منى زيتونفي العصر الحديث يغلب الحديث عن التطرف الديني عند ذكر التطرف؛ فالظاهر لمن يتابع قضية التطرف وما ينشأ عنها من آثار أن النوع الغالب منها هو التطرف الديني؛ الذي ينبني على اعتقادات وأحكام فقهية في دين ما –على فهم المتطرفين- للانتقاص من الآخر المخالف، وربما بقي التطرف فكريًا، وربما تطور ليصبح إرهابًا. لكن إن دققنا لوجدنا أن كثيرًا من المشاكل بين الجماعات التي نظن أن أسبابها ترجع إلى تطرف ديني إنما تكون جذروها هي التطرف العرقي!

ومن يظن أن التطرف الديني مقيتًا فعليه أن يقارنه بالتطرف العرقي، فعلى الأقل تجد المتطرفين دينيًا بعضهم يحمل رأيًا علميًا يتعصب له، أما المتطرفون عرقيًا فقبائليون لا يعرفون سوى أنسابهم ويجهلون ما سوى ذلك، ومجرد قراءة بعض مما يكتبون كفيل بإصابة العاقل بالغثيان.

وبداية لا بد أن نميز بين مصطلح العِرق ومصطلح الإثنية. والإثنية Ethnic مصطلح يستخدم حاليًا في العلوم الاجتماعية للدلالة على شكل من أشكال الهوية الثقافية التي تربط الجماعة؛ وسبب انتماء الفرد إلى جماعة إثنية يختلف باختلاف تركيب الجماعة؛ فقد يكون الأساس المشترك الذي تقوم عليه الجماعة الإثنية وتتحدد على أساسه هويتها هو الدين الواحد أو الجهة الجغرافية أو الهوية القومية الواحدة أو اللغة الواحدة أو العِرق المشترك.

فالجماعة الإثنية مهما اختلف تركيبها لديها عوامل تشعر أفرادها بالتضامن والترابط؛ وهي تتشابه في ملامح التراث الثقافي السائد (الزي والطقوس والعادات وطرق الطهي والفنون وغيرها)، وتشترك في اللغة، وقد تشترك في التاريخ والإقليم الجغرافي الواحد أو الوطن الواحد، إضافة إلى السلف الواحد، والأخير تحديدًا هو ما يُطلق عليه مصطلح "عِرق" Race، ويُستخدم للإشارة إلى السلالة البشرية التي ينتمي إليها الأفراد، وهو مؤسس على الوراثة. وليست كل مجموعة إثنية تشترط النقاء العرقي، فمصطلح الإثنية يستند بالأساس إلى الملامح الثقافية المتشابهة وليس التشابه البيولوجي الصارم.

وقد يكون تطرف البشر ناتجًا عن أحد عوامل التشابه التي تتألف بسببها الجماعات الإثنية، ولكن يعد العِرق السبب الأكثر انتشارًا للتطرف من بينها. ونلاحظ أن الله تعالى في كتابه العزيز اعتنى بلفت النظر إلى دور العرقيات والشعوبيات في صراعات البشر، فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. وقد أعجبني ما قال الطبري في معنى الشعب: "إذا قيل للرجل من العرب: من أيّ شعب أنت؟ قال: أنا من مضر، أو من ربيعة". فالشعب فرع كبير أكبر من القبيلة، ويجمع عددًا كبيرًا من القبائل، وهو أقل من الأصل. فالأصل إننا بشر من ذكر وأنثى، ثم إننا من عرق كبير، ثم من شعب، وكل شعبة انقسمت إلى قبائل، ولكن الناس لا تهتم سوى بالقبائل وتتناسى الأصل.

وكذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا عن التطرف العرقي، وأرشد الناس إلى التركيز على العمل الصالح، ومن ذلك ما أخرجه البخاري (3383)، ومسلم (2378)، فعن أبي هريرة، سُئِلَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قالَ: "أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ". قالوا: ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قالوا: ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فَعَنْ معادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ النَّاسُ مَعادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا".

كما أخرج أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/100)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5137) عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ".

ويقول سيدنا علي بن أبي طالب:

كن ابن من شئتَ واكتسب أدبًا *** يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ

فليسَ يُغني الحسيبُ نسبته *** بلا لسانٍ له ولا أدبِ

إن الفتى من يقولُ ها أنا ذا *** ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

اللغة أساس القومية

يذهب العالم اللغوي إدوارد سابير إلى أن اللغة هي على الأرجح أعظم قوة من القوى التي تجعل من الفرد كائنًا اجتماعيًا. ويعلق د.عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربية" أن مضمون هذا الرأي أمران: الأول أن اتصال الناس بعضهم ببعض في المجتمع البشري لا يتيسر حصوله بدون اللغة. والأمر الثاني أن وجود لغة مشتركة بين أفراد قوم أو أمة من شأنه أن يكون هو نفسه رمزًا ثابتًا فريدًا للتضامن بين الأفراد المتكلمين بها.

وأستنتج من ذلك أن الإثنية القومية وإن كانت تتأسس على الشعور بهوية قومية مشتركة لدى أفراد الجماعة، إلا أن وجود اللغة الواحدة التي تتكلمها الجماعة ويتواصلون ويتفاهمون بها هو السبب الرئيسي لاستشعار الجماعة هذه الهوية، وكلما كانت اللهجات الفرعية أكثر تشابهًا تعززت تلك الهوية المشتركة.

وربما كانت اللغة أو اللهجة المختلفة سببًا في نشوء جماعات إثنية على أساس لغوي، حتى وإن كانت تجمعهم هوية قومية واحدة! ويظهر هذا عندما تتعدد اللغات الرسمية في دولة واحدة مثلما هو الحال في كندا، أو عندما تكون هناك لهجات شديدة التباين في ألفاظها وأصواتها في المجتمع الواحد. فاللغة من أهم العوامل التي يتوحد ويتفرق على أساسها البشر.

ورغم توحد أوروبا تحت مظلة الاتحاد الأوروبي فإن الأوربيين لا يستشعرون أنهم قومية واحدة بسبب اختلاف اللغة. وكان أول ما فكر فيه اليهود عندما قرروا بناء دولتهم هو إحياء اللغة العبرية، لأنه لا قومية حقيقية دون لغة، والعِرق المشترك –الذي يدّعونه- لا يصلح أساسًا لتكوين هوية واحدة دون لغة.

وأقول إن بلاد فارس دخلت في الإسلام ولم يتوقف الفرس عن التحدث بالفارسية لذلك حافظوا على قوميتهم. وكان من الفرس أكابر العلماء، ممن كتبوا تفاسير للقرآن كالطبري والفخر الرازي، وجميع المحدثين الكبار كانوا فرسًا، فالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه جميعهم فرس، وحتى الإمام أحمد بن حنبل أمه فارسية. وكانت مجالس العلم عندهم يدور فيها الحوار بالفارسية، ثم بعد خروج العلماء وطلبة العلم منها يتحدثون في شئون حياتهم بلغتهم؛ فلم يكن طلب العلم يومًا مبررًا لفقدان الهوية القومية.

والأتراك أيضًا جلهم مسلمون ومع ذلك يعتزون بلغتهم وقوميتهم ولم ينصهروا في بوتقة العروبة، وكذلك فعل الأمازيغ، والنوبيون، والهنود، فكلهم شعوب احتفظوا بلغاتهم، ومن ثم يمكنهم التحدث عن أنفسهم كقوميات منفصلة عن العروبة.

أما المصريون فقد صاروا عربًا ودخلوا في العرب المستعربة طواعية منذ أن تكلموا العربية في مجالسهم وبيوتهم.

التطرف العرقي بين العرب

معلوم أن التقسيم الدارج للعرب يجعلهم ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعرب عاربة وهم القحطانيون وقحطان أبو اليمن، وعرب مستعربة وهم العدنانيون. فالقحطانيون شعبان: سبأ وحضرموت، والعدنانيون شعبان: ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان.

ولأن التطرف العرقي يوجد حتى داخل القومية الواحدة؛ فإن العرب أكثر من يتفاخرون بأنسابهم على بعضهم البعض، وفي إحدى مجموعات الأنساب على موقع الفيسبوك قرأت منشورًا لم أكن أتصور أن يوجد في الحقيقة، وهل يُعقل أن يتناظر القحطانيون مع العدنانيين، ويقولوا لهم إن كان الله قد اصطفى آل إبراهيم وإن كان رسولنا محمد منكم فالقرآن يقول: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَاهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان: 37].

يقول الطبري في تفسير الآية: "أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها، يقول: فليس هؤلاء بخير من أولئك، فنصفح عنهم، ولا نهلكهم، وهم بالله كافرون، كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارًا". وكما يتضح من الآية فالتساؤل لا يُستدل منه على أفضلية قوم تُبَّع، علمًا بأن تُبَّع كان رجلًا صالحًا ذم الله قومه ولم يذمه.

ويقولون إن أول العرب المستعربة هم بنو إسماعيل من زوجته الجُرهمية لأن ابن أخت القوم منهم. وقولهم في ابن الأخت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي جاء في صحيح البخاري (3528) عن أنس رضي الله عنه قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال: "هل فيكم أحد من غيركم؟" قالوا: لا إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابن أخت القوم منهم". ولكن هل يصح أن ينفوا عن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أنه عربي وأنه قد تحدث العربية؟!

لقد تواترت الأخبار عن تحدث إسماعيل عليه السلام العربية من خلال عشرته لقبائل جُرهم الذين تربى بينهم، روى البخاري (3364) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم - في قصة إسماعيل وهاجر عليهما السلام - قال: " ... وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ". وقد روى الإمام السيوطي في الجامع الصغير (2837) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة". وروى الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج2، 4029/38) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه، ثم جعل كتابًا واحدًا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصول حتى فرق بينه ولده: إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما". أي أن اللسان العربي المبين بلغة قريش، والذي نزل به القرآن الكريم، كان إسماعيل بن إبراهيم أول من نطق به.

ثم إن هناك إشارات وروايات متناثرة تدعي أن العرب الباقية كلهم من ولد إسماعيل. وقد روى الإمام البخاري في صحيحه، في باب "نسبة اليمن إلى إسماعيل" (3507) عن سلمة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسُوق فقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا". وذكر البخاري: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة. وإنما يعني البخاري أن خزاعة كانت ممن تفرق من قبائل سبأ بعد سيل العرم، وكانت الأوس والخزرج منهم، وقد خاطبهم الرسول بأنهم من بني إسماعيل رغم أن التقسيم الشائع أن سبأ وأبنائه قحطانيون وليسوا من ولد إسماعيل!

ولا يعنينا كثيرًا إن كان القحطانيون من ولد إسماعيل أم لا، ولكن تطرف بعض السفهاء وصل حد التطاول على الأنبياء! ومعلوم إن هذا الشكل من التطرف بين العرب العاربة والمستعربة، وكذا بين ربيعة ومضر، وهو من دعاوى الجاهلية، عاد سريعًا للعرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادت بعض قبائل العرب أن تفاخر قريشًا بعدما قضى الله أن يكون النبي منهم، وبعدما هزموا في حروب الردة وفشلت دعوات المتنبئين الكذبة. ولا ينسى التاريخ قولة قالتها قبائل ربيعة ممن سارعوا في تأييد كذاب اليمامة: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر".

وللخليفة المأمون العباسي قول شهير رواه عنه الإمام الطبري في ترجمته في "تاريخ الرسل والملوك" (ج8، ص652) قال: "وأما ربيعة فساخطةٌ على ‏الله منذ بعث نبيه من مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا "أهـ. والشُراة هم الخوارج، ويعني أن نصفهم خوارج.‏

وكان العرب يكثرون التفاخر فيما بينهم بقوتهم وكثرة عددهم وعظم أنسابهم، فعلمهم رسول الله أن التفاضل يكون بالتقوى وبالفضل والسبق إلى الإسلام. في صحيح البخاري (3515) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث قال رسول الله: "أَرَأَيْتُمْ إنْ كانَ جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأَسْلَمُ، وغِفارُ، خَيْرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ، وبَنِي أسَدٍ، ومِنْ بَنِي عبدِ اللَّهِ بنِ غَطَفانَ، ومِنْ بَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ. فقالَ رَجُلٌ: خابُوا وخَسِرُوا، فقالَ: هُمْ خَيْرٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، ومِنْ بَنِي أسَدٍ، ومِنْ بَنِي عبدِ اللَّهِ بنِ غَطَفانَ، ومِنْ بَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ".

وفي رواية أخرى (3516) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنَّ الأقْرَعَ بنَ حَابِسٍ قالَ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّما بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ، مِن أسْلَمَ وغِفَارَ ومُزَيْنَةَ، -وأَحْسِبُهُ- وجُهَيْنَةَ -ابنُ أبِي يَعْقُوبَ شَكَّ- قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أرَأَيْتَ إنْ كانَ أسْلَمُ، وغِفَارُ، ومُزَيْنَةُ -وأَحْسِبُهُ- وجُهَيْنَةُ، خَيْرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ، وبَنِي عَامِرٍ، وأَسَدٍ، وغَطَفَانَ خَابُوا وخَسِرُوا؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "والذي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّهُمْ لأَخَيْرٌ منهمْ".

التطرف بين الأعراق

إن كان التطرف لا زال موجودًا بين أبناء العِرق الواحد، خاصة بين العرب، فلم يتخلقوا بأخلاق الإسلام ويدعوه، فمن باب أولى ألا ينقطع التطرف بين الأعراق المختلفة، ومن أشهر الصراعات العرقية التي دارت في العصور القديمة الصراع بين الفرس والروم، والحرب الباردة في عصرنا بين إيران وأمريكا ما هي إلا شكل متجدد عصري لحرب الفرس والروم قديمًا.

ويحكي التاريخ أن ملوك الحيرة المناذرة كان ملكهم في العراق على حدود بلاد فارس، وكان يخدمهم كتيبتان رئيسيتان من الجند، الشهباء والدواسر. والأشاهب بنو المنذر؛ فهم بنو عم الملك وإخوانه، وسُموا بذلك لبياض وجوههم وجمالهم. وكانت أغلب الدواسر تغلبية، يرجع نسبهم إلى تغلب بن وائل من ربيعة، فهم عدنانيون، وأصلهم من نجد، وهناك دواسر من الأزد من سبأ وكانوا يسكنون مأرب في اليمن. فالدواسر ليسوا قبيلة واحدة، وإنما اكتسبوا الاسم من الكتيبة التي كانوا يقاتلون فيها. وقيل إن الدوسر هو اسم من أسماء الفَرَس، وقيل هو اسم للجمل الضخم، والدُّسُر أيضًا المَسامير الضخمة محددة الطرفين التي تُدق فتربط الألواح الخشبية ببعضها، وقيل سُمّيت دوسر اشتقاقًا من الدَّسْر، وهو الطعن الشديد، والعرب تضرب بهم المثل في البطش، تقول: أَبْطَشُ من دَوْسَر. ولكن كثيرًا من عرب نجد تحديدًا يقفون هذه المرة مع الروم، بينما كان جدودهم جنودًا لفارس ودواسرًا لهم. أما عرب العراق فأغلبهم لا زال على ولائهم لفارس، وربما كان التطرف الديني يطل برأسه هذه المرة ويبرر هذا الولاء.

كما أن الصراع في اليمن اليوم ليس دينيًا طائفيًا فقط، بل هو عرقي أيضًا؛ فإيران وريثة الإمبراطورية الساسانية لا تزال ترغب في الاحتفاظ بنفوذ في اليمن، مثلما لا زالت تحتفظ بنفوذها في العراق، بينما من رفعوا نفوذها عنهم في نجد منذ قرون لا يرحبون بذلك! وهذا ولا شك لا يبرئ المعتدين على اليمن. وكان الفرس قد اكتسبوا نفوذهم في اليمن منذ أن ساعد كسرى (خسرو) الأول معد يكرب سيف بن ذي يزن على استعادة ملك آبائه بخلع مسروق بن أبرهة الحبشي، وتولى سيف الحكم حوالي سنة 575 أو 577م، وكان مسروق قد تولى الحكم في اليمن خلفًا لأبيه أبرهة الذي قتله الله وجيشه سنة 571م والمعروف بعام الفيل.

ولا ننسى الموجة العدائية ضد مصر التي سادت في العقد الأخير في السودان، وادعاءات تدفق الحضارة مع النيل، ومن ثم فحضارتنا هي حضارتهم، ومحاولتهم سرقة تاريخ مصر بدلًا من التنقيب عن تاريخ خاص بهم؛ فيدعون أن سيدنا موسى مدفون في جبل مرة، وأن مجمع البحرين هو التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض! وموقفهم المخزي في قضية سد النهضة وتمنيات السوء لمصر، والذي ارتد عليهم فتضرروا من فيضان 2020 أشد الضرر بعد أن خزنت إثيوبيا المياه خلف السد واضطرت لتفريغ كمية كبيرة منها، وكل هذا ما هو إلا تطرف عرقي، وللأسف أن يصدر عن أشقاء.

ولا ننسى دعاوى سيادة العرق الآري التي لعبت بعقل النازي وتسببت في ويلات الحرب العالمية الثانية. ويهود إسرائيل يدَّعون أيضًا أنهم شعب الله المختار؛ فهم يعتبرون أنفسهم مميزين كقومية وليس كأصحاب دين؛ فيظهر لديهم التطرف العرقي أكثر من التطرف الديني. وتظهر كثير من الدراسات التي أجريت على اليهود المهاجرين إلى إسرائيل ‏أن أغلبهم أقرب للإلحاد، ولا يؤمنون بالحساب ووجود الجنة والنار، ولكنهم مع ذلك مقتنعون ‏أنهم القومية الأكثر تميزًا بين البشر! وهذا هو السبب الحقيقي لهجرتهم إلى إسرائيل، أو الإعلان عن ‏هويتهم الدينية في أوروبا وأمريكا، فهم أعلى نفيرًا وهذا يوفر لهم ميزات، وينشأ عن اقتناعهم ذاك أيضًا نظرتهم الاستعلائية على من دونهم حتى إنهم يستبيحون الكذب على من عداهم ‏من الجوييم (الجماهير غير اليهودية)، ولا يعتبرون ذلك نقيصة.‏

‏ وسبب الإشكالية الرئيسي فيما تفعله السلطات الصينية مع أقلية الأويغور المسلمة أن الأويغور هم عرقية تركية، تتحدث لغة أقرب إلى اللغة التركية، ومن ثم فهم أقرب عرقيًا وثقافيًا لشعوب آسيا الوسطى. فتطرف الصين ضد الأويغور هو تطرف عرقي ومحاولات للإبادة العرقية، وإن كان ظاهريًا يبدو تطرفًا دينيًا.

فالحقيقة إن السلطات الصينية تسعى إلى قولبة المجتمع الصيني، وفرض هيمنة ثقافة عرقية الـ "هان" والتي تعتبر أكبر جماعة عرقية في العالم بأسره؛ إذ يشكلون 92% من سكان الصين و18% من سكان العالم، والمشكلة الأهم التي أقلقت السلطات الصينية أن الأويغور رغم كونهم قلة عددية في الصين ولا يزيد عددهم عن 11 مليون نسمة إلا إنهم يشكلون أغلبية في مقاطعة شينجيانغ التي تتمتع بالحكم الذاتي، وهذا يجعل الثقافة السائدة في هذه المقاطعة تختلف عن الثقافة العامة في البلاد.

ومن ثم فهناك رفض من الحكومة الصينية لبروز أي ثقافة غريبة داخل البلاد، وأي سلوكيات تختلف عن سلوكيات الجماعة الكبرى، لذلك تقوم السلطات الصينية بترحيل مواطنين من عرقية الهان إلى شينجيانغ، وإجبار الأويغور على الرحيل منه، إضافة إلى اعتقال 10% منهم، إذ قامت بحملات اعتقال جماعية لنحو مليون شخص منهم منذ سنة 2016م فيما يسمونه معسكرات "إعادة التأهيل" و"مراكز مكافحة التطرف" بدعوى إنهم متشددون وبحاجة للتثقيف! ويتم تعقيم النساء إجباريًا لمنعهن من الإنجاب، وكذلك فصل أبناء الأويغور عن آبائهم المعتقلين ووضعهم في مدارس داخلية بغرض محو ثقافتهم التي تراها الحكومة الصينية مختلفة عن الثقافة العامة للمجتمع والمطلوب ألا يبقى غيرها! وجميع ما يحدث من إجراءات في هذا الشأن يستحق أن يوصف بأنه عين الغباء ويستحيل تحقيقه على أرض الواقع. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118].

الثراء الثقافي للشخصية المصرية

في مقدمته الشهيرة أضاف ابن خلدون قسمًا رابعًا إلى ما سبق وذكرناه من العرب؛ وهم العرب المستعجمة وهم أبناء الأعاجم الذين دخلوا في نفوذ الدولة الإسلامية. والعجم هو اصطلاح يشمل كل من ليسوا عربًا.

وإن أردنا أن نصف من منظور أنثروبولوجي علاقة المصريين بالعروبة فإن المصريين –ومنذ العصور الوسطى- ينتمون إلى القومية العربية وإن لم يكونوا من العِرق نفسه، والقوميات عادة تخلو من النقاء العرقي، والسبب في ذلك الانتماء هو اللغة العربية في المقام الأول. وإن كان يصعب ضم المصريين والعرب في مجموعة إثنية واحدة بأريحية؛ فالتراث الثقافي المصري إجمالًا –والثقافة أوسع وأشمل من اللغة- يتشابه في ملامح كثيرة مع التراث الثقافي العربي، ولكن تبقى مساحة الاختلافات واسعة.

وقد انتشرت صورة لفترة على صفحات موقع الفيسبوك تظهر فيها بعض الآثار والتماثيل الفرعونية باعتبارها آثارًا مصرية وفي المقابل منها بعض رموز الثقافة البدوية، وتدعو الصورة المصريين لرفض العروبة والانتصار لعِرقهم القبطي! وقد تداولها بعضهم وتحمسوا لها، وهؤلاء الذين تشدقوا بالمصرية رافضين العروبة بعضهم مسلمون وبعضهم مسيحيون، ومنهم من لا ينتمون عرقيًا إلى قدماء المصريين كما تبدو من صفاتهم الظاهرية التي تؤكد أن جيناتهم أقرب للساميين، ثم إنهم تناسوا أو يتناسون أن الوضع قد حُسم من قديم بتخلي أجدادهم عن اللغة القبطية حتى لم تعد تستخدم سوى في الكنائس فقط، واللغة هي أساس القومية كما أسلفنا.

أستطيع أن أتفهم أن كثيرًا من المصريين قد اختنقوا بعض الشيء في السنوات الأخيرة من بعض العرب بسبب تدخلاتهم وتعليقاتهم على اختياراتنا السياسية، وبسبب محاولات بعض الجماعات الدينية المتطرفة طمس الهوية المصرية، ولكن لا ينبغي أن يكون رد الفعل بهذا العنف، وإلى درجة تفقد المصري هويته العربية تدريجيًا.‏

في كتاب "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان" لعالم الجغرافيا الفذ د. جمال حمدان فصل قصير هام بعنوان ‏"تعدد الأبعاد والجوانب"‏، وهو من أهم فصول الكتاب الذي اختاره د.جمال ليترجمه إلى الإنجليزية. وأعتقد أن كثيرين بحاجة إلى قراءته ليضبط تفكيرهم بخصوص حالة استقطاب الهوية التي يحاولون إيقاع ‏الشخصية المصرية فيها؛ فمن لم يفهم كيف أن مصر آسيوية وأفريقية وعربية ونيلية ومتوسطية معًا لم يفهم كيف أثرت عبقرية المكان في هذا ‏الشعب، ولا من أين أتى تميزه.

وما أراد د.جمال قوله إن الثقافة المصرية بقوتها امتصت كل التأثيرات الثقافية التي جاءتها من موقعها الجغرافي ‏العبقري كملتقى للقارات والذي لم يكن طاردًا للبشر المسالمين العابرين من مكان لآخر عبر مصر، ومن ظروفها ‏التاريخية التي نشأت من الغزوات المتكررة من أعراق وأجناس مختلفة، ثم أفرزت مصر ما امتصته لتكون ثقافة ‏عظيمة نشأت من تلاقح ثقافات كثيرة.‏

ولا شك لدي –رغم التدهور الحضاري البادي- أن الشخصية المصرية لا زالت لديها أسباب للثراء الثقافي، نستشعره من خلال التعامل مع المصري البسيط؛ فلديه مخزون كبير من الخبرات والحكمة لا يمكن تفسيره إلا بأنه مكتسب من خلال ‏البيئة لأن مثله لم يتعلم تعليمًا نظاميًا، كما أن نظامنا التعليمي ذاته أصبح ضحلًا ولا يمكن أن يُدعى أنه يدعم الثقافة ‏بأي حال من الأحوال. ‏

ولو كانت مصر منغلقة على ثقافتها القديمة ما كانت هذه العظمة في شخصية المصري التي تظهرها التحديات، ومن ‏وجهة نظري فإن ذلك يفسر سبب تراجع ثقافة الشعب المصري ككل، وأعني الثقافة الفطرية وليس فقط ثقافة الكتب. ‏ففي العقود الأخيرة انغلق المصريون على أنفسهم بشكل لم يحدث مسبقًا في تاريخهم، وحتى متابعاتهم الإعلامية ‏تكاد تقتصر على القنوات المصرية، بينما باقي العرب يتابعون قنوات من كل البلاد العربية ما زاد ثراءهم الثقافي ‏وتراجع في المقابل المخزون الثقافي المصري، لذا أرى أن دعاوى استقطاب الهوية والإصرار على مصرية ‏مصر فقط ستؤثر علينا ثقافيًا بشكل سلبي، وينبغي أن نعي هويتنا الثقافية المركبة الثرية، وأن مصر شجرة لها جذور قوية ولكن فروعها طُعِّمت من أشجار ‏أخرى ما أكسبها نكهتها.‏

خاتمة

في مقال "أن تكون من الفئة الغالبة" سبق وتحدثنا عن الرغبة في التميز، والتي توجد داخل الإنسان، فإن لم يتمكن من تحقيقها بأعماله الفردية، حققها من خلال الانتماء إلى جماعة، وكثير من الجماعات التي صارت تتكون تحت أي اتجاه؛ ديني أو سياسي أو رياضي وغيره صارت بديلًا للأعراق وللقومية، والتعصب لها ربما يفوق التعصب للأعراق، حتى إنني كثيرًا ما أقول إن الإخوان يظنون أنفسهم "جماعة الله المختارة".

ومثل ذلك يُقال عند ذكر جماعات الخوارج القديمة كالباطنية الإسماعيلية النزارية، والذين ذكرتهم في مقال مؤخرًا بعنوان "جدود وأحفاد ريا وسكينة"، واتهمني بعضهم بأنني أتطرف ضدهم عرقيًا! علمًا بأنهم لا ينتمون إلى عرق واحد؛ بل هم حثالة ما في جميع الأعراق الشرقية، حيث تجمع الحثالة من العرب والقبط والفرس والأرد والترك والزنج واندمجوا في هذه الجماعة!

إن النقاء العرقي أكذوبة، وصحيح أن ابن آدم نسبه لأبيه، ولكن ابن الأخت منهم، وجميعنا نحمل جينات عربية وقبطية وتركية وهندية وفارسية وأمازيغية وغيرها، فلا داعي للتعالي على عباد الله بآخر ما ينبغي أن نتعالى به، فأي منا لم يكتسب نسبه بكده، وفرق كبير بين أن يعرف الإنسان قدر نسبه ليتذكر أصله الطيب ويحافظ على الأثر الصالح لأجداده، وبين أن يتفاخر بنسبه ويمشي يتيه به على خلق الله.

والمشكلة أن المتطرف عرقيًا هو نتاج تربية وتنشئة تجعله يظن نفسه وجماعته العرقية أعلى قدرًا من غيره من البشر ممن لا ينتمون إلى العرق ذاته، ولا يعي أن كل متطرف عرقي ينتمي إلى أي عرق آخر يُربى على ما تربى هو عليه، ويبقى كل منهم يظن أن باقي البشر يحسدونه على انتمائه العرقي، إلى درجة أنه لا يدرك أيضًا أن بعض الأعراق تُربى على احتقار أعراق أخرى، وأن غيره من المتطرفين على شاكلته يحقره لأجل عرقه!

ومما يساعد على التطرف العرقي تجمع الأفراد الذين ينتمون إلى العرق الواحد وعدم تفرقهم في البلاد، بينما يخفف اختلاط الأعراق وعدم تجمع عرق معين في مكان واحد التطرف بينهم، فيقلل درجته ويساعد البشر على الاندماج. ولعل السفر وكثرة الترحال العلاج الأنجح للتطرف العرقي ولكل تطرف؛ كونه يفتح عين المتطرف على اختلافات البشر ويجعله أقرب لتقبلها.

 

د. منى زيتون

 

 

فارس حامد عبدالكريمنظرة الى قواعد قوانين أصول المحاكمات الجزائية الحديثة

لم يواكب قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي التطورات الفقهية والتشريعية الحديثة، هذا القانون يوصف في فقه القانون بانه (قانون حماية الحريات العامة).

لأنه يضمن لكل من يشتبه به ارتكاب جريمة ما انه سيخضع لمحاكمة عادلة علنية يتاح له فيها حق الدفاع عن نفسه، وقواعد الإستماع للشهود ومناقشتهم، لتتوصل المحكمة الى توجيه التهمة له من عدمها، واذا وجهت له التهمة فهو في حكم البرئ منها حتى صدور حكم بات فيها،  (المتهم بريء حتى تثبت ادانته) ويتفرع منها مبدأ (ان الشك يفسر لمصلحة المتهم). ومن ثم الطعن بالأحكام الصادرة بحقه امام المحاكم العليا بإختلاف تسمياتها في الدول (التمييز، النقض، العليا، ...).

وواقع الحال ان التعامل مع الجريمة والمشتبه بهم بإرتكابها لايزال من الناحية التشريعة يجري وفقاً للقواعد القديمة التي بدأت الدول المتحضرة بالتخلي عنها تدريجياً ... وملخص ذلك، مايأتي؛

*اذا نسبت جريمة الى شخص ما، فكان يسمى ب (المتهم) ثم لاحقاً استبدلت التسمية ب( المشتبه به) بينما نص قانون الإجراءات الفرنسي لسنة 2000 على تسمية جديدة هي (الشخص محل الفحص).

قاضي الحريات العامة

لاحظ فقهاء التشريع في فرنسا ان قضاة التحقيق يميلون الى توقيف المشتبه به ابتداءاً لمحاولتهم كشف ملابسات الجريمة بأسرع وقت وتحقيق سمعة جيدة لهم، ولكن هذا التصرف قد حد من حريات الكثير من المواطنين بالتوقيف ثم تبين لاحقاً انهم ابرياء تماماً، ولذلك اوجد التشريع قاض آخر يدعى قاضي الحريات العامة، فإذا اراد قاضي التحقيق توقيف شخص فعليه ان يكتب الى قاضي الحريات بذلك مع بيان الأسباب والمبررات ومن يقرر الموافقة على التوقيف من عدمه.

* إجراء التحريات اللازمة قبل الأستدعاء

اذا اتهم شخصاً ما شخصاً آخر بارتكاب جريمة فلا يتم استدعاء الأخير لمركز الشرطة او المحكمة إلا بعد إجراء التحريات اللازمة وزيارة المحققين له في منزله ومناقشته حول ذلك مثل تحديد مكان تًاجده وقت ارتكاب الجريمة.

* التخلي عن قفص الاتهام

كثير من التشريعات تخلت عن ظاهرة وضع المتهم في قفص لإخلال ذلك بكرامته وكرامة عائلته مادام القانون يعتبره بريئاً قبل الإدانة، وقد يحكم ببراءته فعلاً.

وقد طبق هذا الامر لأول مرة في العراق عند محاكمة ازلام النظام السابق.

* خيارات العقوبة

منح القاضي خيارات متنوعة للحكم بالعقوبة بدلاً عن الإيداع في السجن بالنسبة لجرائم معينة، كالقيام بخدمات إجتماعية محددة وتوسيع مديات الغرامة بدلاً عن السجن.

* بين قانونين يكمل أحدهما الآخر

فإذا كان قانون العقوبات يعنى بقواعد التجريم والعقاب وفقاً لمبدأ قانونية الجريمة والعقاب (مبدأ الشرعية).

فان قانون الأصول يضمن تحقق الغاية من التجريم والعقاب وضمان ان الحرية الفردية لن تهدر اثناء التحقيق والمحاكمة، وقد قيل بحق ان قانون العقوبات إنما وضع لمواجهة الأشرار وان قانون الأصول الجزائية وضع لحماية الشرفاء .

* قواعد أصيلة للحريات العامة

ومن القواعد الأصيلة المرتبطة برابطة وثيقة بحرية الانسان وكرامته، قاعدة ان (المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

النتائج المترتبة على مبدأ اصل البراءة:

تترتب على مبدأ أصل البراءة عدة نتائج بالغة الأهمية، هي:

اولا: لا يرغم المتهم على إثبات براءته وبخلافه يعتبر مذنبا، لأن الأصل فيه انه بريء .

فيقع عبأ إثبات التهمة على عاتق سلطة التحقيق او الاتهام وفقاً لقواعد الإثبات في القضايا الجزائية، ولا يلتزم المتهم بتقديم اي دليل على براءته ولا يجوز اعتبار ذلك دليلا على ارتكاب الجرم، وكذلك الحال عند التزامه الصمت، الا ان له الحق في أن يناقش الادلة التي تتجمع ضده وان يفندها او ان يشكك في قيمتها . كما له ان يقدم طواعية أية أدلة تثبت براءته . او ان يعترف بالتهمة .

كما ان مهمة قاضي التحقيق او الادعاء العام او المحكمة المختصة لا تقتصر على إثبات التهمة فهي في النهاية أجهزة من أجهزة العدالة مهمتها الأصلية إثبات الحقيقة، ذلك ان فكرة العدالة لا يمكن ان تبنى على الوهم او القناعات الزائفة . ومن ثم ينبغي على هذه الأجهزة العدلية ان تتحرى عن هذه الحقيقة من خلال تدقيق وتمحيص الادلة، وعملية التحري هذه تدور حول التحقق مما اذا كانت هناك أدلة كافية يمكن ان تدحض أصل البراءة من عدمها .

وفي نطاق موانع العقاب او أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي عن النفس او المال او عن نفس او مال الآخرين، فانه يجب على المتهم ان يتمسك بالدفع بمانع العقاب او سبب الإباحة دون ان يلتزم بإثبات صحته الا طواعية لأن الأصل في الأشياء الإباحة . كذلك الحال بالنسبة لكل دفع يدفع به المتهم لو صح لتخلفت أركان الجريمة.

ثانيا: الشك يفسر لصالح المتهم لأنه يقوي أصل البراءة فيه والأصل لا يزال الا بيقين .

فإذا شك القاضي في ان المتهم قد اتى الفعل او لم يأته بناءا على أدلة غير كافية او كان يناقض بعضها البعض، فالأصل انه لم يأته .

وإذا شك ان كان قد أتاه استعمالا لحق أم عدوان فالأصل انه استعمالا لحق تأكيداً لأصل البراءة .

وإذا كانت الوقائع المسندة للمتهم ثابتة الا انه قام شك في تكييفها هل هي سرقة ام خيانة أمانة ام حيازة مال مسروق مثلا، فالعبرة بالوصف الأخف لأنه القدر المتيقن .

ثالثا: اي ضعف في الادلة يقوي أصل براءة المتهم ولا تفترض إدانته ولا تجوز إدانته بناءا على اعتقاد قوي وإنما بناءا على الجزم واليقين .

إن الجمع بين مبدأ أصل البراءة مع مبدأ ان الحكم بالإدانة لا يكون الا بناءاُ على الجزم واليقين يترتب عليه أن يكون هناك فرق جوهري بين الحكم بالإدانة والحكم بالبراءة، فحكم الإدانة يجب أن يبنى على الاقتناع بأدلة الإثبات، بينما يكتفي بالنسبة لحكم البراءة أن يؤسس على الشك في الاقتناع بهذه الأدلة.

رابعا: لا يجوز إدانة المتهم بناءا على قول المدعي وحده. لان المدعي يدعي خلاف الأصل والمتهم محصن بأصل براءته وبالتالي فالقول قوله لموافقته هذا الأصل وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعاواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

خامساً: يجوز الاستناد الى دليل استخلص او تم الوصول إليه بطريق غير قانوني للحكم بالبراءة، بينما لا يجوز الاستناد إليه للحكم بالإدانة، حسب الأصل .

سادساً: تعد مخالفة دستورية جسيمة ان يضمن المشرع تشريعاته قرائن قانونية تتعارض مع اصل البراءة . كاعتبار فعل او سلوك قرينة اثبات على ارتكاب الذنب مما يرتب على المتهم التزاماً بدفع هذه القرينة ابتداءاً، لان اصل البراءة كمبدأ دستوري يجب ان يغطي كل الاجراءات وكل مراحل الدعوى الجزائية، ولا يجوز نقض هذا الأصل الا بأدلة جازمة تتكون بواسطتها عقيدة المحكمة . ومع ذلك جوز المجلس الدستوري الفرنسي تضمين النصوص العقابية قرائن على توافر الخطأ في بعض الأحوال وخاصة بالنسبة للمخالفات بشرط كفالة حق المتهم في اثبات عكس هذه القرائن وبشرط ان تكون نسبة الخطأ الى المتهم واضحة ومعقولة . ومن امثلة القرائن القانونية التي اقرها المشرع الفرنسي التي تنفي اصل البراءة قرينة (القوادة) وتفترض توفر الركن المادي لجريمة في قانون العقوبات، القرينة المفترضة بالنسبة لشخص يعيش مع من تمارس البغاء ولم يستطع تقديم ما يثبت مصدر مشروع لموارده المالية، وكذلك بالنسبة لشخص له علاقة معتادة مع مروج او مروجين للمخدرات ولم يستطع تقديم ما يثبت مصدر مشروع لموارده المالية . وبالنسبة للقرائن التي تفترض توفر الركن المعنوي ما ورد في قانون الصحافة لسنة 1981، من افتراض سوء النية بالنسبة لإعادة إنتاج مواد تتضمن قذفاً بحق الغير.

الا ان المحكمة الدستورية العليا المصرية رفضت إقرار مثل هذه القرائن واعتبرتها غير دستورية، حيث ذهبت الى القول بأنه في الجريمة غير العمدية يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التي تكونها. وهي عناصر لا يجوز افتراضها او انتحالها.

وقضت هذه المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته المواد (37، 38، 117) من قانون الكمارك رقم 66 لسنة 1963 التي نصت على قرينة تحقق التهريب على مجرد النقص في عدد الطرود المفرغة او محتوياتها عما أدرج في قائمة الشحن.

كما قضت بعدم جواز إدانة شخص على اساس الاشتهار بارتكاب جرائم معينة، كما قضت بعدم دستورية النصوص التي تتبني قرينة افتراض العلم المسبق وتوافر القصد الجنائي لدى المتهم لان في ذلك هدر لأصل البراءة وباعتبار ان ذلك مخالف للدستور الذي نص على هذا الأصل.

ومن المعلوم ان رقابة المجلس الدستوري الفرنسي هي رقابة سياسية وليست قضائية وسابقة لصدور التشريع في حين ان رقابة المحكمة الدستورية المصرية هي رقابة قضائية لاحقة لصدور التشريع، ومن الطبيعي ان يقبل السياسي ما لا يقبله القاضي.

سابعاً: تمتد الحماية القانونية لتغطي أصل البراءة حتى خارج نطاق الإجراءات القضائية. حيث يعتبر المساس بأصل البراءة عن طريق النشر والإعلام في أية وسيلة متاحة للعامة جريمة يعاقب عليها القانون وفقاً لنصوص القذف والسب حسب الأحوال. وفي نطاق القانون المدني يعتبر النشر الذي يتضمن قذفاُ او سباً خطأً تقصيرياً يستوجب التعويض.

ثامناً: حق التعويض عن التوقيف عند غلق الدعوى أو الحكم بالبراءة.

أقرت بعض التشريعات حق التعويض عن التوقيف (الحبس الاحتياطي) عند غلق الدعوى أو الحكم بالبراءة دون حاجة لإثبات حصول ضرر كما كان مقرر سابقاً، ولم يعد ذلك مجرد رخصة للقاضي فالحكم بالتعويض فيها واجب، وطبقاً لقانون الاجراءات الفرنسي لسنة 2000، والذي توسع في التعويض عن التوقيف، لا يجوز رفض طلب التعويض الا في ثلاث حالات هي، تأسيس غلق الدعوى على توافر عاهة عقلية عند المتهم، أو صدور عفو عن المتهم عقب حبسه احتياطياً، أو أن يثبت أن المتهم قد اتهم نفسه لتمكين الغير من الإفلات من الاتهام.

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

 

قاسم حسين صالحلمناسبة مئوية الدولة العراقية

كنت قضيت ربع قرن في تدريس مادة (الشخصية) فوجدت ان النظريات التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف (يعني الشجاع يبقى شجاع طول حياته) لا تنطبق عليها، وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية تجاهلت تأثير السياسة (السلطة، النظام) في تشكيل الشخصية. ولقد مكنتنا متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية من تقديم اضافة معرفية عراقية لعلم نفس الشخصية نصوغها بما يشبه النظرية كالآتي:

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان للنظام السياسي الدور الرئيس في هذا التغيير).

سنقارن هنا سلوك الشخصية العراقية عبر نصف قرن من الزمن الممتد بين نظامين: الدكتاتوري (35سنة) والديمقراطي (18سنة).. آخذين بالاعتبار أن ما نشخّصه فيها لا يستوفي صيغة التعميم ولا يشمل كل المواقف، انما الغالبية من العراقيين والشائع المؤثر من المواقف.

الشخصية العراقية زمن النظام الدكتاتوري

احدث النظام الدكتاتوري تحولات اجتماعية في اربعة مواقف سلوكية باربعة انواع بارزة من الشخصية العراقية، هي:

1 - الشخصية السادية.

2- الشخصية الماسوشية.

3- الشخصية المقهورة.

4 -الشخصية المتمردة (الثورية).

بعيدا عن اصل السادية والمازوشية وعلاقتهما بالسلوك الجنسي، فان المقصود بهما هنا وجود شخصين (كيانين، جماعتين..) احدهما يمارس القوة والآخر مستسلم لها.ومن خصائص السادية أن صاحبها يعمد إلى ذمّ الآخرين وازدرائهم والتقاط عيوبهم وتحقيرهم والبحث عن أخطائهم وتضخيمها من أجل معاقبتهم بشدّة، وتسيطر عليه دوافع تدفعه قسرا إلى تدمير سعادة الآخرين وتبديد آمالهم.

والحق، ان صدام حسين ما كان أول حاكم سادي في العراق، فالسلطة فيه مارست عبر أكثر من ألف سنة مختلف الأساليب التي تجعل الناس ينظرون إلى "الخضوع" بوصفه حقا لها وواجبا عليهم، ويتقبلون آلامهم ولا يشكونها حتى لأنفسهم، ليتحقق من خلالها (معادل نفسي) طرفاه "السادية " و"المازوشية" يمنح السلطة الشعور بالاطمئنان على ديمومتها.

ولقد بدأ تدجين العراقيين على السلوك المازوشي في سبعينيات القرن الماضي، آخذا شكل الترغيب والترهيب للانتماء إلى حزب البعث، ثم الإجبار على الالتحاق بالجيش الشعبي بمن فيهم اساتذة الجامعات، وعسكرة الناس الذي يعد من أعلى الممارسات في (معادل) السادي – المازوشي بين السلطة ورعاياها، والمبالغة في أساليب إذلال الناس وتحقيرهم، أقساها.. أخذ ثمن الطلقات من أهل المعدوم الذي تم بها قتله، وعدم السماح بإقامة مجالس العزاء للذين تعدمهم السلطة، والإعدام في الساحات العامة للهاربين من الجيش.. فضلا عن انه خلق حالة من الخوف والرعب الجمعي والرقابة الأمنية المؤسسية والحزبية، ليوصل الفرد العراقي إلى أقصى حالات اليأس المتمثلة بتوليد يقين لديه بأن تقرير مصيره بيد السلطة وحدها التي لم تستطع أن تطيح بها ثلاثة حروب كبيرة وحصار شامل لثلاثة عشر عاما. حتى "البطاقة التموينية" كان لها دور سيكولوجي في إشاعة المزاج المازوشي بتوليد وتقوية الشعور لدى المواطن بأن الدولة هي التي تطعمه وهي خيمته التي يستظل بها، وأن عليه أن يخضع لها حتى لو كانت ظالمة.

والمفارقة انه نجم عن المبالغة في ممارسة السادية من قبل السلطة، مبالغة في ممارسة المازوشية بين الناس، وكبت ملأ الحوصلة، وحقد يغلي من الداخل ينتظر لحظة الانفجار ليشفي غليله في انتقام بشع.. وقد حصل!.. من قبل الشخصية المتمردة (الثورية) التي اوجدها ذلك النظام بين أفراد الأسر المنكوبة بضحاياها بشكل خاص.فلقد شهدت بأم عيني كيف وضعوا اطارات السيارت حول رقاب بعثيين وأحرقوهم وهم احياء.واذا كان هذا على صعيد جماهير دفعها الشعور باخذ الثأر بهذه الطريقة البشعة، فأن النخبة السياسية والمثقفة من هذه الشخصية اصدرت قانونا اسمه (الاجتثاث).. الذي يعني القلع من الجذور، والمشحون بانتقام جسدي ونفسي واقتصادي واجتماعي بشع.

ولقد انتج النظام الدكتاتوري اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني مصطفى حجازي يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاء لشرّه او طمعا في رضاه.ويضيف حجازي ان ما ينجم عن هذه العلاقة هو تغذية نرجسية السيد لمزيد من تضخيم اناه وجعل الانسان المقهور تابعا له واداة في خدمته.. اذ لا اعتراف الا بأنا السيد، لا حياة الا له، لا حق الا حقه.. وينتهي الامر بالانسان المقهور الى الاستكانة والاستسلام والتبخيس اوالحط من قيمته كانسان يعاني كل انواع الحرمان.. لكنه ما ان يجد السيد قد ضعفت سطوته او فقد هيبته او اطيح به، فان ما كان مكبوتا بداخله ينفجركالبركان.. فيدفعه انفعاله الى الانتقام من كل ما يحسبه انه للسلطان.

وكان ان نجم عن ذلك انتهاك الملكيتين العامة والشخصية.فبعد هزيمة جيش النظام بغزو الكويت (1991)، وسقوط السلطة في اغلب المحافظات العراقية، وجهّت ضربة جديدة للمنظومة القيمية في المجتمع استهدفت الملكية العامة المتمثلة بمؤسسات الدولة، تبعها حصار نجم عنه انتهاك قيمة احترام الملكية الشخصية، اذ شاع في تسعينيات القرن الماضي حالات السرقة بشكل عام، وسرقة السيارات المصحوبة بالقتل. وكنت اجريت وقتها دراستين، التقيت في الأولى بعدد من مرتكبي جرائم السرقة بسجن ابو غريب، وتحاورت معهم في جلسة (ديوان) عن الاسباب التي تدعوهم للسرقة، فاجابوا انها العوز والفقر وعدم وجود مصدرعيش لهم ولعوائلهم.وحين سألتهم: ماذا لو اطلق سراحكم الآن؟ أجاب خمسة منهم انهم سيسرقون اول سيارة يرونها في الشارع!. اما الدراسة الثانية فقد اجريت على عصابة من ستة اشخاص قامت اواسط التسعينيات بسرقة سيارات (سوبر ياباني تحديدا) وقتل اصحابها.وكان زعيمها في الثامنة والعشرين قتل ستة اشخاص واخذ سياراتهم. وحين سالته: لو انهم البسوك البدلة الحمراء واقتادوك فجرا الى الاعدام فعلى ماذا ستندم؟، اجابني: اندم لأنني لم اقتل اكثر!.. ما يعني ان استسهال (قدسية الحياة) كانت أبشع تحول اجتماعي حصل للعراقيين.

وباستثناء الشخصية العراقية السليمة التي ظلت متماسكة في منظومتها القيمية، فان معظم الشخصيات التي استلمت السلطة (سلّمت لها من المحتل- المحرر) هي من الشخصيات التي تعاني الشعور بالقهر والظلم والحيف والجور، وجدت الفرصة لتنطلق منها الشرور.. ضد المستبد واجهزته القمعية واتباعه اولا.. ثم ضد الأخوة الذين حولّهم صراعهم على السلطة والثروة الى اعداء. وكان ان حدثت تحولات كبيرة في الشخصية العراقية بالزمن الديمقراطي تثبت صحة نظريتنا ان سلوك الشخصية ليس ثابتا ومستقرا عبر الزمن والمواقف، وان نوع النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

صادق السامرائيالإنتحار فعل عدواني موجَّه ضد النفس أو الذات البشرية، وهو سلوك محير ومعقد وفيه الكثير من الدوافع المركبة والشديدة التشابك، والتي تتفاعل فيما بينها لتسوّغ للفرد الإجهاز على نفسه وقتلها.

ووسائل الإنتحار متنوعة، وأكثرها شيوعا إطلاق النار على النفس، أو شنقها أو أخذ جرعات كبيرة من الأدوية، وغيرها من الوسائل الأخرى، التي يبدعها الشخص الذي يقرر قتل نفسه والإنقضاض القاسي على حياته.

وفي أغلب الأحيان يكون لمرض الكآبة وتعاطي المخدرات دور كبير في دفع البشر إلى الإنتحار.

لأن الشخص عندما يكون مكتئبا يرى من الحياة  الوجه الأسود القاتم، ولا يمكنه أن يفسر الأحداث والمتغيرات من حوله إلا بسوداوية ويأس، ويستحضر كل الذكريات الأليمة، التي تتراكم في دنياه لتصنع عالما خانقا وشديد الظلام، لدرجة أنه يتحول إلى جثة مدفونة في قبر الذات الأسود.

ويساهم الخمر في تفاقم الكآبة وتسويغ الأفكار الإنتحارية وتنفيذها، لفقدان القدرة على التقدير الصحيح في حالة السكر والثمالة.

ومع تداعيات اليأس وخيبات الأمل، وتراكم المعطيات القاهرة والتعجيزية، وتزايد الضربات الإحباطية والمأساوية، يتحول البشر إلى حالة داخلية مشلولة لكنها متحركة ظاهريا.

وتأخذ مفردات إتخاذ القرار بقتل النفس بالتكاثف والتعاظم، حتى يجد الشخص المنهوك نفسيا وفكريا، والمفرّغ روحيا والخمر يعبث في دماغه ويصادر حكمته، أن لا سبيل أمامه لحل التفاعلات الأليمة المتفاقمة  إلا بقتل النفس.

أي أنه يمضي في تمحيص الخيارات لفترة ما من الزمن حتى يركن إلى قرار الموت، ويعتبره هو الحل الأمثل لما يعانيه ويغرق فيه من غيوم الظلام والألم والحزن، الذي خيم على كل خلية في جسمه وأغلق نوافذ الأضواء، وحوَّله إلى وجود يائس في غرفة بلا أمل أو معنى.

وغالبا ما يميل الشخص الذي يهم بالإنتحار إلى العزلة، والإبتعاد عن منبهات الحياة، والخلو إلى إرادة الموت وإستلطافها والتفاعل معها على أنها هي الحياة.

ويحقق الإنتحار هربا سريعا من الآلام العاطفية والنفسية والروحية القاسية، التي لا يطيقها الجسم البشري ويقرر صاحبه أن ينجو من جحيم الآهات المتأججة في أعماقه، بالسقوط في عالم الموت المجهول الذي يتصوره كحالة أخرى أرحم من الحياة القاسية، التي يئن من أثقالها ومواجعها.

إن هذا الإنحدار إلى نقطة الفناء القاتمة يدفع نحو الخلاص من المحنة النفسية المروّعة، بقرار أشد رعبا وهو قتل النفس والتخلص منها وتدمير وجودها.

وهناك العديد من الذين حاولوا الإنتحار وتم إنقاذهم، والذين عبروا عن أسفهم الشديد لقرارهم، وأن بعضهم قد إجتاحه الندم وهو في حالة التنفيذ كالقفز من الأعالي.

وقرار الإنتحار يكون خاطئا لأنه لا يتفق وبديهيات الحياة، فلا يمكن أن يكون للمشكلة أيا كانت حلا واحدا فقط، لكن المنتحرين يجدون أنفسهم في زاوية ضيقة وخانقة تحرمهم من القدرة على النظر لخيارات أخرى، ويتنامى أمام أنظارهم قرار الإنتحار على أنه القرار الذي لا يوجد غيره في تلك اللحظة  الكئيبة السوداء، التي سقطوا فيها فيقدِمون على إذكاء دخان المأساة.

وعندما تتوافد المشاعر والأفكار والتصورات اليائسة إلى شخص يمارس الإبداع، وينشغل في الخلق الفني ويرى الأحداث من حوله بروحه المتطلعة إلى الأمل الكبير، وإحساسه المرهف المشحون بالتفاعلات الإنسانية الحارة، يكون عنده هضم الأمواج السوداوية عسيرا والتفاعل معها قاسيا ومؤلما وغريبا وربما فجائعيا، لأن تمثل الأحداث المتفوقة على خيال المبدع يؤدي إلى مآسي وأوجاع بدنية وروحية مبرحة، وإندفاع بإتجاه الهرب من المواجهة والتفاعل مع الوضع القاسي والأليم لحد الموت بأساليب لا تخطر على بال الآخرين.

فعندما تتحول القيم إلى مأساة، والدين إلى مصيبة، والوطن إلى سجن للعذاب والموت والتمزق، وعندما يغيب الأمن والأمان، وتفقد الحياة أبسط معاييرها الأخلاقية وأبجديات صيرورتها المعاصرة.

هذه التداعيات المخيّبة للآمال في زمن التوقد الحضاري والتطور الإنساني السريع، تدفع بالمبدعين إلى زاوية الحيرة، وتقذف بهم في لجج الصدمة وتطلق فيهم أحاسيس الغضب والحنق على الذات، وتشعل في كيانهم مواقد تأنيب الضمير، فمنهم مَن يلجأ إلى مملكة إبداعه ويأخذ بتسطير ما يجيش في نفسه وخياله، وبعضهم يهرب من كل شيئ ويعاقر الخمر والكآبة ويغرق فيهما إلى حد الموت.

وقد لاحظنا عددا من المبدعين في أعلى درجات اليأس والحزن والوجع الروحي والنفسي، والصراخ الوطني المدوي على السطور، وفي قسمات الوجوه ونظرات العيون.

مبدعون يُقتلعون من جذورهم ومنابع وجودهم ومواضع تألقهم، كالأزهار التي نبذت في العراء تبحث عن ماء يقيها من الذبول والموت الحتمي.

مبدعون يتشردون في أصقاع الدنيا ويتعذبون في ديارهم، الخوف يطاردهم والفرق الإجرامية وغيرها  تلاحقهم، وتريد أن تقضي عليهم بإسم الظلام والأوهام.

مبدعون في حالة إختناق رهيب، تصادر جميع حقوقهم الإنسانية، وترتكب بحقهم الجرائم   بإسم المثل والقيم العظيمة السمحاء السامية العلياء، وبإسم الحرية والديمقراطية والأصولية العمياء.

مبدعون يقرؤون في الصحف ما لا يمت إلى الحياة بصلة، ويتعجبون من الدفق الظلامي الذي تسيد على السطور، وأخذ يغذي الزمن المعاصر بأدب الأجداث وخطابات القبور.

مبدعون يريدون الخروج من الحاضر إلى المستقبل ويطيرون بأجنحة تصوراتهم وخيالاتهم إلى حيث التجدد والتطور والخلق والتواصل مع الأجيال، وإذا بهم أسرى كهوف ماضوية وعقد ظلامية، وتصورات أشد سوادا من الليل الداجي، وأكبر ثقلا من الأرض، وأعظم توحشا من  الوحوش الأرضية.

مبدعون بلا قدرة على التفاعل والأخذ بزمام الحياة والمشاركة في رسم خارطة التألق الحضاري

فاكتأبوا، لأن إبداعهم تحول إلى هشيم وأعمارهم إلى رماد، وما فعلوه في سبيل المستقبل المشرق المعاصر، قد صار تحت سنابك طوابير الظلم والظلام والجر المأساوي إلى الوراء.

مبدعون يسقطون في سجن الصمت واللاجدوى، ويتراكم عليهم اليأس والإحباط وتأكلهم الخيبة ويجهز عليهم القنوط، فما عادت الرؤية واضحة ولا أصبح عندهم بصيص أمل، فقرروا الإنتحار والثورة بوجه الواقع المرير وفي عرفهم أن الموت إبداع، فراحوا يعانقونه ويحسبونه الإبداع الأصيل والأخير، فاختاروه وجابهوه بطاقاتهم الخلاقة، وهم يصرخون نحن القادمون إليك ولن ندعك تقدم إلينا، فيسكرون بمآسيهم وأحزانهم وينتحرون!!

تلك قصة مأساوية وإبداع  مرير توّج ما يدور في بعض المجتمعات، التي تحوّلت إلى عالم من الويلات ومواطن للجحيم الذي ما بعده جحيم.

المبدعون الذين يتحسسون ويتألمون ما عادوا بقادرين على النظر إلى الحالة الدامية  المتفاقمة المترعة بالأوجاع الفائقة والآلام الصارخة، وقد خارت أقلامهم وتهدمت آمالهم وتفسخت أحلامهم في هذا الانحباس الظلامي، الذي خيَّم على أركان الحياة وحولها إلى ميدان عزاء ومسيرات ندب ودموع وبكاء أبدي.

المبدعون أخذوا يتحسسون دبيب الموت يسري في أجسامهم مبتدءً بالقدمين، ومن ثم الساقين وحتى القلب الذي سيختلج ويهمد ويقضي بالموت الجسدي الأكيد.

أيها المبدعون عليكم أن لا تيأسوا بل أن تواجهوا بإبداعكم الغيوم السوداء، وحتما سيبددها النور الإبداعي وضوء الحياة، التي لا يمكنها أن تأنس لخفافيش الدمار وعفاريت البلاء ، فالحياة مع الإبداع والمستقبل مع الإبداع.

وإرادة الإبداع أقوى القدرات اللازمة لصناعة الحياة الزاهية المترعة بالآمال، والملونة بالمحبة والأخوة والنقاء الإنساني الحر، الذي يحترم آراء الناس ومعتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية والروحية.

الحياة تتسع للملايين ولا يمكنها أن تخضع للظلام مهما طال، وتوهم بالقوة وتعبَّد في محراب الكراسي والقصور.

وقاكم الله من رياح اليأس وسيول الخيبات وثبَّت خطاكم، وأعانكم على القهر والتشرد والعوز والآلام والتعب، وأنتم تحملون أوطانكم في قلوبكم وأرواحكم وعقولكم.

فاستعينوا بالأمل والرجاء ولا تستكينوا لليأس أبدا، فلا حياة مع اليأس.

لا تستسلموا للكآبة ولا تسمحوا لعجلات الإحباط الثقيلة أن تدوسكم وتسحق آمالكم وتطلعاتكم، ولا تجالسوا وحدتكم وعزلتكم وتعاقروا الخمور، ولا تعزفوا على أوتار وِطانكم وحنينكم.

فلا بد من الخروج من رحم النقطة وجوف اللحظة إلى الفضاءات الحضارية والتأريخية المطلقة.

وأنتم تعرفون أن الوطن لا يموت، كالنهر الذي تتغير أمواجه، ومياهه تبقى متدفقة متجددة تسقي الحياة بمداد العطاء الكبير.

وعذرا أيها المبدعون الطيبون الأنقياء أينما كنتم.

مع المحبة والتقدير والأمنيات الرائعة بالعطاء الخلاق الذي يصنع الحاضر والمستقبل.

 

د. صادق السامرائي

 

محمد كريم الساعديإنَّ فهم الحياة على وفق التصورات المختلفة التي لا تخرج عن دائرة الفن ساهمت في أعطى الإنسانية أمكانية اكتشاف مساحات أخرى من المعرفة، سواء أكانت المساحات متفق عليها في التوجهات، أو مختلف عليها في رسم الملامح المستقبلية للفرد. كون الفن ساعد في تدوين التاريخ منذ البداية في الحضارات الأولى، وكذلك ساعد الإنسان في تجميل حياته منذ قدم العصور الأولى والى الآن، فالرسم على جدران الكهوف وتدوين شكل الحياة بزخارفها وما يبتغيه الإنسان في البدايات الأولى، أصبحت البداية مهمة في تشكيل الوعي لدى الإنسان من أجل إنتاج معرفة أولى تلتها مكملات أخرى أضافة لهذا الوعي منافذ أخرى أنتج من خلالها الإنسان صور للتفكير بما هو آت من مستقبل حاول فيه توظيف كل ما أضافه الفن.  فالفن نتاج فنان أسهم في أيجاد المعرفة في بعدها التاريخي، فإذا كان التدوين لدى الإنسان بمختلف مسمياته وتصوراته صنع التاريخ بوصفه مفهوم جامع للأحداث والوقائع،فإن الفن صنع للإنسان أدوات مهمة في إنتاج التاريخ أسهمت في تدوينه أيضاً . فالفن دخل في كل تفاصيل تشكيل الحياة الأولى وما تبعها من حيوات متقدمة في مجال الفكر الإنساني . فالملاحم فن، والطقوس فن والحياة المعيشية كانت قائمة على الابتكار الأول للأواني، والفخاريات فن أيضاَ، والانتصارات الأولى رسمت بالفن على جدران الحضارات التي زينت بالفن أيضاً.

إنَّ الفن في مضمونه يركز على الغرض الذي يقول فيه " أن الإنسان يستجيب لشكل الأشياء القائمة أمام حواسه وسطحها وكتلتها، كما ينتج تناسق معين متعلق بسطح وشكل وكتلة الأشياء، وينتج في صوره أحساس بالمتعة، بينما يؤدي الافتقار الى مثل هذا التناسق الى خلق شعور بعدم الارتياح،أو اللامبالاة، أو حتى عدم الرضا،أو النفور. إنَّ الإحساس بالتناسق الممتع هو الإحساس بالجمال والإحساس المضاد هو الإحساس بالقبح" (1)، ومن هذه الثنائية بين الجمال والقبح دوّن الإنسان حركة التطور لديه من خلال البحث عما هو جميل وممتع،وإبعاد ما هو قبيح وممل. إنَّ بحث الإنسان عن التناسق والإحساس به هو من دفعه الى أن يرى الأهرامات بشكلها الشاهق متناسقة، وبوابات بابل بألوانها المتأنقة التي تبعث المتعة والإحساس بالجمال كونها جاءت على وفق تناسق لوني مع الأشكال الفنية المرسومة، وهذه الحركة في الرسم والنحت والفخار، وحتى في إنتاج الطقوس العبادية المصاحبة للموسيقى كلها تدوين للجمال من أجل أن تسهم في إمتاع الروح والنفس لدى الإنسان صاحب الحضارات الأولى الذي أبدع التجربة والابتكار الأول في الفهم والوعي لأهمية الفن في حياة الإنسان، الذي أبدع تدوين التاريخ في حياته، وأصبح من الشواهد الداعمة في حياته المستقبلية . فملحمة كلكامش وبحثها عن الخلود، أو ملحمة الفراعنة في بناء الأهرامات وبحثهم عن الخلود بطريقة أخرى لحياة ما بعد الموت، أي خلود موتاهم من الملوك والقادة من أجل تخليد منجزاتهم، وتعد الأهرامات خير دليل عن هذا الخلود في الحضارة المصرية، من خلال بث الحياة في نتاجاتهم التي أصبحت فيما بعد خير دليل على إبقاء ذكرهم مستمر الى الآن . إنَّ البحثين عن الخلود وتدوينه في الحضارتين العراقية القديمة والمصرية القديمة هو فن وتدوينه يعد تاريخاً مصوراً لكلاهما. إنَّ من خلال الفن من الممكن أن نفهم التاريخ الذي دوّن بطرق تحمل معها ملامح خفية قام بها الأنسان بابتكارها من أجل تسطير صور حياتنا على مر المراحل وخصوصاً الأولى التي تخلو من وسائل التدوين وتقنياتها المتقدمة كما هو الآن .

إنَّ جدلية الفن والتاريخ جدلية قائمة على تبادلية الأدوار وإنتاج الوعي الإنساني الذي يعد العامل المشترك في لعب هذه الأدوار، فالفن أنتج من خلال الفنان، والتاريخ حفظ التجارب الفنية وغيرها من خلال المؤرخ، أي أصبحت مواضيع الفن في هذا الإطار موضوعات تاريخية، وموضوع للتاريخ نفسه، لذا فإن الفن " موضوع تاريخي، وليس شيئاً حاضراً لا زمانياً يتمثل للوعي الجمالي الخالص،ذلك أن العالم الفني ليس عالماً غريباً ننتقل من خلاله سحرياً الى فترة معينة من الزمان، بل العكس في الفن نفهم أنفسنا ونتعرف اليها من خلاله . إنَّ الفن معرفة والخبرة بعمل فني تعني المشاركة فيه (...) إنَّ الفن يمثل نموذجاً خصباً للحقيقة تنتمي الى عالم الأنسان المعيش وسياقه التاريخي الذي يحيا فيه "(2).وفي هذا المجال يصبح الفن أحد أهم أسباب تواصلية الإنسان مع التاريخ والحاضر والمستقبل، كونه من أهم مدونات الإنسان التاريخية الحية التي تسهم في نقل الخبرات المختلفة في إطار جمالي فني يحمل المتعة والسرور على الرغم من طبيعة موضوعاته المختلفة التي قد لا تخلو من بشاعة الانتصارات على حساب المهزوم، لكن عملية التدوين في إطارها الفني تعطي للعمل المقدم قيمته الجمالية والفنية في إطارها التاريخي.

إنَّ من صنع التجربة الأولى من أجل الاستفادة منها في حاضره ومستقبله فنان مبتكر ليس بوصفه فرد عادياً، بل مبدع أبدع تجارب بشكل متعاقب حتى شكل منها حقلاً معرفياً قابلاً للتدوين والتوظيف أيضاً في قابل حقب التجارب البشرية اللاحقة جمعاء. ولكن تأتينا أسئلة لابد من أن نجد لها أجوبة تفيد المتصفح للتاريخ والفنان معاً،أي (الفنان والتجربة المدوّنة)، ومنها: هل أن الفنان في بداياته الأولى هو من وضع الأساس لتشكيل التجارب الفنية التي ساهمت في صناعة تاريخ البشرية في وقتها السابق وفي قادم الحقب الزمنية متقصداً؟، أم أن التاريخ الذي دوّن فيما مضى دون قصد أصبح هو من يتحكم بتشكيل هذه الحقب الزمنية المتأخرة؟، أم أن حرية الفنان في أختيار التجارب فيما بعد هي من ساهمت في مجالات تطوره على مستوى الحياة المعاشة في حينها بجوانبها السلبية،أو الإيجابية؟. هذه الأسئلة التي تقع في ثلاثة خيارات متفرقة، من الممكن أن يستغلها الفنان في وقته المعاش دون تحديد الإطار الزمني الثلاثي (الماضي /الحاضر/ المستقبل).

إنَّ علاقة الفنان بالتاريخ علاقة إشكالية من الممكن أن نتسائل في مثل هكذا إشكالية جمالية فنية وتاريخية إنسانية: هل الجمال في العمل الفني في صورته الفنية يمكن النظر اليه دون الرجوع الى ما حمله من معاني أخرى في غائيته التاريخية المتقصدة في هذا العمل؟، مثلاً ما يحدث في هامشية الصورة من أعمال تعطي للقوة والسلطة المتفوقة في العمل الفني ملامح التفوق في العمل الفني، ومنها على سبيل المثال: ما دونه الرسام الفلورنسي (باولو أوتشللو 1397- 1457) في لوحته عن معركة سان رومانو التي يوضح فيها الصراع على السلطة وتفوق المنتصر، وفي خلفيتها يظهر ملامح من هو خارج الصراع ويسحق من أجل الوصول الى السلطة والتفوق . وعلى وفق هذه التصورات، هل يكون الفن شاهداً محايداً في النقل عن الأنسان ومدوّن جيد للتاريخ، على اعتباره أداة ناقلة للمشاهد المصورة في أطار فني قصدي، أو على العكس من ذلك يصبح الفنان مجرد باحث على لوحة يسطر فيها خيالاته التي يرى فيها مجرد محاكي لواقع يحدث أمامه دون أن يأخذ في تصوراته ما قد ينقل فيها من أشياء تدين ما يحدث دون أن يكون واعياً لذلك، والمهم لديه التفاصيل الجمالية التي عمل عليها وساهمت في نقل ما في  المشهد في أطار الجماليات الباحث عنها الرسام في اللوحة . وهل يمتلك الفنان حرية النأي عن المشاركة ويصبح محايداً وشاهداً وناقلاً للحقيقة من خلال أظهار المعاني الأخرى المخفية في إطار الصورة؟، مثلاً (عدو مهزوم تحت أقدام المنتصر، أو سبية تسحب من قبل الجنود، أو مدن تحترق) كما في لوحات عدد من الفنانين ومنهم لوحة الرسام (دييجو فيلاسكيز) عن (استسلام بريدا) والمدن المحترقة في خلفية اللوحة، أو كما في لوحة الموت للفنان (بيتر بروغل) الذي يصور فيها الموت للمنهزم، حتى وأن كان الذي قتل ليس له يد فيما حدث . وقد تكون بعض اللوحات التي ذكرناها وغيرها ليست لها علاقة بشكل مباشر بحادثة تاريخية معينة،أو منقولة عن قصة حقيقية حدثت في التاريخ، لكن أظهار طبيعة الحدث من حيث تصوير المهمشين في اللوحة وتمجيد السلطة ذات القدرات والنفوذ دون أدانة لها يعد من المسببات الواضحات على انحياز الفنان الى المنتصر صاحب القوة على حساب الضعيف في لوحته. هذه النظرة للعلاقة بين المدوّن للجميل والتاريخ الذي يرتبط بالعمل الفني، يجب أن ترسم العلاقة في أطار الأدوار لكل منهما، بعيداً عن كون أن التاريخ جزء من حياة شعب يفتخر بانتصاره، أو أن العمل الفني يدوّن الافتخار، يجب أعادة النظر في نماذج الفن التي وظفت في صناعة التاريخ وقراءتها على وفق الحيادية من أجل صياغة أخرى لتاريخها على وفق معطيات جديدة لهذا التاريخ الإنساني. وتعد هذه العلاقة هي إشكالية بحد ذاتها، كون أن الحقب الزمنية المتلاحقة لتواريخ متقدمة كتبت وأصبحت جزء من عقائد الشعوب ومسلماتها في ترسيخ وتدوين تواريخها . وهنا نتسائل: هل التاريخ يدوّن على وفق البقاء للأقوى؟، والقوة هي مصدر كتابته كما هي عند (نيتشه)؟، أم أصبح التاريخ وسيلة بيد من يبرره للوصول الى غاية معينة كما هو عند (مكيافيللي)؟. هل أن أعادة الفهم التاريخي من خلال التجربة المدوّنة التي صاغها الفنان في ما يريد أن يدوّنه، تساعد في فهم التاريخ من خلال قراءة الفنون في ضوء المعطيات الجديدة من العلاقة بين الفنان والتاريخ؟. وهل نستطيع أن نطرح رؤية في قراءة هذه الصور في ضوء ما نعيشه اليوم من متغيرات قد تفيد في تفسير ما قد لا نستطيع أن نراه بشكل مباشر على انه وقائع حقيقة لها الأثر الفاعل في حياتنا؟.

 

أ. د محمد كريم الساعدي

......................

المصادر

1- هربرت ريد: معنى الفن، ترجمة: سامي خشبة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998،ص 10.

2- هشام معافة: التأويلية والفن عند هانس جورج غادامير، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2010، ص37،ص38.

 

 

الحسين بوخرطةوأنا أحرص كل الحرص على تتبع كل ما يكتب في موضوع الهوية العربية عامة، والمغربية خاصة، والانتاجات الفكرية الرصينة في مجال تحديث التراث، أثارتني كل مرة بعض ردود أصحاب الفتاوى غير الرسمية، التي تحدث ضجيجا يصم الآذان، ويطمس التفكير في العقول، ويعكر صفوة النفوس ويوترها. إنه الضجيج الذي هيئت ظروف نفاذه في النفوس مبكرا بسبب تشبث الفقهاء بالمواقع في هرم السلط الحاكمة. فكلما تمت المطالبة بالمناصفة في كل القضايا التي تهم العلاقات الخاصة والعامة بين الجنسين، كنموذج من مطالب العصر الحداثي، تواجه الإجتهادات والتأويلات الداعية إلى مراجعة القراءات التقليدية للأحكام الشرعية المقيدة لعقل الإنسان المسلم وحريته الحقوقية والإبداعية، بخطابات عنيفة، ترتدي في أغلب الأحيان حلة التكفير بحماس التكبير.

فبعد أكثر من ثلاث عقود من الحراك بالمغرب الأقصى، ارتقت في نظري هذه القضية، قضية حرية المرأة، إلى إشكالية مصيرية، ومعقدة في نفس الوقت. لقد توالت الأحداث منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بجرعات كافية من الجرأة الفكرية، وأضفت على القضية طابع الاستعجال في الحسم فيها في المجتمع ومؤسساته. لقد فتح النقاش في مسألة إدماج المرأة في المجتمع، وتوج بمدونة أسرة جديدة، ارتقت، بعد تدخل أمير المؤمنين، إلى منتوج فقهي وفكري رصين وحكيم، اختتمت به معركة جدال عقلاني، حسم بمنطق تقدمي نسبيا في العديد من القضايا الشائكة، وفتح آفاقا أخرى للنضال في قضايا جديدة.

أما على المستوى الإسلامي عامة، فليس مستساغا، والشعوب تعيش سنوات العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، أن لا تتجند العزائم وتتكاثف قوتها من داخل الضمير الجمعي في كل قطر من الأقطار الإسلامية بالقدر الكافي لتفنيد الادعاءات والمزايدات الإنتهازية. لقد حان الوقت لتكسير القيود المصطنعة، وبالتالي تقوية مناعة هذا الضمير، والرفع من قدرته على مواجهة الطموحات الريعية. ارتفعت الأصوات مطالبة السلطات الشرعية في المجتمعات والدول الإسلامية للاستعداد بالجدية المطلوبة للتدخل الصارم للحد من الخطابات الكاذبة التي يسعى من ورائها روادها ومعتنقوها الاستمرار أطول مدة ممكنة في عملية الاستغلال الفئوي لعقل المواطن المسلم البسيط، ومن تم تيسير عمليات ابتزاز الأنظمة الحاكمة. لقد ألف هؤلاء المغتنمون العطاء والريع كشرط للمهادنة وإيقاف تحريضاتهم وتهديداتهم مؤقتا.

والحالة هاته، ارتقت الحاجة للاجتهاد لغربلة التراث من المكبلات الواهية إلى أحد الركائز الأساسية في حياة المجتمعات والأمم الإسلامية. لقد أبرزت الأوضاع الحاجة إلى إدماج وإشراك الرأي العام في مناقشة أهم القضايا التي تحكمت في طبيعة الاعتقاد المناوئ لمتطلبات العصر. لم يعد مجديا إهدار الزمن التنويري والتماهي مع التراكمات الهدامة لممارسة الابتزاز السياسي الريعي. إن المسؤولية في المجتمعات والدول الإسلامية تقتضي اتخاذ الإجراءات المدروسة والمبررة عقلانيا للحيلولة دون إبعاد عقل الإنسان المسلم عن التفكير العقلاني وتركيز انشغاله على تطوير ممارساته اليومية وعلاقاته الداخلية والخارجية. فما يعترض الأفراد والجماعات من منتوجات معرفية واقتصادية وتكنولوجية، وبكميات هائلة، يضعهم أمام إجبارية التأمل بعمق في المستلزمات الجديدة، التي يمكن أن تضمن لهم بطبيعتها المتطورة التواجد في واجهات المتغيرات الحضارية السريعة للشعوب والأمم المتقدمة.

وقبل الدخول في صلب الموضوع، أود أن أذكر القارئ والمتتبع أن المجتمع المغربي، بخصوصيته الثقافية، قد نجح نسبيا في معركته الدائمة من أجل تحقيق التقدم، ولو ببطء، في مجالي الديمقراطية السياسية والحداثة الثقافية. يمكن القول أنه نجح إلى حد ما في إثارة القضايا التي تخدم المجتمع، وفي مواجهة «الأفواه» أو «الذقون» الانتهازية باحترافية وصبر وحكمة. الكل يتذكر أيام الصراع العمودي بعد الاستقلال، الذي كان التفاعل خلاله صعبا، لكنه كان في نفس الآن مجديا ونافعا، وترتبت عن تراكمات وقعه مكتسبات متقدمة عن سابقاتها. تحققت تراكمات ملموسة، بالرغم من كون البلاد عرفت صراعا سياسيا عنيفا في سياق إقليمي شديد التحولات.

استمر النقاش القوي للقضايا الفكرية الأساسية لعقود. إنها قضايا توجد في صلب مشروع مجتمعي تتبناه الدولة والأحزاب الوطنية بشكل مختلف، مشروع بواجهات سياسية وجمعوية وشبابية وفكرية وهوياتية، وقضاياه ذات أبعاد تاريخية تستحضر الماضي بعقلانية لخدمة المستقبل. تمت فعلا إثارة هذه الإشكاليات المعقدة في إطار نظرة علمية متطورة، تعتمد المناهج العصرية المعروفة والمراجع الفكرية المغربية ذات الترابط القوي مع المدارس الفلسفية الكونية. اشتدت المعارك في الإعلام والمقرات والشارع العام، ولم يكن أحد يستسلم لردود الفعل الفئوية المتسرعة المناوئة لمسار التطور المجتمعي، بل كانت تواجه بقوة نضالية ومروءة عالية، ليتم تعبيد الطريق أمام تراكم مزايا التفنيد والتهميش للدفوعات والمزايدات الهدامة.

وبالعودة إلى موضوع المرأة في المغرب، كقضية شائكة، لا يمكن لأحد أن ينكر حدة اشتداد الصراع في شأنها في المشهد السياسي. لقد انتصر الصراع لفكرة كون المرأة كانت دائما وستبقى الشريك الوحيد للرجل في صناعة أحداث التاريخ البشري. إنها، بحكم التاريخ والفكر، نصف المجتمع، وأن الحياة العمومية والخاصة لا ولن تستوي إلا بمشاركتها المكثفة. الكل يلاحظ اليوم كيف تمكنت من «غزو» عدد كبير من المجالات بقدرة وكفاءة عاليتين، مجالات كانت محرومة من «الولوج» إليها بسبب ذرائع واهية وقيود مصطنعة. كما مكنت تطورات علاقتها المجتمعية مع الرجل من تقوية وجودها في كل مجالات الاختصاص في حياة المجتمع المغربي، حيث نجدها إلى جانب الرجل في الأسرة، والجندية، والشرطة، والدرك، والإدارة، والمدرسة، والثانوية، والجامعة، والرياضة، والسياسة، والمطبخ (الشهرة في مجال الطبخ مثلا أصبح يقتسمها الرجال والنساء بعدما كان مجالا من اختصاص النساء)،…إلخ.

إن مبدأ المساواة قد فرضته التطورات الواقعية، وبذلك تكون دينامية الواقع قد وصلت إلى مستويات ليست بالبعيدة عن الاستنتاجات الفكرية الغربية والمبادئ والكليات في الإسلام. فعندما دعا الوطنيون طوال مسارهم النضالي إلى فتح النقاش في مسألة المناصفة في الإرث ومسألة تعدد الزوجات والمساواة، كانوا بذلك يطمحون جعل كل تلك القضايا في صلب وروح السياسات العمومية، يتناولها الفاعلون في إطار نظرة فكرية وسياسية شمولية، مع مراعاة روح النصوص الدينية المقدسة. كانوا يعتبرون أن ذلك يشكل السبيل الوحيد والسريع للرفع من وثيرة التقدم في تحقيق العقلانية في الرؤية والتطبيق بالنسبة للفرد والجماعة.

وعليه، ولتعميق النقاش في هذا الموضوع، سأركز فيما تبقى من المقال على ثلاث مسائل تخص وضعية المرأة في الإسلام، منها أولا مسألة «الشهادة»، وثانيا مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، وثالثا مسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

مراجعنا في ذلك عديدة ومتنوعة. فإضافة إلى روح النصوص الدينية وكتابات المفكرين العرب الأفذاذ وعلى رأسهم الأستاذ ماجد الغرباوي، سأركز على كتابات المرحوم محمد عابد الجابري. كما نرى هنا أنه من الواجب تذكير القارئ ببعض المبادئ الأساسية التي ركز عليها هذا الرجل في أطروحاته وتحليلاته وبياناته المختلفة والمتعددة في مجال التراث وتحديثه. بالنسبة له، القاعدة الأولى تتجلى في اعتبار الشريعة الإسلامية كليات وجزئيات، مبادئ وتطبيقات، والأصل في الحكم الصادر في الجزئي أن يكون تطبيقا للمبدأ الكلي. فإذا كان هناك اختلاف، فلسبب وحكمة. والأسباب التي تبرر الحكم الجزئي وتبين معقوليته هي، إما "أسباب النزول"، وهي عموما الظروف الخاصة التي اقتضت ذلك الحكم، وإما مقاصد عامة تستوحي الخير العام.

وعليه، من أجل فهم معقولية الأحكام الشرعية في الإسلام، يقول الجابري، لا بد من استحضار ثلاثة مفاتيح أساسية: كليات الشريعة، الأحكام الجزئية، المقاصد وأسباب النزول. أما القاعدة الثانية، فتتجلى في كون "عالمية" حقوق الإنسان هي حقيقة مقررة في الفكر الإسلامي مثل ما هي مقررة في أي فكر إنساني آخر، والبحث عنها يجب أن يكون في الكليات والمبادئ العامة. أما الجزئيات فأحكامها قابلة دوما للاجتهاد لأنها مجرد تطبيقات، والتطبيق يختلف من زمن إلى آخر، ومن ظهور وجه للمصلحة إلى ظهور وجه آخر. فكما سبق القول، الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام لا يمكن أن يتم إلا باستحضار ثلاثة مفاتيح ضرورية: ما تقرره كليات الشريعة الإسلامية، ما تنصص عليه أحكامها الجزئية، وما تضفيه المقاصد وأسباب النزول على هذه الأحكام من معقولية. كما أن الحديث عن حقوق المرأة في الإسلام لا يمكن أن يكون موضوعيا إلا إذا تم استحضار المفاتيح الثلاثة السالفة الذكر.

قرآنيا، الحكم العام المطلق والمبدئي في قضية العلاقة ما بين الرجل والمرأة هو المساواة. وفي هذا الشأن، اعتبر النبي (صلى الله عليه وسلم) النساء شقائق الرجال، بل أكثر من ذلك أوصى الأجيال المتعاقبة على تقدير المرأة لأهمية أدوارها في الحياة البشرية حيث قال :"الجنة تحت أقدام الأمهات". أما بخصوص الحقوق والواجبات، فقد جاء في كتابات الجابري أن الله عز وجل ساوى بينهما، وتم تكليف المرأة في القرآن بما كلف به الرجل، مستشهدا بقوله تعالى:

* "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (سورة الحجرات الآية 13 ).

* "ثم استجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، بعضكم من بعض» (سورة آل عمران الآية 195).

*  "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا» (سورة النساء الآية 123).

* "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض» (سورة التوبة الآية 72).

فاعتبارا لما ورد في الآيات السالفة الذكر من كليات واضحة، تبقى الأحكام الجزئية ذات طابع تطوري تتغير حسب المستجدات وتطور العقليات والثقافات والحاجيات الجديدة في الزمان والمكان. ولذلك، فالبحث في معقوليتها، يقول الجابري، يجب أن يكون مرتبطا بالمقاصد وأسباب النزول. ومن ضمن القضايا الجزئية، التي تناولها الجابري بالتحليل العقلاني، والتي وردت في القرآن الكريم وصدرت بشأنها أحكاما جزئية الهدف منها تحسين وضعية المرأة في مجتمع الجزيرة العربية مقارنة مع وضعها في الجاهلية، نجد مسألة «الشهادة»، مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، ومسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

1- مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج:

نص القرآن الكريم على أن للبنت نصف نصيب الولد من الإرث: "يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين» سورة النساء الآية 11. كما هو الشأن بالنسبة للشهادة، والتي سنتطرق إليها في النقطة الثانية، فمسألة «الإرث» بدورها، بالنسبة للجابري، تحكم فيها الوضع السائد في الجزيرة العربية. المجتمع الجاهلي كان رعويا ومرتبطا بالأرض، حيث كانت كل قبيلة تفتخر بمراعيها وقطيعها من الأنعام والماشية المختلفة، وتحاول بكل ما لديها من قوة وجهد من أجل الحفاظ عليها وتوسيعها. ونتيجة لهذا الحرص، وصل الحد إلى اعتبار الزواج أكثر من علاقة ارتباط بين رجل وامرأة، بل كان علاقة بين القبائل عبر المصاهرة. لذلك كان التركيز شديدا على اختيار الزوجة أو الزوج لكي تتجنب القبائل المنازعات والحروب والفتن بسبب «الإرث» وما يحدثه من اختلال في التوازنات الاقتصادية بين القبائل. أكثر من ذلك، كان التعصب للقبيلة وحماية ممتلكاتها في بعض الأحيان سببا مباشرا في حرمان البنت بالمرة من حقها في الإرث، وازدادت الأمور تعقيدا مع استفحال ظاهرة تعدد الزوجات ما قبل الإسلام.

بنفس المنطق، مع مجيء الإسلام، لم يكن في المستطاع فرض قاعدة المساواة في الإرث، وفرضها في مجتمع تلك الفترة لأن ذلك كان مصنفا في خانة الأضرار التي لا يمكن أن يتحملها الصالح العام. إنه الاعتبار الذي جعل عز وجل يفضل إصدار حكم قرآني جزئي في تلك المرحلة، تنعم من خلاله المرأة بوضع متقدم يمكنها من الرفع من قيمتها مقارنة مع الماضي. فالقرآن في هذه القضية أخذ بعين الاعتبار الوضع القائم وقرر نوعا من الحل الوسط (حكما جزئيا) الذي يناسب عقليات المجتمع القبلي وحاجيات مرحلة تقوية ركائز الوحدة بين المسلمين آنذاك. وهكذا تم إقرار مضاعفة نصيب الذكر من الإرث مقارنة مع نصيب الأنثى، مع تحميل نفقة المرأة على الرجل في الزواج (كمقابل).

احتكاما لمنطق المصلحة، مصلحة المجتمع والدين الظرفية، فرض القرآن حلا وسطيا. بنفس المنطق الشرعي، تعامل الخلفاء الراشدون مع حكم «السارق» (تعطيل حكم قطع اليد)، حيث اعتبروا أنه بزوال مقاصد الحكم الجزئي (التعرف مجتمعيا على السارق من خلال يده المقطوعة كما كان معمولا به في الجاهلية)، يعطل التنفيذ. فبتشييد السجون كمؤسسات رسمية لإعادة التأهيل والتربية، لم يعد ما يبرر الاستمرار في تطبيق الحكم، بل تم استبداله بالعقوبة السجنية التي تفتح للسارق باب التوبة، وفي نفس الوقت تحمي المجتمع من أن يكون السارق مقطوع اليد عالة عليه (الوظيفة العصرية للسجون في عصرنا هي إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع).

بنفس المنظور، نعتقد أنه كان من المرجح لو تطورت الأحداث المتعلقة بالمرأة في زمن النبوة كما حدث بالنسبة لقضية «الخمر»، أي لو تطور وضع المرأة والأحداث النضالية من أجل الرفع من قيمتها، لنزلت أحكام جزئية أخرى أكثر تقدما في شأنها. فما أظهرته المرأة اليوم من قدرات ومؤهلات في المجتمع، وما برهنت عليه من تفوق في العديد من المجالات الحيوية، يفرض ضرورة مراجعة الأحكام الشرعية الجزئية بالاجتهاد بالشكل الذي يضمن الرجوع إلى المبادئ والكليات (الأصل).

2- مسألة الشهادة:

نظرا لهشاشة وضع المرأة الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي قبل الإسلام وفي عهد النبوة، فقد تم افتراض تعرضها للخطأ أّو النسيان (قبل الإسلام كان المجتمع ذكوريا وكانت المرأة مضطهدة مورست عليها كل أشكال الضغط والاستبداد والاستعباد حيث ساد في الجاهلية ما يسمى بظاهرة «وأد البنات»). فأمام هذه الهشاشة الواقعية التي كانت مترسخة في ثقافة الجاهلية، كان من الصعب إسلاميا فرض المساواة بينها وبين الرجل في الشهادة نظرا لما تتطلبه من حرص وتركيز وضبط وشجاعة في إعادة تشخيص الأحداث. وعليه، فاشتراط رجلين على الأقل أو رجل وامرأتين كان قرارا متقدما جدا ومنصفا لوضع المرأة في تلك الفترة (الآية : "واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» سورة البقرة الآية 281).

واليوم، مع تطور وضع المرأة في كل المجتمعات الكونية وزوال الموانع والاعتبارات بمقاصدها القديمة (الاضطهاد، والتعسف، والجهل، والضغط، النسيان،…)، بات من الضروري أن يفتح المجال للاجتهاد لإنصاف قيمتها الحقيقية الحالية بالرجوع إلى الأصل (الكليات والمبادئ)، أي المساواة.

3- الطلاق وتعدد الزوجات:

استنادا على النصوص القرآنية دائما، يتضح جليا أن ما تمت وتتم إثارته في موضوع الطلاق وتعدد الزوجات للطعن في مبدأ المساواة ما بين الجنسين في الإسلام هو أمر مردود عليه، بل لا يمكن اعتباره إلا مزايدة سياسية لا مبرر لها. الإسلام لا يوجب الطلاق (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)، ولا تعدد الزوجات. فهذه الظاهرة، بعدما استفحلت وشاعت في الجاهلية، جاء الإسلام وعقلنها ووضع لها شروطا من الصعب تحقيقها حيث اشترط «العدل» بين الزوجات (الآية : «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» سورة النساء الآية 3، والآية: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" سورة النساء الآية128 . وتأملا في هاتين الآيتين يتضح جليا أن كلام الله في قضية التعدد يميل إلى المنع لأن الشرط المرتبط بها يصعب الوفاء به، بل هو من باب المستحيلات. إن تبادل سلط التأثير، أي الجاذبية، بين الناس يختلف من حالة إلى أخرى. فإذا كان الأمر واضحا في مسألة الصداقة بين الرجال (قوة الصداقة مرتبطة بقوة تبادل السلط، ولكل شخص في الواقع صداقات تعد بالأصابع)، فإن الأمر أشد وضوحا في العلاقات العاطفية والحميمية ما بين الرجال والنساء.

 خاتمة

عندما نتكلم عن ضرورة الاحتكام إلى الاجتهاد في الأحكام الجزئية وربطه بالصالح العام ومصلحة الأفراد والجماعات والأوطان، نعني بذلك أن التطورات التي تعرفها المجتمعات والحضارات، وما تحدثه من تغييرات في الأوضاع والأسباب والمقاصد ومن زوال للموانع، تفرض على المسلمين الرجوع بالأحكام الشرعية الجزئية المقترنة بظروف زمنية ومكانية محددة، عندما يتغير وجه المصلحة فيها، إلى كليات الشريعة ومبادئها العامة. وهنا يقول الجابري: الكليات في الشريعة كالمحكمات في العقيدة، ودعا إلى اعتبار قيام التعارض بين الحكم الصادر في جزئيته وبين المصلحة المستجدة بمثابة نوع من المتشابه الذي يستوجب الرجوع إلى المحكم والمبادئ والكليات.

من الواضح إذن أن وضع المرأة اليوم، غربيا وعربيا ومغاربيا، يفرض الرجوع إلى الكليات والمبادئ. لقد عبرت على قدرات هائلة في كل الميادين حيث أصبحت اليوم في احتكاك وتنافس دائمين مع الرجل. ففي العديد من الواجهات، نجد بعض النساء أكثر ذكاء ومردودية من الرجال: في الدراسة، والتعليم، والتربية، والعمل، والبحث العلمي، والاقتصاد، والسياسة،…إلخ. فالجنس في عصرنا هذا لا يمكن الاستمرار في اعتماده كأساس للتمييز بين الرجل والمرأة، بل ما تعبر عليه العلاقة بينهما من تكافؤ واضح في القدرات الذهنية وفي المردودية في العمل والابتكار والإبداع، يفرض إعطاء انطلاقة حقيقية للاستثمار في تحرير الإرادات والطاقات وفرض المساواة. وعندما نتحدث على "تحرير الإرادات" نعني بذلك القطع النهائي مع القرارات والقيود التقليدية المكبلة كالتي أمرت بحرق كتب الغزالي لا لشيء سوى لأنه أفتى بمشروعية العزف على الآلات الموسيقية.

وفي الأخير نقول، أن ذكاء الله وعلمه لا يمكن وصفهما دنيويا، وأن وظيفة الإنسان على الأرض هي الاجتهاد بحرية من أجل الاقتراب من الحقيقة المطلقة التي لا يعلمها إلا الرحمان الرحيم. فجزاؤه، حصيلة عدد الحسنات (النقطة النهائية)، سيكون مرتبطا بلا شك بمجهوداته الصادقة للاجتهاد في كل أمور الدين والدنيا والالتزام بتطبيقها بحرية كاملة، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد. وبذلك يكون، خارج النقاش وتبادل الأفكار والخبرات، لا وصاية للإنسان على الإنسان.

 

الحسين بوخرطة

 

 

ادم عربيالجدل الهيجيلي او ما اصطلح على تسميته الثلاثية الهيجيلية، والذي تخطى منطق ارسطو الشكلي والصوري، مجال عمله الطبيعة، الفكر، المجتمع والتاريخ وقد بسطه هيجل في مثاله الزهرة والبرعم خير تبسيط، قال ان البرعم يختفي حين تحطمه الزهرة وتحل مكانه، لكن ليس الى مالانهايه، حتى تاتي الثمرة وتحطم الزهرة وهذا النفي الثاني، باعادة النظر لمثال النبته نجد ان الزهرة نفت البرعم وهذا هو النفي الاول ومن ثم نفي الثمرة للزهرة، وهو النفي الثاني او حسب هيجل نفي النفي Negation Of Negation، يسمي هيجل طور البرعم فلسفيا الاطروحة Thesis، ويسمي طور الزهرة او الطور الثاني النقيض Antithesis، ويسمي الطور الاخير او الثالث التركيب Synthesis، وهذا هو نفسه نفي النفي، ثم يوضح هيجل تساوي الاطراف او الاطوار الثلاثة في اهميتها فلا يجوز النظر لطور الثمرة هو الحق وغيره الباطل، فلو لم توجد الزهرة لما وجدت الثمرة.

اوضحت الماركسية الثلاثية الهيجيليه بمثالها ايضا الشهير وهو حبة الشعير، الاطروحة او دور الاطروحه هنا هي حبة الشعير التي تهيات لها الظروف لتنمو، تختفي الحبة وتظهر مكانها النبته، وهذه النبته تتغير وتعيد حبة الشعير من جديد، هذا الطور هو نفي النفي حيث اعاد حبة الشعير الى الوجود ثانية، لكن هل عادت حبة الشعير الى ما كانت عليه؟ بالطبع لا، فحبة الشعير انتجت ربما مئة حبة بجينات وصفات مختلفة وربما متشابه للاصل ببعضها.

ولو طبقنا هذا على الفكر، فهل يعني ان الفكرة الجديدة هي عين الصواب والقديمة هي الخطا المطلق؟ وهل نقول ان الثمرة هي الحقيقة وان طور الزهرة لا اهمية له ولولا ذلك لما ظهرت الثمرة؟ ان من السخف ان ينظر بعض الناس الى الثمرة على انها صنو الحقيقة والزهرة ليست ذات اهمية، في نفي فكرة لفكرة نستطيع القول ان الفكرة الجديدة دحضت القديمة، ويمكن لبعض الناس ان يقولوا ان الفكرة القديمة ما كان لها ان تلغى وتستبعد لولا زيفها وان الفكرة الجديدة هي الحقيقة، هؤلاء الناس بعبقريتهم استنتجوا ان الراسمالية هي نهاية التاريخ (الثمرة) في مثالنا البرعم والزهرة وما عداها هو باطل او زائف كناية عن النظم الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت قبل الراسمالية.

 

د. ادم عربي

منى زيتونمن خلال خبراتي في الحياة ومع البشر يمكنني تقسيم البشر من حيث القدرة على التغيير إلى ثلاثة أنواع؛ فنوع مقاوم للتغيير شديد الثبات والتشبث بأي وضع قائم، ويمكن أن ينهار عليه هذا الوضع المتهالك الآيل للسقوط قبل أن يتقبل ضرورة تركه، وأن يبدأ بدايات جديدة في حياته. وهناك نوع منهم قادر على صنع وخلق التغيير والبدء فيه، ونوع ثالث من البشر يمكنهم التكيف بنجاح مع التغيير إن حدث، ولكنهم لا يصنعونه بإرادتهم.

وفي مصر والبلاد العربية يسود النوع مقاوم التغيير؛ فالتربية التي يتلقاها أغلبنا منذ الصغر تعلمه أن يصطف مع زملائه ليكون واحدًا منهم، وقد أشار د.جمال حمدان إلى هذا المعنى في كتابه "شخصية مصر"؛ إذ ذكر إن الاعتدال هو آفة الشخصية المصرية؛ فهي تجعل المصري شخصية غير مقتحمة وغير ثورية على الإطلاق، فمصر شديدة الاعتدال لدرجة تجعلها بيئة طاردة لأبنائها الممتازين، والرضا الشديد بالواقع لدى المصريين يساوي في حقيقته العجز عن تغييره.

والتغيير الذي أعنيه في هذا المقال هو التغيير بمعناه العام وليس تغييرًا خاصًا محددًا، فالتغيير الذي يمكن أن يحدث للإنسان يتنوع؛ فقد يكون تغييرًا ماديًا في البيئة، أو تغييرًا فكريًا، وقد يكون تغييرًا يمس روحه وخلقه أو تغييرًا انفعاليًا تجاه ما يحب وما يكره.

والتغيير –أي تغيير- بحاجة إلى قوة نفسية لدى الفرد تمكنه من إحداثه والتكيف معه، أو على الأقل للتكيف معه إن حدث، وتجاوز ما مضى، وهذه القوة تتفاوت من فرد لآخر، وكلما زادت لديك زادت قدرتك على النجاح في الحياة.

التغيير في نفسك

ولا يسعنا الحديث عن التغيير في البيئة المادية الخارجية للفرد دون العروج أولًا على التغيير الداخلي في النفس، والذي يصنعه الإنسان في نفسه بتغيير خلقه إلى الأفضل، ولا يقتصر كما يظن أغلبنا على تنمية المهارات والقدرات. وأفضل استثمار هو ما تستثمره في نفسك، وهو نافع لك ولا شك في الدنيا والآخرة.

يقول صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ونحن نلمس التراجع في أخلاقيات المجتمع ككل، ونسبة لا بأس بها من البشر الفاسدين في المجتمع هم نتاج تنشئة نوعية من الآباء والأمهات يتصورون أن التربية والحرية نقيضان! فلا يعملون على رياضة نفوسهم ونفوس أبنائهم لتتغير للأفضل.

ولو سألني سائل عن ضربة البداية في تغيير الخُلق نحو الأفضل فالإجابة عندي هي أن يتحرى الصدق والكلام المباشر، وهناك حديث شريف لا يُقال كثيرًا رغم نفعه، ربما لأن أغلب مشايخنا مشغولون بتعليم العبادات وليس المعاملات. يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه الإمام أحمد في مسنده (13071): "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"، فالصدق طريق الاستقامة، والقول والقرار الصائب أخلاقيًا وإنسانيًا يبقى صائبًا مهما كانت عواقبه وخسائره الظاهرة، فعوِّد نفسك على أن تقول وتفعل الصواب ولا تلتفت.

والاستقامة لا تكون في ذكر الحقيقة فقط بل تتمثل أيضًا في ذكرها دون مواربة والكف عن اللف والدوران، وقد قلتها مرارًا في مقالاتي عن التواصل أن التواصل المباشر أرجى من التواصل غير المباشر في إيصال رسالة المتحدث كما أرادها، وهو الأرجى في جذب انتباه المستمع، والانتباه هو أولى العمليات العقلية التي يقوم بها المخ عند عرض المثيرات البيئية أمامه، وعندما ينتبه لها يدركها، أما لو لم ينتبه لها لأن طريقة عرض المثيرات لم تكن واضحة فلن ينتقل العقل إلى العملية العقلية التالية وهي الإدراك!

ولا ننسى أيضًا أن الله تعالى خلق البشر ليقوموا بالقسط، والغرض الأسمى لرسالة محمد هو إقامة العدل، فالعدل هو القيمة العظمى، وليتذكر كل منا أنه بعيد عن الإسلام بعده عن العدل والإنصاف.

ويبقى الكبر جذرًا لكل الشرور وأولى عتبات الفشل، وسبب التوهان والانصراف عن تحقيق الهدف رغم وضوحه أمام الفرد، وتبقى القدرة على الاعتذار أهم ما يميز المؤمنين.

والمتفهم لمعنى التدين الحقيقي يعلم أنه يخلق في نفس المؤمن شعورًا دائمًا بالتقصير نحو ربه؛ ذلك أنه عرف ربه وحقه العظيم، وعليه فقد أدرك عظم تقصيره، وهو لأجل ذلك يمضي في حياته كالطالب المجتهد أثناء أدائه الامتحان؛ يبقى يقرأ إجاباته ويضيف إلى ورقة إجابته حتى لحظة نزعها من بين يديه، وذلك على النقيض تمامًا من زميله الفاشل المعجب بنفسه والمكتفي بما كتب فيها على قلته، والذي يشغل نفسه طوال فترة الامتحان في مراقبة الناس وترصد القاصي والداني، بدلًا عن أن يُحسن من إجاباته.

ومن أشد ما يضحكني يوم الامتحان أثناء مروري بين اللجان أن أسأل أحد الملاحظين عن شيء فيسارع أحد الطلبة الخائبين إلى إعطائي الجواب، فهو يعرف من مر من الأساتذة في الممر ومن ركن سيارته منهم منذ قليل، وربما لو سألته عما كان يلبس الملاحظ الذي كان يقف في الامتحان السابق لوصفه تمام الوصف، أما المجتهد فربما انفجرت قنبلة في المبنى وهو غير منتبه لها!

التكيف مع الزوج والمجتمع الغريب

في الآونة الأخيرة انتشرت قنوات على موقع اليوتيوب تعرض يوميات عائلية، ولأنها تحقق مشاهدات عالية في مصر فإن بعضها يظهر لي ضمن قائمة اقتراحات اليوتيوب الجانبية، والحقيقة أنني لم أرغب في متابعة أي منها يومًا، ولا أفهم ما هي الفائدة التي تعود على متابعيها، ولكن حديثي عنها الآن ليس لنقدها، وإنما لألفت النظر إلى شيء آخر يتعلق بالقدرة على إحداث التغيير والتكيف معه.

لاحظت أن من بين هذه القنوات لليوميات العائلية قنوات لعائلة تتكون من زوجة مصرية وزوج هندي، ويعيشون في الهند، وعائلة لزوج مصري وزوجة جزائرية ويعيشون في الجزائر، وعائلة لزوجة مغربية وزوج باكستاني، وغير ذلك من التشكيلات الثقافية الكثير.

والحقيقة أنني أجد أمثال هؤلاء البشر خارقين، فأن تعيش في مجتمع غريب وتتكيف معه هو أمر صعب بلا شك، ومع ذلك فإن مما يمكن أن يخفف عنك وطأة وصعوبة الحياة في الغربة أن يكون رفيق حياتك في غربتك من بلدك وله الثقافة نفسها، ولا يكفي أن يكون عربيًا أو مسلمًا فقط، فالثقافة شيء أكثر خصوصية من العروبة ومن الدين، بل إن هناك ثقافات فرعية في كل دولة.

وقد كنت كلما ذُكرت قصة السيدة هاجر أم إسماعيل عليهما السلام أتعجب أشد العجب من قدرتها الخارقة للعادة على تقبل التغيير البيئي والتكيف له. ذكر كثير من المفسرين أن السيدة هاجر كانت أميرة مصرية أصبحت جارية بعد ذهاب دولة آبائها على أيدي الغزاة –ويُعتقد أن ذلك حدث في عصر الهكسوس- وهذا أول تغيير جوهري حدث في حياتها، فكيف لأميرة أن تتحول إلى جارية في يوم وليلة! وبعدها دخل سيدنا إبراهيم مصر، ولم يدخل للدعوة إلى الله، ويبدو أنه لم يدخل إلا ليخرج بهاجر، والتي كانت اختيار الله له فتزوجها، فانتقلت بذلك حياتها من أكبر دولة حضرية على ظهر الأرض وقتها إلى عيشة أقرب إلى عيشة البدو مع زوج غريب عنها وليست له عاداتها ولا عيشته كعيشتها ولا يتكلم لغتها، ووسط قوم لم تعرفهم ولا تعرف لغتهم، ولكنها تكيفت وتأقلمت مرة ثانية مع حياتها الجديدة، وبعد أن أنجبت ابنها جاءها تغيير ثالث عندما نقلها هذا الزوج إلى بلد غريب آخر ليست فيه أي مقومات للحياة ليتركها تكمل حياتها فيه هي وابنها وحدهم، ولتجاور أقوامًا جددًا وتتعلم لغة جديدة! فأي قوة نفسية كانت لدى تلك المرأة وأي قدرة على التكيف كانت لديها على كل تلك التغييرات العظيمة المتتالية التي حدثت في حياتها! وقد خلد الله سبحانه سعي وكفاح هذه المرأة العظيمة في أن جعل السعي بين الصفا والمروة -وهو أحد مناسك الحج- تذكيرًا بعملها.

ومن وجهة نظري إن زواج المرأة من شخص من بلد وثقافة مختلفة حتى وإن لم تنتقل من بلدها وعاش معها فيها هو أمر أصعب على المرأة عن الحياة في الغربة مع زوج من بلدها وثقافتها نفسها. لذا فإنه بمقارنة ما حدث للسيدة هاجر بما حدث للسيدة سارة من نُقلة وتغيير في الحياة فإن قدرة هاجر على تقبل التغيير والتكيف معه كانت أعظم، فخليل الرحمن كان ابن عم سارة ومن بيئتها وثقافتها ويتكلم لغتها، وتكيفها كان فقط مع البيئة الخارجية الجديدة التي انتقلا إليها، أما هاجر فإن كل ما ومن حولها قد تغير، وتبدلت حياتها مرات تبدلًا تامًا.

تغيير المهنة shift career

دلتني خبرات الحياة على أن الإنسان الذي يمتلك مقومات النجاح المهني قادر على النجاح في أي موقع يُسند إليه، ليس لأنه يمتلك جميع معارف وخبرات الحياة، ولكن لأن الناجح يمتلك درجة مرتفعة من الذكاء الشخصي؛ وهو القدرة على امتلاك الفهم لنفسك، ومعرفة من أنت، وماذا يمكنك عمله، وماذا تريد أن تفعل، ‏وكيف تتفاعل مع الأشياء، وأي الأشياء تتجنب، وأي الأشياء تنجذب إليها، وتعرف المتشابهات ‏والاختلافات في نفسك عن الآخرين، وأن تكون متلائمًا مع المشاعر الداخلية والقيم والمعتقدات ‏وعمليات التفكير، وتستخدم تلك المعلومات لضبط حياتك واتخاذ قرارات. إنه الذكاء ‏الذي يُمكِّن الأفراد أن يُكوِّنوا نموذجًا عقليًا عن أنفسهم يتفهمون من خلاله مشاعرهم ودوافعهم ‏الذاتية، ويعتمدون عليه في كل ما يخص حياتهم.

وبالنسبة للنجاح المهني فإن الصورة المثالية للشخص الناجح في مصر هو أن يتخرج من الجامعة ويأتيه تعيينه وترسيمه في مصلحة حكومية أو شركة فيتسلم مكتبًا وكرسيًا، ويبقى ما يزيد عن الثلاثين سنة يعمل في المكان نفسه ويترقى فيه، إلى أن يحين موعد تقاعده عند بلوغه سن الستين، فيعد له زملاؤه حفلًا للاحتفاء به، ويسلمهم المكتب والكرسي ويرحل!

أما من يعرف في نفسه مواهبًا أكبر من الحجم الذي تفرضه عليه هذه الوظيفة، ويحاول ويسعى لخلق تغيير مهني بحيث يترقى في حياته للأفضل، لثقته أنه ليس شجرة، فإنه يلقى تثبيطًا في عزيمته ممن حوله محاولين إثنائه عن عزمه، مذكرين إياه بالمعاش التقاعدي والأمان الوظيفي، والميري –أصلها الأميري وتعني الحكومي- والتمرغ في ترابه. بل إن بعض أمثال هؤلاء المثبطين -ممن كان دفعهم له للثبات وعدم اتخاذ قرار جاد بالتغيير حسدًا- ربما يقتلهم نجاحه عندما يتحقق إلى درجة التحامق ومحاولة إشعاره أنه فقد شيئًا ثمينًا عندما رحل!

ومن أعجب ما حُكي لي في ذلك قصة عن د.أحمد زويل العالم المصري الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، والذي كان قبل سفره لأمريكا ضمن معاوني هيئة التدريس بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية. ويُحكى أنه عندما زار مصر بعد حصوله على الجائزة التقى ببعض زملائه القدامى، وإذا بأحدهم –وكان يحمل غلًا وحقدًا دفينًا قديمًا له- يقول له إنه كان يتمنى لو لم تنهي كلية علوم الإسكندرية خدمته لانقطاعه عن العمل!

يقول أبو القاسم الشابي:

إذا ما طمحتُ إلى غاية *** ركبت المُنى ونسيت الحذر

ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحُفر

إن أحد الشروط الهامة لتتمكن من خلق تغيير إيجابي حقيقي في حياتك هو أن تثق في نفسك وفي مواهبك طالما تعرف عن نفسك أنك شخص مميز لست مثل غيرك ممن يناسبهم السير في أمان بجوار الحائط، ثم ألا تهتم لكلام الناس ممن يريدون أن يثبتوك في الصف ذاته مثلهم، فلا تتميز وتعلو عليهم، وتذكر أن الشجرة كي تطول وترتفع لا بد أن يتم قصها من الجوانب؛ أي إنك لن تعلو إلا عندما تتوقف عن النظر حولك والالتفات إلى كلام الناس.

ومن أشهر من غيروا مهنتهم في عصرنا الحديث رغم المكانة الاجتماعية الرفيعة التي كانت للمهنة الأولى في المجتمع، الكاتب الكبير توفيق الحكيم الذي ترك العمل في النيابة العامة، والتي كانت العتبة الأولى للترقي بعدها للعمل في القضاء، وتفرغ للكتابة، وكتب تحفته الأنثروبولوجية "يوميات نائب في الأرياف" ليخلد فيها بعضًا من الصور التي رآها في تلك الرحلة المهنية الشاقة.

ومن أشهرهم أيضًا د.جمال حمدان، والذي ترك العمل كأستاذ في الجامعة، وتفرغ للبحث العلمي والكتابة العلمية الحرة، لأنه لم يتوافق مع معايير لجان الترقيات في الجامعات المصرية التي كانت تهتم بالأقدمية بين الأساتذة في الترقيات وترى الجغرافيا مجرد خرائط وحدود! وهو كان يراها علاقة بين الإنسان والمكان؛ فكتب كتابه الشهير "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان"، وغيره من الكتب.

وضمن سياق الحديث عن التغيير وقدرة المبدعين عليه، بعيدًا عن أولئك الذين يتحركون في حياتهم على قضبان القطار، فأنا أزعم أن هناك كتبًا في العلوم الاجتماعية في المكتبة العربية لم تلق عناية من العرب كونهم اعتادوا أساليبًا معينة في السرد، ولكنها الكتب الأهم من تلك التي سردت المحتوى بالمنهجية الجامدة المتعارف عليها، ولهذا لقيت هذه الإبداعات المختلفة عناية خاصة من المستشرقين.

ومن هذه الكتب "مقدمة ابن خلدون" والتي وضع فيها خلاصة آرائه وخبراته من قراءته للتاريخ، وهي أهم مما كتبه في كتابه ذاته من سرد مفصل للحوادث، وكتاب "الفخري في الآداب السلطانية" لابن الطقطقا والذي وضعه للتدبر وإفهام قارئه كيف تُساس الدول، وعرض رأيه وتقييمه للدول الإسلامية ولعهد كل خليفة من الخلفاء، ولم يسرد الحوادث التي حدثت في زمن كل منهم سردًا آليًا، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي هو الآخر فريد من نوعه، يمر فيه ياقوت على كل بلد من البلاد التي يعرفها في زمانه، وقد يكتفي بكتابة اسمه وضبط نطقه وبيان مكانه، وقد يضيف عنه مزيجًا من الوصف للبلد والأكابر الذين كانوا منه، وقليل من الحوادث الهامة التي حدثت به دون تفصيل. وكتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لابن بطوطة من أهم الكتب العربية، ولعله أقدم كتب أدب الرحلات في العالم.

أما في العصر الحديث فهناك كتاب آخر فريد بخلاف كتب د. جمال حمدان بعنوان "إقليم البحيرة" للأديب محمد محمود زيتون، والحاصل على جائزة الدولة سنة 1948 في التأليف المسرحي والشعر والخطابة، وغيرها من الجوائز الثقافية. والكتاب عن تاريخ الإقليم، ولكنه نوع من التأريخ لن تجد مثيله في المكتبة العربية. وكتب الشيخ محمد الغزالي أيضًا تختلف عن النمط السائد من الكتب الدينية التي تُحشى بالنقول والأسانيد وتكاد تخلو من الاستخلاصات والآراء التي تخص المؤلف، وهي أقرب لكتب المفكرين منها إلى كتب المشايخ.

خاتمة

إن قيمتك في الحياة تتحدد بقدرتك على إحداث التغيير في حياتك وحياة من حولك، فهناك تغيير يمس الفرد وهناك تغيير للجماعة، وهناك من يتعذر عليه أن يحدث تغييرًا في نفسه ولكنه يستطيع خلقه في حياة أبنائه أو بعض من حوله، ومن هنا احترم البشر عبر العصور المكافحين والعصاميين والمصلحين والأنبياء؛ هؤلاء الذين لم يعبروا في الحياة ليتركوها مثلما كانت قبلهم.

والتغيير عادة يستلزم ويتطلب وقتًا طويلًا، خاصة عندما يتصل بالمجتمعات وليس الأفراد، ولكنه أيضًا قد يأتي سريعًا في صورة ثورة، ولأن التقلب السريع لا تتقبله طبيعة البشر فغالبًا ما تحدث سلبيات من الثورات تفوق ما أرادت تصحيحه، ولكنها في النهاية قد تمثل ضرورة عندما تتفاقم الأوضاع السلبية. وفي أصداء السيرة الذاتية كتب نجيب محفوظ: "سألت الشيخ عبد ربه التائه: متى يصلح حال البلد؟ فأجاب: عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة".

وترتبط القدرة على إحداث التغيير بوضوح الأهداف، والتخطيط الجيد لها، والمثابرة وبذل الجهد في تنفيذها. وهناك أشخاص ناجحون غاية النجاح في التنظير، ولا يضاهي نجاحهم هذا إلا فشلهم عندما تُوكل إليهم مهام ومسئوليات يضعون فيها خبراتهم ومعارفهم النظرية موضع التنفيذ لأجل إحداث التغيير المنشود. وأثناء عملي في إحدى الجامعات السعودية زاملت أستاذة جامعية مصرية في تخصص التخطيط التربوي، وكانت سمعتها جيدة جدًا بين الطالبات والأستاذات كأستاذة متميزة في تخصصها، وهي الآن ضمن الفريق التربوي الذي يعمل مع د.طارق شوقي وزير التربية والتعليم، ولا أريد أن أزيد فقد رأت مصر كلها تخطيطها التربوي على أرض الواقع، ويالهول ما رأت!

وفي ختام حديثنا عن التغيير، أود التعريف بأمر يخفى على كثيرين بخصوص تغيير رسم الجهات الأصلية، وكان ذلك على الأرجح بدءًا من عصر النهضة في أوروبا. فقد كان العرب في العصر العباسي يرسمون الخرائط الجغرافية والفلكية بحيث يكون اتجاه الشرق جهة اليد اليسرى واتجاه الغرب هو اليد اليمنى، ومن ثم فالجنوب إلى الأعلى والشمال إلى الأسفل، وهو ما يعني أن ما نراه من تحديد لرسم الاتجاهات في عالمنا المعاصر هو قلب للشمال ليكون في الأعلى، صاحبه بالضرورة تبدل ما بين الشرق والغرب نتيجة للتدوير الحادث في الخرائط! فكان هذا التغيير البسيط رمزًا للتغيير الذي حدث على المستوى الحضاري؛ فتقدمت أوروبا ودخلنا في عصورنا المظلمة!

 

د. منى زيتون

السبت 6 نوفمبر 2021

 

 

سامي عبد العالفي كل حالة موتٍ نقول عادةً: "ماتَ فلانٌ ..."، والمقصود أنَّه قد تلاشت جوانب حياته وانتهت دون رجعةٍ. وليس المعنى نهايةً لمسيرة الفرد فقط، بل هو كذلك ختام لأي مستقبلٍّ قد يتركها باقيةً. وبناءً عليه ستسقط حركةُ الزمن من دائرة الاعتبار والظهور. إذ حيث لا تكون هناك سيرورةٌ process ضمن إيقاع الحياة الجارية، يصبح الموتُ وشيكاً أو هو الموت ذاته. فيغدو الحال لصيقاً بعدم إمكانية الفعل والتأثير.

ولهذا عندما نرى أحداً لا يعمل (أي عاطل)، تستقر لدينا هذه التسوية الوشيكة مع دلالة الموت. فلا هو كإنسان يُؤثر في محيطهِ ولا هو يمتلك إمكانيةَ العيش الكريم، ومن ثم َّيترك نفسه للمجهول. ومن زاوية العطالة، تعدُّ السياسة (بجانبها الاستبدادي المظلم) ضرباً من الصور العامة لما يجعل المجتمع بلا قيمةٍ. أي يتم وضعُه في حالة جُمودٍ أشبه بتعطيل مساره التاريخي وإجهاض ثرائه الإنساني. وتصبح دلالة الموت حالّة على المشهد من أعلى بفعل فاعل خفي هو الفاعل السياسي القادر على الإختفاء والتأثير.

الفكرة هنا أنَّ استعمال الموت هو الجانب الآخر للاستبداد السياسي المُزمن في مجتمعاتنا العربية. هذا المصير المنتظر (والملّوح به) الذي يترصد نشاط الأفراد داخل دائرة الأنظمة الحاكمة!! فتلك الأنظمة باستبدادها تُسيِّس تراث الموت وأشباحه وتقننَه من خلال ممارسات السلطة بحيث يصبح أحد أسلحتها. وطبعاً هذا يجري كعمل جمعي غير مباشر إزاء غرائز الحياة. بمعنى أنَّ فهم الموت في معناه العام ليس واقعة فردية كما يظن الناس. لكنه أمر قابل للتعميم المسيَّس، فهناك آثاره، هناك الخوف منه، هناك حلول دلالته رغم عدم ظهورها مباشرة. وعلى التوالي، تجلبه فكرة الخوف لدرجة الإستحضار الفوري كلما أرادت السلطة هشَّ الناس عن وجودها أو الإقتراب منها.

وصحيح أن الموت لدى الأفراد هو (موت الأنا) في جميع الأحوال، لكنه ما كان ليقع بهذه الطريقة أو تلك إلاَّ بالنسبة للآخر. فهو الإنسان الذي سيحزن،  وهو الذي سيُدرك: ماذا يعني موت فلان أو علان. وهو الذي سيتلقى الإحساس إزاء الموت بأعماقه البعيدة كـ" تجربةٍ بين ذاتية inter- subjective"، في الوسط بينه وبين الفقيد. تجربة أساسها الوجود الحميم والمشترك بين غصنين إنسانيين من جذرٍ واحد.

هنا تكمن في كل (حالة موت) نبرةٌ سياسية خفيفة الوقْع بين الناس، لكنها بالغة التأثير بدرجةٍ كبيرة، ولاسيما عندما يجعل المستبد (الموت) ممنوعاً من حريته الداعية للاندهاش. والمستبد دائماً لا يقبل اندهاشاً من أيِّ نوعٍ كان حتى بصدد المصير المحتوم. لأنَّ قمع الموت ووضعه في إطارٍ طارئ يمكِّنان النظام السياسي من ممارسة أدواره اللاهوتية الأخرى. فنحن عادةً ما ننسب تصريف الأقدار، الزمن، الأعمار (بمعناها الجاري) إلى قدرات الإله.

ومع جوانب الدولة باعتبارها قوة مسكونة بفكرة الألوهيةِ المهيمنة عليها، فإنَّها الوريث الحداثي الأرضي لتلك القدرات الميتافيزيقية. ولذلك تدعونا أنظمة الحكم عادة لانتظار التغير الكبير، لترقب رغد الحياة كلما جاء الزمن من وقتٍ إلى وقت تالٍ. ونظراً لأنَّ الاستبداد يشتغل على هذه الممارسة المتوهمة المؤجلة، فإنَّه يروِّض (فكرة الموت) منتزعاً سلطتها لنفسه. يأخذ من رصيد الموت لدينا مستعملاً إيّاه في تخويف الناس واعتباره وسيلة ردع من (العيار البيولوجي الثقيل) إزاء المجتمعات.

بعض من ذلك برهن عليه المثل الشعبي المتداول مع تردى الأحوال واليأس من إصلاحها: " نحن نأكل القوت .. وننتظر الموت". فما الذي يدفع (القائل الشعبي) إلى هذا الحد المتعادل بين المعلوم والمجهول؟! ما الذي لم ينطق صمتاً ويدعونا إلى الانتظار كأننا في غرفة انتظار قاتلة بحجم المجتمع؟ إن ارتباط الغذاء (القوت) بالموت دالٌّ على اسقاط فاعلية الميلاد اليومي (الأيام المتجددة) تجاه النهاية بالنسبة للإنسان.

بخلاف ذلك اعتبر مارتن هيدجر أنَّ الموت هو أقصى إمكانية قد يبلغها الإنسان. وهو إمكانية كبرى لأنَّه يلخص الحياة بمقدار كونه نهايةً اللانهاية (أي ختام أية نهاية أخرى). إن أيَّ موتٍ يشكلُّ حدثاً غير مسبوق، غير متوقع، غير قابل للتكرار، غير قابل للوصف، غير متاح للتدقيق والنظر وغير قابل للاستيعاب. يبدو أنَّ هيدجر كان شاعراً بما يعترض الفكرة من سياسة خارج إيقاعها النوعي. ورأي في خلوص الفرد لذاته بمثابة صرخة الإنسان على وجوده الفريد. وهو من جهة أخرى يؤشر نحو إحدى درجات هذا الوجود. " كل شيء في جوف الفرا "... فالحياة هي حياة في الوجود وكذلك الموت هو موت في الوجود بالمثل.

وتتباين الميتات (بصيغة جاك دريداً) عن بعضها البعض حتماً، كل موت يختلف عن الآخر. فدريدا ضمن هذا السياق كان يتحدث عن ميتات رولان بارت ناعياً تنوعه الذي لا يتوقف. ومثلما كان رولان بارت غير محدود القيمة والإبداع أثناء حياته، فكذلك جاء موتُه ثرياً إلى حد الاختلاف. وفعل الموت جاء بمدلول الطفر، الفيض، الحدث الذي وقع فجأة بشكل مذهل. هل يمكن إيقاف تداعيات الموت؟ بل أين يقف الموت نفسه؟ وكيف يأتي بهذا الزخم أو ذاك؟

إنَّ الموت من تلك الزاوية يتعلق بفاعلية الذاكرة، بعمل الماضي والحاضر والمستقبل في نافذة زمنية واحدةٍ. فالميت كموضوع يوثق آثار الزمن بهذا الجمع المتنوع في اتجاهاته. وقد تكون ذاكرتنا نسبية عادة، غير أنها مليئة بالحياة دائماً. فالذاكرة هي ذاكرة حياة بالمقام الأول. وكذلك يتعلق الموت بحرية الموجود الذي ينضو عن نفسه كل أثقال الواقع. فهو غير مرتبط بالحجم ولا بالكم ولا بالكتلة. الموت بلا حجم، بلا حد. ومن هذا الطريق إذا كان الموت أعلى إمكانية من سواه، فهو أكثر حرية من سواه بالتبعية.

أيضاً يشير المثل السابق (نأكل الموت .. وننتظر الموت) إلى الانتظار كعطالة وجودية إلى حين. وانتظار الموت نوع من الموت في أغلب الأحوال. ولهذا نقول: إن أصعب من الألم، وأسوأ من النهاية أيا كان لونها، هو انتظار ذلك الموت. وبالتالي سيكون القُوت الحد الأدنى من الغذاء طالما نعرف المصير. غير أنه قد يكون تخمةً تؤدي إلى ترهل إدراك الحقائق والوعي بالحياة. كما هي بعض المجتمعات العربية التي تعالج جميع مشكلاتها بالطعام (الهوس بالأكل وطقوسه وإثارة الغرائز بناء عليه). فقد تحول بعض الأنظمة السياسية المستبدة الأفراد والجماعات إلى حيوانات آكلة ومفترسة ليس أكثر!!

بالتالي تصبح لدينا أشياء متوازية: الموت، اللازمن، انعدام الفعل. وإذا أخذناها من هذا الطرف الأخير أي (انعدام الفعل، اللازمن، الموت)، فتلك معادلة الاستبداد الشرقي النادرة. ولهذا نقول إنَّ المجتمعات الديمقراطية لهي مجتمعات حية. ليس مجازاً، بل أنطولوجياً. فالحياة ضرب من الظواهر التي تُحيِي سواها إلى أعمق مدى. لأن الحياة – في ذاتها- ليست مستقلة مثلها مثل الوجود، العدم، الله، الموت. إذ يجب أن تترك آثاره على كائناتها الحية التي تعيش فيها وتمارسها.

من تلك الزاوية، فإنَّ الديمقراطية (تداول السلطة، الانتخابات الحرة، حقوق الإنسان، العدالة، المساواة، الرفاهية ...) بهذا الزخم الدلالي تعتبر مراناً مستمراً لتفويت الفرص على الموت الجمعي، إنَّها مران على تأجيله المستمر بشكل فاعل وبنَّاء.

علينا أنْ نتخيل: ماذا يفعل الاستبداد عندما يتلاعب بهذا المشهد السياسي؟! إنَّه يشارك في تكريس أوضاع الموت الفارغ. الموت المجاني الذي يوزع أحداثه على الجميع. وبقدر الهيمنة التي يحكم بها المجتمعات بقدر ما يدفعها إلى الانتحار!!

أيضاً يلتقي الموت في محدوديته مع تاريخ الاستبداد. حتى أنَّ حاكماً مستبداً قد يجعل المجتمع قبراً عاماً للجميع. هو يسلب من الموت أكثر أبعاده ثراءً عندما يدفع الإنسان لإبطال تأويله. وطبعاً الموت لا يبرر في العادة مهما يكن، ولا يتم البحث عن غاية وراءه إلَّا داخل سردية دينية أو سياسية أو اجتماعية ما. غير أن الاستبداد يشحن هذا الجانب المجتمل تخلُّصاً من الحياة، نظراً لعدم القدرة على تغيير الأوضاع السياسية للأفضل!! فالاستبدا لا يترك خياراً مفتوحاً. فكل الخيارات تؤدي إليه في نهاية الأمر.

وفي هذا الاتجاه، كان لافتا ذلك الانفجار المذهل لفكرة الموت وممارسته خلال أحداث الربيع العربي. كأنَّ الاستبداد قد وضع المتظاهرين طوال سنوات على هذا الهوة السحيقة من العدم السياسي. ولم تستنكف الآلة الاعلامية للأنظمة الحاكمة في تفريغه من معانيه. لتضع عناوين سياسية بديلة. حتى قيل إنَّ الربيع وثوراته: مؤامرة، مخالفة القانون، خلخلة للاستقرار، تهديد السلم الاجتماعي!!

فكان المخزون الوحيد المفروض على الفاعلين هو العنف الذاتي. ومن ثمَّ كانت شوارع التظاهرات عنوانا للموت بالضرورة. وربما حصر المسألة فيما كان يحدث آنذاك لم يكن أمراً صحيحاً. لأنَّ ميراث القهر السياسي كان قد بلغ حداً يستحيل السيطرة عليه. وهو ما سيظهر في انعدام المعنى وراء الأفعال ومحاولات استهلاك الجسد ورغباته التدميرية عشوائياً. وكان بعض المتظاهرين يستعرضون الموت أمام الكاميرات كأنهم داخل حفلة تنكرية للآلام. بالطبع هم لا يرون الأحداث الدموية آلاماً، بل كانت عملية مسرحة لما يشعرون به. والبعض منهم يراها نوعاً من إظهار وفضح لما فعله بهم الحاكم المستبد. وهم بذلك يسددون – بأخص ما يملكون- ضربات تمثيلية للنظام القائم. ورغم أن الجسد هو المستخدم الأول إلاَّ أنه إيصال لما يمتلك الفرد من بصمات الاستبداد في ماهيته الحسية، في حياته الخاصة.

وكذلك طبقاً لمارتن هيدجر حاول المتظاهرون بلوغ أبعد احتمال لما يوجدون فيه من استثناء. وهو استثناء يؤكد قاعد الاستبداد السياسي من جهةٍ، ويعريه بما فعله طوال عهود من جهةٍ أخرى. وليس أدل على هذا الوضع من استمرار مسلسل الموت. سواء بالتفجيرات التي اعتبرها الارهاب ثأراً من أنظمة القمع أم من عمليات تبديد الحياة في العشوائيات والتخلف وإهدار الوقت. ولا ينفصل عن ذلك أيضاً مشاهد الجثث الطافية للمهاجرين غير الشرعيين في عرض البحر بحثاً عن فرص حياة كريمةٍ لا يجدونها في مجتمعاتهم.

هكذا لم يكن ليتوقف الموت إلاَّ بتوقف الاستبداد. هذا الذي يعتبر نوعاً من القتل المقصود، ولكن بأيدي الموتى (الضحايا) أنفسهم. لأن ثقافة الحياة تحتاج تدعيماً متواصلاً، من خلال سياسات التقدم والانفتاح والاقبال على مباهج التغيرات الحقيقية لا المزيفة نحو الأفضل. فليس الارهاب هو من يدمر حياة الشعوب فحسب، بل الأنظمة السياسة التي عملت على إفناء قدرات الإنسان أيضاً. ولا يعد هذا الوضع مبرراً لذاك الارهاب من قريب أو بعيد. فالاثنان يسهمان بقوةٍ في حالة اللاجدوى التي تعيشها المجتمعات العربية حتى اللحظة. ولهذا سيكون الاستبداد مؤثراً على أجيالٍ يجب حمايتها مما غرس فيها من (موت ذاتي) محقق. وذلك فقط عن طريق الحياة السعيدة التي تتوافر على التنوع والتعددية واحترام حقوق الإنسان. إنَّ استمرار الاستبداد في مواقعة من عصر عربي إلى آخر هو جريمة مستقبلية على الأصالة.

إذن السؤال الحيوي هو: كيف تُولد أجيال مختلفة في المستقبل وتنشأ وتحيا تحت سقف الحرية؟!

لعلَّ أملاً كهذا هو الشيء الجدير بأن يُخرج الإنسان من دائرة الموت، والأهم أنَّه سيضعه داخل نهر الحياة الجارية. تلك الحياة التي هي ابداع متواصل أو هكذا يفترض ضمن جميع المجالات. وبهذا لا تقل آثار السياسة خطورة على المجتمعات مع كل احتكار وتسلط أو نفيهما .. وجميع الناس يعلمون هذا إلاَّ المستبدون الجدد الذين يسلمون الشعوب إلى بعضهم البعض.

 

د. سامي عبد العال

 

 

اكرم عثمانإن المحافظة على الموارد البشرية أمر جد خطير ليس بالسهل حيث تواجهنا مشكلات وتحديات جمة أكثرها شعور الموظف بعدم الارتياح والضغوط والتوترات والشعور بالتهديد وغياب الاطمئنان والأمن الوظيفي في ظل تجاذبات وصراعات بين الموظفين أنفسهم والمسؤولين والزبائن كذلك، فتدوير الموظفين من غيابات عن العمل والتهديد بتركه والذهاب للمنافس للعمل معه أو التفتيش عن عمل يريح الموظف ويشعره بنفسه ويحترم مواهبه وطاقاته وخبراته، وفي خضم الأزمات العالمية والإقليمية والمحلية من غلاء وتضخم في الأسعار وعجز عن الإنفاق وغياب القدرة على مسايرة الأوضاع والصرف وإدارة أنفسنا وأسرنا والاستمتاع في الحياة والرفاهية.

ما الحل برأيكم ؟ لكي نحافظ على مواردنا ومقدراتنا البشرية من موظفين وعاملين في ظل التنافس المحموم بين أصحاب وأرباب العمل، تحتاج منا كشركات ومؤسسات أن نعمق قيم وتوجهات إيجابية جاذبة ومحفزة للعقل البشري والوجدان والمشاعر والفهم بأن من أغلى ما نملك الموظفين العاملين أولئك الذين يجذبون الزبائن ويحركون مبيعاتنا ويسيرون أعمالنا ومجريات شركاتنا، فهم الواجهة التي يسوقون بها أعمالنا ويحافظون على علاماتنا التجارية وسمعتها وصورتها الذهنية الإيجابية في عقول ونفوس العملاء والزبائن.

مطلوب منا أن نسخر طاقاتنا لقيم أصيلة متجذرة في سياساتنا وشخوصنا ومعاملاتنا من احترام وتقدير للموظفين وجهودهم وأعمالهم فلا ننسى التميز والنجاح والحصول على الأهداف البيعية والنجاح مع العملاء، وأن نتعامل كشركاء معهم بعيداً عن حسابات السيطرة السلبية والاستحواذ على الموظفين وكأنهم عبيد وخدم لنا ، فإن أعمق ولاء للشركة أن يشعر الموظف أنها شركته وهو شريك مع غيره فيها، بالإضافة للرواتب التي تتناسب مع الجهود والنجاحات المقدمة والمعطاءة مع التحفيز والمكافآت والبيئة المهنية المريحة البعيدة عن الصراعات والتجاذبات فهي التي تعمق فكرة تحريك طاقات العاملين نحو الشركة وأعمالها وتحدث الانسجام والثقة.

والله ولي التوفيق والسداد

 

بقلم الدكتور أكرم عثمان

مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

2021-11-06

 

عدنان عويدفي المفهوم: يُعرف الانتماء لغةً: بأنه الانتساب إلى شيء ما أو ظاهرة ما، كانتماء الفرد إلى والده أو عشيرته او طائفته أو بلده أو وطنه أو أمّته أو منظمته أو حزبه .. الخ.

ويعرف اصطلاحاً بأنه التمسك، بعنصر من عناصر البيئة المحيطة بالأفراد، والمحافظة على الارتباط به وجدانيّاً، وفكريّاً، ومعنويّاً، وواقعيّاً، مما يدلّ على قوة الصلة التي تربط بين الفرد والشيء الذي ينتمي له، سواءً أكان انتماؤه لوطنهِ، أو عائلتهِ، أو عمله، أو غيرهم.

أنواع الانتماء:

أولاً: الانتماء الوطني:

وهو من أهم أنواع الانتماء، على اعتباره مرتبطاً بالوجود التاريخيّ والاجتماعيّ والنفسيّ والقيميّ والاقتصاديّ والسياسيّ والثقافيّ للفرد.

إن الإنسان الذي يحافظ على انتمائه لوطنه، وأرضه وتاريخه، سيتمكن عندها من تحقيق مفهوم ومعنى الانتماء الذي يرتبط بالمواطنة، التي تعني في سياقها العام، التجسيد القانونيّ والقيميّ لكافة المبادئ والحقوق والواجبات التي يشعر المواطن من خلالها بوجوده وكرامته داخل الدولة التي يعيش فيها، وأنه جزء من أجزاء مكوناتها الاجتماعيّة.

ويأتي اعتزاز الأفراد بهذا الانتماء وتعزيزه، عن طريق الالتزام والثبات والتفاعل مع احتياجات الوطن، والعمل على تنميته وتطوره. والانغماس في حمايته والتضحية من أجله.

إن البداية الفعليّة لمفهوم الانتماء للوطن، تأتي مع ارتبط الإنسان تاريخيّاً بالمكان الذي ينتمي إليه: فارتباط الفرد بالمكان يأتي من خلال وجوده أو عيشه على بقعة جغرافيّة تسمى الوطن

يعتبر مفهوم الانتماء للوطن في الحقيقة، من المفاهيم المتوارثة التي تولد مع الإنسان، وذلك عن طريق الارتباط بأسرته وذويه والأرض التي ولد عليها هو وأهله وأجداده. إضافةً لهذا فهو يعتبر مفهوماً مكتسباً، ينمو ويتبلور ويتجذر عند المنتمي بشكلٍ أكبر من خلال المؤسسات المختلفة في المجتمع التي تعمل على تنميته عند الفرد، كالمدارس والجامعات والإعلام والأسرة وغيرها من المؤسسات التي تغذي روح وقيم المواطنة. وعل هذا الأساس، تناول الأدباء والكتاب والفنانون مضامين المواطنة عن طريق كتاباتهم التي يشحنون بها عقول وعواطف الأفراد، لتعميق انتمائهم الفعلي للوطن والتمسك به والتضحية من أجله.

تجليات الانتماء:

لا شك أن هذا الانتماء سيظهر في الأفعال والمواقف والأعمال المختلفة التي تهدف إلى حماية هذا الوطن ورفعته وتقدمه. وتتجسد تلك المواقف والأفعال والأعمال، في العديد من السلوكيّات المختلفة الصادرة عن الأفراد، التي ستعبر عن موقف ورؤية الفرد والمجتمع تجاه ما يحدث على أرض الوطن ومجتمعه. كما يعتبر الانتماء من الاحتياجات المهمة التي تشعر الفرد بالرابط المشترك الذي يربطه بأرضه وبأبناء وطنه. وسيؤدّي هذا الشعور بالضرورة إلى صقل حالة الانتماء لديه وبالتالي التفاني في خدمة الوطن والمجتمع والتضحية من أجله، والمشاركة في إعماره.

ومن القيم المهمة بالنسبة لقضيّة الانتماء للوطن، والتي يجب العمل بها وعدم التغاضي عنها، ضرورة إبراز قيمة الوحدة الوطنيّة، وتحويلها لهدف يعمل الجميع من أجل تحقيقه على أرض الواقع، والمحافظة على استمراريته، فالوحدة الوطنيّة تعتبر من المسلمات في كل الأوطان، والتي من شأنها العمل على تقوية المجتمعات والمحافظة على أمنها ورخائها.

إن الانتماء للوطن بشكل عقلانيّ، سيذيب أو يلغي بالمحصلة كل الانتماءات الأخرى الضيقة من عشيرة أو قبيلة أو طائفة أو مذهب أو أيديولوجيا أو حزب.

الانتماء الديني:

وأقصد في هذا الاتجاه الانتماء الدينيّ القائم على العقل والمنطق والمعرفة الصحيحة لهذا الدين، وليس الدين القائم على العواطف والمصالح الشخصيّة الأنانيّة الضيقة.

لا شك أن هذا الانتماء العقلاني للدين، هو من أنواع الانتماءات المهمة التي ترتبط الإنسان بدين ما من الأديان، وذلك من خلال المعرفة الشاملة والكافية بقواعدهِ وأحكامه والمبادئ الخاصة بهِ. والأهم مقاصده الإنسانيّة والحرص على تطبيقها تطبيقاً صحيحاً وسليماً، ممّا يؤدّي إلى عكس صورةٍ إيجابيّة عن الإنسان المتدين في المحيط الذي ينوجد فيه. وهذا ما يدعو له الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، الذي يعتمد في جوهره على احترام حقوق كافة الناس من الديانات الأخرى رأياً وعقيدة، مثلما يحرِص على تطبيق التعايش، والتفاهم بين كافة مكونات المجتمع الواحد. بيد أن هذا الانتماء غالباً ما يتحول إلى تعصب، وخاصة في تفريعات الدين الواحد كالطائفة والمذهبيّة، وهنا تكمن كارثة الدين حيث تسعى كل طائفة أو مذهب إلى اعتبار نفسها هي الفرقة الناجية، ومن حقها أن تحوز على كل شيء، والوقوف بوجه الاخر المختلف واقصائه والتعامل معه بدونيّة، خاصة إذا وصلت هذه الطائفة أو المذهب إلى السلطة، وأصبحت بيدها مقدرات الآخرين.

الانتماء الفكريّ و الأيديولوجيّ:

هو الانتماء الذي يرتبط أو يتقيد بفكرة ما، أو أيديولوجيا ما، ويسعى الإنسان المنتمي هنا إلى إثبات مصداقيّة، وصحة هذه الفكرة أو الأيديولوجيا، بالاعتماد على كافة الأسباب، والعوامل والظروف التي أدت إلى حدوثها، ومن الأمثلة على الانتماء الفكري: الانتماء إلى تيار سياسيّ ما، أو فلسفة ما، أو مدرسة  أدبية معينة. وخطورة هذا الانتماء في حالة سيطرته على حامله الاجتماعي إن كان مفكراً أو فيلسوفا أو أديباً أو فناناً، أنه يفقد توجهه العقلانيّ عند صياغة أعماله وتعميمها.

الانتماء الحضاريّ:

يشير مفهوم الانتماء الحضاريّ إلى انتساب الفرد لحضارة معينة بإظهار تأييده وتبعيته لها بكافة جوانبها، الثقافيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو السياسيّة، ويلعب الانتماء الحضاريّ دوراً فعالاً في تحديد هويّة الفرد والمجتمع، وتأطيرهما بصورة ثقافيّة أو فكريّة مستوحاة من السياق التاريخيّ لها ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً. وبالتالي تحديد الموقف العام تجاهها.

يعتبر الانتماء الحضاري بمثابة وسيلة فعالة تحافظ على شخصية أمة بأسرها، وتصونها من الطمس والاندثار في ظل الاختلاط غير الممنهج بين الشعوب.

الانتماء في علم النفس:

يذكر في علم النفس، بأن الحاجة إلى الانتماء كانت ضرورة ملحة لإثبات ذات الانسان وارتباطه بجذوره أو بالقيم والمبادئ التي ينتمي إليها. فالانتماء علاقة إيجابية ضرورية، يكمن فيها معنى للحياة التي تحقق منفعةً مجدية للإنسان، فيصبح الإنسان راقياً إلى حد العطاء بلا حدود، فيتصف بالإيثار والتضحية، وبذلك تطغى على الأمة أعلى صور الانتماء عند أي محاولة للنيل من وجودها من قبل الخارج.

الانتماء والمواطنة والهوية:

هناك عدد من المفاهيم التي يقترن بعضها بالآخر، وبالتالي تحيل إلى بعضها وهي: الانتماء، والمواطنة، والهويّة، فهي مصطلحات تكمل بعضها البعض في صقل شخصيّة الإنسان وتقويمها ليتمكن من مواجهة الحياة، وتأدية ما يترتب عليه من واجبات وحقوق اتجاه ما ينتمي إليه من حضارة أو وطن.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العَرَبي بين خِطابين (11)

ونعود- بعد أن طوَّفنا ما طوَّفنا في المقالات الماضية في الخطاب الذُّكوري العَرَبي، الذي طالما تعامَى عنه المتعامون قديمًا وحديثًا- إلى أستاذ (أبي العلاء المعرِّي)، ونعني: (أبا الطيِّب المتنبِّي).  فالمتنبِّي هو القائل في هجاء (كافور الإخشيدي):

لَقَد كُنتُ أَحسِبُ قَبْلَ الخَصِيِّ

أَنَّ الرُّؤوسَ مَقَرُّ النُّهَى

فَلَمَّا نَظَرتُ إِلى عَقْلِهِ

رَأَيتُ النُّهَى كُلَّها في الخُصَى!(1)

وهذا إرثٌ ثقافيٌّ يَرَى العقل ذُكوريًّا.  وممَّا يومئ إلى ذلك المعتقَد قول (أبي تمَّام)(2) من قبل:

تَصْدا بِها الأَفهامُ بَعدَ صِقالِها

وتَرُدُّ ذُكرانَ العُقولِ إِناثا

أمَّا بيت (أبي الطَّيِّب)، في مرثيته لأخت (سَيف الدَّولة)- التي سمَّاها: (فَعْلة= خَولة)- وقد تطرَّقنا إلى تفكيك تلك المرثيَّة في الحلقة السابعة من هذه السلسلة(3)، وهو:

قَد كانَ كُلُّ حِجابٍ دونَ رُؤيَتِها

فَما قَنِعتِ لَها يا أَرضُ بِالحُجُبِ

فإيماءٌ إلى حِجاب الوَأْد، الذي صَرَّح به تلميذه (المعرِّي) أبلغ تصريح، إذ قال:

ودَفْنٌ والحوادثُ مُفْجِعاتٌ

لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُماتِ!

غير أنَّ مرثيَّة (أبي الطَّيِّب)- التي كان يكنِّي عنها ب"فَعْلَة"- هي "كريمة سَيف الدَّولة"، كما يُكنَّى عن اسم المرأة في عصرنا، وليست كأيِّ كريمة.  وعندئذٍ تَصِحُّ استعارة بيت (أبي الحسن الأنباري) في حقِّها:

فدَفْنٌ في الحياةِ وفي المَماتِ

لَحَقٌّ تِلْكَ إِحدَى المُعْجِزاتِ!

وهكذا جاء خطاب (أبي الطيِّب) متأرجحًا في موقفه من المرأة بين السَّلب والإيجاب، وهو إلى الأوَّل أقرب.

ومن خلال ما تَقدَّم من مقالات في هذا الموضوع، نستنتج الآتي:

1- إنَّ خطابنا الأدبيَّ يكشف فيما يكشف عنه أنَّ جُلَّ ما يُطرَح عادةً على أنَّه قِيَمٌ عَرَبيَّة، أو حتى أخلاقٌ إسلاميَّة، إنَّما يمثِّل قِيَمًا انحيازيَّة إلى مجتمع الرجال، بصفةٍ خاصَّة، بحيث يَصدُق القول إنها: قِيَمٌ ذُكوريَّةٌ في منطلقاتها، أعرابيَّةٌ في أهوائها.  هذا على الرغم ممَّا تؤكِّده الدراسات من أنَّ المرأة كانت- حتى في لحظات التاريخ التحوُّليَّة وانهيار المجتمعات- هي مخزن القِيَم، ومرجعيَّتُها الإيجابيَّة، المعاندة لخراب الحياة(4)، في وقتٍ قد يسعَى الرجال فيه بأرجلهم وأيديهم إلى خراب الحياة والديار.

2- إذا كان قد وقع الصِّراع حول ما سُمِّي ب"عمود الشِّعر العَرَبيِّ" في العصر العبَّاسي، ويعني اتباع تقاليد القصيدة الجاهليَّة(5)، وكان (البحتريُّ) هو النموذج المثاليُّ في اتِّباع سنن ذلك العمود، فقد كان ثَمَّةَ عمودٌ آخَر للقِيَم، يميد بين خطابَين، خطابٍ يحذو حذو الثقافة الجاهليَّة، كما وصلت إلى العصر العبَّاسي، تمثَّل في خطاب البحتريِّ أيضًا، الذي رأينا بعض ملامحه في المقالات السابقة، وخطابٍ مقابل، يَخرج نِسبيًّا عن عمود القِيَم العَرَبيَّة القديمة، تمثَّل في خِطاب (المتنبِّي)، من خلال بعض نماذج شِعره.  وحين تطرَّقنا إلى عمود القِيَم العَرَبيَّة الشِّعريَّة، الذي لا أثر فيه يُذكَر لاحترام المرأة في حياتها، ولا حتى لرثائها بعد مماتها، فنحن نعني هذا لدَى من بألسنتهم زمام الصوت الشِّعري العَرَبيِّ الرئيس.  وإنْ كنتَ لا تعدم في سِواهم، من العلماء والفضلاء، خلاف ذلك.(6) لكن هؤلاء ظلُّوا طيفًا هامشيًّا، ومن القِلَّة الحضوريَّة بمكان.

3- إنَّ ما سُمِّي ب"عمود الشِّعر العَرَبيِّ" لم يكن تقاليد فنيَّة في بناء القصيدة فحسب، لكنَّه كان- إلى ذلك- تقاليدَ اجتماعيَّةً موروثة.  ولذلك فإنَّ شاعرًا ك(أبي تمَّام) لم يستطع تجاوز العمود الثاني، أي العمود الاجتماعي، وإنَّما انحصرت محاولاته التجديديَّة في تجاوز العمود الأوَّل، أي العمود الفَنِّي الشَّكلاني، لا أكثر، المتعلِّق بلغة القصيدة، وصِيَغها البلاغيَّة. على حين بقي محتوى القصيدة غارقًا في تقاليد الثقافة الموروثة عن العصر الجاهلي، وهو في هذا لا يختلف عن البحتري.

*  *  *

زَعَمُوْهُمْ ، في أُمتِيْ ، شُعَراءَ

فإِذا هُمْ (شِيْنٌ) يَضُمُّ  «عَراءَ»

لَمْ يُهذِّبْهُمُ انْتِماءٌ   لِ(طَهَ)

لَمْ يَزِدْهُمْ لِلحَقِّ إِلَّا ازْدِراءَ

وإِذا كانَتِ العُقُوْلُ   صِغَارًا

كَبُرَ الباطِلُ القَدِيْمُ انْتِماءَ!(7)

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

...........................

(1)  (د.ت)، شرح ديوان المتنبِّي، وضعه: عبدالرحمن البرقوقي، (بيروت: دار الكتاب العَرَبي)، 1: 166.

(2)  (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزام (القاهرة: دار المعارف)، 1: 322/ 36.

(3)  انظر المقال على الرابط:  https://bit.ly/2ZxMIDu

وقد ناقشنا هناك التناقض، بين استبدال "فَعْلَة" باسم (خَوْلَة)، وفي الوقت عينه وصف الشاعر إيَّاها بما يكفي لمعرفتها عند العَرَب، بل تصريحه بأن وصفها يغني عن تسميتها.  وهو ما يدلُّ على أن اسم المرأة، في ذاته، كان محور القلق. وتظل الكلمة عند العَرَب أخطر من الفعل والمعنى!

(4)  انظر: كلَّاب، إلهام، (1994)، "نسق القِيَم في لبنان"، مجلَّة المستقبل العَرَبي، (مركز دراسات الوحدة العَرَبيَّة)، ع 183، ص101.

(5)  درجَ عامَّة المثقَّفين المعاصرين على اختزال مفهوم العموديَّة الشِّعريَّة في(الوزن والقافية)، حين ينعتون قصيدة ب"العموديَّة"! بل كثيرًا ما نجد هذا لدَى متعاطي النقد أيضًا. وهو خطأ اصطلاحي، فالمصطلح يشمل في النقد العَرَبي احتذاء تقاليد القصيدة الجاهليَّة عمومًا، ممَّا حدَّده (المرزوقي، أبو علي أحمد بن محمَّد بن الحسن (-421ه= 1030م)، (1967)، شرح ديوان الحماسة، تحقيق: أحمد أمين، وعبدالسلام هارون، (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر)، 8- 11)، في سبعة أبواب: شَرف المعنى وصحَّته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، والتحام النَّظْم على وزن ملائم، والتناسب في الاستعارة، ومشاكلة اللفظ للمعنى واقتضاؤهما للقافية. ولم يكن من معايير القصيدة العموديَّة الالتزام بالوزن والقافية؛ من حيث كان ذلك مسلَّمًا، لا محلَّ خلافٍ أصلًا بين المقلِّدين والمجدِّدين.

(6)  من ذلك مراثي الوزير (ابن الزيَّات، - 233ه) في امرأته.  (انظر مثلًا: ضيف، شوقي، (1966)، العصر العباسي الأوَّل، (القاهرة: دار المعارف)، 173- 174).  واللافت أن المؤلِّف قد أدرج ذلك ضمن "التجديد في الموضوعات القديمة".

(7)  من قصيدتي بعنوان "المَوءودة"، انظر: صحيفة "الجزيرة"، السبت 21 ديسمبر 2019: https://bit.ly/3q3lwYo

(*)  هذا المقال جزء أخير من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":  https://bit.ly/3m06d0e

 

 

 

محمد ابو النواعيريعاني مجتمعنا منذ عقود طويلة من عملية ثقافية  منهجية مخطط لها بدقة واحتراف، لغزو أدبياته الاجتماعية، الثقافية والأخلاقية والدينية، وبعد سقوط نظام الطاغية صدام، بدأت وتيرة هذا المشروع تتسارع بشدة، مع توفر مقومات ولوازم وأدوات هذا الغزو.

يعاني مجتمعنا اليوم من انحسار الفعل الاجتماعي الديني (كوعي وممارسة)، حيث تم استبداله من قبل الكثير من طبقات المجتمعات، بوعي دنيوي مادي هجين، ينظر الى الذات دون الالتفات لاي جانب اخلاقي (انضباطي) روحي أو آخروي.

ادوات الغزو الغربي المسلطة على مجتمعنا اليوم، اعتمدت على الصورية الخيالية الشعبوية ذات البعد الانفعالي، من خلال ضخ كم كبير من الصور والمقاطع والقصص والافكار، التي عمدت على تحقيق التطبيع القسري للذات في المجتمع، مع هذه التصورات، حتى باتت تشكل لبنة من لبنات الوعي اليومي عنده.

ما انصح به اليوم وبشدة، يا حوزتنا الشريفة، يا مؤسساتنا الدينية، يا خطباء منابر الحسين ع الكرام، ايها المؤمنين المؤثرين في المجتمع وغير المؤثرين، الى كل فرد شيعي تصله رسالتي هذه، نحن اليوم بحاجة الى استعمال نفس السلاح وبقوة، نحن بحاجة الى العمل بمنهج الضخ الاعلامي الشعبوي البسيط اليومي، وذلك من خلال قيامنا كلنا، كل فرد فينا، بذكر اي قصة لها بعد اخلاقي او ديني مرت به، يذكرها بقصة قصيرة بسيطة، علينا كلنا ان نصور وننشر اي فعالية دينية نقوم بها: صلاة ، زيارة، صلاة جماعة، حضور مجلس حسيني، حضور جلسة دينية. علينا ان نذكر اي محاورة او نقاش اخلاقي او ديني يحصل بيننا: بيني وبين اخي، زوجتي، صديقي، والدي، جيراني، معلمي.

والرجاء الرجاء، من مؤسستنا الدينية المقدسة، ومنابر الارشاد لدينا، ان يؤجلوا الحديث الردعي في خطبهم ومواعظهم عن اي شيء يتعلق بتقييد الفعل الديني الاخلاقي، كالحديث عن الرياء او العجب، الرجاء، الرجاء، التوقف مؤقتا عن الحديث عنها، فعلينا ان نشجع نشر صورة الفعل الاجتماعي الاخلاقي الديني، حتى لو كان رياءا او عجبا، لنحقق تغطية صورية انفعالية وجدانية متخيلة، لعموم الوعي المجتمعي، فالمتلقي لا يعلم ان هذا الفعل رياءا ام لا، بل هو سيراه فعل اجتماعي متكامل سيتفاعل معه ولو بجزء يسير.

إن اعادة تعبئة الذاكرة اليومية البسيطة للافراد في المجتمع عبر تركيز هذه التصورات، سيساهم باعادة بناء وترميم الوعي (اليومي). وبالاستمرار، سيقود الى اعادة ترميم و تشكيل الوعي المجتمعي، والذي سيقود الى تكوين الاتجاهات في المجتمع، وتحقيق حالة توازن ردعي ديني اعلامي في الوعي الجمعي، تحصن ضد الغزو التثقيفي الغربي. (تكوين الاتجاهات الاجتماعية، هي اخطر واهم مرحلة يصل لها الوعي الجمعي).

ما نحن بحاجة له اليوم، هو رياء في الفعل الاجتماعي الديني الاخلاقي، ينطلق وينتشر باقصى قوة. واحلى ما في هذا المنهج المذكور اعلاه، هو انه سهل متيسر، متوفرة ادواته لكل الناس، عبر صورة او قصة في وسائل التواصل الاجتماعي، او حادثة ترويها بين اصدقائك، او حلم تقصه على اهلك، نستطيع من خلالها خلق تفاعل وجداني يتسع مداه بسرعة مقبولة نسبيا.

والله من وراء القصد .

 

د. محمد ابو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية المعاصرة في السياسة.

 

خالد عمر حشوانحب الذات هي غريزة نفسية ورغبة الإنسان في تحسين كيانه ووجوده وهي أحد أساليب التقدير للنفس وانعكاس للشخصية أو تعبير لما يشعر به الإنسان في داخله من خلال المشاعر التي تظهر مدى تقدير واحترام النفس.

وهناك اعتقاد خاطئ عند البعض هو أن كل حب للذات هو نوع من أنواع الأنانية التي تتعارض مع القيم الإنسانية وحب الآخرين، حيث يمكن للإنسان التعامل مع هذه الغريزة بعدة طرق إيجابية للاستفادة منها واستخدامها كسلاح قوي يواجه به مصاعب الحياة وتقلبات الأيام وسوف أركز على بعض منها لأهميتها القصوى في نظري على شكل نقاط وهي كالتالي:

أولا: التركيز على مواطن القوة لدى النفس

لابد لكل إنسان أن يعرف ذاته جيدا ويركز على مواطن القوة الداخلية فيها كي يتم استثمارها بشكل مناسب ومثمر يزيد من ثقته بنفسه وينمي حب الذات لديه، وتأتي هذه الخطوة بالتركيز على الأهداف والنجاحات والإنجازات التي حققها الإنسان في حياته سوآء على مستوى الدراسة أو العمل أو الجانب الأسري دون غرور حتى تكون دافعا له لتحقيق مزيدا من النجاحات وتنمية حب الذات الإيجابي.

ثانيا: معرفة نقاط الضعف وتحويلها إلى نقاط قوة قدر المستطاع

لا يوجد إنسان على وجه الأرض لا توجد به عيوب ونقاط ضعف حيث لابد من معرفة نقاط الضعف حتى يكون الإنسان صريحا مع ذاته، لأن معرفة المشكلة هي بداية الحل، ثم وضعها في قائمة الأوليات للعمل عليها وتحويلها إلى نقاط قوة بإذن الله قدر المستطاع والالتزام بذلك التغيير حتى لو كان ذلك بالتدريج حسب الخطة الموضوعة، بدلا من إهمالها وتركها تؤثر في النفس وتكون عائقا له في مستقبله وطموحاته القادمة.

ثالثا: قبول الذات كما خلقها الله مع الشعور بالرضى

نعني بقبول الذات هو قبول الإنسان لكل ما يتعلق بذاته وتتمثل في الشكل والظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به، وأيضا المستوى التعليمي وهو أساس لتحرير الذات وقبولها، ومن حكمة الله تعالى ابتلائه لعباده واختباره لهم ليعلم المطيع الراضي من العاصي الساخط، وأستشهد هنا بحديث الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم في قوله " إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ " حديث حسن.

رابعا: حب الذات دون إفراط في الأنانية والغرور

حب الذات هنا لا يعني التعالي والتباهي والتمادي في الغرور بحيث لا يؤدي ذلك لفصل الإنسان عن غيره ولا يساهم في رؤية الناس بنظرة دونية والعياذ بالله، بل لابد من مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم وقضاء حوائجهم قدر المستطاع لأن مساعدة الناس هي قمة الإحساس بالذات وتقدير النفس، كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وآلة وسلم " مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ " الراوي أبو هريرة -صحيح مسلم.

خامسا: تجنب السلبية ومشاعر الفشل مع تعزيز الثقة بالنفس

من المهم أن يكون لدى الإنسان الثقة بقدراته حتى ساعة الفشل وأنه قادر على التغيير وتخطي مرحلة الفشل وعدم جلد الذات، فالنجاح ليس دائما الأهم بل الجهد المبذول هو المكسب الحقيقي للمواصلة لطريق القمة لأن حب الذات يستلزم ترك القلق والتفكير في التغيير والتحسين للأفضل بطريقة إيجابية وهو ما ينمي حب الذات ويعزز الثقة بالنفس للوصول للأهداف المنشودة بالمحاولة الجادة والإصرار وهو نوع من التحدي دائما ينجح فيه أصحاب الإرادة القوية.

سادسا: حي الخير للغير كحب الخير للنفس

حب الخير للنفس هي طبيعة خلقها الله في النفس البشرية، وكي يكون هذا الحب إيجابي، لابد من تدريب وترويض النفس لمعادلة حب النفس لحب الغير، وخير دليل لنا في ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين الأخيار الذين أثرت فيهم الشريعة الإسلامية ورفعت شأنهم عن النظرة الدونية والعصبية ونظمت علاقة الذات فيما بينهم، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه " صحيح البخاري.

وفيها تتجلى روعة الإسلام وعدالته في مساواة حب الخير للغير كحب الخير للنفس فجعله أحد الدلائل على رسوخ الأيمان واكتماله عند المسلم الذي يتميز بأخلاقه الراقية والسامية في المجتمع .

وأخيرا وليس آخرا، حب الذات لا يعني التفكير في الأمور الإيجابية والسعادة الدائمة للنفس فقط، لأن ذلك يعد انحرافا عن المعنى الحقيقي للحياة الواقعية، بل يعني تقدير النفس واحترام الذات الذي ينمو ويتطور عن طريق الممارسات الإيجابية التي تدعم النمو النفسي والروحي السوي للإنسان وتقبل نقاط الضعف والعمل على تغييرها، وتعزيز نقاط القوة والثقة بالنفس لتحقيق النجاحات المتتالية للوصول إلى السعادة وحب الذات الإيجابي.

 

خالد عمر حشوان

  

علاء اللاميلذكرى د.يوسف متي قوزي، أستاذ اللغتين السريانية والعبرية في كلية اللغات -جامعة بغداد، الذي رحل عن عالمنا قبل أسابيع قليلة.

يثير هذا السؤال تحفظات تاريخية وجغرافية وإناسية كثيرة؛ فهو من جهة يدخل في دائرة المناكفات والخطابات السياسية الانفعالية وخصوصا على مواقع الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي، وهو من جهة أخرى يكتسب شرعية الطرح والمناقشة من منظور التحقق المنهجي العلمي الإناسي والمناهج القريبة منه. وعلى هذا، لا يمكن لنا إلا أن نقدم جوابا مركبا فنقول؛ لا العراق القديم "بلاد الرافدين" كان تابعا أو امتدادا لـ"سوريا الكبرى" قبل الميلاد، إذ لا وجود لشيء اسمه "سوريا الكبرى" عهد ذاك، بل كانت هناك "بلاد الشام"، وقبلها "بلاد آرام" كما وردت في نقش الملك الأكدي نرام سين في القرن 23 ق.م، ثم في نص الملك الآشوري تجلات فلاصر الأول من القرن 13 ق.م وفي نص آخر لحفيده تجلات فلاصر الثالث في القرن الثامن ق.م، وهو الذي رحل الآراميين من مناطق يسار دجلة إلى أعالي الفرات/ ص15- آرامية العهد القديم د. يوسف متي قوزي، ولا الشام كان تابعا للعراق القديم إلا في جزء منه يتداخل مع جغرافيا حوض الفرات الأعلى؛ غير أن هناك دون ريب تداخلا وتمازجا عميقَين بين تاريخ وجغرافيا وإثنوغرافيا البلدين والشعبين الشقيقين ضمن الصيرورة الإناسية والحضارية الأكبر لجغرافيا المشرق الجزيري "السامي" في عصور ما قبل الميلاد.

الدول المركزية ودويلات المدن:

كانت بلاد الرافدين مهدا لظهور الدولة المركزية ذات السمات الإمبراطورية بفعل مميزات الوضع الهيدروليكي المائي - ضمن عوامل أخرى - للنهرين الكبيرين دجلة والفرات، المُتطلِب لهذا النوع من الدول التي تنظم وتركز وتدير الجهد البشري لمقاومة كوارث الفيضانات والسيول المدمرة المصاحبة لهذه البيئة الهيدروليكية وترويضها. وهذا ما كان يحدث دائما في الحضارات الفيضية "النهرية" الأخرى في مصر والصين والهند، أما خصوصية إقليم الشام فتكمن في أنه طُبِعَ بطابع نشوء وزوال دويلات المدن المستقلة والمهدَّدة من الجارين الكبيرين المصري والرافداني المتصارعين على النفوذ الإقليمي طوال تاريخيه القديم وحتى قيام الدولة الأموية والتي لم تستمر أكثر من ثمانية وثمانين عاما، بسبب انعدام النهر الكبير الذي يجمع مفردات العِقد الشامي.

وجوهر ما تقوله الوقائع التاريخية والجغرافية هو أنَّ العراق عراق، والشام شام، والحجاز حجاز، مصر مصر، والمغرب هو المغرب؛ وهذه هي الأقاليم الرئيسة العريقة المكونة للجغرافيا العربية والمتداخلة مع بعضها ضمن جدلية "الوحدة في التنوع، والتنوع في الوحدة" بعد ظهور الإسلام، والممتدة على "الفَرْشَة الأنثروبولجية الواحدة/ كما نظَّر لها الراحل جمال حمدان" قبل وبعد الإسلام. مع ضرورة توخي الانتباه للفرق النوعي شديد الأهمية بين الانثروبولوجي ببعده الثقافي، والإثنوغرافي بجوهره العرقي؛ فالأول - الأنثروبولجي - يقود الى الوحدة الثقافية الحضارية ذات الجوهر الإنساني، والثاني - الإثنوغرافي - تقوم عليه النزعة القومية العرقية، أوروبية المنشأ، وذات الجوهر العنصري من النمط الألماني.

ثم تغير المشهد التاريخي والجغرافي في العصر الحديث أسماءً ومسمياتٍ،  وولدت أسماء دول وأقطار عربية جديدة، متفرعة عن هذه الأقاليم وبحدود موروثة من العهد الاستعماري الأوروبي، كما هي الحال في الإقليم الذي تحول إلى عدة دول مستقلة، نعني بلاد الشام الذي يضم اليوم دول سوريا ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة؛ ودولا أخرى جمعت ووحَّدت عددا من هذه الأقاليم كما هي الحال في المملكة العربية السعودية التي ضمت أقاليم نجد والحجاز والإحساء وعسير والدهناء ونجران في دولة واحدة، ونوع ثالث بقي كما هو تقريبا؛ إقليما قديما موحدا قامت عليه دولة حديثة واحدة كما هي الحال في العراق ومصر واليمن.

اسم سوريا وجذوره:

لنبدأ باسم "سوريا"؛ فمن المعروف للمتخصصين وكثير غيرهم، أن كلمة "سوريا"، كاسم لإقليم جغرافي حديث، لم تدخل المعجم العربي القديم وتحل محل اسم "بلاد الشام" إلا في العصر الحديث، فهي اشتقاق من اسم إمبراطورية آشوريا "آسوريا" الرافدانية، والتي امتدت حدودها في أقصى صعودها الإمبراطوري لتشمل بلاد فارس شرقا، نزولا إلى مدينة سوسة "شوش" عاصمة عيلام ذات الثقافة السومرية في جنوب إيران المعاصرة، وبلاد الشام كله غربا ومعها مصر لفترة قصيرة في عهد الملك أسرحدون في القرن السابع ق.م، وشمال الجزيرة العربية جنوبا، وبلاد الأناضول وأرمينيا شمالا.

وبعد زوال الإمبراطورية الآشورية، وقيام الدولة الكلدانية "البابلية الحديثة" في جنوب بلاد الرافدين وعلى أنقاض آشور، ثم سقوط الكلدانية وبدء الاحتلال الفارسي الأخميني للعراق القديم عام 539 ق.م وصراعه وحروبه ضد الإغريق والرومان، وحتى حرب الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، وعندها، وربما قبل سقوط الدولة الآشورية بقرن أو يزيد، صار هذا الاسم "آسوريا" يعني لدى الجغرافيين والمؤرخين الرومان والإغريق - وليس لدى نظرائهم العرب - الجزء الغربي من الدولة الآشورية، وهو الجزء الذي يضم جزءا من الشمال الغربي للعراق المعاصر والجزء الشرقي على امتداد نهر الفرات من سوريا الحالية، وبقي استعماله رومانيا وإغريقيا.

ولا علاقة لاسم سوريا بمملكة "أسروينا" الصغيرة والتي ظهرت في شمال بلاد ما بين النهرين بين نهاية القرن الثاني ق.م. وأوائل القرن الثالث الميلادي، وكان اسمها بالآشورية "أدما" وعاصمتها الرها وقد حكمتها سلالة الأباجرة العربية ولذلك ورد اسمها بالسريانية "عربايا"، وهي - كما يسجل الراحل يوسف متي قوزي ص 32 م.س- أول دولة مسيحية في التاريخ وقد سبقت تبني الدولة الرومانية للدين المسيحي بقرنين تقريبا، وكانت الرها ملاذا آمنا للمسيحيين الأوائل الناجين من الإبادة الرومانية في عهد الإمبراطور نيرون.

تداخل إقليمي وتمازج أنثروبولوجي:

نعلم من وثائق ومعطيات التاريخ والأركيولوجيا الحاضرة بقوة هنا، أن هذا الجزء من سوريا الحالية، وعلى امتداد نهر الفرات، كان جزءا وامتدادا لدول بلاد الرافدين منذ بداية ظهور هذه الدول المركزية المتعاقبة، ومنها الدولة الآشورية، وكانت حدود بلاد الرافدين تصل إلى مدينة قرقميش على نهر الفرات في تركيا الحالية شمالا، والتي عثر فيها على آثار وكتابات مسمارية رافدينية، بل تمتد إلى أبعد من ذلك فتتعدى مدينة حران، التي تقع حاليا جنوب شرق تركيا، عند منبع نهر البليخ، وهو أحد روافد نهر الفرات، وتتبع حاليا لمحافظة "أورفة" التركية.

وقد ظلت مدن الفرات الأخرى على الشريط الفراتي بين مملكة مدينة ماري القريبة من بلدة البو كمال السورية القريبة من الحدود العراقية بمسافة 11 كم، وحتى ما بعد مدينة قرقميش وحران شمالا، ظلت جزءا من حضارة بلاد الرافدين ودولها تارة، أو أنها شهدت قيام دويلات المدن ذات اللغة والثقافة والحضارة الرافدانية تارة أخرى كما هي الحال في دولة مدينة أسروينا شمالا وإبلا غربا قرب بلدة سراقب في محافظة أدلب.

قد عُثر في هذه المدن - كما قلنا - على الكثير من الآثار الرافدانية ومكتبات كاملة باللغات الرافدانية السومرية فالأكدية فالآشورية مدونة بالخط المسماري، بما ويؤكد وحدة النسيج الحضاري والإناسي لسكان هذه المنطقة مع الشعوب الرافدانية القديمة، فكيف يستقيم - والحالة هذه - أن يجعل البعضُ بلادَ الرافدين امتدادا أو تابعا جغرافيا وحضاريا لـ "سوريا الكبرى" التي لم يكن لها وجود كياني أو حتى اصطلاحي عهد ذاك، ويحكم بعضهم بجرة قلم وبعيدا عن العلم ومعطياته بأن هذه المناطق والمدن وبلاد الرافدين كلها هي جزء من "الحضارة السورية القديمة"، في حين أن ما نسميها اليوم بلاد الشام وحتى فلسطين جنوبا لم تخرج كلها من حالة دويلات المدن -أو المشيخات الأميرية بعبارة توماس طومسون - إلى الدولة المركزية ذات السمات الإمبراطورية إلا في العصر الأموي سنة 662 بعد الميلاد؟

الإمبراطورية الآشورية:

لنلقِ نظرة سريعة على جذورها وتاريخها وماهيتها وهويتها الإناسية الرافدانية البحتة؛ فهي واحدة من دول بلاد الرافدين المركزية الإمبراطورية أرضا وشعبا وعاصمة. نشأت في شمال البلاد على نهر دجلة وليس على الفرات، وتوسعت في الألفية الثانية ق.م. وامتدت شمالاً وغربا إلى مدن نينوى ونمرود وخورسباد ثم امتدت لتشمل أقاليم الجنوب العراقي بعد الاستيلاء على بابل.

وقد مرت بلاد آشور بأربعة عصور كما يسجل المؤرخ العراقي عامر سليمان: الأول هو عصر التبعية لبلاد سومر وأكد طوال الألف الثالث قبل الميلاد، وكانت مدينة آشور أحد المراكز الإدارية المهمة التابعة للدولة الأكدية، وعثر فيها وفي نينوى على آثار للنفوذ الأكدي السياسي والحضاري، منها زقورة للإله أنليل تحمل طابعا أكديا. والآشوريون كما يعتقد أغلب الباحثين والمؤرخين هم من الأكديين الذين قطنوا المنطقة الشمالية من حوض نهر دجلة، بعد هجرتهم من منطقة بابل خلال العهد الأكدي/ ص122 من كتاب "العراق في التاريخ".

والعصر الثاني هو الآشوري القديم ويغطي الحقبة بين 2000 ق.م وحتى 1521 ق.م. وينقسم هذا العصر إلى ثلاث مراحل تنتهي ثالثتها باعتلاء بوزور آشور الثالث وبدء العصر الثالث والذي يسميه المؤرخون "الآشوري الوسيط"، الذي دام ستة قرون تقريبا وينتهي في سنة 911 ق.م. وفي هذا العصر بلغ التمازج الحضاري والإناسي بين الرافدانيين الشماليين الآشوريين و الجنوبيين البابليين ذروته، وبرزت ملامح الدولة المركزية الرافدانية الإمبراطورية الموَّحَدة، واكتملت في العصر الآشوري الرابع "الحديث"، وبلغت الإمبراطورية الآشورية فيه أوج نضجها واتساعها. وانتهى هذا العصر بسقوطها على يد البابليين الكلدانيين بزعامة نبوبلاصر وفتح عاصمتها آشور سنة 614 ق.م، وموقعها اليوم في قلعة ومدينة الشرقاط "آشور كات" أي "مدينة لذئاب"، 320 كم شمالي بغداد، وهي اليوم مدينة حية ودائرة إدارية "قضاء" تابع لمحافظة صلاح الدين العراقية.

في عام 853 ق.م، دارت معركة كركرا أو قرقورا بين الجيش الآشوري بقيادة الملك شلمنصر الثالث ضد جيش عرمرم مؤلف من مقاتلي دويلات ومشايخ مدن بلاد الشام، شارك فيه اثنا عشر ملكا متحالفا تحت قيادة ملك دمشق حدد عازر، في بلدة قرقور، وانتهت المعركة بانتصار الآشوريين وإخضاع جميع دول المدن في بلاد الشام حتى الحدود الجنوبية مع مصر.

وقاد الملك الآشوري أسرحدون بن سنحاريب حملتين لغزو مصر وإنهاء تدخلاتها في مناطق النفوذ الآشورية بفلسطين وعموم بلاد الشام ولوقف تحريض شعوب الإقليم ضد الآشوريين، وانتهت الحملة الأولى إلى الفشل سنة 674 ق.م، وهَزَمَ الفرعونُ النوبي طاهرقا الآشوريين، وفقاً للسجلات البابلية. ثم قاد أسرحدون حملة ثانية أكبر من السابقة سنة 676 ق.م، توجت بالانتصار الآشوري واحتلال مصر ودخول العاصمة الفرعونية منف "ممفيس" وهروب الفرعون طاهرقا جريحا، وأُسِرَتْ عائلتُه الملكية، ولكن هذا الاحتلال الرافداني لمصر لم يدم طويلا وانتهى بانسحاب الآشوريين بعد سنوات قليلة تحت ضغط المشاكل التي تعرضت لها الإمبراطورية في موطنها شرقا.

اختفت مملكة آشور كدولة وإمبراطورية توالى على حكمها اثنان وسبعون ملكا، بعد ان تم غزوها وإسقاطها كما قلنا من قِبل أبناء عمومتهم الجنوبيين الكلدانيين حين زحف ملكهم نابو بلاصر، واخضع أشور عام 614 ق.م، وآلَ حكم بلاد الرافدين ومناطق نفوذها إلى الكلدان الجنوبيين.

سوريا الكبرى وهم أم حقيقة؟

إن عبارة "سوريا الكبرى" مستحدثة، وليس لها أصل تاريخي مدون معروف حتى لدى من ابتكروا اسم سوريا من مؤرخين رومان أو إغريق، ولكنها واقعا وعلى الأرض تعني بلاد الشام، وهناك باحثون يستعلمون عبارة "سوريا الطبيعية أي بلاد الشام" وهي عبارة لا مأخذ عليها رغم أنها لا تضيف جديدا لـ "بلاد الشام" كاسم لإقليم شائع ومُطرد الاستعمال. وتعني "سوريا" أحيانا كما في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوتس مجموع سوريا وفلسطين على اعتبار أن لبنان "الجبل" كان على الدوام جزءا من سوريا ما بعد الرومان. وفي هذا السياق قد يكون من المفيد التذكير أن بعض هذه المعطيات ليست قديمة ومغرقة في التاريخ بل هي جديدة وقريبة من عصرنا فعلى سبيل المثال فإن لبنان الحالي هو كيانية جغراسياسية جديدة بكل معنى الكلمة، ليس لأنه كان جزءا من سوريا فحسب، بل لأن لبنان كان اسما منفصلا حتى عن بيروت المدينة والميناء، ويعني "متصرفية جبل لبنان" وعاصمتها أو مركزها قرية "بعبدا" وهي كلمة آرامية تعني باللغة العربية "بيت العابد"، قبل أن يتوحدا في "لبنان الكبير" في فترة الانتداب الفرنسي وقد أعلن الجنرال گورو عن قيامه في الأول من أيلول /سبتمبر 1920.

أي أن لبنان أو "متصرفية جبل لبنان" وبيروت المدينة كانا كلاهما جزءا من جغرافيا سوريا، وظل هذا المعطى ظل حاضرا بقوة حتى نهاية القرن التاسع عشر كما سجله الرحالة المصري أحمد أفندي سمير والذي وصفه مطولا - كما ينقل الباحث تيسير خلف في مقالة حديثة له - بعد زيارته لبيروت سنة 1890، حيث "يحدثنا الرحالة المصري عن الوضع الإداري لبيروت وسعي البيروتيين الحثيث للانفصال إدارياً عن دمشق "وتقسيم ولاية سورية إلى ولايتين؛ الأولى ولاية الشام وقاعدتها دمشق، وواليها من الدرجة الأولى. وثانيتها بيروت وهي القاعدة، وواليها من الدرجة الثانية". ويضيف: "فلما أدرك أهل بيروت بعض آمالهم، وفاتهم من رغبة الانضمام إلى لبنان ويقصد متصرفية جبل لبنان".

سوريا وفلسطين عند هيرودوتس

ورد اسم سوريا وفلسطين في مؤلفات المؤرخ والرحالة الإغريقي هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد، إذْ أشار إلى ما نسميها اليوم بلاد الشام باسم "سوريا"، وإلى جنوبها بـ"فلسطين" (Παλαιστινη پَلَيْسْتِينِيه)، وأحيانا بـ "فلسطين السورية" و سوريا الفلسطينية. ثم أطلق الرومان عليها بعد القضاء على التمرد اليهودي بقيادة بار كوخبا سنة 132م، ولاية فلسطين السورية (Provincia Syria Palestinae)، ما يدل على اضطراب المصطلح وعدم ثباته ورسوخه حتى لدى الإغريق واليونان.

ولكننا نجد في الكتابات ذات المنحى الترويجي السياسي والأيديولوجي في عصرنا ترويجا وتكرارا وتوسيعا لاستخدام عبارة "سوريا الكبرى"، وكأن هذه العبارة باتت مصطلحا عربيا أو حتى أجنبيا شائعا وموثوقاً، يتصف بما يسمى في لغة البحث العلمي بـ "الاطراد والشيوع" أي الامتداد الاستعمالي لفترة طويلة في التاريخ ورقعة واسعة في الجغرافيا مثل اسم فلسطين الذي تضربه الباحثة إنغريد يلم كمثال بهذا الصدد/"ص 11 - الماضي العصي"؛ حيث يذهب بعضهم إلى القول إن مصطلح "سوريا الكبرى يشير إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وامتداده ليشمل بلاد الرافدين والكويت والأهواز وكامل الهلال الخصيب وصولا إلى أجزاء من أرمينية وجزيرة قبرص"، ناسبين هذا التحديد الجغرافي إلى المؤرخ الروماني پلينيوس سـِكوندوس (Plinius Secundus) من القرن الميلادي الأول، غير أن هذا الرأي يدخل في باب الدعاية السياسية والخطاب الأيديولوجي وليس في باب المنهجية البحثية العلمية الرصينة.

ولكن، وحتى بوجود توثيق دقيق، فهل يمكن لوجهة نظر مؤرخ روماني أو إغريقي واحد أن تكون حجة على التاريخ والجغرافيا العربيتين، ويتم إهمال وطمس الاسم العربي الشائع والحي والمُطَّرد الاستعمال طوال قرون وقرون للإقليم وأعني "بلاد الشام"؟

بلاد الشام المضمون والجذور:

ولكن ما معنى "شام"؟ تعني كلمة شام أو شآم الشمالَ، وتقابلها اليمنُ ومن معانيها اليمين والجنوب. ويذهب الباحث المصري أحمد عيد في كتابه "جغرافيا التوراة في جزيرة الفراعنة" إلى القول إنَّ شمال اليمن حصراً هو ما كان يدعى الشام، ويبدو ان استعمال الاسم عُمّمَ لاحقا ليعني كل ما هو شمال اليمن وجزيرة العرب غربا، ولكنه لم يوثق كلامه أو يسنده بدليل تاريخي أو لغوي أو أركيولوجي للأسف. وهناك معان أخرى للاسم بعضها يربطه بسام بن نوح التوراتي أو بالشامات "جمع شامة"...إلخ، وهذه تفسيرات عشوائية لا يمكن الدفاع عنها علميا، وعموما فقد كان هذا الاسم رائجا قبل الإسلام بزمن طويل كما نقرأ في الكتابات التاريخية والجغرافية القديمة بعكس كلمة "آسوريا" وسوريا التي لم ترد فيها أبدا.

خلاصة القول هي إن أسماء "أسوريا" و"سوريا" - وإلى درجة ما "سريان"- لم تَشِعْ وتطَّرد وتتكرس كعلم جغرافي للجزء الغربي من بلاد آشور إلا جزئيا وبعد زوال تأثير مملكة آشور من المشهد التاريخي، وهو لهذا السبب يكون "سوريا" مجرد اسم لا يحمل أية دلالات إناسية أو لغوية ذات علاقة بأصله إلا على سبيل الذكرى التاريخية والجوار الجغرافي، أما من حيث مطلقيه الرومان أو الإغريق فهم غزاة وغرباء عن المنطقة، غير أنه بعث حياً في العصر الحديث وحاملا لبعض الدلالات الجغرافية ونفحة خفيفة من ذكرى الإمبراطورية الرافدانية القديمة "آشور" وصار اسما جميلا ومُلْهِماً للجمهورية العربية السورية بحدودها المعروفة وبيان استقلالها المُعْلَن في الثامن من آذار 1920، ومن حق الأشقاء السوريين أن يفخروا به.

 

علاء اللامي - -كاتب عراقي

 

 

عبد الجبار العبيديسُئل المهاتما غاندي ما هي أحسن لحظة عشتها في حياتك؟ فأجاب هي اليوم.. أما اذا سئلت العربي والمسلم نفس السؤال يقول لك: هي العصر الذهبي الاسلامي.. عصر النبوة والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين.. فالماضي محفور في مخيلته حاجزا عنه صيرورةالتاريخ.. فرق في فلسفة التفكير بين الأثنين كبير.

التاريخ يُعلمنا ان عصر النبوة العظيم انتهى بالغزوات وفتح مكة ووثيقة المدينة ، سجل الرسول (ص) فيها حقوق وواجبات المسلم ولم يأمر بتسجيلها كدستور ملزم التنفيذ ظناً منه ان العقيدة أصبحت عقيدة عند الوارثين.. على طريقة قانون حمورابي والوثائق الرومانية عند السابقين.. لكن بعد وفاته سنة 11 للهجرة أخفيت الوثيقة في ظروف غامضة ولم يعد لها من تأثير.. وحتى اليوم .

كما أخفوا الامويين والعباسيين الوثيقة التي تتعارض وحكم المغتصبين... كان المفروض على المؤرخين تدوين الوثيقة ، والالتزام بتطبيقها.. لكن حكم القانون لم يكن متعارفا عليه في ذلك الزمن القديم.. فُترك الامرسائبا والخلاف بين المهاجرين والانصارقائماً.. و بين أمية وهاشم متأصلاً.. فلم تعد للشورى مكانة في التثبيت.. وهكذا كانوا.. وكنا اليوم.. دولة بلا قانون..

من هنا.. برزت سياسة الخلاف بين المهاجرين والانصار على السلطة والمال الوفير.. في عصرهم الذي سموه بعصر الراشدين والذي انتهى.. بالعنف.. فقتل ثلاثة منهم ولامغنم حضاري حصلنا عليه من حكمهم سوى لغة العنف.. بالسيف.. كما كما في قمع القبائل العربية وما أطلقوا عليه بالردة على نظام الزكاة الذي كان حديث عهدٍ بالمسلمين.. فتغلب على المجتمع عصر البداوة وغابت الشورى والتحديث.. بعد ان تأصلت في مجتمعنا الاسلامي المطامع الشخصية وضعفت العقيدة.. فغاب العدل والقانون..

من هنا توقفت الدعوة الدينية ولم يعد لها تأثير مباشر في التغيير.. بل ظلت كعقيدة دينية مقدسة يفتي فيها الفقيه دون تأصيل.

وما ابتكر فكرة نظرية الفتوح الاسلامية الا لأمتصاص الخلاف بينهم خوفا من الفوضى الداخلية.. هنا تغلبت الهشاشة المادية على الهشاشة الفكرية التي بها كانوا يتظاهرون.. ولا زال السيف الى اليوم مرسوما على اعلامهم يرافق العقيدة دون عقل وتفكير .

وبهذا التاريخ المظلم الذي بنيناه فقدنا العقلانية العلمية وحقوق الانسان بعد ان حولنا الفكر والعلم وحقوق الناس الى خُرافة نتغنى بها في المساجد فسمينا عصرنا بالعصر الاسلامي الذهبي.. واعلنا ان الاسلام هو الحل.. ولا ندري أي حل يقصدون.. ؟

فحلت صناعة المؤمن، بدلامن صناعة المواطن.. وصناعة السيف بدلا من صناعة القانون حين ادركوا ان أمتزاج الدين بالسياسة ينتج عنهما الأستبداد الكبيروهذا هو هدفهم في تفريق الحقوق ولا غير.. كما نراه اليوم في سلطة العراقيين ومن أمثالهم كثير.. يعامل المواطن على اللقب والاسم والقبيلة، ولم نقرأ لكاتب أو مؤرخ او فقيه ان كتبوا لنا في العقل وحقوق الناس سوى التمجيد بمن يحكمون وفقهاؤهم "قدس سرهم" اللامقدس واللا فهيم.. وهم اساس نكبة نظريات الافكار عند العرب و المسلمين. .

الوحيد الذي كتب في التنبيه على هذا التوجه الخاطىء هو العلامة ابن رشد "ت520"للهجرة.. محقق كتاب جمهورية افلاطون.. الذي قال: "ان القرآن والدين يدعوان الى البرهان العقلي بحكم التحكيم العقلي والأبتعاد عن الخُرافة والوهم " ، وجاء من بعده محمد عبدة ، ورشيد رضا وجمال الدين الأفغاني واخرين .منذ ذلك الوقت أتجه مسؤلينا نحو المصالح الخاصة وما ملكت أيمانهم يستوردون لنا الجواري الحسان ويبتكرون لنا سوق الأربعاء لبيع الجواري والسبايا ولم ينتبهوا لما افرزته حضارة العراقيين القدماء والرومان واليونان والفرس الزرادشتيين.. لان عقلهم وفكرهم وما هم فيه والغون مرتبط بالجنة والنار والحج الذي يغفر حتى للمجرمين.. ونتحداهم ان جاؤا لنا منهم بعلم أكيد.. واليوم يبتكرون لنا متعة النساء والمسيار ورضاعة الكبير.. دون وعي من ضمير ؟

على الكتاب والمؤلفين ان يبحثوا لنا بجدية البحث العلمي الرصين لماذا نحن متخلفون عن بقية العالم الى اليوم حتى في الحقوق والواجبات .لكننا شطار حين نرفع شعار.. الأسلام هو الحل" ولا ندري أي اسلام يقصدون.. ؟

فهل يقصدون ما قاله الفقهاء وأجمع عليه السلف الاقدمون.. ولا ندري من هم؟ ام نظرية الاجماع المتخلفة التي زرعت فينا فرق التفريق في الحياة والاعتقاد ان لا تجاوز على ما يقوله المتخلف الفقيه.. وعلى نظريات الاحزان التي رافقتنا منذ القرن الاول الهجري وحولتنا الى بكائين.. واليوم .كل الطوائف تتصارع بينها ولاتدري اين الحل الصحيح..

ونحن نسئل ونريد الاجابة من رواد الدين.. لماذا اغفل الله الحضارات الكبرى السومرية والاكدية والبابلية والاشورية واليونانية والرومانية والفارسية والصينية ولم يرسل لهم انبياء يقودون.. هل ان أمتنا متميزة عن كل الأخرين.. أم نحن نستحق التخلف والعبودية وفقدان الحقوق كما يعتقدون.. ؟

أنا لا اريد جنة وولدان مخلدون وأرائك اتكأ عليها في عليين.. بل اريد ممن يعتقدون بقدرة الآله رب العالمين ان يحققوا ما جاءت به الوصايا العشرلكتب السماء في كل الديانات في العدل والحرية والحقوق.. ليرفع عنا: نظرية الخوف، والهزيمة امام التجربة الاسلامية الفاشلة، ويرفع عنا اليأس والحزن والضعف من الفشل الروحي.. ساعتها سنتمكن من السلوك العادل ونبتعد عن شهوات الجسد.. وبعدها ستكون لكم قوة المقاتلة للباطل والفوز بالعدل والصراط المستقيم .

نحن المسلمون نعيش اليوم في عالم مليء بالازمات التي خلقها باطل النفس الانسانية المغلفة بقدسية الدين في مناحيها المختلفة كالقتل والاغتصاب للحقوق والطائفية المقيتة ،والمذهبية المخترعة والعنصرية الكريهة،وسرقة المال العام والارهاب باسم الدين والخيانة الوطنية والعدالة دون ان نعترف بواقع حال المسلمين.. وهم من العدل والارادة الالهية براء.. فاذا لم تقم الحكومات بالحماية من هذه الامراض فلمَ القوانين وهذه الهلمة في انتخابات مجالس النواب والقسم واليمين كما كانت شورى المسلمين بيد خليفتهم دون العالمين.. بل لماذا الاديان والمرجعيات المقدسة كما يدعون.. وقوانين الاغلبية والاقلية هي السائدة اليوم.

نعم.. نحن نمر اليوم بمرحلة الجهل المطبق الذي خلفته لنا مؤسسة الدين منذ البداية ودكتاتوريتها الباطلة في التنفيد.. التي فرقت المجتمع الى فرق واحزاب متناحرة.. ادت وتؤدي الى الحروب بينها فاضعفت الرابطة الانسانية والاحتاجات الاجتماعية والمالية فحل التذمر بدلا من الاخوة والوئام.. والظلم بدلا من العدل ،والخوف الدائم بدلا من الأمان ،والسيف بدلا من القانون.. ناهيك عن ان معاهدات الصداقة بين الامم وسرعان ما تصلنا منها فساقتنا الى الحروب والعداوات.. فأين نجد راحة القلوب اليوم غير عند المنقذ الاكيد رب العالمين.. وهاهم من ينوبون عنه في الارض من اكثر الناس فسادا ومجرمين.. ؟

كونوا واعين للزمن والتاريخ.. مؤمنين بالله والحياة وحقوق الناس دون تفريق والامصيركم كمصيرابو رغال خائن مكة مع الحبشيين ،ووزير المستعصم بالله العباسي ابن العلقمي مع المغوليين ، فالعدل في الحسابات الآلهية خط أحمر لا يُخترق.. واليوم حكام العراق من اعضاء مجلس الحكم والوزراء والنواب كلهم ينتظرهم نفس المصيربعد ان داسوا على القيم وأيدوا عدوهم المحتل اللئيم ، لانهم خانوا الله وحنثوا القسم واليمين وشرف الاله في تسليم الوطن للغرباء الاعداء دون ثمن لمجرد السلطة والمال وما ملكت ايمانهم من نساء متعة الدين.. انظر الى وجوههم اليوم تراهم انقلبت الى وجوه اللاأنسانيين بشاعة في نظر المواطنين فهل يدركون.. فلا يوجد وسيط بين الانسان وربه الا عدل القانون..

لا تكن ايها الحاكم مثل ابليس الذي ابى واستكبر فكانت لعنة الله عليه الى يوم الدين. قالها التاريخ من قبل بالغادرين.. الملعونين.. فالحياة قصيرة فلا تخونوها وتعيشونها حقيرة.

ايها الحاكمون الباطلون: ان اوجه النفاق عندكم تتفاوت اليوم من نفاق اجتماعي الى سياسي ال ديني الى اخلاقي .حتى تلاحمت الاوجه كلها عندكم فلم نعد نفرق بينها فيكم.. اصبحتم مزيجا مأساويا من مثالب تنخر في مجتمعنا البائس.. فتحولت الى لصيق شبيه بكم.. فلم يعد الاصلاح ينفع معكم الا بأجتثاثكم كما يجتث الفساد من عروقه من الفاسدين.. فهل تعودوا الى ربكم وقرآنكم وعدالة السماء ان كنتم تعتقدون حقا بهم.. ام تبقون في المظالم سادرين..

 حتى الطيور اصبحت لا تغرد في بلادي.. بل تتذمررافعة اصواتها الى العلي القدير لازاحة الغمة عنها.. انتم قوم لا ينفع معكم الا طوفان نوح.. وهوليس ببعيد عنكم ابداً.. فلكم الخيار.. ؟ اقدم يا صاحب العزة والقرار الأخيريا صاحب من جعلت عادٍ وثموداً فما أبقى في العالمين.. وانت آله الناس لتحميهم من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنَةِ والناس.. أقدم يا رب العالمين.. بالقرار الأخير ونفذ فيهم أرادتك الجبارة.. والا.. لا أمل بمن خانوا الله والوطن والضمير.. وأجعلهم فما أبقى في العالمين.. ليكونوا عبرة للقادمين فقد اصبحت قصص القرآن الكريم التي نرددها.. كل يوم

 قديمة.. تحتاج.. الى تجديد.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

حاتم حميد محسنعادة ما يحصل التباس لدى الناس حول ماهية الفلسفة. عند النظر اليها من بُعد تبدو غريبة وغير ملائمة ومزعجة وايضا مثيرة للفضول. لكن من الصعب معرفة ما تهتم به الفلسفة حقا. من هم الفلاسفة؟ ماذا يعملون؟ ولماذا يحتاج المرء لهم؟

من حسن الحظ، ان الجواب متضمن سلفا في كلمة فلسفة ذاتها. في اليونان، تعني كلمة philo الحب، وكلمة Sophia تعني الحكمة. الفلاسفة هم اناس يهتمون بالحكمة. ومع انها مفردة مجردة، لكن مفهوم "الحكمة" ليس غامضا ولا اسطوريا. كونك حكيما يعني محاولتك ان تعيش وتموت وانت بوضع أفضل، تقود حياة جيدة قدر الإمكان ضمن ظروف الوجود الشائكة. ان الهدف من الحكمة هو الإنجاز fulfilment. انت تستطيع القول ان الهدف هو "السعادة" لكن "السعادة" هي كلمة ملتبسة، لأنها تقترح مرحا دائما ومتعة مستمرة، بينما "الانجاز" يبدو منسجما مع الكثير من الألم والمعاناة والتي يجب بالضرورة ان تحتوي عليهما أية حياة لائقة.

لذا فان الفيلسوف "او الشخص الذي يسخر حياته للحكمة" هو الشخص الذي يكافح لأجل خبرة منهجية في معرفة الكيفية التي يجد بها المرء أحسن الإنجاز الفردي او الجماعي. في سعيهم للحكمة، طور الفلاسفة مهارات خاصة جدا. هم، على مر القرون اصبحوا خبراء في العديد من الأشياء العامة والكبيرة التي تجعل الناس ليسوا حكماء جيدين. هناك ستة أشياء اساسية جرى تشخيصها:

1- نحن لا نسأل اسئلة كبرى:

ما معنى الحياة؟ ماذا يجب ان أقوم في عملي؟ أين نحن ذاهبون كمجتمع؟ ما هو الحب؟ معظمنا لديه هذه الأسئلة في ذهنه في وقت ما (أحيانا في منتصف الليل)، لكننا يائسون من محاولة الإجابة عليها. انها تكتسب صفة السخرية في معظم الحلقات الاجتماعية: ونحن عادة نشعر بالخجل من التعبير عنها (ما عدى اثناء لحظات قصيرة في المراهقة) للخوف من اننا قد نكون مبالغين في الطموح وقد لا نصل الى أي مكان.

لكن هذه الأسئلة تهمّنا بعمق لأننا فقط من خلال الاجابة السليمة عليها نستطيع توجيه طاقاتنا بشكل هادف. الفلاسفة هم اناس غير خائفين من الأسئلة الكبيرة. هم طرحوا عبر القرون أكبر الأسئلة. أدركوا ان هذه الأسئلة يمكن دائما تجزئتها الى أجزاء يسهل علاجها وان الشيء الوحيد الهام حقا هو التفكير بما هو فوق التساؤلات المتكررة الساذجة.

2- نحن عرضة لخطأ الفهم الفطري:

ان الرأي العام او ما يسمى "الفطرة السليمة"  محسوس ومعقول في مجالات لا حصر لها. هو ما نسمع عنه من الاصدقاء والجيران، الأشياء التي اُفترض انها صحيحة، الاشياء التي نتقبّلها دون تفكير . قنوات الميديا تضخها كل يوم. ولكن في بعض الحالات، تكون الفطرة السليمة ايضا مليئة بالحماقة والخطأ والكثير من التحيزات المؤسفة. الفلسفة تجعلنا نُخضع جميع مظاهر الفطرة السليمة الى العقل. انها تريدنا ان نفكر بأنفسنا وان نكون أكثر استقلالية. هل صحيح حقا ما يقوله الناس عن الحب، النقود، الأطفال، السفر، العمل؟ يهتم الفلاسفة بالسؤال حول ما اذا كانت الفكرة منطقية بدلا من مجرد الافتراض انها يجب ان تكون صحيحة لأنها محبوبة وموجودة منذ زمن طويل.

3- نحن مشوشون ذهنيا:

نحن لسنا جيدين في معرفة ما يجري في أذهاننا. نعرف حقا اننا نحب قطعة من الموسيقى. لكننا نكافح للقول لماذا. او ان شخصا ما نقابله هو مزعج جدا ، لكننا لا نستطيع ان نصف بالضبط  ماهية القضية. او اننا نفقد السيطرة على أعصابنا لكننا لا نستطيع بسهولة الافصاح عما نرفضه. نحن نفتقر للبصيرة في قناعاتنا وكراهيتنا.

ذلك يفسر لماذا نحتاج لفحص أذهاننا. الفلسفة ملتزمة بالمعرفة الذاتية، ومبدأها الرئيسي الذي طرحه كبير الفلاسفة سقراط هو إعرف نفسك.2960 فلسفة

4- لدينا أفكار مشوشة حول ما يجعلنا سعداء:

نحن نبدأ وبقوة محاولة ان نكون سعداء، لكننا نذهب خطأ في بحثنا عنها على أساس منتظم. نحن نضخّم قوة بعض الاشياء لنحسّن حياتنا ونقلل من قيمة أشياء اخرى. في المجتمع الاستهلاكي نحن نتخذ الخيارات الخاطئة لأننا طالما كنا ،مسترشدين ببريق زائف، سنستمر بتصوّر ان نوعا معينا من الإجازة السياحية او السيارة او الكومبيوتر سيخلق فرقا كبيرا . وفي نفس الوقت، نحن نقلل من قيمة مساهمة أشياء اخرى مثل الذهاب في نزهة او ترتيب خزانة الملابس او إجراء محادثة منظّمة او الذهاب الى النوم مبكرا والتي هي ربما قليلة الاهمية لكنها يمكن ان تساهم بعمق في صفة الوجود. الفلاسفة يسعون ليكونوا حكماء في ان يكونوا اكثر دقة حول الفعاليات والمواقف التي يمكنها حقا ان تجعل حياتنا افضل.

5- عواطفنا يمكن ان تدفعنا في اتجاهات خطيرة:

نحن بلا شك كائنات عاطفية ولكن بانتظام ننسى هذه الحقيقة غير المريحة. في العادة عواطف معينة او انواع معينة من الغضب، الحسد او الإستياء يقودنا الى مشاكل خطيرة. الفلاسفة يعلّموننا التفكير حول عواطفنا بدلا من الإمتلاك البسيط  لها. عبر الفهم والتحليل لمشاعرنا، نحن نتعلم رؤية كيف تؤثر العواطف على سلوكنا بطرق غير متوقعة وأحيانا خطيرة. الفلاسفة كانوا اول المعالجين النفسانيين.

6- نحن نُصاب بالهلع ونفقد الرؤية في التفكير:

اننا باستمرار نفقد معنى ما يهم وما لا يهم. نحن كما يقول المثل دائما ما "نفقد المنظور". هذا الجانب هو ما يتفوق به الفلاسفة. عند سماع الاخبار بانه فقد كل ممتلكاته في سفينة محطمة، قال الفيلسوف الرواقي زينوس : "الحظ يأمرني كي اكون فيلسوفا أقل أعباءً". ذلك يعني الهدوء والتفكير الطويل المدى وقوة الذهن، وبإختصار "المنظور".

مانسميه "تاريخ الفلسفة" صُنع من محاولات متكررة عبر القرون لمعاجة الطرق التي نكون بها غير حكماء. لذا،مثلا، في اثينا القديمة، خصص سقراط انتباها خاصا لمشكلة اضطراب اذهان الناس. ما صدمهُ ان الناس لايعرفون تماما ما يعنون بالأفكار الاساسية مثل الشجاعة او العدالة او النجاح حتى عندما يستعملون هذه الافكار الرئيسية عند الحديث عن حياتهم الخاصة. سقراط  طور طريقة لاتزال تحمل اسمه نستطيع بواسطتها ان نكون أوضح حول ما نعنيه بالجدال في اية فكرة. الهدف ليس بالضرورة تغيير أذهاننا. انه لإختبار ما اذا كانت الافكار التي ترشد حياتنا صائبة.

وبعد عدة عقود، حاول الفيلسوف ارسطو ان يجعلنا أكثر ثقة حول الأسئلة الكبرى. هو اعتقد ان أحسن الأسئلة كانت تلك التي تسأل عن غاية شيء ما. هو قام بهذا كثيرا وفي العديد من الكتب سأل: ما الغاية من الحكومة؟ ما الغاية من الاقتصاد؟ ما الغاية من النقود؟ ما الغاية من الفن؟ واليوم هو يشجعنا على طرح أسئلة مثل: ما الغاية من أخبار الميديا؟ ما الغاية من الزواج؟ ما الغاية من المدرسة او الأفلام الاباحية؟

كذلك في اليونان القديمة كان الفلاسفة الرواقيون النشطاء، مهتمين بالهلع. لاحظ الرواقيون خاصية أساسية في الهلع. نحن نخاف ليس فقط عندما يحدث شيء ما لنا وانما عندما يحدث بشكل غير متوقع، عندما كنا نفترض ان كل شيء سيجري على ما يرام. لذا هم اقترحوا اننا يجب ان نسلّح أنفسنا ضد الهلع عبر الإعتياد على فكرة ان الخطر والمشاكل والصعوبات يُحتمل جدا ان تحدث باستمرار. المهمة الكلية لدراسة الفلسفة هو لإستيعاب هذه والعديد من الدروس الاخرى ونضعها لتعمل في عالم اليوم. المسألة ليس فقط ان نعرف ماذا قال هذا الفيلسوف او ذاك وانما لنسعى الان لممارسة الحكمة على مستوى الفرد والمجتمع . معظم حكمة الفلسفة في العصور الحديثة يتم عن طريق الكتب. ولكن في الماضي ، كان الفلاسفة يجلسون في الساحات العامة يناقشون أفكارهم مع أصحاب المحلات والباعة حول المرتبات. الفلسفة كانت تجسد فعالية عادية وليست كأشياء غامضة . حاليا، نحن دائما ما نحصل على مقتطفات عن الحكمة من هنا وهناك لكننا لا نملك المؤسسات الصحيحة لنشر الحكمة بانسجام مع العالم. في المستقبل، عندما تكون قيمة الفلسفة اكثر وضوحا، نستطيع توقّع مقابلة الكثير من الفلاسفة في الحياة اليومية. هم سوف لن يكونوا منعزلين، يعيشون فقط في أقسام الجامعات لأن المسائل التي نتأثر بها في ظل اللاحكمة وتُفسد حياتنا هي متعددة وتحتاج الى انتباه عاجل.

 

حاتم حميد محسن

 

منى زيتونفي حياتي العملية قمت بتقييم أوراق إجابات آلاف من الطلبة والطالبات في مراحل دراسية متعددة؛ فمنهم الطلبة الممتازون ومتوسطو المستوى الدراسي، ومنهم الطلبة البُلداء ممن لم يكتبوا إجابات وافية على أسئلة الاختبارات تضمن لهم إحراز درجات جيدة وتفي بشروط نجاحهم، وهذه الفئة الأخيرة تحديدًا كثيرًا ما كان آخر ما كتبوه في أوراق إجاباتهم شبه الفارغة هو شرح ظروفهم السيئة ورجاء مني أن أترفق بهم لأجل تلك الظروف؛ بمعنى أن أضع لهم مزيدًا من الدرجات التي لا يستحقونها لينجحوا! ولم يحدث مطلقًا أن مرت علي ورقة لطالب مُجد يكتب فيها أمثال هذه الاستعطافات لأنه ببساطة لديه ما يخاطب عقلي به، وهو إجاباته التي تظهر تحصيله المرتفع.

يقول تعالى مخاطبًا رسوله ونبيه داود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26]. وفي الآية نهي واضح عن اتباع الهوى، وبيان لسوء عاقبة اتباعه، وأمر واضح بالحكم بالحق، وإن كان الخطاب في الآية لداود عليه السلام، فالأمر والنهي فيها عام لكل من حكّمه الله بين الناس في أي شأن. ولكن مع الأسف الشديد فإن العامة منا –خاصة- لا يتبعون هذا الأمر والنهي في حكمهم بين العباد، فتكون لهم أحكامهم العاطفية التي لا علاقة لها بالعقل والمعايير الصحيحة التي ينبغي أن يقوم عليها التقييم، والتي تختلف من موقف إلى آخر.

وما نراه من تقييم عاطفي على أسس ومعايير غير موضوعية الأمثلة عليه كثيرة، فإن صدر حكم طرد على رجل يستأجر شقة وفقًا لأحكام قانون الإيجارات القديم، والذي يؤبد عقد الإيجار ولا يزيد قيمته، وأحكامه ظالمة جائرة في حق المالك، رأينا سُذجًا يتباكون على حاله، وقد كان المالك الأحق بالتعاطف معه وقد اغتصب حقه في الانتفاع بملكه لأكثر من نصف قرن، وإن أخطأ ضعيف وجدنا من يتحيل لإلصاق خطئه بآخر، وإن أجرم مجرم سعى له بعض السعاة وتحيلوا لتبرير جريمته وخلق دوافع لها ربما تدفع عنه العقاب لأن لديه أبناء أو أم أو أب بحاجة إليه!

وفي عالم السياسة العربية نرى اتباع الهوى في أزهى صوره في الكيفية التي يقيم بها العرب المرشحين في الانتخابات، والتي لا صلة بينها وبين العقل والمنطق! ومن أكبر الأمثلة على ذلك ما رأيناه في انتخابات الرئاسة المصرية 2012م، والتي رغم ما شابها من تزوير أثر على نتيجتها الأخيرة فقد كانت تجربتنا الديمقراطية الأولى والأخيرة لاختيار حاكم عبر تاريخ مصر الطويل. في هذه الانتخابات نجد إنه من بين المرشحين الثلاثة عشر لم يتقدم أي منهم ببرنامج انتخابي حقيقي صيغت أهدافه صياغة إجرائية واضحة سوى الفريق دكتور أحمد شفيق، فكان الوحيد من بينهم الذي خاطب من له عقل من المصريين، بينما بقي بقيتهم يُنظِّرون على الناس، ويخاطبونهم خطابًا عاطفيًا، دون امتلاك أي تخطيط أو تحديد آليات للتنفيذ لما يذكرونه من أهداف عامة. وكان هذا على اختلاف توجهاتهم فلا فارق بين مرسي مرشح الإخوان وبين حمدين مرشح الناصريين!

وكان أنصار مرشح الإخوان د.محمد مرسي رحمه الله يفاخرون بأنه يحفظ كتاب الله كاملًا! وقد اجتذب هذا الأمر كثيرين إليه من بسطاء المجتمع ممن رأوا ذلك معيارًا جيدًا للحكم على صلاحه، والحقيقة أنه ربما كان معيارًا صالحًا لاختياره إمامًا للصلاة إن حان وقتها، وليس لحكم بلد بحجم مصر في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد!

يُروى أنه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فتح تَسْتَر في بلاد فارس على يد أبي موسى الأشعري، ووجدوا جثمان النبي دانيال عليه السلام في تابوت، وبدنه سليم؛ فالأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن دانيال عليه السلام مات منذ قرون ولم يُدفن بعد، وبشر من يعثر عليه بالجنة. قال: "من دل على دانيال فبشروه بالجنة". وكان الذي عثر عليه رجل بسيط من عامة المسلمين، ولما بلغ الخبر الخليفة، بعث كتابًا إلى أبي موسى الأشعري يأمره فيه بأن يرسله إليه كونه رجل من أهل الجنة، وإلى هنا نجد أن خبر الرجل قد انقطع من كتب التاريخ، فلم يذكر لنا الرواة أن الخليفة عمر قد ولاه على بلد ولا استعمله على صدقات، فهو رجل من أهل الجنة وحسبه وكفى، ولا يصلح أن يلي أمرًا من أمور المسلمين.

ولكننا اليوم في عصور انحطاطنا نجد جماعة تُعرف بالإسلاميين، تقوم دعاياتها الانتخابية في البلاد العربية والإسلامية على أساس صلاح المرشح الديني، وليس على معايير كفاءة حقيقية تختص بحُسن قيامه بالمهام التي يترشح ليؤديها، والأدهى والأمر أن يظهر بعد ذلك في أحايين كثيرة أن هذا الصلاح في أمور الدين متوهم وأن بعض مرشحيهم منافقون أفاقون!

وقد وصل الإسلاميون إلى الحكم من خلال وزارات في دول عربية ملكية؛ وهي المغرب والأردن، ولم يلمس مواطنو الدولتين تحسنًا في ظروفهم المعيشية، وبقي مواطنوهم ومنهم مؤيدوهم يحلمون بالهجرة، ومن المضحكات المبكيات التي حُكيت لي أن رجلًا مغربيًا يعيش في ألمانيا كان شديد التأييد للإسلاميين في بلده، حتى أنه يتخاصم مع أقربائه وأصدقائه ممن يعزفون عن انتخابهم لعدم اقتناعهم بقدراتهم على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع، ويعظم الخطب عليه إن علم أنهم سيرشحون امرأة، حتى قال له أحد أقربائه يومًا: طالما يعجبك الإسلاميون فلنتبادل، ولتعد هنا لتتمتع بالنعيم الذي خلقوه لنا، ونذهب مكانك، ثم ما بالك تلعن من يرشح النساء وأنت مقيم في بلد تحكمه امرأة!

وطوال السنة التي حكم فيها د.محمد مرسي مصر لم تظهر منه أي خطوات على الطريق تدل على أنه تحرك شبرًا نحو الهدف الذي ادعى أنه يأمل أن يصل بمصر إليه، فلا تغيير في السياسة الخارجية أو الاقتصاد أو التعليم، ولا حتى بانت منه نية أنه يريد أن يحقق أو يخلق شيئًا مختلفًا عمن كانوا يحكمون حكمًا علمانيًا –على قوله-، لأنه لم يملك يومًا أي خطة لتنفيذ هدفه، بل وكانت هناك ضبابية لديه حول هذا الهدف، فهو وجماعته يريدون إرجاع عز الإسلام، والإسلام هو الحل لإصلاح المجتمع، أما عن المعنى التطبيقي لهذا الهدف على أرض الواقع وكيفية تحقق ذلك فليست لديهم أدنى فكرة عن الإجابة! ولكنه الخطاب العاطفي الساذج الذي يُوجه خاصة لاستقطاب فئة من الجماهير العربية يعجبها ويقيمون الناس على أساسه.

ويدَّعي بعضهم أن الإسلاميين قد أُفشلوا في مصر، وأنه كان هناك تعجل واضح في الحكم على أداء د.مرسي، وأن الأهداف الكبيرة لا تتحقق بين يوم وليلة، وهذا كلام عاطفي آخر مردود عليه، ولنأخذ مثالًا؛ فالسفر من القاهرة وصولًا إلى أسوان في جنوب مصر سفر طويل ولا شك، ولكنه يمر بمحطات، ووصولك لمحطة تلو الأخرى على الطريق دليل على تقدمك نحو هدفك، فإن كان المفترض أن تبدأ الحركة من منزلك في العاشرة صباحًا، فالمفترض أيضًا أن أتصل بك بعد ساعات لأجدك في الفيوم، وإن كانت أعطالًا قد حدثت لك فعلى الأقل يمكن أن تكون قد تجاوزت الجيزة، ولكن ليس من المنطقي أن أتصل بك لأسألك أين أنت فتخبرني أنك لا زلت في المنزل، ثم أعاود الاتصال بك بعدها بمدة لتخبرني أنك لا زلت في المنزل، وتريد أن تقنعني أنك حقًا تريد التوجه إلى أسوان! ثم أعلم بعدها أنك في استراحة على طريق الإسكندرية لأتأكد أنك تسير في اتجاه مخالف تمامًا لما ادعيت أنه وجهتك!

لقد خلقوا للدكتور مرسي هالة حوله لنفخ صورته وتعظيمها أمام الناس، خاصة غير المصريين، حتى بات من يعرفونه على الحقيقة لا يصدقون أن هذا الرجل البسيط يستحق كل هذا القدر من التعظيم وكأنه الخليفة المنتظر! وهي هالة سبق خلقها حول أردوغان بلا أدنى مبرر غير تصريحات جوفاء وسلوكيات لا قيمة لها تخرج منه وتصدر عنه من آنٍ لآخر.

والإشكالية التي تتسبب في نجاح هذا الشكل من أشكال الخطابات العاطفية مع فئة من الجماهير أن بعض السفهاء ممن يوجهونهم فكريًا أفهموهم أن عودة مجد وعز المسلمين في أن يكون لهم جميعًا حاكم واحد! علمًا بأن العصر الذهبي للإسلام لم يكن المسلمون فيه دولة واحدة، بل كانت هناك ثلاث دول كبرى تدعي كل منها مسمى الخلافة؛ فكانت الدولة العباسية ومركزها العراق، والدولة الفاطمية ومركزها مصر، والدولة الأموية ومركزها الأندلس.

وإن كانت أوروبا قد اتحدت في العصر الحديث، فاتحادها كان عقلانيًا يراعي المصالح، فتأشيرة واحدة تُعطى لزيارة دولها مجتمعة، ولهم برلمان واحد لدراسة شئونهم المشتركة، ولكن لا يوجد عاقل يقر أن تقوم حكومة واحدة على خدمة كل هؤلاء الملايين من البشر، وهذا هو حكم العقل وليس حكم العاطفة. ومثله كان اتحاد الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العالم العربي طبق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله النظام الاتحادي الفيدرالي في دولة الإمارات، ويعد أكثر الأنظمة العربية التي حققت رفاهية ورخاء لمواطنيها، بغض النظر عن عدم اقتناعي بكثير من المواقف السياسية التي كانت من البلد من بعد وفاة الشيخ زايد.

ولكن للحق فإن من يرغب أن يستمع إلى نموذج ممتاز للخطاب العاطفي فعليه بفقرة من فقرات خطب السيسي، وهو يحدثنا عن الإنجازات التي يتوهم أنه حققها! ثم وهو يحدثنا عن سد النهضة ويطمئننا بشأنه! متجاوزًا احتمال مرور مصر بشدة أكثر كارثية من الشدة المستنصرية، علمًا بأن المستنصر بالله الفاطمي كان بريئًا من أي اتهام يتعلق بأسباب الشدة في زمنه، فقد كان قضاء الله وانخفاض منسوب النيل لسنوات سبع، ولم تكن مصر قد تعافت من آثار الشدة العظمى التي سبقتها، واستمرت ثماني سنوات، ثم إن المستنصر بالله لم يكن يعيش في الرفاه ويبني القصور تاركًا الشعب في شدته، بل كان في أسوأ حال وقتها هو الآخر وفقًا لما رواه المؤرخون.

وقد ذكرت في مقال سابق إن السيسي يتبادل تقمص شخصيتي الخديو إسماعيل والرئيس السادات، وهو بنفسه من حكى عن التقشف الذي عاش فيه سنوات، وأحسبه حقيقيًا بسبب كارثة مالية وضع نفسه فيها، فشخصية إسماعيل تقنعه أن الديون التي يخلقها بسفهه لها ما يبررها، وشخصية السادات ترحمه من جلد الذات وتشعره بأنه ناجح في التفاوض وقادر على اتخاذ قرارات جريئة لا يتفهمها كثيرون! ولكن الأسوأ من الخطاب العاطفي للسيسي هو التقييم العاطفي لمؤيديه ممن عدموا العقول، فلا يرون ما جرته علينا خيبته الواضحة في الإدارة.

وعلى العكس تكون الثقافة الغربية، فهم أقرب لتحكيم العقل منا، وفي أثناء الحرب التي شنتها قوات التحالف الأمريكية البريطانية عام 2003م لإسقاط نظام صدام حسين، كان يتولى حقيبة وزارة الإعلام العراقية الوزير محمد سعيد الصحاف، وكان يخرج علينا ليلقي بيانات ويجيب عن أسئلة الصحفيين ويتوعد قوات التحالف، فلما سقطت بغداد اختبأ ضمن من اختبأ من رجال النظام العراقي، إلى أن صرح الأمريكان أن الصحاف ليس من المسئولين العراقيين المطلوبين لدى قوات التحالف، فهو وفقًا للتقييم المنطقي رجل ظريف ولا يشكل أي خطر عليهم! فسلم نفسه وأفرجوا عنه مباشرة ولم يمسوه بسوء رغم سبه لهم! بينما لو كانوا استخدموا التقييم العاطفي لكان الصحاف أول من بحثت عنه قوات التحالف لقتله. وهذا ليس تبريرًا للحرب التي شنتها أمريكا وبريطانيا على العراق، بل هي كلمة لبيان إلى أي درجة لا يتفاهم هؤلاء القوم إلا بلغة العقل والمصالح، ولا يعرفون غيرها، وهذا سر نجاحهم. وإن كنا قد رأينا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة 2020م كثيرًا من الحوادث التي تؤكد أن لوثة التقييم العاطفي أصابت فئة لا بأس بها منهم، وهل هناك عاقل يمكنه أن يقتنع ببهلوان مثل دونالد ترامب!

 

د. منى زيتون

الخميس 4 نوفمبر 2021

 

 

محمود محمد عليبالرغم من أن الميتافيرس كما نفهمها حاليًا قد تتضمن إمكانية استعراض معلومات في الوقت الحقيقي في أي مكان. إلا أنها قد تصل في المستقبل لإمكانية نقلك لأي مكان. حيث أنه وكما ذُكر في المقدمة. يمكنك وأنت في منزلك أن تتواجد بشكل فعلي في أي مكان آخر، وأن يتفاعل معك الآخرين وكأنك فعلًا في هذا المكان.

وفي ظل موجة العمل من المنزل الحالية. والتي تحدث بسبب فيروس كوفيد-19. يمكن للموظفين أن يتواجدوا سويًا ويتواصلون مع بعضهم البعض. وهو أمر أشار له زكربيرج في اجتماع سابق.

واعتمادًا على نفس الفكرة، يمكن للأشخاص من جميع أنحاء العالم أن يجتمعون بشكل افتراضي لحضور حفل غنائي ما، تمامًا كما لو كانوا هناك.

وفيسبوك وشركات أخرى لا تعمل في هذا المكان بدافع الابتكار فقط. بل نجاح هذه الفكرة سيسمح للشركة بتحقيق مبيعات ضخمة، من خلال بيع الأجهزة والمستلزمات الضرورية لدخول الميتافيرس، وكذلك بيع السلع الافتراضية التي سيمكنك استخدامها وأنت داخل هذا العالم.

ولذلك أعلنت "فيسبوك"، الاثنين الماضي، عن تأسيس مجموعة منتجات جديدة خاصة داخل الشركة مكلّفة بمهمة بناء هذه الرؤية، وشكّل هذا الطموح المستقبلي الموضوع الأساسي في الاتصال الذي عقد لمناقشة أرباح الشركة في الربع الثاني من العام، يوم الأربعاء الماضي، حيث خصص "زوكربيرغ" الوقت من أجل عرض فكرته حول "ميتافيرس" أمام المحللين والمستثمرين.

وعلى الرغم من أن مؤسس "فيسبوك" تحدث عن هذه الرؤية في السابق، إلا أنه بدا مُتقد الحماسة والاندفاع هذه المرة، مشدداً بشكل واضح على إظهار "ميتافيرس" باعتبارها المستقبل البديهي لفصل جديد ومُقبل لعالم الإنترنت.

وذكر المديرون التنفيذيون في "فيسبوك" مصطلح " ميتافيرس" أكثر من عشر مرات في اتصال مناقشة الأرباح يوم الأربعاء، بينما لم يسبق أن تناولوا هذا المصطلح في أي اتصال لمناقشة الأرباح في الماضي.

وفقا لـ"زوكربيرغ": "تتمثل ميزة التواجد داخل ميتافيرس بالشعور أنك موجود فعلاً مع شخص آخر، أو في مكان آخر". وأضاف أن "إنشاء الأفاتار والأغراض الرقمية سيصبح أساسياً في الطريقة التي نعبّر فيها عن أنفسنا".

وشككت "وول ستريت" في إمكانية تحقيق هذه الرؤية. و تساءل مارك ماهاني، المحلل في "إيفيركور" عن المبالغ التي يخطط "زوكربيرغ" لينفقها على بناء الـ"ميتافيرس"، فيما تساءل آخرون حول متى يمكن أن تبدأ الشركة في تحقيق العوائد على استثماراتها ومدى سيطرتها المتوقعة على كافة جوانب هذا العالم الافتراضي المستقبلي، لكن لا تزال الأجوبة على هذه الأسئلة مبهمة.

وقال المسؤول المالي في "فيسبوك" ديف ويهنير، إن الشركة تنفق المليارات، مؤكداً أن عملاق وسائل التواصل الاجتماعي سوف يبدأ في تحقيق الأرباح في نهاية المطاف حين يحقق "ميتافيرس" النجاح.

لن تعني هذه الخطوة، في الوقت الحالي، الكثير على صعيد معالجة التحديات الحالية التي تواجهها "فيسبوك"، إذ حذرت الشركة من عوائق على صعيد الإعلانات والقيود المنظمة في تقريرها الفصلي حول، ما أدى إلى تراجع أسهمها إلى أدنى معدل له في التعاملات اليومية منذ مايو الماضي.

وفيما يتعلق بالتعاون وقابلية التشغيل البيني، يرى "زوكربيرغ" أنه سيكون بالإمكان الدخول إلى هذه "البيئة الافتراضية" باستخدام كافة أنواع الأجهزة والسماعات الرأسية، حتى تلك التي لا تنتجها "فيسبوك"، ما يعني أن كافة الشركات ستكون قادرة على خلق تجارب في هذا العالم الرقمي.

ويفترض ذلك التوجه أن كافة الشركات التي تعمل على تطوير العوالم الافتراضية تتشارك الرؤية نفسها، وستكون جاهزة للتعاون. فعلى سبيل المثال، كانت "مايكروسوفت" تحدثت هي الأخرى عن مشروع "إنتربرايز ميتافيرس" المتخصص في مجال حوسبة الشركات ضمن مؤتمرها الهاتفي مع المحللين يوم الثلاثاء الماضي. كما كانت شركات أخرى، بينها شركة صناعة الرقاقات "إنفيديا" وشركتا ألعاب الفيديو "روبلوكس" (Roblox Corp) و"إبيك غيمز" (Epic Games) كشفت جميعها عن خطط لبناء نسخ مختلفة عن "ميتافيرس".

وبالنسبة إلي "زوكربيرغ"، من المهم جداً أن تساهم "فيسبوك" في قيادة هذا النسخة الجديدة من الإنترنت، فالشركة العملاقة في مجال التواصل الاجتماعي سبق لها أن قامت ببناء نشاطٍ تجاري يكاد لا يقهر في مجال الإعلانات والرسائل النصية، إلا أنها قامت بذلك باستخدام أنظمة تشغيلية وأجهزة من صنع منافسيها، مثل "أبل"، و"غوغل" التابع لشركة "ألفابيت". وبسبب هذا النموذج، تجد "فيسبوك" نفسها أحياناً في موقع ضعف، إذ يتعين أن تطور منتجاتها بطريقة تتناسب مع قيود البرامج الإلكترونية التي يصنعها منافسوها، ما قد يتسبب بمشاكل، حين تقرر "أبل" مثلاً أن تضيق الخناق على التتبع عبر الإنترنت.

قد يشرح ذلك جزئياً سبب اندفاعة "فيسبوك" و"زوكربيرغ" الشرسة نحو استكشاف هذا الأفق الجديد. إذ يرى مؤسس "فيسبوك" أن جهات كثيرة سوف تربح من "ميتافيرس"، ولكن كلما زاد نفوذ الشركة في بناء هذا العالم الجديد على الإنترنت، سينعكس ذلك بشكل أفضل على رسالة "فيسبوك" الحالية ونموذج عملها القائم على التواصل بين الناس.

واختتم زوكربيرغ" حديثه قائلاً: "نحن نقوم بالتأكيد بالكثير من الاستثمارات المهمة اللازمة في التكنولوجيا الأساسية من أجل التمكن من صنع الأجزاء التي نريدها".

ويقول محللون إنه لو صحّت تطلعات رئيس شركة "فيسبوك"، مارك زوكربيرج، فسوف نحيا ونعمل فيما يطلق عليه منصة الـ "ميتافيرس"، والتي ربما ستصبح المنصة التقنية الأهم منذ ظهور شبكة الإنترنت والويب.

وربما سيكون البشر قادرين على التسوق ومقابلة الأصدقاء والعمل عن بُعد، ومشاركة مساحات رقمية وموسيقى وأعمال فنية في بيئات افتراضية، بطريقة تسمح بدمج العناصر الرقمية في العالم المادي.

وبرغم أن هذا الكلام شديد الجاذبية لكل المتعاملين مع الإنترنت، إلا أنه ليس أهم ما فى ميتافيرس، التى سوف يكون لها أثر ضخم فى مجالات شتى، حيث ستجعل المتعامل معها قادراً على فعل تقريباً أى شئ يمكن تخيله، مثل الالتقاء مع الأصدقاء والعائلة، والعمل والتعلم واللعب والتسوق والإبداع، إضافة إلى تجارب جديدة تماماً لا يمكن أن توفرها أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف المتاحة الآن، حيث سيصبح قادراً على الانتقال الفورى، فى صورة ثلاثية الأبعاد، ليكون فى المكتب دون أن ينتقل، أو فى حفلة موسيقية مع الأصدقاء..إلخ. وسوف يؤدى كل هذا إلى فتح مزيد من الفرص بغض النظر عن المكان الذى يعيش فيه الشخص، أى أنه سيكون قادراً على قضاء المزيد من الوقت فيما يهمه، والاستفادة بالوقت المستنفد فى الانتقال.

وتُعدّ الـ "ميتافيرس"، ثورة رابعة في مجال الإلكترونيات بعد الحاسوب والإنترنت والهواتف الذكية، يقول الكثير من الخبراء إن هذا المشروع هو المستقبل الرقمي الحقيقي، مستقبل مليء بالتحديات والفرص، وسيغيّر الكثير من المفاهيم على عدة مستويات:

1- الاقتصاد:

ستحتاج الشركات إلى تحويل استراتيجيات التسويق الخاصة بها من عمليات شراء الإعلانات عبر الإنترنت إلى الموجودة في اقتصاد افتراضي مشترك، كما ستحتاج إلى إجراء أبحاث السوق على عملائها الجدد في "الميتافيرس": كيف يتصرف الناس وما هي تفضيلاتهم هناك. يمكن أن تكون مختلفة تمامًا عن الطريقة التي يتصرفون بها وما الذي يتسوقون من أجله في الحياة الواقعية، أضف إلى ذلك خدمات الروبوت للمستهلك، حيث يكوّن المساعدون الافتراضيون والروبوتات علاقة مع المستهلك، ويبدأ كل شيء بأن يكون منطقيًّا.

2- التسوق:

التسوق عبر الإنترنت موجود في "الميتافيرس"، لكنه أكثر من مجرد تجربة رقمية للملابس التي يمكن للناس شراءها في الحياة الواقعية، حيث الموضة الافتراضية، "جلود" الأفاتار، والعقارات الافتراضية (الإسكان، السيارات.. إلخ) سيكون لها قيمتها الخاصة في هذا العالم، وسيتعيّن على الشركات تصميم علامات تجارية لأشخاص مختلفين في مراحل مختلفة من الثروة. قد يكون لدى الأشخاص الذين يستثمرون بكثافة في "الميتافيرس" أعمالهم وممتلكاتهم الخاصة، وبالتالي فرص شراكة مع شركات غير موجودة في الواقع المادي.

3- الجانب الاجتماعي:

مثل العالم الحقيقي، يجب أن يكون لدى منظمات الإدارة الجماعية وعي بالثقافة داخل ذلك العالم، يمكن أن يكون للملابس الرقمية أو بناء العالم أو التسويق تأثير حقيقي على العلامات التجارية. في ديسمبر/ كانون الأول 2019، تمَّ إصدار خيارات الملابس في لعبة GTA V التي بدت مشابهة لما كان يرتديه المتظاهرون في هونغ كونغ، حيث نزل لاعبون يرتدون زيَّ متظاهري هونغ كونغ إلى شوارع لوس سانتوس الخيالية، وقاموا مرتدين ملابس سوداء بقبّعات صفراء وأقنعة واقية من الغازات بأعمال شغب في اللعبة، ثم لاحظ ذلك اللاعبون الصينيون، ولبسوا شخصياتهم كشرطة، وقاوموا اللاعبين الذين كانوا يرتدون زي المتظاهرين.

في "الميتافيرس" لن يتجول الناس بشكل فردي، سيكون لديهم صداقات وعلاقات مع شخصيات غير قابلة للعب أو صور ثلاثية الأبعاد أو أشخاص آخرين، ما سيؤثِّر على قراراتهم. ستحتاج العلامات التجارية إلى الاستمرار في التكيُّف مع أنماط اللعب والتفاعل في العلاقات، لن يتمكن العملاء فقط من التحدث إلى العلامات التجارية مثل وسائل التواصل الاجتماعي، بل سيكونون قادرين على التفاعل معها في شكل ثلاثي الأبعاد.

إنه الطوفان.. وفي مواجهته، لن يكون أمامنا، سوى أن نبحث عن إجابة لسؤال مصيري: أنا وأنت وهو ماذا نحن فاعلون لإنقاذ أبنائنا وأحفادنا، رغم أننا لا نمتلك سفينة نوح، ولا نوح بيننا أصلاً..!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

مراجع المقال

1- أحمد عبدالتواب: ثورة ما بعد «فيس بوك».. مقال منشور بالأهرام المصرية بتاريخ السبت 23 من ربيع الأول 1443 هــ 30 أكتوبر 2021 السنة 146 العدد 49271.

2- عمار الحديثي: "الميتافيرس" قادم.. هل تُفتح بوابة العالم الموازي قريبًا؟.. مقال منشور بالأهرام المصرية بتاريخ  نشر بتاريخ 02/10/2021.

3-أنظر قناة روسيا اليوم : هل تنجح فيسبوك في خلق عالم افتراضي كامل من خلال منصة الـ"ميتافيرس"؟.. مقال منشور بتاريخ 28.10.2021 | 16:55 GMT.

4- ثورة قادمة في عالم الإنترنت.."زوكربيرغ" يُغيّر وجه "فيسبوك" عبر تقنية "ميتافيرس".. مقال منشور بجريدة الشرق بتاريخ 03:32 مساءً 30 يوليو 2021 حدثت فى 11:58 صباحاً 29 أكتوبر 2021

 

 

زهير الخويلدي"أحيانًا نقارن قسوة الإنسان بقسوة الحيوانات البرية، إنها إهانة هذه الأخيرة".. فيدور دوستويفسكي

ما هي القسوة؟ يمكن تعريف القسوة في البداية على أنها الميل إلى التسبب في المعاناة بطريقة مبالغ فيها أو غير مبررة تمامًا: وبالتالي لن نقول عن القاضي الذي لا يفعل شيئًا سوى تطبيق القانون من خلال الحكم على قاتل بالسجن بأنه قاسي، على الرغم من أنه في كل الأحوال الموضوعية قراره يسبب معاناة المحكوم عليهم.

في القوة القاسية، لا يسلم الإنسان من الأذى الصادر من غيره أو من أي شيء آخر وحتى القسوة على الحيوانات يمكن أن تتحول إلى عنف ضد الناس. وهكذا فإن القسوة ضد الحيوانات تُرتكب ضد كائنات من نوعنا، ويمكن اعتبارها في النهاية، على الرغم من حساسيتنا المتمحورة حول الإنسان، بمثابة "إبادة جماعية" ، حيث تُساء معاملة أنواع معينة أكثر من أنواع أخرى. ولذلك يرى البعض أن القسوة مثل المرض العضال، يمكن تشخيصها واكتشافها ويمكن التقليل منها وتفاديها على الأقل وتلطيفها. فالقسوة هي العلاج لجرح الكبرياء. لذلك تبدأ القسوة عندما تُثار المعاناة عمداً دون مبرر. لذلك يمكن ممارستها ضد أي كائن قادر على المعاناة، بشرًا ووحشًا. كما تنص بعض المواد من قانون العقوبات على عقوبات على "الأعمال الوحشية" تجاه الحيوانات، مع استثناء ملحوظ، وفقًا للمادة نفسها، للثيران (في مصارعة الثيران) والديوك (في المعارك المنظمة) عندما " التقليد ". هل يمكن أن نستنتج أن القسوة، وفقا للقانون، تبررها "التقاليد"؟ وهل الإنسان وحده قاسي؟ القطة التي "تلعب" بالفأر شبه الميت، على سبيل المثال، أليست قاسية؟ إذا اعترفنا بأن القسوة تفترض نية التسبب في المعاناة، ألا يجب أن نعترف بأنها بالأحرى سلوك غريزي، وبالتالي لا إرادي، وبالتالي بدون قسوة؟ وهل يمكن للعالم والطبيعة أن يكون "القدر" قاسياً؟ قد يميل المرء بالطبع إلى التفكير في ذلك في مواجهة بعض الأشخاص الذين تبدو حياتهم يائسة. ولكن كما في مثال القطة، يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان القول إن القدر قاسٍ، وليس إظهار ما يسميه الفلاسفة "التجسيم"، أي أنه ينسب خاصية إنسانية. إلى شيء ليس كذلك. بشري. لذا، فإن القول بأن القدر كان قاسياً على هذا الشخص ومثل هذا هو جعل القدر كائنًا بإرادة وخطط ومشاعر ...لكن ألا يمكننا أن نقول إن المجتمع أو الرأسمالية قاسيين؟ ربما، ولكن أليست هذه طريقة لنقل المسؤولية عن معاناة عدد لا يحصى من الناس إلى "النظام"، في خطر تبرئة أولئك المسؤولين عن البشر، حتى لو لم يكن من السهل تحديدهم دائمًا؟ وهل هناك أنواع مختلفة من القسوة؟ يمكننا التمييز بين فئتين رئيسيتين:

- القسوة "المرضية"، والتي نميل إلى تصنيفها على أنها مرض عقلي أو خلل نفسي. وهذه القسوة في أبهى صورها، مثل السادية الجنسية ضد شخص غير رضاه أو "التعذيب والهمجية"، لكن إذا كانت هذه القسوة مرضا فهي غير مقصودة ...

- القسوة التي تكتسب "حالة طبيعية" اجتماعية معينة، تكون أكثر تحفظًا وقبولًا أو تسامحًا (والتي لا تعني بالطبع أنها مقبولة). القسوة العقلية للزعيم الصغير (أو الكبير) الذي يرهب مرؤوسيه أو يضايقهم، أو مصارعة الثيران، هي أمثلة جيدة.

ألسنا كلنا قاسيين؟ الملاعب هي مسرح "قسوة" الأطفال الذين يسخرون من "المختلفين" عن الآخرين (طويل القامة، قصير، سمين، نحيف، ذو شعر أحمر، ...). يمكن أن يؤدي هذا، من خلال التأثيرات الجماعية المعروفة لعلماء النفس، إلى أن يكون لدى الأطفال "العاديين" مسبقًا سلوكيات قاسية بشكل واضح، مما يثير أيضًا مسألة معرفة إلى أي مدى يمكن أن يكون المرء قاسياً مع الحفاظ على شكل من أشكال البراءة. وينطبق الشيء نفسه على "المعاكسات" بجميع أنواعها (المدارس الكبرى، والجيش، إلخ) والحرب، وهي مناسبة لشن أعمال وحشية غالبًا ما تمر دون عقاب (اغتصاب، مذابح للمدنيين، إلخ). من ناحية أخرى، كشفت تجارب علم النفس مثل تجربة ميلجرام أو "سجن ستانفورد" أنه في ظل ظروف معينة، يتعرض معظمنا لخطر القسوة ما لم نتوخى الحذر بشكل خاص. هل نستنتج أننا جميعًا نمتلك القسوة الكامنة في داخلنا، والتي يمكن إيقاظها في ظروف معينة؟ إذا كانت القسوة، إن لم تكن طبيعية في البشر، على الأقل نزعة لا يمكن لأحد أن يدعي الهروب منها تحت كل الظروف، فكيف يمكن مكافحتها؟ وما الفرق بين القسوة والعنف؟

   كثيرًا ما يُقال إن العنف أمر طبيعي، كما لو كان واضحًا وأن هذا الأخير هو قانون الحالة الطبيعية ذاته، وأنه من أجل الوجود، كان على كل كائن أن يؤكد نفسه ضد الآخر. هل هو واضح جدا؟ أليست علاقة العنف مميزة عن علاقة القوة البسيطة - الموجودة في كل مكان في الطبيعة - بالنية التي توحي بها؟ يتضمن العنف نية الإيذاء. إن استيعاب الكوارث الطبيعية والكوارث التاريخية من شأنه أن يقلل من أهمية العنف وسوء التفاهة اللذين يعتبران في حد ذاته عنفًا. لا يكون العنف دائمًا أمرًا مذهلاً، ويمكن أن يكون العنف الأعظم خبيثًا. فهل يعطي استخدام اللغة الأمل لنبذ العنف؟ ومع ذلك، اتضح أن الخطاب، حتى في أكثر تجلياته عقلانية، يمكن أن يكون الأكثر دموية. يشهد التاريخ على ذلك من خلال تجاوزات عقل الدولة. هناك عنف عندما يكون الخطاب محتكرًا ويخدم مصالح قلة. الكل في الكل، ما تولده المجتمعات، يتم تخصيب الفرد. أسباب الحرب، العنف الشديد، موجودة بداخل كل منا ولا يهم ما إذا كانت فطرية أو مكتسبة.   من المؤكد أن الإلحاح هو وضع عملية التحرر من العادات المدمرة وحتى إذا كانت الحياة في المجتمع تتطلب قمع الغرائز، فإن تجنب القمع المفرط من قبل الهياكل أمر حيوي للناس. العنف أشكال كثيرة، لكن ما أسبابه؟

- الجهل والجشع والغضب يغذي الفتنة بين الناس وبين الأمم. أن تكون غير عنيف يتطلب شجاعة أكبر مما يتطلبه الاعتراف بالعنف. من أين تجتذب هذه الشجاعة، هذه القوة، هذه الفضيلة؟

في كل منا، في قبول رباط الاعتماد المتبادل وبالتالي المساواة بين جميع البشر وفي تحقيق الاستقلال الذاتي.1) مبدأ التكافل يرفض عملية الإقصاء التي هي أحد مصادر العنف.

2) الاستقلالية تجعل من الممكن تجنب التبسيط مثل: "أنا محق تمامًا، إنه مخطئ تمامًا ..."

هذا النوع من الوعي يجعل من الممكن الوصول إلى الموضوعية في العلاقات الإنسانية ويميل إلى تأسيس المسؤولية الفردية.   ويخفي الجهل والجشع والغضب الخوف الذي يولد مع الكسل علاقات الهيمنة. فقط عملية الثورة البشرية للجميع (التي تفتح الوعي بكرامة الجميع) هي الشرط، إن لم يكن لا غنى عنه، لاحترام حقوق الإنسان في الفضاء الديمقراطي. سيكون "قتل الرغبة في القتل" تأكيدًا على وجود قوة حقيقية ورادعة من شأنها أن تساعد على استبدال القوة "الناعمة": الحوار من أجل قوة قاسية ومتلاعبة وسلطوية.   على السؤال: "ما هو الطريق إلى السلام؟" أجاب غاندي: "السلام هو الطريق". الم يقل ذات يوم صاحب كتاب الأمير نيكولا ميكافيلي: " أحيانًا يكون لفتة الإنسانية والمحبة تأثير أكبر على عقل الإنسان أكثر من تأثير الفعل الموسوم بختم العنف والقسوة"؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي