية سيكون مصيره الخفوت والانكفاء ومن ثم التلاشي، إذ لن يكن بمقدوره مسايرة وتلبية تطلعات البشرية وما يُمليه الواقع من مستجدات لانهائية تزيد حاجة الإنسانية لإحداث تلاحم إنساني عالمي.

فها هي البشرية وقد طارت بجناحين: أحدهما عملاق وهو التقدم المادي، والآخر قزمته صراعات طويلة وأطروحات إقصائية، وهو التقدم الروحي، فاختل الطيران وكادت أن تسقط، هي إذن بحاجة لخطة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الروح التي قوضتها مرحلة ما بعد الحداثة فسقط الإنسان في هُوّة العدمية وفقدان المعنى، وكما يُقال فكل تقدم مادي يتطلب تقدمًا روحيًا يفوقه أو على الأقل يساويه لتستقيم المسيرة الإنسانية.

يقول (باولو كويلو) في واحدة من مقولاته العبقرية: "سوف يتغير التاريخ فقط متى استطعنا استخدام طاقة الحب، تمامًا كما نستخدم طاقة الريح والذرَّة".

وبالعودة للدين واختطافه باتجاه العنف، فمن المهم أن نُدرك أن أيديولوجيات العنف الديني ما كان لها أن تحقق هذا الانتشار الهائل إلا عبر قراءة الدين قراءة خاطئة ومنحرفة.

فواحدة من الجرائم الكبرى التي ترتكبها جماعات التشدد والعنف بحق الدين هي محاولة صبه، عبر تلك القراءة الخاطئة، في قالب أيديولوجي حديدي يستحيل معه أن يُفهم الدين إلا من خلاله، ومن ثم يتم تطويع كل عقائد الدين لتبرير هذه الأيديولوجيا، فنجد أنفسنا في نهاية الأمر أمام دين جديد مخالف تمامًا لدين التأسيس بل ومضاد ومعادٍ له في كثير من الأحوال.

إذ عبر إتّباع إستراتيجية الإحلال والإزاحة، وكما سبق القول، أزاحت تلك القراءة القيم والرؤى الإنسانية التراحمية النائمة في أعماق النسق الديني وفي بؤرته المركزية وأحلت مكانها أطروحات العنف والتشدد ونفي الآخر بإطلاقه ليتمحور الدين حولها ويدور في فلكها، فقد جرى استيعابه داخلها، وأصبح لا يُفهم إلا من خلال أيديولوجيتها العنيفة والمغلقة، وإنه ليس من مخرج من هذا المأزق إلا بإعادة إحياء هذه القيم الإنسانية في الدين وردّها مرة أخرى ردًا جميلًا لمكانتها المركزية.

لقد تأكدت قناعة لديَّ مفادها أن الدين مُجمل يمكن قراءته قراءتين مغايرتين ومتناقضتين تمامًا: قراءة على قاعدة العنف، أو قراءة أخرى على قاعدة التسامح، وكما يقول علي شريعتي:"الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارًا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة"، من هنا يجب أن تتأسس متتالية مفادها:"أية رؤية ضد الإنسان هي حتمًا ضد إرادة الله، وأية رؤية تؤكد حرية الإنسان وتحترم كرامته هي ذاتها إرادة الله".

يري عبد الجبار الرفاعي، وهو مُحِق في ذلك، أنه ليس من سبيل لإنقاذ تلك النزعة الإنسانية في الدين من دون" التحرر من الصورة النمطية للإله التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب باعتباره إله حرب وقتل وإبادة، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله تستلهم ما يتحلى به من صفاته الجمالية ورحمته التي وسعت كل شيء"، وذلك عبر الانخراط في عقد مصالحة كبرى ومواءمة حقيقية بين من يحمل قناعات دينية وبين ظروف عصره على كل إكراهاتها.

لقد دعا العلامة جمال الدين الأفغاني إلى المساواة بين كل بني الإنسان على اختلاف أديانهم والانطلاق من المشترك بين الأديان السماوية وهو الحض على فعل الخير والابتعاد عن الشرور لتأسيس مجتمع إنساني عالمي جديد، يقول في ذلك:"لا ترى في الأديان الثلاثة ما يخالف نفع المجموع البشرى بل بالعكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أي إنسان كان".

وفي الحضارة الغربية، وعلى الرغم من تاريخها الدموي ضد المخالفين في العقيدة بل وفي المذهب، إلا أن عصورها لم تخلو من المفكرين المنادين بدعوات التسامح الديني وإطلاق الحريات الدينية للجميع، فها هو الفيلسوف الانجليزي التنويري جون لوك كتابه الرائع"رسالة في التسامح" وقد دعا فيه إلى القضاء على بنية التفكير الأحادي وروح التعصب الديني وإقامة صرح الدين وتأسيسه على العقل والتفكير العقلاني يقول لوك:"خلاص النفوس من شأن الله وحده...ثم إن الله لم يفوض أحدًا في أن يفرض على أي إنسان دينًا معينًا... وأن قوة الدين الحق كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الإنسان".

لقد رأى جون لوك أن قضية التسامح الديني، هي القضية الأخطر التي واجهت المجتمعات الأوروبية في عصره،وأنه ليس من مخرج من دون حسم تلك القضية وإقرار التسامح الديني كأطروحة مركزية تتأسس عليها الحضارة الحديثة، إذ شهدت أوروبا حروبًا دينية غاية في القسوة والعنف، كحرب الثلاثين عامًا التي عاصرها لوك بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا، يقول لوك:"لا يجوز استبعاد وثني أو مسلم أو يهودي من الدولة بسبب دينه، إن الإنجيل لا يأمر بشيء كهذا".

ومن ثم أعلنها لوك حربًا شعواء على نزعة الاضطهاد الديني التي استشرت في أوروبا مؤكدًا أنها ليست من المسيحية الحقة في شيء، يقول لوك:"الذين يضطهدون الآخرين باسم المسيح إنما هم في حقيقة الأمر يتنكرون لتعاليم المسيح ... الإكراه هو رذيلة ضد تعاليم المسيح ويجب محاربتها"، ويضيف:"إذا ضل أحدهم فلن يصيبك أدنى ضرر من ضلاله لذلك لا يجوز لك معاقبته بقسوة بسبب أنك تعتقد أنه سيعاني في الآخرة".

لقد باتت الحاجة مُلِحّة، وكما يذهب البعض، إلى الغوص في مستويات التحليل الأكثر عمقاً من أجل دراسة وتمعن الأسباب الحقيقية وراء سيادة الأنماط الدينية المتشددة التي أقصت الإنسان جبراً عن الفعل التاريخي ومن ثم حرمته من صناعة مصيره الأرضي بكلتا يديه، وألقت به في غياهب العدمية، أو حولته لآلة قتل ودمار ضد المُختلف معه أيديولوجياً.

وعليه فلا مفر من إعادة قراءة النصوص الدينية بشكل أكثر مقاصدية وأكثر إنسانية باعتبار أن غاية الله من الإنسان هي عبادته وتحقيق سعادته وطمأنينته واستخلافه على هذا الكوكب، وهي قراءة من شأنها أن تستلهم القيم الإنسانية الرائعة داخل النسق الديني ومن ثم إعادة ضخها كقيم فاعلة في عالم الواقع.

حقيقةً أن البعد الأخلاقي هو بعد كامن في حنايا وتضاعيف النفس البشرية بشكل عميق مُجسدًا حالة من الاستعصاء على الاختفاء والخفوت أو التلاشي والانزواء، وإن لم يعبر عن نفسه في شكل ممارسات واقعية نجده حتمًا يتبدى على الإنسان في صورة مرضية، ولعل ذلك ما يفسر الاضطرابات النفسية لدى المجرمين وفاقدي تلك الأبعاد الإنسانية.

ومن ثم فليكن شعارنا:"دعنا نزاول إنسانيتنا في حدها الأقصى"، أو أن نسعى لتحقيق "لحظات الإنسانية القصوى" باعتبارها هي ذاتها لحظات القرب من الله، فهي إذن واحدة من مقاصد الأديان العليا، وهي ذاتها:"لحظات الوجود القصوى" التي نادت بها الفلسفة الوجودية في صيغتها الإيمانية، أي أن ندور مع الإنسانية حيث دارت ولنتحمل بعضًا من الأعباء الأخلاقية باعتبارنا بشر.

إن إحياء القيم الإنسانية في الأديان وإعادة نثرها فوق هذا العالم هو ضرورة مُلِّحة للبشرية جمعاء في ظل سيطرة منطق القوة على النظام العالمي القائم وغياب العدالة عنه وكأن العالم دولة واحدة يحكمها نظام استبدادي البقاء فيه للأقوى ماديًا وليس الأصلح قيميًا وأخلاقيًا، ووجود بعض الكانتونات الإنسانية داخله لا يمكنها تجاوز أو خرق هذا النسق، وهو ما جرّها إلى الواقع الكارثي الذي تحياه اليوم، ومن ثم فعلى البشرية في لحظتها الراهنة أن تدفع نحو تأسيس نظام عالمي جديد أكثر تراحمية وأكثر ديمقراطية وعدالة، وهو نظام من شأنه أن تتلاشى داخله كل هذه النزاعات الدولية وينحسر العنف إلى أقصى درجة.

ومن دون شك فالأديان بما تحويه من قيم إنسانية أخلاقية تراحمية يمكنها أن تمد هذا النظام الجديد الذي نتغياه بما افتقده النظام العالمي الحالي في هذا الجانب، ومن ناحية أخرى ففي ظل هذا المناخ غير المأزوم الذي نأمله نعتقد أنه من الممكن بناء رؤى وأطروحات دينية ذات نزعة إنسانية أخلاقية من شأنها الوقوف بوجه الأطروحات المتشددة والعنيفة واللإنسانية للنصوص، وهي الأطروحات التي انبثقت عن واقع كانت سمته الأساسية الجهل والظلم والقهر ومن ثم جاءت انعكاسًا له.

كما أنه علينا أن ندرك أننا لسنا بحاجة لمجرد إحياء القيم الإنسانية في الأديان بل العمل على توليد نسق إنساني متكامل من داخل نصوصها لتنضبط بها حركة الحياة، نسق يمكن أن ينسحب علي كل الأديان عبر تأكيد المشترك بينها من قيم التسامح والتراحم والعدالة والأخوة الإنسانية ومن ثم بناءها وتحققها وممارستها الفعلية في الواقع.

فالأمر إذن يتطلب ثورة فكرية كبرى، أي صناعة ثقيلة للعقل الإنساني تأخذ على عاتقها إنجاز تلك الغاية السامية.

يقول الفيلسوف الوجودي مارتين هايدجر:"لن ينقذنا إلا إله جديد"، ونحن نقول لن ينقذنا إلا تصور جديد للأديان وقراءة مغايرة لها، قراءة ترتكز على الأبعاد الإنسانية والتراحمية الكامنة بها.

ومن دون شك فقيم التسامح والأخوة الإنسانية القابعة داخل نسق الأديان يمكن أن تفي بهذا الغرض، وهي القيم المُتسِمة بالوفرة ليس في الأديان السماوية فحسب، بل وحتى في غير السماوية منها.

ومن ناحية أخرى ولتأكيد قيم التسامح الإنساني يجب أن نُقّر بحقيقة وجود الاختلاف والتنوع في الفكر والعقائد، وأن محاولة تنميط العالم وحشده وراء فكرة أو أيديولوجية دينية بعينها هي دعوة محكومة بالفشل، إذ تحمل في طياتها إقصاءً بل وعداءً للآخرين سرعان ما ستتحول لعنف مفرط ضدهم.

وفي التحليل الأخير، علينا أن نُهيئ العقل البشري لهذا البديل المستقبلي ذو النزعة القيمية التراحمية الذي نتغياه ونحثه على الدفع نحوه باعتباره، في اعتقادنا واعتقاد كثيرين غيرنا، هو الحل الوحيد لإنقاذ البشرية من مصير كارثي مُحدق تتجه إليه بقوة.

وأخيراً دعنا نردد مع جون تايلور قوله:"علينا أن نحاول بناء ملامح الطريق الذي يجب اتباعه في المستقبل، لمنع الإنسان من إبادة نفسه".

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

الحسين بوخرطةإن عالمنا اليوم، أي عالم السنة الأولى من العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، يعيش جائحة لم تتكرر كثيرا على مر التاريخ، ويتعلق الأمر بانتشار وباء كورونا المستجد كوفيد 19. لقد تبين، كالمعتاد، أن التمكن من التفوق في التعامل مع ما استجد من المعضلات الكونية بقي دائما مرتبطا بقوة الوعي المعرفي المجتمعي، المرتبط بدوره بتقدم الأوطان والشعوب علميا وتكنولوجيا.

وأمام هذه الحقيقة، تبقى مواجهة هذا الوباء (كنموذج ارتقى بخطورته إلى جائحة كونية)، لا يتجلى في تخويف الناس وترويعهم، بل توعيتهم واعتماد الحزم والمسؤولية في ضمان وقايتهم بكل السبل الممكنة، وعلى رأسها التفعيل الحرفي لشعار "اجلس في منزلك" في حالة استفحال الأخطار والنكبات. فإذا كان تفعيل هذا الشعار الآني، بطبيعته، سيقوي التواصل ما بين أفراد الأسرة الواحدة، وسيرفع من تفاعلهم وتعاملهم مع ضرورة تتبع الدراسة عن بعد عبر وسائل الاتصال العصرية، وهذه الثقافة تعتبر نسبيا الحلقة الأضعف في منظومتنا التربوية والتعليمية، فإن التربية على المواجهة الدائمة للظواهر المهددة للاستقرار، وللعيش المشترك، ولحياة الإنسان، والتي ليست منفصلة عن سبل البحث عن رفاهيته وسعادته، تبقى إلى حد بعيد مرتبطة بتيسير ترسيخ الإيمان مجتمعيا بالعلم، وتطبيق نتائجه في الحياة اليومية. فلا مناص بالنسبة للأم من العمل الدؤوب لتقليص الهوة ما بين التفكير العلمي النخبوي وطنيا ودوليا، المسجل والمحفوظ في الكتب والأطروحات الورقية والإلكترونية، وانعكاساته على مجالات التطبيق المجتمعي على المستويين الفردي والجماعي قولا وسلوكا واستهلاكا.

وعندما يتم الحديث عن ترسيخ العلم في ثقافة وممارسة الفرد، بميزتيه المحلية والكونية، يعني ذلك وجود جهود، بآليات ناجعة، لتسريع وثيرة التقدم في مسار إنتاج أو تجديد النظريات (البحث العلمي) وتطبيقها مجتمعيا، بالشكل الذي يجعل حقائق الماضي مجرد تراث تاريخي، شكلت في زمانها ومكانها مرحلة من مراحل المعرفة العلمية التي تمخضت عنها ممارسات عديدة، وتم تجاوزها بشكل جزئي أو كلي باختراعات وابتكارات جديدة. فمثلا، كان الجمل بفصائله، وهو حيوان من شفعيات الأصابع، وسيلة للتنقل تعتمدها الأنشطة الاقتصادية زمن القوافل التجارية، ليتحول اليوم إلى وسيلة للترفيه على شواطئ البحار والمحيطات، وموردا غذائيا ذا الجودة العالية بلحومه، وحليب أنثاه، وكتلته الذهنية. كذلك، فمنذ ولادة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى حدود بداية القرن التاسع عشر الميلادي، استمر الإنسان يعتمد على قوته الجسمانية مستعينا بالدواب المختلفة في تنقلاته وقيامه بأعماله اليومية. فحتى عندما اخترع أول دراجة هوائية سنة 1817، كانت قوة تحريكها تعتمد على قوة دفع أرجل مستعمليها (vélocipède)، لتتوالى الاختراعات، الواحدة تلو الأخرى، بحيث تم اختراع المحركات الميكانيكية، وموارد جديدة للطاقة، ليتم تجاوز دراجة كل التضاريس الهوائية (VTT)، ويحل محلها دراجة بمحرك كهربائي (نفس التطور غزى بفضل الإلكترونيات كل مجالات حياة الإنسان).

أدرجت هذه الأمثلة في هذا المقال للتعبير أن المطلوب اليوم ليس هو الخوف، بل هو دفع المجتمع بكل أفراده إلى التفكير في كيفية ركوب قطار المستقبل، وتعميم نشر الفكر المقاولاتي المرتبط بالتعليم والتكوين Entrepreneuriat، وتيسير غزوه لعقول فئات الأجيال النشيطة. طموحنا في استمرار الحياة، وتجاوز المعضلات المهددة لها حق مشروع، لكن يجب أن يكون أساسه تفكير كل واحد منا في كيفية تحويل نفسه، وتحويل ذويه، إلى فاعلين في البحث عن الأفكار الجديدة وصنع الأحداث النافعة وطنيا وعالميا. فتجنب الوفاة بوباء كورونا، والذي سيحول دون دخول كل واحد منا إلى التاريخ بهوية مشتركة تحت اسم "ضحايا كورونا 2020"، يجب أن يشكل لنا درسا في الحياة، أولا من خلال التزام الآباء والأمهات بالالتصاق بأطفالهم من أجل تعويدهم على الإبحار في العالم الافتراضي باحثين عن العلم والمعرفة النافعة، والابتعاد عن التفاهة ومضيعة الوقت، واستغلال التكنولوجيا الحديثة في التعلم عن بعد، وجعل الترفيه مرتبطا بالمجال الحقيقي (رياضة، موسيقى، قراءة، مسرح، سينما،....).

إن الرهان الذي يجب أن نسعى إلى تحقيقه يتجلى في تحويل حدث انتشار "كورونا المستجد" إلى مرادف للقولة "رب ضارة نافعة". والنفع في هذا الأمر يتجلى في تربية الأجيال على التمييز بين الرأي والنظرية والحقيقة، وملامسة كون معارف العقل الإلهي لا يمكن تحديدها بالعقل البشري، ليرتبط نيل رضا الله بالجهد العقلي للإحاطة بجزء من معارفه التي لا تعد ولا تحصى، وبمقدار يتجاوز زمنيا قياسه بنقطة ماء في بحر. فالبرغم مما وصلت إليه الإنسانية من اختراعات وعلوم ومعارف خارقة، تبقى حقائق العقول البشرية في مختلف الحقب والأزمنة مجرد حقائق نسبية تاريخية، لكنها محفزة جدا للغوص في مجالات جديدة للبحث عن حقائق جديدة لاكتشاف الطبيعة والذات البشرية وعلاقاتها مع باقي الكائنات ومكونات الكون.

المطلوب اليوم أن نقرب مفهوم النظرية والحصائل المرتبطة بها من الإنسان المغربي، ليصبح البحث عن نظريات جديدة ممارسة يومية في حياة الأفراد والجماعات. ما نعيشه اليوم من ارتباك وضعف الالتزام بالمسؤولية هنا وهناك، يجب أن يضع مؤسسات الدول ونخب المجتمعات المختلفة أمام ضرورة الاجتهاد العميق لخلق آليات دقيقة قادرة على إخضاع البناء العقلاني للأفراد والجماعات إلى معايير المعقولية المنتجة للعلاقات المتماسكة. إنه ورش مجتمعي يجب أن يبتدئ في كل قطر عربي بتربية الجزء الأكبر من أجيال الحاضر والمستقبل على قوة الملاحظة، وطرح الفرضيات والتفكير فيها، والبحث عن فضاءات التجريب والتحليل البرهاني في الداخل والخارج، وتتويج حصائل مراحل حياتهم بمعارف نافعة للذات وللإنسانية.

ما أحوج بلداننا إلى تأهيل أجيالها للإسهام في حركية التاريخ بأوجهه الجديدة والمتجددة، وفي تجاوز المعارف المعاشة بأخرى أكثر نفعا. لقد أبانت التطورات أن الدول المتقدمة، في تفاعلها مع هذا الوباء، مهما كانت الخلفيات والأهداف، قد تجاوزت مرحلة الملاحظة والفرضيات المرتبطة بهذا الفيروس، لتدخل مرحلة التجريب المختبري، متيقنة، من باب الإيمان بالعلم، أن لكل داء دواء في الطبيعة.

خاتمة

مما لا شك فيه، ونحن نتخبط للنجاة من مخالب هذه المحنة، أننا في حاجة إلى شفاعة دنيوية من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تقينا شرور الحاضر. فخاتم الأنبياء، الذي عاش أيامه في شبه الجزيرة العربية خلال القرن السادس والسابع الميلادي (ولد سنة 571م)، سيستضيف بلا ريب علماء الأرض الصالحين بشفاعته يوم القيامة بالترحاب والامتنان. سيمكنه الله عز وجل بلا شك من الجزء الأوفر من علمه، الذي لا يوصف، فارضا تفوق منطق النبوة في الحياة الأبدية، والذي كان زمن حياته الأرضية لا دراية له به، ولا بتراكمات علماء العصور والحقب بعد وفاته. عندها سيتيقن كل عبد عاش على سطح الأرض، مهما كان موقعه الأخروي، من قوة مقولة "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".

 

الحسين بوخرطة

 

 

محمد عمارة تقي الدين"لقد أصبح الإعلام يقوم بدور أهم من المدارس ودور العبادة والجيوش"، تلك مقولة المفكر الاستراتيجي الأمريكي بريجينسكي مُنبهاً لخطورة الدور الذي أضحت تلعبه وسائل الإعلام الحديثة، وهو الأمر الذي تعاظم تأثيره في أيامنا هذه في ظل حالة الانفجار المعلوماتي والانتشار الواسع والتطور الهائل في وسائل الاتصال.

ومن ثم أضحى الإعلام هو السلطة الأولى بلا منازع، فقد أحكم سيطرته على العالم، ذلك العالم الذي تحكمه النفعية السياسية وتتجاذبه الصراعات والمصالح والأهواء، بل وتزايدت التحديات التي فرضتها حروب الجيلين الرابع والخامس عبر وسائل الإعلام الجديدة حيث تفشي الخداع والكذب والتضليل وتشويه الحقائق، فقد بات الفرد منا يتعرض يومياً إلى سيل جارف وتدفق هائل للمعلومات والأخبار والإعلانات، في ظل تفاقم ثلاثية الجنس والعنف والجريمة التي تحكم صناعة الميديا الغربية وبدأت تجد طريقها بقوة نحو إعلامنا العربي.

من هنا، ومع تزايد استهلاكنا لوسائل الإعلام كانت الحاجة لتقييم بل وتفكيك المحتوى الإعلامي لها، ومعرفة الرسائل المضمرة بها ومصادرها والأهداف الكامنة خلفها، ومن ثم سبل الاشتباك معها.

إذ يجب أن تتأكد لدينا قناعة مفادها أن الإعلام بصيغته الحالية هو في معظمه إعلام موجه أو قُل إنه دعاية وبروباجندا وليس إعلاماً إذا ما أردنا توصيفاً دقيقاً، إذ يعمد إلى التحكم في متابعيه عبر مخاطبة اللاوعي لديهم وما يكتنفه من مشاعر الخوف والألم والعاطفة، في حين يغيب حديث العقل ويضمحل، فيتم عبره قيادة الجموع كقطيع من الأغنام لما يريده المتحكمون في تلك الوسائل الإعلامية، والذي هو عادة ما يكون بعيداً كل البعد عن مصالح الجماهير بل مناقضاً لها تماماً.

الملاحظة المركزية هنا، أن الفرد المتلقي للرسالة الإعلامية دائماً وأبداً ما تتنازعه قوتان، فعندما تكون قوة الجذب المركزي (تأثير الإعلام) أقوي من قوة الطرد المركزية (العقل النقدي) هنا يصبح الفرد ضائعاً وسط متاهات الإعلام المؤدلج، غير أنه عندما يحدث العكس وتصبح قوة الطرد المركزية (العقل النقدي) أقوى من قوة تأثير الإعلام يبقى الفرد محافظاً على عقلانيته واستقلاليته.

الأمر المخيف أن وسائل الإعلام الحالية ومع التطور الهائل الذي حدث لها واستخدام تقنيات ومؤثرات بالغة التطور وعالية التأثير، ومن ثم أضحت قدرتها على ممارسة الخداع والتزييف قدرة هائلة، فيستجيب الفرد لها دون أدني تفكير، فها هي وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات الفيسبوك وتويتر وغيرها تتبع آلية نشر الشائعات والأخبار المفبركة والفضائح المفتعلة وتفاهات الأشياء، فيقوم الأفراد بإعادة نشرها دون تأكد من صحة ما يتم ينشره أو أهميته، فقط لأنه يعتقد أن من كتبه أو نشره قبله هو أكثر علماً منه، ما زاد الأمر مأساوية هو إمكانية تخفي الفرد خلف شاشة ولوحة مفاتيح صغيرة دون أن تظهر هويته الحقيقية، فيقوم بإعادة النشر مرات عديدة.

من أجل هذا يتحتم رفع منسوب الوعي الفكري والتحليل النقدي لدى الأفراد وتنمية ثقافة الانشقاق الفكري بمفهومه الفلسفي القيمي والقدرة على الخروج من أسر الإعلام المؤدلج لشق مسارات جديدة للإنسانية، عبر إعمال آلة العقل في حدودها القصوي، فهذا هو الإنسان كما خلقه وكرَّمه الله حُراً مستقلاً ومفعماً بالإرادة، إرادة التجاوز التي مكَّنته من بناء الحضارة الإنسانية وإرساء دعائمها.

  والسؤال الذي يطل برأسه الآن: كيف نتجنب هذا الخداع الإعلامي؟ كيف نستطيع التفريق بين رديء الرسائل الإعلامية وثمينها؟ كيف نحمي أنفسنا من هذا الهجوم السافر على وعينا الإنساني والذي تشنه وسائل إعلامية تنزع في أغلبها إلى التعتيم على الأجندة الحقيقية للمجتمع، عبر آلية (المنع بواسطة العرض)، أي عرض قضايا هامشية بشكل مكثف للتعتيم على قضايا المجتمع المركزية، ومن ثم تسهم في تشويه وعيه بدرجة كبيرة عبر تبديل أولوياته؟

الإجابة في اعتقادي هي في إقرار مناهج التربية الإعلامية على الجميع بداية من الأطفال وانتهاء بالكبار.   

ولكن ماذا تعني التربية الإعلامية (Media literacy) ؟

تُعرِّفها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) بأنها:" الكفاءات الأساسية التي تتيح للمواطنين التعامل مع وسائل الإعلام على نحو فعّال، والقدرة على تحليل الرسائل الإعلامية وتقييمها وإنتاجها، في سبيل تنشئة اجتماعية تجعل منهم مواطنين فاعلين" ، ومن ثم وجَّهت لضرورة إعداد " الناشئة للعيش في عالم تحكمه سلطة الصوت والصورة والكلمة"، وعليه اعتبرت المنظمة التربية الإعلامية جزءاً من الحقوق الأساسية لكل مواطن.

لقد عرّف مؤتمر فيينا في عام 1999م التربية الإعلامية، بأنها:" فن التعامل مع جميع وسائل الإعلام والاتصال، وتمكين الأفراد من فهم الرسائل الإعلامية وإنتاجها واختيار الوسائل المناسبة للتعبير عن أنفسهم". 

أما الرابطة الوطنية الأمريكية للتربية الإعلامية فقد عرفتها بأنها: "القدرة على الوصول والتحليل والتقييم والتواصل مع وسائل الإعلام المختلفة".

ومن ناحية أخرى، وكما يذهب البعض، تعني التربية الإعلاميّة: "إعداد القائمين على الإعلام للقيام بدورهم في العملية التربويّة".

وبالمجمل تُعرف التربية الإعلامية على أنها مهارة التعامل مع الإعلام، أو أنها محو الأمية الإعلامية عبر بناء الفرد على مستويات ثلاث: معرفياً، وسلوكياً، وقيمياً، كما أنها تعني مهارة الاشتباك الإيجابي مع وسائل الإعلام تأثيراً وتأثراً.

فهي ضرورية إذن لحماية المجتمعات من سلبيات المحتوى الإعلامي الزائف والمضلل وتمكينهم من إنتاج محتوى إعلامي قيمي يؤكد قيم الحق والخير والجمال، عبر بناء فلسفة إعلامية تربوية نابعة من القيم والمباديء الإنسانية العامة. 

في العام 2009 وفي أميركا الشمالية تم إطلاق أول مجلة علمية عن التربية الإعلامية وسبل تعلمها.

وفي السنوات الأخيرة أيقنت جامعة الدول العربية أهمية التربية الإعلامية، ومن ثم دعت إلى: " حتمية تضافر كل الجهود الدولية منها أو الإقليمية لتعزيز التربية الإعلامية وإتاحتها كحق للجميع" .

جدير بالذكر أن القدرات الخمس التي تعمل التربية الإعلامية على تنميتها لدى الفرد، هي: القدرة على الوصول لوسائل الإعلام واستيعاب القيم النائمة داخل مضمونها، القدرة على تقييم ونقد وتفكيك المضامين الإعلامية سلبية كانت أم إيجابية، القدرة على الاختيار بكامل الوعي الأنسب من بين الوسائل والمضامين الإعلامية، القدرة على التعبير عن الرأي عبر التواصل المباشر مع وسائل الإعلام، القدرة على إنتاج مضامين إعلامية مع إمكانية إيصالها للآخرين.

وللتربية الإعلامية  أهمية مركزية في تحقيق التزكية على ثلاث مستويات:

أولاً تزكية الجانب العقلي: أي تنمية مهارات التذكر والفهم والمعرفة والتحليل والتفكيك والتركيب والتقييم للمضامين الإعلامية، ومن ثم إمكانية إصدار أحكام بشأنها.

 ثانياً : تزكية الجانب الوجداني: أي تنمية المشاعر والعواطف الإيجابية والتذوق والقيم كالانتماء وغيرها.

 ثالثاً: تزكية الجانب السلوكي: أي تنمية القدرة على الممارسة والإبداع والإتقان، عبر الانخراط في المشاركة الفعلية في الرسالة الإعلامية سواء بالحوار أو المناظرة وغيرها، وصولاً لإمكانية إنتاج المضامين الإعلامية وطرحها على الجمهور.

وبالمجمل فالتربية الإعلاميَّة من شأنها التصدي للتبعيَّة العمياء والاتباع اللاواعي والإدمان المرضي لدى كثير من البشر عند متابعتهم لوسائِل الإعلام عبر تفكيك الرسالة الإعلاميَّة ومعرفة ما تحمله من قيم سلبية وأخرى إيجابية، واستبطان الهدف والغاية من وراء تصنيعها وبثِّها.

فمهمة التربية الإعلامية تكمن في تعليم البشر التمييز بين: الرسائل المعلنة والأخرى المضمرة داخل المحتوى الإعلامي، والتمييز بين كاذب الأخبار وصادقها، بين الحقائق والإشاعات، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الدعاية والإعلان، كما تقود لرفض خطاب التحريض والكراهية والتنمر على الآخرين ومحاوله انتهاك خصوصيتهم، في مقابل إرساء قيم الإخاء والمحبة والتسامح والسلام.

والحقيقة أن التربية الإعلامية قد تطورت كثيراً في الآونة الأخيرة، فلم تعد مجرد مشروع دفاع فحسب، بل مشروع دفاع وتمكين معاً، بمعنى دفاع الإنسان عن نفسه والتصدي للمؤثرات السلبية لوسائل الإعلام، أضف إلى ذلك تمكينه من التواصل مع الرسائل الإعلامية والتأثير فيها بل وإنتاج محتوى إعلامي يعبر عن قناعاته.

ونعتقد أن هذا كله لن يكون بالإمكان من دون إيقاظ حاسة التساؤل النائمة في أعماقنا وإحياء فضيلة التفكير النقدي لنتساءل حول مصداقية الرسالة الإعلامية المقدمة، وما الغرض من تقديمها في هذا التوقيت دون غيره، وهل هي أولوية مُلحّة أم قُصد بها إخفاء أولويات أخرى؟ ومن هم مالكي تلك الوسائل الإعلامية؟ وما هي أيديولوجيتهم الفكرية والدينية والسياسية؟

 

فالقناعة يجب أن تتأكد أنه ليس هناك إعلاماً لوجه الله أو لوجه الحقيقة المُطلقة مهما ادّعى القائمون على الإعلام ذلك، فالجميع مدفوعون بأيديولوجية ما، ومن ثم يتحتم إعمال العقل عبر استدعاء ملكات التفكير الناقد لكشف الرسائل المُضمرة التي يحاول هذا الإعلام بثها.

حقيقة أن التفكير الناقد يمكن من خلاله ليس تفكيك آليات الخداع الإعلامي فحسب بل فهم هذا العالم ومن ثم إمكانية رسم خريطة إدراكية لمعطياته ومتغيراته وموقعنا داخله، أي بلورة رؤية حقيقية للذات وللعالم في آن، ذلك هو العقل كما خلقه الله عقلاً توليدياً إبداعياً وإن كانت قد جرت محاولات لأجل تغييبه إلا أنه لا يزال ممتلكاً القدرة على التجاوز، فلا مفر إذاً من جعل هذا التفكير النقدي بمثابة الدماء التي تسبح في شرايين البشرية باعتبارها مسألة مصيرية لها.

وهي معركة يجب أن تبدأ من الفرد، فهو عليه تبعة إعمال عقله بشكل دائم وهو يتابع الوسيلة الإعلامية ليُدرِّب عضلة التفكير النقدي لدية، فلا يكُفّ عن طرح الأسئلة على نفسه السؤال تِلو الآخر: لماذا يجري عرض هذه الرسالة الآن؟ وهل القضية التي تطرحها جوهرية أم أنه قُصد بها إخفاء قضايا أخرى أكثر أهمية؟ من الذي قام بإنتاج هذه الرسالة الإعلامية؟ ما هو انتماؤه الفكري والأيديولوجي؟ هل تقف وراءه جهة رسمية أم تيارات معارضة أم ماذا؟ في أي دولة تجري صناعة هذا المحتوى الإعلامي؟ ما هي الأهداف الحقيقية لصانعه؟ ولماذا ينفق كل هذه الأموال على تلك الرسالة الإعلامية؟ هل هذا المحتوى رأي، أم حقيقة، أم أن الأمر مختلط؟

وما هي الرسالة المستترة خلف ذلك المحتوى، فدائماً هناك رسالتان: واحدة مُعلنة، والأخرى مضمرة في تضاعيف الخطاب الإعلامي ونائمة في أحشائه؟ هل المصادر التي استندت إليها المادة المقدمة داخل الرسالة الإعلامية هي مصادر موثوقة أم غير ذلك؟ وهل يمكن التحقَّق من صدق هذه المادة؟

هل تلك الرسالة تتضمن رأياً ورأياً آخر؟ أم أنها تتدفق في اتجاه واحد، وما مدى العدالة في عرض الآراء المختلفة إذا وُجِدت؟

فمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة هي إستراتيجية من شأنها تسليحك كمشاهد بالأدوات اللازمة لخوض معركة الوعي الحقيقي، معركة يتعاظم فيها دور العقل ويخبو حديث العاطفة واللاوعي.

 ومن دون شك فالإعلام بصيغته الحالية من شأنه أن يعزز ظاهرة غياب العقل والتفكير العقلاني، إذ بما يُقدمه من مادة إعلامية أصبح يشكل حائلاً أمام بناء ملكة التفكير النقدي المتأني، فالتفكير السريع هو سمته الأساسية، وكما يذهب بيير بورديو فوسائل الإعلام من شأنها استضافة من يفكرون بأسرع من أنفاسهم، كما أنهم يضطرون للتفكير وفقاً للأفكار الشائعة والسائدة التي يتقبلها الجميع والتي في معظمها تافهة ومبتذلة وتقليدية وسطحية.

وبالمجمل نعتقد أن هناك عدداً من المنطلقات التأسيسية التي يتحتم أن يراعيها المتلقي وهو يتابع الوسيلة الإعلامية ليفكر بما تقدمه من رسائل تفكيراً نقدياً لعل أبرزها حتمية الشك المنهجي في كل ما يُقدَّم كمنطلق تأسيسي لتحصيل المعرفة أي إتباع إستراتيجية التفكيك وإعادة التركيب ثم الاستنتاج، ومن ثم عليك كمتلقي أن تبدأ من فكرة مركزية وهي أن كل إعلام بالضرورة هو إعلام مؤدلج، وكن متأكداً أنه مادامت وسائل الإعلام تُلِّح عليك بشكل مكثف بشيء ما فإن هناك أشياء وقضايا جوهرية يتم إخفاؤها عنك، بل إن هناك مؤامرة يجري حبكها ضدك، فأعد إعمال عقلك ومن ثم إخضاع كل القضايا للنقد والتحليل.

  ومن ثم يجب التساؤل دائماً: هل هناك رأي ورأي آخر داخل الرسالة الإعلامية؟ هل المساحة الزمنية للضيوف المشاركة بها واحدة؟ هل الضيوف بنفس المستوى العلمي والمعرفي وغيره؟ هل مُقدِّم الرسالة يوجهني لرأى ما أم يضعني أمام خيارات حقيقية؟ هل التقارير المُقدَّمة تعكس الواقع بصدق؟ هل يجرى توظيف الصور بحيادية؟ هل التصريحات المنقولة مقتطعة من سياقها؟ هل المقصود من مناقشة وعرض تلك القضية هو إخفاء قضية أخرى أكثر أهمية أم ماذا؟ ما مصلحة الجهة الممولة للوسيلة الإعلامية في طرح تلك القضية بهذا الشكل وفي ذلك التوقيت؟ فالكل يبحث دائماً عن مصالحه، فعلى سبيل المثال إن كانوا رجال أعمال فسيميلون في إعلامهم للدفاع عن مصالحهم وإن أتت على حقوق الفقراء وهكذا.

وفي التحليل الأخير، فالتربية الإعلامية أضحت ضرورة ملحة في عصر باتت تحكمه وسائل الإعلام، إذ من شأنها، وكما يذهب البعض، أن تقود المتلقي إلى فهم أكثر عمقاً للمحتوى المعرفي والقيمي الذي تطرحه وسائل الإعلام وتلح به على المتلقي، واستبطان ملامح أيديولوجية الذين يقفون وراءه، ومن ثم التخلص مما علق بالرسالة الإعلامية من شوائب أيديولوجية، بل والاشتباك المباشر مع تلك الرسائل الإعلامية نقداً وتحليلاً وتفكيكاً وتركيباً وتأثيراً وتأثراً، وصولاً لإمكانية إنتاج رسائل إعلامية خاصة بالفرد لتعبر عن قناعاته الخاصة مع القدرة على بثها على الجماهير في آن.

وفي النهاية دعنا نُردِّد مع مالكوم إكس قوله: "إذا لم تكن فطِناً فإن وسائل الإعلام ستجعلك تحب الجلاد وتكره الضحية".

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

يُلْصِقُ اللادينيونَ بمختلفِ انتماءاتهم أَنَّ الدينَ هو مصدرُ كُلِّ عنفٍ وأَنَّ طبيعَتَهُ منتجةٌ للعنفِ . هذه الاسطوةُ حولَ العنف الديني كما وصفها وليام ت كافانو في كتابه القيم: "اسطورة العنف الديني- الايدلوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث"، وأَنَّها من خلقِ العلمانيين فيقول في كتابه المذكور: " فالدولةُ الحديثةُ لم تكن حلاً للعنفِ الدائر في القرنين السادس عشر والسابع عشر وانما كانت هي ايضاً متورطة في هذا العنف". ص 194

 الحق انه لا يوجد عنف ديني في بنية الدين نفسه وفي جوهرهِ وأَصالتهِ، وانما العنفُ يأتي من التدين المشوَّهِ والقراءةِ الاعتسافيةِ للنصِ الدينيِّ . فداعش لم تكن ديناً وانما كانت تَدَيُّناً مُشَوّهاً وقراءةً اعتسافية تسقط عقدها وفهمها المتحجر لنصوص الدين . هذه نقطةٌ جوهرية وهي أنْ نميِّز بين الدين والتدين . الامام الحسين (ع) يقول: (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون). تحف العقول، ص 345. اللعق على الالسنة هو تدينٌ يمارسه الناس من اجل مصالحهم وليس ديناً .

الذينَ يوجهون اصابع اتهامهم الى الدين بأَنَّهُ مصدر كلِّ عنفٍ، لماذا لاينبسون ببنت شفةٍ حول العنف اللاديني والعلماني . هل كان العنفُ في الثورة الفرنسية التي مارست الانتهاكات وتعليق الناس على اعواد المشانق، هل كان هذا العنفُ عنفاً دينياً؟ وهل كان ماصنعهُ هتلر من جرائم وقتل ودمار عنفاُ دينياً؟ وهل ماصنعهُ ستالين من مجازر واهوال وقتل وتشريد، هل كل هذا  عنفاً دينياً؟ وهل الانظمة الشمولية والقمعية التي مارست العنف والارهاب هل كان عنفها دينياً؟ لماذا لايتم الحديث عن هذا العنف الذي له مصاديق واضحه في عالمنا ويتم الحديث عن عنف ديني مزعوم كما وصفه كافانو؟

 وفي الختام ليس الدين هو مصدر العنف وانما التدين المشوه والقراءة الاعتسافية الاجرامية للنصوص الدينية هي السبب . القران يضع المجرمين مقابل المسلمين، لامقابل الكافرين ؛ لان الكافرين يقابلهم المؤمنون . يقول تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 35 مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) القلم: الايات: 35-36.

والعنف اللاديني هو الاشرس والاكثر فتكاً بالناس ومصادرة حقوق.

 

زعيم الخيرالله

 

منى زيتونيقولون إن السجون في الدول المتقدمة من طراز خمس نجوم، وفي بلادنا تكون سجون علية القوم مثلها لتخفيف وطأة الحبس عليهم، ومع ذلك يتعجل المسجونون –حتى المشردين منهم- الخروج من السجن ليس لتبييض صورتهم أمام المجتمع، بل لأن هناك ما هو أغلى خارج أسوار السجن.

الحرية، غنوة الثائرين، وحلم المستعبدين والمسجونين

الحرية؛ صديقة العلم، وبنت العدل، وأم الإبداع

هي أغلى من الحياة،

وهل للحياة معنى بغير الحرية؟!

 

الحرية والعلم.. اقتران لا ينفك‏

يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 30-31].

فقصة استخلاف الإنسان تنبني على أمرين لا سبيل إلى الفصل بينهما؛ وهما الحرية والعلم. بدأت بأن شاء الله تعالى خلق آدم، وإعطائه الحرية أن يؤمن أو يكفر، يطيع أو يقترف المعاصي ويسفك الدماء، وهو ما أزعج الملائكة المجبولين على الطاعة العمياء، ولكن الأمر لم يقتصر على إعطاء الإنسان الحرية، بل تعداها إلى أن ميّزه سبحانه عن سائر مخلوقاته بأن علّمه ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 4-5].

والآيات الكريمة ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ *وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ *وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-9-10]، تشير إلى دور الحواس كأدوات في اكتساب العلم، ولكنها تشير أيضًا إلى العقل كأداة للهداية. فالحواس ليست إلا مصدرًا لجمع المعلومات، ولكن العقل هو القادر أن يفيد منها ويقرر على أساسها أي الطريقين يسلك.

وبالرغم من ذلك فالإنسان لا يمكن أن يصل إلى معرفة كل شيء ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85].

وقد ورد عن السيد المسيح عليه السلام ﴿اعرفوا الحق، والحق يحرركم﴾؛ فالبداية هي طلب المعرفة، ومن الواضح أن أداتها هنا العقل والمنطق وليس الحس أو الحدس، وبه نصل للحقيقة –غير المطلقة-، والنتيجة أن ننال حريتنا.

والبهائم العجماء على النقيض من الإنسان يمكن أن تكون حرة في البرية، لكنها ليست حرة بمعنى التخيير أن تؤمن أو تكفر، كما أنها ليست عاقلة، وليست قادرة على اكتساب العلم، ومن ثم فلا قرارات تتخذها، ولا حساب عليها.

إن قضية الحساب الأخروي تبدو بديهية في ضوء هذين المفهومين المقترنين؛ الحرية والعلم. لا سبيل إلى تخيل وجاهته في حال اختفاء أحدهما من المشهد الإنساني؛ ولأجل هذا فالمجنون والصغير الذي لا يميز مرفوع عنهما القلم، وكذلك المستكره، الذي أتى فعلًا لم يكن حرًا في إتيانه، لولا إجباره عليه.

الحرية والعدل.. خطوات على الطريق

إن جاز أن يكون للحرية أب فهو العدل. العدل يُولِّد الحرية، والثورات وليدة نقص العدالة الاجتماعية، والتي كانت دائمًا وأبدًا ناقصة، ولكن شدة الضغط هي التي تولد الانفجار.

ولكن علماءنا لم يروا بأسًا أن يوجد مستبد عادل، وكأن العدل هو الميزة الوحيدة التي يحتاجها الإنسان لتكون حياته سعيدة، وكأننا بهائم نُعلف لا يهمنا سوى أن يكون مقدار ما يوضع أمامنا متساوٍ لنشعر بالرضا! وكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى في وصف حال المؤمنين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].

الحرية والاستبداد.. عداء لا ينقطع

يقول تعالى مخاطبًا رسوله الكريم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]، وأعتقد أنها أوضح آية في كتاب الله تؤكد على حرية البشر في اختيار أي الطريقين الإيمان أو الكفر، فإن كان رسول الله لم يؤمر بالسيطرة والسطوة والتسلط والهيمنة والاستبداد علينا، فكيف يستحل غيره أن يفعل؟!

في المصباح المنير للرافعي: استبد بالأمر أي انفرد به من غير مشارك له فيه.

والاستبداد هو الانفراد بالتصرف في شأن الناس، ولو كان يمكن أن يؤدي إلى خير ما أمرنا ربنا بالشورى.

ويظهر الاستبداد أقوى ما يمكن في الدين والسياسة، والحرية مع ذلك لا يمكن اختزالها في حرية العقيدة، كما أنه لا يمكن اختزالها في حرية إبداء الرأي.

وعندما نقول إن حرية الرأي قد كفلها الدستور نحن نخطئ خطأ متكررًا بقدر ما نكرر تلك الكلمة؛ فالحرية هي الهبة التي وهبهها الله تعالى لكل إنسان، وأنا حرة منذ خلقني الله، فليس لأي دكتاتور على ظهر الأرض أن يحجر على حريتي في التعبير ويصادرها. ولكن وكما يستبد بعض البشر ويتدخلون في حرية العقيدة لغيرهم، فهم يستبدون لمنعهم من التعبير عن آرائهم، ثم قد يستبدون أكثر بحرمانهم الحياة الحرة.

والمستبد تزلزله كلمة، ويحاول أن يخرس أي صوت يعارضه حتى وإن كان غير مؤثر على استتباب ملكه؛ لذلك كان أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

إن محاولة المستبدين الدؤوبة لقمع الحرية هي أكبر دليل على قيمة الحرية. وهذا القمع يتم التعبير عنه بوسائل مختلفة أقذرها ولا شك التعذيب؛ وليس إلا تخويفًا للأبرياء كي يكفوا عن المطالبة بحرياتهم.

"إن محاولة المستبدين الدؤوبة لقمع الحرية هي أكبر دليل على قيمة الحرية"

ولأجل هذا العداء بين الحرية والاستبداد فليس حرًا من يتحدث عن الحرية ويتلوك لسانه بها بينما يذعن للمستبدين ويخشى بطشهم. لم تكن الحرية يومًا كلمة؛ فالحرية ممارسة تهون أمام السعادة بها كل ما يمكن أن يصيب الحر من أذى.

الحرية للإبداع ضرورة

إن جاز أن يكون للحرية أبناء، فألصق أبنائها بها، والذي يختص بها وتختص به؛ هو الإبداع.

والعبد لا يبدع، كما ولا يمكن أن يكون الإبداع في مناخ استبدادي؛ فالاستبداد يُولِّد اللامبالاة لدى المواطنين ويحصر طاقة البشر العقلية في التفكير في أمور معيشية، كما أنه قد يُولِّد الخوف لدى المبدعين، والإنسان لا يُولِّد فكرًا إبداعيًا وهو خائف. ولا يُستثنى حدوث الإبداع في مناخ استبدادي إلا في المجالات التي لا يتخوف فيها المبدعون ‏من السلطة.‏

ووفقًا لهرم ماسلو للحاجات، فإن الحاجات الفسيولوجية ثم الحاجة للأمن هي أهم الاحتياجات الإنسانية. يقول الله تعالى ممتنًا على قريش ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:4]، فكيف يبدع من انحصر فكره في البحث عن لقمة عيشه أو افتقد الأمان؟!

إن العقل كي يبدع لا بد أن يكون حرًا، لا يستشعر حدودًا ينبغي أن يتوقف عندها، وهو ما يتعذر تمامًا لو تخيلنا حال كاتب يكتب وهو ينتقي كلماته التي يعلم أن الرقيب سيرضى عنها ويُجيزها.

ولأجل ذلك تكثر هجرة المثقفين والعلماء في عصور الظلام التي نحياها خارج بلادنا العربية، ولأجل ذلك أيضًا كان العصر العباسي الأول هو العصر الذهبي للإسلام، الذي انتشرت فيه الترجمة وعرف المسلمون العلوم المختلفة، وبرعوا فيها، وهو العصر ذاته الذي اختلف فيه المسلمون فيما يعتنقونه من عقائد، وفي تقرير أحكامهم الفقهية، وتناظروا، وصنّفوا الكتب في ذلك، ثم عندما ضاقت رحابة الصدر أمام الاختلاف وخُنِقت الحريات فشا التقليد وكاد ينعدم الإبداع.

لا وجود لحرية مطلقة

الإنسان لا يحيا في عالم فارغ إلا منه، بل إن جميع ما يحيط به من بشر وظروف خارجية محيطة كالحرارة والماء والهواء يؤثر فيه؛ ووفقًا لعلم الفلك ولقانون الجذب العام لنيوتن فإنه حتى الشمس والقمر وباقي الكواكب ‏تؤثر هي الأخرى في الإنسان وفي غيره من مكونات الطبيعة بدرجات متفاوتة.‏

ولأجل ذلك لا يوجد شيء يُدعى حرية مطلقة، طالما لا تنفك عن الإنسان الشروط التي تقيد قراراته، ولا تُترك له الحرية في اتخاذها كما يحلو له.

فأنت حتى عندما تقود سيارتك تخضع لشروط وقواعد المرور التي وُضعت لمراعاة جميع أفراد المجتمع، فإن ادّعيت أنك حر حرية مطلقة أن تقود بالشكل الذي يحلو لك وتُعرِّض حياة الآخرين للخطر، فلعل تجربة الغرامة أو السجن، الذي سيُوقَّع عليك كعقوبة، تجعلك تدرك معنى حريتك المطلقة التي تدّعيها.

بل إنه حتى دواخل الإنسان كعواطفه وانفعالاته ونحوها تؤثر في قراراته ولا تدعه حرًا في الاختيار دون مراعاتها.

ولعل أكثر مثال يُضرب على الحرية المطلقة، هو حرية الطيور في التحليق، والذي يُعتبر حلمًا طفوليًا لكثيرين، ومع ذلك فالطير في السماء ليس حرًا حرية مطلقة، فعندما يكون عضوًا في سرب لا يمكنه ترك السرب والتحليق دونه، بل إن ظروف المناخ ذاتها تتحكم فيه وتجبره على ترك مكانه والهجرة إلى مكان آخر.

ومهما ادّعيت تفردك فأنت في النهاية جزء من مجتمع بشكل ما وبدرجة ما. ولا يعني هذا أن على الفرد مسايرة المجتمع بحيث تضيع شخصيته فيه، بل يعني أنه مهما بلغت درجة مغايرتك لمجتمعك أو إعلانك التفرد فأنت في النهاية جزء من المجتمع البشري الأكبر، وتصرفاتك تجاه أفراد هذا االمجتمع تخضع لمراقبة؛ إلهية وبشرية. وطالما يوجد ما يجبرك وتخضع له فأنت لست حرًا حرية مطلقة.

والحقيقة أن حرية الإنسان هي إطار عام يتصرف خلاله بعد أن حدّدته الظروف فيه، مثل ملعب كرة القدم الذي يحق للاعبين الجري وضرب الكرة فيه على ألّا يبرحوا سنتيمترًا واحدًا خارجه.

فالحرية ليست عداءً للنُظم والقوانين. هي ليست مضادة للمبادئ؛ لأنها بهذا المعنى العبثي تخرج بالإنسان عن إنسانيته، بينما الحرية الحقيقية هي سبب رئيسي للشعور بالإنسانية، ومن ثم لا تضاد الضوابط العادلة. ومرة أخرى الحق يحرركم.

وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أن مشيئتنا لا تتم إلا إن شاء هو ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. ولا تعارض بين الإرادة الإلهية والحرية الإنسانية، فحرية الإنسان في إتيان أفعاله مثبتة، وإلا ما كان الحساب ثم الثواب أو العقاب.

وقد اختلف المسلمون من قديم حول حرية الإنسان؛ فقضية نفي الحرية الإنسانية بإزاء ادّعاء الحرية المطلقة قضية قديمة، عُرفت باسم الجبر والاختيار، وارتبطت بها قضية خلق الشر تحديدًا ونسبة المعتزلة خلق أفعال العباد إليهم لتبرئة جناب الله من مسئولية خلق الشر، وهي قضية معروفة لدارسي العقائد.

الحرية مسئولية

من أعاجيب زماننا أن يدّعي أنصار التحرر المعاصرون أن الإنسان حر حرية مطلقة، ومع ذلك فهو غير مؤاخذ على أفعاله أمام الله!

وهذا التصور لا يتبناه الملاحدة فقط، بل وأصبح منتشرًا بين فئات كثيرة ممن يعيشون على هواهم باعتبار أن الله غفور رحيم، وسبق أن تحدثنا عنهم في مقال "مُرجئة آخر الزمان".

وحقيقة الأمر أن العبودية ليست فقط انقيادًا لشخص أو لظروف خارجية، والإنسان الغارق في الملذات المستسلم لشهواته ليس حرًا بل هو عبد، وبمقدار غرقه فيها واستسلامه وانقياده لها تكون عبوديته. ولن يفلت من عبوديتها إلا بإخلاص عبوديته لله.

أما الملحدون، فمشكلتهم أنهم يرغبون في الانفكاك من السلطة الإلهية، والعقل الذي أعطاه الله للإنسان ليكون وسيلته إليه جعل منه الملحدون طريقًا لمناقضة وجود الله وإعلان تحررهم من عبوديته.

‏وما لا يدركه هؤلاء وأولئك أنك تكون حرًا كلما أخلصت العبودية لله. ‏وأن تكون حرًا يعني أن تكون مسئولًا؛ مسئولًا أمام الله، حرًا قويًا بإزاء أي شيء آخر، وحتى عواطفك وغرائزك ونزعاتك، لا تُترك لها الفرصة لتستعبدك؛ فعبوديتك لله تحررك. وكلمة الحق عند سلطان جائر لن تصدر إلا من شخص أعلن أنه ‏عبد لله وحده، لا يخشى غيره.

الحرية أغلى من الحياة

رغم أن الحرية كمفهوم يعتبر ناقصًا في حق الحيوانات، فلا هي تعتقد ولا تبدي رأيًا ولا تتخذ قرارات تُحاسب عليها، إلّا أن المفهوم بمدلوله الحيوي ينطبق عليها. نسمع عن حيوانات تتغير فسيولوجيًا في الأسر إلى درجة أنها قد تُعرِّض حياتها كأفراد للخطر بقلة ما تتناوله من طعام خاصة في أيام محبسها الأولى حتى تعتاده، وأحيانًا قد يتعرض النوع كله للخطر لندرة تزاوجها في الأسر، وكأنها تمتنع عن التناسل مثلما كان العبيد يفعلون قديمًا لأنهم يعلمون أن أبناءهم سيكونون عبيدًا مثلهم.

وإن كانت الحرية هامة لأي كائن حي، فهي أشد أهمية للإنسان. لا يشعر بسعادة إن فقدها مهما امتلك من متاع الدنيا؛ ومن أجل هذا كان ولا زال السجن من أشد العقوبات. لكن إن كانت العبودية والسجن هما شكلا التعبير السافر عن سحق الحرية، فهناك الكثير من الظروف التي تحيط الإنسان وتخنقه حتى لا يعود يشعر جانبها بحريته.

إن الحرية هي المعنى الحقيقي للحياة. والجندي الذي مات وهو يحرر أرضه، والثائر الذي مات دفاعًا عما يراه حقًا، ولا شك ماتا راضيين. ولو كانت الحياة مع الذل لها قيمة عند أصحاب النفوس الحرة ما ضحّوا بحياتهم لأجل أن يتحرروا.

ولعل أشهر الثائرين في تاريخ الإسلام هو الإمام الحسين بن علي، سيد شباب أهل الجنة، والذي يختلف المسلمون حول ثورته، إلى يومنا هذا؛ فالأحرار يرون أن ثورته كانت ضرورة؛ ضرورة لأصحاب النفوس الحرة ليتخذوه مثلًا أعلى عندما تظلم الدنيا ويستبد الفراعين، أما المذعنون للاستبداد فدائمًا وأبدًا، وفي كل عصر ومصر، ستظل أقصى أمانيهم أن يحافظوا على رءوسهم فوق أجسادهم مهما لقوا من مذلة.

سلام على الأحرار، فلا إنسان غيرهم.

 

د. منى زيتون

 

 

ضياء محسن الاسديعندما كلف الله تعالى نبيه محمد بن عبد الله (ص) برسالته السماوية الجامعة وجعلها هدى ونور واضحة فيها تبيان لكل شيء في حياة الإنسان ودستورا أخلاقيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا جامعا لشروط العيش الرغيد للإنسان على الأرض حتى قيام الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها وخدمة للبشرية على مر العصور مما حملته هذه الرسالة السماوية من قيم التي تسمو بالإنسان نحو الرفعة والكمال في الخلق والأخلاق ضمن أطار ما أكدته مفاهيم هذه النظرية الإلهية من خلال الاتصاف بها وبما جاءت به فقد بدأ الله تعالى بتعليم الأخلاق والقيم السامية لأنبيائه ورسله حاملي رسالاته وآخرهم نبيه الكريم محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الجامع للشرائع كلها ممن سبقه فقد كان ذو خُلق عظيم شهد له القاصي والداني والعدو والصديق كما جاء وصفه في القرآن الكريم (وأنك لعلى خلق عظيم) كان رسول الله الأعظم محمدا مثالا في الأخلاق الحميدة وتطبيقاتها التي أهلته لحمل الرسالة السماوية للإسلام والسلام فقد سار النبي على الخلق العظيم والتواضع لله تعالى أولا ولمجتمعه طيلة فترة حياته ومع أصحابه وحثهم على العمل بها وسار على ما كلفه به الدستور الإلهي الذي نزل عليه من قبل الحق تعالى متمثلا بالقرآن الكريم الذي أكد على الأخلاق والقيم والمبادئ العظيمة في التعامل بين الناس بعضهم مع بعض من خلال آيات بينات حملها القرآن بين دفتيه وسار على طريقته ونهجه المسلمين الأوائل المعروفة لديهم والأخرى التي أمرهم بها نبيهم ودينهم الجديد حيث أن القرآن الكريم فيه العديد من الآيات التي تحث المؤمن في المجتمعات العالمية على التحلي بالأخلاق والمبادئ والتعامل الخلوق الذي يرتب وينظم حياة الفرد يوميا في المجتمع والأسرة والمجتمعات المتعايشة معه لإيجاد مجتمع إنساني واحد مبني على العلاقات العامة الرصينة ومنها على سبيل الحصر وهي جزء من فيض منها أكدت على التكافل والتعاون الاجتماعي المادي وسد الفارق الطبقي بين الأغنياء والفقراء (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين) وكذلك (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ومنها التأكيد على رفض الفساد  وأشكاله في جميع مفاصل الحياة المجتمع ليكون نظيفا نقيا (ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) وكذلك رتب العلاقة الحميمة بين العائلة الواحدة وبين الأبناء والآباء في داخل الأسرة الواحدة (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك وإلي المصير) وخصوصا ما يؤكده الله تعالى الحفاظ على العلاقة ما بين أعلى السلم الهرمي للعائلة وأفرادها وهما الوالدان من خلال احترامهما وتوطيد العلاقة القوية بعدد من التوجيهات الصارمة   ونظم المواريث والعلاقات الزوجية لبناء أسرة وبيت ملائم للعيش بسعادة وهناء يصب في مصلحة المجتمع الواسع الفضاء ومن الشرائع والأوامر التي تساهم في تذليل العقبات بين المجتمعات المتنازعة وفضها بالتي هي أحسن وبطرق مدنية حديثة وفق معايير رسم ملامحها القرآن الكريم (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وكذلك (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فأن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .....) و(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)  ومن الآيات الكريمة التي نبذت الكذب والتعامل بالربا والسحت وقول الزور في المعاملات اليومية والحذر من العمل بها خشية تلوث المجتمع بها والانجرار إلى التعقيدات التي سيواجهها المجتمع في المستقبل وساهمت النظرية القرآنية الإسلامية في بناء الشخصية الفردية للإنسان من خلال التوصيات التي أوضحها الله تعالى للإنسان وهو العالم بالنفس البشرية وكينونتها ومصادر الضعف والقوة فيها كما جاء (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن لا لا يحب كل مختال فخور) و(عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) و(والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون) و(والكاظمين الغيض والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) و(وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا)  وغيرها من الآيات التي تضمنها دفتي كتاب الله المقدس (القرآن) التي توصي بالإنسان العمل بها وترجمتها إلى الواقع والعمل بها في مجتمعه.لكن المشكلة التي يعاني منها أصحاب الدعوة الإسلامية المحمدية التي حملت لوائها الأمة العربية لأكثر من أربعة عشر قرنا مضت وصاحبة النظرية الإلهية القرآنية ذات المفاهيم والقيم الأخلاقية العادلة التي سادت بها الأمم المعاصرة لها لم تُترجم على أرض الواقع بعد انتهاء عصر النبوة ولم تستطع تصديرها إلى العالم الخارجي والمجتمعات الغير عربية بل على العكس أضاعوا الكثير منها وبكوا على أطلالها لسنوات عدة ودرسوا ما فيها بعد تشويه مفاهيمها وأغراضها مع تغير نمط حياة المسلم وأفكاره وذاب في بودقة المفاهيم وتصرفات الجيل الجديد من العالم وحضارته الخادعة والمنحرفة في أكثرها وسيرت به نحو الهاوية وانعكست مسيرتها وغيرت اتجاهها حيث أصبح الغرب يصدر لنا أفكاره وقيمه وحضارته وكثير من سلوكه الأخلاقية المأخوذة أكثرها من تراثنا الديني والموروث العربي ويمرر ما يريد من الانحرافات الأخلاقية لغزو المجتمع العربي والإسلامي بآلياته الفكرية التي فرضها على المجتمعات الإسلامية والعربية فالمسلم لم يتغير نحو الأفضل بثقافته العربية الإسلامية ولا أستطاع أن يغير في المجتمع فلو أستطاع المسلمون إيصال تعاليم القرآن الكريم بالقراءة والتطبيق إلى العالم والغرب بالخصوص لكان الإسلام شئنا آخر ونالوا الاحترام لدينهم وعقيدتهم ونبيهم الكريم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لكن بقينا ندور في حلقة كنا وكانت أمتنا في الماضي الجميل ومفهوم كنا خير أمة أخرجت للناس أما الحاضر فقد ضاع كل شيء جميل فيه واندثرت أكثر مبادئها وقيمها بين طيات الكتب الفلسفية والمعرفية والموروث التاريخي فحسب.

 

ضياء محسن الأسدي

 

 

رضوان ضاويبقلم: غيرهارد شتاجون

ترجمه من اللغة الألمانية: الدكتور رضوان ضاوي.


 يمثل الأشخاص المتدينون في بعض الأحيان وجهة النظر التي تقول بأن علم الطبيعة- على خلاف غيره- يمكنه أن يكون مساعداً في البحث عن الحقيقة. ومن المحتمل أن يكون العكس هو الصحيح؛ ذلك أن علم الطبيعة يكون مزعجاً فقط أثناء البحث عن الحقيقة، لأن هذه الأخيرة توجد عند الله، ولم يكن الله في يوم ما موضوعاً لعلم الطبيعة. ويجب علينا أن نعترف بأن هذا الأمر ليس خاطئاً تماماً.

الواقع أن علم الطبيعة لا يملك أية وسيلة تمكنه من الاستدلال على ما هو إلهي أو تفنيده. فالله هو الجوهر الروحي الوحيد الذي لا تتعرض له قوانين الطبيعة. ولكن ألا يمكن اعتبار هذا الأمر تعبيراً عما هو ربّاني؟ كان هذا هو سؤال (جوته) العظيم من قبل، وهو: أليس في استطاعتنا تقصي الله أولاً عبر الطبيعة؟ ولهذا فإن المحصلة الأخيرة هي أن صورة العالم قد بلورت صورة الله في علم الطبيعة.

وفي الحقيقة، كلما تعمق المرء في علم الطبيعة، كلما امتلك روحاً كونية بشكل واضح. ولا شيء يعارض النظر إلى الروح الكونية على أنها روحُ للخالق. وتعبر روح الخالق هذه عن نفسها بلغة مجردة وواضحة وصارمة – ويمكن للمرء أن يعبر هنا أيضاً عما هو إلهي في الطبيعة. وهذه اللغة هي بالضبط لغة الرياضيات، التي بها يستطيع المرء وصف الطبيعة بشكل دقيق ضمن حقول معرفية واسعة. فلغة الرياضيات هي لغة الله. وعلى هذا النحو يمكن لنا أن نقول في النهاية بأن الله هو الرياضي الحتمي والسامي على الإطلاق. وليس معنى هذا أنه لم يتم التعرف على الله إلا في هذه اللغة، فحتى الموسيقى يمكن أن نفسرها على أنها لغة إلهية. ولكنها لغة بُنيت رياضيّاً أيضاً. ومع هذا كله لا يبذل الله جهده فيما هو رياضي خالص.

إن الله هو ذلك السر الأخير الذي لم تبلغ فيه الرياضيات أيضاً أقصى حد في مستوياتها العليا. وهذا أمر رائع. فمن يريد أن يعيش في عالم خال من الأسرار؟ “فعندما يغيب عن الإنسانية الشعور بأن العالم يضم بين جنباته سرّاً ما، ينتهي كل شيء”، كما قال عالم الأدب اليهودي جرشوم سوليهم Gerschon Scholem (1897-1982). وفي الأخير يشترك الدين مع علم الطبيعة في الهدف ذاته، وهذا الهدف هو “فتح أبواب الإدراك والمعرفة، وبالتالي يصبح الإنسان واعياً بوجوده الخاص في هذا الكون، وواعياً بمكانته الخاصة في العالم”.

إن معرفة الذات هي القوة الدافعة للدين وللعلوم الطبيعية. كما أن الملاحظة والتجربة التي تقدمها العلوم الطبيعية هي دائماً عبارة عن ملاحظة الذات Selbstbeobachtungوالبحث في الذات Selbsterfahrung. إن كل نظرة إلى النجوم- ولا يهم هنا إن كانت بالعين المجردة أو عبر التلسكوب- هي نظرة في ذات ما، وهي أيضاً سبب لكي تحركنا هذه النظرات بشكل عميق وتجعلنا نصاب بالدهشة أيضاً. و يصدق نفس الشيء على النظر عبر الميكروسكوب في عالم الأشياء الصغيرة جداً. ويختفي التحجر في كلمة “الدهشة” بالنظر الى الظهور الذي يتحدث فيه إلينا شيء ما، والذي لا يدل سوى على فيزياء الظهور.

ولهذا السبب يضعنا، هكذا، علم الطبيعة في حالة متواصلة من التعجب والاندهاش بالنظر إلى شيء يكون دائماً أكثر غنى وأكثر دقة، وأكثر إلغازاً من النظرية التي تدور حوله. ويتعلق الأمر في علم الطبيعة أيضاً بالاحترام والتوقير، إلى جانب الملاحظة الدقيقة والمعنى الموحد لموضوع الملاحظة (للملاحَظ). ولا يتوافق علم الطبيعة مع ما هو روحي فقط، بل هو نفسه مصدر غير مخلوق للروح. وتلتقي نوعيات الجودة الدينية والفكرية تماماً على دائرة معارف العلم من تلقاء نفسها.

ويُفهمنا علم الطبيعة بوضوح أنه لا يستطيع أن يقول أي شيء عن الله نفسه أو عما هو إلهي في الوقت ذاته. ذلك أنه يعرف بدقة متناهية مجال صلاحياته، ولا يخجل بأن تعطى إلى جانب ما هو معرفي وتفسيري، بعض ما هو لامعرفي ولاتفسيري. ولم يُضمر علم الطبيعة قط العداء لما هو ديني. وهذا ما يلاحظه المرء عندما يستعرض جل علماء الطبيعة الكبار- من بيتاغورس Pythagoras وكوسونوس Cusanus، وكبرنيكوس Kopernikus، وجاليلاي Galilei، ونيوتن Newton، وداروين Darwin، وحتى بلانك Planck، وأينشتاين Einstein، وشرودينغر Schrödinger، ومايزنبرغ Heisenberg، أو كارل فريدريش فون فايتسزيكرFriedrich von Weizsäcker-Carl – الذين كانوا و ما يزالون أشخاصاً متديّنين. فالتديّن لا يُعرقل روح الباحث في العلوم الطبيعية، بل تستطيع المعرفة في مجال العلوم الطبيعية تعميق التديّن الموجود.

لقد أعطى الانسان لنفسه اسم “الانسان العاقل” Homo Sapiens، ويمكن للمرء ترجمة هذا الاسم بـ”الانسان العالم”، أو من الأفضل ترجمته بـ”الانسان الحكيم”، لأن الحكمة تتجاوز المعرفة بكثير. إنها تضم التجربة، وبالخصوص تجربة الإيمان. وكان يسود الاعتقاد في تاريخ الإنسانية أن المعارف الطبيعية والإيمان الديني قد ظهرا في نفس الوقت.

يمكن للمرء أن يقول إن الله أعطى للإنسان عقلاً كبيراً لكي يستعمله من أجل التوصل الى معرفة العالم وخالقه؛ ذلك أن الفهم الأصلي للطبيعة كان فهماً دينيا. وقد شُبّه العلماء في المجتمعات التي تنتمي إلى ما قبل التاريخ برجال الدين، لأنهم كانوا حكماء، وقديسين، وأولياء، في نفس الوقت.

وإذا نظر المرء الى الـ 5000 سنة الماضية من تاريخ الإنسانية، فإنه سيتولد لديه الانطباع، كما لو كان الايمان بالعقل، قد أقصى الإيمان بالله وبالآلهة. وعندما يفتح الباب أمام الحداثة يتم دائما غلق الباب المؤدي الى الإيمان، وتحل المعرفة مكانه. والطريق الذي سارت فيه أوروبا نحو التنوير، هو طريق لا يمكن التراجع عنه.

يجب إعادة تفسير الصور الدينية القديمة، سواء في القرآن أو في الإنجيل، من جديد. فما كان مقدساً بالنسبة للإنسان قبل 2000 سنة يجب أن لا يكون اليوم مقدساً. فحتى المقدس يتغير. فلم نعد نفهم البرق والرعد كعلامة على الألوهية، كما كان يفعل الناس قديماً.

لا يضعف التنوير والعقل إلا جزءاً من الإيمان الديني الذي يتناقض بشكل كبير مع المعرفة الحداثية. إلا أن هذا الإضعاف هو أمر صحي، فالإيمان الجاهل هو إيمان ضعيف جداً. وقد قدم الإسلام حالياً هذه التجربة بشكل واضح.

كانت جماعة المسلمين في الماضي قوية، لأنها كانت مكاناً للتكوين. تقول صلاة محمد: اقرأ. ولم يحدد القرآن ما يجب أن يقرأه المرء. وقد قرأ مسلمو العهد الإسلامي المبكر أعمال علماء الطبيعة اليونانيين، والرياضيين، والفلاسفة، ودرسوا أعمال الفرس والهنود والصينيين القدماء. والنتيجة أن العلوم الطبيعية والرياضيات بلغت أوج عصرها الذهبي في العالم الإسلامي. وطور المسلمون علم فلك جديد، كما طوروا الجغرافيا وفروعاً جديدة في الرياضيات.

وفي القرن الخامس عشر بدأ علماء الدين المسلمين بوضع حد للعلوم الطبيعية. وبعدها تَوَجّب الاعتماد فقط على ما جاء في القرآن. وكانت النتيجة هي تراجع فكري تام في عصر كانت فيه أوروبا قد دخلت عصر النهضة وبدأت المعرفة في العلوم الطبيعية ومعرفة الرياضيات تتملك أوروبا، مما قمع المسيحية حتى الآن بشكل واضح. ومازال العالم الإسلامي يغرق في عدائه إلى اليوم للعلوم ويفقد التواصل مع العالم المعاصر الذي أسس نفسه على العلم. مع أنه يوجد في القرآن بأن الله يساعد الذين يوسعون أفقهم الفكري في كل الاتجاهات.

وحسب التفسير الطبيعي الحداثي للعالم، أصبح الله أكبر، وأصبح مبهماً، على ما كان يظهر عليه في أساطير الإنجيل. ويعتمد الله أساساً – إن صح التعبير – على كل الأسئلة التي يحاول العلم المعاصر الإجابة عنها. ولا ينغلق الدين الحقيقي على علم الحداثة، لأن الله يعلن عن نفسه بطريقة واضحة في هذه المعرفة. ويجب على الدين أن يعرف بأن علم الطبيعة لا يمكن التغلب عليه، حتى بواسطة التكذيب الديني.

وهناك أمر أكيد أيضاً، هو أن حقائق العلوم الطبيعية ليست حقائق شاملة، بل هي آخر حقيقة، توجد عند الله. وهو ما يعرفه العلم أيضاً. فأيُّ نوع من الحقيقة هذه؟- هذا ما لا نعرفه.

 

** المترجم: أستاذ اللغة الألمانية وباحث في الدراسات الثقافية المقارنة، الرباط، المغرب.

..................

*مقال: “هل علم الطبيعة عدو للدين؟” (ص. 62-66) من كتاب “إذا كان الله خيراً، فلِمَ يوجد الشر إذاً في العالم؟ أسئلة في الدين”. لـغيرهارد شتاجون، دار النشر هانزر، ميونيخ، 2006. (عدد صفحات الكتاب 207).

Ist die Naturwissenschaft ein Feind der Religion ?: Im «Wenn Gott gut ist, warum gibt es dann das Böse in der Welt? Fragen an die Religion». Gerhard Staguhn, Hanser-Verlag, München 2006. (207 Seiten).

 

 

فادية سمير السيدمفهوم الولاء من المفاهيم التي تثير في العقل البشرى معانى سياسية وأخلاقية يرجع ذلك إلى أن مفهوم الولاء مرتبط بالسلطة والحرب، كما أنه مرتبط بالأهداف العامة للسياسة العامة والقوانين الأساسية خاصة في النظم العسكرية، وأخيراً فهو مرتبط بالدولة ونظامها وسياستها.

ورغم أن الولاء هو أحد القيم الأخلاقية التي يجب على الفرد التمسك بها، فإنه دائما ما يثير مشكلات كثيرة منها ما يتعلق بماهيته، وما مدى الحاجة إليه، وما القضايا التي تتعلق به، وهل الشعور بالولاء فطرياً أما مكتسباً؟ فمع تتطور المجتمعات، وتشعب العلاقات بين الأنظمة المجتمعية، أصبح لمفهوم الولاء أهمية كبيرة لعلاقته بتماسك المجتمعات وتطورها.

فالإنسان في العصر الحاضر يعانى الحيرة والارتباك تجاه المثل العليا - ومنها الولاء- والواجبات المهمة، وانتشر الشك في الأحكام الأخلاقية،  كما زادت المطالبة بتغير القيم تغييرًا جذريًا.

وإذا كان الولاء يعنى (إيمان الفرد بقضية معينة والتفاني من أجلها) وبرغم أن مفهوم الولاء قد يبدو مفهوماً بسيطاً فإنه عميق لكونه متصلًا بقلوب وعقول الناس، كما أنه متصل بالوجدان الجمعي. فهو شعور يتنامى بداخل الفرد، ويتراكم عبر التجارب الحياتية ويزاد عمقاً وثقة على مدى العمر الإنساني.

وما نقصده بمبدأ الولاء هو حق الفرد في الولاء ولكن بدون تحطيم ولاءات الآخرين، حيث يسمح لكل مواطن مهما كان وضعه أن يحقق ولاءه، فعندما يفهم المواطنون هذا المبدأ للولاء فإنه من شانه أن يوحد بينهم ويذيب الفوارق بين الطبقات.

بالنظر إلى المجتمعات السياسية على مدى العصور نجد عوامل الفرقة والتفاوت بين الطبقات سمة من سماته ولعل ذلك يرجع إلى الاختلافات في المستويات المادية والثقافية والاجتماعية بين أفراد الطبقة الواحدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أتساع الاختلاف بين الرجل والمرأة، فالرجل يسعى لإحكام سيطرته على المرأة ،والمرأة بدورها تسعى إلى مزيد من الحرية، فكل هذه الصراعات هي في جوهرها صراعات بين الولاءات.

يحقق الولاء الانسجام بين الأفراد وخاصة عندما يكون ولاؤهم، ولاء لقضية الولاء ذاتها. لأن من أسس القضية الجديرة بالولاء مشاركة أكبر عدد ممكن من الأفراد فيها، وخدمتها لغاية اجتماعية عامة، فبذلك يمهد الولاء الطريق لوحدة الوطنية، وهذا ما يحتاج إليه المجتمع السياسي الصحي والسليم.

فالولاء رغم كونه موضوعًا لنظرية الأخلاقية، فانه يلقى بأثره على الوضع السياسي، فإذا كانت قضايا الاقتصاد والتنمية ومشكلات البطالة ذات أهمية كبرى، فإن مشكلة الوحدة الوطنية لا تقل أهمية عن هذه المشكلات، ولن نستطيع الدخول لهذه المنطقة الساخنة من المسرح السياسي وحل ما بها من مشكلات دون أن يكون حاضرًا في عقولنا مفهوم الولاء على مستوى النظري والعلمي.

ويبدو لى إن مفهوم الولاء يجمع بين البعد الأخلاقي والبعد السياسي، فالولاء يتقاطع ويتشابك عبر مستويين جوهرين وهما: مستوى الشعور الإنساني العميق أو الباطني بإعجابه أو بحبه أو بإيمانه بقضية معينة وهذه المرحلة الأولى التي من الممكن أن تحمل الطابع الأخلاقي الباطني، وهى ما قد نطلق عليها الضمير الأخلاقي الذى يواجه سلوك الفرد ويحاسبه، إلا أن مسألة القول بهذا الضمير الأخلاقي ليس حدًا فاصلًا حيث أنها مسألة لا تخضع لتحقق، كما أننا لا نعلم مصدرهذا الضمير الأخلاقي غير أنه يمثل في ثقافتنا العربية الخوف من الله، كما أنه نسبى مختلف من فرد لآخر، كما أن وجوده ليس مسألة حتمية؛ لأن الواقع يفيض بالأفعال المشينة والمحرمة التى حرمها الله، فالضمير الأخلاقي ليس نهاية المطاف.

وهنا تأتى المرحلة الثانية وهى العمل على خروج إيمان الفرد من حيز الشعور والاحساس الكامن في الضمير الأخلاقي إلى التطبيق الفعلي الملموس، وإن كان االمستوى الأول أخلاقياً خالصاً فأن المستوى الثاني مختلف، فقد يكون سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا، حسب موضوع الولاء. وهنا يلازمنا القول أن تحول الولاء من المفهوم الأخلاقي إلى مفهوم سياسي تتحكم فيه عوامل كثيرة منها شخصية الفرد وسلوكه وطبقته وكذلك مصلحته الخاصة والعامة.

وإذا نظرنا إلى مشكلة العلاقة بين السلطة والولاء في المجتمع سنجدها علاقة نسبية؛ فعندما تنفصل السلطة عن الشعب من خلال عدم مشاركة الفرد في القرارات السياسية المهمة، ومن ثم عدم مراعاة السلطة التنفيذية لمصالح الأفراد، يؤدى ذلك إلى شعور الفرد بالاغتراب، وتقل درجة ولائه، وتتحول السلطة بالتالي إلى قوى طبيعة لا تبالى بالإنسان في أعمالها، وهنا يسعى الفرد للتخلص منها. فإذا أتسمت منهجية القديمة فى السياسة فى بناء الكيانات السياسية بعدم حضور مفهوم الولاء، ولم تلتفت بالتالي إلى القيمة العليا للولاء التي يمكن من خلالها الانجاز والكفاءة. وعلى الرغم من أن العقود الماضية التى تم الاعتماد فيها على المؤسسات التقليدية التي أوجدت نوعًا من التنوع المحدود داخل حدود الكيانات السياسية، فأن سنوات العقدين الأخيرين شهدت نوعًا من التفريغ الشديد غير المسبوق في الكيانات السياسية. فهل يكون الولاء للدولة بصفتها الوطن، أم للسلطة السياسية، بصفتها نظام سياسي يحتمل الصواب والخطأ؟ وهل النظام السياسي يحمل ولاء حقيقياً يشبه ولاء المواطن لذاته ولوطنه؟ ومن الذى يعيش حالة الشك والقلق: هل هو  المواطن الذى يمتلك قوة ونفوذ للتغير، أم النظام السياسي الذى يملك المال والقدرات والأجهزة، ويتخذ كل القرارات التى قد تفضى إلى هلاك الدولة؟

هناك فارق يجب علينا ونحن نحاول البحث عن الإجابة أن نقف أمامه، ونعنى به الفارق بين الدولة وبين النظام السياسي بشكله القائم، فالدولة هى الكيان ذو الطابع السياسى، الذى يتكون من مجموعة من الأفراد، يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم. أما النظام السياسي فهو يقوم بالعديد من الادوار أو الوظائف المتعددة استنادًا إلى السلطة المخولة له، والتي يمكن أن تتبدل أو تتغير مع تغير الأحوال والأوضاع الخاص بالشعب أما بشكل سلمى أو بأشكال أخرى مثل الثورة  أو الانقلاب أو العنف الشعبي. مما يعنى أن النظام السياسي هو الأضعف فى المعادلة السياسية، ويرجع ذلك إلى خوفه من انتزاع السلطة منه بأى شكل من الاشكال المشار اليها.

فمن الأفضل أن يكون ولاء المواطنين فى دولتهم لأوطانهم ولأنفسهم ولتاريخهم؛ فكل الأنظمة التى طالبت بالولاء السياسى كشرط رئيس للحصول على المنافع والفوائد والأمن مقابل مصادرة الحرية وحقوق التمثيل الحقيقى ،فاجأها التاريخ كما حدث فى أوروبا الشرقية أو الثورات فى العالم العربي، ففي الدول الأكثر ديمقراطية أصبح الولاء هو ذلك الذى يحمله النظام السياسى لبرنامجه ولسياساته وللمواطن وللدولة بشكل مطلق.

كما أن محاولة جعل الدين مصدرًا للولاء تعد من أخطر ما يتعرض له الولاء في أى مجتمع؛ لأن الولاء الديني يميل إلى التعصب والعنف والعيش في الماضي، والتنازل عن العالم الواقعي مقابل الاكتفاء بالبحث عن العيش فى يوتوبيا مفقودة. كما أنه يرتبط بالعنصرية والفاشية وضيق الأفق، ويمهد الطريق للحروب بين أفراد المجتمع الواحد من جهة  بين والدول الأخرى من جهة أخرى. وهذا ما فعله تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) في مصر بعد الثورة.

هذا النوع من الولاء الديني يجعلنا أمام مشكلة أخرى هي: أيهما يجب علينا أن نختار: الولاء للوطن أما للدين ؟ إن مسألة تصنيف الولاء هل هو وطني أما ديني هي من أخطر المشاكل التي تهدد بقاء الولاء ذاته ؛ لأنها تعمل على تضيق المجال أمام الولاء، فالولاء الدينى يجعلنا نترك الواقع ونسعى إلى الآخرة وحسب، كما أنه ينفى الولاء للوطن، ويكفى أن نشير إلى أن الولاء الديني كان فى فترات تاريخية عديدة سببًا في الحروب الصلبية ونشأة الدولة الصهيونية، أما الولاءات الوطنية أدت إلى حربين العالميتين.

فالولاء في العصر الحديث لم يعد قاصرًا على الولاء بالمعنى الديني أو الوطني؛ لأن هذا المعنى ضيق جداً وإنما أصبح يواجه ولاءات كثيرة، ولا تقل أهمية عن الولاء التقليدي للدين أو للوطن، حيث أن حصر الولاء في المفهوم الخاطئ وضيق مفهومه وحصره فى قضايا جزئية  لا يؤدى إلا إلى مزيد من صراع الولاءات.

وكما أشار لذلك زكى نجيب محمود بقوله ".. إن الولاء يعنى تجسيد الأبدي في الافعال التي تقوم بها الذات الإنسانية " (قيم من الثراث ص 39).

فالولاء ليس مجرد الانتماء لفكرة أو مجرد الاعتقاد في شيء أبدى، وإنما هو التعبير عن هذا الاعتقاد في الحياة العملية للإنسان .

و أخيرًا يمكننا إن نقول أن الولاء هو حلقة الوصل بين الأمة وتاريخها ويحقق التواصل بين أجيالها، ويوحد بين الشعب وقادته، فبغض النظر عن القضية التي يخلص لها القائد، فالقضايا لا تموت بموت القادة؛ لأن الولاء يحافظ على وجودها وبقاءها، فالقضايا التي بدت ميؤوسًا منها وخاسرة في لحظة تاريخية معينة ،كان الاستمرار والبقاء من نصيبها في لحظة تاريخية أخرى.

فالولاء يمد القضايا بمقومات الحياة، وهذا هو المعنى الذى نحتاج إليه في مصر المعاصرة من الإيمان بالقضية بعيدًا عن بقاء القائد أو رحيله، فإيماننا بالأفكارلا الأشخاص، فالأفكار باقية والأشخاص يرحلون.

 

د. فادية سمير السيد

باحثة دكتوراة فى الفلسفة السياسية

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءتنا الفلسفية لأسرار دولة الألتراس، حيث نقول: وهناك مصطلح روح الألتراس  Spirit Ultras ؛ حيث تعتقد مجموعات الألتراس حول العالم في وجود ما يسمى بروح الألتراس، وهي روح يولد بها أعضاء الألتراس، ولا يكتسبونها مهما حدث، ويصفونها بأنها " تلك الروح المقدامة المثابرة، العاملة في صمت وجهد؛ لتحقيق أهداف عظيمة، لا يتم إنجازها إلا إذا انصهرت أرواح أفراد المجموعة في كيان واحد تحت علم ناديها"، ضد الجميع من وسائل الإعلام التي تهاجمهم، ولذا تطلق ً باستمرار، وضد الفرق المنافسة، وأحيانا ضد المخربين من أبناء النادي أنفسهم مجموعات الألتراس على نفسها "خط الدفاع الأخير"، الذي يدافع عن كرامة واسم النادي الذي ينتمون إليه، ويحملون على عاتقهم الحفاظ على الصورة المشرفة لجماهير ذلك النادي الذي عشقوه وترجموا هذا العشق بأفعال يشهد الجميع بها.

ومجموعات أولتراس عادة ما يكون لها ممثل يتولى الاتصال مع أصحاب الأندية على أساس منتظم، ومعظم هذه الاتصالات تكون من أجل التذاكر، وتخصيص مقاعد معينة بمكان جلوس المجموعة أو ما يسمى الانعطاف أو (الكورفا أو الفيراج)، وأماكن لتخزين الأعلام والرايات (الدخلات في تونس و الجزائر والطلعات في المغرب). بعض النوادي توفر للأولتراس أرخص التذاكر وغرف تخزين اللافتات والأعلام، والوصول المبكر إلى الملعب قبل المباريات من أجل الإعداد للعرض. غير أن بعض المشجعين الذين لا ينتمون للأولتراس ينتقدون هذا النوع من العلاقة. وينتقد آخرون الأولتراس لعدم الجلوس على الإطلاق خلال عرض المباريات وإشهار الرايات والأعلام، حيث يمنع ذلك رؤية المباراة من قبل المشجعين الذين يقفون وراءهم. انتقد آخرون الأولتراس لقيام بعضهم باعتداءات جسدية أو تخويف من لا ينتمي للأولتراس.

وتعتمد مجموعات الألتراس على التمويل الذاتي من خلال بيع منتجات الألتراس مثل تي شيرت "، والإيشاربات، والقبعات ...إلخ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تقبل ُ الألتراس أي إعانة من أي مصدر. أما مسألة عضوية الجماعة فتتم حينما يفتح باب العضوية سنويا ويحصل العضو على اسم ورمز يتم تسجيلهما على بطاقة، وحينما يكون  العضو منضما لمجموعة فإنه يتم تسجيل اسم ورمز المجموعة أيضا على بانر (يطلق عليه باتش) رسمي خاص بالمجموعة.

ولا يوجد لمجموعات الألتراس رئيس بعكس جميع أنواع روابط التشجيع، بل تتكون من مجموعة من المؤسسين الذين سرعان ما ينزوي دورهم بعد أن تصبح المجموعة قادرة علي الوقوف علي أرض صلبة، ويدير العمل داخل الألتراس مجموعات عمل صغيرة الـTop Boys والتي تختص كل منها بتنظيم أنشطة المجموعة من تصميم وتنفيذ اللوحات الفنية وقيادة التشجيع داخل المدرجات وتنظيم الرحلات والإشراف علي مصادر تمويل المجموعة والتي يتسابق فيها أفراد الألتراس لتقديم كل إمكانياتهم وخبراتهم في الحياة العادية لخدمة المجموعة ولإنجاز العمل المكلف به علي أكمل وجه.

وتنظم الألتراس العديد من الحملات للمطالبة بحق تقرير المصير في قضية الجلوس الإلزامي للمشجعين أثناء المباريات، وضد الارتفاع الملحوظ في أسعار تذاكر المباريات والتي عانت منه جميع طوائف المشجعين وحتي في مصر التي أصبحت أسعار التذاكر فيها علي حسب مزاج الأندية ترتفع وتنخفض بدون سابق إنذار، كذلك انتشار استوديوهات التحليل في القنوات الفضائية والتي تنقل تحليلات ومناقشات للمباريات وتري مجموعات الألتراس خطورتها الكبيرة علي جماهيرية كرة القدم لتتحول من مباريات جماهيرية لبرامج ترفيهية منزلية تافهة تدفع المشجعين للمكوث داخل منازلهم والابتعاد عن مناصرة أنديتهم داخل المدرجات، لتخسر تلك الأندية الدعم المباشر من قبل مشجعيها والتي تري مجموعات الألتراس أنهم أساس اللعبة وأن كل ما يتعلق بالرياضة هو ملكية خاصة صنعت لمتعتهم وترفيههم ويقول جون كينج الصحفي الامريكي: «وسائل الإعلام المختلفة لا تعير اي اهتمام لعنصر الجمهور في لعبة كرة القدم رغم أنها بدون الجمهور لا شيء.. إنها تعبر عن الإخلاص والانتماء والذي بدونه ستكون كرة القدم عبارة عن 22 لاعبًا يركضون داخل قطعة أرض خضراء يضربون الكرة بالشلوط. يا له من شيء ممل حقا.. الجماهير هي التي تجعل من هذا الشيء الممل شيئا يستحق المشاهدة».

وتعتبر هذه الحملات وثقافة الألتراس بوجه عام إحدي الأسباب الخفية في هجوم وسائل الإعلام المختلفة علي مجموعات وفكر الألتراس الذي يتعارض بشكل أو بآخر مع مصالح القنوات الفضائية وما تقدمه من تحليل قبل وبعد المباريات والتي تجني عن طريقه أرباحا خرافية مستغلة شعبية كرة القدم.

والسؤال الآن: متي دخل الألتراس الدولة المصرية ؟

دخل الألتراس الدولة المصرية عن طريق جماهير الأهلي، حيث أرخ أعضاء جروب ألتراس أهلاوي بدايتهم كالمعتاد في عالم الألتراس بظهور أول بانر رسمي عليه شعار واسم الجروب، وفى حالة ألتراس أهلاوي كان هذا التاريخ فى ١٣ ابريل ٢٠٠٧، في المباراة ضد إنبى، فى بداية الدوري عام المصري. وحينما تم عمل بانر ً وتم رفعه فى مباراة الإسماعيلي وانبى، وتحديدا في ٢٧ أكتوبر ٢٠٠٧،أُعتبر هذا التاريخ  ًعيدا رسميا لإنشاء الألتراس الإسماعيلي، والذى أضاف قيما كثيرة لحركة الألتراس المصرية، فكان أول من قام بعمل "بايرو شو"، وأضاف فى رسوم الدخلات، وكان صاحب أول cd تجارى لأغانى الجروب، وكان أول جروب يقوم بعمل عضويات للمنتمين له، فى إطار معرفة أعدادهم الفعلية وتنمية الموارد بجمع اشتراكات، كما كان أول جروب قام بعمل نظام فعلى داخل أركانه، واعتمد على فكرة اللجان المتخصصة وتحديد مهام كل فرد داخل الألتراس، كما كانوا أصحاب أول فكرة لإقامة "ستاند" للكابو في مصر، وهو أول جروب في مصر يهتم بالقضية الفلسطينية بإحياء ذكرى النكبة الـ٦٠؛ حتى أن الصيغة التعريفية التي طرحها الجروب لنفسه وقوانينه تم نسخها في العديد من المجموعات الأخرى، وقد رفعوا ً رموزا ثورية مثل جيفارا وأعلام فلسطين.

ومن هنا جاء الربط بين الانتماء وكرة القدم فكانت اللبنة الأساسية التي تقـوم عليها فكرة الألتراس هي الانتماء الشديد للنادي /الوطن، الذي تستشعره من أول لحظة تتحدث فيها مع أي فرد ينتمي للألتراس كفكرة وكتنظيم، فهذا الانتماء الشديد قد نجد تفسيره في في استقطاب دعاة الإسلام السياسي لكثير من شباب الألتراس مع بداية ثورات الربيع العربي في 2010، حيث تم اختراقها من من جانب الإخوان المسلمين عن طريق "خيرت الشاطر"، والسلفية الجهادية عن طريق "حازم صلاح أبو إسماعيل"، حيث جندوهم لخدمة أهدافهم، وأصبحت نواة حقيقية لهذه التنظيمات المتطرفة، وظهروا بكثافة فى اعتصامى رابعة والنهضة، وهتفوا ضد الدولة ومؤسساتها الحامية.

وبالوقائع والأدلة، ومن خلال المشاهدة على الأرض خلال المرحلة الانتقالية للدولة المصرية، وخلال حكم الرئيس المخلوع " محمد مرسي"، فإن بعض روابط الألتراس أفسدت الرياضة في مصر، وحولت الألعاب الرياضية المختلفة وفى القلب منها كرة القدم من التسلية والترفيه، إلى خراب ودمار وموت؛ حيث إنه فى 2007 كان أولى أسباب انتكاسة الكرة المصرية بعد تكوين روابط الألتراس واستغلال الإخوان لهم، لإثارة الفوضى فى الملاعب، ونتذكر كوارثهم فى استاد بورسعيد أو الدفاع الجوى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ظهرت صور لهم مع الإخوان فى رابعة العدوية وفى ميدان النهضة، وفى أكتوبر 2012 صرح بهاء أبو رحاب رئيس اللجنة الرياضية فى جماعة الإخوان عن تواجدهم بداخل أفراد الألتراس فى مختلف الأندية وعلى رأسهم الأهلى والزمالك، وبات الأمر منذ تأسيس الألتراس فى أبريل 2007، أن اختفت الأسرة المصرية من المدرجات وهى التى كانت تجد فى المباريات متنفسا وفسحة ترفيهية عن الأسرة، وحل بدلا منها الشماريخ والسباب والشتائم.

وتكشفت وجوه بعض روابط الألتراس أنها ليست مجرد روابط لتشجيع كرة القدم، وأنها واجهات لجماعات متطرفة بشكل واضح جلى، خاصة عندما رفضوا ثورة 30 يونيو، وساندوا بكل قوة جماعة الإخوان الإرهابية، ومع مرور الوقت تحولت مدرجات الملاعب إلى منصات، ومنابر لتنظيمات إرهابية، تعادى الدولة، والمؤسسات الأمنية، وتعمل على إثارة الفوضى، وإسالة الدماء، وتوظفها "الإخوان" كمظلومية يتاجرون بها فى المحافل الدولية لإحراج مصر.

وقد بدا في مباراة الأهلي وكفر الشيخ الودية مطلع عـام ٢٠١٠ اصطدمت مجموعـة ألتـراس أهلاوي بالشرطة التي حاولت منع دخول الشماريخ، وتم القبض على سبعة مـن ألتراس أهلاوي وتوجيه تهم لهم بالإتلاف العمدى للمال العام، وإثارة الفوضى

وهنا بدأت المناوشات بين الدولة والشرطة والاعلام من جهه وبين روابـط الألتراس من جهة أخرى خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن عقيـدة الألتراس تقـوم على التمرد على أي محاولات لفرض السيطرة عليهم خاصة من جانب السلطة، وعلاقتهم بالشرطة وأفراد الأمن أبرز مثال على هذا التمرد.

ثم ازدادت المناوشات بين الألتراس والداخلية، فألفت رابطة الوابت نايتس التابعـة لنـادي الزمالك اغنيتها الشهيرة (مش ناسيين التحرير) والتي تحتوي على سباب للداخلية واظهار عداءهم للثورة ثم أغنية أولتراس أهلاوي ( كان فاشل في الثانوية) والتي تحقر من شأن ضباط الداخلية ونعتهم بالفشل والجهل .

ثم كانت المشادة التي حدثت بين أعضاء من مجموعة ألتراس أهلاوي وعدد من النشطاء السياسيين في المسيرة التي دعت إليها المجموعة أمام وزارة الدفاع في الخامس عشر من شهر فبراير الماضي من أجل التذكير بأن المسؤول عن التخطيط لمجزرة بورسعيد هو المجلس العسكري بقيادة المشير محمد طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان، بالإضـافة إلى قيام مجموعة الوايتس نايتس بسب "باسم يوسف" في مباراة الزمالك مع فريق جازيللي في إستاد برج العرب.

ثم انتقلت الأحداث من التوتر بين الروابط وبعضها إلى التوتر بينها وبين أنـديتها خصوصا مع نجاح المستشار "مرتضى منصور" في انتخابات رئاسة نادي الزمالك واصطدامه بأولتراس وايت نايتس ودخوله في معارك قضائية معهم،وكانت البداية إقامتـه لدعوى قضائية لحظر روابط الاولتراس وهو ما أدى لصدور حكم قضائي في ١٦مـايو ٢٠١٥ بحظر روابط الاولتراس في مصر .

ثم سرعان ما هدأت الأمور وأدركت كل جماهير الألتراس أن الولاء لمصر هو الأساس ومن ثم انتهت كل الأزمات مع عودة جماهير الألتراس للمدرجات في أواخر أكتوبر 2021، ومع تجاوب الرئيس عبد الفتاح السيسي مع جماهير الألتراس من خلال مؤتمرات الشباب، فإننا نريد دولة ترعى الشباب ومستقبله، فمن يتكلم كثيرا لا يفعل شيئا، وفى نفس الوقت وجب التفاعل معهم وتوجيه طاقتهم للعمل والروح الرياضية والاعتدال في تقييم الأحداث بلا عنف، والأهم من كل ذلك هو تأمين مستقبلهم وضمان تشغيلهم إذا كنا حقا نعتبرهم أولادنا ..!

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

..................

الهوامش

1- د. إيمان نصرى داود شنودة: الألتراس بين الحركة الاجتماعية والتنظيم الإرهابي دراسة استطلاعية على عينة من الألتراس والأمن والجماهير بمحافظة القاهرة الكبرى، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثاني).

2- عبد الله محمد محمود خليفة (كوماندوز)، الاسم ألتراس حين يصبح التشجيع فكرا واسلوب حياة، دار المصري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٣.

3- محمد فوزى، ظاهرة شغب الملاعب الرياضية من الظواهر المؤرقة على المستوى الأمني والاجتماعي والقانوني، المؤتمر الدولي الرابع، الرياضة في مواجهة الجريمة، دبى، ٢٠١٣.

4- مركز هردر: أزمات الأولتراس .. بين الرياضة والسياسة، مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، 2016.

5-  ألتراس: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

6-  نوفل الشرقاوي: "ألتراس" المغرب... من ملاعب الرياضة إلى ميادين السياسة، الاندبندنت، الخميس 4 فبراير 2021 12:17.

 

محمود محمد عليفي هذه الورقة نحاول أن نكشف عن حقيقة فلسفة الألتراس"Ultras Philosophy of، والهوية الحقيقية لتلك الحركات، حيث نجيب هنا عن التساؤلات المطروحة حول نشأة الألتراس، وتطورهم، وانتماءاتهم، ومصادر تمويلهم، وعلاقتهم بالمجتمع المصري، ومستقبلهم؟.. وهل الألتراس تمثل حركات رياضية؟، أم سياسية؟، أم إرهابية؟.

وهنا يمكن القول بأن ظاهرة الألتراس قد شغلت الرأي العام العالمي منذ تبلورها وظهورها كأحد أشكال تطور حركة التشجيع الرياضي داخل ملاعب كرة القدم الأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين, وانتقال عدواها إلى مجتمعاتنا وملاعبنا العربية في مطلع الألفية الثالثة وبروزها في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة, حيث أثارت جدلاً كبيرًا جعل من دراستها ضرورة وأهمية قصوى من أجل فهمها والتنبؤ بمستقبلها ومحاولة التحكم في حركتها.

وكلمة ألتراس هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق أو الزائد، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، وتتواجد بشكل أكبر بين محبي الرياضة في أوروبا وأمريكا الجنوبية، وحديثا في دول شمال إفريقيا. أول فرقة ألتراس تم تكوينها عام ١٩٤٠ بالبرازيل، وعرفت باسم تورسيدا  Torcida ، ثم انتقلت الظاهرة إلى أوروبا،وبالتحديد إلى يوغوسلافيا عام ١٩٥٠، ثم كرواتيا، وبالتحديد جمهورHajdukSplit ،  الذي كان أول من أدخل هذا النوع .

ويعد "الألتراس" تجمعاً لأشد معجبي فريق معين، ويهدف لتنظيم وتأطير تشجيع فريقهم المفضل، وكان أول ظهور لتلك الظاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي في البرازيل، ثم انتقلت إلى باقي دول أميركا الجنوبية، وانتقلت بعد ذلك إلى أوروبا، وتمكنت التجربة الإيطالية التي انطلقت في بداية الخمسينيات من منح الظاهرة زخماً جديداً، حينما شرعت مجموعات من مساندي بعض فرق كرة القدم العريقة بإنشاد أغان حماسية على أنغام الطبول مع التلويح بأعلام الفرق، ومع مرور الوقت، أصبحت تلك الظاهرة أكثر تنظيماً عبر ظهور قواعد تأطيرية جعلت من "الألتراس" فريقاً موازياً للنادي الذي يشجعه، يضم لجاناً مختلفة في شكل مجموعات وله موازنة خاصة.

وتميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية، أو الشماريخ، كما يطلق عليها في دول شمال إفريقيا، وأيضا القيام بالغناء، وترديد الهتافات الحماسية؛ لدعم فرقهم، كما يقومون بتوجيه الرسائل إلى اللاعبين. وتقوم هذه المجموعات بعمل دخلات خاصة في المبارياتً الهامة، وكل ذلك يضفي بهجة وحماسا على المباريات الرياضية، وخاصة في كرة القدم.

بدأت ظاهرة الألتراس في الدول العربية من خلال دول المغرب العربي، بداية من نادي الإفريقي التونسي، الذي شهد تأسيس أول ألتراس تحت مسمى ،الأفريكان وينرز، في عام ١٩٩٥ ، ثم انتقل الأمر إلى باقي الأندية التونسية، مثل نادي الترجي التونسي الذي يضم ثلاث مجموعات ألتراس، هي: المكشخين – السوبراس- والبلود آند جولدي، وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى المغرب، حيث يضم أكثر من ٥٠ مجموعة ألتراس تتقدمهم مجموعة ،الوينرز winners ، التي تشجع فريق الوداد، و“الجرين بويز “التي تشجع فريق الرجاء البيضاوي).

وفي مصر تأسس أول ألتراس في ٢٠٠٧ وهو ألتراس وايت نايتس المنتمي لنـادي الزمالك وفي نفس العام تأسس ألتراس أهلاوي المنتمي لنادي الاهلي وتـبعهم بعد ذلك باقي روابط الألتراس للأندية المصرية، وكانت روابط الألتراس في البداية تهتم بالرياضـة فقـط وخصوصا مباريات كـرة القـدم ثم باقي اللعبات الجماعية .

ولم يظهـر لهم اي انتماء سياسي أو تدخل في الشأن العام ، وفي البداية رحب الجميع بهذه الظاهرة لما ادخلوه من طرق جديدة في التشجيع وخصوصا ما يطلق عليه الدخلات وهي رسالة تظهر كل بداية مباراة تغطي مدرجات كاملة .

وبرغم أن الألتراس من مشجعي الفرق الرياضية تعتبر ظاهرة حديثة على حياتنا ومنذ نحو 12 عاما فقط، على سبيل التقليد الرياضي القديم عالميا ، إلا أن هذا التقليد دخل إلى بلادنا منتقصا من الروح الرياضية التي نحتاج تدعيمها بإيجابية، فجعل بعض المستغلين لهذه الطاقة الشبابية، لتوظيفها في الأعمال السياسية والتدميرية في داخل الوطن ، والتي ظهرت جيدا في أحداث العنف التي ساقت إليها الجماعة الإرهابية ورجال أعمال، عندما اعتمدوا في حملاتهم الانتخابية على تلك التجمعات من الالتراس، ثم شكلت رياح "الربيع العربي" نقطة فارقة في واقع "الألتراس" التي أصبحت منذ العام 2011 تعتمد خطاباً سياسياً، وباتت تحوي في معظمها منذ ذلك الحين رسائل سياسية تضم مطالب معينة، وتنتقد الأوضاع الاجتماعية.

وقد بدا هذا واضحا من خلال مظاهر التعصب الشديد فـي إحدى مباريات كرة السلة بين فريقي الاهلي والزمالك، حيث قام أفراد مـن ألتراس الأهلي بحرق مشجع من مشجعي الزمالك، وهو ما مثل صدمة قوية للجميع، خصوصا أنه تصرف غير مسبوق ويعبر عن تعصب مبالغ فيه إذا استمر سيؤدي إلى نتائج لا يمكن توقعها .

واستمرت حالة الشد والجذب بين المجتمع والرياضيين والاعلاميين والشرطة من جهة وبين روابط الألتراس من جهة اخرى فالبعض يحاول استمالتهم وكسبهم والاخر يهاجهم هجوم عنيف، إلى أن قامت ثورة ٢٥ يناير (المنكوبة) فكانت روابط الألتراس جزء من الميدان وعنصر رئيسي في تأمينه ، حيث كان لهم دور فعال في يوم موقعة الجمل .

إلى أن كانت الحادثة المفجعة في بورسعيد بعد انتهاء مباراة المصري البورسعيدي والاهلي والتي راح ضحيتها حوالي ٧٢ شاب من مشجعي الأهلي والمنتمين لألتراس أهلاوي، وما تبعها من القبض على بعض جماهير المصري وصدور حكم بإعدام ١١ شخص وكان وقت صدور الحكم هناك اعتصاما لرابطة أولتراس جرين ايجلز المنتمية للنادي المصري البورسعيدي أمام سـجن بورسعيد وهو ما أدى لحدوث اشتباكات أدت الى مقتل ٥٣ شخصا من بورسعيد .

وعلي إثر ذلك توقف النشاط الرياضي في مصر بعد حادثـة بورسـعيد ثم عاد مرة أخـرى بدون جمهور عدا بعض المباريات وعندما قررت الدولة السماح للجماهير كانت أول مباراة بين الزمالك وانبي في استاد الدفاع الجوي وقبل المباراة حدثت اشتباكات أدت إلى مقتل عشرون من جماهير الزمالك وتوقف النشاط الرياضي مرة اخرى ثم عاد بدون جمهور، واستمر بدون مع دخول جائحة كورونا التي أدت إلى التباعد والعزل ، ثم رجعت في بداية افتتاح الدوري المصري في أواخر أكتوبر 2021.

ومن الملاحظ أن حركة الألتراس المصرية قد بدأت بوجه رياضي مبهر, لكنها بمرور الوقت تحولت إلى وجه عنيف قبيح, ولم تتوقف عن تبديل وجهها باستمرار فنجدها تنخرط في حركة اجتماعية احتجاجية أثناء الثورة مطالبة بالعيش والعدالة الاجتماعية, ثم مبرزة لوجه سياسي بمشاركتها في التظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام, هذا بخلاف الوجه العنيف الذي برزت فيه كميليشيا مسلحة تتبادل العنف مع الأجهزة الأمنية، وهذه الوجوه والأدوار التي أبرزتها حركة الألتراس كانت تتبدل وتتغير باستمرار فالحركة التي بدت ذات شكل رياضي خالص في البداية بدأت تتنقل إلى أشكال أخرى اجتماعية وسياسية حيث تتمدد أحيانًا وتتبدل وجوهها وتتقمص أدوارًا جديدة بفعل الحراك الشعبي والجماهيري والمجتمعي بشكل عام, وفي أحيان أخرى تنكمش وتتراجع عن هذه الأدوار وتكتفي فقط بالوجه الرياضي في حالة استقرار المجتمع والشعور بالخطر الداهم الذي يمكن أن يهدد وجودها.

وتستخدم مجموعات الألتراس، مصطلحات خاصة بها لا يفهمها إلا أعضاء الألتراس، من بينها مصطلحي الباتش  Batch ،  أي "اللوجو" الخاص بالألتراس، وهو ً عبارة عن لافتة كبيرة يصل طولها إلى ١٠ أمتار أحيانا، تحمل شعار المجموعة وألوان الفريق. ويتم اختيار الشعار بعناية من قبل الأعضاء، ويعلق بالمدرجات للتعريف بهم. وهناك مصطلح التيفو  Tifo ،  وهي كلمة إيطالية تعني " المشجع"، وهي عبارة عن دخلة ًتقوم بها مجموعة الألتراس لتعبر عن رأي أو فكر، وغالبا تكون في بداية المباراة .

وللألتراس أربعة مبادئ:

المبدأ الأول : عدم التوقف عن التشجيع والغناء طوال التسعين دقيقة من عمر المباراة أيا كانت النتيجة. ويقود التشجيع عادة قائد تشجيع «كابو - Capo » والذي يكون مسئولا عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدي والتشكيلات وعادة ما يخصص بالاستادات مكان مرتفع للكابو ليتمكن المشجعون من متابعته والالتزام بتعليماته أثناء سير المباراة، ولا تتوقف مجموعات الألتراس عن الغناء أثناء خسارة فريقها حتي بنتيجة ثقيلة فتشجيع الفريق واجبة للحفاظ علي هيبة اسم النادي ومكانة وقوة مدرجاته، ولإبراز الوفاء المنقطع النظير.

المبدأ الثاني : لا يجلسون طوال المباراة عدم الجلوس نهائيا أثناء المباريات: مجموعات الألتراس تحضر مباريات فريقها لهدف واحد فقط التشجيع والمؤازرة المتواصلة حتى صافرة نهاية المباراة، لا يذهبون من أجل متعة الفرجة والمتابعة اللذين يعدونهما من أفعال المشجعين العاديين غير المنتمين للألتراس، وفي الغالب يقضي أفراد المجموعة أغلب أوقات المباراة ظهورهم للملعب منهمكين في التشجيع والغناء فالاستاد بالنسبة لهم مكان للتشجيع فقط لا غير!

المبدأ الثالث : الترحال لحضور جميع المباريات الداخلية والخارجية أيا كانت التكلفة والمسافة: يعتبر الترحال «أو التنقل كما يطلق عليه في دول الشمال الأفريقي» خلف الفريق إحدى الواجبات الأساسية لمجموعات الألتراس والتي تقوم بتنظيم وحشد الجماهير لحضور المباريات خارج مدينة الفريق مستخدمة أرخص وسائل النقل، وتقوم مجموعات الألتراس بعمل cortege موكب أو مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف الباشbatch أو اللافتة التي تحمل اسم وشعار المجموعة لإعلام أهل المدينة الأخرى أن لفريقهم مشجعين أقوياء يسافرون خلف فريقهم في أي مكان وأيا كانت التكلفة كما تساعد أيضا على زيادة شعبية الأندية وانتشار ثقافة الألتراس وحب كرة القدم بوجه عام.

المبدأ الرابع : الكورفا سود الولاء والانتماء لمكان الجلوس في الاستاد: لما كانت مهمة مجموعات الألتراس التشجيع وليس متابعة سير المباريات فكان لزاما عليهم اختيار منطقة مميزة داخل المدرجات يبتعد عنها المشجعون الكلاسيكيون وتنخفض فيها أسعار التذاكر، المنطقة العمياء أو الكورفاCurva بالإيطالية والفيراجVirage بالفرنسية هي ذلك المنحني خلف المرمي الذي اختارته مجموعات الألتراس ليكون مكانا خاصًا للتشجيع والمؤازرة وتعليق الباش Batch أولافتة المجموعة التي عادة ما تحمل اسم وشعار المجموعة وتحمل أكبر من ذلك «شرف المجموعة نفسها»، وتنقسم الكورفا إلي كورفا نورد Curva Nord أو الكورفا الشمالية والكورفا سود Curva Sud أو الكورفا الجنوبية... وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

.........................

الهوامش

1- د. إيمان نصرى داود شنودة: الألتراس بين الحركة الاجتماعية والتنظيم الإرهابي دراسة استطلاعية على عينة من الألتراس والأمن والجماهير بمحافظة القاهرة الكبرى، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثاني).

2-عبد الله محمد محمود خليفة (كوماندوز)، الاسم ألتراس حين يصبح التشجيع فكرا واسلوب حياة، دار المصري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٣.

3- وجيه الصقار: لعنة ..الألتراس، جريدة الأهرام المصرية، الأحد 28 من ربيع الآخر 1437 هــ 7 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47179.

 

 

 

مراد غريبيلا تزال محنة الإنسان العربي تتفاقم وتزداد تعقيدا مع كل إشراقة صباح، متسائلا: لماذا ينجح هم ونفشل نحن؟ سؤال قديم متجدد او بحسب تعبير المرحوم مالك بن نبي إنه من أسئلة مرحلة ما بعد الموحدين الملحة!!

 هناك مأزق ثقافي عميق ومترامي الأطراف في الحياة العربية لا يزال يؤرق المجددين والمثقفين والعلماء المتنورين، مأزق ثنائيات ومقابلات وإسقاطات وإغتراب وقابليات ورهانات وطائفيات وهلم جرا، فالفضاء المشكلاتي العربي غني بنماذج التخلف والتزلف والتأفف والتكلف وايضا التعالم والتطرف بحيث لا يمكنك رؤية نماذج التنوير والتجديد والتقدم والتطور، فالأسباب متعددة من كل أقسام الحياة العربية لكن منبعها واحد مشكلة كبيرة عميقة متجذرة إنها فوضى الثقافة في حركة الواقع، هذه الفوضى التي تفاقمت مع إنفجار الهويات المادية وليس الروحية الانسانية، لأن أي هوية تختزن أخلاقها بداخلها وتتجه بإتجاه محدداتها الداخلية التي تشكل المقصد أو المقاصد، لذلك ثقافة الهويات عندنا لاتزال حبيسة الفهم المادي المتصلب المتوجس، ثقافة تزداد تحورا كلما حاولت ثقافة الروح الإنسانية الاقتراب من الواقع، ولست أبالغ في هذا لأن الفوضى الاجتماعية بشتى صورها تعكس حقيقة الثقافة المادية المتحكمة في أخلاقيات الناس النابعة من فهمهم لهوياتهم فهما متعصبا، سواءا اثنيا أو دينيا أو مذهبيا أو حتى أكاديميا هناك تموجات وطبقات من التكلس الثقافي المادي التي تغطي الروح الثقافية للوعي الحضاري عربيا وإسلاميا، مما أنتج فوضى ثقافية لا يمكن فهمها الا من خلال فوضى التفاهة التي تنتشرفي أدق تفاصيل الواقع، فالتافه هو كل فكرة أو شيء أو مشروع يفتقد القيمة والأصالة والأهمية، فثقافة أي شعب عندما تخترقها الفوضى تصبح حركتها تافهة بلا جدوى وبلا وجهة ولا حكمة، والأخطر من ذلك هو تثقيف الفوضى أي جعل الفوضى سمة من سمات هذه الثقافة، دون أن نغفل عن العلاقة الجوهرية بين التفاهة والفوضى فالأخيرة هي تفاضل للأولىى من قبل سماسرة التفاهة ثقافيا لتكتسح جل مجالات الحياة المختلفة..

تعليم الفوضى أو فوضى التعليم:

الملاحظ عربيا وإسلاميا أن مؤسسات التعليم من أكثر المؤسسات تخلفا من حيث المبنى والمنهج والمقصد والإدارة والإستراتيجية، والأكيد للفوضى سبق في ذلك، من خلال تشخيص حالات الراهن التعليمي والتخطيط والتنظيم والتوجيه والإرشاد وما هنالك، ليس هناك تعاون بين المتفاعلين لأن المسألة التعليمية عربيا تعتبر ثانوية من الدرجة "ن" ، المناهج معلبة والإدارة متلاعبة والتخطيط مؤجل والإرشاد مؤدلج، إنها فوضى ترسخت لدى أجيال من القائمين على الشأن التعليمي أنتجت أجيال مشبعة بالفوضى فكرا وسلوكا وتطلعا، والتعليم مركز ثقل الأمم التي تحترم نفسها، به ترفع رايات العدالة والصحة والاقتصاد والسياحة والأمن كله، فإذا ما بقيت الفوضى حاضرة في تفاصيل التعليم فعلى الأمن الاستراتيجي السلام..

إعلام الفوضى أو فوضى الإعلام:

من أهم الظواهر في المجالين العربي والإسلامي، هي ظاهرة الإعلام التي تنامت مع الموجة الثالثة للقابلية للإستدمار، ترسانة من وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، بأسهم بينهم شديد، لو حاولنا مقاربة الظاهرة الإعلامية ليس في سياساتها أو أهدافها أو خلفياتها،  وإنما خلال الفترة ما بين غزو العراق وما سمي بالربيع العربي، كيف كان أداء هذه الطاقة الإعلامية العربية وفيما استثمرت وماذا أنتجت وكيف تعاملت مع قضايا الإنسان العربي المركزية، لا يمكننا الاتفاق سوى على خلاصة وحيدة إعلام الفوضى، الحوار أصبح صراع والحرية انفلات، والخاسر الأول والأخير هو الإنسان العربي الذي بدل أن يزداد نباهة ووعيا وانفتاحا على إخوته في الوطن والدين والمذهب والانسانبة، ازداد ضراوة وتفاهة وعزة بالإثم في كل ميادين واقعه، هذا الإعلام الذي يشتت ويوسوس ويدنس ويفسد الواقع أكثر من الرقي بفكر الإنسان وتطلعه ووحدته وتكافله، إنه ينتج الفوضى لأنه صنيعتها وما ادراك ما الإعلام وأثره العميق في اللاوعي الإنساني، كلما كان مبدئيا نزيها مستقلا منفتحا كان مجتمعه إنسانيا ومتمدنا وراشدا، الإعلام المدني كالمجتمع المدني لا يحتاج لرقيب أو لجنة ضبط ومتابعة، لأنه صاحب ضمير حضاري يقلب موازين الإنحراف ويصحح المسارات وينبه الفاعلين الاجتماعيين إلى سبل الأمن الاستراتيجي، إنه السلطة الرابعة التي لا تكون مستقلة دون ضمير ونزاهة وشرف..

تدين الفوضى أو فوضى التدين:

لا ريب أن مجتمعاتنا العربية مجتمعات دينية بإمتياز، تتدين بفوضى الثقافة الدينية أكثر من الدين ذاته، فلا عجب أن تجد الطائفية والتكفير والتضليل والتفسيق حاضرة بقوة في ربوع اجتماعاتنا العربية لأن الدين تعصب وليس انفتاح ، حقد وليس تسامح، كراهية وليس حب، عداوة وليس أخوة، حسد وليس تآلف ورحمة، مصلحة وليس إحسان، للأسف شهدت مجتمعاتنا العربية والاسلامية خلال ثلاث عقود الأخيرة ما لم تشهده في زمن الاستدمار الغربي وما قبله فيما يخص وعي التدين، من فوضى التعليم الديني والإعلام الديني، مما كرس منظومة عطلت روح الدين وأخلاقه وقيمه وعلاقته بالعقل والعلم والتمدن، فبدل أن يكون التدين ضد الفوضى أصبح مسوقا لها، فلا يمكنك أن تكون متدينا اذا لم تكن طائفيا متزمتا شرسا ومزاجيا لمصلحة وهم الدين الذي تحمله، هكذا ترسخت معالم فوضى التدين الشكلي والمغلوط أو المغشوش كما يسميه المرحوم الشيخ محمد الغزالي، مما أحدث فصل بين مقومات التدين على شاكلة الفصل بين السلطات لكن ليس لتنمية التوحيد الذي اساسه الحرية والاستقلال وتنمية الوعي المعرفي الديني وإنما لتعطيل الوعي الديني وتعقيد التجديد، هذه المقومات المتمثلة في حقائق العقيدة والأخلاق والشريعة التي تتكامل في إنتاج طاقة الوعي الإنساني للدين، استطاع دعاة التعليم الديني المزيف وسماسرة الإعلام الديني الأسطوري والمتزلف أن يفككوا عراها كي يبقى التدين الشكلي هو السائد لأن التدين السليم كما رسمه القرآن وصحيح السنة الشريفة يهدد امبراطورية الفوضى المستحكمة في مفاصل الواقع العربي الإسلامي، مما جعل الدين محل تهمة بينما الحقيقة الأبدية أنه مركز التحرر والتنوير وعنوان النهضة والكرامة والحضارة الإنسانية إذا ما تحرر الواقع من تدين الفوضى الذي حرم الإنسان العربي حقه في العيش الحضاري الكريم في ظلال سماحة الإسلام المحمدي..

من فوضى الثقافة إلى عقلانية الثقافة:

لقد ذهب أغلب المفكرين العرب إلى أن المدخل إلى النهضة يكون عبر مجتمع المعرفة، هذا المدخل أسه عقلانية الثقافة، لكن نتساءل عن أي عقلانية نتحدث عربيا؟ العقلانية الكلاسيكية أو الرشدية أو السينوية او الفلسفية الحديثة أو الغربية التواصلية أو الدينية المعتزلية من جهة، أو من جهة اخرى عن علاقتنا بمسألة العقل والعقلانية عربيا التي لاتزال مضطربة كما يرى المفكر عبد الإله بلقزيز أو ضرورة الحذر عند استحضارها كما يوصي طه عبد الرحمن أم لابد أن نبتكر عقلانيتنا من خلال تجذير الفعل النقدي لواقعنا في اشتغالاتنا الفكرية والثقافية كما يرى الأستاذ زكي الميلاد..

 لعل بعض المثقفين دعاة العقلانية في راهننا العربي لا يقبلون نقد أفكارهم وتوجهاتهم وارتياطهم بالعقلانيات الغربية كما ناقش ذلك المفكر طه عبد الرحمن في كتابه سؤال الأخلاق، بدعوته لتجديد النظر في مسألة العقلانية، والتي اراها ضرورية بالاضافة لدعوات هاشم صالح التي لابد من تلقيحها بمعرفة نقد العقلانية في الغرب، لكن الأهم في هذا كله هو صياغة جديدة للعقلانية عربيا وإسلاميا كما يلح دوما زكي الميلاد في العديد من مقالاته ودراساته حول العقلانية والحداثة والمدنية، من هذا كله نستلهم أن مأزق الفوضى في ثقافتنا هو في: كيف نجددها عبر عقلانية ذاتية منفتحة على الاستفادة من إيجابيات العقلانية الغربية مع التأسيس لنقد الذات، لأننا ما بقينا نتحسس النقد كثقافة ونحاربه، لا مجال للحديث عن مجتمع للمعرفة لأن المعرفة تواصل وتفاعل وتجدد وليست جدل عقيم وإستعارة للمناهج والمفاهيم والفانتازيا الثقافية..

وتبقى ثقافتنا مشكلتها المركزية دوغما الانحياز المعرفي بدلا عن نسبية الحقيقة ضمن معادلة الإبداع المعرفي المتواصل والمستمر...

 

بقلم: أ. مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر والثقافة

 

 

سارة طالب السهيلاليوم ونحن في الالفية الثالثة للميلاد في أشد الحاجة الى الحرية والتحرر من ثقافات الكراهية التي غزت شعوب العالم الا ما رحم ربي، وفي اشد الحاجة الى التحرر من عداء الاخر الى قبوله والتعايش معه، بل التزاوج بين فكرنا وفكره لصالح المجتمع الانساني القائم على المحبة والتعاون.

فدور الثقافة بشكل عام في قبول الاخر أعم وأشمل واعمق، فنظرية الثقافة كما عرفها "إدوارد تايلور" في كتابه (الثقافة البدائية) بأنها: "كل مركّب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق، والقانون والعرف، وغيرها من الإمكانيات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع".

ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن الثقافة كمركب معرفي شامل للاداب والفنون والاخلاق يمكنها ان تلعب دورا رئيسيا في قبول الاخر من خلال ما تقوم به الاداب والفنون من تهذيب للسلوك الانساني وتعميق المشترك الانساني وما تحققه من سمو روحي يعلو فوق شبهات الماديات وشبهات التمييز العنصري أوالثقافي.

فمعزوفة موسيقية مبدعة تصبح قادرة على  جذب اسماع جموع غفيرة من ثقافات انسانية متعددة تحلق بهم في سماوات الحرية المنشودة وفردوس السلام العالمي، ولوحة تشكيلية ترسم بالكلمات الاف المعاني التي يحتاجها بنو البشر لايقاظ ضمائرهم وتطهيرهم من الداخل، ونص روائي قد يعبر البحار والمحيطات ليعبر عن عذابات انسان هذا العصر ويحقق لكل من يقرأه في العالم شرقا أو غربا  تنفيس وجداني عن احباطاته واحلامه حين يشعر القارئ بأن الهم الانساني واحد، وان المشترك الانساني في الاحلام والألام واحد ايضا.

فكلما ادركت الشعوب عبر ثقافاتها حقيقة السنن الكونية التي خلقها الله في عالمنا وانها قائمة على الاختلاف، وأن الانسان مهيئ  بفطرته للتعايش والتكيف مع كل ما هو مختلف، ومن ثم يصبح قبول الاخر امرا سهلا ولينا بل وقد يحقق لنا السعادة.

فتعايش جماعات البشرية من مختلف الاعراق واللغات والثقافات ولكن فرقة موسيقية عازفيها من مختلف دول العالم  ومن مختلف الاديان، نجدهم يجتمعون لانجاز العمل الموسيقي الذي يسعد الجماهير رغم انهم مختلفين، ولكنهم مشتركين في عمل جماعي يحبون ويتبادلون الود فيما بينهم عن طريق هذا المشترك الانساني. كذلك في المستشفي قد نجد فريق من الاطباء والممرضين ينسون ذواتهم الانسانية الخاصة جدا وطبقتهم الاجتماعية خلال تعاونهم في جراء عملية جراحية لاحد المرضى، وقد تفشل العمليةالجراحية اذا لم يحبوا ما يقومون به واذا لم يتعاونو ويتحابوا فيما بينهم.

كذلك فان الاعمال الفنية الدرامية والمسرحية والسينمائية وغيرها اذا لم تكرس قيم التسامح والعفو والحب بين بني البشر على اختلاف ثقافتهم واعراقهم، فانها في المقابل تدق ناقوس الخطر في قلب المجتمعات لأنها في هذه الحالة ستتحول الى النقيض وهو تكريس ثقافة الكراهية بحق الاخر.

ولعل  المعزوفة الروائية للكاتب الكويتي سعود السنعوسي " ساق البامبو " التي حصدت جائزة بوكر العربية عام 2013 ، تعد أنموذج صارخا على سطوة المفاهيم الاجتماعية والثقافية المتحجرة على قيم قبول الاخر بل واقصائه وتهميشه ونبذه داخل جذوره ووطنه فالرواية " ساق البامبو " تتحدث عن هذا التابو الاجتماعي بين الطبقة الثرية والخدم، وان التزاوج بينهم أمر يرفضه المجتمع كلية وكأنه نص ديني مقدس لا يجب الاقتراب منه، وخاصة اذا كان الخدم ايضا من ثقافة اخرى.

تتحدث الرواية عن مذكرات شاب كويتي فلبيني، أمُّه فلبينية تزوَّجت من والده الكويتي ثمَّ أعادها هي وولدها إلى بلدها الأصلي الفلبين، وبعد سنوات عاد الشاب للبحث عن والده ووطنِه ويطالب بحقوقه بأن يكون كويتيًّا ، لكنَّه لم يجد  أباه الذي قتل أثناء الغزو العراقي للكويت ، و وجد وطنا يرفضه وينبذه بسبب  ملامحه الفلبينية وطبقة أمه الاجتماعية .

هذا النص الادبي الرفيع قدم أنموذجا صارخا على  رفض قبول الاخر نتيجة قدسية الطبقية الاجتماعية واعلائها فوق القيم الانسانية المشتركة في الحب والسلام ونبذ الكراهية للاخر .

وصحيح ان الانسان يسعى بطبعه للتمايز عن الاخرين والتفوق عليهم ، فهذه ايضا فطرة ، لكنه بالمقابل لايستطيع الانعزال عن هذا الاخر والتفاعل معه بل والاستفادة منه ، باعتبار الانسان كائن اجتماعي بالاساس، وانه يستفيد في نموه العقلي والمعرفي والوجداني بهذا التنوع الذي يخلقه الاختلاف.

وأيضا فان الانسان بطبيعة تكوينه يسعى الى التمييز عن الاخر وان يعيش في عالمه الافتراضي، وفي نفس الوقت هو كائن اجتماعي من حيث بنائه الفسيولوجي يسعى الى تكوين علاقات اجتماعية مع الاخر، وبدون هذا الاختلاف لما شعرنا بمعاني الثراء الذي نحققه نحن والاخر، ولما شعرنا بمعنى السعادة الحقيقية.

فالحياة كلها قائمة على هذا التفاعل البديع بين الأنا والأخر، كلما زادت جيوب المعرفة الانسانية، فان الانا والاخر ينصهرا معا لصنع السعادة للبشرية، فأنا في علاقتي المحبة للطبيعة احافظ على البيئة وجمالها وأتمتع بعبير ازهارها ونسائم هوائها.

وفي علاقتي باصدقائي المختلفين في عاداتهم وتقاليدهم ومشاربهم الثقافية تتسع دائرة معرفتي الانسانية وتنضج تجربتي الحياتية والوجدانية واكون اكثر وعيا بقيم الاختلاف الثقافي.

فالامم والشعوب حققت نهضتها بانفتاحها على الاخر وقبوله، وهذا ما حدث في الحضارة الاسلامية التي امتدت شرقا وغربا وقبلت ثقافات الشعوب الرومانية والفارسية وهذا الانفتاح والقبول هو الذي مكنها من حركة الترجمة العظيمة التي نقلت بها علوم الرياضيات والفنون والاداب والفلسفة اليونانية القديمة، وهضمتها وبنت عليها الحضارة الانسانية الموسوعية.

في المقابل، فان سيطرة ثقافة اللون الواحد والغاء الاخر وتهميشه واقصائه تؤدي الى التفكك المجتمعي وانتشار العنف  الطائفي اوالمذهبي بين أبناء الشعب الواحد وهو ما يؤدي ايضا الى زيادة مشاعر الكراهية بين ابناء الوطن الواحد  فيتأكل من داخله وتتسرب اليه عوامل الانهيار بل والاختفاء من الخريطة الكونية.

أعود لدور الاداب والفنون

فنجد ان الفنون والاداب تسهمان في التقريب بين الشعوب والحضارات بما تنقله من تجارب انسانية وفكرية مبدعة جديدة قادرة على تجديد الافكار وتطويرها بما يناسب معطيات الزمن، وخلال ادائها هذا الدور، فانها تنقل للعقل البشري حقيقة، ان هذا العقل ناقص بطبعه ومن ثم فانه لا يملك الحقيقة كلها، وان علاج هذا النقص يتم بالانفتاح على عقل الاخر ليكمل نقصه ويكمل معرفة الحقيقة ، وبقدر ما نحتاج الاخر ليكمل نقص معرفتا البشرية، فاننا بالضرورة لا يمكننا ان نحتقر الاخر او نكرهه او نقصيه لاننا نحتاجه ليكمل معنا مسيرة المعرفة ورحلة الحياة.

والحقيقة انني وجدت في التصوف الاسلامي -اذا لم يحيد- أدبا انسانيا رفيعا يحمل في طياته قيم قبول الاخر والحوار والتكامل معه على ارضية من الحب، فطريق الحب في الصوفية يقهر اي اختلاف ويذيب جمود العقول والقلوب ما يتجلى في نصوص أحد أقطاب التصوف محيي الدين ابن عربي  في ابياته الشعرية الرائعة التي يقول فيها:

لقد كنت قبلَ اليومَ أُنكر صاحبى               إذا لم يكُنْ دينى إلى دينه دانى

وقَدْ صار قلبى قابلاً كل صُورةٍ                فمرعى لغزلانٍ وديـرٌ لرهبانِ

وبيتٍ لأوثانٍ وكعبـةِ طائـــفٍ                 وألواحِ تـوراةٍ ومُصحفِ قُرآنِ

أُدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهـت                   ركائبه فالحبُّ دينــى وإيمانى

 

أعتقد أن هذه الأبيات البديعة، لشيخ الصوفية الأكبر محيى الدين بن عربى (المتوفى 638 هجرية)  تكرس لثقافة الحب والمحبة لتكون سلوكا اجتماعيا وعلاجا شافيا لمجتمعاتنا التي تعاني الكراهية ونبذ الاخر، فثقافة الحب هي التي تجعل الاحجار والجبال تنفجر منها الانهار فتروي العطشى من الانسان والحيوان والزرع، وهي تجبر ألام المريض وتربت على كتف المسكين وتمسح دمعة يتيم محزون ، وتعين الارامل على تحمل مسئولية رعاية الايتام .

فالحب مفتاح لكل داء وزرعه في ثقافتنا  اليومية عبر الاعمال الفنية والادبية ضرورة للنجاه من التعصب الاعمى وامراض الطبقية والفاشية الدينية والاجتماعية التي قلبت حياتنا جحيما، وأحالت ارضنا وسماءنا الى ساحات للاقتتال والحروب ـ وبدلا من تروي الارض بالماء لتنبت زهرا ، رويت بدماء الشهداء والابرياء فأنبتت صبارا.

تأثير ابن الرومي

والمشهد العالمي اليومي يموج بصراعات دينية وفكرية متعصبة وعنيفة، ولا سبيل للخلاص منها دون تحرير انفسنا من اغلال الطاووس الذي يسكن في داخلنا يعمينا عن رؤية الحقيقة وطريق السعادة، وهو ما يتحقق بالحوار مع الاخر واحترام اختلافه عنا.

وكما قال الشاعر والفيلسوف  جلال الدين الرومي: "تعال وكلمني ولا يهم من أنت، ولا إلى أي طريقة تنتمي ولا من هو أستاذك، تعال لنتكلم عن الله" فنتحاور بالاداب والفنون والموسيقى لنتعلم من خلالهم فنون  المحبة والتسامح وقبول الآخر المختلف.

واعتقد ان العالم بات يدرك نيران التعصب والكراهية ودماء الابرياء ثمنا باهظا لها، لذلك فطن الي اهمية  تجربة  الشاعر جلال الدين الرومى، وصار ينهل من منابع حبه وشعره وفلسفته، وأصبحت أقواله منتشرة حول العالم، بل ان العديد من  المراكز البحثية والعلمية تدرس فلسفته وحكمته.

ففي عام 2007، نظمت "اليونسكو احتفالا خاصا بالرومي بمناسبة مرور 800 عام على ميلاده، وجاء في إعلانه "أفكار وآمال الرومي يمكن أن تكون جزءاً من أفكار وآمال اليونسكو".

ووصفت "بي بي سي" جلال الدين الرومي بأنه أكثر الشعراء شعبيّة في الولايات المتحدة، مع الإعلان عن حصول مؤلفات الرومي على لقب "الأعلى توزيعاً" بين كتب الشعر، في الولايات المتحدة لثلاثة أعوام متتالية من 2004 إلى 2006، لاسيّما ديوانيْه "المثنوي" و"التبريزي".

وذاعت شهرة الرومي أكثر واكثر  بعد رواية المؤلفة التركية "إليف شافاق" ، "قواعد العشق الأربعون"، التي صدرت في الولايات المتحدة عام 2010، وتناولت حياة الرومي ولقائه مع التبريزي، وقدمت شرحاً مبسطاً لحكمته،. وفي عامي 2014 و2016، أعلنت صحف أمريكية عن نيل الرومي صفة الشاعر الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة.

 

ولعلنا ندخل ساحة العشق الانساني بين الأنا والاخر في اقوال خلدها التاريخ من اقول جلال الدين الرومي ومنها:

* كم هم سعداء أولئك الذين يتخلصون من الأغلال التي ترسخ بها حياتهم.

العشق يزهر من تلقاء نفسه بإرادة مستقلة.. فالعشق لا يمكن أن يكتسب أو يلقن.

لا تجزع من جرحك.. وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟.

استمع إلى صوت الناي.. كيف يبث آلام الحنين يقول:

مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحن إلى أصلي.

يا أخي أنت مجرد فكر.. وما بقي منك عظام وجلد.

ليس العاشق مسلما أو مسيحيا.. أو جزءا من أي عقيدة.. دين العشق لا مذهب له.. لتؤمن به أو لا تؤمن.

أينما كان النور فأنا الشغوف به.. وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة.. وأينما كان الجمال فأنا العشاق.. وأينما كانت الحكمة فهي ضالتي.

فقط حين تفعل ما تمليه عليك روحك.. تشعر بهذا النهر العذب يتدفق داخلك.. إنها البهجة الخالصة.

حين تختلف مع أحدهم أو تتعرض للنقد.. تنمو في قلبك نملة من الكراهية.. إن لم تسحقها في الحال ربما تحولت تلك الحشرة الضئيلة مستقبلا إلى ثعبان أو وحش قبيح.

إن هذه الحياة أقصر من شهقة وزفيرها.. فلا تغرس بها سوى بذور المحبة.

حين يخلد الجميع للنوم.. لا يبقى سوى العشاق يحكون حكايا عشقهم للمولى فيسمعهم.

دين الحب منفصل عن كل أشكال الديانات.. العاشقون أمة واحدة ودين واحد وهذا هو الله.

وهكذا فان المتصوفة مثل  جلال الدين الرومي نبذوا الانغلاق وانفتحوا المختلفين معهم  بمنهج الحب والتسامح. ولذلك فان ابرز تجليات قبول الاخر نجدها في الفكر الصوفي، الذي انفتح على الاديان والثقافات الاخرى وتبادل التأثير والتأثر، وهو ما نجده في استشهادهم بنصوص مأخوذة من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.  وجاءت ابداعهاتهم الشعرية ترجمة حقيقية وصادقة لقيم قبول الاخر بل وحبه.

وختاما، فانه ـ كما ان الدين ليس حكرا على شعب دون غيره، كذلك الفنون والآداب والعلوم ليست حكرا على شعب دون غيره، والحقيقة الكاملة لا يمتلكها احد  او جماعة دون غيرها، وانما هي قطرات من ماء المطر تشكل مع  زخاتها وبمرور الوقت انهارا من المعرفة والتكامل والحكمة والابداع،  ويجري النهر لمسافات بعيدة وقد يشكل جداولا ومصابات جديدة يكتشفها ويفيد منها،  من يتعاون مع الاخر للعيش في سلام مشترك.

 

سارة طالب السهيل

 

نبيل عودةكلمة ابستمولوجيا- نظرية المعرفة (بالإنجليزية - Epistemology) تستعمل للدلالة على علم المعرفة. وهي مؤلفة من جمع كلمتين يونانيتين: logos بمعنى دراسة وepisteme بمعنى: معرفة. أما في العربية، فاختلف العلماء على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة.

فلاسفة الغرب أطلقوا عليها تعريف اضافي بانها "دراسة نقدية للمعرفة". اما "علماء العرب" (معظمهم شيوخ دين يسمون ب "العلماء") فاختلفوا على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة لأنهم "بانفتاحهم الهائل" يتقيدون بعلمين فقط: علم قديم هو علم الله، وعلم محدث وهو مكتسب عن طريق التعلم (اقرأ التلقين) وكفي الله العرب وعلمائهم شر علم المعرفة لمليون سنة أخرىّ!!

هذا الموقف يطرح إشكالية العلاقة بين المنطق المعرفي والوحي كطريقة للمعرفة!!

نحن في هذه الحلقة أمام فرع فلسفي يتناول مضمون وحدود المعلومة، بإطار أسئلة مركزية: ما هي المعلومة؟ كيف تكتسب؟ وما هي العلاقة بين الواقع والمعلومة؟

تاريخ الفلسفة مليء بمذاهب مختلفة ومتعددة ومتناقضة حول المعرفة.بدءا من الفلسفة الإغريقية وبأبرز فيلسوف سقراط الذي كان يعتقد بأن فطنة الكائن البشري إنما علَّتُها تلك الروح العاقلة القوَّامة على الجسد ويعتبر سقراط أول منظر للعقلانية ومؤسس علم الأخلاق.

فلسفة المعرفة عند الفارابي (870-950)

 لم يضع الفارابي نظرية خاصة ومستقلة في المعرفة الإنسانية، أفكاره في نظرية المعرفة جاءت منثورة التوزيع بين طيات مؤلفاته.

في كتابه "الجمع بين رأي الحكيمين" يكتب على إن المعرفة التي تحصل عليها النفس البشرية تكون عن طريق الحس. فالحواس هي إدراك الجزئيات، ومنها تحصل الكليات التي هي التجارب على الحقيقة. حتى العقل عند الفارابي ليس شيئاً غير التجارب وكلما كانت هذه التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلاً.

مثلا ديكارت الذي يعتبر أبو الفلسفة الحديثة شكك في المعرفة الحسية سواء منها الظاهرة أو الباطنة، وكذلك رفض المعرفة المتأتية من عالم اليقظة، وله قول يعبر عن فلسفته للمعرفة: "كلما شككت ازددت تفكيرا فازددت يقينا بوجودي".

الماركسية أحدثت قفزة في نظرية المعرفة ببداية طريقها، النهج كان التحرر من الوعي الإيديولوجي المقلوب. والطريق إلى ذلك هو قلب المقلوب وهذا بالضبط هو المقصود بعبارة ماركس الشهيرة: " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم ".

 بهذا القلب للعلاقات الواقعية المقلوبة، يكون ماركس قد أحدث ثورة هامة في نظرية المعرفة البشرية. عن طريق هذه الثورة المعرفية الجذرية، استطاع ماركس الانتقال من دائرة الايديولوجيا إلى دائرة علم التاريخ... لكن علم التاريخ الماركسي المشهور أكثر بصيغة المادية التاريخية خلفته التطورات التاريخية وراءها. وهو موضوع يحتاج إلى تضافر جهود واسع لفهم إشكالية نظرية التاريخ عند ماركس.

النقاط الأساسية التي تعالجها نظرية المعرفة هي العلاقة بين طبيعة المعلومة وبين الانجازات الحقيقية، الصادقة والمبررة. موضوع آخر هو هل يمكن بشكل عام ان نعرف شيئا، أي هل الشك هو صحيح والى أي مدى؟

إليكم قصة حاولت فيها ان انهج على أساس نظرية المعرفة الديكارتية والتي تتطلب الحصول على مثبت يقيني حول الجريمة التي يحاكم على أساسها المتهم، بامتحان صعب عن طريق التفكير الديكارتي الذي يقتضي ان يكشف إذا كان يوجد شيء ما يمكن ان يكون واثقا منه، من هنا فضل ديكارت العقل المستقيم عن العقل الإلهي كمصدر للمعرفة.. السؤال القضائي هنا ليس كون المتهم الذي يحاكم هناك شك ما بتهمته، إنما هل يوجد إثبات مرجح انه ارتكب الجنحة؟

نجح الدفاع  وفشل المتّهم !!

وجهت لصالح تهمة قتل مراد عمداً. كانت التهمة واضحة ومثبتة بالتأكيد في الكثير من تفاصيلها. هناك شهود ادعاء سمعوا التهديد وشاهدوا الضحية برفقة المتهم في ليلته الأخيرة. بعدها لم يعد مراد إلى البيت واختفت آثاره.

المشكلة التي واجهت المحكمة ان جثة مراد، الذي من المفترض انه قتل حسب الادعاء، لم يعثر عليها. مراد اختفى والجثة غير موجودة. ليس من عادة مراد ان يتأخر عن البيت بدون اتصال للتبليغ عن سبب تأخره، كما يقول أبناء عائلته.

إذا وقعت جريمة قتل فأين الجثة؟ أين أداة القتل؟

كل الدلائل والشهادات المجموعة تشير إلى ارتكاب جريمة قتل.. ولكن لا أثر لارتكاب جريمة، لا الأداة ولا الجثة... ولا اعتراف من المتهم!!

صالح قال انه سيخفي مراد عن الوجود. وهذه الأقوال مؤكدة من عدد من شهود الادعاء. وكانت محاولة من صالح لقتل مراد في السابق. عوقب عليها صالح بالسجن لمدة سنة ونصف السنة، تحت بند الاعتداء العنيف. ولكن رغبة صالح بإخفاء مراد من الوجود لا تعني تلقائياً انه قتله.

أين اختفى مراد إذا كان حياً؟

كل الإعلانات في الصحف، والبحث عنه في الأماكن التي اعتاد على ريادتها لم تسفر عن شيء.

وجد مع صالح مسدس، تبين انه مرخص، أثبت الكشف ألمخبري انه استعمل قبل فترة تقع ضمن الفترة التي اختفى فيها مراد. بل ووجدوا بقعة دم صغيرة جداً على ملابس صالح، بيّن فحص الحمض النووي انها من دم مراد.

إذن شبهة ارتكاب جريمة قتل مسألة واردة.

هل تكفي الأدلة التي بيد الشرطة؟

الشرطة تدعي انها إثباتات كافية لارتكاب جريمة، خاصة وان المتهم صالح، وحسب كل الأدلة، هو آخر من كان برفقة مراد.

صالح يصرّ انه أطلق رصاصتين أثناء الصيد عندما هاجمه خنزير برِّي وشهد على صحة أقواله صيادان كانا برفقته.

هل يمكن محاكمة قاتل بلا جثة بالاعتماد على دليل لم تثبت جهة استعماله في جريمة ما؟

لست رجل قانون لأجيب على هذه الأسئلة. إنما يهمني ما حدث فعلا في سير المحاكمة.

صالح حافظ على صمته وموقفه انه لا يعرف شيئاً عن مصير مراد بعد ان تركه في تلك الليلة، حيث التقيا وتصافيا عن خلافات الماضي، وقد شاهدهما الكثيرون سويةً يتضاحكان، كما أفاد صالح في أقواله وأكد ذلك شاهدان أيضا...

أوكل الدفاع عن صالح لأحد أفضل محامي الجنايات.

النيابة العامة كانت واثقة انها عبر الدلائل التي تملكها، وعبر الشهود، بأن المحكمة ستدين صالح بالقتل عمداً. حتى بدون وجود الجثة، اعتماداً على وجود بقعة الدم على ملابس صالح... التي ادعى صالح انه لا يعرف كيف وصلت قميصه، لأن مراد كان معصوب الأصبع مسبقاً من جرح، وان وجودهما معا في تلك الليلة، التي شوهدا فيها سوية يتضاحكان، كانت إشارة واضحة إلى انتهاء الخلاف بينهما.

محامي الدفاع أصرّ انه بدون جثة كل الدلائل بلا قيمة.. وتعتمد على تأويلات وليس على حقائق مثبتة.

في جلسة التلخيص لجأ محامي الدفاع إلى مقلب معين ليثبت براءة موكله صالح. قال في مرافعة دفاعه:

- المحكمة الموقرة.. اليوم سأفاجئكم. خلال دقائق سيدخل قاعة المحكمة من بابها السيد مراد الذي يُتهم موكلي بقتله. رجاء انظروا إلى مدخل القاعة، ها هو مراد يدخل.

نظر المحامي إلى مدخل القاعة، كذلك نظر القاضي. ووقف ممثل النيابة ونظر نحو المدخل. ونظر الحضور في المحكمة نحو المدخل.

وبعد نصف دقيقة من الانتظار دون ان يظهر مراد، تابع محامي الدفاع:

- بالطبع لم يدخل أحد.. أوهمتُكم بأن مراد سيدخل إلى القاعة، لأنكم غير واثقين من مقتله. كلكم نظرتم نحو باب المدخل. كلكم توقعتم ان يدخل مراد، لذا أدعي أمامكم، انه في هذه المحكمة، يوجد شك معقول بأن أحدا ما قُتل. وانأ أصر ان تصدر المحكمة قراراً ببراءة موكلي.

 جاء يوم إصدار قرار الحكم. دخل القاضي، جلس مكانه، قرأ تفاصيل الملف ورقمه، ثم قال انه قرر إدانة المتهم صالح بقتل مراد عمداً...

لم يستطع محامي الدفاع الصبر:

 -كيف يجوز يا سعادة القاضي ذلك، ألم تنظروا جميعكم إلى باب المحكمة توقعاً بدخول مراد؟

رد القاضي:

- حقا.. هذا صحيح. كان لدينا شك في القتل، نظرنا كلنا نحو باب قاعة المحكمة. لكن المتهم صالح هو الوحيد الذي لم ينظر نحو الباب!!

 

نبيل عودة 

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: في (20/تشرين الثاني/ 1989)، اعتمدت الجمعية العامة هذا اليوم يوما عالميا لإعلان حقوق الطفل، وقدم العالم تعهداً للأطفال (بأن نبذل قصارى جهدنا من أجل حقوقهم في البقاء والنماء وفي التعليم والتحرر من العنف وسوء المعاملة وفي المشاركة وإسماع الصوت..). وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اوصت في عام 1954 بالقرار 836 بان تُقيم جميع البلدان يوماً عالمياً للطفل وتركت حرية الإختيار لها، واعتمد الاول من حزيران من كل عام يوما عالميا للطفل تحتفل فيه اغلب دول العالم بضمنها العراق.

*

منذ (41) عاما واطفال العراق ضحايا مفجوعون صامتون.كان اول ما استلب منهم هو حياة الطفولة بمرحها وبهجتها والعابها واغانيها، يوم نشوب الحرب العراقية الأيرانية (1980).اذكر انني كنت عام (1978) عضو لجنة مشرفة على برامج الاطفال في تلفزيون بغداد تضم ايضا الروائية لطفية الدليمي والكاتب باسم عبد الحميد.كانت برامج (الكارتون) تنتقى من مناشىء مختلفة: تشيكوسلفاكيا، بولندا، الاتحاد السوفيتي، اليابان، وامريكا.وكانت البرامج المحلية المخصصة للاطفال هي الاخرى ممتازة مثل: لغتنا الجميلة، سينما الاطفال، الشاطر، وبرامج تعليمية اخرى.وكانت اغاني الاطفال تعبّر عن عالم الطفولة ومفرداتها، منها اغنية تقول: (شوفو شحلو بيدي الطباشير.. شوفو شحلو ارسم عصافير.. رسمت وردة.. وفراشة عالحقل اتطير). 

أطفال العراق.. أكثر أطفال العالم معاناة من الخوف والجوع والفقر

وكان اخطر خلل سيكولوجي حدث للاطفال المولودين عام 1980 وما بعده، ان تشكّلت لدى هذا الجيل (يؤلف حاليا بحدود 70% من المجتمع العراقي) صور ذهنية ومعتقدادت ومدركات مشوهه بخصوص نفسه والاخرين والعالم والحياة، وأخرى غير سوية بمواصفات الصحة النفسية. ففي السنوات الثمان للحرب العراقية الايرانية تشكّل لدى الاطفال مفهوم ان العالم عدائي وان الاخرين يريدون افناءه. وبمشاهدته لجثث قتلى الحرب بدءا من برنامج ( صور من المعركة) في الثمانينيات، الى مشاهد التفجيرات اليومية في المدن العراقية التي صارت تستهدف المدنيين، الى بشاعة جرائم قطع الرؤوس.. تراجعت لدى هذا الجيل (قيمة الحياة) التي كانت مقدسة.

اذكر حين كنت طفلا بالخمسينيات، وانا ابن قرية، حضرت موكب تشيع رجل توفي وهو في السبعين من عمره.. كان الجميع يشعر بالأسف والحزن على وفاته. هكذا كان ذلك الجيل (الكبار حاليا الذين لا تتجاوز نسبتهم 30%)، يحترم قيمة الحياة التي انعدمت لدى جيل الشباب.والى هذا السبب نعزو جرائم القتل وبشاعة قسوتها في الاحتراب الطائفي التي قامت بها مليشيات من الشباب.

كنّا نأمل ان تنتهي استلابات الطفولة بسقوط الدكتاتورية ويعود للطفولة عالمها الذي يشبه عالم العصافير.. لكن ما حصل للاطفال في الزمن الديمقراطي كان افضع وابشع. فبحسب تقديرات وزارة العمل (2010) فان (4,5) مليون طفل فقدوا والديهم او احدهما. (بالمناسبة، يتيم الحرب لا يعرف من قتل اباه فيما يتيم الاحتراب الطائفي يعرفه، ولهذا ينشأ لديه دافع الاخذ بالثأر ولن يخف دافع الانتقام لدى هؤلاء اليتامى ما داموا احياء).

وتشير منظمة اليونسيف الى ان اطفال العراق يعدّون اكثر اطفال العالم معاناة من الخوف والجوع والفقر جراء العنف والارهاب والتهجير والاهمال منذ وقوع العراق تحت الاحتلال، وان اكثر من (360) الف طفل يعانون من امراض نفسية، فيما افادت ممثلة الامين العام للامم المتحدة قبل عشر سنوات ان 50% من طلبة المدارس الابتدائية لا يرتادون مدارسهم ، و 40% منهم فقط يحصلون على مياه شرب نظيفة.. فيما صار حالهم الان اقسى واوجع بعد التهجير القسري لثلاثة ملايين عراقي!

العراق وطن بلا طفولة

ولأول مرّة في العراق تم استخدام الاطفال في اعمال اجرامية بقتل ابناء وطنهم، بدأت بمنظمة طيور الجنة التي شكلتها القاعدة ووصلت الى قيام داعش بتشكيل افواج من الاطفال ، لاسيما في مدينة الموصل، بتدريبهم حتى على قطع الرؤوس. ولأول مرّة ايضا تم بيع اطفال العراق قبل عشر سنوات في دول الجوار واخرى اوربية، وأجبرت فتيات بعمر الصبايا على الدعاره، وعرضن للبيع في سوق النخاسه كالفضيحة التي بثها التلفزيون السويدي عام (2013).. لتصل فيما بعد الى بيع الفتيات بعمر ست سنوات بمئتي دولارا للأيزدية الواحدة!.

ومع كل هذه المصائب ، فان بين السياسيين من يعدّ موضوع الاطفال قضية ثانوية ازاء وطن منكوب وشعب موجوع مفجوع، مع انه اهم ثلاث قضايا الى جانب الامن والخدمات، لسببين:لأنهم اكثر الفئات الاجتماعية التي يجب ان تحظى بالرعاية في اوقات الازمات والكوارث، ولأن هذا الجيل الصامت الان، والمأزوم نفسيا، هو الذي سيحدد مستقبل العراق.

لكن واقع الحال يشير الى انهم مهملون.والمفارقة ان المسؤولين في حكومات ما بعد التغيير ليسوا جميعهم جهلة، بل بينهم من جاء من مجتمعات متقدمة لا سيما المجتمع البريطاني.. يعرفون ان الطفل في بريطانيا يخصص له راتب يوم يولد، يوضع في البنك ويستلمه حين يكمل السابعة عشرة مع الارباح المتراكمة، فضلا عن تأمين صحي واجتماعي، فلماذا ما تعلموا هذا العمل النبيل من بريطانيا التي عاشوا فيها سنين ويحملون جنسيات تؤكد انتماءهم لمجتمع متحضّر؟

لا تفسير لهذا الاهمال سوى ان الذين صاروا بالسلطة وفّروا الرفاهية لأطفالهم وامّنوا مستقبل حتى احفادهم، وما عاد يعنيهم بؤس وشقاء ملايين الاطفال.. بل ان لديهم من قساوة القلب وموت الضمير ودناءة النفس انهم يسرقون مخصصات النازحين.. وعجبي كيف ان الممثلة الامريكية، انجلينا جولي، بكت حين شاهدت اطفالنا النازحين.. وما اهتزت شواربهم على اطفال اهلهم وكأن الغيرة العراقية.. مسحوها من جبينهم بورق التواليت.

اللعنة منّا عليكم.. مباشرة وبالوجه.. واخرى مؤجلة.. تأتيكم من جيل الاطفال هذا يوم تغادرون السلطة والدنيا.

 

ا. د. قاسم حسين صالح

 

عبده حقيترجمة: عبده حقي

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقذ الصحافة في المستقبل، أو أنه سيتولى بعض ممارسات التحرير ويقصي المزيد من الوظائف؟

من وجهة نظر متفائلة، يمكن أن يكمن مستقبل الصحافة في الذكاء الاصطناعي، وفقًا لكتاب جديد لفرانشيسكو ماركوني، أستاذ الصحافة في جامعة كولومبيا في نيويورك، وهو أحد صانعي الأخبار، والذكاء الاصطناعي، والخبير في مستقبل الصحافة. كان رئيسا لمختبر الإعلام في وول ستريت جورنال ووكالة أسوشيتد برس، إحدى أكبر المؤسسات الإخبارية في العالم.

إن عالم الصحافة التقليدية لا يواكب التقنيات الجديدة، لذلك تحتاج غرف الأخبار إلى استخدام ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي والتوصل إلى نموذج أعمال جديد، كما يقترح باتريك وايت، أستاذ الصحافة بجامعة كيبيك، الذي كتب يقول: "يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي في قلب نموذج عمل الصحافة في المستقبل"، مشيرًا إلى عدة أمثلة على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار اليوم. لقد طورت وكالة الأنباء الكندية بريس نظامًا لتسريع الترجمات يعتمد على الذكاء الاصطناعي. من جهتها وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) صارت تستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف عن الصور المزورة.

يقول وايت: "الذكاء الاصطناعي ليس موجودًا ليحل محل الصحفيين أو يلغي بعض الوظائف"، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن يتولى الذكاء الاصطناعي أكثر من ثمانية إلى 12٪ من المهام الحالية للصحفيين. سيعيد المحررون والصحفيون توجيههم نحو الصحافة الطويلة والحوارات والتحليل والصحافة القائمة على البيانات والصحافة الاستقصائية التي لم تتمكن الآلات من إنتاجها حتى الآن.

في وكالة أسوشايد بريس على سبيل المثال، تقوم روبوتات الذكاء الاصطناعي بأداء المهام الأساسية مثل كتابة من فقرتين إلى ست فقرات عن النتائج الرياضية وتقارير أرباح الأعمال الفصلية. من جانبها تساعد روبوتات الذكاء الاصطناعي صحيفة واشنطن بوست في تحرير نتائج الانتخابات ونتائج الألعاب الأولمبية. لدى بلومبيرغ نيوز روبوتات تقوم بمسح قواعد البيانات الكبيرة فيما يقرر المراسلون أيهم يتابعون، ويقومون بعمل التأكد من الحقائق، ووضع المعلومات في سياقها وإجراء الحوارات. إن "الذكاء الاصطناعي بالكاد يمكن أن يحل محل كل هذا. وبهذا المعنى، يجب أن يظل البشر مركز العملية الصحفية بأكملها "، كما يقول وايت.

وهو يتفق مع ماركون في أنه يجب على وسائل الإعلام تطوير نماذج أعمال جديدة والاستفادة مما يقدمه الذكاء الاصطناعي.

تشمل النماذج الجديدة : الاشتراكات المدفوعة، وجداول الاشتراك، والرسائل الإخبارية، والأحداث، والبودكاست، ومقاطع الفيديو. يضيف وايت: "بهذا المعنى، يعد الذكاء الاصطناعي جزءًا من نموذج عمل جديد قائم على تحطيم صروح وسائل الإعلام".

أما الخبر الأقل تفاؤلاً هو الأنباء التي تفيد بأن مايكروسوفت قد قطعت الطريق مؤخرًا على حوالي 50 مقاولًا لإنتاج الأخبار يعملون في MSN وتخطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي لاستبدالهم، وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا في سياتل تايمز. تم إخطار المقاولين مؤخرًا بأن خدماتهم لن تكون مطلوبة بعد 30 يونيو.

ونقل عن متحدث باسم مايكروسوفت بشأن هذه التغييرات: "مثل جميع الشركات، نقوم بتقييم أعمالنا على أساس منتظم. يمكن أن يؤدي هذا إلى زيادة الاستثمار في مكان ما ومن وقت لآخر، وإعادة الانتشار في أماكن أخرى ".

سيتم الاحتفاظ بمنتجي الأخبار الذين يعملون بدوام كامل من قبل مايكروسوفت، لأداء وظائف مماثلة لتلك التي تم إصدارها على ما يبدو. كما صرح بعض المتعاقدين دون الكشف عن هويته إن الذكاء الاصطناعي يستخدم الخوارزميات لتحديد الأخبار الشائعة من عشرات شركاء النشر، ويساعد في إعادة كتابة العناوين وإضافة صور أفضل أو عروض شرائح لمرافقة المحتوى.

ونُقل عن أحد المقاولين الصحفيين الذين تم إنهاء خدمتهم قوله: "إنه لأمر محبط أن تعتقد أن الآلات يمكنها أن تحل محل البشر ولكن ها أنت ترى."

مذيعو الأخبار الافتراضية بالذكاء الاصطناعي أصبحوا ينتشرون يوما بعد يوم في الصين. فقد أصدرت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" مؤخرًا أحدث مذيع إخباري ثلاثي الأبعاد للذكاء الاصطناعي، لتوسيع قائمة متزايدة من مقدمي العروض الافتراضية التي تطورها الوكالة .

ووفقًا لشركة محرك البحث "سوغو"، التي شاركت في تطوير هذه التقنية، تستخدم مرساة الذكاء الاصطناعي الجديدة أداة "التعرف على الوسائط المتعددة والتوليف والتعرف على الوجه والرسوم المتحركة ونقل التعلم".

في مؤتمر الإنترنت العالمي في عام 2018، عرضت بعض الشركات مذيعي أخبار مختلفين للذكاء الاصطناعي، متطابقين في المظهر، لكن أحدهما يتحدث الإنجليزية والآخر لغة الماندرين الصينية.

ومن أجل تطوير النماذج الأولى، تمت دراسة ساعات من لقطات الفيديو لتكرار الحركات والتعبيرات والميزات الأخرى لمثبتات الحياة الواقعية . وصرحت شينخوا في تقرير صدر في عام 2018: " لقد أصبح مذيعو الذكاء الاصطناعي أعضاءً رسميًين في فريق التقارير في وكالة أنباء شينخوا". وقد تم استخدام المراسي الافتراضية في قنوات بما في ذلك تطبيقات "وايشات" و"ويبو" وغزانهويا" باللغة الإنجليزية والصينية.

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىللإجابة على هذا السؤال من الضروري في البداية التعرف على ماهية التخطيط الاقتصادي ومن ثم القاء نظرة سريعة على مسار التخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي سابقا والعراق.

1- ماهية التخطيط الإقتصادي

يعرف التخطيط الاقتصادي بأنه حصر الموارد الاقتصادية في البلد من أجل رفع المستوى المعاشي للشعب بواسطة خطة اقتصادية لمدة خمسة سنوات على الأقل.

ولهذا فإن تخطيط الاقتصاد الوطني هو الطريقة الأساسية لتحقيق السياسة الاقتصادية الموجهة لرفع قوى المجتمع الانتاجية في جميع الاتجاهات واشباع الحاجات المادية والروحية للشعب في بلد ما انطلاقا من منهجية الاقتصاد الوطني والنهج الذي يسير عليه (رأسمالي أو اشتراكي او مختلط أو اسلامي ..الخ) كما هو مثبت في الدستور. ولكن الدستور العراقي لم يثبت في طياته المنهج الإقتصادي الذي يسير عليه البلد كما ورد في المادة 25 :تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته (1). وبالنتيجة فإن السياسة الاقتصادية للبلد كانت مبهمة منذ العام 2003 وغير معروفة للمواطنين. وهذا كله بسبب الوضع السياسي غير المستقر، لذا فإن كل معالجة لأية مشكلة اقتصادية في البلد تعد ناقصة لعدم وجود فلسفة اقتصادية يرتكز عليها الإقتصاد الوطني.

2- الخلفية النظرية للتخطيط الاقتصادي

وبمساعدة التخطيط تدير الدولة سير العمل الاجتماعي المعقد فهي تنظم وتؤطر العمل الى جانب تبادل وتقسيم الخيرات المادية معتمدة على النظرية والمنهج الاقتصادي الذي يسير وفقهما البلد لتوسيع اعادة الانتاج انطلاقا من الاستخدام الواعي للقوانين الاقتصادية الموضوعية.

ويسمح تخطيط الاقتصاد الوطني حسب قاعدة الخطة الواحدة بالتطوير المتناسق لجميع الفروع الانتاجية والخدمية والعلمية والثقافية باستخدام الموارد المالية والمادية والعملية بالتناسب مع القضايا الاجتماعية-الاقتصادية المهمة لتلك الفترة الزمنية وتثبيت النسب الضرورية للفروع الانتاجية القطاعية والداخلية في كل قطاع انتاجي بترشيد توزيع القوى الانتاجية مع ضمان فعالية اقتصادية عالية للانتاج الاجتماعي.

وبفضل البرهنة العلمية يخلق التخطيط امكانية موضوعية حديثة لاظهار حجم وتركيب الحاجات الاجتماعية والتقييم الصحيح للموارد المتاحة لاشباع تلك الحاجات اشباعا كاملا.

يقود مبدأ التخطيط العلمي صراعا حازما ضد مفهوم حق التحريف المدافع عن اقتصاد السوق وتطور الاقتصاد العفوي الرافض لدور تخطيط الاقتصاد الوطني في ظل التخطيط المركزي. هذا ويتنافى التخطيط العلمي مع مذهب الارادة الحرة والتركز البيروقراطي ايضا.

وتفترض الإدارة المخططة للاقتصاد الوطني الاستخدام الفعال للعتلات الاقتصادية للتأثير على زيادة الانتاج الاجتماعي بواسطة نظام الاستقلال الاقتصادي للمشاريع الصناعية المنتجة القائم على مؤشرات السعروالربح والقروض واشكال التشجيع المادي لخلق الظروف الاقنصادية المناسبة لنجاح أعمال المشاريع المنتجة وضمان التقييم المبرهن علميا لنتائج أعمالها وكذلك حث المشاريع على اعتماد الخطط القوية والأكثر ترشيدا في استخدام الموارد المادية والعملية مع رفع انتاجية العمل وتحسين نوعية المنتجات.

ان تنظيم وانضباط الحلقات الانتاجية المختلفة والعاملين فيها مسـألة ضرورية لتحقيق الخطط المرسومة والتي هي شروط التقدم المطرد للمجتمع، وهذا لا يخلق نزع جديد لشخصية الفرد كما يزعم أعداء التخطيط العلمي للاقتصاد الوطني ولكن يخدم الفرضيات الضرورية لتطوير جميع أعضاء المجتمع. كما توضع خطط لتطوير المشاريع من قبل جميع العاملين في الانتاج او ما يسمى بكادحي الانتاج، أما خطط تطوير الفروع الانتاجية وجميع قطاعات الاقتصاد الوطني فهي تخدم الشعب بأجمعه وهي الوسيلة المهمة لمساهمة الكادحين في ادارة اقتصاد االبلد ورفع  نشاط المواطنين الانتاجي والاجتماعي - السياسي.

ومن المبادىء الأساسية لبناء وتأدية وظائف التخطيط الاقتصادي هو مبدأ الديمقراطية المركزية الذي صاغه فلاديمير ايليتش لينين(2) ويقترح المزج العضوي بين قيادة التخطيط المركزية والتطوير الأقصى لمشاركة الكادحين الفعالة في ادارة الانتاج من جهة واظهار المبادرات المختلفة للإدارات المحلية في البناء الاقتصادي والثقافي مع المصالح الاقتصادية للمنتجين في تنفيذ الخطة من جهة أخرى. وتتغير أشكال ومنهجيات تنظيم تخطيط الدولة حسب مقدار تطور القوى المنتجة وتطور العلاقات الانتاجية وكذلك تغير القضايا الحقيقية الملموسة وظروف البناء الاقتصادي.

3- أشكال التخطيط الاقتصادي

أفرزت الممارسة العملية للتخطيط العلمي ثلاثة أشكال من تخطيط الاقتصاد الوطني حسب طول الفترة الزمنية للتخطيط: بعيدة الأمد وتمتد من 10- 15 سنة والمتوسطة 5 سنوات والجارية سنة واحدة. تعكس الخطط البعيدة المدى الاتجاهات الرئيسة للتطور الاقتصادي والتقني والاجتماعي للمجتمع وتوضع الحلول المتعاقبة للمشاكل المهمة للاقتصاد الوطني. وهي تضمن تعاقب وتتابع وتناسق المراحل المختلفة للسياسة الاقتصادية. كما تدقق في الخطة  السنوية الجارية قضايا الخطة الخمسية الناجمة من الخطط البعيدة المدى آخذين بعين الاعتبار سير تطبيقها والمتطلبات الجديدة للمجتمع والانجازات العلمية والتقنية. ان مزج هذه الأشكال من التخطيط تكوًن المبادىء الرئيسة في تخطيط الاقتصاد الوطني. وعلى سبيل المثال كان تحقيق تخطيط الاقتصاد الوطني في الاتحاد السوفيتي سابقا بشكل مباشر من قبل الهيئات المركزية التالية:

1-  لجنة تخطيط الدولة والوزارات والمؤسسات

2- لجان التخطيط في الجمهوريات الاتحادية والجمهوريات ذات الحكم الذاتي

3- هيئات التخطيط المحلية: لجان التخطيط في الأطراف والمقاطعات والمدن ومجالس ممثلي الكادحين في الأحياء السكنية.

4- أجهزة التخطيط في المشاريع الاقتصادية المادية وغير المادية.

توضع خطة تطوير الاقتصاد الوطني انطلاقا من المبدأ الذي ينص على أن "جميع خطط الفروع الانتاجية المستقلة يجب أن تكون متناسقة بدقة ومتصلة ببعضها وجميعها تضع تلك الخطة الاقتصادية الواحدة التي نحن بأمس الحاجة لها" ( ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية) (3).

ان الحلقة الرئيسة لكل نظام تخطيط اقتصاد وطني هي خطة المشاريع الانتاجية (المؤسسة الانتاجية). وتوضع هذه الخطة من الأسفل، وهذا يعني انها توضع في المشاريع الانتاجية ومن ثم تساق الى قاعدة البيانات والتعليمات (التوجيهات) التي تصل من الأجهزة العليا (الادارات العليا، الوزارات، المؤسسات العليا) مع الأخذ بعين الاعتبار اقتراحات المشاريع نفسها.

وتنبثق خطط أجهزة الاقتصاد الوطني المركزية (الوزارات والإدارات) من قضايا الدولة العامة وتمثل بنفسها خطط متكاملة لتطوير هذه الفروع.  ويقتضي في الخطط المتكاملة للجمهوريات الاتحادية تطوير جميع فروع الاقتصاد الوطني في الجمهورية ومن ضمنها المشاريع الصناعية في الجمهوريات الاتحادية والتابعة لها والمندرجة ايضا في خطط انتاج المنتجات في مشاريع وزارات الاتحاد السوفيتي عموما الموضوعة باقتراح من الجمهوريات نفسها.

تحتوي خطة الاقتصاد الوطني نظام كامل من المؤشرات التي تعكس القضايا السياسية والاقتصادية للخطة والاتجاه الرئيس لتطور الاقتصاد الوطني وأجزائه المركبة وعمليات الانتاج المتعلقة ببعضها وأخيرا توزيع واستهلاك المنتجات. تستخدم هذه المؤشرات لإقامة وتائر ضرورية لتطورالاقتصاد والثقافة ورفع فعالية الانتاج الاجتماعي وتوازن وتناسب  تطور الاقتصاد الوطني. إن نظام مؤشرات خطة الاقتصاد الوطني هي واحدة وملزمة لجميع الأجهزة والحلقات الاقتصادية.

ان خطط تطوير الاقتصاد الوطني تحمل صفة الاوامر المرسلة الى جميع القطاعات الاقتصادية. ويصادق عليها في دورة مجلس السوفيت الأعلى (وهو ما يعادل البرلمان في الدول الأخرى) لتصبح بعد ذلك قانونا واجب التنفيذ ليس في المشاريع الاقتصادية فقط ولكن في الأجهزة العليا كذلك.

ويمكن تغيير الخطط المقررة للمشاريع في الحالات الاستثنائية فقط من قبل مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي. وفي حالة اعادة النظر في المهمات والمسائل المخططة يجب تعديل جميع المؤشرات المتعلقة بالخطة في نفس الوقت وكذلك جميع حسابات المشاريع في ميزانية الدولة.(4)

ان خطة الاقتصاد الوطني هي عتلة قوية لتعجيل تقدم الانتاج التقني والاتحاد العضوي لمنجزات الثورة العلمية التقنية وتفوق النظام الاقتصادي، إذ يقوم تحضير الخطة على أساس برنامج متكامل لتطوير التقنية والتكنولوجيا يصاغ سلفا. ويعتبر اسلوب التوازن في التخطيط أحد أهم اساليب اثبات واعداد خطط الاقتصاد الوطني المعتمدة على منهجية الاقتصاد الوطني لإعادة الانتاج المستخدم من الناحية العملية في وضع الخطط الخمسية والسنوية لتطوير اقتصاد البلد بالكامل. هذا ويحدد وجود الموارد المادية والبشرية والمالية بمساعدة أنظمة الموازنات السنوية في خطة الاقتصاد الوطني وكذلك ترسم وتائر مضاعفتها وتثبت النسب الاقتصادية الضرورية العامة وكذلك النسب بين الفروع الانتاجية وداخلها في حين تعكس النسب الاقتصادية العامة التناسب الأكثر عمومية في الانتاج بالاضافة الى استخدام المنتوج الاجتماعي والدخل الوطني. أما النسب التي ما بين الفروع فهي التي تحدد النسب الاقتصادية العامة وتظهر التركيب الفرعي للاقتصاد، في حين تفتح النسب التي داخل الفروع محتوى العلاقات الاقتصادية والافق التقني-الاقتصادي لاعادة الانتاج بشكل تفصيلي واسع. هذا وتبرز مراعاة النسب في أي مجتمع يلتزم بالتخطيط الاقتصادي العلمي كعنصر للتخطيط والتوازن والتطور. وفي ظل هذا من المهم ليس فقط الربط الكمي العام لعوامل الانتاج ولكن المطابقة القصوى لتراكيب انتاج الطلب الاجتماعي. وهنا يجب أن تساعد البرهنة العلمية لخطط تطوير الاقتصاد العلمي على ايجاد الاحتمال الأمثل لحل المشاكل الاقتصادية. إن هذا يعطى امكانية توفير رفع فعالية الانتاج الاجتماعي والتي تعتبر المقياس الأساس في بلوغ نتائج أكبر للمصالح الاجتماعية في ظل هذه الموارد.

4- التنبؤ الاقتصادي

يستند التخطيط الاقتصادي البعيد المدى بالدرجة الأولى على التنبؤات العلمية للحاجات الاجتماعية والموارد الاقتصادية وكذلك على تنبؤات تطور العلوم الأساسية والتطبيقية والتجسيد التقني الناجمة منه التقديرات الاقتصادية الملموسة.

يتكون أساس التوقعات الاقتصادية من تنبؤات الموارد الطبيعية والتقدم العلمي-التقني والتطورات السكانية والاجتماعية. وهذه كلها في الحقيقة تقرر العناصر الأساسية للتنبؤ الاقتصادي التي هي اعادة انتاج القوى العاملة والاحتياطيات الانتاجية ومستوى حياة السكان ووتائرالتطور الاقتصادي والتغيرات التركيبية والعلاقات بين الفروع الانتاجية في الاقتصاد الوطني وتوزيع القوى الانتاجية وما شابه ذلك. وقد أغنى التطور العلمي التخطيط الاقتصادي بسلاح نظري وذلك بوضعه نماذج اقتصادية-رياضية فعالة ونظام تحليل متكامل. وترتأي منهجية التخطيط الحديث بتبصر رفع دور الحسابات الاقتصادية العامة في المراحل التمهيدية لوضع الخطة المستقبلية. وقبل البدء بعمل تخطيط مفصل لجميع قطاعات الاقتصاد الوطني يوضع نموذج تمهيدي موحد للخطة يشمل العوامل الأساسية ومؤشرات وتائر ونسب اعادة الانتاج المادي الموسع. وهذا يساعد على تحديد الكميات المتغيرة لخطة المستقبل مع حساب مستوى التطور المنجز لقوى الانتاج وصياغة القضايا الاقتصادية-السياسية للفترة الزمنية القادمة. ويعرض نموذج الاقتصاد الرياضي انعكاس تخطيطي للارتباطات المتبادلة الواقعية في الاقتصاد التي تسمح بدراسة دائرة كبيرة من المؤشرات وتأثيراتها المتبادلة. وتستخدم نماذج الاقتصاد الرياضي في الغالب لإعداد الخطط الخمسية.

أجري في الكثير من دول العالم المتقدمة وبعض الدول النامية في سبعينيات القرن الماضي عمل كبير بتطوير القاعدة المادية الحديثة للتخطيط  وكان في المقدمة الاستخدام الواسع للحاسبات الالكترونية الضخمة للحصول على كميات كبيرة من المعلومات والبيانات الاحصائية ومن ثم معالجتها وتحليلها وبعد ذلك اعداد الكثير من احتمالات الخطة وايجاد الحلول المثلى لها. وقامت كثير من دول العالم في خلق واقامة نظام حكومي مؤتمت عام لجمع ومعالجة المعلومات لمراقبة وتخطيط وإدارة الاقتصاد الوطني على أساس نظام حكومي للمراكز الاحصائية وشبكة علاقات مؤتمتة واحدة للبلد كله.

وقد احرز نظام تخطيط الاقتصاد الوطني في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا والدول الاشتراكية على سمعة كبيرة واعتراف في جميع دول العالم. وبظهور النظام الاشتراكي العالمي توسع مجال تأثير قانون التطور الممنهج والتناسبي للاقتصاد الوطني الذي اكتسب ميزة دولية.

توجهت الكثير من الدول المتحررة من النظام الاستعماري (الكولونيالي) الى الأخذ بتجربة الاتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في التخطيط الاقتصادي واقامة اقتصاد وطني مستقل. وقامت الأجهزة والمؤسسات السوفيتية بتقديم المساعدة في وضع وتحقيق الخطط وتدريب الكوادر المتخصصة للقيام بعملية التخطيط (تجربة العراق في بداية سبعينيات القرن الماضي). وأظهرت تجربة الاتحاد السوفيتي امكانية التطور الممنهج للاقتصاد والفائدة المشتركة في المجالات الكبيرة والتعاون مع جميع الدول ومن ضمنها الدول الرأسمالية المتطورة وكذلك فتح المجال لآفاق جديدة في الطريق الملائم لتقسيم العمل الدولي.

ومن المسائل الواجب التطرق لها هنا هي طريقة حساب الدخل القومي ومعدل دخل الفرد التي تختلف انطلاقا من الخلفية النظرية للباحث الاقتصادي والتي لها علاقة بالتخطيط الاقتصادي. اعتمدت المدرسة الاشتراكية وبالأخص الاتحاد السوفيتي سابقا على حساب الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي فقط وقسم من خدمات قطاع النقل الذي يقوم بنقل منتجات القطاعات المادية. ونتيجة لهذا يحصل انخفاضا في قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني قياسا مع طريقة حساب الدخل القومي والناتج القومي في الدول التي تعتمد طريقة حساب هذه المؤشرات في الدول الرأسمالية بجمع قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي وغير المادي وبادخال قيمة الخدمات. أما المدرسة السويدية التي يمثلها الاقتصادي بالم داته (Palm Date) فإنه يدخل قيمة الاعمال التي تقوم بها ربة المنزل من طهي وتنظيف ..الخ أو رب المنزل من تغيير قفل في باب المنزل على سبيل المثال في حساب الدخل الوطني. وبالنتيجة نجد تأثير على انخفاض او ارتفاع مستوى دخل الفرد ومستوى المعيشة.

5- تفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية

وهنا لابد من الاشارة الى أن فترة تسعينيات القرن الماضي وتفكك الاتحاد السوفيتي في الفترة الزمنية 1990- 2001 وتغير النظام الاقتصادي في الكثير من الدول الاشتراكية في اوروبا الشرقية باتجاه اقتصاد السوق ادى الى انخفاض مستوى المعيشة وانخفاض معدل النمو السنوي لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الثابتة بسبب مرورها بالمرحلة الانتقالية من النظام الاشتراكي الى اقتصاد السوق على الرغم من وجود قطاع خاص فيها ولكنه لم يملك ثقل نوعي ومؤثر كما هو موجود في الدول الرأسمالية. وانعكس ذلك في بيانات جدول رقم 1 .

جدول رقم 1

معدل النمو لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار                     الثابتة % لعدد من الدول الاشتراكية سابقا

الدولة  1990- 2001         1999-2007

أوكرانيا         -7.4               -0.7

هنغاريا          2.1            3.3

رومانيا          -0.1            2.3

أستونيا          1.6              5.3

روسيا الإتحادية-3.5           1.2

لاتفيا   -1.0                     4.7

جورجيا      -5.5              1.8

ملدوفا           -8.2            -1.3

الصين          8.8              8.9

.......................

(5) المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 .  وكذلك:

 -6World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993

ومن نظرة فاحصة لبيانات الجدول نرى أن الصين استطاعت أن تحقق معدل نمو ايجابي خلال الفترتين الزمنيتين الموضوعة البحث 1990-2001 و 1999-2007 من 8.8 الى 8.9 %  بسبب تشجيع الدولة للقطاع الخاص منذ تسعينيات القرن الماضي وكذلك روسيا الاتحادية من -3.5 الى 1.2 % وكذلك جورجيا ومولدوفا كما هو وارد في الجدول أعلاه.

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي وتحول العديد من الدول الاشتراكية الى نظام السوق مثل روسيا الاتحادية وأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا ودول أسيا الوسطى وشمال القفقاس  ودول بحر البلطيق مثل استونيا ولاتفيا ولتوانيا ورومانيا وجيكوسلوفاكيا (انقسمت الى جمهوريتي الجيك وسلوفاكيا) ويوغسلافيا (انقسمت الى صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنا والهرسك ومن ثم نشوب الحرب الأهلية هناك بين صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك) الى انهيار النظام الإداري والمؤسسات الحكومية وشيوع الفساد الاداري الذي كان له تأثيرا كبيرا على تدني العلاقات الاجتماعية وانهيار الأمن وانتشار العصابات الإجرامية التي قامت بخطف وطلب الفدية من رجال الأعمال والناشطين السياسيين والمدنيين أو تصفيتهم جسديا اذا لم يقوموا بدفع الفدية التي تبلغ ألاف الدولارات الأمريكية وكما أدى سوء الأوضاع المعاشية الى شيوع ظاهرة المتاجرة بالمخدرات والكحول وحتى باليورانيوم من قبل أفراد أو عصابات محلية ودولية.

6- تجربة التخطيط الإقتصادي في العراق

لم بشهد العراق تخطيطا اقتصاديا بالمعنى العلمي الكامل لهذا المصطلح كما شرحنا آنفا، وإنما كانت هناك برامج تنموية ومحاولات في وضع خطط لرفع المستوى المعاشي للسكان ابتداءا من برامج مجلس الإعمار في خمسينيات القرن الماضي قبل ثورة 14 تموز 1958 ومرورا بفترة الستينيات حتى السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وبعد تأميم شركات النفط الأجنبية في حزيران العام 1972 وحصول العراق على مداخيل بيع النفط الخام قامت الحكومة العراقية بدعوة خبراء في التخطيط الإقتصادي من الإتحاد السوفيتي من لجنة الدولة للتخطيط في الإتحاد السوفيتي  (GOSPLAN USSR - ГОСПЛАН СССР). عمل الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في سنة 1974 في وزارة التخطيط إذ قاموا بجمع البيانات والإحصائيات اللازمة لكتابة خطط اقتصادية بعيدة المدى لمدة 20 سنة. بذل الخبراء السوفيت جهودا كبيرة في الحصول على معلومات صحيحة من أجل وضع خطة اقتصادية صحيحة ولكن مع الأسف جوبهت هذه اللجنة بعراقيل كبيرة وعدم تعاون من قبل مدراء الأقسام في وزارة التخطيط والجهاز المركزي للاحصاء حتى اضطر رئيس الخبراء الاتصال مباشرة بنائب رئيس الجمهورية (الذي قام بنفسه بدعوتهم من الإتحاد السوفيتي) والذي حضر في اليوم التالي وقام في اجتماع واسع  ضم جميع موظفي وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء حضره وزير التخطيط أنذاك الدكتور جواد هاشم وكافة مدراء الأقسام ووكلائهم بتوبيخهم على موقفهم السلبي من الخبراء السوفيت وعدم تزويدهم بالمعلومات اللازمة (معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في العام 1974) (7). ترك الخبراء السوفيت عشرون مجلدا ضخما يحتوي على تفاصيل خطة اقتصادية ضخمة لتطوير العراق من ضمنها مشروع النقل النهري في نهر دجلة بدلا من اقامة قطار الأنفاق في بغداد الذي اقترحته الحكومة العراقية والسبب هو وجود المياه الجوفية تحت مدينة بغداد الذي يعيق اقامة المشروع وكذلك توسيع خطوط السكك الحديدية في بغداد وضواحيها لتساهم في حل أزمة النقل التي بدأت تستفحل في العاصمة العراقية وقتذاك بالإضافة الى اقامة العقد الطرقية المرتبطة بشوارع الخطوط السريعة (مثل الخط السريع الذي يحمل اسم محمد القاسم في بغداد وغيره في الوقت الحاضر) الى جانب حلولا عملية للمشاكل التي قد تجابه تنفيذ هذه الخطة.  ولكن مع الأسف لم تنفذ هذه الخطة بالشكل المطلوب وإنما نفذت مكانها الخطة الإنفجارية في العام 1974 التي تزعمها وزير التخطيط وقتذاك جواد هاشم والتي أسفرت عن استيراد 30 مصنعاً من الخارج دون التخطيط لها من حيث مكان  اقامتها ونصب مكائنها والكادر الفني الذي سوف يقوم بتشغيلها وصيانتها وإنما رميت في مخازن أبو غريب التابعة الى مديرية كمارك بغداد. كانت أول ردة فعل من قبل المرحوم الأستاذ كامل الدباغ الذي كان يعد ويقدم برنامج العلم للجميع في  التلفزيون العراقي حين انتقد هذه الخطوة الغير مدروسة. كان جواب المسؤولين السياسيين على ذلك أن أوقفوا بث البرنامج ومن ثم اعتقل كامل الدباغ لفترة زمنية.

كان يشوب العمل في وزارة التخطيط العراقية وقتذاك تنافس حاد بين خريجي الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية الذي ترك مع الأسف بصماته السلبية على مستقبل التخطيط الإقتصادي في العراق دون النظر بجدية وحزم إلى هذا الموضوع انطلاقا من المصلحة الوطنية وتطوير الإقتصاد الوطني العراقي.

اولت الخطة الخمسية للسنوات 1976-1980 اهتماما بانتاجية العمل في كافة قطاعات الاقتصاد الوطني وعقدت الكثير من الندوات والاجتماعات على مستويات عالية من المختصين بالشؤون الاقتصادية  كما رفعت شعارات اشتراكية خاصة بانتاجية العمل في ربيع العام 1976 وذلك من أجل اعطاء الخطة الانفجارية اهمية خاصة وكذلك بيان تأثير الاستثمارات الكبيرة في مشاريع البنية التحتية ورفع المستوى المعاشي للسكان ولكن لم يؤخذ التضخم وارتفاع الأسعار المفاجىء للحاجات المادية وغير المادية بعين الاعتبارالذي حدث بما يقارب الشهرين قبل استلام الزيادة في الرواتب والأجور في القطاع العام والذي اثر سلبيا على مستوى دخل الفرد العراقي.

أما الخطة التي وضعت في نهاية العام 1980 للفترة 1981- 1985 واثناء فترة الحرب العراقية-الإيرانية فقد اتصفت بزيادة الانفاق العسكري الذي التهم الاحتياطي من العملة الصعبة لدى البنك المركزي العراقي وقد بلغ حوالي 80 مليار دولار أمريكي. ومما فاقم الوضع المالي المتردي للعراق هو انخفاض انتاج النفط الخام وتصديره بسبب العمليات الحربية. ولهذا السبب اهملت مشاريع الخطة الاقتصادية لصالح المجهود الحربي وتحولت الخطة الخمسية الى خطة لتغطية النفقات العامة الجارية والميزانية العامة السنوية، في حين انحسر دور وزارة التخطيط ومجلس التخطيط لصالح وزارة الصناعة ومؤسسة التصنيع العسكري وانخفض الوزن النوعي للإدارة الاقتصادية وتأثيرها في الاقتصاد الوطني في الفترة الزمنية 1991- 1996 مع زيادة حدة التضخم في البلد. وفي سنوات تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء من قبل الأمم المتحدة بداية من العام 1997الى 2003 كان دور وزارة التخطيط وتأثيرها ضعيفا على تطوير الاقتصاد الوطني ولا يرتقي الى عمل هيئة ولا حتى وزارة.

7- التخطيط الاقتصادي في العراق بعد العام 2003

لم يستند تخطيط الاقتصاد الوطني في العراق على نظام إداري وتنظيمي مستقر حتى يمكن وضع سياسة اقتصادية رصينة تنسق بين النفقات العامة والإيردات العامة وانما وقع تحت تأثير أهواء ومصالح سياسية محلية وأجنبية ولهذا من الضرورة بمكان الإشارة الى النقاط التالية:

1- مارست الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تأثيرا في وضع السياسة الاقتصادية للبلد وذلك من خلال تقديم الاستشارات والمقترحات ومتابعة تنفيذ القرارات بخصوص القروض ومؤشرات عجز الميزانية المزمن واصلاح هيكل الإدارة الاقتصادية في مؤسسات الدولة.

2- تلعب هيئة النزاهة دورا مهما في كشف الفاسدين والمرتشين في دوائر الدولة ولكن تدخل الكتل السياسية في البرلمان تحول دون اكمال عملية التحقيق مع الموظفين الحكوميين المطلوبين للقضاء.

وقد كشفت هيأة النزاهة عن مجمل إنجازاتها للربع الأول من العام الجاري 2017، مُؤكِّدة استرجاعها وإيقافها صرف ومنع هدر أكثر من اثنين وتسعين مليار دينار، فيما بلغ عدد البلاغٍات والإخبارات والقضايا الجزائيَّة قرابة أربعة آلاف واستصدرت قرابة خمسمائة أمر قبضٍ وأكثر من ألفٍ وخمسمائة أمر استقدامٍ ومائتين وخمسين أمر توقيف بحقِّ مُتَّهمين، منهم وزراء ومن بدرجتهم (8 - الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت).

3- واجه ديوان الرقابة المالية الإتحادي في العام 2016 الكثير من المصاعب التي تحول دون أداء عمله بالشكل الصحيح ومنها على سبيل المثال لا الحصر( 9 – الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت):

أ - تأخر وزارة المالیة في اتخاذ الاجراءات اللازمة لحسم موضوع البیانات المالیة للسنة المنتهیة فـي 31/12/2014.

ب  - كثرة العقود التي یكلف الدیوان بتدقیقها وانعكاس ذلك على باقي مخرجات العمل الرقابي حیث انجز الـدیوان 1168  تقریـراً فـي مجـال تدقیق العقود من أصل 1711 .

ت  -التأخر في الاجابة على تقاریر الدیوان واتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجة المخالفات.

ث-  ضعف أداء العاملین في الادارات الخاضعة لرقابة الدیوان.

ح  -التحدیات التي یواجهها الرقیب في تلك الادارات الأمر الذي یتطلب دعم الرقباء بما یكفل الحفـاظ علـى سـلامة وحیادیـة واسـتقلالیة وأمن الرقیب.

ج -  تــأخر الإدارات الخاضـــعة للرقابــة عـــن تقـــدیم بیاناتهــا فـــي المواعیــد المقـــررة لتقـــدیمها.

4- انخفاض فعالية عمل المفتشين العموميين وتعثره بسبب الفهم الخاطيء لدورهم وكذلك المعوقات التي يواجهها في حالة طلب معلومات معينة وخصوصا اذا كانت تتعلق بفساد إداري ومالي، كما ان خوف الناس من الاخبارعن الفساد الاداري والمالي الى الجهات المعنية لازال مسيطر على الكثيرين منهم وهذا ما يؤدي الى استمرارية ذوي النفوس الضعيفة والذين يتبوؤن مناصب عليا في الدولة باستغلال مناصبهم لجمع الاموال بطرق غير شرعية(10).

الخاتمة

وعلى الرغم من صدور قانون وزارة التخطيط رقم 19 في العام 2009 التي تسعى بموجبه الوزارة الى تحقيق الأهداف المرجوة منه في مجال اعداد ومتابعة تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية المتوسطة والبعيدة المدى في البلد بالتنسيق والتعاون مع جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومشاريع قطاعي العام الخاص وكذلك القطاع المختلط ومنظمات المجتمع المدني، إلا أنه يجب القول اذا لم يكن هناك تعاون وثيق بين الجهات الواردة الذكر أعلاه فلايمكن تنفيذ أية خطة تنموية لأن الخطة الاقتصادية يجب ان تناقش على كافة المستويات الرسمية والشعبية وفي كافة المشاريع العامة والخاصة- المصانع والمعامل والورش الصناعية وفي جميع وحدات القطاع الزراعي العامة والخاصة والمختلطة ولأن الخطة توضع وتناقش في المشاريع الانتاجية ، أي في أسفل السلم الاجتماعي-الاقتصادي وبعد ذلك ترسل الى قاعدة البيانات في وزارة التخطيط وتناقش من قبل أجهزة الدولة العليا وتعطى على ضوئها التعليمات والتوجيهات والأوامر لتنفيذها مع الأخذ بمقترحات المشاريع الانتاجية في القطاعات المادية وغير المادية. وخلاف ذلك سوف تبقى الخطة الاقتصادية حبر على ورق. ويجب أن لا ننسى أنه لا تخطيط بدون احصاء ولهذا يجب تقوية الجهاز المركزي للإحصاء ورفده بعناصر علمية كفؤة للقيام بالعمليات الإحصائية الميدانية والمكتبية المتعلقة بالتعداد السكاني والصناعي والزراعي وتأمين المعلومات والبياناتت وتحليلها حتى تخدم عملية التخطيط والتنمية والتطوير والبحث العلمي. وفي الخاتمة نفول لم يفقد التخطيط الاقتصادي قوته في الوقت الحاضر وإنما فقد القائمون عليه الجدية والحزم في تطبيق مبادئه المذكورة أعلاه.

 

أكاديمي وخبير اقتصادي

........................

هوامش ومصادر البحث:

1- الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه البرلمان في 15 تشرين الأول 2005.

2- ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية.

3- نفس المصدر السابق ص 165.

4-  يفيموف، ألكساندر نيكولايفيتش. معنى كلمة تخطيط الاقتصاد الوطني، موقع الموسوعة العلمية السوفيتية الكبيرة باللغة الروسية.

5- المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 . وكذلك شبكة الاقتصاديين العراقيين.

6- World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993

7- معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر بوزارة التخطيط في العام 1974.

8- الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت.

9- الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت.

10- شعيا، د. سامية يوسف، دور المفتش العام. مقالة منشورة في موقع النهرين بالانترنيت. www.cese.iq/sada_alnahrayn/

11- كجةجي ، صباح. التخطیط الصناعي في العراق أسالیبه، تطبیقاته، وأجھزته الجزء الأول للفترة الزمنية 1980 – 1921 ، شبكة الاقتصاديين العراقيين.

 

 

حاتم حميد محسنعند الأزمات تتصاعد الأصوات لإتخاذ إجراء حكومي. هذه الأزمات تغذّيها اليوم موجات الهجرة، التغيرات الهيكلية الناتجة عن التكنلوجيا، العولمة، الخوف من تقلبات المناخ والقلق من كساد كبير. التطورات هذه تحفز الاندفاع نحو القومية والحمائية. الدعوات لإتخاذ فعل ما تأتي من الأسفل ومن الأعلى. جميعها تميل الى خلق المزيد من سيطرة الحكومة. افكار التخطيط الاقتصادي جرى استعادتها مجددا وزجها في ساحة المعركة.

يمكن انتقاء بعض الدروس من فترة ما بين الحربين العالميتين. بعد الكساد الكبير عام 1929،تزايدت الطلبات الى تخطيط اقتصادي في العديد من الدول مقابل "فوضى" السوق. الثلاثينات من القرن الماضي كانت فترة الشعبوية والحمائية والتدخل الحكومي ومحاولات خلق اقتصاديات مخططة. نحتاج فقط لنتذكر الخطط الخمسية في الاتحاد السوفيتي،والخطط الرباعية في المانيا النازية، والتخطيط النقابي في ايطاليا الفاشية والولايات المتحدة، والعديد من المبادرات في بريطانيا العظمى.

خلال العشرينات من القرن الماضي، بدأت تتكشف نقاشات الحسابات الاشتراكية في المانيا حول القارة الاوربية،متحفزة بعمل لودفيج فون ميز (1881-1973) Gemeinwirtschaft. أبرز معارضيه كان الاقتصادي البولندي اوسكار لنك (1904-1965). وفي الثلاثينات، اتسع النقاش الى العالم الانجلوامريكي، وبشكل رئيسي من خلال عمل فردريك هايك (1899-1972) التخطيط الاقتصادي الجماعي. هايك واجه معارضة من زميل مهني في مدرسة لندن للاقتصاد وهو دوربين (1906-1948) الذي حشد جداله لأجل التخطيط،. معارك الأربعينيات من القرن الماضي حول التخطيط الاقتصادي كانت حامية متأثرة بالإدّعاء بنجاح تخطيط زمن الحرب، لكن الحجج الاساسية كانت مأخوذة من فترة ما بين الحربين.

وفي بلد آخر وهو السويد،جرى نقاشا حادا حول التخطيط الاقتصادي  ولكن لم يتأثر بميسز ولانك وهايك او دوربين. الحجج الرئيسية في هذا النقاش جاءت من اربعة اقتصاديين يمثلون اجيالا  مختلفة وهم : جوستاف كاسل (1866-1945)، وايلي هيكشر (1879-1952) كانا كلاسيكيان مؤيدان لليبرالية السوق عارضا التخطيط الاقتصادي. وتلميذيهما الاكثر شهرة جونار ميردال (1898-1987) و بيرتل اولين (1899-1979)، وهما، اشتراكي، و "ليبرالي اجتماعي"، يدعوان الى التخطيط. الأسئلة في هذه المقالة هي: ما هي الحجج الرئيسية لهؤلاء الأربعة؟ ما هي مصادر الهامهم؟ كيف يمكن مقارنتهم بهايك و دوربين؟

الحجج الرئيسية:

في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، كان جوستاف كاسل و الي هيكشر اقتصاديين سويديين شهيرين ومؤثرين. كانا كلاهما يمثل ليبرالية السوق وصنّاعا نشطين للرأي العام. هما حشدا الجدال ضد التخطيط الاقتصادي في اواسط العشرينات عندما تصورا هناك تهديدا من الديمقراطي الاجتماعي السويدي،الشيوعية السوفيتية والفاشية الايطالية. هيكشر زار روسيا في عام 1925 واستطاع ملاحظة الفوضى هناك بام  عينيه.

حجج كاسل وهيكشر:

1- اقتصاد السوق ليس فوضويا وانما هو شكل من التخطيط اللامركزي.

2- لا وجود لمخطط مركزي يستطيع استيعاب الكمية الهائلة من المعلومات التي يعالجها  نظام السعر الحر (اليد اللامرئية).

3- السياسيون غير مناسبين ليكونوا مدراء اقتصاديين.

4- البيروقراطية هي "كابح للعجلة".

5- المخططون المركزيون لايمكنهم السماح بالاختيارات الحرة للعمال في أعمالهم، او الاتحادات العمالية او الإختيار الحر للمستهلك في السلع.

6- تجارب التخطيط تكشف عن اللاخطة، والحكومة لاتستطيع ادارة بعض واجباتها الاساسية مثل الاعتناء بالنظام النقدي.هيكشر توقّع جدالا كبيرا حول حجة الخيار العام: لا يستطيع المرء تعيين حالة نظرية تامة لتصحيح اللاكمال في السوق الواقعي. في العالم الواقعي هناك  فشل في كل من الحكومة والسوق. كاسل طرح فكرة مشابهة عندما  رفض "الايمان بالعقلانية المطلقة وبفاعلية ادارة الدولة للتجارة والصناعة".

التصور الشائع هو ان جونار ميردال،"المهندس الاجتماعي" الشهير،الى جانب وزير المالية الديمقراطي الاجتماعي ارنست ويغفورس، كانا المحرّض الاساسي لأفكار  التخطيط الاقتصادي في السويد. لكن، بيرتل اولين بدأ هجومه على ليبرالية السوق،متحفزا بالليبراليين البريطانيين الجدد عموما وجون ماينرد كنز خصوصا، قبل عدة سنوات من ظهور ميردل على مسرح التخطيط. رسالته هي ان "التنظيم المخطط، وضمان العقلانية والفاعلية بدلا من نظام المجتمع القديم في الحرية الاقتصادية، اصبح نظام اليوم". العقلانية كما سميت، كانت اكثر اهمية من الحرية.

في عام 1930،رسّخ هيكشر النقاش حول التخطيط الاقتصادي من خلال هجومه على اجراءات التدخل التي اريد بها مساعدة الفلاحين والتي وصفها بـ "تخطيط اقتصادي بدون خطة،بعد النموذج المألوف في روسيا السوفيتية". النقاش بلغ ذروته عام 1934.

التخطيط ،حسب ميردل، كان فكرة"تزحف في كل مكان" ولكنها كانت حقا "شيء أقل نجاحا". عندما أعقب ميردال  كاسل كبروفيسور في الاقتصاد في جامعة ستوكهولم،  ألقى محاضرة افتتاحية رفض فيها المعلمين الليبراليين وايمانهم في السوق كـ "مدينة فاضلة عفا عليها الزمن يغذيها الحالمون الطارئون". اولن و ميردل اكدا بان الظروف الاقتصادية تغيرت،من خلال الوحدات الاقتصادية الكبيرة والذهن الهندسي الذي استلزم اطارا سياسيا جديدا ومؤسسات جديدة. الأزمة الاقتصادية استلزمت مجموعة من تدخلات الحكومة – الخيار البديل كان الثورة والدكتاتورية – وهذه التدخلات يجب ان تُنسّق بطريقة عقلانية وفعالة.

الحجج الموسعة للمعارضين للتخطيط 

1- المخططون سوف يفضلون مصالح المنتج.

2- الحكومة ستكون مرهقة

3- سلطة التخطيط سوف لن تكون قادرة على التصرف بسرعة كافية بوجه الظروف المتغيرة

4- هناك ستكون اسواق أقل عددا ولكن اكبر حجما

5- التخطيط القومي يعني ان جميع إجراءات الأعمال تصبح فعلا سياسيا

6- النتيجة النهائية ستكون الدكتاتورية

هيكشر جرى تذكيره بفرانكشتن "الذي خلق الوحش والذي وقع هو ذاته ضحية له". اثناء نقاش شهير في مؤسسة الاقتصاد السويدية سخر من أصغر زملائه كـ "متحمس بقوة للاقتصاد المخطط" وأضاف: "انوفهم امتلئت بهواء جديد الى النقطة التي بدا فيها لا هواء آخر للتنفس". ميردل عزل نفسه عن "الوصف المرعب"لـ"الاقتصاد المفروض وغير المنظم وبلا خطة" الذي رسمه هيكشر، واولن قد لا يفهم الصورة التي اضفيت على "بعض انواع الاقتصاد الموجّه الغامض والمتطرف".

الداعون والمعارضون للتخطيط يشتركون بفهم أساسي. وهو ان جميع الظروف الاقتصادية – حجم الوحدات الاقتصادية وديناميكيات الاقتصاد العالمي – بالاضافة الى الذهنية الشعبية قد تغيرت. لكن، هم لايتفقون كليا حول كيفية معالجة هذه التغيرات. الداعون للتخطيط رغبوا باطار عقلاني طويل الأمد. المعارضون رغبوا بالاحتفاظ بأكبر حصة ممكنة من قوى السوق طالما هم اعتبروها أفضل شيء لإرشاد التحول الاقتصادي المستمر.

كلا الجانبين اعترفا بانه، مهما كانت التدخلات مؤسسية، فهي يجب ان تُنسّق. لكن، الداعين رغبوا بالكثير،والمعارضون بالقليل. الداعون رغبوا بحل مجموعة من مشاكل معينة. المعارضون حسبوا ان كل تدخل سيخلق تدخلا آخرا في عملية تراكمية تقود الى الدكتاتورية ونهاية الحرية الروحية،موضحين بالتفصيل ما سمي لاحقا التدخل الديناميكي.

كلا الجانبين رغبا في الدفاع عن الديمقراطية لكنهما لم يتفقا حول الوسائل. الداعون اعتقدوا ان الديمقراطيات عليها ان تستعمل الكثير من نفس وسائل  الدكتاتوريات لكي تكون قادرة على التنافس. قال اولن في اجتماع اقتصاديي الشمال عام 1935 "انهم متشددو مانشستر الليبراليين، يعارضون كل تدخل للدولة، يهيء الارضية للدكتاتورية والشيوعية". كاسل جادل عكس ذلك بان "تدخل الحكومة المحير بطبيعته التراكمية باستمرار" يعني ان "الاقتصاد المخطط سوف يميل دائما ليتطور الى دكتاتورية" ويخنق التقدم الاقتصادي. المعارضون كانوا مقتنعين ان اساس الديمقراطيات الليبرالية – اقتصاد السوق – يجب ان يُحمى . ميردل جادل بان التصور بان الحرية الاقتصادية يمكن ان تكون اكبر او اقل هو "معرفة قبلية ميتافيزيقية" في رؤوس ليبراليي السوق الساذجين.

الداعون الى التخطيط ربما كانت لهم اليد العليا في ادّعائهم كونهم مطلعين على آخر الظروف الاقتصادية، لكنهم مترددين في مناقشة المبادئ. هم رغبوا بمناقشة تدخلات معقولة لكن تنسيق جميع التدخلات كان هدفا يجب معالجته في وقت ما في المستقبل. في هذا الموقف، يمكن رؤية القرابة بين الاشتراكية والتخطيط  كنقد حاد للظروف الحالية لكن بتحفظ في مناقشة ما سيعنيه حقا النموذج البديل.

المعارضون رغبوا بمناقشة المبادئ، مناقشة ماذا يشبه الاقتصاد الموجّه المتطور بالكامل وهم احيانا استعملوا امثلة شيوعية وفاشية ونازية لإثبات الواقع السيء. عمل اولن – اقتصاد حر ام موجه في عام 1936 أنهى النقاش حول التخطيط وطرح "مسارا وسطيا". اولن كان رائد التخطيط  بين الاقتصاديين، وكان قاسيا مع معلميه هيكشر و كاسيل. هو كان دائما، عكس ميردول، وضع الحدود ضد الاشتراكية واقترح نوعا من الاطار التخطيطي. ومثل كنز، هو رغب بإنقاذ عناصر ضرورية في المشروع الخاص،وعندما انتعش الاقتصاد،نمت وبقوة السمات الليبرالية الكلاسيكية لليبراليته الاجتماعية . اولن توقّع الاقتصاد المؤسسي الجديد عندما اوضح بان المؤسسات تصنع "قواعد اللعبة" لكي تقلل من تكاليف الإجراءات. ميردل عبّر عن افكار مشابهة في مقالته الافتتاحية.

مصادر الإلهام

نادرا ما يشير الاقتصاديون السويديون الى مصادر الالهام. وهذا ليس غريبا طالما حججهم كانت قد طُرحت في النقاشات العامة والصحف. اولن كان استثناءً ومصادره كانت بريطانية فقط. الكيفية التي صاغ بها الآخرون افكارهم هي أكثر او أقل غموضا. كاسل وميردل، المدرب والمتدرب بقيا متشابهين في مجال واحد: كل منهما عُرف بالادّعاء كونه الأصل في معظم افكاره. احد الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها هو ما اذا كان المعارضون للتخطيط واعين بنقاش الحسابات الاشتراكية المعاصرة. وفي اية حال، هم لم يشيروا الى مايسز او هايك. يجب على المرء ان يضع في ذهنه ان كاسيل وهيكشر كانا كلاهما اقدم من مايسز، واكثر قدما من هايك. كاسيل وهيكشر كافحا الاشتراكية منذ بداية القرن وربما لم يريا اية حاجة لإستيراد الحجج من الزملاء الشباب في دول اخرى. كاسيل بالذات كان سيء السمعة في عدم إعطاء الآخرين استحقاقهم،ولكن في مذكراته ذُكر معظم الناس الذين تفاعل معهم ولكن دون ان يكون معهم مايسز وهايك .هيكشر تبادل بعض الرسائل مع هايك ولكن فقط بعد الحرب العالمية الثانية.

مقارنة بين هايك ودربن

الى أي مدى استطاع السويديون تقديم حججا دائمة الصلاحية؟ سوف نقتصر على النظر في الحجج الرئيسية المترشحة من النقاشات السويدية حول أهم الحجج المؤثرة المضادة للاقتصاد المخطط، الطريق الى العبودية لهايك،والحجج المضادة له من الناقد  دوربن.

جميع الحجج الكبرى للسويدين المعارضين للتخطيط تظهر في كتاب هايك. اقتصاد السوق ليس فوضويا، لا مخطط مركزي يستطيع الاحاطة بكمية المعلومات التي يتولاها سعر السوق الحر، سلطات التخطيط غير قادرة على الفعل السريع بوجه تغير الظروف، البيروقراطية هي "كابح للعجلة"، تدّخل واحد سيخلق تدخلا اخرا في عملية تراكمية تقود للدكتاتورية.

بعض الداعين للحجج يمكن ايضا مقارنتهم بموقف هايك. رؤية ميردل للتخطيط كـ "كشيء غامض جدا" تتطابق مع قول هايك ان "فكرة التخطيط الاقتصادي المركزي تدين بجاذبيتها كثيرا الى غموض معناها". حجة ان التغيير التكنلوجي و العدد الكبير من الوحدات الاقتصادية يجعلان التخطيط حتميا هي حجة جرى نبذها من جانب هايك باعتبارها احدى "المغالطات الاقتصادية المألوفة". فكرة ان التخطيط ينبع من ذهنية هندسية لم يتم التحقق منها من جانب هايك، لكنه اعتبرها "ترسخت بفعل مشاكل المجتمع المتعلقة  بعادات التفكير الناتجة عن الانشغال بالمشاكل التكنلوجية".  

اخيرا، بعض المقارنات مع حجج دربن. نظر اولن وميردال الى التخطيط كشيء غير ناجح. دربن يقول ان "التخطيط لا يعني وجود خطة". اولن وميردل استجوبا صورة الاقتصاد الموجّه الشديدة والغامضة. دربن استجوب بنفس الطريقة صورة هايك لـ "المجتمع القاسي والصارم". اولن وميردل لم يريا التخطيط يقود الى الدكتاتورية. ولا دربن ايضا: "نحن لدينا تقاليد قديمة في نمو الديمقراطية مترافقة مع نمو فعالية الدولة".

يبدو ان الاقتصاديين السويديين كانوا متقدمين في انتاج جدال مع وضد التخطيط الاقتصادي. بعض الأسباب في تلك الصدارة تعود للثقافة السويدية القوية في ذلك الوقت في الانخراط الصريح والمفتوح  للخصوم المثقفين في المنتديات الرئيسية للخطاب العام. في مئات المقالات كاسل وهاكشر ناقشا مع ميردل واولن ، كل واحد منهم يدفع الآخر لشحذ وتوضيح الحجج لموقفه.

 

حاتم حميد محسن

.........................

More or less economic planning? Enduring Arguments from Sweden, Oct 5, 2020, Library of Economics and Liberty

 

 

سامي عبد العالأبرز ما يميز (فضاء النت network) هو وجود النصوص المضْغُوطة باختلاف تكوينها، لدرجة التداخل والتتابع مع بعضها البعض، بحيث يمكن استدعاؤها من أية نقطةٍ يريد المتفاعلُ. كذلك يمكن إلحاقها بنصوصٍ أخرى ومستويات تاليةٍ من التلقي. وهي نصوص افتراضية قابلة للقراءة والتدوير والحركة وانتاج المعنى بشكلٍّ مُذهل. ونظراً لخطورة الوسائط والوسائل الديجيتال تواصلياً، فإنَّ النص يلتحم بإمكانيات الوسائط وآلياتها الفنية. إذ يصبح النص نفسه بيئة فنية (تقنية technical) لخيال المتلقي بحسب إجراءات التفاعل وعملياته.

السؤال المنطقي عندئذ: ما الجديد الذي يقدمه النصُ بهذا التكوين؟ ولماذا يعد النّصُ فعلاً تواصلياً إنتاجياً؟ وما علاقة النص بالوسيط التقني؟ وكيف يكتسب سمات الافتراض بكل آلياته ومعالمه؟

النص الافتراضي virtual text هو علامات وصور ورموز وأيقونات دلالية في واقع إلكتروني متعدِّد الأبعاد. إنه أشبه بمرايا متقابلةٍ، متناثرةٍ، متشظيةٍ، متداخلة بحركتها الدائرية. ذلك على غرار ما نتابع النصوص ضمن المواقع والمدونات وصفحات التواصل والفضاءات الثقافية الافتراضية. إذ تعتبر المواد المقروءة خيوطاً عنكبوتية التفافية (شبكية) لا تنتهي. حيث قد تتداخل عناصر النص معاً لتتجاوز صورها المباشرة، طالما أنَّ ثمة تكملة نصية محتملة على الدوام. إذ لن تتقابل معانيها كمترادفات معجميةٍ خاضعة لإطار محددٍ.

إنَّ الأعماق داخل الكتابة الافتراضية هي الآفاق (القريبة والنائية) للمعنى. لأنَّ ثمة نصوصاً ضمنية هي نفسها المخزون اللغوي والسيميائي الذي بالإمكان استحضاره وتمثله على الفور. دوماً هي حاضرة في أي موضوع من الموضوعات لمجرد الاشتراك الدلالي مع الكلمات والتعبيرات والصور على الصعيد نفسه. وبهذا فإنَّ " الشبكة العنكبوتية" نصٌ واحد one text قادرٌ على الانزياح والتحول في آفاق القراءة، وفوق ذلك قد تنصهر تلك الآفاق جنباً إلى جنبٍ عبر إجراءات ووجوه التصفح المتعدد.

أما جوانب النصوص الافتراضية، فهي الجيُوب الدلالية خلف كلِّ علامة وإنْ صغرت أو دقّت عن الملاحظة. فليست هنالك إلاَّ الكثافة الدلالية المتولدة من مرات المشاهدة والمتابعات والقراءات التفاعلية interactive readings. لنتوقع في أيَّة مرة نأتي بالنَّص سيكون لدينا جديدٌ عن واقعه الافتراضي. فوجودنا الضمني المتنوع والمختلف مع المتفاعلين إنما هو جزءٌ من انتاجه لمعانيه الآخذة في التشكُّل. بالتالي تعتبر النصوص الافتراضية مواداً متزايدة مع طاقة الوسائط والتفاعلات والتعليقات. فـ"الفيس بوك"- على سبيل التوضيح - غداً نصوصاً وراء نصوص بفضل التواصل عبر الفضاء المتخيّل. وانتج معايير مختلفة عن تلك المعايير التي يتعامل بها الناس خلال واقعهم المعيش. حتى وإن اعتبرها النقادُ معايير ليست كافية لبلورة صورة متماسكة عن لغة الكتابة الإلكترونية ولا عن مفاهيم القراءة المواكبة لها.

الحقيقة أنَّ قارئاً إزاء ذلك الوضع (يكتب)  في الوقت عينه الذي يقرأ. أي أنه يقرأ ويكتب معاً، القراءة هي الكتابة، لأنَّ القراءة حينئذ عمل خيالي هي الأخرى. ليصبح العالم رؤى، ذاكرة، رغبات، غرائر،  وهي أمور واردة داخلنا في التو أثناء التصفح والتفاعل، كأنها تُنقش في متن المقروء. وبخاصة أن الوسائك الديجيتال توحد رغبة المتصفح بالفعل المحتمل على مستواها. فالنص عندئذ لا يغيب، لا حدود له، لا خارج يند عنه دون إمكانية استحضاره مرات لا تنتهي. إنَّه نص يخترق مجالك المعرفي الديجيتال أينما كنت. لأنك بضغطة لمسٍ- لا زر فقط- تستطيع تحويله غياباً وحضوراً وتهميشاً وتعليقاً ونقضاً وتقطيعاً وتوليفاً وتخييلاً وإدماجاً ومقارنة. فهو كنص ملك الجميع في الآن ذاته، ويصبح طليق الدلالة إذ تتشكل مع اللا توقًع في فضاء ممتد. وبذلك يغدو النص ألعاباً لغوية لها شبقها الخيالي وامتاعها النوعي.

ولأول مرة تصبح اللغة في حالة تّوحُد، تماهٍ مع طبيعتها المرغوبة لدينا مع إمكان الفكر. فليس ثمة كائن إنساني لا يتكلم، لا يكتب حتى وإنْ صمت. فاللغة تفترض سلفاً هذه القدرة على القول، كتابة الحرف، النقش، انتاج الدلالة. ذلك من جهة قدرتنا على التفكير. لماذا نتوقع من اللغة تلك الإمكانية القصوى؟ هذا الموضوع يطرح ما يلي: كيف نفكر من أقصى نقطة حول النص الافتراضي، أيِّ نص؟ ولماذا ستحطم صيغ النص الافتراضي المفاهيم التقليدية حول اللغة والمرجع والدلالة والتلقي؟ ذلك أن أثرى إمكانية في النص الافتراضي سيكون الوسيط medium، حيث يلتبس بالخيال موضوعاً وفعلاً وتلقياً على نطاق المواد والمعاني المطروحة.

الوسيط الديجيتال (النصي) في هذه الحالة ليس برانياً، لكنه يسكن تصوراتنا المثيرة والمدهشة إلى أقصى حدٍ. وبخلاف (النص الورقي) الذي يشترط الخيال لا حقاً وبواسطة مثير ليس غيره المسؤول عنه، جاء الوسيط الافتراضي نصاً مع النص، إنه المادة المضافة والتي لا نشعر بوجودها رغم التأثير الكبير لها. فالوسيط يتميز بهوامش تكوين المعنى من خلال عمليات التلقي. والوسيط كخيالٍّ هو المعبر عن المجال الذي يتسم بمعالم: الإيصال، الخلفية، الآلية، الحامل، التقنية techne، الإجراء، المناورة maneuver، الاستراتيجية. وجميعها لا تخلو من فن التوليف والتشابك والربط. وهذه العمليات بمثابة اكتشاف مهول لطاقة الوسائط الإلكترونية على الإنكتاب.

حيث سيجيء الوسيط صفحةً فضائيةً متخيلة وإضاءات وصوراً وأيقونات وشرائط إعداد وألواناً كتابية. فكل ذلك بإمكانه تهيئة النقش الإلكتروني. لقد أزاح الوسيط ألواح الكتابة التقليدية، البرديات، الأحجار، الجدران، القماش، الأوراق. وهذه المواد كانت ذات تاريخ بحسب السائد في أدوات النصوص وسلطتها. فالنص كان رمزاً لسلطة تراه معبراً في المقام الأول عن جوهرها. هكذا جاءت النصوص المقدسة والوثائق السياسية والعقود ذات الأهمية الاقتصادية والكتابات السرية للمذاهب والنِّحل حيث كانت لها مادتها المخصوصة.

وربما اختلفت المادة طبقاً لقوة السلطة وخطورتها في تاريخ النصوص. وهو ما يعكس كيف ستُقرأ لا حقاً؟ وما أهمية الاطلاع عليها من عدمه؟! كان الوسيط الورقي – وهو الأكثر تطوراً- قريباً من الوسائط الأخرى. فظل في حيز مادي ملموس. جعلَّه مقيداً بالمكان والزمان؟ وإنْ كان انتشاره قد زاد إلى حدٍّ كبير. واحتمل آفاق القراءة وفقاً لضوابط وآليات شائعة. لأنَّ المادة عادة وسيط لإنتاج سلطوي. بحكم أن المؤسسات والأنظمة المعرفية لم تدعها متاحة بسهولة. فالأوراق كانت حاملة للحروف بزخم القُوى الدلالية الفاعلة اجتماعياً. وهما علامتان لنفوذ تلك السلطة الناعمة من وراء حجاب.

فلم يكن الكُتَّاب رجالاً طُّلقاء دون مراقبة السلطة السياسية. كان الكتاب والوراقون وحاملو الأقلام يحظون لدى سلطة الأمراء والملوك والسلاطين في التراث العربي الاسلامي بمكانة قدرَ ما يوظفون انتاجهم المعرفي لخدمتهم. كحال الشعراء والأدباء والمؤرخين والرحالة والفقهاء الذين ينامون ويستيقظون تحت ظلال الحكام. حدث ذلك مع المتنبي وأبي تمام والغزالي وأجيال من الفقهاء الآخرين. لدرجة أنَّ (فيزياء النصوص)، فضاء الكتابة وحركتها في التراث العربي أشياء لا تُفهم بمعزل عن (فيزياء السلطة). لأنَّ قوتها (النصوص) تكمن بقوى خارجها تمارس هيمنة واستحواذاً، تستطيع تدجينها وفرض قيود على انتشارها. وهذه جذور معضلة الرقابة في المجتمعات المعاصرة. وحتى بلاغتها جرت كبلاغة سلطة وعنف في المقام الأول. لقد كانت سلطة الأمراء هي المرجع الذي يسكن اللغة والخيال بحثاً عن الهيمنة على التداول اللغوي اليومي.

في النص الافتراضي، يتم تحرير الخيال وإطلاق العنان لقدراته إلى درجة بعيدةٍ. وأية مجتمعات لا تُحرر أخيلتها لن تجتر إلاَّ عبودية فكرية بغيضة. فالنص السابق يأتينا مفتوحاً على نسيج الوسيط الإلكتروني. وهو بهذا خارج الهيمنة الفكرية والأيديولوجية لعدة أسبابٍ:

1- أن فيزياء (النص الافتراضي) محددة فقط بمعناه وليست بقوة خارجية. الأداة فيها هي الخيال الفني القرائي، كما أنها عبارة عن فيزياء لغوية- تقنية إجمالاً. أي تنفتح المعاني على عوالم تواصلية أخرى باستمرار كلما كان انفتاحها حُراً من غير حدود.

2- لا شيء خارج النص nothing outside the text كما يقول جاك دريدا. فهذا الوسيط النصي بمواده يعتبر عالماً قائماً بذاته، إنه مصدر المعاني وتشكلاتها وهو الذي يتيح فهما مختلفاً أو قراءة مغايرة.

3- النص قابل للمقروئية readability الحُرّة بلا نهايةٍ، والمقروئية تصبح ممارسة متاحةً لكل متفاعل أيا كان. وهذا النص عكس المعالم اللاهوتية للنصوص، فالقداسة غير موجودة في الواقع الإفتراضي، يوجد الاختلاف وتجريد النص من مكانته ليغدو مقروءاً وكفى.

4- النص الافتراضي ضد الاستهلاك، لكونه يجسد عملية انتاج مستمر لذاته ولغيره من النصوص في الوقت نفسه. فلايستنفد امكانياته، بل على العكس يزيد وينفسح عمقاً وفهما كلما خضع لقراءات كثيرة.

5- القارئ للنص ليس مرتبطاً بسياقه الذي أنتجه. فالعالم الافتراضي يخترق الحواجز إلى حيث الإنسان فينا، وإلى حيث يكون قادراً على التأثير والتفاعل مع أقاصى الرؤى والأفكار.

6- القراءة عملية مثيرة لدرجة الإدهاش. وليس الحال كفيزياء السلطة التي تحدد سلفاً كيفية القراءة وأساليب الكتابة والتعامل مع الوثائق والنصوص. إن فيزياء النص الافتراضي قفيزياء عجائبية، هي فيزياء المستحيل الذي سيتولد عبر محاولات التلقي والتأويل.

7- هناك عمليات من التحور والتقلب والتفضية spacing كأبعاد للنص الافتراضي. مما يعني فقدان السيطرة عليه، لأنه لا يمتثل للمؤلف، فهناك متفاعلون غير محدودي الحصر، ومن حينه يغدو النص ابن الافتراض الديجيتال.

8- الدلالات النصية ليست واحدةً ولا ثابتة ولن تكون. فالنص علامة تصويرية قابلة للتداعي. والوسيط الالكتروني باستطاعته تجديد صورته من خلال الخلفيات backgrounds والإعدادات settings. وهي أمور ستؤثر على القراءة بطريقة من الطرق.

9-هناك تجارب من التكرار والإعادة والحذف والتكوين ضمن مواد الوسيط التواصلي communicative. وبهذا لن يتقيد (جسم النص) بقوالب التأليف التقليدية ارتباطاً بالمؤلف. وبخاصة أنَّ التدخل في النصوص بالتهميش أو التخليط أمر متاح تقنياً.

المهم أنَّ ذلك أوضح تطابقاً بين الوسيط الافتراضي وعمل اللغة. فالأخيرة هي نظام دال يزودنا بما نريد من الأفكار والأخيلة والأوهام. نظام يحضر في خلفية الكتابة والكلام مبرراً وجوده من القدرة على التدخل أثناء التواصل. فاللغة هي هذه الأسرار الصامتة وسط ضجيج الكلام اليومي. إنها التي تقوم بفرز محتويات العقل ومجالات التفكير. أليست هي (كما يذهب هيدجر) بيت الوجود language is the house of Being. وهي أيضاً صورة الحياة برأي فتجنشتين كما أنها النيجاتف الذي يحمل اشباح ما نفعل دون ضياع. لقد جاء النت، تلك الشبكة الخيالية، ترجمة خارج التوقع لتلك المفاهيم اللغوية. ولهذا من يُرِد فهم الآلية النصية للعالم الافتراضي عليه التعمق في أبنية اللغة بكل جنونها.

الغريب أن اللغة العربية من أبرز اللغات التاريخية، لكننا لم نستطع إلى الآن تحريرها من تراثها البيئي التقليدي. وهذا ما يجعلنا نفكر بذهنية سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي وعبد القاهر الجرجاني. وحتى هؤلاء نأخذهم تقليداً واحتذاءً لا ابتكاراً لما تركوه من جديد. فرغم التطورات المبدعة للنص الافتراضي، إلا أننا لم نستفد من ذلك في قراءة التراث من منظور كوني خارج النِّحل والهويات القاتلة. ولم نطرح رؤى فلسفية تخاطب الإنسان كأنثروبوث (كائن ذو وجه)Anthropos    داخل العالم. فقط كانت لنا (أقفية) نكشفها للتطور الإنساني مع تحولات التاريخ. السبب على ما يبدو أنَّ خيالنا مازال متحجراً. التقاليد قد أكسدته بعبارة الكيمياء. فالعالم الافتراضي ليس عالماً محنطّاً وراء أضابير الماضي، بل يتطلب تحرير العقل واللغة.

 

د. سامي عبد العال

 

محمود محمد عليلقد ظن قاطنو كوكب الأرض أنهم قد بلغوا سن الرشد الحضاري، حين أسسوا منظمة تجمع بين الأمم المختلفة، والحضارات، والثقافات المتمايزة، وتوحد بينها، كما اعتقدوا أن هذا الجهد قد كلل بالنجاح الساحق، حين أدت هذه المنظمة، بروعة فائقة، دور الأم التي تحملت مخاض ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن الجنس، والعرق، والدين؛ فأخذت دعوات الحوار بين الحضارات والثقافات في الانهمار، لرأب الصدع، وردم الفجوة فيما بينها، وتشييد جسور التعاون والتفاهم، وغسل الذاكرة من رواسب الكراهية المتبادلة . إن الإسلام أصبح أخيرا هدفا منشودا بامتياز ويتمتع بالدعم .

بيد أننا اعتدنا علي أن دعوات الحوار تلك لا تلبث أن تخبو ويخفت بريقها لصالح أطروحات الصراع والجدال بالتي هي أسوأ . حينها تغيب الحكمة عن الساحة، ويدفن العقل تحت أطنان الحقد الأعمي، وتزكم الأنوف برائحة بارود الإرهاب، فتُجيش الجيوش، وتُبني التحالفات، لتجفيف منابع الخطر والتهديد، فتغدو النتيجة أن يُطهي مستقبل شعوب دول بأكملها في أتون الفتنة الطائفية والنعرات المذهبية، وتصبح النتيجة أن ينجح دعاة الكراهية في اعتلاء المزيد من المنابر ليعلنوا لنا أن الرأي مسألة داخلية لا يمكن إدراكها إلا بخروجها عن طريق التعبير عنها، ومن ثم لا يمكن وضع ضوابط لنتاج عمل العقل ما دام هذا النتاج لم يخرج للعلن، لأن الفكر محجوب عن حواس الآخرين، لا يمكن رصده، وبالتالي لا يستطيع بشر أن يحاسب بشراً عليه، ولا يوجد قضاء معتبر يحاسب على النوايا كما هو معروف، فحرية الرأي إطلاقها لا يكون إلا في عالم صاحب الحواس فقط. وينبغي ألا تتعدى حرية التعبير نطاقها، فإذا اعتدت حرية التعبير على الأخلاق أو الآداب أو النظام العام، أو تجاوزت حدود الفضيلة وجب ردها إلى أعقابها، فإذا منع الفرد من الخوض فيها فهو بذلك منع من الاعتداء ولم يحرم من حق، ولا يجوز بدعوى حرية الفكر - الطعن في مسلمات أقر عليها علماء الشريعة الإسلامية، ذلك أن حرية الفكر ينبغي ألا تطول أصولاً ثابتة ويغدو من الشطط الفكري إنكار وجود أحكام قطعية الثبوت، والدلالة أو الطعن فيها إذا انعقد الإجماع الشرعي والقانوني، على أن الاجتهاد فيها ممتنع، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة، التي لا تحتمل تأويلاً ولا تبديلاً.

ولذلك ينظر دعاة تلك المنابر إلى أن ازدراء الأديان يعد ضربا من ضروب تحقير الأديان السماوية ومهاجمة السنة والإساءة للصحابة وإلصاق الاتهامات الجزافية للصحابة وآل البيت وأمهات المسلمين، ليس فقط كذلك، بل أو الإساءة لأي دين سماوي آخر، إما بإنكاره، أو محاولة تكفير معتنقيه، والآراء المتطرفة والمتشددة التي تتبرأ منها جميع الأديان السماوية في إقرار التعامل بين البشر.

كما يؤكد أصحاب تلك المنابر أن معني كلمة ازدراء في معجم اللغة العربية هو الاحتقار، والقانون يعرف جريمة ازدراء الأديان بأنها احتقار الدين، أو أحد رموزه، أو مبادئه الثابتة، أو نقده أو السخرية منه بأي شكل من الأشكال، أو إساءة معاملة معتنقيه، لأن مثل هذه السلوكيات هي التي تثير الفتن. ومن هنا، فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين يعد ازدراء له، ولا يسمح به مطلقا، والقانون الجنائي يعاقب عليه. لذلك، فازدراء الأديان يعني العمل على تحقير المعتقدات والرموز الدينية الخاصة بما يقلل احترام المجتمع لها. فالسلم المجتمعي هو الركيزة الأساسية في استقرار الدولة، والمعكر الأول لصفو هذا السلم هو انتقاد أديان الآخرين والمعتقدات الدينية لهم، وهو ما يجب أن يقابل بكل حزم وشدة في الدولة التي تسعى إلى الاستقرار والسلم بين مواطنيها.

وفي نظر أصحاب تلك المناير تتمثل جريمة ازدراء الأديان في استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة، بأي وسيلة كانت، مثل الكتابة، والتصوير، أو النشر، أو القول، أو ترديد الشائعات، وغير ذلك من وسائل العلانية في نشر هذه الأفكار المتطرفة، بهدف إثارة الفتنة أو الإساءة لأحد الأديان السماوية بهدف الإضرار بسلام المجتمع وأمنه ووحدته الوطنية .

وهنا أعلق عن كل ما سبق فأقول: ردّة هنا. وتجديف هناك. زعزعة عقيدة هنا وإخلال بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية هناك. تعددت التسميات والتهمة واحدة. هي ازدراء الأديان. تهمة فضفاضة تتأرجح بين احترام المعتقد وحرية التعبير. وفيما يتمسك بها الكثيرون نصرة لعقائدهم، يشبهها آخرون بعصا السلطات السياسية والدينية. ونحن نسأل: الم يحِن الوقت لشطب هذه التهمة من الدساتير؟ هل الاعتداء على فكرة ما يعني بالضرورة التعدي على مَن يؤمن بها؟ وماهي الحدود التي تفصل النقد عن التحقير؟

وللإجابة على هذا أقول: هناك فرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وازدراء الدين، فالمادة القانونية (98 و) من قانون العقوبات المصري والتي تنص:" (يعاقب بالحبس ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنية ولا تتجاوز 1000 جنية كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى في أفكار متطرفة)، والخاصة والمتعلقة بازدراء الأديان، هذه المادة وُضعت لتكون حصن لحماية الوحدة الوطنية في مصر، ولكن للأسف وجدنا بعض المـأسلمين يتخذ من هذه المادة سيفا يشهرونه في ضد بعض المفكرين اليساريين.

إن هناك فرقا بين الدين والتدين، فالمادة القانوية تخاطب الدين، لكن الذين يحاسبون باسم ازدراء الأديان ويسجنوا بسبب التدين وليس الدين، وهناك فرقا بين الدين والتدين، فالدين قائم علي ثوابت، بينما الدين قائم على متغيرات، وهذه المتغيرات شعارها المعتقدات والآراء والأفكار التي تخضع للخطأ والصواب، ولذلك علينا أن ندرك الفرق بين الدين والمفهوم فيه، وللأسف الدول التي تعاقب المفكرين باسم ازدراء الأديان تعاقبهم في المفاهيم والمعتقدات

وهنا لا أخجل في أن أقول بأن الإزدراء في شعوبنا العربية، تحول من مجرد كلمة إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق كل مفكر يريد التجديد .. جاليليو كان مزدرياً في زمنه، ومارتن لوثر كان مزدرياً في زمنه، وكل الأنبياء والعلماء تمردوا على أفكار عصرهم واُتهموا بإزدراء الأديان .

إن تهمة ازدراء الأديان سهلة التحضير مثل الوجبات التي تُحضر في دقائق معدودة، وهي بمثابة سيف يُظهره المتشددون ودعاة الدولة الدينية والمتعصبون في وجه كل معارض ومختلف ومخالف، وكل من يحاول التفكير، فهي سيف يُشهر في وجه المبدعين والباحثين والكتاب والسنمائيين .. الخ .

نعم هناك تهمة جاهزة الآن اسمها ازدراء الأديان، فباسمها يجرجر المفكر والفنان والأديب إلى ساحات المحاكم وغياهب السجون بكل سهولة، بل وبكل راحة ضمير .. تارة باسم تحطيم الثوابت، وتارة أخرى بإنكار المعلوم من الدين بالضروة .

وقانون الإزدراء مطاط، والتهمة ضبابية، والضحية هو كل من يريد طرح الأسئلة على التراث الذي يريدونه محنطا، والسؤال الآن: هل كل انتقاد للفكر والتاريخ الديني هو ازدراء أو تحقير؟

وللإجابة عن هذا نقول: منذ قُدم "طه حسين" للمحاكمة ومن بعده "علي عبد الرازق" و"عبد المتعال الصعيدي"، ومن بعدهما كل من المفكر العربي الراحل صادق جلال العظم والمفكر المصري الراحل أيضا عاطف العراقي للمحاكمة بتهمة ازدراء الدينين الإسلامي والمسيحي، لم تتوقف محاكمات الفكر في تاريخنا المعاصر، وطالت قضايا ازدراء الأديان عددا كبيرا من الكتاب والباحثين والشعراء والأدباء، الأمر الذي بلغ ذروته مع صعود النزعة الإسلامية فيما عُرف بعصر الصحوة، فحُوكم الشعراء: "حامد وحلمي سالم" وخرجت المظاهرات تندد بالمغربي "محمد شكري" والسوري "حيدر حيدر" وتسارعت وتيرة قضايا الحسبة ليفرق القضاء بين نصر حامد أبو زيد وزروجته ويزيقا غريمه عبد الصبور شاهين من الكاأس نفسه عقب الجدل الذي أصاره كتابه " آبي أدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة".

وتفاقم الأمر في ظل وجود مرجعية قانونية تسخر بقوانين الردة والتجديد ومناهضة الازدراء، ولم تجد المؤسسة الدينية (الأزهر الشريف) حرجا في مناصرة مثل هذا النوع من القضايا، بينما وُضعت الدولة في حرج بالغ، إزاء حوادث تواصل الاغتيال الناتجة عن الاتهام بالازدراء بداية من "فرج فودة" وصولا إلى ناهض عمر في الأردن، مما دفع الكثيرين إلى المطالبة فيما سموه بالمهزلة، في حين ما زالت المؤسسات الدينية تصر على موقفها .

وفكرة ازدراء الأديان لم تكن وليدة البيئة العربية – الإسلامية، وإنما خرجت من رحم الثقافة الغربية، فقد كانت تمثل أداة قمع كلاسيكية معروف في أوربا كانت لها مثيل في وقت سطوة الكنيسة في أوربا، حيث محاكم التفتيش التي كانت تحرق الساحرات والمهرطقين والمجدفين وأصحاب الديانات الأخرى، والعلماء ؛ حيث ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر الذین مهدوا للثورة الفرنسية إلى أن الديانات والقوانین ما هي إلا قوانين مستحدثة، وأغراض طارئة على البشر، حتى قال فولتير:إن الإنسانية لابد أن تكون قد عاشت قرونا متطاولة في حیاة مادیة خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة، والنجارة قبل أن تفكر في مسائل الدیانات والروحانیات، بل قال: إن فكرة التأليه إنما اخترعها دعاة ماكرون من الكهنة والقساوسة الذين وجدوا من یصدقهم من الحمقى والسخفاء.

قد يكون لفولتير عذره فيما يقول لكون هذا الكلام وهذه النظرة ما هي إلا انعكاس ورد فعل طبيعية لواقع مرير شهدته أوربا من استبداد الملوك، واستعبادهم لشعوبهم، وتحالفهم مع الكنيسة التي صارت أقبية للظلم والطغيان، ومنتجا للأوهام والخرافات، ومسوّغا لسياسة الملوك الظالمة باسم الدين.

وقد انتقلت فكرة ازدراء الأديان في الشرق الإسلامي من خلال محاكم أفظع وتُهم أكثر وأقوى، وتبقي تهمة ازدراء الأديان، وكانها ليست مختصة بالأديان الإبراهيمية فقط، فكلنا نعرف محاكمة سقراط مثلا وإجباره على تجرع السم بتهمة إفساد شباب أثينا، لكن يظل، رغم أن التاريخ والحاضر يحفلان بقصص عنف وقمع وقتل وحرق واعتداء على المخالفين بدعي أنهم يزدرون الأديان، إلا أن واقعنا العربي الإسلامي كأنه لم يبرح هذه القرون أبدا، حيث كنا في البلاء سواء، فالعالم كله والإنسانية كلها قد مرت بفترات طويلة من ملاحقة الناس في أديانهم وأفكارهم، وخرج الجميع من الوهدات ومشوا في طريق الحضارة، إلا نحن حيث نكون مصرون علي البقاء في هذه الوهدة، ولا نريد أن نبرحها أبداً .

ففي القرن الماضي لُوحق أكثر من كاتب وأديب ومفكر بتهمة ازدراء الأديان والإساءة إلى الإسلام ببلاغات ودعاوى قضائية أقامها بعض المشايخ والمحامين ممن نصبوا أنفسهم مدافعين عن الإسلام، وبموجب هذه الاتهامات قتل فرج فودة كما ذكرت من قبل وتعرض الأديب العالمي " نجيب محفوظ" لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة .

وبعدما شاهدت مصر قضية هزت الرأي العام واهتم بها العالم كلة وهي قضية تفريق الدكتور "نصر حامد أبو زيد" عن زوجته بحكم قضائي بعد اتهامه بالردة والإلحاد بسبب أبحاثه العلمية، استنادا أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم، وأُخطر الزوجان بالسفر إلى هولندا هروبا من فتاوى التكفير وإهدار الدم.

كما لُوحق الدكتور "سعيد العشماوى" ورئيس المحكمة السابق، والأستاذ "سيد القمني" بنفس الاتهامات، وتعرض لحملات تكفير ودعاوى قضائية متعددة، وفي أقل من ثلاثة أشهر في العامين الماضيين حُكم على سبعة مواطنين بتهمة ازدراء الأديان ؛ وهم الباحث إسلام البحيري، (والذي حُكم عليه بالسجن لمدة عام، والذي دعا لمراجعة المناهج التي قامت عليها كتب الحديث، وطرق جمع الأحاديث وتصنيفها وشرحها، وذلك على أساس أن هذه الكتب هي نتاج اجتهادات الباحثين، في أطار ما كان متاحا لهم من معرفة في زمانهم، بينما أتسع نطاق البحث العلمي وأدواته في عصرنا الحالي بما يستلزم أعادة النظر في كل هذه المراجع، وسرعان ما رفعت دعاوى قضائية ضد البحيري تتهمه بازدراء الأديان، وأدين بالفعل بهذه التهمة استنادا للمادة 98 من قانون العقوبات المصري، وقالت المحكمة في حيثيات حكمها أن البحيري تعدى على أئمة الإسلام، "وأستغل برنامجه التلفزيوني للترويج لأفكار متطرفة بقصد أثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي الحنيف")؛ وأربعة أطفال مسيحيين، ومدرسهم الذين قلدوا صلاة المسلمين في مسرحية تهكموا فيها على تنظيم داعش.

وأخيرا وليس آخرا حُكم على الكاتبة الصحفية "فاطمة ناعوت" بالسجن لاتهامها بوصف أضحية عيد الأضحي بالمذبحة ورؤية سيدنا إبراهيم على أنها كابوس، وهو ما نفته ناعوت .. مثقفون وسياسيون ونخبة اعتبروها للأحكام اغتيالا لحرية الإبداع والفكر، بينما اعتبروه آخرون حماية من الأديان من التطاول والاستهزاء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط